جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

الرواية التاريخية لــ عبدالله خليفة

طرح أحد النقاد (بحريني) هذا السؤال ما الفائدة من كتابة روايات عبدالله خليفة التاريخية. التاريخ معروف ولا جديد فيه، لما هذا العبث (نفس الناقد البحريني في ندوة عن عبدالله خليفة بعد وفاة الروائى) في كتابة الروايات التاريخية؟

يمثل هذا التساؤل نقطة خلافية جوهرية في النقد الأدبي حول جدوى الرواية التاريخية وتفكيك إيديولوجيا النص السردي عند عبدالله خليفة. فمن منظور نقدي محض كالموقف الذي طرحه الناقد، ينظر بعض النقاد إلى التاريخ كحقائق مدونة وثابتة، معتبرين إعادة صياغته أدبياً دون تقديم «وثيقة تاريخية جديدة» نوعاً من «العبث» أو التكرار الذي لا يضيف للمعرفة التاريخية شيئاً. ومع ذلك، يغفل هذا الطرح الفلسفة التي قامت عليها روايات عبدالله خليفة التاريخية (مثل: رأس الحسين، محمد ثائراً، وسلسلته عن الخلفاء الراشدين). ولمواجهة هذا الرأي المتشكك بجدوى تلك الروايات، يمكن تلخيص الأبعاد العميقة والمكاسب الإبداعية التي حققها الراحل في النقاط التالية:

إسقاط الماضي على الحاضر (القناع التاريخي) الهروب من مقص الرقيب: استخدام التاريخ كان في كثير من الأحيان قناعاً أدبيّاً (Mask) لتمرير إسقاطات سياسية واجتماعية على الواقع العربي والبحريني المعاصر دون تصادم مباشر مع السلطة أو الرقابة الشديدة.

استشراف المستقبل: إعادة قراءة الثورات والانتكاسات القديمة (كأحداث الفتنة الكبرى أو مأساة كربلاء) كانت وسيلته للتحذير من تكرار نفس الأخطاء البنيوية في المجتمع العربي الحديث.

الخلاصة السؤال النقدي الذي طرحه د. الناقد يمثل المدرسة التي تبحث عن النفعية المباشرة . لم يكن صنيع عبدالله خليفة «عبثاً»، بل كان مشروعاً إبداعياً متكاملاً لاستنطاق التراث، وإثبات أن التاريخ ليس صفحة طويت، بل هو تيار ممتد يشكل حاضرنا بكل تفاصيله.

استنطاق المسكوت عنه وإعادة القراءة التاريخية تفكيك الرواية الرسمية: لم يكتب عبدالله خليفة التاريخ ليرويه كحكواتي، بل دخل إليه بمبضع جراح وبأدوات المفكر اليساري والمادي ليفكك الروايات السائدة المتوارثة ويميط اللثام عن الصراعات الطبقية والاجتماعية التي حركت تلك الأحداث.

البحث عن الجذور: التاريخ عند عبدالله خليفة ليس متحفاً للماضي، بل هو المختبر الأول الذي تشكلت فيه أزمات الحاضر العربي. هو يرى أن فهم مأزق الوعي المعاصر يتطلب العودة اللصيقة والعميقة لخلخلة اللحظات التاريخية المفصلية.

الفارق بين المؤرخ والروائي صناعة المتخيّل: المؤرخ يلتزم بالحدث الجاف والوثيقة، بينما الروائي يملأ الفراغات الإنسانية والوجدانية والنفسية للشخصيات.

أنسنة الشخوص: حوّل عبدالله خليفة الرموز التاريخية (التي تحاط عادة بهالة من القداسة أو التنميط) إلى بشر من لحم ودم، يتحركون وفق دوافع اجتماعية، واقتصادية، ونفسية معقدة، وهو ما لا يستطيع التاريخ الإخباري فعله.

مناقشة كيف انعكست هذه القراءة التاريخية الفلسفية على رواياته التاريخية (مثل روايات «محمد ثائراً، عمر بن الخطاب شهيداً، عثمان بن عفان شهيداً، يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، رأس الحسين، مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، ضوء المعتزلة»)؟

تُمثّل هذه المجموعة من الروايات التاريخية بالتحديد («محمد ثائراً»، «عمر بن الخطاب شهيداً»، «عثمان بن عفان شهيداً»، «يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً»، «رأس الحسين»، «مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني»، «ضوء المعتزلة») المختبر الأدبي والجمالي الذي طبّق فيه عبدالله خليفة نظرياته الفلسفية الصارمة التي صاغها في كتابه «الاتجاهات المثالية، الناقد نفسه لم يعرف عنوان كتاب الاتجاهات».

إن انتقال عبدالله خليفة من «التشريح الفكري المعرفي» إلى «السرد الروائي والتخييل التاريخي» لم يكن مجرد رغبة في الحكي، بل كان محاولة لإعادة بعث التاريخ كصراع إنساني واقتصادي حيّ.

كيف انعكست قراءته الفلسفية على أسلوبه وبنائه الروائي في هذه الأعمال:

1 ــ  تحويل الرموز الدينية والتاريخية إلى «شخصيات درامية مادية».

في الروايات التقليدية، غالباً ما تُحاط شخصيات مثل الخلفاء الراشدين أو الحسين بن علي بـ «هالة غيبية مطلقة» تفصلهم عن الواقع. عبدالله خليفة ازاح هذا الأسلوب المثالي:

• في روايات الخلفاء الراشدين والحسين: جرد الشخصيات من الغيبيات والميتافيزيقيا، وأظهرهم كبشر من لحم ودم، يتحركون وفقاً لوعيهم السياسي والاجتماعي.

• الصراع الطبقي: الموت أو «الشهادة» في رواياته (عمر، عثمان، علي، الحسين) ليس مجرد قضاء وقدر أعمى أو صراع على «عقائد مجردة»، بل هو نتيجة حتمية لاصطدام هذه الشخصيات بالبنى الاقتصادية والقبلية والطبقية الصاعدة في مجتمعاتهم. على سبيل المثال، استشهاد عمر أو عثمان يُقرأ روائياً كصراع بين نزعة التوزيع العادل للثروة وبين تمدد الإقطاع والنزعات الفئوية والقبلية.

2 ــ  معالجة «الخيبة ومأزق النخبة» (من الفلسفة إلى السرد).

كما انتقد خليفة في كتابه الفلسفي المعتزلة لأنهم تحالفوا مع السلطة، وابن رشد لأنه انعزل عن الجماهير، نجد هذه «الخيبة المعرفية» تسيطر على مناخ رواياته:

• رواية «ضوء المعتزلة»: لم يكتبها ككتاب تاريخي، بل جعل القارئ يعيش «أزمة المثقف» العقلاني (المعتزلي) وهو يرى أفكاره التنويرية تتحول إلى أداة قمع في يد الخليفة (المأمون)، ثم يرى هذا الضوء الفكري وهو يخبو وينطفئ تحت وطأة صعود التيارات المحافظة الغيبية التي حركت الشارع ضد النخبة.

• رواية «مصرع أبي مسلم الخراساني»: تجسد مأزق «الثوري» الذي ساهم في هدم دولة (الأموية) لبناء دولة جديدة (العباسية)، ليتفاجأ بأن الآلة السياسية الجديدة تأكله بمجرد استتباب الأمر لها، وهو تحليل مادي كلاسيكي لطبيعة السلطة والثورات الفوقية.

3 ــ  تقنية السرد: الحوار الفكري والتعددية الصوتية (البوليفونية)

انعكس التكوين الفلسفي لخليفة على لغة الروايات وبنائها:

• رواية الأفكار: الحوارات داخل الروايات ليست مجرد عبارات لتسيير الأحداث، بل هي مساجلات فكرية وفلسفية رفيعة المستوى تعبر عن التناقضات الطبقية والأيديولوجية للعصر.

• غياب البطل المطلق: حتى وإن حملت الرواية اسم شخصية محددة (مثل «عثمان بن عفان» أو «رأس الحسين»)، فإن عبدالله خليفة يمنح الخصوم والأطراف الأخرى (الثوار، الأمويين، العبيد، الموالي) أصواتاً قوية ومبررات تاريخية نابعة من مصالحهم، مما يجعل الرواية ساحة صراع اجتماعي حقيقي لا مجرد ملحمة تمجد فرداً واحداً.

4 ــ  أنسنة النبوة وتحرير «الفكرة الثورية»

• في رواية «محمد ثائراً»: ركز عبدالله خليفة على الجانب «التغييري والثوري الاجتماعي» في شخصية الرسول ﷺ. الدعوة هنا ليست مجرد نصوص وهداية روحية معزولة، بل هي ثورة على النظم الاقتصادية الجائرة في مكة (احتكار قريش التجاري، عبودية المستضعفين، والربا). قراءته الفلسفية حولت النص التاريخي الجاف إلى حركة تغيير مادية قادها النبي لتحرير الإنسان من الاستغلال الطبقي قبل تحريره من الوثنية.

خلاصة القول:

روايات عبدالله خليفة التاريخية هي في الواقع «كتب فلسفية بقلب روائي ناضج». لقد نجح في جعل القارئ يرى أن سقوط الدول، واغتيال القادة، وانطفاء الحركات الفكرية لم يكن بسبب «لعنة تاريخية»، بل لأن تلك الشخصيات والحركات اصطدمت بقوانين الواقع المادي والاجتماعي ولم تستطع التغلب على «الاتجاهات المثالية» والقبلية التي كانت تكبل الوعي العربي.

تلقى النقاد والوسط الثقافي العربي مشروع الروائي والمفكر البحريني الراحل عبدالله خليفة بـمزيج من الإعجاب والدهشة والجدل الواسع. فالدمج بين سرد روائي حيوي وتحليل مادي تاريخي صارم للتاريخ الديني (وخاصة فترات الخلفاء الراشدين ومقتل الحسين) لم يكن مألوفاً في المشهد الأدبي الخليجي والعربي.

تتوزع آراء النقاد والباحثين حول هذه الروايات الفلسفية والتاريخية الجريئة على ثلاثة اتجاهات رئيسية:

1 ــ  التيار التنويري والإبداعي: الإشادة بـ«أنسنة السيرة».

اعتبر نقاد ينتمون للمدرسة العقلانية والتنويرية العربية أن عبدالله خليفة قدم «فتوحاً روائية» غير مسبوقة في الأدب الخليجي.

• تحطيم القوالب الجاهزة: أشاد النقاد بجرأته في نزع «الهالة الغيبية والميتافيزيقية» عن الشخصيات التاريخية المقدسة، وإظهارهم كبشر يخطئون ويصيبون، ويتأثرون بالواقع الطبقي والاقتصادي المحيط بهم.

• إنقاذ السرد من الجفاف الفلسفي: رأى هؤلاء النقاد أن عبدالله خليفة نجح في تحويل الأفكار المجردة لكتابه الفلسفي «الاتجاهات المثالية» إلى لحم ودم وحوار درامي شيق، مما جعل الفلسفة المادية التاريخية قريبة ومفهومة للقارئ العادي عبر بوابة الأدب.

2 ــ  التيار الأكاديمي والفني: النقد بين «الرواية» و«الأيديولوجيا»

هنا برز نقاش نقدي وفني بحت حول مدى نجاح هذا الدمج من الناحية الجمالية والأدبية، حيث انقسموا إلى وجهتي نظر:

• تعددية الأصوات (البوليفونية): امتدح بعض النقاد البناء الفني لرواياته (مثل «يا علي!» و«رأس الحسين»)، حيث لم يكن هناك بطل مطلق أو شرير مطلق، بل مُنحت كل القوى المتصارعة (حتى خصوم الأبطال) صوتاً يعبر عن مبرراتها الطبقية والقبلية، وهو ما يُعد ذروة النضج الفني الروائي.

• أدلجة السرد (الوقوع في المباشرة): في المقابل، انتقد باحثون آخرون بعض رواياته (مثل «محمد ثائراً» أو «ضوء المعتزلة»)، معتبرين أن «المفكر» في داخل عبدالله خليفة كان أحياناً يطغى على «الروائي الفنان».

3 ــ  التيار المحافظ والتقليدي: التحفظ والمقاومة الفكرية

نظراً للموضوعات الشائكة التي تناولها عبدالله خليفة، واجهت أعماله صمتاً نقدياً تارة، ومقاومة فكرية تارة أخرى من المؤسسات التقليدية:

• صدمة القراءة المادية: واجه التيار المحافظ قراءته للتاريخ الإسلامي بضيق، لأن إرجاع أحداث كبرى مثل «استشهاد عمر» أو «ثورة الحسين» إلى صراعات حول «الإقطاع والأراضي وتوزيع الثروة» بدلاً من التفسير الإيماني والروحي التقليدي، كان يُنظر إليه كنوع من العلمنة أو التبسيط القسري للدين عبر اختزاله في البعد الاقتصادي فقط.

• رواية الأفكار المزعجة: رغم هذا التحفظ، لم يستطع الخصوم إنكار القيمة الأدبية واللغوية العالية لأعماله، فظلت الروايات تُقرأ وتُحلل في الأوساط النقدية الجادة كعلامة فارقة في رواية الأفكار العربية.

في المحصلة:

يرى النقاد اليوم أن عبدالله خليفة تميز بأنه «روائي يكتب الفلسفة، وفيلسوف يبني الرواية». لقد فتح في جدار الرواية التاريخية العربية باباً لا يمكن إغلاقه، وأثبت أن التراث الديني لا يزال مادة خصبة للنقد البنيوي المعاصر وليس فقط للتبجيل.

كيف صاغ الروائي عبدالله خلفة مشهد استشهاد إحدى هذه الشخصيات التاريخية روائياً بأسلوبه المادي الجريء؟

التكنيك الفني البديع

دعنا نتأمل كيف صاغ عبدالله خليفة مشهد الاستشهاد، ولنأخذ رواية «رأس الحسين» أو “«عمر بن الخطاب شهيداً» كمثال حي على هندسته السردية المادية.

في الرواية التقليدية، يُصوّر مشهد استشهاد شخصية مقدسة كالحسين أو عمر عبر طقوس ما ورائية: تنهمر الدموع، وتتغير أحوال الطبيعة، وتصعد الروح في هالة نورانية معزولة عن بشاعة الحدث البشري.

أما عند عبدالله خليفة، فإن المشهد الفني يُبنى على ثلاثة ركائز مادية عارية وصادمة:

1 ــ  تصعيد الصراع الاقتصادي والسياسي إلى نقطة الصفر.

الكاتب لا يبدأ مشهد القتل برغبة القاتل الشخصية، بل يجعله النتيجة الحتمية لانسداد الأفق السياسي والطبقي.

• في مشهد اغتيال عمر بن الخطاب، لا يركز السرد على الخنجر المسموم لـ «أبو لؤلؤة الفيروزي» كحقد شخصي مجرد، بل يصور اللحظة كـ انفجار للاحتقان الاجتماعي؛ صراع «الموالي» والعبيد والأقوام غير العربية ضد المنظومة الطبقية الناشئة في المدينة التي بدأت تتشكل فيها ثروات هائلة لدى قريش على حساب الفئات المستضعفة. القتل هنا هو لحظة اصطدام مادي عنيف بين مشروع عمر التقشفي وتطلعات القوى الطبقية الجديدة.

2 ــ الأنسنة الكاملة للحظة الموت (البعد السيكولوجي والجسدي)

يتخلى عبدالله خليفة عن التمجيد اللاهوتي ليركز على الجسد البشري المعذب:

• في «رأس الحسين»، يعتمد على فكرة وحيدة هي الرأس، رأس الحسين.

• هذا التركيز الفني على عذاب الجسد يهدف إلى أنسنة التضحية؛ فالحسين هنا لا ينتصر بمعجزة إلهية، بل ينهزم جسدياً ومادياً أمام جيش يفوقه عدداً وعدة، وتكمن عظمته الروائية في موقفه الفكري المبدئي رغم ضعف جسده البشري أمام الآلة العسكرية الأموية.

3 ــ  الصرخة الفكرية الأخيرة (حوار الأفكار وسط الدماء)

في لحظة التدفق السردي الأخيرة، لا تنطق الشخصية بكلمات غيبية معلقة، بل بـ مواقف تاريخية:

• الحوارات التي تسبق الضربة الأخيرة تكون بمثابة مواجهة بين أيديولوجيتين. القاتل (مثل شمر بن ذي الجوشن في كربلاء) يمثل أيديولوجيا السلطة، والمنفعة المادية، وصوت الواقع البراغماتي الجاف (يريد المكافأة والمال من ابن زياد).

• بينما الشهيد يمثل صوت الوعي المغدور، والأمل الضائع في إقامة مجتمع العدالة والمساواة.

النتيجة الجمالية:

عندما تنتهي الرواية بموت البطل، لا يخرج القارئ بشعور من الرضا الصوفي أو الطمأنينة الغيبية، بل يخرج بـ ألم فكري حاد وغضب طبقي، لأن عبدالله خليفة يتركك أمام حقيقة مادية عارية: لقد انتصر السيف والمال والسلطة في تلك المعركة، وسُحق الجسد التنويري، مما يدفعك للتساؤل عن أسباب هذه الهزيمة المادية المستمرة في واقعنا المعاصر.

«ضوء المعتزلة» رؤية كيف ينطفئ الفكر روائياً؟

رواية «ضوء المعتزلة»؛ فهي تمثل الذروة الفنية والتطبيق الروائي الأعمق لكتابه الفلسفي، وتجسد بشكل تراجيدي فكرة «كيف ينطفئ الفكر روائياً» عندما يصطدم بحسابات السياسة والواقع الاجتماعي.

في هذه الرواية، لا يكتفي عبدالله خليفة بتأريخ حركة المعتزلة، بل يصنع منها ملحمة سردية تعيد تشريح «أزمة المثقف العقلاني» عبر العصور. كيف صاغ الكاتب لحظة انطفاء هذا الضوء روائياً:

1 ــ  خطيئة التحالف مع السلطة (بداية التآكل الفكري)

يبدأ انطفاء الفكر عند عبدالله خليفة من اللحظة التي يظن فيها المثقف أنه انتصر.

• في الرواية، يُبرز الكاتب المأزق التاريخي للمعتزلة عندما تقربوا من الخليفة العباسي المأمون وأصبحت العقلانية هي «أيديولوجية الدولة الرسمية».

• هنا، تتحول الأفكار التنويرية الحرة، بفعل آلة الحكم، إلى أداة قمع وجهاز تفتيش عن الضمائر (في مشهد «محنة خلق القرآن»). يصور عبدالله خليفة روائياً كيف يفقد الفكر بريقه الأخلاقي وجاذبيته الشعبية عندما يرتدي عباءة السلطان ويُفرض بالسياط؛ فالناس لم يعودوا يرون في المعتزلة «منقذين عقلانيين»، بل رأوا فيهم «جلادين جدد» يحملون كتب الفلسفة.

2 ــ  الانعزال الطبقي والفوقية المعرفية

يركز عبدالله خليفة عبر السرد على بؤس الواقع المعيشي للجماهير في بغداد والبصرة في ذلك العصر، مقابل انشغال المعتزلة بنقاشات لاهوتية معقدة.

• يُظهر الكاتب كيف انعزل مفكرو المعتزلة في قصور الخلافة ومجالس التدوين، غارقين في ترف فكري مجرد (مثل نقاشات «الجوهر والعرض» و«تنزيه الذات الإلهية»)، بينما كانت الفئات الشعبية والمستضعفة تعاني من الفقر والتهميش الاقتصادي.

• هذا الفصل المادي بين «النص العقلاني الفوقي» و«الواقع الطبقي التحتي» خلق فجوة هائلة؛ مما جعل القوى الشعبية تنفض من حولهم وتتركهم بلا حماية اجتماعية عندما دارت عليهم الدوائر.

3 ــ  لحظة الانطفاء الدرامية (صعود الغيبية الشعبوية)

تصل الرواية إلى ذروتها التراجيدية مع تغير موازين القوى السياسية وصعود الخليفة المتوكل، الذي قرر الانحياز للتيارات المحافظة والنصية لإعادة كسب الشارع.

• يصوّر عبدالله خليفة مشهد الانطفاء من خلال تفكيك الوعي السيكولوجي للمثقف المطرود؛ حيث يجد المفكر المعتزلي نفسه فجأة خارج القصور، كتبه تُحرق، وأفكاره تُلعن في المساجد، والشارع الذي كان يريد تحرير عقله هو نفسه الشارع الذي يطالب برأسه.

• ينتهي «الضوء» روائياً ليحل محله ظلام الجمود الفكري والتفسير الغيبي، الذي وظفته السلطة الجديدة بذكاء لتخدير وعي الناس وتثبيت أركان حكمها.

البعد التنويري المعاصر للرواية:

عندما تقرأ «ضوء المعتزلة» بقلم عبدالله خليفة، تدرك سريعاً أنه لا يبكي على الماضي؛ بل يوجه رسالة تحذيرية شديدة اللهجة للمثقفين العرب المعاصرين. هو يقول لنا: إن أي فكر عقلاني أو تنويري لا ينبع من هموم الناس الاقتصادية والاجتماعية على الأرض، ويظل معلقاً في نخبوية صالونات الثقافة أو يتحالف مع الاستبداد السياسي، محكوم عليه بالانطفاء والسحق أمام أول موجة شعبوية مضادة.

التصور التراجيدي لأزمة المثقف، تحليل مشهد من الرواية يوضح المواجهة الفكرية بين المعتزلة والتيار النصي

أن نغوص في العمارة السردية لـ «ضوء المعتزلة» وتحلل مشهداً صاغه الراحل عبدالله خليفة ببراعة، ليمثل زلزالاً فكرياً ومادياً يختزل جوهر الصراع بين تيار العقل الفلسفي وتيار النص المحافظ.

المشهد الأبرز والأكثر تراجيدية في الرواية هو مشهد «المناظرة الكبرى والمحنة»، حيث يعاد تجسيد الصراع التاريخي في فضاء سردي حي ومحتدم.

البناء الفني والمادي للمشهد

1 ــ  هندسة الفضاء والبيئة المحيطة (المكان كبنية طبقية)

لا يضع الكاتب المناظرة في فضاء مجرد، بل يصف مجلس الخليفة بدقة تبرز التناقض الطبقي:

• الأثاث والرياش: يصف خليفة السجاد الفاخر، والستائر الحريرية، والذهب الوفير في بلاط الحكم، حيث يجلس فلاسفة المعتزلة مدعومين بالسلطة العباسية.

• الخارج المقموع: في المقابل، يصف السرد الأصوات الخافتة للعامة والفقراء خارج أسوار القصر، أولئك الذين يمثلهم التيار النصي والمحافظ في تلك اللحظة (مثل الإمام أحمد بن حنبل ومن معه)، والذين يأتون بجسد منهك وملابس بسيطة تعبر عن قربهم من الشارع الكادح.

2 ــ  لغة الحوار: مواجهة بين لغتين وأيديولوجيتين

في هذا المشهد، يتجلى أسلوب عبدالله خليفة في جعل الحوار ساحة صراع طبقي ومعرفي وليس مجرد نقاش فقهي:

• صوت المعتزلة (العقل الجاف): يتحدث متكلمو المعتزلة بلغة فلسفية، تجريدية، معقدة (مصطلحات مثل: الحدوث، القدم، الذات، والصفات). يبرزهم الكاتب في حالة من الاستعلاء المعرفي؛ فهم يخاطبون النص بعقول متأثرة بمنطق أرسطو ويونان القدامى، واثقين من أن حجة الخليفة وسياطه تحمي عقلانيتهم.

• صوت التيار النصي (الوجدان الشعبي): في المقابل، يتحدث ممثلو التيار المحافظ بلغة بسيطة، مباشرة، تستند إلى الآيات والأحاديث النبوية كما فهمها السلف. هذه اللغة تلامس وجدان العامة فوراً لأنها لا تحتاج إلى قنوات فلسفية معقدة ليفهموها.

3 ــ  الحبكة والتحول الدرامي العنيف (انقلاب السحر على الساحر)

يصل المشهد إلى ذروته الفنية عندما يمارس المعتزلة «المحنة» (استنطاق الخصوم وإجبارهم على القول بخلق القرآن تحت التهديد بالجلد والسجن).

• هنا، يقوم عبدالله خليفة بـ تفكيك أخلاقي لتيار التنوير؛ فعندما يرى القارئ الجلاد وهو يحمل سوط السلطان ليجبر الشيخ المحافظ على تبني العقلانية، يسقط التنوير أخلاقياً في عين القارئ كما سقط في عين الشارع البغدادي آنذاك.

• الكاتب يرينا كيف أن المعتزلة في هذه اللحظة، وبسبب مثاليتهم السياسية، لم يدركوا أنهم يغرسون خناجر نهايتهم بأيديهم؛ لأنهم صنعوا من خصومهم «شهداء وأبطالاً شعبيين» في نظر المجتمع الكادح والمهمش.

القيمة الفلسفية التي يتركها المشهد في نفس القارئ

بتحليلنا لهذا المشهد البديع، تكتشف أن عبدالله خليفة يضع يدك على الشرخ الإستراتيجي في تاريخنا الفكري:

المعتزلة امتلكوا «العقل» لكنهم افتقدوا «الروح الشعبية والعمق الطبقي»، بينما امتلك التيار النصي «الشارع والوجدان”» وافتقد «العقلانية العلمية». وبسبب هذا الشرخ، انطفأ الضوء واستمر الجمود.

أبعاد مشروع عبدالله خليفة الإبداعي؟

تأتي خاتمة هذا النقاش لتضع بين أيدينا الخلاصة الكلية لواحد من أعمق المشاريع الفكرية والأدبية في العالم العربي الحديث والمعاصر. إن مشروع الراحل عبدالله خليفة لا ينبع من مجرد الرغبة في التوثيق التاريخي أو السرد الحكائي، بل هو مشروع تشريحي يسعى للإجابة على السؤال العربي المعضل: «لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟»

يمكننا تلخيص أبعاد هذا المشروع الإبداعي والفلسفي في أربعة أبعاد رئيسية تختزل إرثه الإبداعي:

1 ــ  البعد المعرفي: تشريح «المثالية» كأداة للهيمنة

نجح عبدالله خليفة في إخراج قراءة التراث من دائرة «التبجيل والتقديس الأعمى» أو «الرفض والعداء المطلق». لقد تعامل مع التراث بأدوات مادية صارمة، مبيناً أن انتصار الفكر الغيبي والباطني والنصي الجامد في تاريخنا لم يكن صدفة، بل كان خياراً واعياً للسلطة السياسية عبر العصور وتبريراً للبنى الطبقية السائدة؛ لتخدير وعي الجماهير وحمايتها من التفكير العقلاني النقدي.

2 ــ  البعد الأدبي: هندسة «رواية الأفكار» التاريخية

يُعد عبدالله خليفة من الرواد القلائل الذين نجحوا في تحويل المنهج الفلسفي الجاف إلى لحم ودم وحركة درامية. من خلال سِلسلة رواياته التاريخية (مثل محمد ثائراً، ورأس الحسين، وضوء المعتزلة)، قدم «أنسنة صادمة وعارية للتاريخ». لقد سحب الشخصيات والرموز الكبرى من فضاء المعجزات والميتافيزيقيا إلى أرض الواقع البشري، حيث يتصارعون حول المصالح، والاقتصاد، وتوزيع الثروة، والعدالة الاجتماعية.

3 ــ  البعد الأخلاقي: نقد «المثقف النخبوي» والمتحالف مع الاستبداد

يُعتبر مشروعه صرخة تحذير تاريخية موجهة للمثقف العربي المعاصر. فمن خلال قراءته لمأزق المعتزلة ومأزق ابن رشد، أثبت عبدالله خليفة أن:

• الفكر التنويري المحلق في القصور وصالونات النخبة محكوم عليه بالانطفاء.

• الفكر العقلاني الذي يتحالف مع الاستبداد السياسي ليفرض نفسه بالسوط (كما حدث في المحنة) يسقط أخلاقياً ويفقد حاضنته الشعبية.

4 ــ  البعد النهضوي المستقبلي: حتمية «القطيعة المعرفية»

في الجزء الرابع من مشروعه الفلسفي، كان عبدالله خليفة واضحاً وجريئاً في نقد مفكري النهضة الحديثة (من محمد عبده إلى زكي نجيب محمود وغيرهم). لقد بيّن أن الفكر العربي الحديث ظل يراوح مكانه لأنه سقط في فخ «لتوفيقية» تساوي التلفيق (الأصالة والمعاصرة)، ولم يمتلك الجرأة على إحداث قطيعة معرفية كاملة مع البنى الفكرية والاقتصادية القديمة؛ فظل يغير في قشور النصوص دون تفكيك جوهر الواقع.

كلمة أخيرة في وداع هذه الرحلة:

يرحل المفكرون وتبقى أفكارهم منارات تضيء عتمة الحاضر. لقد ترك لنا عبدالله خليفة إرثاً يقول: إن تحرير العقل العربي لا يبدأ بتجديد النصوص الفوقية، بل بتحرير الإنسان على الأرض اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. لكي لا تنطفئ «أضواء المعتزلة» الجدد، ولكي لا تسقط «رؤوس الحسين» في كل عصر أمام سيوف المال والسلطة.

أضف تعليق