جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

الرواية التاريخية لــ عبدالله خليفة

طرح أحد النقاد (بحريني) هذا السؤال ما الفائدة من كتابة روايات عبدالله خليفة التاريخية. التاريخ معروف ولا جديد فيه، لما هذا العبث (نفس الناقد البحريني في ندوة عن عبدالله خليفة بعد وفاة الروائى) في كتابة الروايات التاريخية؟

يمثل هذا التساؤل نقطة خلافية جوهرية في النقد الأدبي حول جدوى الرواية التاريخية وتفكيك إيديولوجيا النص السردي عند عبدالله خليفة. فمن منظور نقدي محض كالموقف الذي طرحه الناقد، ينظر بعض النقاد إلى التاريخ كحقائق مدونة وثابتة، معتبرين إعادة صياغته أدبياً دون تقديم «وثيقة تاريخية جديدة» نوعاً من «العبث» أو التكرار الذي لا يضيف للمعرفة التاريخية شيئاً. ومع ذلك، يغفل هذا الطرح الفلسفة التي قامت عليها روايات عبدالله خليفة التاريخية (مثل: رأس الحسين، محمد ثائراً، وسلسلته عن الخلفاء الراشدين). ولمواجهة هذا الرأي المتشكك بجدوى تلك الروايات، يمكن تلخيص الأبعاد العميقة والمكاسب الإبداعية التي حققها الراحل في النقاط التالية:

إسقاط الماضي على الحاضر (القناع التاريخي) الهروب من مقص الرقيب: استخدام التاريخ كان في كثير من الأحيان قناعاً أدبيّاً (Mask) لتمرير إسقاطات سياسية واجتماعية على الواقع العربي والبحريني المعاصر دون تصادم مباشر مع السلطة أو الرقابة الشديدة.

استشراف المستقبل: إعادة قراءة الثورات والانتكاسات القديمة (كأحداث الفتنة الكبرى أو مأساة كربلاء) كانت وسيلته للتحذير من تكرار نفس الأخطاء البنيوية في المجتمع العربي الحديث.

الخلاصة السؤال النقدي الذي طرحه د. الناقد يمثل المدرسة التي تبحث عن النفعية المباشرة . لم يكن صنيع عبدالله خليفة «عبثاً»، بل كان مشروعاً إبداعياً متكاملاً لاستنطاق التراث، وإثبات أن التاريخ ليس صفحة طويت، بل هو تيار ممتد يشكل حاضرنا بكل تفاصيله.

استنطاق المسكوت عنه وإعادة القراءة التاريخية تفكيك الرواية الرسمية: لم يكتب عبدالله خليفة التاريخ ليرويه كحكواتي، بل دخل إليه بمبضع جراح وبأدوات المفكر اليساري والمادي ليفكك الروايات السائدة المتوارثة ويميط اللثام عن الصراعات الطبقية والاجتماعية التي حركت تلك الأحداث.

البحث عن الجذور: التاريخ عند عبدالله خليفة ليس متحفاً للماضي، بل هو المختبر الأول الذي تشكلت فيه أزمات الحاضر العربي. هو يرى أن فهم مأزق الوعي المعاصر يتطلب العودة اللصيقة والعميقة لخلخلة اللحظات التاريخية المفصلية.

الفارق بين المؤرخ والروائي صناعة المتخيّل: المؤرخ يلتزم بالحدث الجاف والوثيقة، بينما الروائي يملأ الفراغات الإنسانية والوجدانية والنفسية للشخصيات.

أنسنة الشخوص: حوّل عبدالله خليفة الرموز التاريخية (التي تحاط عادة بهالة من القداسة أو التنميط) إلى بشر من لحم ودم، يتحركون وفق دوافع اجتماعية، واقتصادية، ونفسية معقدة، وهو ما لا يستطيع التاريخ الإخباري فعله.

مناقشة كيف انعكست هذه القراءة التاريخية الفلسفية على رواياته التاريخية (مثل روايات «محمد ثائراً، عمر بن الخطاب شهيداً، عثمان بن عفان شهيداً، يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، رأس الحسين، مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، ضوء المعتزلة»)؟

تُمثّل هذه المجموعة من الروايات التاريخية بالتحديد («محمد ثائراً»، «عمر بن الخطاب شهيداً»، «عثمان بن عفان شهيداً»، «يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً»، «رأس الحسين»، «مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني»، «ضوء المعتزلة») المختبر الأدبي والجمالي الذي طبّق فيه عبدالله خليفة نظرياته الفلسفية الصارمة التي صاغها في كتابه «الاتجاهات المثالية، الناقد نفسه لم يعرف عنوان كتاب الاتجاهات».

إن انتقال عبدالله خليفة من «التشريح الفكري المعرفي» إلى «السرد الروائي والتخييل التاريخي» لم يكن مجرد رغبة في الحكي، بل كان محاولة لإعادة بعث التاريخ كصراع إنساني واقتصادي حيّ.

كيف انعكست قراءته الفلسفية على أسلوبه وبنائه الروائي في هذه الأعمال:

1 ــ  تحويل الرموز الدينية والتاريخية إلى «شخصيات درامية مادية».

في الروايات التقليدية، غالباً ما تُحاط شخصيات مثل الخلفاء الراشدين أو الحسين بن علي بـ «هالة غيبية مطلقة» تفصلهم عن الواقع. عبدالله خليفة ازاح هذا الأسلوب المثالي:

• في روايات الخلفاء الراشدين والحسين: جرد الشخصيات من الغيبيات والميتافيزيقيا، وأظهرهم كبشر من لحم ودم، يتحركون وفقاً لوعيهم السياسي والاجتماعي.

• الصراع الطبقي: الموت أو «الشهادة» في رواياته (عمر، عثمان، علي، الحسين) ليس مجرد قضاء وقدر أعمى أو صراع على «عقائد مجردة»، بل هو نتيجة حتمية لاصطدام هذه الشخصيات بالبنى الاقتصادية والقبلية والطبقية الصاعدة في مجتمعاتهم. على سبيل المثال، استشهاد عمر أو عثمان يُقرأ روائياً كصراع بين نزعة التوزيع العادل للثروة وبين تمدد الإقطاع والنزعات الفئوية والقبلية.

2 ــ  معالجة «الخيبة ومأزق النخبة» (من الفلسفة إلى السرد).

كما انتقد خليفة في كتابه الفلسفي المعتزلة لأنهم تحالفوا مع السلطة، وابن رشد لأنه انعزل عن الجماهير، نجد هذه «الخيبة المعرفية» تسيطر على مناخ رواياته:

• رواية «ضوء المعتزلة»: لم يكتبها ككتاب تاريخي، بل جعل القارئ يعيش «أزمة المثقف» العقلاني (المعتزلي) وهو يرى أفكاره التنويرية تتحول إلى أداة قمع في يد الخليفة (المأمون)، ثم يرى هذا الضوء الفكري وهو يخبو وينطفئ تحت وطأة صعود التيارات المحافظة الغيبية التي حركت الشارع ضد النخبة.

• رواية «مصرع أبي مسلم الخراساني»: تجسد مأزق «الثوري» الذي ساهم في هدم دولة (الأموية) لبناء دولة جديدة (العباسية)، ليتفاجأ بأن الآلة السياسية الجديدة تأكله بمجرد استتباب الأمر لها، وهو تحليل مادي كلاسيكي لطبيعة السلطة والثورات الفوقية.

3 ــ  تقنية السرد: الحوار الفكري والتعددية الصوتية (البوليفونية)

انعكس التكوين الفلسفي لخليفة على لغة الروايات وبنائها:

• رواية الأفكار: الحوارات داخل الروايات ليست مجرد عبارات لتسيير الأحداث، بل هي مساجلات فكرية وفلسفية رفيعة المستوى تعبر عن التناقضات الطبقية والأيديولوجية للعصر.

• غياب البطل المطلق: حتى وإن حملت الرواية اسم شخصية محددة (مثل «عثمان بن عفان» أو «رأس الحسين»)، فإن عبدالله خليفة يمنح الخصوم والأطراف الأخرى (الثوار، الأمويين، العبيد، الموالي) أصواتاً قوية ومبررات تاريخية نابعة من مصالحهم، مما يجعل الرواية ساحة صراع اجتماعي حقيقي لا مجرد ملحمة تمجد فرداً واحداً.

4 ــ  أنسنة النبوة وتحرير «الفكرة الثورية»

• في رواية «محمد ثائراً»: ركز عبدالله خليفة على الجانب «التغييري والثوري الاجتماعي» في شخصية الرسول ﷺ. الدعوة هنا ليست مجرد نصوص وهداية روحية معزولة، بل هي ثورة على النظم الاقتصادية الجائرة في مكة (احتكار قريش التجاري، عبودية المستضعفين، والربا). قراءته الفلسفية حولت النص التاريخي الجاف إلى حركة تغيير مادية قادها النبي لتحرير الإنسان من الاستغلال الطبقي قبل تحريره من الوثنية.

خلاصة القول:

روايات عبدالله خليفة التاريخية هي في الواقع «كتب فلسفية بقلب روائي ناضج». لقد نجح في جعل القارئ يرى أن سقوط الدول، واغتيال القادة، وانطفاء الحركات الفكرية لم يكن بسبب «لعنة تاريخية»، بل لأن تلك الشخصيات والحركات اصطدمت بقوانين الواقع المادي والاجتماعي ولم تستطع التغلب على «الاتجاهات المثالية» والقبلية التي كانت تكبل الوعي العربي.

تلقى النقاد والوسط الثقافي العربي مشروع الروائي والمفكر البحريني الراحل عبدالله خليفة بـمزيج من الإعجاب والدهشة والجدل الواسع. فالدمج بين سرد روائي حيوي وتحليل مادي تاريخي صارم للتاريخ الديني (وخاصة فترات الخلفاء الراشدين ومقتل الحسين) لم يكن مألوفاً في المشهد الأدبي الخليجي والعربي.

تتوزع آراء النقاد والباحثين حول هذه الروايات الفلسفية والتاريخية الجريئة على ثلاثة اتجاهات رئيسية:

1 ــ  التيار التنويري والإبداعي: الإشادة بـ«أنسنة السيرة».

اعتبر نقاد ينتمون للمدرسة العقلانية والتنويرية العربية أن عبدالله خليفة قدم «فتوحاً روائية» غير مسبوقة في الأدب الخليجي.

• تحطيم القوالب الجاهزة: أشاد النقاد بجرأته في نزع «الهالة الغيبية والميتافيزيقية» عن الشخصيات التاريخية المقدسة، وإظهارهم كبشر يخطئون ويصيبون، ويتأثرون بالواقع الطبقي والاقتصادي المحيط بهم.

• إنقاذ السرد من الجفاف الفلسفي: رأى هؤلاء النقاد أن عبدالله خليفة نجح في تحويل الأفكار المجردة لكتابه الفلسفي «الاتجاهات المثالية» إلى لحم ودم وحوار درامي شيق، مما جعل الفلسفة المادية التاريخية قريبة ومفهومة للقارئ العادي عبر بوابة الأدب.

2 ــ  التيار الأكاديمي والفني: النقد بين «الرواية» و«الأيديولوجيا»

هنا برز نقاش نقدي وفني بحت حول مدى نجاح هذا الدمج من الناحية الجمالية والأدبية، حيث انقسموا إلى وجهتي نظر:

• تعددية الأصوات (البوليفونية): امتدح بعض النقاد البناء الفني لرواياته (مثل «يا علي!» و«رأس الحسين»)، حيث لم يكن هناك بطل مطلق أو شرير مطلق، بل مُنحت كل القوى المتصارعة (حتى خصوم الأبطال) صوتاً يعبر عن مبرراتها الطبقية والقبلية، وهو ما يُعد ذروة النضج الفني الروائي.

• أدلجة السرد (الوقوع في المباشرة): في المقابل، انتقد باحثون آخرون بعض رواياته (مثل «محمد ثائراً» أو «ضوء المعتزلة»)، معتبرين أن «المفكر» في داخل عبدالله خليفة كان أحياناً يطغى على «الروائي الفنان».

3 ــ  التيار المحافظ والتقليدي: التحفظ والمقاومة الفكرية

نظراً للموضوعات الشائكة التي تناولها عبدالله خليفة، واجهت أعماله صمتاً نقدياً تارة، ومقاومة فكرية تارة أخرى من المؤسسات التقليدية:

• صدمة القراءة المادية: واجه التيار المحافظ قراءته للتاريخ الإسلامي بضيق، لأن إرجاع أحداث كبرى مثل «استشهاد عمر» أو «ثورة الحسين» إلى صراعات حول «الإقطاع والأراضي وتوزيع الثروة» بدلاً من التفسير الإيماني والروحي التقليدي، كان يُنظر إليه كنوع من العلمنة أو التبسيط القسري للدين عبر اختزاله في البعد الاقتصادي فقط.

• رواية الأفكار المزعجة: رغم هذا التحفظ، لم يستطع الخصوم إنكار القيمة الأدبية واللغوية العالية لأعماله، فظلت الروايات تُقرأ وتُحلل في الأوساط النقدية الجادة كعلامة فارقة في رواية الأفكار العربية.

في المحصلة:

يرى النقاد اليوم أن عبدالله خليفة تميز بأنه «روائي يكتب الفلسفة، وفيلسوف يبني الرواية». لقد فتح في جدار الرواية التاريخية العربية باباً لا يمكن إغلاقه، وأثبت أن التراث الديني لا يزال مادة خصبة للنقد البنيوي المعاصر وليس فقط للتبجيل.

كيف صاغ الروائي عبدالله خلفة مشهد استشهاد إحدى هذه الشخصيات التاريخية روائياً بأسلوبه المادي الجريء؟

التكنيك الفني البديع

دعنا نتأمل كيف صاغ عبدالله خليفة مشهد الاستشهاد، ولنأخذ رواية «رأس الحسين» أو “«عمر بن الخطاب شهيداً» كمثال حي على هندسته السردية المادية.

في الرواية التقليدية، يُصوّر مشهد استشهاد شخصية مقدسة كالحسين أو عمر عبر طقوس ما ورائية: تنهمر الدموع، وتتغير أحوال الطبيعة، وتصعد الروح في هالة نورانية معزولة عن بشاعة الحدث البشري.

أما عند عبدالله خليفة، فإن المشهد الفني يُبنى على ثلاثة ركائز مادية عارية وصادمة:

1 ــ  تصعيد الصراع الاقتصادي والسياسي إلى نقطة الصفر.

الكاتب لا يبدأ مشهد القتل برغبة القاتل الشخصية، بل يجعله النتيجة الحتمية لانسداد الأفق السياسي والطبقي.

• في مشهد اغتيال عمر بن الخطاب، لا يركز السرد على الخنجر المسموم لـ «أبو لؤلؤة الفيروزي» كحقد شخصي مجرد، بل يصور اللحظة كـ انفجار للاحتقان الاجتماعي؛ صراع «الموالي» والعبيد والأقوام غير العربية ضد المنظومة الطبقية الناشئة في المدينة التي بدأت تتشكل فيها ثروات هائلة لدى قريش على حساب الفئات المستضعفة. القتل هنا هو لحظة اصطدام مادي عنيف بين مشروع عمر التقشفي وتطلعات القوى الطبقية الجديدة.

2 ــ الأنسنة الكاملة للحظة الموت (البعد السيكولوجي والجسدي)

يتخلى عبدالله خليفة عن التمجيد اللاهوتي ليركز على الجسد البشري المعذب:

• في «رأس الحسين»، يعتمد على فكرة وحيدة هي الرأس، رأس الحسين.

• هذا التركيز الفني على عذاب الجسد يهدف إلى أنسنة التضحية؛ فالحسين هنا لا ينتصر بمعجزة إلهية، بل ينهزم جسدياً ومادياً أمام جيش يفوقه عدداً وعدة، وتكمن عظمته الروائية في موقفه الفكري المبدئي رغم ضعف جسده البشري أمام الآلة العسكرية الأموية.

3 ــ  الصرخة الفكرية الأخيرة (حوار الأفكار وسط الدماء)

في لحظة التدفق السردي الأخيرة، لا تنطق الشخصية بكلمات غيبية معلقة، بل بـ مواقف تاريخية:

• الحوارات التي تسبق الضربة الأخيرة تكون بمثابة مواجهة بين أيديولوجيتين. القاتل (مثل شمر بن ذي الجوشن في كربلاء) يمثل أيديولوجيا السلطة، والمنفعة المادية، وصوت الواقع البراغماتي الجاف (يريد المكافأة والمال من ابن زياد).

• بينما الشهيد يمثل صوت الوعي المغدور، والأمل الضائع في إقامة مجتمع العدالة والمساواة.

النتيجة الجمالية:

عندما تنتهي الرواية بموت البطل، لا يخرج القارئ بشعور من الرضا الصوفي أو الطمأنينة الغيبية، بل يخرج بـ ألم فكري حاد وغضب طبقي، لأن عبدالله خليفة يتركك أمام حقيقة مادية عارية: لقد انتصر السيف والمال والسلطة في تلك المعركة، وسُحق الجسد التنويري، مما يدفعك للتساؤل عن أسباب هذه الهزيمة المادية المستمرة في واقعنا المعاصر.

«ضوء المعتزلة» رؤية كيف ينطفئ الفكر روائياً؟

رواية «ضوء المعتزلة»؛ فهي تمثل الذروة الفنية والتطبيق الروائي الأعمق لكتابه الفلسفي، وتجسد بشكل تراجيدي فكرة «كيف ينطفئ الفكر روائياً» عندما يصطدم بحسابات السياسة والواقع الاجتماعي.

في هذه الرواية، لا يكتفي عبدالله خليفة بتأريخ حركة المعتزلة، بل يصنع منها ملحمة سردية تعيد تشريح «أزمة المثقف العقلاني» عبر العصور. كيف صاغ الكاتب لحظة انطفاء هذا الضوء روائياً:

1 ــ  خطيئة التحالف مع السلطة (بداية التآكل الفكري)

يبدأ انطفاء الفكر عند عبدالله خليفة من اللحظة التي يظن فيها المثقف أنه انتصر.

• في الرواية، يُبرز الكاتب المأزق التاريخي للمعتزلة عندما تقربوا من الخليفة العباسي المأمون وأصبحت العقلانية هي «أيديولوجية الدولة الرسمية».

• هنا، تتحول الأفكار التنويرية الحرة، بفعل آلة الحكم، إلى أداة قمع وجهاز تفتيش عن الضمائر (في مشهد «محنة خلق القرآن»). يصور عبدالله خليفة روائياً كيف يفقد الفكر بريقه الأخلاقي وجاذبيته الشعبية عندما يرتدي عباءة السلطان ويُفرض بالسياط؛ فالناس لم يعودوا يرون في المعتزلة «منقذين عقلانيين»، بل رأوا فيهم «جلادين جدد» يحملون كتب الفلسفة.

2 ــ  الانعزال الطبقي والفوقية المعرفية

يركز عبدالله خليفة عبر السرد على بؤس الواقع المعيشي للجماهير في بغداد والبصرة في ذلك العصر، مقابل انشغال المعتزلة بنقاشات لاهوتية معقدة.

• يُظهر الكاتب كيف انعزل مفكرو المعتزلة في قصور الخلافة ومجالس التدوين، غارقين في ترف فكري مجرد (مثل نقاشات «الجوهر والعرض» و«تنزيه الذات الإلهية»)، بينما كانت الفئات الشعبية والمستضعفة تعاني من الفقر والتهميش الاقتصادي.

• هذا الفصل المادي بين «النص العقلاني الفوقي» و«الواقع الطبقي التحتي» خلق فجوة هائلة؛ مما جعل القوى الشعبية تنفض من حولهم وتتركهم بلا حماية اجتماعية عندما دارت عليهم الدوائر.

3 ــ  لحظة الانطفاء الدرامية (صعود الغيبية الشعبوية)

تصل الرواية إلى ذروتها التراجيدية مع تغير موازين القوى السياسية وصعود الخليفة المتوكل، الذي قرر الانحياز للتيارات المحافظة والنصية لإعادة كسب الشارع.

• يصوّر عبدالله خليفة مشهد الانطفاء من خلال تفكيك الوعي السيكولوجي للمثقف المطرود؛ حيث يجد المفكر المعتزلي نفسه فجأة خارج القصور، كتبه تُحرق، وأفكاره تُلعن في المساجد، والشارع الذي كان يريد تحرير عقله هو نفسه الشارع الذي يطالب برأسه.

• ينتهي «الضوء» روائياً ليحل محله ظلام الجمود الفكري والتفسير الغيبي، الذي وظفته السلطة الجديدة بذكاء لتخدير وعي الناس وتثبيت أركان حكمها.

البعد التنويري المعاصر للرواية:

عندما تقرأ «ضوء المعتزلة» بقلم عبدالله خليفة، تدرك سريعاً أنه لا يبكي على الماضي؛ بل يوجه رسالة تحذيرية شديدة اللهجة للمثقفين العرب المعاصرين. هو يقول لنا: إن أي فكر عقلاني أو تنويري لا ينبع من هموم الناس الاقتصادية والاجتماعية على الأرض، ويظل معلقاً في نخبوية صالونات الثقافة أو يتحالف مع الاستبداد السياسي، محكوم عليه بالانطفاء والسحق أمام أول موجة شعبوية مضادة.

التصور التراجيدي لأزمة المثقف، تحليل مشهد من الرواية يوضح المواجهة الفكرية بين المعتزلة والتيار النصي

أن نغوص في العمارة السردية لـ «ضوء المعتزلة» وتحلل مشهداً صاغه الراحل عبدالله خليفة ببراعة، ليمثل زلزالاً فكرياً ومادياً يختزل جوهر الصراع بين تيار العقل الفلسفي وتيار النص المحافظ.

المشهد الأبرز والأكثر تراجيدية في الرواية هو مشهد «المناظرة الكبرى والمحنة»، حيث يعاد تجسيد الصراع التاريخي في فضاء سردي حي ومحتدم.

البناء الفني والمادي للمشهد

1 ــ  هندسة الفضاء والبيئة المحيطة (المكان كبنية طبقية)

لا يضع الكاتب المناظرة في فضاء مجرد، بل يصف مجلس الخليفة بدقة تبرز التناقض الطبقي:

• الأثاث والرياش: يصف خليفة السجاد الفاخر، والستائر الحريرية، والذهب الوفير في بلاط الحكم، حيث يجلس فلاسفة المعتزلة مدعومين بالسلطة العباسية.

• الخارج المقموع: في المقابل، يصف السرد الأصوات الخافتة للعامة والفقراء خارج أسوار القصر، أولئك الذين يمثلهم التيار النصي والمحافظ في تلك اللحظة (مثل الإمام أحمد بن حنبل ومن معه)، والذين يأتون بجسد منهك وملابس بسيطة تعبر عن قربهم من الشارع الكادح.

2 ــ  لغة الحوار: مواجهة بين لغتين وأيديولوجيتين

في هذا المشهد، يتجلى أسلوب عبدالله خليفة في جعل الحوار ساحة صراع طبقي ومعرفي وليس مجرد نقاش فقهي:

• صوت المعتزلة (العقل الجاف): يتحدث متكلمو المعتزلة بلغة فلسفية، تجريدية، معقدة (مصطلحات مثل: الحدوث، القدم، الذات، والصفات). يبرزهم الكاتب في حالة من الاستعلاء المعرفي؛ فهم يخاطبون النص بعقول متأثرة بمنطق أرسطو ويونان القدامى، واثقين من أن حجة الخليفة وسياطه تحمي عقلانيتهم.

• صوت التيار النصي (الوجدان الشعبي): في المقابل، يتحدث ممثلو التيار المحافظ بلغة بسيطة، مباشرة، تستند إلى الآيات والأحاديث النبوية كما فهمها السلف. هذه اللغة تلامس وجدان العامة فوراً لأنها لا تحتاج إلى قنوات فلسفية معقدة ليفهموها.

3 ــ  الحبكة والتحول الدرامي العنيف (انقلاب السحر على الساحر)

يصل المشهد إلى ذروته الفنية عندما يمارس المعتزلة «المحنة» (استنطاق الخصوم وإجبارهم على القول بخلق القرآن تحت التهديد بالجلد والسجن).

• هنا، يقوم عبدالله خليفة بـ تفكيك أخلاقي لتيار التنوير؛ فعندما يرى القارئ الجلاد وهو يحمل سوط السلطان ليجبر الشيخ المحافظ على تبني العقلانية، يسقط التنوير أخلاقياً في عين القارئ كما سقط في عين الشارع البغدادي آنذاك.

• الكاتب يرينا كيف أن المعتزلة في هذه اللحظة، وبسبب مثاليتهم السياسية، لم يدركوا أنهم يغرسون خناجر نهايتهم بأيديهم؛ لأنهم صنعوا من خصومهم «شهداء وأبطالاً شعبيين» في نظر المجتمع الكادح والمهمش.

القيمة الفلسفية التي يتركها المشهد في نفس القارئ

بتحليلنا لهذا المشهد البديع، تكتشف أن عبدالله خليفة يضع يدك على الشرخ الإستراتيجي في تاريخنا الفكري:

المعتزلة امتلكوا «العقل» لكنهم افتقدوا «الروح الشعبية والعمق الطبقي»، بينما امتلك التيار النصي «الشارع والوجدان”» وافتقد «العقلانية العلمية». وبسبب هذا الشرخ، انطفأ الضوء واستمر الجمود.

أبعاد مشروع عبدالله خليفة الإبداعي؟

تأتي خاتمة هذا النقاش لتضع بين أيدينا الخلاصة الكلية لواحد من أعمق المشاريع الفكرية والأدبية في العالم العربي الحديث والمعاصر. إن مشروع الراحل عبدالله خليفة لا ينبع من مجرد الرغبة في التوثيق التاريخي أو السرد الحكائي، بل هو مشروع تشريحي يسعى للإجابة على السؤال العربي المعضل: «لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟»

يمكننا تلخيص أبعاد هذا المشروع الإبداعي والفلسفي في أربعة أبعاد رئيسية تختزل إرثه الإبداعي:

1 ــ  البعد المعرفي: تشريح «المثالية» كأداة للهيمنة

نجح عبدالله خليفة في إخراج قراءة التراث من دائرة «التبجيل والتقديس الأعمى» أو «الرفض والعداء المطلق». لقد تعامل مع التراث بأدوات مادية صارمة، مبيناً أن انتصار الفكر الغيبي والباطني والنصي الجامد في تاريخنا لم يكن صدفة، بل كان خياراً واعياً للسلطة السياسية عبر العصور وتبريراً للبنى الطبقية السائدة؛ لتخدير وعي الجماهير وحمايتها من التفكير العقلاني النقدي.

2 ــ  البعد الأدبي: هندسة «رواية الأفكار» التاريخية

يُعد عبدالله خليفة من الرواد القلائل الذين نجحوا في تحويل المنهج الفلسفي الجاف إلى لحم ودم وحركة درامية. من خلال سِلسلة رواياته التاريخية (مثل محمد ثائراً، ورأس الحسين، وضوء المعتزلة)، قدم «أنسنة صادمة وعارية للتاريخ». لقد سحب الشخصيات والرموز الكبرى من فضاء المعجزات والميتافيزيقيا إلى أرض الواقع البشري، حيث يتصارعون حول المصالح، والاقتصاد، وتوزيع الثروة، والعدالة الاجتماعية.

3 ــ  البعد الأخلاقي: نقد «المثقف النخبوي» والمتحالف مع الاستبداد

يُعتبر مشروعه صرخة تحذير تاريخية موجهة للمثقف العربي المعاصر. فمن خلال قراءته لمأزق المعتزلة ومأزق ابن رشد، أثبت عبدالله خليفة أن:

• الفكر التنويري المحلق في القصور وصالونات النخبة محكوم عليه بالانطفاء.

• الفكر العقلاني الذي يتحالف مع الاستبداد السياسي ليفرض نفسه بالسوط (كما حدث في المحنة) يسقط أخلاقياً ويفقد حاضنته الشعبية.

4 ــ  البعد النهضوي المستقبلي: حتمية «القطيعة المعرفية»

في الجزء الرابع من مشروعه الفلسفي، كان عبدالله خليفة واضحاً وجريئاً في نقد مفكري النهضة الحديثة (من محمد عبده إلى زكي نجيب محمود وغيرهم). لقد بيّن أن الفكر العربي الحديث ظل يراوح مكانه لأنه سقط في فخ «لتوفيقية» تساوي التلفيق (الأصالة والمعاصرة)، ولم يمتلك الجرأة على إحداث قطيعة معرفية كاملة مع البنى الفكرية والاقتصادية القديمة؛ فظل يغير في قشور النصوص دون تفكيك جوهر الواقع.

كلمة أخيرة في وداع هذه الرحلة:

يرحل المفكرون وتبقى أفكارهم منارات تضيء عتمة الحاضر. لقد ترك لنا عبدالله خليفة إرثاً يقول: إن تحرير العقل العربي لا يبدأ بتجديد النصوص الفوقية، بل بتحرير الإنسان على الأرض اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. لكي لا تنطفئ «أضواء المعتزلة» الجدد، ولكي لا تسقط «رؤوس الحسين» في كل عصر أمام سيوف المال والسلطة.

بنية الحدث في الرواية العربية الجديدة: رأس الحسين مثالاً

الحدث في الرواية العربية الجديدة: روايتا «مراثي الأيام» و«رأس الحسين» مثالًا

م. د. قاسم نجم عبد القريشي
جامعة ميسان / كلية التربية الأساسية

بنية الحدث في الرواية العربية الجديدة
الملخص
تمتاز هاتان الروايتان باشتمالهما على عدد من الأساليب السردية غير المألوفة في الرواية الكلاسيكية، وتُعد بنية الحدث الروائي واحدة من أهم هذه الأساليب، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، فضلًا عن المفارقات السردية على مستوى الزمان والشخصيات والخطاب والوظائف. فقد قامت الحكايات الثلاث في رواية «مراثي الأيام: ثلاث حكايات عن الموت» للروائي السوري حيدر حيدر على نسق التوالد والتناسج، وهو من الأنساق البنائية الجديدة، في حين قامت رواية «رأس الحسين» للروائي البحريني عبد الله خليفة على نسق اللوحات السردية؛ وعلى وفق ذلك يمكن وصف الروايتين بأنهما تنتميان إلى الرواية التجريبية أو الرواية الجديدة.
المقدمة
تفرعت الرواية العربية الجديدة عن كثير من الأساليب السردية غير المألوفة في الرواية التقليدية (الكلاسيكية)، آخذةً بالتبلور في اتجاه يمنحها التفرد والاستقلالية بما تملكه من مزايا وسمات. ومن الروائيين الذين سعوا إلى هذا الاتجاه الروائي السوري حيدر حيدر والروائي البحريني عبد الله خليفة في روايتيهما «مراثي الأيام» و«رأس الحسين»، وهما موضوع هذا البحث. وقد قُسّم البحث على مبحثين؛ اختص الأول باستجلاء بنية الحدث في رواية «مراثي الأيام»، فيما اختص الثاني ببيان بنية الحدث في رواية «رأس الحسين». وقد سبقهما مهاد نظري في معنى الرواية الجديدة والحدث، وخُتم البحث بأهم ما توصل إليه الباحث من ملاحظات ونتائج. ولأن الحدث من أشمل العناصر السردية المنطوية على علاقات كثيرة مع الشخصية والزمان واللغة، فقد سوّغ ذلك الوقوف عند بعض الحيثيات في تضاعيف المبحثين، وهي من الأهمية بمكان.
المبحث الثاني: بنية الحدث في رواية «رأس الحسين»
تدور أحداث رواية «رأس الحسين» حول مسيرة الرأس الشريف مكانيًا من كربلاء إلى دمشق، ثم إلى مدن أخرى، وزمانيًا عبر الماضي والحاضر والمستقبل. وإذا كانت المصادر التاريخية، ومنها كتب المقاتل والسير، تحصر هذه المسيرة في زمان ومكان محددين، أي سنة 61هـ ومن كربلاء إلى دمشق، فإن الرواية توسّع هذا الإطار لتقيم عالمها على أزمنة وأمكنة متعددة. وبذلك يتجاور فيها مستويان: مستوى تاريخي واقعي يستند إلى واقعة الطف، ومستوى تخييلي رمزي يصوغ دلالات الواقعة وامتداداتها. وقد مكّنت الحمولات الفكرية والثقافية للروائي، إلى جانب قدرته على استيعاب أبعاد النهضة الحسينية، من سبر تجليات تلك الواقعة التاريخية الممتدة لأكثر من ثلاثة عشر قرنًا، غير أنه لا يتعامل معها بوصفها مادة تاريخية خالصة، بل يعيد قراءتها بمنظور تأملي وإيحائي ورمزي.
نسق اللوحات السردية بوصفه نسقًا بنائيًا للحدث
تنهض رواية «رأس الحسين» على إحدى وأربعين لوحة سردية، تبدأ من لحظة فصل الرأس الشريف عن الجسد الطاهر، وتنتهي عند السيدة زينب (عليها السلام) في مجلس الطاغية. لقد بُني الحدث الروائي على وفق نسق اللوحات السردية التي تجاوزت الأربعين لوحة، وتتخللها أحيانًا بعض الاسترجاعات. ولا يظفر المتلقي من هذا النظام إلا بتوالي الزمان كما هو في واقعه، من لحظة فصل الرأس الشريف حتى خاتمة الرواية، من دون عناية كبيرة بتوالي الأحداث كما نهض بها الواقع؛ فلا يجد في اللوحة الثانية ما يعده مكمّلًا للوحة الأولى، ولا في الثالثة ما يتمم الثانية، بل يجد في كل لوحة ما قد يكون مغايرًا لسابقتها من مواقف وأحداث، مع أن كل لوحة لاحقة متأخرة عن سابقتها في الزمان، باستثناء بعض اللوحات القائمة على تقنية الاسترجاع، وهي قليلة.
تمظهرات الحدث الروائي في الرواية
ولعل من أهم تمظهرات الحدث الروائي في الرواية ما يأتي:

أولًا، شكّل الرأس الشريف محورًا أساسيًا في الحدث الروائي.

ثانيًا، لا يلبث الحدث التاريخي في الرواية أن ينتقل من الواقع كما تردده مراجع التاريخ إلى الحدث العجائبي التخييلي، وهي خصيصة من أبرز ملامح الحدث في الرواية؛ إذ لم يحرص الروائي على الحدث التاريخي بقدر حرصه على إبراز الحدث العجائبي التخييلي، ومن أبرز مظاهره اختفاء الرأس وجثث القتلى.

ثالثًا، لا يستطيع المتلقي الظفر بالحدث، ولو من حيث اللغة أو الوصف، إلا من خلال سلوكيات الشخصيات الروائية وأفعالها؛ فالحدث لا يملك استقلاليته بذاته، بل يتشكل من خلال الشخصية التي تبث فيه الحركة وتمنحه الحياة.

رابعًا، لم يكن الروائي مسكونًا بالحدث التاريخي وحده؛ لذلك بدا هذا الحدث هامشيًا إذا ما قيس بالحدث العجائبي المتخيل، وكأن الروائي يرمي بذلك إلى تعرية الواقع والكشف عن حقيقة النفوس وما يعتلج فيها. وعلى وفق ذلك تعددت مسارات الحدث الروائي تبعًا لمسارات الشخصيات، ويمكن إجمالها في أربعة مسارات: مسار الرأس الشريف (عليه السلام)، ومسار السيدة زينب (عليها السلام)، ومسار القتلة، ومسار حمزة.
المسار الرابع: مسار حمزة
يمثل مسار حمزة أو شخصيته الشخصية الرئيسة في الرواية، ويتجلى فيه أكثر من غيره فعل المسار الأول، أي مسار الرأس الشريف. وهذه الشخصية لا وجود خارجيًا لها، وإنما هي من ابتداع الكاتب. لقد كان حمزة مجرد شخصية هامشية مبتذلة، يعمل مهرجًا في قصر الخليفة، وقادته أطماعه إلى المشاركة في قتال الحسين (عليه السلام) طمعًا في كرم الخليفة وما قد يغدقه عليه من مال وزواج ومكانة.
إن هذا النص، وإن كان مقتبسًا من كلام حمزة، يفصح عن تجليات مسار الرأس الشريف وغاياته وأهدافه ومراميه التي تتجاوز حدود زمان الواقعة ومكانها؛ فهي تمتد في الزمان منذ زمن الذبيح يحيى، وعبر العصور، كما تمتد في المكان عبر الحقول والمدن.
المسار الثالث: مسار القتلة
لا يكاد المتلقي يلمس في مسار القتلة إلا ما تكشفه الرواية منذ بدايتها من جفاء وغلظة وقسوة؛ فالرأس المرفوع، وصرخات الأطفال، وعويل النساء، لا تترك أثرًا إنسانيًا في نفوس أُغلقت على القسوة، لكنها توقظ في داخلها الخوف والأرق. لذلك يعلن الطاغية، بلا مواربة، أن مملكته «صارت كلها مخاوف»، ويتمنى أن «تختفي السيرة وينقطع القص»، غير أن هذا التمني يظل مستحيلًا. فالكاتب لا يترك هذا المسار ينغلق عند حدود الواقعة التاريخية، بل يثقله بدلالات رمزية وإيحائية تجعله ممتدًا في الزمن؛ إذ يظل «الشمر العراقي» حاضرًا بوصفه علامة على استمرار العنف والقسوة، لا شخصية عابرة انتهى دورها بانتهاء الحدث. ومن هنا يثير أمر عبدالله خليفة بإرجاعه إلى العراق ليتوارى في أحد البيوت أكثر من سؤال: هل استشرف الراوي واقع هذا البلد حتى زمن كتابة الرواية، فرأى «الشمر» مقيمًا في بعض شوارعه أو بيوته؟
المسار الثاني: مسار السيدة زينب
تتجلى أهمية هذا المسار في أنه لا يبلغ خاتمة نهائية؛ فهو مسار مفتوح وممتد. فإذا كان مسار الرأس الشريف ينتهي في الرواية بالاختفاء، فإن مسار السيدة زينب يظل حاضرًا، حتى وإن توقفت الأحداث عند وقوفها في مجلس يزيد. وبذلك توحي الرواية باستمرار النهضة والثورة في فصل آخر غير مكتوب، فتُختَم سرديًا بزينب، لكنها تبقى دلاليًا مفتوحة على أزمنة وشخصيات وفصول متعددة، يجمعها مضمون واحد.
المسار الأول: مسار الرأس الشريف
ليس للقارئ أو المتلقي أن يظفر باستقلالية تامة لهذا المسار، على الرغم من كونه المسار الأهم والمحرك الأساس لأفعال المسارات الأخرى وردودها؛ إذ يظل حاضرًا في تضاعيف المسارات الثلاثة الأخرى، ومؤثرًا في بنيتها ودلالاتها.
الخطاب الروائي
أما على مستوى اللغة، فإن الرواية تمتاز بتعدد مستوياتها اللغوية، ويبدو أن منشأ هذه التعددية يعود إلى تعدد الرواة وتعدد مستويات الخطاب، فضلًا عن اكتناز لغة الرواية بالرموز والإيحاءات. ويعتقد الباحث أن الكاتب كان مسكونًا بالحدث ببعديه الواقعي والفني، ولم يكن أمامه طريق سوى وصف الحدث وإنطاق شخصياته بهذه اللغة لإبراز تجلياته وأبعاده؛ فليس للمتلقي أن يدرك ماهية الحدث وكينونته وبعده إلا من خلال فعل الشخصية ومنطقها، إذ إن الشخصية هي التي تحدد للحدث الروائي مساره وتعكس ما يوحي به. ومن ثمّ، فإن اللغة التي أنطق الكاتب بها شخصياته لا يمكن الحكم عليها بأنها لا تتناسب مع الأجواء التراثية والشخصيات التاريخية، لأن الرواية لم تبقَ حبيسة أطرها الزمانية والمكانية التي جرت فيها الواقعة، بل امتدت حتى العصر الراهن حيث يتوارى الشمر العراقي في أحد البيوت؛ وهذا الامتداد في الزمان والمكان يقتضي بالضرورة تغايرًا في اللغة ومفرداتها. ومن ثم فقد أفصح وصف الحدث عن عدة مستويات لغوية، منها:
لغة الأثر الفني: من أبرز مزايا لغة القص في رواية «رأس الحسين» أنها تعبّر عن القوي والخفي، وعن الغامض والشائع المتداول في آن واحد؛ إذ تزخر الرواية بنصوص يتداخل فيها النقاء بالخفاء، بحيث لا يتيسر لأي متلقٍّ أن يقف على كنهها بسهولة. ومن ذلك النص الذي يصف هودج زينب وأفق الرمال وتلالها التي تلتهم النور ولا تشبع، والإبل التي تمضي في موج يزبّد تحتها، والدمع الذي ينهمر من تحت الجفون والأصابع والخدود. ولمقاربة هذا النص، يمكن القول إنه لم يعد في كثير من عباراته منتميًا إلى عالمه المعجمي المباشر؛ فأي معجم يستوعب التلال التي تلتهم النور، أو السيل من الطاعون، أو الإعصار من الجراد، أو الدمع الذي يطلع من الأصابع والأجفان؟ أما أدبية النص فإنها خارجة، من هذه الجهة، على ما هو مألوف من قواعد الدال والمدلول؛ فلم تعد اللغة في كثير من هذه النصوص وسيلةً لبلوغ دلالات الكاتب ومراميه فحسب، بل صارت هي بذاتها غاية يتوقف عندها المتلقي لعلّه يعي بعض معاني عيون النجوم وضحكات القمر وريش الضحك المتطاير، وما تنهض به من حمولات دلالية شتى. وإذا كان الإيحاء أو الرمز انزياحًا للفظ عن دلالته المعجمية، وقدرةً للمبدع على تحميله طاقات لغوية قادرة على رفد المتلقي بالدلالة، فإن رواية «رأس الحسين»، بما يملكه كاتبها من قدرات إبداعية، أسهمت في توليد ما بات يعرف بلغة الأثر الفني.
وتتجلى اللغة الشعرية في الرواية بوصفها امتدادًا للغة الأثر الفني؛ فهي لا تكتفي بنقل الحدث، بل تعيد تشكيله عبر الإيحاء والرمز والصورة. وإذا كانت بعض النصوص السابقة تنفتح على فضاءات رمزية عميقة، فإن نصوصًا أخرى تكشف عن لغة شفافة مشبعة بالأحاسيس والمشاعر، تجعل طريقة تقديم الحدث أكثر أهمية من الحدث ذاته. ومن هنا لا تنفصل شعرية النص عن الواقع وقضاياه، بل تمنحهما بعدًا جماليًا وفكريًا جديدًا، إذ تتداخل في الرواية الدلالات النفسية والفكرية والخطابية. وتظهر هذه الشعرية في صور مثل المدينة التي يفتح النور عيون بيوتها وطرقاتها، والقافلة القادمة من مستنقع الدم ونافورة النور، والرأس الذي يتكلم وهو ميت. وهذه الصور لا تنغلق على معناها المباشر، بل تفتح النص على أفق صوفي ورمزي يجعل الأشياء تحمل ذواتها وما يتجاوزها في الوقت نفسه؛ لذلك تبدو لغة «رأس الحسين» لغة حب وإشارة ورمز، قادرة على خلق عالمها الخاص داخل العالم، حيث تتعانق الأزمنة وتتسع دلالة الواقعة التاريخية لتصبح تجربة إنسانية وروحية ممتدة.
خامسًا: أسهم إبداع الروائيين في الرواية التجريبية، وفق أنساق بنائية تتسم بالجدة، فضلًا عن اللغة بمستوياتها المتباينة، في استجلاء كوامن الحدث التاريخي وأبعاده. ويبدو للباحث أن الأنماط التقليدية في البناء الفني للرواية، من حيث الأنساق واللغة، لا تؤتي ثمارها كما تفعل الأنماط الجديدة؛ وهذا ما أسهم في مقروئية تلك الروايات.

––––––––––––––––––––––––––––––––––

عبدالله خليفة (1 مارس 1948 – 21 أكتوبر 2014) هو روائي، وقاص، ومفكر، وصحفي بحريني يساري، ويُعد أحد أبرز أعمدة السرد والرواية الإيديولوجية في البحرين والخليج العربي. تميزت مسيرته الأدبية بغزارة الإنتاج، والربط الوثيق بين الإبداع الفني والرؤية النقدية والتحليل الفلسفي والتاريخي.
حياته ومسيرته
وُلِد عبد الله خليفة في حي القضيبية بالمنامة عام 1948، وبدأ اهتمامه بالكتابة في منتصف الستينيات، متجهاً في بداياته إلى القصة القصيرة والنشر في الصحف والمجلات المحلية. لاحقاً، برز ككاتب عمود وصحفي نشط جمع في كتاباته بين المقالة السياسية والدراسة الفكرية والنقد الأدبي.
عُرف خليفة بتبنيه منظوراً يسارياً ومفردات ماركسية واضحة، وهو ما انعكس في تحليلاته للتاريخ والسياسة، وفي اهتمامه بثنائيات العقل والخرافة، والحداثة والتقليد، والتحولات الاجتماعية في العالم العربي.

الخصائص الأدبية والفكرية
تميّز مشروع عبد الله خليفة بالربط بين السرد الروائي والتحليل الفكري؛ إذ لم يتعامل مع الأدب بوصفه حكاية فحسب، بل بوصفه أداة لإعادة قراءة التاريخ والمجتمع من منظور نقدي.
الرواية التاريخية والإيديولوجية: يعدّه بعض النقاد من أبرز من رسّخوا الرواية ذات البعد الفكري في البحرين، حيث أخضع التاريخ العربي والإسلامي لمتخيله السردي ورؤيته النقدية.
التقنيات السردية: استخدم تقنيات مثل المونولوج الداخلي لإبراز الصراع النفسي والفكري للشخصيات التاريخية.
النتاج الفكري والنقدي: لم تقتصر كتاباته على الرواية والقصة، بل شملت دراسات تناولت بنية الوعي العربي والاتجاهات الفلسفية والدينية.
خلّف عبدالله خليفة نتاجاً واسعاً توزّع بين الرواية والقصة والدراسة الفكرية.
مشروعه الفكري والفلسفي
يتسم الجانب الفكري في كتابات خليفة بالعمق والجرأة؛ فقد كان مفكراً تنويرياً ومحللاً اجتماعياً اعتمد المنهج المادي التاريخي في تفكيك البنى الاجتماعية والفكرية في العالم العربي والإسلامي.
محاور أطروحاته الفكرية
تفكيك الفكر العربي والإسلامي: ربط تطور الوعي الديني والفكري بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في مشروعه «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية».
نقد الجمود وتسطيح الوعي: واجه الأشكال الثقافية الجامدة، وانتقد التيارات المحافظة وحركات الإسلام السياسي بوصفها عائقاً أمام التنوير والعقلانية.
الصراع بين العقل والخرافة: دعا إلى تحديث يبدأ من العقل، وإلى حماية المجتمع من الطائفية وقمع الحريات.
العلاقة بين الفلسفة والرواية: جعل من الرواية مختبراً لتطبيق رؤاه التاريخية والفلسفية، فقرأ اللحظات المفصلية في التاريخ الإسلامي من منظور نقدي معاصر.
قراءة التراث والفلسفة الإسلامية
لم يتعامل خليفة مع الفلسفة الإسلامية باعتبارها أفكاراً مجردة أو نقاشات لاهوتية منعزلة، بل قرأها في علاقتها بالصراعات الاجتماعية والطبقية والسياسية في عصورها.
المنهج المادي التاريخي: رأى أن الفقه والفلسفة والفكر تتشكل ضمن سياقات الاقتصاد والملكية والسلطة.
مفهوم الاتجاهات المثالية: ميّز بين وعي نهضوي جدلي يسعى إلى التغيير، ووعي محافظ يميل إلى تجميد العقل وتكريس الفكر الغيبي.
قراءة ظهور الإسلام: نظر إلى الدعوة الإسلامية الأولى كحركة تحول اجتماعي استهدفت إعادة صياغة المجتمع على أسس أكثر عدلاً.
إحياء العقلانية: دافع عن التيارات العقلانية التي جرى تهميشها في التاريخ الإسلامي، ورأى في استئنافها شرطاً لأي نهضة عربية معاصرة.
انعكاس الفكر في الرواية التاريخية
حوّل خليفة أطروحاته النظرية إلى عالم روائي حي، فجعل من الرواية التاريخية وسيلة لإعادة قراءة الماضي من منظور المهمشين والفئات الشعبية، لا مجرد استعادة للأحداث أو الشخصيات.
أنسنة الشخصيات التاريخية: كسر صورة الأيقونة الجامدة، وأعاد الشخصيات إلى سياقاتها البشرية والاجتماعية.
رواية «رأس الحسين»: قدّمها كنموذج للصراع بين السلطة المركزية وتطلعات الفئات المحرومة إلى العدالة.
روايات السيرة: تناول شخصيات مثل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان من زاوية اجتماعية وسياسية، مركزاً على أثر السلطة والثروة في تحولات المجتمع.
اللغة والرمز: مزج الرؤية الإيديولوجية بلغة شعرية ورموز مستمدة من البحر والصحراء والبيئة الخليجية.
المعارك النقدية والفكرية
أثارت أعماله، ولا سيما التاريخية منها، نقاشات حادة في البحرين والخليج العربي بسبب جرأتها في مساءلة الموروث والسلطة وتوظيف المنظور المادي في قراءة التاريخ.
اتهام بتسييس التراث: رأى بعض خصومه أنه أسقط مفاهيم حديثة مثل الصراع الطبقي على عصور تاريخية سابقة.
الجدل حول «رأس الحسين»: قوبلت الرواية بقراءات متباينة بين من رأى فيها تجديداً فنياً، ومن عدّها تجاوزاً للمألوف الديني والتاريخي.
الصدام مع الإسلام السياسي: عُرف بمقالاته المنتقدة للتيارات الدينية المحافظة، وبموقفه الداعي إلى التنوير والعقلانية.
النقد الأدبي: أخذ بعض النقاد عليه تغليب الفكرة على الفن، بينما رأى آخرون أنه منح الرواية البحرينية أفقاً فكرياً وجمالياً جديداً.
خلاصة الإرث
رحل عبد الله خليفة في أكتوبر 2014 تاركاً إرثاً أدبياً وفكرياً غنياً. وقد استمر نشر بعض مؤلفاته ومخطوطاته بعد وفاته، بما يعكس اتساع مشروعه وأثره في السرد البحريني والعربي.

1 – الرواية : 45 – 49 . 2 – الرواية : 41 . 3 – الرواية : 41 – 43 . 4 – انظر : اللغة في الخطاب الروائي ، جميل حمداوي ، مجلة دنيا الوطن الالكترونية : .alwatanvoice – رأس الحسين ، عبد الله خليفة ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، منشورات الاختلاف ، ط1 ، 2006 م : 6 2 – رأس الحسين/ أسئلة التاريخ … أسئلة الدم قراءة في رواية رأس الحسين للروائي عبد الله خليفة، د.عزالدين جلاوجي – مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية ، العام الرابع ، العدد 31 ، 2017 ، الجزائر : 123 – 124 . 3 – القصة والرواية ، عزيزة مريدن ، دار الفكر، دمشق 1400هـ1980-م : .26 1 – الرواية : 10 2 – الرواية : 171 3 – الرواية : 169 4 – الرواية : 169 1 – الرواية : 174 . 2 – التشكيل الروائي عند نجيب محفوظ : 69 . 3 – قراءة في رواية رأس الحسين ، محمد الخباز ، مجلة الساحل ، فصلية تعنى بالثقافة والتاريخ في الخليج العربي ، العدد 4 ، السنة الأولى ، خريف 2007 م : 149 . 1 – في الفلسفة والشعر ، هايدغر ، ترجمة : عثمان أمين : 84 . 2 – الرواية : 34 – 35 . 1 – الأسلوب والأسلوبية ، عبد السلام المسدي ، الدار العربية للكتاب ، ط3 : 117 . 2 – قراءة سيميولوجية لقصيدة إرادة الحياة ، عبد الله الغذامي ، مجلة الفكر ، العدد : 4 : 75 . 3 – الأدب العربي تعبيره عن الوحدة والتنوع ، محمد برادة ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1987 م : 12 . 4 – دراسات في الشعرية العربية ، أدونيس : دار الآداب ، بيروت ، ط1 ، 1985 م : 192 . 5 – الرواية : 93 6 – الرواية : 105 1 – الرواية : 93 2 – الصوفية والسوريالية ، أدونيس ، دار الساقي ، ط3 ، 2002 م : 23 . 24 – 23 : ن . م – 3

Summary

This study examines the structure of the event in the new Arabic novel, taking «Lamentations of Days» and «Ra’s al-Husayn» as examples. What distinguishes these two novels is their use of narrative techniques that are uncommon in the traditional novel. The structure of the narrative event is one of the most significant of these techniques, alongside narrative paradoxes related to time, place, function, and discourse.

The three tales in Haydar Haydar’s «Lamentations of Days» are stories of death that share no common denominator except their title, and each tale has its own independent narrative elements. By contrast, Abdullah Khalifa’s «Ra’s al-Husayn» is built on the system of narrative panels, covering events that extend across forty days through forty-one narrative scenes. Accordingly,

ملامح 6 : لـــ عبـــــــدالله خلـــــــيفة

رؤية عبدالله خليفة العلمانية للمجتمعات العربية على منهج مادي ديالكتيكي وتاريخي يربط الأفكار بالبنى الاقتصادية والاجتماعية.

ولم تكن العلمانية عنده مجرد شعار سياسي أو فصل سطحي للدين عن الدولة، بل ضرورة بنيوية وتطورية حتمية لخروج المجتمعات العربية من أزماتها الحضارية.

ويمكن تفكيك تحليله الفلسفي التقدمي عبر المحاور والجدول التوضيحي التالي:

1_ العلمانية كعملية تحول (علمنة) لا كأيديولوجيا جامدة: يرى عبدالله خليفة أن العلمانية في جوهرها هي «عملية تحول مستمرة وتغيير نسبي». وانتقد تحويل العلمانية إلى «أيديولوجيا جامدة ومغلقة». فالعلماني التقدمي عنده هو من يؤمن بنسبية الأفكار ويهتم بالواقع المعيشي والدنيوي، ويسعى لتطوير أدوات الإنتاج والوعي الاجتماعي لتلائم حركة العصر.

2_ الربط بين العلمانية ورأس المال (البنية التحتية) منظوره الفلسفي المادي يمنعه من رؤية العلمانية كنظام «معلق في الهواء». هو يؤكد أن العلمانية ترتبط تاريخياً بـ تجذر رأس المال الوطني ونشوء فئات وسطى حرة ومستقلة. ويرى أن تعثر العلمانية في الشرق يعود إلى اعتماد الفئات الوسطى على ريع الدولة أو القطاعات الحكومية المسيطرة، مما يجعل مواجهتها الفكرية محدودة وتجعلها تتلفعُ بالمفاهيم المذهبية هرباً من الصراع الاقتصادي الحقيقي.

3_ تفكيك ثنائيات الوعي العربي «العقلانية ضد الخرافة» في كتابه “أيديولوجي”، يقدم عبدالله خليفة تشريحاً نقدياً للوعي الجمعي العربي. ويرى أن المجتمعات العربية تعيش تمزقاً بين: العقلانية والحداثة من جهة، والسحر والخرافة والتقليد من جهة أخرى.

يرى أن تغلغل «الإسلام السياسي» بكافة أشكاله سني+ شيعي وصعود «ديكتاتورية الولي الفقيه أو مرشد الجماعة» يمثل ارتداداً عن العقلانية، ويطرح بدلاً منها ضرورة إعطاء ما لقيصر لقيصر وفصل الدين عن الدولة لحماية الدين والسياسة معاً.

مقارنة فلسفية: تشخيص الأزمة وطريق الحل عند عبدالله خليفة محور التحليل الفلسفي واقع المجتمعات العربية الحالية (الأزمة) الأفق التقدمي العلماني (الحل والمستقبل) طبيعة البنية الاقتصادية اقتصاد ريعي/حكومي يعوق تشكّل طبقة وسطى مستقلة فكرياً.

تحرر رأس المال وتجذره في التربة الوطنية لتوليد فكر حر.

الوعي الجمعي والثقافة: وعي تقليدي غارق في ثنائيات السحر، الغيبيات، والخرافة السياسيّة.

الانتقال إلى وعي علمي مادي، يرى العلوم والفلسفة جسراً للمستقبل.

إدارة المجال السياسي: دمج الدين بالسياسة واستغلاله من تيارات الإسلام السياسي للاستبداد.

ديمقراطية وتعددية تقوم على فرز دنيوي عقلاني يحترم حقوق الإنسان وحرية الفكر.

التعامل مع التراث: قراءة عاطفية تنويرية مجتزأة تبكي على أطلال الماضي (الخلافة).

قراءة نقدية تاريخية صارمة تفكك الاتجاهات المثالية وتربطها بالصراع الاجتماعي.

4_ نقد «الحداثة المفتتة» في الفكر العربي: يرى عبدالله خليفة أن البنية الاجتماعية العربية لم تعرف الحداثة كـ «بنية متكاملة»، بل دخلت إليها كأجزاء مفتتة ومحاولات مجهضة. فالمثقفون العرب الأوائل استوردوا العلمانية كشعار علمي لمحاربة الجهل، لكنهم لم يفككوا الجذور العميقة للعلاقات الاجتماعية السائدة التي تمنع فصل الدين عن الدولة وتعرقل نهضة العقلانية الشاملة.

بإيجاز، العلمانية التقدمية عند عبدالله خليفة ليست انسلاخاً من الهوية، بل هي أداة تحرر وتنوير؛ تبدأ بتثوير الاقتصاد والتعليم، وتمر بتفكيك الاستبداد الديني والسياسي، لتصل بالمجتمعات العربية إلى مصاف العصر عبر العقل والديمقراطية.

تعريف العلمانية

دراسة تحليلية معمقة لموسوعة «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية» لـ عبدالله خليفة

الاهداء الى حسين مروة 

الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية: هي واحدة من أبرز الموسوعات والدراسات الفكرية المعمقة للباحث والروائي البحريني عبدالله خليفة، وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عدة مجلدات. يقدم فيها المؤلف قراءة مادية وتاريخية متميزة لكيفية تشكل الوعي الديني والفلسفي في الفضاء العربي الإسلامي. 

إليك تفصيل لأبرز محاور وأفكار هذا المشروع الفكري:

 نافذة صغيرة 

جوهر المشروع والهدف منه

• تتبع الوعي العربي: يرصد الكتاب تطور الوعي منذ المرحلة الجاهلية (الوثنية)، مروراً بالتحول نحو التوحيد مع ظهور الإسلام، وصولاً إلى تعقد البنى الاجتماعية والسياسية في العصرين الأموي والعباسي.

• ربط الفكر بالواقع: يرفض خليفة عزل الأفكار الفلسفية والمثالية عن سياقها التاريخي وصراعاتها الاجتماعية، ويرى أن كل تيار فكري يمثل مصالح وقوى اجتماعية معينة. 

• النقد التاريخي: يعتبر الثورة المحمدية في مكة نقطة نهوض كبرى، ويرى أن الفلاسفة والتيارات اللاحقة عجزوا أحياناً عن مجاراة أبعادها التأسيسية الأولى وتأثروا بالبنى الإقطاعية والسياسية السائدة. 

  تقسيم المجلدات والتيارات المدروسة

يتناول عبدالله خليفة في مجلدات هذا العمل الفلسفي خريطة واسعة من التيارات السياسية والفكرية، ويركز على تحليل:

• الفلسفة المدرسية وعلم الكلام: تحليل أفكار المعتزلة والأشعرية كألوان فكرية عكست صراعات السلطة والمجتمع. 

• التيارات الفكرية والسياسية المعارضة: دراسة العمق الفلسفي لتيارات مثل الإسماعيلية، الإثنا عشرية، والقرامطة، وكيف وظفت الفكر المثالي في مشروعها السياسي. 

• الجماعات الفلسفية المستقلة: مراجعة أطروحات جماعة إخوان الصفا ومحاولاتهم لدمج الفلسفة اليونانية بالدين. 

• الفلاسفة الكبار: نقد الاتجاهات المثالية والميتافيزيقية لدى الفلاسفة المشائين كابن سينا، والفارابي، والغزالي وسعيهم للتوفيق بين النقل والعقل.         

أهمية الكتاب:

• المنهج الجدلي: تميز الكتاب باعتماد التحليل الاجتماعي – الاقتصادي للفكر، وهو ما يجعله من المدرسة الماركسية في قراءة التراث.

• إثراء المكتبة الفلسفية: يعد الكتاب مرجعاً هاماً لمن يريد فهم الفلسفة الإسلامية ليس كأفكار مجردة في الهواء، بل كأدوات للصراع الاجتماعي والسياسي.

يفهم المفكر والروائي عبدالله خليفة «المثالية» كاتجاه فكري وفلسفي يربط نشأة الأفكار بالبنى الاجتماعية والتاريخية، وقد أفرد لهذا المفهوم مشروعه الفكري الأبرز المتمثل في سلسلة كتبه الشهيرة «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية» بمجلداتها المختلفة. 

مفهوم «المثالية» بمنظور عبدالله خليفة، إليكِ تبسيطاً لأبعاد هذا المفهوم في فكره:

   أصل الفكرة (من أين تبدأ المثالية)؟

• الجذور الغيبية والأسطورية: يرى عبدالله خليفة أن المثالية الفلسفية (التي ترى أن الفكرة أو الروح هي أساس الوجود وليس المادة) نشأت في الأصل من التصورات الغيبية والدينية الأولى للبشر. 

• تأثير المجتمع: لم يدرس المثالية كأفكار معلقة في الهواء، بل كان يربطها دائماً بـ التحولات الاجتماعية والطبقية؛ فكل فكر مثالي يعكس طبيعة العصر والبيئة التي ظهر فيها. 

   المثالية في الفلسفة 

في الفلسفة الإسلامية: تتبع خليفة كيف تطورت المثالية عند فلاسفة مثل الفارابي وابن رشد، وكيف حاولوا الموازنة بين العقل والنصوص الدينية والواقع الاجتماعي لعصورهم. 

يمكنكِ صياغة الفكرة له بهذه الطريقة: «الباحث عبدالله خليفة يرى أن الأفكار الجميلة أو (المثالية) التي في عقولنا لا تأتي من فراغ، بل تولد من طبيعة حياتنا، وبيئتنا، وتاريخنا. ولكي نصل إلى عالم أفضل، لا يكفي أن نحلم بالمثالية، بل يجب أن نفهم واقعنا ونعمل على إصلاحه أولاً».

تعميق الفهم حول مفهوم «المثالية» في فكر ومشروع الروائي والمفكر الراحل عبدالله خليفة.

لقد شكّل نقد الفكر المثالي وتتبع جذوره ركيزة أساسية في مشروعه المعرفي. ومن خلال قراءة نتاجه، يمكننا تفكيك هذا المفهوم لديه عبر المحاور الأساسية التالية:

 1 – نقد «المثالية» كأداة للهيمنة الاجتماعية

• انعكاس الصراع الطبقي: يرى عبدالله خليفة (منظوراً خلف خلفيته الفكرية الواقعية والتاريخية) أن الفكر المثالي في التاريخ العربي والإسلامي لم يكن مجرد ترف ذهني أو تأمل فلسفي مجرد، بل كان يعكس موازين القوى الاجتماعية والطبقية؛ حيث استُخدمت «المثالية وتجريد الأفكار» أحياناً لتبرير سلطة سياسية أو دينية قائمة وفصل الجماهير عن واقعها المادي.

• تغييب الواقع: ينتقد خليفة الفكر الذي يُعلي من شأن «المثال» أو «النص المجرد» على حساب الواقع المعيشي والظروف المادية والاقتصادية للناس.

2 – سلسلة «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية»

في هذا المشروع البحثي الضخم والممتد عبر عدة أجزاء، يحلل خليفة مفهوم المثالية تاريخياً:

• تتبع الجذور: درس كيف تسربت المثالية اليونانية (الأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة) إلى الفكر الإسلامي وتداخلت مع علم الكلام والتصوف والفلسفة (مثل فكر المعتزلة، إخوان الصفا، ابن سينا، والفارابي).

• التطور والصراع: يرى أن الفلسفة العربية الإسلامية عاشت صراعاً مريراً بين نزعتين: نزعة مثالية غيبية تحلق بعيداً عن شروط الواقع، ونزعة عقلانية ومادية جنينية حاولت قراءة الواقع وتغييره، وهو ينحاز دائماً إلى محاولات العقلنة وتثبيت الجذور المادية للمعرفة.

اعتمد المفكر عبدالله خليفة في إنجاز موسوعته الضخمة «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية» على شبكة واسعة وعميقة من المصادر التاريخية والفلسفية. 

ونظراً لاعتماده المنهج المادي التاريخي السوسيولوجي، لم يكتفِ بنصوص الفلاسفة المجردة، بل زاوج بين «أمهات كتب التراث الكلاسيكية» و«المراجع المنهجية المعاصرة» ليفكك الواقع الاقتصادي والسياسي الذي أنتج تلك الأفكار.

تنقسم المصادر والمراجع التي اتكأ عليها مشروع خليفة الموسوعي إلى أربع فئات رئيسية:

1-  مصادر الفلسفة وعلم الكلام والفرق (النصوص الأصلية) حرص خليفة على استنطاق واقتباس أفكار كل تيار من كتب رجاله ومؤسسيه مباشرة بدلاً من الاعتماد على الوسائط: كتب المعتزلة وعلم الكلام: اعتمد بشكل مكثف على مؤلفات القاضي عبد الجبار المعتزلي (خاصة كتاب المغني في أبواب التوحيد والعدل)، وكتابات الجاحظ الشاملة. رسائل الفلاسفة المشائين والباطنية: تتبع نصوص الكندي، الفارابي، ابن سينا، وابن رشد (مثل تهافت التهافت). كما أفرد مساحة لـ «رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا» بكونها المرجع الأساسي للفكر اليوناني- الإسلامي السري. كتب الملل والنحل وتوثيق الفرق: استند إلى المراجع الكلاسيكية التراثية التي رصدت انقسام المذاهب، مثل كتاب الملل والنحل للشهرستاني، وكتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين لأبي الحسن الأشعري، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم.

2 –  مراجع التاريخ السوسيولوجي والسياسي والأدبي يربط الفكرة الفلسفية بطبيعة نظام الإنتاج والطبقات الاجتماعية، اعتمد على أمهات كتب التاريخ: تاريخ الطبري والمسعودي وابن الأثير: استخدمها لتفكيك خلفيات الحروب، والفتن، والثورات الاجتماعية (مثل ثورة الزنج وحركة القرامطة).

مقدمة ابن خلدون: اعتمد عليها كمرجع تأسيسي في فهم العصبية القبلية، والتحول نحو الملك، واقتصاد الدول. 

الأدب وتشريح المجتمع: وظّف كتابات الجاحظ (مثل البيان والتبيين والبخلاء) وكتاب الأغاني للأصفهاني كأدوات سوسيولوجية لفهم بنية العقل الجمعي وحياة الناس اليومية في المدن العباسية والأموية.

3 –  مراجع الفلسفة المادية والتاريخية المعاصرة تأثر عبدالله خليفة بمدارس فكرية حداثية معاصرة أعادت قراءة التراث الإسلامي برؤية يسارية أو مادية: حسين مروة: يُعد كتابه الموسوعي النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية المرجع والأب الروحي والمنهجي الأكبر لموسوعة عبدالله خليفة؛ حيث سار خليفة على خطى مروة ولكن من زاوية معاكسة ترصد تجليات «المثالية والغيبيات» وتوظيفها السياسي.

طيب تيزيني: اعتمد على مشروعه في: من التراث إلى الثورة لإعادة بناء التراث الفلسفي العربي.

محمد عابد الجابري: استلهم واستشهد ببعض أطروحاته حول بنية العقل العربي (البيان، العرفان، والبرهان)، مع إخضاعها لمنهجه السوسيولوجي الخاص.

4 –  المستشرقون ومؤرخو الفلسفة الغربيون انفتح الكاتب على الدراسات الغربية الحداثية التي حللت الفكر الإسلامي بمنهجية علمية صارمة ومنها: هنري كوربان: خاصة دراساته ومراجعه حول تاريخ الفلسفة الإسلامية والتيارات الروحية والباطنية. كارل بروكلمان: في كتابه تاريخ الأدب العربي لتتبع الأصول البيبليوغرافية وحركات التأليف. من خلال هذه التوليفة من المصادر، استطاع عبدالله خليفة صياغة عمله الموسوعي ليثبت أن «الفكرة المثالية المجردة» في السماء الإسلامية لم تكن سوى انعكاس مباشر للصراع السياسي والاقتصادي على أرض الواقع.  

يُعتبر المجلد الرابع: تطور الفكر العربي الحديث والمعاصر (الصادر عن منشورات ضفاف والاختلاف) ذروة المشروع الفلسفي والنقدي للمفكر عبدالله خليفة. فبعد أن قضى الأجزاء الثلاثة الأولى في تفكيك العصور القديمة والوسطى للتراث الإسلامي، جاء هذا الجزء ليربط الماضي بالحاضر، مفسراً الإشكاليات المزمنة للعقل العربي والخليجي المعاصر عبر معادلته المنهجية (الربط بين الفكرة الفلسفية المثالية وبنية الواقع الاقتصادي والسياسي).

إليك تشريحاً تفصيلياً وممنهجاً لمحاور وأطروحات هذا المجلد:

1. إشكالية «النهضة المجهضة» والاصطدام بالغرب وبسياق الصدمة الحداثية: يبدأ الكاتب برصد حقبة القرن التاسع عشر والقرن العشرين حين اصطدم العالم العربي بالغزو النابليوني والاستعمار الأوروبي. 

الفجوة المعرفية: يرى خليفة أن الفكر العربي الحديث واجه الحداثة الغربية وهو «مثقل بكوابيس وإرث قرون من الجمود النقلي والمثالي الميتافيزيقي» التي رسختها عصور التراجع العباسي والعثماني؛ لذا اتسمت محاولات النهضة بالارتباك والاضطراب بين الانبهار بالغرب والخوف على الهوية والتراث.

2. تفكيك تيارات الفكر العربي الحديث وروادها: يقسم عبدالله خليفة التيارات الفكرية التي قادت وعي القرنين الماضيين، مُخضعاً خطابات روادها للتحليل السوسيولوجي الصارم:

 أولاً: التيار السلفي والإصلاحي الديني (الأفغاني ومحمد عبده): 

الرؤية النقدية: يرى خليفة أن مشروع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده كان محاولة توفيقية «مثالية» حاولت عصرنة الدين لمواجهة الغرب، لكنها لم تملك الشجاعة لتفكيك البنية الفكرية الغيبية تفكيكاً جذرياً.

النتيجة الارتدادية: يعتبر خليفة أن هذه التوفيقية مهدت لاحقاً (دون قصد من روادها الأوائل) لظهور حركات الإسلام السياسي المعاصر، لأنها أبقت على قدسية النصوص التاريخية والفقهية دون إخضاعها للنقد التاريخي المادي.

ثانياً: التيار التنويري الليبرالي (الطهطاوي وقاسم أمين):

التحليل الطبقي: يربط الكاتب بين أفكار رفاعة الطهطاوي وتأسيس الدولة الحديثة في مصر (عهد محمد علي)؛ معتبراً أن الأفكار الليبرالية وحقوق المرأة (عند قاسم أمين) نبتت كأثر صاعد لظهور «البرجوازية العربية الناشئة» والتعليم الحديث. 

العجز الهيكلي: يرى خليفة أن هذا التيار ظل نخبوياً معزولاً عن الجماهير؛ وفشل في التحول إلى تيار شعبي يغير وعي الريف والطبقات الكادحة.

ثالثاً: التيار العلماني المادي (شبلي شميل وفرح أنطون):

الانحياز الفكري: ينحاز الكاتب نسبياً لجرأة هذا التيار الذي حاول إدخال المنهج العلمي التجريبي، الداروينية، وفصل الدين عن الدولة. ومع ذلك، يرى أنهم سقطوا في «المثالية العلمانية» أحياناً لأنهم اعتقدوا أن تغيير الأفكار والمدنية وحدهما يكفيان لإحداث النهضة، متغافلين عن ضرورة تغيير علاقات الإنتاج والبنى الاقتصادية التحتية في المشرق.

3. أطروحة «الحداثة الريعية» في الخليج والشرق العربي:

 يفرد عبدالله خليفة في هذا الجزء مساحات هامة لنقد الواقع الفكري المعاصر، مبرزاً مفهوماً محورياً يفسر الأزمة الراهنة:

التحديث الشكلي ضد التنوير العقلي: يرى أن الطفرة النفطية والمالية في القرن العشرين أحدثت قفزة عمرانية ومادية استهلاكية هائلة (تحديث الأدوات)، لكنها أبقت على البنى الفكرية العميقة للمجتمع قبلية، طائفية، ومثالية غيبية.

إعادة إنتاج الاستبداد: يحلل كيف وظفت الأنظمة السياسية والتيارات الدينية المحافظة تلك الثروات لإعادة إنتاج «الفكر النقلي المحافظ» وإجهاض المشاريع العقلانية؛ مما تسبب في ارتداد المجتمع نحو الهويات الفرعية (المذهبية والقبلية) عند أول اختبار أو أزمة سياسية.

4. الخلاصة الفلسفية للمجلد الرابع:

 يصل خليفة إلى نتيجة قاطعة في نهاية موسوعته: إن أزمة الفكر العربي الحديث والمعاصر لا تكمن في قلة النظريات، بل في العجز عن إنجاز «ثورة ثقافية وفلسفية مادية» تقطع مع الإرث الغيبي.

 الأدب والفلسفة والسياسة في العالم العربي لن يحققوا نهضة حقيقية ما لم يتم تحرير «العقل» من الوصاية التبجيلية للتاريخ، وإخضاع الواقع المعاصر لمشرط التحليل العلمي والنقدي الشامل والمكاشفة الصريحة.

كيف قيّم عبدالله خليفة أطروحات المفكرين العرب المعاصرين (مثل محمد عابد الجابري أو حسن حنفي) في هذا الجزء؟

شغل تقييم أطروحات المفكرين العرب المعاصرين مساحة نقدية وسجالية واسعة في المجلد الرابع من موسوعة عبدالله خليفة؛ إذ لم يرَ في مشاريعهم الكبرى (مثل مشروع «نقد العقل العربي» للجابري أو «التراث والتجديد» لحسن حنفي) سوى محاولات مأزومة تدور في حلقة مفرغة، بسبب عجزها عن التحرر الكامل من إسار «المثالية» والاندماج في المنهج المادي التاريخي الصارم.

إليك بالتفصيل كيف فكّك موازين هذه الأطروحات:

1-  تقييمه لمشروع محمد عابد الجابري (نقد العقل العربي) رغم إعجاب خليفة الأولي بالمجهود التفكيكي الذي بذله الجابري في تصنيف بنية العقل العربي إلى (بيان، وعرفان، وبرهان)، إلا أنه وجّه له انتقادات بنيوية حادة: 

المثالية الإبستمولوجية: عاب خليفة على الجابري حصر الصراع التاريخي في «آليات المعرفة والأنظمة المعرفية» المجردة داخل النصوص. ويرى خليفة أن الجابري جعل من الأفكار والمفاهيم ذواتاً مستقلة تتصارع فيما بينها في السماء، معزولة عن الأرض، متغافلاً عن أن «البيان والعرفان والبرهان» لم تكن سوى أدوات وتعبيرات فكرية تخدم مصالح طبقية وسياسية واقتصادية صريحة لمراكز القوى في دول الخلافة المتتابعة. إشكالية الفصل الإقليمي: انتقد خليفة تقسيم الجابري الشهير للتراث (شرق عرفاني غيبي مغلق مقابل مغرب وأندلس برهاني عقلاني منفتح). واعتبر خليفة هذا التقسيم جغرافياً تعسفياً يسقط في التبسيط؛ لأن التيارات العقلانية والمادية كانت حاضرة بقوة في المشرق (كالمعتزلة والقرامطة وإخوان الصفا)، كما أن الفكر الغيبي والمحافظ ساد في المغرب والأندلس في فترات طويلة تحت سطوة دول مثل المرابطين والموحدين.

2 –  تقييمه لمشروع حسن حنفي (التراث والتجديد) نظر خليفة إلى مشروع حسن حنفي القائم على «اليسار الإسلامي» ومحاولة تحويل علم الكلام القديم إلى أيديولوجيا ثورية معاصرة بنظرة نقض ومثاقبة:

التوفيقية الزائفة: رأى خليفة أن محاولة حنفي لـ «ثورنة التراث الديني» وإعادة إنتاجه بقالب يساري هي محاولة توفيقية محكوم عليها بالفشل. فالخطاب الديني التقليدي يعتمد بنيوياً على الغيبيات والامتثال للنص، ومحاولة ليّ عنق النصوص التراثية لتلائم مفاهيم الاشتراكية والتحرر المعاصر لن تقنع الجماهير الكادحة ولن تصمد أمام التيارات السلفية المحافظة التي تمتلك أدوات التفسير التقليدي.

الوقوع في الفينومينولوجيا المثالية: يرى أن حنفي انطلق من الفلسفة الظاهراتية (الفينومينولوجيا) الغربية المرتكزة على الوعي والذات، وهو ما أوقع مشروعه في فخ «المثالية الذاتية». وبدلاً من أن يغير حنفي واقع علاقات الإنتاج المتخلفة في العالم العربي، اعتقد واهماً أن تغيير وعي المسلم تجاه التراث كافٍ وحده لصناعة الثورة والنهضة.

3 –  تقييمه العام لتيار «أنسنة التراث» (أركون والعروي) محمد أركون (الإسلاميات التطبيقية): رغم ترحيب خليفة بجرأة أركون في تفكيك «اللامفكر فيه» و«المقدس»، إلا أنه اعتبر غرق أركون في المناهج الألسنية والتفكيكية الغربية الحديثة جعل خطابه نخبوياً ومعقداً ومقفلًا داخل أسوار الجامعات الفرنسية، عاجزاً عن التحول إلى برنامج تنويري شعبي يشتبك مع الجماهير العربية المعزولة خلف جدران الأمية الدينية والسياسية.

عبدالله العروي (الأيديولوجيا العربية المعاصرة): كان العروي الأقرب لقلب خليفة نظراً لتبنيه المنهج التاريخي، حيث اتفق معه في أن العرب بحاجة إلى استيعاب «المرحلة الليبرالية التاريخية» قبل القفز للاشتراكية. لكن خليفة عاب عليه الإغراق في التنظير الفوقي وإغفال الخصوصيات السوسيولوجية لبعض مناطق العالم العربي (مثل منطقة الخليج العربي وتحولاتها الريعية). 

خلاصة حكم خليفة على معاصريه: يرى عبدالله خليفة أن جميع هؤلاء المفكرين الكبار أصيبوا بـ «فوبيا القطيعة الجذريّة مع الماضي»؛ فحاولوا مداهنة التراث وخطب ود الفكر الغيبي بدلاً من إعلان ثورة معرفية مادية شاملة تقطع مع العقلية الميتافيزيقية وتؤسس لعصر الأنوار العربي الحقيقي.

نافذة صغيرة

يُعد كتاب «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية» (الصادر في عدة مجلدات عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر) أحد أضخم وأهم المشاريع الفكرية الموسوعية التي أنجزها عبدالله خليفة؛ حيث يمثل هذا العمل قفزة نوعية من السرد التاريخي إلى التنظير الفلسفي الصارم وتفكيك بنية الوعي العربي على مدار قرون. إليك قراءة مفصلة وممنهجة في هذا المؤلف الموسوعي:

1. المنهج الفكري والهدف من الموسوعة الحفر في جذور الوعي: يحاول خليفة في هذا الكتاب تلمس ظاهرات الوعي العربي-الإسلامي في شقيه: الدين والفلسفة. وانطلق من الجذور الأولى الممتدة من العصر الجاهلي، مروراً بظهور الإسلام وتأسيس الدولة، وصولاً إلى تعقد البنى السياسية في العصور العباسية المتأخرة.

 تتبع التحول من الوثنية إلى التوحيد: يرى الكاتب أن الوعي العربي لم يتطور في فراغ، بل بدأ بصفة وثنية فرضتها طبيعة الحياة الرعوية والقبلية، ثم تحول وانحاز إلى الطبيعة الدينية التوحيدية. هذا التحول يدرسه الكاتب برؤية جدلية تربط الفكرة الفلسفية بالبنية الاجتماعية والاقتصادية للحقبة الزمنية.

2. ماذا يقصد بـ «الاتجاهات المثالية»؟ في القاموس الفلسفي لـ عبدالله خليفة (الدارس للماركسية والمادية التاريخية)، لا تعني «المثالية» المدح أو النقاء، بل تعني المذهب الفلسفي الذي يقدم «العقل أو الروح أو الفكرة المطلقة» على «المادة والواقع العملي». درس كيف قامت التيارات الإسلامية المختلفة بصياغة «نظريات ما وراء الطبيعة» (الميتافيزيقا). رصد كيف تم توظيف الفكر المجرد لخدمة مصالح سياسية وطبقية لمراكز النفوذ في الدولة الإسلامية المتشكلة.

3. خريطة التيارات الفكرية التي شملها التحليل: توغل خليفة في المجلدات ليقدم تشريحاً بنيوياً شاملاً لأبرز الحركات الدينية والسياسية والفلسفية، واصفاً إياها بأنها «الألوان الفكرية» التي عكست صراعات العصر، ومنها: 

المعتزلة: حلل فكرهم العقلاني باعتباره محاولة مثالية ثورية لتقديم العقل على النقل، والبحث في مفاهيم العدل والتوحيد الحر.

الأشعرية وأهل الحديث: درس صعودهم كارتداد نحو الفكر المحافظ والنقلي، وكيف ساهم ذلك في كبح جماح التطور العلمي والعقلي لقرون.

التيارات الباطنية والسياسية: (مثل الإسماعيلية، القرامطة، والإثنا عشرية)؛ حيث فكك خطاباتهم الفلسفية وربطها بحركات الاحتجاج الاجتماعي والسياسي ضد السلطة المركزية.

إخوان الصفا: أفرد مساحة لتحليل رسائلهم الشمولية، مبيناً كيف حاولوا مزج العلوم الطبيعية بالفيثاغورسية والتصوف الفلسفي لبناء يوتوبيا (مدينة فاضلة) عقلية.

4. القيمة النقدية والمفارقة في المشروع: تكمن عبقرية الموسوعة في أن عبدالله خليفة استخدم منهجاً مادياً تاريخياً صارماً لتفكيك تيارات مثالية وغيبية؛ فجرد الأفكار الفلسفية الكبرى من تجريدها العالي، ليعيدها إلى الأرض ويثبت أنها كانت تعبيراً غير مباشر عن صراع الثروة، والسلطة، وإدارة شؤون المجتمع والإنتاج في زمن العباسيين والدول التي تلتهم.

تتوزع موسوعة «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية» للمفكر عبدالله خليفة (والتي صدرت عام 2005) على عدة مجلدات أساسية. يتتبع من خلالها تطور «الوعي العربي الإسلامي» بربط صعود وهبوط التيارات الدينية والفلسفية بطبيعة الحقبات الزمنية والبنى السياسية والاجتماعية السائدة.

إليك التفصيل الهيكلي لأجزاء الموسوعة وحقباتها الفكرية: 

المجلد الأول: الجذور الأولى وتأسيس الدولة ـ الحقبة الزمنية: تمتد من المرحلة الجاهلية (قبل الإسلام) وصولاً إلى نهاية الدولة الأموية (عام 132 هـ / 750 م).

المضمون الفكري والسوسيولوجي: يدرس الجذور الأولى لتشكل الوعي العربي الذي بدأ بوثنية فرضتها الظروف الرعوية والقبلية. 

يحلل النقلة التأسيسية والنهضوية الكبرى بظهور الإسلام وتحوله نحو الطبيعة الدينية التوحيدية. 

يتناول صراع الوعي خلال نشوء الخلافة الراشدة والدولة الأموية، وكيف بدأت الانقسامات السياسية الأولى (الخوارج، الشيعة، المرجئة) تعكس ملامح المذاهب الكلامية والفلسفية المبكرة.

المجلد الثاني: الدولة العباسية وصعود الفكر الكلامي – الحقبة الزمنية: تغطي العصر العباسي الأول (القرن الثاني والثالث الهجري/ من منتصف القرن الـ 8 إلى القرن الـ 9 الميلادي).

المضمون الفكري والسوسيولوجي: يركز على مرحلة الازدهار والترجمة وتأسيس العلوم.

يفكك نشأة تيار المعتزلة كأول اتجاه عقلاني يدافع عن حرية الإرادة الإنسانية والعدل والتوحيد المجرد. يحلل في المقابل تشكل «الفكر السلفي والحديثي» وأطروحات أهل الحديث وردود أفعالهم المحافظة، مبيناً كيف كان هذا الجدال الفكري انعكاساً للصراع على شرعية السلطة العباسية ومراكز القوى الاجتماعية الصاعدة.

المجلد الثالث: تفتت الخلافة وبروز التيارات الباطنية والفلسفية – الحقبة الزمنية: ترتبط بزمن الدولة العباسية الثانية وعصر الدويلات المستقلة (القرن الرابع والخامس الهجري/ القرن الـ 10 والـ 11 الميلادي).

المضمون الفكري والسوسيولوجي: يدرس تجليات الفلسفة المرتبطة بنمو المدن والإنتاج والتجارة.

يتعمق في تحليل الحركات الفكرية-السياسية الراديكالية التي مثلت قوى اجتماعية معارضة مثل: الإسماعيلية، القرامطة، والإثنا عشرية.

يقدم قراءة سوسيولوجية في رسائل جماعة إخوان الصفا كأول مشروع موسوعي سري يحاول دمج الفلسفة اليونانية والعلوم الطبيعية بالدين لبناء تصور طوباوي بديل عن الواقع المأزوم.

يناقش ظهور الأشعرية كصيغة فكرية توفيقية تبنتها السلطة السياسية لاحقاً لكبح جماح التيارات العقلانية والباطنية.

المجلد الرابع وما يليه: تطور الفكر وتحولاته نحو العصر الحديث – الحقبة الزمنية: تمتد من عصور التراجع الفلسفي والمشرقي وصولاً إلى تطور الفكر العربي الحديث والمعاصر.

المضمون الفكري والسوسيولوجي: يتتبع مآلات الفلسفة الإسلامية بعد ضرب التيار العقلاني، ودخول الفكر في مرحلة «التصوف المثالي» والجمود النقلي.

ينتقل في فصوله الأخيرة لرصد محاولات النهضة الفكرية الحديثة والمعاصرة، وكيف اصطدم الفكر العربي الحديث بإرث «المثالية والغيبيات» القديم أثناء مواجهته لمفاهيم الحداثة الغربية.

نافذة صغيرة

كتاب «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية» للمفكر والروائي البحريني الراحل عبدالله خليفة هو مشروع فكري واسع النطاق صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2005. 

يقدم هذا العمل قراءة مادية وتاريخية نقدية لتشكل الوعي الفلسفي والديني العربي عبر عصوره المختلفة. يتألف الكتاب من اربع أجزاء رئيسية تتبع تبلور وتطور الفكر الإسلامي من الجاهلية وحتى اضمحلال الحواضر العباسية الكبرى. 

الجزء الأول: الجذور والتأسيس (من الجاهلية إلى نهاية الدولة الأموية).

يركز هذا الجزء على تلمس ظاهرات الوعي العربي ـ الإسلامي في بداياته الأولى، رابطاً الفكر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة آنذاك. 

• عصر الجاهلية: يرصد تحول الوعي من الوثنية المرتبطة بالقبيلة والبيئة الصحراوية، وكيف بدأت إرهاصات البحث عن نظام أشمل.

• الثورة المحمدية: يعتبر الكاتب الدعوة الإسلامية في مكة «النقلة النهضوية الكبرى» التي وحدت العرب ونقلتهم إلى طور التوحيد الديني والسياسي.

• الخلافة الراشدة والدولة الأموية: يدرس الصراعات الفكرية والسياسية المبكرة (مثل نشأة الخوارج والمرجئة والشيعة)؛ حيث يرى أن المثالية الفلسفية بدأت تتشكل لتبرير المواقف السياسية والطبقية للدول الناشئة، وصولاً إلى نهاية العهد الأموي. 

الجزء الثاني: العصر العباسي الأول والازدهار العقلاني

ينتقل عبدالله خليفة في الجزء الثاني إلى دراسة العصر الذهبي للترجمة والتدوين وتمازج الثقافة العربية بالثقافات اليونانية والفارسية.

• المعتزلة وعلم الكلام: يحلل صعود تيار المعتزلة كقوة فكرية اعتمدت العقل لتفسير النص، وكيف مثلت اتجاهاً مثالياً عقلانياً اصطدم لاحقاً بالقوى المحافظة.

• الفلسفة المشائية الإسلامية: يدرس النتاج الفلسفي المبكر للكندي والفارابي، مبيناً كيف حاول هؤلاء الفلاسفة التوفيق بين الدين (الوحي) والفلسفة اليونانية (العقل الأفلاطوني والأرسطي).

• البنية الاجتماعية الفكرية: يربط التحولات الفلسفية بطبيعة الاقتصاد العباسي في أوج قوته، وازدهار المدن مثل بغداد والبصرة.

الجزء الثالث: تبلور التيارات الباطنية والجمود الفكري

يواصل الكاتب في هذا الجزء رصد الخريطة السياسية والاجتماعية المعقدة في زمن الدولة العباسية الثانية وتفكك المركزية. 

الحركات الفكرية السياسية: يتوغل في تحليل التيارات التي لعبت دوراً كقوى اجتماعية معارضة أو بديلة، مثل الإسماعيلية، والإثنا عشرية، والقرامطة. 

إخوان الصفا: يفرد مساحة خاصة لجماعة إخوان الصفا ورسائلهم، موضحاً كيف دمجوا العلوم الطبيعية بالنزعة الفلسفية العرفانية (الباطنية).

الأشعرية والغزالي: يناقش التحول نحو الفلسفة الأشعرية وصعود التصوف السني (خاصة مع أبي حامد الغزالي)، وكيف ساهم هذا الاتجاه المثالي الغيبي في إضعاف النزعة العقلانية الحرة ودفع الفكر العربي نحو مرحلة من الجمود الفكري والتقليد.

في الجزء الرابع من كتاب «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية» والذي يحمل عنوان «تطور الفكر العربي الحديث»، يُعد حلقة الوصل الحيوية التي نقلت مشروع الكاتب عبدالله خليفة من تشريح الفكر القديم إلى مساءلة الخطاب الفلسفي المعاصر والنهضوي. 

إليك التفصيل الدقيق لمحاور هذا الجزء الهام، وكيف وظف فيه الكاتب منهجه النقدي:

1. بؤرة الانطلاق: التجديد والنهضة في مصر والعالم العربي

يبدأ عبدالله خليفة هذا الجزء برصد الشرارة الأولى للفكر العربي الحديث، مركزاً على البيئة الثقافية المصرية وممتداً إلى بقية الحواضر العربية. 

• الإمام محمد عبده والنهضويين: يدرس الكاتب الأفكار التجديدية والإصلاحية لرواد النهضة (مثل محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، ورفاعة الطهطاوي). يحلل خليفة محاولاتهم للتوفيق بين الإسلام والعصر، وكيف تبرز «المثالية”» لديهم في محاولة إصلاح الوعي الديني من الداخل دون تفكيك البنية الاجتماعية والاقتصادية التقليدية التي أنتجت هذا الوعي.

2. تشريح الخطابات الفلسفية المعاصرة

ينتقل الكتاب بعد ذلك لمناقشة مرحلة المأسسة الفلسفية العربية في القرن العشرين، متناولاً أبرز منتجي الفلسفة والخطاب الأكاديمي العربي ومنهم:

• زكي نجيب محمود: يحلل خليفة تبني زكي نجيب محمود للمدرسة «الوضعية المنطقية» الغربية، وكيف حاول دمج العقلانية العلمية الغربية مع التراث العربي (كما في كتابه تجديد الفكر العربي). ويرى خليفة أن هذا الاتجاه، رغم نزعته العلمية، سقط في المثالية بفصله الفكر عن الصراع الطبقي الواقعي.

• يوسف كرم: يتناول مساهماته التاريخية في تأريخ الفلسفة، ويشرح كيف صاغ خطابه انطلاقاً من خلفية فلسفية مسيحية وتأثر بالنزعات العقلانية الغربية والكلاسيكية اليونانية.

• مفكرو الخطابات المعاصرة: يمتد النقد إلى مفكري القرن العشرين الذين حاولوا إعادة قراءة التراث (مثل محمد عابد الجابري، وحسن حنفي، وحسين مروة)، مبيناً كيف تتوزع خطاباتهم بين المثالية الغيبية، والمثالية الذاتية، ومحاولات الفك والتركيب للتراث.

3. الجوهر المنهجي للجزء الرابع

في هذا الجزء، يطبق عبد الله خليفة أدواته النقدية (المتأثرة بالتحليل المادي التاريخي) ليثبت أن الفلسفة العربية الحديثة والمعاصرة لم تستطع تحقيق قطيعة معرفية كاملة مع الماضي؛ لأنها ظلت محاصرة بـ:

• النزعة التوفيقية: محاولة الموازنة المستمرة بين «الأصالة والمعاصرة» أو «الشرق والغرب».

• المثالية في التحليل: معالجة أزمة التخلف العربي باعتبارها أزمة «أفكار ونصوص» تحتاج إلى تجديد، بدلاً من رؤيتها كأزمة «بنى اجتماعية وسياسية واقتصادية» على أرض الواقع. 

يُذكر أن هذا الجزء قد صدر لاحقاً (عن دور نشر منها منشورات ضفاف وأطياف) ليمثل مسك الختام والامتداد التطبيقي لكل ما أصل له الكاتب في الأجزاء الثلاثة الأولى.

الخلاصة المنهجية:

ينظر عبدالله خليفة في كافة الأجزاء إلى «المثالية» في الفلسفة العربية ليس باعتبارها مجرد أفكار مجردة في الهواء، بل كانعكاس للصراعات الاجتماعية والسياسية على الأرض. ويرى أن الفكر العربي تراجع كلما ابتعد عن العقلانية والواقعية وانغمس في التبرير الغيبي والباطني.

مقارنة نقدية بين رؤية عبد الله خليفة ورؤية مفكر آخر (مثل حسين مروة) في قراءة التراث العربي؟

تعود المقارنة بين المفكر والروائي البحريني عبدالله خليفة والمفكر اللبناني الراحل حسين مروة (صاحب الموسوعة الشهيرة «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية») إلى كونهما ينتميان إلى المدرسة المادية التاريخية (اليسارية) في قراءة التراث العربي والإسلامي.

رغم هذه الأرضية الأيديولوجية المشتركة، إلا أن هناك فروقاً جوهرية في المنهج والأهداف والنتائج والبيئة السياسية التي عاشها كل منهما.

أولاً: نقاط الاتفاق (الأرضية الفكرية المشتركة)

  • المادية التاريخية: كلا المفكرين يرفضان قراءة التراث كأفكار معزولة هابطة من السماء. هما يربطان الفكر والصراعات الفقهية والكلامية بالبنى الاقتصادية والاجتماعية والطبقية السائدة في العصور الراشدية والأموية والعباسية.
  • ربط الفكر بالسياسة: يتفق الطرفان على أن «المثالية الفلسفية» وعلم الكلام والفرق الإسلامية (كالخوارج والمعتزلة) كانت تعبيراً غير مباشر عن صراعات قوى اجتماعية على السلطة والثروة.
  • الهدف النهضوي: القراءة لم تكن ترفاً فكرياً؛ بل محاولة لتفكيك الماضي من أجل فهم أزمة الحاضر العربي والنهوض به.

ثانياً: الفروق الجوهرية (أوجه الاختلاف)

1. محور التركيز والبحث (المادية ضد المثالية)

  • حسين مروة (البحث عن الجذور المادية): ركز مشروعه بالكامل على نبش «النزعات المادية» والعقلانية في التراث لإثبات أن الفكر العربي ليس لاهوتياً بالكامل، بل احتوى على بذور مادية وعلمية (مثل أفكار المعتزلة، ابن رشد، إخوان الصفا). كان مروة يحاول «شرعنة» الفكر التقدمي واليساري بربطه بجذور تراثية أصيلة.
  • عبدالله خليفة (تشريح البنية المثالية): ركز مشروعه (كما يظهر في عنوان كتابه) على تفكيك «الاتجاهات المثالية». هو لا يبحث عن المادة في التراث بقدر ما يبحث في «كيف تشكلت المثالية والغيبيات والباطنية» كأدوات لتبرير سيطرة السلطة والجمود الطبقي. هو يرى التراث كتاريخ من الهيمنة المثالية التي يجب تفكيكها ونقدها جذرياً وليس مجرد الاستناد إليها.

2. الموقف من «الباطنية» والتصوف والقرامطة

  • حسين مروة: كان يميل إلى منح الحركات الباطنية (كالقرامطة، والإسماعيلية، ورسائل إخوان الصفا) صبغة ثورية تقدمية ومادية؛ باعتبارها حركات مثلت كفاح الكادحين والفقراء ضد السلطة العباسية المركزية.
  • عبدالله خليفة: كان أكثر حذراً ونقداً لهذه الحركات. فرغم إقراره بجذورها الاجتماعية الاحتجاجية، إلا أنه رأى أن الفكر الباطني والعرفاني هو وجه آخر للمثالية الغيبية التي تساهم في تزييف وعي الجماهير. فالهروب نحو التأويل الباطني والغيبيات عطل النزعة العقلانية الحقيقية في الفكر العربي، وساهم في مرحلة الجمود اللاحقة.

3. طبيعة الأدوات المنهجية والأسلوب الأدبي

  • حسين مروة: التزم بصرامة أكاديمية بحثية ومنهجية ماركسية أرثوذكسية (تقليدية) في قراءة النصوص الفلسفية القديمة، مستفيداً من خلفيته الدينية القديمة كطالب سابق في حوزة النجف، مما منح تحليله الفقهي عمقاً كبيراً.
  • عبدالله خليفة: جمع بين منهج التحليل التاريخي وبين الحس السردي والروائي. كونه روائياً بالأساس، انعكس ذلك على قراءته للتاريخ؛ حيث كان يقرأ النصوص باعتبارها «خطابات» وصراعات درامية بين شخوص وقوى اجتماعية، فكان أسلوبه أكثر حيوية وتحليلاً للوعي السيكولوجي والاجتماعي للطبقات.

4. امتداد المشروع نحو العصر الحديث (القطيعة المعرفية)

  • حسين مروة: توقف مشروعه برحيله الفاجع، وانصب جهده على العصر الفلسفي الكلاسيكي (القديم) ومحاولة إيجاد ثورة عقلانية رشدية.
  • عبد الله خليفة: مد خط مشروعه إلى العصر الحديث (في الجزء الرابع). وجه نقداً لاذعاً للمجددين المعاصرين، وأوضح أن الفكر العربي الحديث فشل في إحداث قطيعة معرفية مع المثالية القديمة، فظل يدور في فلك «التوفيقية» (الأصالة والمعاصرة)، ولم يمتلك الجرأة على نقد البنى الاجتماعية والاقتصادية للواقع المعاصر بنفس درجة نقد النصوص.

جدول مقارنة سريع للتلخيص:

وجه المقارنةحسين مروةعبدالله خليفة
عنوان المشروع الأبرزالنزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلاميةالاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية
الهدف الأساسيإثبات وجود جذور مادية وعقلانية أصيلة في التراثتشريح كيفية سيطرة الفكر المثالي والغيبي وتفكيكه
الموقف من الباطنيةحركات ثورية تحمل بذوراً مادية وتقدميةحركات احتجاجية سقطت في المثالية وعطلت العقل
الامتداد الزمنيركز على العصر الإسلامي الكلاسيكي (القديم)امتد حتى تشريح الفكر العربي المعاصر (القرن 20)

تطبيق هذه المقارنة على نموذج محدد من التراث، مثل موقف كل منهما من حركة المعتزلة أو فلسفة ابن رشد؟

لتوضيح الفروق المنهجية العميقة بين عبدالله خليفة وحسين مروة، سنطبق المقارنة على حركة المعتزلة (بوصفها تمثل قمة العقلانية الكلامية) وفلسفة ابن رشد (بوصفها ذروة العقلانية الفلسفية المشائية).

أولاً: الموقف من حركة المعتزلة (عقلانية علم الكلام)

يتفق كلا المفكرين على أن المعتزلة مثلوا حركة تقدمية استخدمت العقل، لكنهما يختلفان في تفسير نهايتها وطبيعة هذا العقل:

  • حسين مروة (البحث عن الجذور المادية والثورية):
    • يرى في المعتزلة «حركة ثورية للمضطهدين» في بدايتها، تعبر عن مصالح طبقات اجتماعية صاعدة (كالتجار والحرفيين) ضد الأرستقراطية الأموية.
    • يركز على أصولهم الخمسة (مثل «العدل والتوحيد» و«الوعد والوعيد») ويرى فيها بذوراً لنظريات مادية واجتماعية تنادي بالعدالة الإنسانية والمسؤولية الحرة للإنسان عن أفعاله.
    • يعتبر مروة أن فكر المعتزلة كان يمثل «النزعة المادية العقلانية» داخل علم الكلام قبل أن تجهضها السلطة العباسية (في عهد المتوكل) لصالح الفكر الأشعري المحافظ.
  • عبدالله خليفة (تشريح النزعة المثالية والسلطوية):
    • رغم إعجابه بعقلانيتهم، إلا أنه يرى المعتزلة «ضحايا مثاليّتهم الخاصة».
    • يوضح خليفة أن المعتزلة عندما تحالفوا مع السلطة العباسية (في عهد المأمون والمعتصم) وفرضوا رأيهم بقوة الدولة (محنة خلق القرآن)، تحولوا من حركة عقلانية حرة إلى «أيديولوجيا سلطوية شمولية».
    • ينتقد خليفة عقل المعتزلة باعتباره «عقلاً مثالياً مجرداً»؛ فهم حاولوا تنزيه الإله بالعقل والنصوص، لكنهم عجزوا عن ربط هذا العقل بإصلاح الواقع الاجتماعي والاقتصادي للناس على الأرض. لذلك، عندما سقطوا سياسياً، سقطوا فكرياً لأنهم لم يغرسوا جذورهم في البنية الطبقية التحتية، بل ظلوا معلقين في فضاء النخبة المثالية.

ثانياً: الموقف من فلسفة ابن رشد (ذروة العقلانية الفلسفية)

ابن رشد هو المحطة الأهم لليسار العربي، لكن النظرة إليه تختلف بين التمجيد التاريخي والتفكيك البنيوي:

  • حسين مروة (ابن رشد كقائد للثورة المادية):
    • يعتبر مروة ابن رشد «القمة الشامخة للنزعات المادية» في الفكر العربي الإسلامي.
    • يركز على فصل ابن رشد بين الفلسفة والدين (في كتابه فصل المقال)، وعلى قوله بـ«أزلية المادة وحركتها» (في كتابه تهافت التهافت رداً على الغزالي).
    • بالنسبة لمروة، ابن رشد هو البطل التراثي الذي حرر العقل من الغيبيات والمثالية الأشعرية، ويمثل مشروعاً تنويرياً أُجهض عربياً وتبنته أوروبا (الرشدية اللاتينية) فقادها نحو النهضة.
  • عبدالله خليفة (ابن رشد بين العقلانية ومأزق النخبوية):
    • يرى خليفة في ابن رشد مفكراً عقلانياً كبيراً بالتأكيد، لكنه يضعه في سياقه الطبقي كـ«قاضي القضاة وطبيب البلاط» في الدولة الموحدية.
    • يكشف خليفة عن «المثالية النخبوية» عند ابن رشد؛ فابن رشد في فصل المقال يقسم المجتمع إلى طبقات معرفية (البرهانيين، الجدليين، والخطابيين/ العامة)، ويرى أن الفلسفة حكر على النخبة البرهانية، بينما يجب ترك العامة لإيمانهم البسيط ومخاطبتهم بالظاهر.
    • ينتقد خليفة هذا التوجه بشدة؛ لأنه يرى أن ابن رشد بفصله الفلسفة عن العامة، ساهم في عزل الفكر العقلاني وجعله رهينة في يد السلطة والحكام (الذين انقلبوا عليه لاحقاً وحرقوا كتبه). الفلسفة الرشدية عند خليفة ظلت «مثالية فوقية» لم تتحول إلى وعي شعبي يغير البنية الاجتماعية، مما جعل القضاء عليها سهلاً من قِبل القوى الأصولية والمحافظة.

الخلاصة في النموذج التطبيقي:

بينما كان حسين مروة يحاول إعادة الاعتبار للمعتزلة وابن رشد عبر إبراز جوانبهم المادية والتقدمية ليتكئ عليها الحاضر، كان عبدالله خليفة يقوم بـتشريح نقدي يوضح كيف أن مأزق هؤلاء المفكرين (سواء بالتحالف مع السلطة كالمعتزلة، أو بالانعزال عن الجماهير كابن رشد) هو ما جعل «الاتجاهات المثالية» والغيبيات تنتصر عليهم في النهاية وتدخل الوعي العربي في جموده الطويل.

قائمة المراجع والمصادر _ الجزء الأول من كتاب الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية
(1): تاريخ الشرق الأدنى القديم، د. محمد أبو المحاسن عصفور، دار النهضة العربية، بيروت 1984.
(2): أساطير من بلاد الرافدين، دار بـيسان، ترجمة د. نجوى نصر،1991.
(3): الميراث العظيم، أحمد يوسف داود، دار المستقبل، دمشق، 1991.
(4): مغامرة العقل الأولى، فرس السواح، دار علاء الدين، الطبعة العاشرة، دمشق، 1993.
(5): الإسلام وملحمة الخلق والأسطورة، تركي علي الربيعو. المركز الثقافي العربي، ط 1، 1992.
(6): أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة، سيد محمود القمني، كتاب الفكر، ط 1، 1988.
(7): تاريخ جهنم، جورج بنوا، منشورات عويدات، الطبعة الأولى، بيروت، 1996.
(8): المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي، الجزء الثاني، الفصل الثامن عشر: العرب والرومان.
(9): رب الزمان، سيد محمود القمني، الناشر مدبولي الصغير، الطبعة الأولى، 1996.
(10): النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة، سيد القمني، المركز المصري لبحوث الحضارة، الجزء الثاني، 1999.
(11): لويس عوض، مقدمة في فقه اللغة العربية، دار سينا للنشر، الطبعة الثانية، 1993.
(12): تاريخ الله: إيل _ العالي، جورجي كنعان، بيسان للنشر والتوزيع، بيروت، ط 2، 1998.
(13): فراس السواح، لغز عشتار، دار علاء الدين، الطبعة السادسة، دمشق 2002.
(14): الأحناف، عماد الصباغ، دار الحصاد للنشر والتوزيع، ط1، 1998.
(15): النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، حسين مروة، دار الفارابي، 1985.
(16): جزيرة العرب قبل الإسلام، برهان الدين دلو، ط1، بيروت، دار الفارابي، 1989.
(17): قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية، خليل عبدالكريم، سينا للنشر، 1993.
(18): الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية، خليل عبدالكريم، سينا للنشر، ط1 1990.
(19): عبدالهادي عبدالرحمن، جذور القوة الإسلامية، دار الطليعة، بيروت 1988.
(20): معالم الفكر العربي في العصر الوسيط، الدكتور كمال اليازجي، دار العلم للملايين، ط 4، 1966.
(21): الفلسفة العربية الإسلامية، د. ارثور سعدييف، دار الفارابي، ط 1، 2000.
(22): من سومر إلى التوراة، فاضل عبد الواحد علي، سينا للنشر ط 2، 1996.
(23): الفن القصصي في القرآن الكريم، محمد أحمد خلف الله، سينا للنشر، 1999.
(24): بنى المقدس عند العرب، يوسف شلحد، دار الطليعة، بيروت، 1996.
(25): فصول من تاريخ الإسلام السياسي، هادي العلوي، مركز الابحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، بيروت، 1999.
(26): العرب، تاريخ موجز، د. فيليب حتي، دار العلم للملايين، 1991.
(27): محطات في التاريخ والتراث، هادي العلوي، دار الطليعة الجديدة، 1997.
(28): مروج الذهب، المسعودي، السفر الثاني، منشورات وزارة الثـقافة السورية، دمشق، 1988.
(29): المجمع الإسلامي والسلطة في العصر الوسيط، إبراهيم حركات، أفريقيا للنشر، بيروت، 1998.
(30): العقل الفلسفي في الإسلام، د. علي شلق، دار المدى للنشر والتوزيع، بلا تاريخ.
(31): شخصيات غير قلقة في الإسلام، هادي العلوي، دار الكنوز الأدبية، 1995.
(32): الشيخ عبداللّه العلايلي مقدّمات لا محيد من درسها جيّدًا لفهم التاريخ العربي، دار الجديد، بيروت، 1994.
(33): المسيحية العربية وتطوراتها، د. سلوى بالحاج العايب، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 1977.
(34): المجتمع في مصر الإسلامية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، هويدا عبدالعظيم رمضان، 1999.
(35): ديانة مصر القديمة، أدولف ارمان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1997.
(36): هادي العلوي، فصول عن المرأة، دار الكنوز الأدبية، ط1، 1996.
(37): الله والإنسان، كارين ارمسترونغ، دار الحصاد، سوريا، 1996.
(38): الاتجاه العقلي في التفسير، حامد أبو زيد، المركز الثقافي العربي، 1996.
(39): الحضارة والتاريخ، لفاديم ميجويف، دار التقدم، 1980.
(40): علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، 1980.
(41): بوعلي ياسين، العرب في مرآة التاريخ، دار المدى، الطبعة الأولى، 1995.
(42): يوري ف. كاتشانفسكي، عبودية، إقطاعية أم أسلوب إنتاج آسيوي؟ دار الطليعة، الطبعة الأولى، بيروت، 1980.
(43): جان كازيل، تاريخ الحضارة الفينيقية الكنعانية، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، الطبعة الأولى، سنة 1998.
(44): ملامح من التلاقـح الحضاري بين الشرق والغرب، على الشوك، دار المدى للثقافة والنشر، 1996.
(45): جذور المادية الديالكتيكية: هيراقليطس، تأليف: ثيو كاريس كيسيدس، دار الفارابي، الطبعة الأولى 1987.
(46): رأس المال، المجلد الأول، الجزء الثاني، دار التقدم، طبعة موسكو سنة 1988.
(47): العصور الوسطى الباكرة، القرن الثالث _ التاسع الميلاديين، نورمان. ف. كانتور، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1993.
(48): الأديان في تاريخ شعوب العالم، سيرغى أ. توكاريف، دار الأهالي، ترجمة د. أحمد م. فاضل، الطبعة الأولى 1998.
(49): تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، د. عبدالعزيز الدوري، ط 3، مركز دراسات الوحدة العربية، 1995.
(50): سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، د. محمود إسماعيل، الجزء 3، سينا للنشر، والانتشار العربي، 2000.
(51): من قاموس التراث، هادي العلوي، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، 1988.
(52): التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي، توماس ل. طومسون، دار بيسان، ط 1، 1995.
(53): (المنجد، مادة فينيقيون ص 539، الطبعة الحادية والعشرون.
(54): جذور الاستبداد، عبد الغفار مكاوي، عالم المعرفة، العدد 192، الكويت.
(55): سلسلة عالم المعرفة: الإسلامية والمسيحية، العدد 215، 1996.
(56): فلسفة الوقف في الشريعة الإسلامية، رضوان السيد، مجلة المستقبل العربي، عدد 274، 2001.
(57): أبن خلدون المقدمة، طبعة دار العودة.
(58): الملل والنحل، أبي محمد علي بن أحمد _ ابن حزم الظاهري، دار الكتب العلمية، جزء1.
(59): فجر الإسلام، أحمد أمين، الطبعة 11.
(60): أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج 1، دار الكتاب العربي، 2007.
(61): الإمام محمد أبو زهرة، أبو حنيفة النعمان: حياته وعصره، دار الفكر العربي، ط 2.

قائمة المراجع والمصادر _ الجزء الثاني من كتاب الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامي
(1): محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط7 ، .1998
(2): جورج طرابيشي، نقد نقد العقل، نظرية العقل، دار الساقي، بيروت، ط 1،1996.
(1): د. محمود إسماعيل، فرق الشيعة بين التفكير السياسي والنفي الديني، سينا للنشر، ط1، 1995، القاهرة.
(3): العباسيون في سنوات التأسيس، عصام سخنيني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1998.
(4): الصراع الاجتماعي في الدولة العباسية، محمد نجيب أبو طالب، دار المعارف للطباعة والنشر، تونس، سنة 1990.
(5): تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، د. عبدالعزيز الدوري، ط 3، مركز دراسات الوحدة العربية، 1995.
(6): مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسعودي، وزارة الثقافة السورية، السفر الثالث، دمشق، 1989.
(7): أبن خلدون المقدمة، طبعة دار العودة، طبعات متعددة.
(8): الأديان في تاريخ شعوب العالم، سيرغى أ. توكاريف، دار الأهالي، ترجمة د. أحمد م. فاضل، الطبعة الأولى 1998.
(9): الفن الرمزي، الكلاسيكي، الرومانسي، هيغل، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، 1986، بيروت.
(10): العرب، تاريخ موجز، د. فيليب حتي، دار العلم للملايين، 1991.
(11): البيان والتبيين، دار مكتبة الهلال، ط1، 1998.
(12): عبدالعزيز الدوري، العصر العباسي الأول، دراسة في التاريخ السياسي والإداري والمالي، دار الطليعة، بيروت، ط 3، 1997.
(13): علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، 1980.
(14): سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، د. محمود إسماعيل، الجزء 1، سينا للنشر، والانتشار العربي، 2000.
(15): فلسفة الوقف في الشريعة الإسلامية، رضوان السيد، مجلة المستقبل العربي، عدد 274، 2001.
(16): مقدمة الأدب الصغير والأدب الكبير، من كتابة إنعام فوال، دار الناشر العربي، ط 2، 1996، بيروت.
(17): كليلة ودمنة، حققه وقدم له د. محمد فرشوح، دار الفكر العربي، بيروت، ط 1، 1991.
(18): بشار بن برد، دراسة وشعر، دار الرائد العربي، بيروت، 1983.
(19): معتزلة البصرة وبغداد، د. رشيد الخيون، دار الحكمة، ط2 ، 2002.
(20): الاتجاه العقلي في التفسير، حامد أبو زيد، المركز الثقافي العربي، ط 3، 1996.
(21): عبدالرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، دار العلم للملايين، ط1،1997.
(22): شوقي ضيف، العصر العباسي الأول، دار المعارف، ط 11، 1996.
(23): أحمد أمين، ضحى الإسلام، الجزء الثالث، ط 10،.1936
(24): حسين قاسم العزيز، البابكية: الانتفاضة ضد الخلافة العباسية، دار المدى، الطبعة الأولى، 2000.
(25): رسائل الجاحظ دار ومكتبة الهلال، بيروت، طبعة 1، 1987.
(26): رسائل الجاحظ، الرسائل الكلامية، دار ومكتبة الهلال، بيروت،1987، و(هذا الكتاب مختلف الكتاب السابق ذكره).
(27): معتزلة البصرة وبغداد، د. رشيد الخيون، دار الحكمة، ط 2، 2002.
(28): الموسوعة العربية العالمية، ط 2، مؤسسة أعمال الموسوعة لنشر والتوزيع، الرياض، 1999.
(29): فتح العرب لمصر، د. الفرد ج. بتلر، ط 2، مكتبة مدبولي – القاهرة، 1996.
(30): من قاموس التراث، لهادي العلوي، دار الأهالي، ط 2، 1988.
(31): مدارات صوفية، هادي العلوي، دار المدى، ط 1، 1997.
(32): شخصيات غير قلقة في الإسلام، هادي العلوي، دار الكنوز الأدبية، 1995.
(33): النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ج 2، حسين مروة، دار الفارابي، 1985.
(34): عبد الرحمن بدوي، سيدة العشق الإلهي، القاهرة 1962، ط 2.
(35): تاريخ الفلسفة الإسلامية، ت.ج. دي بور، دار النهضة.
(36): تاريخ علم المنطق، ألكسندر مالكوفسكي، دار الفارابي 1987.
(37): موجز تاريخ الفلسفة، جماعة من الأساتذة السوفييت، دار الجماهير، ط 3، 1979.
(38): ملامح الفكر الفلسفي والديني في مدرسة الإسكندرية القديمة، حربي عباس عطيتو، دار العلوم العربية، بيروت، ط1، 1992.
(39): دراسات في الفكر العربي، ماجد فخري، دار النهار للنشر، .1977
(40): رسائل الكندي الفلسفية، دار الفكر العربي، 1978.
(41): تراث الإسلام، ج 2، عالم المعرفة 1998.
(42): صور ورموز. ايلياد، ميرسيا دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1998.

قائمة المراجع والمصادر _ الجزء الثالث من كتاب الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية
(1): عبدالرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، دار العلم للملايين، ط1،1997.
(2): ناصر خسرو، أليس هانز بيرغر، دار المدى، ط1، 2003.
(3): حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس، دار ومطابع المستقبل، 1980.
(4): سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، د. محمود إسماعيل، الجزء 3، سينا للنشر، والانتشار العربي، 2000.
(5): الجامع في تاريخ العلوم عند العرب، الدكتور محمد عبدالرحمن مرحبا، منشورات عويدات، ط2، 1988.
(6): الموسوعة العربية العالمية، العلوم عند العرب، مجلد 16، جابر بن حيان، قائمة مكتشفاته في الصناعة الكيمائية ص، 461، الطبعة الثانية، 1999.
(7): الفكر الشيعي المبكر، تعاليم الإمام محمد الباقر، الرزينة ر. لالاني، دار الساقي، ط 1، بيروت، 2004.
(8): تاريخ الفلسفة الإسلامية، هنري كوربان، عويدات للنشر والطباعة، بيروت، 1998.
(9): الفلسفة العربية مدخل نقدي، الدكتور عاطف العراقي، الشركة المصرية العالمية للنشر، ط 2، 2000.
(10): الإسماعيلية في العصر الوسيط، د. فرهاد دفتري، دار المدى، ط1، 1999.
(11): الفكر الإسماعيلي في عصر الحاكم بأمر الله، بول ووكر، دار المدى، ط1، 1980.
(12): رسائل أخوان الصفا وخلان الوفاء، المجلد الأول، مقدمة بطرس البستاني دار صادر، بيروت، 2004.
(13): القرامطة بين الدين والثورة، حسن بزون، دار الانتشار العربي، ط1،1997.
(14): شجرة اليقين، تأليف الداعي القرمطي عبدان، تحقيق عارف تامر، دار الآفاق الجديدة، الطبعة الأولى، 1980.
أعلام الفلسفة العربية، كمال اليازجي وأنطون غطاس كرم، مكتبة لبنان، ط 4، 1990.
(15): مدارات صوفية، هادي العلوي، دار المدى، ط 1، 1997.
(16): أبو يزيد البسطامي، المجموعة الصوفية الكاملة، تحقيق وتقديم قاسم محمد عباس، دار المدى، ط 1، سنة 2004.
(17): الحلاج، الديوان، منشورات الجمل، ط1، 1993.
(18): مختارات من ديوان شمس الدين التبريزي، لمولانا جلال الدين الرومي، ترجمة إبراهيم الدسوقي، الهيئة العامة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2004.
(19): مواعظ سعدي، سعدي الشيرازي، الهيئة العامة، ترجمة محمد علاء الدين منصور، 2002.
(20): الموسوعة الفلسفية المختصرة، عن كتاب «الفارابي في المراجع العربية»، الدكتور حسين علي محفوظ، وزارة الإعلام العراقية، 1975.
(21): فلسفة الفارابي، د. منذر الكوثر، دار الحكمة لندن، ط1 2002.
(22): آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها، الفارابي، دار ومكتبة الهلال، الطبعة 1، بيروت، 1995.
(23): النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، دار الفارابي، الجزء الثاني، 1979.
(24): الشفاء، أبن سينا، الإلهيات 1 – 2، قدم له د. إبراهيم مدكور، حققه: الأب قنواتي وسعيد زايد، لا تاريخ للطبع ولا أسم الدار، ج 1.
(25): الفلسفة العربية عبر التاريخ، رمزي نجار، دار الافاق الجديدة، بيروت، 1979.
(26): (تاريخ الفلسفة في الإسلام، ت. ج. دي بور، دار النهضة العربية، بيروت، ط 3.
(27): أبن سينا كتاب السياسة، نقلاً عن «القول السياسي في الفلسفة السينوية» مجلة العلوم الإنسانية الصادرة عن جامعة البحرين، العدد 5، شتاء 2002، البحرين.
(28): أبو بكر الرازي، عزيز العظمة، رياض الريس للكتب والنشر، ط 1، بيروت، 2001.
(29): المنقذ من الضلال، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1993.
(30): تهافت الفلاسفة، دار ومكتبة الهلال، الطبعة الأولى، بيروت، 2002.
(31): مذاهب فلاسفة المشرق، دكتور عاطف العراقي، دار المعارف، ط 11، 1999.
(32): حي بن يقظان، دار ومكتبة الهلال، ط1، بيروت، 1993.
(33): جورج طرابيشي، وحدة العقل العربي الإسلامي، دار الساقي، ط1، 2002.
(34): تدبير المتوحد، ابن باجة، سراس للنشر، تونس، 1994.
(35): ابن رشد، فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، دار المشرق، بيروت ط5 ، 1999.
(36): نظرية ابن رشد في النفس والعقل محمود فهمي زيدان من كتاب الفيلسوف ابن رشد مفكراً عربياً كتاب تذكاري من إصدار المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1993.
(37): العلوم الطبيعية في فلسفة ابن رشد، د. حسن مجيد العبيدي، دار الطليعة، بيروت، ط 1، 1995.
(38): تلخيص السياسة، ابن رشد، ط1، دار الطليعة، 1998.
(39): منطق ابن خلدون، علي الوردي، دار كوفان للنشر، ط 2، 1994.
(40): ابن تميمة، المنتخب من مدونات التراث، عزيز العظمة، رياض الريس للكتب والنشر، 2000.
(41): نظرية الحركة الجوهرية عند الشيرازي، هادي العلوي، دار الطليعة، ط1، 1983.
(42): اتحاد العاقل والمعقول، صدر الدين الشيرازي، دار المدى، 2004.
(43): أحمد أمين ظهر الإسلام، دار الكتاب العربي، ج 1.
(44): العهد القديم، سفر التكوين.

قائمة المراجع والمصادر _ الجزء الرابع من كتاب الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية
(1): تاريخ الأقطار العربية الحديث، لوتسكي، دار الفارابي، ط1، 1985.
(2): الإصلاح والنهضة، قضايا وحوارات النهضة العربية، القسم الثاني، إعداد وتقديم: محمد كامل الخطيب، منشورات وزارة الثقافة السورية، 1992.
(3): المجتمع العربي في القرن العشرين، الدكتور حليم بركات، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2000.
(4): الفكر العربي في عصر النهضة، ألبرت حوراني، دار النهار للنشر، ط 3، 1977.
(5): العقل والتنوير، عاطف العراقي، دار قباء، 1998.
(6): طبائع الاستبداد، عبدالرحمن الكواكبي، دار المدى، سلسلة الكتاب للجميع، 2002.
(7): تلخيص الإبريز، دار المدى، رفاعة رافع الطهطاوي. دار المدى، سلسلة الكتاب للجميع، 2002.
(8): حضور التراث العربي في كتابات الطهطاوي، رضوان السيد، مجلة الاجتهاد، العدد الخامس والخمسون والسادس والخمسون، 2002.
(9): الدين والعلم والمال، فرح أنطون، دار المدى، كتاب للجميع، 2002.
(10): الأجنحة المتكسرة، جبران خليل جبران، دار المدى، 2003.
(11): لعازر وحبيبته، جبران خليل جبران، دار النهار، 2002.
(12): نشأة الفلسفة العلمية، تأليف هانز ريشنباخ، ترجمة فؤاد زكريا، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، ط 2، 1979.
(13): مستقبل الثقافة في مصر، مطبعة المعارف ومكتبتها بمصر، بلا تاريخ، الجزء الأول.
(14): الإسلام بين التنوير والتزوير، محمد عمارة، دار الشروق، 2002.
(15): الإيديولوجيا العربية المعاصرة، عبدالله العروي، ط 1، المركز الثقافي العربي، 1995.
(16): (هؤلاء علموني، دار الجيل للطباعة، ط 3، 1965.
(17): اعترافات لويس عوض، أوراق العمر، عرض أحمد محمد عطية، أخبار الخليج، 24.7.1990.
(18): بحث حسني محمود في مؤتمر المشروع الثقافي للويس عوض، القاهرة، بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله.
(19): لويس عوض، مقدمة في فقه اللغة العربية، دار سينا للنشر، الطبعة الثانية، 1993.
(20): إبراهيم عبدالمجيد اللبان، الفلسفة والمجتمع الإسلامي، الصادر عام 1949.
(21): الفلسفة في معركة الإيديولوجية، ناصيف نصار، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1986.
(22): موقف من الميتافيزيقيا، د. زكي نجيب محمود، دار الشروق، ط 4، 1993.
(23): تجديد الفكر العربي، د. زكي نجيب محمود، دار ومكتبة الهلال، ط 9، 1993.
(24): العقل والوجود، يوسف كرم، دار المعارف بمصر، 1964.
(25): الخطاب الفلسفي في مصر، أحمد عبدالحليم عطية، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 2001.
(26): الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، عبدالرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، ط1، 1947.
(27): من تاريخ الإلحاد في الإسلام، عبدالرحمن بدوي، سينا للنشر ط 2، 1993.
(28): دراسات في الفلسفة الوجودية، الدكتور عبدالرحمن بدوي، المؤسسة العربي للدراسات والنشر، ط1، 1980.
(29): فلسفتنا، محمد باقر الصدر، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1979.
(30): اقتصادنا، محمد باقر الصدر، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1996.
(31): التراث والتجديد، المجلد الأول، حسن حنفي، مكتبة مدبولي، بدون تاريخ أو رقم للطبعة.
(32): دعوة للحوار، حسن حنفي، الهيئة العامة للكتاب، 1993.
(33): من العقيدة إلى الثورة، حسن حنفي، مكتبة مدبولي، الطبعة الأولى، 1988.
(34): محاضرة بنادي العروبة بالبحرين، لـ د. حسن حنفي ونشرت في جريدة أخبار الخليج يوم 24/3/95.
(35): جريدة الرأي العام الكويتية، حسن حنفي: بعد الصحوة الإسلامية لسنا في حاجة لقراءة ليبرالية، تاريخ 19/1/1997.
(36): رهانات النهضة في الفكر العربي، ماهر الشريف، دار المدى، 2000.
(37): رأس المال، كارل ماركس، المجلد الأول، دار التقدم موسكو، الطبعة الأولى، 1985.
(38): خلاصات في السياسة والفكر السياسي في الإسلام، هادي العلوي، دار المدى، 1999.
(39): حوار الحاضر والمستقبل، هادي العلوي، دار الطليعة الجديدة، الطبعة الاولى، دمشق، 1999.
(40): أزمة الحضارة العربية أم أزمات البرجوازيات العربية؟ الطبعة السابعة، دار الفارابي، ببيروت، 2002.
(41): (جورج لوكاش، تحطيم العقل، جزء1، دار الطليعة، ص 76 – 77. ملاحظة: هذا المرجع لم نجده ضمن المصادر المتوفرة في مكتبة عبدالله خليفة. “المشرف على إعداد الكتاب للنشر”).
(42): الفلسفة المعاصرة في أوربا، إ. م. بوشنسكي، عالم المعرفة، العدد 165، الكويت، 1992.
(43): برجسون، زكريا إبراهيم، دار المعارف، سلسلة نوابغ الفكر الغربي 3، مصر، 1998.
(44): الفلسفة العربية المعاصرة، مواقف ودراسات، مجموعة مؤلفين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1988.
(45): العرب والفكر التاريخي، عبدالله العروي، دار الحقيقة، ط 3، 1980.
(46): الثابت والمتحول، أدونيس، دار الساقي، ج 1، ط 8، 2002.
(47): الصوفية والسريالية، أدونيس، دار الساقي، ط 2، 1995.
(48): علي شريعتي وتجديد التفكير الديني، دار الأمير، بيروت.
(49): علي شريعتي، دين ضد الدين، دار الأمير، بيروت.
(50): (التشيع العلوي، علي شريعتي، دار الأمير.
(51): مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة، ابو الاعلى المودودى، الدار السعودية للنشر والتوزيع 1985.
(52): تثوير القرآن، جمال البناء، دار الفكر الإسلامي، بلا تاريخ.
(53): إسلام ضد الإسلام، الصادق النيهوم، كتاب الناقد، 1995.
(54): التراث في ضوء العقل، محمد عمارة، دار الوحدة، ط 1، بيروت، 1980.
(55): الإسلام بين التنوير والتزوير، محمد عمارة، دار الشروق، ط 2، 2002.
(56): معركة المصطلحات.. بين الغرب والإسلام، الحلقة الثانية، جريدة الشرق، 30 يناير 1997.
(57): محمد عمارة ومخاتلة النص، علي حرب، جريدة الحياة، 28 أكتوبر 1991.

تنبيه للقراء والباحثين

“تنبيه للقراء والباحثين: نظراً لمشاكل تقنية في محرك غوغل، يرجى تصفح الموقع الرسمي للروائي عبدالله خليفة مباشرة عبر كتابة الرابط (https://abdullakhalifa.com) في متصفح Edge أو Bing، أو بالضغط مباشرة على هذا الرابط”.

رأس المال الحكومي الشرقي: قراءة في أطروحة عبدالله خليفة

يُعد كتاب رأس المال الحكومي الشرقي للكاتب والروائي البحريني الراحل عبدالله خليفة عملاً فكرياً ذا طابع تركيبي، إذ يجمع بين التحليل الاقتصادي، والنقد السياسي، والتأمل التاريخي في مسارات تطور المجتمعات الشرقية الحديثة. ولا يكتفي الكتاب بإعادة عرض المفاهيم الماركسية التقليدية، بل يسعى إلى إعادة اختبار صلاحيتها في بيئات تاريخية واجتماعية لم تتطابق مع المسار الأوروبي لنشوء الرأسمالية. ومن ثمّ، تنبع أهمية هذا العمل من محاولته صياغة مفهوم تفسيري خاص هو «رأس المال الحكومي الشرقي»، بوصفه شكلاً من أشكال التراكم الرأسمالي الذي تنشأ فيه الدولة لا كحارس خارجي للسوق فحسب، بل كمالك وموزع وموجه ومحتكر للفائض الاقتصادي. وقد صدر الكتاب في طبعته عن منشورات ضفاف، يقع في 408 صفحة ، بما يعكس اتساع مادته وتعدد مستوياتها النظرية والتطبيقية.

أولاً: الإطار العام للكتاب

ينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أن تطور الرأسمالية في الشرق لم يسر على النمط الغربي نفسه. ففي حين نشأت الرأسمالية الغربية تاريخياً عبر الإنتاج الحرفي ثم المانيفاكتورة فالصناعة الآلية، تشكّل رأس المال في الشرق غالباً عبر الدولة وأجهزتها البيروقراطية، لا عبر برجوازية مستقلة قادرة على تحدي السلطة السياسية أو بناء تقاليد ديمقراطية راسخة.

وتكمن القيمة المنهجية لهذه الفرضية في أنها تنقل النقاش من المقارنة السطحية بين «الشرق» و«الغرب» إلى تحليل البنية التاريخية التي تحدد موقع الدولة داخل عملية الإنتاج والتوزيع. فالرأسمالية، في تصور خليفة، ليست شكلاً واحداً متجانساً، بل تتخذ صوراً متعددة تبعاً لموقع الملكية، وطبيعة الفائض، والعلاقة بين السلطة السياسية والطبقات الاجتماعية. لذلك يصبح فهم الدولة الشرقية شرطاً لفهم الاقتصاد نفسه، لأن جهاز الدولة لا يعمل هنا كإطار قانوني محايد، بل كقوة مادية مباشرة في إنتاج الثروة وتوزيعها وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة.

ثانياً: المحاور الفكرية الرئيسية

·  قراءة جديدة للماركسية: يعيد خليفة توظيف أدوات التحليل الماركسي، وخاصة المادية التاريخية، لفهم بنى شرقية لا تنطبق عليها القراءة الغربية الكلاسيكية بصورة مباشرة.
·  تحليل أسلوب الإنتاج الشرقي: يدرس الكتاب كيف تتداخل الدولة، والملكية العامة، والريع، والبيروقراطية في تشكيل الاقتصاد والمجتمع.
·  الرأسمالية الحكومية: يوضح أن الدولة في الشرق تتحول إلى رأسمالي أكبر يحتكر الفائض الاقتصادي ويوجهه وفق مصالح سياسية وإدارية.
· أزمة الليبرالية العربية: يرى أن التجارب الليبرالية في المنطقة كانت قصيرة ومحدودة لأنها لم تستند إلى قاعدة إنتاجية مستقلة أو برجوازية وطنية ديمقراطية.
·  تأثير البنى الفكرية والسياسية: يربط الكتاب بين الاستبداد السياسي، والبنى التقليدية، والتحولات الاقتصادية التي تعيق نشوء مجتمع مدني مستقل.

لا تُعرض هذه المحاور في الكتاب بوصفها قضايا منفصلة، بل باعتبارها مستويات متداخلة لتحليل ظاهرة واحدة. فالملكية العامة، حين تنفصل عن الرقابة الشعبية والمؤسسات الديمقراطية، لا تؤدي بالضرورة إلى تجاوز الرأسمالية، بل قد تتحول إلى صيغة أكثر تركيزاً من السيطرة الاقتصادية. وبالمثل، فإن الخطابات القومية أو الاشتراكية أو التنموية قد تؤدي وظيفة أيديولوجية مزدوجة: فهي من جهة تعلن الانحياز إلى التحرر والعدالة، لكنها من جهة أخرى قد تبرر توسيع سلطة الدولة واحتكارها للقرار الاقتصادي باسم المصلحة العامة أو السيادة الوطنية.

ثالثاً: الرأسمالية الحكومية وتجارب الاشتراكية

يقدم خليفة نقداً مغايراً للتجارب التي أعلنت تبنيها للاشتراكية، مثل الاتحاد السوفيتي وكوبا وبعض تجارب أمريكا اللاتينية. فهو يرى أن هذه النماذج لم تحقق اشتراكية ديمقراطية بالمعنى التحرري، بل أنشأت صوراً من رأسمالية الدولة، حيث احتكر جهاز الدولة وسائل الإنتاج والفائض الاقتصادي، وحلّت البيروقراطية محل الرأسمالي الخاص دون أن تنتقل السلطة الفعلية إلى الطبقة العاملة.

ويستند هذا النقد إلى تمييز جوهري بين الملكية القانونية لوسائل الإنتاج والملكية الاجتماعية الفعلية لها. فانتقال المصانع والأراضي والمؤسسات الكبرى إلى يد الدولة لا يعني تلقائياً انتقالها إلى المجتمع، ما لم تقترن هذه العملية بأشكال من الرقابة الديمقراطية والمشاركة العمالية والمساءلة المؤسسية. ومن هنا يتعامل خليفة مع التجارب الاشتراكية الرسمية باعتبارها تجارب انتقال غير مكتملة، ألغت الرأسمالي الخاص في قطاعات واسعة، لكنها أبقت علاقة السيطرة قائمة من خلال جهاز إداري مركزي يقرر نيابة عن المجتمع.

  • رأسمالية الدولة بدلاً من الاشتراكية: تحولت الدولة إلى المالك الأوحد لرأس المال، بينما ظل العمال خارج إدارة وسائل الإنتاج.
  • تغوّل البيروقراطية: تشكلت طبقة إدارية وحزبية تستحوذ على القرار الاقتصادي والسياسي.
  • إضعاف المجتمع المدني: جرى دمج النقابات والحركات الشعبية في جهاز الدولة، ففقدت استقلالها وقدرتها على الرقابة والمبادرة.
  • تعطيل القوى الإنتاجية: أدى التخطيط المركزي الجامد وغياب الديمقراطية الاقتصادية إلى أزمات بنيوية وعجز عن الابتكار.

رابعاً: المقارنة بين التجارب الاشتراكية والقومية العربية

يعقد الكتاب مقارنة بين رأسمالية الدولة في التجارب الاشتراكية وبين تجلياتها في الأنظمة القومية العربية. ورغم اختلاف الشعارات بين الاشتراكية الأممية، والقومية، والتنمية الوطنية، إلا أن البنية العميقة تبدو متقاربة: دولة مركزية تحتكر الثروة، وتستوعب المجتمع في أجهزتها، وتعيد إنتاج السيطرة عبر البيروقراطية والولاءات السياسية.

وتفيد هذه المقارنة في إبراز أن الإشكال لا يكمن في اللغة الأيديولوجية المعلنة للنظام السياسي، بل في نمط تمركز الثروة والقرار. فقد رفعت أنظمة كثيرة شعارات العدالة الاجتماعية، والتحرر الوطني، والتصنيع، ومقاومة الاستعمار، لكنها أبقت المجتمع في موقع التلقي والاعتماد على الدولة. وبذلك تحولت الدولة إلى وسيط شامل بين الفرد والعمل، وبين المواطن والموارد، وبين الجماعات الاجتماعية ومجال الفعل السياسي، الأمر الذي حدّ من إمكان نشوء قوى اجتماعية مستقلة قادرة على مساءلة السلطة أو تعديل مسار التنمية.

أوجه التشابه

·   احتكار الدولة أو الحزب لوسائل الإنتاج والثروة.
·  تحول البيروقراطية إلى طبقة مسيطرة بديلة.
·  إضعاف المبادرات العمالية والنقابية والمدنية المستقلة.
·  استخدام الشعارات التحررية لتبرير السيطرة المركزية على المجتمع.

أوجه الاختلاف

·  اعتمدت التجربة الكوبية والسوفيتية على التخطيط المركزي والتصنيع والدعم الخارجي في مراحل معينة.
·  ارتبطت الرأسمالية الحكومية في الخليج والعالم العربي غالباً بالريع النفطي أو التجاري، وبالدولة التوزيعية التي تمنح الرواتب والخدمات والامتيازات.
·  حافظت بعض النماذج الاشتراكية على تماسك أيديولوجي أطول، بينما تحولت نماذج عربية كثيرة إلى صيغ طائفية أو عائلية أو شبكات محاسيب.

خامساً: الخليج والبحرين بوصفهما تطبيقاً عملياً

يمثل تحليل الخليج والبحرين أحد أهم تطبيقات أطروحة الكتاب. فالدولة الريعية، في قراءة خليفة، لا تكتفي بإدارة الموارد، بل تصوغ البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من خلال احتكار الثروة وتوزيعها. وبذلك تنشأ علاقة تبعية عميقة بين المجتمع والدولة، وتضعف إمكانية تشكل قوى إنتاجية أو طبقات مستقلة قادرة على الدفع نحو تحول ديمقراطي حقيقي.

وتكتسب الحالة الخليجية أهمية خاصة لأنها تكشف، بدرجة عالية من الوضوح، العلاقة بين الريع والسياسة. فالريع النفطي لا ينتج فقط مورداً مالياً ضخماً، بل ينتج كذلك بنية اجتماعية مخصوصة تقوم على التوزيع، والوظيفة العامة، والدعم، والإنفاق الحكومي، والامتيازات الاقتصادية المرتبطة بالقرب من الدولة. وبهذا المعنى، لا يعود الاقتصاد مجالاً مستقلاً تتنافس فيه قوى إنتاجية متعددة، بل يصبح امتداداً لشبكة السلطة، حيث تتحدد فرص الصعود الاجتماعي والاقتصادي غالباً عبر العلاقة بالمؤسسة الرسمية أو بشبكاتها الإدارية والسياسية.

  • بورجوازية الدولة: ينشأ القطاع الخاص غالباً من المناقصات والامتيازات والإنفاق الحكومي، لا من استقلال اقتصادي حقيقي.
  • التراكم الريعي: يقوم الاقتصاد على عوائد النفط والغاز والمال والعقار، أكثر مما يقوم على إنتاج وطني عميق.
  • الدولة التوزيعية: تتحول السلطة إلى جهة مانحة للرواتب والخدمات والأعطيات، بما يربط الاستقرار الاجتماعي بالولاء السياسي.
  • تسييس الانقسامات التقليدية: عند الأزمات، تُعاد تعبئة الولاءات الطائفية أو القبلية أو العائلية لضبط المجتمع.
  • مأزق الطبقة العاملة: تتوزع العمالة المحلية بين الوظائف الحكومية غير الإنتاجية ومنافسة العمالة الوافدة في القطاع الخاص، مما يضعف الوعي النقابي والطبقي المستقل.

سادساً: نمط الإنتاج الآسيوي والاقتصاد الريعي

يربط خليفة بين مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي كما تناوله ماركس وبين اقتصادات النفط المعاصرة. ففي النمط القديم كانت الدولة تهيمن على مورد الحياة الأساسي، مثل الماء وأنظمة الري. أما في الخليج الحديث، فقد حل النفط محل الماء بوصفه المورد المركزي الذي تحتكره الدولة وتعيد عبره تشكيل المجتمع.

وتسمح هذه المقاربة بقراءة الاقتصاد الريعي لا بوصفه ظاهرة مالية فحسب، بل بوصفه نمطاً اجتماعياً وسياسياً لإعادة إنتاج السلطة. فالريع يخفف الحاجة إلى فرض ضرائب واسعة على المجتمع، لكنه في المقابل يضعف مطلب التمثيل والمساءلة، لأن العلاقة بين الدولة والمجتمع لا تقوم على عقد ضريبي واضح، بل على علاقة توزيع ورعاية. ومن ثمّ، يصبح الإصلاح الاقتصادي غير منفصل عن الإصلاح السياسي، إذ لا يمكن تفكيك التبعية الريعية دون بناء مؤسسات قادرة على تحويل الثروة العامة إلى مجال للمشاركة والرقابة والتخطيط الديمقراطي.

  • من الري إلى النفط: انتقلت السيطرة من إدارة الماء والأرض إلى احتكار الطاقة والثروة السيادية.
  • من الخراج إلى الريع: لم يعد الفائض ينتزع فقط من المنتجين المحليين، بل يأتي من بيع النفط في السوق العالمي ثم يعاد توزيعه داخلياً.
  • من المجتمع المنتج إلى المجتمع الريعي: يؤدي الاعتماد على التوزيع إلى إضعاف المبادرة الإنتاجية وربط الاستقرار بالإنفاق الحكومي.
  • جمود البنية الاجتماعية: يتيح المال الريعي امتصاص التوترات وتأجيل الإصلاحات، لكنه يعمق التبعية ويضعف المجتمع المدني.

سابعاً: الصين والهند وروسيا في منظور المقارنة

لا يحصر خليفة أطروحته في المنطقة العربية؛ بل يوسعها لتشمل نماذج كبرى في الشرق مثل روسيا والصين والهند، حيث تتخذ الرأسمالية الحكومية أشكالاً مختلفة بحسب التاريخ السياسي والاجتماعي لكل بلد.

وتكشف المقارنة بين هذه النماذج عن مرونة مفهوم الرأسمالية الحكومية الشرقية. فهو لا يشير إلى صيغة جامدة واحدة، بل إلى عائلة من التشكيلات التي تتفاوت في درجة تدخل الدولة، وحجم القطاع الخاص، وطبيعة الشرعية السياسية، ومستوى الانفتاح على السوق العالمي. غير أن القاسم المشترك بينها يتمثل في احتفاظ الدولة بالسيطرة على القطاعات الاستراتيجية، وفي قدرتها على توجيه مسارات التراكم، سواء عبر التخطيط المباشر، أو عبر التحالف مع رأس المال الخاص المحلي والعابر للحدود.

  • روسيا: يرى أن التجربة السوفيتية أسست رأسمالية دولة احتكارية، ثم تحولت بعد الانهيار إلى اقتصاد تسيطر فيه الدولة على قطاعات الطاقة والمعادن عبر تحالفها مع الأوليغارشية.
  • الصين: تمثل في نظره النموذج الأنجح للرأسمالية الحكومية الشرقية، إذ قاد الحزب الشيوعي تحولاً رأسمالياً واسعاً مع احتفاظ الدولة بالسيطرة على المفاصل الكبرى للاقتصاد.
  • الهند: تقدم حالة مركبة تجمع بين الديمقراطية، والإرث الطبقي والطائفي، وتدخل الدولة، وتحالفات رأس المال الخاص مع النخب السياسية.

ثامناً: السجال مع اليسار العربي ومهدي عامل

أثار مشروع عبدالله خليفة نقاشاً واسعاً داخل أوساط اليسار العربي والخليجي، لأنه أعاد توجيه النقد من البرجوازية الخاصة أو الرأسمال الكولونيالي وحدهما إلى الدولة البيروقراطية بوصفها مركز السيطرة الاقتصادية والسياسية في الشرق. وفي هذا السياق، انتقد خليفة أطروحات مثل «نمط الإنتاج الكولونيالي» عند مهدي عامل، معتبراً أنها تفسر التخلف والاستبداد بردهما أساساً إلى الاستعمار، بينما يغفل هذا التفسير الجذور الداخلية والبنى التاريخية التي أعادت إنتاج الاستبداد في المنطقة.

ويكتسب هذا السجال أهميته من أنه يعيد ترتيب الأسئلة التي شغلت الفكر اليساري العربي: هل يكفي رد التخلف إلى الاستعمار والتبعية الخارجية؟ أم ينبغي تحليل البنى الداخلية التي أعادت إنتاج السيطرة بعد الاستقلال؟ ومن هذا المنظور، لا ينفي خليفة أثر الاستعمار أو السوق العالمي، لكنه يرفض أن يتحولا إلى تفسير شامل يعفي الدولة الوطنية من النقد. فالدولة، في تحليله، ليست مجرد ضحية لبنية عالمية غير عادلة، بل قد تكون فاعلاً مركزياً في تثبيت علاقات الاستغلال والتبعية داخلياً.

  • نقد التبعية الكولونيالية وحدها: لا ينكر خليفة أثر الاستعمار، لكنه يرى أن تفسير الأزمة به وحده يحجب دور الدولة المحلية في احتكار الثروة والسلطة.
  • إعادة تعريف الخصم الطبقي: في المجتمعات الريعية، لا تكون البرجوازية الخاصة هي القوة المركزية دائماً؛ بل غالباً ما تكون الدولة هي الرأسمالي الأكبر.
  • نقد الرغبة في ثورة عمالية جاهزة: يرى أن بنية الريع والوظائف الحكومية والعمالة الوافدة لا تنتج طبقة عاملة صناعية على النمط الغربي التقليدي.
  • أولوية الديمقراطية والحريات: يؤكد أن تفكيك رأس المال الحكومي لا يتم بتبديل النخب فقط، بل ببناء حريات سياسية ومجتمع مدني قادر على مراقبة الثروة العامة.

تاسعاً: البعد الأيديولوجي للرأسمالية الحكومية

لا يدرس الكتاب الرأسمالية الحكومية بوصفها بنية اقتصادية فقط، بل يربطها أيضاً بالأنساق الأيديولوجية التي تبررها وتمنحها الشرعية. فقد ارتبط صعود هذا النمط في مراحل مختلفة بخطابات قومية، وبعثية، وماركسية رسمية، ثم بخطابات طائفية أو هوياتية في مراحل لاحقة. وتؤدي هذه الخطابات وظيفة أساسية في إخفاء التناقض بين الملكية العامة المعلنة والسيطرة البيروقراطية الفعلية، كما تساعد على تحويل المطالب الاجتماعية إلى ولاءات سياسية أو انقسامات أيديولوجية تُضعف وحدة المجتمع وقدرته على إنتاج بدائل ديمقراطية.

ومن هنا يمكن فهم إصرار خليفة على ضرورة النقد الذاتي داخل التيارات اليسارية والقومية. فالمشكلة لا تكمن في استخدام مفاهيم كبرى مثل التحرر أو العدالة أو الاشتراكية، بل في تحويلها إلى صيغ مغلقة تعجز عن مساءلة الواقع المتغير. وبقدر ما تتحول النظرية إلى عقيدة جاهزة، تفقد قدرتها على التحليل وتصبح جزءاً من جهاز التبرير. لذلك يدعو مشروع خليفة، في جوهره، إلى ماركسية نقدية مفتوحة، قادرة على مراجعة أدواتها وتكييفها مع خصوصية البنى الشرقية بدلاً من إسقاط نماذج جاهزة عليها.

الخلاصة

تتمثل أطروحة رأس المال الحكومي الشرقي في أن الدولة الشرقية الحديثة لم تكتفِ باستيراد أدوات الرأسمالية الغربية، بل أعادت تشكيلها بما يلائم تاريخها السياسي والاجتماعي، فغدت الدولة مركزاً للتملك والتوزيع والتوجيه والضبط. ومن هنا يرى عبدالله خليفة أن مأزق التنمية والديمقراطية في الشرق لا يعود إلى نقص التخطيط أو ضعف الإدارة فحسب، بل إلى بنية تاريخية تجعل الدولة مالكاً وموزعاً وموجهاً ومحتكراً في آن واحد. ولذلك فإن تجاوز هذا المأزق لا يتحقق بمجرد تغيير الشعارات أو تبديل النخب الحاكمة، بل يتطلب بناء مجال عام مستقل، وتحرير المجتمع المدني، وتوسيع الحريات السياسية، وإخضاع الثروة العامة للرقابة الديمقراطية. وبهذا المعنى، يقدّم الكتاب إسهاماً نقدياً في فهم العلاقة بين الدولة والاقتصاد في المجتمعات الشرقية، كما يفتح أفقاً نظرياً لمراجعة التجارب القومية والاشتراكية والريعية من منظور يربط التحرر السياسي بالتحول الإنتاجي والاجتماعي العميق.

المراجع المقترحة

——————

1.   عبدالله خليفة. رأس المال الحكومي الشرقي. منشورات ضفاف/منشورات الاختلاف، ط1، 2015. ويُعد هذا المرجع المصدر المركزي للنص، إذ يقدّم خليفة أطروحته حول تشكّل رأس المال في الشرق من خلال الدولة وأجهزتها البيروقراطية، مع تطبيقات على روسيا والصين ومصر ودول الخليج.

2.   Marx, Karl. Capital: A Critique of Political Economy. Vol. 1. Penguin Classics, 1990. يفيد هذا المرجع في تأصيل مفاهيم رأس المال، وفائض القيمة، وعلاقات الإنتاج التي يستند إليها خليفة في إعادة قراءة المسار الشرقي للرأسمالية.

3.   Marx, Karl. Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy. Penguin Classics, 1993. يقدّم هذا العمل خلفية مهمة لمناقشة أشكال ما قبل الرأسمالية، ومن بينها الإشارات النظرية إلى أنماط الإنتاج الشرقية والآسيوية.

4.   مهدي عامل. مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني. دار الفارابي، بيروت. يُعد هذا المرجع ضرورياً لفهم السجال النظري بين أطروحة عبدالله خليفة وبعض أطروحات اليسار العربي حول التبعية ونمط الإنتاج الكولونيالي.

5.   مهدي عامل. في نمط الإنتاج الكولونيالي. دار الفارابي، بيروت. يفيد هذا الكتاب في مقارنة مفهوم «نمط الإنتاج الكولونيالي» مع مفهوم «رأس المال الحكومي الشرقي» كما يعالجه خليفة.

كتاب : تطور الأنواع الأدبية العربية

تطورُ الأنواعِ الأدبيةِ العربية
دراسة تحليلية للأنواع من الشعر الجاهلي والقرآن حتى الأدب المعاصر، وهي دراسة مكثفة فكرية تكشف علاقة التداخل بين النصوص العربية والصراع الاجتماعي، صدر سنة 2016.

أبرز أفكار الكتاب (تطور الأنواع الأدبية العربية):

رؤية نقدية: يرى خليفة في كتابه الصادر (طبعات متعددة، منها 2016-2017) أن الأنواع الأدبية ليست مجرد قوالب شكلية، بل تعبير عن قدرة المجتمع على التطور الثقافي، والانتقال من مرحلة “الأنا المركزية” إلى تنوع الأصوات، والحوار، والنقد.

التحليل التاريخي والاجتماعي: يربط الكتاب بين تطور الأشكال الأدبية وبين سياقاتها الاجتماعية والدينية، حيث يحلل كيف تشكل الشعر، والقصة، والنصوص الدينية والمسرحية، بناءً على تحولات الصراع الاجتماعي وتمركز السلطة أو تفتتها.

تحديات الأنواع الأدبية: يطرح الكتاب إشكالية عدم اكتمال الأنماط الثلاثة الثقافية (الدراما، الملحمة، الشعر الغنائي الحر) كأنواع مستقلة ومتنامية في التراث العربي، ويعزو ذلك إلى هيمنة الظروف البدوية، وسيطرة شيوخ القبائل، وتمركز السلطة الدينية والسياسية، مما جعل النوع الغنائي هو الغالب.

تطور النثر والسرد: يتناول الكتاب أيضاً تطور الوعي القصصي العربي، مشيراً إلى أن “ألف ليلة وليلة” شكلت سيرورة سحرية تضافرت فيها العجائبية مع المشهديات المسرحية.

منظور ماركسي: يُعرف عن عبدالله خليفة دراساته النقدية ذات التوجه الماركسي، ويسلط الكتاب الضوء على علاقة الأدب بـ “بسلطة المال ” والتحولات الفكرية والاقتصادية.
نافذة صغيرة:
يُعد كتاب «تطور الأنواع الأدبية العربية» (الصادر بـطبعات متعددة منها 2015-2016) من أعمق المقاربات النقدية التي قدمها المفكر البحريني الراحل عبدالله خليفة. يطرح الكتاب رؤية تفكيكية جديدة لتاريخ الأدب العربي تربط النص الأدبي بحركة المجتمع والصراع الطبقي والسياسي.

إليك ملخصاً شاملاً لمحاور هذا الكتاب الشهير، يليه استعراض لأبرز دراساته النقدية والفكرية الأخرى:

أولاً: ملخص كتاب «تطور الأنواع الأدبية العربية» يرتكز الكتاب على أطروحة مركزية مفادها أن الأنواع الأدبية ليست مجرد قوالب شكلية جامدة لرصف الكلام وتجميع المعاني. بل هي «تعبير عن قدرة الأمة على التطور الثقافي، والانتقال من هيمنة الصوت الواحد والأنا المركزية إلى تعددية الأصوات والحوار والنقد».

يتناول الكتاب هذا التطور عبر المراحل التالية:

1- نقد «قصور الأنواع الأدبية» في الأدب القديميرى خليفة أن الأدب العربي القديم عانى من هيمنة «النوع الشعري الغنائي» كصوت أوحد. يشير إلى أن شروطاً اجتماعية وتاريخية معقدة أدت إلى تهميش الأجناس الكبرى الأخرى مثل الملحمة والدراما والمسرح. يربط هذا التهميش بسيادة «الأنا المركزية» وغياب الحوارية والبحث الاجتماعي في البنى السياسية القديمة.

2- التحليل السسيولوجي والتاريخي «من الجاهلية إلى العصر المعاصر» يتتبع الكاتب النصوص بدءاً من الشعر الجاهلي والقرآن الكريم وصولاً إلى العصر المعاصر. يدرس كيف ساهمت النصوص في قيادة «الحراك التحويلي» للمجتمعات. يرى أن المبدع لا ينفصل عن واقعه؛ فبينما تخضع صناعة الأدب لـ «الأفعال الحرة للمبدعين»، إلا أنها لا يمكنها القفز فوق الظروف الموضوعية للواقع والناس.

3- الانتصار لتعددية الأصوات والرواية الحديثة يخلص الكتاب إلى أن ظهور الرواية والقصة الحديثة في الأدب العربي يمثل قمة التطور الثقافي. الرواية برأيه هي الفن الذي استطاع كسر «الصوت الواحد» وإعطاء المساحة لتعدد الأفراد، والتنوع، ونقد الواقع وتغييره.
يُمثّل كتاب «تطورُ الأنواعِ الأدبيةِ العربية: دراسة تحليلية للأنواع من الشعر الجاهلي والقرآن حتى الأدب المعاصر»، محطة نقدية وفكرية بالغة الأهمية في مسيرة المفكر والروائي البحريني الراحل عبدالله خليفة. لا يتعامل الكتاب مع الأدب بوصفه قوالب جمالية مصمتة، بل يُفكك النص الأدبي كبنية حركية تعكس الصراع الاجتماعي والتحولات التاريخية للوعي العربي.

ثانياً: الرؤية المنهجية والأطروحة المركزية للكتاب، ينطلق عبدالله خليفة في هذا المؤلف من منهج مادي تاريخي سوسيولوجي «اجتماعي»، يرى من خلاله أن تحول الأدب من نوع إلى آخر «من القصيدة إلى النثر، ومن المقامة إلى الرواية» ليس مجرد تطور شكلي، بل هو تعبير عن تحول مجتمعي وسياسي عميق.

تعددية الأصوات: يرى الكاتب أن تطور الأدب هو «التحول من هيمنة الصوت الواحد «الأنا المركزية القبيلية أو السلطوية» إلى «تعددية الأصوات واعتراف بالبشر الفاعلين».

جدلية النص والواقع: الأنواع الأدبية لا تقفز فوق الظروف الموضوعية للواقع، بل تتشكل داخل صراع القوى الاجتماعية «بين قوى الحداثة والتقدم، وقوى التقليد والاستغلال».

ثالثاً: تفكيك فصول الكتاب وسياقها التليلي بناءً على الفهرس المقدم، يمكن تقسيم كتاب عبدالله خليفة إلى خمسة مفاصل كبرى تتتبع خط الزمن والتحول البنيوي للآداب العربية:

الجذور الجاهلية وصدمة الواقع (التوطئة والفصول 1، 2) المضمون: يفتتح الكاتب دراسته بـ مقاربة الشعر الجاهلي ليس كأطلال جامدة، بل كـ غنائية تعكس روح البدواة والقبيلة.

التحليل: عند دراسته لـ امرئ القيس وتحليل معلقته، ينظر إلى القلق الذاتي والضياع الوجودي للملك الضليل كشرخ في جدار البنية القبلية الصارمة. وفي دراسة طرفة بن العبد ومعلقات الصدام القبلي، يحلل كيف تحول الشعر إلى أداة أيديولوجية للقبيلة تبرر الحروب، وكيف اصطدم الفرد (مثل طرفة) بوعيه الحر وصعلكته ضد هذه المنظومة.

2 ـ التحول الديني الكوني وانبثاق النثر (الفصول 3، 4، 5، 6) المضمون: يدرس الكاتب التحول الجذري مع ظهور الإسلام عبر فصول: الشعر والنثر الدينيان، القرآن في مكة، والقرآن في المدينة.

التحليل: يُعاين خليفة هنا أكبر تداخل وتحول أجناسي في تاريخ العرب؛ حيث تراجعت «غنائية الأنا» الجاهلية أمام المعاني التوحيدية الكونية. يدرس بنائية النثر القرآني في مكة «الذي امتاز بقصر السور، والتركيز على العقيدة، ومواجهة البنية الوثنية التجارية لـقريش»، مقاطعةً إياه مع النص المدني «الذي اتسم بالطول والبناء التشريعي لتأسيس الدولة». ويرصد الكاتب في فصل صراع النثر والشعر كيف انتصر النثر القرآني بمرونته وقدرته الاستيعابية على قوالب الشعر التقليدية التي عجزت عن ملاحقة تحولات الدولة الإسلامية الناشئة.
في كتابه «تطور الأنواع الأدبية العربية»، يحلل عبدالله خليفة الفصلين الخامس والسادس، معتبراً القرآن ثورة أجناسية وبنيوية، حيث يمثل المكي هدمًا للوعي القبلي عبر إيقاع مكثف وصور أخروية، بينما يؤسس المدني للدولة عبر نثر تشريعي طويل وعقلاني. ويرى الكاتب أن هذا التحول قاد إلى انتصار النثر على الشعر كصوت معرفي اجتماعي، ناقلاً العربي من التبعية القبلية إلى أمة محكومة بالقانون
3 ـ العصر العباسي: تمدين الأدب والنزوع الحكائي (الفصلان 7، 8) المضمون: يناقش سبل تطور النثر في العصر العباسي والتداخل بين النقد والشعر.

التحليل: مع تعقد المجتمع العباسي ودخول الثقافات الأجنبية، يحلل الكاتب نثر أبي حيان التوحيدي بوصفه نثر الصدمة والفلسفة والوعي الطبقي المأزوم، مستعرضاً لغته الفكرية المتمردة. ينتقل بعد ذلك إلى البناء الحكائي في مقامات بديع الزمان والحريري ليرى فيها جذوراً جنينية للسرد القصصي العربي القائم على نقد الكدية (الشحاذة) والفساد الاجتماعي عبر المفارقة الساخرة.

4 ـ الميراث الشعبي والوعي الجمعي (تابع للفصل 8) المضمون: دراسة سرد السير الشعبية، حمزة البهلوان، وألف ليلة وليلة.

التحليل: يرى الكاتب «وهو الروائي المهموم بالطبقات الشعبية» أن السير الشعبية وألف ليلة وليلة تمثل «تعددية الأصوات» الحقيقية للمهمشين. فسيرة حمزة البهلوان أو حكايات شهرزاد لم تكن مجرد خيال للتسلية، بل كانت «متنفساً أيديولوجياً وسرداً موازياً» يقاوم النثر الرسمي المداهن للبلاط العباسي والمملوكي، ممهداً الطريق لظهور الأشكال السردية الحديثة.

5 ـ المخاض الحديث والحداثة التحويلية (الفصلان 9، 10 والخاتمة) المضمون: الانتقال من السيرة الشعبية إلى الرواية والمسرحية، وسرد المنفلوطي، وتوفيق الحكيم، وغنائية السياب.

التحليل: يقرأ الكاتب الجسر الرابط بين الأدب القديم والحديث. يرى في سرد المنفلوطي مرحلة انتقالية وعظيمة ورومانسية، بينما يُمثل توفيق الحكيم قفزة نحو مأسسة الأنواع (المسرح الذهني) لمواجهة قضايا التحديث. وفي دراسة تداخلات الأنواع التحويلية وغنائية السياب، يبرز خليفة كيف تكسرت عمودية الشعر العربي القديم مع «شعر التفعيلة»، حيث وظّف السياب الأسطورة والرمز والموقف الطبقي ليعيد صياغة أوجاع الإنسان العربي الحديث «القرية والمدينة، الموت والبعث».

رابعاً: القيمة الفكرية والنقدية للكتاب.

«تطور الأنواع الأدبية العربية» للروائي والمفكر عبد الله خليفة. يبرز الكتاب المقارنة الجوهرية بين المدرسة التقليدية السطحية والمدرسة المادية التاريخية التي تبناها الكاتب في تحليل النص الأدبي العربي.

لتنظيم هذه الأفكار وجعلها متكاملة للدراسة أو العرض، تم تبويب المقارنة والخلاصة في هيكل تحليلي واضح:

جدول المقارنة الأدبية والنقدية في الكتاب

خلاصة الدراسة كتاب «تطور الأنواع الأدبية العربية» هو وثيقة نقدية تحرر الأدب العربي من النظرة الجمالية السطحية؛ حيث نجح عبدالله خليفة في إثبات أن كل تحول فني في شكل النص «سواء كان آية، أو قصيدة جاهلية، أو مقامة، أو رواية» هو انعكاس لمعركة فكرية واجتماعية خاضها الإنسان العربي في رحلته من هيمنة «الصوت الواحد» إلى فضاء «تعددية الأصوات» والحرية.

فهرس كتاب عبدالله خليفة بعنوان تطورُ الأنواعِ الأدبيةِ العربية
توطئة
الفصل الأول
مقاربةُ الشعرِ الجاهلي
الفصل الثاني
غنائيةُ الشعرِ الجاهلي
امرؤُ القيسِ
تحليلُ المعلقةِ
طَرَفة بن العبد
معلقتا الصدام القبلي
شعراء آخرون
خلاصة
الفصل الثالث
الشعرُ والنثرُ الدينيان العربيان
في المعاني التوحيدية
بنائيةُالنثرِ
الفصل الرابع
صراعُ النثرِ والشعر
الفصل الخامس
القرآن في مكة
الفصل السادس
القرآن في المدينة
الفصل السابع
علاقات جديدة بين النثر والشعر
الفصل الثامن
سبل تطور النثر في العصر العباسي
نثر أبي حيان التوحيدي
العناصر الفنية واللغة الفكرية
البناء الحكائي في مقامات بديع الزمان الهمذاني
مقامات الحريري
سردُ السيرِ (الشعبية)
حمزةُ البلهوان كسيرةٍ مميزة
ألف ليلة وليلة
الفصل التاسع
مسارات الشعر في العصر العباسي
الشعر والنقد
الفصل العاشر
من السيرة الشعبية إلى الرواية والمسرحية
سرد المنفلوطي
توفيق الحكيم
تداخلات الأنواع التحويلية
غنائية السياب
خاتمة

الأقلف رواية السؤال المفتوح

رواية «الأقلف» لــ عبـــــــدالله خلـــــــيفة


تقدّم رواية «الأقلف» لعبدالله خليفة سردًا وجوديًا مشحونًا بالقلق، يحفر عميقًا في سؤال الذات حين تفقد بوصلتها، وحين يصبح البحث عن الهوية رحلة بلا خرائط. إنها حكاية…
رواية «الأقلف» لعبدالله خليفة رؤية تسرد حكاية من لا يعرف لذاته طريقاً، ومن يجهل ملامح صورته ومن يسأل عن جذور هويته ولكن لا سبيل للوصول، فالحقيقة تظل سراباً والواقع أكبر من أن نفهمه.
من أنا؟ ومن أكون؟ ما هي ديانتي وهويتي؟ أسئلة كثيرة في حياة يحيى، هي ما أسس لبداية بناء العقدة في خط السرد الروائي الرواية «الأقلف»، فالوطن والحب والأثنية ثلاثي أنتج قلقه، مبعثرة هادئة لكنها صاحبة، مسالمة لكنها قوية حالمة لكنها مستاءة وحزينة مجهولة لكنها موجودة صامتة لكن ملامحها تحكي عنها، شخصية شكلت في غرابتها وبساطتها رواية من لا يعرف لذته طريقا ومن لا يجد لأسئلته مجيباً ومن لا يكف عن البحث عن السكون، إشكالية الوجود وعبر إشكالية الذات تتمحور إرهاصات الحياة وتبرز ثنايا النفس وعيوبها.
«الأقلف» الذي لا يعرف لذاته طريقاً، الإنسان الذي يولد عبثا ويظل طوال عمره يبحث عن نفسه، ولكن دون جدوى فذاكرته ممحية وماضية مجهولة وواقعية، لا شيء لأن لا جذور له، «الأقلف» رواية تجسد في رؤيتها العامة حالة القلق والبحث ليس عن جذور الأهل ولكن عن كل انتماءات الذات (الوطن الدين الهوية)، يحيى الفتى الذي ولد في عالم المجهول دون هوية معروفة، وتحت وطأة الدل والتشرد والجوع والعطش والمجتمع المنسي الذي لا يشكل سوى ذات فارغة من إنسانيتها ولا تملك سوى جسد مفرغ من كل حقوقه.
إنها حكاية من لا يعرف طريقه إلى نفسه، ومن تتشظى ملامحه بين «وطن ملتبس، ودين غائم، وانتماء لا يكتمل» فتغدو الحقيقة سرابًا، والواقع أكبر من أن يُحتوى.
في قلب الرواية يقف «يحيى» محاطًا بأسئلة لا تهدأ: من أنا؟ من أكون؟ إلى أى وطن أنتمى؟ وما ديانتى؟ أسئلة تشكّل العقدة السردية وتؤسس لصراع داخلى متصاعد. تصنعه ثلاثية الوطن والحب والأثنية. شخصية متناقضة فى هدوئها.
«الأقلف» رواية عن الإنسان الذى يولد بلا جذورء بذاكرة ممحية وماضٍ مجهول، فيقضى عمره كله باحثاً عن ذاته دون أن يبلغها. لا تبحث الرواية عن أصل العائلة بقدر ما تغوص فى جوهر الانتماء نفسه: الوطن، الدين، الهوية.
عالم قايس من التشرّد والذل والجوع. ومجتمع منسيٌ لا يمنح أفراده سوى أجسادٍ منزوعة «الحقوق» وذواتٍ مفرغة من إنسانيتها.
إنها رواية السؤال المفتوح. وقلق الوجود، ورحلة البحث المستمرة عن معنى السكون في عالم لا يعترف باليقين.
«الأقلف» هي رواية للكاتب البحريني البارز عبدالله خليفة (مواليد 1948)، تتناول قضايا الهوية، الاغتراب، والصراع بين الشرق والغرب عبر شخصية «يحيى» اليتيم «الأقلف» (غير المختون)، مستكشفة الجذور الثقافية والدينية العميقة للعلاقة بين الحضارات، وترصد واقع التخلف والقمع في بيئة خليجية قاسية، وتُعدّ جزءاً من مشروعه الروائي الكبير الذي يوثق تاريخ البحرين الحديث.
معلومات حول الرواية «الأقلف»:
الموضوع: استكشاف الهوية المفقودة، البحث عن الذات، الجذور الثقافية والدينية، وصراع الشرق والغرب.
الشخصية الرئيسية: يحيى، «لقيط» ينمو في بيئة قاسية (كوخ وجدة خرساء)، يعاني من الحرمان ويطرح أسئلة حول هويته وديانته.
الرمزية: «الأقلف» يمثل الشخصية المهمشة والمغتربة، والبيئة الرمادية القاسية تمثل واقعاً مليئاً بالقمع واللامعنى، وتتنبأ الرواية بالصراع الحضارات.
الأسلوب: سردي ملحمي، يمزج بين الواقعية والرمزية، ويتناول تعقيدات النفس البشرية والتحديات الاجتماعية.
الكاتب (عبدالله خليفة):
كاتب، ناقد أدبي، وقاص بحريني معروف.
عضو في أسرة الأدباء والكتاب في البحرين، وله مؤلفات في القصة والرواية والدراسات النقدية.
أعماله الروائية تشمل ثلاثيات شهيرة مثل «ينابيع البحرين» (التي وثقت تاريخ البحرين روائياً) وأعمالاً عن شخصيات دينية.
باختصار، «الأقلف» هي عمل أدبي عميق للكاتب عبدالله خليفة يغوص في إشكالية الوجود والهوية من خلال تجربة معقدة في سياق اجتماعي وتاريخي وسياسي.

رواية الأقلف


بين أزقة الأكواخ المنسية، وحواف البحر التي تشهد على صراعات البقاء، يولد «يحيى» ليجد نفسه وحيداً أمام اتساع السماء وقسوة الأرض. لم تكن صرخته الأولى نداءً لأم أو أب، بل كانت صمتاً مطبقاً تكسره فقط إشارات جدة خرساء، تُطعمه بصرر الخضروات المقتلعة من البراري وكسرات الخبز اليابسة.
في رواية «الأقلف»، يصحبنا عبدالله خليفة في رحلة إنسانية شديدة العذوبة والألم؛ رحلة طفل ينمو كالطحالب بين شقوق الجدران، يتلمس هويته في عالم يراه «نغلاً» أو غريباً، ويبحث عن معنى الكلمات في صمت الجدة وفي ضجيج الأسواق المكتظة بالعبيد السابقين والبحارة القساة. إنها ملحمة البحث عن «الذات» وسط الحطام، حيث يغدو الجسد مسرحاً لاكتشاف الذعر واللذة، وتصبح اللغة سكيناً تجرح وعيه الوليد.
هذا الكتاب ليس مجرد قصة عن اليتم والفقر، بل هو تشريح عميق للنفس البشرية في أقصى حالات تجردها.

هل يمكن للإنسان أن يجد الخلاص وهو لا يملك حتى اسماً يخصه؟ وكيف تتحول «الصرخة» المكتومة في الصدور إلى صرخة وجودية تزلزل أركان مجتمع يقتات على التهميش؟

«الأقلف» هي مرآة تعكس الوجوه المنسية، وتكتب بمداد من نور وظلمة حكاية كل من وجد نفسه غريباً في وطنه، وحيداً في زحامه.

إنها دعوة لتأمل الجمال النابت من قلب القبح، والقوة المستمدة من أقصى درجات الضعف.

مرحبًا أيها العالم! سيرة الملعون

 قوة الكلمة

لا تأتي قوة الكلمة من شقشقة اللغة، والتلاعب بالألفاظ، وترفيع المؤدلجين الكذابين، وتغييب الكتاب الحقيقيين، بل من التعبير عن المعاناة العامة، وقضايا الوطن المتخثرة في الدهاليز والفساد وثقافة الكذب.

كلما امتلكت الكلمة سحر التعبير الشعبي، وصور البطولة اليومية ارتفعت في سماوات الأدب البشري الخالد.

الكلمة ليست حروفاً مجردة بل قوة تعبير سحرية عن مضمون شعبي مقاوم يتصدى للصدأ والغبار التاريخي ونشر الجهل، هي صور للبسطاء وهم يُدهسون في شوارع الحياة، وتصوير لأصابعهم وهي تتحرك ضد الحشرات.

ليس الكاتب الخائب، والصحفي المنعزل، ومروج الأكاذيب اليومية المليئة بالصواريخ الفضائية، بل الكاتب المدافع عن شعبه، المعبر عن تاريخه، عن قضاياه المضيعة في ثرثرات المثقفين، وورق الدجل اليومي.

هو من يصور في قصصه وقصائده ومقالاته ما يدور في الواقع، وليس من يصنع صوراً زائفة، ويتباهى باتصالات الوزارات، والمؤتمرات الفاشلة المقامة لسرقة الشعوب، يتباهى بالرسائل المصنوعة من الدوائر العامة الفاشلة، وإقامة علاقة رفيعة عليا مع الحرامية، بل هو الذي يعيش في زاوية العتمة وقلبه على الوطن، يُجلد ويُحبس ويتعطل ويُغيّب ولا تزال القضايا العامة تنبضُ في حروفه.

سجل كلماته أرشيف كاشف للبلد، للحارات، للمحرومين، لم يقل أنا طوال حياته ويعرض سفراته المدفوعة الأجر مسبقاً من فاشلين إدارياً، لو أُعطي تذكرة كشف أرقامها وكيفية صناعة الخداع فيها.

الصحف الفاشلة تموت، وسجل التمويه لو أستمر قروناً لا يصمد للزمن، والبلدان المقطوعة اللسان تتفجر وتتساقط حممها على الرؤوس، ويهرب كذابو الكلمات خارجاً حاملين الغنائم، وسجل الثورات الهائل يعري التحولات المذهلة حيث لم يبق طاووس مهما طال به الزمن، ولا يتعذب شعبٌ إلى الأبد.

الكلمة تتصحر بين أيدي المنافقين لا يجدون أنهم قادرون على الكلام، وببغاء واحدة أفضل صدقاً من مليون كاتب مزيف، لا يَسمع سوى السخرية من كلماته لأنه أصم وبلا معرفة تاريخية منفصم عن الواقع، يعيش في قصر من المرايا التي تعكس ذاته العظمى، ومن يملك ذرة من الصدق ينزوي ويحترم نفسه.

الكلمة نار الحقيقة إلى الأبد، ومن الكلمة نشأت الحضارات والرسالات، وظهرت الرموز والدساتير تشع للبشرية الخير والجمال، والمنافقون لديهم كافة مجلدات اللغة، وموسوعات العطاء المدفوعة، لكنهم غير قادرين على صنع كلمة واحدة مؤثرة تنزل في التربة الوطنية الشعبية التاريخية وتزهر.

الرهان على القلم

لم تفد الكتاب المراهنة على الحكومات والدينيين، فالكلُ يتاجر بالأوطان والأديان لمصلحة موقوتة، والكل يبيع والبعض مستفيد، والأغلبية خاسرة!

الكل يدعي ولا أثر على الأرض!

ليس للكتاب سوى أقلامهم تنمو قصة ورواية وشعراً ونقداً وثروة للوطن بلا مقابل أو بمقابل ضئيل وغير شفاف!

أعطوا الوطن لكل من يدعي ويبيع، وكل من يزحف على بطنه، ويقبل الأحذية، ويأكل التراب ويلعن الإنسان.

ليس لكم سوى هذا القلم مهما توهمتم التحليق في سماء مجردة، ومهما تباعدتم، وأختلفتم، ليس لكم سوى قطرات من حبر أو من دم.

راهنوا على القلم فهو وحده الباقي

تتحولون إلى عظام وذكريات متعددة التفاسير ولا يبقى سوى قلمكم يقول ما آمنتم به وما ناضلتم لكي يتكرس في الأرض.

ليس لكم سوى أوراق فلا يخلدكم ولدٌ ولا تلد، هذه الحروف التي عانيتم في إنتاجها وتعذبتم في إصدارها هي التي تشرفكم أمام الأجيال المقبلة التي لا تحد ولا تحصى.

فثقوا بالحروف وبالإنسانية المناضلة نحو زمن جديد هو زمنكم، الذي تصيرون فيه ملوكاً متوجين، وحكاماً غير مطلقين، ومربين كباراً للأجيال.

ماذا تفعلون الآن وكيف تمتشقون سلاح الكلمة وتوجهونه للحرامية والمفسدين وتعرون شركات الأستغلال وبنوك النهب العام، ترتفعون في سماء الوطن، وتخلدون في سجلات الأبرار.

القلم ليس له شريك سوى الحقيقة، وليس لطريقه واسطة أو سلطة محابية أو كهنة مطلقين، هو الحربة الموجهة للشر لا تعرف الحلول الوسط أو الشيكات الثمينة.

سلطة القلم سلطة عالمية، تتوحدون مع القلم الأسود والأبيض والأصفر، وكل ألوان الإنسانية المتوحدة في معركة واحدة ضد الحكومات المطلقة وبيع الإنسان كما لو أنه حذاء وضد هذا العداء بين الأمم والأديان والأعراق.

أنتم رموز الإنسانية فلا تنحدروا ولا تساوموا واكتبوا بسلطة الحقيقة وليس بسلطة المال.

توحدوا في هذه المعركة الكونية، وتضامنوا مع اشقائكم المظلومين والمضطهدين في كل قارات الأرض، وضد هذه القوى التي تدهس القصة والقصيدة ولا تحب سوى الإعلان، وأخبار القتل واليأس، ولا تبجل سوى البشاعة.

عبدالله خليفة
الملعون
1948 ــ 2014

  ⓵

حشدٌ بشري مضبب، الذي يراه والمترجرجُ في ذاكرته، هو جسمان لأمراتين جميلتين، والباقي من الحشد هو أصواتٌ وظلال، وتتقلبُ أمام ناظريه أكواخُ سعفٍ، ومستنقعات، والصبي الذي يُقادُ في هذا المهرجان متوترٌ بهذا الاهتمام به، وبهذا الموقع بين المرأتين، والسير نحو منطقة الأكواخ المخيفة يبعثُ على شعور بالرهبة والخوف..

كان يهمس:

ـ يا أمي لا أريد أن أذهب!

ـ خذ هذه الروبية!

كانت قطعة النقد هذه ثمينة . تضعها في يده عساها أن تجثم فوق مشاعره المتوترة وتغرقها.

المرأة الأخرى مضيئة، فاتنة، جاءت من بيت ثري، فراحت تبعثُ في نفسه الطمأنينة.

الموكب يتوغل في تجمع بيوت السعف الرثة، حيث أجسادٌ سوداء، ورجالٌ عزابٌ يسكنون الأكواخ.

الطفلُ الذي كنتـُهُ يدخل الكوخ المعتم، حيث رجلٌ يلبس ثوباً ويضع غترة، هذا الرجل الغامق السمرة، المتصل بالغيب والسحر، يرعشُ جسدي حتى الآن، هذا الرجل الذي رأيته مراراً ممسكاً بالأسياخ.. ستكون من وظائفه أن ينقلني من موتٍ إلى آخر.

ثمة ضباب وشخوص ذائبة في خيوطِ النورِ والظلمة، وملاكٌ مرعب لا ينزل بكبشٍ من السماء، بل يمسك سيخاً محمياً:

تقول أمي:

ـ حتى يعيش أخوتك لا بد أن تـُكوى!

يدرك الطفلُ مهمته الصعبة الغامضة، فثمة لعنة تصاحب وجوده منذ ظهر، فهو قد طلع من بطنِ أمه التعبة المريضة متيبساً، وتجمد مدة وسارعت نحوه أيدٍ، وبعد حين لا يعرفه خـُيل لهم إنه رحل، انتعشَّ وتحرك وصاح.

قالت الممرضات (لا بد أن تسموه يحيى فهو يموت ويحيى).

ثم كبر الطفل وتبعته سيرُ الموتِ، أخوه الذي قبله والذي لم يره، كان يلاحقه، صار مسئولاً عن غيابه، فلولا اللعنة لعاش، إذن لا بد أن ينحني ويتقدم لهذه المهمة المخيفة، حتى يعيش أخوته. وجاءه السيخ بألم لم يبق في ذاكرته.

 ⓶

لم يبق في ذاكرته سوى هذا العريش الذي يطلُ على شارع.عيناه تحدقان من بين الجريد.

ويجثم في زاوية يلاعب حمامة، ريشها يتناثر من بين أصابعه. ملمسها رقيق. بيوت الحمام سترافقه دون أن يأبه بها.

سيرة الأقلام

كان بيتنا جزءً من طابور طويل من المنازل الصغيرة البسيطة المصطفة، على شكل قوس يقابلهُ قوسٌ آخر من البيوت.

الأبُ تدهورتْ مكانتهُ الاقتصادية وتنقل في  مهن عديدة، لم يلائمهُ البحرُ، فعاش على البستنة، لكن لم تكن لها آثارٌ عميمة في حياتنا، وحياة المنزل، سوى شجرة طماطم كانت هي المظهر الوحيد من هذا الفلاح العامل، ومنديل يملأهُ ببذور، ومرة واحدة صحبني لمدينة عوالي، مدينة النفط، المرتفعة قليلاً فوق مسطح ترابي، ورأيته وهو يزرع ويسقي الزروع.

وكانت مكانته تتدهور حتى في هذه الشركة النفطية، التي استخدمته وإستخدمت غيره لتزيين منازل الموظفين الأوربيين، بالشجر والأزهار، فترك عوالي وجثم في بستانها في منطقة القضيبية وكنتُ أراه وهو يجمع السعف والجريد لإنشاء سور من هذه المواد خوفاً على بيت مدير الشركة من العيون.

الصبي الوحيد في البيت في ذلك الوقت من الخمسينيات وانحدارها نحو أوائل الستينيات، وقد ألزمني أبي بقوة كي ألزم المدرسة في نفس المنطقة، وأنا شبه غائب عن دروسها وعالمها المضبب الغريب، الذي لا أذكر منه سوى تلاميذ في حالات عجيبة قريبة من الهبل، ومدرسين قساة، حتى تحجرت في المقاعد الدراسية، وبدأت أتفوق بصورة غريبة، فقد استثارني مدرس تاريخ، كان يعلم بطريقة لطيفة واهتم بي، فعرفتُ إنني أنتمي لأمة وشعب.

الأقلام.. أتذكر الأقلام كانت ضرباتٌ على الأرض . لم أجد وسيلة لاحتجاج سوى ضرب تلك الأقلام بالبلاط، وتكسيرها ورش الحبر على الأرض، من أجل قطعة نقد لشراء مجلة!

يطالعني وجه (حاجيه) من وراء فرنه ويأخذ البيض المسروق من البيت ويعطيني قطعة النقد.

عاش هذا الرجل مع صاحبه حسن في إدارة هذا المخبز (الأفرنجي) المتواضع في الحي، وكان يعرف القراءة والكتاب، وكان شريكه لا يعرفهما، فسيطر على المخبز وأفتقر الآخر وانهار المخبز بعد ذلك.

كنت أراه وهو يشتغل على الحسابات كل يوم، لم أعرف إلا بعد سنوات طويلة مسألة التزوير!

خلال سنوات تالية لم تستثرني الأقلام، بل الورق، كان الجري وراء الورق المقرؤ ذي الكتابة والألوان والسحر يعصف بي. التهام السير ومجلات الأطفال وقصص الجرائم. أتذكر كيف كنت في بيت أختي بالخبر (السعودية) اتوارى عن الغداء. يبحثون عني ليجدوني داخل غرفة لا أعرف الآن كم كان الضوء فيها!

في بيت ابن عمي بالسعودية أجد إهرامات من الصحف ومجلات آخر ساعة، والحبر المصري الغاسل لليد، والمفجر للصراخ القومي، وشهيتي له محدودة قياساً للكتب وللقصص والإثارة فيها.

اتذكر إن أول ظهور للقلم بعد أن تصالحت معه وأحببته، وكان مرادفاً للعزلة، حيث ابتعدت عن شاطئ البحر، والعيون، ومعارك الفتيان في الحي. كانت هذه الرياضات والضربات في جو من الإثارة الصبيانية والمحدودية المليئة بالتفاهة. لم يكن أحدٌ يوجهني. لكنني لم أجدْ فيها راحة. العزلة مع الورق غدت محبوبة. المدرسة بجدارنها العالية، بانضباطها المروع، أشبه بسجن يفرُ منه الجسم نحو حديقة الورق. لكن المدرسة اعطتني مفاتيح المعرفة، قراءة الحروف والكلمات العربية. هذه الطلاسم السحرية والاكتشافات العلمية فاتحة الدروب ومشكلة العوالم والخلق ومفجرة التجارب الكيميائية التحولية.

معها صرتُ أجلس طويلاً على خزانة خشبية في الليوان واصارع الفرسان والجن وأخطف الأميرات وأذهب للأفلام الهندية في سينما أوال ونخرج قبيل الغروب ونحن نتحارب بجريد مسنون، ونلبسُ الأقنعة وندخلُ الدروب على خيول وهمية!

كانت أجنحة الفنون ترفرفُ بنا، وإذ قـُصت أجنحة صحبي، وانحشروا في معامل، وحملوا أدوات جثمت بهم على الأرض، فأنا رحت أحلق، أطير في أجواء غريبة ، اعانق كل يوم هذه الكائنات المجنحة، لكن لم أذب فيها. كانت قصص الأب عن الغوص والبحر عالماً آخر من الغرابة. هنا كانت الأرض بتضاريسها الغامضة تطلعُ؛ خليفة علي البوفلاسة جدي القادم من دبي بسفينته وبيته وصيده وبموته المفاجئ أثر سقوط صارٍ عليه، ووحدة أبي وأخته في بيتهما المشترك الصعب وهما وحيدان غريبان، وانطلاقه الصعب في الأعمال والحياة بأميته وبساطته، كانت قصصاً تكرس الخيال في حياة الإنسان. 

تكسرت أقلام الحبر بيدي! تكسرت وأختي المفجوعة بي. ودموع أمي. لا تزال ملحها يرشرش على جسمي . صرت أقدس تلك الزجاجات الصغيرة القناديل، ويغدو حبرها المتناثر مثل دمي.

أكسر أقلامي إحتجاجاً لأحصل على قطعة نقدية لأشتري مجلة! واسرق البيض لأجل ذلك أيضاً!

النقلة الكبيرة حين بدأتُ أعي الأفكار الكبرى في العالم، من المدرسة الابتدائية حتى قراءة نظرية داروين وماركس والروايات الروسية الكبيرة!

عاملان أشعلا الجوع؛ صديق في المدرسة ووجود المكتبة العامة في المنطقة، وكنا نمشي إليها ونخافُ أن ندخل، ونلفتُ الأنظار بدخولنا، ونسمع أمين المكتبة يتكلم دوماً في غرفته، وأغلب الحضور من المدرسين العرب يقومون باستثمار أوقاتهم الضائعة في قراءة الجرائد والأحاديث. ويتعابنا مدير المكتبة خائفاً على ترتيب الكتب، وبدوت كمتطفل في هذا المكان المتواضع، الذي كان مهيباً وقتذاك.

جلب تلك المجلدات إلى البيت والقراءة المستمرة فيها، شعشعت الوعي بأشياء غريبة آخاذة. كانت القراءات الأولى لتيشكوف ودستويفسكي الأثيرين لدي حينذاك. ثم نجيب محفوظ.

في العلاقة مع المكتبة العامة والوحدة في البيت شبه الفارغ تخصص وتفرغ تشكلا بالصدفة. ثم جاءت الخلية الحزبية لتضيف إليها كتب كثيرة، حيث يتشري التنظيم مئات الكتب وتوزع، وتتسرب، وربما تضيع في بيوت، وربما تدور على الرفاق لتغذي أفكارهم، وكان التقرير نشاطاً ثقافياً، حيث تـُكتب الملاحظات عن الكتب. وتجري تنحية هنا لكتب الأدب الصافية، الإنسانية العامة، لصالح كتب الصراعات والنضالات. هذه والتجارب الاجتماعية تندغمان في الأكتشاف.

في المدرستين الأعدادية والثانوية تنامت عدتي الفكرية واهتماماتي الأدبية، الانغمار في النثر بحثاً وحكياً، التقيت بشخصية إبداعية غريبة في هذه الخلايا، حيث من الصعب ظهور مبدع فيها لأن أغلب أفرادها عمال، فوجدته يكتب روايات مطولة على دفاتر، بخط يد أنيق وجميل، وهي بلا أحداث ومليئة بالوصف المطول الطبيعي، وفيها دخان سجائره الذي يبثه على هذا الورق. بعدئذ ترك الرواية وكرس نفسه للبحث في الموسيقى وتأليف مقطوعات وسيمفونيات.

في عزف في الشوارع، في مجادلاته الأدبية، في رغبته الدائمة في (المعاياه) ثمة أسطورة إنسانية متوارية، فهذا الذي تأثر بعالم الزنوج والعبيد في المنطقة، وغار في الزيت وعمله وأدواته، نذر نفسه لهدف ثقافي كبير، وفي مأساة حياته، حيث سجن طويلاً، سجناً يساوي نصف حياته، لم يتخل عن حبه للموسيقى، لرقص العبيد الذين يهزون الأرض.

التنظيـم السياسي

أنا من مواليد سنة 1948، وكان مسقط رأسي في منطقة القضيبية لأسرة بسيطة، حيث كان والدي عاملاً في بابكو، وتعيش العائلة في الحي المعروف بفريق العمال.

عانت العائلة من وفيات الأطفال المتكررة، وترعرعتُ أنا وسط هذا الخوف من الموت والأمراض.

تعلمتُ في مدرسة القضيبية الابتدائية للبنين، بشكل سيئ في البداية بسبب عدم وجود توجيه عائلي، فالأب والأم أميان، وكنتُ أهرب من المدرسة في البداية، ثم بسبب إصرار والدي انتظمت ثم رحتُ أتفوق واتوجه لقراءة الكتب بسبب وجود أصدقاء في المدرسة.

وكانت أصداء الحركة الوطنية تصل إلى الحي والمدرسة بطبيعة الحال، حيث الصراع ضد الاستعمار على أشده في منتصف الخمسينيات. ثم في وسط الستينيات، كنا في مدرسة الحورة وقدنا في انتفاضة مارس 1965 جماعة شقت طريقها إلى مدرسة المنامة الثانوية للبنين وفتحنا الباب وتدفقت المجموعات الطلابية كالنهر الصاخب، وفي أثرنا اندفعت الخيولُ التي راحت تفرق ذلك النهر الواسع، والذي كان يعيد تنظيم صفوفه مرة أخرى ليتحول على مظاهرات هادرة.

في السنة التالية أي سنة 1966 توجهتُ إلى مدرسة المنامة الثانوية للبنين حيث تعرفتُ على مجموعة منتمية لجبهة التحرير الوطني، وكنا نناقش على مدى شهور المسائل الأولية للفكر الحديث، بسذاجة طبعاً في تلك الظروف وفي تلك المستويات. فرحتُ ألتهم الكتب، وقد عُرض عليّ الانضمام للجبهة في تلك السنة، فانخرطتُ فيها وفي خلايا تنتمي لمنطقة القضيبية ~ الحورة ~ رأس الرمان ~ الفاضل ~ العوضية.

من سنة 1966 وحتى سنة 1968، حيث وقعت اكبر ضربة أمنية لخلايا الجبهة، صعدتُ إلى اللجنة القيادية للجبهة وكنتُ طالباً في الثانوية ثم في معهد المعلمين الذي كان يُسمى عالياً! فكان علينا أن لا ندرس في الخارج ولا نسافر ونكرس أنفسنا للخلايا والكتابة والمنشورات ودعوة الناس الخ..

ومن جهتي كان لدي نشاطي الفكري والأدبي، حيث لم أكتف بكتب الأدبيات السياسية التي وجدتها مبسطة ولا تفي بالحاجة الفكرية العميقة، وكنتُ أكتب قصصاً في الصحافة بأسماء مستعارة أجرب فيها عملية الكتابة القصصية ومدى تقبل الناس لها! حتى فزت مرة بجائزة أسرة الأدباء للقصة القصيرة فكرست نفسي باسمي الحالي.

إضافة إلى ذلك كنتُ أكتب مقالات ودراسات سياسية واجتماعية، عن تاريخ البحرين أو عن تطور القصة القصيرة فيها، وكان هذا عنوان بحث قدمته في مؤتمر الأدباء العرب في الجزائر  في بداية سنة 1975، وهي سنة حل البرلمان الوطني فكانت أول وآخر سفرة في عقد السبعينيات! وفي مؤتمر الجزائر رأيتُ شخصيات مثل الرئيس هواري بومدين وتعرفت على الشاعر محمد مهدي الجواهري والباحث حسين مروة!

ورغم الضربات المستمرة للجبهة حققنا تطوراً لها عبر تحولها إلى منظمة متسعة وذات منظمات (جماهيرية) كاتحاد الطلبة والشبيبة وكذلك تطور التثقيف وتحليل الواقع.

في تلك السنة كانت تجري عملية تصعيد مفتعلة للصراعات السياسية والاجتماعية كمبرر لحل البرلمان، وكنتُ ضحية لإحدى تلك الألاعيب، فقد نشر أحد الصحفيين تحقيقاً حول التعليم تطرقنا فيه إلى المشكلات العميقة داخله، وكانت الإدارة تتصيد عبارات لتفجرها، فأخذوا كلمة (التعليم تعليم استعماري) ليجعلوها قضيةً كبرى لا بد فيها من الاعتذار من أجل تفجير الاضطراب في الشارع تمهيداً لحل البرلمان، فلم نعتذر وفصلنا وطردنا من التعليم بعد المعهد وسنوات الدراسة فيه وسنوات التدريس!

في قيادة الجبهة كنا نرفض عمليات التصعيد وانفجارات النضال العفوي المزعومة غالباً، وكان البعض يعتقد أن التصعيد منا، حيث كانت الجبهة أكثر التنظيمات تأثيراً في الشارع، بسبب واقعية خطها السياسي وقتذاك ومرونتها تجاه كافة أشكال النضال.

ثم حدث حل البرلمان واعتقلنا فحدثت المآسي الشخصية التي تعرفها.. كان السجن مطولاً هذه المرة خلافاً للمرات السابقة الخاطفة السريعة. فكان خبرة وإنتاجاً أدبياً وفكرياً. وحين خرجت كان لدي مجموعة من الكتب وأفكار بشأن دراسة التراث، حيث واتتنا الفرصة في السنة الأخيرة لقراءة مجلدات المفصل في تاريخ العرب لجواد علي والنزعات المادية لحسين مروة وغيرها من المراجع.

ابتعدت بعد السجن عن العمل السياسي التنظيمي لكنني كنتُ أدرس التجربة الفكرية والسياسية من أجل مراجعتها وتطويرها.

كانت مشكلات التنظيمات السياسية من الداخل حيث تتسلل عناصر مشبوهة وانتهازية، وهي التي تقوم بهدم منظم للعمل السياسي النضالي عبر خطط مدروسة.

ولهذا فإن التنظيمات بحاجة إلى مجتمع ديمقراطي حقيقي كي تتفتح وتغدو منتجة وهذا مستحيل في ظل تركز في السلطة.

ذكرياتٌ سياسية

كانت سنوات أوائل الستينيات (1965، 1966، 1967) سنوات زاخرة مصيرية، بحرينياً وعربياً، ففي البحرين كانت تتجمع مجموعة من العواصف الاجتماعية الزاخرة، وثمة عقدٌ من السنين كان فاشلاً في التنمية والحرية والتقدم، وثمة شركة وإدارة وحالة بلعت فوائضَ كثيرة دون أي تحول عميق عادل لمجتمع يخرجُ من بيوت السعف والأكواخ إلى بيوت صغيرة مليئة بالأسر وفي مدارس رثة وأوضاع مادية بائسة.

كان تجمع حشود الطلبة والشباب في مدرسة الحورة الإعدادية للخروج إلى الشارع يمثل حالة ساخنة مكبوتة من سنين ورغبة عارمة للشباب في الظهور على سطح الحياة، وما لبثوا أن خرجوا إلى بؤرة المنامة وهي مدرسة الثانوية للبنين حيث انفجر الوضع!

خرج آلافُ الطلبة إلى الساحة وفضاء البلد ككل، وبعد هذه اللحظة خرج الشعبُ كطيور في سماء المدن!

هي سنواتٌ من الزخم الغريب حيث تجمعت وعودُ الاشتراكية في روسيا ومصر والعراق وغيرها لتغيير حياة العاملين وهطلت أمطارُ الشعارات، وهي سنواتُ الهزيمة والفشل وما زال الطائر يحلق في سماء الحلم وهو جريح!

الذي بقي من زخم الشباب هو ترجمة ذلك لمنظمات وخلايا وبحث وقراءة. تكسرت الأرجل في الشوارع لكن تغلغل الشباب في خلايا المنظمات المتكاثرة بعد المطر.

وجدتُ نفسي في ساحة مدرسة الثانوية وصفوفها أتعلم السياسة وأنخرطُ في خلية. بضعة شباب قلة من الريف تقرأ وتعيرُ الكتبَ لنا. نحن أولاد الفقراء كنا عاجزين عن شرائها. والكتب هي بؤر التحول، فمن كتب دارون المبسطة بقلم سلامة موسى إلى أمهات كتب الماركسية بعد سنوات قليلة.

كلمات مثل الجدل كانت تنفجر كمصطلحات هامة، وكان هذا يشير لزخم التيارات التحديثية الوطنية المتصدرة المشهد والمتغلغلة في صفوف الطلبة خاصة.

تلك السنة سحبت الشباب من التأمل وصراعات الأحياء البائسة وعوالم الفقراء المغلقة إلى زخم السياسة العربية العالمية، وبدأنا في القراءة والتنظيم ونشر المعرفة وتجنيد الآخرين!

ماذا تعني كلمة (خلية)؟

هي انتقالٌ من حالةِ الفوضى الفكرية والاجتماعية لحالةِ التنظيم  والدرس والتطور السياسي العميق. فلا تعد الكتب حرة، وتغدو العلاقات منظمة، ويحدث الدرس لنظرية ما، وهي في حالتي نظرية الماركسية، والخلية تقوم هنا ببحث شعيرات هذه النظرية على مدى  سنوات وتطبيقها!

تبدأ من الحالة السياسية، حالة الحياة والوطن والشعب، إلى حالات التيار وصراع العالم وظهور قوى المعسكر الاشتراكي وتغييره لعالم الاستغلال والفقر وتصعيد ثورات التحرر الوطني وتحقيق الاستقلال.

تستطيع الخلية بعد سنوات من تراكمية الوعي أن تضع أقدامها على شرائط من التراب الاجتماعي،  ويظهر أعضاءٌ آخرون وتتصاعد الرؤى وتتصادم ويختفي أناسٌ من الخلية ويظهر أعضاءٌ جدد ويحدث توالد وتصدع ويتوسع التجنيد  وانفجارات الشباب الصغيرة تغدو بحراً من البشر بعد سنوات.

ولدت سنوات الستينيات زخماً نضالياً شعبياً وحالات تطور فكرية وثقافية واسعة في صفوف الشباب خاصة. فظهرت الصحف ومثلت زخماً وتطوراً في السياسة والثقافة، فكان المدى الغامض للخمسينيات قد صار وضوحاً سياسياً، فظهرت التنظيمات النوعية، وتحددت الأنواع الفنية والأدبية، وظهر نتاجٌ فكري راح يبحث عن تطور البلد والشعب المميزين.

كان (انفجار) هذا كله هو وليد زخم الخمسينيات وتجارب السابقين وعطائهم فظهر جيلٌ زاخر ذو عطاء تمثلت أعماله في جوانب عدة، ويعتمد ذلك على عطاء الأفراد ودورهم ولم تؤد الهزائم إلا إلى مزيداً من البحث والحفر والمعرفة والتصلب.

وهكذا تبدأ القصة القصيرة في الظهور والقصيدة وقطعة النقد الأدبية والفكرية. فالجريدة أتاحت لهذه الأجناس الأدبية في الظهور، وكانت أشكال من البراعم المتحولة التي لا تنفصل عن (الخلية).

كانت الخلية هي المنتج وهذا هو عسلها، فلم تنفصل القصة القصيرة عن المقالة النقدية السياسية الثائرة، وعن القصيدة المحلقة بالدعوة الثورية وبآلام العاملين في البحر.

هكذا كان الوعي الشبابي الطفولي الزاخر لمرحلة الستينيات يدفع شبابه التلاميذ من ساحة الثانوية إلى الثقافة الحديثة وإلى العالم المعاصر المعقد فيما بعد.

إذا كانت سنواتُ بدايات الستينيات هي صانعة عقدين من التطور السياسي البحريني العربي، فإن مضمون الخلية السياسية أثر على هذين العقدين تأثيراً مهماً. وهو وعي التخطيط التحديثي، وعدم ترك المجرى العفوي للتطور يأخذ الحياة إلى مرئياته التاريخية الماضوية.

لكن بعض المنظمين والسياسيين لا يدع هذا المجرى المنظم يقود، وتسبب عفويتهم الكثير من المشكلات لهم وللتطور السياسي معاً.

أحياءُ القضيبية ورأس الرمان والحورة والمخارقة والحمام هي الأحياء الشعبية التي تنفست واستوعبت الحداثةَ الوطنية في عمقها الشعبي، فهنا الشباب استوعب زخم الحركة الوطنية السابقة من دون أن يعود إلى أشكالها التنظيمية من شكلها عبر حركة الهيئة وهو الشكلُ الفضفاض الجماهيري، ثم جاء الشكل الفضفاض القومي وهو كذلك لم يكن مناسباً، فجاءت (الخلية) السرية الجماهيرية، القليلة الأعضاء، المستوعبة للفكر النظري السياسي العملي.

لكن شباب هذه المنطقة لم يستوعبوا كلية وبدقة المجرى السياسي السابق وظل بعضهم متشبثاً بأشكاله ولم يرتفع للمستوى الفكري المطلوب لذلك، لهذا نشب صراعٌ شخصي وتنظيمي، قومي وشيوعي وبعثي حتى غاص ذلك في التطور الطبيعي للمكان والزمان.

من هنا، وبعد عقدٍ من الزمان قامت هذه المنطقة من شرق المنامة بدور العاصمة السياسية حكومياً، حيث تمركزت فيها المؤسساتُ السياسية السابقة من عهد الاستعمار حتى الاستقلال، لكن لم تكن فيها مؤسسات سياسية شعبية حتى راحت تلك الخلايا السرية، والمجموعات الباحثة في العمل الوطني، تطل بروؤسها وتعبر بالأوراق والرؤى والتجمعات عن نفسها، ولهذا ليس مستغرباً أن تجمع نفس المنطقة بعد عقود الحكومة والبرلمان، البلديات المنتخبة ومشروعات الأحزاب وغيرها.

تجمع الأحياء الشعبية في شرق العاصمة لم يؤدِ بشكل عفوي للوعي المنظم الحديث لولا الأداة العصرية الكثيفة التعبير عن التراكم السياسي التاريخي المنوع.

وقد ضمت عناصر من (القوميات) و(الطوائف) بشكلها الرمزي، فهذه العناصر المختلفة مذهبياً وفكرياً وسياسياً اندمجت في تعبير سياسي نهضوي وطني موحد اجتماعياً فهو بحريني الانتماء، ولكن منقسم اجتماعياً إلى تجار وعمال ومثقفين ذوي آراء تحديثية، يختلفون في متاجرهم ومصانعهم، ولكن يتفقون في الهوى الديمقراطي.

وقد عبرت منطقةُ شرق المنامة عن انقسامها السياسي بين شارع وشارع الحكومة، بين رؤى تتجه الى الاستقلال والنقابات والديمقراطية، ورؤى تتجه الى الاستقلال والتطور المجرد.

وبهذا بدأت البحرين ككل وضعها السياسي الحديث.

هو البيت الذي أحبه!

لم يَعُدْ لنا بيت. جاءَ الغرباءُ وأخذوه.

كان بستاننا هنا، وبحرنا الذي نسبحُ فيه، وشاطئنا الذي نصطاد عليه.

لم يعدْ لنا شاطئ ولا سمك، والقوارب تكسرتْ على القوارب.

نتذكرُ بأسى كيف كنا، عائلة واحدة، فريقاً ملتحماً يصطاد معاً، يتبادل صحونَ الأرز في الأزمات، نتسلف من بعضنا، نأخذ المياه من عين واحدة.

لم يعدْ لك حيك، صار أشبه بجهنم الدولارات والصفقات والسلع والغرف التي تـُؤجر في كل لحظة وتخلى في اللحظة التالية، وهو حي البضائع السرية المهربة، تخرجُ من غرفتك في الفندق أو غرفتك في الدواعيس الرثة لتجد أن مدينتك خطفوها، أين ذهبت عاصمتي ومدينتي وأمي؟

 لغات بعدد سكان الأرض، رثاث من الخلق وسوق فوضوية، وكراجات تضرب جدران رأسك الذي تحول إلى جمجمة، وكان الأب يعدُ ابناءه بمستقبل شفاف سعيد، ويقول لهم ستكون هذه الأرض لكم، وكبرنا ووجدنا الأرض تـُسحب منا، ونحن سلع في المزادات، وأدوات حديدية صدئة في مشاغل رثة.

بيتنا سُرق منا، ولم نعدْ نعرفُ جيرانـَنا، وذهبَ رجلٌ (مناضل) لحيهِ القديم يجمعُ الأصوات للانتخابات، وطرقَ بابَ بيت رفيقه الذي عاش سنوات الطفولة والصبا معه، وعلمهُ بعضَ الكلمات، طرقَ الباب ليسأل عن رفيق يعاونه في الوصول لكرسي الهيلمان، فوجد أن الصديق مات منذ سنين، بعد أن امتلأ بأمراض غريبة.

خرج أولادُ الصديق غاضبين!

حارتنا سُرقت، أولاً سرقوا النادي منا، ذلك النادي الذي كانوا يقيمون عليه المسرحيات الفكاهية الجاذبة للناس، وكان مثل التلفزيون الوطني يبث الحكم والقصص، فيتداول الرجال والنساء قضايا الحداثة ومشاكل الواقع، وكانت جرائده الحائطية مكتوبة بعشرات الإيدي، وبعدها يصيرُ الصغار رسامين وكتاب قصة وحالمين بالأمل الأخضر.

بعد أن خطفوا النادي خطفوا صدورَ المراهقين التي امتلأت بالدخان فراحوا يسبحون في بحر الإبر والعروق المفتوحة على الجروح والسموم، يغرزون في سواعدهم الرقيقة الأنصال، ليشبع تجار لا يشبعون، ويعودُ المناضلُ ليسأل: أين ذهب شاكر؟ أين ذهب سالم؟ أين ذهب عمار؟ أين.. أين!؟

فيقولون له يعطيك طول العمر، رحلوا وتركوا الدنيا الفانية!

فيصرخ كلهم كانوا شباباً!

يجيبُ من بقى على قيد الحياة ولم تزلْ في لسانهِ مضغة شجاعة: هل رأيتَ كيف جاعوا، وبحثوا عن العمل ولم يجدوه، وتسكعوا طويلاً، وجلسوا يثرثرون أزماناً، فأصطادتهم شبكاتُ الهوى والنوى؟

حين يعود المناضلون ليجمعوا الأصوات لا يعرفون أزقتهم، أزقتهم التي خطفها الدرزي والحلاق وتاجرُ الإبر والملا وتاجر العقارات وتاجر النعوش والأضرحة.

بعد أن خطفوا النادي وعقولَ العصافير الصغيرة خطفوا المصائدَ والقواربَ وتراب البحر النقي، والقواقع، وحكايات الربابنة والبحارة، والمرفأ الصغير الذي كان متحفاً للطائرات التي سقطت بين الحورة والقضيبية، والدولايب الملأى باللوز والبراحات الملأى بالحكايات وعشاق الليل والأقمار.

خذ الآن ما شئتَ من قمامةٍ ومن شعراء بلا ألسنة نسوا الصراخ والكلام، ومن أبطالٍ مُرممين بقش، ومن متهالكين على الكراسي/ المآسي.

خذ الآن ما شئتْ من براميل مليئةٍ بالبقايا والهدايا والشيكات، والذكريات المحروقة ولكن لن تجد الكهول الذين حفظوا أشعار الأولين، والفرق الشعبية الصاهلة بغناء الوطن والنسوة الحرفيات اللواتي كن يصنعن الأكلات والحلوى، ويبعن في الطرق دون أن يتعرضن للحبس والأحجار.

لن تجدَ امرأتك فقد تيبست من الولادات وتربية الأطفال وتسليم ضلوعهم لتجار الممنوعات.

لن تجدَ المجالسَ المليئة بالحكمة والسوق المليئة بالأسماك الطازجة القادمة من السواحل، ومن المصائد الجالسة على مرمى حجر.

لن تجدَ أهلكَ الذين تواروا من التلوث والمطابخ والأسعار العالية والطوفان الأجنبي، وهجمت عليهم الأدخنة والغازات والسراطانات والدماءُ البيضاء.

بعد أن خطفوا النادي والصغار والساحرات الطائرة في السماوات والأحلام خطفوا العقولَ التي كانت واعدة بالطيران نحو المريخ واكتشاف العلاجات للأمراض الاجتماعية والجلدية والروحية.

صار الشباب ممغنطين موجهين للآخرة، أو للقبور، مسحورين أو شبه مسحورين، يكتبون الجوامع والتمائم، ويهذون ويحلون المعادلات الخرافية للقرن الثاني الهجري، أو يتخدرون طوال اليوم بأعشاب.

لم يعد لي بيت، خطفوا بيتي.

استولى الأغرابُ على بيتي، فلجأت لمدينتي فوجدتهم خطفوا مدينتي، فذهبتُ إلى أصدقائي فوجدتهم خطفوا أصدقائي.

كلُ حجر فيه كان من معاشي وكلماتي، وكلُ قطعة فيها سُقيت بدمائي، لكن الأرضَ هربتْ من يدي، وراحتْ تبحرُ خارج خليجي، كلُ يومٍ تمشي بوصة جديدة وتسحبُ أولادي، وصراخي يتعالى: أعيدوا لي وطني!

كانت سنوات الثمانينيات ناضبة، ملأى بالخوف والحذر.

حين خرجتُ من السجن في نهاية عام 1980 كانت الحياة الاقتصادية تواصل انطلاقتها العنيفة، فيما يشبه السيل أو الفوضى.

فلم تكن طرق القضيبية كما كانت سابقاً، كان الشاطئ القريب من جبرة السوق قد رحل بعيداً. ودفنت المنطقة وكدتُ أضيع وأنا أبحث عن البيت.

المكان يشير إلى اندفاع حكومي وخاص للاستيلاء على البيئة البكر، وأمتلأ الحي بالدكاكين، وانتشر العمال الأجانب، لكن ليس بمثل الكثافة الرهيبة الحالية.

هذا الجو يكرس الغربة، خاصةً مع غياب الأصدقاء، ففي بيوت معينة قريبة كان ثمة أصدقاء لكنهم ذهبوا لبيوت جديدة، ومقاهي ودكاكين الداما اختفت.

عدت إلى غرفتي القديمة، زجاج النافذة مكسور، والبناء القديم مستمر.

بدأ يظهر لي الملتحون، قال لي أحدهم بحدة وهو يهنئني بالحرية (أنس الماضي والأفكار القديمة). عائلته التحقت بأجهزة الحرس والشرطة، وانتعشت أحوالها، وخلقوا مجموعة من العيال المهتمين بالصلاة.

يتوافق مع هذا الاغتراب الديني اغتراب ثقافي وكأن الجانبين أو الاغترابين جزءٌ من منظومة فكرية متداخلة، رغم إن الاغتراب الثقافي حداثي، وعلماني، أي يرفض التعامل بالمفردات الدينية.

وهذا أشبه بالعدمية الدينية، حيث يُبعد الدين عن مجال التعامل، ولا يكشف ويحلل. والتعاملُ المحافظ هو كذلك إغتراب للدين، لأنه مجرد تظاهر براني به.

إن الاغتراب الثقافي لم يكن قد انقطعت صلاته بالمقاومة الاجتماعية التي كانت ساخنة في زمن السبعينيات، ومن هنا كان نتاج السجن الأدبي حافلاً بالانجازات الإبداعية، حيث وصلت القصيدة ربما إلى مستوى لم تقاربه مرة أخرى. لكن كانت القصة بحاجة إلى معالجة الواقع الجديد، وبهذا كانت خطى هذين النوعين الأدبيين مختلفة.

مسائل الثقافة هذه كانت أساسية، لأنها كانت التعبير الأكثر انتشاراً وقدرة على العلن، أي على النشر في الصحف والمجلات، في حين إن الكتابات السياسية غير ممكنة، وحتى لو ظهر هذا الخطاب السياسي، كما سيظهرُ في سنوات الثمانينيات نفسها، فإنه سيظهر موجهاً للقضايا الخارجية، أو للمشكلات الاجتماعية الطافحة المحدودة.

لهذا عملت على طباعة كتاباتي المنتجة في السجن عبر آلة كاتبة جديدة أشتريتها.

كانت آلة الطباعة القديمة قد تركتها بيد زميل لكنه قذفها في البحر(قال لي رجلٌ من منطقة الصديق بعد ذلك، بأنه هو الذي أغرقها بعد أن أبحر بقاربه وألقاها في منطقة كان البحر فيها غزيراً، ثم جاء فوقها الدفان!).

إن طباعة تلك القصص والروايات ثم البحث عن عمل ورؤية الأصدقاء كل ذلك كان متداخلاً في تلك الفترة.

وإذ كنتُ أستل تلك الأوراق الصغيرة من معاجين الأسنان حيث غرقت بسوائلها، أشعر بقربي بكلمات اليأس والخيبة.

يوميات صيف يونيو

اتصال من …

خولة مطر ت …

اعتذاران عن لقاء يوم 30 مايو، مرة لقاء في جريدة ، مرة لحضور جلسة محكمة..

فكرة رواية الربان تتصاعد: الربان يعيش في جزيرة صغيرة يأخذ الركاب في عملية موت، ظل لفتى مسيطر على الركاب، رواية ذات نسق أسطوري ~ واقعي

أعمدة: مقتول ضائع الملامح

ـ الأرهاب والطائفية

ـ الاكتمال الإسلامي

تساؤلات عن كلمات: بذنيك الزنديقان ص 113 من رواية عثمان ~ جوارب أم جوارباً ص 117.

شهر يونيو

 3 ـ اتصال من (…) فتاة جامعية انتجت كتاباً عن القصة العربية الكلاسيكية، تحدثنا حول نتائج مسابقة وزارة الإعلام القصصية وافقنا على اسماء الفائزين.

أعطيتُ خولة مطر نسخة من رواية عثمان بن عفان، كلمت صاحب دار (هاني الريس) الذي قال لها متحمساً أسرعي بها!

تحدثت خولة عن علاقتها بجريدة الوقت، ورئيس تحريرها إبراهيم بشمي المحروقة منه، والذي أبعدها عملياً عن رئاسة التحرير، ولم يدفع لها شيئاً حتى تاريخه! تذكرنا بعض الذكريات عن أبي خليل الصوفي!

4 ـ يونيو 2007 قرار المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية إجازة رواية عمر بن الخطاب شهيداً بعد رفض طويل لوزارة الإعلام ؛ شهران ونصف..

استعارة كتاب (رسمت خطاً في الرمال) لهاني الراهب طبعة سنة 1999 يتحدث فيه بشكل منولوجي كثيف واوسع وعبر تداخل العصور، والراوي المهمين على كل شيء هو بؤرة العمل.

أمينة مكتبة شباب رأس رمان فتاة صغيرة متخرجة وتبحث عن عمل وعملها الحالي كأمينة مكتبة بقيمة 50 دينار فقط اسمها زينب.  كتبت عموداً عن كتاب خولة مطر، حرب لبنان بعد قراءته.

انهيت مقابلات عبر البريد الإلكتروني حول أدب السجون لجريدة الوطن، وحول أزمة كتابي عمر ورأس الحسين لجريدة العهد (تعثرا في النشر، ملاحظات لاحقة).

أفكار أعمدة: العمال والإقطاع، وعي المغامرة ووعي العقلانية.

عشرة يونيو: أفكار جديدة تتعلق بتفسير القرآن: تداخل الإلهي والبشري، البشري هو الذي يعبر ويجسد تاريخه ومفرداته من خلال المظلة الإلهية العامة، الإله يترك الإنسان ~ النبي يعبر حسب ظروفه وإمكانياته عن نفسه، داخل المنظور الإلهي كذلك! كيف؟ ذلك هو التفسير الجدلي التاريخي للقرآن.

تضاد الاقتصاد والمرافق عمود محلي

متبجحون مذهبيون عن التعبير الكلي المطلق، دكتاتوريات صغيرة محدودة وأمية فكرياً.

 10 ـ يونيو فما بعد استمرار فكرة التفسير القويم…

عودة لرواية علي بن أبي طالب، عدم الاعتماد على المراجع، بل الخيال والرؤية الحرة..

هشاشة النيسج الفكري سيطرة التقليديين المسيطرين على الثروة تجعل التيارات الحديثة غير فاعلة، اهمية اختراق النسيج الفكري.

مقابلتان لا يعرف أصحبها كيفية توصيل البريد الإلكتروني، مقابلة أدب السجون، مقابلة حديث عن الروايتين.

23 ـ يونيو

تسيطر علي فكرة رواية عن البحرين والخليج في العصر الوسيط باسم (الحرية أو الموت) عن الشيخ مقرن، قرأت فصولاً كثيرة من كتاب (أفونسو دلبوكيرك) وهو من إصدارات المجمع الثقافي في أبوظبي مكون جزئين كبيرين، وهو سجلٌ كامل عن رئيس القباطنة البرتغاليين وحاكم الهند، فيه اسهاب عن أعماله الأجرامية في المنطقة ومجازره. ولا وتوجد معلومات وافيه عن الشيخ مقرن الذي اسستشهد في الدفاع عن البلد..

جرت في أسرة الأدباء والكتاب ندوة حول روايتي (عمر) و (رأس الحسين)، قدمت ورقتان تعريفيتان من قبل كريم رضي، وزكريا رضي،  وكتبت تعليقاً حول ذلك باسم قضايا الرواية التاريخية..

23 ـ يونيو وافق رياض الريس على طبع رواية (عثمان بن عفان شهيداً) سوف تصدر في شهر ديسمبر، على الأساس الارتباط بالمعارض، تخصيص نسبة من الدخل..

مع الانتهاء الكلي من رواية (ثمن الروح) تفكير في نشرها، رواية (التماثيل) نشرت في أخبار الخليج على حلقات في شهري مارس ~ مايو ‏2007‏‏.

ارسلت وكالة الصحافة العربية من مصر مسودات أربع كتب في أواخر شهر يونيو 2007، هي ثلاثة أجزاء من (الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية)، وقد سبق تصحيح الجزء الأول قبل شهور، حيث لم يطبع الجزء الرابع في طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

مع هذه الأجزاء هناك باسم (تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية).

لم ترسل خولة مطر أي نسخ من عمر.. قضية الرواية معلقة حتى الآن.

تجربتي في القصة القصيرة*

في هذه المداخلة سأعرض عليكم الخطوط الأساسية لتشكل القصة القصيرة لدي من خلال وقائع التجربة الحياتية والفنية وتبدلاتها.

اسمحوا لي، بأن تكون الورقة تتوجه لقراءة خيوط التجربة وتعقدها واختلافاتها، عبر محطات أساسية، ورغم إن هذه الطريقة تقترب من النقد الذاتي، إلا أنني سأعرض التجربة بموضوعية، مكتشفاً عملي عبر التحليل الداخلي والخارجي.

                                ⓵

  كيف تكونت القصة القصيرة لدي؟ لماذا لم تنفصل عن صرخاتي السياسية والاجتماعية؟ لماذا وجدت نفسي كاتباً للقصة القصيرة وللاحتجاج الوطني والاجتماعي معاً؟ لماذا غدت شخوصي مستقاة من المشاهدات والحكايات المروية والمواقف الحقيقية والرموز العربية ومن التجربة الحياتية بكل عفويتها في البدء؟

لا أعرف لماذا وأنا طفل توجهت لقراءة سيرة عنترة بن شداد، فلماذا هذه الشخصية هي التي ظللت طفولتي، فرحت أقرأها واشاهدها على شاشة السينما القريبة من حينا؟

هل مخاض التحدي المحيط، والحي الفقير المهموم بالحرائق والاستغلال، هو الذي يخلق جواً من البحث عن البطولة، واستبصار طرق الكفاح؟

هل يلعب مخاض الشعب البسيط المستعبد الباحث عن حريته من الأسياد الخارجيين والداخليين، دوره في خلق مناخ جاذب للفتيان، ومحرضاً لهم على الالتحاق به، والإضافة فيه؟

هل يغدو واقع الأمة المفتتة التابعة، والتي تستعيد نهوضها وتفكك شبكة تبعيتها وإرثها، روحاً هائمة قوية فوق نفوس شبابها؟

لا شك أن مناخ الخمسينيات الذي تشكلت طفولتنا فيه، والممتلئ بضجيج الإذاعات، وخبز المنشورات الساخن، والمعبأ بالمظاهرات، كان له دوره في الذهاب إلى رموز البطولة القصصية، سواءً كانت عنترة أم السندباد أم أولئك الأطفال اليتامى الذين يتلقون المساعدات من القوى السحرية.

لقد كان نمونا الدراسي والثقافي هو صراع ضد تركات المجتمع التقليدي، في عقد تخلص النخب الثقافية ~ السياسية من الأفكار العتيقة في الثقافة والسياسة، عقد تجاوز الأقصوصة الميلودرامية والإنشائية، والتلاحم مع مستويات الواقع، والتاريخ، عقد تجاوز أفق [الطبقة المتوسطة] على مستوى الممارسات الفكرية والإبداعية.

لا شك أن صعود ثقافة الشعب البسيط كان محصلة لتغير عالمي غامر، كان يدفق أدبياته ورموزه وخلاياه في الأحياء المأزومة.

  من هنا كانت أقصوصة رصد الواقع الفاقع، والتقاط ما هو طافح وبارز، وكشف مثالب [الأشرار] هي تعبير عن هذا المناخ الشعاري، أما البُنى الفنية السائدة فهي تعتمد على: التصوير الفوتوغرافي لنماذج بائسة، أو خلق بنية أولية لكشف التضادات الاجتماعية الحادة، واعتماد على اللمحات الخاطفة وعلى الرموز الأكثر حضوراً وديناميكية في الوعي العام كالنماذج الأسطورية والدينية..

  هنا تقترب الأقصوصة من وعي الخلية الشعبية، وتغدو على تماس فعال وساخن مع قارئ المرحلة المشحون، وتكون جزءً من المادة التحريضية، وذات صلة بالمقالة، رغم إنها بدأت تشكل بنيتها الأولية المستقلة عن ظاهرات الفن والوعي الأخرى.

هكذا كانت ممارستي القصصية تأخذ من هذه الوشائج عبر سنوات 66 ~ 75، التي صنعت المجموعة القصصية الأولى «لحن الشتاء».

  تلعب البُنى المشهدية دوراً أساسياً في تشكيل الموقف القصصي في كل المجموعة، فالحدث يبدأ من أول كلمة، وتنبثق معه الشخوص الأجواء، التي ترتبط به ارتباطاً مباشراً عنيفاً.

  في قصة «الغرباء»، أول قصة في المجموعة، نقرأ:

   (صحوتُ من نومي على أثر رفسات في بطني. شاهدتُ ثلاثة أشخاص في المنزل. رجلان وامرأة. الرجل الكبير السن ضخم، متين البنية. راح يتكلم لغة أجهلها تماماً. اعتقدت في بادئ الأمر انه مجرد حلم. فما اكثر الأحلام التي أرى.

  جرني الرجلان من السرير!)، ص 5.

  في الصراع بين الراوي والغرباء نكتشف بوضوح الدلالة، فهي تجثم مع الحدث والشخصيات، مما يعطيها بعداً واحداً.

  في البنية الفنية المشدودة بقوة وانعكاس إلى الواقع، هناك أيضاً الومضات الحكائية والرموز التراثية، غير المبتعدة عن فخ الصراع السياسي.

                                    ⓶

 في الثالث والعشرين من أغسطس سنة 1975، مع حل البرلمان في البحرين، حدث لي ما حدث لبطل قصة «الغرباء» من اقتلاع وخطف وحرق كتب..

في فترة الاعتقال هذه لا تسمع عن الناس من خلال الكتب، بل تقرأهم من خلال جلودهم المباشرة، وعبر الأنصال المحفورة في أجسادهم، والأخاديد التي تتكون في أرواحهم، وتغدو مسألة البطولة معرضة لامتحان عسير.

  لكن القراءة القصصية للبطولة تتم هنا في أجواء محمومة، وجماعية، ومضطربة، بحيث لا تستطيع الكتابة أن تنضج، وأظل على مدى سنة من التجريب العشوائي حائراً، وتبدو أدوات الكتابة من قراطيس السجائر وأوراق علب الصابون المجففة، مثل المادة نفسها عرضة للحرق والإخفاء والإلغاء، والقليل الباقي سوف يستقر في قلب معاجين الحلاقة!

  يمثل السجن مطرقة كبيرة لأدب الهتاف، فهو يعتمد على نشيد بطولي لم يمتحن. أما هنا فالمناضلون الذين يتحدون بمهربي المخدرات وبالمخبرين واللصوص، ويتعاونون معهم ضد رفاقهم، والمناضلون الذين هم مشغولون بفكرة السيطرة، أو الخوف، أو الانهيار، وأيضاً تلك القلة التي تجمع في أرواحها المعرفة والجراح والصمود، إن كل هؤلاء يدفعون الكتابة إلى ضوء جديد.

   فأما أن ينهار حلمه، مع تلقيه أخبار انهيار أسرته ولقراءته لكشوف الاعترافات وتقارير المحاكم الاستثنائية، أو أن يبحث عن أسس مختلفة قوية للفكرة.

  وبطبيعة الحال، كان هذا يحتاج إلى سنوات من تجميع مواد الظلمة والضوء.

  وفي السجن لا تستطيع أن تقرأ شيئاً من الأدب الجديد أو القديم، ولهذا مرت عليّ سنة كاملة في جزيرة السجن المسماة [جدة] دون إنتاج هام سوى قصة قصيرة واحدة هي «المغني والأميرة» أثارت الانتباه  حين نشرها في الخارج، وأثارت إدارة السجن ضدي فحصلت على وجبة ساخنة في زنزانة انفرادية.

  هذه القصة سقطت في أعماقي، وكان النحت اللغوي ~ التصويري فيها يرتكز على استغلال ثيمة حكاية تراثية، وشحن التعبير الغنائي بشعرية صادحة.

  والآن يبدو لي، بعد استرجاع التجربة، إن ثيمة التراث التي تدفقت في قصص أخرى عديدة، كانت إحدى الروافع لأبعاد القصة القصيرة عن البعد الواحد، والدلالات القريبة.

  لكن تدفق القصص الجديدة لم يتم في جزيرة السجن الساحرة ذات المناخ الرومانسي، حيث الصخور العملاقة والبساتين وامتداد الفضاء اللامحدود، وهدايا البحر الوفيرة، بل حدث في السجن العسكري التدريبي [سافرة]، حيث الزنازين غرف قديمة مهترئة، أو صناديق خشبية ضيقة لا تتسع حتى لشخصين عاشقين ! وحيث التدريبات العسكرية الصباحية لفرقة الشغب هي نباح مرعب، والموسيقى هي أزيز الرصاص الذي يستهدف التلال!

  هنا كان الإنتاج الأغنى والأكثر شاعرية. فهل كان ذلك بسبب وجبة الدجاج اليومية الأبدية المحروقة، أم بسبب الغرف المغلقة رهيبة الحرارة والتي لم تفتح إلا بالمعارك وبأحداث الشغب في معسكر مكافحة الشغب، أم عبر تراكم التجربة خلال هذه السنين، وبإغناء البنية الداخلية بوسائل فنية عديدة؟

ألاحظ الآن وأنا أروي التجربة إن الطابع الروائي أخذ يشق طريقه عبر القصص القصيرة. في هذه السنوات راحت القصص ذات الفقرات المتعددة والمرقمة، ولم أضع عناوين جانبية، تزيح القصص القصيرة جداً والمكثفة، تاركة المساحة لنمو الشخوص والأحداث المتعددة والمتشابكة، فمثلاً قصة «علي بابا واللصوص» والتي ظهرت في مجموعة «الرمل والياسمين» التي صدرت فيما بعد عن طريق اتحاد الكتاب العرب سنة 1982 بدمشق، تحتوي على سبع فقرات كبيرة مرقمة، هي أشبه بفصول مكثفة، أو مثل قصة «شجرة الياسمين» التي تتكون من تسع فقرات كبيرة، كذلك قصة «المصباح» و«الصورة».

  ألاحظ الآن على هذه القصص القصيرة المطولة اعتماد البنية المشهدية المتنامية عبر المقاطع المتعددة، في شبكة من الأحداث والشخوص، مما يشير إلى بنية روائية مختزلة، أو مُضمرة.

  لم يكن ثمة رغبة في كتابة رواية، ولكن العديد من تلك القصص كانت تقود نحو بناء روائي، بسبب تعدد الشخوص ومحاور القصة ومستوياتها. فـ «علي بابا»، في تلك القصة السابقة، هو حارس لقصر الملك، وهو دائم الأحلام، وتأتي الأحلام على هيئة حكايات متعددة تكشف قصة المغارة التي تتجمع فيها ثروة المدينة، وكذلك قصة حي الأزهار الفقير الذي يعيش فيه علي بابا، والأطفال الذين يسخرون منه، ولكنه وهو الحارس للقصر، يجد أن حريقاً أندلع ودمر حي الأزهار..

  تتوجه هذه القصص إلى كشف عوالم الشخوص والبنى المحيطة بهم، وكلما اتسعت عملية التحليل، بدأ تاريخهم الماضي يفرض حضوره، والماضي بمستويين هما:

  العربي القومي برموزه، والمناطقي الجزيري بتاريخه وعلاقاته القريبة المؤثرة بصورة مباشرة.

  لهذا غدت القصة القصيرة لدي مقدمة للتجربة الروائية، أو هي استراحة فنية وتمارين بين روايتين، ومن هنا قادتني تلك القصص القصيرة المطولة إلى روايتي الأولى المعنونة باسم «اللآلئ».

  رواية «اللآلئ» هي تتويج لهذا المشوار القصصي القصير، ذي البنية المشهدية المتعددة الصراعية، الواقعة بين الحاضر والماضي والمستقبل، والمُحاطة بتضاريس المكان والزمان.

                                    ⓷

ما هي العلاقات بين القصة القصيرة والرواية لدي؟

  تظهر الرواية بقوة، عبر تجربتي، وتخفت القصة القصيرة، وتغدو محطات بحث فني واستثمار مختزل لمنجزات الرواية؟

  رغم الوشائج بين الفرعين في النوع الأدبي الواحد، بين هاتين الجارتين في عمارة القصة، إلا أن التباينات هامة بينهما، فرغم الاشتراك في علامات الحدث والشخصية والزمان والمكان، إلا أن الافتراق كان كبيراً وخفياً، ليس عبر كم الورق، ولكن عبر قوانين البناء.

  يبدو لي أن القصة القصيرة ذات علاقة باللوحة أو باللقطة، أو هي البنية المركزة التي قد تستدعي خيوطاً لا مرئية قوية مرتبطة برؤية الكاتب. إنها ذات علاقة بالتصوير، والنظرات الجزئية، ولكن الرواية ذات علاقة بالتاريخ والفلسفة، حيث هي تحويل لتلك البُنى المكثفة المتصاعدة إلى قراءة عميقة للواقع.

  وإذا كان ذلك يبدو مستحيلاً بدون دراية بسمات النوع الفني والسيطرة عليه، فإنه يبدو كذلك مستحيلاً بدون دراية بالتاريخ والفلسفة، فهما اللذان يضعان الرواية على أسس صلبة.

  لكن القصة القصيرة تأخذ شيئاً قليلاً من هذين العملين، أو قد لا تأخذ على الإطلاق، ولكن القصة القصيرة التي كتبتها تمردت على ذلك، راغبة في الإنشداد نحوهما، واكتشاف الأشياء.

  من هنا لم ترتبط القصة القصيرة لدي باللقطة المركزة المفصولة، وبتصوير النماذج البائسة من الفقراء، بل غدت هي قراءة للفعاليات الإنسانية في حضورها المتنوع. فأنا لا أصور رجلاً شحاذاً، وأجسد بؤسه الراهن، بل أبحث عن رموز الفعل، أي كيف لم يتحول الرجل إلى شحاذ.

  الآن وأنا  أقرأ ذلك وأستعيده وأفكر فيه، لم أكن أخطط لهذه المواصفات مُسبقاً، وأجد أن عشرات الشخوص في «لحن الشتاء» و«الرمل والياسمين»، وقبلهما وبعدهما، تتلمس بذور المقاومة في الأرض والروح، في السقوط والنهوض، خارج السحر وداخله، في الفقر والغنى. الخ..

  الفتاة في أقصوصة «الفتاة والأمير» تستغل السمكة السحرية للصعود من مستنقع الفقر.

  علي بابا الحارس للقصر الملكي السعيد يحلم بالثورة.

  الرسام في «شجرة الياسمين» التي تموت أخته عبر مرض خطير، يستعيدها باللوحة.

  في قصة «العوسج» من الرمل والياسمين، يحتضر المخبر [الثوري] ويتذكر تدميره للجماعة عبر استعادة لمرثية مالك بن الريب في احتضاره.

  وهذه الحالات المقاومة وسط تضاريس الدم والدموع والفرح، تنمو وتتجسد عبر شخوصها وحالاتها ورموزها، محولةً المقاومة إلى فعل موارب، ذائب عبر مادة الأشياء والحالات.

  ومن هنا فإن هذه الفكرة تبحث عن حالاتها ومثيلاتها ودرجات نموها في الماضي، مما يؤدي لاتساعها وتشابكها مع تضاريس المراحل التاريخية المختلفة.

  ولهذا أجد أن «الرمل والياسمين» التي كُتبت عبر سنوات السجن كلها [75 ~ 80] لم تكن تحمل هذه السمة فحسب، بل أن هذه السمة كانت تتجول عبر التاريخ، في مادة الخرافة، وفي عصر الخلافة، والمماليك الخ..

  قل بأن السجين، كان مثل الأمة المعتقلة، وقواها الحية، يبحث عن حريته وصناعها في الماضي والحاضر.

في قصة «لعبة الرمل» يطلب الوالي من السجين أن يجتاز الصحراء في الليل، وإذا استطاع أن يقبض على غصن أخضر قبل طلوع الشمس، فستكون له حريته، وإلا سوف يُقتل!

  إن روح المقاومة التي يبحث عنها القاصُ في المواد الخارجية يشكلها في روحه أولاً، ويتشابك معها، وينمو بها، وقد يهزمها فيصير قصه نثراً بارداً، وحالات من الصنعة المتقنة، فيغدو الغيم حيادياً، والمطر حالة موسمية، والأزقة فلكلوراً، والمراحل التاريخية الماضية فردوساً..

                                    ⓸

قبل أن تخرج من السجن يطلب منك الضابط أن تتحول إلى مخبر، قائلاً إن ذلك لا يعني الانقطاع عن [الانتماء] والكتابة!

  في هذا الفهم البوليسي ليس ثمة تضاد بين أن تشكل قصة وأن تكون مخبراً، وتغدو ثمار المعاناة والاكتشاف والصلابة مُشتراة بكمية من النقود والقهر، ولكن في حالة الرفض للطلب البوليسي فإنك مطالب بمواصلة جمع الثمار الحارقة من شجرة الحياة مُجدداً، فلن تكون الوظائف النادرة مفتوحة لك، وستحارب في عملك وسكنك.

كانت ثمرة الخروج في سنوات الثمانينيات الأولى كتاباً قصصياً ثالثاً، هو «يوم قائظ» نُشر بدار الفارابي سنة 1985.

  تبدو الأعمال في هذا الكتاب مضطربة نوعاً ما، قلقة، غاب عنها ذلك الزخم الشعري الواسع الذي تكاثر في المجموعة القصصية الثانية، وقلت تعددية الشخوص والأحداث، التي لجأت إلى الرواية، وغدت المشاهد أقصر وأكثف، ويجسد ذلك تنامي النوعين وافتراقهما، وتبدل ظروف الحياة والكتابة، فأجواء السجن أدعى للتأمل وإعادة الصياغة، في حين تقود ظروف الحرية والعمل والاشتغال في الصحافة إلى الاختزال والتعبير السريع.

لكن الأبطال الإيجابيين لم يختفوا من هذه المجموعة التي دخلت قيظاً وطنياً لاهباً، تمكنت فيه الجماعة المسيطرة من خلق عدة أوطان في الوطن الواحد، فوطن الأرستقراطية المميز قصور وفلل وتملك خرافي للنفط والأراضي والعمل المأجور الأجنبي، واستباحة للقوانين والدستور والعقل، وهناك وطن للناس العاملين المنقسمين طائفياً، والمشتتين، والواقعين في أسفل الهرم، والمذابين بشتى المهاجرين من شتى الأمم، وهناك وطن البورجوازية الكبيرة المتنعمة السائرة في ذيل الدولة.

  مثل هذا التكوين الاجتماعي المغاير لزمن ما قبل السجن، كان انتصاراً لتغييب الإرادة الوطنية، وهو بنية افتراسية للأدب الحر.

  وتقوم القصة القصيرة بالتقاط هذا الواقع المختلف، المضطرب بتجريب وبحث، وبالدخول في تفاصيله الجديدة، لأن اكتشاف البنية الاجتماعية قصصياً مسألة إبداعية.

  إن الشخصيات الإيجابية ممزقة، مشتتة، وإيجابياتهم الفردية تضيع وسط سلبية عامة، وسلبياتهم الخاصة تنمو وسط خراب روحي متصاعد.

  إن الشخصية المحورية في قصة «الدرب» من هذه المجموعة، عاملٌ هندي يموت أثناء إنشاء طريق في الصحراء، وهناك الرجل الذي يروي القصة، وهو زميل للعامل الهندي جوزيف، وهو يعمل معه في إنشاء الطريق الصحراوي بالإسفلت المشتعل، وهو رجل معذب آخر، والقصة لا تكتفي بمشهدية بناء الطريق، وهي المشهدية البؤرية الأساسية، التي تتخللها ذكريات واسترجاعات صغيرة وامضة لجوزيف وهو يعمل ليلاً أيضاً في البار، وهو يضرب، وللراوي أيضاً وهو يُخرس من قبل زوجته لئلا يحتج، والطابور يتحرك ويتغلغل في الصحراء..

  (نظرنا إلى بعضنا البعض، رجالٌ سود وصفر وبيض، أنبتتنا جبالٌ وانهار ومدن وصحارى والقانا التيار الصاخبُ في جدول ضيق..).

  مشهدية البؤرة تتداخل والاسترجاعات الثانوية لتصعدها، في الانفجار الداخلي بموت العامل الأجنبي، وبالصخب المتوقع لهذا الجمهور المُستلب، ليحل الصمتُ المؤلم في النهاية.

  إن الأبطال غير بطوليين، وتتشكل ثيمات الانقسام والتآكل الداخلي، والحلم، وتتفاقم الكوابيس والانشطارات، والشخوص والحالات تومض.

  في قصة «الجد» ترى العائلة كلها بأن الصبي، الشخصية المحورية في القصة، مريض، ويأخذه الجد في رحلة تتناثر فيها صورُ العائلة ومواقفها، ويظهر أن أفراد العائلة هم المرضى، وليس هذا الطفل الحزين عليهم.

 ⓹

كانت العلاقة الأولى التي نشأت لدي بين القصة القصيرة والرواية، هي أن الرواية كانت مضمرة في بعض بُنى الأقاصيص، كانت تمتحن وجودها وتكويناتها الأولية، ولهذا حدث ذلك الأتساع الكمي للقصة القصيرة. ولكن في عقد الثمانينيات أخذت الرواية المشهد الأساسي في التأليف فظهرت روايات عدة: «اللآلـئ» ~ «القرصان والمدينة» ~ «الهيرات» ~ «أغنية الماء والنار» ~ «مريم لا تعرف الحداد».

  كانت العناوين والموضوعات الوطنية تنمو على نحو واضح.

  ولم تعد القصة ببنيتها القصيرة قادرة على استيعاب التحليل الموسع للشخوص والأحداث. وإذا بدت الروايات كروايات قصيرة في هذا العقد فكأنها لا تزال تعيش مناخ القصة القصيرة، لكنها قصة اتسعت مشاهدها، وشخوصها، ودخلت في عالم تعددية الواقع وأصواته ومستوياته.

  ولكن هناك تداخل بين الجنسين، وأظن إن الرؤى الأساسية التي كانت في تلك القصص تعمقت وحصلت على بعض بذورها.

  في قصة «علي بابا واللصوص» ثمة مقاطع قرأتها عند إعداد هذه الورقة رأيت فيها كيف كانت بذرة لتكون رواية «أغنية الماء والنار»، حيث يجري الحارس علي بابا إلى واحة الأزهار ليجد غابة الأكواخ محترقة.

  وهذا مشهد حقيقي جرى في حينا. وأظن إن علي بابا قد تطور في الرواية ليصبح هو راشد، الذي كان يبيع الماء للأكواخ ثم قام بحرقها بناءً على علاقة مع مالكة البيوت تلك.

  إن شخصية المنتمي المنقسم، وصراعاته بين القوى المختلفة، كانت بذوراً في القصة القصيرة وغدت مساحة واسعة، وتكوينات بشرية متعددة، ومشاهد مستقاة من الواقع، والحدث العابر في القصة القصيرة صار هو المحور الروائي، سواء قبل تشكله أم بعد حدوثه.

                                     ⓺

مثل عقد التسعينيات استمراراً لتدفق الرواية، ومتابعة القصة القصيرة لها، وتقطعها بينها. فهناك خمس روايات وثلاث مجموعات قصصية على مدى هذا العقد.

  ولم تزل القصة القصيرة محملّة بثقل الشحن الحدثي والرمزي. فأي بؤرة قصصية لا تكتفي بذاتها، فهناك دائماً خيوط صغيرة مشدودة إلى آفاق لا مرئية.

  إن البنية المشهدية المتصاعدة لا تزال هي أساس التشكيل القصصي، لكنها مُحملة برموز وتداعيات مكثفة.

سوف آخذ فقط المجموعة القصصية الأولى في هذا العقد وهي «سهرة» الصادرة سنة 1994، فلقد ترنحت الشخوص الإيجابية وغدت أكثر ملموسية، وحاولت أن تكون أحفل بالصراعات الحقيقية، دون إذابتها في التفاصيل الثانوية.

  في قصة «الرمل والحجر» يقوم البدوي مظفر باقتحام خيمة عالم آثار لينتزع الحجر الأثري الثمين منه.

  ونجد البنية المشهدية باتجاهين، اتجاه كشف حياة العالم الغربي، واتجاه لكشف حياة مظفر، عبر الصراع بينهما، حيث يحاول الأول الاحتفاظ بالحجر، ويقوم الثاني بسرقته.

  إنهما نموذجان متضادان، فالعالم رجلٌ يعمل لكشف مدينة أثرية، وقد وجد الآن مفتاحها وبابها، وكان قد عانى طويلاً وفقد زوجته وشاخ في سبيل هذا الكشف.

  أما الآخر فقد قُتل أخوه بيد الأمير لأنه أحب جاريةً لديه، فقام مظفر بالثأر لأخيه، وأصبح مطارداً طوال سنين، فراح يسرق ليعيش.

  الرجلان يعبران عن تصادم غريب يمكنه أن يجمع تضادات جغرافية واجتماعية وثقافية.

  أظن إن القصة القصيرة بهذه الصورة تغدو مشحونة ومتوجهة لرصد مسارات تتجاوز الانعكاسية المباشرة والأرصاد الجوية اليومية.

  هل يؤدي ذلك إلى تراكب وتقد القصة القصيرة؟ هل يساعد التصوير الملموس على فهم الأبعاد الصراعية للحظة؟ وهل يؤدي هذا إلى تجاوز القصة القصيرة المحدودة أم إلى اختناقها؟

  إن كل هذه أسئلة مفتوحة للحوار.

 ولنأخذ قصة أخرى من نفس المجموعة هي «خميس»، إن القصة تُروى من خلال أسلوب الراوي، وهو ربان السفينة ومالكها.

  كان يمكن لأسلوب الراوي أن يزيل البُنية المشهدية، لأن تدفقات الراوي غالباً ما تكون حرة، إلا أن التجسد المتنامي ظل مستمراً واضعاً شخصية الراوي نفسه وخميس في علاقة فنية.

  خميس، الرجل الشعبي القوي والبسيط، يغير حياة الراوي تماماً، فسفينته الصغيرة ومدخوله الشحيح يتحولان بصورة طفرات، ويلعب خميس دور صانع الخوارق والتحولات المدهشة في حياة الربان، ففي أيام البحر يغمره باللآلئ، وفي أيام الكساد الغوص يكتشف الزيت.. ولكن الآلة تقطع ساقه ويزاح من عالم الربان الذي يحن إليه قليلاً..

  في هذه العلاقة الصراعية التعاونية، الواقعية السحرية، هناك نموذجان يصطدمان ويعبران عن مراحل وتوجهات متضادة.

— — — — — — — * محاضرة ألقيت في مهرجان الرباط الدولي بدعوة من اتحاد كتاب المغرب.

تجربتي في الرواية*

كانت عائلة صغيرة قد قدمت من بلدة بحرية (مدينة الحد) وسكنت مدينة المنامة في مجمع كبير للبيوت المصنوعة من سعف النخيل. فقدَ الأبُ ورثَ أجداده البحارة أصحاب السفن والغوص على اللؤلؤ والتجارة، وصار عاملاً زراعياً في شركة النفط، وبسبب هذا الانتقال إلى هذه المنطقة المليئة بالأحداث والجماعات السياسية وضعني والداي في بؤرة الصراع، والأب اشترى لي بعض السير الشعبية والأم قدمت لي الشعر العامي والأغاني، ثم رفضا ثمار هذا التحول.

فهي قبل أن تموت، وفي زمن عصف الشباب السياسي، وكانت الغرفة تمتلئ بدخان أوراق التقارير السياسية المحروقة، قالت لي أمي:

[دع عنك هذه الأوراق].

 كانت الأوراقُ كثيرة: كتبٌ ومجلاتٌ ومعها أصدقاء كثيرون، وخلايا في حارات المدينة، وثمة أحلام كبيرة بتغيير الوطن والعالم، ووقوفٌ صامدٌ طويل مرهق أمام عيون الطلبة في الصباح.

كانت أوراقٌ كثيرةٌ تحترقُ أو في طريقها للاحتراق ، فحين جاءت الشرطة في صبيحة يومٍ أغبر هو الثالث والعشرين من أغسطس 1975، يوم حل البرلمان في البحرين، أصر العريف على حمل كل كتبي عن التراث الإسلامي ونصوص الروايات وكتب الفكر إلى الجيب، فسألته وما دخل كتبي؟ لماذا تريد أن تأخذها هي الأخرى؟

معتقداً بأنني سأعود إلى هذا البيت الهادئ مرة أخرى، ولكن العاصفة أخذتني.

رفع العريف سماعة هاتف بيتي واتصل منها وجاء الأمر بحمل مئات الكتب من المنزل البسيط في حارة الفقراء! فيما بعد رأيتُ المحرقة عند بوابة قلعة المنامة، فكانت براميل سوداء لا تختلف عن أية براميل للحرق ، وفي خطوطها السوداء المتفحمة رأيتُ مصير الثقافة والرواية في عالمي!

في زمنِ تعليم الأطفال والأولاد تصعب الكتابة الأدبية، وفي زمن الطرد من مهنة التعليم بسبب الدعوة لإصلاحها ، والاشتغال في صحافة التحقيق المنتوف الريش والأظافر، تصعب الكتابة الإبداعية، فاللهث وراء اللقمة وكتابة حروف انعكاسية عن الأسعار والأكواخ، تمزقُ آخرَ ما بقي من رقة وخيال!

والآن أطبقتْ أسوارُ السجن، ووقفت القبضاتُ الصلدةُ على الباب ، فلا ترى العينُ سوى الجدران، أو الأصدقاء، ولا تسمع سوى شريط الماضي يتدفقُ صوراً، وكتلة الأحجار والقبضات مكونة من أجل أن تنتزع آخر ما بقي في رأسك من حلم، وآخر ما في روحك من حروف.

ولكن عليك أن تقرأ  سواء من مكتبة السجناء الفقيرة أم من جريدة تحصل عليها، والجريدة ليست سوى أوراق ملوثة عليك أن ترفعها من برميل الزبالة وتخبئها في فوطتك وأنت متجه لدورة المياه في الصباح البارد.

كلُ شيءٍ يدعوك للموت الثقافي، الصراخ والعلبة الأسمنتية الصغيرة ووجود الرفاق المستمر فوق رأسك، وغياب الشاي والهدوء والنساء.

لكن الكتابة في الظلام ممكنة، حين يختفي النورُ منذ العصر، يمكنك أن تخربش فوق الورق المعتم، وتملأ رأسكَ بالحبكات القصصية، التي تكبرُ كل يوم من اليوم السجني الطويل، تتعثرُ بالأرز اليابس، أو بشوربة العدس الأقرب للقيئ، أو بأشباح النسوة لكن الكتابة تنمو فوق الأرض الحقيقية ، تسحب الصواري من عند البحارة الذين غطسوهم موتى وهياكلَ خاليةً من المعنى في قعر الخليج، فتغدو الروايةُ الكبيرة المخططة في الرأس روايات عديدة.

كتبتُ روايات عدة على أوراق السجائر وعلب الصابون في السجن، مثل: الدرويش والذئاب، و لا مكان للصعلوك بين الملوك.. ورواية عن شهرزاد المسجونة بعد قصصها المثيرة للقلق، ولكنها كلها لم تنشر، كانت مليئةً بالخيال وخاليةً من العظم الإنساني، وشخوصها كأشباح تمشي في زمان بلا مكان، إذ تحدثت عن شخصيات تكون هاربةً منسحبة إلى أدغال ذاتية رمزية، وإذ ثارت تكون ثورتها مسيّسة صارخة. وهي بلا وطن معين، وبلا بشر منتمين إلى بنية موضوعية..

لكن في سنينك العجفاء الحجرية هذه قد تتصاعد إرادتك وقد تذبل. قد تحول ذكرياتك وعلب الصابون إلى نسيج من الكلمات، وقد تفقد إيمانك ودورك وتصبح كلماتك من أجل أناك فقط.

هذان طريقان من طرق عديدة قد رأيتها فيّ وفي الآخرين، والرواية تتشكلُ هنا كمحاولةٍ لهدم السياق النثري التبسيطي، ولهذا تزخرُ باصطناع أدوات تقنية لعدم الوقوع في سطوة الجدران والصراخ الليلي لأناشيد المعتقلين، ومن هنا تـُرفد بخيالٍ فسيح، تسمحُ به أيامُ وليالي الفراغ الطويلة، ومن جهة الدلالة  تقومُ بالانغراس في جذور الأرض لأن كل يوم هو لحظة ألم وأمل، خاصة أن أرواح السجناء الحية تتعفن أمامك. يصبح الماضي ملاذاً مهماً. فتنسجُ من ذكريات وقصص متشظيةٍ يرويها الأبُ عن زمنِ الغوص، ومن استدعاء لتاريخ الخليج بسفنه واحتفالاته وطقوس بحره، ومن كتب الخلايا الوطنية المليئة بروايات المقاومة، ومن أحاديث وموضوعات السياسيين والمؤرخين، ومن لفائف السجائر وخيوط العنكبوت الغازلة للرماد والتراب والحرير، ومن موت الأم المفاجئ السريع، فتطلع إشعاعاتٌ ويتشكل وميضٌ، وتتشكل الشخصية المأزومة المقاومة لب الحياة في قص من هذا النوع، وهكذا تظهر القصص القصيرة أما أن تكتب رواية فأي ورق هنا وأي دار نشر ستنشرها وأين الأقلام؟!

كذلك فإن للرواية نسيج حدثي وشخوصي كبير، متشابك، ومتنامٍ، والرواية في البحرين وقتذاك زمن أواخر السبعيينات  من القرن الماضي لم تظهر، فكيف ستظهر من السجن؟

كانت الجدران تحيطُ بنا، في الداخل والخارج، فذاكرة بشرنا ممسوحة من الملاحم، ولا يوجد لنا أرشيف إبداعي، وحتى تاريخ مسجل وقتذاك، ولهذا كان الأمر يتطلب الكتابة الروائية حقاً، ومن قعر تلك القفة الحجرية، في معسكر في الصحراء، في صندوق من الخشب معمي العينين، إلا من ثقوبٍ صغيرة تحددُ لك أشباحَ القادمين المفاجئين ، يمكنك أن تكتب روايتك الأولى على قراطيس السجائر. والروايةُ سواء كُتبت في قصر أم في مركز للإعدام في سافرة، فإنها لا بد أن تأخذ شهادتها الشرعية من بنائها.

كانت الرواية الأولى التي نـُشرت لاحقاً باسم (اللآلئ) بها الشرارة التي بحثت عنها. هنا وقفتُ على أرضي، هنا تلفتتُ فوجدتُ وطني. رأيت أبي وخالي وأمي. رأيتُ السلاسلَ والأزهار والأساطير. إنها عن الربان المغامر، عن النوخذا القاسي الذي يؤخر سفينته بعد انتهاء موسم الغوص طمعاً في المزيد من اللؤلؤ الثمين يواجه بعاصفة مفاجئة تطيح بالسفينة على إحدى الجزر.

ليس عرض صراعات الغوص، وظلالها المعاصرة، هي فقط ما شدتني إلى تلك الشخوص التي ظهرت فجأة بل أيضاً اللغةَ المتشظية المنفجرة المتداخلة سرداً وحواراً والراجعة دائماً إلى الوراء بحثاً عن خيوط الشخوص وأسرار المكان. إنها عودة دائبة للزمن الخلفي كمحراث أساسي في شق تربة الحاضر أمام تطورات الصراع المشهدي المتفاقم باستمرار.

هذه اللغةُ التي أحببتُ أن ترافقني وأنا أعيدُ النظرَ الفني في تاريخ الخليج وزمنه الراهن، وأن لا تتوقف مسيرة الغواصين عند جزيرة النوارس الفارغة من التاريخ والبشر في [اللآلئ]، بل أن تمتدَ خيوطُ السرد من قلب البحر إلى الطوابق المتعددة المهدمة المتصارعة المتشكلة في روح الإنسان.

وأنا في السجن وفيما بعد في أحداث الحياة الحافلة وفي البطالة الطويلة وكتابات الصحافة، انشغلت  بالتقنية التي راحت تتهدم وتنبني بإيقاعات مضطربة، خائفاً دائماً من أن تأكلني التقارير ولغة الصراخ. كان الصراخ هو الانفجار النفسي والفني الوحيد الممكن في شريط حجري محاصر. كثيراً ما نصرخُ في الليل موقظين الصحراءَ العسكرية إلى فقداننا للهواء، خائفين أن نفقد الفن وخائفين أن نفقد اللغة والحياة فجأة، وهذا الشعور يدفعنا للمغامرات الفنية بأساس حيناً وبدون أساس حيناً آخر، فقد تشبعنا من مسامير الواقع وصدئه الكثيف في أعمال الانعكاس، ومن هنا أخذتُ في التركيب الشخوصي والحدثي وفي تعدد الرواة إلى درجة التداخل الشديد أحياناً كما في [القرصان والمدينة]، هذا العمل الذي أعدت النظرَ فيه في طبعة ما يسمى بالأعمال غير الكاملة.

فشخصية المدرس المحورية لم تكن تروي لوحدها حدث خطف زوجته من قبل الفنان الكبير كامل، بل أن الربان المتهم بالقرصنة كان يروي كيف خان الثورة وسلم مراكبه للعدو.. روايتان على مستويين زمنيين مختلفين متداخلين.

وفي اللغة التي تغدو غايةً غير منفصلة عن المعمار، وفي الشخوص والأحداث المركبة وفي التكثيف تكونت أساسيات الرواية الأولى، اللآلئ، القرصان والمدينة، والهيرات (أي المغاصات)، وأغنية الماء والنار، وامرأة، والضباب،  وكان عليها أن تتغير مع تبدل حالة الكاتب وهو يخرج من العزلة.

حين جاءت الثمانينيات خرجتُ من بين الجدران، بأعمال قصصية وروائية مخزنة في علب الحلاقة، وكان عليها أن تخرجَ من بين السوائل عبر آلة كاتبة قديمة أخذت تشتغل فوق طاقتها، في بيت أبي الذي لم تعد فيه أمي موجودة لكن كثرت فيه الأوراق التي لم تكن تحبها. وقد كلمت أشباحها الكثيرة إنني لم أحرق الورق فقط. والوطن لم يعد هو الوطن فثمة أحياء أخليت من العقل واجتاحها جنونُ الدكاكين الأجنبية، وغدا فيها البشر حصالات متجولة. تعملقت الدولة وصارت حوتاً يبلع البشر ومال الناس والقيم  وصار بيع الروح هو الخيار الوحيد لتحصل على عمل ومسكن وصورة في الجرائد.

وهنا لا بد أن تعود لغةُ التواصل المباشرة وتنقطع استراحة المحارب الشعرية، ويعود القاص المنعزل إلى صحفي على أرض ملأى بالحطام وبفتات المناضلين وباستيلاء الماضي السحري والديني على الحاضر الضائع.

كنت أمشي نحو المجلة التي اشتغلتُ فيها أكتب تحقيقات، أركض نحو المزارع والأحياء، وأوقن أن مسألة الكتابة القصصية والروائية مستحيلة.

لا يزال النوخذا المهووس باللآلئ سابقاً وبالذهب والنفط والرقيق والآثار راهناً، والمغامر بحياة بحارته، لا يزال يمسكُ الدفةَ بين صخور العصر ونافورات النقود، وقد تحول إلى مجنون يبيع أرضه ونخله وبحارته وأبناءه لمن يدفع، وصار الواقع جملةً من الكوابيس، وغدت المقاومة نفسها انتحاراً أو جنوناً آخر..

لكن صحافة التحقيقات فتحت عيناي على الأدغال المتوارية وراء الشوارع الرئيسية حيث القرى والأزقة المثقلة، والتي انفجرت في صراعات دينية ضارية.

أكدت الانفجارات الدينية محدودية الرواية الواقعية، فذلك الحفر فوجئ بضخامة الموروث، وطلع ربانٌ آخر يريد قيادتنا للماضي، وتناولت رواياتي وروايات آخرين ما هو معاصر، وأنشدت للراهن والجزئي غالباً، في حين أن الدين وجذوره الموغلة في القدم غير مرئية بعمق في هذا الراهن المروي ونحن في غربة برواية محدودة القراء وبلغة صعبة وفي زمن أزمة الكتاب!

ولهذا رحتُ أقرأ مجدداً الإسلام والتاريخ العربي، وأعتزم أن أشكل رواية كبيرة عن الفتوحات الإسلامية، ولكن هذه القراءات أخذتني لبحث هذه الفترة وصراعاتها الاجتماعية وتياراتها الفكرية، حتى صارت عدة مجلدات عن تطور الوعي الفكري والفلسفي.

حينئذ غدت الصراعات الروحية تتجسد في أكثر من رواية معاصرة مثل رواية (الأقلف). وهي عن الطفل اليتيم المشرد الذي تتسع دائرة حيرته لتصل أطراف الدنيا المتباعدة فيصير الانتماء أما إلى الشرق أو إلى الغرب، إلى الإسلام أم إلى المسيحية؟ إلى الوطن أم إلى الاستعمار أم إلى الإنسانية؟

شدتْ دراستي الطويلة عن الوعي الديني أنظاراً، وغدت دائرة الحوار مع اتجاهات متعددة تتسع، فقد غدا الدين محور الوعي في هذه المرحلة الشائكة، وفي لحظة خاطفة غريبة: قلت لماذا لا تغدو الرموز الدينية مجالاً للرواية، وقد شدتني خاصة شخصية الحسين، وانقطعت عن ما كـُتب عن وجوده الحي، آخذاً رأسه المقطوع الدامي في رحلة روائية لم تؤخذ من قبل.

أما الضجة فقد حدثت على رواية (عمر بن الخطاب شهيداً) ثم (عثمان بن عفان شهيداً) اللتين منعتهما الرقابة في بلدي، وهما روايتان تبجلان كذلك رموز الإسلام لكنهما تتناولان الصراعات الحقيقية الدائرة وقتذاك.

 إن كتابة الرواية التاريخية عملية صعبة ليس بسبب الدخول لتجسيد الصراع الاجتماعي في ذلك الزمن التأسيسي المقدس للأمم الإسلامية، بل كذلك بسبب تصوير ما هو ملموس من أشياء ومناخات وأمكنة، فمعرفة النباتات والفواكه لا تنفصل عن وضع الشخصيات في تلك المواقف الدرامية والمأساوية للشخصيات العظيمة وهي تـُقتل في ذروة الانتصارات والانقسامات العميقة النارية تتصاعد بين صفوفها، لكن الرواية العربية وخاصة التاريخية لها مهمات خطرة يجب أن تنجزها وترافقها بحوث مفككة للوعي المتكلس المستمر.

هذه لمحاتٌ خاطفة عن تجربة بدأت عند شواطئ قصية للوطن العربي، ومبعدة عن التعليم والنشر، ثم راحت تتغلغل في جذوره وماضيه بحثاً عن تفكيك قيود أحاطت بنا كزنازنة هائلة، لا ينفع معها الصراخ بل التحليل العميق لبناها الغارقة في القرون الوسطى.

— — — — — — — * ورقة مقدمة لملتقى الرواية العربية في القاهرة.

مبدعٌ 

يعمل الروائي البحريني الكبير الأستاذ عبدالله خليفة، بدأب وصبر، على ترسيخ تجربته الكتابية والإبداعية عموماً، بما يشكّل حالاً متميزة قلّ نظيرُها من الإخلاص والتفاني، من دون النظر إلى المكاسب الآنية والعاجلة، وبما يحافظ على ذاته المبدعة من الوقوع رهينةً لواقع كان ~ ولا يزال ~ شديد القسوة تجاه المبدعين الذين يحملون على كهولهم عبئًا شديدًا في خلق حال من التواصل بين المبدع من جانب ومجتمعه من جانبٍ ثانٍ.

هذا المبدع الذي تكرّس في أعماله على قراءة نماذج وشخوص من قاع المجتمع، ينتمي هو ~ بهمومه وأحلامه الإنسانية تجاه الآخرين ~ إلى الطبقات الاجتماعية المسحوقة نفسها التي عانت شظف العيش، وأحلام الأفكار. ودفع ضريبة ذلك كله سنواتٍ من عمره في المعتقل، دفاعًا عن آرائه وحريته في الالتزام. ومع خروجه من المعتقل، لم يعرف التراجع عن آرائه وأفكاره، وبقي مُصِراً على الانتماء إلى الهامش الاجتماعي نفسه الذي خرج منه. ولعلّنا من هذه البوابة، بالذّات، نفهم ونقرأ كتاباته عبر عموده اليومي في الزميلة «أخبار الخليج»، وبقية مشروعاته الفكرية التي يعمل عليها ضمن أوراق بحثية عدة قرأناها له، وليس آخرها ورقته التي قدّمها في أمسية أسرة الأدباء والكتّاب بتاريخ 27/12/2004 عن «الحركات التغييرية في التاريخ الإسلامي الأول».

ومع التأمل الجاد في نتاجات عبدالله خليفة، سنجد أنها تصل بين جهده الفكري وجهده الإبداعي عبر ثيمة «الهم الاجتماعي».. ولكن مع ضرورة الالتفات إلى جملة من الملاحظات التي ترد على أوراقه البحثية. ولنأخذ ورقته الأخيرة التي قدمها بأسرة الأدباء مثالاً على ذلك. فقد كانت ورقته وفية لمنهجية تلتزم بالطرح المادي كمعطىً أساسي في تحليل الوقائع والحوادث التاريخية. وهي منهجية على رغم أهميتها الشديدة في العرض والتناول، فإنها من المتوقع جداً، وقد حدث مثل ذلك كثيراً أن تغفل معطياتٍ أخرى ربما تفوق في أهميتها هذا المعطى، وهي ~ حتمًا ~ لن تقلّ عنه أهمية. ولعلّ الأفكار والقِيَم ~ وعلينا أن نتذكّر إخلاص المبدع «عبدالله خليفة» لأفكاره ونظام القيم الذي ينتمي إليه كان حاسماً في مساره الخاص، ويبقى حاسمًا لآخرين كانوا يشكّلون وجوداً شعبياً مهماً في لحظة تاريخية ~ تحظى في كثير من الأحيان بأهمية قصوى في كشف جوانب نموّ الحدث التاريخي، وخصوصاً إذا كان ينتمي إلى جبهةٍ معارضة للسلطة، سواء كانت سلطة فكر أو سلطة مال وامتيازات أو حكومة. هذا مع الالتفات إلى أنه لا يمكن إيجاد فاصل حاد بين الأفكار والقيم من جانب وبين سلطة المال أو الحكومة من جانب ثان. فتحدث اشتباكات كثيرة بينهما، لا يمكن أبداً تجاهلها حال تفسير الأحداث والحركات، وتطور الأفكار، ونموّ الشخوص التاريخيين. وهنا، علينا أن نعلم أننا واقعون في نطاق مأزوم بين الواقع والزيف التاريخي. وليس، ثَمَّ، تاريخٌ واحدٌ مستقرٌّ بل تواريخ تتسم بالتناقض الشديد. ويضاف إلى ذلك سؤالٌ أساسيٌّ يتوجّه إلى ضرورة تدقيق استخدام المصطلح. فما المقصود بالحركات التغييرية؟ وما المقصود بالتاريخ الإسلامي الأول؟ وهل لهذا التاريخ الإسلامي الأول أن يتجاوز فترة «الخلافة الراشدة» إلى العصر الأموي ثم العباسي؟ إلخ..

ويبقى أن كل هذه الملاحظات والإشكالات التي ترد على عمل عبدالله خليفة، لا تقلل من قيمة جهده البحثي، وهو جهدٌ يتسم بالرصانة والحرية في النظر، بعيدًا عن الارتهان لمسلّمات سابقة موروثة ومتعارف عليها. وهو، على أية حال، المبدِع الذي لم يعرف نتاجه تراجعًا ونكوصاً عن مبادئ وقيم وشخوص وحوادث لم ينفصل عنها قط .

إن الروائي والكاتب عبدالله خليفة نموذجٌ للمبدع الحر الذي أنجبته هذه الأرض الطيبة الولود، والمستحق للتكريم. وذلك أدنى ما يمكن أن يقال عن مبدع استمر أكثر من ثلاثة عقود متواصلة قابضًا على جمرة الفكر والإبداع..

ـ حسين السماهيجي: شاعر صوفي من البحرين

‏‏‏‏‏نصف موت أو حياة جديدة

قد يتساءل قارئ يتصفح الجريدة وهو في طريقه إلى عمله مبكراً، لماذا تنهال المقالات والأخبار بشكل مبالغ فيه حين يغيّب الموت كاتباً أو روائياً، أو مفكراً، أو شاعراً، أو غيره من المثقفين؟ ماذا يختلف موت هؤلاء جميعاً عن موت شخص عادي أمضى حياته بين العمل وبيت العائلة؟ هل موت المثقفين يختلف عن موت الناس العاديين، ولماذا يصبح منجز الكتّاب مهماً أكثر بعد موتهم.

أسئلة لا يمكن الإجابة عنها سريعاً، كما لو أننا نجيب عن أسمائنا، أو أعمارنا، فللموت حكايته التي لن تتوقف، والكتابة سيرتها الغريبة، وللكتّاب هيبتهم العالية، وذلك كله يستدعي الوقوف طويلاً والتأمل بكل هذه المفردات الغامضة والواضحة معاً .

غيب الموت الروائي البحريني عبدالله خليفة، تاركاً خلفه سيلاً من الحبر الهادر على مئات الصفحات الخليجية والعربية، ومثيراً من جديد كل تلك التساؤلات التي مرت في بال القارئ المتجه إلى عمله باكراً، فالراحل قامة روائية عالية لها حضورها اللافت في المشهد البحريني والخليجي والعربي، صنعتها عشرات المؤلفات، ومئات المقالات الفكرية والنقدية والسياسية.

لا يختلف موت المثقفين عن موت سائر البشر، إلا أن موتهم يعني توقف مشروع أدبي أو فكري، أو شعري عن النمو، مشروع يمتد تاريخه إلى عشرات السنين، وهو ما يعني توقف مؤلفات كان من شأنها أن تحدث فعلاً جمالياً، أو تنقب عن عطب وتشير إليه، أو تكشف هوية ظلت غامضة، أو غيرها من أغراض الفعل الإبداعي الكتابي .

بموت الروائي عبدالله خليفة، الذي بات يعتبر عرّاب الرواية البحرينية، توقف مشروع هائل من الجرأة، والحفر العميق في الثقافة الخليجية، والتأصيل لمفرداتها، فهو أنتج علاقة مغايرة مع البحر، هذا التكوين الهائل الذي يمثل جزءاً من هوية المواطن الخليجي، وحلقة من تاريخه مع الجغرافيا، وتوقف عند إشكاليات لافتة في الثقافة الخليجية تم تكفيره على إثرها.

فما لا شك فيه أن عبدالله خليفة كان صوتاً متفرداً في الفضاء الثقافي الخليجي، وكانت له رؤاه وآراؤه المغايرة، إذ يقول في إحدى مقابلاته حول تطور الرواية الخليجية: «إن جيل الكتابة الروائية في الخليج لم يظهر سوى بعد إنجاز الثورات الوطنية في النصف الثاني من القرن العشرين»، من هنا، فإن معظم نتاجاته الروائية متجهة لقضايا اجتماعية تنموية، وقضايا التعسف الحكومي (الوطني) وجسد اختلاف الرؤى في طرق التنمية والتعبير عن معاناة النماذج الشعبية المسحوقة غالباً.

يبقى القول إنه إضافة إلى ما يمتاز به موت الكتاب عن غيرهم، فإنهم لا يموتون تماماً أو كأنهم يموتون حتى منتصف الموت، أو يحيون من جديد، فهم يتركون خلفهم عشرات المؤلفات التي تبقيهم أحياء في ذاكرة القراء، وهذا هو حال عبدالله خليفة الذي ترك للمكتبة العربية أكثر من خمسين كتاباً بين مجموعة قصصية، ورواية، ودراسة فكرية نقدية، ذلك إضافة إلى مئات المقالات التي نشرت في عشرات الصحف الخليجية والعربية .

ـ محمد أبوعرب: شاعر وصحفي اردني

أن تكتب الأدب في السجن

عند التفكير بالكتابة عن أدب السجون في البحرين، لا يستطيع أحد تجاوز الروائي والمناضل الراحل عبدالله خليفة وآخرين من شعراء وأدباء وأيضاً نحاتون وضعوا بصماتهم على صخور معتقل جزيرة جدا آنذاك.. ما هي ابتكاراتهم لتحقيق هذا المنجز الإبداعي أو ذاك، وكيف يواجهون الأخطار للحفاظ وتأمين ما أنجزوه حتى يخرج من الظلمات إلى النور.. من السجن إلى خارجة بعيداً عن أعيّن الشرطة؟

عبدالله خليفة واحد من هؤلاء، كيف كان يكتب قصصه ورواياته ودراساته النقدية في الأدب والفكر خلف القضبان؟..

على أية ورق يكتب، في حين يمنعه السجان التزوّد بالورق وحتى بدفتر مذكرات، وبأي قلم يكتب والأقلام ممنوعة على المعتقلين وسجناء الرأي والضمير حتى لو كان قلم رصاص طوله أصبع لكتابة خواطره فترة التغييب القسري؟.. كيف كانت تُهرّب هذه الكتابات من داخل السجن إلى خارجه لتطبع على ورق مصقول وتتلاقفها الأيدي سراً خلسة عن الرقيب؟.

من الروايات والقصص التي تمّ تهريبها من السجن إلى خارجه طيلة فترة اعتقال عبدالله خليفة الذي استمرَّ ست سنوات منذ الهجمة على الوطنيين بعد حل المجلس الوطني في العام 1975 حتى أفرج عنه في العام 1980 والتي كُتِبَتْ على رقائق غلاف عُلب السجائر: روايات «اللآلئ» و«القرصان والمدينة» و «الدرويش والذئاب»، وهذه الأخيرة لم تنشر بعد، إضافة إلى قصص قصيرة حوتها فيما بعد مجموعة «الرمل والياسمين».

يروي أحد رفاقه الذين عايشوه حرارة الأوضاع في السجن، كيف كانت المعاناة لتوفير قلم وأوراق، كنا لا نرمي الأكياس ولا عُلب السجائر وننقل قلم «البنسل» ~ قلم الرصاص، والاسم الحركي المتعارف عليه بيننا: «حمبوص» من زنزانة لأخرى عبر مخابئ في حمامات السجن الذي نقضي فيه حاجاتنا، نلتقط الإشارات البعيدة عن أعين الرقيب والشرطة. وأحيانا بمساعدة شرطة متعاونين ومتعاطفين مع مظلوميتنا لتأمين الورق والأقلام للمبدعين ومن بينهم الراحل الرفيق عبدالله خليفة الذي كان غزير الإنتاج الإبداعي، نهم في القراءة، له عالمه الخاص، كتُوم، قليل الكلام كثير العمل والاجتهاد ويطلق النكات أحياناً، يلتقط العابر ليوظفه في رواية أو قصة.

ما أن يتم توفير بعض الأوراق وجمعها من زنزانة وأخرى حتى يقضي عبدالله عليها، وفي اليوم التالي يطلب المزيد وقلم رصاص آخر حتى أطلق عليه لقب أكبر مستهلك في السجن للورق والأقلام، وأي ورق وأي أقلام، الآن فهمنا، كيف استطاع هذا المبدع والمفكر أن ينتج أكثر من خمسين مؤلفاً، بين رواية وقصة قصيرة وكتب نقدية في الأدب وأربعة أجزاء من كتابه الضخم: «الاتجاهات المثالية في الفلسفة  العربية الإسلامية»، وخلال عام من مرضه العضال لم يتوقف عن الكتابة ولديه 15 رواية لم تطبع بعد إضافة إلى 13 رواية لم ينته من كتابة كامل فصولها و بأحجام مختلفة.

أثناء المقابلات في السجن مع عبدالله خليفة يتقصد شقيقة عيسى بوضع قلم في جيبه الأمامي بشكل لافت ويتربص فرصة مغافلة الرقيب لتهريبه له.

في إحدى المقابلات جلس عيسى في مقابله وجهاً لوجه، بينما والده وشقيقته جلسا على جانبيه، الأيسر والأيمن، كانت عيناه وهو يتحدث إلينا تمعن بحركات تمويهية على القلم وأكاد أرى لعابه يسيل مثل جائع يرى أمامه وجبة دسمة يريد التهامها، يقول عيسى، في ذلك اللقاء حدث شيئاً طريفاً، حيث كان يراقبنا الضابط راشد عبدالرحمن، خرج ثوانٍ لظرف ما لا نعرفه، أغلق الباب وراءه، فقام عبدالله بفتح جورابه ومدَّ رجله أمامي. في إشارة لوضع القلم في فتحة الجوراب، تداركت ببديهية لما كان يريد، فوضعت القلم وكان له ما أراد، أسند ظهره إلى الكرسي وعاد للحديث معنا بارتياح شديد وكأن شيئاً لم يكن.

شقيقه عيسى، لا يزال يتذكر.. كان قلم حبر جاف، ماركة «باركر» من أجود أنواع الماركات آنذاك، وكان ذلك في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي.

كان عبدالله يكتب نصوصه الأدبية ورسائله التي تصلنا بقلم الرصاص، وفيما بعد يستخدم قلم الحبر الجاف، وأدركت من خلال نصوصه الأدبية الجديدة أن عملية تهريب «الباركر» في جورابه بالرجل اليسرى قد نجحت، فها هو يخط بذاك القلم الذي وضعته بيدي في جورابه.. اجتاحتني فرحة كبيرة وتمنيت أن يسقط مطراً لأمشي تحته كي يُبللني.

«تفخيخ» برواية «اللآلئ»

علم رفاق (ع ج س) قرب الإفراج عنه خلال أيام ففكروا كيف يهربون معه رواية «اللآلئ» لعبدالله خليفة ونصوص للصحافي إبراهيم بشمي، قال له أحدهم في يوم الإفراج سنهدي لك بنطلوناً من بنطلوناتنا ذات الجودة بدل بنطلونك «الكحيان» هذا، لتقابل أهلك بهندام نظيف، تبادل معهم الابتسامات البريئة دون علمه بخططهم في تهريب «أوراق ممنوعة» من داخل السجن إلى خارجه.

قبل أيام من مقابلة إدارة السجن للإفراج عنه كانوا يخيطون الأوراق الصغيرة في البنطلون الهديّة، رزم من الأوراق، كل فصل من فصول الرواية بجانبه فصل آخر يخاط بإتقان يُبعد الشبهات.

تزامن موعد الإفراج عن (ع ~ ج) مع الانتهاء من «تفخيخ» بنطاله بالنصوص الأدبية، أعطوه رسائل شفوية للقاء شخص ما بالبنطال ذاته كشفرة متفق عليها، وعند وصوله المنزل اكتشف تلغيم بنطاله برواية «اللآلئ» لعبدالله خليفة ونصوص بشمي.. فسلم الأمانة إلى أصحابها وكان يضحك على نفسه لعلمه متأخراً عن هدية الإفراج من رفاقه الذين غادرهم إلى فضاء الحرية وهم لازالوا خلف القضبان.

عبدالله خليفة.. كي لا يُدفن مرتين!

في الحادي والعشرين من أكتوبر 2014، خسرت الساحة الثقافية والأدبية والسياسية والصحافية, البحرين ومنطقة الخليج عموماً واحداً من أبرز روائييها, كتابها الصحافيين, باحثيها الجادين, مثقفيها النقيين ومبدعيها الذين انحازوا لنصرة المعذبيين على البحر واليابسة, ودفع ضريبة مواقفه وعشقه للحرية والتنوير والانتماء الوطني, هذا الانسان اسمه عبدالله علي خليفة البوفلاسة.

عاش حراً ومات حراً.. مات ولم يملك شيئاً غير مؤلفاته الغزيرة، ولكنه عاش ولم يتملكه أحد أو يجيره، ألف أكثر من 50 مؤلفاً بين رواية ودراسة وبحثاً نقدياً في الأدب، كانت له كتابة يومية  للرأي في ‹الافق› وتحقيقات صحافية ميدانية وكان مسؤولاً عن تحرير الصفحات الثقافية.. بعد وفاته لا زالت تحت الطبع ثمان روايات جديدة لم تطبع بعد من بينها رواية ‹رسائل جمال عبدالناصر السرية› ورواية ‹ابن السيد› و‹خليج الأرواح الضائعة› بالإضافة إلي الجزء الرابع من سفره الفكري الكبير: ‹الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية› تحت عنوان ‹تطور الفكر العربي الحديث› وكلها تنتظر الولادة.

حتى آخر يوم في حياته كان يقرأ بنهم ويكتب بغزارة، فكانت آخر قراءاته رواية ‹وجهان لحواء› وجدها شقيقه عيسى بالقرب من وسادته وبين اورقها رشوتات  المستشفى وعشرة دنانير، هذه الرواية الأخيرة التي قرأها من تأليف ‹أمريتا بريتام› واحدة من ضمن سلسلة ‹إبداعات عالمية› للعدد رقم 326 من هذه الإصدارات التي ينشرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآدب الكويتي. آخر ما خط به قلمه في دفتر مذكراته كلمات توديعية  مؤثرة قال فيها: تأتي الريح وتقذفه بعيداً بين أشجار العصافير وأجنحة النسور.. يمضي مع ورق الشجر المتطاير من الصخور وثلل بشرية خريفية تتساقط في المدن.. يشق طريقه تترامي قراطيس كثيفة له في الأزقة.

في البناية الرثة (…) كلمة غير واضحة. ربما قصد بها ‹أشاهد› الحمامات، تعيش في الشقوق وتتزاوج (يتحث عن الشقة العتيقة التي سكنها طيلة  21عاماً والمبنى المقابل لشقته حيث كانت الشقوق محاكر للحمام)

يخبرنا في أخر كتاباته: ‹أخوه يحيط به مثل الشجرة. من أصابعه يظهر الحليب والبيض وأصوات المعادن. (اواني المطبخ).

الآله تطلقه في الفضاء.. ومليون  دوار، الشارع مغلق.›. (يتحدث عن شقيقه عيسى الذي كان جليسه الوحيد في الشقة العتيقة حتى آخر أيامه ويقوم بخدمته).

كتب الروائي اليساري الراحل عبدالله خليفة هذه الكلمات الأخيرة بخط يده وهو يحتضر  قبل يوم أو يومين من رحيله على ما يبدو، واضح من ارتجاف قلمه في يده وتباعد الحروف، لكنه أبي إلا ان يكتب آخر الحروف بوداع حزين يختزل شذرات حياته بالعطاء الأدبي والفكري والنضالي التاريخي الدائم بعد ان أضناه مرض العضال الذي نتشر في جسده ولكنه لم يستسلم له حتى آخر دقيقة من عمره.

هذا الإنسان الرائع والمبدع والنقي الإيديولوجي. بالمناسبة كان عبدالله حين يمتدح شخصاً من رفاقة ومحبيه بم يكن بين الحضور لا يقول ‹هذا الرجل› بل ‹هذا الإنسان› بما فيها من دلالة لا شوفينية ولا قومية ولا أو عقائدية، كان يكتب القصة القصيرة والرواية منذ أواخر الستينات حتى غدت مؤلفاته في النقد الأدبي والرواية وقضايا الفكر أبرز كتاب الخليج قاطبة غؤارة ومضمونا، لكنه وللأسف لم ينل التكريم اللائق من دولته، ومن يقرأ روايته: ‹ذهب مع النفط› ويتمعن في سطورها وتحطيم المثقف يعرف السبب، ومن يقرأ رواية: ‹أغنية الماء والنار› وراية ‹امرأة› و‹الينابيع› ملحمة الملاحم و‹لحن الشتاء› إلي أخره…

فقدنا عبدالله الذي كان شعلة نضال وبرفقته تعرف إنه صفحة للبياض الأول وإنساناً يجاهد الوقت والنسيان، فلا تنسوه مثلي!… لك الخلد أيها الرفيق الصديق النقي الطاهر.

ـ أحمد البوسطة: صحفي من البحرين