في زمن الستينيات واحتدام الصراع للأسف بين التيارات القومية والتقدمية حاول بعض المناضلين الوطنيين البحرينيين تشويه سمعة جبهة التحرير الوطني البحرينية، بأشكال كثيرة باعتبارها مجموعة من(العجم) الطارئين الذين تسللوا إلى البلد، وينفذون سياسة الفرس، أو أنها مطية من موسكو لضرب القومية العربية وانتشارها في منطقة الخليج العربي، وحينذاك لم يظهر المذهبيون الدينيون بأطروحاتهم اليمينية، مستخدمين اسم الإسلام دائماً للانتشار السياسي، حيث كانوا في الحياة العامة السياسية المختلفة دون موقف جهادي، ، فلم يشاركوا في معركة التحرر الوطني الضارية في الشوارع!
وقد عرض القوميون الذين هم دائماً في علاقة مناكفة شرسة غير مبررة للتقدميين، حججهم السابقة الذكر على الرئيس جمال عبدالناصر الذي كان أمامه طلب لجبهة التحرير الوطني البحرينية بإقامة مكتب لها في الجمهورية العربية المتحدة وقتذاك، وقد تسابقت القوى القومية المتنوعة تطرح نفسها لهذا التمثيل لحركة التحرر في البحرين.
لكن الرئيس جمال عبدالناصر أزاح حجة انتماء جبهة التحرير الوطني البحرينية لإيران، ولعبدالكريم قاسم، ولموسكو، وأعترف بها كأنشط المجموعات المناضلة الحقيقية ضد الاستعمار البريطاني في الخليج ولتحرر شعب البحرين منه!
وبطبيعة الحال لم يأت اعتراف الرئيس جمال عبدالناصر بالجبهة من فراغ، وقد قال هو نفسه للجماعات القومية أن هذا التنظيم هو الذي نراه فاعلاً عبر هذه السنوات ولا نرى لكم نشاطاً حقيقياً مثمراً!
في تلك السنوات التي تشكلُ فيها المنشوراتُ والمظاهرات والصمود في الشوارع وبدون تخريب مصباح واحد، أمضى الأسلحة الشعبية، كانت الجبهة مستمرةً رغم كل حملات الاعتقال والاضطهاد، وانفلاش التنظيمات الهلامية للجماعات القومية المختلفة، التي تقوم جبهة التحرير وقتذاك بتوجيه النصح لها بضرورة تغيير تكتيكاتها السياسية وعدم اللجؤ للفوضى والعنف وعدم تكوين التنظيمات الواسعة الفاضية، بل من الضروري الاعتماد على النوعية القليلة قوية الإرادة وواسعة الوعي!
كانت التنظيمات القومية، وهي ذات فهم مثالي للقومية، تعتبر مثل هذه النصائح والانتقادات بمثابة إعلان حرب عليها، ولهذا وجهت كثيراً من طاقتها لمحاربة التقدميين في البحرين للأسف، بدلاً من أن تركز على الاستعمار.
والآن صارت علاقتنا مع المذهبيين الدينيين هي نفس علاقتنا مع القوميين، الذين ورثوا عادات أولئك القوم السابقين وطرقهم في الأداء السياسي المتشنج، بكل أخطائها وأضافوا إليها الطائفية، فخسرنا الكثير على صعيد تفتيت شعبنا، وعلى صعيد عدم تراكم العقلانية السياسية.
ولم يكن عبدالناصر غير قومي وغير إسلامي وغير عروبي، فقدم شهادته لتنظيم رآه يزاوج بين هذه القيم الكبرى للأمة وبين عملية التحرر الوطني بظروفها الدقيقة الخاصة بمنطقة الخليج العربي. فكانت شهادة موضوعية من زعيم عظيم!
وقد بقي مكتب جبهة التحرير الوطني حتى أغلقه السادات في جملة سياسته!
فالقضية ليست بالكم أو بالصراخ أو بدعم الدول الغنية بل هو بصواب الفكرة وعقلانيتها وطرق تنفيذها على الأرض، وعدم خلق خسائر مجانية للناس، وكان شعار الجبهة دائماً أقل الخسائر الممكنة وأكثر النجاحات السياسية!
فنرجو قليلاً من الموضوعية وتذكر التاريخ يا سادة!
عالم عبدالله خليفة الإبداعي مقاربة نقدية تحليلية والضبط الببليوجرافي
لا يقرأون . . ويتعاظمون! : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
التقدم في زمن مختلف : كتب ـ عبدالله خليفة
لم تعتد التيارات التقدمية على وجود تعددية فكرية داخلها، فكان شانها دائما وجود مركزية صارمة، تضع شؤون القيادة داخل مجموعة صغيرة ومن ثم في يد دكتاتور واحد، بحكم تنامي المركزية وسيطرة الزعيم على الاتباع.
لكن هذا الأمر لم يعد مقبولاً لدى الوعي التقدمي، الذي انتقل من حالة الشمولية إلى حالة الديمقراطية، بسبب تعقد المسار السياسي الموضوعي، والحاجة فيه إلى رؤى عميقة، وليس فقط إلى إرادة الزعيم وإلى العفوية السياسية والشعارات العاطفية والتحليلات المبسطة الخ ..
وتعقد الحالة السياسية بين الشمولية والديمقراطية ليس هو في الجماعة التقدمية بل هو كذلك في النظام السياسي الرسمي الذي لم يعرف بعد الرسو على ميناء الديمقراطية أو البقاء في الشمولية!
بل إنها حالة مناطقية عالمية فالنظام السياسي الجديد العالمي شديد الاضطراب، والحديث عن الديمقراطية لم يستقر على كيان سياسي واضح المعالم يطبق بصرامة وبوضوح، وكذلك فإن هذا النظام يعبر عن سيطرة الرأسماليات الغربية واليابانية وليس عن مساواة حقيقية بين الأمم!
وأساسُ التضاد والاضطراب يكمنُ في تداخل وصراع القوى الثلاث المناطقية، وعدم فرزها نظاماً مستقراً. فالقوى الحكومية والمحافظة الدينية، وقوى الرأسمالية الليبرالية، وقوى الشغيلة، لم تشكلْ نظاماً مستقراً ومقبولاً لدى الأطراف الثلاثة.
إن هذا الصراع والتداخل سوف يستمر لأمد لا أحد يعرف مدى طوله الزمني، لأنه مرتبط بعوامل موضوعية وذاتية معقدة، مثل مدى توجه الرساميل لتغيير البُنى الاقتصادية المتخلفة، ومدى نزوع الأنظمة إلى إعادة تقسيم الثروة، وإعادة تنظيم قوى العمل لصالح العمالة المحلية والعربية، ومدى قبول القوى الاجتماعية لهذه الخريطة المتبدلة الخ..
ومن هنا فإن هذه القوى الثلاث المناطقية تشكلُ تياراتها داخل التجمعات السياسية المختلفة، وهي تتواجد بهذه المساحة أو تلك داخل (كل) القوى السياسية.
أي أن القوى الحكومية والدينيين، وقوى الليبرالية، وقوى الشغيلة، موجودة في كل المجموعات السياسية، بهذا الحجم أو ذاك الذي يعكس علاقات القوى السياسية بالطبقات الرئيسية. وعلى مدى وجود هذه التأثيرات يتحدد برنامج هذا الفريق أو ذاك.
فخطوط الطبقات هي خطوط موضوعية لا يستطيع التنظيم المرتبط بها أن يتجاوزها، لهذا فإن القوى الحكومية تترابط والقوى الدينية من حيث تعبيرهما عن محتوى اجتماعي وسياسي واحد عريض، رغم ما يبدو من تنافر شكلاني بين الجانبين. لكن الفريقين يعبران عن محتوى سياسي واحد، هو تعبيرهما عن القوى التقليدية في المجتمع. أي أنهما يعبران عن منظومة واحدة. فهذه ملكية سياسية وتلك ملكية دينية. والجانبان يتداخلان. وتركهما وحدهما يعني تفكيك البلد.
ولهذا فإن التقدميين الذين يصرون على عدم وجود تأثير ملكي أو ديني داخلهم، يتجاوزن الواقع.
فهناك نسبة معينة لهذا التأثير داخلهم، لعدم تفاعلهم مع هذه التأثيرات بطريقة تقدمية ديمقراطية.
ومن هنا تتشكل مهام التقدميين تجاه الملكية بتطور حضورها السياسي الديمقراطي الدستوري، أي أن الأمر يتجه للتشديد على تطورها الديمقراطى الدستوري، إلى أقصى إمكانياته، بدلاً من التشديد الحاصل حالياً على وجودها فقط، وكان هذا الوجود هو خاتمة المطاف. وهو أمر سيندرج بعد ذلك في تنامي هذه العملية في دول الخليج، ولما يمكن اعتبار التجربة البحرينية نموذجاً يختزل لدى اخوتنا فى المنطقة فكرياً وسياسياً صراعاتهم وتضييع الوقت التاريخي والوصول إلى ما وصلت إليه التجربة البحرينية في مجالات عدة، وذلك لتماثل الظروف الموضوعية بدلاً من أن يخوضوا المشكلات نفسها.
إن موقف التقدميين تجاه الكتلة السياسية – الاجتماعية الرئيسية في هذه الفترة وهي كتلة الحكوميين – الدينيين هي حزمة من الجوانب السياسية المتنوعة، عبر دفع الفريقين بالقبول بنظام اجتماعي موحد، وهي القضية المحورية لنضال التقدميين في المرحلة الراهنة. ولكن النظام الموحد أمامه عقبات ومهمات كبرى.
ونحن ننظر أن الفريقين هما من نظام تقليدي واحد، وتعرقله مجموعةٌ من التقاليد والنظم المتخلفة، هي النظم المذهبية السياسية واحتكار السلطة والمرجعية المطلقة في كلا الجانبين، وعبر التخلى عن هذا الاحتكار بشكل تدريجي يمكن لنظام من التعايش أن ينشأ . لكن ذلك يرتبط بمهمات نضالية ملموسة وليس بدعاية مجردة، أي ينبغي الصراع في وجه الجانبين للتخلي عن ذلك الاحتكار!
أن نضال التقدميين لتدعيم السلطة الملكية الدستورية يتوجه لتحولها إلى سلطة عامة وطنية، تمثل مجموع المواطنين وتتحول السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية إلى قوى الشعب تدريجياً وعبر الاتفاق والنمو لإرادة المجتمع وسلطاته.
كما أن احتكار السلطة لدى المرجعية واحتكار فهم الإسلام لعقل ديني واحد أو ثنائي، فردي شخصي أو ثنائي مذهبي، من شأنه خلق دكتاتورية مذهبية تحل محل المرحلة السياسية التي تم تجاوزها.
ولهذا فان نضال التقدميين من أجل ملكية دستورية متطورة، هو أيضاً نضال لديمقراطية الإسلام وفهمه.
وهذا الأمر لا يمكن أن يتشكل بين عشية وضحاها بل عبر نضال ثقافي طويل أولاً، تقل فيه الجوانب السياسية المباشرة وتتعاظم فيه عمليات التنوير والتثقيف، لتعي القوى المحافظة أن نشاط الديمقراطيين والتقدميين ليس هو من أجل إزاحتها عن مسرح السلطة والسياسة؛ بقدر ما هو حلحلة وضع تقليدي جامد استمر طويلاً، ولا بد من التنازلات المشتركة والوصول إلى نظام سياسي جديد في المستقبل وهو لا يزال في علم الغيب، بالنسبة إلى إمكانيات المختلفين وإلى مدى الإصلاح الراهن وليس إلى التقدميين الذين يعرفون المدى التاريخي الممكن تنفيذه.
وإذا كان ذلك كذلك، فلا يجب أن يضع التقدميون أنفسهم داخل هذه القوة السياسية الرئيسية الراهنة، بل على العكس أن يكونوا خارجها، من أجل حفزها على التطور لنظام مستقبلي أفضل، يتجاوز احتكار السلطة واحتكار الدين، ويشكل ثقافة ديمقراطية في مجالي تداول السلطة، وفي مجال ديمقراطية الإسلام.
وإذا كان الحكوميون والمذهبيون يشكلون القوة المحافظة الرئيسية المهيمنة وطنياً وعربياً وإسلامياً، تعبيراً عن نظام تقليدي عاجز عن اللحاق بالمنظومة البشرية، بسبب خياراته الراهنة، فإن التجاوز الموضوعي لهما يكمن في تشكل نظام رأسمالي حر.
وهنا تغدو الليبرالية هي حضور الفئات الوسطى ودورها التجاوزي للنظام المحافظ، لكنها عاجزة عن ذلك بحكم عوامل موضوعية تتعلق بضعف المؤسسات الصناعية الخاصة وعدم انتشارها وغياب علاقاتها بالمؤسسات العلمية. وبالتالي يغدو القطاع العام البيروقراطي هو العقبة لهذا النمو، مثلما تغدو المذهبية الشمولية عقبة لتطور العقل الإسلامي الديمقراطي الحديث، وعقبة لتطور الوحدة الوطنية في كل بلد عربي وإسلامي.
وفي الجزيرة العربية والخليج هناك عوامل أكثر مضاعفة للتخلف بسبب غياب الطبقة العاملة المحلية الواسعة، وانتشار العمالة الأجنبية المتعددة اللغات.
ولهذا فوجود رأسمال وطني واسع، وطبقات عاملة بحرينية وعربية وخليجية واسعة، لا يمكن أن يحدث دون السيطرة الديمقراطية على القطاع العام، وبالتالي السيطرة على تشكل عقل وطني وإسلامي عقلاني، عبر مصادر ثقافة وتعليم حرة.
إن مساعدة الليبراليين والإسلاميين التنويريين والتيارات المتقاربة كافة مع الحداثة هي ضرورة موضوعية، لكن هؤلاء يسعون لتشكيل نظام راسمالي حر مطابق لمصالحهم الاقتصادية، التي ليس فيها اعتبار لوضع الشغيلة المواطنين، ومدى انتشارهم وسيطرتهم على سوق العمل.
ولهذا إن التوجهات التقدمية تتفق في جوانب مع الليبراليين وتتناقض في جوانب أخرى، وتتفق مع مطالب قواعد الدينيين بانتشار العمالة المحلية. ولهذا لا يمكن للتقدميين أن يتطابقوا مع رؤية الليبراليين المفصلة على مصلحة فئات مالية وخدمية أكثر منها صناعية في الوقت الراهن.
ولهذا فإن تعاون التقدميين يتوجه لتدعيم الجناح الصناعي من الفئات الوسطى بشكل خاص، عبر حماية هذا الرأسمال وتطوير محليته وتجذره الوطني عمالة وقيمة.
وللفئات الوسطى الغنية برامج متعددة، وتطرح ليبرالية بلا أبعاد وطنية عميقة وبلا تجذر في تقاليد المنطقة وسيرورتها الخاصة، وتجلب موديلات أوروبية جاهزة وشكلانية غالباً . وهناك مثقفون يعملون في هذا الأفق غير أننا لنا أفق آخر.
فليس كل طرح حكومي يغدو مقبولاً إلا إذا عبر عن مصلحة الشعب، وكذلك بالنسبة إلى الدينيين والليبراليين، فما يجسد معيار الموقف مدى قدرة هذه الأطروحات المختلفة على تغيير حياة العاملين والصناعيين والتجار الصغار الخ.. أي قدرتها على شق طريق لتعددية حقيقية وليست مظهرية. ونحن لدينا معيار مصلحة الطبقة العاملة البحرينية والعربية كمعيار أساسي لتقييم المواقف السياسية. فليس لدينا معيار ثقافي مجرد!
هل يعبرالتقدميون عن طبقة معينة أم عن تحالف طبقي وهل يستطيع تنظيم أن يعبرعن كل الطبقات مثلما يحاول المذهبيون السياسيون والقوميون الحكوميون وغيرهم أن يفعلوا وفي النهاية لا يستطيعون سوى التعبير عن نظام تقليدي فات زمانه، عاجز عن ملاحقة العصر؟
ومن الواضح إن التنظيمات الحديثة لدينا تعبر عن الفئات الوسطى الصغيرة، في حين يعبر التقدميون عن هذه الفئات الوسطى وعن العمال كذلك، بل هم يعبرون عن المذهبيين وعن الحكوميين، لأنهم لم يقوموا يفرز بل ظهروا فجاة بلا تراكم نظري وسياسي!
وإذ ينفي المذهبيون السياسيون الليبرالية والقومية والتقدمية، أي كل اتجاهات العصر الحديث طارحين نموذجاً ماضوياً تقليدياً لا يمكن ظهوره إلا عبر تحطيم المجتمع، إذ يعجزون عن فهم الإسلام كحركة توحيدية ويعجزون عن فهم الحداثة كذلك. ومن هنا فهم يضربون الفئات الوسطى التي يصعدون على أكتافها، في حين الاقتراب من التحررية الاجتماعية (الليبرالية) ومن القومية ومن التقدمية، هو الذي يطور الفئات الوسطى باقترابها من حليفها الطبيعي وهو العمال.
إن دعم فصائل الديمقراطية الحديثة كافة من إسلاميين توحيديين نهضويين، ومن قوميين وليبراليين، هي من مهمات التقدميين، حين تقوم هذه التيارات بالاقتراب من مصالح الشعب.
لكن التقدميين لا يمكن أن يكونوا ليبراليين او مذهبيين سياسيين، لأن الليبرالية تعبير عن مصالح الفئات الوسطى لنمو مشروع رأسمالها الخاص، وهو مشروع في صيغته الراهنة لا يستجيب حتى لمصالح ظهور رأسمالية حرة، لأن مثل هذه الرأسمالية الحرة في وعى التقدميين لها الشروط سابقة الذكر. لكن لا بأس من الحوار مع تجليات الليبرالية الحالية العاجزة عن تجذير ليبراليتها بحكم طبيعة رساميلها القادمة من الدولة، ومعيارها هنا مدى نزولها للنضال من أجل ديمقراطية القطاع العام وبحرنته!
مثلما أن المذهبية السياسية مرفوضة لتعبيرها عن تقسيم الشعب والمسلمين. ومن هنا فأي تعاون ينبغي أن يكون موجها في مضمونه العميق لتجاوز هذه المذهبية الانقسامية وليس لتكريسها. اي لإنتاج وعي إسلامي تحديثى.
ولهذا فظهور تيارات ومنابر لدى التقدميين ينبغي أن يكون من أجل تعميق الرؤية التقدمية في فهم الليبرالية والإسلام والقومية، وليس لخلق أحزاب عبر هذه المكونات. فلا بأس أن يقترب تقدميون من الليبرالية بشرط ألا يذوبوا فيها، لأن لدينا تجمعات ليبرالية عدة تعيش هي ذاتها انقسامات ومخاضاً فلا داعي لزيادتها.
إن هذا كله يعتمد على مدى قدرة التقدميين على التطور الفكري والسياسي، أي تقديم دراسات فكرية وسياسية محلية، وتحليلات معمقة للاقتصاد والسياسة والتعليم والثقافة الخ .. تشكيل هنا منابر تعبر عن جهود التقدميين في تطوير الليبرالية، أي إنه موقف يميني، والمنبر الذي يعكس مصالح العمال، أي هو موقف اليسار، لأن الجماعة في الواقع لم تفرز من هو مع العمال ومن هو مع الفئات الوسطى ومشروعها. وكيف يقام التحالف بين الجانبين. وكلما حدث التعبير النظري والسياسي وعملية الفرز تقدمت عملية الوعي التقدمية.
ملامح 5 لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
ملامح 4 لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
انحطاط الغناء.. انحطاط السياسة : كتب ـ عبدالله خليفة
إن عملية انحطاط الغناء العربي يجب ألا تؤخذ معزولة عن انحطاط السياسة السائدة، فذاك هو التجلي المباشر لهذا، فإن السياسة المنحطة أنتجت غناءٍ منحطاً.
ليس لأن هذه المغنية التي تبيع جسمها على مرأى من الملأ مسوقة في أجهزة إعلام حكومية تأخذ ميزانيتها من أموال المواطنين فقط، بل أيضاً لأن الذين سرقوا الأموال العامة، ويقيمون الآن محطات فضائية يتأجرون بجسمها وصوتها!
وهي قد وجدت الفرصة مناسبة للتعري، مثل أن الحكومات العربية فقدت ثيابها السياسية ولم تحصل على ملابس الحشمة الديمقراطية بعد!
شاركت أغلب التيارات السياسية، دينية وتحديثية علمانية، في انحطاط الغناء مثلما ساهمت في انحطاط السياسة.
فكلها اعترضت على أغاني الحب الجميلة، فلم يحصل عبدالوهاب ولا أم كلثوم ولا عبدالحليم ولا فريد الأطرش أو اسمهان، على أي تأييد من قبل القوى السياسية والفكرية.
لم يمد أحدٌ يده لتقييم ومعاضدة ونقد وتطوير مثل هذا الغناء، فقد تركت القوى السياسية المناضلة المغنين الكبار للأمة العربية، خاضعين فقط للتأثيرات الحكومية بحلوها ومرها، بأغانيها العاطفية الرومانسية وبأغانيها السياسية الموظفة لدعم السياسات العابرة.
بل إن الأغانى العاطفية الرقيقة والعظيمة المقاومة حتى الأن للابتذال، رفضت من قبل القوى السياسية، مرة بأنها مضادة للدين، ومرة أخرى بأنها ذاتية، رومانسية، والحصيلة المشتركة للرأيين هي الخوف من الغناء كشكل من الحرية الذاتية والتعبير عن الحب والانطلاق والحرية!
ونعرف من سيرة التيارات الدينية في مصر كيف انعزلت هذه التيارات عن مسار الحداثة، وكيف رفضت الأشكال الغنائية الدينية الصوفية، ذات الثراء التعبيري، في حين حافظ المغرب العربي على الأغاني الأندلسية والموشحات والأناشيد الصوفية، وغدت مجالاً لتطوير الحرية والذوق، في حين عجزت مصر عن مقاومة الابتذال الغنائي.
مع هجوم الريفيين المحطمين على المدينة فإنهم غير قادرين على متابعة الغناء والموسيقى العربيين الكلاسيكيين، فهم لا يريدون أن يتعلموا، ولهذا فإنهم يستخدمون أي إيقاعات وكلمات لتشكيل أغنية منحطة مثل عالمهم المنهار، معبئين هذه السوقية في الأشرطة مثلما يعبئ تجار الخردة أي سلع مغشوشة، جامعين بينها وبين المخدرات والتفاهة والجنس الرخيص والتأوهات المبتذلة ومقدمين هذه لشباب الأمة المجيد كأحدث منجزات العصر العربي الانحطاطي!
ويقوم رأسماليو المال العام المسروق الذين لم يتعبوا في إيجاده، بفرش الأبسطة الحمراء لأسياد الغناء العربي الجديد، جامعين بين الطبالات ومغني المواسير والكتاب الفاشلين في إنشائهم المدرسي، وصاحبات العرض الجسدي السوقي اللواتي وجدنها فرصة ذهبية للمشاركة في لطش المال العربي العام المعروض لكل أنواع الحرامية، والعاجزات عن الغناء الحقيقي، ولم يثبتن أي جدارة في الفن المدرسي وطلعن فجأة هكذا، من علب الليل وغرز الحشاشين، فقط عبر عرض السيقان والنهود، ولديهن أصوات وإيقاعات يهرب منها حتى الحمير!
ومثل هؤلاء القبيحات الكريهات روحاً العاجزات عن التطريب تحتضنهن المهرجانات «الفنية» العربية، وشركات المشروبات، ومن المؤكد أن هذه المهرجانات لا تدار بطريقة ديمقراطية، بل هي جزء من جو الفساد السياسي والمالي الذي أنتج مثل هذه الظواهر بل المساخر الغنائية!
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
محمد باقر الصدر: كتب ـ عبدالله خليفة
في كتابه (فلسفتنا) يعتبر محمد باقر الصدر المفكر الديني الراحل وجهة نظره بأنها (مجموعة مفاهيم الإسلام عن العالم)، ويعتقد بأن ثمة صراعاً فكرياً مريراً (لا بد للإسلام أن يقول كلمته) فيه ص 6، فيتصور بأن ما يقوله هو المعبر عن الإسلام لا وجهة نظر شخصية أو وجهة نظر تيار أو مذهب.
وهو من البداية يؤكد (صحة الطريق العقلية في التفكير، وإن العقل، بما يملك من معارف ضرورية فوق التجربة، هو المقياس الأول في التفكير البشري، ولا يمكن أن توجد فكرة فلسفية. أو علمية دون إخضاعها لهذا المقياس العام، وحتى التجربة التي يزعم التجريبيون أنها المقياس الأول، ليست في الحقيقة إلا أداة لتطبيق المقياس العقلي، ولا غنى للنظرية التجريبية عن المنطق العقلي.): (فلسفتنا، محمد باقر الصدر، دار التعارف للمطبوعات، 1979، ص 7 بيروت).
فهو يعتبر (العقل) هو المهيمن على التجربة وعلى الفكر التجريبي، وهذا العقل غير موضح الفصيلة في بداية كتابه السابق الذكر.
ولكي يمهد محمد باقر الصدر لمناقشة وتفنيد الماركسية، باعتبارها الخصم الرئيسي للفكر الديني كما يتصور، فإنه يناقش طبيعة الأنظمة السائدة في زمنه وهي:
1 – النظام الديمقراطي الرأسمالي.
2 – النظام الاشتراكي.
3 – النظام الشيوعي.
4 – النظام الإسلامي.
وهو يعتبرُ بأن مشكلة الإنسان عميقة الجذور لكننا لديه لا نعرف مسيرة العلاقات الإنسانية إلا بشكل ضبابي أخلاقي مجرد، يقول:
(فإن هذه العلاقات التي تكونت تحقيقاً لمتطلبات الفطرة والطبيعة في حاجة بطبيعة الحال إلى توجيه وتنظيم، وعلى مدى انسجام هذا التنظيم مع الواقع الإنساني ومصالحه يتوقف استقرار المجتمع وسعادته)، (ص 11).
وهكذا تتشكل لديه الإنسانية عبر الفطرة والطبيعة وبالتالي فإن تاريخاً غائراً عميقاً يتوارى هنا، وتظهر الإنسانيةُ المعاصرة كمذاهبَ فكريةٍ فلسفيةٍ سياسية، مقطوعةِ السياقِ عن سيرورةِ التاريخ والطبقات، وبالتالي فإنه لا يقوم بأي ربطٍ بين المذاهب والقوى الاجتماعية، محولاً المذاهب إلى كينوناتٍ متجوهرةٍ على أنفسها منذ البداية، ويعتبر النظامان السائدان في العالم في زمنه هما (النظام الديمقراطي الرأسمالي هو أساس الحكم في بقعة كبيرة من الأرض، والنظام الاشتراكي هو السائد في بقعة كبيرة أخرى)، (وأما النظام الشيوعي والإسلامي فوجودهما بالفعل فكري خالص).
عبر قطع الأنظمة والأفكار عن سياقاتها الكبرى يقوم بعد ذلك باختيارِ جانبٍ رئيسي من النظام ليعتبره هو النظام الكلي، فيقول عن النظام الرأسمالي بأنه قائم على (الإيمان بالفرد إيماناً لا حد له. وبأن مصالحه الخاصة بنفسها تكفل ~ بصورة طبيعية ~ مصلحة المجتمع في مختلف الميادين) ويعلقُ محمد باقر على هذا النظام من الوجهة الفكرية قائلاً: (ومن الواضح إن هذا النظام الاجتماعي نظام مادي خالص، أُخذ فيه الإنسانُ منفصلاً عن مبدئه، وآخرته، محدوداً بالجانب النفعي من حياته المادية، وأُفترض على هذا الشكل. ولكن هذا النظام في نفس الوقت الذي كان مشبعاً بالروح المادية الطاغية… لم يُبن على فلسفة مادية للحياة وعلى دراسةٍ مفصلةٍ لها)، ولكن هذا لا يعني بأن الباحث محمد الباقر لا يعتبر النظام الرأسمالي صاحب ثقافة مادية (فلسفية هنا)، ( بل كان فيه إقبال على النزعة المادية: تأثراً بالعقلية التجريبية التي شاعت منذ بداية الانقلاب الصناعي وبروح الشك والتبلبلِ الفكري الذي أحدثه انقلابُ الرأي، في طائفةٍ من الأفكار كانت تعدُ من أوضح الحقائق وأكثرها صحة وبروح التمرد والسخط على الدين المزعوم، الذي كان يجمدُ الأفكارَ والعقولَ، ويتملقُ الظلمَ والجبروتَ)، (ص 17 ~ 18). نحن نرى هنا إن عشرة قرون من التطور العلمي و الثقافي والروحي الأوربي تــُركز في مظاهرٍ مختزلة، فهناك تمردٌ وسخط وهناك شك وبلبلة وهناك فلسفة تجريبية ، لكن يبدو إن ليس هنا ثمة بناءٌ فكريٌ وأخلاقي كما يتصور الباحث، فقد دمر الغربيون الدينَ المزعوم ، لكنهم لم يشكلوا وعياً دينياً آخر حسب تصوره، أو أنهم بلا مظاهر روحية وثقافية غنية وعظيمة، وهذا الاختزالُ الذي يقومُ به الباحثُ بإلغاء الدين المعاد تجديده أو فصله عن الدولة الغربية، يغدو لديه إبعاداً كلياً للدين عن المجتمع وعن الثقافة، وهي الأمور التي لم تجرِ في الغرب، كما أن ثقافة أخرى غير دينية وأخلاقية كذلك لم تتشكل مهيمنةً على كل الفضاء الروحي، وهو بعد هذا الإلغاء لثقافة روحية أخلاقية وهامة في الغرب يستنتج:
(كل هذا صحيح، ولكن النظام الرأسمالي لم يركز على فهم فلسفي مادي للحياة، وهذا هو التناقض والعجز، فإن المسألة الاجتماعية للحياة تتصل بواقع الحياة، ولا تتبلور في شكل صحيح إلا إذا أقيمت على قاعدة مركزية، تشرحُ الحياةَ وواقعها وحدودها، والنظام الرأسمالي يفقد هذه القاعدة)، (ص 19).
وهذه التعابير الغامضة يُـقصد منها عدم وجود أساس ديني للنظام الرأسمالي الغربي العلماني، فبدون وجود رجال دين يهيمنون على النظام فإنه يخضع لزوال الأخلاق: (والدليل على مدى اتصالها بالحياة من الديمقراطية الرأسمالية نفسها أن الفكرة تقدم على أساس الإيمان بعدم وجود شخصية أو مجموعة من الأفراد، بلغت من العصمة في قصدها وميلها وفي رأيها واجتهادها، إلى الدرجة التي تبيح إيكال المسألة الاجتماعية إليها، والتعويل في إقامة حياة صالحة للأمة عليها)، (ص 19ـ 20).
إن الثقافة الروحية والفكرية الأخلاقية تــُفهم من قبل السيد محمد باقر بأنها إيكال أمر السيادة السياسية إلى رجال الدين وبدون ذلك فإنه لا توجد حياة صالحة للأمة، وهذا يعني ضرورة هيمنة رجال الدين على المؤسسات السياسية لكي يكون هناك تطور روحي وأخلاقي في المجتمع!
ومن هنا فإن (القيم المادية؛ بمعنى الابتذال السوقي هنا) هي التي تسودُ في الحياة الديمقراطية الرأسمالية حسب رأيه. ولهذا قام الباحثُ بإزالة التطور الفكري والأخلاقي الطويل من نسيج الحضارة الغربية خلال القرون العشرة الأخيرة، وغيّب مختلفَ أشكال الثورة الثقافية والفكرية والفلسفية الغربية التي تفجرت كثقافة النهضة ثم التنوير ثم ثقافة العصر الصناعي والثورة الديمقراطية البرجوازية ثم صعود ثقافة الطبقات العاملة، وذلك فقط بسبب إبعاد الدين عن السلطة السياسية، في حين أن الدين المسيحي مع غيره من الأديان لا يزال يقوم بالسيادة العبادية على الحياة الاجتماعية في الغرب خلال هذه القرون كلها.
أي أن الغرب (العلماني) لم يحطم الهيمنة الدينية المسيحية على الناس، حيث قامت القوى المهيمنة بنشر والحفاظ على الدين في الوعي الجماهيري بمختلف الأشكال، مثلما يوجد وعي لا ديني غير أنه غير مهيمن، ولهذا فإن موضوع سيادة الدين على الحكم هو الذي يجعل الحياة مادية غير روحية في تصور السيد محمد باقر!
(وكان من جراء هذه المادية التي زخر النظامُ بروحها أن أُقصيت الأخلاق من الحساب، ولم يلحظ لها وجود في ذلك النظام.. وأعلنت المصلحة الشخصية كهدف أعلى.. فنشأ عن ذلك ما ضج به العالم الحديث من محن وكوارث..)، (ص 20).
إن العالم الصالح في نظر الباحث هو الذي يتمكن رجالُ الدين من إدارته حيث تغدو الأخلاق في بؤرة الاهتمام، فالعالم الرأسمالي الذي لم يسيطر عليه الروحانيون غدا بلا أخلاق ، وصار التكالب على الماديات، وهنا يجري في وعي محمد الباقر تغييب الصراعات الاجتماعية التي شكلت مسار التطور، وكذلك نمو المستويات الثقافية والأخلاقية الغربية عبر هذا الصراع الاجتماعي نفسه ، فالتكالب على الماديات يعتبره سبب الكوارث، في حين أن النظام الغربي يجعل الصراع على (الماديات) كالأرباح والأجور والخدمات الخ.. جوهر نشاطه السياسي الرسمي والشعبي، في حين أن الجانب الروحي والاجتماعي مباح للدين وغير الدين! ففصل الدين يجري فقط في إدارة المجتمع السياسية أما غير ذلك فإن للدين دوره الكبير، ولهذا فإنه حتى الأخلاق الدينية لها مكانتها!
ويتصور الباحث محمد باقر إنه عبر هذه الحياة المادية الاستهلاكية (لا توجد قيم) وتتحكم (الأكثرية في الأقلية ومسائلها الحيوية) ص 21، وهو يقصد هنا تحكم الجمهور المادي في الجمهور الروحي الديني، (وما دامت الأكثرية لا تعرف للقيم الروحية والمعنوية مفهوماً في عقليتها الاجتماعية؟؟) ص 22، أي أن إبعاد رجال الدين عن السيطرة الفكرية على الجمهور الذي لا يعرف القيم الروحية هو أمر يؤدي إلى حيونة الإنسان.
والباحث محمد باقر هنا يعود إلى الخلفية الشرقية وإلى قيام بعض اتجاهات الدين الكفاحية دورها التحويلي والأخلاقي، وهو يتصور بأنه مع غياب ذلك لا يعود الغرب سوى غابة!
إن تحويل الجمهور الغربي بأغلبيته إلى قطيع حيواني، هو مسألة لا علاقة لها بالتطور الحقيقي، ولكنه هنا يتشكل في وعي السيد محمد باقر مثلما يتشكل في وعي بعض عامة المسلمين عبر تعميم بعض المظاهر و عزلها عن اللوحة العامة وتضخيم هذه المظاهر بشكل كاريكاتيري، في حين أن التطور الأخلاقي والثقافي الرفيع يجري في الغرب بمواكبة النضال ضد مظاهر ابتذال الإنسان واستغلاله. فالنضال من أجل تطور حياة الإنسان المادية لا ينفصل عن النضال لتطور حياته الأخلاقية.
إن هذا الإسقاط الديني الإيديولوجي للسيد محمد باقر جرى في أزمنة لم تكن الرؤية الشرقية للغرب متعددة وعميقة وذات مستويات مختلفة ، كذلك فإن الإسقاط يجري من مواقع الفئات الوسطى والصغيرة الإسلامية التي ترفض هيمنة الشركات الكبرى الغربية في الغرب والشرق كذلك، وهو ما يؤدي إلى دهس إنتاجها المادي والثقافي. وهو أمر يشعر المتصدون للقيادة الدينية والسياسية بخطورته على العالم.
إن محمد الباقر يفسر الأسلوب الرأسمالي للإنتاج بشكل فكري أخلاقي، (كل هذه المآسي المروعة لم تنشأ من الملكية الخاصة، وإنما هي وليدة المصلحة المادية الشخصية التي جعلت مقياساً للحياة في النظام الرأسمالي، والمبرر المطلق لجميع التصرفات والمعاملات)، (ص 35).
فالملكية الخاصة لم تنتج ثقافتها المختلفة عبر العصور، بل لعبت روحيةُ المصلحة الشخصية الأنانية هذا الدور الاستغلالي، وحين تــُضاف القيم النبيلة إلى الملكية الخاصة فإنها تنتج أدواراً اجتماعية مختلفة في رأيه، ومن هنا كان يمكن للنظام الرأسمالي الغربي أن يكون شيئاً آخر لو كان هناك رجال دين مختلفين غير استغلاليين وفاسدين ، حيث يمكن لرجال الدين النزيهين المتحكمين في جهاز الحكم أن يصنعوا غرباً مختلفاً!
وهنا يفكر محمد باقر كذلك من خلال تاريخه الاجتماعي الشرقي، حيث الملكية الفردية الإنتاجية في الحقل والحرف والملكيات الصغيرة تتوازى مع ملكية الدولة، وحيث لا تزال العلاقات الاجتماعية لم تترسمل بشكل واسع، كما أن هذا الوعي يعبر عن حياة الركود طوال عصور حيث لعبت الدولُ المركزية عبر الأديان والمذاهب دور المهيمن، فهنا اندمج الدور (الأخلاقي) للملكية الخاصة مع الدور الحكومي ودور رجال الدين ، وحيث أُعتبرت الملكية الخاصة خالدة لا يسبقها تاريخٌ مشاعي طويل، وبالتالي فإن محمد باقر يريد أن يشرقن ويمسلم الغرب، الذي غادر التاريخ الشرقي حيث الترابط بين الملكية الخاصة الصغيرة والإدارة الحكومية وسيطرة الأديان والمذاهب، وقد جعل الغربُ قوى الإنتاج في ثورة مستمرة مرتبطة بالسوق المحلية والعالمية، فهي تعيدُ تشكيلَ البنى الاجتماعية والفكرية بشكل دائب، لكي تسهمُ في عملية التغيير الاقتصادية التي يتحكم فيها الرأسماليون وعبر صراع دائب مع العمال.
ولهذا فإن السيد محمد باقر يرى التجربة المسماة (اشتراكية) بنفس الرؤية، فيقرأها بالصورة التالية: (أما مضاعفات هذا الإنتاج فهي جسيمة جداً: فإن من شأنه القضاء على حريات الأفراد، لإقامة الملكية الشيوعية مقام الملكيات الخاصة. وذلك لأن هذا التحويل الاجتماعي الهائل على خلاف الطبيعة الإنسانية العامة)، (باعتبار إن الإنسان المادي لا يزال يفكر تفكيراً ذاتياً، ويحسب مصالحه من منظاره الفردي المحدود)، وهذا كله جعل الاشتراكيون يشكلون (قوة حازمة تمسك زمام المجتمع بيد حديدية، وتحبس كل صوت يعلو فيه، وتخنق كل نفس يتردد في أوساطه، وتحتكر جميع وسائل الدعاية والنشر..)، (ص32).
يعتبر محمد باقر كما تقول (الماركسية ~ اللينينة) بأن التجربة التي جرت في الاتحاد السوفيتي والصين وغيرهما بأنها تجربة (اشتراكية)، وليست رأسمالية دولة شمولية، وهو لا يؤيد هذا البناء من ذات منطلق الملكية الخاصة الصغيرة التي ستُحطم هنا من خلال الدولة وليس من خلال الرأسماليين كما في الغرب، ولكن بمضاعفات أخرى وهي غياب الحرية الفردية كذلك، وهو يجعل هيمنة الملكية الخاصة جزءً من (الطبيعة الإنسانية)، كما أنه يتنبأ بشكل صحيح بعودة (الاشتراكية) إلى الرأسمالية العادية لأن المديرين والمهيمنين على المال العام هم أفراد، أي كما لاحظ تروتسكي بأن البيروقراطية تنخر (الاشتراكية) المفترضة كما تنخر التجارب التنموية الرأسمالية الفردية في العالم الثالث الأخرى.
لكن منطلقات محمد باقر دينية مثالية ، حيث تتناغم لديه الملكيةُ الخاصة الصغيرة والدينُ والدولةُ المسيطرة الشاملة في علاقة شرقية أبدية. دون أن يقرأ بأن رأسمالية الدولة الشرقية (الاشتراكية) جرت بسبب عوامل نهضوية تسريعية، وبهذا فإن المركزة الاقتصادية الحكومية أدت إلى تجاوز هذه البلدان منظومة الدول المتخلفة، وأجرت ثورة ثقافية وتقنية، بسبب عدم جعل الملكية الخاصة الصغيرة والمذاهب تتحكم في البناء الاقتصادي العام، ولكن كان لذلك ثمن باهظ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انظر عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث، وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة، 2015.
الطليعيون والتحول إلى الطائفية: كتب ـ عبدالله خليفة
العلمانيون وتوحيد المسلمين: كتب ـ عبدالله خليفة
العلمانية كتجديد إسلامي: كتب ـ عبدالله خليفة
مسئولية المثقف: كتب ـ عبدالله خليفة
النقدُ الذاتي وليس المراوغة: كتب ـ عبدالله خليفة
التاريخ بين حوارين : كتب ـ عبدالله خليفة
لسانُ الشاعرِ المقطوع : كتب ـ عبدالله خليفة
الأبطال والفرح: كتب ~ عبدالله خليفة
رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة
مسلسلات رمضان : كتب ـ عبدالله خليفة
إعادة تقييم التجربة السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
أسباب تدهور وعينا : كتب ـ عبدالله خليفة
الأم والكتاكيت السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
الثورة والكهنوت: كتب ـ عبدالله خليفة
دولة «الحشاشين»: كتب ـ عبدالله خليفة
المتقدمون وغزو الفضاء: كتب ـ عبدالله خليفة
إصلاح أم ضياع : كتب ـ عبدالله خليفة
التقدميون يتغيرون: كتب ـ عبدالله خليفة
مناضلون بلا قواعد: كتب ـ عبدالله خليفة
توسع الفلسطينيين الإنساني : كتب ـ عبدالله خليفة
فلسطين: الأديان والطبقات : كتب ـ عبدالله خليفة
أمدنيةٌ أم علمانيةٌ؟ : كتب ـ عبدالله خليفة
أية ديمقراطية مرجوة؟! : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
الفلسفة الغربية والنهضة العربية : كتب ـ عبدالله خليفة
يختلف زمن التطور الغربي الفلسفي عن التطور الفكري العربي، ليس بسبب اختلاف التشكيلتين، حيث تجاوز الغربيون التشكيلة الإقطاعية واستمر العربُ فيها، بل أيضاً في ضخامة الإنتاج الفلسفي الغربي وشبه انعدامه في فترة النهضة العربية، خاصة في هذا المخاض الغربي الفكري الكبير في القرنين التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وهي الفترة التي تصاحب زمن النهضة العربي الأول، حيث غادر الغرب فلسفات وأفكار النهضة، ولكن ليس بشكل كلي مطلق، فمازالت هناك بقاع لاتزال تستعر بصراع النهضة المتجسد في الصراع بين الحداثة والتقليد، بين البرجوازية والإقطاع خاصة في الأقطار الاوروبية الجنوبية والشرقية، لكن قلب أوروبا كان قد انتقل من فلسفات النهضة إلى فكر الحداثة المتصف بغلبة الاتجاهات المادية والمثالية الموضوعية خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عبر ولادة الهيغلية والماركسية والوضعية والداروينية.
«كانت فلسفات القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين قد دافعت عن تصور «كوني للعالم وكان المذهب الميكانيكي يرى أن آلة العالم قد أرسيت قواعدها مرة وإلى الأبد، وأنها مجموعة هائلة من التروس لا يفقد منها شيء، ولكن لا يخلق فيها شيء أيضاً»، «الفلسفة المعاصرة في أوروبا، إ. م. بوشنسكي، عالم المعرفة، العدد 165، الكويت، 1992».
إن توجه أوروبا الغربية خاصة لفلسفات تتوجه لاستيعاب الحركة الشاملة، تم أولاً بشكل مثالي موضوعي عبر فلسفة هيجل التي اعتبرت الحركة جزءاً من الفكرة المطلقة ذات الحيوية الداخلية القادرة على النمو والتجاوز والنفي، وبهذا فإن المثالية الموضوعية هنا راحت تضم العالم المادي عبر هيمنة الفكرة المطلقة ولكنها تكشف تحولات هذا العالم المادي عبر قوانين الجدل.
وكان الشكل الأول لتخطي الهيغلية المثالية قد تم عبر فلسفات مادية ميكانيكية، ففويرباخ وبوخنر وكارل فوجت «قد نفت مذاهبهم وجود العقل ذاته ودافعت عن الحتمية الشاملة».
لا بد أن نقول إن هذه التطورات الخصبة لنفي الميكانيكية ولتثبيتها في مذاهب جديدة، قد تشكلت على ضوء التحولات الشاملة في الصناعة والعلوم والتغيرات السياسية الديمقراطية في البُنى الاجتماعية؛ حيث أصبح بإمكان العقل البشري الوصول إلى قوانين المادة الداخلية على مستوى العلوم الطبيعية وإلى قوانين التطور التاريخي والاجتماعي والطبيعي.
ولهذا كانت المادية الجدلية نفياً لمثالية الهيغلية ولميكانيكية المادية الآلية. إن ارتباط المادية الجدلية بحركة الطبقة العاملة قد أطلق قدرتها على معرفة العالم والطبيعة بلا أسوار طبقية معينة.
ومن جهة أخرى فإن «الكانتية» والوضعية عموماً ارتبطت بقوى البرجوازية في المناطق الأقل تطوراً من حيث التحولان العلمي والديمقراطي، أي في ألمانيا تحديدا، حيث جرت موضعة العلوم في جوانب حسية جزئية، غير معترفة بالقوانين العامة للأشياء والظاهرات الطبيعية «والاجتماعية خاصة»، وهو جانب علمي مفيد لكنه ضيق الأفق ومحدود المعرفة، وهو من جهة أخرى يعبر عن قطع مسار الطبيعة عن مسار الظاهرات الاجتماعية والفكرية، بحيث ألا تمتد الدراسات العلمية لقوانين الحياة الاجتماعية، وهذا الفصل التقني سيكون مفيداً لهذه الطبقات وهي تشتغل على تطوير قوى الإنتاج أساساً.
هذا ما يعتبره جورج لوكاش بسبب «أن المصير المأساوي للشعب الألماني يقوم في كونه دخل متأخراً في التطور البرجوازي الحديث»، «راجع تحليته الموسع والغني في كتاب تحطيم العقل، الجزء الأول ص 33، دار الحقيقة، ط 2 ».
أما المادية الميكانيكية فإنها استمرت عبر ظاهرات متعددة أهمها الداروينية التي كشفت قوانين تطور المادة الحية، والتي ستتمازج والوضعية عبر أوجست كونت والداروينية الاجتماعية عامة. وعبر نقلها قوانين البيولوجيا إلى العلوم الاجتماعية واصلتْ نقلَ قوانينَ الميكانيكا إلى المستويات الأعقد من الظاهرات الاجتماعية، رافضة قوانين المادية الجدلية، وبهذا فإنها كانت أمام طريق مسدود في هذا الجانب.
وقد واجهت الفلسفات المادية أزمة تطور في نهاية القرن التاسع عشر، بسبب أزمة العلوم الطبيعية وعدم قراءتها الجدلية للمادة، وكانت الفلسفة المادية الميكانيكية هي الانعكاس المباشر لمستوى العلوم السابقة، وهذه المادية الميكانيكية هي التي أخذ بها نهضويو العرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كشبلي شميل وسلامة موسى.
إن هذه الأزمة الغربية الفلسفية لم تكن لأسباب فكرية فقط، بل لتحولات علمية ولأسباب اجتماعية غربية ~ كونية، فقد تراكمت في القرن التاسع عشر ثروة معرفية هائلة وظهرت اكتشافات كبرى، فقد عاشت الفيزياء التى صاغها نيوتن في أزمة بعد عدة قرون من هيمنة مفاهيمها الميكانيكية وظهرت فيزياء جديدة لم تعمم فلسفياً بشكل علمي، وأيضاً كيمياء مختلفة، كذلك بدأ تجاوز الرياضيات التقليدية، وهذا كله أحدث تشككاً كبيراً في مسألة المادة، ومن الناحية الاجتماعية والسياسية فقد انتقلت البرجوازيات الغربية للسيطرة الكلية على العالم، ولم تعد الفلسفات المادية والجدلية مناسبة لهذا التطور بسبب تركيزها على تحليل المادة والحياة الاجتماعية، ويقود الغزو الغربي للعالم والصراع على خيرات العالم الفقير إلى صراعات ضارية وهو الأمر الذي سيفجر الحروب العالمية وخاصة، التي ازدادت في أعقابها عمليات «انهيار العقل البرجوازي في تلك العقود».
فإضافة إلى استمرار المثالية فقد ظهر الاتجاه اللاعقلى، «وهو الناتج عن الحركة الرومانتيكية وخَلَفُها، ليعارض المذهب العقلي الهيجلي. وممثل هذا الموقف شوبنهور الفيلسوف الألماني «1788~ 1860»، الذي يرى أن المطلق ليس العقل، بل إرادة عمياء ولا عقلية. وإلى جانب شوبنهور ظهر المفكر الدنماركي كيركجارد «1813 ~ 1855» ليدفع إلى مدى أبعد الهجوم على المذهب العقلي»، «عن الفلسفة المعاصرة في أوربا».
ولهذه الظواهر أسبابٌ متعددة كبروز احتجاجات الفئات الوسطى والصغيرة ضد الأنظمة وهذه الاحتجاجات تتشكل بصورة فردية متضخمة حيناً وبصورة عدمية حيناً أخر، وأحياناً كعودة لفكر الأرستقراطية الكارهة للديمقراطية والأنسنة، خاصة في البلدان المتطورة رأسمالياً ولكن المتشكلة بإرادات عسكرية وسياسية متسلطة كألمانيا وإيطاليا، واللتين سترفدان الوعى العربى بالنمط الحيوي واللاعقلى وسيتمظهر ذلك في ولادة الأحزاب القومية العربية المشرقية خاصة.
وفي مرحلة تالية، وبعد الهجوم على المذهب العقلي الهيجلي، هاجم الاتجاه اللاعقلي المذهب العقلي العلمي، وهو هنا سوف يعتمد في هجومه على نظرية التطور عند دارون. وكان المعبر عن هذا الموقف نيتشه «1844 ~ 1900» الذي يعلن أولوية الاندفاع الحيوي على العقل، ويطالب بمراجعة كل القيم، وينادي بعبادة الرجل العظيم»، «المصدرالسابق».
علينا أن نقول هنا بأن الوعي العربي الطالع من القرون الوسطى المتدهورة، لم يكن بإمكانه نقل هذه التحولات الفلسفية الكبرى ولا حتى معرفتها بشكل واسع وقتذاك، وسيعتمد على نقل جزئي محدود لبعض الاتجاهات القريبة من مستوى معرفته ومن اتجاهاته المعارضة الغائرة، كالاتجاهات المادية الميكانيكية والوضعية، كما نقل طه حسين وإسماعيل مظهر بعض جوانب المادية الميكانيكية ممثلة في المدرسة التطورية الاجتماعية.
إن الاتجاهات المادية والتطورية الاجتماعية الميكانيكية كانت أقرب إلى مستوى الوعي العربي، كما أنها تقدم مادةٍ شبه موضوعية لمعرفة الواقع العربي ونقده، بدلاً من الاتجاهات اللغوية الشكلية والنصوصية التقليدية التي لم تكن تجعل الواقع كبؤرة لنقدها وتحليلها، مثلها مثل الفلسفات العربية الإسلامية السابقة المبهمة وغير المفهومة في هذا الزمن بشكل عام.
إن الوعي العربي النهضوي في مرحلته النضالية بين القرنين التاسع عشر والعشرين لن يلتفت إلى المدارس اللاعقلية والصوفية بشكل واسع، سوى في الاتجاه القومي الانبعاثي في بلاد الشام «زكي الأرسوزي خاصة»، ومن هنا فإن العلاقة واضحة بين اتجاهان شبلى شميل وطه حسين وسلامة موسى والعقاد وفرح أنطون وغيرهم في التركيز على الواقع بمختلف الرؤى، أي وضع الواقع كمادةٍ رئيسية أمام الوعى المدعو للحفر فيها وكشف سببياتها وتحولاتها، سواء عبر ذهاب طه حسين الى تعرية البنية الثقافية العربية التقليدية، وكذلك في نقل سلامة موسى ثمار المعرفة الغربية إلى واقع متخلف ديني هو غير معني بتحليله لأن لديه وصفة جاهزة هي التطورية الداروينية الميكانيكية، وكذلك فعل العقاد في نقد التخلف الإبداعي وطرح نموذج الأبطال الخ..
إن ذلك يبدو أيضاً في الصوفيين الجديد واللاعقليين كجبران خليل جبران وزكي الأرسوزي وغيرهما من الذين استخدموا أدوات دينية صوفية وكانوا أقرب للاتجاه الحيوي عند برغسون والمدرسة الحيوية عموماً، ولكن هاجس نقد الواقع هو المسيطر عليهم بقوة.
وهكذا ففي الوقت الذي كانت فيه الأجنحة اليمينية من الفكر الأوروبي في ذلك الزمن تقوم بالهجوم على ثقافة الطبقات الشعبية المادية والتطورية والعقل بوصفه أداة للكشف، كان المنورون العرب يبحثون عبر كل فكر تحديثي يعبر عن نقد للواقع وعن الرغبة في تغييره وعن إعلاء العقل. ولنتذكر هنا جمال الدين الأفغاني الذي بدأ حياته مهاجماً الفلسفة المادية «الملحدة» في كتابه عن الدهرية ثم تحول إلى تأييد الداروينية والتطورية الاجتماعية!
إن حصول المدارس الفلسفية المادية والتطورية على أغلبية المنورين العرب وتوجه القليل النادر للفلسفة الحيوية والرومانتيكية، يعبر من جهة أخرى عن ضعف الأساس الثقافي العلمي لدى النهضويين العرب، فالمدارس الداروينية والتطورية الاجتماعية المعتمدة على المناهج الميكانيكية كانت تنهار في القارة الأوروبية في الوقت الذي يقوم فيه بعض المنورين بالترويج لها، وبأشكال فجة أحياناً أو صادمة، وهي مناهج وفلسفات كانت غير قادرة على تحليل الظاهرات المركبة كالتاريخ والمجتمع والثقافة، وهذا مما جعل بعضهم يعادون الثقافة العربية الإسلامية بشكل ميكانيكي، دون أن يقرأوا الجدلية الداخلية المركبة لها.
وهكذا كان بعض المنورين العرب يأخذ نتائج ثقافة لفلسفات في طور الاحتضار، وهو غير قادر في الوقت ذاته على الانتقال إلى ثقافة أكثر تركيباً، كما هي حالة شبلي شميل.
لقد كانت الفئات الوسطى العربية المثقفة تستلهم مصادر غربية فكرية نقدية شتى، لكنها تلتقط الأفكار الأقرب إلى مستواها المعرفي، وأغلبها يقع في دائرة الأدب والفن والتاريخ، لتوظيفها في زحزحة السائد الثقافي المتخلف.
إن عدم قدرتها للتوجه إلى الميادين الأعمق كالفلسفة الهيجلية والمادية الجدلية بل وحتى الوضعية، كان يشير إلى هيمنة الطابع الأدبي عليها، وهو أمر سوف يتم تجاوزه في مفكرين قادمين، أخذت فيه المادة المعرضة تتسع وتتعمق عندهم، ويتم فيه جلب مدارس مادية أكثر تطوراً كما أن حضور المدارس التجريبية والوضعية والمثالية الموضوعية سيغدو هو المسيطر على المشهد الفلسفي. لقد انقلب المشهد الفلسفي الأوروبي في النصف الأول من القرن العشرين عن القرن التاسع عشر، قرن الفلسفات التطورية والكفاحية عموماً، إلى مدارس فلسفية لاعقلانية وحيوية صوفية وبرجماتية عملية مع هوامش للفلسفات الوضعية والتجريبية وهي التي كانت تضخها الجامعات الغربية، وهي كلها ترفض كشف القوانين الموضوعية للبُنى الاجتماعية، مما جعل الجيل التالي من المفكرين العرب يبتعد عن الفلسفات المادية متوجهاً للحل الوسط بين اليسار واليمين الفلسفيين، أي إلى الوضعية والتجريبية والمثالية الموضوعية كما سيظهر ذلك في أبرز الأسماء كزكي نجيب محمود ويوسف كرم وناصيف نصار وغيرهم.
لكن الفلسفات المادية ستتركز الآن في «المادية الجدلية» التي غدت هي وريثة الفلسفات المادية الميكانيكية عبر الضخ السوفيتي الشعبوي، وعبر انهيار الداروينية التي لم تعمر طويلا، كما ستتحول عربياً إلى تشويه للمادية الجدلية الحقيقية، وهو مسار سيظل مواجهاً للوضعية وغيرها.
وكما كان قانون البُتى الاجتماعية المسيطرة على المادة الفكرية المجلوبة من الخارج مهيمناً على العصر العباسي، فإن لهذا القانون نفسه سوف يتحكم في المادة المجلوبة من الغرب، هذه المرة وليس من عند الإغريق، فالبناء الاقطاعي – المذهبي سوف يتحكم في المواد الفكرية المجلوبة عبر الحدود، وسيخضعها لقوانينه الداخلية.
فتكون هذه المواد المستوردة في فاعلية الفئات الوسطى، تابعة لمدى استقلاليتها عن الاقطاع الحاكم، وهى أمور تعيودُ للتراكم المادي واتجاهه، ولطبيعةِ الصراعات الاجتماعية ومساراتها، ودور الأفكار في التوجه إلى بؤر تتطور الخ.. فنجد كيف أن المنحيين التطوري الاجتماعي والمادي يخليان السبيل للوضعية – التجريبية وللمثالية الموضوعية والذاتية والأفكار القومية ذات النزعة الحيوية والرومانتيكية، وللمادية الميكانيكية، ثم لاتجاهات بعث الإسلام كنظام إقطاعي مذهبي أي الاعتماد على النصوصية ورفض اتجاهات التأويل العقلانية، أي العودة لمرحلة ما قبل الفلسفة الإسلامية في العصر الوسيط، وهو ما يعبر عن انبعاث النظام الاقطاعي ~ المذهبي، رغم التطورات الراسمالية الجزئية. أي أن اتجاهات الفئات الوسطى وممثليها الثقافيين ستنحو نحو التراجع عن التحديث الأوروبي، والعودة للهياكل الإقطاعية، وستتعزز هذه الاتجاهاتُ عبر ابتعاد العالم العربي الإسلامي عن مراكز النهضة في مصر ~ لبنان إلى الجزيرة العربية – إيران، بل إن هذه المراكز نفسها ستواجه موجات التخلف والتفكيك الطائفيين، مما يجعل المناطق البدوية والفلاحية المهيمن عليها من قبل الإقطاع المذهبي المتخلف، تتحكم في إنتاج الوعي عامة، وهذا سيؤدي إلى تراجع حتى على مستوى الفلسفات الوضعية والتجريبية والمثالية.
- مارس 2026
- فيفري 2026
- جانفي 2026
- ديسمبر 2025
- أكتوبر 2025
- سبتمبر 2025
- ماي 2025
- أفريل 2025
- مارس 2025
- فيفري 2025
- جانفي 2025
- ديسمبر 2024
- نوفمبر 2024
- أكتوبر 2024
- سبتمبر 2024
- أوت 2024
- جويلية 2024
- جوان 2024
- ماي 2024
- أفريل 2024
- مارس 2024
- فيفري 2024
- جانفي 2024
- ديسمبر 2023
- نوفمبر 2023
- أكتوبر 2023
- سبتمبر 2023
- أوت 2023
- جويلية 2023
- جوان 2023
- ماي 2023
- أفريل 2023
- مارس 2023
- فيفري 2023
- جانفي 2023
- نوفمبر 2022
- أكتوبر 2022
- سبتمبر 2022
- أوت 2022
- جويلية 2022
- جوان 2022
- ماي 2022
- أفريل 2022
- مارس 2022
- فيفري 2022
- جانفي 2022
- ديسمبر 2021
- نوفمبر 2021
- أكتوبر 2021
- سبتمبر 2021
- أوت 2021
- جويلية 2021
- جوان 2021
- ماي 2021
- أفريل 2021
- مارس 2021
- فيفري 2021
- جانفي 2021
- ديسمبر 2020
- نوفمبر 2020
- أكتوبر 2020
- سبتمبر 2020
- أوت 2020
- جويلية 2020
- أفريل 2020
- مارس 2020
- فيفري 2020
- جانفي 2020
- ديسمبر 2019
- نوفمبر 2019
- أكتوبر 2019
- سبتمبر 2019
- أوت 2019
- جويلية 2019
- جوان 2019
- ماي 2019
- أفريل 2019
- مارس 2019
- جانفي 2019
- ديسمبر 2018
- نوفمبر 2018
- أكتوبر 2018
- سبتمبر 2018
- أوت 2018
- جويلية 2018
- ماي 2018
- أفريل 2018
- مارس 2018
- فيفري 2018
- جانفي 2018
- ديسمبر 2017
- نوفمبر 2017
- فيفري 2016
- نوفمبر 2015
- سبتمبر 2015
- جوان 2015
- أفريل 2015
- مارس 2015
- فيفري 2015
- جانفي 2015
- ديسمبر 2014
- نوفمبر 2014
- سبتمبر 2014
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
وحدة فكر النهضة : كتب ـ عبدالله خليفة
طرح مشروع التغيير في العراق مسألة أي فكر يهيمن على البلاد ويقودها في مشروعه السياسي .
وقد رأينا نماذج من التناقض الحاد بين التطرف العلماني والتطرف الديني وكل منهما يسعى للتحكم المطلق في الخريطة السياسية والدينية المنوعة .
بدأت القصة حين اندفعت الجماعات الدينية المتطرفة في منع الخمور والهجوم على محلات بيعها وحرق هذه المحلات، وما تسبب ذلك من إزهاق أرواح واعتقال هؤلاء الحارقين، وثمة أناس يعتبرونهم أبطالاً وثمة أناس يعتبرونهم مجرمين، لكن القانون ياخذ مجراه ويعتقل هؤلاء وتنطلق القضية بغض النظر عن الحيثيات الدينية!
وهنا يعمل الفقه المحافظ المنتج في قرون سيطرة الإقطاع الديني على تحويل أية قضية شرعية إلى رافعة ضد التطور والحداثة، سواء كانت قضية خمور أو قضية تحرر نساء أو قضايا حقوق شخصية وممارسات جنسية حرة أو قضية فقراء، مستهدفاً في ذلك الوصول إلى السلطة السياسية المطلقة، إذا وجد إليها سبيلاً، وإذا لم يجد اكتفى بحضوره الكبير فى السلطة الاجتماعية، أي الهيمنة على الحياة اليومية للمؤمنين به. أو أنه يعمل بكافة السبل العسكرية أو السياسية الانتخابية المجيشة بهدير ديني تحريضي طائفي، للوصول إلى السلطة، وتحقيق برنامجه السياسي في هيمنة الملالي المنتمين لمذهبه على الحكم.
ومن الجهة المعاكسة يسعى بعض الفكر العلماني المتطرف إلى تبرير أي جانب من الحقوق الشخصية والحريات، واعتبار الإسلام هو العائق الأكبر أمام تطور وحرية المنطقة!
تقوم الديمقراطية العربية الراهنة المزعومة على استمرار النظام الطائفي الإقطاعي العربي القديم، بدون المناقشة في أن هذا النظام لا يمكن أن ينتج ديمقراطية حقيقية، تعتبر الانعطافة الديمقراطية المنشودة!
أي أن وجود دولة طائفية تهمين على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية لا يمكن إلا أن يشكل معارضة طائفية مضادة، ولا سبيل لخلق ديمقراطية سوى بتجاوز الكتلتين : كتلة الدولة الطائفية، وكتلة المعارضة الطائفية!
ومن خلال الكتلتين تتشكل فسيفساء سياسية كاذبة في أغلب تلاوينها، فالقوى السياسية المقتربة من الدولة الطائفية تشكل معارضة ديمقراطية ترفض طائفية الدولة واحتكارها للسلطات، وهنا تتنطع هذه القوى في عرض ليبرالية مجردة كاذبة، أي أنها تركز في خطابها على مهاجمة طائفيي المعارضة، لا طائفية الدولة، أي لا تقوم بتحليل موضوعي ينقد كافة الطائفيين سواء الحكوميين والموالين للحكومة أو المعارضين، بل هي تقوم بعملية انتقاء انتهازية، وذلك بأن تعرض خطابات مجردة أو مقطوعة السياق وغير شاملة ودقيقة، وذلك بفرض إشاعة وعي تابع للسلطة الطائفية، التي تقوم بعرض جوانب ليبرالية جزئية من عملها ونشاطها، متغاضية عن الجوانب السيئة، بغرض تبييض صفحتها والدعاية لنهجها السياسي، أو على الأقل إبعاد موظفين وشرائح معينة من سيطرة خطاب المعارضة الطائفي المناوئ.
هذه لقطة صغيرة من الديمقراطية العربية الراهنة!
وفي الجهة المقابلة تركز المعارضة الطائفية على إخفاء طابع معارضتها الطائفي، أي إخفاء هويتها السياسية التي تعني وصولها إلى الحكم، وقلع حكم الطائفة الأخرى، كما يصور لها وعيها السياسي الطائفي.
فهي لا ترى قسمات اجتماعية أو وجود صراع اجتماعي بين الكتلة الساحقة من المواطنين المنتمين لهذا القطر العربي أو ذاك، وبين الكتلة الصغيرة من كبار الملاك وأصحاب الأموال والشركات المهيمنة على جهاز الدولة، وعبره شكلت ثرواتها.
إن الوعي الطائفي المعارض عادة يقوم بتمويه طابع المعركة الاجتماعي، وإخفاء دلالاتها الطبقية، وانعكاساتها السياسية، فيظهر معارضته كما لو كانت هي دفاع عن كل المواطنين، وكما لو كانت هذه المعارضة ستشكل سلطة أخرى غير طائفية، في حين إن المضمون الداخلي الغائر والظاهر يوضح انها جماعة طائفية أخرى، لا تختلف عن طابع السلطة الطائفي!
إذن فلو استمرت هذه العملية وجاءت الطائفة المعارضة للحكم، فإن التغيير سوف يجري في الشكل، أي أن كبار المهيمنون على الطائفة الأخرى هم الذين سيصلون إلى الحكم وبالتالي فإنهم سيمتلكون الشركات والمال العام، وفي حالة كونهم رجال دين فإنهم سوف يمتلكون ثروة البلاد وثروة السماء معاً!
ومن المؤكد إن الليبراليين التابعين للدولة، أي للطائفية الرسمية المسيطرة، أي لوجه الحكم الإقطاعي بوجهه السياسي، لديهم حق في نقد خطاب رجال الدين الشمولي، ولكن هذا الخطاب الديني الشمولي ليس حكراً على رجال الدين الطائفيين المعارضين أو الموالين، بل هو جزءٌ أساسي من خطاب الدولة الطائفية!
فالدولة العربية وغير العربية الدينية تقوم على أساس طائفي، وسواء كانت سنية أم شيعية أم مسيحية، أم شافعية، أم زيدية، أم مالكية الخ.. فإنها تقيم سيطرة المذهب، الذي هو تعبير أيديولوجي عن سيطرة الإقطاع السياسي/ الديني .
أي أن المذهب الإسلامي المعني، لا يمثل حقيقةً كل الطائفة الإسلامية، المفترض أنها هي التي في السلطة بحكم أن المذهب الرسمي للدولة يمثلها، لأن المذهب الرسمي هنا مجرد شكل، خالٍ من التمثيل السياسي للطائفة المعنية التي يقال بأنها هي التي تحكم!
فلو افترضنا جدلاً بأن الطائفة السنية هي التي تحكم في العراق يحكم أن المذهب الرسمي المعتمد في كل الدولة العراقية يقوم على المذهب السني. ولكن أي تحليل بسيط يبين خرافة هذا الوهم الإيديولوجي، في الطائفة السنية لا تحكم العراق، لا من الناحية المذهبية ولا من الناحية السياسية!
فالأحكام الشرعية المتعددة بين المذاهب ليس بينها أي فوارق فكرية أو سياسية جوهرية تقلب كيان المجتمع قلباً اجتماعياً جوهرياً شاملاً، بل هي اختلافات بسيطة حول الوضوء والإرث والصلاة الخ.. أي أن تكريس الدولة العراقية للمذهب السني في المحاكم والحياة العامة، مجرد تكريس لبعض جوانب عبادية شكلية لا تختلف نوعياً عن الممارسات الشيعية والإسماعيلية والزيدية الخ..
أي أن الفروق بين المذاهب الإسلامية مجرد فوارق شكلية، ليس فيها مثلاً اشتراط أن يكون الحاكم منتخباً بالاقتراع السري! أو من بينها مثلاً أن يكون الحاكم من الكادحين أو من طبقة الصناعيين أو أن تقطع يد الحاكم في حالة السرقة!
وبهذا فإن الحكومات المذهبية المتعاقبة في العالم الإسلامي، لم تكن تجري تغيرات جوهرية ونوعية في حكمها ساعة تبدلاتها الكثيرة والدموية في أكثر الأحيان!
فنحن لا نلحظ تغييراً حين أعقب العباسيون الإماميون الأمويين الانتهازيين الدينيين، أو حين جاء الإسماعيليون لحكم مصر وأطاحوا بالخلافة العباسية، أو حين أطاح صلاح الدين بهم وأقام الدولة على المذاهب السنية، أو حين أطاح الإثنا عشرية بالحكم المغولي أو التركي السني ! أو حين صار أهل شمال افريقيا مالكية بعد أن كانوا من الخوارج، وربما كان هذا يعبر عن خضوعهم للسلطة القاسية أكثر من اقتناعهم بالمالكية!
لم يشهد العالم الإسلامي في تحولات الحكومات المذهبية أي تغيير، فأختكِ مثلكِ، لأن الملاك الكبار، الحائزين على الثروات، هم الذين يستبدلون الكراسي، وهم الذين ينعمون بالامتيازات، ولم نجد حين استولى صلاح الدين وأطاح بالإسماعيلية بأن كادحاً مصرياً سنياً حصل على أرض، أو أن الفاتح الكبير والمحرر الكبير قد غير من طبيعة استغلال الفلاحين السنة أو المسيحيين، الذين لم تتغير عليهم كميات الخراج ولا سياط الملتزمين!
ولم نر ان الإثناعشرية حين حُكم باسمها في إيران أيام الدولة الصفوية أو أيام الجمهورية الإسلامية الحالية قد غيرت من وضع الفقراء والفلاحين ولا يزال هؤلاء مستغلين منهوبين للدولة والاقطاع الدنيوي والديني ممنوعين من الإصلاح الزراعي الذي حتى الشاه الراحل قام بتطبيق جزء منه!
فلم يستطع الفرد الشيعي سواء كان في الحكم الطائفي أو المعارضه الطائفية أن يحكم، أو حتى يقترب من السلطة، التي ظلت لأصحاب الملايين والمليارات حالياً!
إذن فإن الحكومات العربية وغير العربية الدينية التي تحكم باسم المذاهب والطوائف لا تمثل حتى الطوائف التي تزعم تمثيلها، وكذلك فإن المعارضات الطائفية التي تزعم تمثيل الطوائف هي لا تمثل الطوائف!
والأمر بسيط لأن الطائفية دكتاتورية!
والأمر يعود أيضاً لهذه الأدلجة التي تمت للمذاهب، ولعمليات تسييسها ولاخفاء مضامينها، عبر السيطرة المستمرة لكبار المتنفذين والأغنياء والمتسلطين عليها، والذين قاموا بشكلنتها، أي بجعلها شكليةً، متمحورة في الأشكال العبادية التي عملوا على تركيز الاختلاف فيها، والمحافظة على هذه الاختلافات بغرض إبقاء سيطرتهم السياسية والاقتصادية على جماهير المسلمين العاملة، واستمرار استغلالهم لها، وإبقائها في ظروف الفقر والعوز والتخلف والفرقة والعداء!
إذن أمام قوى المسلمين المختلفين المنهوبين المستغلين المبعدين دائماً عن الحكم الحقيقي، أن ينسحبوا من عباءات التسييس المذهبي ويتوحدوا!
إن التسييس المذهبى هو دكتاتورية، لأنه رفض لوجود الفقراء والمستغلين، لأنه رفض لكيانهم الاجتماعي المستقل، رفض لوجودهم كقوى اجتماعية مختلفة عن الأغنياء المتحكمين في الطوائف كلها!
فلماذا يخافون أن يتوحد الفقراء سنةً وشيعة ومعتزلة وزيوداً ودروزاً ومسيحيين وعلمانيين وليبراليين وماركسيين؟
لماذا يشكلنون المذاهب ويجعلونها أشكالاً تخفي سيطرتهم المالية على الأراضي والبنوك والمال العام، ولا يريدون لفقراء المسلمين وعامليهم وفئاتهم التجارية البسيطة أن تتوحد وتدافع عن حقوقها وعن أوضاعها السيئة في الأجور والسكن والصحة والتعليم؟
إن هذا بسبب أن الكثير من المثقفين المسيسين تابعين لمثل هذا الوعي الطائفي الطبقي التابع للكبار .
لماذا جعلوا أقوال الأئمة شكلانية ووسائل بهدف سيطرتهم على البساتين والأسهم والعقارات؟
لماذا لا يحررون الأئمة من هذه السيطرة ويطرحون برامجهم السياسية والاقتصادية بشكل مكشوف ودون تستر بالمقدس؟
لماذا لا يجتمعون في طبقة مالكة من شتى المذاهب تطرح برنامجها الاقتصادي والاجتماعي الذي يحفظ ويوضح مصالحها وحتى أن تجذب الناس المختلفين اجتماعياً من خلاله؟!
لماذا يزعمون أنهم يتعاركون على الدين والمذاهب وهم يتعاركون على المصالح والكراسي؟!
هذا يتطلب نهضويين وديمقراطيين ينبثقون من شتى المذاهب ويؤسسون حركات ديمقراطية عميقة تقوم على هذه الأسس الفكرية!
حركات تقوم بإبعاد المذاهب عن هذا الاستخدام السيئ للمذاهب وتجمع الفرقاء الاجتماعيين كلٌ وأهدافه دون تستر براية مذهبية أو بسلطة طائفية!
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
قضايا حقبتنا : كتب ـ عبدالله خليفة
اعتمد الفكر الغربي المركزي على تصدير خطوطه الفكرية إلى العالم، من دون أن يجعل الأمم غير الغربية تنتج أفكارها من تطورها الخاص، سواء أكان ذلك في تصدير المنهجيات الحديثة بشتى طرائق بحثها، أم بتصدير الأفكار الخرافية والدينية والأسطورية والفاشية الخ..
وحتى اليسار المناضل في الغرب صدّر مثل هذه الأفكار سواء في الفكر الاشتراكي الديمقراطي أم الشيوعي، وأحياناً يقوم أبناء الشرق أنفسهم باستعادة وترجمة واستيراد مثل هذه الأفكار، وهو أمر مفيد ولكن الأمر لا يغدو تأصيلاً وحفراً داخل طرائق تطور هذه الأمم.
إن المنهجية الموضوعية مهمة وهي نتاج يعلو على ظروف الأمم الخاصة ومصالح طبقاتها المسيطرة، ولكنها تحتاج إلى علماء، أي إلى متخصصين يغرسونها داخل ظروف مجتمعاتهم ومن أجل مصالح أممهم.
فقد تورطت بعض فصائل التقدميين العرب باستيراد الموديل (الشيوعي) على سبيل المثال، أي استيراد لافتة حزبية أكبر من حيز مجتمعاتها، وتعبر عن السياسة الروسية في زمن سابق، وبالتالي تطرح قضايا ومهمات غير ممكنة، ليست فقط غير ممكنة على مستوى العالم العربي الإسلامي الإقطاعي الذي يواجه إزاحة الحياة التقليدية المتخلفة، بل أيضاً على مستوى حياة روسيا والصين وشعوب الشرق عامةٍ.
ليست لأن الاشتراكية والشيوعية مستحيلة على صعيد تطور الإنسان القادم، بل لأن هذه قضايا فوق مستوى مثل هذه الشعوب، التى تواجه قضايا أقل من هذه القضايا المركبة المستقبلية، وتلك القضايا من الممكن أن تطرح على مستوى الأمم الغربية التي اجتازت مراحل كبيرة من التطورين الصناعي والعلمي.
وقد حاولت فصائل عربية عديدة توريط التقدميين البحرينيين في مثل تلك التسميات من دون أن ينجحوا في إلباسهم إياها.
فاكتفى التقدميون البحرينيون بمهمات (التحرر الوطني والتقدم) معتمدين على حس واقعي وعلى رفض أساليب المغامرة في العمل السياسي.
لكن الآن وبعد تجارب كبيرة شهدها العالم أصبح تجذير هذا الوعي يتطلب علوماً ولم يعد الحس كافياً.
إن التقدميين الذين يقفزون على حقبتهم، وجدناهم في العديد من الدول العربية يواجهون جدرانا صماء، فبلدان لا تزال تناضل من أجل فقط إخراج النساء من ظلمات البيوت ومن عوالم الجهل والسمنة المرضية، وينغرس فلاحوها في الطين ويعيشون بين البقر، وتحتاج هذه البلدان إلى توحيد البدو بأهل المدن وإلى ثورة معرفية وغيرها من المهمات، مثل هذه البلدان ظهر بينها الاتحاد الاشتراكى وحزب البعث الاشتراكي والعديد من الأحزاب الشيوعية، طارحةٍ أسماء تعود إلى حقبة أخرى تالية، لأناس سوف يظهرون لاحقاً، ولا ندري متى؟
والغلط ليس في الأسماء، بل في هذه العقلية التي تفترض مهمات كبرى لمجتمع لا يحتمل مثلها، كأنها تعد طفلاً لسباق الحواجز، وهو أمر يجعل بين الأهالى وبين هذه الأحزاب هوهٍ كبيرة، ليست معرفية فقط بل سياسية أيضاً، وهكذا وجدت هذه الأحزاب نفسها تنفصل عن الموروث، حيث تدعوها العقلية الغربية ذات المهمات المغايرة، إلى الانفصال عن هذا الموروث (المتخلف).
وحتى في هذه السنوات التي تشكو المجتمعات العربية من الظمأ إلى الشركات والمصانع ومن قلة انتشار محلات الانترنت، لا يزال بعض (الاشتراكيين) يرفض الرأسمالية (المتوحشة). في الوقت الذي يحتاج فقط الريف العراقي الى السلام والعمل، وتنضب دكاكين فلسطين من السلع ومن الأعمال، وينضب الريف العربي من الجرارات الزراعية!
لقد سجلت المجتمعات العربية أدنى درجات التحديث عالمياً، أرقاما هائلة في البطالة وفي الأمية وتخلف النساء، الأمر الذي يتطلب واقعية في النظر السياسي لدى طليعي المقاهي.
هذا لا يعني ألا يناضل الديمقراطيون والليبراليون والدينيون من أجل الفقراء وحقوق العمال والنساء والحرفيين، فهذه قضية مختلفة، لكنها تُؤخذ في إطار العمل الواسع من أجل التنمية والتحديث والرأسمالية كذلك!
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
(الطفولية) والنضال المعاصر : كتب ـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
يعبر (الطفوليون) السياسيون عن فقدان البصيرة الموضوعية، وتحكم مشاعرهم الحادة في سلوكهم، ويمثلون فرصة للاتجاهات المضادة في استغلال أعمالهم لتضييع الأهداف الحقيقية للناس.
وفى حين تمثل الاتجاهات الصبورة والعقلانية والانتقادية العاملة بمثابرة وبأشكال دستورية وقانونية، تحدياً حقيقياً لكل جماعة متكلسة، فإن الطفوليين يقدمون أفضل الخدمات لهذه القوى من مواقع تطرفهم وحماسهم العنيف.
إن الهجوم على شخصيات مسئولة وسياسية عامة بلغة وصور شخصية مقرفة وفردية، هي إساءة للنضال السياسي ومعانيه، فهي تلغي بهذه الشخصيات العامة المحترمة في مواقف مضادة، وتحول الاختلاف معها إلى معركة شخصية نارية وعاطفية تدفعها إلى مزيد من المواقف غير الموضوعية.
إن الساسة الطفوليين يفتقدون هنا إلى القدرة على تشريح وتحليل ورصد مواقف هذه الشخصيات، فإذا كانوا يمتلكون أية تحليلات حقيقية لمواقف هذه الشخصيات كانوا قد كتبوها بلغة موضوعية هادفة.
ولكن هم بأساليبهم هذه الشخصية التجريحية المغرضة جعلوها في محل التعاطف العام، كما تعرضوا هم أنفسهم للمساءلة القانونية، والنقد الاجتماعي والرفض الوطني! إن التصرفات الغوغائية هنا تضر التيارات التي تكون نفسها بصبر بين الجمهور، والتي تريد تحقيق إصلاحات حقيقية للجمهور عبر المؤسسات العامة، وهذه الإصلاحات لن تأتى إلا من خلال الدخول فى مختلف الأطر البرلمانية والبلدية والنقابية والصحفية والاجتماعية لكي تجعل من أهدافها مقبولة للمجتمع.
إن نفاد الصبر هنا، واستخدام اللغة النابية الشخصية تعبر عن العجز عن الفعل السياسي الناضج، واستخدام أساليب مضرة وغير مثمرة، تؤدي إلى المزيد من المشكلات.
وهذا ما قامت به التيارات الطفولية عبر تاريخنا السياسى من تهجمات شخصية ومن طرح أساليب نضالية غير معقولة، وإعادتنا للوراء دائماً، في حين كانت الصفوف تتجمع والطاقات تشحذ.
إن التحدي الأكبر لهؤلاء هو العمل داخل الأطر الممكنة، وتجميع صفوف الناس، وخلق تعاون واسع بين المجموعات السياسية على مختلف أشكالها، تحقيقاً؛ لإحداث تحولات ملموسة في حياة الجمهور ولمطالبه.
إن نفاد الصبر لدى مجموعات معينة، تستدعي من الجماعات المرنة والعقلانية تقليل الأضرار ما أمكن وتفويت الفرص على المتصيدين في الماء العكر، وعزل ومحاصرة هذه المجموعات الطفولية وترشيد خطواتها السياسية، فليست هي بأعدادها القليلة وحدها المعبرة عن الجمهور.
وهذه الأخطاء من جهة أخرى فرصة لتشكيل قيادات سياسية مغايرة مسئولة ودقيقة ونافذة في الحياة ومشكلاتها، بحيث تعبر عن ما هو موضوعي وعام، ومجمع للصفوف، وموحد للوطن، وليس ما هو ناشز وفردي ويعبر عن خصومات وأحقاد شخصية ليس ميدان العمل السياسي الوطني هو مكان تفريغها. إن شخصيات ناقدة وطنية ومعها حشود من الأرقام والحيثيات والأدلة وبرامج العمل الجديدة والمشروعات، هي التي يحتاجها العمل السياسي والبرلماني بدرجة خاصة، ولا نحتاج لشخصيات ليس لديها سوى الشتائم والسباب!
انتظر (بحماس) صواريخ إيران على إسرائيل
قراءة في تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة
الدكتور إبراهيم غلوم .. ورؤية خاصة وغريبة عن التجريب المسرحي
أين صواريخ ‹‹حزب الله›› على إسرائيل؟!
إضاءة لذاكرة البحرين
العنفُ مبررٌ ضد الصهيونية
اليهودُ من التراث إلى الواقع
اليهودية كدكتاتورية شرقية
هتلر يحكم إسرائيل
غزة وحماس
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
العلمانية وحقوق المواطنة : كتب ـ عبدالله خليفة
تتعارض حقوق المواطنة مع الدولة المذهبية أو الدولة الدينية، ففي الدولة القائمة على دين أو مذهب، هناك المسائل الحقوقية الكبرى المترتبة على هيمنة المذهب الفلاني، وبالتالي فإن المنتمين إلى مذهب مغاير يكونون بالضرورة في مرتبة حقوقية أدنى.
وعلى الرغم من رفض الدول الإسلامية هذا الوضع رسمياً فإن الحياة الضمنية المتوارية شيء مختلف.
ولا ينظر المثقفون والسياسيون والحقوقيون في العالم الثالث إلى هذه المسألة الجوهرية، وبالتالي فإن مسألة المذهب السائد سياسياً، قد أصبحت مشكلة حقوقية إضافة إلى أنها عائق لتطور الوحدة الوطنية والتعددية السياسية والاجتماعية.
والمذهبية السائدة وحقوقها المتميزة مخالفة للإسلام شرعاً، حيث إن أمة الإسلام حسب وعي الشرع أمة واحدة، والمذهبية السياسية من البدع التي حدثت في القرنين الثاني الهجري والثالث.
ولهذا فإن العلمانية الإسلامية هي الجائزة والمقبولة فقهياً وسياسياً، حيث تغدو الدولة بلا مذهب سائد، وبلا مذاهب مخالفة، فلا يسأل المواطن عن مذهبه إذا أراد أن يصدر جوازه، أو حين يريد أن يدخل الجيش أو حين يرشح نفسه في دائرة انتخابية، وكل من يسأله يتعرض للعقوبة.
وبهذا يجد المواطن المسلم أو المسيحي نفسه حراً، وتجد الدولة نفسها حرة من المذاهب السياسية، ولا يجد الطلبة أنفسهم مجبرين على تعلم مذاهب لا يريدون تعلمها. وتصبح حصص الدين اختيارية.
ويجد المواطنون أنفسهم كمواطنين وليس باعتبارهم سنة أو شيعة أودروزاً أو مسيحيين أو موالك أو شوافع أو غيرذلك من صنوف المذاهب التي صارت حكومات ودولاً، بدلاً من أن تكون فتاوى مدنية لأسئلة الحياة.
تحرير الأديان من هيمنة واستغلال السياسيين، تجعل الملا يتحول إلى زعيم مدني، ترفض الدولة أن يستغل الدين في دعايته السياسية، بل تطالبه بأن يوضح برنامجه الاجتماعي والسياسي، وان يحدد الطبقة أو الفئة التي يعمل من أجل تطوير اوضاعها، وان يدع الكلمات الدينية المجردة، وبهذا يتم التعامل معه كمسئول ساسي مُحاسب من قبل ناخبيه، وبهذا أيضاً ينقذ المذهب الذي ينتمي إليه من المسئولية السياسية التي قد تسببها أعمال السياسي المذكور.
وإذا قام المذكور بأعمال إجرامية روج لها تحت اسم الدين أو المذهب، فإن العواقب تكون وخيمة ليس عليه فقط بل على المنتمين إلى الدين أو المذهب الذي ينتمي إليه، والذي زعم إنه يعمل تحت رايته وهداه.
إن تفكيك العلاقة بين المذاهب والسياسة لن يضر المذاهب بل سيفيدها، وسيكون أكبر النفع على المواطنين الذي سيتحدون، كشعب واحد، وبالتالي ستتطور الأمم الإسلامية لتصبح أكثر قوة ووحدة وحرية.
إن العلمانية تكون في المستوى السياسي فحسب، أي ان المواطنين متساوون أمام الدولة اللامذهبية، في حين ان حياتهم الاجتماعية هم أحرار في تطبيق الأحكالم الشرعية التي يريدونها.
وبهذا فإن الدول الإسلامية تنسجم في سياستها وقانونها، فلا تغدو ثمة مذهبية سائدة، أو مذهبية مغلوبة على أمرها ويغدو المواطنون على درجات، بل على درجة واحدة.
وسيحرر هذا الفئات الوسطى والعاملة من الانقسام ويوحدها في تشكيل المجتمع الحديث من مواقعها المتميزة.
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
الدينيون واللادينيون : كتب ـ عبدالله خليفة
أخلاق التغيير
«أدبني ربي فأحسن تأديبي»، حديث شريف .
حين يسمعُ الإنسانُ العامي البسيط هذا الحديث الشريف يخيل إليه أن ثمة مدرسة إلهية علوية هي التي قامت بتغيير سلوك النبي (صلى الله عليه وسلم) فحولته في طرفة عين من حال إلى حال .
ويروى في العلم القديم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد جاءه ملكان وشقا صدره وغسلا قلبه بثلج وكأن هذا كان تطهيراً وغسلاً وتربية كلية أبدية .
ولو كان ذلك كذلك لما احتجنا إلى المعاناة النبوية والبشرية عامةٌ، أو إلى المرحلة المكية والمرحلة المدنية، وإلى الحروب وقطع طرق القوافل والغزوات وتثقيف البشر والصراعات المضنية .
وهكذا فإن التربية مدرسةٌ أرضية، ومعاناة وآلام، ونزول إلى المعلمين وصعود بثمار التربية، لتكون مدرسة للعالمين .
والأدب هو لغة تعني خلق حسن الأخلاق عند الإنسان، والأخلاق لا تنشأ في فضاء مجرد، ولا في صحراء خاليةٍ من البشر والحيوان والكائنات بل هي تظهر لدى الإنسان حين يعامل الآخرين بالحسنى واتساع الصدر والحب، ولكن الأخلاق الرسولية التي وضعت في بالها تغير حال الإنسان من عصر إلى عصر، تضيفُ إلي هذه الأخلاق الطيبة لدى أواسط الناس شيئاً كثيراً من التضحية ومن الغوص في المعرفة.
فأخلاقها لا بد أن تحتك بالكريم والوضيع والمنافق والدساس والطيب، وتنزل إلى الأسواق تدعو، فيجابهها خصومٌ عتاةٌ، وعامةٌ ضائعة في البحث عن أرزاقها، ولا بد أن تقول كلمتها أمام الجميع، فلا تداهنَ المنافقَ وتحبُ الفقيرَ الجاهل لكي ينتبه، ولا تحابي الغني المغرور الذي يريد أن يشتري الدعوة بأمواله .
إن النزول إلى الشوارع والأسواق والدعوة بين العبيد والحرفيين والتجار، يجعل الذات المنعزلة تنصهرُ في معمل التغيير، فأي غرور فيها يصيرُ تواضعاً، وأي انعزال داخلها يصيرُ مشاركةً، وأى غضبٍ لديها يصير حلماً، وأي جهل عندها يتحول إلي علم.
والنبوةُ الكريمة العالية المغسولة بمعنى الإله تُغسل بماء الناس، وعذابهم وبحثهم عن سبيل للتغيير من حبس الأشراف واستغلالهم، ومن تفرق القبائل وتشتتها، وحروبها الجاهلية «العقيمة»، ومن ضياع القادة في أنانيتهم الشخصية، لكي ينصهروا في التحول الكبير.
إن كل هذا يتحول إلى حركة تاريخية تدخل من الأمور الصغيرة إلى عظائم التاريخ ومسرح التغيير العالمي .
ولا بد لكل قائدٍ من عالم خاص تجب مراعاته وتغيير سلبياته، ولا بد لكل زعيم عشيرة من مصالح مؤقتة يحسبها هي كل الوجود، وهناك زعماء الاديان الذين حبسوا في تفاسير قديمة، ولا يرون آفاق التغيير الراهن الوفيرة بالخير.. وكل هؤلاء المحنطين في ثيابهم العتيقة وحفرهم الضيقة لا بد من مراعاة أوضاعهم الخاصة لكي يخرجوا منها ويروا ما هو عام وعظيم!
إن النبوة مثل مدرسة كبرى في تغيير العالم العتيق تصهر ذاتها في فرن هائل ومن نتفٍ من الشخوص ومن لمعات من الأخلاق والضوء ومن قادة يظهرون من بين الأميين تتشكل أخلاقٌ جديدة .
إن البساطة، والتواضع، والمحبة، والصلابة، وفعل الخير، وحب الحياة، وعدم الخوف من الموت، والشجاعة، والعمل للآخرين وللعرب وللبشرية الخ .. هي الأخلاق التي تكونت في زمن التغيير النبوي لكي تكون ميراثاً لمن يريد أن يغير ويضحي ويكتشف سبلاً جديدة للأمه.
الدينيون واللادينيون
أسوأ الناس هم الذين يتاجرون بكتاب الله وكلام الله ليصلوا إلى أغراضهم الدنيوية، ليجمعوا العقارات والأسهم ويشيدوا المباني التي تنزل على رؤوس الفقراء إيجارات باهظة.
إنهم يرددون كلام الله ليتاجروا في دماء وعظام المسلمين، لا تأخذهم من كلمات الله خوفاً أو خشيةً من عقاب أو تفكير في ثواب!
وربما أفضلهم هؤلاء اللادينيون الذين لم يؤمنوا ولكنهم يخشون الحرام فيدافعون عن الفقراء ولا يفكرون بدينار واحد يسرقونه من فم امرأة عاجزة ويتيم، جحدوا بالآخرة فانصفهم الله!
الدينيون الذين جعلوا من كلمات الله تجارةً، فتسلقوا المناصب والمباني الطويلة في فساد السياسة، وأثروا على حسب القرآن، ويرددون كل يوم أحاديث الرسول المصطفى وآيات الله وهم لم يدخلوا زقاقاً يسكنه فقراء، ولا نضحت كلماتُ النفاق لديهم بالضرائب الباهظة على كواهل المتعبين من الرجال والنساء، ولا لمسوا دمَ سجينٍ تكهرب جسدُهُ من سياط المعذّيين، ولا تصدوا لرصاص ينطلقُ على عمال مضربين لأجل دراهم زهيدة، ولا وضعوا كلماتهم، ولا نقول أجسادهم، لتقف دون بلدوزات تهدمُ بيوتَ الفقراء لتؤسس ناطحات سحاب للأرباح الصماء.
هناك من الدينيين من يفكر فى الثواب والعقاب، ومن امتلأ ضميره بخشية الله، فتراه مسكوناً بالبحث عن الحق والحقيقة أين يكونان، لا تهمه خرائط الجغرافيا البشرية، ولا ألوان المعذبين ولا جلود الممزقين، لكن تكفيه آثار الحوافر في الجلود، ويرتعش ضميره بالخوف من بضعة دراهم أخذها وهي له، وإذا حكم ووضعت أمامه خزائن الأرض سلمها لمن لا فلس عنده، ومن تنغرز أقدامه في السبخ الملوث بالشوك وخناجر المكوس..
التجارُ بكلمات الدين والإلحاد والصوفية والثورة والليبرالية هم أنفسهم، طلاب المنافع، والتسلق على ظهور الآخرين والصعود على الضحايا والآلام، هم أنفسهم الذين يبيعون أقرباءهم وأمهاتهم في أية لحظة كساد في الجيوب، هم كلهم الذين يتعاونون على وضع القيود واستغلال الناس وبناء عمارات العذاب.
لن تتخلص من سكاكينهم في روحك إلا إذا نزعتها من مهرجانات الأنا، وحب الذات، ومشيت على شوك التضحية والبساطة، وجمعت بين كفاح الأنبياء ونضالات الفلاسفة، بين نضال المؤمنين الذين تخلصوا من حب الكنوز، ونكران الذات لدى اللادينيين الذين تمردوا على عبادة الفرد، وأخلصوا للحقيقة من أي جهة يجيء بها الهواء النقي والوعي غير الشقي.
بوصلة الحقيقة تكمن ريشتها الدقيقة في مساكن الفقراء وأجور الضعفاء كيف هي وإخلاص الأغنياء للوطن، ودعم الإنتاج ورفض البذخ وسرقة المال العام سواء أكانت لدعم اتجاه ديني لضرب الديمقراطية، أم دعم اتجاه علماني لكتم الأصوات ، وأما التعاويذ والقراءات اللفظية والجعجعات الموسمية فهي كلها تجارة لأناس باعوا أرواحهم لمن يدفع.
وكلما سمعنا منادياً يتاجر بكلمات الإله تساءلنا ماذا أخذ وماذا أعطى، فإذا كان يدافع عن الناس لأنه يتصدى للعمل العام، قلنا إنه رجل فاضل، وأما إذا كان يريد توسيع تجارته وضم بنايات جديدة إلى بناياته، قلنا انه كاذب يتاجر بكلمات الدين فهو أسوأ على الدين من الملحدين النفعيين!
لابد من التفرقة بين من يمارس التجارة باسم الدين، ومن يمارس التجارة إصلاح الدين والمجتمع ، فمن يتاجر بالدين وصل إلى الدرك الأسفل، والخطورة هي في ظهور الأدعياء بمطهر الدعاة، وسيطرة الفساد على مواقع البث الإيماني، وعملية الخلط بين السام والسامي، وبين بيع الزهد بالزهيد، وشراء العرض بدل العريض، وتقريب التافه لا الثمين.
إن معيار الصدق هو التصدي للفساد والاستغلال البشع وهو معيار رفضه الدينيون واللادينيون الانتهازيون!
المؤمنون واللا مؤمنون
كان الإيمان في صدر الإسلام مرتبطاً بمضمون اجتماعي مطابق له، فالمؤمن مدافع عن الدولة الشعبية التي توزع الخيرات بين المؤمنين بالعدل، لكن حين أصبحت الدولة الإسلامية مضادة لهذا التوزيع وللتعبير عن الجمهور الشعبي، التبس الإيمان!
لهذا غدا الإيمان عند متخصصي السياسة والمتعهدين في استثمار تضحيات الناس، تجارةً.. وهذا قد بدأ عند مؤسسي حكم الأسر، الذين كانوا يريدون أن ترث قبائلهم وأسرهم لحم الناس وتبيعه في السوق.
ولهذا لم يكن عهد النبوة وعهد الخلفاء الراشدين عهد تجارة بالدين والإيمان، بل عهد تأسيس للحضارة الإسلامية بشكل التضحية والتعاون.
ومن هنا غدا الإيمان عند أغلبية الطبقة الحاكمة والسياسية والدينية بعد ذلك تجارة، وهو لا إيمان عميق، فغدا الحكم اللصوصي وتوزيع الغنائم على المتنفذين إيماناً، وهو لا إيمان وعدم إقرار بالثواب والعقاب، وعدم خوف من عقاب الله، وتجريد الإسلام من أحكام الضمير والجنة والنار، وتسويق ذلك كدعاية للعوام من أجل السيطرة عليهم، واستغلالهم.
وسوقت ذلك طوائف من رجال الدين، وفصمت الإيمان عن الممارسة السياسية العادلة، وعن سرقة أموال الناس، فيمكن أن «تؤمن» ولكن تستطيع أن تتحول إلى جزار ولص وانتهازي، والمهم هو أن تقول كلمات وتؤدي حركات، لكن ضميرك الداخلي غير موجود!
ولهذا كان الحجاج بن يوسف الثقفي يعتبر نفسه مؤمناً رغم أنه يجثم على سجن به عشرات الآلاف من المعذبين والموتى!
وكان المعذبّون بعد أن يسلخوا جلودَ المناضلين يتوجهون للصلاة!
وحين نشأت الحركاتُ الوطنية والديمقراطية الحديثة ورأت هذه المجازر الفكرية، ظهر اللا مؤمنون الرافضون لذلك الإيمان، والمنكرون لله واليوم الآخر والثواب والعقاب، باعتبارها ضلالات الطفولة الفكرية، وليس باعتبارها ميراثاً عميقاً لشعوب، اعتبرتها نظاماً سياسياً لا يفصل سلطة الشعب عن توزيع الخيرات بشكل مشترك، ويجعل خدمة الناس جزءاً من الرقابة الإلهية عليه!
ولكنهم إنكارهم تلك المثاليات الغيبية، عملوا على تجسيدها بدمائهم وفي النضال الملموس بين الناس!
فلم يمارسوا سرقة من المال العام، ولم يتواطأوا مع الأجنبي المحتل، حتى جاء وقتٌ تحولت التجارة بالدين إلى شكل واسع، وشعر الكثير من المؤمنين واللا مؤمنين بأهمية التجارة فى الدين، والاحتيال فيه!
فغدا الانتهازيون من الطرفين يدركون اهمية التجارة برموز الإسلام، وخداع المؤمنين، للحصول على مكاسب مادية، وليس لفضح ونقد الأوضاع العامة السلبية التي يعانيها الجمهور، والدفاع عن المال العام..
وغدا هذا التوحد الانتهازي استثماراً خطراً على الفريقين، فالفريق «المؤمن» يعرض نسيج الدين للخطر، ونسيج الدين هو ميراث أجيال طويلة، ويعبر عن هوية وجودها وتميزها بين الأمم ومقاومتها عبر العصور، والتقدمُ يجري من خلال تطوير هذا النسيج، وليس بتمزيقه!
فهذا الاستثمار ينشرُ اللا إيمان به، حين يحوله إلى سلعةٍ رخيصة، ويشكك الناس العاديين في قيمه التاريخية، فلا يفترق هنا الحجاج بن يوسف الثقفي عن أي زعيم من هؤلاء، يعرض حياة الناس للخطر والموت بإدعائه تمثيل الإسلام وحده أو مع جماعته المميزة أو تحويله الإيمان إلى حصالة لجيوب المنتفعين!
والصراع مع هؤلاء إنقاذ للإيمان قبل كل شيء.
وحين يغدو اللا مؤمنون مؤمنين بحسب بورصة الانتخابات والحلم بالكراسي، بعكس أن يشكلوا اقتراباً موضوعياً من الإسلام باعتباره ثورة نهضوية توحيدية، لا تحتاج إلى بخورهم وتعاويذهم المفاجئة واحتيالهم!
وباعتباره الطريق الأسهل للهبر من لحم البسطاء والعاملين!
فهذا يعني أن اقترابهم من الإسلام هو اقتراب تضليلي، يشارك في تمزيق نسيج الإسلام كما يفعل خصومهم الانتهازيون اليمينيون، وهنا تغدو الجهات أكلاً من الذبيحة الشعبية من جهات متعددة!
فلا اعتبار للثواب والعقاب ولا اعتبار للضمير ولكن هي المصالح الشخصية وتكديس الثروة!
وبما أن الجمهور غافل فهي فرصة، فلا رقيب ولاحسيب!
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
-
اشترك
مشترك
ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.
