مراجعة نقدية لمقال د. ضياء الكعبي حول كتاب «تطور الأنواع الأدبية العربية» لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة

كتب: الرفيق الايديولوجي
تتناول هذه الورقة مقال د. ضياء عبدالله الكعبي المنشور في صحيفة أخبار الخليج بعنوان «عبدالله خليفة… ومسألة الأجناس الأدبية»، والذي ناقش كتاب «تطور الأنواع الأدبية العربية» للمفكر والروائي البحريني عبدالله خليفة. وتسعى الورقة إلى تقديم قراءة مراجِعة للمقال، لا بوصفها دفاعاً شخصياً عن المؤلف، بل بوصفها محاولة لفحص الأسس المنهجية التي استند إليها النقد، وبيان حدود الاختلاف بين المقاربة الأكاديمية الشكلية والمقاربة السوسيولوجية التاريخية التي اعتمدها عبدالله خليفة.
أولاً: سياق الكتاب وأطروحته المركزية
ينطلق كتاب «تطور الأنواع الأدبية العربية» من فرضية مركزية مفادها أن النوع الأدبي ليس قالباً فنياً ثابتاً أو بنية لغوية منعزلة، بل هو تعبير تاريخي عن مستوى تطور المجتمع وقدرته على إنتاج أشكال من الحوار والتعدد والوعي النقدي. فالأنواع الأدبية، في تصور عبدالله خليفة، تتشكل داخل شروط اجتماعية وثقافية محددة، وتتأثر بعلاقات السلطة والصراع والتحول في بنية الوعي الجمعي.
ومن هنا يتتبع الكتاب مساراً واسعاً يبدأ من الشعر الجاهلي والمعلقات، ويمر بالنثر الديني والقرآني، وصراع الشعر والنثر، وتطور السرد في المقامات والسير الشعبية وألف ليلة وليلة، ثم يصل إلى تحولات السرد والمسرح والشعر الحديث. وبذلك لا يقدم عبدالله خليفة تاريخاً وصفياً للأجناس الأدبية، بل يحاول بناء قراءة جينالوجية تربط تحولات الشكل الأدبي بتحولات المجتمع العربي.
ثانياً: حدود نقد الجدة في أطروحة الكتاب
أشارت المقالة إلى أن الأسئلة التي يطرحها عبدالله خليفة ليست جديدة، وأن عدداً من النقاد العرب سبق أن تناولوا قضية الأجناس الأدبية وتحولاتها. غير أن هذه الملاحظة، على وجاهتها الجزئية، تحتاج إلى تمييز منهجي بين الاشتراك في السؤال والاختلاف في زاوية المعالجة. فطرح سؤال تطور الأنواع لا يعني بالضرورة تكرار المقاربة أو استنساخ النتائج.
فالمشروعات النقدية التي قاربت ثنائية الاتباع والإبداع أو الشعرية العربية انطلقت غالباً من قضايا فكرية أو بلاغية أو شعرية مخصوصة، بينما ينهض مشروع عبدالله خليفة على تتبع خط تحولي واسع يربط بين المادة التاريخية والشكل الأدبي والوعي الاجتماعي. وبذلك تكمن خصوصية الكتاب في بناء نسق تطوري يقرأ الأدب العربي ضمن صيرورة اجتماعية وثقافية طويلة، لا في مجرد إعادة طرح سؤال معروف.
ثالثاً: المنهج بين الشكلانية والسوسيولوجيا التاريخية
تقوم إحدى ملاحظات المقالة على القول بأن مقاربة عبدالله خليفة تفتقر إلى مرجعيات نقدية تأسيسية واضحة، الأمر الذي أفقدها ـ بحسب المقال ـ تماسكها المنهجي. غير أن هذه الملاحظة تفترض ضمنياً أن المنهج لا يكتسب شرعيته إلا من خلال الإحالة الصريحة إلى منظومات نقدية غربية أو مصطلحات مدرسية بعينها. ومن ثم ينبغي التمييز بين غياب الجهاز الاصطلاحي الصارم وبين غياب الرؤية المنهجية ذاتها.
إن قراءة عبدالله خليفة أقرب إلى علم اجتماع الأدب والمنهج التاريخي المادي منها إلى النقد البنيوي أو السيميائي الخالص. فالنوع الأدبي عنده ليس بنية مغلقة، بل بنية متحركة تتفاعل مع نشوء المدن، وتغير علاقات السلطة، وتبدل أشكال الوعي الفردي والجماعي. ومن هذه الزاوية، فإن الحكم على الكتاب بمعايير النقد الشكلاني وحدها يضيّق أفق القراءة ويحاكم النص بمرجعية ليست هي المرجعية التي اختارها المؤلف.
رابعاً: العلاقة بين الجمالي والاجتماعي
تذهب المقالة إلى أن هيمنة الأسئلة الفكرية والأيديولوجية في الكتاب أضعفت عنايته بالبنية الجمالية للنصوص. غير أن هذا الاعتراض يقوم على فصل حاد بين الجمالي والاجتماعي، بينما يقوم مشروع عبدالله خليفة على افتراض تداخلهما. فالجماليات الأدبية لا تنشأ في فراغ، بل تتكون داخل شروط تاريخية تسمح بظهور أشكال معينة من التعبير وتحد من أشكال أخرى.
وعندما يقرأ عبدالله خليفة المعلقات أو المقامات أو السير الشعبية أو الرواية الحديثة في ضوء تحولات المجتمع، فهو لا يلغي القيمة الفنية لهذه النصوص، بل يحاول تفسير الشروط التي جعلت شكلاً أدبياً بعينه يتقدم أو يتراجع. وبذلك تصبح مقاربته محاولة لفهم الجمالية بوصفها ظاهرة تاريخية، لا مجرد انتظام لغوي أو بلاغي مستقل عن الواقع.
خامساً: مسألة التعميم والقراءة البانورامية
قد يُؤخذ على الكتاب اتساع مداه التاريخي وانتقاله بين عصور ونماذج كثيرة، من الجاهلية إلى الحداثة، بما قد يحد من إمكان التحليل النصي التفصيلي. غير أن طبيعة المشروع المعلنة تجعله أقرب إلى الدراسة البانورامية للبنى الكبرى منها إلى الدراسة التطبيقية المغلقة على نص واحد أو مرحلة واحدة.
فالكتاب لا يدّعي تقديم قراءة سردية أو أسلوبية دقيقة لكل نموذج، بل يسعى إلى اقتناص اللحظات المفصلية في انتقال الأدب العربي من هيمنة الصوت الواحد إلى تعددية الأصوات، ومن غلبة الغنائية إلى صعود أشكال سردية وحوارية أكثر تركيباً. ومن ثم فإن اتساع المدى لا يمثل بالضرورة خللاً، بل يعكس طبيعة السؤال الكلي الذي يطرحه المؤلف.
سادساً: الأيديولوجيا بوصفها أداة قراءة لا تهمة جاهزة
تثير المقالة مسألة البنية الفكرية والأيديولوجية في أعمال عبدالله خليفة، وتدعو القارئ إلى الإحاطة بها قبل قراءة مشروعه الروائي والقصصي. ويمكن النظر إلى هذه الدعوة بوصفها ملاحظة منهجية مفيدة إذا كان المقصود منها توسيع أفق الفهم وربط الإبداع بسياقه الفكري. أما إذا تحولت إلى تحذير مسبق من القراءة، فإنها تضع بين القارئ والنص حاجزاً تأويلياً غير ضروري.
إن حضور البعد الفكري في منجز عبدالله خليفة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه نقصاً فنياً أو انغلاقاً أيديولوجياً، بل بوصفه جزءاً من مشروعه العام الذي يربط الأدب بأسئلة التحرر والتقدم والنقد الاجتماعي. ومن ثم فإن قراءة أعماله الفكرية والروائية معاً قد تكون مدخلاً أكثر إنصافاً لفهم علاقة الشكل الأدبي بالوعي التاريخي في تجربته.
سابعاً: بنية الكتاب ودلالاتها
يؤكد الكتاب أن عبدالله خليفة لم يتعامل مع المادة الأدبية على نحو عشوائي، بل نظمها وفق مسار تاريخي يبدأ بمقاربة الشعر الجاهلي وغنائيته، ثم ينتقل إلى النثر الديني وصراع الشعر والنثر، فالعلاقات الجديدة بينهما، وصولاً إلى تطور النثر في العصر العباسي، والسير الشعبية، وألف ليلة وليلة، ثم تحولات الرواية والمسرح والشعر الحديث. هذه البنية تكشف أن الكتاب يتأسس على تصور تحولي متدرج، حتى وإن اختلف القارئ مع تفاصيله أو نتائجه.
خاتمة
يتضح من هذه المراجعة أن الخلاف حول كتاب «تطور الأنواع الأدبية العربية» ليس خلافاً حول قيمة سؤال الأنواع الأدبية فحسب، بل هو خلاف أعمق حول طبيعة المنهج النقدي وحدود العلاقة بين النص والمجتمع. فإذا كانت القراءة الأكاديمية المتخصصة تطالب بضبط اصطلاحي ومرجعي أكثر صرامة، فإن مشروع عبدالله خليفة يراهن على رؤية تاريخية كلية تضع النوع الأدبي داخل صيرورة التحول الاجتماعي والثقافي.
ومن ثم لا ينبغي اختزال الكتاب في تهمة الافتقار إلى المرجعية أو تغليب الأيديولوجيا، كما لا ينبغي إعفاؤه من النقد العلمي. الأجدى هو قراءته بوصفه محاولة فكرية موسوعية لتفسير تطور الأدب العربي في علاقته بالواقع التاريخي، وهي محاولة تظل قابلة للنقاش والمراجعة، لكنها تستحق أن تُحاكم من داخل منطقها المنهجي لا من خارج شروطها المعرفية.
تطورُ الأنواعِ الأدبيةِ العربية
محتويات الكتاب

■  توطئة
■ الفصل الأول
■ مقاربةُ الشعرِ الجاهلي
■ الفصل الثاني
■ غنائيةُ الشعرِ الجاهلي
■ امرؤُ القيسِ
■ تحليلُ المعلقةِ
■ طَرَفة بن العبد
■ معلقتا الصدام القبلي
■ شعراء آخرون
■ خلاصة
■ الفصل الثالث
■ الشعرُ والنثرُ الدينيان العربيان
■ في المعاني التوحيدية
■ بنائيةُ النثرِ
■ الفصل الرابع
■ صراعُ النثرِ والشعر
■ الفصل الخامس
■ القرآن في مكة
■ الفصل السادس
■ القرآن في المدينة
■ الفصل السابع
■ علاقات جديدة بين النثر والشعر
■ الفصل الثامن
■ سبل تطور النثر في العصر العباسي
■ نثر أبي حيان التوحيدي
■ العناصر الفنية واللغة الفكرية
■ البناء الحكائي في مقامات بديع الزمان الهمذاني
■ مقامات الحريري
■ سردُ السيرِ (الشعبية)
■ حمزةُ البلهوان كسيرةٍ مميزة
■ ألف ليلة وليلة
■ الفصل التاسع
■ مسارات الشعر في العصر العباسي
■ الشعر والنقد
■ الفصل العاشر
■ من السيرة الشعبية إلى الرواية والمسرحية
■ سرد المنفلوطي
■ توفيق الحكيم
■ تداخلات الأنواع التحويلية
■ غنائية السياب
■ خاتمة

اكتشاف المزيد من عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً