يُعد كتاب رأس المال الحكومي الشرقي للكاتب والروائي البحريني الراحل عبدالله خليفة عملاً فكرياً ذا طابع تركيبي، إذ يجمع بين التحليل الاقتصادي، والنقد السياسي، والتأمل التاريخي في مسارات تطور المجتمعات الشرقية الحديثة. ولا يكتفي الكتاب بإعادة عرض المفاهيم الماركسية التقليدية، بل يسعى إلى إعادة اختبار صلاحيتها في بيئات تاريخية واجتماعية لم تتطابق مع المسار الأوروبي لنشوء الرأسمالية. ومن ثمّ، تنبع أهمية هذا العمل من محاولته صياغة مفهوم تفسيري خاص هو «رأس المال الحكومي الشرقي»، بوصفه شكلاً من أشكال التراكم الرأسمالي الذي تنشأ فيه الدولة لا كحارس خارجي للسوق فحسب، بل كمالك وموزع وموجه ومحتكر للفائض الاقتصادي. وقد صدر الكتاب في طبعته الإلكترونية عن منشورات ضفاف، وتشير بيانات النشر المتاحة إلى أنه يقع في 777 صفحة باللغة العربية، بما يعكس اتساع مادته وتعدد مستوياتها النظرية والتطبيقية.
أولاً: الإطار العام للكتاب
ينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أن تطور الرأسمالية في الشرق لم يسر على النمط الغربي نفسه. ففي حين نشأت الرأسمالية الغربية تاريخياً عبر الإنتاج الحرفي ثم المانيفاكتورة فالصناعة الآلية، تشكّل رأس المال في الشرق غالباً عبر الدولة وأجهزتها البيروقراطية، لا عبر برجوازية مستقلة قادرة على تحدي السلطة السياسية أو بناء تقاليد ديمقراطية راسخة.
وتكمن القيمة المنهجية لهذه الفرضية في أنها تنقل النقاش من المقارنة السطحية بين «الشرق» و«الغرب» إلى تحليل البنية التاريخية التي تحدد موقع الدولة داخل عملية الإنتاج والتوزيع. فالرأسمالية، في تصور خليفة، ليست شكلاً واحداً متجانساً، بل تتخذ صوراً متعددة تبعاً لموقع الملكية، وطبيعة الفائض، والعلاقة بين السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية. لذلك يصبح فهم الدولة الشرقية شرطاً لفهم الاقتصاد نفسه، لأن جهاز الدولة لا يعمل هنا كإطار قانوني محايد، بل كقوة مادية مباشرة في إنتاج الثروة وتوزيعها وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة.
ثانياً: المحاور الفكرية الرئيسية
· قراءة جديدة للماركسية: يعيد خليفة توظيف أدوات التحليل الماركسي، وخاصة المادية التاريخية، لفهم بنى شرقية لا تنطبق عليها القراءة الغربية الكلاسيكية بصورة مباشرة.
· تحليل أسلوب الإنتاج الشرقي: يدرس الكتاب كيف تتداخل الدولة، والملكية العامة، والريع، والبيروقراطية في تشكيل الاقتصاد والمجتمع.
· الرأسمالية الحكومية: يوضح أن الدولة في الشرق تتحول إلى رأسمالي أكبر يحتكر الفائض الاقتصادي ويوجهه وفق مصالح سياسية وإدارية.
· أزمة الليبرالية العربية: يرى أن التجارب الليبرالية في المنطقة كانت قصيرة ومحدودة لأنها لم تستند إلى قاعدة إنتاجية مستقلة أو برجوازية وطنية ديمقراطية.
· تأثير البنى الفكرية والسياسية: يربط الكتاب بين الاستبداد السياسي، والبنى التقليدية، والتحولات الاقتصادية التي تعيق نشوء مجتمع مدني مستقل.
لا تُعرض هذه المحاور في الكتاب بوصفها قضايا منفصلة، بل باعتبارها مستويات متداخلة لتحليل ظاهرة واحدة. فالملكية العامة، حين تنفصل عن الرقابة الشعبية والمؤسسات الديمقراطية، لا تؤدي بالضرورة إلى تجاوز الرأسمالية، بل قد تتحول إلى صيغة أكثر تركيزاً من السيطرة الاقتصادية. وبالمثل، فإن الخطابات القومية أو الاشتراكية أو التنموية قد تؤدي وظيفة أيديولوجية مزدوجة: فهي من جهة تعلن الانحياز إلى التحرر والعدالة، لكنها من جهة أخرى قد تبرر توسيع سلطة الدولة واحتكارها للقرار الاقتصادي باسم المصلحة العامة أو السيادة الوطنية.
ثالثاً: الرأسمالية الحكومية وتجارب الاشتراكية
يقدم خليفة نقداً مغايراً للتجارب التي أعلنت تبنيها للاشتراكية، مثل الاتحاد السوفيتي وكوبا وبعض تجارب أمريكا اللاتينية. فهو يرى أن هذه النماذج لم تحقق اشتراكية ديمقراطية بالمعنى التحرري، بل أنشأت صوراً من رأسمالية الدولة، حيث احتكر جهاز الدولة وسائل الإنتاج والفائض الاقتصادي، وحلّت البيروقراطية محل الرأسمالي الخاص دون أن تنتقل السلطة الفعلية إلى الطبقة العاملة.
ويستند هذا النقد إلى تمييز جوهري بين الملكية القانونية لوسائل الإنتاج والملكية الاجتماعية الفعلية لها. فانتقال المصانع والأراضي والمؤسسات الكبرى إلى يد الدولة لا يعني تلقائياً انتقالها إلى المجتمع، ما لم تقترن هذه العملية بأشكال من الرقابة الديمقراطية والمشاركة العمالية والمساءلة المؤسسية. ومن هنا يتعامل خليفة مع التجارب الاشتراكية الرسمية باعتبارها تجارب انتقال غير مكتملة، ألغت الرأسمالي الخاص في قطاعات واسعة، لكنها أبقت علاقة السيطرة قائمة من خلال جهاز إداري مركزي يقرر نيابة عن المجتمع.
- رأسمالية الدولة بدلاً من الاشتراكية: تحولت الدولة إلى المالك الأوحد لرأس المال، بينما ظل العمال خارج إدارة وسائل الإنتاج.
- تغوّل البيروقراطية: تشكلت طبقة إدارية وحزبية تستحوذ على القرار الاقتصادي والسياسي.
- إضعاف المجتمع المدني: جرى دمج النقابات والحركات الشعبية في جهاز الدولة، ففقدت استقلالها وقدرتها على الرقابة والمبادرة.
- تعطيل القوى الإنتاجية: أدى التخطيط المركزي الجامد وغياب الديمقراطية الاقتصادية إلى أزمات بنيوية وعجز عن الابتكار.
رابعاً: المقارنة بين التجارب الاشتراكية والقومية العربية
يعقد الكتاب مقارنة بين رأسمالية الدولة في التجارب الاشتراكية وبين تجلياتها في الأنظمة القومية العربية. ورغم اختلاف الشعارات بين الاشتراكية الأممية، والقومية، والتنمية الوطنية، إلا أن البنية العميقة تبدو متقاربة: دولة مركزية تحتكر الثروة، وتستوعب المجتمع في أجهزتها، وتعيد إنتاج السيطرة عبر البيروقراطية والولاءات السياسية.
وتفيد هذه المقارنة في إبراز أن الإشكال لا يكمن في اللغة الأيديولوجية المعلنة للنظام السياسي، بل في نمط تمركز الثروة والقرار. فقد رفعت أنظمة كثيرة شعارات العدالة الاجتماعية، والتحرر الوطني، والتصنيع، ومقاومة الاستعمار، لكنها أبقت المجتمع في موقع التلقي والاعتماد على الدولة. وبذلك تحولت الدولة إلى وسيط شامل بين الفرد والعمل، وبين المواطن والموارد، وبين الجماعات الاجتماعية ومجال الفعل السياسي، الأمر الذي حدّ من إمكان نشوء قوى اجتماعية مستقلة قادرة على مساءلة السلطة أو تعديل مسار التنمية.
أوجه التشابه
· احتكار الدولة أو الحزب لوسائل الإنتاج والثروة.
· تحول البيروقراطية إلى طبقة مسيطرة بديلة.
· إضعاف المبادرات العمالية والنقابية والمدنية المستقلة.
· استخدام الشعارات التحررية لتبرير السيطرة المركزية على المجتمع.
أوجه الاختلاف
· اعتمدت التجربة الكوبية والسوفيتية على التخطيط المركزي والتصنيع والدعم الخارجي في مراحل معينة.
· ارتبطت الرأسمالية الحكومية في الخليج والعالم العربي غالباً بالريع النفطي أو التجاري، وبالدولة التوزيعية التي تمنح الرواتب والخدمات والامتيازات.
· حافظت بعض النماذج الاشتراكية على تماسك أيديولوجي أطول، بينما تحولت نماذج عربية كثيرة إلى صيغ طائفية أو عائلية أو شبكات محاسيب.
خامساً: الخليج والبحرين بوصفهما تطبيقاً عملياً
يمثل تحليل الخليج والبحرين أحد أهم تطبيقات أطروحة الكتاب. فالدولة الريعية، في قراءة خليفة، لا تكتفي بإدارة الموارد، بل تصوغ البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من خلال احتكار الثروة وتوزيعها. وبذلك تنشأ علاقة تبعية عميقة بين المجتمع والدولة، وتضعف إمكانية تشكل قوى إنتاجية أو طبقات مستقلة قادرة على الدفع نحو تحول ديمقراطي حقيقي.
وتكتسب الحالة الخليجية أهمية خاصة لأنها تكشف، بدرجة عالية من الوضوح، العلاقة بين الريع والسياسة. فالريع النفطي لا ينتج فقط مورداً مالياً ضخماً، بل ينتج كذلك بنية اجتماعية مخصوصة تقوم على التوزيع، والوظيفة العامة، والدعم، والإنفاق الحكومي، والامتيازات الاقتصادية المرتبطة بالقرب من الدولة. وبهذا المعنى، لا يعود الاقتصاد مجالاً مستقلاً تتنافس فيه قوى إنتاجية متعددة، بل يصبح امتداداً لشبكة السلطة، حيث تتحدد فرص الصعود الاجتماعي والاقتصادي غالباً عبر العلاقة بالمؤسسة الرسمية أو بشبكاتها الإدارية والسياسية.
- بورجوازية الدولة: ينشأ القطاع الخاص غالباً من المناقصات والامتيازات والإنفاق الحكومي، لا من استقلال اقتصادي حقيقي.
- التراكم الريعي: يقوم الاقتصاد على عوائد النفط والغاز والمال والعقار، أكثر مما يقوم على إنتاج وطني عميق.
- الدولة التوزيعية: تتحول السلطة إلى جهة مانحة للرواتب والخدمات والأعطيات، بما يربط الاستقرار الاجتماعي بالولاء السياسي.
- تسييس الانقسامات التقليدية: عند الأزمات، تُعاد تعبئة الولاءات الطائفية أو القبلية أو العائلية لضبط المجتمع.
- مأزق الطبقة العاملة: تتوزع العمالة المحلية بين الوظائف الحكومية غير الإنتاجية ومنافسة العمالة الوافدة في القطاع الخاص، مما يضعف الوعي النقابي والطبقي المستقل.
سادساً: نمط الإنتاج الآسيوي والاقتصاد الريعي
يربط خليفة بين مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي كما تناوله ماركس وبين اقتصادات النفط المعاصرة. ففي النمط القديم كانت الدولة تهيمن على مورد الحياة الأساسي، مثل الماء وأنظمة الري. أما في الخليج الحديث، فقد حل النفط محل الماء بوصفه المورد المركزي الذي تحتكره الدولة وتعيد عبره تشكيل المجتمع.
وتسمح هذه المقاربة بقراءة الاقتصاد الريعي لا بوصفه ظاهرة مالية فحسب، بل بوصفه نمطاً اجتماعياً وسياسياً لإعادة إنتاج السلطة. فالريع يخفف الحاجة إلى فرض ضرائب واسعة على المجتمع، لكنه في المقابل يضعف مطلب التمثيل والمساءلة، لأن العلاقة بين الدولة والمجتمع لا تقوم على عقد ضريبي واضح، بل على علاقة توزيع ورعاية. ومن ثمّ، يصبح الإصلاح الاقتصادي غير منفصل عن الإصلاح السياسي، إذ لا يمكن تفكيك التبعية الريعية دون بناء مؤسسات قادرة على تحويل الثروة العامة إلى مجال للمشاركة والرقابة والتخطيط الديمقراطي.
- من الري إلى النفط: انتقلت السيطرة من إدارة الماء والأرض إلى احتكار الطاقة والثروة السيادية.
- من الخراج إلى الريع: لم يعد الفائض ينتزع فقط من المنتجين المحليين، بل يأتي من بيع النفط في السوق العالمي ثم يعاد توزيعه داخلياً.
- من المجتمع المنتج إلى المجتمع الريعي: يؤدي الاعتماد على التوزيع إلى إضعاف المبادرة الإنتاجية وربط الاستقرار بالإنفاق الحكومي.
- جمود البنية الاجتماعية: يتيح المال الريعي امتصاص التوترات وتأجيل الإصلاحات، لكنه يعمق التبعية ويضعف المجتمع المدني.
سابعاً: الصين والهند وروسيا في منظور المقارنة
لا يحصر خليفة أطروحته في المنطقة العربية؛ بل يوسعها لتشمل نماذج كبرى في الشرق مثل روسيا والصين والهند، حيث تتخذ الرأسمالية الحكومية أشكالاً مختلفة بحسب التاريخ السياسي والاجتماعي لكل بلد.
وتكشف المقارنة بين هذه النماذج عن مرونة مفهوم الرأسمالية الحكومية الشرقية. فهو لا يشير إلى صيغة جامدة واحدة، بل إلى عائلة من التشكيلات التي تتفاوت في درجة تدخل الدولة، وحجم القطاع الخاص، وطبيعة الشرعية السياسية، ومستوى الانفتاح على السوق العالمي. غير أن القاسم المشترك بينها يتمثل في احتفاظ الدولة بالسيطرة على القطاعات الاستراتيجية، وفي قدرتها على توجيه مسارات التراكم، سواء عبر التخطيط المباشر، أو عبر التحالف مع رأس المال الخاص المحلي والعابر للحدود.
- روسيا: يرى أن التجربة السوفيتية أسست رأسمالية دولة احتكارية، ثم تحولت بعد الانهيار إلى اقتصاد تسيطر فيه الدولة على قطاعات الطاقة والمعادن عبر تحالفها مع الأوليغارشية.
- الصين: تمثل في نظره النموذج الأنجح للرأسمالية الحكومية الشرقية، إذ قاد الحزب الشيوعي تحولاً رأسمالياً واسعاً مع احتفاظ الدولة بالسيطرة على المفاصل الكبرى للاقتصاد.
- الهند: تقدم حالة مركبة تجمع بين الديمقراطية، والإرث الطبقي والطائفي، وتدخل الدولة، وتحالفات رأس المال الخاص مع النخب السياسية.
ثامناً: السجال مع اليسار العربي ومهدي عامل
أثار مشروع عبدالله خليفة نقاشاً واسعاً داخل أوساط اليسار العربي والخليجي، لأنه أعاد توجيه النقد من البرجوازية الخاصة أو الرأسمال الكولونيالي وحدهما إلى الدولة البيروقراطية بوصفها مركز السيطرة الاقتصادية والسياسية في الشرق. وفي هذا السياق، انتقد خليفة أطروحات مثل «نمط الإنتاج الكولونيالي» عند مهدي عامل، معتبراً أنها تفسر التخلف والاستبداد بردهما أساساً إلى الاستعمار، بينما يغفل هذا التفسير الجذور الداخلية والبنى التاريخية التي أعادت إنتاج الاستبداد في المنطقة.
ويكتسب هذا السجال أهميته من أنه يعيد ترتيب الأسئلة التي شغلت الفكر اليساري العربي: هل يكفي رد التخلف إلى الاستعمار والتبعية الخارجية؟ أم ينبغي تحليل البنى الداخلية التي أعادت إنتاج السيطرة بعد الاستقلال؟ ومن هذا المنظور، لا ينفي خليفة أثر الاستعمار أو السوق العالمي، لكنه يرفض أن يتحولا إلى تفسير شامل يعفي الدولة الوطنية من النقد. فالدولة، في تحليله، ليست مجرد ضحية لبنية عالمية غير عادلة، بل قد تكون فاعلاً مركزياً في تثبيت علاقات الاستغلال والتبعية داخلياً.
- نقد التبعية الكولونيالية وحدها: لا ينكر خليفة أثر الاستعمار، لكنه يرى أن تفسير الأزمة به وحده يحجب دور الدولة المحلية في احتكار الثروة والسلطة.
- إعادة تعريف الخصم الطبقي: في المجتمعات الريعية، لا تكون البرجوازية الخاصة هي القوة المركزية دائماً؛ بل غالباً ما تكون الدولة هي الرأسمالي الأكبر.
- نقد الرغبة في ثورة عمالية جاهزة: يرى أن بنية الريع والوظائف الحكومية والعمالة الوافدة لا تنتج طبقة عاملة صناعية على النمط الغربي التقليدي.
- أولوية الديمقراطية والحريات: يؤكد أن تفكيك رأس المال الحكومي لا يتم بتبديل النخب فقط، بل ببناء حريات سياسية ومجتمع مدني قادر على مراقبة الثروة العامة.
تاسعاً: البعد الأيديولوجي للرأسمالية الحكومية
لا يدرس الكتاب الرأسمالية الحكومية بوصفها بنية اقتصادية فقط، بل يربطها أيضاً بالأنساق الأيديولوجية التي تبررها وتمنحها الشرعية. فقد ارتبط صعود هذا النمط في مراحل مختلفة بخطابات قومية، وبعثية، وماركسية رسمية، ثم بخطابات طائفية أو هوياتية في مراحل لاحقة. وتؤدي هذه الخطابات وظيفة أساسية في إخفاء التناقض بين الملكية العامة المعلنة والسيطرة البيروقراطية الفعلية، كما تساعد على تحويل المطالب الاجتماعية إلى ولاءات سياسية أو انقسامات أيديولوجية تُضعف وحدة المجتمع وقدرته على إنتاج بدائل ديمقراطية.
ومن هنا يمكن فهم إصرار خليفة على ضرورة النقد الذاتي داخل التيارات اليسارية والقومية. فالمشكلة لا تكمن في استخدام مفاهيم كبرى مثل التحرر أو العدالة أو الاشتراكية، بل في تحويلها إلى صيغ مغلقة تعجز عن مساءلة الواقع المتغير. وبقدر ما تتحول النظرية إلى عقيدة جاهزة، تفقد قدرتها على التحليل وتصبح جزءاً من جهاز التبرير. لذلك يدعو مشروع خليفة، في جوهره، إلى ماركسية نقدية مفتوحة، قادرة على مراجعة أدواتها وتكييفها مع خصوصية البنى الشرقية بدلاً من إسقاط نماذج جاهزة عليها.
الخلاصة
تتمثل أطروحة رأس المال الحكومي الشرقي في أن الدولة الشرقية الحديثة لم تكتفِ باستيراد أدوات الرأسمالية الغربية، بل أعادت تشكيلها بما يلائم تاريخها السياسي والاجتماعي، فغدت الدولة مركزاً للتملك والتوزيع والتوجيه والضبط. ومن هنا يرى عبدالله خليفة أن مأزق التنمية والديمقراطية في الشرق لا يعود إلى نقص التخطيط أو ضعف الإدارة فحسب، بل إلى بنية تاريخية تجعل الدولة مالكاً وموزعاً وموجهاً ومحتكراً في آن واحد. ولذلك فإن تجاوز هذا المأزق لا يتحقق بمجرد تغيير الشعارات أو تبديل النخب الحاكمة، بل يتطلب بناء مجال عام مستقل، وتحرير المجتمع المدني، وتوسيع الحريات السياسية، وإخضاع الثروة العامة للرقابة الديمقراطية. وبهذا المعنى، يقدّم الكتاب إسهاماً نقدياً في فهم العلاقة بين الدولة والاقتصاد في المجتمعات الشرقية، كما يفتح أفقاً نظرياً لمراجعة التجارب القومية والاشتراكية والريعية من منظور يربط التحرر السياسي بالتحول الإنتاجي والاجتماعي العميق.
