حوار للمفكر السوري الكبير الراحل الدكتور صادق جلال العظم

⁎ كيف لي إذن أن لا أنحاز لهذه الثورة الشعبية العارمة ضد هذا النوع من الاستبداد والظلم والقهر بغض النظر عن طبيعة القناعات التي أحملها إن كانت يسارية أو ماركسية أو وسطية، أو حتى يمينية؟ مع ذلك، أعتقد أن المنهج الماركسي في البحث والتحليل والتفسير هو الذي يعطينا القدرة الأفضل والأرقى على فهم قيام الثورة وتحديد أسبابها الأعمق والبحث في خلفياتها التاريخية والاجتماعية وإلى جانبها والدفاع عنها.
⁂ كلّا، لم أتفاجأ بالثورة على نظام الاستبداد – كما تفاجأ هو– بسبب من بعض التجارب والملاحظات الدالة والمستمدة من المعايشة والتفاعل الحي مع الحياة اليومية في سوريا وبخاصة في دمشق، وهي دلالات وملاحظات وتجارب أثبت النظام عجزه عن التقاطها أو حتى الاقتراب من معناها ومغزاها، لأن طبائع الاستبداد لا تسمح بذلك على ما يبدو. أعود لأقول بأني لم أتفاجأ بالثورة لأنه انتابني (كما انتاب غيري) إحساس مبهم بالتوجس والقلق والخوف على سوريا عموماً بعد القضاء على «ربيع دمشق»، حيث بدت لي سوريا عالقة على حافة هوة سحيقة ما، وأن السقوط آت لا ريب فيه. كانت الحياة في دمشق، على سبيل المثال، تبدو هادئة وعادية ورتيبة على السطح، مع ذلك كنت ألمس وأتأكد أن حمماً بركانية كانت تتفاعل تحت السطح بقليل والجميع يحاول التعامي عنها، قدر الامكان، على أمل أن تبقى تحت السطح لأطول مدة ممكنة ولا تطفو بسرعة على وجه الحياة في البلد. لما قامت الثورة، انفضّ هذا التناقض بين مظهر سطح الحياة الهادئ والطبيعي بزيفه وافتعاله، من ناحية أولى، وبين البركان الحقيقي الذي كان يعتمل تحت السطح، من ناحية ثانية، وكان لا بد لي أن أنحاز إلى الحقيقي والأعمق وأقف إلى جانبه وأترك لغيري مهمة تبرير السطح المزوّر والدفاع عن المزيف والوقوف إلى جانب التافه. استمعت إلى ناس عاديين جداً وبسطاء جداً يعبرون عن الاحساس بهذا التناقض بأقوال عاميّة عفوية مثل : «بدها كبريتة لتولّع»، «بدها شرارة لتهب»، «بدها ولعة لتشتعل»، «بدها فتيشة لتنفجر».


اكتشاف المزيد من عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً