كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة
تتشكلُ الدياناتُ القديمةِ على أساسِ القبلية ونموها، التي تبعد عنا الآلاف من السنين، ولكن لا تزالُ مستمرةً فينا، ولهذا فإن صورَ هذه الألوهياتِ المؤَّسسةِ للدياناتِ تتبدلُ بين لحظاتٍ مجردةٍ إلى لحظاتٍ ملموسة تندمجُ في التواريخ وتضاريس البلدان والشعوب.
(أنا يهوه. تراءيتُ لإبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ إلهاً قديراً. وأما اسمي يهوه فما أعلمتهم به. وعاهدتهم على أن أعطيهم أرضَ كنعان، التي تغربوا فيها)، (الخروج 6:6-4).
إن تبدلَ الأسماء هو جزءٌ من تطورِ القبيلة، هو إنعكاسٌ لأطوار الترحل والبحث في زمن ما قبل الحضارة، ثم يأتي دخولها في الحضارة، وتأثرها ببعضِ مرتكزاتها، فتتوجه القبيلةُ للسياسةِ، وتصبحُ القبيلةَ – الدولةَ، وهي إذ تمارسُ ضَبطاً على شعبها الداخلي، ولا نعرفُ حتى الآن أشكاله، تواجهُ عنفاً خارجياً من قبل الدولةِ المصرية، التي تتوجسُ من كثافةِ تجمعِ هذه القبائلِ اليهودية العاملة في أرضِها التي بلغت أكثر من نصفِ مليون إنسان.
الرسالةُ الدينيةُ وصورُ الإلهِ المُنتَّجةِ والقيادة الدينية في هذا الظرف الصراعي، كلها تعبيرٌ عن نموِّ القبائل اليهوديةِ وتضخم السلطة فيها، أي إن الانقسام والصراع والانشقاق مراحل لذلك التطور السياسي الكامن، ولهذا فإن الصورَ الألوهيةَ تعبيرٌ عن هذا التبلور للسلطةِ السياسية المتصاعدة.
إن مرحلةَ الخروجِ تُظهرُ تجريبيةً قبلية دينية سياسية لم تتبلور طويلاً في أسس الحضارة ولا في نص، ولا في عقلية متبلورة بل تعيشُ ترحالية مضنية، ولكن الهدف السياسي موجود وساخن:
(فاعمل بما أنا آمركَ بهِ اليوم. ها أنا أطردُ من أمامكم الأموريين والكنعانيين والحثيين والفرزيين والحِويين واليبوسيين. لا تعاهدوا سكانَ الأرضِ التي أنتم سائرون إليها، لئلا يكون ذلك شركاً لكم، بل اهدموا مذابحَهم وحطموا أصنامَهم، واقطعوا غاباتهم المقدسة لآلهتهم. لا تسجدوا لإلهٍ آخر لأني أنا يهوه إلهٌ غيور. لا تعاهدوا سكانَ تلك الأرض لئلا يدعوكم حين يعبدون آلهتهم ويذبحون لهم فتأكلون من ذبائحهم.(الخروج 34: 11 – 15).
تقومُ أولوياتُ سلطةِ القبيلةِ – الدولةِ على العنف، عبر إزاحة الأقوام الأخرى، وعدم الذوبان في تقاليدِها الدينية والاجتماعية، وعبر هدم مؤسساتها، أي بكلمةٍ واحدة سحق الآخر المختلف، وإذا بقي حياً حراً فيجب من وجهة نظر هذه السلطة عدم التعايش معه.
هناك مسافة كبرى بين القبيلةِ المنتجةِ للعنفِ والزاحفة نحو إقامةِ سلطة على أرض وبين تحققها، فلاب د من فترة قبل السلطة وتتكرسُ فيها نظرتها، وهي رؤيةٌ عامةٌ للشعوب القبلية والأمم، ومن ها فصورُ الإلهِ سوف تصاب بالتعديلات المستمرة لكي تلائم نمو مضامينها الاجتماعية من جهة، وإختلافها عن الشعوب الأخرى من جهة ثانية.
فعلى حسب تقاليد القبائل اليهودية الوثنية، والتي لم تستطعْ العيش الحضاري في مصر لأسبابِ تخلفِ هذه القبائل، فإنها تواصل عبادة أربابها الوثنية القديمة، لكن المرويات اليهوديةَ الرسمية لا تخبرنُا بحالةِ هذه القبائل العبادية الحقيقية، إنها تقدمُ لنا هذه القبائلَ بصورةٍ تجريديةٍ مقدسة، نورانية، رغم بعض الاعترافات الوامضة، التي هي أشبه بفلتاتِ اللسان لكن المعبرة عما هو متوارٍ حقيقي في تاريخها السابق.
إن المرويات القصصية الشعرية اليهودية تقدمُ لنا البطلَ الرمزي هذا، والسماءُ تشاركهُ في صنعِ التاريخ، وتآزرهُ ضد أعدائه، مثل أي بطلٍ محظوظ ديني أو أسطوري، لكن هذه المؤازرة تتم بأدواتِ الوعي السحرية، ومستويات تطوره في النقل وكسب الغذاء والسلاح ورعي الحيوان.
ولكن الواقعَ الموضوعيَّ يختلفُ عن ما يصورهُ البطلُ عن نفسه، أو ما كتبهُ آخرون بعد أزمنةٍ بعيدة، وهم يكيفون تلك التواريخَ لزمنِهم، وينزعون منها أشياءَ كثيرةً هي خارج سياق التوحيد الديني الذي صاغوهُ تَميزاً سياسياً عن غيرهم، لتظلَّ السلطةُ فيهم، ولكي لا يذوبون في الشعوبِ الأخرى، فتذوبُ دولتُهم القبليةُ التي أسسوها، وهو ما ستفعلهُ الشعوبُ الأخرى كذلك وهي تتأثرُ بهِم وتصارعهم، وتطورُ تجربتَها السياسيةَ الخاصة وتشكل دولها.
من هنا شكلت القبائل اليهودية رمزية مقدسة نقية لتاريخها السابق، حيث الآباء يصارعون الحياة الوثنية ويختارون طريقاً آخر، ومن هنا يتم تصويرهم بشكل فردي رومانسي في تلك البيئة الصحراوية القبلية المتخلفة.
وهو أمرٌ مستحيل ومن هنا فلا يمكن أن تكون القبائل اليهودية في مصر غير وثنية، خاصة إن البيئة نفسها تعتمد على تعدد الآلهة وصورها وكثرة المعبودات.
ومن هنا فإن الأسماء المقدسة السابقة تلك تعبير عن هذا التاريخ المتواري، وعن القبائل والجماعات المترحلة والتي لم تكتسبْ تاريخَ عنف سياسي كبير مدون خاصةً، وحين ظهرتْ الكلمةُ المؤسسةُ:(إسرائيل) ظهر مصطلح الصراع العنفي هذا، فالإسم هنا هو عن الإله والإنسان في حالة الصراع العنيف.
إن التجربةَ اليهوديةَ أعطتنا مواداً واضحةً مكتوبة لكيفيةِ التشكل والنمو للبناء القامع العنيف، ثم للانهيار الداخلي الذي سيكون من فعل غزاة آخرين لليهود فيما بعد. وقد بينتْ التجربةُ كيف أن سياسةَ القبائل الساعية للسيطرةِ على مناطق قبائل وشعوب أخرى تعتمد على القوة الدموية، وهو عنفٌ تصورهُ بشكلٍ ديني مقدس، كما تُظهرهُ صورُ الإلهِ المؤسسِ لمثل هذه السياسات، فتلك الصورة الألوهية الراهنة وقتذاك هي المشكلة للعنف، لا أن البشرَ وهم الكهنة والأمراء الكبار هم الذين يصيغونها في لحظة سياسية صعودية لمشروعهم السياسي.
إن الأديانَ القبليةَ تقومُ في المشرق على العنف لأنها تطرحُ التوسعَ وتشكيل دول فاتحة، فيما أن الأديانَ المدنيةَ تقومُ على خلاف ذلك، عبر الدعوة والحوار.
اليهوديةُ شكلٌ مجسدٌ لذلك، ولهذا حالما غدتْ القبائلُ اليهودية قوةً عدديةً كبيرةً وهي تنزحُ من مصر مرعبةً المصريين من تناميها هذا، توجهتْ نحو مناطق الفراغ السياسي، لكنه لم توجدْ مناطقُ فراغٍ، لأن الأرضَ ممتلئةٌ بالشعوب:
(اسمعْ يا شعب إسرائيل. أنتَ اليوم تعبرُ نهرَ الأردن لتدخل وترث شعوباً أكثر وأعظم منك.. فأعلمْ اليوم أن يهوه إلهك يعبرُ أمامك كنارٍ آكلة. هو يدمرُهم ويخضعُهم أمامك، فتطردهم وتبيدهم سريعاً كما علمك يهوه)،(التثنية 9: 1 – 6).
من المؤكد إن هذه الصياغات العنيفة هي صياغاتٌ تاليةٌ عن التجربةِ القبلية اليهودية التوسعية، والتي تمتْ بذات الأساليب المروعة، وهي أساليبٌ كانت منتشرةً بين الدول والقبائل في الحروب في ذلك الزمان ولم يفعل اليهود سوى كتابتها وتسجيلها على أنفسهم، لكن أن تكون هي صياغاتٌ مقدسةٌ مؤبدةٌ عند المؤمنين بها حتى يومنا هذا، فهي التي تمثلُ مجموعةً من الإشكالياتِ الدينية والتاريخية.
لقد تمت فعلاً عمليات الحرق للمدن والإعدامات الواسعة للقبائل والرجال والنساء ونصوص التوراة تعطينا تفاصيل دقيقة عليها، ولكننا نقول بأن الصياغات الأدبية تمت في مراحل تالية ورغم إخضاعِها للتأنقِ في الكتابةِ لكن الحوداثَ الرهيبةَ ظلتْ محفورةً بين سطورِها مؤكدةً إياها حتى وهي مكتوبة بإسم إله.
إن الكهنةَ اليهودَ في مرحلةِ الأسرِ البابلي أو بعد ذلك يكتبون تفاصيلَ العنف، خاصةً في المراحل الكتابية الأولى:
(فنفخَ الكهنةُ في الأبواق، فهتف الشعبُ عند سماعِ صوتها هتافاً شديداً، فسقط السورُ في مكانه. فاقتحمَ الشعبُ المدينةَ، لا يلوي أحدُهم على شيءٍ واستولوا عليها. وقتلوا بحدِ السيفِ إكراماً للربِ جميعَ ما في المدينة من رجالٍ ونساءٍ وأطفال وشيوخ، حتى البقر والغنم والحمير)،(يشوع 6: 20 -21).
الكهنةُ والشعب المخدر بالشعارات الدينية، علاقةٌ تاريخية قديمة بين منتجي النصوص والممسوسين بها، وإستخدام الموسيقى وأدوات التأثير النفسي الحربي والشعارات والشعائر، كلها بغرضِ القيام بالعمليات الحربية الإبادية للخصم، لتنمو العملية السياسية وهي تحرقُ الأعداء.
تسبق العملياتَ الحربيةَ الجوانبُ العباديةُ، فهي المقدماتُ الضروريةُ للتخديرِ والتمكنِ من تحويل البشر من كائناتٍ مسالمة إلى كائنات وحشية، ولهذا فإن كلَ جماعةٍ تصنعُ أدواتها العبادية المميزة، والجماعةُ اليهوديةُ أثناء الخروج من مصر إحتاجتْ لسنوات عديدة لإحداثِ عملياتِ الغسل للعبادات السابقة وإحلال العبادات الجديدة، وجعلها تحوطُ بالبشر في كلِ ناحية، غير قادرين على الإفلات من جزئياتها الكثيرة في الصلواتِ والأحكام والفرائض الإنسانية والطقوس، بحيث تنشىء العقيدةُ سياجاً ملتفاً حول الكائن البشري، توجههُ نحو الخضوع للكهنةِ ورجال الدين والأمراء العاملين لخدمةِ أهداف سياسية معينة.
وأخذت العقيدةُ اليهودية المصاغةُ في فترة الخروج مناخَ الزمن العبودي المطلق، ويتجلى ذلك في صورة الإله المهيمن الكلي في هذا الزمن، الذي هو سيفٌ وبرقٌ وصواعق من السماء، هو روح القبيلة التي فقدت قدراتها العسكرية وتمت عسكرتها، وخلق الأناشيد الحربية فيها، ومناخُ العبودية المطلقة جاء من الحكومات السائدة وقتذاك، حكومات الفاتحين الشرسين وإبادة الخصم وتحويل الشعوب إلى ارقاء.
ومن هنا عملت المسيحيةُ على كسرِ إيقاعِ هذا العنف الوحشي، وجاءت الأناجيلُ متفرقةً متعددةً مختلفة، لتعارض الغزو والحروب والعبودية المطلقة فتؤنسن السياسة، لكن مسارها التاريخي قاد إلى هيمنة الإمبراطورية الرومانية عليها، ثم دُمجَ العهدُ القديم(التوراة وكتبها) بالعهدِ الجديد وهو الأناجيلُ المُعترفُ بها من قبلِ كنيسة روما. فبقيتْ الأقسامُ العسكريةُ اليهودية المفعمةُ بأجواءِ المذابح والعنف الوحشي في الكتاب المقدس المشترك، وغدت تلك الأقسامُ مادةً ثقافيةً مبجلةً لدى الملايين من المسيحيين خاصة وعلى مر العصور، لأن اليهود يقدسونها من باب أولى، وهو أمرٌ شكلَ الثقافةَ الاستعمارية المشتركة فيما بعد، وغدا العنف ضد الشعوب في العالم الثالث.
وطــــن للثقافــــة وثقافــة للوطــن..
هكذا وعي ثقفن ذاته، لا يمكن أن يكون سوى مشروع
إن الثقافة الوطنية في عالم الكاتب المبدع والمفكر البحريني الجسور عبدالله خليفة جزء من مشروع فكري كبير وواسع يجوس أعماق وآفاق محطات ومنعطفات وتحولات وصراعات واشتباكات حدثت وتنامت وتداخل واحتدمت في أرجاء وأصقاع الفكر العربي والإسلامي القديم والمعاصر.
ولعل الرؤية التقدمية المستقلة الثاقبة والفاحصة والشاخصة لدى كاتبنا الوطني المفكر عبدالله خليفة في هذه الثقافة المشروع، لا تدع مجالاً للحديث عن الرأي الانطباعي أو الحديث عن التجربة الإبداعية بمعزل عن مشروعه الفكري أو الوقوف عند سيرته الذاتية بمعطياتها التقليدية الأفقية الناجزة أو الوقوف دون خوض في مختبراتها النضالية والصراعية الشاقة، إنه يتماهى فيها دون هوادة وكما لو أنه جبل بذاتٍ قُدّت من فكرٍ منذ الصنيعة الأولى لخلايا وعيه.
وهكذا وعي ثقفن ذاته، لا يمكن أن يكون سوى مشروع، وهكذا مشروع لا يمكن أن يكون سوى أنشودة أنغولية تنشد الحرية وتشدو بها.
هو عبدالله خليفة الذي مذ فطنت خلايا ذاكرتنا به وهو المهيأ لحوار ساخن لا يهدأ أواره وهو المعترك في الاشتباكات والمساجلات الفكرية العميقة، هو المسكون بالهم والوطن والحلم والفرح والأمل، هو المنتصر لكرامة الإنسان وكبرياء الفقراء والكادحين والمسحوقين، لا يهادن ولا يساوم ولا يجامل، شامخًا باسقًا كنخيل دلمون، نضرًا وإن كان وحيدًا كزهرة البيلسان، تشتد أغصانه وتخضر كلما كابدته معاناته ومعاناة شعبه ووطنه، يمضي على قلق وهو ينافح عن فكره ورأيه كالرمال المتحركة، فضاؤه الفكري مساحة للجدل والخلق، ووقته زمن غابوي كثيف للإنتاج والإبداع.
منذ استباره أعماق بحر الرواية وهو لا يكف عن البحث عن اللآلئ المفقودة أو ربما عن فردوسه المفقود، عبدالله في سعة البحر وفي لججه وفي أعماقه وفي كل تفاصيل
وتضاعيف وتقاسيم الوطن، في مدنه وقراه، في أساطيره وتراثه، في دهشته الساحرة والمسحورة، في ينابيعه العطشى، في ألحان شتائه الشجية وفي أغانيه المائية والنارية، في نسائه الباذخات وفي نسائه الشامخات الشاهقات.
ما الذي لم يكتبه عبدالله خليفة عن الوطن؟ لا شك أن المخيلة مكتنزة بقصائد لم تنشد بعد، كأقلفه الثمانيني الذي أثار جموح اللغة والفكر في الثالثة بعد الألفين، وكمشاريعه الفكرية التي تنتظر مصداقية شفافية العصر لتنجلي وتتجلى في سماء الفكر العربي.
هو عبدالله الذي ما أن تغيب عن البال شاردة إلا هو واردها، وهو الذي يرى في الفكر والفكر وحده، زاهدًا من عمّده بالكرامات والجوائز والتحافي والتزكيات المرسمنة، هو القاريء للحياة مثلما هو السابر في الفكر، فحياته وفيؤه وظله أصدقاء وعمال بسطاء، ومن فكره يجود ولا يبخل، ومن وحي ورحيق صحبه ومعينه يتجسد رواية أو قصة أو دراسة أو مسرحية أو مقالاً.
الثقافة المشروع لدى عبدالله خليفة وسط هذا المشغل الحياتي الفكري المركب، ليست آنية أو طارئة أو عابرة، هي أزمنة تتداخل ورؤى تتصارع ومطاليب تتمأسس وتاريخ حافل بالمكائد والدسائس والنضال والمواجهات العنيفة الضارية، هي قراءة للراهن والمستقبل، قراءة لم تعقها جدران الزنازين الرطبة وظلامها الموحش الموارب الفاتك، ولم تغوها المغريات.
الثقافة النيرة المتقدمة هي أولى الأولويات الفكرية لدى عبدالله خليفة، فمن يزعم بأن الثقافة آخر الأولويات في مشاريعنا الوطنية، لا يدرك في الشأن السياسي سوى أخماسه وأعشاره، ولنا في نقيضه أسوة بذخائر عبدالله خليفة الفكرية، ولو أحصينا نتاج عبدالله خليفة الفكري والإبداعي كمًا ونوعًا وتميزًا لرأينا ـ عبدالله ـ لا يزال شابًا يافعًا فارعًا يتحدى الزمن وكما لو أنه يشكله كيفما يشاء ووقتما يشاء، إنه يرحل ويغادرنا وفي حوزته من الروايات والقصص القصيرة قيد الطباعة والنشر ما يربو على الخمسة عشر رواية وعشر قصص قصيرة، وذلك بعد أن أصدر ما يربو على السبعة والعشرين رواية وعلى السبعة مجموعات قصصية قصيرة، وعلى الستة كتب في مجال الدراسات النقدية والفكرية.
متى يسترخي عبدالله خليفة وهو الذي ينشد في التياذه للفكر شاغلاً ومنشغلاً أجمل منتجع للاسترخاء؟ أو بعبارة أكثر استرخاء، يبدو أن عبدالله خليفة لا يسترخي إلا حينما يسترخي شاغلاً ومنشغلاً، لذا حين غادرنا، جعلنا مشغولين ومنشغلين بنتاجه الذي صدر والذي لم يصدر بعد..
للثقافة الوطنية جذور وللوطن جذور ولعبدالله خليفة جذور الثقافة والوطن..
عبدالله خليفة فكر للوطن ووطن يفكر في مساحات الوطن الأوسع..
تمضي على رحيله ست سنوات ولا يزال في الوقت متسع لإبداع وفكر لم يصدرا بعد.. متسع لحوار لا ينتهي..
عبدالله خليفة.. وطن للثقافة وثقافة للوطن..
كتب : يوسف الحمدان
الراوي وعلمُ الاجتماعِ الوطني
كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة
تجسد القصةُ أطواراً من التحول الاجتماعي، ولهذا تغدو لها مسارات مختلفة وإنجازات متباينة عبر العصور، وفي البحرين خلال القرن العشرين تنامت هذه القصة متأثرةً بالواقع وتحولاته، وبالتأثيرات الإبداعية العربية والعالمية.
بتشكلِ الفئات الوسطى والعمالية مجسدتين الحياة الحديثة، راح الفرد يعي ذاته المستقلة وسط بناء قبلي قروي تقليدي، تحضنه هذه المؤسسات وتخضعه لسيطرتها وأشكال وجودها، لهذا يصعبُ عليه الانسلاخَ منها إلا عبر نمو الفئات الحديثة، وعبر صناعته لأدوات وعيه المختلفة ومنها أجناس القصة والرواية والمقالة والدراسة والفنون وغيرها.
حين تظهر القصة فهي تظهر في عالم ضبابي فهي ليست قصة ولا رواية، بل شكلٌ هلامي منهما، وهذا يعتمد على طبيعة المُنتج وموقفه الفكري السياسي، فكيف هو موقعه الاجتماعي وما هي أهدافه؟
وهو يعبرُ عن هذا من خلال صنع الشخصيات والأحداث والأجواء ويتوقف تطوره على مدى خلق صلات متنامية مع الواقع، ولهذا فإن صنع الشخصية الإنسانية الفنية هو بؤرة مركزية لهذا كله، فهذا الشخصيات تعبر عن ذاته.
وفي القصة البحرينية في ذلك السديم الأولي فإن الضبابية تغلف كل شيء، فالفئات المتوسطة الصغيرة المنتجة للأدب والفنون مقسمة محدودة، ذات أشكال وعي مضطربة، لم تُظهر مفكرين وباحثين قادرين على تعبيد الطرقَ لها.
ويغدو التعبير القصصي شكلاً أولياً لتفكيرها، وقد قام الكتاب البحرينيون بتجسيد الشخصيات دون أن تكون معبرةً عن ذواتهم، فهم بلا رؤى فكرية واضحة عميقة، ومن هنا فإن(البطل) موجود ولكنه بلا بطولة، فهو كيان هلامي مهزوز يتحطم في خاتمة المطاف.
المؤلفُ سواء كان كاتباً سارداً أو كاتباً راوياً لا يذكر إنه هو هذا السارد أو الراوي، فهو لا علاقة له مباشرة بالبطل، فهو غريب عنه! وهذا الموقف هو نتاج سمعة القصة في ذلك الحين، التي ترويها النساءُ كحزاوٍ، وبيئة العائلة الممتدة لا تُعنى بالفرد وإستقلاله، وتسود فيها قصصٌ حتى التراثية منها وهي بلا كيانات فردية مستقلة.
ولهذا فإن المؤلف العصري في ذلك الوقت يلغي روابطه بالبطل المنبوذ المعروض والذي يشاركه المؤلفُ آلامه من وراء الستار!
إن كلاً من أحمد كمال وعلي سيار وموزة الزائد من البحرين وفهد الدويري وحمد الرجيب من الكويت سيجد نفسه في النتاج وليس في الشخصية المتصاعدة عبر القصص، فهو لا يشكل ذاته الإبداعية عبر شخوص مجسدة له بل عبر شخوص غريبة عنه.
لهذا سيكون المؤلفُ سارداً، يشكل سرداً عارضاً لأحداث وشخوص، وليس راوياً مذكوراً داخل السرد. فالشخصيات غريبة عنه يعرض مآسيها فقط.
(في قصة»جناية أب لأحمد سلمان كمال نجد الشخصية المحورية وهو الابن يرى أمه واخته الصغيرة تنتقلان إلى بيت من بيوت السعف.. بعد أن طلق أبوه أمه)، من كتاب (الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 15.
وهذا الطلاق يكون سبب دمار الابن وتحوله لمتشرد ومريض ثم للص. يقوم المؤلفُ بإرجاع مآسي أبطاله لتفكك العائلة وخرابها الداخلي الناتج عن أشكال الزواج السائدة.
تعرض أغلب قصص المرحلة هذه الظاهرة، وبطبيعة الحال لن يعرض المؤلفُ ذاته أو شكلاً لتجليها في مثل هذه المواد.
عدم ظهور المؤلف كبطل تعبيري هو بسبب فقدان البطولة فالشخصيات ممسوحة إجتماعياً، ولهذا نجد المؤلفين لا يشكلون سيراً قصصية لهم، وبالتالي لا يستطيعون التعبير عن فئاتهم الاجتماعية، فميل هذا الوعي غير موجود، فلا نجد سيرة لأحمد كمال يعرض فيها تجربته، ولا نجده يصور شخصية مثل محمود المردي ويكتب سيرته أو يقوم المردي نفسُهُ بتصوير تجربته السياسية والإعلامية.
إن عرض تجارب الظهور الأدبي الفكري السياسي شبه معدومة، رغم إن البطولة موجودة متقطعة، بين ظهور أدبي إلى تجل سياسي وصراع مع الاستعمار والتخلف.
إن الفئات الاجتماعية السائدة حينئذ لا تشكل ذواتها الطبقية المميزة، وتتذبذب مواقفها ولا تصعد وجوداً سياسياً مميزاً.
لماذا يتبدل وضع الراوي في القصة القصيرة البحرينية ليصبح قريباً من السارد المؤلف لدى محمد الماجد ومحمد عبدالملك؟
في حين أنه لدى أحمد كمال وعلي سيار ليس كذلك، فهو ناءً عنهما فلا يوجد سوى صوتُ المؤلف السارد الكاتب؟
كما قلنا كان حضور المؤلف في قصص الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين يبدو مشيناً، فالقصة تبدو عملاً أدبياً متدنياً، وفي أجوائها (المنحطة) تلك كان ظهور المؤلف أشبه بالعيب!
الحال انقلب لدى الماجد وعبدالملك، صار حضور الماجد في قصصه واسعاً وكذلك تنامى هذا الحضور لدى محمد عبدالملك، ونعزو ذلك لتبدل مكانة القصة وصيرورتها جزءًا حيوياً من الإبداع والمجتمع، وكذلك فإن المؤلفَين صارا على علاقة وثيقة بالصحافة التي كانت تعتمد على الخبر والتحقيق (الريبورتاج) وتصوير الناس.
قصة الخمسينيات الخيالية التقريرية كانت تُزاح لصالح قصة قريبة من الحياة، والحياة كانت في الشارع الملموس، وإذا استقى الماجد قصصه من حياته الشخصية التحولية بدءًا من الرفاع إلى المحرق والمنامة راسماً تجاربه فيها، مسقطاً ذاته وأحزانه عليها، فإن محمد عبدالملك راح يصور يقظة الحارة وشخوصها وصراعها وصعودها لكن من خلال ذاته المراقبة المسجلة لما يدور.
بطبيعة الحال كان الراوي ثيمة فنية ضرورية، وتداخلت شخصية الكاتب السارد بالراوي الموجود في جسم القصة كجزء منها كما يفعل الماجد وكمراقب خارج عنها كما يفعل عبدالملك ثم يدخل فيها في قصصٍ تالية وكجزء عضوي فيها، وهو أمر عنى تطورات إبداعية كبيرة ومشكلات إبداعية كذلك.
هذه الجوانب الرفيعة في تطور القصة القصيرة لم تكن مُراقبة مدروسة في عمليات النقد البحرينية لأسباب تتعلق بمنهجية المؤلفين، فالباحث إبراهيم غلوم في كتابه (تطور القصة القصيرة بين الكويت والبحرين) يركز على الأسباب الاجتماعية التاريخية التي تكونت القصة فيها في كل من البلدين، ثم حين يجيء لتكون القصة القصيرة في البحرين ينقطع عن تلك المقدمات الطويلة ويكتب قراءاته الخاصة عن التجارب، لهذا لا تحوز مسألة مثل الراوي مكانة خاصة.
فيما تجيء الكاتبة (أنيسة السعدون) في كتابها عن الراوي في قصة عبدالملك لتأخذ قصص محمد عبدالملك كإنتاجٍ مطلقٍ خارج التاريخ الاجتماعي الفكري، مركزةً على إسقاط شهادات نقدية عربية وعالمية على جوانب بنائية فنية مهمة من هذه القصص.
مسألة الروي وظهورها وكون محمد عبدالملك جزءًا من حارة يعيشها بكل جوارحه، وهي حارة في غليان اجتماعي سياسي، وثم تجيء مسألة ذوبان تلك الحارة وغياب شخوصها الحية، وبقاء المؤلف فيها وقريباً منها وتسكنه تحولاتها السابقة وتزعجه تحولاتها الراهنة، أمرٌ مهم ومؤثر كبير، وتقوم هاتان اللحظتان على تطورين اجتماعيين سياسيين بحرينيين كبيرين غير مدروسين لدى الباحثين، وهما التطوران اللذان يتركان بصماتهما على البنية الفنية.
تقوم ضرورة بحث الجوانب الفنية المرهفة هذه على تتبع التطور الاجتماعي والفكري للبحرين خلال عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين لكشف التحول الفكري الروحي العام ومشكلات التطور السياسي، فتصويرية المؤلف وبقاؤه ضمن المادة الإبداعية يجعل جزءًا من عمله تسجيلياً لا يكشف قوانين تطور البنية الاجتماعية، التي ينبغي أن يدرسها ويحللها ويكشف عللها، لا أن يلتصق بجزئيات كثيرة فيها، ويبقى فيها.
إن الماجد يبقى في تلك الجزئيات وتصير هي آلامه حتى يذرو نفسه، في حين يبقى محمد عبدالملك معها ويحللها ويربطها بحالات فكرية مركبة شخصية وعامة.
إن بقاء أحمد كمال في منهجية قصصية متجمدة يؤثر على توقف هذه القصة، في حين قام علي سيار بتحول مع انغماره في المجتمع الكويتي وبدّل من تقنيته بعض الشيء، وبقي محمد الماجد في تقنيته الفردانية المغلقة وبدّل محمد عبدالملك من هذه التقنية الراوية.
هذه كله جعل تقنية الروي تعبيراً عن علاقات إبداعية وفكرية وسياسية غائرة موضحة العديد منها في النقد الجديد بالبحرين.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
عبدالله خليفة كاتب بحريني صاحب عدد من المجموعات القصصية المتميزة التي بدأ نشرها منذ منتصف السبعينات بمجموعة لحن الشتاء ثم توالت مجموعاته الرمل والياسمين ويوم قائظ ودهشة الساحر وجنون النخيل.
ودخل خليفة حقل الرواية بصدور روايته اللآلئ في بداية الثمانينات ثم توالت رواياته: القرصان والمدينة والضباب ورأس الحسين وعمر بن الخطاب شهيدًا والتماثيل كما كتب العديد من الدراسات النقدية والفكرية. وبمناسبة صدور عمله الجديد التماثيل كان هذا الحوار معه:
✾ صدرت لك حديثا رواية التماثيل ماذا عن الخطوط العريضة لهذه الرواية؟
❀ التماثيل رواية من روايات الحياة الاجتماعية المعاصرة وليست تاريخية، وهي تتناول الفترة الحالية في البحرين وتدور حول شخصيتين متناقضتين، الأولى بسيطة ومتفتحة وخيرة ولكنها ساذجة، والثانية شخصية ذكية وشريرة، وتصطدمان مع بعضهما بعضا حيث يقوم الرجل الشرير باستغلال الرجل الطيب في أعمال يتورط على أثرها في العديد من التجارب إلى أن دخل السجن وهناك تعلم الساذج كيفية التعامل مع الأشرار، بعد لقائه بأحد المناضلين الريفيين الذي يقوم بحراسة كنوز التراث التي هي التماثيل.
✾ شخصيات الرواية حلمية أم واقعية؟
❀ هناك صبغة تجمع بين الحدث اليومي الحقيقي من خلال شخصيتي حارس التماثيل، والساذج الشرير وهي ترميزات لأنماط بشرية وقوى متصارعة في الفكر والموقف والفن الآن بعدما كتبت مجموعة كبيرة من القصص والروايات لم أعد أكتب ما هو تسجيلي فوتوغرافي، لكنه يستفيد من المادة الحياتية ويتغلغل فيها ويضعها في صيغ ترميزية.
✾ ما سر تحولك من الكتابة التاريخية إلى الكتابة الواقعية؟
❀ كنت دائما مهتما بجذور الحالات القصصية والروائية كجذور بلدي والحالات الشخصية والفنية وصيرورة الشخصيات كما في روايات اللآلئ، وهي عملية مهمة لكشف تطور الشخصيات وإبراز تناقضاتها وجذورها الروحية، هذا المنهج دفعني إلى دراسة التاريخ الإسلامي بعد تخرجي من قسم اللغة العربية في معهد المعلمين، واصلت الكتابة الأدبية بهدف البحث في جذور الإسلام والأمة العربية، وأصدرت كتابا من أربعة أجزاء حول تطور الوعي العربي الفكر الفلسفي.
✾ هل تربط الرواية بالتاريخ لتعيد التعبير عما قاله التاريخ بلغة أخرى أم التعبير عما لا يقوله التاريخ؟
❀ لم أكتب الرواية بشكل تسجيلي تاريخي وتوثيقي دراسي وإنما بشكل روائي، أستخدم أسلوبا شعريا ولغة مرنة بحيث لم أتوقف عند التيمات التاريخية والتقارير المتيبسة للسرد القديم، حيث تتداخل الضمائر وينمو السرد عائدا للماضي ومتوجها للحاضر وتتشكل شبكة من الشخصيات مثل عمر في رواية رأس الحسين في المدينة وهو يجابه الاستغلاليين ويساعد الفقراء.
✾ ما حجم ودور الخيال في هذه الروايات التاريخية؟
❀ حجم الخيال يبقى محدودا لأنه توجد لديك مادة لا يجوز تحريفها أو تشويهها ودور الكاتب هو إضفاء عوامل التشويق على هذه المشاهد مثل الصراعات الحربية.
✾ كيف تتقاطع كمثقف مع المفاهيم التجديدية للغة؟
❀ الأسلوب الحديث بمغامراته اللغوية وسرده المنقطع واستخدام المونولوجات أو المشاهد المسرحية أو تعددية الأصوات هذا كله مطلوب لكن ينبغي أن يؤخذ بحذر وتوظيف حقيقي، لأن هناك هوة كبيرة بين الكاتب والقارئ، هذه الهوة تشكلت بسبب المغامرة المتطرفة في اللغة، حيث أصبح الكتاب الأدبي منبوذا وغير مقروء، ونحن نحاول أن نجمع بين تطوير اللغة واكتشاف مستويات غنية فيها وفي نفس الوقت نسعى لخلق لغة اتصال مع الجمهور.
✾ ما الهموم التي تشغل الكاتب البحريني؟
❀ هي نفس الهموم في الأقطار العربية الأخرى لا تختلف مثل قضايا الحرية والتنمية والفقر والغنى التي أشتغل عليها منذ أربعين عاما، واشتغل عليها قبلنا كتاب كبار، ولكن مهمتي في الرواية أو القصة تحويل هذه القضايا الكبرى إلى تيمات قصصية.
✾ برأيك متى ينتهي الروائي كروائي؟
❀ عندما يستنفد تجربته ولا يستطيع أن يستكشف عالمه ويقدم تحليلات إبداعية مهمة فيه وعندما يكرر نفسه ويعيش على ذات الموضوعات والأساليب.
✾ أين موقع المرأة في كتاباتك؟
❀ المرأة دائما ملازمة لي في كتاباتي خاصة في الرواية، نجد العديد من الأشكال كانوا نساء مثل بطلة روايتي امرأة التي تقود عملية التغيير في القرية، وتكتشف خيانة زوجها السياسية.
✾ أين أنت من المشهد الثقافي البحريني؟
❀ كنت في قلب المشهد طيلة أربعين عاما وكتبت مختلف الأنواع الأدبية والدراسات النقدية والفكرية وأخوض المعارك الفكرية من أجل تجذير هذا الأدب ودفعه نحو آفاق أخرى جديدة.
علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال

كتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
تذكر أنك ضيف وليس لص
إلى أين يريد الشاعر علي الشرقاوي الذهاب بكتاباته للأطفال؟ ماذا يبغي ان يصنع في هذا النوع الادبي الصعب المتفرد؟ هل يقدم شيئا عميقا وبسيطا. وآسرا للصغار أم ينسج محفوظات تقليدية طالما صيغت من قبل بعض تجار «التربية»؟!
هل هو يتغلغل في كلماته الشعرية المختلفة هذه كما يتغلغل في قصائده. لا يفصل بين روحه هنا وهناك، فيعتبرها وسيلة جديدة للتأثير والخلق، بعد ان «تمكن» من التعبير للكبار، فيلون اسلوبه وافكاره ذاتها من أجل الصغار؟
في كتاباته الشعرية للكبار هو باحث عن مناطق جديدة للتعبير ، ومساحات مختلفة للكشف ، وقادر على الاكتشاف والاحساس العميق بالتحولات في البيئة والانسان ، فهل يتعامل مع الصغار ، بهذا الثراء الروحي ، أم يأتي اليهم كشخصية أخرى ، لا تمتلك ذلك الثراء؟!
علينا ان نقرأ، ولنطالع القصيدة الأول من ديوانه الجديد ، الموجه للأطفال ، والمسمى «قصائد الربيع» ، الطبعة الأولى ، الناشر غير معروف :
(أغنية الصباح)
غردي
غردي يا طيور
زغردي للصباح
والندى والزهور
غردي
فالفضا ملعب
والغصون سكن
شرقي
غربي في الرياح
واحملي في الجناح
بسمة
لعيون الوطن. ص 8
يتعامل الشاعر هنا مع القصيدة بعقلية تقليدية مدرسية , وليس بثراء شعرة وخبرته الفنية .فإنظر كيف انطلقت الأفعال الأولى :
غردي ، زغردي ، غردي .. فهذه الأفعال يقولها اطفال الشرقاوي في القصيدة ، وهم يستقبلون الطيور . وهم يستقبلون الصباح .
الاطفال هنا يقفون في طابور مدرسي ، متطلعين إلى هذه الطيور وكأنها مفتاح للصباح . فالصباح لا يتشكل إلا من خلال الطيور ، التي تنطلق وتزغرد فيتشكل بدء النهار .. النهار إذن مرتبط بالطيور وزغردتها ، وليس على سبيل المثال ، بنضوج الخبز في التنور ، أو نزول العامل الى باصه المنتظر في ضباب الصباح ، أو نهوض الأم مبكرة من الفراش ، لا ، فالصباح في أغنية الشرقاوي مرتبط بنهوض الطيور وزغردتها , ولكن هذه الكائنات ليست مفصولة عن الانسان ونهوضه ، وعن اندفاع الأم لصنع الخبز , أو شرائها للحليب ، أو نهوض الصغار لبدء الدراسة . فإنها كل متكامل , ولعل الأم لدينا الآن لا تسمع العصافير وهي تعد فطور الصباح ، ولعل الطبيعة بتغاريدها ونباتها ، انقطعت عن بصر بعض الأطفال وهم ينهضون مبكرين, لكن هذه الكائنات , الانسان والطيور والطبيعة , تنتعش وترفرف وقت الفجر ، وتستعد جميعا للانطلاق والحياة والنشاط ..
ولكن على عكس هذه الجدلية الحقيقية . فإن القصيدة , وفي محاولتها للتغنى عبر وعي الصغار وتقليد رؤاهم ، عجزت عن اكتشاف تنوع الظاهرات الحياتية الطبيعية ؛ ففصلت الطيور عن الطفل ، وفصلت الكون عن البشر ، وفصلت الطيور عن الصباح ، فيغدو الفجر زغردة للطيور فحسب ، لا زغردة للانسان كذلك ، لذا فإن الصياغة تعود بوعي الطفل ، لا إلى وعيه الحقيقي , بل الى الرؤى القديمة , الفاصلة بين الانسان والطبيعة ، أي انها لم تصل الى الرؤية الجديدة , التي تضفر بين الطبيعة والحياة اليومية؛ وهي رؤية الطفل الحقيقية، هي رؤية الشرقاوي في شعره المخصص للكبار.
وهكذا تجد فعلى: «غرديه»، «زغردي»المنطلقين من فهم «الطفل» يصيغان علاقة منقطعة بين الانسان والطيور . فالطفل واقف ، جامد ، يقول للطيور «زغردي !» ولكنه غير قادر على الزغردة . والطفل الحقيقي لا يفصل نفسه عن الطيور والشمس، بل ان وعيه يضعه بينها بكل بساطة . فهو يزغرد معها ، ويطير ، ويسافر، ويقاتل, اذن هنا نجد الوعي التقليدي مسيطراً قابضاً على الكون , مانعاً اياه من التمازج مع الصغار. بمعنى أخر ان الساكن في ذات الشرقاوى جمد المتحرك في ذات الطفل . فظهرت الأوامر «زغردي !».
وظهر الفصل الذى لا يحسه الطفل ؛ فتحول الشاعر الى مدرس تقليدي ، لا إلى رجل يتفهم الطفولة ، يتحسس دفقة الكون الصباحية فيزغرد ويرتعش كالعصفور ويغني كطفل متفهما مشاعره وحالاته، محاولا خلق صباح حقيقي له مدركاً ارتعاشاته وأماله فيعي ان للطفل روحاً تريد النهوض والاندفاع وانها لا تقل جمالا عن الطيور وزغردتها، بل ما هذه الطيور والزغردات والشمس ودخان الفطور واستيقاظ المدينة سوى صدى لروح هذا الطفل المشوشة العارمة التي سوف تحلق وتطير بأجنحتها المتعددة إلى السماء والسطوح والشمس والعمل !
هنا عبر كسر الرؤية التقليدية فحسب، يمكن للغة ان تتحرك، وأن تتخلص من سيطرة الأوامر، والانفصالات الشاسعة بين الطفل – الطبيعة ، والطفل - الحياة والموقف . أي ان تتوحد لغة القائل, الطفل, بلغة الشاعر, فتندفع وتكسر هذا التردد والنمطية اللغوية الباردة .
وانت ترى الشاعر يواصل تعداد الأماكن التي يحق للطيور ان تزغرد لها : الصباح – الندى – الزهور .
لا للسطح، أو اصابع الأم, أو حقيبة الطفل, أو باص المدرسة، أو نوافذ الفصل المشرقة، فتلك المناطق التى اختارها لزغردة الطيور هي اماكن طبيعية بحتة ، أي اعاد انتاج الفصل بين الانسان والطبيعة مرة اخرى ، أي اعاد تكرار الرؤية التقليدية، عبر توسيع نطاقها ..
فالطيور التى يتخيلها الشاعر، ليست هي الطيور التى يتخيلها الطفل، فهي طيور جامدة، مناخها الطبيعة البعيدة، لا الحياة اليومية، لا حياة الطفل, وسريره ، ومدرسته, وأرضه، ونخيله, انها طبيعة خاصة مقولبة بخيال جمّد الأشياء، لا طبيعة طفل متحركة فعالة خلاقة، لا تفصل بين البشر والأشياء والحالات.
وهذا التجميد لانطلاقة الطيور، الذى تصوره الشاعر ، جزء من الرؤية ، التى جعلت من الانطلاق والحرية ، صفة للطيور، لا للبشر ، وبالتالي ، جعلت مناطق الانطلاق والحرية ، هي مساحات الطبيعة المنفصلة عن الانسان .
فالحرية والحياة والتغيير ستكون في الطبيعة المفصولة عن الطفل ، ستكون في الندى والزهور ، ولن تظهر في الفصل الدراسي، والبيت، أو غيرها من المظاهر الحياتية، وهنا يقوم الوعي التقليدي، بتجميد الانطلاق لدى الطفل ، عبر تقليص مساحات الحرية في حياته اليومية .
فبعد ان اعطى الطيور الحرية والسعادة والانطلاق، حبسها عن التأثير في الطفل، فتجمد الطفل في صباحه، واندفعت الطيورخارجاً عنه. فهو يغني لحريتها هي، لكن لا يغني لاندفاعه وحريته هو .
والشاعر في النشيد، يواصل توسيع حرية الطير، عبر كل الجهات، وعبراجواز الفضاء، لكن دون ان تمس شيئاً حقيقياً، أو تكسر قيدا محدداً. انه يأمرها : «شرقي !», «غربي !». ولكنها تطير في فضاء عدمي, فارغ, لا تضاريس فيه, ولا ملامح نفسية له . ومن هنا فالقصيدة تنمو وهي تأكل نفسها وتدمر ذاتها , ولا تجد شيئاً تمسكه إلا العبارات المحفوظة : واحملي في الجناح / بسمة / لعيون الوطن .
كيف؟ فالجناح لم يمسك شيئا ولم يحمل شيئا , لأنه لم يغتن بجدل خصب مع الطبيعة والانسان . وبالتالي فان الوطن , جامع تلك الوحدة الخصية بين الانسان والطبيعة, بين الحياة ومشكلاتها , يتبخر حالما يظهر .
ويواصل الشرقاوي ذات الهندسة التقليدية في أناشيد اخرى , فلنقرا نشيد «الفصول». ص 11 :
اذا اتى الصيف لنا
تبتسم النجوم
ويضحك القمر
اذا اتى شتاؤنا
تنتشر الغيوم
وينزل المطر
اذا أتى الخريف
تجدد الأشجار
أوراقها
لتنتج الثمر
لكنه الربيع
اذا أتى
يجدد الحياة للبشر .
مرة اخرى يغدو الفصل بين الطبيعة والانسان، في قصيدة موضوعها التشابك المفترض بين الطبيعة والانسان، وفي وعي «ذلك» الانسان الذى لا يعرف الفصل بين الطبيعة والانسان ، يغدو هذا الفصل شيئًا قوياً ، وكأن الشاعر غير قادر على الانفكاك منه ، وبالتالي فهم الطفل والابداع له .
فالصيف عندما يأتي «تبتسم النجوم»، و«يضحك القمر - وكأن شتاءنا يخلو من النجوم والقمر – ولكن دعك من هذا وانظر الى علامة تحديد الصيف ؛ عبر مظاهر الطبيعة وحدها، عبر مظاهر خارجة عن الانسان، فالصيف علاماته ابتسامة النجوم وضحك القمر, لكن لا علاقة له بالشمس المتوهجة والعرق والبحث المضني عن نسمات شحيحة، أي ان سمات الصيف موجودة في اشياء خارج الانسان ، بل ان الأنسان هنا لا يغدو مهما ، فيكفي ان النجوم تضحك؛ لكن هل هناك علاقة بين امتلاء السماء بالنجوم والعاب الأطفال في الليل، لا، لا توجد علاقة ، فالشاعر انفصل عن الطفل, وقولب السنة قولبة ألية, لا علاقة لها بمشاعر البشر، وهو يسعى لتحفيظ الطفل اسماء الفصول وتواليها، لا ليشعره بها، وبالطبيعة واحوالها وتحولاتها، وبمجتمعه وحياته المتأثرين، على نحو خاص، بهذه الفصول؛ انه يريد منه ان «يحفظه»، هذه الأسماء، لكن لا يهمه علاقة هذه الفصول بالطفل، أو الأشكال الملموسة لتجلي الفصول لدى طفلنا؛ فكأنه يكتب لطفل مجرد عليه ان يحفظ اسماء الفصول ويتلقنها، وهنا لا توجد فصولنا، أو مناخنا الخاص، أو حياتنا, أو انساننا، بل توجد صورة مقولبة عن الفصول ينبغي للطفل ان يحفظها، عبر الترديد الآلي لهذه المحفوظة .
ثم لاحظ هذا البناء التقليدي النمطي, عبر ادوات الربط النثرية التقليدية «اذا اتي ..»، لتتالى الأفعال المرتبطة بالمجيء «تبتسم ..»، ثم تأتي ادوات العطف والشرط لتجمع مسبحة طوية من الفعال :
«اذا اتى..»، «تنتشر..»، و«ينزل..»، «اذا اتى..»، «تجدد..» و«لتنتج..» الخ..
عملية آلية عبر تفعيلة متكررة ، كالقضيدة السابقة ، يسودها المنطق النثري الفصلي التعليمي .
ويستمر المنطق الداخلي الفاصل بين الطبيعة والانسان فتغدو الأبيات نسخا له، أي تكراراً للسكون واللاجدلية وعدم التماسك الفكرى . فهو يختمها بمثل كبير على هذا الفصل عندما يقول «لكنه الربيع/ اذا اتى / يجدد الحياة للبشر» .
فكأن بقية الفصول لا تقوم بالتجديد, وكأن ضحك القمر, وانتشار الغيوم ونزول المطر وقدوم الخريف, كلها, لا تحمل تجديدا للبشر, فقط «الربيع» الذي يوم بذلك.. هنا نجد ان الآلية في الصياغة تدفع الشاعر لوضع «لكن» التي دمرت حتى منطقية البناء ذاته .
فكافة الفصول خلافا للخبرة المعاصرة - لا علاقة لها يتجديد حياة البشر، بل لها علاقة بتجديد حياة النبات؛ ووحده الربيع الذي يجدد حياة البشر! ويتحول الفصل بين الطبيعة والانسان هنا، الى اخطاء معرفية وليست منهجية فحسب .
هكذا لا يقوم الشرقاوي ببناء نشيد غير تقليدي للطفل، فيضفي من روحه وخبرته الفنية الطويلة, لمسات عميقة على القصيدة الموجهة للطفل؛ فيشكل نشيدا معاصرا مفعما بثراء فكري وبساطة تعبيرية ، بل هو يتخلى عن عصريته ويتحول الى تقليدي يكرر القاموس السابق .

