https://youtube.com/shorts/D-rhbEj3s5k?si=HqbMQAFtMUyXaT5N



أزمة اليمن
≣ اليمن والخليج بين المبادرةِ والمغامرةِ
27 /2/ 2013
اليمن والخليج والجزيرة العربية في محاولاتها الدؤوب للتوحد والنهضة والتعاون تصطدم بقوى التفكيك والرجعية الطائفية، وقد اتخذت لها الآن أنياباً ذرية.
الكيانات المدعوة للتقارب المستمر وتنفيذ مشروعات التصنيع والتعليم والتغيير تزيحُ الأسلاكَ الشائكة الحدودية وتصطدمُ بإمبراطورية الشر وقوى المحافظة المتخلفة غير القادرة على إنتاج مشروعات التعاون والعلاقات السلمية المتكافئة بين الدول، شعارُها أما أن أُهيمنَ أو أُخرب.
واليمنُ ساحةٌ مستمرة للصراع، مثل بقية الدول التي تعاني من نفس الثيمة السرطانية.
قوى الفئاتِ الصغيرة الفوضوية المغامرة تلاعبتْ طويلاً بشعاراتِ الوطنية والقومية والاشتراكية، ركضتْ فوق جسد اليمن الجنوبي تقفز به من إستقلال هشٍّ متواضعٍ إلى الاشتراكية العسكرية الحكومية التي تعجزُ عن تطوير التنمية وإنهاضِ مختلفِ الطبقات، فلا تبقى سوى قواها الصغيرة المترجرجة بين الطبقات، لا تمتلكُ رؤيةً للواقع والتاريخ والمستقبل، حتى صحّرتْ الجنوبَ من قدراته المادية وسلمتهُ لقوى الهيمنة العسكرية الرجعية في الشمال، ثم لما تقلصتْ سيطرتُها وضاعتْ بين قوى الشمال المحافظة الواسعة التي دهستها بإرهابها أرادتْ أن تعودَ لدولة الجنوب المستقلة، فانتهزها الرئيس السابق فرصةً ليثأر من عدن مدينة التقدم.
كأن الأرضَ هي ورقةٌ لهذه الفئاتِ الصغيرة على مائدة القمار السياسية، فواصلت إرثَ السلاطين والإقطاعيين وعجزتْ حتى عن سمات الحداثة الديمقراطية الوطنية الأولية.
تلاقي هذه الفئاتِ الصغيرة الفوضوية مع الدكتاتورية الإيرانية الممسكة بنفس الرقعة الجغرافية السياسية المضادة لأبسط سمات الحداثة الديمقراطية التوحيدية، يبرزُ الشخصيةَ الحكوميةَ الإيرانية الانفصامية، ففي الداخل الإيراني هيمنةٌ قسرية على كل المكونات الاجتماعية الإيرانية ومنعها من التعبير المستقل، وفي الخارج تفتيتٌ للبُنى والأنظمة الموحِّدة وعمليات التعاون والوحدات الديمقراطية النهضوية العربية.
وتلاقي المجموعات البرجوازية الصغيرة الفوضوية المغامرة مع الاستراتيجية الإيرانية ليس صدفة ولا هو مثير للعجب. وكانت المجموعاتُ المراهقةُ في الحزب الاشتراكي اليمني السابقة الذكر نموذجاً راكم الحماقةَ على مدى عقود.
لقد عملتْ على عدم خلق التراكمات النهضوية والديمقراطية البسيطة في اليمن وتصعيدها بصبر سياسي، وبتعاون اقتصادي مع كافة الطبقات، وهو البرنامج الذي لايزالُ مطروحاً ويتعرض لمناجل الثوريين الزائفين والمحافظين المتخلفين معاً.
مجموعاتٌ منتفخةٌ بذاوتِها ولا يهمها سوى مقاعدها السياسية المتآكلة، وهي تستغلُ التناقضات في تطور الحياة الاجتماعية السياسية اليمنية لكي تكونَ في المركز المسيطر، لكن دولةَ الوحدة اليمنية تجاوزت كتل الإقطاعيين والقبليين والطائفيين المُفتتين، وهي تصارعُ بقوةٍ رهيبة الإقطاعيين العسكريين في السلطة والذين يخرجون منها عبر المذابح التي يصيبون بها الآخرين.
هذه الكتل التي تحيا على دم المجتمع والبشر تتصارع ثم تتلاقى!
كانت الثورة اليمنية الشعبية قد فككتْ الدكتاتوريةَ وفرشتْ بساطاً جديداً على الأرض الموحدة بتضحيات العامة وليس بقُطّاع الطرق السياسية الطائفيين في الشمال ولا بالمهاجرين الارستقراطيين المتاجرين بالدم، المتلاقين مع الشبكة الإيرانية التي تصطادُ الحشرات السياسية السامة في كل أرضٍ عربية.
لقد مثلت القوى الشعبية البسيطة المتحركة بعفوية وأحياناً بسذاجة، وليس ثمة من تبلور طبقي سياسي تحديثي يطورها ويحدد خطواتها المستقبلية في الديمقراطية والعلمانية والتحديث وحريات النساء وتقدم العمال والتصنيع، ولهذا فإن القوى المحافظة ذات العامة غير الواعية السائرة وراءها تسيطرت عليها في الانتخابات والمجالس النيابية، لكن الجماهير تتعلم.
اليمن وهو يقتربُ من المعافاة السياسية يصيب القوى الإيرانية الخائفة من تقدم الشعوب النهضوي الديمقراطي بالرعب، فتساهم بقوة في تأجيج الصراعات، وتحرك بعض العوام الجهلة بأبعاد الواقع لكي يضربوا عجلات التقدم التي تتحرك بصعوبة، ويرفعون شعارات ثورية زائفة بغرض تمرير الأجسام السامة.
وإذا كان قائد من الحزب الاشتراكي يتعاون مع الفاشية الإيرانية فليس بغريب ذلك ما دامت الانتهازية والمغامرة التي دمرت التنظيم والماركسية الجنينية اليمنية هي عادات أمثال هؤلاء الخونة الطبقيين والوطنيين.
≣ صراع الإقطاع في اليمن
2004/5/25
تابعت ندوةً بين ممثلين للقوى السياسية والفكرية في اليمن على إحدى المحطات الفضائية، التي تركز فيها النقد على احتكار حزب المؤتمر الشعبي العام للسلطة السياسية.
يركز المتحدثون في الندوة على الظاهرات السياسية المفصولة عن البنية الاجتماعية، وإذا استطاعوا ربطها فإنهم يربطونها بالتفرد في القرار الرئاسي أو بحكم الفرد.
ومن الواضح أن مثقفي كل بلد عربي يتمترسون داخل تجربة بلدهم الخاصة، فيعزلون تسارها عن مسار الأمة العربية والأمم الإسلامية عامة، وهو أمر يمثل خصيصة أساسية من خصائص الوعي السياسي العربي، الذي يعزل تجربة البلد والشعب المعنيين عن تجربة الأمة، كما يقوم بعزل المستوى السياسي في بلده عن جذوره الاجتماعية والتاريخية.
أي هم لا يدركون بأن تجربة اليمن في صراعها السياسي مماثلة لتجارب البلدان العربية الأخرى، حيث إن مستوى البنية وتناقضاتها الأساسية متماثلة، والاختلاف هو في أحجام وتمثلات وخصوصيات هذه البنية.
فالصراع بين الإقطاع السياسي والإقطاع الديني، أي بين حزبي المؤتمر الشعبي العام، وحزب الإصلاح، هو ذاته الصراع الذي يجري فى الأقطار العربية الأخرى.
أما لماذا يكون هذا الصراع متجسداً كذلك في مصر بين الحزب الوطنى والأخوان، أو فى الجزائر بين حزب جبهة التحرير والإدارة الحكومية والجماعات الدينية الخ.. فهو أمر لا يرى من قبل ممثلي التيارات السياسية العربية.
إن الإقطاع السياسي الحاكم يقوم بسرقة المال العام عبر آلة الدولة، أما الإقطاع الديني فهو يقوم بسرقة المال العام عبر الدين، وكلا النمطين من الاستغلال يمثلان استغلالاً تقليدياً أي يمثلان استغلالاً يعود لنمط متخلف من الإنتاج.
ولهذا فإن كلا الإقطاعين بحاجة إلى تكريسِ أنماطٍ معينة من الدكتاتورية، قد تتباين، لكنها تعود لجوهر اجتماعي وسياسي واحد. فحزب المؤتمر الشعبي يعتمد على آلة الدولة وهيمنتها، لكنه أيضاً يستند على القبلية والذكورية، بدرجة أقل من حزب الإصلاح، غير إنه لا يختلف عنه نوعاً.
ومن هنا فحزب المؤتمر الشعبي يتشكل على أساس الفئات البيروقراطية والعسكرية العليا المهيمنة من المركز. وجعل المناطق القروية والقبلية الفقيرة تابعة لاستغلال المركز.
ورغم انتماء بعض ممثلي حزب الإصلاح القياديين إلى الفئات الوسطى عموماً، إلى أنه جعل المذهب أساس السيطرة السياسية وهذا يكرس الحزب معبراً عن قوى الإقطاع الديني التي كرست سيطرتها داخل النص الديني بشكل تقليدي، أي التي جعلت الدين حصالةً مالية لعملها.
إن الآلة السياسية الحاكمة والآلة الدينية الحاكمة في مستويات العلاقات الاجتماعية والتقاليد، هما آلتان ضخمتان وكبيرتان، وزحزحة مثل هاتين الآلتين تحتاج إلى نمو كبير للقوى المتوسطة والعاملة الحرة.
وكما أشار المتحدثون فإن نمو المؤسسات التشريعية وانتقال سلطة القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إليها، هو الحال المؤدي إلى تفكيك الإقطاع بقسميه السياسي والديني، وانتقال السلطة إلى الشعب.
لكن هذا الانتقال ليس آلياً ولن تقع ثمار الديمقراطية بسهولة في حضن الشعب، في وجود بنية اجتماعية متخلفة، ستجعل السلطة التشريعية إلى زمن طويل في ذيل الحياة السياسية، وتابعة للسلطة التنفيذية.
ولهذا فإن قوانين الانتقال الديمقراطي العربي هي كذلك قوانين عربية شاملة، أي متماثلة نسبياً، تعتمد على مدى نمو الفئات الوسطى والعاملة وتفكيك التخلف الفكري والاجتماعي في البناء الاجتماعي.
أي أن القفز على مثل هذه الظروف الموضوعية ستجعلها مجرد مغامرات سياسية، ولهذا تحتاج إلى تراكم طويل.
≣ صراع الطوائف والطبقات في اليمن
2008/11/8
كبقية الدول العربية عملت القوى المحافظة على تفكيك العلاقة التحالفية بين قوى الحداثة التي تصارعت مع بعضها بعضا في اليمن، فكان يُفترض لمؤسسي وحدة اليمن: حزب الوحدة الشعبية الشمالي والحزب الاشتراكي في الجنوب أن يمتنا دعائم العلاقة بينهما، وينشرا التنوير والديمقراطية والحداثة.
ولكنهما لم يفعلا ذلك بل انجرا لتأثيرات القوى المعادية للوحدة اليمنية وللتقدم في اليمن، واستدرجا لصراع ضار مدمر.
في البدء عنت الوحدة قبول الجنوب بسيطرة الشمال القوية، وكانت تضحية من الجنوبيين، وتمثل ذلك في سيطرة مؤسسة الرئاسة في صنعاء وجيش الشمال، وقبل الحزب الاشتراكي بدور الشريك، لكن تم تفكيك عرى العلاقة بينهما.
علينا من البداية أن نقرأ أخطاء الحزب الاشتراكي اليمني، لقد كان حزبا جنوبيا بامتياز، ولم يكن قادراً على التغلغل في الشمال، ولم يفهم ظروف اليمن بدقة، وضرورة النضال الديمقراطي الطويل والتحالف مع كل القوى الديمقراطية بدلاً من الركون للقوى العسكرية، وللمؤسسات الحكومية المخترقة من قبل قوى التخلف والاستبداد في الشمال، وبالتالي جاءت موافقته على مسألة “الوحدة اليمنية” غير متبصرة وسريعة، وألقى بنفسه في ساحة هائلة، كما أن قياداته كانت ذات مواقع قبلية مناطقية ولم تستطع أن تخلق تنظيما وطنيا ديمقراطيا واسعا، فقد قادت شعارات التأميم للملكيات الصغيرة والتطرف اليساري والقفز على ظروف اليمن وعدم فهم مرحلته السياسية إلى وجود شلل شمولية داخل التنظيم، قادت إلى مغامرات وصراعات ضارية.
إن فكره “الاشتراكي” كان طفوليا، ولم يشكل ثقافة ديمقراطية وطنية تلائم ظروف اليمن القبلي والأمي، ثم قفز إلى وضع سياسي هائل هو وضع الوحدة التي ذوبته وسط الشمال الكبير عليه.
في حين كان حزب الوحدة الشمالي الحاكم حزبا قبليا بامتياز لقبيلة حاشد، التي هيمنت على السلطة، وأورثت جماعاتها هياكل الدولة، وكان خيار الوحدة لها ليس خيارا ديمقراطيا وطنيا بل سيطرة قبلية كاملة، ولا شك أن دغدغة مشاعر الرئيس للهيمنة وأن يكون الشخصية الأولى والوحيدة والتي تورث حكمها لابنها وتحويل النظام الجمهوري إلى نظام ملكي أسوة ببقية الجمهوريات العربية، كانت تتلاقى وتتوحد في تيار شمولي شمالي قوي.
ووجد حزب الإصلاح المذهبي السياسي (السني) في هذا التحالف الشمالي في أول الوحدة وسيلته لضرب الحزب الاشتراكي اليمني، خوفاً من توجيه الوحدة نحو الاشتراكية والحداثة.
وهكذا فإن قوى تحديثية عديدة وجدت نفسها في خنادق متضادة، وراحت دولة الشمال وجيش الشمال يذوبان القوى الجنوبية التي توحدت معهما وأعطتهما السلطة، وغدت المعركة سياسية وشخصية، ثم تحولت إلى معركة حربية شرسة مخيفة، هجم فيها الجيش على الجنوب، واتضح فيها أن الشمال يفترسُ الجنوب لا أن يتوحد معه.
“وعلى الرغم من أن أصعب الأزمات التي تواجه الرئيس صالح هو صراعه مع القوى المتضررة من الحرب الأهلية في 1994، والتي كان الاخوان المسلمون شركاء الرئيس صالح فيها، حيث كانوا من أشد التيارات تحمسا لها، معزولة عن سياق الصراع الراهن بين النخبة الحاكمة والإخوان، فإن أغلب الكتاب المؤيدين لنظام صالح يرون أن تجمع الإصلاح الإسلامي متورط في تأجيج مشاعر أبناء الجنوب ويعمل بذكاء شديد على استثمار الوضع لتشتيت طاقة النظام وإضعافه.”، (الشرق الأوسط، اليمن صراع السياسة بين الرئيس والاخوان، 29 اكتوبر، 2007).
لقد دمرت القوى التحديثية الوطنية: المؤتمر الشعبي، الاشتراكي، الإصلاح، أنفسها في صراعها الجانبي، المدمر، وكانت الحصيلة هي ظهور مؤسسة الفرد الواحد الحاكم المطلق، وهشاشة وضع القوى التحديثية التي أسهمت في صعود دولة الوحدة ونخرها بالصراعات الفئوية.
لقد كان هذا من أخطر إفرازات الحرب، فليس رئيس السلطة كفرد هو القضية، بل صعود الفرد المطلق مع قبيلته. لقد أدت نتائجُ الحرب إلى رجوع اليمن خطوات كبيرة للوراء، إضافة إلى فقد عشرات الألوف من القتلى والخسائر المادية الجسيمة.
وبدلاً من انتقال اليمن للحداثة والوطنية والديمقراطية عاد اليمن كلية للقرون الوسطى سياسيا، لقد نزع قشرة الحداثة الهشة من فوق جسده القبلي المحافظ وبان على طبيعته.
ومع ذلك فإن البقية الباقية من عناصر الوعي الديمقراطي الوطني في الحزب الاشتراكي اليمني حاولت أن تخرجَ من هذه الثنائية القاتلة، ثنائية الجنوب والشمال، ثنائية الاشتراكي والرأسمالي الخيالية، ثنائية الحياة والموت، بالتوجه إلى أساس المشروع التوحيدي وإلى عناصره الديمقراطية الصغيرة وإعادة إحيائها.
لكن الشمال القبلي المسيطر عاد إلى عصره الإقطاعي الشامل، لقد افترس الجنوبَ وتركهُ ينزفُ ويلعقُ جراحَه.
لقد استولى كلية على السلطة ولم يعد أحدٌ ينافسه من الجنوب، فقادة الاشتراكي الأقوياء الذين حرروا الجنوب من الاستعمار البريطاني إما قتلى وإما هاربون، ومن رفض الحرب وصراعاتها وتهميش ما بعدها لم يُترك ليعيش بل انقضت عليه عصاباتٌ تعددت أقنعتها ولها مضمون واحد.
لم تكن حرب الانفصال والوحدة سوى حرب الجنون القبلي، فكأن الشمال كان يثأر من تقدم الجنوب، وينشر قبليته الكاملة في الفضاء اليمني لتسود، وما يدري ان هذا التسويد سيكون خرابا قادما واسعا للشمال.
لقد اتفقت القوتان السياسيتان الشماليتان حزبا المؤتمر الشعبي والإصلاح على تحطيم المعارضة اليسارية التي كانت جزءاً من الحكم، عبر حرب لبست قناع الدفاع عن الوحدة، ولم تكن سوى عملية ثأر متخلفة ضد التحديث الجنوبي، الذي كان يمضي بخطى صغيرة نحو صهر الشعب في كيان تحديثي موحد، وجاءتْ عملية الثأر من منطلقات مختلفة، من قبل كراهية اليسار والاشتراكية، وإقصاء المنافسين في الحكم، وتوسيع حصيلة أنصبتها في السلطة.
لكن السلطة كانت تعود للوراء.
كانت تغرق في العالم السعيد الإقطاعي، عالم القبائل المتصارعة، عالم شيوخ الدين الحالمين بسلطة مطلقة، عالم المناطق التي راحت ترفع رؤوسها مطالبة بالحكم الذاتي، عالم القبائل التي تعتبر أراضيها من سلطتها، فتعتدي على السياح وتتدخل في امتيازات النفط، وتلجأ إلى خطف البشر والمطالبة بفدى.
لقد عاد اليمن للوراء.
لماذا لم تؤد ما سُمي في عاصمة الوحدة صنعاء بحرب (الدفاع عن الوحدة) إلى مزيد من الوحدة والتقدم والإصلاح؟
لماذا أخذت الخريطة اليمنية في التمزق المستمر بدلاً من نجاح المنتصر ونشره للسلام والتقدم؟
لماذا عادت الأمور إلى الوراء بشكلٍ رهيبٍ وعلى نحو متسارع؟
لقد بدا للوهلة الأولى أن المنتصرين الشماليين حزبي المؤتمر الشعبي والإصلاح قد شكلا علاقة تحالفية وثيقة، وأنهما قادران على تجاوز غياب الحزب الاشتراكي اليمني المؤسس الثاني لهذه الوحدة العتيدة، ولكن ذلك لم يحصل بل دب نزاعٌ كبيرٌ وواسعٌ بين الطرفين المنتصرين.
كان هذا أيضاً حدثاً مؤسفاً، فقوى التحديث الوطني اليمنية ككل تمزقت على نحو مروع في المرحلة السابقة،
وقوى كثيرة أُقصيت عن السلطة والمشاركة، في اليمن الموحد غير السعيد، المتقاتل، ثم الآن دب الخلافُ الواسع في الشمال، وانتقل المتحالفان إلى حرب سياسية متأججة لم تـُستعمل فيها بينهما لحسن الحظ أدواتُ العنف.
لنقل إن المشكلات تفاقمت في البلد الفقير، والدولة حين تنتقل من التنوع والتعددية الحاكمة الشخصية إلى التفرد الشخصي – القبلي، تكون قد عبرتْ عصر الحداثة باتجاه عصر ملوك الطوائف.
إن الدولة التي تقودها قبيلة حاشدة ضخمة، تتوارث الامتيازات والنفوذ والخيرات، لا تريد أحداً آخر ينافسها ويشاركها في الحكم، وبالتالي كان عليها أن تلتف حول الرئيس وتضخم من صورته وتوسع من سلطاته وإمتيازاته.
“وبينما يتهم الحزب الحاكم بأن خطابها المشكك في شرعية الحكم والقائم على التعاطف مع تلك الحركات قد أضعف الدولة وهيبتها ومكن لتلك الحركات من تهديد مستقبل اليمن، فإن المعارضة بدورها تحمل الحاكم المسؤولية وتعتقد أن استحواذ الحزب الحاكم على مفاصل السلطة واستبعاد القوى السياسية الفاعلة من المشاركة في السلطة والثروة وعدم اهتمامه بمشاكل الواقع هي من يسهل الطريق أمام الفوضى”، (اليمن يغرق في عاصفة الانفصال والارهاب وإيران)، (الشرق الأوسط، 14 أبريل 2008).
نستطيع القول إن شهية الشمولية تكون عادة مفتوحة حين تهضم أي خصم سياسي كبير، فتنتقل لالتهام الخصم التالي وهكذا دواليك، فتلغي سمات التحضر الحديث، خاصة مع فواتح الشهية مثل ظهور النفط وتصاعد ثروات التنمية التي تـُحتكر من قبل الحكم وتتسع بعد تصفية الخصوم والرقابة.
فصار حزب الإصلاح المذهبي السياسي، لأنه يقتصر على جماعة سكانية مذهبية واحدة، ومحاولة تسييسها، خصماً لأنه يريد حصة أكبر في السلطة، بل يتطلع إلى الهيمنة عليها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
لكن حزب الإصلاح يمثل عقلية تقليدية محافظة، ففقهها يعود لمرحلة الإمامة وربما أبعد من ذلك، وحزب المؤتمر الشعبي الحاكم حزب (وطني)، مقارب للعلمانية الحديثة، رغم انه حزب ديني كذلك وينتمي إلى الطائفة نفسها، فكان عليه أن يركز في نقد الوعي المذهبي المحافظ وخطره على التقدم، بعد أن كان شريكاً في معركة النضال المشترك ضد الخطر الاشتراكي الانفصالي الملحد.
«… فحزب الإصلاح الذي كان يمثل الشريك الأبرز لنظام صالح، أصبح يمثل العدو اللدود المهدد لمستقبل النخبة السياسية المرتبطة بالرئيس صالح، فقد قاد الإصلاح منذ انتخابات 2003 النيابية معارضة شرسة، دفعت بعض قياداته في عام 2006 إلى المطالبة بثورة شعبية للقضاء على نظام الرئيس صالح باعتباره السبب الرئيس لتخلف اليمن، هذه المواجهة بدأت بعد أن تبنى نظام صالح سياسة إخراجهم من منظومة الحكم، وشكلت الانتخابات النيابية عام 1997 المدخل الرئيس لإخراجهم من الحكم، ومن ذلك الحين والرئيس صالح يعمل على إعادة بناء تحالفات جديدة لدعم قوة النظام، حيث عمل على تمكين القوى ذات الاتجاهات الليبرالية من منظومة الحكم، وقام بتصفية العناصر التي كان لها تاريخ اخواني من المؤتمر الشعبي العام الحزب الحاكم لصالح قيادات سياسية ليبرالية وتقليدية مشهورة بمواقفها العدائية لحركة الإخوان المسلمين، وعمل أيضا على إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية ورفدها بالقيادات الجديدة من أبناء النخبة الحاكمة التي تلقت تعليما حديثا في الجامعات الغربية، وتمتاز بولائها المطلق للرئيس صالح، كما عمل على بناء تحالفات قبلية داعمة للنظام من خارج قبيلة حاشد»، (اليمن صراع السياسة بين الرئيس والاخوان، سابق ذكره).
وإذا كان ذلك قد أدى إلى تمركز قبلي شخصي في السلطة، وكرسها في حزب واحد، فإن الديمقراطية تتحول إلى ديكور، ولا تستطيع أحزاب المعارضة اختراقها، لأن الحزب الحاكم حزب المؤتمر صارت بيديه ثروة البلد يوزعها على أنصاره ومحبيه، فكانت قسمات الليبرالية والديمقراطية والوطنية الجميلة تخفي تحتها السمات القبيحة للقبلية والفساد والمحسوبية.
فلجأت أحزاب المعارضة التي تقاتلت سابقاً إلى العمل المشترك، فكان لقاء الحزب الاشتراكي وحزب الإصلاح طريفاً بعد دعوات الكراهية الطويلة واستئصال الإلحاد والاشتراكية من اليمن المسلم.
لكن هل هذا التوحد للمعارضة تم على أسس فكرية ديمقراطية وطنية؟
لا، بل تم على مناوأة حزب المؤتمر ومناكفاته، وإحراجه ونقده وتعريته بأي شكل، بالباطل وبالحق.
فوجدنا بعض قادة الاشتراكي يؤيدون القاعدة.
ووجدنا بعض أنصار الإصلاح يوسعون الخلاف بين الشمال والجنوب ويريدون عودة الانفصال وقد كانوا مقاتلين أشداء لدوس الجنوب المتمرد المنفصل.
ووجدنا مناصرة للحوثيين المتمردين العسكريين من داخل قوى المعارضة.
لقد كان انزلاق اليمن لصراعات العصور الوسطى نتيجة طبيعية لضعف قوى الحداثة، وعدم نمو عناصرها الديمقراطية الداخلية، وبدا ذلك في الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي اللذين أرادا قيادة اليمن إلى الاشتراكية والرأسمالية معاً!
وكان اليمن يواجه ظروفاً صعبة، فقراً وتضخماً في البطالة ونزيفاً سكانياً مستمراً للخارج، ومواقف خاطئة في الحروب الداخلية والخارجية، فتدحرج مشروع النهضة على صخرة القبلية والمناطقية والمصالح الخاصة المتحكمة!
لقد أدى ذلك إلى التفكك المناطقي، وبدء انفصال الجنوب عن الشمال بطريقة سلمية فسادت المظاهرات والاحتجاجات على سوء توزيع الثروة بين الأقاليم وعلى اقتصار الجيش على منطقة واحدة وقبيلة، وعلى سوء الإدارة.
(واجه النظام السياسي الحاكم في اليمن في الآونة الأخيرة عاصفة من الأزمات السياسية، من الواضح أنها مع اعتصام المتقاعدين العسكريين في المحافظات الجنوبية، والمظاهرات التي شملت معظم أنحاء البلاد والمعترضة على غلاء أسعار المواد الغذائية، بدأت تهز عرش السلطة المكين ولم يجد الرئيس صالح في ظل هذه الوضعية الصعبة إلا أن يعلن مبادرة سياسية، كمحاولة للحد من تصاعد وتيرة الاعتراضات الشعبية على سوء أوضاع الحياة الاقتصادية، وعجز الدولة عن القيام بوظائفها نتيجة تفشي الفساد في مؤسساتها، ومن جانب آخر محاصرة القوى السياسية المعارضة المهددة لحكمه، وتجاوز مشروعها السياسي بمبادرة تحمل في مضمونها إصلاحات سياسية جذرية.)، (العربية، أكتوبر 2007).
إن بعض المطالب الشعبية كان صحيحاً ومهما إذا أُخذ في إطار وطني توحيدي وليس من أجل استثمار النزعات القبلية والمناطقية لزعزعة الدولة، ولكن إذا كان جهاز الدولة متصلباً في مركزيته، وشمولياً في قرارته، فإن قوى المعارضة المتخلفة سوف تستفيد من أخطائه وتطرح شعارات مضيئة جميلة بمضمون طائفي متوار، وهذا ما حصل خاصة في أخطر تمرد واجهه اليمنُ الموحد فيما بعد وهو تمرد الحوثيين.
(أما فيما يخص الحكم المحلي في ظل التركيبة الاجتماعية فإن النخب القبلية ستهيمن على الحكم المحلي، وهي قوى اجتماعية في معظمها مؤيدة للرئيس ومرتبطة بالحزب الحاكم، وحتى في حال إفراز الحكم المحلي لنخب سياسية جديدة فلن يكون للإسلاميين نصيب فيها، على الأقل في المستقبل المنظور، فالانتخابات المحلية السابقة أثبتت قدرة الحزب الحاكم على تشكيل تحالفات تتناقض مصالحها مع الفئات الاجتماعية التي تمثل الإسلاميين)، (العربية، المصدر السابق).
لكن النظام وجد ان قطب المعارضة تحول من الجنوب للشمال وتجسد في شريكه السابق حزب الإصلاح، فعمل على زعزعة وجوده وإنتاج مشكلات سياسية جديدة.
ونجد هنا كيف أن المذهبية السنية المحافظة تنتج شكلين متنافسين، أحدهما يجثم في السلطة ويحاول أن يمكيج نفسه ببعض الشعارات الليبرالية لكي يعطي لنفسه التمايز السياسي عن حزب الإصلاح المذهبي المحافظ الذي يقوم بالاستعانة بقوى مضادة لا لشيء سوى هزيمة غريمه حزب المؤتمر!
أخطر ورقة استعملها حزب المؤتمر الشعبي الحاكم كانت ورقة (الزيديين)، فهذه كانت فرقة إمامية معتدلة تقارب أهل السنة في الكثير من الأطروحات الدينية، وقد حركها الحكم لكي تناوئ حركة الإصلاح، فغذى ونمى الصراع الطائفي.
ولكن تفجر ورقة الحوثيين بيّن المدى الرهيب الذي يمكن أن تؤدي إليه الصراعات المذهبية السياسية واستغلالها من قبل أطراف محلية وإقليمية، وكم الخسائر الذي تسببه لبلد شديد الفقر!
وتغذية الصراعات الطائفية المتزايد في اليمن يعاكس ويناقض إخفاء وتحجيم الصراع الاجتماعي، فالقوى السياسية الحاكمة والمعارضة تلجأ، مع فشل سياستها ولعدم سيطرتها على الحراك الاجتماعي المنفلت بسبب هذه المرجعيات القروسطية، إلى استثمار الصراعات المذهبية وتأجيجها لعجزها عن تنمية الصراع الاجتماعي بشكل سلمي حضاري، اتجاهاً لحل مشكلات الناس.
وقد استفاد زعماء الزيدية من هذه الانتهازية الوطنية المتصاعدة، فتحولوا إلى لاعب أساسي في الساحة.
هناك من يربط نشاط الزيدية وتصاعدها بالسياسة الإيرانية ودورها في اختراق الدول الإسلامية والتأثير في سياساتها لكي تغدو اللاعب الأكبر في المنطقة.
وهذا لا ينفصل عن استغلال تنظيم القاعدة من قبل أطراف أخرى لضرب السياسة الأمريكية التي يتعاون معها النظام اليمني في السنوات الأخيرة، وبدا انه يربط مصيره بها.
وعموماً صار النظام اليمني ساحة صراعات وطنية وإقليمية كثيرة، وجدت من تفكك العلاقات السياسية الداخلية، ومن تفكك خريطة البلد الجغرافية، ومن تفاقم مشكلات الفقر والبطالة والكوارث الطبيعية فرصاً لاستثمار النقد الشعبي في مخططاتها السياسية، التي تتراوح بين النضج المسئول والحماقات بل الجرائم العسكرية.
وضاعت الخيارات التحديثية الديمقراطية الوطنية المتوحدة التي كانت باكورتها تعاون حزب المؤتمر والحزب الاشتراكي، والتي لم تعد مطروحة تماماً، وصار خيار الانفصال يتعمق في الجنوب، وتستغله قوى متضررة من الوحدة وحربها، كما يتعمق خيار الانفصال في محافظة صعدة. لكن كل هذه الخيارات غير سليمة، ومضرة، وخطرة على التطور السياسي اليمني، الذي يجب أن يعود إلى الوحدة وحوار القوى الوطنية من أجل انقاذ البلد من مسلسل الانزلاق الكلي للحرب الأهلية الواسعة.
لابد أن يعيد كل طرف الرؤية تجاه ما جرى وأن يبدأ الجميع من النقطة التي تمت مغادرتها وهي صراع قوى اجتماعية سياسية متحضرة وليست صراع قوى دينية وطائفية ومناطقية.
≣ غياب الجدل من تاريخ اليمن
2010/1/22
تشكلت الجمهوريات العربية بطرق غير ديمقراطية وعبر انقلابات عسكرية، وتم تغييب التراكم الديمقراطي البسيط من الحياة العربية عبر قفزات الضباط العسكريين للاستيلاء على السلطات.
وكلما ذهبت الجمهوريات إلى المناطق المذهبية والبدوية والقروية ازدادات تخلفاً، وهي هنا تستعيدُ المواريثَ المحافظة في بناء السلطات، وفي العلاقات الدولية، إما مشاكسةً للغرب وإما تبعية وانحناءً له، وإما هتافات ورقصات واستعراضات بين الجمهور الفرح وإما فتح أبواب الزنزانات لقياداته وجمهوره المساند، فالعلاقات الجدلية بين السلطات الجمهورية ومختلف المفردات الاجتماعية العربية تتلون من خلال القبضة العسكرية.
ولهذا رأينا جمهوريتي اليمن وهما تعانيان أشد المعاناة في سبيل تكوين نظام، أي نظامٍ مستقر! ليس لأن الأنظمة الجمهورية فاسدة بشكلٍ مطلق، ولكن لأن اليمنيين وقبلهم عرب آخرون، استعاروا هياكل جمهورية ليس فيها اسم للجمهور، وهي عبارة عن سيطراتِ أقلياتٍ سياسية وعسكرية، عجزت عن إنشاء علاقات ديمقراطية مع الجمهور الذي تحكمُ باسمه.
حين يتخلى النظامُ الجمهوري الذي يظهر فجأة عن المواريث السياسية والاجتماعية السابقة ويقفز للسلطة، لا يكونُ ميراثاً تراكمياً ويلغي استقراراً ونظاماً استمرا قرونا، وكأنه يبدأ من الصفر.
بلا شك إن الأنظمة السابقة متخلفة وبعضها شديد التخلف كنظام الإمامة في اليمن، وبعضها غير مقبول تماماً كالسيطرة البريطانية في الجنوب، لكن لا يمكن القفز على هذين النظامين وإنتاج نظامين من خلال التأملات الشخصية للثوار والضباط.
لابد من مراعاة النظام السابق والعمل على تطوير منجزاته ورفض سلبياته، أي أن قفزات السياسيين والضباط على كراسي الحكم، تقود للقطع مع الماضي، وليس للجدل الديمقراطي مع الماضي.
مهما كان سوء نظام الإمامة لكن لابد من ترك الشعب هو الذي يختارُ نمطَ الحكم، وأن تتشكل من هذا الجدل مؤسسات، مهما طالت الفترة الانتقالية، بحيث تنبثق التجربة الجديدة من الناس، ومن تعلمهم ومن مستويات مناطقهم ومن الإصلاحات التي سوف تتشكل من وجودهم الشرعي في مؤسسات الحكم الجديد.
لقد عرف السياسيون والضباط بأن ثمة شكلاً سياسياً غربياً اسمه النظام الجمهوري، ولكنهم لم يدرسوه! بل استعاروا شكله الخارجي، وشبحه السياسي، وظنوا بأنهم يؤسسون حكماً جمهورياً!
جاء سياسيو الجبهة القومية التي حكمت جنوب اليمن من جمل سياسية مضطربة وتحررية وفوضوية وأنجزوا الاستقلال المهم في حياة اليمن، ثم صاروا اشتراكيين وأمموا وخلقوا طبقة بيروقراطية عسكرية مسيطرة على وسائل إنتاج فقيرة.
كان التوجه لنظام رأسمالي ديمقراطي وتحريك عجلة الاقتصاد وتوسيع نطاق الثروة الوطنية، وغيرها من المهمات الأولية لنظام وطني أولي هي المطلوبة في ذلك الحين، لكن الجملة الثورية عصفتْ بالموضوعية السياسية، وقادت اليمن لطريق مسدود، ثم ألقتْ بها في أحضان العسكرية الشمالية التي لا ترحم، والتي عنونت نظامها باسم الجمهورية وليس له علاقة بالجمهورية.
إن النمو الطائفي لنظام صنعاء، ترافق مع نمو البيروقراطية العسكرية السياسية الشمالية، فدخلتْ في تمزيق شتى مفردات النظام، فهي مَلكيةٌ فرديةٌ متضخمة، وهي مقتصرة على نشاط النخبة المهيمنة الشمالية، وبهذا فهي قادت مفردات النظام السياسي للتفكك، بدلاً من تطوير أقاليمه ومذاهبه كافة.
لم يكن التوحد اليمني قائماً على أسس موضوعية، فهي وحدة عاطفية ومضت إليها قيادة الجنوب لتتخلص من الفواتير المرتفعة لنظام قصير النظر، توجه لـ (الاشتراكية) وهي رأسمالية دولة عسكرية قبلية، ليس لها علاقة بالاشتراكية، وراحت هذه القيادات تأكل نفسها، بسبب رفض تشكيل دولة رأسمالية ديمقراطية تعددية، ثم كانت الوحدة في تصورها حلاً لكل مشكلاتها التي لم تستطع أن تقرأها وتعيدُ النظر فيها، لأن كل زعيم استغل مشكلات البلد لكي يهيمن على السلطة فدخلوا في حرب تدميرية للبلد وللتجربة.
واستغل نظام الشمال العسكري القبلي هذه العملية ليسيطر على كل شيء. فقامت قيادة الجنوب بخطأ أكبر بإعلان الانفصال!
كان من الممكن أن تتلاقى قوى الليبرالية الوطنية المحدودة الشاحبة في الشمال والجنوب على برنامج إنقاذ والعودة لأسس النظام الحديث، الذي طرحه بعض زعماء الحزب الاشتراكي حين عركتهم التجارب وأدركوا سراب التسميات السياسية الكبيرة في واقع اليمن الفقير اقتصادياً وفكرياً، لكن قيادة الشمال رفضت تشكيل نظام ديمقراطي.
ومن ذلك الحين تفكك اليمن إلى أقاليم وقبائل مسيطرة على المناطق وإرهاب مستورد وانفصال وتدخلات أجنبية خطرة.
≣ أزمة اليمن
2010/8/7
تكونت أزمة اليمن الراهنة من قيام حكومة صنعاء بفرضِ نظامٍ شمولي عسكري على اليمن ككل، متخليةً بهذا عن مواثيق الوحدة اليمنية وعن تشكيل نظام ديمقراطي تعددي ينمو في ظل العلاقات الرأسمالية الحرة.
حدثَ هذا الانقلاب على صعيدي الجنوب والشمال بعد صراعاتٍ كبيرةٍ بينهما وبعد مقاربات للوحدة ومفاوضات ومواجهات دموية.
بالنسبةِ إلى مقاربةِ اليمن الجنوبي للوحدةِ والقبول بها، جاءتْ بسببِ العقليةِ الفكريةِ السياسية السائدة في الحزب الاشتراكي، فقد عاشَ على وعي (الاشتراكية) وإزالةِ الطبقاتِ والبرجوازية الاستغلالية خاصة، وشكلَ دكتاتوريةً سياسية عسكرية، جعلتْ السلطةَ في يدِ المكتب السياسي للحزب الاشتراكي، الذي راح أعضاؤه يتصارعون بشكلٍ مستمرٍ مدمر، مما عبر عن عدم وجود ملكية عامة كبيرة ومؤثرة، وعدم القدرة على تحويل نسيج البلد الاجتماعي البشري للتطور الحديث الديمقراطي، ولعدم وجود علاقات اجتماعية شعبية ديمقراطية مزدهرة.
إن العقلية القومية النخبوية كانت هي جذر تفكير القادة (الاشتراكيين) وهي التي أدت إلى المغامرات السياسية والقفز فوق الظروف الموضوعية، فغدت رؤيتهم للشعب اليمني بأنه شعبٌ موحد، يستطيع أن يشكلَ وحدةً فيما بينه، كأن ثمة عناصر من الدم هي التي تلعبُ الدورَ الحاسمَ في التكوينات الاجتماعية – السياسية.
إن غياب الوعي الديمقراطي الاجتماعي لديهم جعلهم يتعاملون مع شعبهم بطريقة نخبوية إدارية، وأحلوا قراراتهم محل الدرس الموضوعي لقوانين التطور الاجتماعي، وهذا بدأ منذ عمليات الصراع المسلح ضد الاستعمار، وترسختْ عقلية النخبة والمغامرة وقدرتها على تفجيرِ وتغييرِ العلاقات الموضوعية، في عالم الطبقات والبشر، عبر الشعار والحركة السياسية المفصولة عن قوانين الواقع.
لقد أسسوا حسبَ تصورِهم نظاما اشتراكيا، ثم توجهوا للوحدة مع نظام (رأسمالي) كما قيل وقتذاك. أما هم فقد أسسوا نظاما رأسماليا حكوميا عسكريا شموليا لايزال متشربا بالعلاقات القبلية، والحياة الاجتماعية الإقطاعية، وأعطوا كذلك الأغلبية الشعبية العديدَ من المكاسب كتشكيل ملكيات عامة وتحديد الأجور وتخفيض الأسعار والتعاونيات وغيرها.
لم يكن النظام الرأسمالي الحكومي وقتذاك يستندُ إلى ثروةٍ كبيرة، كما أن المساعدات من الاتحاد السوفيتي وألمانيا الديمقراطية كانت هي التي تبقيه حيا، مع معاركه المستمرة وعدم القدرة على تشكيل نظام رأسمالي ديمقراطي، يُصعدُ من مختلف أشكال الإنتاج، ويطور مستوى الحياة الاجتماعية والثقافية المتخلفة للشعب في الجنوب.
كانت المهماتُ الأولى لتشكيلِ نظامٍ رأسمالي ديمقراطي هي المطلوبةُ في بدءِ الاستقلال، وهو أمرٌ لم تفهمهُ هذه النخبُ اليساريةُ الطفولية وصارعتْ القوى التي طرحت ذلك.
وفي لحظةِ التوحيدِ مع الشمال عادتْ فجأة وبلا مقدمات إلى طرح النموذج الرأسمالي الديمقراطي وتجاوز تجربة (الاشتراكية)، وبشكل هو ذاته قفزة يسارية أخرى، ونخبوية مماثلة لطريقة عملها، بدلاً من أن تجعل ذلك فترة انتقالية مطولة ريثما تتركز هذه السمات التطورية في الجنوب وترى تطبيقها ونموها في الشمال كذلك.
هكذا قامتْ بالدخول في نظامٍ رأسمالي ديمقراطي موهوم عبر وحدة مع نظام إقطاعي عسكري.
أي أن تلك العملية التطورية التدريجية لم تكن قادرة عليها، وهي كانت سوف تسببُ تصدعاتٍ داخلية كبيرة، لهشاشة المبنى السياسي القائد، وكثرة المغامرين الذين سوف ينتهزون فرصة هذا التحول للوراء و(ضرب التجربة الاشتراكية) نظراً لعقلياتِهم المتخلفةِ في فهمِ الاشتراكية والديمقراطية، كما أن الظروف الاقتصادية كانت صعبة، ولهذا وجدت قيادة الحزب الاشتراكي اليمني في عملية الوحدة قفزة الهروب الكبير للإمام، وتحويل الأزمة إلى انتصار موهوم، وطمعت في البقاء على قمة السلطة وتقاسمها مع قوى الإقطاع العسكري وقوى الإقطاع الديني في الشمال.
وحين تحققت تلك التجربة – الكارثة تقاسمت النخبة الاشتراكية الحصصَ والكراسي مع قوة الدولة الحاكمة الحقيقية في الشمال التي أعطتها وهمَ الحكم، حيث أمسكت بالجيش والداخلية وتركتْ لها المناصبَ الشرفية، ثم أجرت لها عمليات الاغتيال الواسعة في ظرف زمني بسيط كانت استئصالاً مبرمجاً.
فالطبقة الحاكمة الإقطاعية سواءً العسكر الحاكم أم شيوخ القبائل وشيوخ الدين لا يمكن أن تتوافق مع تجربة نضالية شعبية مهما كان مستواها خاصة انها اتسمت بتاريخ من المغامرة والفوضوية والحدة، فجعلتْ من الوحدة مصيدة قاتلة.
كان تاريخ التحرر عبر الجبهة القومية يحملُ تلك الجراثيم ورفضَ هذا التاريخُ طريقةَ جبهة التحرير اليمنية الجنوبية عبر الليبرالية ونشر الديمقراطية بشكلٍ متدرجٍ واختارَ حكمَ الجملة الثورية المنتفخة فكان في الوحدة يحصدُ ثمارَ تلك التراكمات السلبية، وضاعتْ كلُ دروس الفكر التقدمي من توصيفِ الطبقات وعلاقات الإنتاج وقراءة وعي الجمهور
كانت فرصة لقوى الإقطاعِ المختلفة في اليمن الشمالي أن تحضنَ إلى درجةِ الصهرِ والإذابةِ الحزبَ الاشتراكي اليمني الذي افتقد رؤيتَهُ الطبقيةَ الشعبية، نظراً للفساد والتعالي على النضال مع الجمهور العامل.
وكانت قوى الإقطاع في الشمال تتصارعُ هي نفسُها، فشيوخُ القبائل وهم المادةُ الأرضيةُ المؤسسة للإقطاعِ العشائري المقسم لليمن إلى قطائع، وأسر ذكورية متخلفة، ونصوصية دينية صفراء، وفقر تاريخي، قد أنتجتْ العسكرَ الحاكمَ والدينيين المحافظين، فهم كلهم يمثلون عجزاً عن إثراء الواقع وعن تغييرِ حياةِ الناس، بل هي طفيلياتٌ تمتصُ رحيقه بأساليب عتيقة انتهى زمانُها وشاختْ أعمارُها، وتمكن العسكرُ بسببِ آلياتهِ الحربية من الصعود لمفاتيح السلطة والقبض عليها بشدة، وانهارت أحلامُ السلال والحمدي بتفتحٍ ونمو نهضوي ديمقراطي وطني، وجاء عسكرُ الهيمنة المطلقة، والعصبة الصغيرة والتوريث السياسي، وكلها تعفنتْ في الشكلِ المُستعاد لمَلكيةٍ أكثر قهراً للشعب من جمهورية مُصابة بفقر الدم الديمقراطي.
الثورتان في الشمال والجنوب رفضتا الثورةَ الحقيقية، أي تشكيل نظامٍ ديمقراطي علماني ليبرالي متدرج ينشرُ الحريات والتوحيدَ والوظائفَ قافزتين إلى سلطةٍ فردية مطلقةٍ لم تَتحققْ في الجنوب نظراً لعنادهِ الثوري المتأصل ولوجودِ حرياتٍ وليبرالية ومنظمات شعبية قوية، لكن راحَ الشمالُ القبلي المتخلفُ الفقير يحققها بمناوراتِ السلطةِ ذات الجيش الواسع الأمي، حتى وصلتْ إلى سلطةٍ مطلقةٍ فوق حُطامٍ وخرائب وثورانٍ شعبي في كل مكان!
زالتْ دولةٌ من الخريطة العربية، وتحطم الحزبُ الاشتراكي بالاغتيالات وقرار الانفصال المتشنج الذي هو تراكم لذات العقلية الانفعالية المغامرة، وبالحرب الشمالية التي كانت غزواً واستيلاءً على الأملاك العامة والغنائم.
هذا كله جعلَ الصراعات تنتقلُ للشمال كلية، وراح الفرقاءُ المتحدون لتذويب الجنوب يختلفون، وكل منهم يريدُ السلطةَ لنفسه.
في البدء وجدَ حزبُ الإصلاح المذهبي المحافظ ذو الشعبية الفضفاضة المكونة من القبائل والمثقفين الدينيين، ان الأرض قد خلت له، والكرسي في شوقٍ شديدٍ إليه، فجمعَ السحرَ واللغو السياسي، والجموع المسلحة، واندفع للسيطرة على الحكم الذي كان أشبه بالسراب إليه.
الإصلاح الذي استخدم شعارات الاخوان المسلمين وظهر نفسه المدافع الأوحد عن أهل السنة بخطاباتٍ مطلقة، حرك المشاعرَ الطائفيةَ النائمة، وأيقظَ النعرات الطائفية الأخرى غيرَ المسيسة والمؤدِلجةِ للصراع السياسي العنيف.
القوة الحاكمة الحقيقية وهي الضباط الكبار تبلورت قوتهم في الرئيس، الذي بدأ يقلد الرؤساءَ العربَ في الانقلابِ على الجمهورية وتحويلها لملكيةٍ، ولكن في وضعٍ رهيبٍ يخلو من أي أشكالِ الصلابة السياسية والاجتماعية لزملائه الآخرين الباقين، وفي بلدٍ مثل الجسد المقطع الذي ينزفُ من كلِ خليةٍ فيه دماً وجوعاً وفقراً وهجرةً وضياعاً.
الرئيسُ يؤسسُ مشروعَهُ التوريثي، ويكونُ فئةً مسيطرةً مهيمنةً على الاقتصاد والحياة الاجتماعية والسياسية، ويركزُها في الشمال فكان هدفها من الوحدة هو:
(السيطرة القبلية على نظام الدولة والإخلال بالأمن وتركين القانون واحتلال الجنوب وإلحاقه بالشمال والاستيلاء على ثروته النفطية والمعدنية والسمكية والزراعية والثروات الأخرى والقضاء النهائي على الحزب الاشتراكي اليمني وإنهاء نفوذه السياسي والعسكري وتحطيم مؤسساته بما فيها المؤسسات العسكرية وإنهاء القوى الوطنية والشخصية الجنوبية وسلب مواطنيه الحق المتساوي في المواطنة وتحقيق السيطرة والنفوذ للقيادة الشمالية على الجنوب، (د.عبدالله أحمد الحالمي: دراسة الأزمة) .
يقول أحد المواطنين الشماليين المعارض للحراك الجنوبي مقترحاً: إعادة الاراضي التي صُرفت للاخوان والأقرباء والمشايخ والسُراق ومحاسبة من أخذها ومن صرفها ومن استولى على أراضي عدن بالقوة (ومنهم قائمة الخمسة عشر في تقرير هلال باصرة) ومن لم ينفذ أوامر القضاء بإعادة الأراضي المنهوبة.
اضمنْ لي فقط تنفيذ هذه النقطة أضمنُ لكَ انتهاءَ الحراك الملعون الى الأبد.
إن عقليةَ الهيمنة على الثروةِ العامة من قبلِ الفئةِ العسكرية البيروقراطية التي تغلغلتْ داخلَ شيوخ القبائل وشيوخ الدين، وضعتْ حداً لشبه التماسك الوطني بعد الانتصار الدموي على الجنوب، فبدأ التمزقُ الشامل.
كان حراكُ الحوثيين مغايراً للحراكِ الشعبي الجنوبي من خلالِ جوانب عديدة.
فالصراعاتُ الشماليةُ اليمنية هي صراعاتٌ مريضة، هي تفسخاتٌ سياسيةٌ واجتماعية، هي مناوراتٌ ومؤامراتٌ في جسدٍ اجتماعي يتحللُ وبلا جذورٍ حضاريةٍ صاعدة مستقبلية.
إنهُ الإقطاعُ الديني السياسي القبلي يتحللُ دماً ويتناثرُ أشلاءً.
فليس صحيحاً القول إن الحوثيين شكلوا تطوراً من فكرةٍ دينيةٍ إلى فكرةٍ دينية أخرى متقدمة، وان الزيدية في فرقتِها المسماة(الجارودية) التي لا تؤمنُ بغيرِ إمامةِ سلالةِ الحسن والحسين، قد بدأوا يثرون أفكارَهم، فالفرقُ المعاصرةُ غيرُ قادرةٍ على التطورِ الديني العميق، غيرُ قادرةٍ على التأصيلِ الديني والدرس، فما هي سوى جماعات سياسية اجتماعية شعارية، توظفُ بعضَ الكلماتِ والشعاراتِ بسببِ نشوء أوضاعٍ سياسية جديدة تتيحُ التوظيفَ لها.
وهذا يعودُ عموماً إلى طموحِ زعماء فرديين جددٍ تم استغلالهم سياسياً وظهرت لهم مصلحة في أدلجة المذهب المعني، فحين كانت الزيديةُ بشيوخِ دينِها القدامى المعتقين عاشتْ مع فصائل الشعب اليمني الأخرى بسلاسة وتعاون ورفضت إدخال المقولات المذهبية المُسيسة تلك في حومة الحياة الاجتماعية الصراعية، وهذا ديدنُ المشايخِ الكبار وآياتِ الله العظمى، الذين يتخوفون من المغامرات السياسية وأخطارها على الدينِ والعباد.
لكن الحكومة الشمولية في صنعاء التي بعثرتْ النسيجَ الوطني الاجتماعي راحتْ تتلاعبُ بمكونات الشعب وخريطته السياسية الاجتماعية، فبعد أن قضتْ على تجربةِ الجنوب وامتدادها الديمقراطي المُفترض في الشمال، توجهتْ للقضاءِ على حزبِ الإصلاح الديني، الخصم الذي برزَ كبيراً بعد تحجيم الحزب الاشتراكي، واليمن تتقمصُ ظاهرات الصراع الشرقي بين الرأسمالية الحكومية والرأسمالية الخاصة، بشكلٍ كاريكاتيري دموي، فلم تقدرْ على تصعيدِ العناصرِ الديمقراطيةِ في الجنوب ولا قامتْ بزرعِها في الشمال وداخل حزب الإصلاح وفي الحياة الاجتماعية المتخلفة عامةً، بل عملتْ على ضرب تلك العناصر السلمية والمعتدلة وبذور الديمقراطية من خلالِ تصعيدِ وتغييرِ المنحى السلمي للزيديةِ المعروفة بتوجهاتِها المعتدلة السلمية، وتفجير الصراع بينها وبين السنة.
هنا ظهر الانقلابُ المفاجئ للجارودية الزيدية، التي حوتْ البذرةَ المناسبةَ للتآمرِ الحكومي، الدراماتيكي المفتعل، فالمدارسُ التعليميةُ الدينية العادية لها انقلبتْ إلى حزب، وبعد مدةٍ وجيزةٍ أعلت من شعاراتٍ حادة غريبة لم يسبقْ طرحها في اليمن، خاصة الهجوم على السنة في اليمن وما حولها من بلدان، وتصعيد الصراع مع حزب الإصلاح، ونزع تلك العناصر المختلفة في الانفصال المذهبي عن عموم المذهب الزيدي نفسه وتحويلها لعناصر كليةٍ مطلقة.
كان يترافقُ مع هذا تمركزٌ شديدٌ في السلطة وفرديةٌ قويةٌ فيها وبدء طرح مسألة التوريث، وظهرَ الصراعُ في العائلة الحاكمة، وهكذا فإن لعبةَ استخدام المذهبيين السياسيين في الصراع السياسي الوطني تواصلت واتسعت داخل الشمال نفسه.
إن تفككَ أجهزة السلطةِ هنا ترافقَ مع تفككِ أجهزتِها الايديولوجية، فهي لم تعدْ سنيةً محافظة، وهي كالحوثيين والإصلاح، الفاقدين للرؤية الديمقراطية العلمانية الإسلامية، بل غدتْ رؤيةُ السلطةِ برجماتيةً انتهازيةً ضيقة الأفق، تحاول فقط التشبثَ بالحكم وديمومته.
وبهذا فإن القوى المذهبية السياسية السنية لم يكن لديها قدرة على فهم الإسلام وتغيير السلطة أو الصراع معها بشكل قوي، وهي التي تعيشُ بينها وفي مدنِها وأريافِها، في حين توفر ذلك للحوثيين الذين أعطتهم تضاريسُ منطقتِهم الجغرافيةِ الوعرة وأعدادُ السكانِ وظروفُ الفقرِ وغيابُ الخدماتِ، الظروفَ المناسبةَ لتحويل (النزق) التسييسي المذهبي إلى ايديولوجيةٍ (متكاملة) زائفةٍ وتمرد مسلح.
السلطةُ التي استخدمتهم انقلبوا عليها، بعد أن شكلوا جنينَ سلطةٍ في الشمال، فهي التي دفعتهم للنمو والاستقلال، فصاروا شوكةً في خصرِها، وهي شوكةٌ داميةٌ صعبة النزع.
وبهذا فإن الحكومةَ قامتْ بحرقِ أرضِها السياسيةِ داخل الشمال، فأغرقتْ اليمن في أزمةٍ شاملة، وجرتْ المنطقةَ لأتونِ هذه الأزمة، فالحراكُ الحوثي غدا مستقلاً عبرَ آلتهِ العسكرية، ويمكن استخدامه لمن له أغراض أخرى، أي دخلَ الصراعُ اليمني الوطني في خريطةِ الصراعات الإقليمية والعالمية، وتم استثماره، نظراً لأن الدولةَ والأحزابَ اليمنية لم تقمْ بتصعيد البذور الديمقراطية ورعايتها بعدمِ توظيفِ المذاهبِ في الصراعِ السياسي، وبتعميقِ الوحدةِ الشعبية الإصلاحية، وباستقلالِ الأجهزةِ الحكومية عن الصراع الأهلي وبعدم شخصنة الحكم.
كان الحراكُ الجنوبي في اليمن يمثلُ طابعَ تاريخهِ النضالي، وتقاليد الناس المتحضرة في المعارضة، وعلى رغمِ قسوةِ السلطةِ وتعنتها ظلَّ العمالُ والبسطاء والجنود في جنوب اليمن يتبعون أساليب حضارية في رفضهم لغلواء الحكم وعدم إهتمامه بالناس وتوجه جماعتهِ للاستيلاء على الثروات والأملاك، وهي معارضةٌ إقتصرتْ بشكلٍ أساسي على المظاهرات السلمية.
الفرقُ واضحٌ بشكلٍ كبير بين معارضةٍ شمالية تمزيقية للوطن، ومعارضة بناءة جنوبية توحيدية، تدعمُ تشكلَ يمنٍ مختلف بعيد عن مركزية السلطة وشخصنتها.
كان جنوبُ اليمن ينعمُ رغمَ كل شيء بظروفٍ معيشية مستقرة، وبهذا إصطدمتْ رأسماليةٌ حكوميةٌ جنوبيةٌ متشددةٌ ومحدودةٌ النظرِ في البناءِ الاقتصادي وضابطة للأسعار وحدود الأملاك وأوضاع العاملين بالأجور وفي التعاونيات، بإقطاعٍ سياسي شمالي لديه بعضُ الحرياتِ الاقتصادية، وفوضوي في حراكهِ السياسي وبرغبتهِ التسريعية الحادة في إلتهامِ الثروات العامة خاصةً الجنوبيةَ منها، مما أدى إلى إصطدامِ تكوينين إجتماعيين مختلفين، فتفجرتْ الأوضاعُ خاصةً بعد غيابِ الضابط (الإشتراكي) الذي يخففُ من وقع الصدام بين البنيتين المتضادتين.
وقد صبر الجنوبيون طويلاً على هذه التعديات على الأملاك العامة، وأوضاعهم المعيشية، ومركزية الخدمات والمنافع لعاصمة الشمال، ثم إنفجرتْ الأوضاعُ بسببِ الأزمةِ العامة الاقتصادية التي تحولت إلى أزمة سياسية عامة، فلم يعدْ الشعب في الشمال والجنوب بقادرٍ على إستمرار العيش بهذه الظروف والأجور، لكن الشمال لم تكن لديه قوى ديمقراطية متجذرة، في حين كان الجنوبُ لديه تاريخٌ من النضالِ المطلبي ومن قوى النقابات التي هزتْ الاستعمارَ البريطاني.
بدأ الحراكُ الجنوبي بمطلبِ إعادة عسكريين جنوبيين مفصولين، بسببِ التمييز في الجيش بين شماليين وجنوبيين، وبعد تحقق هذا الهدف تنامتْ المطالباتُ في كلِ إتجاه.
حتى وحدة الجيش الصلبة تطرقَ لها الفسادُ، ولكن الجيشَ بقي كأداةٍ في يدِ القوى الشمولية الحاكمة، بسببِ التجنيد الواسع للأميين ووضع الميزانية في خدمته وصارَ الجيشُ أداةً للقمع ولتآمر الحزب الحاكم، وإختفى الجيشُ العقائدي الجنوبي المرتبط بتقاليد الجمهور اليمني النضالية.
لقد بانَ ضعفُ السلطةِ واضحاً في عدمِ قدرتِها على خلقِ طبقةٍ حاكمة موَّحدة ذات برنامج مستقبلي واعدٍ بأهدافٍ معقولة لعموم الشعب، بل هي نفسُها تصارعتْ وفتتْ صفوفَها، وحلتْ الفرديةُ المطلقةُ والإنتفاخُ السياسي وعبادة الفرد فيها، كما أنها لم تخلقْ قواعدَ في الفئاتِ المتوسطة تساندُها، التي تحولتْ هي الأخرى إلى فسيفساءٍ من الأحزابِ الصغيرة، وغابتْ المعارضةُ الحكيمةُ التوحيدية.
هكذا تحولتْ الصراعاتُ السياسيةُ في الطبقةِ السياسية العليا إلى أزمةٍ شاملة، أزمةٌ أدخلتْ كافةَ الطبقات والسكان في صراعات محمومة فوضوية.
وقد بانَ التباينُ الاجتماعي العامُ بين الشمال المميز وبين الجنوب المهمل، وتباين الشمال نفسه بين سنة وزيدية، بين عاصمة مسيطرة وأرياف مُستبعَّدة، بين جيش وعامة.
وإستمر مسلسل السلطة في الهروب للإمام، بدلاً من إعادةِ النظر في كل هذا التاريخ الانقلابي العائد للوراء، فإستغلتْ شبحَ القاعدة، وربما فتحتْ البابَ ليكبر ويتم توظيفه، فغدتْ الأزمةُ عالمية، وتم دغدغة مشاعر القوى الغربية المرهفة للمساعدة وتخويف دول الجوار وليتم وضع اليمن بين الدول المُعَّرضة للإرهاب والمحتاجة للمساعدات.
يتوجه قسم من الجنوبيين للانفصال وهدم دولة الوحدة بنفس الأسس التي قبلوا بها بالوحدة، أي بالتشنج العاطفي، وردود الأفعال الحادة، وعدم الاعتماد على تنمية العناصر الديمقراطية وتطويرها في كل اليمن، وأن ليس لهم سوى الصبر السياسي والإنتاج التراكمي النضالي الديمقراطي الطويل لهذه العناصر، وهي المهمةُ التي رفضوها في كلِ لحظاتِ تطورهم السياسي، حين إشتغلوا على القفزات وحرق المراحل. إن تغييرَ طابع الدولة المركزية وتشكيل حكومة ديمقراطية هو الهدف الحقيقي للمرحلة الذي ينبغي أن تلتف حوله كل القوى العقلانية، وبالحفاظ على المؤسسات الوطنية المختلفة، فليس الانفصال سوى مجموعة جديدة من الحروب والإقاليم المتصارعة أي جعل اليمن صومالاً آخر.
≣ اليمن من القبليةِ إلى الديمقراطية
2011/6/9
استمر الصراع الاجتماعي السياسي طويلاً خلال العقود الأخيرة في اليمن، كان اشتراكيا – قبليا في الجنوب، ورأسماليا – قبليا في الشمال فتوحد بشكلٍ دكتاتوري شامل.
فلا الاشتراكيون في الجنوب صعّدوا عناصرَ ديمقراطية وثقافة تنويرية، ولا حافظوا على تجربةِ رأسماليةِ الدولةِ الشمولية التي تخصهم.
والشمالُ لم يطورْ التجربةَ الرأسماليةَ لتكونَ مجتمعاً ديمقراطيا، فالرأسمالية كانت على ضفافِ القبائل، ولم تستطعْ اختراقَ النسيج القبلي المحافظ وتبديله وتحويله إلى اصطفافٍ اجتماعي بين تاجر وعامل، بين قوى العمل وقوى رأس المال، بين قوى الثقافة وقوى الإنتاج، بين قوى الدولة وقوى القبيلة، حيث قامت الزراعة والحرف بتقديم أغلب النتاج وأقعدتا اليمنَ في العصر الوسيط، وظلت القبائل هي النسيجُ الاجتماعي الأكبر التي تفرزُ مكوناتها في كل حين وفي كل انقلاب وفي كل ثقافة، وتحددت في قبائل قليلة مركزية مهيمنة على الوطن الموحد.
كان الحراكُ الجنوبي قد عادَ إلى وطنيتهِ الضيقة وإقليميته وكان هذا دليلاً على عدمِ نضجهِ السياسي، وعلى تقلباتهِ الفوضويةِ المغامرة، وهو الذي قاربَ الحداثةَ في ضفافِها البحرية الانفتاحية أكثر من الداخل الجبلي، فكان حراكه السياسي الانفصالي الذي زعزعَ البلدَ قد ولّد أزمةً ثورية، من دون أن ينجحَ في الانفصال، لكنه أطلق مخاضَ البحث عن هوية جديدة، وحشد القوى ضد عاصمة الطغيان، فدفع اليمنَ للتحول الجديد.
اللاعبُ الأساسي هو الشباب الذي وقفَ قليلاً خارجَ القبيلة ولم يتشربْ بعد كل جوانبِ لوثتِها المحافظة، ورأى أن يهربَ منها قبل أن تدفنهُ في رمالها المتحركة.
قَلدَ الثورتين التونسية والمصرية فجلبَ نموذجَ الثورة التوحيدية الديمقراطية الإسلامية- العلمانية المتجاوزة للقبائل والمذاهب.
الشباب الذي كان سيدفنُ شبابَهُ المأسوف عليه بين قبور التراث وجلسات القات والصراعات السياسية المجدبةِ لجماعاتِ البرجوازية الصغيرة الفارغةِ من كل وعي حقيقي بصراعِ الطبقات، حسمَ الخيارَ التاريخي بأن نقل اليمنَ للحداثة، لمؤسساتٍ منتخبة شعبياً، تضع دستوراً ديمقراطياً وتحيلُ اليمنَ عن سكة الربع الخالي نحو أوروبا والحداثة ذات الأنوار!
وبيّن هذا الشباب الشعبي أن أقدامَ بلقيس النورانية في سفرِها للشمال لها سلالة باقية، صحيحٌ انها طلعتْ من الكهوف وجنائن التحديث الأولى، إلا أن الفعل القومي العربي الجمهوري الخلاق له في أرض اليمن آباء وأمهات كثيرون.
وقد عصف الشبابُ بكل جلساتِ القات التي يعقدُها المؤتمرُ اللاشعبي، ويقررُ فيها سرقة أموال الشعب وأراضيه ونفطه المحدود وزراعته. حين ظهر النفطُ تمركزت السلطة في عائلة صغيرة وأرادت أن تكون الكل.
فالشعبُ لم يبقْ عليه إلا الإبداع والخرق والشبابُ مفتوحةٌ أمامه على مصاريعِها أبوابُ البطالة والتشرد والحروب الأهلية.
كانت الشراراتُ العربيةُ تنزلُ فوق حطب سياسي يمني يابس.
لقد نجح الرئيسُ علي صالح في نسف كل شيء إيجابي في اليمن.
هو تتويجٌ سلبي للعسكر الإيجابيين السابقين الواعدين المتواضعين المتفتحين، عبّرَ عن انهيارِ العسكرية الشعبية، وتصاعد العسكرية القبلية المغرورة المتجبرة، فجعل الدبابةَ أداتَهُ الأساسية في الحوار/الدمار، ومركزَ السلطة قبيلةً ومدينةً وأسرةً، ولم تظهر قوةٌ بديلة حقيقية، لأن أحزاب الفئات الصغيرة المتسلقة والانتهازية هي مدرسةٌ للمماحكات وجر الكراسي والفوائد للجيوب والمناطق والقبائل، فكان الشبابُ هم الفيض الوطني التوحيدي الذي عبر عن ألم اليمن عبر القرون لكي تصيرَ دولةً حديثة، ولكي تظهر مؤسسات ديمقراطية، وتدخل اليمن العصرَ العربي الديمقراطي.
هم فيضٌ وليس مؤسسات ولا أحزابا، وينبغي أن يظل حتى تتحقق الديمقراطية فعلا.
≣ اليمن: أصراعٌ قبلي أم تحديثي؟
2011/12/11
فيما تقوم القوى الشبابيةُ والمعارضةُ بمحاولةِ تشكيل يمنٍ ديمقراطي، تقوم قوى السلطة السابقة وعائلة الأحمر بالصراع على نفوذ القمة المتزعزعة.
القوى الشبابية والمعارضة تمثلُ درجاتٍ من الصفوف المتداخلة المتباينة في عملها لتجاوز اليمن السابق، المتجسد في نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح.
القوى الشبابية غيرُ الناتجة عن صراع المصالح والقوى القديمة، مثل شباب الثورة في مصر وتونس الذين خسروا الصفوف الأولى لصالح القوى المعارضة المغروسة في الحياة الاجتماعية السياسية لعقود سابقة، وهي ذات الخبرة والتغلغل في الخرائط الاجتماعية ولها شبكاتٌ قديمة في الاستحواذ على أصوات الناس من خلال المنابر الدينية والأحزاب.
وهذا التباينُ بين الشباب وقوى المعارضة يجسد الفروق بين الشعارات والعفوية السياسية وأحلام الديمقراطية المجردة، وبين التنظيماتِ البرجماتية (العملية) ذات المساومات والوصول إلى الكراسي وتنفيذ تغييرات محددة حسب طبائعها السياسية الاجتماعية، وخططها للهيمنة والتغيير المحدود.
جيلان مختلفان، وعقليتان متباينتان: أناسٌ ظهروا من البراءة السياسية، وأناسٌ نقعوا في الدهاليز الحكومية والمناورات السياسية، أناسٌ يعبرون عن قوسٍ اجتماعي واسعٍ من الفئات والطبقات المتداخلة، وأناس حزبيون يمثلون قوى اجتماعية شبه متحجرة.
لقد قامت إدارةُ الرئيس السابق ببناء اليمن في السنوات الأخيرة بشكل اقتصادي أفضل من عقود التخلف السابقة، وقد مرت اليمن بظروف رهيبة عبر تأييد الرئيس للغزو العراقي للكويت وآثاره الوبيلة على وضع اليمن الاقتصادي، لكن الرئيس تمكن من إعاشة أكثر من مليونين من اليمنيين الذين طُردوا من دول الخليج في ذلك الوقت، ووجه فوائض النفط لإعادة بناء البلد، لكن من خلال سيطرة حزبه وعسكره ثم من خلال سيطرة أسرته.
لم يقبل الاشتراكيون في اليمن (الجنوبي) نتائج تحولات الوحدة وسيرورتهم خارج السلطة، ولم يشتغلوا على التوحيد الديمقراطي ونشر ثقافة الديمقراطية والتعددية والتنوير، فكانت الحرب وكان الرئيس المنتصر، وكانت دكتاتوريته وآثارها السلبية.
فظهرَ جيلٌ جديد يتجاوز هذه المعسكرات الضيقة ويركز في إزاحة الرئيس وتكوين يمن ديمقراطي ذي مؤسسات فوق الرئاسة والقبيلة والأحزاب.
أرادوا ديمقراطية أوروبية من دون ركائزها من طبقة وسطى وعمال أحرار وثقافة ديمقراطية ذات شعبية، وحركوا الشعب طويلاً وبتضحيات جسام مريرة، حتى تحقق لهم هزَّ السلطةِ وتغيير بعض أحجارها الصلدة، وكانت الثغراتُ فيها لا تتسع لأحجامهم الكبيرة الجماهيرية والنقية، فتسللتْ من خلالها الجماعاتُ ذاتُ الملمس الناعم الدهني، وراحوا يستريحون على الكراسي في عملية إعادة ترتيب للطبقة القديمة-الجديدة، بعد أن وصلت الأوضاع في البلد إلى حد الانهيار.
يقول لي كاتبٌ يمني إن المظاهرات التي ترونها في بعض الفضائيات مقطعة مؤدلجة حسب أهداف هذه الفضائيات فلا توجد مثل هذه المظاهرات الهائلة وبهذه الأحجام، وأن الصراع الحقيقي هو بين عائلة الرئيس وعائلة الأحمر على السلطة، وحين ستأتي عائلة الأحمر لن تكون أفضل من عائلة الرئيس السابق!
فهل يلتقي حراكُ الشباب والسياسات الديمقراطية معاً لتجاوز مثل هذا الصراع العائلي المحافظ المتخلف لبناء دولة مؤسسات قوية؟
إن تجاوز الصراع القبلي في القمة هذا لن يكون سهلاً، لكون القوى الجديدة مليئة بالقديم والمحافظ والمتخلف، فسيحتاج الأمر إلى تطور عمل الشباب والقوى الديمقراطية خلال سنوات عديدة قادمة ..
https://www.dhal3.com/vb/showthread.php?t=41500
كريستين هانا (Kristin Hannah)، الروائية الامريكية المعروفة، تكتب عن عبدالله خليفة
اليوم 10/21/ الذكرى لــ 11 لوفاة عبـــــــدالله خلـــــــيفة
في رسالة بعثتها الى موقع عبـــــــدالله خلــــــــيفة
مرحبا
أنا كريستين هانا، مؤلفة كتاب «النساء»، و«العظيم وحده» و«العندليب» وأكثر من عشرين رواية أخرى تستكشف الحب والشجاعة ومرونة الروح البشرية. بدأت رحلتي في الكتابة قبل وقت طويل من أي قوائم من أكثر الكتب مبيعا أو تعديلات للأفلام. بدأ الأمر بشغف بسيط لرواية القصص وحلم بدا مستحيلا ولا يقاوم.
على مر السنين، تعلمت أن كل كتاب هو مغامرته الخاصة، والتي تتطلب الصبر والضعف والإيمان بقوة الكلمات لربطنا. أعرف مدى صعوبة العثور على صوتك، ومواجهة الرفض، والاستمرار في الإيمان بقصتك عندما يبدو الطريق إلى الأمام غير مؤكد.
لهذا السبب أحب أن أسمع منك. ما هي التحديات التي واجهتها في رحلتك الكتابية، وما هي الخطوات التي اتخذتها للمضي قدماً؟
مسار كل مؤلف فريد من نوعه، لكنني أعتقد حقا أنه مع المثابرة والقلب، تجد كل قصة قرائها في الوقت المناسب. أتطلع إلى سماع رحلتك والدروس التي شكلتك على طول الطريق.
تحياتي الحارة ،،،
كريستين هانا
عزيزي عيسى، شكرا جزيلا على رسالتك المدروسة ومشاركة الإرث الرائع لعبدالله خليفة. لقد تأثرت حقا عندما قرأت عن حياته وشجاعته وإسهاماته الأدبية العميقة في البحرين والعالم العربي .تعكس مجموعة أعماله فهما عميقا للنضال والأمل والقوة التي لا تنضب لقيم الروح البشرية التي يتردد صداها لدى الكتاب في كل مكان.
لقد ألهمتني بشدة كيف تشابك رواية قصصه بين الفن والتاريخ والوعي الاجتماعي، مما يوفر صوتا للحقيقة حتى في أوقات التحدي الكبير. إن تفانيه في الأدب على الرغم من المشقة هو شهادة على ما يعنيه أن تكون كاتبا ملتزما بالهدف.
سيكون شرفا لي أن أتعلم المزيد عن رحلته الإبداعية، وكيف تعامل مع قصصه، وما كان يأمل أن يحمله القراء معهم من عمله. يذكرنا كتاب مثل عبدالله خليفة بأن الكلمات يمكن أن تدوم أكثر من الزمن وتتجاوز الحدود.
مع التحيات الحارة والإعجاب،،
كريستين هانا
,Hi
I’m Kristin Hannah, author of The Women, The Great Alone, The Nightingale, and more than twenty other novels that explore love, courage, and the resilience of the human spirit. My writing journey began long before any bestseller lists or film adaptations. It began with a simple passion for storytelling and a dream that felt both impossible and irresistible.
Over the years, I’ve learned that every book is its own adventure, one that demands patience, vulnerability, and faith in the power of words to connect us. I know how challenging it can be to find your voice, to face rejection, and to keep believing in your story when the path forward feels uncertain.
That’s why I’d love to hear from you.
What challenges have you encountered in your writing journey, and what steps have you taken to move through them?
Every author’s path is unique, but I truly believe that with persistence and heart, every story finds its readers in time. I look forward to hearing about your journey and the lessons that have shaped you along the way.
Warm regards,
Kristin Hannah
Award-Winning, #1 New York Times, USA Today, Wall Street Journal & International Bestselling Author
Author of The Great Alone and The Women
Firefly Lane – Now a hit Netflix series
The Nightingale – In production with TriStar
,Dear Isa
Thank you so much for your thoughtful message and for sharing the remarkable legacy of Abdulla Khalifa. I was truly moved reading about his life, his courage, and his profound literary contributions to Bahrain and the Arab world. His body of work reflects a deep understanding of struggle, hope, and the unyielding power of the human spirit values that resonate with writers everywhere.
I’m deeply inspired by how his storytelling intertwined art, history, and social consciousness, offering a voice for truth even in times of great challenge. His dedication to literature despite hardship is a testament to what it means to be a writer committed to purpose.
It would be an honor to learn more about his creative journey, how he approached his stories, and what he hoped readers would carry with them from his work. Authors like Abdulla Khalifa remind us that words can outlast time and transcend borders.
With warm regards and admiration,
Kristin Hannah
Award-Winning, #1 New York Times, USA Today, Wall Street Journal & International Bestselling Author
Author of The Great Alone and The Women
Firefly Lane – Now a hit Netflix series
The Nightingale – In production with TriStar
أدونيس ـ كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة
نقد بيان الحداثة لأدونيس*
يقدم لنا كتاب «البيانات» الذي اصدرته أسرة الأدباء والكتاب في البحرين، بين دفتيه نصين هامين للشاعر والباحث علي أحمد سعيد «أدونيس»، يصوغ فيهما رؤيته للحداثة، وبيانه لتغيير طابع الإنتاج الشعري العربي، مشكلاً إياهما بلغة شعرية، مليئة بالتجريد حيناً، وبالأمثلة السابحة في فراغ تاريخي، لكي تغدو هذه النظرة سيدة الوعي الشعري العربي النخبوي في العالم العربي، والملهمة في حالة خلق الفصام الرهيبة للشعر العربي عن جذوره ومناخه وجمهوره، وعن حداثته الفاعلة التغييرية المنشودة.
تتجسد الحداثة الشعرية لدى أدونيس في المدرسة الباريسية للشعر، حيث الخصائص الصوفية والسريالية واللاعقلانية، فيقول: «إن شعرية الشعر الغربي العظيم تتصل بخصائص شرقية بالنبوة، والرؤيا، الحلم، السحر، العجائبية، التخييل، اللانهاية، الباطن أو ما وراء الواقع، الانخطاف، الأشراق، الشطح، الكشف الخ»(1).
إن النموذج الشعري المطلوب هو في هذا التيار الصغير من الحياة الإبداعية الغربية الواسعة، تتشكل في الاذتيين المغتربين والمنفصمين عن الواقع، والذين يحولون التخييل طاقة وحيدة منسحبة من الرصد والكشف والتحليل للعالم، لتغور في ذات المبدع المنعزل عن الشارع، وعن العلم، لتعطيه جسور الافتراق والانفصال عن «الدهماء» وعوالمهم الثقافية، وجذورهم التاريخية، وأنواع إبداعاتهم الشفاهية والمكتوبة.
الشعر النموذجي لدى أدونيس يغدو ذلك المنحى الصوفي الميتافيزيقي والذاتي، الذي يصيرُ غير مرتبط بموضوعٍ محدد، والذي يسوحُ في الذات رحلة فلسفية، مليئة بالرموز والأقنعة، التي تلغي حواجز العصور والمراحل والقوى، في عصيدة تتمازج فيها كل الألوان والأشياء، بحيث أنها تستعصي على الفهم الجماهيري الواسع، وتغدو وجبة للمتخصصين.
فالشعر النخبوي هنا، عندما يتمازج وأغراض الجمهور، ومناسبات الحياة، من ربيع وموت وثورة الخ.. يغدو فاقداً للشعر، فالشعر ينبغي أن يؤسس فوق الهياكل العظمية والإيديولوجية لبودلير ورامبو ونوفاليس، ومن هنا تتم محاكمة الشعراء العرب منذ الجاهلية تبعاً لأحكام صالونات باريس الباذخة.
فلن نعرف هذه اللحظة التي تشكل فيها إبداع هؤلاء الشعراء الفرنسيين والغربيين المطحونين تحت القطار الرأسمالي المندفع بقوة في القرن التاسع عشر نحو فتح ونهب البلدان الأخرى، وتحطيم أشكال العقلانية البرجوازية المتأسسة وقتذاك على الصراع ضد الإقطاع الديني والزمني، وهؤلاء الشعراء المنسحبين إلى ذواتهم وجماليات اللغة الصافية، خوفاً عليها من عامية البرجوازية المبتذلة، التي حولت الضمير والشعر والرسم إلى بورصات الأوراق المالية، سيغدون هم المثال في عالم ثالث مغاير، ليست فيه تلك الشروط المعرفية والاجتماعية والجمالية.
إن الوكالة التجارية الشعرية التي افتتحها أدونيس في سوق العالم العربي، لاستيراد وتصدير تلك القصيدة، راحت تعمل في شروط مغايرة، فليس الصراع ضد الرأسمالية هو ما يؤرق الكاتب العربي، بل الصراع ضد التخلف والتركيبة البطريركية وكل سدنتها وأزيائها، بدءً من اللاعقل وما وراء الواقع مثل حشود العفاريت وسيطرة وعي المقابر والأشباح والخرافات، وهو إنتاج وفير هائل نستغرب كيف يقوم أدونيس باستيراده ويضاف ذلك مع عزلة الكاتب وشرنقيته ولا مسئوليته الزمنية الراهنة!
هكذا كانت رأسمالية الغرب في بدء القرن العشرين بحاجة إلى هؤلاء الشعراء والكتاب غير الجماهيرين، غير الفاعلين، الغامضين، الذي يرحلون في دواخل عوالمهم الذاتية العظيمة الفسيحة، عبر نحت لغوي وترميزي وصوري معقد ومتراكب، محطمين سياقات الصورة الكلية في القصيدة، والبنية الموحدة في للوحة والقصة، مهمشين اللغة والصورة إلى ذرات، بحيث إن فاعلية القصيدة والكتابة التحريضية التحويلية تتقطع، وتحدث عزلة بين هؤلاء المنتجين وسوق الطلب الثقافي.
حينئذٍ تتجه الثورة نحو الشكل وعزلة الأنا وتلاعبها باللغة فتظهر ثورة تعويضية بديلة عن الثورة المطلوبة في الواقع.
وتغدو الارتدادات الغامضة إلى الماضي والأساطير بديلاً عن تشريح الواقع والحاضر، ومعرفة امتدادته في الماضي والوعي.
ولكن حتى هذه المدرسة الصغيرة لم تكن هي كل الثقافة الشعرية الغربية في ذات الفترة، حيث هناك مدارس ثورية شعرية حقيقية، لم يقم أدونيس بالاهتمام بها، أو حتى ذكرها، وكان الترويج لهذه المدرسة الصوفية والسريالية في العالم، عبر آلة دعائية هائلة، من جراء تعاون المركز المصدر والمستوردين الثقافيين في العالم التابع.
كان العالم التابع، الغارق في الخرافة والعالم الأسطوري، ليس بحاجة إلى لغة صوفية جديدة ولا إلى علائق تهديمية للأشكال العقلانية الأدبية الجنينية، والتي تترافق مع تصنيع هزيل وتطور ثقافي حديث ضحل.
فكان شوقي وحافظ والجواهري والزهاوي وعشرات الشعراء الكلاسيكيين في الوطن العربي بذرة أولى لهذه العقلانية الشعرية، المهتمة بالأغراض والمناسبات في تركيبة العمود الشعري حمالة الحطب، التي تعلم وتلهم وتخلق علاقة نهوضية وليدة.
كان الشعر يحاول أن يسير بعيداً عن «الخرافة» – بالمعنى الرديء للكلمة – نحو الواقع وتحليله مسقطاً القيود الشكلية التي تعوقه في هذه العملية الاستبطانية – الموضوعية، حيث تتداخل الذات والواقع، في تركيبةٍ غيرِ ذاتية كلياً، وغير موضوعية كلياً، حاصلة على الجذور الأولى في فهم الصراع الاجتماعي والوطني، بدءاً من السياب ومروراً بالشعر الفلسطيني حتى الشعر الواقعي الجديد.
لقد اعتمد الشعر العربي على هذا الديالكتيك غير المفهوم لدى أدونيس، وهو التداخل بين الأغراض والتقنية الفنية، بين هواجس تحليل الحياة وتعريتها واستبطان حالات الذات، بين الغوص وراء الخرافة والأسطورة وتسييسها ونقدها، حيث لم تكن ثمة أسوار بين نمو الأدوات واكتشاف الواقع.
ولكن النموذج الفرنسي، المعلب في لحظة تاريخية خاصة، تناقضت فيها الأداة الشعرية والمضمون، وتباعدت فيها القصيدة والجمهور، وتحاربت لديها اللاعقلانية والعقل، وصارت الفلسفة ضد العلم، بقي هو النموذج المهيمن على وعي أدونيس التأسيسي للشعر.
وهكذا بدأ أدونيس وبيانه الأول سنة 1980، وبيانه الثاني في سنة 1992، في لحظتين غريبتين. فقد تعرض الوعي الشعر العربي الثوري للانتكاس نظراً لانهيار تجارب البرجوازية النهضوية ومن ثم العسكرية العربية، وبدأت مفاهيم العقلانية والعلم والنهضة وغيرها بالتكسر والتبعثر، وانسحب الأدباء والمثقفون من الفعل التغييري، وهبت رياح الأسطورة والدين والطقوس مؤكدة نبؤة أدونيس!
لقد صار الغموضُ ولغة الرموز والأساطير هي بنية أغلب الشعر العربي السائد، وفشلت لغة الموضعية والتحليل في الدخول إلى عرين الأسد المتوحد والمتفرد. ومثلما عبر هذا عن سقوط التجارب الثورية وهشاشة التكوين البرجوازي التحديثي العربي وغلبة الحياة البطريركية، فقد وقد وجدها مثقفون وشعراء فرديون لغة مناسبة للمناورة الاجتماعية والإيديولوجية.
أي أن ما دعا إليه أدونيس من فردانية متفتحة على الداخل الباطني التهويمي هو ما انتشر وسيطر على مشهد واسع من الشعر العربي المعاصر، مدمراً الأشكال المقاربة للقراء، نحو أشكال حرة نثرية وإيقاعية، مليئة بإدعاءات الحداثة والتجاوز والعصرنة.
إن الدمارَ الاقتصادي والثقافي الذي سببهُ الاستعمارُ، وقمع الأنظمة العسكرية، وبروزَ هيمنة الدول البترولية الإقطاعية على الفضاء العربي، وغيرها من السببيات العامة، أدت إلى تراجع لغة التحليل والنقد الشعرية، مما جعل مقولات أدونيس تنتصر.
ولكن بعد ثلاثة عشرة سنة، وفي البيان الثاني يقول:
«قلتُ: ينبغي التأسيس لمرحلة جديدة: نقد الحداثة (..) وهو قولٌ يبدو الآن أكثر صحة وضرورة منه في أي وقت مضى، وخصوصاً إن مفهوم الحداثة يزداد التباساً، وإن الكلام عليها يكاد أن يصبح لغواً»(2). ص 45.
وهكذا يجري التركيز في البيان الأول على الطقوسية والصوفية واعتبار الشرق موطن الروحية، ورفض الغرب المتعقلن، والاهتمام بالشرق المتصوف من داخله، باعتباره بضاعة الشرق (الأصيلة). فهناك جوهران متضادان متنابذان؛ الأول هو الشرق وهو الروح والأسطورة والباطن واللاعقل، والثاني هو الغرب أي العقل والعلم والظاهر، أي أن هناك منتج المواد الخام والخرافة والتابع، ويقابلهُ المصنع الغربي وصاحب العلم المسيطر.
للأول الأسطورة والدين والشعر، وللثاني المختبرات والنهضة الصناعية والعلمية. للأول الحياة الغيبية والماورائية، وللثاني الحياة الواقعية والدنيا وحكم الكرة الأرضية.
ويغدو شعراء النموذج الفرنسي – الأوربي هم نفحة الشرق المتصوف الداخلي المتسلطن في تنور الغرب العقلاني البارد.
هذا ما نقرأهُ في البيان الأول، وما أكدهُ أدونيس ودعمتهُ هزيمة البرجوازية العربية النهضوية والعقلانية والعلمية، ومجيء البرجوازية العربية – الإسلامية اللاعقلانية، والأسطورية، والخرافية الطالعة من الريف ومن أقبية الحكومات البيروقراطية الفاسدة.
فلقد أكد الشرقُ صحة رؤية أدونيس له فاستعاد ثيابه القديمة، ولبس عباءة الأشباح، وصعد تموز من انفاق العالم السفلي. ألم يكن هذا هو بسبب الفعل التدميري للغرب الرأسمالي التوسعي، محول المدن التصنيعية إلى ريف زراعي ودكاكين مستورِّدة؟ أليست هذه هي البضاعة الفكرية الشعرية، حشيشة الشرق العائدة إليه؟
بعد هذا الدمار الاجتماعي والشعر يصرخ أدونيس في بيانه الثاني:
«أحب أن أشير إلى أننا أخطأنا، منذ البداية في فهم حداثة الغرب، لم ننظر في ارتباطها العضوي بالحضارة الغربية، بأسسها العقلانية خصوصاً، وانما نظرنا إليها بوصفها أبنية وتشكيلات لغوية»(3). ص 47.
لقد كان يؤكد في المرحلة السابقة على اللاعقلانية، على الخرافة والعالم الباطني والحدسي، وحين تحول هذا العالم إلى حقيقة مرئية واجتماعية صارخة، تنصل منه، ورفضه.
حين جاء المخلِّص بأصوافهِ الخشنةِ وخلاخيلهِ الشبحية، راح أدونيس يدعو لشرق آخر، لشرقٍ جديد، عقلاني، حر، وهنا تبدلت المواصفات بين الشرق والغرب، وراح كلٌ منهما يأخذ «جوهراً» مختلفاً.
فقد صار الغربُ الحداثي هو الأنا والمرجعية الإبداعية وعالم لا سيطرة فيه للرموز الماضوية وهو الانفتاح واللانهائية وهو النقد والحركية وهو الفرادات والانفجار المعرفي الذي تُهمش فيه الرؤى الميتافيزيقية وهو الاحتمالية والتعددية والدنيا، وهو أمر صحيحٌ إلى حد ما،(4).
والشرق هو العودة للمعلوم والتأكيد على «النحن – الأمة» والمرجعيات المحافظة من كل نوع، وهو الصلاة للقبيلة والحزب والإيديولوجيا وسيطرة المؤسسات الماورائية والقبول والخضوع والإيمان والآخرة.
إن هذه التقسيمات والمواصفات هي ابنة اللحظة المعاصرة، فقد امتلأت السوق الشرقية بكل البضائع الشعرية والفكرية التي كان يدعوها لها أدونيس سابقاً، وجاءت كتلُ البرجوازية العربية الريفية والبيروقراطية الحكومية لتملأ الأفق بغيلان الأسطرة العتيقة، ولتكرس الاتباعية والانغلاقية بأقسى صورها، فلا بد لأدونيس أن يميز نفسَهُ عن هذا التيار الكاسح، الذي كان من المروجين لدعامته الفكرية الأولى، وإن كان بشكل مختلف. لقد جاء الخرابُ البشع.
لقد تم التتريث الديني للواقع العربي المعاصر، ونبذ التتريث الفينقي والفرعوني والسومري الخ.. بكل رموزه وأساطيره، وحلت العودة للأشكال المتيبسة من الشعر، وبدلاً من الحداثة الشكلانية المتطرفة في الذات الحرة واعماقها اللامحدودة، ونخبوية شعراء نهاية القرن الفرنسي، جاء الغزالي وابن تيمية، واستعادت الأوزان الخليلية نفوذها، وركنت مدارس الحداثة النخبوية في اقصى حالات العزلة والتآكل الروحي.
إن البرجوازية العربية المدنية، بعودتها للتراث القديم والوسيط، مثل البرجوازية العربية الريفية والحكومية الراهنة، بعودتها للتراث الديني الطائفي فحسب، كما يفعل أدونيس نفسه عبر استلال اسمه من التراث الفينقي، تقومٌ باستعادة الماضي، بأسطرة الحاضر، وليس بتحليله وتشريحه العلمي، وحشد الطاقات البشرية لتغييره.
ومن هنا تكون نظرتها للتراث والماضي والحاضر، مؤدلجة في لحظتها السياسية الراهنة، في انتقائيتها وانتهازيتها العملية، فتكون مع الشرق أو الغرب، أو مع الماضي أو الحاضر أو مع العقلانية أو اللاعقلانية، تبعاً لمصلحتها المؤقتة واتجاه البورصة الاجتماعية.
وهكذا كان أدونيس مع الغيبية واللاعقلانية حين كانت حشود العقل وانصال الشعر والأدب تشرحُ الواقعَ وتثورهُ وحين كان زخم القوى الديمقراطية والعملية يهز العالم القديم والتبعية للغرب المسيطر ويطرد الخرافات من الوعي.
وصار أدونيس ضد عفاريت الماضي حين تحولت إلى إطلاقية وحشد من الجمود، محتفظاً بذات خصائص الشعر الفردي النخبوي بجذوره الفرنسية الصالونية مع بهارات العقلانية المخففة، التي لا تتحول إلى تحليل علمي كشفي ونقدي للواقع، وتشكل الجسور مع المتلقي، وتحرض القارئ، وتطلق الجمهور في الساحة الشعرية، حتى تظل علائق العلاقة مع الغرب المسيطر مأمونة مستقرة.
ومن هنا تصير أغراض الشعر ومضامينه وشعر الصعاليك المكافح وأشعار الفرق الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي وشعر النهضة، والشعر العامي الجميل وكل فلكلور الشعب، خارج الإبداع المقتصر على نمطية واحدة فقط، هي النموذج الصوفي والسريالي المتكرس في لحظة أوربية برجوازية آفلة.
هكذا لا تغدو مثل هذه الحداثة الشعرية والتثوير الإبداعي سوى رؤية محافظة، منغلقة على ذاتها، مركزة على مستوى عقلي واحد شاحب، وعلى علاقة مبتورة بالقارئ، خائفة من الإمكانيات الثرة للشعر المقاتل، والإبداعات اللامتناهية للشعب.
وعي التاريخ الإسلامي عند أدونيس
يقترب الشاعر والباحث أدونيس من الوضع الإسلامي التأسيسي الذي شكل الثورة التمهيدية، لكنه يرفض أن يكون ثورة، وأن يمثل نقلة نهضوية، والصراع بين المحافظين والتطوريين يأتي لاحقاً.
من هنا تغدو السيرة النبوية والقرآن ليسا هما مفجرا الثورة وعمليات التغيير، لكن التجديد والمعارضة يأتيان على نحو غير محدد في وعيه بدءً من أبي ذر الغفاري.
وهكذا فإنه يقترب من الوضع الموضوعي ثم لا يستطيع أن يمسك خيوطه، يقول:
«وكان يقابل هذا الانقسام في المعاني انقسام اقتصادي / اجتماعي: من جهة، أشراف هم الطبقة القرشية وحلفاؤها، ومن جهة ثانية، طبقة (الغوغاء) و(عبيد) و(نزاع قبائل) و(سودان)، كما كانت تسميها الطبقة القرشية السائدة. وكانت السيادة، طوال القرون الهجرية الثلاثة الأولى، للطبقة القرشية وحلفائها. ولهذا كانت السيادة لثقافتها، ولمنظورها الديني بخاصة، طوال هذه القرون.»(5).
إن هذا التقسيم الاجتماعي الأساسي هو الذي يحدد المنظور التاريخي لتطور الإسلام في القرون الأولى، وبطبيعة الحال كان الانقسام الاجتماعي موجوداً بين قريش والفقراء اللاقرشيين، كما كان هناك انقسام في صفوف قريش ذاتها بين كبار الأغنياء ومتوسطي الحال والفقراء في هذه القبيلة المسيطرة على المدينة الدينية العاصمة.
يقوم أدونيس باختزال التناقضات الاجتماعية وتحويل التناقض بين قريش والفقراء اللاقبليين، إلى تناقض وحيد مهيمن على الحركة التاريخية، وهذا يؤدي به إلى سلسلة من الأخطاء.
فإذا كان الصراع بين قريش والفقراء العبيد هو محور الحركة التاريخية وتغيير البنية الاجتماعية فلم لم يقم هؤلاء الفقراء بقيادة الحركة الصراعية أو نحن لم نرهم إلا كحلفاء وأصدقاء لجماعة من قريش ذاتها؟
ما الذي يدعوهم وهم المستغلّون والمهانون إلى التعاون مع جماعة محددة من قريش؟
ولا نعرف لماذا، إذا كان هذا التناقض المجرد والذي فرضه أدونيس على الحياة المكية وقتئذٍ صحيحاً، لمَ لمْ يؤسس هؤلاء العبيد وعياً فكرياً أو سياسياً خاصاً بهم، غير ذاك الذي ظهر بين نفرٍ من قريش؟!
لا بد أن يكون هؤلاء العبيد والسودان الخ.. قد وجدوا في الإسلام شيئاً جذبهم، ولكن في هذه الحالة لا بد أن ثمة عناصر فكرية وسياسية هي التي استدعت انخراطهم في الإسلام التأسيسي، قبل أن يتشكل وعي لدى أبي ذر الغفاري أو غيره من الجيل المعارض في زمن عثمان والدولة الأموية، وهذا الشيء الذي جذبهم هو الذي جعلهم يقاومون التعذيب والقهر لدى سادتهم، الذين نظروا للإسلام باعتباره دين الفقراء والعبيد والمستضعفين.
ولكننا في هذه الحالة نكون قد وصلنا إلى الطرف الأقصى من المعادلة الإندونيسية، فهؤلاء الفقراء والعبيد ظلوا حلفاء لقيادات الحركة الإسلامية الناشئة، أو هم من القوى «الشعبية» بتعبيرنا المعاصر، المنظمة للحركة، وهنا ندرك أن ثمة ثغرة في تعميم أدونيس حول الطبيعة الاجتماعية للإسلام.
فإذن كانت هناك قوة اجتماعية في قريش لم تتطابق تماماً مع العبيد ولا مع «سادات» قريش في آن معاً. هذه القوة الاجتماعية، وهي فئة التجار المتوسطين، هي التي جعلت التحالف مع هؤلاء الفقراء جزءً من رسالتها التاريخية، وفي سبيل إزاحة الملأ القرشي المستبد.
وهذا بطبيعة الحال يغير التناقض الرئيسي الذي افترضه أدونيس للحركة التاريخية، ويجعل الحركة الإسلامية التأسيسية قوة تقدمية في التاريخ منذ البدء، ومن هنا ندرك عدم تمكنه من العثور على جدلية التاريخ المركبة في هذه اللحظة المفصلية.
علينا هنا أن نقرأ التعميم الإندونيسي الاجتماعي السابق والقائل بشكل تعميمي عن «طبقية قريش وسلطتها» وخطورته على الآراء التالية للباحث، فهو يقرر مسبقاً وجود منظور لقريش موحدة متراصة اجتماعياً وفكرياً قد ساد طوال الثلاثة القرون الهجرية الأولى.
هذا الإقصاء لتقدمية الرسالة المحمدية وتوحيدها بأعمال المحافظين، هو ما يمكن أن نستنتجه من هذه السيادة المجردة والمعممة لـ«ثقافة» قريش التي يطرحها أدونيس، فالدعوة الإسلامية واجهت أسياد قريش وصارعتهم وفلت من سيادتهم المطلقة على المدينة، ليس في سبيل تدمير قريش كقبيلة، ولكن في سبيل دمقرطتها وتحديثها وتعريبها. وفي سبيل تشكيل جنين الدولة «القومية» الإسلامية العربية العالمية.
إذن كانت هناك تداخلات وتباينات داخل قريش، ووجود الفئة المتوسطة من التجار وقيامها بالتحالف مع السودان والعبيد، هو مظهر التجلي لرفض الأرستقراطية والتعالي الطبقي، وهذا الاتجاه للتوغل الشعبي والثوري هو الذي كان يجذب هؤلاء الفقراء، ثم رعاة الجزيرة وقبائلها الكثيفة، للدعوة، وهو الذي حرك التاريخ الجاهلي وتجاوزه وصنع النهضة. أما حين تمكن الأشراف من السيطرة على الدولة الإسلامية وشكلوا قراءة مختلفة للتاريخ والتراث، فهذا زمن موضوعي آخر.
وينتقل أدونيس من جمود ومحافظة الدعوة الإسلامية كما يسميه إلى نصوصها، فيقول عن الوحي:
«الوحي، من حيث أنه تأسيس وبدء مطلقان، يتجاوز الأزمنة: الماضي، الحاضر، المستقبل. فهو الماضي من حيث أنه الأول، وهو الحاضر من حيث أنه المستمر، وهو المستقبل من حيث أنه الأخير المطلق»، ص68، ويضيف «ولهذا لا قيمة للزمن التاريخي إلا من حيث صدوره عن زمن الوحي. فالوحي حاضر اليوم، وغداً، حضوره يوم نزوله»(6).
فكما كانت الحركة الإسلامية محافظة فإن الوحي بهذا لا يجعل الوجود إلا متضمناً فيه، وهو بهذا «أي الوحي» يلغي تقدم الزمن وفعل الإنسان، كما يتأول أدونيس.
إن أدونيس لا يعالج الحركة الإسلامية التأسيسية بعد الفقرة التي قالها في البدء تحليلاً تفصيلياً، سواء تاريخية الحركة أم نصوصها، ثم يقدم مثل ذلك التعميم السابق عن الوحي، فبدا كحكم فوقي لا يتأسس من قراءة الوحي داخل الحركة التاريخية.
فإذا كان الوحي يتداخل والحركة التاريخية والرسالة المحمدية ويظهر فيه الناسخ والمنسوخ، فهذا التنجيم القرآني، أي نزوله منجماً، متفرقاً، متابعاً للأحداث والتطورات، يدل دلالة واضحة وأكيدة على انفتاحه على المستقبل والتقدم، وتركه للإنسان تغيير مصيره وتشكيل عالمه.
إن الغيبي يتمظهرُ ويتفتحُ بشرياً، فهو يتجلى في صعود الإرادات وتحول المواقف ودخول العبيد والفقراء والبدو والتجار وأهل المدينة في خضم التحول، أن فعل الإرادة البشرية الملموس هو الذي يكون المطلق، فليس ثمة تضاد مطلق بين الوحي والناس، بين النص والفعل التاريخي، بين الكلمة والثورة.
ولكن إذا قامت الطبقات الاستغلالية فيما بعد بتشكيل صورة معينة للوحي والرسالة ولهذه العملية التاريخية المركبة، منتزعةً منها الفعل البشري وظروف الثورة وملابسات الزمان والمكان، فهذا جزء من الوعي المحافظ المعبر عن تكدس الثروة المادية في جيوبها، وبالتالي لتملك الثروة الثقافية للتاريخ العربي ووضعها في خدمة الأولى.
يقوم أدونيس بعد ذلك بمتابعة متقطعة، تطير فوق ظروف المراحل المختلفة، منتزعة جوانب من الفكر الديني المحافظ، باعتباره يمثل الإسلام بكليته «السنية» بدءً من عمر بن الخطاب مروراً بالشافعي حتى الباقلاني. ويُلاحظ هنا كيف لم يُدخل أي أسم من الإمامية في هذا الشريط المحافظ الـمُعمَّم.
أي أنه ينظر للإسلام المحافظ باعتباره مبادئ السنة، التي تشكلت منذ البدء، في تصوره، وهكذا فحتى مسائل الطوائف تغيب تاريخيتها عنه. فالطوائف لم تتشكل إلا بعد قرون من الإسلام الأول. فيغدو وعي أدونيس وعياً طائفياً، أي يستند إلى وعي طائفي، فيرى الإسلام المحافظ باعتباره وعي تجسد في طائفة السنة، في حين أن الطائفة الأخرى تمثل الرفض والمعارضة.
يغدو التاريخ الإسلامي تاريخاً طائفياً منذ البدء لدى أدونيس ويتجلى ذلك في استشهاده رقم (112) في صفحة 332 من ثبت المصادر، حيث يستعين بكتاب الكامل لأبن الأثير الذي يروي وصية الإمام علي بن أبي طالب لولديه الحسن والحسين اللذين يطالبهما بضرورة نصرة الحق وبخصومة الظالم، ثم يروي وصية معاوية لأبنه يزيد الذي كرس فيه السيطرة والتعالي.
وكلا الوصيتين تعبران عن منحى كلٍّ من الإمام والطاغية معاوية، لكن أدونيس يأخذ النصين الوصيتين ليستنتج منهما منحيين تاريخيين مجردين مُعمَّمين فيقول:
«وتكشف هذه الأقوال على منحيين أساسيين في النظر والعمل: الأول هو الذي ارتبطت به، تاريخياً، وانبثقت عنه مختلف التحركات التي تسير في أفق التحول. والمنحى الثاني هو الذي ارتبطت به مختلف التحركات التي تسير في أفق الثبات».
ولا خلاف على استغلالية معاوية وأبنه ودولته، ونضالية الإمام وأبنائه، إلا أن تراث الإمام علي النضالي غدت له سيرورة خاصة بعد الضربات الموجعة لآل البيت النبوي، وحدوث ظاهرة الانكفاء ومحاصرة الأمويين لهم، ثم ظهور عناصر فكرية مغايرة لزمنية ووعي الإمام علي السابق، حيث بدا يتخذ طابعاً غيبياً مفارقاً، فقد ظهر منحى آخر مع المنحى النضالي الواقعي للإمام، وهذا ما سيشكل غيبيات واسعة لدى قسم كبير من الإماميين، وسيجد تجسيداته في الإسماعيلية والإثناء عشرية وهما تتحولان إلى سلطتين فتعجزان عن إنتاج نظام مغاير للإقطاع، تماماً كما حدث لدى السنة، فالبنية الاجتماعية التقليدية انتصرت على العناصر الديمقراطية والتنويرية، الموجودة في هذه المذاهب، بأشكالٍ مختلفة ومستويات متعددة، حسب التطور المركب والمعقد للأمم والقوى الاجتماعية الإسلامية وهي تتشكلُ في عصر محكوم بأسلوب إنتاج إقطاعي زراعي محدود التطور الحرفي الصناعي.
ولا تختلف مقدمة كتاب أدونيس (الثابت والمتحول) في طبعته الجديدة لسنة ألفين وأثنين عن المقدمات القديمة، مما يعبر عن ثبات موقف الشاعر والباحث خلال هذه الفترة ورؤيته لتطور الوعي والتاريخ العربيين الإسلاميين.
وتستندُ المقدماتُ على تناقض جوهري لم يكن بإمكانه حله.
فمنذ البدء يقوم بتعريف الثابت بالشكل التالي:
«أُعرف الثابت، في إطار الثقافة العربية، بأنه الفكر الذي ينهض على النص، ويتخذ من ثباته حجة لثباته هو، فهماً وتقويماً، ويفرض نفسه بوصفه المعنى الوحيد الصحيح لهذا النص..»(7).
في المقدمة الجديدة لا يطرح الثابت، أو المتغير، كحركة تاريخية، بل كمبادئ مُجردة خارج التاريخ، فيغدو الوعي العربي بنيةً أساسها الثبات، وهو المشكل للتاريخ الفكري والباقي إلى الآن.
أما المتحول فهو «الفكر الذي ينهض، هو أيضاً، على النص، لكن بتأويل يجعل النص قابلاً للتكيف مع الواقع وتجدده، وأما أنه الفكر الذي لا يرى في النص أية مرجعية، ويعتمد أساساً على العقل لا على النقل.»(8).
عبر هذا التجريد تغدو البنية العربية الفكرية مؤسسة على الثابت، فهي ثقافة المستوى الأول السائد: «كانت الثقافة في المستوى الأول هي ثقافة النظام السائد، أي الثقافة التي تقوم، شأن النظام، على دعوى التمسك بالأصول، والمحافظة على القيم الموروثة، كما هي، أو كما نقلها الخلف عن السلف.»(9).
تغدو الثقافة العربية المهيمنة هي الثقافة المحافظة أما الثقافة المعارضة فهي تالية، وهنا يظهرُ التناقضُ الأساسي في هذا الوعي الأدونيسي، فإذا كانت الثقافةُ المحافظةُ هي التي صاغت الإسلامَ، وجاءت الثقافةُ المعارضةُ والمغيرة في وقت لاحق، فلماذا استطاعت الثقافة المحافظة أن تشكل زخماً تاريخياً، ويحتضنها الناس؟
فإذا لم يكن الإسلام نقلةً تاريخية وتحولاً، أي إذا لم يكن هو ذاته معارضة لتخلف سابق، فكيف أمكنه أن يحرك التاريخ؟!
إن أدونيس بوضعه الثابت والمتحول في كيان لا تاريخي، فلا نعرف من هو المؤسس للبنية الإسلامية منهما، أي من هو الذي جاء أولاً الثابت أم المتحول؟ فإذا كان الثابت جاءً أولاً فهو متحول ضد ثابت قديم، أما إذا كان المتحول جاء أولاً فهذا يكون ضد المقولة التجريدية هذه. أي يكون المتحول المؤسّس هو ذاته تقدماً.
لكن أدونيس يجنبنا هذه الحيرة بقوله بأن الثابت هو الأصل، فالإسلام كيان محافظ منذ البدء، وهو يقيمُ حججه في مقدماته التي نفحصها هنا، على استشهادات ليست من الإسلام الأول، فهو يختار نصوصاً للمؤرخ ابن كثير وابن حزم وابن تيمية، وهذا الاختيار لنصوص أفرادٍ متأخرين يؤكدُ بأن بنية الثبات هي الأصل وحتى لو كانت مبادئها وأصولها متأخرة، عن الإسلام الأول بعدة قرون!
ومن هنا تغدو الحركةُ التاريخيةُ التي تشكلت سابقاً لا قيمة لها، فالمبادئ المحافظة لا تغدو نتائجٌ لحركةِ صراعٍ اجتماعي وإيديولوجي، بل تغدو مبادئ مُسّبقة، مبثوثةً في كيان الدين منذ البدء.
ولن تنفع حركة الصراع الاجتماعي في تكريس أو في نفي هذه الصفات، فالبنية التجريدية التي أقامها أدونيس للإسلام هي في مستويين محافظ غالب ومهيمن ومستوى متمرد ثانوي تشكل لاحقاً.
والتناقضُ الجوهريُ في هذا الوعي كما أسلفنا هو في كيف يكون الثابت مشكلاً لحركة تاريخية فاعلة ومغيرة؟ فإذا كان منذ البدء محافظاً وجامداً كيف أمكنه أن يدخل التاريخ ويغيره؟!
علينا أن نبحث أسباب أدونيس لتبرير أو تفسير هذا التناقض. فهو يحس بهذا التناقض لكنه لا يقوله، أي أن التناقض لا يظهر على صعيد وعيه، فيتجه إلى الجذر الغيبي للدين، فالدين بما أنه حركة غيب، فهو بلا زمن، وهو محافظ بالضرورة لأنه يحدد التاريخ بشكل مسّبق وأبدي، فيقول:
.. أن الدين، بما هو وحي، أي بما هو كلام الله، ليس له ماضٍ، فلا تنطبق عليه مقولة التغير والنقص..
يقوم أدونيس إذن بفلسفة الثبات في الإسلام باعتباره شيئاً غيبياً، فيجعل الثبات هو الأصل، وأي تحرك هو في النور الأصلي الشامل، نور النص، أي أنه انتقال متدرج في هذا النور.
ومن هنا يستشهد بأقوال المحافظين بأن الأصل المؤسس – العهد النبوي الأول، وكل انحراف عنه إنما هو انحدار وهبوط.
لكن هذا أيضاً لا يفسر كيف أن الإسلام الأول كان مركزاً للجذب التاريخي والقبول الواسع وتغيير الواقع، فإذا كان جامداً محافظاً كيف يمكنه أن يغير ويشكل مراحل جديدة ويطلق الطاقات التحويلية والثورية؟ ولو قال الإسلام نفسه بأنه مُستمد من الغيب، فهذا لا يكفي ليدخل التاريخ، الذي يحتاج إلى حركة تاريخية ملموسة، أي أن الغيب لا بد أن يتمظهر بشرياً، ويتألق اجتماعياً، وينمو عبر حيثيات وقوانين التاريخ، وليس بشكله الغيبي المنقطع عن السيرورة التاريخية وعن الدخول في الطبقات وفي الوعي.
فالقرآن يستند إلى قوانين اللغة العربية الموجودة قبله، والحركة الإسلامية كذلك تنمو عبر قوانين التطور الاجتماعي. أي أن الإلهي يتجسد بشرياً ولا يغدو الغيبي منفصلاً عن المكشوف والمنظور.
ولهذا فإن تناقض أدونيس يتفاقم هنا ولا ينحل. ويعود السؤالُ بصيغة أخرى، فنقول بأن الغيب ليس انقطاعاً عن الحياة، والنور يصير شمساً ومعرفة ونضالاً، فلماذا يكون الثبات والجمود هو المؤسس الأول للإسلام وهو المهيمن؟
يتوجه أدونيس بعدئذٍ إلى «البحث» عن حلول أخرى للتناقض الجوهري فيقول بأنه يرفض أن يجد حلولاً سهلة لتفسير التاريخ الإسلامي، كالحديث عن تفسير البنية الفوقية في المجتمع الإسلامي العربي الأول بأنها «انعكاس لبنيته التحتية، وهو ما أخذه عليّ بعض النقاد. فهذا تفسير من خارج، وهو إسقاط. »(13).
وهو يتصور بأن هذا التداخل بين البناء الفوقي والبناء التحتي يشترط شروطاً فكرية معينة، وليس باعتباره قانوناً في مدرسة فكرية معينة، لرؤية التاريخ، فالمادية التاريخية هنا تعتبر ذلك ظاهرة دائمة في المجتمعات، ولا تنتظر أية شروط ثقافية لتطبيق القانون السالف الذكر، ولكن أدونيس بدلاً من أن يرفض هذا القانون المادي التاريخي، الذي يتضاد مع رؤيته، يقبله بشروط مضادة لطبيعة هذا القانون المادية، فيقول:
«ثم أنه لا يصح إلا إذا كان الوحي والشريعة يعاشان بوصفهما شكلاً من أشكال الوعي الاجتماعي يتطابق مع قوى الإنتاج في العصر الإسلامي الأول، ومع علاقات الإنتاج، وتوزيع العمل… الخ»(14).
هنا يواصل أدونيس البحث عن جذور الثبات عبر الغيب فقط، فاصلاً الغيب عن الظروف الاجتماعية، فكأن الغيب يبقى في ذاته الماورائية ولا يدخل نسيج الحياة، فيبقى الميتافيزيقي ميتافيزيقياً، والمجردُ مجرداً، فلا يحدث النسج التاريخي هنا، فلا نعرف كيف يمكن أن ينتصر العرب المسلمون والحالة هذه؟!
ألم تكن لديهم خيول، والخيول احتاجت إلى عدة آلاف من السنين كي تأتي إلى الجزيرة العربية، وتتروض وتغدو عربية، وتصير جزءً من أدواتهم الحربية، وكذا الإبل والسيوف وتكون المدن وتشكل القبائل والشعبان الكبيران: المضريون واليمانيون الخ..
وإذا قلت عن الظروف المادية البسيطة هذه فقل ذلك عن الشروط الاجتماعية والثقافية الُمركبة، مثل مسألة تكون اللغة العربية وسيرورتها التاريخية الطويلة، وتغدو الأمور أكثر تركيباً مع الحركة الإسلامية، حيث تنمو هذه على قبول البشر والإرادة والفعل الشعبي، وقدرة الحركة على التغلغل بين الناس ومعرفة مطالبهم ونسجها في فعلها التاريخي وانضمامهم إليها الخ..
أي أنه يمكن أن ندرس الظاهرة الدينية عبر تقدير طابعها الغيبي كما يقول الإيمانيون النصوصيون، ولكن أيضاً يمكن أن نقرأها في ضوء كونها ظاهرة تاريخية، فلا نفصل بين المقدس والموضوعي، أي أن نقوم بتقدير جذور النص على المستويين الغيبي والواقعي.
إن أدونيس وهو لا يقرأ الشروط البشرية لظهور الحركة الإسلامية، يقترب من الموقف المحافظ الذي ينقده، فيؤكده عوضاً عن أن ينفيه.
فإذا كان الإسلام حركة محافظة منذ البدء فهذا ما يقوله المحافظون، والذين بعد ذلك ينفون العلاقات والسببيات البشرية التي تكونت لنمو الإسلام وانتصاره، فيجعلونه غيبياً محضاً، وبهذا يجمدون إرادة الأمة، وينزوعون قدراتها على العلوم والتجديد.
وهذا ليس سوى موقف الأشراف الذين احتكروا تكوين صورة خاصة للإسلام، وهذا ما فعله فقهاؤهم ومؤرخوهم، وهنا يقوم أدونيس بنقد هذه الصورة باعتبارها الإسلام المؤسس، واختياره لممثلي الأشراف، واليمين الديني، وهم أبن كثير وابن حزم وابن تيمية، أي كل الإيمانية النصوصية المحافظة التي هي ذاتها مستويات ومتباينة «ففرق كبير بين ابن كثير وابن حزم من جهة وبين ابن تيمية من جهة أخرى»، بعد أن تمكن هذا اليمين من صنع صورة اجتماعية مستبدة للإسلام، وقد أسماه «الثابت» فهذا ليس سوى الإقطاع الطائفي، ولكن كيف يكون الثابت وقد جاء متأخراً؟ أي جاء بعد أن لم يكن الإسلام إقطاعاً طائفياً؟
بعد أن يعجز أدونيس عن الخروج من ذلك التناقض الجوهري غير المحلول، يتوجه للخروج من دوائر البنية الاجتماعية، فيقول:
«لا جدال في أنه من المهم أن ندرس الشروط التي نشأت فيها ظاهرة ما (ثقافية، أو اجتماعية، أو سياسية.. الخ)، لكن من الأهم أن نعرف معناها. ولا نستطيع أن نعرف معناها من مجرد معرفة شروطها، وإنما نعرفه حين نعرف القوة التي تمتلك هذه الظاهرة وتوجهها وتعبر من خلالها عن نفسها. »(15).
هنا إحساس بأهمية قراءة الشروط الموضوعية لتكون الظواهر التاريخية، ولكن هل تنفصل معاني الظواهر ودلالاتها عن شروطها ومناخاتها؟
وبالتأكيد تتجاوز الظاهرات شروطها وظروفها، وإلا لما كانت ذات أهمية، وفي هذا التعبير استشفاف بأن ثمة قوةً تحوليةً في الإسلام المؤسس، لكن أدونيس لا يقر بكون ظهور الإسلام ثورة اجتماعية نهضوية، بل بعكس ذلك كما سيتجلى لاحقاً، ولهذا يروح للبحث عن القوة التي تمتلك تلك الظاهرة، بدلاً من أن يتابع تشكلها في شروطها ونضالها للقفز بالمنطقة من تلك الشروط الصعبة المتخلفة، فيؤكد بأن التغيرات الإيجابية والتقدم جاءت من خارج الإسلام العربي. فيقول:
«مع الفتوحات العربية الإسلامية، أخذ ينشأ هامشٌ يضيق ويتسع، بحسب الأوضاع والحالات. ويعودُ السببُ في نشوء هذا الهامش إلى التعددية القومية – الثقافية: لم يعد المجتمع الإسلامي / العربي، بعد الفتوحات متجانساً، قومياً وثقافياً، كما كان قبلها. »(16).
وهنا نرى بأن التغيرات الإيجابية نتجت من احتكاك العرب بالعالم المفتوح، ولكنها ظهرت من فعلِ عوامل قومية ثقافية، أما الظاهرة الأصلية، أي الإسلام المؤسس، فلم يكن يحمل شيئاً إيجابياً، بل تكونت التغيرات الإيجابية من الهامش، وهذا الهامش هو الذي صنع الظواهر المضيئة حسب رأي الباحث:
«هكذا أصبح، بعد أن دخلت عليه عناصر تنوع وتعدد، منظومة من التناقضات / أي التوترات. هكذا نرى الصوفية إلى جانب الفقهية الشرعية، وألف ليلة وليلة إلى جانب علم الكلام والفلسفة، والنزعة الشعوبية إلى جانب النزعة القومية، والفكر الإلحادي إلى جانب الفكر اللاهوتي، وحرية الحلم والرؤيا إلى جانب الحكمة العملية والتعقل.»(17).
إذن فإن الإسلام المؤسس لم يكن يحمل بذوراً وإمكانيات للحداثة، فهذه جاءت من ظهور الهامش، فيتضح بشكل جلي بأنه «هو الثابت» وأن المتحول هو هذه العناصر الحديثة التي تشكلت في الفضاء التاريخي الذي شكله العربُ، كما لو أن البنية الاجتماعية / الثقافية التي شكلوها كانت بنية صلدة لا تناقضات فيها، ويهيمن عليها الثابت المتخلف، ولم يظهر المتحول إلا عبر الشعوب الأخرى!
تتوارى هنا السيرورة التاريخية للبنية الاجتماعية، فالعرب البسطاء البدو الذين عبر بساطتهم هذه دمروا أنظمة الاستبداد العريقة، وحملوا ميراثاً ديمقراطياً عبر ثورتهم تجلت في فرق النضال المديدة، وقدرتهم على إعادة سبك المنطقة في عالم كوني، يتحولون هنا إلى جلمود صخر حطه السيلُ من الصحراء الجامدة، فتأتي الإنجازات من الخارج.
إن الداخل العربي الإسلامي، والخارج القومي غير الإسلامي، عبر وعي أدونيس في هذه المقدمة لكتابه الثابت والمتحول، يغدوان متنافرين متباعدين، ولا يتشكلان في سبيكة تاريخية متداخلة، فالعرب لا يضيفون بل يُضاف إليهم، وهم لا يغيرون بل تأتيهم التغيرات من الخارج.
إن العملية التاريخية هنا غير ديناميكية وغير جدلية، فمنذ البدء يرى أدونيس الداخل العربي المشكل للعملية التاريخية بأنه غير ذي أهمية، رغم أنه في هذه المقدمات لا يقول عنه شيئاً كبيراً، بل نستشفُ ذلك، ثم يغدو الإسلام هو الوعي المحافظ باتجاه معين، بعد أن تكرس قمعاً وشراءً، أي بعد أن تمكنت قوى الإقطاع السياسي والمذهبي من تفريغه من دلالاته الثورية، لا أن يتم درس هذه العملية الثورية التي شكلها الإسلام وسببيات تمكن هذه القوى المحافظة بمختلف المذاهب، من ذلك التفريغ، وهو أمر يشير من قبل أدونيس إلى تحميل مذهب معين مسئولية تشكيل الطابع المحافظ في الإسلام، بدلاً من رؤيتها كعملية اجتماعية تجلت في كل المذاهب والأديان في المنطقة، لأسباب تتعلق بمشكلات التشكيلة الإقطاعية ومحدوديتها، أما تحميل «السنة» مسئولية صنع التخلف فربما هو الأمر الذي يشير إليه أدونيس عندما قال بوجود قوة «محافظة» تجلت منذ الإسلام الأول، وإن هذه القوة صبت الدين بشكل معين. وهنا تناقض مع وقائع مشهورة مثل كون ابن رشد وابن خلدون السنيين المالكيين هما ذروة العقلانية في العصور الوسطى كلها!
هنا نرى العملية الفكرية الأدونيسية وهي تحلل التاريخ بعد أن أنجزت صنعه القوى المحافظة ونحّت العناصرَ الديمقراطية والنهضوية، أي أن أدونيس يرى الإسلام كإقطاع مذهبي، بعد أن رسخ ذاته، وليس في مجرى الصراعات المتعددة، والقوى النهضوية تتشكلُ وتقاوم، ثم يقومُ بدمغ الإسلام كله بالنتائج الأخيرة لهيمنة الإقطاع الطائفي.
لا تكفي مقدمات كتاب «الثابت والمتحول» للشاعر والباحث أدونيس للكشف عن كل أبعاد المتن، أو نص الكتاب، ولكننا هنا بصدد عرض الخطوط العريضة لتفكيره، وقد رأينا كيف تجنب بشكل كلي رؤية ظهور الإسلام كثورة نهضوية تحديثية للعرب، وهذا التجنب يدفعه لرؤيتها بعد أن هيمن عليها الإقطاع المذهبي، أي بعد أن تم تكريس الإيمانية النصوصية، وهو أمر لم يتم في المذاهب السنية وحدها، ولكن العملية تجلت في كافة المذاهب والأديان في المنطقة، لوجود قوانين للبنية الاجتماعية تقوم بإعادة تشكيل الأفكار وإخضاعها لمنطقها الداخلي.
ولهذا فهو في مقدماته المكتوبة منذ تأليف الكتاب كأطروحة للدكتوراه كما يوضح في فقرة توضيحية، إلى إعادة طبع المؤلف في سنة 2002، عبر طبعة دار الساقي التي نراجعها الآن، يحافظ على نفس الرؤية للإسلام كدين محافظ جاءت التغيرات إليه من الخارج، وفي هذا تقارب للرؤية الأدونيسية مع المواقف المحافظة، التي رأت الإسلام كما يراه، أي بأنه ليس ثورة نهضوية أعادت تشكيل المنطقة، بل رأته كعملية غيبية منقطعة عن سيرورة التقدم والتحرر، وبهذا قامت بتجميد الإسلام في قوالب، وأدونيس لم ير حسب المقدمات، سوى هذه القوالب، التي هي نتاج متأخر لصراع اجتماعي وفكري طويل، وحين يعزل العملية النهضوية الأولى عن القوالب، ويفصل الثورةَ عن الثورة المضادة، يقطعُ سيرورةَ العملية التاريخية الموضوعية، فيؤدلجها، أي يقوم بإخضاعها لرؤى مسبقة، تنمو فيها عملية القطع والتأويل الخاص، أي تصبح قراءة غير موضوعية، وتتوجه لأحكام تعميمية.
وبطبيعة الحال لا تكفي المقدمات لتحليل كل النص البالغ أربع مجلدات من القطع المتوسط، وتمثل جهداً فكرياً كبيراً، ولكنها تمثل كذلك خلاصة مركزة، وتعبر عن الحفاظ على ذات الرؤية على الرغم من الجهود الواسعة الكبيرة التي تمت لتحليل التراث الإسلامي خلال العقود الأخيرة.
كذلك فإن كون الكتاب هو رسالة دكتوراه تقدم في جامعة مسيحية، بأشراف باحثين مسيحيين، وتوجه المقدمات لإدانة مذهب إسلامي معين، هو مذهب الغالبية من المسلمين، هو تعبير عن عدم القدرة على تجاوز الثنائيات المذهبية والدينية المتصارعة في المنطقة على مدى ألف عام.
أي عدم القدرة على رؤية صراع المذاهب باعتباره صراع القوى المهيمنة في الطوائف، وتحريفها للصراع الاجتماعي عن أسسه الحقيقية، حيث أن القوى المهيمنة المستغلة استطاعت أن تجمد كافة المذاهب والأديان عن الفعل التحديثي والديمقراطي، وتعرقل التطور والتحرر بين كافة المسلمين والمسيحيين العرب، وإذا كان ثمة تطور في بعض الطوائف فهو تطور جزئي، فوجود أسر مسيحية لا يوجد فيها تعدد زوجات، لا يعني بأن هذه الأسر تجاوزت الدكتاتورية الأبوية، وإذا كانت التأثيرات التحديثية الغربية وخاصة الفرنسية منها، قد طورت من أوضاع هذه الأسر تعليمياً، فإنها لم تصل بها إلى الحداثة الحرة، بل غدت أجزاء تابعة للهيمنة الفرنسية، وبقائها في الطائفية وصراعها الدامي من أجلها، تعبير عن عملها لتخليد امتيازات المستغلين الكبار في الطائفة الذين استغلوا الشكل الطائفي للسيطرة الاجتماعية.
أي أن فرنسيتهم التحديثية تحولت إلى إقطاع ديني، حسب قانون البنية الاجتماعية.
إن العملية الفكرية لتفسير الماضي تكون عادة في ظل مصالح وتيارات راهنة، تؤول قراءة الماضي تبعاً لأهدافها، ويبدو الهدف من مقدمات الثابت والمتحول هو إزاحة دين كامل أو على الأقل مذاهبه المحافظة، وليس القراءة الموضوعية الدقيقة لكافة عناصره، وإبراز ما قامت به القوى المحافظة من تكريس صورة زائفة عن الإسلام، ونقد هذه الصورة وتجاوزها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
راجع كتاب عبدالله خليفة : الكلمة من أجل الإنسان، 2020.
المصادر والمراجع:
- عبدالله خليفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث فصل تحديثيون معاصرون ص 345.
- نشر هذا المقال في جريدة أخبار الخليج البحرينية في سنة 1995، مع تعديلات طفيفة حالية 2008.
(1): (البيانات) كتاب أصدرته أسرة الأدباء والكتاب البحرينية سنة 1995، ص 40).
(2): (ص 45).
(3): (ص 47).
(4): (راجع حول نسبية الجوانب الإيجابية الغربية في الثقافة الديمقراطية كتاب (روح الأنوار) لتزفيتان تودوروف، الذي يقرأ تلك الجوانب بشكل تاريخي، وهو كتاب من إصدار مجموعة دور عربية، تعريب حافظ قويعة، سنة 2007).
(5): (الثابت والمتحول، دار الساقي، سنة 2002، ج 1، ص68، ط 8).
(6): (المصدر السابق، ص 69).
(7): (المصدر السابق، ج 1، ص 13).
(8): (المصدر السابق، ص 15، 16).
(9): (المصدر السابق، ص 22).
(10): (المصدر السابق، ص 21).
(11): (المصدر السابق، ص 21).
(12): (المصدر السابق، ص 21).
(13): (المصدر السابق، ص 23).
(14): (المصدر السابق، ص 23).
(15): (المصدر السابق، ص 34).
(16): (المصدر السابق، ص 32).
(17): (المصدر السابق، ص 32).
الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية كتب عمر كوش

الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية
مؤلف هذا الكتاب هو عبدالله خليفة، الكاتب والروائي البحريني، له العديد من الأعمال الروائية والدراسات.
وفي كتابه «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية»، يحاول خليفة تلمس ظاهرات الوعي العربي ـ الإسلامي بجانبيه الأساسيين: الدين والفلسفة، وبجذور هذا الوعي الأولى، التي تمتد من مرحلة الجاهلية وظهور الإسلام، ثم تشكل الدولة الإسلامية، وصولاً إلى نهاية الدولة الأموية.
ويأمل في أن يحمل عمله رؤية جديدة إلى «الوعي العربي»، الذي بدأ في الظهور بصفة وثنية، ثم انحاز إلى الطبيعة الدينية التوحيدية، وهو أمر غير معزول عن إطاره التاريخي، وعن بنيته الاجتماعية الخاصة التي يقوم بتكوينها، جدلاً مع التاريخ، وحفراً في الحاضر.
هذا الموضوع الواسع، وغير المقيد، يتطلب التركيز على بنية فكرية واجتماعية واسعة وممتدة ومتحولة، تشمل جملة الأفكار التي كانت سائدة في المجتمع العراقي الجنوبي القديم، وعلى الخطوط العرضية لتطور الوعي الديني في مصر الفرعونية، لاكتشاف طبيعة النظام الاجتماعي التي كانت سائدة وقتئذ، وتبيان دور ذلك النظام الاجتماعي في التطور التاريخي.
ذلك أن الوعي العربي، بمعناها الإجرائي، ومن ثم تطوره اللاحق: الوعي الإسلامي، وهو ينمو داخل بنيته الاجتماعية يقوم باستعادة تلك العناصر من العصور القديمة، سواء عبر علاقته المباشرة، أو من خلال التأثيرات الفكرية التي تأطرت من خلال الأديان: الوثنية، واليهودية، والمسيحية.
لكن دراسة البنية الاجتماعية، عليها أن لا تجعل الباحث مأسوراً في طابعها التقني، أي اعتبار الوعي مجرد اتجاهاته فكرية وسياسية، بل يتوجب اعتباره علاقات حية، اجتماعية واقتصادية وثقافية محددة.
وإذا كان الإسلام ظاهرة نمت بين الرعاة وفي المجتمع العربي الرعوي فلابد أن تكون جذوره مربوطة بمستويات هذا المجتمع، ولكنه عبّر ـ من حيث الإتجاه ـ عن تحول حضاري يتجاوز مجتمع الرعاة هذا، ويستهدف تخطيطه وتمدينه.
وعليه تتشكل علاقة الدرس والتحليل للعلاقة بين المدينة (مكة) كقاعدة حضارية لهؤلاء الرعاة. علماً أن بين القيادة الطليعية والجسم الاجتماعي تتكون علاقات معقدة من التداخل والتجاوز.
وفي العهد الراشدي كانت البنية السائدة تستند إلى ظهور ملكية الدول للأراضي العامة (الصوافي)، وظهور نمط جديد من الإنتاج والتوزيع، الأمر الذي أفضى إلى سلسلة من التغيرات الاجتماعية والفكرية، ومع ترسخ هذه البنية واستعادة الهياكل الاقتصادية العائدة إلى العصر القديم، تبدأ اجتماعات سياسية عميقة في هذه البنية، تفضي إلى النظام السياسي الأموي.
وعليه يتوغل خليفة في دراسة في بنية النظام الأموي وتناقضاتها وسيرورة الصراعات داخلها وسببيتها، بحيث يقوم بوضع الخطوط العريضة لتطور المجتمع العربي ـ الإسلامي في هذه المراحل الاجتماعية والسياسية المتعددة، من خلال قراءة عملية انتقاله من البداوة إلى الحضارة.
وتبيان طبيعة الصراعات وأشكالها ومضامينها، وصولاً إلى دراسة التشكيلية الاقتصادية ـ الاجتماعية التي استقر عليها. والمنطلق في ذلك هو أن تبعية الإنسان للطبيعة هنا وعدم وجود قدرات إنتاجية تحويلية لديه، كانت تقود إلى سيطرة القوى الماورائية المختلفة، تعبيراً عن الجوانب والقوى المادية في الكون والحياة التي تهيمن عليه.
غير أن إنسان العصور القديمة أوجد الرؤى والشخوص المتخصصة في التحكم في عملية الإنتاج الروحي، كشكل أولي سحري من المثالية، أي عبّر هذا الوعي الذي يعطي الخارج الميتافيزيقي القدر على السيطرة على الداخل الإنساني، سواء كان هذا الداخل تنظيما اجتماعيا أم أفكارا ومشاعر.
ويمكن القول أن المثالية أخذت صيغتها الأولى من السحر والطقوس والأديان البدائية، حيث القوى الغريبة المختلفة تسيطر على بناء الطبيعة، فتهندس الكون وتشكله من خلال المواد الطبيعية والاجتماعية المتاحة لها، سواء كانت عبر المعارك مع الحيوانات الخرافية أم مع القوى الطبيعية الملتحمة بها كالبحر والسماء والنجوم والعواصف والطوفان الخ .
لكن خليفة يعتبر أن الغيبية الدينية كانت الأم الأولى للمثالية، التي ستغدو المدرسة الفلسفية الكبرى فيما بعد، والتي ترى أسبقية الفكرة في صنع الوجود، ومرد اعتباره هذه الأفكار الغيبية نظرات وأفكار مثالية، هو إعطائها القوة الفكرية والتصورات العقلية السحرية والأسطورية، الدور الأول في صياغة العالم.
لذلك اعتمدت الفلسفات المثالية، التي ستتشكل فيما بعد، على هذه الجذور الدينية والأسطورية، حيث تتراكم المعارف ويكتشف التجريد والتعميم النظري، ويلتحم بالمنجزات العلمية المختلفة. فضلاً عن أن هذه العناصر الميتافيزيقية شديدة الغيبية تظل الأقوى في الحضور الفكري، في حين إن الفلسفة المثالية الموضوعية لا تكاد أن تخرج إلا فيما بعد، وبعد عدة قرون من ظهور الإسلام في المجتمع العربي.
والمعروف أنه في سياق التحول التاريخي للبشر، حدث تمايز بين شكلين من الوعي المثالي، الأديان ـ الأساطير والفلسفة، لكن حين تأقلمت الأخيرة في بلاد المشرق، فقد كان بانتظارها تلك الأديان والأساطير في مرحلة جديدة من تطورها، فقامت الأديان والأساطير باستيعاب الفلسفة اليونانية في عباءتها الغيبية، مثلما قامت الفلسفة بالصراع ضد الأشكال الغيبية المطلقة.
ويرى خليفة أن العلاقة بين الدين والفلسفة لا تعتمد على تضادهما الفكري، باعتبارهما مستويين مختلفين من التشكيل المعرفي، بل أيضاً على الصراع الاجتماعي أو التعاون أو الإلحاق القائم بين الإشراف والفئات الوسطى، أي أن التضاد بين الدين والفلسفة قد يصل إلى المضامين العميقة المشكلة لهما.
ولهذا فقد غلب على الفلسفات اليونانية في مرحلتها الأولى الاتصاف بالمادية حين كانت مستقلة ومعبرة عن اتجاهات الفئات الوسطى في مدن حرة، ولكن الاتجاهات المثالية نمت وتطورت وسادت فيها بعد ضمور الفئات الوسطى إلحاقها بالدولة وصعود طبقة ملاك العبيد.
إذن، يهتم خليفة بقراءة الجذور القديمة لتشكيل الوعي العربي في مرحلتيه، الوثنية والإسلامية، لكن السؤال يبقى حول إمكانية العثور على وعي غير الوعي الديني بمرحلتين وببنيتين، وعن المرحلة التي وضعت وصنعت القواعد الأساسية للوعي في كل مرحلة من مراحل التاريخ العربي الإسلامي.
وبعيداً عن مثل هذه الأسئلة يبحث خليفة في الأبنية الفكرية التي تشكل على أساسها الوعي الفلسفي المكتمل في العصر العباسي. ثم ينتقل إلى بحث أبنية الفلسفة المختلفة .
وفي سياق تلمس مراحل تطور الوعي الديني في المشرق القديم يرى خليفة أن مرحلة الانتقال إلى يثرب هي التي ستجذر الدعوة الإسلامية، وتجعلها تتغلغل في البنية الصحراوية، فالقبائل العربية في يثرب، الأوس والخزرج، التي وجدت أنفسها تُأكل في حروبها الداخلية، وتحاصر بإمكانيات اليهود الاقتصادي.
وتغدو مدينتها مهمشة وضعيفة تجاه مكة المستحوذة على السيادة على الحجاز، رأت إن مناصرتها للدعوة الإسلامية سوف تجعل مدينتها في مركز الصدارة.
ومثل أي دين غدا الإسلام التأسيسي منظومة فكرية وسياسية واجتماعية شاملة، فاتحد الفكري بجهاز الدولة الوليد، وغدت العبادات والمعاملات والغيبيات في كتلة واحدة، وكلها تستهدف عبر ترابطها العقيدي أن تنقل العرب من عالم المختلف والتفكك إلى حضارة.
ثم ظهر التفكير بالقدرة، والتاريخ العربي ـ الإسلامي يشكل أولى خطواته، وقد غدا هذا التاريخ هو موضوعه، وبدأ هذا التفكير أولياً مضطربا متسائلاً عن هذا القضاء المهيمن، وعن مدى حجم الإرادة فيه، ثم راح هذا التفكير الأولي بالنمو مع اتساع حجم الصراعات السياسية والاجتماعية .
وكان تشكل علم الكلام داخل الإطار الديني جعله محكوماً بالمقولات الدينية الأساسية، وبالفهم المحدد للعصر، باعتبار الوجود مخلوقاً بشكل كلي لله، سواء في ماضيه أم مستقبله، وبهذا فإن التاريخ الإسلامي نشأ من هذه الإرادة الكلية.
ومن هنا يستنتج خليفة أن الفلسفة لم تولد مع المعتزلة، رغم أنها استفادت من حركتهم الدينية ـ السياسية الداعية للحركة والعقل، وقد كان للفلسفة أن تنشأ على انقاضهم، بعد أن عجزوا عن استثمار التراكم المعرفي في إنتاج رؤى فلسفية شاملة.
كما أن الاختلاف بينهم وبين الفلاسفة، الذين سيكونون دينيين كذلك، إذا استثنينا الدهريين الذين أزيلت أقوالهم من الذاكرة التاريخية، أن المعتزلة لم تكن لديهم فلسفة كونية شاملة، أي نظرة تشمل مختلف حيثيات الوجود، ونمت آراؤهم داخل تلافيف النص الديني، متأولين الجوانب الشديدة الغيبية أو الكثيرة الخوارق، وغير المعقولة، بشكل نسبي وعفوي.
وينصب جهد خليفة على الأمور المتعلقة بالجانب الديني التي يربطها بالبنى التحتية، وفاء لمقولات انحسر أنصارها وزمانها، حيث أن تشكل العقل الديني الإسلامي جرى فوق تطورات اجتماعية مركبة متضادة، فهناك محاولات لجعل البنية الاجتماعية في خدمة الإنسان، وبرغم إن هذه المحاولات كانت تحوي رموزاً غيبية كثيرة، حيث لا عقل ممكن في ذلك الحين بدونها.
لكن كافة الرموز الغيبية والإرث الغيبي الواقعي واللحظة التاريخية، توحي بأن التاريخ حينئذ يعبر عبر عقل واقعي متحكم في سيرورته، وليس ذلك سوى مظهر لهيمنة الأكثرية على الثروة فالمصير.
ولا يجهد خليفة نفسه في البحث والفلسفة ولا علم الكلام السابق عليها، إذ كان علم الكلام وليد المناقشات بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين ممثلي الديانات الأخرى: اليهودية والمسيحية، والتي كان معتنقوها يعيشون بأمان في دار الإسلام.
وقد ساهم التعايش وبين الفرق والمدارس الإسلامية في شحذ العقول وحثها على العلم والدرس، وفي تحرير الأذهان من أسر التقاليد الدينية الضيقة. وأدى الحوار والجدل بينهم إلى بروز دور العقل حكماً أعلى في المناقشات اللاهوتية.
وفي فهم العقائد الدينية نفسها. وفي سياق هذه المشادات ظهرت وتطورت النزعة العقلانية في علم الكلام، أول التيارات الفلسفية في الفكر الإسلامي، الذي طوره مفكرو المعتزلة، ومن ثم الأشاعرة.
كما لا يعطي خليفة أية أهمية للفلسفة المشائية، حيث يعتبر الكندي الذي لقب بـ «فيلسوف العرب» أول العرب الذين اشتغلوا بـ «علوم الأوائل» اليونانية ونشرها، وجاءت أعماله لتعكس خليطاً واسعاً من المذاهب التي تنحدر إلى أرسطو وأفلاطون وأفلوطين وبرقليس والفيثاغوريين.
كذلك فإن الحكمة الصوفية والتصوف بشكل عام لا يجدان متسعاً من البحث، مع أن ظهور التصوف يعود إلى فجر الإسلام، وقد تطور من سلوك الزهد والتنسك إلى القول بالمحبة والفناء والحلول، فالتأمل الفلسفي. وظهرت في المرحلة الفلسفية للتصوف مدرستان أساسيتان، هما: الإشراقية التي أسسها السهروردي، والوجودية التي أرسى أسسها ابن عربي.
كل ذلك كان غائباً في «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية» على حساب قراءة الأوضاع الاجتماعية والصراعات السياسية، وكشف حراك «الطبقات» وتحولات الأديان، وتحققات الوعي العربي، هذا الوعي الذي بقي يحلق في سماء خالية من المفاهيم، ولم يجد أرضاً يعيد عليها أقلمته.
عمر كوش
الكتاب: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 2005
الصفحات: 599 صفحة .
القرامطة .. الجذور التاريخية (الاتجاهات المثالية…)

لا بد لكي نعرف حياة أقليم البحرين في العصر الوسيط وتطوره ، لا بد من إلقاء نظرة موجزة ومكثفة على الظروف العامة لتشكله ، ففي ذلك الحين كان إقليم البحرين الممتد من جنوب البصرة حتى مشارف #عُمان ، وفي قلب هذا الإقليم يقع ساحل #هجر وجزر أوال ، وما يحيطهما من صحراء وبحر . وهذا الإقليم وحده بين شرق الجزيرة والعالم الذي يجمع النقيضين وهما بحران من ماء عذب وملح أجاج ، وقد جاء ذلك في القرآن .
نشأت أسس المعارضة الطويلة في الإقليم بسبب الظروف التي لابست تطور الدولة الإسلامية ، فقد جاء في معاهدة #العلاء_الحضرمي بأنه :
[هذا ما صالح عليه العلاء الحضرمي أهل البحرين على أن يكفونا العمل ويقاسمونا الثمر] ، ولم تعجب أهل البحرين هذه القسمة فارتدوا مع من ارتدوا عن سيطرة المركز في المدينة ، ولكن جعل الفتوحات الأولى لفارس عن طريق البحرين جعل هذا الإقليم جزءً من عمليات الفتوح الكبرى وآثارها المختلفة ، و في عصر الدولة الأموية تم تجاهل هذا الإقليم تماماً ، حيث غدا جنوب العراق وخاصة البصرة هو مركز التجارة والاستيراد والتصدير ، مما جعل الإقليم مهمشاً على الصعيدين الاقتصادي والسياسي .
[ أما الزراعة فكانت مزدهرة هي الأخرى خصوصاً في ساحل هجر وفي جزيرتي أوال وتاروت، وتحيط بهذه المنطقة بادية كان يسكنها #عبد_القيس وبكر بن وائل وتميم قبل الإسلام ، وكان جل اقتصادهم يرتكز على الرعي والغزو أو أعمال القرصنة.] ، (1) .
إن موارد الإقليم مهمة في الزراعة والرعي ولكنها تكاد تكفي للحياة الداخلية ، فقد عُرف هذا الإقليم بالفقر الشديد ، ولكنه كان يرسل الخراج بصورة منتظمة إلى العاصمة دمشق ثم بغداد ، مما جعله يتحول إلى مركز دائم للمعارضة والثورات ، فأنتج الخوارج ثم القرامطة وهما أكبر حركتي معارضة في التاريخ الإسلامي والعالمي القديم .
إن هذا يعود لتأثرات القبائل الفكرية والسياسية البحرينية بموجات المعارضة الكبرى التي كانت تنتجها إيران ، والتي كانت تمر أو تختمر في جنوب العراق، ثم تنمو في إقليم البحرين البعيد عن السيطرة المركزية .
فقد عُرفت قبائل عبد القيس وتميم خاصة بالصلة المستمرة بالسواحل الفارسية ، نظراً لتداخل المصالح والهجرة والانتقال السكاني المتبادل على مر التاريخ ، ولم تكن هذه المنطقة ذات كثافة بشرية كبيرة ، فأثر فيها الفرس وحكموها ردحاً طويلاً من الزمن .
وقد تأثرت قبيلة تميم خاصة بالأفكار الثورية القادمة من فارس ، خاصة أفكار #المزدكية و#المانوية ، وعبر هذه القبيلة تغلغلت أفكار الزهد عند بعض الشخصيات التاريخية العربية ، لكن هذه القبائل وقد رأت الحكم يتركز في #قريش أعلنت التمرد، وطرحت شكلاً شعبياً للحكم رفضت فيه الاحتكار القرشي ، ثم تحولت هذه العملية إلى حركة سياسية كبرى ، انتقلت من العراق إلى موطنها الطبيعي ، ومركز قبائلها وهو إقليم البحرين ، الذي قام بحماية الحركة على مدى قرون في حين كانت الحركة تذوب وتتلاشى في الأقاليم العربية الشمالية . ولعل حركة التمرد الطويلة هذه من الأسباب التي زادت هذا الإقليم فقراً على فقره . وأخذ ينعزل عن حركة التطور الاقتصادي الواسعة في الإمبراطورية الإسلامية حينذاك .
لا نستطيع أن نفعل كما يفعل المؤرخون والباحثون بالتركيز على العوامل الفكرية باعتبارها المحرك الأكبر لبعض سكان إقليم البحرين بالتوجه إلى حركات المعارضة العسكرية الكبرى ، بل نرجعها إلى ظروف الفقر الشديد والشظف والبداوة والحرمان وعزل المنطقة عن التجارة المزدهرة وعن الإصلاح التي جعلت هؤلاء السكان يتعاطفون بسرعة شديدة مع تلك الحركات .
فمن الصعب تصديق الرواية القائلة بأن أبي سعيد بن بهرام الجنابي مؤسس الدولة القرمطية في البحرين بأنه شخص يمثل أفكاراً كبيرة وناضجة، فنحن نجد الرجل يلتقي بحمدان الأشعث ثم يعتنق الأفكار التحولية هذه ويندفع إلى البحرين في ظرف زمني قصير ثم يشكل دولته العتيدة .
ولكن إذا حاولنا تفحص هذه المسألة بدقة ، فسنجد إن أبا سعيد كان شخصاً مغامراً يبحث عن فرصة سياسية للصعود، وهو بدلاً من أن يتجه لدعوة فكرية طويلة نراه يبحث عن قبائل الغزو والجريمة لكي يضمها إليه:
[وحين توجه أبو سعيد الجنابي بالدعوة إلى العرب أجابه بنو الأضبط من كلاب.. وهؤلاء ليسوا من قبائل البحرين القديمة ..فجمعهم أبو سعيد فضم إليهم رجالاً وساروا فأكثروا من القتل] ، (2) .
هكذا نجد أبا سعيد وهو يشكل حركته من القبائل المجهولة ومن قطاع الطرق، وكانت أول حركة سياسية عسكرية له هي تدمير مدينة هجر، [ ولم يوفق بالسيطرة عليها إلا بعد أن قطع الماء عنها وفر بعض أهلها في البحر ودخل بعضهم دعوته وخرجوا إليه وبقيت طائفة لم يفروا لعجزهم ولم يدخلوا في دعوته فقتلهم . وأخذ ما في المدينة وخربها فبقيت خراباً وصارت مدينة البحرين هي الأحساء]،(3) .
وفي حين نجد الحركات الثورية والإصلاحية تقوم ببناء المدن وتشكل نهضة مدنية، نرى أبا سعيد يبدأ تاريخه بهدم مدينة عريقة ، عبر تحالفاته مع القبائل الفقيرة والأعراب وتحويلهم إلى قوة عسكرية ضاربة ، وجعله الغزو المدمر علامة لسياسته التخويفية .
بطبيعة الحال هناك تشنيعات كبيرة بحق القرامطة، لكن ثمة خيطاً من الحقيقة في هذه العمليات العسكرية . فالرجل بعد إنشائه مدينة الإحساء طور الحياة الاقتصادية عبر إصلاح المزارع ومساعدة الفقراء المحتاجين وجعل الإحساء عاصمة كهجر السابقة ، وفي رأيي فإن أبا سعيد لم يفعل ذلك إلا ليؤمن الجبهة الداخلية لنظامه العسكري استعداداً لجعل سياسة الغزو المورد الاقتصادي الحقيقي والواسع للدولة .
ولم يكن غزواً يؤدي إلى توسع الدولة ونمو علاقاتها وتطور مدنها وثقافتها ويشكل انقلاباً حضارياً في جسم الدولة العباسية الشائخة والمتعفنة وقتذاك ، بل كان الغزو هجمات على المدن بغرض السلب والنهب ، فحين غزا القرامطة البصرة سنة 307 هـ [ نهبوها وقتلوا وسبوا أهلها] ، [وضعوا السيف في أهلها وأحرقوا البلد الجامع ومسجد طلحة وهرب الناس وألقوا بأنفسهم في الماء فغرق معظمهم] ، (4) .
لا نستطيع أن نفهم هذه العمليات العسكرية بغرض البناء السياسي وإنتاج بديل لنظام قديم أو نعتبرها محاولات لتشكيل نظام في حالة من البحث والمخاض ، فهؤلاء الغزاة لا يحملون فكراً أو علاقات اقتصادية وسياسية جديدة ، إنهم مجموعات من قبائل الغزو والإغارة ، فقد كان بالإمكان حكم البصرة وإعطاء سياسية اقتصادية جديدة ومفيدة للمدينة ، ولكنهم لا يملكون هذا الوعي لقراءة واقع وحياة المدينة ، وبالتالي استبصار مسار الدولة العباسية وتقديم بديل لدولة إقطاعية شائخة . أي لو كان هؤلاء متطورون فكرياً واقتصادياً لوضعوا التاريخ العربي على مسار آخر .
كان البديل سوف يـُنتج لو أنهم حرروا فلاحيهم البحرينيين من الاستغلال والإقطاع ، ولكن نظام السخرة والعبودية واستغلال الفلاحين ظل مستمراً ، فكان هناك [ السادة ] وهي الفئة الحاكمة التي تملك العبيد والخزائن والأراضي والمطاحن ، وبقربها طبقة من الملاكين الخاصين ، وفي القاعدة جمهور الفلاحين والعبيد والبدو .
كان توسع القرامطة في استخدام العبيد تعبيراً عن فقر المنطقة في إنتاج علاقات اقتصادية متطورة وثقافة متطورة ، وكان الاعتماد على القبائل الرعوية المتخلفة يجسد كل ذلك .
تعبر الاختلافات السياسية والفكرية بين الفاطميين والقرامطة عن المدى الكبير بين المستوى الحضاري والمستوى الرعوي المحدود . وحين يقال بأن القرامطة والفاطميين هم نتاج حركة واحدة هي الإسماعيلية فإن ذلك صحيح بالأجمال ، فنجد إن أساس المغامرات السياسية والعسكرية متشابه في نمو هذه الحركة بفرعيها الفاطمي والقرمطي ، حيث اعتمدت كلتاهما على الأفكار الإمامية الإسماعيلية ، وعلى مغامرين سياسيين يتوجهون إلى مناطق التوتر الاجتماعي والسياسي ، فيدّعون رسالات ويزعمون اتصالاً بالغيب الخ.. ويقومون بتنظيم القبائل الرعوية ودمجها في حركتهم والارتكاز عليها لتشكيل دولة وعبر إعطائها الغنائم .
ولكننا نجد إن مسار الفرعين جد مختلف ، فبينما شكل الفاطميون حضارة وثقافة رفيعة ، وتوسعوا ، وأعطوا مصر ركائز لتطور حضاري عميق تال ٍ، نجد القرامطة بلا إرث ثقافي وبلا تشكيل لنهضة مستمرة ، بل قاموا بإفقار المنطقة وتحويلها إلى منطقة بدوية متخلفة بشكل شامل .
وتعود هذه الأسباب ، بطبيعة الحال لمستوى تطور البلدين الاجتماعي : مصر وإقليم البحرين ، ولكن أيضاً للممارسات السياسية المختلفة للجماعتين ، فقد توجه الفاطميون في غالب حياتهم التاريخية للبناء السياسي والاقتصادي والفكري ، في حين عاش القرامطة أغلب تاريخهم على الغزو والحروب .
وإذا كان للفاطميين مشروعهم السياسي الذي لا يحيدون عنه وهو تشكيل دولة موحدة تضم العالم الإسلامي بأكمله ، في حين إن القرامطة كانوا بلا مشروع ، وكانوا قد اقتربوا من بغداد العاصمة تماماً ، ولكن حولوا المعركة إلى مذابح . والأمر لا يعود لقطع أحد الجسور عليهم ، بل لغياب الجسر الفكري والاقتصادي مع السكان ، وعدم قدرتهم على تشكيل بديل حضاري ، بل أن السكان وجدوا في العباسيين على جبروتهم واستغلالهم نظاماً أكثر حماية للنفس والعرض والوجود عامة . لكن الفاطميين هم كذلك لم يستطيعوا حل التناقضات الاجتماعية التي وعدوا بحلها ، لكنهم حافظوا على العلاقة بين الظاهر والباطن ، بين الأحكام الإسلامية العامة وبين الوعي الغيبي الذي يؤمنون به ، في حين عجز القرامطة عن تشكيل جسر بين الظاهر والباطن ، بين السيرورة الإسلامية العبادية والمعاملاتية وبين أفكارهم .
وإذا قيل بأن الدول التي جاءت بعد القرامطة والفاطميين أزالت آثارهم ومحت سيرتهم من ذاكرات الأجيال ، وهذا صحيح ، ولكنها لم تستطع أن تزيل التاريخ الفاطمي والإسماعيلي، نظراً لكثرة التأليف والإنتاج فيه ، واستمراره التاريخي ولكن القرامطة لم يورثوا شيئاً .
ولهذا لا نجد أبنية لهم أو مؤسسات اقتصادية وعمرانية باقية ، مثلما نجد للديلمونيين مع بُعد الحقب بيننا وبينهم و رغم استمرار القرامطة على مدى أكثر من قرنين .
من المؤكد إن ذلك يعود لطبيعتهم الاجتماعية كجماعة مغامرة سياسية ارتكزت على الرعاة والأعراب المتخلفين ، وكان قرامطة #البحرين أفضل حالاً من قرامطة سوريا الذين كانوا أكثر عنفاً ، في حين كانت بداية الحركة على يد حمدان بن قرمط في جنوب #العراق أكثر تطوراً ، لكونها تحولت إلى حركة تعاونية فلاحية ، وهذا يعود كذلك إلى المستوى الحضاري العراقي ، قياساً بالجزيرة العربية وهيمنة البداوة عليها .
وفي دراسة موثقة بعنوان [ #الفاطميون وقرامطة البحرين]، كتبها وماد لونغ، وهو أستاذ العربية في جامعة أكسفورد، ومن المختصين القياديين في الدراسات الإسلامية، وهو مرجع مختص بالحركات الإسلامية في العصور الوسطى كما تعرفه دار النشر، يثبت فيها تباين #القرامطة عن الفاطميين، ويفند الصلة بينهما ، (5) .
في هذا البحث نجد إن الارتباطات بين الحركتين هي ارتباطات فكرية في بداية الأمر ، ثم ما لبثت كل حركة أن نمت في منطقتها ، بحيث إن الفاطميين تحركوا ليس على المستوى العسكري فحسب ، ولكن على مستويات المعرفة والعلوم والإنتاج الثقافي عموماً ، فظهر مفكرون وباحثون وفلاسفة ، ثم امتدت الحركة إلى سوريا ، وشمال إيران ، وحين وقعت هذه الحركة في مناطق جبلية وقروية ضيقة ، وكان رمزها قلعة الموت، أصيبت بما أصيبت به الحركة القرمطية في البحرين من ضيق فكري وقصر نظر سياسي ، فاعتمدت الإرهاب والاغتيال أداة للتغيير .
وعموماً فإن الحركة #الإسماعيلية ذاتها لم تطرح برنامجاً اجتماعياً تقدمياً لتطور العرب والمسلمين ، وتجمدت عند المستوى التقليدي للحركات الدينية.
تبدو ضخامة أخطاء القرامطة في كثرة الحروب والموقف من الدين ، والوجهان معبران عن رؤية داخلية مأزومة.
ومنذ أن تكونت بنية اقتصادية في الإقليم والدولة توجه طاقتها نحو الحرب التي اتسعت رقعتها ؛ من شن الهجمات على العراق وسوريا حتى مصر ، ثم السيطرة على طرق الحجيج ، وكل هذه العملية الاستنزافية هي من أجل المال ، نظراً لأن دولة القرامطة كانت ذات موارد محدودة ومشروعاتها العسكرية لا تتوقف .
وفي الحروب لم تكن لها مواقف ثابتة ، فكانت هجماتها الأولى لسلب المدن العراقية الجنوبية ، ولم تطرح على السكان تبديل نظام الحكم ، والعمل من أجل مشروع سياسي جديد ، لأن حكام الدولة لا يمتلكون أي تصورات مهمة .
واضطراب المؤرخين والباحثين بكون حركة القرامطة منبثقة من الاتجاه الإسماعيلي أو الاتجاه الحنفي ، أو إنها جاءت تحت تأثير الثورة البابكية التي انفجرت ضد المأمون ومن بعده من الخلفاء ، فكل هذه المحاولات للبحث عن شخصية فكرية هي غير مجدية لأن الحركة بلا هوية عميقة ، فهي نتاج مجموعة سياسية عامية ، ازدادت عاميتها وأميتها الفكرية مع اندماجها المتواصل مع أعراب الجزيرة ، واعتمادها على أسلوب عيشهم المتكرس بالغزو .
ويبدو غياب المشروع والأمية والعدمية الثقافية من اعتماد العنف وسيلة للبقاء ، وكذلك الهجوم على الدين ، ويبدو الهجوم هنا ليس نقداً أو تحليلاً واكتشافاً لجذور الأديان في المنطقة ، ومعرفة سببياتها وأهدافها ، بل هي عملية إنكار أمية لها ، تتجاهل شعائرها وقراءة أفكارها ، ثم تصبح استهزاءً بها وعنفاً ضد مظاهرها .
إنها أرستقراطية من نوع جديد ، فهي قطع مع التراث بصورة دكتاتورية ، وهي تعالي على المؤمنين ومقدساتهم ، وسيطرة عنفية على حياتهم وتوجيهها نحو الحرب .
ومن هنا نجد #الفاطميين أصحاب مشروع فكري وتنظيم توحيدي بينما هؤلاء مجرد قطاع طرق تاريخية ، ولهذا كان لا بد أن يصطدم الفاطميون والقرامطة ، فالقرامطة كان يخربون المشروع السياسي التوحيدي الفاطمي ، ولهذا كان الإسماعيليون مؤمنين إسلاميين ، لهم رؤية خاصة في هذا الإيمان ، أما القرامطة فأناسٌ عدميون لم يستطيعوا أن يشكلوا لهم رؤية خاصة في #الإسلام ، لأن تشكيلهم لرؤية إسلامية خاصة يعني تجذرهم في المنطقة واستيعاب تراثها وطرح برنامج ما لتحويلها ، وإقامة علاقة بالمؤمنين ، وحماية أرواحهم وليس هدر دمائهم .
ويبدو إن القرامطة هم أناسٌ من بقايا ومتشردي الحركة البابكية الفرس الذين انتقلوا للضفة العربية بعد فشل مشروعهم في إيران ، ولهذا نجد معظمهم بأسماء فارسية، كأبي سعيد بن بهرام أو دادويه أو #حسين_الأهوازي الخ ثم واصلت القيادة القرمطية حياة العزلة العميقة عن المحيط العربي مع هيمنتها على الأموال والأرواح .
وقد وقعت جزر #أوال مثل بقية إقليم البحرين في قبضة القرامطة ، لكنها لم تكن عاصمة الحكم ، وفي مركز القرار ، فهي ثالثة الأثافي بعد #الأحساء و#القطيف ، وقليلة هي الإشارات التي نجدها في الكتب القديمة عن جزر أوال ، وأسم أوال هو في الواقع يعبر عن مرحلة من التداخل بين انتهاء العصر القديم والعصر الوسيط . وهناك إشارات محدودة لأسم أوال في هذه الدراما الرهيبة :
في سنة 361 هـ – 972 م وقعت في أقليم البحرين الذي يسيطر عليه القرامطة ثورة سابور الذي كان أكبر أولاد #أبي_طاهر_الجنابي ، قائد الدولة البارز والراحل ، وسابور وأخوته كانوا قد أبعدوا عن الحكم ، فلم يرض سابور بذلك ، وقام بانقلابه الذي لم ينجح فيه ، فأودع هو وأخوته جزيرة أوال .
وقد وجه المعز حاكم مصر رسالة شديدة اللهجة إلى الحسن الأعصم الحاكم يحتج على وضع أولاد أبي طاهر في السجن بجزيرة أوال ، (6) .
لا يعني ذلك إن أوال كانت سجناً فقط ، بل كانت كالقطيف وجزيرة تاروت تجمع بين الزراعة والغوص من أجل اللؤلؤ ، وتقوم بإرسال دخلها إلى الأحساء . ومن هنا كانت كبقية أجزاء الدولة القرمطية توظف أموالها لحروبهم التي تستنزف الموارد القليلة .
يعتبر عبدان هو المؤسس النظري لحركة القرمطية، فمن هو عبدان؟
تحت عبارة من هو عبدان يقول المحقق عارف تامر :
[كل ما نعرفه إن انتساب هذا الداعي للدعوة الإسماعيلية قد تم على يد حمدان بن الأشعث المعروف [بقرمط] ومما نعرفه عنه أيضاً انه تزوج ابنة حمدان ، وأنه تثقف في مدرسة الدعوة بسلمية – سورية وكان من ابرز الدعاة وأغزرهم علماً وفلسفة ، ومن الجدير بالذكر انه قــُتل أخيراً على يد (زكروية بن مهروية) الذي قاد جيوش القرامطة في الدور الأول وأزاح من أمامه المعارضين ومنهم عبدان] ، (كتاب شجرة اليقين ، تأليف الداعي القرمطي عبدان ، تحقيق عارف تامر ، دار الآفاق الجديدة ، ص 6) .
تصاغ أفكارُ عبدان في كتابه [شجرة اليقين] بأسلوب غامض مكرور ، تختلطُ فيه الفصحى والعامية ، وهو يجمع بين شخوص الغيب من الإله والأنبياء والملائكة والشياطين والأولياء في عجينة غيبية تمتد من السماء إلى أغوار الأرض السحيقة ، جامعة بين النصوص الدينية القرآنية خاصة بتلفيق واسع ، وبين أفكار غريبة وتحولات باطنية للأئمة القادرين على كل شيء .
يبدأ عبدان كتابه بجعل سطوره معبرة عن الحقيقة المطلقة التي لا تعرف سوى أثنين أما مصدق تام فيكون من المؤمنين الداخلين الجنة وأما من المكذبين الأشرار الذين يدخلون النار :
[وبعد .. فان من ينظر في آيات كتابنا هذا الدالة على الآفاق والأنفس ويطلب حقائقها ، ويقف على علومها ، ومطابقتها للشرائع والأحكام ، ويتقبلها بالشكر والقبول .. يكون في جملة من أطاعوا الله جل ذكره ..( …) .. وأن كل من ينظر في هذه الآيات الموجودة في الآفاق والأنفس ، والدلالات الباطنة فيها ، ولا يطلب حقائقها وتأويلاتها من أرباب الدين ، وأصحاب اليقين ، فيكون من الأبالسة والشياطين الذين استوجبوا غضب الله وخذلانه وحرمانه ، كقوله تبارك اسمه : «إذ قلنا للملائكة»، (المصدر السابق ، ص 10) .
يحدد عبدان بأن بيانه هو بيان جماعي ينطق هو به لكنه منتشر يحدد تأويله أرباب الدين ، فهناك جماعة هي وحدها القادرة على تحديد الحقيقة وإدخال الناس فيها .
وهنا يستشهد بآية من القرآن ، فيدغم القول البشري بالقول القرآني : «إذ قلنا للملائكة» ، رغم أن الآية ليست ذات صلة بالرأي الذي عرضه ، لكن عبر هذه الآية الُمقحمة يغدو أمر الجماعة المستورة الباطنية هو أمر السماء ، عبر إنزال سياسي على العبارات . ثم يضيف :
[«أسجدوا لآدم» أي اخضعوا للناطق وناطق كل دور من الأدوار مثل آدم – ومعنى آدم أي انه خلق من أديم الأرض وأديم الأرض هو ظاهرها . «فسجدوا إلا إبليس»، ففسق عن أمر ربه – أي خرج عن أمر الناطق وأصبحت ذريته من (القشرية) وهم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها ، وعندما أخبرهم جلّ ذكره فيما ينظر إلى ما خلقه في الآفاق والأنفس من الدلالات والآيات ، لم يتفكروا فيها ، ولم يطلبوا حقائقها . فتبرأ منهم ، وحرمهم من رحمته ورضوانه .] ، (المصدر السابق ، ص 10) .
يحيلُ عبدانُ آدمَ ، كما يـُـقال في الوعي الديني المشرقي ، بأنه أبو البشر والأنبياء ، إلى ناطق ، إلى زعيم سياسي قائد ، إلى منتمٍ إلى تلك الجنة السماوية ، ويمكن عبر تأويل معاصر أن نقول بأن تلك الجنة هي أرض الفلاح الُمستلبة ، وأن آدم هو بداية للناطقين باسم تلك الحقيقة الأبدية التي تسير فوق الزمان والمكان ، ولكل ناطق خصمٌ يعاديه وينافسه وخصم آدم هو الشيطان ، والهدف هو الجنة السماوية أو الأرض الزراعية والسياسية المعاصرة .
وتعبرُ هذه الثنائيةُ الصراعيةُ عن قوى الشر والخير المتضادة ، وقد تحولت إلى رموزٍ مجردةٍ ، لا تتبلورُ بمضمون معين ، وهي خاضعةٌ لمنطقِ السارد ، وهو عبدان ، الذي يحيلُ كلَ رموز آدم ، أي كل رموز الخير وهم الأنبياء التالون والأئمة وأصحابهم ومن والاهم ، يحيلهم إلى الإيجابي والخلاق في التاريخ أما عنصر الشر وتجلياته فهم الأسماءُ الشريرةُ التي سيذكرُها لاحقاً ، وهي التي ستـُعاقب في جهنم وهي الرمز المضاد للجنة ، في حين يكون موضع الأخيار هو العودة إلى تلك الجنة ، وهي في الحقيقة تملك الأرض السياسية والسيطرة عليها .
ويكمل عبدان :
[وقد جاء انه لا بد لكل ناطق من النطقاء السبعة من إبليس يكاشفه ويعاديه ويضل أمته عن الصراط المستقيم ، والدليل على ذلك قصة آدم المكررة سبع مرات في القرآن الكريم ، وقد أراد جلَّ ذكره من تكرارها سبع مرات أن يذكر بأن مثل آدم سبعة نطقاء .. أولهم آدم وآخرهم الناطق ..] ، (المصدر السابق ، ص10) .
يجعل عبدان التاريخ البشري متداخلاً والتاريخ الغيبي ، فإضافة إلى صورة الإله المتحكمة في كل شيء التي يشكلها عبدان ، فإن القرآن يمثل الكتاب السري للتعريف بتلك الحركة المتداخلة بين السماء والأرض ، بين الإله والبشر ، ولهذا فإن القرآن في إشاراته الرمزية تلك ، يعرض قصة آدم سبع مرات لا أكثر ولا أقل لتبيان عدد الناطقين الذين سيظهرون للناس ، دون أن يقوم القرآن بعرض ذلك بشكل مباشر !
ولا يرتبط هؤلاء الناطقون السماويون بأي سببية تاريخية أو بأهداف محددة ، فهم يظهرون بتسللهم السباعي فقط ، وكأن هذا التسلسل السباعي هو من يحدد التاريخ الغائب الملامح والأسباب ، ويقوم عبدان هنا بإدخال حركته السياسية في ذلك التسلسل الإلهي الغيبي المفروض على البشر ، فالقائم هو تتويج لسلسلة الأنبياء وختامهم .
ثم يقوم بذكر هؤلاء السبعة ، [فإبليس آدم هو عزرائيل وشيطانه قابيل ، وإبليس نوح حام ، وقد جاء في الخبر إنه رأى عورة أبيه وهو نائم ، فأطلع على ذلك أخوته كنعان وسام ويافث، ولم يستره .. والمعنى : إنه كشف عن ما وصل إليه من أبيه من العلم الذي لا ينبغي كشفه إلا لأهله ، وقد نصحه أبوه فلم يرتدع ، وأصر على المعصية ، ولم يتب فاكتسب مقام الإبليسية ، وغرق في الطغيان ..]، (نفس المصدر ونفس الصفحة) .
إن صورة الشر لا تكتفي بنموذج غيبي بل تشكل نموذجاً إنسياً كذلك ، فعزرائيل الملاك المكلف بأخذ الأرواح يتحول عند عبدان إلى رمز للشر ، ولم يجد في فترة آدم سوى قابيل ليلصق به وكالة الشر الأرضي . ثم جعل إبليسَ نوح هو ابنه حام ، كما جاء في قصة التوراة الأسطورية لتفسير الأجناس البشرية وهم : سام وحام ويافث . ويرتكب عبدان خطأً تاريخياً هنا حين يجعل كنعان أخاً منهم ، وهو اسم لشعب سامي من الجزيرة رحل إلى الشام .
وقصة التوراة الساذجة لتفسير تعدد الأجناس البشرية تربطها بظهور عورة نوح وسخرية حام من هذه العورة فتحل لعنة نوح عليه ليكون جنساً بشرياً متصفاً بلون معين . لكن عبدان يجعل القصة ذات بعد رمزي ، فتتحول العورة إلى هدف باطني ، والغطاء يصيرُ ستارة الظاهر التي اندفع حام ليزيحها كاشفاً المستور !، (القصة في سفر التكوين بالعهد القديم) .
إن الأنبياء والشياطين المتصارعين يرتبطون بلوحة مجردة ، تشكلها عملية الصراع بين التبعية للحاكم المطلق الذي هو الإله ، وبين الشيطان الذي يريد تخريب تلك التبعية ، والطرف الأول يدعو لجوانب معينة ويغدو نقيضها هو المعاصي . ثم تغدو هذه الأوامر الإلهية شريعة بعد آدم لدى موسى ثم تصير عند عيسى هي أمر وشريعة الخ..
وكل هذا يجري في فضاء غيبي ، وعبر صراع إلهي شيطاني تتداخل فيه العفاريت والنجوم والكواكب والأرواح في تكوينات غامضة ، وتتجلى بعد ذلك في الحديد الأصم ثم ترتفع درجة في النبات ثم تتجلى أخيراً في الإنسان .
[إن المعادن موات ليس فيها من الأرواح شيء ، قوامها من التراب والماء والهواء والنار ، وقوام النبات من القوة النامية ، وإنها على أربع مراتب أسفلها وأقلها الحشيش وهو مقابل الأرض وثانيها في الحيوان وهو مقابل الماء ، وثالثها في الأشجار وهي مقابل الهواء ، ورابعها في البهائم والسباع وهي مقابل النار ..]، (شجرة اليقين ، ص 73 – 74) .
ويتم ترتيب العالم غير المعدني بشكل رباعي له علاقة بتقسيمات أخوان الصفا ، ويتم إسقاط الحالة الرباعية على الكثير من الظاهرات من خارجها ، وليس بدراستها من الداخل، ثم إدغامها بتكوين مادي عنصري . وهناك عمليات درس مسبقة للظاهرات الطبيعية ولكن يتم قسرها في المنهج المسبق.
فالروح هنا تتصاعد من العالم النباتي حتى تتمظهر في الحيوان الذي تغدو روحه الحسية ذات أربع مراتب كذلك .
فالمرتبة الأولى للسباع أقل الأرواح والأقرب للتراب . ثم في السمك وهي مقابل الماء ، ثم في الطيور وهي مقابل الهواء ، ورابعها في [الأطفال والمجانين وبعض القشرية وهي مقابل النار.] .
هذه هي الروح الحسية ، أما الروح الناطقة للبشر فتنقسم كذلك إلى أربع مراتب :
[أسفلها وأقلها الأطفال وبعض القشرية المهملين وهي مقابل التراب فلذلك قلنا أن التراب دليل على البهائم ، وثانيها في المستجيبين والمأذونين والأجنحة الذين هم جن بالقوة ، وفي أضدادهم القشرية الذي هم شياطين بالقوة ، فلذلك كلفوا بطلب التأويل … وهي مقابلة الماء، وثالثها في اللواحق ، وفي أضدادهم المرتدين والفلاسفة وفقهاء القشرية الذين هم أبالسة بالقوة ، وهي مقابل الهواء ، ورابعها في الأئمة وفي أضدادهم الشياطين بالفعل وفي مقابل النار]، (المصدر السابق ، ص 74) .
يشكل عبدان هنا تراتبية ميتافيزيقية اجتماعية كما فعل سابقاً ، فالروح الغيبية تتمظهر تدريجياً وهي تصارع العفاريت ، فتغدو أقرب للتراب وهو شكل محايد ويتمظهر ذلك في الأطفال و[القشرية] المهملة وهم أهل السنة هنا ، ويتضح هنا الطابع الطائفي لهذا الوعي ، فتغدو العامة غير الإمامية وغير الباطنية الجوهرية من فصيلة القشور ، كما أن القشرية هذه تكبر في علاقتها بالشياطين لتصل إلى الفلاسفة والفقهاء ، لكن أئمة الباطنية هم التجسيد الأعلى للروح ، ويصارعهم الشياطين المكتملون .
إن ما تشكل بوعي المثقفين المدنيين الإماميين لدى إخوان الصفا يغدو في الحركة القرمطية، وقد تحولت إلى حركة عامية ، إلى أشكال من الهلوسة والاسقاطات الفجة على الأشياء وحركة الحياة والوعي عبر منطق شكلاني .
دخول العرب إلى التاريخ العالمي (الاتجاهات المثالية …)
كـتـب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

أولاً ، هل هو الأسلوب الآسيوي للإنتاج ؟
بعد أن بلغنا هذا المستوى من رحلة التحليل ، ورأينا العرب ينتقلون من البداوة إلى الحضارة ، من نظام ما قبل التاريخ إلى الدخول في التاريخ ، وليس هو التاريخ المحلي والمناطقي فحسب ، بل العالمي ، فلا بد من إعادة النظر في المادة الاجتماعية التاريخية السابقة لربطها بالتحولات العالمية ، أي رؤية النظام الاجتماعي الذي حمله العرب ، أو الذي انخرطوا فيه ، أو النظام الذي هو مزيج من ما حملوه ، وما كان سائداً وغيروه.
إن الوصول إلى تعميمات تاريخية يتطلب مادة أولية واسعة سابقة تجعل الحديث عن نظام إنتاجي معين أقرب إلى الموضوعية.ولهذا سوف نعرض شيئاً من المادة السابقة ، ولكن في إطار جديد ، ذي منحى اقتصادي ـ اجتماعي ، وليس فكرياً كما كان الحال في السابق.
لقد تضاربت الآراء النظرية حول تطور الشرق تضارباً واسعاً عميقاً ، وأتجه مفكرون إلى إعطاء تطور الشرق منحنىً خاصاً مستقلاً كلياً عن تطور الغرب ، في حين أكد آخرون النمط المشترك للتشكيلات الاقتصادية ـ الاجتماعية في تاريخ الإنسانية.
لقد كان كارل ماركس وفردريك أنجلز هما مكتشفا التشكيلات الخمس وتعاقبها وهي : المشاعية ، والعبودية ، والإقطاع ، والرأسمالية ، والاشتراكية.
ولكن اكتشافهما هذا خضع لتطور معرفتهما بالتاريخ البشري ، ففي سنوات ما تسمى بسنوات الشباب قالا أيضاً ب ” الأسلوب الآسيوي للإنتاج ” ، الذي يعقب المشاعية في الشرق ويختلط اختلاطاً غامضاً بالعبودية والإقطاع ، بحيث يغدو مساراً خاصاً للأمم الشرق ، ولكن في سنوات النضج النظري ، والذي يتحدد عموماً بكتاب ” رأس المال ” فقد اختفى أسم أسلوب الإنتاج الآسيوي هذا ، مما يدلل على مراجعة ماركس لسيرورة الإنتاج البشري عامة ، ولكن هذه المراجعة لم تظهر بشكل نظري واضح.
والواقع إن معلومات ماركس وانجلز عن تطور الشرق كانت معلومات قليلة ومحدودة لم تسعفهما في إنتاج تصور نظري شامل للتاريخ فيه ، رغم أهمية اكتشافهما لدور وسائل الري كمفتاح لفهم تاريخه.
ولكن استنتاجهما حول الأسلوب الآسيوي للإنتاج ظل في الوعي التاريخي العام وتبناه العديد من الباحثين في الشرق.
كما أن القائلين بالتشكيلات الخمس ظلوا يقدمون أبحاثهم حول تطور الشرق عبر هذه المراحل التاريخية الكبرى.
إن الباحثين في أسلوب الإنتاج الآسيوي يحاولون اكتشاف خصوصية الشرق ومسارات التطور فيه ، ويبرزون هذه الخصوصية.
وسوف نستعرض هنا بعض هذه الآراء الهامة المفيدة في اكتشاف سمات الشرق بالتقابل مع الغرب.
يقول الياس مرقص : ( هل انتهى ماركس فعلاً إلى إخراج الأسلوب الآسيوي ـ من حيث انه أسلوب متكامل ـ من نموذج التاريخ الأوربي ؟ .. هذا ما نتصوره ، وهو واضح عند أنجلز وبليخانوف ، وإلا فما هو معنى الصفة الركودية للأسلوب المذكور ؟ هذا إذاً ما نتصوره .. ونعتقد أن الصفة الركودية مفتاح لا غنى عنه ، ومعناها واضح بالتقابل مع نموذج ” نموذج التطور ـ تعاقب الأنماط في أوربا.
ويقول مقارناً بين النموذجين ” الآسيوي والغربي : وهذا النمط الاجتماعي لا يفسح المجال لحركة نمو صاعدة كتلك التي عرفها ” نموذج ” الملكية الخاصة والتي نقلته من نمط إلى آخر ، في حقبة قصيرة نسبياً”. لقد اكتفى ماركس بمفهوم الأسلوب الآسيوي أو الشرقي كنموذج مخالف لنماذج الملكية الخاصة المهيمنة في التاريخ الأوربي ” ، ” هذا الأسلوب الذي يسمح بإنشاء منجزات عظيمة عند ظهوره وفي حقب ازدهاره الدورية ، في العلم والتكنيك وسائر ميادين الحضارة المادية والفكرية ..يصبح في مرحلة لاحقة عامل جمود طويل ، ويتكشف عن ضعف مخيف في مواجهة عالم الملكية الخاصة وديناميكيته ومنجزاته .) ،(1).
في هذا المقطع يعطي المفكر العربي الياس مرقص الأسلوب الأسيوي تعميماً يجرده فوق الطبقات والمسار الملموس للتاريخ فتتشكل صفات خاصة به ، فله طابع دوري من النهوض والركود ، وتهيمن فيه الملكية العامة عبر تقابل مضاد مع الغرب المتنامي والمتطور عبر التاريخ وذي الملكية الخاصة.
ويؤكد إن الملكية الخاصة موجودة في ( المجتمعات الشرقية كما في المجتمعات الغربية ، إنما الفرق يكمن في إن هذه القوى لا تنجح في الشرق)،(2) ، كما يقول ( إن صراع الطبقات في الأسلوب الآسيوي طرح محدود ، صراع من نوع آخر لا يفضي إلى حركة التقدم التاريخية )،(3) ، ويضيف ( إن المجتمع الآسيوي في موضوع الطبقات وصراعها ـ حالة وسط بين المجتمع الشيوعي البدائي الخالي من الطبقات والمجتمع الطبقي العبودي أو الإقطاعي وإن صراعه الطبق المحدود لا ينمو ولا ينبسط ..في صراع طبقي كامل يسير وفق ديناميكية صاعدة مبيدة لا منشئة،(4).
أما الباحث نايف بلوز فيعتبر أسلوب الإنتاج الآسيوي هو ( أول مجتمع طبقي عرفته البشرية) ، أي هو تشكيلة اقتصادية للمجتمع نشأت في أعقاب إنحلال المجتمع البدائي ، بل في أحشائه) ، ويضيف ( لقد نشأت في الشرق مع ظهور التمايز الاجتماعي وفي قلب علاقات الإنتاج الآسيوي ” سلطة عليا ” أخذت تشرف على الجماعات الريفية.. وكانت هذه السلطة بمثابة دولة تنفذ مهمات مركزية مشتركة لهذه الجماعات مثل فتح الترع والأقنية وتنظيم مجاري الأنهار وقيادة الحرب الخ .. لقد تحول موظفوها إلى الطبقة المستثمرة).
وقد جاءت الإقطاعية ، حسب بلوز ، في أعقاب هذا الأسلوب الآسيوي ( والإقطاعية الشرقية قد اتصفت بالاعتماد على الري الاصطناعي وبوجود بقايا عبودية ، كما اتصفت بوجود بعض خصائص الجماعة الريفية البطريركية التي ظلت قائمة في قلب العلاقات الإقطاعية والتي تكيفت أكثر فأكثر مع أسلوب الاستثمار الإقطاعي)،(5).
أي أن نايف بلوز يرفض فقط وجود العبودية كتشكيلة متميزة في تاريخ الشرق ، بخلاف الياس مرقص الذي يحتفظ بها ، لكنه يجعلها تالية للأسلوب الآسيوي ، وبلوز ينتقل مباشرة من الأسلوب الآسيوي إلى التشكيلة الإقطاعية ، التي يعتبر التاريخ العربي ـ الإسلامي هو مجسدها في العصر الوسيط.
إن الباحثين مرقص وبلوز يتفقان على تسمية مرحلة الانتقال من المشاعية إلى المجتمع الطبقي بأنها الأسلوب الآسيوي للإنتاج الذي نعرف بعض خصائصه ، غير إنه ليس أسلوباً عبودياً ، حيث يتصوران إنه لا بد أن يكون النظام العبودي ذا أغلبية من المنتجين العبيد .
أما سمير أمين فإنه يشكل تعبيراً آخر للتشكيلة ” الآسيوية ” ، وهو تعبير ” النمط الخراجي ” ، وهو يحدد التاريخ البشري بأنماط خمسة هي:
1 ـ نمط الإنتاج المشاعي ( الجماعي البدائي ) السابق على الأنماط الأخرى.
2 ـ نمط الإنتاج الخراجي ( الأتاوي ) الذي يربط المشاعة القروية بجهاز اجتماعي سياسي لاستغلال هذه المشاعة بواسطة اقتطاع خراج ، وهو النمط الخراجي الأكثر شيوعاً الذي يسم التشكيلات الطبقية الما قبل رأسمالية.
ويميز في هذا النمط مستويان :
1 ـ الأشكال المبكرة ، كما في الطراز الإفريقي.
2 ـ الأشكال المتطورة ، كما كانت الحال في الصين والهند ومصر وكما هو نمط الإنتاج الإقطاعي ، حيث تفقد المشاعة القروية ملكيتها للأرض لصالح الإقطاعيين وتبقى المشاعة العائلية.
3 ـ نمط الإنتاج العبودي ، وهو نادر ويجده في حضارة الإغريق والرومان.
4 ـ نمط الإنتاج الرأسمالي الغربي،(6).
يقيم سمير أمين رؤيته للتاريخ الشرقي عبر نمط (التوزيع ) فيبدأ من كيفية توزيع الفائض الاقتصادي ، ويقسم مجتمعات الشرق حسب هذا الخراج ، ويلغي العبودية كلياً من تاريخ الشرق القديم ، معطياً تسمية الإقطاعية المتطورة لتشكيل هذا الخراج ، وعبر هذه الرؤية يعيش الشرق في ركود تاريخي ، أو تحجر سياسي واجتماعي وثقافي .
ومن الملاحظات الملفتة للباحث سمير أمين هذا التعميم: ( إن الطبقة الحاكمة في هذا العالم مدينية مكونة من رجال بلاط وتجار ورجال دين ومن حولهم كل هذا العالم الصغير من الحرفيين والكتبة الذي يطبع بطابعه الخاص المدن الشرقية ) ويضيف: ( تشكل الطبقة القائدة ملاط هذا الكل ، لقد تبنت في كل الأنحاء اللغة ذاتها ، والثقافة الإسلامية الأرثوذكسية السنية .. هذه الطبقة هي التي أنتجت الحضارة العربية ، إن ازدهارها ناجم عن ازدهار التجارة البعيدة ، والتجارة هذه في أصل تحالفها مع القبائل البدوية ، وقادة قوافله وفي أصل عزلة المناطق الزراعية التي حافظت على شخصيتها الخاصة بها ـ اللغوية ( على مستوى البربر ) أو الدينية ( على مستوى الشيعة ) ، لكنها لم تلعب دوراً مهماً في النظام )،(7).
إن الملاحظات والتعميمات الأخيرة أو السابقة تحتاج إلى فحص تفصيلي ، وفي هذا الفصل سوف نتابع تحليل مسالة الانتقال من المشاعية إلى المجتمع الطبقي ، باعتبارها مسألة محورية في الانتقال العربي ـ الإسلامي إلى الحضارة ، ولا بد من قراءة نماذج محورية نموذجية في المشرق لكي نرى مصداقية هذه التعميمات النظرية، مرجئين فحص تعميمات المذاهب إلى الجزئين التاليين.
ثانياً ، العبودية المعممة في الشرق
يؤيد العديد من الباحثين في العالم الثالث والمتقدم نظرية الأسلوب الآسيوي للإنتاج ، باعتبارها مرحلة مميزة لتطور الشرق وأمريكا قبل كولمبس.
يقول الباحث الماركسي الفرنسي م . غوديليه :
( يبدو لنا إن ماركس إذ يصف أسلوب الإنتاج الآسيوي ، فهو يصف ، دون أن يعي ذلك بدقة ، شكل التنظيم الاجتماعي الذي يميز الانتقال من المجتمع اللاطبقي إلى المجتمع الطبقي.. ويبدو لنا إن بنية أسلوب الإنتاج الآسيوي توافق مراحل معينة من الانتقال إلى المجتمع الطبقي وتنتشر على نطاق تاريخي وجغرافي أكثر شمولاً بكثير مما تصوره ماركس : إمبراطوريات أمريكا قبل كولومبس ، الممالك الإفريقية ، ممالك الميكناي ” الإغريقية ” ) ، (8 ) .
ما هي السمات الجوهرية لأسلوب الإنتاج الآسيوي الانتقالي هذا ؟
إن ملاحظات الكثير من الباحثين تحددها في :
إن هذا الأسلوب يتصف بالتمازج التناقضي بين البنية المشاعية للمجتمع ، والمُـلكية القبلية ، والمشاعية ، والجماعية للأرض ، من جهة ، وبين استغلال العاملين من قبل الدولة الاستبدادية ، من جهة أخرى.
ويرفض باحثون عالميون آخرون مقولة الأسلوب الآسيوي ، ويؤكد هؤلاء بأنه منذ أول انقسام طبقي للمجتمع وحتى الثورات البرجوازية كانت الإقطاعية هي السائدة في جميع البلدان ، وعلى إن تاريخ البشرية يعرف أربع تشكيلات فقط هي : المشاعية ـ الإقطاعية ـ الرأسمالية ـ الاشتراكية، ( 9 ) .
ويطرح الباحث ف. تيوكي مقولة الطريق ” الطبيعي ” للتطور والطريق ” الاستثنائي ” للتاريخ ، ويؤيد ج . شينو هذا الرأي ، ويبينان إن النظام المشاعي تبعه النظام ” الآسيوي ” وعلى هذا المسار سارت جميع شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا حتى أوائل العصر الحديث .
أما بلدان أوربا فقد تطورت على طريق استثنائي ، فلقد جاء بعد النظام المشاعي النظام العبودي ثم الإقطاعي فالرأسمالي .
لكن أسباب هذا التحول ( مازالت بحاجة إلى تحديد وبحث ) ، (10 ).
يكتب تيوكي ” برأينا .. في آسيا وفي كل مكان ، باستثناء أوربا ، تشكلت أنظمة المشاعات الزراعية والأنظمة الخراجية على أقرب ما يكون إلى الشكل الطبيعي على أساس ملكية الأرض المشاعية البدائية ، بدون تأثير أية عوامل تاريخية خاصة. إن هذا التطور ، رغم إنه في تفاصيله يمكن ويتوجب إرجاعه إلى تأثير عوامل كثيرة ومختلفة ، إلا أنه في أساسه يعتبر طبيعياً. إن النموذج اليوناني في التطور بالتحديد ( وهو ، على ما يبدو ، وحيد من نوعه في تاريخ البشرية ) ، وهو وحده الذي كان نتيجة تأثير عوامل تاريخية خاصة ( خاصة بالمعنى الفلسفي لهذه الكلمة ) ، 11) .
ويؤيد م . فابر هذا الرأي ويقول بأن تاريخ البشرية ” يتأرجح بين قطبين ـ قطب أسلوب الإنتاج الآسيوي وقطب آخر يمكن تسميته بالخط الأوربي للتطور ” ، (12).
وتؤيد ج . فيلسكوب هذا الرأي كذلك وتضيف بأن العلاقات الإنتاجية التي تشكلت في الشرق القديم وهي استغلال المشاعات ، والأعمال الاجتماعية ” أعمال الري ” التي تدار مركزياً ، وغير ذلك هي ” تطور تاريخي خاص ” ، أما في أوربا ، وعلى أساس لا مركزية الإنتاج ونمو الملكية الخاصة ، فقد ” أمكن لتطور ذي طابع آخر أن يشق طريقه ويستمر في الإقطاعية الأوربية والرأسمالية الأوربية ” ، ( 13 ).
ويعتبر غ . ليفين بأن تاريخ الصين تطور على طريق مختلف كلياً عن تاريخ أوربا ، فإذا كانت أوربا بعد المشاعي اجتازت التشكيلات العبودية والإقطاعية والرأسمالية ، فغن الصين اجتازت تشكيلات مختلفة مبدئياَ ، ففي البداية كانت هناك ” التشكيلة الآسيوية ” ، وبعدها ” ما قبل الرأسمالية ” التي لا يجد المؤلف لها تعبيراً أدق ، ( 14 ).
يلاحظ مؤلف كتاب ” عبودية ، إقطاعية أم أسلوب إنتاج آسيوي ” ، يوري ف . كاتشانفسكي بأن العديد من الباحثين يستخدمون معايير تقليدية في فهم تاريخ الشرق ، فهم يتصورون بأن العبيد في ظل أسلوب الإنتاج العبودي الحقيقي أو المفترض يجب أن يكونوا محرومين من حيازة أي شيء ، ومحرومين من العائلة ومن أية حقوق أخرى.
كما أن التصور التقليدي المستقى من التاريخ الأوربي ، والذي يؤكد بأن الإقطاعية تتصف ب ” التسلسل الهرمي للحيازات الزراعية ” ، وهو الأمر الذي تحقق في فرنسا بين القرن التاسع والثالث عشر الميلاديين ، لم يكن قائماً في الصين بين القرنين الخامس والسابع أو في ظل الخلافة العباسية خلال القرنين الثامن والتاسع الميلاديين ، وهو أمر يلغي وجود الإقطاع في الصين وفي التاريخ العربي ـ الإسلامي.
كذلك فإن رؤية بعض الباحثين لأحد الشروط الأساسية في الإقطاع الأوربي وهو ملكية الأرض الخاصة ب ” السنيور ” وهو الأمر غير المتوفر في تاريخ الشرق حسب قولهم ، وسيطرة ملكية الدولة ، ينفي وجود الإقطاع في تاريخ الشرق.
ونقترب أكثر من قراءة تاريخ الشرق عبر النظرية الوظيفية ، فما هو ملخص رأيها حول عمليات الانتقال الأولى في الشرق ؟
إنها ترى بأنه ( في ظل أسلوب الإنتاج الآسيوي كانت الطبقة السائدة هي مجموعة من الناس برئاسة الملك ، تقوم ببعض الوظائف العامة الهامة ، ويدير هؤلاء الناس بناء الري ، والطرق ، والمنشآت الدفاعية ( سور الصين ) ويديرون الحياة الاقتصادية كلها.. وبالنتيجة ، فإن الناس الذين كانوا يقومون بالوظائف المُشار إليها اكتسبوا سلطة على السكان الباقين وأخذوا يستغلونهم ) ، ( 15 ).
ويقول ل . ي . ماديار ( كان ظهور المجتمع الطبقي مرتبطاً بضرورة تنظيم الري الاصطناعي. إن خدم المشاعة ـ عشيرية كانت أم زراعية أم دينية ـ الذين كانوا يؤدون وظائف تنظيم الري ، يتجمعون في مسار التطور في طبقة سائدة تستغل المشاعة أو القبيلة وتتملك العمل الإضافي للمنتجين المباشرين) ، ( 16 ).
ونعرض أخيراً الرأي المنتشر في أوساط علمية أخرى ، وهو ما طرحه الباحث شارل بارن حول (العبودية المُـعممة).
( يعدد بارن الخصائص التالية للعبودية المعممة ( الشاملة ):
1 ـ استغلال قوة العمل المجانية تقريباً. فإذا كان مالك العبيد في العبودية التقليدية مضطراً لإنفاق مال لشراء العبد واطعامه واكسائه وتوفير مأوى ، فإنه في العبودية المُعممة يجبر المستغلون جماهير ضخمة من الفلاحين المنتزعين من عوائلهم وأشغالهم لفترة معينة على العمل لديهم.
2 ـ في العبودية المعممة يجري هدر قوة العمل بشكل تدميري ، فإذا كان مالك العبيد الخاص في العبودية التقليدية يحاول استخدام عمل المنتجين من أجل الحصول على ربح ، فإنه في ظل العبودية المعممة يجري إنفاق قوة العمل ليس فقط على إقامة المنشآت النافعة اجتماعياً ( القنوات ، السدود وغيرها ) وإنما أيضاً على إقامة منشآت لا فائدة منها إطلاقاً ( أهرامات مصر ، القصور الهائلة ، المعابد وغيرها).
3 ـ في ظل العبودية المعممة تجبر جماهير واسعة من المنتجين على العمل الفيزيولوجي غير المؤهل الشاق في أعمال الزراعة ، وفي جر ورفع الأثقال.
4 ـ في ظل العبودية المعممة تجبر السلطة الحكومية الاستبدادية المشاعات الفلاحية على تخصيص قوة عمل من عندها من أجل الأعمال الاجتماعية الضخمة .. أما في ظل العبودية التقليدية فإن مالك العبيد الخاص يجبر العبيد على العمل في أرضه لمصلحته الخاصة .) ، (17 ).
ويقول مؤلف ( عبودية .. ) كاتشانفسكي بأن العديد من الباحثين دعم وجهات نظر شارل بارن ، وهو رأي طرح بدءً من سنة 1966 ، وقد دعم شينو أفكار بارن بقوة ، قائلاً بأن أسلوب الاستغلال الذي يتحدث عنه بارن ” يتميز بشكل أساسي عن العبودية التقليدية وعن القنانة أيضاً ” ، وبأن بارن أقترب بذلك أكثر من الجميع نحو التحديد النظري لأسلوب الإنتاج ( الأسيوي ) واكتشاف قانونه الاقتصادي الأساسي ، ويقف ج . ج . غوبلو موقفاً قريباً من موقف بارن إذ يرى بأن الازدهار الذي شهدته مدنيات الشرق الأدنى بعد ” ثورة العصر الحجري الحديث ” تحقق على حساب ” استغلال لا مثيل له لجماهير الكادحة ” ، هذا الاستغلال الذي أتخذ شكل ” العبودية المعممة ” ، (18 ).
وأما الباحثون الروس ( والسوفييت ) الذين لا يميلون إلى نظرية أسلوب الإنتاج الآسيوي في صورتها التقليدية فإنهم ينظرون إلى ” العبودية العامة ” من زوايا مختلفة ، فقد أشار ف . ف . ستروفه إلى الطابع العبودي في المجتمعات الشرقية القديمة ولكن عبر شكلين : عبودي وبطريركي ، ففي مصر كانت الدولة القديمة تجمع الريع ـ الضريبة من المشاعات الزراعية بطريقة بالغة القسوة.
ويرى آ . ي . تيومينيف بأن العبودية المعممة لم تكن مصطلحاً أستخدم مصادفة ، وإنما هو تعبير عن أهم الخصائص المميزة للنظام الاجتماعي في الشرق ويضيف ” لقد أطلق على مصر أسم ( بيت العبودية ) (… ) لا لأنه فيها الكثير من العبيد ولكن بالدرجة الأولى لأن جميع السكان هناك كانوا يعيشون في ظروف العبودية ” ، ويعتبر تيومينيف الدليل الهام على هذه العبودية المعممة الوثائق عن الإكراه الواسع لسكان مصر على العمل في أشغل الري والبناء ، ويذكر عبارة الملكة حاشيبسوت التي تنص على أن مصر بكاملها ، رأس محني ، يجب أن تعمل من أجلها.
إن هذه الآراء الأخيرة عن العبودية المعممة ستكون إحدى المفاتيح لقراءة تاريخ المشرق ورؤية سيرورته حتى ظهور العرب ودورهم في تغييره.
أولاً ، هل هو الأسلوب الآسيوي للإنتاج ؟
بعد أن بلغنا هذا المستوى من رحلة التحليل ، ورأينا العرب ينتقلون من البداوة إلى الحضارة ، من نظام ما قبل التاريخ إلى الدخول في التاريخ ، وليس هو التاريخ المحلي والمناطقي فحسب ، بل العالمي ، فلا بد من إعادة النظر في المادة الاجتماعية التاريخية السابقة لربطها بالتحولات العالمية ، أي رؤية النظام الاجتماعي الذي حمله العرب ، أو الذي انخرطوا فيه ، أو النظام الذي هو مزيج من ما حملوه ، وما كان سائداً وغيروه.
إن الوصول إلى تعميمات تاريخية يتطلب مادة أولية واسعة سابقة تجعل الحديث عن نظام إنتاجي معين أقرب إلى الموضوعية.ولهذا سوف نعرض شيئاً من المادة السابقة ، ولكن في إطار جديد ، ذي منحى اقتصادي ـ اجتماعي ، وليس فكرياً كما كان الحال في السابق.
لقد تضاربت الآراء النظرية حول تطور الشرق تضارباً واسعاً عميقاً ، وأتجه مفكرون إلى إعطاء تطور الشرق منحنىً خاصاً مستقلاً كلياً عن تطور الغرب ، في حين أكد آخرون النمط المشترك للتشكيلات الاقتصادية ـ الاجتماعية في تاريخ الإنسانية.
لقد كان كارل ماركس وفردريك أنجلز هما مكتشفا التشكيلات الخمس وتعاقبها وهي : المشاعية ، والعبودية ، والإقطاع ، والرأسمالية ، والاشتراكية.
ولكن اكتشافهما هذا خضع لتطور معرفتهما بالتاريخ البشري ، ففي سنوات ما تسمى بسنوات الشباب قالا أيضاً ب ” الأسلوب الآسيوي للإنتاج ” ، الذي يعقب المشاعية في الشرق ويختلط اختلاطاً غامضاً بالعبودية والإقطاع ، بحيث يغدو مساراً خاصاً للأمم الشرق ، ولكن في سنوات النضج النظري ، والذي يتحدد عموماً بكتاب ” رأس المال ” فقد اختفى أسم أسلوب الإنتاج الآسيوي هذا ، مما يدلل على مراجعة ماركس لسيرورة الإنتاج البشري عامة ، ولكن هذه المراجعة لم تظهر بشكل نظري واضح.
والواقع إن معلومات ماركس وانجلز عن تطور الشرق كانت معلومات قليلة ومحدودة لم تسعفهما في إنتاج تصور نظري شامل للتاريخ فيه ، رغم أهمية اكتشافهما لدور وسائل الري كمفتاح لفهم تاريخه.
ولكن استنتاجهما حول الأسلوب الآسيوي للإنتاج ظل في الوعي التاريخي العام وتبناه العديد من الباحثين في الشرق.
كما أن القائلين بالتشكيلات الخمس ظلوا يقدمون أبحاثهم حول تطور الشرق عبر هذه المراحل التاريخية الكبرى.
إن الباحثين في أسلوب الإنتاج الآسيوي يحاولون اكتشاف خصوصية الشرق ومسارات التطور فيه ، ويبرزون هذه الخصوصية.
وسوف نستعرض هنا بعض هذه الآراء الهامة المفيدة في اكتشاف سمات الشرق بالتقابل مع الغرب.
يقول الياس مرقص : ( هل انتهى ماركس فعلاً إلى إخراج الأسلوب الآسيوي ـ من حيث انه أسلوب متكامل ـ من نموذج التاريخ الأوربي ؟ .. هذا ما نتصوره ، وهو واضح عند أنجلز وبليخانوف ، وإلا فما هو معنى الصفة الركودية للأسلوب المذكور ؟ هذا إذاً ما نتصوره .. ونعتقد أن الصفة الركودية مفتاح لا غنى عنه ، ومعناها واضح بالتقابل مع نموذج ” نموذج التطور ـ تعاقب الأنماط في أوربا.
ويقول مقارناً بين النموذجين ” الآسيوي والغربي : وهذا النمط الاجتماعي لا يفسح المجال لحركة نمو صاعدة كتلك التي عرفها ” نموذج ” الملكية الخاصة والتي نقلته من نمط إلى آخر ، في حقبة قصيرة نسبياً”. لقد اكتفى ماركس بمفهوم الأسلوب الآسيوي أو الشرقي كنموذج مخالف لنماذج الملكية الخاصة المهيمنة في التاريخ الأوربي ” ، ” هذا الأسلوب الذي يسمح بإنشاء منجزات عظيمة عند ظهوره وفي حقب ازدهاره الدورية ، في العلم والتكنيك وسائر ميادين الحضارة المادية والفكرية ..يصبح في مرحلة لاحقة عامل جمود طويل ، ويتكشف عن ضعف مخيف في مواجهة عالم الملكية الخاصة وديناميكيته ومنجزاته .) ، (1 ).
في هذا المقطع يعطي المفكر العربي الياس مرقص الأسلوب الأسيوي تعميماً يجرده فوق الطبقات والمسار الملموس للتاريخ فتتشكل صفات خاصة به ، فله طابع دوري من النهوض والركود ، وتهيمن فيه الملكية العامة عبر تقابل مضاد مع الغرب المتنامي والمتطور عبر التاريخ وذي الملكية الخاصة.
ويؤكد إن الملكية الخاصة موجودة في ( المجتمعات الشرقية كما في المجتمعات الغربية ، إنما الفرق يكمن في إن هذه القوى لا تنجح في الشرق) ، (2 ) ، كما يقول ( إن صراع الطبقات في الأسلوب الآسيوي طرح محدود ، صراع من نوع آخر لا يفضي إلى حركة التقدم التاريخية ) ،(3 ) ، ويضيف ( إن المجتمع الآسيوي في موضوع الطبقات وصراعها ـ حالة وسط بين المجتمع الشيوعي البدائي الخالي من الطبقات والمجتمع الطبقي العبودي أو الإقطاعي وإن صراعه الطبق المحدود لا ينمو ولا ينبسط ..في صراع طبقي كامل يسير وفق ديناميكية صاعدة مبيدة لا منشئة ،(4).
أما الباحث نايف بلوز فيعتبر أسلوب الإنتاج الآسيوي هو ( أول مجتمع طبقي عرفته البشرية) ، أي هو تشكيلة اقتصادية للمجتمع نشأت في أعقاب إنحلال المجتمع البدائي ، بل في أحشائه) ، ويضيف ( لقد نشأت في الشرق مع ظهور التمايز الاجتماعي وفي قلب علاقات الإنتاج الآسيوي ” سلطة عليا ” أخذت تشرف على الجماعات الريفية.. وكانت هذه السلطة بمثابة دولة تنفذ مهمات مركزية مشتركة لهذه الجماعات مثل فتح الترع والأقنية وتنظيم مجاري الأنهار وقيادة الحرب الخ .. لقد تحول موظفوها إلى الطبقة المستثمرة).
وقد جاءت الإقطاعية ، حسب بلوز ، في أعقاب هذا الأسلوب الآسيوي ( والإقطاعية الشرقية قد اتصفت بالاعتماد على الري الاصطناعي وبوجود بقايا عبودية ، كما اتصفت بوجود بعض خصائص الجماعة الريفية البطريركية التي ظلت قائمة في قلب العلاقات الإقطاعية والتي تكيفت أكثر فأكثر مع أسلوب الاستثمار الإقطاعي ) ، (5 ) .
أي أن نايف بلوز يرفض فقط وجود العبودية كتشكيلة متميزة في تاريخ الشرق ، بخلاف الياس مرقص الذي يحتفظ بها ، لكنه يجعلها تالية للأسلوب الآسيوي ، وبلوز ينتقل مباشرة من الأسلوب الآسيوي إلى التشكيلة الإقطاعية ، التي يعتبر التاريخ العربي ـ الإسلامي هو مجسدها في العصر الوسيط.
إن الباحثين مرقص وبلوز يتفقان على تسمية مرحلة الانتقال من المشاعية إلى المجتمع الطبقي بأنها الأسلوب الآسيوي للإنتاج الذي نعرف بعض خصائصه ، غير إنه ليس أسلوباً عبودياً ، حيث يتصوران إنه لا بد أن يكون النظام العبودي ذا أغلبية من المنتجين العبيد .
أما سمير أمين فإنه يشكل تعبيراً آخر للتشكيلة ” الآسيوية ” ، وهو تعبير ” النمط الخراجي ” ، وهو يحدد التاريخ البشري بأنماط خمسة هي:
1 ـ نمط الإنتاج المشاعي ( الجماعي البدائي ) السابق على الأنماط الأخرى.
2 ـ نمط الإنتاج الخراجي ( الأتاوي ) الذي يربط المشاعة القروية بجهاز اجتماعي سياسي لاستغلال هذه المشاعة بواسطة اقتطاع خراج ، وهو النمط الخراجي الأكثر شيوعاً الذي يسم التشكيلات الطبقية الما قبل رأسمالية.
ويميز في هذا النمط مستويان :
1 ـ الأشكال المبكرة ، كما في الطراز الإفريقي.
2 ـ الأشكال المتطورة ، كما كانت الحال في الصين والهند ومصر وكما هو نمط الإنتاج الإقطاعي ، حيث تفقد المشاعة القروية ملكيتها للأرض لصالح الإقطاعيين وتبقى المشاعة العائلية.
3 ـ نمط الإنتاج العبودي ، وهو نادر ويجده في حضارة الإغريق والرومان.
4 ـ نمط الإنتاج الرأسمالي الغربي،(6) .
يقيم سمير أمين رؤيته للتاريخ الشرقي عبر نمط (التوزيع ) فيبدأ من كيفية توزيع الفائض الاقتصادي ، ويقسم مجتمعات الشرق حسب هذا الخراج ، ويلغي العبودية كلياً من تاريخ الشرق القديم ، معطياً تسمية الإقطاعية المتطورة لتشكيل هذا الخراج ، وعبر هذه الرؤية يعيش الشرق في ركود تاريخي ، أو تحجر سياسي واجتماعي وثقافي .
ومن الملاحظات الملفتة للباحث سمير أمين هذا التعميم: ( إن الطبقة الحاكمة في هذا العالم مدينية مكونة من رجال بلاط وتجار ورجال دين ومن حولهم كل هذا العالم الصغير من الحرفيين والكتبة الذي يطبع بطابعه الخاص المدن الشرقية ) ويضيف: ( تشكل الطبقة القائدة ملاط هذا الكل ، لقد تبنت في كل الأنحاء اللغة ذاتها ، والثقافة الإسلامية الأرثوذكسية السنية .. هذه الطبقة هي التي أنتجت الحضارة العربية ، إن ازدهارها ناجم عن ازدهار التجارة البعيدة ، والتجارة هذه في أصل تحالفها مع القبائل البدوية ، وقادة قوافله وفي أصل عزلة المناطق الزراعية التي حافظت على شخصيتها الخاصة بها ـ اللغوية ( على مستوى البربر ) أو الدينية ( على مستوى الشيعة ) ، لكنها لم تلعب دوراً مهماً في النظام ) ، ( 7 ).
إن الملاحظات والتعميمات الأخيرة أو السابقة تحتاج إلى فحص تفصيلي ، وفي هذا الفصل سوف نتابع تحليل مسالة الانتقال من المشاعية إلى المجتمع الطبقي ، باعتبارها مسألة محورية في الانتقال العربي ـ الإسلامي إلى الحضارة ، ولا بد من قراءة نماذج محورية نموذجية في المشرق لكي نرى مصداقية هذه التعميمات النظرية، مرجئين فحص تعميمات المذاهب إلى الجزئين التاليين.
ثالثاً ، العبودية المعممة في العراق
بدأت الحضارة في منطقة المشرق ، وكان ذلك يعني بروز مدن سيادية في جنوب العراق . لكن المدينة لم تكن ظهرت كسوق ، بل كتطور اقتصادي وفكري من القرية. أن القرية الزراعية ذات الأراضي الخصبة هي مملوكة للمعبد ، أي للإله ، أي للقبيلة. والقبيلة التي تقوم بالزراعة تجد انقساماتها الجنينية وترابطها معاً في كل مشترك ، والكاهن أو الساحر الذي يقوم بالهيمنة على المعبد ، وهو مركز الملكية العامة ، يغدو مع سيرورة التطور ملكاً.
ولكن هذا التطور يتصف بجوانب تركيبية معقدة ، فالمدينة تظل لفترة طويلة بين البنية المشاعية الزراعية وبين الانقسامات الاجتماعية ، وإن هذا الانقسامات الأساسية تظهر في وظيفية المؤسسات الدينية والاقتصادية المهيمنة ، في حين إن الترابط الاجتماعي والقبلي يظل مستمرا ومعتمداُ على الملكية المشتركة للأرض.
و لا تتحول المؤسسات الحاكمة بشكل سريع إلى القهر ، بل هي تنمو عبر الأشكال الديمقراطية القبلية المتوارثة ، ولهذا فإن مجالس المدن أي مجالس شيوخ المدينة تظل لفترة طويلة وهي متداخلة مع السلطة التنفيذية ، معبرة عن التعاون بين رؤساء القبيلة أو القبائل المتحالفة الحاكمة في المدينة أو المدن ، وهذا يشير إلى السمات المتداخلة بين المشاعية الغاربة والمجتمع العبودي القادم.
إن الملكية العامة على الأرض تعطينا بعدين متناقضين دائماً ، الأول هو بعد التعاون والمشاركة ، حين يكون الحاكم أو الحكام أو مؤسسات الشورى والحكماء ، تقوم بدور إيجابي مع المنتجين.
لكن عوامل الانقسامات الاجتماعية تظل متنامية بشكل مستمر ، عبر سيطرة حكام ينتزعون الثروة لأنفسهم وعائلاتهم ، ويدفعهم ذلك إلى الاستغلال بشكليه الأفقي والرأسي ، والأول يقوم على التوسع الجغرافي للمدينة ، والثاني بزيادة وتيرة استغلال المنتجين.
وتشكل عوامل السيطرة على الأراضي الخصبة وإقامة منشآت الري العامة التي هي أساس الوضع الزراعي في الجنوب العراقي ، ومطاردة البدو والدفاع عن المدن وغيرها ، أسباباً في تطور جهاز الدولة وانفصاله عن المنتجين وهيئات الشورى ، وبروز الملكية المطلقة ، التي كانت دائماً تنمو مع الدين ، حيث الكاهن كان في البدء هو الحاكم.
لا يعني ذلك عدم ظهور الملكية الخاصة . إن الملكية الخاصة تنشأ من الملكية الشخصية في الأرض والاقتصاد المدني ، حيث تبدأ المدينة في النمو كسوق في مناطق معينة ، وبعد ذلك تنشأ الفئات التجارية والحرفية المختلفة.
ولكن كل ذلك لا يعني عدم وجود نظام اجتماعي ، فنظام العبودية المعممة يبدأ من سيطرة القوى السياسية ـ الدينية الحاكمة على المنتجين ، حيث تظهر عملية الخضوع المطلقة للمعبد ، الذي يمثل في المرحلة الأولى ازدواجية السلطتين السياسية والدينية ، فإن انفصام السلطتين وبروز الملكية قوة مطلقة ، يعزز طابع العبودية المعممة ، ويحول الكهنة إلى فئة تابعة للملك.
إن سيرورة المنتجين عبيداً دينيين وسياسيين ، يتأتى إذن من التضافر بين المعبد وملكية الأرض.والتداخل بين السيطرة الدينية والسياسية على الفلاحين.
إن بروز الفلاحين بطابع شبه مستقل في بدايات التاريخ الحضاري ، لا يعني انعدام العبودية العامة ، التي تتنامى مع تعمق التناقضات الطبقية ، ووجود فئات حرة وبرجوازية تجارية لا يمنع من رؤية التطور الشامل للبنية الاجتماعية وسماتها الرئيسية التي تبرز بصورة تدريجية.
إن تطور المدينة كحقل مملوك مشاعياً وكمعبد ، يعبر عن الخصائص الجوهرية ، التي هي بمثابة قوانين موضوعية ، كامنة في الخلية الأولى ، حيث نرى عبودية الحقل ومنتجيه للمعبد ورموزه والمسيطرين على هذه الرموز.
وهذه السيطرة المطلقة التي لا تبدو مطلقة يوضحها التطور ، حيث تتمركز السلطة المطلقة في الآلهة المحددين والملك ، ثم تتسع المُلكية وتتجذر الملكية مطيحة بالمدن الحرة والفئات المستقلة والأنواع الثقافية ، جاعلة كل شيء تحت سيطرتها.
لهذا فنحن لا نجد مجالس الشورى والحكام المستقلين في عهود حمورابي و ، كذلك فنحن لا نجد ملحمة جلجامش إلا في زمنه التاريخي ، حيث مدينة أور بمربعاتها.. المحددة. إن ابتلاع العبودية العامة للثروة المادية يقود إلى تدهور الأنواع الفكرية والإبداعية المستقلة ، وتحول العلوم إلى ملاحق للقصور والمعابد ، كما أن الإبداعات الدرامية والملحمية التي حصلت على بعض البذور في أزمنة المدن الحرة تختفي كلياً. ولا يجد الوعي طريقاً لاكتشاف تناقضات الوجود الاجتماعي إلا عبر الدين ، المؤسسة الفكرية الشاملة المرافقة للعبودية العامة.
ولا يتعارض هذا مع الازدهار المؤقت للمملكة أو حتى الإمبراطورية ، فاتساع المملكة يترافق ونمو التجارة والعلوم والآداب الجزئية ، ولكن الدولة المقامة على الغزو المستمر ، وتحويل الشعوب الأخرى إلى عبيد ليسوا سياسيين فقط بل عبيداً كاملين. ، يؤدي إلى زيادة النفقات العسكرية والبذخية والمنشآت ” الأسطورية ” كالأهرامات وحدائق بابل المعلقة والقصور والأبراج الخ.. ثم يؤدي إلى انتفاضات الشعوب الأخرى وحروبها المضادة ، وانهيار الممالك المزدهرة.
وكما أن نمو وازدهار المجتمع يرتبط بنمو مؤسسة الملكية وتوسعها الجغرافي والتجاري و” الصناعي ” ـ حيث البحث المستمر عن الخامات النفسية ـ فإن الانهيار مرتبط بهذه المؤسسة نفسها ، حيث يغدو المجتمع كله تابعاً وعبداً ، للملك الإله ، الرجل المعبود ، للفرعون ، أو لنبو خذ نصر الذي ينحني ملوك الأرض كلهم تحت قدميه.
إن هذه السمات تحدث في أول حضارة بشرية بجنوب العراق ، التي يزداد عنفها مع هذا التصاعد في نمو مؤسساتها الحاكمة ، وتغلغل القبائل السامية البدوية في عروقها السومرية وهي الحضارة المسالمة السابقة. وهي المماثلة للحضارة المصرية قبل أن يأتي الهكسوس ، ويدفعونها للعنف المتزايد والتوسع واستئجار المحاربين والانطفاء في خاتمة المطاف.
رابعاً : الكعنانيون ( الفينيقيون ) الرأسمالية المهزومة
تحددت إذن الملامح العامة للمشرق (العربي) بالنظامين العبوديين العامين ؛ الرافدي والمصري ، عبر سيطرتيهما على أكبر الأنهار والشعوب المجاورة لهما.وكان النظام الرافدي ، عبر دوله المتعاقبة ، هو البادئ في التوسع وضم المناطق الأخرى القريبة ثم البعيدة ، بسبب نشوئه المسبق وتطوره من حيث الإنتاج والمواصلات ، وعبر هذا الإلحاق كان النظام العبودي المعمم يمنع تطور المدن والشعوب المستقلة ، وبسبب ذلك كان تراكم عمليات التطور الاجتماعي والفكري تتوقف على المدى البعيد.
كانت المحاولة الكبيرة في المشرق للخروج من نظام العبودية المعممة تتمثل في خروج شعب نشط من الجزيرة العربية للسكن على ساحل البحر البيض المتوسط الشرقي ، وهم الذين عرفوا بالكنعانيين أو بالفينيقيين حسب التسمية الإغريقية.
لم يستطع الكنعانيون السكن في العراق أو مصر ، فاختاروا موقعاً وسطاً هو ما يعرف الآن بسوريا ولبنان.
كانوا قادمين من جنوب الجزيرة العربية ويبين مؤرخٌ إن شعباً قدم : ( في الألف الثاني قبل الميلاد جاء يستقر فوق رقعة الأرض الضيقة بين البحر الأبيض المتوسط وجبال لبنان .. من شبه الجزيرة العربية ، وهذا الشعب كان يدعى ب ( الشعب الأحمر ) أو ب (الحميريين ) ، الجذر الثلاثي ، (ح م ر ) الذي مازال في أيامنا هذه يعني في العربية الاحمرار ) ، (19 ).
وقد استطاع هذا الشعب بخروجه عن هيمنة النظامين المستبدين العريقين في المشرق أن يؤسس مدناً مستقلة هي دويلات مدن.
فهي : ( مدن مستقلة عن بعضها البعض شكلت كل منها شبه دولة لنفسها وخضعت بشكل أساسي عند إقامة علاقاتها الخارجية لرغباتها المحلية ومصالحها الخاصة ) ، ( 20 ).
أسس الفينيقيون إذاً المدن المزدهرة على الساحل المتوسطي الشرقي في البداية ، وكانت جذورهم الرعوية تضعف لصالح استقرارهم الزراعي والحرفي والتجاري ، ثم تغدو التجارة هي ذروة تطورهم.
كانت التعددية الوثنية هي أساس تصوراتهم مثلهم مثل بقية أه المنطقة ، وشكلوا تميزهم داخل هذه المنظومات الدينية ، عبر وجود أبرز الآلهة ” إيل ” ثم ” شمش ” وهو إله الشمس و” عليان بعل ” إله الحياة و ” موت ” أله الموت ، ولديهم عشتروت وأدونيس وهو الإله المخصص للخصب والربيع ، والطبعة الفينيقية من تموز وأوزوريس.
إن الشريط الجبلي على ساحل البحر الأبيض المتوسط الشرقي لم يستطع أن يحمي هذه المدن ـ الدول المتناثرة من الغزوات المستمرة من الإمبراطوريات ، ولا أيضاً الأسوار المنيعة قدرت أن تحمي الثروات المادية ، ولا الأنظمة الملكية وجيوشها الصغيرة من الأهالي ، لهذا فإن التراكم المالي لم يستطع أن يبلور طبقات متوسطة قوية تنافس وتحوز الحكم من الملوك الآلهة ، فظلت الحكومات المستبدة والإرث القبلي وضعف الإنتاج الفكري التحرري سائداً في المدن الفينيقية العديدة ، سواء على الساحل المتوسطي الشرقي أم على طول خطوط المستعمرات الفينيقية في شمال أفريقيا.
ولكن حتى هذه الحرية الاقتصادية الهامة تم فقدانها عبر استيلاء الإمبراطوريات المختلفة على هذه المدن ، فكان ذلك إضعافاً متقطعاً على مدى قرون ، ثم انهياراً كلياً على أيدي الإغريق والرومان.
أعطت هذه المدن إنجازات كبيرة للبشرية فجبيل ( بيبلوس ) اعتبرت ( المدينة الأم للكتابة ، ومنها أيضاً بقيت تسمية Bible ـ الكتاب المقدس في اللغات العالمية حتى اليوم ، وهي مدينة الأبجدية الحديثة الأولى ، ( 21 ).
وغدت صور من أكبر المدن التجارية وأهمها ، وفي العهد القديم نقرأ عن العلاقات التجارية الواسعة لصور بالمدن المختلفة والقبائل والشعوب في سفر حزقيال ، الإصحاح السابع والعشرين.
كذلك فإن مدينتي صيدا وبيروت لا تقلان عن السابقتين أهمية وبروزاً في التجارة.
لقد استطاع الكنعانيون تحقيق إنجازات كبيرة في تشكيل ملاحة عالمية في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي ، وتقدموا في علم الفلك وفنون تشييد المعابد والمدن ، وصناعة الحلي وفن الصياغة وصناعة النسيج وإنتاج الصبغة الأرجواني و وصناعة الزجاج.
يقول عنهم القاموس المنجد :
( تمكنوا بفضل سيادة صور من مد نفوذهم التجاري حتى حماة ودمشق وأسسوا على شواطئ المتوسط المصارف والمتاجر والمستعمرات المصرفية ف يكل مكان وبلغوا أسبانيا ( بلاد ترشيش ) بحثاً عن الفضة والقصدير ، شيدوا مراكز هامة على الشاطئ الإفريقي أهمها قرطاجة وسبراطة وحضروميت ، وعلى الأوربي ملقة وقادش ( أسبانيا ) ومالطة في المتوسط ..
اصطدموا بالآشوريين (…) تعاقب على بلادهم المصريون ثم الفرس فاليونان بعد أيسوس 333 ق . م ثم الرومان 94 ق .م . ) ، (22 ).
توضح هذه الفقرات الطبيعة التجارية الواسعة ، والإنجازات السياسية والثقافية المحدودة ، فنحن نرى رأسمالية تجارية ممتدة جغرافياً ، تجري نحو المواد الخام والأسواق والأرباح ، لكنها لا تشكل مدناً حرة تعيش مستقلة ، وبالتالي فإنها لا تجذر تجربتها الرأسمالية في الصناعة أو في العلوم أو في المنجزات الثقافية الكبرى كالدراما والملاحم ، فالطبقات التجارية تخضع للمصادرات المستمرة من قبل الدول الخارجية ، فترحل نحو مواقع جديدة لا تلبث أن تتعرض للحروب والمنافسة من قبل الإغريق والتدمير الروماني في خاتمة المطاف. وقد ساهم تبعثر المدن والمستعمرات الفينيقية في عدم تمركز رأسمال وعدم انتقاله للصناعة بشكل عميق .
لقد كان الساحل الشرقي للمتوسط على مرمى حجر من قلاع العبودية المعممة ، فجعل المدن الكنعانية قلاعاً أخرى ، ذات بُنى دينية ، يحكمها ملوك ـ آلهة فخضعت لنسيج المشرق الفكري والسياسي .
( إن قدسية الملوك كانت تستمد قوتها من اعتبارهم أبناء الآلهة ، لقد ” كارت ” الملك الكنعاني ، أبن أيل ” الإله الأكبر) ، (23 ).
لم تستطع التجارة أن تخترق هذا الغشاء العبودي المعمم السميك.إنها كانت بحاجة إلى تجذر في المدن الحرة وتشابك مع الصناعة والعلوم ، وبحيث إن التراكم المالي والمعرفي لا يُقطع على مدى قرون ، وكان ذلك مستحيلاً في ذلك المدى الجغرافي.
خامساً ، حضارة الإغريق : ازدهار الرأسمالية
بدأت تتشكل الحضارة الإغريقية في زمن الفصل الأخير لأنظمة العبودية المعممة في المشرق ، وهي كجارتها ومنافستها الحضارة الفينيقية اتخذت من الشواطئ الشرقية والشمالية للبحر الأبيض المتوسط ومن الجزر اليونانية والبر اليوناني ، مدنها وتطورها.
تأسست المدن اليونانية القديمة ، في القسم الأوسط بالقسم الجنوبي من اليونان ( المعاصرة ) ، على شاطئ آسيا الصغرى لبحر إيجه ، وفي العديد من الجزر ) ، (24 ).
يقول هيرودوتس : إن الفقر كان شقيق هلادة بالرضاعة ، ولم يلبث اليونانيون أن انصرفوا إلى الصناعة اليدوية والتجارة ، نظراً إلى أن المداخيل المتأتية من الزراعة كانت زهيدة ، وقد قادهم تكاثر السكان في الحواضر إلى إنشاء المستعمرات في أراض غير مأهولة ، في الجوار أولاً ، ثم في أمكنة أبعد.) ، (25) .
وحوالي نهاية القرن السابع ق . م . تجاوز البحارة والتجار اليونانيون الإطار الأولي للتجارة ، مع الدول المجاورة ثم مع بلدان أبعد ، فظهروا في أسواق الشرق وأخرجوا الفينيقيين ، منافسيهم الماكرين ، من البحر الأبيض المتوسط ) ، (26 ).
علينا أن نرى الحضارة الإغريقية كحضارة ذات جذور شرقية كبيرة ، فقد سكنها الكنعانيون والمصريون ووضعوا الأسس للحضارة الأممية وجذور المدن الأولى ، ثم جاءت القبائل الذكورية من العنصر الهندو أوربي لتكتسح التكوينات القديمة وتهضمها ، وتكونت المدن اليونانية الأولى في آسيا الوسطى عبر التأثير الفكري الشرقي المتعدد الصور. ( راجع : ملامــح من التلاقــح الحضاري بين الشرق والغرب لعلي الشوك ، الذي يدرس ما أخذه الإغريق من أساطير وآداب المشرق ، مصدر سابق).
لكن الإرث الأدبي والفني والديني خضع للتحولات الداخلية لتطور المجتمع اليوناني المتكون من عدة مدن ـ دول ، ذات أنظمة متباينة.
وإذا كانت الدول ـ المدن الكنعانية تنمو تحت رحمة أنظمة العبودية العامة المكتسحة لها دائماً ، فإن الإغريق استفادوا من الطبيعة الجغرافية الجزرية التي تحولت على إلى القلب للبلد بالانتقال من آسيا الوسطى ، فغدت خط الدفاع الأول .
إن الكنعانيين أعطوا اليونانيين ، إضافة إلى كل المنجزات الاجتماعية والثقافية ، حرفة صناعة السفن ، وهي الأداة الأولى للتوسع التجاري ومراكمة الفائض النقدي ، وكذلك منجزات التجارة نفسها.
عبر هذا التجاور القرابي واستيعاب وهضم إيجابيات الفينيقيين ، قام الإغريق بإزاحة هؤلاء ، واحتكار تجارة المنطقة البحرية وشواطئها الواسعة.
هذا الرأسمال التجاري كان عليه لا أن ينمي مدناً متفرقة معرضة باستمرار لسطو الفراعنة والرافديين والفرس ، بل أن يطور البنى الاقتصادية ” المدنية ” عبر هذه القرون الممتدة من القرن الخامس عشر ق . م . حتى بدء الميلاد ، أي أن رأس المال أحدث تراكمات عميقة في البنية الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ السياسية ـ الثقافية ، خاصة في مدينة أثينا والمدن الديمقراطية الأخرى.
يقول كارل ماركس :
( لقد كانت الاستثمارة الريفية الصغيرة والحرفية اليدوية المستقلة ، القاعدة الاقتصادية للمجتمع الكلاسيكي في العصر الذهبي) (27).
وعلينا أن نضيف بأن هذا الأساس الإنتاجي الوطني مدعم ومغذى عبر التجارة ، وحين كان العمل العبودي من داخل اليونان وخارجها ، لم يصبح بعد مهيمناً وكاسحاً ، كذلك هو متشكل داخل تعددية المدن وديمقراطياتها الداخلية ، ولكونها خارج نطاق هيمنة دول العبودية المعممة الشرقية ، وحيث الحاكم لم يصبح إلهاً كما هو الحال في تلك الدول ، وحيث منصب الملك ضعيفاً ، وقد بدأت الفئات التجارية والحرفية المختلفة بالنمو ، في مواجهة ملاك الأرض المتنفذين ، والمحولين الجمهور الفلاح إلى فقراء عبيد يعملون في أراضيهم.
وتقوم الفئات البرجوازية المختلفة بالاستيلاء على حكومات بعض الدول ـ المدن ، ويبدأ عهد الديمقراطيات المزدهرة رغم وجود بعض الحكام المستبدين الناطقين بأسم هذه الفئات أحياناً.
إن هذه البنية الاقتصادية المدنية المتناغمة بين الإنتاج والتجارة والديمقراطية ، يقابلها في المستوى الفكري نشؤ الفلسفة المادية ، فلسفة طاليس وديمقرطيس وهيرقليطس والمثالية الموضوعية والعلوم الرياضية والطبيعية ، والفكر الفلسفي رغم نشوئه من مواد الأساطير الدينية المشرقية في البدء ، فقد قام بوضع الأسس لنشؤ الفلسفة المادية (الساذجة ) عبر تفسير الكون تفسيراً طبيعياً ، فطاليس يفسر العالم من مادة الماء ، فكل شيء في هذه الفلسفات المادية المتعددة جاء من الماء و التراب والنار والهواء والعناصر المتضادة.إ
إن الفلسفات المادية اليونانية بافتتاحها الوعي الفكري كانت تحلل الوجود من عناصره المادية الخام ، تعبيراً عن بداية تفسير العالم بصورة موضوعية ، وعبر مستوى العلوم ، وفي أجواء المدن الناهضة المستقلة عن حضارات العبودية المعممة ذات الشمولية الدينية الكلية.
إن بنية المنتجين الصغار الزراعيين والحرفيين وفي عالم المدن الديمقراطية ، ستتضاءل لصالح بنية أخرى تسود فيها العبودية ، وهذه ستعمل على انفصال منتجي الوعي عن تطور الإنتاج والتقنية ، وإلى صعود المؤسسات السياسية ـ الدينية القاهرة .
سوف نقرأ فيما بعد الصلات الوثيقة الدقيقة بين الاتجاهات الفلسفية الإغريقية والوعي العربي ـ الإسلامي ، ولكن هنا نحن نرى كيف قادت الأسباب الجغرافية والاجتماعية المتضافرة والنادرة إلى تميز اليونان في العصر القديم ، ولكن أسلوب إنتاج العصر ، سواء كان عبر اقتحام أنظمة العبودية المعممة ممثلة في الفرس ، أو عبر تنامي العبودية الخاصة في بلاد اليونان نفسها ، ثم انفجار الحروب الأهلية وسيطرة الشمال المقدوني الرعوي على المدن ، كلها وضعت حداً للعناصر الرأسمالية ـ الديمقراطية في الحياة.
خامساً ، الرومان : تعميم العبودية
مع فشل الإغريق في تشكيل ثورة رأسمالية لم تتوفر لها العلاقات والقوى المنتجة الملائمة ، رغم وجود عناصر ديمقراطية ورأسمالية واسعة ، فإنهم قاموا بتوسيع العلاقات العبودية في دولتهم الموحدة ، ثم انتقلوا إلى غزو آسيا وأفريقيا.وكان ذلك يعني تدهور الملكية الصغيرة المنتجة التي كانت أساس العصر الذهبي كما قال ماركس آنفاً ، وظهور المزارع الكبيرة الواسعة التي تقوم على عمل العبيد ، وكذلك تم إدخال العبيد في الورش والحرف المهنية ، مما كان له أثر مدمر على تطور التقنية والفلسفة والإنتاج على المدى البعيد.
وحين سيطر الإغريق على الشرق وشمال أفريقيا فإنهم حافظوا على أنظمة العبودية المعممة المشرقية ، فصار الإسكندر الأكبر أبناً للآلهة وإلهاً ، وكان هذا تعبيراً رمزياً عن تدهور العناصر المادية التي بدأت وتنامت في بداية النهضة ثم حلول الأبنية المثالية الموضوعية لسقراط وخاصة أرسطو ثم بدأت الفلسفات الغنوصية واللاعقلانية المتطرفة في الهيمنة على الفضاء الفكري اليوناني تعبيراً عن هزيمة مشروع المنتج الحرفي والزراعي الصغير وعدم إمكانيات تحوله إلى المشروع الصناعي الكبير.
وحين جاء الرومان كانوا استكمالاً للجوانب الأسوأ في الحضارة الإغريقية ، فلم يشهدوا مناخ دول المدن الحرة الديمقراطية ، إلا بشكل سريع في عصر الجمهورية ، ثم جاء عصر توسع العبودية والمزارع الواسعة التي يشتغل فيها العبيد ، وكذلك المعامل التي يشتغلون بها ، والاستيلاء على الشرق وثرواته وإدامة العبودية المععمة فيه. وبالإضافة إلى صراع القادة والأباطرة في قمة الدولة في تأزيم الإمبراطورية فإن الدولة :
( فشلت في إنجاز ثورة صناعية ولهذا السبب تفاقمت الأزمات الاقتصادية في أواخر القرن الثاني ( الميلادي ) ، وقد بقيت الأساليب الصناعية على حالها ، ومعنى ذلك إن الصناعة ظلت معتمدة على العمالة اليدوية ، ولم يتم تطوير سوى عدد قليل من الآلات بعد بداية العصر المسيحي).( 28 ) .
ويضيف المؤلف :
( وكان هناك خطأ ما في الفلسفة السائدة بين القادة الأرستقراطيين الذين لم يحبذوا مثل تلك الأساليب ، ولم يكن هناك دافع قبل نهاية القرن الثاني يحث على اكتشاف مصادر جديدة للطاقة ، كما انه لم تكن هناك حاجة إلى ذلك طالما أن طاقة العبيد المجلوبين من البلدان المستعمرة كانت كافية للإنتاج ، وكان يمكن مضاعفة الإنتاج عن طريق مضاعفة عدد العاملين من العبيد ، كما أن سهولة الحصول على الطاقة الإنتاجية من أعمال العبيد لم تشجع على اختراع آلات أو أساليب صناعية جديدة ) ، ( 29 ) .
وعبر تجميد تطور الإنتاج وتوسيع العبودية الخاصة عبر غزو المناطق الرعوية والريفية وتحويل أهلها على عبيد للعمل في المدن والمزارع الرومانية ، نشأت أرستقراطية رومانية مرفهة غاصت في البذخ ، وكان هذا يشكل نزيفاً اقتصادياً مزدوجاً ، فعبر تجميد تطور القوى المنتجة وتخريبها في المناطق ” المستعمرة ” ، كان البذخ يؤدي إلى الإفلاس المالي لخزينة الدولة نفسها.
( ولما لم يكن لدى روما من السلع الجيدة ما تقايض به السلع الشرقية الفاخرة ، فقد كان عليها أن تدفع ثمن هذه السلع الشرقية بالنقد ، ومن ثم كان هناك نزيف ملحوظ للذهب في اتجاه الشرق ، مما أحدث صدعاً في نظام الإمبراطورية الاقتصادي ) ، ( 30 ) .
كان تعميق مسار النظام الإغريقي المتأخر متواصلاً ، فالمزارع الكبيرة تتسع ، والصغيرة تتدهور ، والحرف والصناعات تعجز عن التطور ، والطبقة الوسطى الصناعية والتجارية تتضاءل ، فكان اعتماد الدولة على الحروب لجلب العبيد والثروات الجاهزة ، وكان هذا التمدد العسكري لا بد أن ينتهي عند حدود معينة هي حدود الدولة الفارسية المعادية ، و عند الصحارى الكبرى والغابات التي يعجز الرومان عن السيطرة عليها أو التوغل فيها كالجزيرة العربية والصحراء الكبرى أو في مناطق الغابات والجليد في شمال أوربا عند القبائل الجرمانية الوثنية البربرية.
لم توجد قدرة حقيقية للإمبراطورية الرومانية إلا عبر الجيش ، فهو الأداة الوحيدة لبقاء النظام ، لكن كان أبناء المواطنين الأحرار يتهربون من الخدمة العسكرية ، فكان لا بد من اللجؤ هنا أيضاً إلى القوى المستأجرة والعبيد ” والبرابرة ” ، وهكذا كان النظام العبودي بشقيه الخاص الأوربي ، والشرقي المععم يخضع للتدهور والأزمة العميقة.
وكانت هناك طريقة واحدة لترشيد الإنفاق هي استخدام الضرائب الجديدة وتطوير الجهاز البيروقراطي وفي ذلك تقوية للإمبراطورية ، ولكنه يؤدي إلى استمرار تقليص الطبقة الوسطى . ( 31 ) .
ويعالج المؤلف نورمان كانتور أسباب تدهور الحضارة الرومانية ، فيقول :
( يوضح بعض الباحثين إن روح الحضارة القديمة نمت وتقدمت في المدينة ــ الدولةCity State ومع التدهور الحضري المطرد ، انهارت الحضارة وتلاشت روحها ) ، ( 32 ).
( وثمة نظرية أخرى تقول إن الاستشراق هو سبب الانهيار الروماني (…. ) ، أي تسرب روح جديدة وحضارة جديدة من الشرق إلى كيان العالم الروماني ، وهذه النزعة الصوفية الجديدة جعلت الناس يتخلون عن اهتمامهم بأمور هذا العالم ) ، ( 33 ) .
لا شك إن هذه العبارات العامة المجردة تشير إلى مسارات البنية الاجتماعية للإمبراطورية الرومانية ، لكن لم يكن كيان المدينة ـ الدولة إلا كياناً قائماً على طبقة وسطى منتجة ، مرتبطة بمستويات من الوعي ” العقلاني ” ، بطبيعة حرفها وصناعاتها ومزارعها ، ومع هذا التدهور في أسسها المادية والفكرية ، ونزول الثروات بوفرة عن طريق العبيد والغزوات ، أطيح بالوعي المرتبط بمعالجة المادة والطبيعة والمجتمع ، وهو الوعي المرتبط بالإنتاج ، وبالأسس السياسية القائمة على تعددية الأصوات في الدولة ، وغدت هناك الأجهزة الشاملة المهيمنة عبر المركز ، أي عبر العاصمة السياسية ، ثم عبر الإمبراطور وحيداً ، ذي المصدر الإلهي ، فتدفق هنا الوعي الغيبي ، وعي الآلهة المتعددين وإرادة الغيب والأرواح ، حيث صار الإنتاج وتدفق الثروة نتاج القدر العسكري وحظوظ الجيش ، فخرج المصير السياسي من يد الناس الذين يضبطونه في صراعاتهم وأصواتهم ، وغدا معلقاً بإرادة إمبراطورية إلهية وبعلمية النهب الوحشية للأمم ونتائجها وثوراتها.
إن المصير التاريخي الذي كان مهيمناً عليه عبر صوت العقل النسبي في المدن ـ الدول ، والذي كان لتطور خاص في الجغرافيا والاقتصاد ، بين التجربتين اليونانية والرومانية ، دوره الهام في تشكيله ؛ إن هذا المصير سُحق عبر النمو الكبير لملاك العبيد الحاكمين ، الذي صار يمثلهم وينمذجهم الإمبراطور الإغريقي والروماني ، والذي تجاوز سلبياً التراث العقلاني حيث فتحت شهيته المستعمرات ، كما داست آلة الإنتاج العبودية المتسعة نمواً على جزر الإنتاج الخاصة ، وسحبت الشعوب المستقلة إلى طاحونتها العنيفة والمستقلة ، فتآكل إنتاجها المادي المستقل هي الأخرى ، وعُصرت طبقاتها الوسطى واتسعت العبودية في جماهيرها ، ولكن هذا الفيض الاقتصادي لم يوظف في الإنتاج مرة أخرى ، أو في تطور التقنية والعلوم ، بل صرف أكثره في الحروب والبذخ.
أما الثقافة الإغريقية والرومانية العقلانية فإن مساراتها وتوغلها في المشرق ، فلم يُدرس بشكل دقيق ، و سوف نحاول في الجزء الثاني التالي رسم الحدود وعمليات التداخل بينهما ، ولكن في هذه الفترة فإن العناصر المادية حصلت على بعض التطور في إيران حيث برزت الأفكار الدهرية.( 34 ).
إن انتشار هذه العناصر المادية والعقلانية بشكل واسع ، إذن لم يكن ممكناً ، فالغزاة اليونان والرومان كانوا هم أنفسهم قد انقطعت علاقتهم بذلك الإرث ، وبدءوا في استغلال الاتجاهات الدينية الوثنية واللاعقلانية ، تعبيراً عن هذا الصعود الأرستقراطي الباذخ والمتعالي ، وهنا كان المشرقيون يعيدون إنتاج نموذج الإله المعذب ، الذي كان متفرقاً ، بشكل أدونيس وتموز وأوزوريس.
سادساً ، المسيحية : التفكيك السلمي للعبودية
كان نشر الرومان للعبودية إذاً يمثل إفقاراً للإنتاج المادي والروحي القائمين على الصناعة والعقل ، وهذا يعني ملء المدن بالعبيد والمقلوعين من مراكزهم الإنتاجية ، وللفلاحين المنتزعين من أراضيهم وحرفهم ، وكان هذا يعني نشراً للغيبيات والأساطير ، ويغدو هذا انتصاراً للشرق ، الذي لم تستطع العناصر العقلانية فيه ، والديمقراطية السياسية أن تحوز فترة تشكل مهمة ، كما حدث للإغريق ، فلا يملك إذاً من أدوات مقاومة سوى الرجوع إلى عناصره الغيبية والأسطورية وتفعيلها ، فأمام هذا السحق الروماني العام والصلب للعاملين ، صعد الإله المُعَّذب تعبيراً عن معاناة الفلاحين والعبيد ، والفلاحون كانوا عبيداً سياسيين ، والعبيد أناساً مملوكين كلية ، تعبيراً عن هذه المعاناة ، ورفضاً للهيمنة ” الغربية ” الرومانية ، وتجميعاً لكل المنطقة المشرقية في بناء فكري ـ سياسي موحد.
إن عناصر مثـل الطفل المعجزة والمطلوب من الحكام القتلة ، والطفل الإله المنقذ للبشرية ، وأسرار مثل التعميد بالماء ، أي اعتبار المياه مقدسة ومطهرة ، والعشاء الرباني حيث يتحد المؤمنون بأكل وشرب جسد الإله المعبود ، يمكن ملاحظتها في تراث المشرق الخاص بالاحتفالات الخصوبية الربيعية .
تغدو للمسيحية عبر هذه المواد العتيقة في المشرق جذور شعبية تسمح لها بالانتشار واستيعاب تقاليد الماضي والنمو بها ، ولكن هناك عنصر الثقافة الإغريقية ـ الرومانية ، الذي هو أكثر تطوراً وتعقيداً من تلك العناصر المشرقية ، فهذا العنصر هو الذي قام بالتكييف الفكري لتلك العناصر وتسييسها ، وكذلك هناك الأساس اليهودي للديانة المسيحية.
حول العنصر المشرقي القديم يقول سيرغي م . توكاريف مؤلف موسوعة [ الأديان في تاريخ شعوب العالم ] :
( كما إننا نعرف عدداً كبيراً من عبادات الآلهة ـ المنقذة في مصر ، وبابل ، وسوريا واليونان فيما بعد ، مثل أوسيريس ، تموز ، أدونيس ، أتيس ، ديونيس. لقد كانت آلهة الطبيعة أيضاً وتجسد روح الإنبات .. كانت هذه عزيزة بشكل خاص لدى فقراء المدينة دون أن يكون لهؤلاء معها أي مصلحة مباشرة ، إنها بدأت كآلهة ترتبط بأمور العمل في الأرض ، وقد أشار إلى هذه الناحية بشكل صائب تماماً المؤرخ أرشيبا لدروبرتسون ) ، ( 35 ).
ويلخص هذا الباحث تصوره حول المسيحية ” كدين للعبيد والمضطهدين ” ـ ص 518 ـ قائلاً :
( أما المزيج الذي تكونت منه فيتألف من المبدأ اليهودي عن الإله الواحد مالك كل شيء ، وكذلك الفكرة اليهودية عن المخلص ، الذي تحول في الحقيقة إلى المخلص المفكر الروماني واختلط بنماذج الآلهة الزراعية التي تموت ثم تبعث حية ، والتعاليم الغنوسية حول التضاد بين الروح والمادة وحول الوسيط الإلهي فيما بينهما لوغوس ، والإيسكالوجيا [ تعاليم نهاية العالم والإنسان ] المزدكية والإيمان بملكوت النعيم مستقبلاً للصالحين ، وكذلك التصور المزدكي عن روح الشر ـ الشيطان ، والعبادة القديمة للإلهة الأم ” وهي أيضاً أم الرب “) ، ( 36 ) .
ويعتبر فردريك أنجلز إن المسيحية كانت نتاج العجز عن مقاومة [ الدولة الرومانية العالمية الجبارة ] يقول مضيفاً [ مخرج كهذا متوافر ولكن في غير هذا العالم. ]، ( 37 ) .
ويتساءل مؤلف كتاب الأديان : ( لم كانت هناك ضرورة إذاً لدين جديد ، ولم كان متعذراً تحقيق الطمأنينة في الأديان القديمة؟ كانت الأديان القديمة قبلية ووطنية ، كما يشير ” أنجلز ” ، ( نشأت عبر الظروف الاجتماعية والسياسية الخاصة بكل شعب والتحمت به ) ، ( 38) .
يعبر هذا الكلام عن تصور جزئي محدود لعملية تطور المسيحية المتسعة والشاملة ، والتي ستبدأ صغيرة ثم تكبر ضامة قوى اجتماعية ووطنية وإنسانية واسعة ، في مجرى من التحولات يغير النظام العبودي الأوربي ، الشمالي الخاص ، وينتج نظاماً آخر بعد عدة قرون من المساهمات الاجتماعية والقومية المختلفة.
في البدء ، لا بد أن نقول كلمة حول طبيعة الإله الذي قالت به المسيحية والأديان [ السماوية ] عموماً ، ولماذا كان مختلفاً عن آلهة الأديان القديمة ، فهذا الإله الرئيسي هو وحده الخالق للعالم ، فتغدو الكائنات البشرية ، سواءً كانت حكاماً أم محكومين ، كلها عبيداً له ، ولا يعود من اتصال به سوى عبر الرسل ، الذين ينقلون رسائله إلى البشر.
إن المسيحية بهذا تلغي العبودية لبشر ، ويصبح الأب والابن والروح القدس ، هم المعبودون فحسب ، وبهذا فأن العبودية المعممة المنتشرة والعبودية الخاصة ، وحيث القيصر إله ، تلغى.
إن هذا الافتراق الأساسي عن الأديان القديمة الوثنية سيمثل عصراً جديداً للإنسانية .
إن المسيحية ، كما عبرنا في فصول سابقة [ أنظر فصل الخطوط العريضة لتطور المشرق وفصل تداخل السكان والأديان ] ، سيكون دورها هو تفكيك إمبراطورية الرومان ، في حين سيكون دور الإسلام هو تحطيم هذه الإمبراطورية في القسم الشرقي وبناء إمبراطورية جديدة. إن المسيحية والإسلام سيلتقيان في عملية تاريخية عالمية مركبة ، معقدة ومتداخلة.
إن المسيحية وهي ترتكز على العناصر اليهودية ” القومية ” في البدء عبر الاعتماد على فكرة المخلص المسيح ، تتوجه إلى استكمال الثورة اليهودية ضد الرومان ، فتنتشر بين الأمم غير اليهودية ، وتحدث مرحلة تداخل بينهما ، لكن المسيحية تتوجه نحو الانفصال عن الدين اليهودي المحدود ، مطورة العناصر الطقوسية المرتبطة بالأديان الزراعية القديمة ، وبجماهير الفلاحين ـ العبيد ، ويؤدي هذا المخاض إلى انتشار المسيحية ويتحول إلى صراع مع المركزين ، مع الإمبراطوريتين الرومانيتين الشرقية والغربية ، كل حسب مستوى الصراع وشروطه فيهما، ففي القسم الشرقي يحيل الإمبراطور قسطنطين المسيحية إلى إيديولوجية للدولة ، فيتم امتصاص المحتوى الثوري للمسيحية وتتحول إلى أشكال لاهوتية ، وفيما بعد إلى أداة قمع ، وفي الغرب يتشكل مصير آخر.
إن دمج المسيحية في النظام العبودي الشرقي المعمم لم يحل جوهر المشكلات ، فكان ظهور المسيحيات المشرقية صراعاً متجدداً بين الشعوب التابعة والمركز في القسطنطينية .
كان التفكيك المسيحي السلمي المشرقي هو نخر داخلي طويل ، لم يستطع أن ينظم جماهير العبيد والفلاحين في جيوش تطيح بالنظام العبودي المعمم ، بسبب طبيعة هذه النظام ، وقد راحت قوى اجتماعية من الملاك والتجار والمثقفين تستولي على المسيحية الاحتجاجية وتحولها إلى دين متلائم مع العبودية ، مثلما حدث في جذورها السابقة وكيف احتوت السلطات أساطير تموز وأوزوريس ووظفتها في بنيتها المستغلة.
كانت الظروف مهيأة في المشرق المتجه إلى التعريب المستمر لقوة رعوية ، مشابهة للجرمان المسيحيين ، الذين أزالوا الإمبراطورية الرومانية الغربية ، هذه القوة هي العرب المسلمون.
الجرمان والعرب هم قوى التفكيك والتغيير العسكري المتنوع للعبودية المعممة في المشرق ، وللعبودية الخاصة في الغرب.
سابعاً ، الجرمان والعرب : الهدم العسكري للعبودية الخاصة والمعممة
يقول مؤلف [العصور الوسطى الباكرة] ، نورمان كانتور في تحديده لظهور الجرمان:
( فقد كشفت هذه الدراسات الأثرية من أن الغزاة الجرمان الذين اقتحموا الإمبراطورية الرومانية قد وفدوا في الأصل من سكنديناوة ، ومن ثم فإن الفايكنج Viking الذين ظهروا في فترة لاحقة ، وهاجروا من مواطنهم في القرن التاسع إلى أوربا وغزوها ، وكانوا من الشعوب نفسها التي عرفها الرومان بأسم الجرمان من حيث أصلهم العرقي. وحوالي سنة1000 قبل الميلاد بدأ الجرمان يتحركون من مواطنهم الأصلية في الدانمارك وجنوب النرويج والسويد الحالية صوب الجنوب ، وحوالي سنة100 قبل الميلاد وصلوا في انتشارهم صوب الجنوب إلى نهر الراين.( 39 ) .
لقد أخذت هذه القبائل تستقر بالقرب من الحدود الرومانية ، وكرست نفسها للزراعة ، كما تبادلت على نطاق واسع مع التجار الرومان. (40 ).
لقد اعتنقت هذه القبائل مذهباً مسيحياً معارضاً هو الآريوسية ( نفسه ص 175) ، وقد تأثرت قليلاً بنمط الحياة الرومانية ، وظلت على ” بداوتها ” ” كما كان أبناء هذه الشعوب برابرة بكل معاني الكلمة ” ( 41) .
وفي بدء تاريخهم كانت روابط الدم والنسب هي التي تجمعهم على شكل قبائل ، وهي التي جمعتهم أثناء فترة الغزوات وبعدها ، ثم أخذت روابط القربى في الضعف لصالح روابط الولاء.
وهذا النظام الذي كان سائداً عند الجرمان قرب نهاية القرن الرابع الميلادي كان يتألف من الرئيس أو الملك ، ومجلس الحرب الذي يدين له بالولاء ويقدم له الخدمات لقاء الحماية والعطايا التي يقدمها الملك ، وكان باستطاعة الرئيس الذي يحكم مدة طويلة ، أو يتمكن م إحراز نصر عسكري كبير ، أن يؤسس أسرة ملكية حاكمة ( 42 ) .
ثم أخذت القبائل الجرمانية تغير مصير أوربا من ذلك الحين ، فقد استعان الرومان الغربيون بها كجنود ، ثم أخذت هذه القبائل تغير على الإمبراطورية الغربية ، وأخذت تستولي على إيطاليا وألمانيا وإنجلترا وأسبانيا ، ناقلة هذه القارة إلى عصر جديد.
وملامح هذا العصر تتلخص في اختفاء العبودية السابقة ، وتحول الجنود إلى فلاحين أحرار. وبطبيعة الحال كان هؤلاء الفلاحون في بداية سيطرتهم مختلفين عن خضوعهم وتحولهم إلى أقنان مع نمو ماكينة الإقطاع. وهذه مشابهة مهمة مع أقرانهم العرب ، الذي استنكفوا في البدء عن العمل في الزراعة وغدوا فلاحين فيما بعد.
ولكن الاختلاف بين الطرفين يكمن في توجه العرب إلى بناء دولة مركزية واسعة تشكلت فيها مدن مزدهرة ، في حين كان الجرمان يقومون بتفتيت الدولة المركزية الجبارة.وعلى المدى القريب سيتفوق العرب وفي المدى البعيد سيتفوق الجرمان.
ويقول مؤلف العصور الوسطى الباكرة بأن القن كان أسعد حالاً من عبيد الضيعة الرومانية ، وربما كانت كمية طعامه أقل ، لكنه تمتع بقدر أكبر من الحرية الشخصية. (43 ).
لكن التجارة والطبقة الوسطى والصناعة وكل مفردات الرأسمالية ستتعرض للتضاؤل الشديد على يد الجرمان.
في سنة 600 م كانت أعداد الطبقة الوسطى في كل من المجتمع الفرنجي المبكر والمجتمع الفالو ـ روماني قد تناقصت إلى حد بعيد ) ، ( ومع تدهور فرنسا الاقتصادي ، والتناقص السريع في عدد المدن الذي حدث في أعقاب الغزوات الفرنجية اختفت الطبقة البورجوازية تماماً ) ، ( 44) .
لقد كان مسار الإقطاع الأوربي تغييراً للعبودية ولكنه أيضاً إلغاء للازدهار التجاري والثقافي الموروث ، وتوسع واسع لزراعة الأرض عبر الأقنان وتفكك للدول وتحولها إلى إقطاعيات مختلفة ، لكن ستنمو العملية الرأسمالية الصناعية فيما بعد خارج سيطرة الإقطاع ، معتمدة على تراكم مالي وعلمي طويل ، في حين ستكون الرأسمالية الحرفية في العالم الإسلامي تابعة للإقطاع.
وهذا المسار الاجتماعي ـ الثقافي ارتبط بعدئذ بمسيحية كاثوليكية ، بعد إزاحة المرحلة الآريوسية المعارضة ، تعبيراً عن هيمنة الإقطاع الكلية في الاقتصاد والوعي .
و لا يأخذ المؤلفون والباحثون العلاقة الوطيدة المتداخلة والمركبة بين الجرمان والعرب ، ففي المناقشات التي عرضناها سابقاً في هذا الفصل عن الأسلوب الآسيوي للإنتاج رأينا بعض الباحثين يعترفون بدور القبائل الجرمانية في تشكيل المرحلة الإقطاعية ، بدون أن تمر هي في المرحلة العبودية ، لكنهم لا يعطون العرب مثل هذا الإنجاز.
يعرض بوعلي ياسين رأي الياس مرقص الذي يقول عن هذه التحولات ما يلي:
( يعيد فيه الكاتب نشؤ النمط الإقطاعي [ الفيودالي ] إلى عمليتين تاريخيتين اثنتين تلتقيان عند نتيجة واحدة: من جهة تداعي مجتمع الرق ” تحرر العبيد الجزئي ” ، ومن جهة ثانية ، انحلال المشاعية الجرمانية ..، بعد غزوات الجرمان واستيطانهم في الإمبراطورية الرومانية الغربية.) ، ثم يلخص مرقص فكرته قائلاً:
( في الحقيقة ، النمط الإقطاعي جرماني الأصل ، قام مباشرة على أرضية المشاعة الريفية الجرمانية دون المرور بالنمط العبودي ، وإذا كان العالم العبودي بزعامة روما قد أصبح بعد انهياره إقطاعياً ، فذلك بتأثير الجرمان المنتصرين ، كما هو حال البلدان الآسيوية الآن بتأثير الإمبريالية الرأسمالية الغربية ) ، ( 45 ) .
كانت المقارنة مع العرب المعاصرين للجرمان أجدى من القفزة إلى العصر الحديث ، فالعرب كانوا أيضاً خارجين من عالم المشاعية ، ولم يدخلوا التاريخ بقوة إلا حين نضج تناقضات العبودية ، ولكن أي عبودية ؟ فالعبودية هنا هي نظام عالمي متعدد المستويات كانت الشعوب على مدى القرون السابقة تحاول تجاوزه ، وكانت الأديان [ السماوية ] هي الشكل الفكري لعملية تجاوزه ، ولكن المسيحية لم تتناسق والقبائل العربية الصحراوية ، بخلاف الجرمان الزراعيين ، وهكذا كان الإسلام حلقة هدم العبودية المعممة ، إلى نظام جديد أخذ شكله من خلال الصراعات الاجتماعية السابق ذكرها.
ولكن نظام العبودية المعممة يبقى غامضاً على عكس نظام العبودية الخاصة ، لكن أي نظام اجتماعي في المشرق سيرتبط دائماً وجهاز الدولة المركزي ، وتتعلق المركزية وأحجامها بطبيعة المرحلة. فإذا كان العصر انحلالاً للمشاعية فذلك سيكون عبر الدولة المركزية ، ” الوطنية ” في كل قطر ، وإذا كان العصر انتقالاً للعبودية فسيكون عبر الدولة المركزية ، وهكذا الإقطاع ، ثم الرأسمالية الحديثة.
وهكذا فإننا نرى مشاعية متحولة إلى عبودية بشكل سياسي ، مما يعبر عن ديناميكية جهاز الدولة وأثره المسيطر ، وسنرى كذلك القفز إلى المرحلة الجديدة يحوي الكثير من النظام القديم ، ولهذا نجد الإقطاع يتحول إلى إقطاع مركزي إسلامي عام ، حاملاً الكثير من العلاقات العبودية ، ثم سيتشكل إقطاع لا مركزي ، أي إقطاع ” وطني ” بكل قطر ومركزي كذلك ، وهكذا دواليك.
العبودية المعُممّة هي إذن استعباد النظام السياسي للجمهور العامل ، ولهذا نجد تلخيصها الرمزي في ” الفرعنة ” ، ولكن لا يمكن تعميم سمات النظام في أول تشكله مع مساره القادم ، حيث إن حرية القبائل العربية وهي تخرج من الجزيرة هي غيرها حين تنقطع جذورها الرعوية كلياً.
إن جهاز الدولة إذن يسمح بالقفز على التشكيلة الاجتماعية ـ الاقتصادية ، وتجاوزها دون القيام بالمحو التام لآثار الماضي ، وهذا هو الذي يطبع تطور العلاقات التاريخية في المنطقة.ولهذا ستتسم التطورات بالطابع السياسي المهيمن والمر واحة بين الأطوار والتراجعات الحادة والقفزات ، وستغدو التشكيلات متصفة بهيمنة الدولة ، فالعبودية ستغدو عامة ، أي عبر سيطرة الدولة ، والإقطاع سيغدو مركزياً ، أي تحت هيمنة الدولة المركزية الأموية ـ العباسية ، وسيغدو لا مركزياً عبر سيطرة الدول الأندلسية والإخشيدية والأيوبية والحمدانية والصفوية الخ..
إننا بهذا نكون قد حللنا لغزاً تاريخياً ظل مهيمناً على الوعي وعلى قراءة التاريخ في هذه المنطقة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
( 1) : ( بوعلي ياسين ، العرب في مرآة التاريخ ، دار المدى ، الطبعة الأولى ، 1995 ، ص 82 ـ 83) .
(2 ) : ( نفس المصدر ، ص 98)
( 3 ) : ( نفس المصدر ص 99)
(4 ) : نفس المصدر ص 83).
(5 ) : ( السابق ص126).
( 6 ) : ( المصدر السابق ص 151 ـ 152).
(7 ) : ( السابق ص156 ـ 157).
( 8 ) : ( المصدر : عبودية ، إقطاعية أم أسلوب إنتاج آسيوي ؟ دار الطليعة ، الطبعة الأولى ، 1980 ، بيروت ).
( 9 ) : ( المصدر السابق ، ص 20).
( 10 ) : ( السابق ، ص 21).
( 11 ) : ( المصدر السابق ، 21).
( 12 ) : ( المصدر السابق ، 21).
( 13 ) : ( نفسه ، ص22).
( 14 ) : ( نفسه ص 22).
( 15 ) : ( السابق ص154).
( 16 ) : ( نفسه ص 155).
( 17 ) : ( نفسه ص 147).
( 18 ) : ( نفسه ص 147).
( 19 ) : ( جان كازيل ، تاريخ الحضارة الفينيقية الكنعانية ، دار الحوار للنشر والتوزيع ، سوريا ، الطبعة الأولى ، سنة 1998 ، ص ).
( 20 ) : ( نفس المصدر ، ص66).
( 21 ) : ( المصدر نفسه ص43) .
( 22 ) : ( المنجد ، مادة فينيقيون ص 539، الطبعة الحادية والعشرون).
( 23 ) : ( ملامح من التلاقـح الحضاري بين الشرق والغرب ، على الشوك ، دار المدى للثقافة والنشر ، ص 49).
( 24 ) : ( جذور المادية الديالكتيكية : هيراقليطس ، تأليف : ثيو كاريس كيسيدس ، دار الفارابي ، الطبعة الأولى 1987 ، ص 10).
( 25 ) : (( المصدر السابق ، ص 11).
( 26 ): ( نفسه ص12).
( 27 ) : ( نقلاً عن المصدر السابق ص 15 ، ومقطع ماركس مأخوذ من رأس المال ، المجلد الأول ، الجزء الثاني ، دار التقدم ، طبعة موسكو سنة ، ص26).
( 28 ) : ( العصور الوسطى الباكرة ، القرن الثالث ـ التاسع الميلاديين ، نورمان . ف . كانتور ، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية ، ص 37 ) .
( 29 ) : ( المصدر السابق ، ص 38 ).
( 30 ) : ( المصدر السابق ، ص 41 ) .
( 31 ) : ( السابق ص 42 ).
( 32 ) : ( نفسه ص 42 ) .
(34 ) : يلاحظ أحمد أمين في موسوعته عن الإسلام بروز الدهرية في الفكر الإيراني سواء قبل الإسلام أم بعده ، وهذا أمر ملفت للنظر في الشعب الإيراني وتجربته التاريخية الكبيرة.
( 35 ) : دار الأهالي ، ترجمة د. أحمد م . فاضل ، الطبعة الأولى 1998 ، ص 501).
( 36 ) : ( السابق ص 518).
(37 ) : السابق ، ص 496 ) .
( 38 ) : ( السابق ، ص 496 ).
( 39 ) : ( السابق ، ص168 ).
( 40 ) : ( نفسه ، ص175).
(41 ) : ( نفسه ، ص175 ).
(42 ) : ( نفسه ، ص177).
( 43) ( نفسه ، ص122).
( 44) : ( نفسه ، ص213 ) .
( 45 ) : ( العرب في مرآة التاريخ ، مصدر سابق ، ص 84 ).
الاتجاهات المثالية في الفلسفية العربية الإسلامية: تطور الوعي الديني في المشرق القديم

فصل من كتاب: انظر عبـــــــدالله خلــــــــيفة/ الاتجاهات المثالية في الفلسفية العربية الإسلامية، والذي يعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية.
جذور الصراع
لقد حدث الاستقرار الزراعي في منطقة المشرق بعد العصور الحجرية القديمة والمتوسطة ، التي كان الناس فيها صيادين وجامعي ثمار ، وفي العصر الحجري الحديث ، وفي قمته ، بدأ الانقلاب الزراعي ، ونجد في الحضارة (التاسية) المصرية الشكل المزاوج بين الصيد والزراعة ، وفي حضارة (البداري) ، المصرية كذلك ، حدث الشكل الزراعي المكتمل ، فظهرت القرية الزراعية ، (1) .
من هذه القرية الزراعية الأولى تطورت المدينة المهيمنة على بقعة زراعية ما ، وظهرت فيها دولة المدينة ، وتشكلت السلطة الأولى في المعبد الديني التي يبرز فيها الكاهن أو الساحر. لقد كان لهيمنة المعبد على الإنتاج دورها في التضفير بين الدين والدولة ، وفي السيطرة المركزية في دولة المدينة. إن ازدواجية دور الكاهن/ الحاكم ، أو الساحر / الملك ، يضفي سيطرة شاملة من قبل الدولة على المدينة من خلال الدين . والحقيقة إن الآلهة ليست هي التي تحكم المدينة حقيقة ، ولكنه الساحر ـ الحاكم أو الملك ـ الكاهن ، ولكن السحرة والكهنة لا يحكمون إلا من خلال هذه الميثولوجيا ، فهذه الأساطير هي التي تبقى دائمة ، ويتم عبرها تشكيل السيطرة السياسية المتحولة الملموسة. إن الملوك والكهنة في المدينة وهم يسيطرون على المعبد ، مركز الملكية الإنتاجية العامة ، يسيطرون كذلك على إنتاج الوعي وخطوطه العريضة .(2).
ومن المؤكد إن ثمة جذوراً عميقة وبعيدة لهذه السيطرة ، في الملكية المشاعية وفي الأدوار الهامة التي تلعبها العناصر المثـقفة ، والتي هي من ثمار الانقسام بين العمل الذهني والعمل اليدوي ، وهي التي ستشكل المدخل للانقسام الاجتماعي بين المالكين والعاملين ، فالسحرة والملوك وإداريو المعابد ، وهم يسيطرون على إدارة المعابد يمثـلون هذه القوى الذهنية وقد بدأت بالتحكم في العمل اليدوي والخيرات التي ينتجها. إن الانقسامات الاجتماعية الأخرى تبقى متوارية ، فالانقسام بين الرعاة والمزارعين لا يتضح هنا ، لكون القبيلة التي انتقلت إلى الزراعة بدأت ذلك من زمن موغل في القدم ، ويعتمد الأمر على إنتاجية الزراعة الهامة المركزية في هذه الحقبة ، وكون الرعي يظل مهنة صعبة وملحقة بالقرية أو المدينة .(3).
وهذه السيطرة المتوارية للزراعة على الرعي ، تغدو سيطرة واضحة متصاعدة للرجال على النساء ، عبر هذا الانقلاب الذكوري المستمر . لكن في قلب الانقلاب يظهر العنصر المثقف والسياسي ، يظهر العمل الفكري وهو يسيطر على العمل اليدوي ، مثلما تتركز السلطة الروحية والسياسية تدريجياً في نموذج وحيد في دولة المدينة.
إن الإنفكاك الذي حدث في صيغة الكاهن ـ الملك ، باتجاه هيمنة الملك ، تعود إلى تنامي أجهزة الدولة ، وأتساع مهماتها ، من إدارة الدفاع وشن الحروب وتوسع الدولة ـ المدينة ، فالصرف المستمر على الطبقة المسيطرة المتشكلة حديثاً ، أو قديماً ، يتطلب التوسع في الأراضي المملوكة للمعبد ، وسيكون هذا قانون من قوانين التطور والهلاك في المدينة / الدولة المسيطرة . فهذا التوسع يتطلب النمو المتواصل للقوى العسكرية، وسيعتمد ذلك على حجم القبيلة أو القبائل المستقرة ، ويؤدي إلى ضم مناطق الجيران وإلحاق المناطق الرعوية أو الزراعية بسيطرة المدينة ـ الدولة ، مما يقود إلى أتساع الموارد والسوق التجارية ، وهذا يؤدي إلى المركزة في إدارة الدولة السياسية ، وتغلب الملك على الكاهن ، وصيرورة الكاهن ملكاً ، والملك كاهناً . لكنه يؤدي من جهة أخرى ، إلى الاصطدام بالجيران وقيام المناطق الأخرى والمدن والقبائل الرعوية بالهجوم على المدينة / الدولة ، التي غدت (الكنز) الذي تجمعت فيه تراكمات العمل المحلي والمناطقي ، لتتشكل عملية إعادة توزيع.
إن هذه العمليات الطويلة من الصراع والإنتاج والتراكم تؤدي إلى التوسع المستمر في دولة المدينة نحو التكوين الكبير ، سواء كان على هيئة دولة من عدة مدن ، أو على شكل إمبراطوريات ، تجري فيها هذه العمليات الصراعية التحولية على نطاق المنطقة ، لكن قانون هيمنة القصر / المعبد يظل سارياً ، فالقصر هو الذي يهيمن على المعبد ، فالسوق ، فالإنتاج وكافة مظاهر الحياة الأساسية .
وفي الوقت الذي تجري فيه هذه العمليات الصراعية الاجتماعية ، فإن الجانب الديني لا ينفصل عنها ، فهو جزءٌ رئيسي من تكونها ، من حيث إنه نتاجٌ عامٌ لتشكلها وأداة لترابطها ولوعيها بالعمليات الاجتماعية ، فيظهر بأنه هو الذي يصوغ تاريخها ، وليست هي التي تشكله.
( إن الآلهة كانوا يرقبون عن كثب أحداث الساعة وقضاياها البارزة عند قيامهم بالتحديد السنوي لمصير بابل وأهلها ، كما كانوا يؤكدون وجودهم الطاغي في كل مكان ، وتأييدهم أيضاً للنظام السائد وسلطاته المستمدة منهم. ) ،(4) .
ومن الواضح إن الآلهة لم يكونوا يؤكدون ذلك عبر وجودهم المباشر ، بل عبر الأجهزة السياسية والكهنوتية . لقد تم ظهور (مجمع للآلهة) الذي يباشرون منه سلطاتهم المتعددة ، والمجمع يشير إلى العائلة الملكية الإلهية ، أو القبيلة النوار نية الحاكمة في الأعالي ، وهي ترميز للطبقة الملكية / الكهنوتية التي يتمثـل فيها النور والعلو والسيادة . وإذا جئنا إلى قراءتها ، في بعدها الاجتماعي ، فالأسرة الإلهية المتعددة المتصارعة المتضامنة ، تشير إلى تعدد المستويات السياسية في المدينة ، فهناك الأسرة الملكية الحاكمة الحقيقية ، وهناك الكهنة في المعابد المختلفة والإدارات المختلفة . وإذا كان الرجال قد فرضوا سلطتهم العامة على النساء ، إلا أن النساء متواجدات في الأعمال الزراعية وفي الحياة العامة بقوة ، وهذا ما يشير إليه الحضور الهام للإلهة الأنثويات ، أنآنا، وعشتار ومثيلاتها في المشرق.
لكن ظهور الإله المهيمن في الأسرة الملكية الإلهية يبدو واضحاً في كل تشكل سياسي عام ، بهيمنة (آنو) وتصاعده المستمر في الميثولوجيا الرافدية ، حيث يشير إلى هذه الوحدة السياسية المتعاظمة في جنوب ووسط العراق . إن أنليل يظل مستمر الوجود معبراً عن عدم الانطفاء للمناطق السومرية النهرية ، كذلك فإن (مردوخ) يكبر مع تعاظم نفوذ الدولة البابلية ، وكذلك يتصاعد إله (أشور) مع أتساع إمبراطوريتهم.
السلطة والمجتمع الزراعي
إن هذه المجمعات من الآلهة تشير كذلك إلى عدم الانصهار في عملية سيطرة دولة المدينة على المدن والمناطق الأخرى ، حيث تقوم بترك السلطات المحلية في سيطرتها ، وتأخذ (الغنائم أو الأسلاب أو الخراج) منها ، فتتحول الآلهة المناطقية إلى المجمع العام للآلهة وكتوابع للآلهة الكبرى ، مثـلما يحدث بالنسبة للمناطق التي تغدو مُلحقة بالمدينة ـ المركز ، أو مثـلما يحدث بالنسبة للحكام الإقليميين الذين يغدون ولاة أو نواباً للملك. (5).
إن المدينة / الدولة ، حيث الزراعة هي العمل الإنتاجي الأساسي ، وتأتي الحرف والتجارة كمهن مُكملة ، تقوم بإعادة إنتاج نفسها على مستوى دوائر تتسع دوماً ، ملتهمة الدوائر الأخرى دون أن تلغيها ، وهدف العملية الحصول على الفوائض المالية دون أن تحدث عمليات تقدم كبرى في الإنتاج.
فكما أن الحرف الهامة متخصصة في الإنتاج للقصر ، وكما تتبع العمليات الثقافية من تنجيم وفلك وطب حاجات الأرستقراطية المختلفة ، فكذلك تتبع الآلهة تبدلات وأهداف الحكام . وعلينا أن نرى التبدلات الكبرى للآلهة كحصيلة للصراعات الشاملة غير المرئية في العراق ، بمعنى أن نقرأ أسباب العلو المستمر للإله (آنو) والانطفاء التدريجي للآلهة الأخرى.
لقد أعطى السومريون أولى الملامح والملاحم لكيفية نشؤ الآلهة ، لقد ازدهرت ( الثقافة السومرية في الجزء الأسفل من حوض دجلة والفرات وحول الشواطئ العليا للخليج العربي ، منذ مطلع الألف الرابع قبل الميلاد ) .(6).
وتقول أسطورة الخلق السومرية بأنه في بدء الكون ، لم يكن ثمة أحد سوى الآلهة الأنثوية( نمو) ، وهي المياه الأولى التي أنبثق عنها كل شيء ، وقد أنجبت الآلهة نمو ولداً وبنتاً ، والأول هو (آن) إله السماء المذكر ، والثانية (كي) آلهة الأرض المؤنثة ، وكانا ملتصقين مع بعضهما ، وغير منفصلين عن أمهما ، وتزوج الأخوان وأنجبا (أنليل) إله الهواء الذي كان في مساحة ضيقة بينهما ، حتى قام بإبعاد أبيه عن أمه . رفع الأول فصار سماءً ، وبسط الثانية فصارت أرضاً، وكان يعيش في ظلام دامس ، فأنجب أبنه نانا إله القمر ، الذي أنجب بدوره (أوتو) إله الشمس .
ويفسر فرس السواح هذه الأسطورة بشكل طبيعي ، فيقول إنه في البدء لم يكن سوى المياه التي صدر عنها كل شيء وكل حياة ، وفي وسط المياه ظهرت أرضٌ ، متحدة بالسماء ، ومن اتحادهما ظهر الهواء ، ولم يكن القمر السابح في الهواء إلا أبناً له الخ .. (7) .
لا شك إن التفسيرات الطبيعية والاجتماعية والنفسية التي ساقها المؤلف فرس السواح (8) ، لها جذورها ، ولكن الآلهة تعبير كذلك عن السلطات المختلفة ، وهنا نجد الأسطورة الدينية تحدد التحولات السياسية التاريخية بين المجتمع الأمومي والمجتمع الذكوري . حيث مثلت الأم ذلك المجتمع الراكد المحدود ، من وجهة نظر صائغي الأسطورة ، وهي التي كانت فيه سيدة الوجود المائي الزراعي ، والمجتمع الأمومي هو الذي شكل الزراعة عند شواطئ الأنهار ، وعبر تراكماته الاقتصادية والبشرية ، أوجد العائلة الأبوية الأولى ، حيث لا تزال الأم قوية فيها ، ولكن الابن شكلّ الانقلاب الذكوري عبر الانفصال عن سلطة الأم والأرض والزراعة فيها ، وعبر الصعود إلى السماء . إن ظهور السماء المنفصلة عن الأرض ، وتشكل السلطة الأولى المفارقة للمنتجين ، عبر الإله (آنو) ، حيث سيهيمن في الأعالي ، تعبر عن الانقلاب الذكوري القديم الأول ، الذي وضع التمايزات الأولى بين السلطة السياسية والمنتجين المزارعين. لقد كانت السماء في وعي القدماء هي مصدر المطر والنور والهواء ، أي كل ما يغذي الأرض والزراعة ، فهي الأصل في وجود هذه الحياة . ويعبر ذلك عن وعي المهيمنين على المعابد والمدينة ، الكهنة والملوك ، الذين ارتفعوا عن العمل في الأرض ، وصاروا قوة مسيطرة فوقية، أصبحت تتماها والسماء الرفيعة، وتضع السمات (النورانية) على وجودها الاجتماعي ، لكنها بعد لم تستطع الانفصال الكلي المطلق عن الأم والمنتجين.
هكذا فإن انبثاق (آنو) يضع الانقسام العام في التاريخ الديني الأسطوري والاجتماعي ، بين السماء والأرض ، بين الرجل والمرأة ، بين المالكين والمنتجين ، بين المسيطرين ذهنياً وسياسياً و العاملين . ولهذا فإن صفات الخلق والنور ستعطى للوعي ، أي للقابضين على إنتاج الفكر والسلطة ، في حين إن صفات المادة والطين والعمل والعبودية ستعطى للمنتجين الماديين.
إن عناصر التضاد بين السماء والأرض ستلعب أدواراً كبرى في مختلف تجليات الوعي الديني ، وستغدو الأرض والمرأة أكثر فأكثر، مصدراً للشر والفساد وتتشكل من طبقات الأرض السفلى مستويات الجحيم الخ ، في حين ستكون السماء مركزاً للنور والقوى المشعة الخيرة والملاذ للأرواح الطاهرة.
إلا إن ذلك كله تعبير عن السلطة السياسية والفكرية والاجتماعية ، وتمركزها في الطبقات العليا ، التي ستعيد إنتاج النور والعلو والسيادة ، عبر المقولات المنتجة في كل عصر ، وهي هنا في العصر السومري المتداخل في فضاء العراق الجنوبي البابلي لاحقاً ، تستعين بمواد الأسطورة في تفسير نشؤ الكون وتشكل السمات الرئيسية للمجتمع .
كذلك تشكل الإله السومري الخاص وهو (أنليل) . إن صعود أنليل مترافق مع تبلور سلطة المدينة / الدولة ، الشكل الأولي لظهور السلطة والحضارة في بلاد الرافدين ، ويعبر هذا التواصل بين الأب آنو والابن أنليل عن هذه السيرورة الاجتماعية المتراكمة بين المجتمع الأبوي في انقلابه الأول بالسيطرة على النساء والفضاء الاجتماعي ، وبين تبلور ذلك كسلطة مدنية محددة في الأجيال اللاحقة.
وتقول الأسطورة الشعرية : أنظر إلى نيبور عماد السماء والأرض هي / أنظر إلى نيبور المدينة / ترى أسوارها العالية /.. هناك أنليل فتاها الغض / هناك ننليل فتاتها الشابة) ثم تبدأ الأسطورة في تمجيد الإله المسيطر : ذو العينين البراقتين ، السيد ذو العينين البراقتين / الجبل العظيم ، أنليل الأب../ الراعي ، سيد المصائر ..) .( 9) .
لقد تشكلت المدينة كدولة ذات موارد زراعية ومائية وفيرة وتجارة ولها أسوار ويهيمن فيها المعبد والإله الذكوري ذو الأهمية القصوى (الراعي ، سيد المصائر) التي تقول عنه قصيدة أخرى (أنليل مليكك ، أين مضى؟) . وبهذا فإن الخطوط العريضة بين المستوى الديني والمستوى الاجتماعي التاريخي قد تشكلت ، وصار الوعي وهو يستهدف إجراء العمليات التغييرية ، يعيد إنتاج الأسطورة ، أو إنه يقوم بعملياته التحويلية السياسية ثم يضفي على الأسطورة التغيرات المناسبة لهيمنته.
مستويات الغيب المهيمن
تمثـل صيغة التحول السابقة الخلية الأساسية في البنية الاجتماعية للمجتمع الطبقي ، في المشرق ” العربي ” ، كما يظهر في التاريخ المكتوب ، بجانبيه المادي والروحي ، فحيث يغدو الكاهن / الملك مهيمناً على المعبد والملكية العامة الزراعية ، فإن الجوانب الثلاثة : السياسية والفكرية والإنتاجية تتداخل ، وتصير نظاماً اجتماعياً يتبادل التأثير بين مستوياته الثلاثة.
إن الملكية الزراعية المعتمدة على الري ، تتطلب تسارع أدوات السلطة لضبط عملية الري في الجنوب العراقي ، الذي بدونه لا تتشكل الزراعة ، مما يؤدي إلى تـنامي الأجهزة العامة ، وإبقائها على الملكية العامة القبلية والقروية ، وتصاعد نفوذ الدولة على المناطق المجاورة ، وجعل إله المدينة يشكل الوحدة الفكرية لأهلها ، ثم يتمدد إلى المدن والمناطق التالية ، فيصعد على الشبكة الواسعة من الآلهة الصغرى المختلفة ، فيبدو الإله وكأنه هو الذي يصنع التطور ، وتبدو الحركة الطبيعية والاجتماعية كنتاج لمجّمع الآلهة ، أي لهذه القبيلة الإلهية الترميزية للوجود البشري القبلي المسيطر في سيرورته التاريخية.
إن الانقسام بين آنو وكي ، بين الإله الذكوري المهيمن والآلهة الأنثوية المهيمن عليها ، يشير إلى التضاد الواسع بين الرجل والمرأة ، بين الإدارة السياسية ـ الدينية والعامة ، متخذاً من المظهر الطبيعي بالتضاد بين السماء والأرض جسده الفكري ، فيتشكل هنا التضاد كذلك بين الغيب والمرئي ، بين التصورات الذهنية المفارقة والحياة ، بشكل أولي وغير تجريدي ، لكون كافة الآلهة تتكون في الملموس ، في التجسيدات المادية والتمثلات البشرية. أي لكون الوعي البشري عند المنتجين الذهنيين والمنتجين اليدويين متقارب ، مثل التقارب الاجتماعي بين الحاكمين والمحكومين.
وإذا كان ثمة غيب سماوي يبرز في الأعالي ، فإن ثمة غيباً يتشكل في طبقات الأرض السفلى ، حيث يغدو هذا الغيب السفلي مسئولاً عن ظاهرات الموت والأمراض والغياب البشري الأرضي ، ويتوحد هذا الغيب الأدنى بالكائنات [الدنيا] ، أي بالحشرات والزواحف ، والعديد من الحيوانات التي ترافقت مع الموت . إن الموتى في هذه الحقبة ينزلون إلى طبقات الأرض السفلى حيث (ويخاطب الرجل العقرب كلكامش الذي يريد النزول إلى عالم الأموات قائلاً : إنه من غير مستحيل ، يا كلكامش، لم يعبر أحدٌ مسالك الجبال الوعرة . حتى بعد مسافة اثني عشر فرسخاً يحلك الظلام ، ولا يعود هناك نور) ، (10) .
وفي الزمن السومري فإن الآلهة الأنثى هي التي تنزل تلك الطبقات السفلى الرهيبة ، مما يؤكد استمرار بقايا المرحلة الأمومية ، معطية دلالة تفسيرية للزمن ولتحولات الطقس ، حيث الغياب والحضور للشمس والقمر والشتاء والربيع ، وفيما بعد سيكون هذا النزول للإله الذكر (تموز) ، معرباً عن التغلغل الذكوري الواسع في المنظومة الإلهية ، وعن توظيف هذا العالم السفلي لتحولات أخرى كبيرة.
إذن فإن الغيب ، المعبر عن سيطرة الطبقة العليا، وسواء كان سماوياً أم أرضياً سفلياً ، هو الذي يمسك بدفة الوجود البشري ، عبر تمثلات المرحلة الراهنة . إن التضاد القصي بين السماء والأرض السفلى ، هو تضاد تجسده الصور الحادة بينهما ، فالأولى لها النور والمطر والهواء ولها الوجود السرمدي ، في حين إن الأخرى تتصف بالظلام والفساد والأمراض . إن الوعي البشري هنا يتمثل تناقض الحياة والموت ، والصحة والمرض ، والربيع والجفاف ، والحلم والواقع الخ .. ولا شك إن هذه التضادات الوجودية والاجتماعية مرتبطة كذلك بالتناقض بين الناس والسلطة ، فالسلطة السياسية والكهنوتية هي الحياة والنور والبقاء الأبدي ، حيث أعطى الملوك لأنفسهم صك التوحد مع الآلهة ، والإلغاء التام للناس ، مثلما يحدث في الحياة السياسية حيث تتصاعد الهيمنة المطلقة للحكام . إن ثمة هوة إذن بين السماء والأرض السفلى . لكن كلتيهما تمتلكان الحضور والسيادة في الوعي الغيبي ، بلونين متضادين ، في حين تبقى الأرض غائبة . وفي التضاد المطلق بين السماء والأرض السفلى ، بين النور الأقصى ، والظلام والمرض والموت يتشكل التضاد بين الإله النوراني الخير والشيطان ممثل الشر ، وهذا التضاد الذي سيتطور في إنتاجه عبر ثـقافات شعوب المشرق المتداخلة.
إن هذه الخطوط العريضة لتشكل الدين ستغدو هي الملامح الجوهرية للمراحل اللاحقة. فوجود مدينة تطلع من عماء المياه الأولى ، من الغمر ، ومن الزراعة الأمومية ، ليسود فيها الذكر وقوته العضلية ، ملتحماً بالثور الحيوان الأقدر على شق التربة ، عبر الأدوات المعدنية ، لتتكدس الثروة في المعبد فيديرها الملك الكاهن ، فترسم في السماء الرموز الإلهية لهذا التحول الأرضي . إن هذه المدينة التي تلحق الريف والأقسام الرعوية بسلطانها ، ستعيد إنتاج نفسها في جغرافيا وتاريخ المشرق ، وفي البدء ستكون هذه المدينة مدينة زراعية خارجة من فيض المياه ، وسيشكل هذا وحدة صراعية بين المؤسسة السياسية الصاعدة المتحكمة ، وبين القاعدة السكانية الفلاحية .
إن الجغرافيا الطبيعية أعطت لهذه المدينة مصدراً للثروة ، فتصاعد دور المعبد فيها ، وفي المراحل الجنينية الأولى يحدث التداخل بين الكهانة والملكية ، حتى إذا ازدادت ثروة العمل البشري ، حدث الانفصال بين فئتي الهيمنة السياسية والدينية ، دون أن يُـلغى التداخل ، وبدون أن ينتهي الصراع.
والمدينة ليست مدينة صناعة ، بل مدينة زراعة وتجارة وحرف ، ويلعب القصر [وتابعه المعبد] دور الفاعل الرئيسي في تطورها أو اندثارها ، فمختلف تجليات الإنتاج تــُلحق به ، لكونه يسيطر على الملكية العامة ، مثلما يسيطر على الملكية العامة الثقافية ، أي الدين ومنتجاته.
صعود التضاد بين الزراعة والرعي
إذا كانت الحرف والتجارة لا تستطيع أن تكون إلا داخل المدينة ، فإن الرعي لابد أن يتشكل وينمو خارج المدينة . وفي البدء أيضاً كانت الزراعة هي أساس تشكل المدينة ، فظهرت المهن الأخرى في أسواقها ومركزها . لكن الرعي أمتلك خاصية تجاوز المدينة وحقولها ، والنمو في البراري. وقد أعطت التطورات الإنتاجية خاصة ، الرعي ، إمكانية الانفصال المستمر عن المدينة والزراعة ، دون القدرة على الإنفكاك الكلي منهما . وعبر ظهور تقسيم العمل والتبادل راحت هذه الأقسام الاقتصادية بالنمو ، كل حسب موقعه من علاقات الإنتاج . لقد تحرر الرعي من الهيمنة المباشرة للسلطة واستغلالها ، رغم عدم قدرته الكلية على الخروج من الاستغلال في عملية التبادل مع هذه المدن.
ومنذ بداية تشكل الإرث الفكري الديني في المنطقة كان هناك استشعار لتشكل التناقض بين الرعي والزراعة ، بين المنتج الرعوي الذي يبدأ بأستنئاس الحيوان والعيش في البراري وصنع سلع خاصة ، وبين المدينة ـ الدولة ذات المحيط الريفي الزراعي ، والتي تغدو دائرة إنتاجية وسياسية متكاملة . إن الرعاة يغدون خارجها باستمرار ، تدفعهم عملية البحث عن المراعي إلى الانتشار في المناطق البعيدة ، حيث تتوسع الرقع الزراعية وتنمو المدن ملقية إياهم أكثر فأكثر في الصحارى الكبرى . ويصبح النمو الطبيعي لهذين الفرعين من الاقتصاد الواحد تضاداً عميقاً ، فالمدينة تقوم بالانتشار وتوسيع رقع سيطرتها ، وهي في بداية تشكلها تجمع بين الزراعة والرعي ، حينما تكون أقرب للقرية ، ولكنها بعد ذلك تغدو متخصصة في إنتاجها ، مما يجعلها بحاجة إلى الإنتاج الرعوي . إن التخصص يؤدي إلى نمو الإنتاج المتنوع ، ولكن الرعاة يصيرون مشكلة عبر مستواهم الاجتماعي والفكري المختلف والمضاد للمدينة . والمدينة باعتبارها مركز التراكم المالي والثقافي ، تغدو في مواجهة للأقسام الريفية والرعوية ، التي تزداد انفصالا عنها.
وإذا كانت المدينة هي قرية في البداية ، ثم تنمو قدراتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية ، نافية الأقسام الرعوية ، فإنها كذلك تعلو على أساسها الريفي ، وبعدئذ تنفصل بشكل كبير عنه ، عبر تكدس الفوائض المالية فيها. لكن القرية تظل في المحيط الحضري المسيطر عليه ، في حين يفلت الرعي من هذه السيطرة ، ويتخذ لنفسه مسارات مختلفة.
وفي البدء نرى في الأساطير السومرية تنافساً غير دموي بين الآلهة الزراعية والآلهة الرعوية في [الأسطورة السومرية ، تحكي لنا أن الإله إنليل Enlil أراد أن يعمر الأرض ، فخلق لذلك مخلوقين أخوين ، «إيميش» للعناية بالحيوان ، و«إيتين» وجعله فلاح الآلهة] .( 11) .
إن المدينة السومرية التي لا تزال لا تعرف التضاد التناحري بين الزراعة والرعي ، تشكل وحدة تناغمية بين الاقتصاديين الوليدين ، ولهذا فإن الإله أنليل ممثل دولة المدينة السومرية ، يجعل للفلاحة إلهاً تابعاً له ، بينما الآخر هو للعناية بالحيوان . ونجد الجانبين الزراعي والرعوي متداخلين بصورة كبيرة : فإينتين [وجعل سمك البحر يلقي بيضه في المستنقعات والأهوار/ وجعل من نتاج النخيل والأعناب الدبس والخمر / وأكثر من ثمار الأشجار حيثما نبت الكلأ / وجعل الحقول تكثر من غلا لتها ] في حين إن إيميش هو الذي [ أوجد الشجر والحقول / وجعل حظائر الماشية والأغنام كثيرة / وأكثر من نتاج المزارع / وجعل الكلأ يغطي الأرض / وملأ البيوت بغلال الحصد/ وجعل الأهراء زاخرة ممتلئة] ، (12).
إن التداخل كبير بين الشخصين الرمزين ، كالتداخل في المستويين الاقتصاديين ، إلا أن الفلاحة هي التي لها الألوهية ، وفيما بعد سينمو التضاد وسيعلو الراعي في الأساطير. فالآلهة أنانا السومرية تعتزم اختيار زوج فيشير لها الإله أوتو إله الشمس باختيار الراعي المكتنز أشياء كثيرة والذي يزخر باللالىء والأحجار الكريمة ، لكنها تفضل الفلاح «أنكيميدو» (الذي يكثر من إنتاج الزرع / الفلاح الذي يكثر من إنتاج الحبوب) ، (13).
وفي نهاية القصة تفضل أنانا الراعي.
وتفضل التوراة كذلك الراعي على الفلاح ، [وكان هابيل راعياً للغنم وكان قايين عاملاً في الأرض . وحدث من بعد أيام أن قايين قدم من ثمار الأرض قرباناً للرب ، وقدم هابيل أيضاً من أبكار غنمه ومن سمانها ، فنظر الرب إلى هابيل وقربانه ، ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر] (تكوين 4 / 12) . ولكن الحدث المساق عبر الرؤية التوارتية الرعوية هنا يحيل الفلاح إلى قاتل.
إن ذلك يعبر عن المسارات التي تشكلت في المشرق [العربي] بتعمق الانقسام بين المزارعين والرعاة.
إن المزارعين المستقرين في بيوتهم وفي مدينتهم المحصنة ، أخذوا يتخوفون من القبائل غير المستقرة التي تعيش في الصحارى ، والتي تواجه مواسم متباينة من نزول المطر أو عدمه ، وتدفعها ظروف الفقر والمجاعات إلى الهجوم على المناطق الزراعية والمدنية. وتشكل المناطق الحضرية الجيوش لملاحقة وإبادة الجماعات [البربرية] و[الوحشية] ، وتتشكل مناطق زراعية ، ومناطق رعوية ، وتنمو القبائل والجماعات و«الأمم» منقسمة بين التكوينين الكبيرين.
ونجد كيف نظر المصريون القدماء وهم في واديهم الخصب إلى الأمم الرعوية كأجانب ، ووضعوا الإله (أست) الشيطاني كرمز للرعاة ولعالم ما وراء النهر. ولم يحدث تداخل كبير بين العالم المصري الزراعي والرعاة إلا عبر الهكسوس وشعوب البحر الغازية ، ولهذا لم تتفاقم القوى العسكرية والعنف في المجتمع المصري مثلما حدث في المجتمع العراقي ، حيث التداخل الكبير بين المزارعين والرعاة . ولكنهم بعد طرد الهكسوس خرجوا إلى المشرق وكونوا الإمبراطورية ، ثم اعتمدوا على القوى العسكرية المرتزقة فحدث انهيار عميق في الحضارة المصرية . ولكن لا بد من القول هنا إن الرعاة كانوا دائماً يعيشون على أطراف الوادي وفي سيناء.
وإذا كان الجمهور الفقير أو الغني في دولة المدينة ، أو المملكة ، المحكوم بأجهزة القهر ، أو بفائض المال ، لا يستطيع تاريخياً أن يغير النظام الاجتماعي ، حيث إن الدولة هيمنت عليه وقسمته ، فإن الرعاة المنتشرين في الفيافي وهم الأحرار والمسلحون يستطيعون ذلك حين يمتلكون العناصر البشرية والمادية والفكرية التي تجعلهم في مستوى أقوى .
ولهذا نجد إن [الأمم الزراعية] فقدت كثيراً من القدرة على التغيير الثوري الداخلي ، في حين صار الحراك الاجتماعي في أغلبه من [الأمم الرعوية].
إن ذلك يعود إلى أن الطبقة المنتجة الفلاحية ُمفككة في قراها الكثيرة المتباعدة ، وليس لديها قدرات عسكرية كبيرة ، في حين تستطيع الطبقات الحاكمة تخصيص جيش مُجهّز منفصل عن المزارعين ، وهي تجده عادة في القبائل أو الأقسام غير العاملة في الزراعة وفي المرتزقة ، ثم إنها تطبق العيش الإجباري في القرية وتمنع الخروج منها، فتجعل الفلاحين عبيداً في الأرض . وهذا هو النمط المسمى العبودية المُعممة.
وحين تأتي قوى غازية تكون غالباً من هذه القبائل المسلحة الحاكمة أو المنتشرة في الصحارى ، أو أن المدن العبودية المسيطرة تستخدمها أو تستأجرها . لقد كانت الأقوام السامية الأولى كالبابليين والآشوريين والآراميين والعبريين ، أو القوى الإقليمية الغازية فيما بعد كالفرس والمقدونيين والرومان ، أو الأمة السامية الأخيرة وهي العرب ، هم حلقات من الأندياحات الرعوية الكبيرة ، وقد فطن إلى ذلك مؤرخنا أبن خلدون ، (14).
إن الفترات والمراحل التاريخية تعطي لكل حملة رعوية طابعها ومداها وآثارها ، وهي إذ ترتبط بمستوى تلاحم القبائل الفكري والعسكري ، عبر المناطق الرعوية التي تكونت فيها ، وبصلاتها وبتحولاتها و بمستوى إنتاجها وثقافتها ، فإن سيطرتها وديمومتها تتحدد بمستوى مقاومة المزارعين كذلك ، الذين لم يكونوا خارج التاريخ ، رغم إن الأمم المسيطرة ستجعل الأمر يبدو كذلك .
صراع الرعاة والفلاحين على مستوى إقليمي
إن الأمم الغازية [الرعوية] قد مرت بمراحل وتطورات اجتماعية وفكرية كبيرة ، ولا يمكن دمغها في تكوين مجرد كلي ، ولهذا فإن علينا تتبع الخطوط العريضة لنموها ، والمحصلة الأخيرة لتحولها إلى قوى غازية ، ولماذا تعجز أفكارها الأكثر تطوراً ربما من وعي المشرق [العربي] أن تخترق نواته الصلبة.
فالاخمينيون الإيرانيون ، القبائل الرعوية الفارسية ، والتي سيطرت على المناطق الإيرانية ، وحدث التمايز بين إدارتها الملكية وجمهورها القبلي ، اعتمدت على الفكرة المجوسية في الصراع بين إلهي النور والظلام ، لكنها لم تتدخل في صياغة أديان المنطقة المستعبدة لها ، تاركة الجمهور الشرقي في معتقداته ، ولكنها استمرت في استغلال الشعوب بالطريقة القديمة ، عبر ترك المناطق الزراعية في انفصالها ، وإرسالها للضرائب أو الخراج ، وكأنها عبر حفاظها على هذه الفسيفساء واختلافاتها ، تضمن صراعاتها الجانبية وتبعيتها. وكان هذا بخلاف الأسلوب الآشوري المعتمد على الاستغلال البشع وفرض الإله واعتماد العنف كوسيلة وحيدة للسيطرة.
لاشك إن للفرس الاخمينين دوراً في تطور المنطقة الفكري رغم هذا الاستعباد ، ففكرة النور والظلام ، و مسألة إله الخير والشر ، قامتا باختزال الشبكة المعقدة من آلهة الخير والشر ، وبلورتها في الإله الواحد أو الشيطان ، ولا شك إن هذا مثـل تقدماً روحياً على صعيد الوعي ، مما يعبر عن تقدم المنطقة باتجاه الوحدة السياسية والثقافية. وقد وضع ذلك [الحدود] الفكرية بين إيران والعالم الخارجي ، المعادي أو التابع ، وجعلها جزءً مهماً من المشرق.
وتتشكل عبر هذا الوعي الصراعي بين النور والظلام اتجاهات الحركة الاجتماعية الإيرانية المختلفة ، فحدود النور ودوره أو اختلاطه بالظلام وغير ذلك من المسائل الغيبية ، تلعب دوراً هاما للوعي ، الذي يحولها إلى فعل اجتماعي ، وتتمكن هذه المسائل المجردة من إقامة التحالفات [النورانية] ، حين يتسع الأفق الوطني الإيراني لشعوب مؤثرة أخرى.
وعرفت تجربة الشعب الإيراني غنى خاصاً في بلورة سمات المشرق ، فالزرادشتية مثلت المرحلة الأرستقراطية في الهيمنة المنفصلة عن الناس العاملين وتكوين الدولة [القومية] ، ثم تشكلت المانوية كاتجاه صوفي غنوصي معبر عن فئات وسطى رافضة لاستبداد الملكية المطلقة وبذخها وحروبها ، وتتوجت العملية الثورية الإيرانية بالمزدكية وهي التي جسدت نضال الفلاحين من أجل الأرض .
لقد عبرت المسيحية عن الآهات العميقة للفلاحين ، ولكنها تراوحت بين الثالوث الإيراني ، أي بين قوى الأشراف والفئات المتوسطة والفلاحين ، فالأب ، مثل آن أو أيل ، الإله المفارق الذي يغدو غير مفارق ، بالتحامه بالابن الذي هو مثل تموز وأدونيس ، يختزل كل ديانات واحتفالات الربيع ، فلا ينفك عن إرثه الأمومي ، لكنه يعبر عن القوى السياسية والثقافية الفاعلة في خلق الصلات بين الأب [السلطة المطلقة المفارقة] والناس ، وهم حينئذٍ الفلاحون الغامضون في المنظومة.
إن حدوث التداخل بين المسيحية والمانوية أمر يشير إلى الطابع المعبر عن الفئات الوسطى حينئذٍ ، وخاصة لأولئك المثـقفين المكافحين بصورة سلمية ، والذين يحاولون تشكيل علاقات مختلفة عن نظام العصر القديم ، أي عن نظام الآلهة / الملوك ، إلى نظام الآباء / الأبناء ، وهو أمر يشير إلى الأضرار الفادحة ودمار ثروات المنطقة بالبذخ والحروب ، فيغدو نموذج المتقشف والراهب الذي يعمر الصحراء بالزراعة مؤشراً لضرورة تجاوز نظام العبودية المعممة في المشرق .
لكن غزاة آخرين يقدمون من مناطق تداخلت فيها العلاقات الرعوية / الزراعية ، فالمقدنيون الذين هيمنوا على الحضارة الإغريقية كانوا نفياً قبلياً أرستقراطياً لحضارة المدن الحرة المتنوعة ، فوضعوا حداً لاضطراب هذه المدن بين طرق مختلفة للتطور ، ولم يعد بالإمكان نمو الطريق الرأسمالي ، وقد كانت الحضارة الإغريقية بتناقضاتها العميقة ، تتوجه إلى انهيار نموذج دولة المدينة الديمقراطية ، وبدء العودة إلى الدولة الاستبدادية المهيمنة على العالم الزراعي ، في حين تتآكل الحرف والصناعات ، فتتدهور الأسس المادية للعلوم ، وتتزايد في الفلسفة الاتجاهات المثالية ، وتتويجها المعروف هو الصوفية .
ولم تنتشر الثقافة الإغريقية في المشرق ، بشكل متساوق لمراحلها، فالمشرق الذي يحضر نفسه للعودة إلى ديانة الخصب بشكل موسع ، والذي رأى رعاة غزاة جدداً ، كان يتوجه لنفي التعددية الوثنية المفتتة لصفوفه [الوطنية] ، وكان يبحث ويؤكد العناصر شديدة الغيبية ، المعارضة لثقافة الحضارة اليونانية العقلية المختلفة ، فالعقل اليوناني عنى للسواد الأعظم استغلالا وظلاماً. وحين عكف الرهبانُ و«الصابئة» على هذا الإرث اليوناني فإنهم قاموا بوضعهِ على سرير المشرق الديني ، فقطعوا أطرافه الماديةَ وضخموا في اتجاهاته المثالية والصوفية.
لقد رأوا في اتجاهاتهم حماية لاستقلالهم السياسي وانبعاثا لهم ، وتفكيكاً لدولة الخصم الناهبة المسيطرة ، عبر مستوى موادهم الفكرية ، ومستوى جمهورهم الأمي الزراعي والبسيط.
وكانت الدولة الرومانية شكلاً متطرفاً من سابقتها . وقد أدت أعمالها العنفية والاستغلالية إلى التحضير لصعود القوى الإقليمية [الوطنية] ومن الداخل الرعوي هذه المرة.
وقد مثـلت هذه الفقرة قفزة في التحليل ، بسبب التداخل الشديد بين الخارج والداخل في المنطقة ، ولكننا نعود في الفقرة التالية لمتابعة مسار التطور الرعوي الداخلي.
بداية حضور الرعاة
في أسطورة الخلق البابلي المسماة [اينوما ايليش ، أي عندما في الأعالي] المكتوبة في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد ، نجد بعض الثيمات المشابهة للخلق السومري ، فلا تزال الأم هي الخصم ، وهي هنا (تعامة) لكن يوجد إلى جانبها إله ذكر هو أبسو ، وقد حدث نمو الآلهة الشابة الجديدة في أحشاء الآلهة القديمة مما سبب إزعاجاً لها ، ويحاول أبسو إبادتها ، لكن الإله الشاب (أيا) ينزع العمامة الملكية عن رأس آبسو، ويضعها على رأسه ثم يذبحه. فخططت تعامة لإبادة الآلهة الشابة التي ذعرت ، ثم أرسلت إليها الإله [مردوخ] الذي قتلها ، والذي صنع الأرض والسماء من جسدها ثم خلق الإنسان من دماء إله سجين وقتيل الخ ..
إن بابل وهي تتحول إلى مدينة مهيمنة تستعيد الأسطورة السومرية في مرحلة حضارية مختلفة ، مثلما تعيد تشكيل السيطرة السياسية في وسط وجنوب العراق ، ولكنها أيضاً تبدأ من الأسس العامة السابقة للمجتمع السومري ، حيث القصر والمعبد يتحكمان في الملكية العامة ، والملك يصعد ليتحد بالإله مردوخ ، لقد أعطى البابليون الإله [أيا] مكانة الأب الأول ، إرث الانفصال الاجتماعي والسياسي عن المجتمع الأمومي ، ولكن آبسو يشير إلى صعود الرجل في هذه القبائل الرعوية الأكدية التي استولت على العالم الزراعي بشكل متدرج ، مثلما استولت على ثروته الروحية .
إن هذه العملية التغلغلية الرعوية في عالم الفلاحين ، ستتكرر بشكل مستمر ، وتعيد إنتاج نفسها في طبعات متعددة ، ويتكشف الطابع الرعوي في هذه الدموية التي يتصف بها الإله مردوخ ، التي تبتعد كثيراً عن الروح المسالمة التي اتصفت بها الأساطير السومرية الأولى ، وستقوم الدولة البابلية بتوسيع المدى الجغرافي للحضارة السومرية ، دون تغيير الأسس العامة للنظام الاجتماعي ، ولكن الطابع التوسعي المستمر لسلطة المدينة / الدولة ، سيؤدي إلى التهام الجيران، بحثاً عن الفوائض المالية والثروات ، ويقود هذا إلى الحروب ، وظهور مدينة ـ دولة جديدة ، عبر قبائل أو أمم جديدة ، يغلب عليها الطابع الرعوي ، لتقوم بالتوسع وإعادة إنتاج الإرث الديني السابق ، عبر إلهها الخاص ، أو ملكها الكاهن الخ..
إن الرعويين الساميين وهم يبدأون التحكم التدريجي في منطقة المشرق [العربي] سيكونون متداخلين مع الأقوام الزراعية الأولى، بشكل كبير . ولكن الرعاة فيما بعد سيتسعون ويهيمون . إن الأكاديين ، بفرعيهم البابلي والآشوري سيكونون القوى الأولى من الأقوام الرعوية المهيمنة وسيجعلون السيطرة تعم المشرق ، وهم الذين سيقومون بالتوسعات الحربية والسرقة المسلحة الواسعة والدموية للمناطق الأخرى ، فيتعزز الطابع الإمبراطوري ويتحول الإله ـ الملك إلى الضراوة والوحشية الهائلة.
ولاشك إن العبرانيين هم أيضاً من هؤلاء الرعاة الذين تاهوا بين الأمم القوية ، ثم سيأتي الكنعانيون ، الذين سيندغمون بالزراعة والتجارة ، ثم سيأتي الآراميون ، الموجة قبل الأخيرة للرعاة ، وأخيراً سيكون العرب التتويج النهائي لتطور الرعاة وانتقالهم إلى المناطق الزراعية.
مقاومة أولى للاستبداد
في هيمنة الملك / الكاهن على المدينة لا تتشكل السلطة الشاملة الدموية إلا بصورة تدريجية تاريخية ، فهذه السيطرة المتشكلة في عالم زراعي ، لم يفقد ترابطه القبلي ، ولا جذوره الأمومية ، تتوقف على النمو المتواصل لرقعة المدينة ـ الدولة ، وقد أعطى السومريون هذا الاتساع البطيء الطويل للانتقال من المدينة / الدولة إلى الدول / المدن المتعددة . وقد لعبت قوى الإنتاج ووسائل المواصلات النهرية والحيوانية المحدودة دورها في النمو البطيء للتوحيد السياسي . لكن الأكاديين، القبائل الزاحفة على الوسط العراقي قامت بتسريع العملية التوحيدية . ولهذا فان الفئات التجارية المختلفة ، كانت تنمو وتتسع . وكان هذا مجالاً للتطور الفكري والاقتصادي المتنوع.
وكذلك كانت مجالس القبائل والمدن الاستشارية تشارك الحكام في إدارات الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
لكن الصعود المستمر لآلة الدولة العسكرية كان يقضي على هذه الأشكال الجنينية من الديمقراطية ، حتى إذا وصلنا للحكام المطلقين فإن هذه المؤسسات تتوارى ، وتصبح البنية الاجتماعية ، بمختلف مستوياتها موظفة لهؤلاء الملوك، الذين يجرون بلدانهم للحروب التوسعية التي تعود على سكان الدولة بالكثير من الموارد والعبيد ، وتوسع المداخيل والتجارة ، والإنتاج الثقافي ، غير إن الشعوب المغلوبة والأقوام الرعاة البعيدة ما يلبثوا أن يشنوا الحروب ويثوروا ، ويؤدي ذلك كله إلى الخراب للمالك الزاهرة ، وإلى سؤ الأحوال والمذابح.
في الصعود المستمر للطغيان السياسي، أو في أزمنة صعود دور الملوك والكهنة الحضاري [التقدمي] في البدء ، تتشكل الأدبيات الدينية، التي لا تضع في اعتبارها دور الناس ، وهو الجمهور المؤسس للمدينة وإنتاجها ، حيث ذوبان جمهور القبيلة في سيطرة زعماء العشائر ، المترافق مع نمو الأجهزة القسرية ، وعبر غلالة الدين التعميمية السحرية، وفي الاحتفالات الطقوسية ، خاصة طقوس الربيع والخصب ، ولكن مع تفاقم الآثار السلبية لهذا التفرد المطلق للطبقة الملكية / الكهنوتية ، والاستغلال البشع ، وكوارث الحروب ، فإن كل هذا يؤدي إلى تململ بعض المثقفين والأصوات المتفردة الحساسة ، مثل شكاوى الفلاح المصري الفصيح ، والمثقف البابلي الذي يقول مخاطباً إلهه بلغة شكوى واحتجاج: الطعام وفير في كل مكان ، لكن طعامي الجوع/ في اليوم الذي قسمت الأنصبة على الناس / كان نصيبي هو الألم والعناء..
إلا أن أفراد المثـقفين هؤلاء يختلفون عن الجمهور العام ، إنهم قادرون على إنتاج وعي غير ديني ، ولكن الجمهور العادي الأمي المنخرط في آلة الدولة العسكرية والاقتصادية والفكرية، لا يستطيع إلا أن يتقبل الوعي الديني المكرس عبر آلاف السنين ، ويتحسس مظاهره وأدواته عله يجد منفذاً ُيسّرب من خلاله معاناته. وهكذا وجد في طقوس الخصب ، التي فيها الموت والميلاد ، وعذاب إله ما ، صلة روحية واجتماعية غامضة ، بهذا الإله على مستوى ملموس ، يلغي به الاستقطابية الشديدة بين السماء والأرض ، بين الفوق والتحت ، بين الحاكمين والمحكومين ، حيث يتحمل الإله جزءً من عذاب الجمهور ، ويكون معه في احتفالاته الطقوسية ، ولا يشكل ذلك خطورة لدى الطبقة الحاكمة من أتساع ونمو مكانة هذه الإله ، الذي سيكون مسؤولا عن العالم السفلي ، أو يعطى أية وظيفة غيبية أخرى تبعده عن المسألة الأرضية للحكم وموارد الخصب.
إن المجمع الإلهي قادر بعد زمن من الصراع على إعادة تشكيل الإله ، وتوظيفه بما يخدم سيرورة النظام الاجتماعي والديني ، ولكن هذا لا يمنع من احتواء النظام الغيبي على تمردات من قبل بعض الإلهة الذين يسرقون أشياء مقدسة ومن خيانة بعض الآلهة للأوامر المركزية من قبل الإله المهيمن ، الذي أراد فناء البشر لأنهم أزعجوه بكثرة شغبهم ، مما دفع الإله لأن يخبر بموعد الطوفان القادم ، فقام هذا ببناء سفينة استطاعت أن تنقذ الجنس البشري من الغضب الإلهي . إن هذه الثغرات التي تتشكل للفعل البشري داخل المنظومة الإلهية المهيمنة في عليائها ، ليست من فعل البشر ، بل من فعل الآلهة ، حسب بناء الأسطورة ، ولكن بعض البشر يحصلون على مكانة خاصة لدى هذه الآلهة ، تجعل آلهة ما يساعدونهم أو ينقلون لهم أخباراً أو أدوات وقوى مهمة.
هكذا نجد البشر وهم يخلقون المجمع الإلهي المسيطر عليهم ، حسب مراحل سابقة طويلة ، يخلقون كذلك أشكال التأثير على هذا المجمع ، حسب فعل بشري جديد ، ولحاجات جديدة ، وفي داخل المنظومة الغيبية المسيطرة خلال هذه المرحلة . ومن هنا فإن الاستغلال الطويل للطبقة المسيطرة ومغامراتها العسكرية وتفردها بالحكم و[ الخراج ] ، يقود الجمهور الفقير إلى تصعيد آلهة المعاناة والتحول كتموز ، الذي يتجاوز آلهة الانفصال والانعزال ، خاصة آن أو أيل ، ذلك الإله الذكر ممثـل السلطة المفارقة ، ولكن هل يستطيع تموز أن يتغلب على الهوة بين الحكام والمحكومين ، وهل تستطيع الاحتفالات الطقوسية الربيعية ، بما فيها من أفراح واندماج بين الملوك والفلاحين ، أن تشكل تحولاً في حياة الجمهور المستغل ؟
إنها بكل تأكيد تضع أسساً ثقافية جديدة لعالم المشرق [العربي] ، عبر صعود دور الفلاحين ، المُسيّطر عليهم كذلك من قبل القوى المهيمنة ، التي تدخل الإله المعذب المتضافر مع الدورة الزراعية ، والذي يكون جزءً حميمياً من عالم هؤلاء ، فتخلق أدوات جديدة للسيطرة عليهم ، وكذلك مخارج ومتنفسات للحلم ، بحيث يصير الغيب القادم ، جزءً من الحلم الشعبي بديمومة جديدة ، ويبدأ العالم الآخر في الصعود بحيث يغدو ملكية عامة مشاعة ، وبديلاً عن الملكية العامة المسروقة . ويظهر توحد المشرق [العربي] هنا في تشكل نموذج شبه موحّد للإله المعّذب ، فتموز نجد إلى جنبه أدونيس في فينقيا أو بلاد كنعان ، أو أوزوريس في مصر . إن وحدة الآلام والأحلام هذه تشكل خلفية هامة لوحدة السكان في المنطقة ، ولما هو مشترك بين المنتجين. كما تعبر كذلك عن الاغتراب وهيمنة الدول والمستغلين . (16).
إن الغيب القادم المأمول ، وبطبيعة الحال لم يأت بلا نضال ، إذا كان مشاعاً بشكل كلي فلن يفيد النظام الاجتماعي وسيطرة الحكام الذين قبلوا به ، بعد مسيرة طويلة من الرفض واحتكار اليوم الآخر ، ولهذا فإن تعديلات وتحويرات هامة تشكلت على هذا القبول ، بحيث يكون المنتقل إلى العالم الخالد ، مواطناً صالحاً في حياته ، لم يهن الآلهة ووصاياها ، أي لم يتمرد على نظام السيطرة الذي وضعه الملوك ــ الكهنة. ولا شك إن ثمة قيماً إنسانية هامة في هذه الوصايا ، فليس الأمر مخططاً شريراً ، بل هو عملية صراع معقدة ، متداخلة ، بين ما هو استغلالي أناني وما هو شعبي باحث عن الخير ، وعلى العموم فإن حصول منفذ من نظام القهر [الدنيوي] ، الذي سدت الآفاق في تبديله والقضاء عليه ، سيكون كذلك عملية معقدة تنمو عبر التفاعلات ، بين جنة ديلمون التي صنعها الخيال والحلم السومري ، في مياه الينابيع والنهر وعلى جزيرة البحرين ، وبين المحرقة ـ المزبلة التي ظهرت شرق القدس ، والتي أسمها [جهنم] ، (17).
إن تصعيد عناصر المقاومة في الدين تم على نحو بطيء وطويل ، فاليوم الآخر لم يكن إلا من نصيب الطبقة العليا في مصر ، ومع صعود عبادة أوزوريس تمت «دمقرطة» البعث ليكون من نصيب الجميع ، وأخذت الأعمال الحسنة تغدو هي المعيار ، وبطبيعة الحال فإنها لم تكن تفلت من ميزان المسيطرين ، لكن عبرها تشكلت عجينة مشتركة للمؤمنين.
وفي هذه المادة الثقافية المشتركة تتم عمليات التعبير عن الآلام والصبر والانتظار والغضب والحلم.
الدين كوعي (وطني) متباين
يغدو الدين كفكرة مصاغة من قبل القوة الاجتماعية العليا فكرة قبلية و(مدنية) ووطنية ، لأنه كشكل للوعي لم ينفصل عن وعي الجماعة ، لكن يُلاحظ الفرق الكبير بين الدين في المشاعية والدين في المجتمع المنقسم اجتماعياً ، حيث كانت سمات الأمومية والخصوبة والتعاون تظلل آلهته ، في حين تصاعدت جوانب القوة والعنف والهيمنة مع آلهة النظام الطبقي ، مما يعبر عن تصاعد دور الدولة كجهاز قسر وتحكم.
وفي الفترة الأكادية التي يظهر فيها عنف الألوهية وشراستها ، تبدو كمرحلة مختلفة عن ألوهية العصر الأمومي الخصوبية ، وعن المرحلة اللاحقة وهي التي ستنمو بالتضاد مع آلهة الساميين الرعويين الباطشة ، والتي تغدو تركيباً من مرحلة الأمومية وصعود الإله الذكر المعبر عن مرحلة الدولة والطبقات ، في توليفة متجاوزة للعهد (السامي الأكادي) وسيكون ذلك تجميعاً مشرقياً ، وإن كان بصورة متفرقة ، لإله الخصوبة وقد صار ذكراً ، وتجلت فيه فعل الطبقات المقهورة كذلك ، بعد أن كانت الصياغة الأساسية في المجتمع المشرقي الطبقي ، من فعل الطبقات القاهرة.
لكن فعل هذه الطبقات المقهورة يتجلى من خلال إرثها الزراعي ، حيث تتشكل الآلهة المقاومة المعَّذبة المتمزقة ، وهو ما يعكس تغييب الفعل البشري في الطبيعة ، وجعل ذلك في رموز متفردة مفارقة في نهاية المطاف ، تزيل ملامح ما هو سياسي واجتماعي .
إن الدين لا يعبر فقط عن القاهرين بل عن المقهورين أيضاً ، فالطبقات المتعددة ترى الإرث الديني بصور مختلفة ، وقد عكست المرحلة التموزية على سبيل المثال ، فعل الطبقات الشعبية ، خلافاً للعصر السابق ، ولكن القوة المسيطرة تقوم دائماً بالتسلل إلى البنية الدينية التي غدت شعبية فتوظفها لما لم تكن لها بداية ، عبر نزع المضمون النضالي العميق لها ، وتحويلها إلى أشكال عبادية مُفرغة من ذلك المضمون ، ومؤدية إلى التهدئة الاجتماعية والاستسلام.
ولهذا سنجد في الميراث الديني عموماً هاذين الجانبين المتضادين المتداخلين ، جانبي المقاومة والاستسلام ، جانبي الكفاح للتغيير أو تأجيل الأهداف إلى الغيب.
وإذا كان الجمهور ، حسب وضعه التاريخي ، لا يجد سوى المادة الدينية ، فإنه سيقاوم داخل غيبها المموه ، وسوف يكسر بعض المحرمات والمقدسات السابقة ، ويشكل مقدسات جديدة يحرك بها التاريخ المجّمد ، في امتيازات الحكام ، وهذه اللحظة هي التي تنفث حرارة بنقد الظالمين ، فترى إن التاجر لا يدخل من خرم إبرة حسب الإنجيل ، وإن المرابين والمستغلين مدانين وإن للفقراء ملكوتاً قادماً ، وبعدئذٍ حين يكون الدين في موقع تاريخي مختلف ، وتتغير علاقته بالطبقات المتصارعة ، وينتقل من التعبير عن طبقة مستغلة إلى التعبير عن النظام الاجتماعي ، أو عن كل القبائل ، أو عن الوطن كله ، حينئذٍ تتبدل صياغاته وتستقر توجيهاته العامة في شكل تصالحي غامض ، ثم تبدأ الطبقة المسيطرة ، أو الطبقات المسيطرة ، حسب المناطق والدول ، في إعادة تشكيله ونزع مضمونه الثوري الذي تشكل في المرحلة الأولى ، حين كان وليد الطبقات المقهورة.
ولكن عملية إعادة إنتاج الدين لا تتوقف ، فهذا التكييف الفوقي ، يقابله تشكيل تحتي ، والأشكال الخارجية من العبادات التي تحاول الطبقة المسيطرة تحويلها إلى قيد اجتماعي للسيطرة اليومية والأهداف السياسية قد تتحول إلى شكل مضاد الخ..
الزراعة كاقتصاد مهيمن
إن مساهمة فرعي الاقتصاد الأساسيين: الزراعة والرعي في تطور المنطقة ، يعتمد على عناصر مختلفة كاستئناس الحيوان وتطور الأدوات المعدنية ، وهذه العوامل كبيرة الأهمية لكون عالم الزراعة سيبقى بلا تطورات جذرية ، في حين إن استئناس الإبل والخيول وجلب المواد الحديدية ، الذي سيكون من مساهمة الأقوام الأكثر بربرية وهم (الهكسوس) ، ملوك الرعاة ، والذين جاءوا في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد وأحدثوا الكثير من الخراب كذلك ، إن هذا سيؤدي إلى الفعالية الكبيرة للرعاة على حساب المزارعين. إن انتشار الحديد والخيل وتغلغل الإبل في الجزيرة العربية ، سيروض المناطق الأكثر أتساعا وصحراوية في المنطقة ، والتي ستتمتع باستقلالها شبه المطلق ، في منطقتها الصعبة الوعرة، وقد حاول الرومان مرة واحدة غزوها في حملة فأصيبوا بكارثة (18).
لقد كانت الزراعة وتوابعها: الحرف والتجارة، هي سيدة المنطقة فيما قبل غزو الهكسوس ، لكن القرون التي تلت بدأت تصعد أقوام الرعاة كالآراميين ، الممهدين الأخيرين للعرب جنساً ولغة.
وإذا كانت الزراعة لم تنفصل كلية عن الرعي في حقبها الأولى ، وقد حدث الانفصال حين تمكن الرعاة من استئناس الحيوانات ذات الأهمية القصوى في تطورهم وهي الخيول والإبل ، فإن الرعي لم ينفصل كلية عن الزراعة ، فحين تتواجد الظروف المائية الكافية كان يمكن الجمع بين الاقتصادين ، إلا أن الانفصال الكبير قد حدث ، ووجدت الساحة الأكبر لتطور الرعاة ، وهي الجزيرة العربية ، فيما بعد مجيء الهكسوس.
ويلاحظ أن الممالك العربية الأمومية في شمال الجزيرة العربية ،(19) ثم الممالك السواحلية المتعددة في اليمن والحجاز والبحرين وعمان ، كانت أقل رعوية من الداخل ، وذلك بسبب نشؤ المدن والزراعة. إلا أن العمق الرعوي هو الذي كان يتحكم في الحركة التاريخية للعرب ، حيث لم تستطع أي مدينة أن تفرض نفسها على الرعاة الأشداء وعبر المنطقة الهائلة الاتساع.
ويمكن ملاحظة بدايات التطور الحضاري لدى العرب الشماليين القيسيين ، في مدائن صالح ولدى المناذرة والغساسنة والأنباط ، وفي الشريط الحضاري للحجاز، والذي تناثرت فيه المدن التعدينية ، حتى جاءت مكة تتويجاً لمخاض اقتصادي واجتماعي طويل ، (20).
الزراعة والفروع الأخرى من الاقتصاد
تشكلت المدن في المشرق من القرية الزراعية ، التي كان المعبد ثم القصر شكلي التطور السياسي الديني المهيمن فيها ، فمن الزراعة في المشرق الخصب تشكلت السلطة السياسية التي سيطرت على خريطة المدن والمجتمع ، ومن خلال فائض الزراعة ثم الحرف والتجارة كانت تتشكل الحياة الاجتماعية والثقافية المختلفة.
إن الزراعة لا تمثل تشكيلة اقتصادية ـ اجتماعية ما ، مثلها مثل الرعي، والحرف ، فهي مهن وعمليات إنتاجية وتوزيعية متعددة ، لكنها كانت حرفة واسعة ، بل المصدر الأساسي للإنتاج ، حيث تواجدت الأنهار الكبري ، وأنتجت أوسع الحقول الزراعية. وقد هيمنت الدولة هيمنة مطلقة ، بسبب ما رأيناه من صعود سريع للأجهزة الاقتصادية والسياسية ، فخضعت الحرف والتجارة للتطورات الزراعية مستفيدة من فيضها ومؤثرة عليها بن ، إلا أنهما خضعتا لتطورها في النتيجة النهائية ، فعلى طريقة توزيع الفائض الزراعي يتحدد التطور الحرفي والتجاري.
لقد كانت الطبقة المسيطرة تستلم الفائض الزراعي بصورة عينية أو بصورة ـ عينية نقدية ، ثم تركزت الفوائض بشكل نقدي شبه كلي في سيرورة التاريخ ، حيث يمكن تحويل النقد إلى أي بضاعة أخرى. وعبر هذا الاستلام تتكون مؤسسات الدولة ، فهي ليست سوى خزانة لتراكم استغلال الفلاحين ، وبعد الخزانة تتشكل المؤسسات التي تقوم بحسابها أو الدفاع العسكري عنها.
ولا تلعب التجارة والحرف دوراً مستقلاً في تطوير الاقتصاد ، فهما مربوطتان بفوائض الزراعة ، التي تتحكم بها الخزينة الملكية ، والتي تغدو مشروعاتها الاقتصادية والاجتماعية رهن بذاتية الحاكم المطلق ، أي بأسباب مرحلته ، وأسرته ، ورغباته ، وأفكاره ، وسنه الخ..
وهكذا فإن الزراعة التابعة للطبيعة تبعية شبه مطلقة ، ستهيمن على الحرف والتجارة من خلال تحكم الأسرة الحاكمة أو القصر ، مما يلحق هاتين المهنتين كذلك بالتبعية للطبيعة و” أقدارها “. وكأن كل شيء سيتعلق بالحاكم المطلق «الإله».
إن ذاتية الحاكم لا تنفصل عن طبقته ، ومرحلتها وصراعاتها ، وهي لا تلعب دورها الحاسم إلا من خلال هذه العوامل الموضوعية. وإذا كان الحاكم قد توحد بالإله ، وغدا جزءً منه ، أو امتدادا أسرياً ، أو تجسيدا نورانياً له ، فما ذلك إلا شكلاً للسيطرة الشاملة للحاكم على المدينة و(الرعايا)، أو المملكة ، أو الإمبراطورية الخ ..
إن التجارة بالتحاقها بالقصر تكون قد فقدت قدرتها على تفكيك الملكية الزراعية العامة الشاملة. فرأس المال الكبير لا ينمو إلا عبر الأرباح المتراكمة وهي التي ستأتي من التجارة بالمواد الهامة والثمينة التي يستعملها القصر ، ثم القصور الملكية المتعددة ، ومن ثم بذخ الطبقة الحاكمة كلها من وزراء ورجال دين وتجار كبار الخ.. ولهذا فإن رأس المال لا يتعامل علمياً بالحرف وأدواتها وآلاتها إلا إذا كانت ستلعب دوراً في إنشاء قصر أو عمل مركز رصد للحاكم أو قبر الخ .. ولهذا فإن العلوم ستغدو مجموعات من المعارف المُفككة ، وليست مناهج علمية تغربل المعلومات المختلفة وتنميها.
نمو الرعي في الجزيرة العربية
وإذا كانت الزراعة هي أساس تشكيل الفائض الاقتصادي الأساسي وتوزيعه ، في المناطق الحضرية النهرية ، فإن الرعي هو أساس تشكيل الفائض الاقتصادي الأساسي في المناطق الصحراوية . ورغم أن الفوائض هنا قليلة ومحدودة ، إلا أنها تظهر وتتدفق على المدن والأسواق . فالرعي لن يكون سوى ملحق أخير باقتصاد المدينة ، حيث يسيطر الحاكم المطلق ، وسيقوم بتبادل سلعه التي ينتجها من قطعانه مستبدلاً بها السلع الضرورية كالمواد الغذائية والملبوسات والأسلحة. ولن تلعب هذه الفوائض دورها إلا في المدن الصحراوية والقرى ، التي ستمد الرعاة بالوسائل التي تجعلهم يتغلغلون أكثر وأكثر في الصحراء ، وخاصة رعاة الإبل ، الذين عبرهم ستتم عملية الانتشار الأوسع في الصحراء ، وخلق القبائل الأشد فقراً وتوحشاً. وسيبدو هؤلاء الرعاة الجماعات الأكثر تضاداً مع بذخ المدينة ومراكزها الكبيرة خاصة .
وكلما أنتشر هؤلاء الرعاة ، احتاجوا إلى المزيد من الأبناء الرجال ، فتتسع قبائلهم ويشتد الفقر في مستوياتها التحتية ، في حين ينفصل رؤساء القبائل والعشائر ، ويكونون أرستقراطية خاصة ، تشكل مصدراً آخر لاستغلال الرعاة ، ويستطيع هؤلاء الزعماء أن يحولوا القبائل إلى شرطة سياسية وعسكرية واقتصادية للدول التي تريد خدماتها ، أو لخفر قوافل التجارة ، أو إنهم يتحولون بأنفسهم إلى لصوص وقطاع طرق فيشنون الغارات على القبائل الأخرى أو المدن العامرة بالثراء.
لكن لحمة القبائل لا تتفكك مهما كانت عمليات التخلخل الاجتماعي داخلها ، ومهما ظهر الصعاليك والمتمردون ، ومهما أستغلهم رؤساؤهم ، فالوحدة القبلية أقرب للتكوين البيولوجي منها بالتكوين الاجتماعي ، فهي التي تكونت وتحجرت في الصحراء وقاست وصمدت لقسوتها. إن القبيلة تغدو هي الرحم الطبيعي للفرد ، ولهذا فإن القبائل عبر هذه الوحدة الصخرية تغدو قوى اجتماعية كبيرة منظمة في مواجهة مدن مستغلة ومفككة.
إن القبيلة هي أشبه بوحدة عسكرية متنقلة ، قادرة على الترحال والصمود في أقسى الظروف المناخية والاقتصادية ، وهي قوة موحدة وقتالية جاهزة ، وتمتلك مواردها واستقلالها الروحي والمادي ، وهي لهذا تصبح قوة مؤثرة في مواجهة المدينة ذات المصالح المتباينة ، خاصة عندما تبدأ مؤسسات المدينة في التفكك والضعف . وتصبح الأمور أشد خطراً حين تتآلف القبائل وتتحالف ، وتكون قبيلة كبرى.
ظهور الرعاة على المسرح التاريخي
وقد تباينت التطورات الدينية بين القسمين الحضاري الزراعي والرعوي الجنوبي ، مثـلما حدث الانقسام الاقتصادي بين الجانبين ، ولكن التكوينين لم يكونا متضادين بشكل مطلق ، فالجانب الرعوي والذي يمكن أن يتحول إلى قرى ، أو قد يسكن المدن فيتحضر ، يتأثر بمنتجات المدن المادية والروحية ، لكن هناك تباينات واسعة مع ذلك ، فنحن نجد الهكسوس في احتلالهم لمصر يعبدون الإله الشيطاني فيها (ست) ، متوجهين إلى شبه توحيد ، رافضين شبكة الآلهة المصرية المعبرة عن حشود من العالم الزراعي المسالم ، وظهر التوحيد اليهودي بعد الانقلاب التوحيدي الاخناتوني ليعبر عن حلم هؤلاء الرعاة المشردين بتكوين دولة.
هنا نجد مثالاً ملموساً حول تضادات الأمم الرعوية والزراعية ، فالقبائل اليهودية عبر توحيدها ، تحاول أن تشكل سلطة سياسية وفكرية داخلها أولاً عبر الالتفاف حول إلهها (يهوه) ، رغم إنها لم تستطع بعد أن تتخلص من عبادتها لأيل الإله الكنعاني ، وهو الصيغة الأخرى لآن الرافدي ، الإله المتعالي الذي لم ينفصل كلياً عن بقية الآلهة المتشكلة في مناخ الخصب ، فهو إله المدينة ــ الدولة، التي رأينا كيف ظهرت بالهيمنة على الملكية العامة الزراعية.أما يهوه فهو إله المدينة التي لم تتشكل بعد ، أي إله الرعاة الحالمين بتشكيل دولة. وحين قام الإله بذلك عبر تشكل الدولة ومؤسساتها ، نجد التوراة تشكو من ملوك إسرائيل الذين لم ينفصلوا كلياً عن أيل وعن تقاليد المشرق (العربي) ذات التعدد الإلهي.
فقد عاد الإله الرعوي إلى منطقة أيل ذات الخصب الزراعي .
إن ظهور اليهود والعرب على مسرح التاريخ في المنطقة أحد المؤشرات على صعود دور الرعاة . وصحيح أن الرعاة كانوا قد ظهروا عبر عمليات الهجوم والاكتساح من قبل الهكسوس و«الكاسيين» ، والعديد من المؤرخين والباحثين يقول بأن اليهود والعرب هم من هؤلاء الغزاة ، (21) ، إلا أنه لأول مرة نجد الرعاة كجسم اجتماعي وسياسي مستقل ، وينبثق من داخل تكوين المنطقة ، أي من مفرداتها الثقافية.
وتتمكن القبائل اليهودية من تكوين دولتين مستقلتين بعد قرون ، إلا أن الدولتين اليهوديتين المقامتين لا تفلحان في الصمود على مسرح المنطقة ، بسبب وقوعهما بين الدولتين الكبريين الرافدية والمصرية ، أساس الكيان الاستبدادي الراسخ في المشرق.
هنا نجد الإله الرعوي يتحول إلى إله دولة ، دون أن يستطيع الإفلات من تقاليد المنطقة لقد أوضحنا كيف انبثقت الدولة ـ المدينة في المنطقة الزراعية عبر نماذج العراق وسوريا ، مما مثـل وحدة صراعية بين الإله المتعالي الذكوري المسيطر وبقية الآلهة الذكورية والأنثوية ، فهذه الوحدة يشدها قطبان دولة مسيطرة متعالية واقتصاد زراعي بتقاليده الأسطورية ، مما يمنع الأنفكاك بين قطبيها. إن آنو لا ينفصل عن تموز ، وآيل لا يلغي بعل. ورع لا يزيل أوزوريس.
ومشكلة الإله يهوه إنه يحاول أن يلغي أيل بعد أن جثم في موقعه ، لكون التميز اليهودي ومشروع احتلال فلسطين يصطدم بتواجد هذا الإله . وليس هذا فحسب بل أن كراهيته لبعل أشد ، حيث تتجسد التقاليد الطقوسية الفلاحية. وهو إله يسعى في ذله الطويل أن يعوض عن هذا الاستعباد والدونية ، دون أن يمتلك القدرات البشرية والمادية الكافية لكرامته. ولا تفعل سلسلة الأنبياء والمعجزات في تصعيد التكوين السياسي الزراعية ، وفيما بعد ، في عهد الأسر البابلي يعتبر ذلك التداخل هو سبب الكوارث والنكبات التي حلت على بني إسرائيل ، دون أن يخطر بباله إن وقوعه على طريق مرور الإمبراطوريات ، ومحاولته التميز والتفرد الإلهي بقدرته البشرية القليلة في ذلك المكان هي أ سباب كوارثه المتلاحقة.
تناقضات يهوه
هكذا رأينا الإله الرعوي محملاً بالبروق والرعود ، أي بعناصر القوة الرمزية، وهو يخرج من مصر بتقاليدها الزراعية ، داخلاً في منطقة زراعية أخرى ، فلا يستطيع الإنفكاك من شريط العالم الأخضر بتقاليده الطقوسية ، إلا عبر تكريس نفسه في العزلة ، والعيش في الصحراء ، واستثارة التقاليد الحربية حتى يقتحم الأرض (الموعودة). إن هذا الحراك الرعوي أنتج الإله شبه المجرد ، رغم إن المرحلة الفكرية للشعب (المختار) لم تكن قادرة على تجسيد الإله إلا بشكل حسي . فالرعاة مثلهم مثل الفلاحين ، لا يستطيعون الوصول إلى التجريد ، خاصة وإن الإله المجرد غير ممكن تشكيله في المرحلة الدينية الأولى في المشرق ، حيث تتطلب العلاقة بين القائد السياسي (النبي) والجمهور الأمي ترابطاً قوياً يتيح للقائد تحريك الجسم الرعوي، الذي يتم تدريبه وتوجيهه، لاحتلال المنطقة الزراعية المقصودة. ولهذا فإن تشكيل الإله المجرد أمر غير ممكن وغير مفيد، ومع هذا فإن هذا الإله لا بد أن يكون مختلفاً عن آلهة الأمم المجاورة ، وهي الفضاء الفكري الوحيد المتاح.وهي كلها آلهة مجسدة ومنظورة.
إن المهمات السياسية المطلوبة من نمط الإله ، والمستوى الفكري لحملته المدعوين لتنفيذ تلك المهمات ، هي التي تجعل صورة الإله اليهودي تنوس بين التجريد والملموسية ، بين أيل وبعل. إن هذه الانفصالية غير ممكنة للشعب العادي ، وإذ تحدث العملية شبه التجريدية للإله فهي لا تدوم ، سواء إذا غاب النبي لوقت وجيز ، أو إذا أسس خلفاؤه مملكته.
إن الرعاة أنفسهم مرتبطون بالتقاليد الزراعية الأقوى حضوراً حتى ذلك الحين.وهم في ذات الوقت مرتبطون بالفضاء الفكري للمنطقة ، والمتسم بالتجسيم المادي للآلهة ، والتجسيم ليس سوى تعددية للآلهة تعكس تعدد مستويات السلطات في العالم القديم المفكك اقتصادياً ، سواء على مستوى المدن أم الأقاليم أم القبائل أم الأسر ، وكل هذه تخلق آلهة، والآلهة المضادة كذلك وهي الشياطين والعفاريت ، فالأبيض النوراني يخلق الأسود الشرير ، وقد نشأت الدولة الاستبدادية في المشرق عبر تجاوز هذه التقسيمات وعبر السيطرة عليها ، فآن أو أيل يهيمن بشكل علوي ، ويترك شبكة الآلهة الأقل ، أو السلطات المحلية المختلفة، تعمل وتستقل ذاتياً، وهذا ما يتيح الوحدة و التعددية والاختلافات والصراعات بين الآلهة ، مما يشكل إمكانيات للدراما المسرحية والسياسية والفكرية ، مثـل هذا المناخ يمكن أن يبرر الصدامات والتباينات في العالم الأرضي ، الذي هو حسب الوعي السائد ، لا يمتلك إمكانية تشكيل مصائره بنفسه ، بل يعتمد على القدر الإلهي ، وعلى خرق هذا القدر عبر مساعدة آلهة أخرى ، فيمكن رد مختلف تباينات الوضع الإنساني ، إلى اختلافات علوية ما.
إن ألواح القدر التي تكتب وتقدم في بدء موسم احتفالات الخصب في بابل ، معبرة عن مقادير الإنتاج التي يقدمها الناس ، هي التي تحدد مصائر السكان لسنة كاملة غير قابلة للنقض ، وقد يكون في هذه الألواح طوفان أو هجوم أجنبي أو خير عميم ، وفي الواقع فإن الأقدار لا تعرف إلا بعد حصولها ، ومن ثم تكتب لاحقاً ، ولكن هذه الطريقة توضح الحالات التجسيمية التعددية للوعي الديني ، ولكن مع صعود الإله الواحد المسيطر بشكل مطلق على الوجود ، تدريجياً أم دفعة واحدة ، فإن هذه الإمكانيات للصراع والتباين الإلهي ـ البشري تزول ، حيث يغدو الوجود من صنع إله واحد ، ويحدث التساؤل في الوعي الديني التوحيدي عن أسباب الخلل والتناقض في الحياة المخلوقة من صنع إله واحد .
إن الضرورات السياسية في مصر في عهد إخناتون ، حين أراد أن يجهز على سلطة الكهنوت ويمركز السلطة في يديه ، وجهته نحو تعميم عبادة آمون ، مثلما قادت الضرورة القبائل اليهودية إلى إله واحد مخصص لها ، لم يصبح الإله الكوني الوحيد إلا بعد أن تفاقمت الهزائم والكوارث على هذا المشروع السياسي ، فوجه الحاخامات الشعب اليهودي نحو الإله الواحد تجسيداً مطلقاً لحلم زال.
لكن توجيه الأمور نحو ظهور إله واحد لا بد أن يعيد النظر في الإرث الديني التعددي والتجسيمي السابق ، فيزيل كل عوامل الصراع الإلهي ـ السياسي ، ويمركز السلطة في ذات وحيدة ، في سلطة واحدة مطلقة.
إن الفلاسفة فيما بعد سوف يتصارعون بشدة حول هذا الإله الوحيد ، الذي رأينا كيف تتجه صورته إلى التجريد أكثر فأكثر ، نظراً لحاجات الشعوب للمركزة السياسية أو تكوين دولة جديدة، ولن يعرف هؤلاء الفلاسفة كيف يجمعون بين إله مجرد، وهو أيضاً ذو تدخل وملموسية وحضور مادي ، عبر مناهجهم المجردة واللاتاريخية.
إن الحاجة تدفع لبروز الوعي بإله وحيد مجرد ، لتذويب الوحدات السياسية ـ الاقتصادية المتباينة وتشكيل دولة موحدة ، ولتجمع السلطات بين يديها، ولكن تجميع السلطات في لحظة تاريخية ما لابد أن يقود في لحظة أخرى إلى تفكيك هذه السلطة المركزة ، فتتراوح صورة الإله المجرد بين لحظتين متضادتين: التجريد الأقصى والوحدانية ، وبين التعددية والملموسية المباشرة.
في التجريد الأقصى تقع صورة في العزلة والنأي عن الوجود المادي ويستحيل معرفة كيف تتم العلاقة بين المجرد الكلي والأشياء ، وفي التعددية والملموسية ، تقع صورة الإله في دائرة الامتداد والحركة والتجسيم.
إن الرعاة وهم يريدون تشكيل دولتهم يستعينون بفكرة الإله الوحيد ، تعبيراً عن الرغبة في الدولة الموحَّدة ، وحين يقتحمون البلاد الزراعية ، يريدون الاحتفاظ بهذه الواحدية ، التي يرفضها سكان المناطق الزراعية.
إن صورة الإله الوحيد المطلق تظهر إذن وهي لا تزال في دوائر التجسيم ، لم تصر شيئاً مجرداً، لكونها تمثـل تطوراً في نمو الأساطير ، وليس نتاج الفكر المجرد. إن الأسطورة العبرية ، وقد تشكلت من رغبة في تشكيل دولة وإله خاص مسلح ، تحتك وتصارع أساطير أمم المشرق (العربي) ، ثم يقوم مثـقفوها بالاستفادة من التراث الرافدي والمصري ، ليغنوا صورة إلههم الفقير روحياً ، والمنتزع من براكين البحر الأحمر ، فيأخذوا من هذا الإرث مسألة الخلق الأول لأبي البشر وقصة نوح وأيوب وغيرها من القصص والعناصر ، وتلغى تعددية الآلهة بما يتوافق مع مركزية السلطة وواحدية الإله. ثم يعود هذا الإرث إلى فلسطين ليبدأ نزاع جديد.
لقد أنتصر الإله الرعوي بإرث المناطق الحضارية ، فعرف العبرانيون كيف يستغلون ثروة أمم المشرق الروحية والمادية ، ودون أن تتشكل الدولة ـ الحلم.
ولكن حين جاء الإغريق ثم الرومان المحتـلون لم يستطع هذا الإله أن يكون أداة مقاومة ، فهو لم يكن موجهاً للأمم الغريبة (الأغيار) ، وهو مع تواجده في منطقة الخصب الزراعي ، وقف نائياً ورافضاً تقاليدها وطقوسها الاحتفالية الربيعية ، وهي ذات المكانة المركزية في حياة الفلاحين ، إن عداءه لأيل وبعل ، كان يدفع أمم المشرق لإنتاج وعي جديد يتجاوز الديانات الوثنية من جهة ، والديانة الرعوية الانعزالية اليهودية ، من جهة أخرى.
إن نمو المسيحية من رحم اليهودية لم يحدث إلا بسبب إنتاج اليهودية لصورة لإله غير وثـني ، وهي التي ستكون تجاوزاً للتفتيت السياسي ، ففيها حلم توحيد المشرق (العربي) عبر سلطة واحدة، هي نفي للماضي المتشرذم ، وللهيمنة الأجنبية ، وهي كذلك استعادة لآن وأيل ورع ، وقد تخلصوا من ثيابهم الوطنية ، ولكن المسيحية هي أيضاً تموز وبعل وأدونيس وأوزوريس ، هي الابن الفادي ، والإله الذبيح ، أي هي أيضاً استمرار للاحتفالات الطقسية القديمة ، إرث شعوب المشرق الزراعية الطويل. هكذا يغدو الأب والابن تجاوزاً للمسميات وتوحيداً لها في أسمين عائلين مجردين وعامين ومخصوصين. لكن المسيحية وقد اعتمدت اللاعنف ، وتغلغلت بين الفلاحين وسكان المدن والعبيد ، عجزت عن الوصول لتوحيد سكان المشرق العربي ، مركز الفعل الحضاري في الشرق الأدنى ، وخاصة الأقسام الرعوية الواسعة ، التي أصبحت تمتلك قدرات سكانية كبيرة. ثم دخلت المسيحية في انقسامات وتم استيعابها من قبل الإمبراطورية الرومانية ، فلم تستطع القيام بمهمات توحيد المنطقة و«تحريرها».
إن الأديان المشرقية : اليهودية والمسيحية والإسلام تمثـل إذن درجات المقاومة المتصاعدة من الحلقة الأقل حضوراً إلى الحلقة الأوسع والأقوى سكاناً.
التوحيد العربي
كانت هذه المهمة من نصيب القوم الرعاة وهم العرب ، الذين أتاحت ظروف جزيرتهم العربية ، المحكمة الإغلاق أن يتكاثروا فيها ويتطوروا ، ولا توجد منطقة رعوية بها هذه الخصائص الفريدة ، حيث القرب من المناطق الحضارية المركزية ، واستيعاب منجزاتها ، والنأي أيضاً عن سيطرتها .إن عشرة قرون من الاحتلالات الأجنبية للمشرق الذي أخذت تتشكل فيه جذور للعروبة ، والتي تمتد من عمق الجزيرة حتى بوادي الشام ، لم تظهر فيه قوة محلية قادرة على طرد الغزاة ، وقد أصبحت السيطرتان الرومانية والفارسية عبئاً ثقيلاً على المنطقة ، حيث تذهب الفوائض المالية إلى العاصمتين فتهدرانها في البذخ والحروب ، ولهذا فإن المناطق الرعوية والريفية تعيشان أزمة اقتصادية . ومن المعروف كيف تدهورت حياة أسرة هاشم بن عبد مناف ، وكيف تفاقمت الديون وحياة الفقر في مكة على سبيل المثال.
وقد أخذت الجزيرة العربية منذ زمن بعيد الإرث الثقافي للمشرق ، وخاصة للقبائل والشعوب السامية الشمالية ، وقد كان الاحتكاك بين الجانبين كبيراً وعميقاً على مر التاريخ.
(يبدو أن مفهوم «آن» ـ (السيد) ظهر في التاريخ في حوض النهرين الأدنى قبل الألف الرابع ق . م. وظل كصفة للقوة والسلطة المطلقتين اللتين توحي بهما السماء (الله بمفهومنا) مترسخاً في الذهنية الحضارية السورية لأكثر من ألفي سنة. وفي العصور المتأخرة ساد هذا المفهوم أيضاً في العربيتين الشمالية والجنوبية) ، (22).
ويذكر المؤلف في العديد من الصفحات الأماكن التي التصقت بآن وأيل في مختلف أنحاء المشرق كظهران وجيزان وغمران ، أو سعد إيل وتيم إيل (23) .
إن تحرك إيل أو آن نحو المناطق الأشد رعوية كان لا بد أن يؤدي إلى تغيرات في بنيته ، فقد ظهر في عالم المدينة ـ الدولة ذات المحيط الزراعي ، وداخل شبكة من الآلهة المتعددة ، تعبيراً عن الوحدة الصراعية بين الدولة المتعالية والجسم الفلاحي.
لم يحدث الإنفكاك بين صورة الإله المجردة ومحيطه الزراعي إلا في لحظتين سياسيتين ، هما لحظة الإله آتون ولحظة الإله يهوه ، وكلتا اللحظتان تشيران إلى مشروعين سياسيين تحوليين هامين في المنطقة ، فإخناتون حاول الإطاحة بتعددية السلطات الدينية والسياسية ، وتركيزها في يديه ، فواجه الكهنة ولكن لم يستطع أن ينتصر لأسباب تاريخية واجتماعية عميقة ، فتكوين الإله المجرد المفارق كلياً للأرض الاجتماعية الزراعية التي تكون منها ، وظل على علاقة صراعية متداخلة بها ، أمر لم يحدث ولم يتشكل.
إن هذه الإمكانية ممكنة فقط في حالات مخاض العالم الرعوي عن مشروع تكوين سياسي جديد ، ولعل ثمة علاقات بين إخناتون والعالم الرعوي ، أي أن ثمة مواداً مشرقية تغلغلت في الوعي المصري السائد وراحت تحفزه للتوحيد الاجتماعي وتذويب الوحدات الاقتصادية والسياسية والفكرية المفككة ، في تكوين سياسي واحد وصلب . إلا إن هذا يحتاج إلى أساس اجتماعي مختلف ، أي إلى تنام لعلاقات اقتصادية لا تسود فيها الحياة الزراعية. وكان هذا أمراً غير ممكن موضوعياً في مصر.
واللحظة الثانية ، وقد أشرنا إليها سابقاً ، وهي لحظة الإله يهوه ، المنتزع من عالم غير زراعي، والتي أعطته فترته السياسية التكوينية ، بين المشروع وتجسيده ، إمكانية التجريد والعلو فوق العالم الزراعي وبنيته ، دون أن يتمكن من المفارقة والتجريد الحقيقي ، فظل إلهاً ملموساً لقبائل تريد غزو أرض زراعية ، وحين حكمتها ، لم تستطع إلا أن تتردد بين صورتي الإله المختـلفتين. ولم يصبح هذا الإله مجرداً ومنفصلاً عن البنية الزراعية إلا حين أصبحت الجماعات اليهودية مالية وتجارية ، وانفصلت بشكل كبير عن فلسطين ، وغدت قوة النقود واستغلال الأمم الأخرى هو ما يوحدها.
ونستطيع أن نلاحظ إن ثمة قوة مقاومة للاحتلال الروماني والفارسي عبر هذا الحراك الفكري الذي تشكل من المخاض الاجتماعي السياسي الطويل في المنطقة على مدى عشرة قرون ، فإذا كان اليهود قد جمعوا فسيفساء الوعي الديني وأدلجوه لصالح تجربة القبائل اليهودية لتشكيل وطن أو للعودة إليه ، فإنهم كذلك ناضلوا من أجل الإله الواحد الذي يحاول أن ينسحب من التقاليد الزراعية الوثنية التعددية ، فيدعو للقوة وعسكرة القبائل ، لكن المادة البشرية اليهودية المحدودة لم تكن مؤهلة لخلق الوحدة وطرد الغزاة.
في حين إن المسيحية التي كانت أبنة التطور الفكري والسياسي للمنطقة ، استطاع مثقفون ينتمون للحضارة الإغريقية ـ الرومانية أن يحولوها إلى استجابة فكرية أيديولوجية لحاجات الإمبراطورية الرومانية في التوحيد والتجميع. ومن هنا تغلغلت المسيحية في العالم المسيطر والعالم المسيطر عليه ، في البلد المهيمن والبلدان المهيمن عليها والمنهوبة. ولم يعد ثمة فرق بين من يستغل ويتلقى العذاب ، ومن يقوم بالاستغلال والتعذيب ، عبر مجموعة من الأفكار التي راحت تنمو وتتجير لصالح توليفة من الانسجام والتوفيق بين الأطراف المختلفة المتصارعة ، سواء عبر أفكار تتجاوز اليهودية المحصورة ، أي عبر إلغاء «الخطيئة» الأصلية الذي يعني تجاوز اليهودية واستيعابها ، ومن خلال نشر ثـقافة اللاعنف والتسامح ، بحيث يتشكل مخرج تاريخي لنظام العبودية المتعدد الألوان بين الغرب والشرق ، وتستعيد الزراعة دورها التاريخي ويتم تخفيف العبودية الخ .
وهكذا فإن المسيحية عبر تطورها ، الخاضع لهيمنة الثـقافة الإغريقية ـ الرومانية ، انفصمت حينئذٍ عن الحاجات السياسية والاجتماعية الملحة للمشرق ، وغدت وعياً سياسياً يتجه لتغيير بؤرة السلطة في العاصمة السياسية للإمبراطورية. وغدت تخفيفاً من الهدر الإلهي التعددي الوثني وتركيزاً له واختزالاً لبذخه ، فصار انتصار التثـليث موظفاً للحاجات السياسية للإمبراطورية أكثر منه للشعوب ، وخاصة المشرقية ولشعوب شمال أفريقيا المستغلة كذلك ، وسوف يكون تغلغل المسيحية في عالم الغرب الزراعي أكثر منه في عالم المشرق الزراعي ـ الرعوي.
وقد أستمر الغليان المسيحي في المشرق ، مركز إنتاج الفكر الديني ، وظهرت حركات المعارضة المسيحية الكبيرة فيه ، مما يعبر إن صراع المصالح ، صراع الطبقات ، لم توقفه المظلة التسامحية ، وعبرت النسطورية عن مهاجمة قلب العقيدة الرسمية التي شكلتها الدولة ، فألغت التثليث الإلهي ، وهذا ما فعلته الفكرة الآريوسية بإنكار أن يكون المسيح إلهاً.
إن هذه الإنشقاقات الفكرية كانت الشكل الفكري للاستقلال السياسي ، ولكن كما أوضحنا أعلاه ، كان المسيحيون العرب والمشرقيون بلا قوة عسكرية كبيرة ، وكما قلنا كذلك فإن التغيرات الثورية الداخلية كانت شبه مستحيلة للسكان المزارعين والعامة المدنيين ، ومثـلت المسيحية ذاتها شكلاً للتوافق والتصالح والمسالمة.
لقد أخذت الاتجاهات التوحيدية تنمو في الجزيرة العربية ، بسبب المصالح المشتركة لقبائلها العربية ، ولتنامي العلاقات الاقتصادية والفكرية بينها ، وكانت العبادات الوثنية ، التي عبرت عن مصالح مستقلة للقبائل والمناطق، لم تعد تستجيب لعلاقات التوحيد الاجتماعية والسياسية المتصاعدة.
إن شبكة الإلهة الوثنية عبرت عن مكانة مركزية منهارة للمرأة ، فقد سيطرت الإلهات الأنثى : اللات والعزى ومناة ، على القبيلة الإلهية ، ولكن الإله الذكوري (هبل) كان يتمتع بمكانة خاصة، غير أن سيطرة الآلهات الأنثويات يمثل تناقضاً كبيراً مع تنامي العلاقات الأبوية الذكورية القوية، ولم يكن ثمة من المرحلة الأمومية سوى بقايا أسماء ، وكانت كافة أسس الحضارة قد تشكلت بين القبائل المسماة عدنانية ، وهي التي كانت ضاربة في البداوة ، بخلاف القبائل القحطانية التي استقرت في اليمن وكونت دولاً ، غير إنها لم تستطع القيام بالتوحيد السياسي للمنطقة ، لأسباب تتعلق كذلك بالبنية الزراعية المفككة ، وقد ضعفت الزراعة مع انهيار سد مأرب ، وعودة الكثير من القبائل اليمنية للارتحال والبداوة. إن هذا قد وضع كذلك أسساً للتقارب بين التجمعين العربيين الكبيرين ، إلا أن التمايز القبلي سيظل لفترة طويلة.
لقد أدى هذا إلى المزيد من التدهور المعيشي لغالبية السكان ، وأزداد ذلك باستمرار الحروب ، كما أشرنا ، بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، وكذلك الحروب الأهلية العربية .
لقد تضخم عدد القبائل الرعوية في الجزيرة ، وأصبح العدنانيون (القيسيون) القوة الكبرى فيها ، وتشكلت لهم مدن هامة ، خاصة مكة التي أخذت تلعب دوراً توحيدياً تجميعياً ، وكان موقعهم المتميز الواسع في الشمال والغرب قد جعلهم قادرين على توحيد الجزيرة وقبائلها.
كيف كانت استجابة الوعي الديني للعمليات الاقتصادية والاجتماعية التوحيدية ؟
بطبيعة الحال كان العرب في وضع استقبال طويل للمؤثرات العربية الشمالية خاصة ، حيث كان التداخل والتفاعل الطويل.
(في أوغاريت ، ومنذ الألف الرابع قبل الميلاد ، قام أتباع إيل وبشكل حاسم ، بإلغاء كل حضور للأرباب من الطقوس الدينية للبلاد ، فبعل أقوى الأرباب الأوغارتيين ، صار الآن شيطاناً أكبر ، وزعيماً للأبالسة ، وكذلك عشتار التي أصبحت علة للانحلال الخلقي ومصدراً للإباحية الجنسية.)، (24).
إن حصول الصراع بين أتباع أيل وبعل ، بين الإله الممثل للسلطة العليا ، وآلهة البنية الزراعية، هو ظاهرة أخذت تتنامى في المنطقة الشمالية من المشرق ، بسبب تصاعد العمليات التوحيدية السياسية ، وبسبب تدفق الرعاة المستمر ، الذين أخذوا يجعلون المنطقة بدوية أكثر فأكثر. كذلك فإن مهمة توحيد المنطقة وطرد الغزاة ، كانت تنمو عبر القرون. لكن هذا الصراع ظل مستمراً دون حسم بسبب التداخل بين البنيتين الرعوية والزراعية ، وعدم قدرة المؤسسات السياسية على الانفصال الكلي عن الجمهور.
لقد رأينا كيف توغلت الآلهة الشمالية في الجزيرة العربية ، وكان إندغام أسمي أيل وآن بمناطقها ومدنها وأسماء البشر والآلهة فيها مؤشر على الترابط والتلاحم بين الجزئين العربيين ، ولكن تطور مكانة أيل خاصة ، يعبر عن النفوذ الفكري المتزايد للشمال السوري مثلما أخذت البادية السورية تصبح امتداداً لتدفق الرعاة من الجنوب.
(لاحظ جورجي كنعان في كتابه (تاريخ الله) أن النقوش التي عثر عليها في الإمارات الآرامية تتضمن إشارات واضحة إلى التطور الذي لحق باللفظ (إيل) منذ الألف الأول ق. م . من حيث البنية والمدلول ، فمن حيث البنية ترددت في النقوش صيغ متعددة لــ «إيل» مثل (ال ه) ، (ال ها) ، (ال هه) ، (ال هم) ، (اله ى ا) . ومن حيث المدلول تحولت الصفة (إيل) عند العرب القدماء إلى لفظة (الله) فكان من الطبيعي أن يدخلوه في تركيب أسمائهم مثل : ماء الله ـ سعد الله ـ الخ) ، (25).
وفي اليمامة كانت عبادة (الرحمن) منتشرة ، وهو أسم يجمع بين الرحم ، وهو صلة القرابة المقدسة ، والإله آن .
لا نستطيع أن نقول إن إيل قد تخلص من الآلهة الزراعية ، وصار تجريداً كاملاً ، فالبقع الزراعية قد شهدت الاحتفالات الطقوسية الاخصابية ، وقد كانت جذور الحج الوثني إلى مكة تحمل سمات ذلك ، عبر شرب الخمور ولبس ملابس قليلة وتقديم الذبائح إلى الأصنام.
لكن ضخامة الجسم العربي الرعوي ، وضآلة المناطق الزراعية ، وعملية التوحيد المستمرة في بنية الجزيرة العربية ، والدور القيادي المكي في ذلك ، جعلت عملية التجريد الواسعة تكبر في رمز الله ، نفياً للإلهة الأنثى الملحقة به وهي (اللات) ، تعبيراً عن الانفصال الحضاري الكامل عن المجتمع الأمومي ، ولكافة شبكة الآلهة المفتتة للجسم الاجتماعي ، و تعبيراً عن تشكل المؤسسات السياسية الحاكمة وصعود الحاكم الفرد كذلك ، والانتقال إلى الحضارة.
هنا حدثت عملية التجريد الثالثة دون صعوبات هائلة كما حدث في عمليتي آمون ويهوه ، بسبب محدودية الإرث الزراعي وطقوسه ، والدور الكبير الذي تلعبه القبائل الرعوية ، فغدت عملية التوحيد الدينية والسياسية عسكرة لهذا القبائل وتوجيهها نحو التوسع وتغيير طابع المنطقة وطرد القوى الأجنبية منها وإحداث عملية تقدم حضارية كبرى بها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فصل من كتاب: انظر عبـــــــدالله خلــــــــيفة/ الاتجاهات المثالية في الفلسفية العربية الإسلامية، والذي يعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية.
المصادر :
(1): (راجع: تاريخ الشرق الأدنى القديم، د. محمد أبو المحاسن عصفور، دار النهضة العربية1984، بيروت ص 60 ــ 62).
(2): (فبما أن البشر قد خلقوا لخدمة الألوهة (…) فان كل مدينة دولة قد كانت استثمارة للألوهة خاصة ببنية قرابية (مجتمع) مخصوصة، ومكرسة للألوهة المطلقة في شخص أحد أرباب الكون المخلوق) (الميراث العظيم، أحمد يوسف داود، سلسلة القسام الفكرية،1991 دار المستقبل، دمشق، ص302).
(3): حول هذه المدينة المسيطرة على الفضاء التاريخي نقرأ: (مساحة المدينة ميلاً مربعاً، وبساتينها ميلاً مربعاً آخر، وتبلغ حفر الطين ميلاً مربعاً، وكذلك أرض الفلاة المحيطة بمعبد عشتار. ثلاثة أميال مربعة ومساحة من أرض الفلاة تكون مدينة أوروك) (ملحمة جلجامش، من كتاب (أساطير من بلاد الرافدين، ترجمة نجوى نصر، دار بيسان،199، ط 1).
(4): ( جذور الاستبداد ، عبد الغفار مكاوي ،عالم المعرفة ، العدد192 ، ص59، الكويت).
(5): إن هذه البنية الاقتصادية ـ الاجتماعية هي أساس النظام، في حين تتبدل الهياكل السياسية دون مس كبير لأسس البنية، يقول مؤلف كتاب (الميراث العظيم) حول تجربة مصر: (لكن وجود الدولة المركزية لم يكن يعني ـ على ما يبدو ـ تغيير الشيء الكثير في جوهر التركيب الجمعي وحتى الإداري. فقد ظلت المدينة ـ الدولة أساساً في تكوين الدولة القطرية، وهو ما تتكشف عنه متابعة الدراسات المكتوبة في تاريخ مصر القديمة.)، ( الميراث العظيم، ص 299.).
(6): (مغامرة العقل الأولى، فرس السواح، دار علاء الدين، ط1، ص31.)
(7): ( المصدر السابق صفحات:32، 33 ).
(8): (راجع كذلك المصدر السابق، ص94 ـ 97).
(9): (المصدر السابق، ص 39).
(10): (أساطير من بلاد الرافدين، دار بـيسان، ترجمة د. نجوى نصر،1991 ، ص 124).
(10): (الإسلام وملحمة الخلق والأسطورة، تركي علي الربيعو. المركز الثقافي العربي، ط1،1992، ص114.).
(11) :(المصدر السابق، ص 115.).
(12): (المصدر السابق، ص 119.).
(14): (يقترب أبن خلدون من رؤية تاريخ المنطقة وهيمنة القوى الرعوية فيها في كلامه عن ضرورة الاعتبار لما:(وقع في العرب لما انقرض ملك عاد قام به من بعدهم إخوانهم من ثمود ومن بعدهم إخوانهم العمالقة ومن بعدهم إخوانهم من حمير ومن بعدهم إخوانهم التبابعة من حمير أيضاً ومن بعدهم الإذواء كذلك جاءت الدولة لمضر وكذا الفرس لما أنقرض أمر الكينية ملك بعدهم الساسانية حتى تأذن الله بانقراضهم أجمع بالإسلام وكذا اليونانيون أنقرض أمرهم وأنتقل إلى إخوانهم من الروم وكذا البربر بالمغرب الخ ..)، (المقدمة، فصل في الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من أمة فلا بد من عوده إلى شعب آخر منها ما دامت العصبية، 116، طبعة دار العودة).
(15): (جذور الاستبداد، ص 168).
(16): (وكان طبيعياً أن يصنع خيال الحكماء الشعبيين في وقت المحنة والظلم، إلهاً يشاركهم محنتهم ومظلمتهم، فيموت جوراً، كما يموت المسخرون حول الأهرامات العتيدة، وتنطبع الأسطورة الجديدة بطابع جديد على الفكر المصري، فتحول همها إلى الفقراء، ومشاكل العوز والحاجة، وآمال الضعفاء وطموحاتهم، وتصور الحل الأمثل لهذا الوضع الاجتماعي المختل، لتصبح الأوزيرية هي التعبير الأيديولوجي عن الثورة الشعبية)، ( أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة ، سيد محمود القمني ، كتاب الفكر ط 1، 1988، ص144.).
(17): (تاريخ جهنم، جورج بنوا، منشورات عويدات، ط 1، بيروت).
(18): (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي، الجزء الثاني، الفصل الثامن عشر : العرب والرومان ).
(19): (أشارت تلك النصوص الرافدية، المدونة في القرن التاسع قبل الميلاد ، إلى ملكات عربيات ..)، كتاب (رب الزمان، سيد محمود القمني، الناشر مدبولي الصغير، الطبعة الأولى، ص 194).
(20): (النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة، سيد القمني، المركز المصري لبحوث الحضارة، الجزء الثاني، ص 238).
(21): (يقول لويس عوض في كتابه ( فقه اللغة العربية): (ولا شك أن العرب حين نزلوا شبه الجزيرة العربية إنما نزلوا على سكان أصليين كانوا فيها من قبل ، كان منهم العماليق الذين نعرف من قصة ” الخروج ” في التوراة أنهم كانوا مستقرين من الحجاز إلى جنوب فلسطين من قبل خروج بني إسرائيل وهؤلاء أستطعنا تحديدهم بجحافل الهكسوس المطرودين من مصر في القرن الخامس عشر ق. م.)، (سينا للنشر ، ط1، ص52 .).
(22): (تاريخ الله: إيل ـ العالي ، جورجي كعان ، بيسان للنشر والتوزيع ، بيروت ، ط 2 ، ص 179.).
(23): (راجع الصفحات180 ــ 204 من المصدر السابق).
(24): (فرس السواح، لغز عشتار، ص349).
(25): (الأحناف ، عماد الصباغ، دار الحصاد، ط 1، ص 26).




