عاشَ الشرقيون آلافَ السنين والتاريخ لا يتحرك، التاريخ جامدٌ لديهم مربوط بالجبال الرواسي، لأن قوى تاريخيةً جديدة لم تظهر، إلا في لمحاتٍ حين ظهرتْ مشروعاتُ فئات وسطى صغيرة من التاريخ وسط بحر بدوي أو وسط ركود ريفي مديد تسيجهُ حضاراتُ الأنهار الاستبدادية العريقة.
الشرقيون لا يعرفون الحوار لأن الصوت الواحد هو المسيطر، صوتُ الطبقة الوحيدة على المسرح.
حين قامتْ الانقلاباتُ العسكرية ظهرت طبقة جديدة على خشبة المسرح السياسي، لكنها لم تتداول الحكم، فلم تعرف الحوار.
الحوارُ هو حوارٌ اجتماعي طبقي وليس ثرثرة طويلة تستمرُ عقوداً أو قروناً كما فعلت القوى السائدة الشرقية على مر التاريخ، ومن هنا كان الغربُ يسير والشرق واقف.
الحوار هو إمكانية للطبقات أن تغير النسيج الاقتصادي الاجتماعي من خلال وجهات نظرها ومصالحها.
العسكريون والأنظمة الشرقية الآسيوية غير الديمقراطية واقفون في عوالمهم وهم يظنون التاريخ متحركاً.
ثمة بناءٌ ومشروعاتٌ وسفراء ووزراء وانتقالات لكنها كلها حركاتٌ في الفراغ.
حركاتُ الفراغ إما أن تؤدي إلى التآكل الاقتصادي السياسي المُفتت وإما أن تكون مقدمة لتحول قادم، حين تظهر قوى وسطى اجتماعية تلملمُ شظايا الجماعات والمذاهب والطبقات في مشروع تحولي يفيد كل الطبقات.
أشادت الحضارات الشرقية أكبر المباني في التاريخ عبر قوى العمل المجمدة فذهبت تلك المباني أدراج الرياح.
دولُ حوض الخليج خاصة تعيشُ زمنية الفراغ التاريخي، زمنية الركود، وثبات القوى الاجتماعية التي هي ذات الصوت الواحد، ذات الطائفة ومستوياتها العليا المتحكمة في الاقتصادات.
بدا التاريخ متحركاً ويضج في سنوات لكن ظهرت الطوائف لتصنع التاريخ، والطوائف لا تستطيع أن تصنع التاريخ، بل تعيده للوراء أو تجعله واقفاً متآكلاً يعيدُ أسطوانته على مدى الدهر.
الطوائفُ تكويناتٌ مما قبل الطبقات، تمثلُ النسيج الشرقي الاستبدادي المحافظ غير الديمقراطي.
الدول الاستبدادية المحافظة لم تسمح للطبقات الوسطى أو العاملة أن تصنع تاريخاً جديداً.
الطبقاتُ العاملة مشروعاتها التاريخية أفلست حين اعتمدت الرأسمالية الحكومية الشمولية.
الطبقاتُ الوسطى لم تُعطَ الفرصَ في الكثير من الدول.
الحوار إما أن يكون حوارا داخليا (مونولوجا) وإما يكون حوارا خارجيا (ديالوجا).
وقد سيطر الحوارُ الداخلي في التاريخ الشرقي، فالطبقات الحاكمة لا تحاور إلا أنفسها، فهي تستمعُ ثم تقرر هي نفسها.
الحوارُ الخارجي الديالوجي هو حوار اجتماعي، تقرره صناديق الاقتراع، وجدل المصالح المختلفة المتآزرة في النظام الوطني المشترك.
الجماعات التي تحكم بذاتها لذاتها تبقى نظاراتُها ترى أفقاً واحداً وسطحاً دائماً من الواقع، لأن مصالحَها المكرسة لا تسمح لها بأن ترى شيئاً آخر.
لكن التاريخ الذي لا يمشي ينكسر في النهاية، ولم يعد الشرقُ سرمديا في سلطانه وبخوره وتعاويذه وحفلات الزار السياسي التي يقيمها، بل ظهر تاريخ آخر، ودخل العالمُ ديالوجا عالميا شرسا.
فإما أن يدخل الشرقُ التاريخَ وإما أن يخرج منه.
اكتشاف المزيد من عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
