
الأدب الأوروبي والأميركي الحديث هو الذي قاد تحول الوعي في العصور الأخيرة إلى اكتشاف عظمة الإنسان وصراعه مع القوى والمخلفات العتيقة التي تعيقه عن السيطرة الكاملة الحرة على وجوده وتألق روحه.
أسماء كثيرة بارزة في القرن السابق والحالي (العشرين) صنعت هذا الوعي عبر ممارساتها ومجاهداتها الخاصة العميقة، واكتشافها طرق سيطرة الإنسان على العلاقات الظالمة والشر والفساد. ومنها هذا الاسم البارز في أدب القرن العشرين: توماس مان، الذي نشرت له دار الهلال ترجمة رواية باسم (الموت في فينيسيا)، وهو الاسم الأوروبي للبندقية مدينة الجندول، والحقيقة أنها ليست رواية، بل أقصوصة تتكوّن من خمسة فصول. وتعبر الترجمة الجميلة التي قام بها بدر توفيق، عن هذه المعانقة بين الأدب العربي الحديث والأوروبي، حيث الأمانة الدقيقة والعمق والشاعرية في ترجمة الأصل.
كما تعبر من ناحية أخرى عن ضعف وجود توماس مان في أدبنا العربي، وغياب ترجمات أعماله الروائية الكبيرة، واكتفائنا بترجمة الأقاصيص التي سبق أن تُرجمت. فهناك ترجمة أخرى للموت في البندقية، ولكن لا توجد ترجمة «الجبل السحري»، «يوسف وإخوته»، و«المهرج» و«ماريود الساحر» و«الدكتور فوستوس» و«هنري الرابع» و«ال بودنبروك» وغيرها من الأعمال الروائية والقصصية والأبحاث التي كتبها توماس مان بين مولده سنة 1875. ووفاته سنة 1955، بعد حصوله على جائزة نوبل سنة 1929.
وتأتي أقصوصة «الموت في فينيسيا» في بواكير أعمال المؤلف، فقد ظهرت قبل الحرب العالمية الأولى، وفيها يبدأ بنقده الصغير لعالم الطبقة الأرستقراطية البروسية المتحكّم في مصير ألمانيا، هذا البلد العسكري، الذي وحّده بسمارك البروسي بجيشه الحديدي، والذي انطلق في حمى الصناعة والتجارة وغدا من أهم البلدان الأوروبية الرأسمالية من دون أن يمتلك مستعمرات كما هي الحال لدى منافسيه فرنسا وبريطانيا، ففجر حربين كونيتين راح ضحيتهما ملايين الناس.
الحياة في ألمانيا والوعي فيها من أخطر الموضوعات الثقافية الحديثة في العالم، وخاصة في مطالع القرن العشرين، حين ظهرت هذه الأقصوصة للمبدع الألماني الكبير.
ويبدو موضوع الأقصوصة مستهجناً ولا أخلاقياً الى حد كبير، فالبطل السابق ذكره، المؤلف المعروف، والرجل التقليدي، ابن الموظف الكبير، والذي كان أسلافه ضباطا وقضاة «رجالاً أنفقوا حياتهم في خدمة الملك والدولة»، والعقلية الوحيدة المختلفة بينهم جاءت من خلال أم البطل الكاتب وهي ابنة «قائد فرقة موسيقية بوهيمي النزعة»، هذا المؤلف يقع في افتتان مروع بفتى صغير جميل.
وفي هذا التأصيل فإن توماس مان يعطي الجوانب الطبقية و«العرقية» أهمية متساوية، فتبدو المكانة الطبقية الأرستقراطية أساساً للجم النزعات الإنسانية، كما يبدو «الدم» أساسا آخر لإطلاق النزعات الغريزية.
فهل كان العشق المرضي لغوستاف آشنباخ بسبب عدم سيطرة المثل الأخلاقية لطبقته ووجود ثغرة «بوهيمية» في العائلة، أم لسبب نفاقية وابتذال هذه المثل الأخلاقية في صميمها، حيث تُضفى على ذاتها أشكالاً أخلاقية سامية بينما هي في جوهرها وضيعة ومبتذلة؟!
توماس مان لا يقوم بتحليل خلفي موسع لهذه الذهنية وجذورها الفكرية والأخلاقية، بل هو يركز على البطل آشنباخ في قوقعته الفردية، فنجد السرد ينطلق لتتبع حركيته المادية والذهنية في الإعداد للرحلة، ومشاهدة بعض اللقطات العابرة والمهمة. والكاتب لا يراكم هذه المشاهدات اعتباطاً، بل هو يسوقها في تراتبية مقصودة. فإضافة الى اللقطات الهادئة العادية، والتي تعكس جمود العالم الاجتماعي من حوله، فإنه يرى مهرجاً يقوم بحركات خليعة مبتذلة ويكاد يمسه بلسانه الشبق. هذه اللقطة التي دخلت عرضا في سياق الأقصوصة، تعبر عن الازدواجيات المتعددة في حياة طبقة وسطى متجمدة مرائية.
فنزعاتها الجنسية المشبوبة مخفية تحت ستار من الرصانة والنفاق، وحين تتفجر مثل هذه النزعات على شكل مهرج فاضح مبتذل، تدرك القاع الذي تخفيه. كما ان هذه اللقطة العرضية سوف تكون تجسيدا لمسيرة البطل في رحلته القصصية القصيرة. فما كان في البداية على شكل ومضة ساخرة، سيظهر في النهاية على شكل مأساة مؤلمة.
وتغدو الرحلة التي يعتزمها الكاتب وينفذها طريقاً للحرية من زنزانة الحياة البروسية الثقيلة، من أجل إظهار النزعات البوهيمية الوحشية، في قلب هذه الحياة المدعية. اختيار مدينة البندقية للرحلة، ورؤية الصبي الجميل، والانبهار بشكله الملائكي، وقسماته الرائعة، هو تجلٍّ للتناقض الداخلي في الكاتب، حيث الرغبات المحرمة، وكسر الأطر المنافقة للمثالية الأخلاقية المصطنعة، والعودة للغرائز البشعة بدون تزويق جمالي وفكري.
وتتحول هذه العاطفة لدى الكاتب إلى هوس دائم بالفتى، فنجد مشاريعه الكتابية والتأملية وسياحته تتجمد لصالح هذا العشق غير المعقول، ليس فقط لفارق السن الكبير، وإنما لطبيعة العاطفة المريضة.
فكأن كل ذلك البناء الأخلاقي والسياسي البروسي الصارم، مجرد تزويق خارجي، وسرعان ما تظهر النزعات الوحشية المكبوتة.
أليس ذلك هو ما سيجري في ألمانيا لاحقا، بدخولها الحرب العالمية الأولى ثم ظهور هتلر، كممثل الذروة لهذه الوحشية البوهيمية المعششة في عظام الغرائز البروسية الأرستقراطية؟
إن توماس مان يضع يده على البذور الأولى للتجليات الصراعية في الوعي الألماني، ولكنه يمسكها بصورة خافتة ومحدودة. وليس ذلك إلا للفردانية الشديدة التي أغرق فيها البطل المحوري، ومحدودية الشبكة الحدثية والشخصانية التي يتحرك فيها.
فالسرد عبارة عن تأمل مستمر للمدينة وللفتى، ومناورات حدثية للاقتراب من الصبي وعدم الانفضاح، ما يغرق البنية المشهدية المتتالية في رتابة، تعوضها بعض الشيء اللغة السردية الشعرية العالية، وتجسيد أشكال الوعي «الرفيعة» للكاتب وتصوراته، ثم تفجير سلسلة الأحداث في النهاية، بدخول مرض الكوليرا القادم من الهند إلى البندقية. ويتحول مرض الكوليرا الى نذير شؤم ليس للبطل فحسب، بل للحضارة الغربية الرأسمالية.
فطيور الموت تحلق، والأوبئة المخيفة تستوطن المدن الجميلة، وتقفز الشواطئ والحانات والشوارع وتظهر الجثث في الساحات وعند المعالم الأثرية الجميلة. ولكن نذير الشؤم يصير فعلاً حقيقياً. فالكاتب الكبير لا يأخذ الإشارات المختلفة التي تنثر أمام شاشة بصره، مأخذ الجد، بل إن الهوى المرضي يستولي عليه، ويجد إشارات مغايرة تنبئ أن الفتى ذاته قد اهتم بهذا العجوز المعذب. إن صور الموت المتفجرة في ختام الأقصوصة هي نذير للحضارة الألمانية وما ستحمله من دمار للبشرية.
巴林文学大家——阿卜杜拉•哈利法作品
الرواية التاريخية لــ عبدالله خليفة
isa_albuflasa@yahoo.com
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المزيد
مسارات ـ حمدة خميس كتب : عبدالله خليفة

ديوان «مسارات» هو الديوان الثالث للشاعرة حمدة خميس، بعد الديوانين الأولين «اعتذار للطفولة» و«ترانيم»، هذا الديوان الجديد يعكس بداية «مسار» جديد بعد الانقطاع المضني عن الكتابة الذي عاشته الشاعرة، بعد طوفان من الهدير الشعري بدءا من نهاية الستينيات، وهذا الاتجاه المساري الجديد يتشكل باتجاه ما يسمى قصيدة النثر، حيث يجري هنا الإلغاء الواسع لموسيقى الشعر، لتحل آليات الشعر الجمالية المتألقة في قوة الصورة وظلالها.
ما هي أسباب هذا الانقطاع عن شعر التفعيلة، ولماذا هذا البروز الكاسح لقصيدة النثر، حيث الابتعاد عن ذلك النهر الجارف للموسيقى ودورها التفجيري للصورة وللبنية الفنية؟
إن ذلك قد يعود إلى أسباب فنية رؤيوية عميقة، من الصعب الوصول إليها، ولكن حسبنا في هذه الومضة الانطباعية أن نقرأ قصائد النثر هذه، وندخل في تلافيف تضاريسها.
القصيدة هنا هي قطعة صغيرة وامضة، مكثفة، عميقة، ذات إيحاءات شتى.
اللغة متبلورة تبلوراً إشعاعياً في تنمية الصورة/ الحالة باتجاه معين.
فالصوت الشعري، صوت الشاعرة، يدور حول مركز وجودها المتنوع الأحاسيس والظاهرات، المضطرب، القلق، الهادئ، حيث الطبيعة التجلي الآخر لوجودها. فالشاعرة هي شجرة داخل هذه الأرض، ذات علاقة أمومية بالضوء والفراشات والأنهار والأفكار والأطفال، وهؤلاء الصغار هم الامتداد الأخصب للطبيعة في تألقها.
لقد كان أساس وعي الشاعرة في الديوان الأول «اعتذار للطفولة» هو الوعي الوجودي، الذي تحول الى الرومانسي الفاعل المغير للحياة.
ولذا تظل «الأنا» الشعرية هي مركز الدائرة، وتصير ظواهر الوجود والصراع الاجتماعي جزءا من فيضها.
ومن هنا فإن استمرار الرؤية الرومانسية وامتداداتها الواقعية، يكوّن الموتيفات والأشخاص والأشياء.

التوتر الانفعالي
لعل تلك المرحلة الماضية يغلب عليها التوتر الانفعالي الكبير، والحرارة الشديدة، مما يجعل الصورة تنمو في عملية احتراق حادة، أما في هذا الديوان الجديد فالصورة مضغوطة، مبلورة عبر تصور عقلي/ انفعالي هادئ ومتوتر.
إن الوعي العقلي يلعب هنا الدور الأساسي في تشكيل اللوحة المكثفة:
(أيها الحب
أيها اللهب السري
في كيمياء الخليقة، أدر نخبك
وانتشلنا
أيها الحب
يا قصيدة الكائنات الجميلة
املأ شعاب الأرض
وانتشر في الصدور
والأصابع والأجساد
لهباً حميمياً
يشتعل بالطمأنينة والجذل) .
إن الوعي العقلي، العاطفي الهادئ، يشكل المخاطبة الشفافة ويدفعها للنمو المتدرج، بلا صخب أو انفجارات حادة، أو انعطافات نحو التحليل الشعري للظاهرات بشكل موسع، إلى اللغة المختزلة واللغة الوامضة ذات العمق الدلالي.
وهذا ما تفعله الشاعرة حمدة خميس في أغلب قصائدها، حيث التكوين المبلور المشع، والصوت الشعري لا ينسحب من العالم الى ذاته، بل هو يمر بالأشياء، ملتقطا الاشارات الموجزة له.
وبشكل حياتي مرتعش بدفق اليومي، وأحيانا بشكل شعاري فوقي لا يدخل تفاصيل التجربة.
ولأن الشاعرة هي شجرة، أو فراشة، ترتبط بصلة القربى بظاهرات الطبيعة، فإن كافة مظاهر الحياة تبدو جزءا من الأرض والربيع. ولكن مظاهر الحياة، منقسمة، متضادة، بين القتلة والمقتولين، اللصوص والثوار، وليس ثمة إسقاط رومانسي على لوحة الحياة الاجتماعية، لتغييب انقساماتها، والقوى الايجابية مرتبطة بالخصب، وأحيانا بشكل مثالي، وأحيانا بشكل واقعي، أي من خيوط الحياة الاجتماعية.
سنجد تغلغلا عميقاً بالطبيعة، يتجاوز الموقف الرومانسي الكلاسيكي، عبر الجمع بين ما هو كوني وبشري:
(خطوة لخطورة البحر)،
(أودية الحبر والدفاتر)،
(وقلبي مدجج بالصباح)،
(للبيت رائحة الثوم)،
(ولها بهارات الغضب)… الخ.
إن كل الصور تنمو في غابة الأغصان والعصافير، محيلة الانساني إلى طبيعي، والطبيعي الى إنساني، عبر هذا الدفق الروحي المتلون.
إن كافة الأحجار والأزهار تطلع من أصابعها.

الأمومة
ومن هنا كانت الأمومة ونتاجها الثمري هي أخصب الجهات، ان العديد من المقطوعات مهداة للأطفال ومصورة نموهم ونضجهم، ان مركزية الشاعرة تدور هنا بقوة حول الأفلاك، فهذا الخروج من الذات الى الآخر، يتشكل هنا باتساع أكبر وحميمية أقوى.
عبر صور الحياة اليومية وشعاع الطبيعة. لكن هناك شعارية تقف في وجه نمو التجربة ودخولها الحميم إلى التناقض أساس الفعل الفني ونمو الصورة. فنحن في قصيدة «نصائح» نجد لافتات، لم تنم في تجربة ملموسة وعبر ذلك الاصطخاب الصوري المشع، رغم ابتكار الصورة. إن صور الشاعر القوية تنمو عبر التناقض، ففي قصيدة «امرأة»، نجد الاختزال الشعري وهو يشكل لوحة أخاذة، متفجرة الصور، عبر هذا التضاد العميق الداخلي بين الرجل والمرأة.
ان هذا التناقض يتمظهر أولاً في المطبخ ويتحول البيت كله إلى تنور، وتنغرز الرماح في الذات.
إن المدهش هنا هو بلاغة الصور الكثيفة، الواضحة، الغامضة، التي تترك فجوة كبيرة للظلال، ولتأتي الصور الأخرى توسع هذا الصدام بين المرأة/ البيت، المرأة/ الرجل.
ولنقرأ هذه الصورة البلاغية المقدمة كلغم أولي:
(طعام ينضج على النار
ورائحة الاحتراق تتصاعد من أعماقها).
انه الاستخدام لليومي والطبيعي لكشف الروحي، الذي تتراكم لتشكيله الجزئيات مثل انحباس المرأة بين الثوم وشتات البيت ولتصل الى الاصطدام بالرجل وقيوده، حتى تنفتح القصيدة بتوجه المرأة الى حديقة الجيران لتفاجأ بوجود الشمس .
إن حمدة خميس تغدو حميمية شفافة حين تحيل تجربتها الى صورة وتغرسها في حمم صراعها الداخلي/الخارجي المفتوح على استعباد المرأة والتخلف والغربة، ولكن اللغة تتحول الى لافتات مباشرة حين تتكلم من فوق المنبر:
(انتظروا أيها الرفاق
هائنذا أجيئكم بحكمة الأنوثة وأسرار البذار)،
إن هذه الكلمات مرشوشة بصور مبتكرة، لكن الخطاب يبدو فوقياً متعالياً، بلا نار التجربة.
إنها لا تدع التحليل الشعري، عبر الصدامات والتناقض، يأخذ سيرورته الداخلية في هذه الخطبة، لتنفجر صور الحياة ولتكسر إيقاع الحكمة.
إن من أهم قصائد الديوان قصيدة «الضلالة» ص 55، فنحن هنا أمام مشاهد متوترة، غنية بالتصادم والحيوية، حيث تستعين بتقنية البورتريه والقصة القصيرة، فهي لوحة غنية بالتشكيل والتلون.
فكل صورها انفجار وذات غور نفسي بعيد، تنمي اللوحة الصراعية المتوترة.
قسم «البورتريه» الأول هو وجه الرجل البطل قبل قدومه، والقسم الآخر هو نزوله من تلك العلياء إلى أرض الواقع، أي تحت عين الشاعرة.
ملامح الرجل بدءا هي أسطورية، تموزية، فهو ليس إنسانا ملموسا، بل فكرة مشعة نورانية، تعلقه النساء خرزاً وتمائم في أعناق الأطفال، وهو بذور الربيع القادم، وخطط النبي يوسف للمجاعات المقبلة، هو كائن لا إنساني، فكرة مجردة، لا تتموضع في جسد ما، بل ان تلك الفكرة تسبح في الطبيعة وتصير مولودا منها، وتغدو دفقا في اللغة والبذار والمواسم.
وتؤدي كلمة «كنتَ» دورها في القطع الزماني، وفي تشكيل لحظتين متضادتين، وإبراز شخصيتين متناقضتين، الأولى في الماضي وفي التصور المثالي للبطل الخارق، والثانية في الحاضر، التي لا تأتي بل لتتدفق الصورة الأولى الماضوية، التي تتسع وتسع، طالعة من رحم الغيب وروح الخلق متجهة إلى الميادين وسياجالاحتمالات فكأننا أمام نبي من القرون السحيقة لا رجل معاصر.
ولتلك الصورة المثالية، البيضاء، النقية، دورها في هذه الشاعرة وذوقها بالفعل، حتى تغدو الشخصية البطولية مثل الصخرة الجليدية النازلة من فوق جبل، حتى تصل إلى الشاعرة وتسقط فوقها.
الصورة البيضاء الرومانسية تتحول الى سواد معتم فجأة، فيغدو فارس الأحلام حلزوناً مذعوراً، ذا أقدام تائهة في الشوارع لكن لجامه قابض على روح المرأة.
إننا لا نجد أي تفاصيل حميمية داخل هذا الوصف القطعي الباتر، والشاعرة تنتقل بحدة، وعبر وعي غير جدلي، إلى منطقة شديدة العتمة للرجل «البطل».
ويبدو كلا التصورين غير موضوعي فنياً، بالرغم من أن القصيدة شديدة الحرارة، وهامة فنياً، عبر هذا المعمار البنائي الجميل ذي الحيوية.
إن التضادات بين الشخصيتين يجعلهما تقعان في التجريد الطبيعي، أو الاجماعي، فالبطل هو «شهوة الحدائق» و«عنفوان الصباح» فكيف يتجسد هذا بشرياً؟ إن تجربة حمدة خميس في «مسارات» كبيرة وذات جوانب أخرى عديدة، وهي مليئة بالانجازات ومحفوفة بالمخاطر كذلك، لكنها إضافة هامة لشاعرة تواصل مسيرة الشعر بمعاناة خاصة.
isa_albuflasa@yahoo.com
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المزيد
ويطول اليوم أكثر من قرن :جنكيز ايتماتوف ـ كتب : عبدالله خليفة
ما الذي يميز روايات الكاتب والروائي «جنكيز ايتماتوف»، وخصوصاً عمله المترجم الاخير الى العربية «ويطول اليوم اكثر من قرن»؟ وهل استطاع هذا الكاتب القرغيزي «السوفياتي»، ان يصعد بعمله الروائي، الى ذرى الاستبصار والاكتشاف للتحولات العميقة في وطنه المترامي الاطراف، المعقد السيرورة؟ هناك تنبؤات عديدة في اعماله الروائية الابداعية السابقة، تلمح الى ان سوسة البيروقراطية، الجمود الطفيلية، تظهر صغيرة هنا وهناك.

ثمة ارهاصات هامة في «وداعاً يا غولساري». وفي «النطع» ثمة قفزة هامة نحو تحليل واكتشاف هذه القوة المعرقلة للتطور. ولكن هذا كله يبدو بشكل مبسط فنياً، مع استخدام عناصر اجتماعية فاسدة صغيرة هنا او هناك. ان التطور الاجتماعي الروحي، المتناقض، المعقد، باشكالياته الاساسية، بدا خافتاً وبرعمياً في روايات ايتماتوف.
وفي روايته الاخيرة «ويطول اليوم اكثر من قرن»، الصادرة والمترجمة عن دار «رادوغا»، اوسع تطورا لتلك العناصر النقدية البرعمية، لمجمل استنتاجات وتعميمات ايتماتوف الفنية، بشأن التطور في بلده.
ثمة مضمار روائي سابق تم استخدامه هنا في هذا العمل وتم التوسع فيه، فبدلاً من ان يكون «غولساري» الحصان المحتضر، وسلسلة الذكريات المصاحبة للعلاقة الطويلة معه، فان البطل هنا، يديغي البوراني هو ايضاً يودع صديقاً قديماً شغيلاً الى مثواه الاخير، وتنشأ الذكريات وتنهال اثناء لحظات الوداع.
ان هذه الطريقة الفنية تتيح تعدد صور الذكريات، التي تبدأ من لحظة الوفاة،الى صورة المحطة وتاريخها، وانعزالها وعمالها القليلون وعلاقة البطل المحوري «يديغي» بشخصيات المحطة المختلفة، وتاريخه وعلاقته بزوجته..
ان هذا النمو الفني يوسع شبكة العلاقات، وتصوير الطبيعة والتغلغل في التاريخ القريب للشخصيات الاساسية في الرواية، ولكنه من جهة اخرى، يجعله تراكمياً، وكثير التفاصيل. ولا تغدو مسيرة دفن الجثة في مقبرة آنا رباييت، الا احدى مفاصل الرواية. بينما كان الحصان غولساري في وداعاً يا غولساري مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بحياة البطل وعمله.
وكان هو النسيج الاساسي في الرواية ورمزها المشع وبؤرة احداثها.
هنا تتعدد الثيمات وتتراكم الذكريات في جهات مختلفة.
فهناك الميت كازانفاب وعملية دفنه التي تواجه بعض الصعوبات، ثم هناك محور آخر هام لا يتصل عضوياً بحادث الموت، لكنه ينهل من ذكريات وحياة يديغي نفسه.
فأبو طالب قطبايف كان هو الآخر عاملاً لجأ الى هذه المحطة النائية وعاش فيها مع عائلته وزوجته ظريفة.
لكن نظراً لكونه اسيراً سابقاً عند الالمان في الحرب العالمية الثانية، وهارباً من اسرهم ومقاتلاً في صفوف الانصار اليوغسلاف، فانه يتعرض للاضطهاد من قبل المخابرات ويوضع في السجن.
ان ايتماتوف يقوم بتشتيت عناصر الرواية، فتترهل اجزاؤها وتغدو البؤرة المركزية، بؤراً متعددة، فتتحول الرواية الى قصص متعددة. وذلك يعود لان الصراع الاساسي الذي تفجر في البدء، بين يديغي وأبي طالب خصوصاً وغيرهما، ضد جوانب الشر الاجتماعي في المجتمع، قد تحول الى قضية فردية، وهامشية. وصار نقداً جزئياً للواقع، بدلاً من التغلغل الواسع في المجتمع وكشف مشكلاته المحورية، التي تفجرت فيما بعد بشكل، يجعل ذلك النقد الجزئي، ضيقاً ومحدوداً.
ان اختيارات الكاتب، لهذه البقعة الهامشية، محطة القطارات النائية، وشخصياته الشعبية المغمورة، وعدم وجود محور صراعي واسع وعميق، ادى الى تشتت العنصر الروائي الملحمي، وظهور عنصر قصصي قصير متعدد ومتراكم. من هنا اتسع وصف الطبيعة عبر لوحات جميلة مختلفة، وظهرت صور الحيوانات وحكاياتها، اذ ان عدم اللجوء الى الابطال، وانغراسهم في تربة يومية ضيقة، ضيّق دلالات الرواية، وحولها الى نقد جزئي محدود.
اما ادخاله للحكاية الفضائية فهذا باب جديد يطرقه ايتماتوف ولكن يعبر عن مشكلة روائية في عالمه الفني. فقد رتب في سياق رواية يديغي، حكاية خيالية عن اكتشاف كوكب جديد هو «الصدر الغابي» الذي توجد فيه حضارة «انسانية» عليا.
ولكن المسؤولين عن الامن الكوكبي في عالمنا «الاتحاد السوفيتي» و«اميركا» يطلقان صواريخ متعددة لمنع الالتقاء بهذه الحضارة، ويرفضان عودة رائدي الفضاء اللذين اتصال بتلك الحضارة العليا. ان ادخال هذا العنصر الجديد، يشير كذلك الى تراكمية العناصر الفنية في رواية ايتماتوف. ولقد حاول المؤلف، عبر هذا العنصر، ان يعطي لعمله دلالات فلسفية.
ليقول ان الارض الآن في حاجة الى تعاون مغاير وانساني. مما يمثل اصداء لمقولات «التنكير الجديد».
ان التغيرات الضخمة التي وقعت في «الاتحاد السوفياتي» تجعل مثل هذا الادب النقدي قاصراً بشكل كبير عن رؤية التيارات الصاخبة في القاع والمشكلات الحادة المتراكمة في العمق.
وهذا لا يعود فقط الى تفكير الروائي ايتماتوف، الذي يواكب تطورات الوعي النقدي داخل جهاز الدولة، ويقيد وعيه بمقولاته السياسية المباشرة، بل ايضاً الى طابع الرواية الذي اختطه، بالتوجه الى بؤر هامشية، والقاء ظلال نقدية محدودة حول النظام الاجتماعي.
فهو لا يتوجه الى البؤر المركزية، الى عمق جهاز الدولة نفسه، او الصراعات الاساسية في المجتمع ويقوم بتشريحها.. متسائلاً: لماذا انعزلت عنه الجماهير، ولماذا صعدت التيارات المثالية والدينية والقومية اليس ذلك نتاجاً لازمة بنيوية في النظام، عبر استئثار الارستقراطية الحزبية والدولية بالمنافع والحقيقة والقرار؟
لماذا لم تتجه روايات ايتماتوف، عبر العقود الماضية، الى مثل هذا التشريع وبقي، في احايين عديدة، في بقع بعيدة، شاعرية، اليس هذا الوعي نفسه جزءاً من الوعي المسؤول عن الازمة؟!
من هنا نجد ان تشتت العناصر الروائية، وكثرة اللوحات الجانبية، وهامشية المحور القصصي، كلها جزء من نظرة فنية تتجنب الدخول حتى الآن الى تشريح الازمة، داخل جهاز الدولة جهاز الحزب، ورؤية التناقضات بين مستويات المعيشة والتفكير والاحلام بين النخبة والشعب.
isa_albuflasa@yahoo.com
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المزيد
ملامح 1- لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
الروائي البحريني الراحل عبداالله خليفة (1948-2014) هو قامة أدبية وفكرية بارزة، يُلقب بـ “عرّاب الرواية البحرينية”، اشتهر بغزارة إنتاجه في القصة القصيرة والرواية والدراسات النقدية، وتناولت أعماله قضايا اجتماعية وسياسية وتاريخية عميقة بأسلوب يمزج الواقع والخيال، مع التركيز على المهمشين والتراث، وكان له دور في الحراك الثقافي والسياسي، وتعرض للاعتقال بسبب مواقفه.
خصائص تجربته الأدبية والفكرية:
التزام اجتماعي وسياسي: كانت أعماله تعكس هموم الإنسان العربي وقضايا الحرية والديمقراطية، ونقد السلطة، وفصل الدين عن الدولة.
تأثر بالتراث والواقع: مزج في كتاباته بين التراث الشعبي البحريني والواقع الاجتماعي الصعب للمهمشين، متأثرًا ببيئة ما قبل النفط والصراعات الاجتماعية.
أسلوب فريد: تميزت لغته الشعرية البسيطة بالعمق العاطفي، خاصة في تناول ثيمات الحزن على ما يضيع والغيرة على الأصالة.
دور ريادي: ساهم في تأسيس أسرة الأدباء والكتاب بالبحرين، وكرّس الرواية كأداة للنقد والتنوير في المشهد الثقافي العربي.
وعبدالله خليفة، بصفته روائيًا بحرينيًا متميزًا، يُعرف بدمج تجاربه الشخصية والحياتية في كتاباته، مما يُضفي على أعماله طابعًا واقعيًا وعمقًا فكريًا. يُشير النقاد إلى أن خليفة استخدم تجاربه الشخصية كوسيلة للتعبير عن هموم الأرض والوطن والبسطاء. وقد تميزت كتاباته بالجهود الفكرية والبحوث التاريخية والفلسفية، مما يعكس تجربته الغنية والمتنوعة.
من الجدير بالذكر أن خليفة قد عاش تجارب مؤثرة، مثل اعتقاله من سنة 1975 إلى 1981، وهو ما يُعتقد أنه أثر في كتاباته وأسلوبه الأدبي. كما أنه قضى سنوات في القراءة والبحث الذاتي، مما ساهم في تشكيل فهمه ونظرته الأدبية.
تُعد أعماله مرآة للمجتمع البحريني والعربي، تعكس تجاربه وتحدياته بصدق وعمق، وتُظهر كيف يمكن للأدب أن يكون وسيلة للتعبير عن الذات والهوية الثقافية.
عبدالله خليفة، بصفته أحد أبرز الكتاب في الخليج والوطن العربي، تناول في كتاباته مجموعة واسعة من القضايا الهامة التي تعكس تجاربه الشخصية والاجتماعية. من أهم القضايا التي تميزت بها أعماله:
الهوية والانتماء: يستكشف خليفة مفاهيم الهوية والانتماء من خلال شخصياته التي تعيش تجارب متنوعة، معبرًا عن الصراعات الداخلية والخارجية التي تواجهها.
التاريخ والتراث: يغوص في أعماق التاريخ والتراث البحريني والعربي، مقدمًا رؤية نقدية للأحداث التاريخية وكيفية تأثيرها على الحاضر.
القضايا الاجتماعية والسياسية: يتطرق إلى القضايا الاجتماعية والسياسية مثل العدالة، الحرية، والتغيير الاجتماعي، مع التركيز على الطبقات المهمشة والفقيرة.
الصراع الإنساني: يعالج الصراعات الإنسانية والوجودية، مثل البحث عن الذات، الحب، والخسارة، بأسلوب يجمع بين الواقعية والرمزية.
النضال والمقاومة: يبرز في كتاباته موضوع النضال والمقاومة ضد الظلم والاستبداد، مستلهمًا من تجاربه الشخصية في السجن.
تُظهر هذه القضايا التزام خليفة بالكتابة كوسيلة للتعبير عن القضايا الإنسانية والتحديات التي تواجه المجتمع، وتعكس رؤيته الأدبية العميقة والمتجذرة في الواقع البحريني والعربي.
مسيرته وحياته:
وُلد في المنامة عام 1948، وعمل معلمًا، ونشط سياسيًا مما أدى لاعتقاله من 1975 إلى 1981.
بعد السجن، ركز على الكتابة الصحفية والأدبية، وأصبح رمزًا للفكر المستنير والمناهض للتعصب.
توفي في أكتوبر 2014، تاركًا إرثًا أدبيًا وفكريًا غنيًا.
ملامح 5 لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
ملامح 4 لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
isa_albuflasa@yahoo.com
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المزيد
