أرشيف التصنيف: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

الاتجاهات المثالية في الفلسفية العربية الإسلامية : قراءة جديدة لظاهرات الوعي العربي

كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة


1 ₪ قراءة جديدة لظاهرات الوعي العربي


توطئة
يتناول هذا الكتاب ظاهرات الوعي العربي ـ الإسلامي بجانبيه الأساسيين : الدين والفلسفة، و بجذور هذا الوعي الأولى ، وهو يتشكل وينمو من المرحلة الجاهلية فظهور الإسلام وتشكل الدولة الإسلامية وحتى نهاية الدولة الأموية. إن هذا يمثل الجزء الأول من البحث المطول ، حيث أن ثمة أجزاء أخرى تعالج المراحل التالية .
وهذا موضوع ليس جديداً ، فهو كان ولا يزال مركزاً لدراسات لا تتوقف ، فلا بد أن يحمل هذا الجهد الجديد شيئاً مختلفاً ، يضيف إلى هذا الكم والنوع الكبير ، مساحة مختلفة من الرؤية.
وبطبيعة الحال فإن الباحث تجشم هذا العناء من أجل أن يطرح وجهة نظر مختلفة ، فالعمل هو رؤية جديدة إلى الوعي العربي ، تجعله كائناً تاريخياً مركباً ، فالوعي العربي ـ الإسلامي الذي تشكل في الجزيرة العربية ، لم ُتبحث جذوره التاريخية الممتدة إلى التاريخ القديم في المنطقة ، وإلى تضاريسها الجغرافية / الاقتصادية ، وإلى كونه مستوى في بنية اجتماعية متضادة متغيرة دوماً.
فإن يظهر الوعي العربي ، بصفة وثنية ، ثم ينعطف إلى الطبيعة الدينية التوحيدية ، فإن ذلك لا يتم في إطاره التاريخي المعزول عن الطبقات التاريخية السابقة ، ولا عن التطورات الفكرية في منطقته المشرقية ، التي غدت بعدئذٍ عربية ، ولا عن بنيته الاجتماعية الخاصة التي يقوم بتكوينها ، جدلاً مع التاريخ ، وحفراً في الحاضر.
إن بحث الطبقات التاريخية القديمة في المشرق ، عبر رؤية الأنظمة الاجتماعية المتشكلة ، وخاصة جوانبها الفكرية ، يقود إلى تحديد أنماط هذه الحضارات ، وأسباب تحجرها في نمط إنتاجي معين ، ليرى المحطة التي دخل فيها العرب ، والظاهرات المختلفة ، التي جعلت الإسلام يظهر بتلك الصورة التحويلية لهذا العالم المتجمد عند تشكيلته الاقتصادية ـ الاجتماعية.
إن قراءة التاريخ العربي / الإسلامي عبر تحليله من خلال جذوره في الماضي ، هو أمر سيفتح مستويات وعي البنية العربية / الإسلامية ، فهذا الوعي العربي المتنامي أخذ عناصر فكرية من الماضي كفكرة الآلهة أو الإله الواحد أو دور السماء كمركز لإنتاج الوعي المطلق وبعض أسماء الأنبياء وبعض الأفكار الدينية الخ..
ونحن نقوم بدراسة البنية الأولى ، بنية العصر القديم عبر هياكلها الإنتاجية ومستوياتها الفكرية ، ونقوم بالربط بين خيوط المرحلتين ، أي نرى كيف تواجدت تلك العناصر الفكرية في بنية الوعي العربي وأسباب تطورها بهذا الاتجاه داخله.
وقد ركزنا خاصة على بنية المجتمع العراقي الجنوبي ، وعلى الخطوط العريضة لتطور الإنتاج والوعي فيها ، وعلى الخطوط العريضة لتطور الوعي الديني في مصر ، بحيث نكتشف طبيعة النظام الاجتماعي المشترك ، ودور هذا النظام الاجتماعي المشترك في تجمد التطور التاريخي ، أي في البقاء ضمن تشكيلة اقتصادية ـ اجتماعية واحدة.
فالوعي العربي ، ومن ثم تطوره اللاحق ، الوعي الإسلامي ، وهو ينمو داخل بنيته الاجتماعية يقوم باستعادة تلك العناصر من العصر القديم ، سواء عبر علاقته المباشرة ، أو من خلال التأثيرات الفكرية التي تأطرت من خلال الأديان : الوثني ، واليهودي ، و المسيحي.
أننا سنقوم برؤية علاقة التداخل هذه ، سواء بالاستفادة من المؤثرات أم بتجاوزها ، وبناء منظومة جديدة . ولكن علاقة التداخل هذه ستكون معقدة وذات مستويات ، ففي المرحلة الجاهلية تكون العلاقة مختلفة عن المراحل التالية ، بحيث إن العلاقة تحكمها تطورات البنية الاجتماعية الداخلية، فاسترجاع الماضي ، أو الاستفادة من المؤثرات القادمة من الخارج ستخضع لهذه البنية الداخلية وصراعاتها.
إن هذا يقودنا إلى تحديد نمط وتطور البنية الاجتماعية العربية، أي دراسة الخطوط الرئيسية لإنتاجها ، وأشكال الوعي السائدة فيها ، حيث سندرس طبيعة البنية ” الرعوية ” وتأثيراتها الكبيرة على الوعي والتطورات الاجتماعية والفكرية والسياسية.
ولكن دراسة البنية الاجتماعية لا يجعلنا مأسورين في طابعها التـقني ، أي أن نعتبر الرعي اتجاهات فكرية وسياسية ، بل نحن نعتبره علاقات اجتماعية واقتصادية معينة ، في حين إن الاتجاهات الفكرية والسياسية تعود إلى مستوى آخر ، لكنها ترتبط كذلك بالظروف الاجتماعية السائدة.
فإذا كان الإسلام ظاهرة نمت بين الرعاة وفي هذا المجتمع العربي الرعوي فلا بد أن تكون جذوره مربوطة بمستويات هذا المجتمع ، ولكنه من حيث الإتجاه هو تحول حضاري يتجاوز مجتمع الرعاة هذا ، ويستهدف تخطيه وتمدينه. وهنا تتشكل علاقة الدرس والتحليل للعلاقة بين المدينة [ مكة ] كقائدة حضارية لهؤلاء الرعاة . وبين القيادة الطليعية والجسم الاجتماعي تتكون علاقات معقدة من التداخل والتجاوز.
إن سيادة الجسم الرعوي تعبر في حد ذاتها عن مستوى البنية ، وبالتالي فإن الاتجاهات الحضرية فيها لم تقم بحسم عملية التطور الاجتماعي ، والدخول في بنية اجتماعية ذات نظام سياسي محدد، وكان الرعاة ( الساميون ) لهم تجارب في هذا القفز التاريخي، وعبر ذلك كانت العلاقات الاجتماعية العليا تحمل العلاقات الاجتماعية الدنيا، في مركب غير متناسق،(1).
والإسلام نفسه هو العملية الحضارية الهادفة إلى تغيير هذه البنية الرعوية السائدة ، وهو يظهر من خلال موقع اجتماعي وفكري محدد ، حيث برز كثورة ، أي أنه صعد من خلال تحالف اجتماعي طليعي مقاتل ، وإن هذا التحالف هو الذي جعله يرتبط بأغلبية السكان ، وبالتالي يعيد تشكيل الجزيرة والمشرق والعالم المحيط من خلالها.
لكن هذا الاتجاه يخضع لعملية التطور والصراع بين الجماعات الاجتماعية ولمستويات تطورها وفاعلياتها ، وبهذا فإن البنية الاجتماعية الرعوية أساساً خاضعة للصراعات الداخلية وللمؤثرات الخارجية ، خاصة عملية الفتوح التي سادتها القبائل الرعوية ومستوياتها الاجتماعية والفكرية ، وقادها المركز القرشي.
وبهذا فإن البنية الاجتماعية للعهد النبوي تختلف عن البنية الاجتماعية للعهد الراشدي ، من حيث كون الأولى عربية ـ جزيرية بدرجة أساسية ، وكون طبيعة حركتها الاجتماعية وطريقة تقسيمها وتوزيعها للملكية ، وبسبب غياب الدولة وملكيتها ولبداية تشكل أجهزتها ، في حين إن بنية العهد الراشدي اعتمدت على حركة الفتوح وهجرة السكان المقاتلين وعوائلهم إلى الأمصار وبدء تشكل الدولة العربية الواسعة التي تضم المشرق العربي والإسلامي ، الذي لم يصر عربياً وإسلامياً بعد حينذاك.
إن بنية العهد الراشدي تعتمد على ظهور ملكية الدولة للأراضي العامة [ الصوافي ] ، وظهور نمط جديد من الإنتاج والتوزيع ، وهذا ما أدى إلى سلسلة من التغيرات الاجتماعية والفكرية ، ومع ترسخ هذه البنية واستعادت الهياكل الاقتصادية العائدة للعصر القديم ، تبدأ صراعات اجتماعية وسياسية عميقة في هذه البنية ، تفضي إلى النظام السياسي الأموي.
وتتوغل الدراسةُ في بنية النظام الأموي وتناقضاتها وسيرورة الصراعات داخلها وسببيتها ، بحيث نقوم بوضع الخطوط العريضة لتطور المجتمع العربي / الإسلامي في هذه المراحل الاجتماعية والسياسية المتعددة ، أي نقرأ عملية انتقاله من البداوة إلى الحضارة ، و طبيعة الصراعات وأشكالها ومضامينها ، بحيث نصل إلى دراسة التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية التي أستقر عليها.


2 ₪ موقع الاتجاهات المثالية من التطور الاجتماعي


إن قراءة هذه الخطوط العريضة والتفصيلية للتطور الاجتماعي لا تفصلنا عن دراسة بؤرة الموضوع ، وهي مسألة الاتجاهات الفكرية المثالية.
إن المثالية عموماً هي وجهات النظر التي ترى أسبقية الوعي على الوجود ، وهذه الأسبقية قد تكون من خلال أسبقية الألوهية أو الأفكار أو الماهيات والجواهر في صنع العالم ، أو أسبقية الوعي الفردي ، (2) .
وقد أعطى الإنسان قديماً الأرواح المختلفة القدرة على التحكم في الوجود المادي والمصير الإنساني ، وكان الإنسان ـ الحيوان جزءً مادياً ملتصقاً بالطبيعة عبر مئات الآلاف من السنين ، وحين بدأ الانفصال البطيء الطويل المحدود عنها ، عبر العمل كانت تبعيته مع ذلك للطبيعة عميقة وغائرة في هياكله الاجتماعية والفكرية ، سواء عبر المنظومة العشائرية ، أم عبر سيطرة الأرواح وأرواح الأجداد والطواطم وعبادة الأمهات والكواكب والنجوم ، على وعيه وتنظيم حياته.
إن انقسام الأرواح إلى خيرة وشريرة كانت تعبر عن الطابع المتناقض للظاهرات الكونية والمادية والبشرية ، وهي تنمو عبر التمحور في كائنات ما ورائية مطلقة ، هي الأرواح والآلهة والشياطين والمسوخ المختلفة الخ..
إن تبعية الإنسان للطبيعة هنا ، وعدم وجود قدرات إنتاجية تحويلية لديه ، كانت تقود إلى سيطرة القوى الما ورائية المختلفة ، تعبيراً عن الجوانب والقوى المادية في الكون والحياة التي تهيمن عليه.
وهكذا فإنه أوجد الرؤى والشخوص المتخصصة في التحكم في هذا الإنتاج الروحي ، كشكل أولي سحري من المثالية ، أي عبر هذا الوعي الذي يعطي الخارج الميتافيزيقي القدرة على السيطرة على الداخل الإنساني ، سواء كان هذا الداخل تنظيماً اجتماعياً أم أفكاراً ومشاعر.
هذه الطبقة من الرؤى السحرية والطقوسية هي الجذور الأولى للوعي الإنساني ، وهي التي تواجدت مع تشكل الحضارة البشرية في منطقة المشرق ، وبدء تحول القرى إلى مدن وظهور الدولة والطبقات الخ..
لا بد أن نلاحظ التمايزات التي تشكلت في المشرق [ العربي ] منذ البدء عن المناطق الاجتماعية ـ الفكرية الأخرى ، كالمنطقة الهندية ، والصينية وغيرهما ، حيث لعبت العناصر الطبيعية [ السماوية ] خاصة من نجوم وكواكب ومطر وشمس وأنهار دورها في الانقسامية الكبرى للأرواح الخيرة والشريرة ، ثم في التشكل الثنائي المتضاد لها ، حيث للأولى الجوانب العليا المهيمنة الطيبة الخيرة، وللثانية المستويات الدنيا وحدوث الانفصال الكلي المطلق بينهما .
كانت هذه تركيبة متداخلة مع العصر الأمومي ، وكانت هذه الأخيرة تشكل آلهة أنثوية إنتاجية ومسالمة ، ولكن مع تشكل الحضارة في جنوب العراق وصعود المدن من قرى المستنقعات ، وظهور السلطات والطبقات ، فإن تلك التركيبة السماوية الشاملة ، سوف تصعد الأرواح والآلهة الصغيرة والقبائل الإلهية لتحكم السماء وتسيطر على تنظيم الكون والحياة الإنسانية ، بشكل شرس وعنيف ومتفرد . كذلك فإن هذا يترافق مع انتقال الحضارة من المجموعات السومرية الزراعية المسالمة إلى القبائل السامية الرعوية العنيفة.
إن تبلور الأرواح على شكل آلهة عليا ترافق وانقسام العمل إلى عمل يدوي وذهني ، وحصول السحرة والكهنة والملوك على موقع أعلى من المنتجين ، فأخذ الأولون عبر الرموز السماوية كالكواكب والنجوم في تجسيد السلطة المتعالية.
لقد أخذت المثالية صيغتها الأولى من السحر والطقوس والأديان البدائية ، حيث القوى الغيبية المختلفة تسيطر على بناء الطبيعة ، فتنهدس الكون وتشكله من خلال المواد الطبيعية والاجتماعية المتاحة لها، سواء كانت عبر المعارك مع الحيوانات الخرافية أم مع قوى الطبيعة الملتحمة بها كالبحر والسماء والنجوم والعواصف والطوفان الخ..
ثم هي لا تكتفي بتشكيل الطبيعة في المدة الزمنية القصيرة الممدة على أيام الأسبوع ، بل أيضاً تقوم بتنظيم الحياة الاجتماعية بالصورة التي ترتئيها ، فتضع الرجل والمرأة في الأمكنة التي تريد ، وتصنع الإنسان من طين أو من بقايا إله قتيل ، وتعلن الوصايا الاجتماعية والسياسية التي لا تُخرق أبداً .
هكذا غدت الغيبية الدينية الأم الأولى للمثالية ، المدرسة الفلسفية الكبرى فيما بعد ، التي ترى أسبقية الفكرة في صنع الوجود ، وهذه الأفكار الغيبية نقول إنها نظرات وأفكار مثالية ، من حيث إعطائها القوى الفكرية والتصورات العقلية السحرية والأسطورية ، الدور الأول في صياغة العالم ، لكن الفلسفات المثالية ستتشكل فيما بعد ، معتمدة على هذه الجذور الدينية والأسطورية حين تتراكم المعارف ويُكتشف التجريد والتعميم النظري ، ويلتحم بالمنجزات العلمية المختلفة.
إن الجانبين يتفقان في أسبقية الوعي وتشكيله للعالم ، والجانب الأول يشكله عبر المواد السحرية والقوى الخارقة المختلفة ، والجانب الثاني يشكله عبر الآلهة والأفكار المطلقة والقوى المجردة والرموز المختلفة.
والجانبان يعبران عن مرحلتين تاريخيتين ومستويين فكريين / اجتماعيين ، مختلفين ومتداخلين ، فالأول يعبر عن المناطق التي سادت فيها الأديان حيث هي الأفكار التي تتعاضد فيها العمليات العقلية التصويرية والتجريدية.
ويلعب التصوير دوره الأساسي ، ويتمظهر عبر القصص والملاحم والأناشيد والأساطير الخ .. فيجسد الآلهة والقوى الغيبية المتحكمة في الوجود ، وحينئذٍ تكون العلاقة بين الجمهور المنتج والسحرة والكهنة والملوك علاقة هيمنة مطلقة من قبل الأخيرين ، وتتمظهر عملياً عبر المعابد والطقوس ، فيسود فيها الانفعال وتغييب عقل الجمهور ، ومن الممكن أن نجد هنا عناصر مادية كالهواء والماء والنور وغير ذلك ، ولكنها مجرد عناصر مسيطر عليها وذائبة في القدرات الخارقة للآلهة والشياطين التي أخذت تهيمن بشكل أساسي ، على الوجود السياسي / الإيديولوجي ، حيث إن الآلهة معبرة عن الخير وقوى النظام والصحة والحساب الخ .. ، والقوة الثانية أي الشياطين معبرة عن قوى الشر والرفض والمرض الخ..
إن قوى الطبقات المسيطرة المتجسدة في المشرق ، ثم في امتداداته المناطقية والعالمية ، تحيل عناصر المادة إلى عناصر مهيمن عليها وذائبة ، مثلما تفعل في العناصر المادية الاجتماعية كالمدن الحرة والصناعة والتجارة ، فهي تُلحقها بالطبقة المهيمنة بفرعيها الملكي / الديني.
ولهذا فإن العناصر الميتافيزيقية شديدة الغيبية تظل الأقوى في الحضور الفكري ، في حين إن الفلسفة المثالية الموضوعية لا تكاد أن تخرج إلا فيما بعد ، وبعد عدة قرون من ظهور الإسلام في المجتمع العربي.
إن التحام العناصر السحرية والدينية بالنظام السياسي العبودي المُعمّم ، حيث السلطة السياسية معبودة وملتحمة بالآلهة ، يجعل هذا النمط من المثالية الفكرية ، ينيخ على الفضاء الفكري للناس ، جاعلاً إياهم جزءً من حيوانات الإنتاج ، فلا تعطى مفردات العالم الموضوعي : الطبيعة ، المجتمع ، الوعي ، استقلالياتها وتفرداتها ، وتغدو كلها تابعة للآلهة والكائنات الغيبية المطلقة.
لهذا تغدو الأديان مهيمنة على الوعي على مدى آلاف السنين ، مع نمط الإنتاج العبودي العام ، وبنائه التقني وهو الزراعة ، ولكن تشكل الدول الكبيرة ونمو المدن واتساع التجارة والحرف ، يشكل نمواً مختلفاً للوعي ، وفي الدول العبودية المعممة القديمة المشرقية ، لم تتشكل الفلسفة ، أي هذا الوعي المتميز النوعي المستقل عن الدين ، كبنية فكرية تنظيمية ، وليس كاتجاه ، أي إن الدول المشرقية العبودية منعت حتى انبثاق هذا الوعي ذي الصفة الاستقلالية عن الغيبيات الدينية ، والذي يغدو إنتاجاً فردياً مميزاً ، في إطار تذويبها للأفراد وللعقل المستقل والنقدي. لكن الوعي المعارض والثوري يتمظهر عبر الدين نفسه في صراعات متعددة ومتداخلة، تشكل مسار التطور الاجتماعي والفكري المتضافر.
في المدن الحرة اليونانية الديمقراطية التي تحميها الموانع الطبيعية والعسكرية الشعبية ، عن هيمنة الدول العبودية المعممة المشرقية ، أمكن لهذا الوعي المستقل أن يتشكل بصفة نسبية هامة عبر صعود دور التجارة و [ الصناعة ] ، دون أن يتحرر كلياً من الغيب الديني والأساطير، ومستفيداً من الثروة العلمية والأدبية الكبيرة التي تشكلت في المشرق.
ولهذا حدث التمايز بين الشكلين من الوعي المثالي ، الأديان /الأساطير ، والفلسفة ، وحين ذهبت الأخيرة للمشرق ، فقد كان بانتظارها تلك الأديان والأساطير في مرحلة جديدة من تطورها ، فتقوم الأديان والأساطير باستيعاب الفلسفة اليونانية في عباءتها الغيبية ، مثلما تقوم الفلسفة بالصراع ضد الأشكال الغيبية المطلقة.
إن الشكلين من الدين والفلسفة ، هما الشكلان المتميزان الرئيسيان من الوعي المثالي ، في المشرق ، ويعتبر الدين حجر الزاوية في البناء الفكري ، نظراً لارتباطه بالعمليات السحرية في الوعي والبناء الاجتماعي ، وبأشكال جماعية طقوسية ، مؤد لجة لحماية الأنظمة العبودية المعممة ، والإقطاعية فيما بعد ، وحيث تجد القوى الشعبية المعارضة أصواتها الجماهيرية كذلك ، في حين إن الفلسفة هي نتاج ثـقافي فردي وجماعي لم يظهر في عمليات الطقوس والشعائر السحرية والغيبية ، بل عبر الوعي ” العقلي ” للأفراد والنخب الثـقافية والفكرية ، ولهذا فهو كنوع نتاج الاستقلال عن البنية الأسطورية والدينية ، المعبرتين عن الدولة ، بجناحيها السياسي ـ الديني ، المفارقة والمطلقة ، والمتحكمة كلياً ونهائياً في البشر، وكذلك عن التمردات والثورات ضد هذه الدولة بمستوييها السياسي والديني.
فالآلهة والشياطين الخ ليست في النهاية سوى تمثلات للسلطات والاتجاهات المختلفة ولقوانين التطور الطبيعية والاجتماعية المُغيبّة ، وعمليات تبدلها المستمر عبر العصور ، ولكن من حيث إفقادها الطبيعة والمجتمع والوعي كياناتها المستقلة وتطوراتها الموضوعية.
إن هذه الأنظمة العبودية والإقطاعية التي ألغت الوجود البشري ، وألحقت المنتجين بالتالي بحيوانات الحقول ، عبر جعل كائنات الأديان والأساطير تهيمن بشكل مطلق على الوجود ، ستناوئ الفلسفة كقوة فكرية للمثـقفين المستقلين والأحرار ، ولكنها أيضاً ستتدخل في هذا الشكل الجديد من الوعي القادم من بلاد اليونان .


3 ₪ الدين والفلسفة كشكلين متميزين للوعي :


في كلا الجانبين الدين والفلسفة ، تكمن النظرة الشاملة للوجود. فالدين يقوم بتنظيم الحياة والكون عبر ترتيب قصصي أو ملحمي ، أي معتمداً على المادة التصويرية ، لإنتاج منظومة فكرية تهيمن على السلطة ومن ثم المجتمع والبشر وتحاول تأبيد وديمومة وجودها إلى الأبد.
ورغم إن الدين هو من تبليغ أو تشكيل أو بناء شخوص محددة هي الأنبياء أو القادة ، فإن المصدر الفردي لا يعتبر جوهرياً، فالفرد ذاته هو صوت للغيب ، أو للأرواح ، فهو رسول القوى ألما ورائية ، مما يعبر عن قوى غير فردية، ولهذا يكون عادة جزءً من المرحلة القبلية البطولية ، فيتداخل النسيج الغيبي والأسطوري بالدين ، متجسداً عبر مادة تصويرية غالباً ، ويكون بناؤه أقرب للشعر منه للنثر.
وليس في هذه المادة التصويرية برهان أو تسلسل منطقي ، وإنما هي مادة موروثة التحمت بالطقوس والعبادات. وإذا أخذت بنموها الفكري والاجتماعي في البنية التي ظهرت فيها ، يمكن رؤية تطورها السببي ، ولكن باعتبارها مادة منزلة من السماء ، أو باعتبارها نتاج القوى الخفية ، فليس هنا أية سببية برهانية متسقة لها.
ولهذا يحدث التمايز هنا بينها وبين الفلسفة ، التي تعتبر نتاجاً فردياً عقلياً محضاً ، فتتشكل على أساس المنطق والحجج والبرهان ، وهذا بحد ذاته يؤدي إلى الصدام بين هذين الشكلين من الوعي ، فالدين الجماهيري السلطوي الغيبي أو الجماهيري التمردي يتشكل بلا برهان ، ومن مجموعة من القصص والحكم والمواعظ ، في حين إن الفلسفة المكونة من خلال الأفراد والمعتمدة على أبنية فكرية متسقة ، تبدو أعلى في كيانها ومرتبتها من الدين ، نظراً لتشكلها عبر العلل واعتمادها على ثمار العلوم المختلفة ، وهي بهذا العلاقة المتوارية الضمنية ، تقوم بالهجوم على الدين ، أو على الأقل بالاختلاف والتمايز معه ، وتغدو كبناء فكري نتاج مرحلة بشرية أكثر تقدماً.
ويغدو نموها في الطبقة الوسطى ، أي في شرائح المتعلمين والمثقفين والتجار ، عاملاً آخر في تناقضها مع الدين الذي يلتحم مع المؤسستين السياسية والدينية. أي مع الطبقة الحاكمة بفرعيها الأساسيين. أي أن كافة الاتجاهات الدينية تقوم بالتوغل في الفلسفة ، وهذا يرتبط بمستوى التطور ومدى فاعليات الطبقات الوسطى والشعبية.
والعلاقة بين الدين والفلسفة لا تعتمد على تضادهما الفكري ، باعتبارهما مستويين مختلفين من التشكيل المعرفي ، بل أيضاً على الصراع الاجتماعي أو التعاون أو الإلحاق القائم بين الأشراف والطبقة الوسطى ، أي أن التضاد بين الدين والفلسفة قد يصل إلى المضامين العميقة المشكلة لهما . ولهذا فقد غلب على الفلسفات اليونانية في مرحلتها الأول الاتصاف بالمادية حين كانت مستقلة ومعبرة عن اتجاهات الطبقة الوسطى في مدن حرة ، ولكن الاتجاهات المثالية نمت وتطورت وسادت فيها بعد ضمور الطبقة الوسطى وإلحاقها بالدولة و صعود طبقة ملاك العبيد .
إن عمليات التعاون أو الصراع تعتمد على الظروف السائدة في البنية الاجتماعية واتجاهات التطور فيها ، وعلاقات التداخل والتباين بين مستوياتها وأشكال الوعي فيها ، ولهذا فليس من الممكن المعرفة المسبقة بعلاقات الدين والفلسفة ، وهما كشكلين من الممكن أن يحدث تعاون وتداخل بينهما ، حسب رؤية المفكر ، فيحدث توظيف كل منهما للآخر ، ومن الممكن أن يحدث الصراع .
إن الاتجاهات السائدة في البنية هي التي تلعب دوراً كبيراً في علاقة الدين بالفلسفة في المشرق ، نظراً لأن الفلسفة تالية والدين قديم وراسخ ، فهذه الاتجاهات السحرية والأسطورية والدينية نظراً لخمسة آلاف من الحضارة العبودية المعممة الاستبدادية هي التي كونت القواعد العقلية الجماهيرية ، في مناطقها الزراعية المنعزلة ، وتغدو المدن مكان إدارة الطبقة الحاكمة بمؤسساتها السياسية والدينية ، وتصير فئات التجار والمثـقفين والإداريين الخ ، ذات علاقة تابعة بالطبقة الحاكمة ، ومن ثم تصير الفلسفة تابعة للدين .
ولكن أيضاً من الممكن مع اتساع الدولة والتجارة والحرف ، أن تظهر فئات إنتاجية وتجارية ومالية غير تابعة للدولة ، أو أنها ُترهق وتعاني من استغلال الحكام ، فتقوم بإنتاج وعي مختلف ، نقدي ، أو تشككي ، أو معارض بصورة مبطنة دينية أو صوفية أو عقلانية الخ ..
ومن المؤكد إن حجم ونوع هذا الاختلاف يعتمد على مدى تطور الفلسفة باتجاه القراءة الموضوعية للطبيعة والمجتمع والوعي ، ومدى شمولية الدين وتداخله مع السلطة أو السلطات ، واتساع أو ضمور المواد العلمية الناتجة من الأبحاث وتطور التقنية والترجمة ، ومدى دور وأهمية النزعات المادية في داخل الأبنية المثالية أو خارجها الخ..
وتقود الصراعات في البنية الاجتماعية إلى تفكك المنظومة الدينية الشاملة الوحيدة إلى مذاهب متعددة ، تعبر عن النزاعات الاجتماعية والقومية غير المعبر عنها سياسياً ، وتتخلق بشكل مذاهب وربما أديان الأقليات المختلفة ، وهذا كله يتغلغل في الفلسفات ، لتغدو اتجاهات متعددة ، وللجسم الإمبراطوري شكله التطوري الخاص ، بخلاف زمنية التفكك والدويلات ، بحيث إن التعميمات الفكرية والاستخلاصات المجردة المتعالية فوق البُنى التاريخية المحددة ، تقود إلى استنتاجات غير دقيقة.
فحين نناقش ـ على سبيل المثال ـ تيار المعتزلة ينبغي أن لا يُؤخذ فوق البُنى التي تتشكل وتتنامى داخل تضاريسها ، ففي عصر الدولة الأموية كان الاعتزال يتطور بشكل ، هو بمثابة المرحلة التأسيسية له ، ولكن هذا الطور الأول ليس متماثلاً مع الطور الثاني ، رغم وحدة المفاهيم الأساسية ، لأن البنية الاجتماعية الجديدة قامت بإعادة تشكيل الاتجاه ، فقد كان في الطور الأول قيادياً طليعياً ، أما في الطور الثاني فكان تابعاً للدولة ، وهذا مرتبط بعملية الصراع الاجتماعية ـ الفكرية ، ولهذا سوف نقرأ التباينات الاتجاهية والمعرفية في الطورين ، وسنرى علاقة ذلك الوثيقة بالبُنى ومدى هيمنة الدولة ـ الدين فيها، والفروق بين الطورين والجوانب المتضادة فيهما .
أي أن اتجاه المعتزلة سيُؤخذ ليس كاتجاه فكري له جذوره الموضوعية فحسب ، بل كفاعلية فكرية وسياسية داخلة في البنية ومراحلها المختلفة مؤثرة ومتأثرة بها، ومن هنا ستتضح الفوارق الدقيقة بين كل مرحلة ، والعمليات التي تؤسس الوعي ، وعمليات الوعي في الحياة.
وسندرس كل اتجاه حسب هذه الطريقة ، وتفاعل الاتجاهات المختلفة ، داخل البنية الإمبراطورية ثم في البنى الإقليمية ، وسنقرأها في ضؤ التفاعلات بينها ، مستعيدين جذورها وجذور المنطقة والأقاليم المختلفة ، لتتشكل لوحات مركبة للدين ، وللاتجاهات الفكرية ـ الدينية وللمذاهب والعلوم والفلسفات.
ولهذا فإن هذا الجزء من البحث سيقوم بقراءة الجذور القديمة والمعاصرة لتشكل الوعي العربي بين مرحلتيه الوثنية والإسلامية، وحيث لا يوجد هنا سوى وعي ديني بمرحلتين وببنيتين، وهي المرحلة التي ستضع القواعد الأساسية للمرحلة التالية للعصر العباسي الأول .
في حين سيبحث الجزء الثاني الأبنية الفكرية التي تشكل على أساسها الوعي الفلسفي المكتمل في العصر العباسي الثاني .
أما الجزء الثالث فهو يختص ببحث أبنية الفلسفة المختلفة .
وهذا التقسيم سوف يضعنا على التشكلات المعقدة لبنية الوعي المتطورة، والملتحمة بالتطورات الاجتماعية والفكرية المختلفة، بحيث نكتشف ظاهرات الوعي المتعددة، في نوعيها الرئيسين: الدين والفلسفة، ومن بذورها الصغيرة وكيف تتنامى في أشجار كبيرة .
أننا حين نبحث في المذاهب الدينية سنرى أسباب انقساماتها وتدرجاتها ، حسب الوعي والجغرافيا، وعلاقاتها بالصراعات الاجتماعية و [ القومية ] والمستويات الفكرية للمناطق ، وعلاقاتها بالعصر القديم والمادة الإسلامية.
أو حين نتتبع تياراً فكريا سنقرأه عبر مراحل تطور البنية الاجتماعية العربية / الإسلامية ، حيث سيبدو مضمراً وصغيراً في مرحلة ، كما يحدث للصوفية على سبيل المثال ، حيث ستبدو اتجاهاً زهدياً في المراحل الإسلامية الأولى ، ونقرأ أسباب التشكل بهذا المستوى ، ثم سنرى الصوفية في مرحلة أخرى وقد أعطاها التطور الاجتماعي والفكري القواعد الأساسية لتغدو اتجاهات مستقلة عن البنية ، وكظاهرات وعي متميزة.
إن التداخل المعقد بين ما هو اجتماعي وفكري سوف يتيح لنا تفكيك هذه الاتجاهات والفلسفات بصورة جديدة في القراءة المعاصرة .
إن مصادرنا القديمة والمعاصرة تحفر بدرجات متفاوتة في هذه المادة ، فالمصادر القديمة تقدم المادة بصورتها الخام بهذه الدرجة أو تلك من الأمانة والعرض ، وبدرجة محدودة من العرض التاريخي والقولي ، لكن تغيب عنها البنى المركبة الاجتماعية والفكرية لكل مرحلة ، وفي العصر الحديث تم التوجه إلى التوغل في التسلسل التاريخي وبعض سببياته المحددة و المباشرة كموسوعة أحمد أمين الهامة ، أو رؤيته من خلال البنية الصراعية للعصر دون الجذور التاريخية المركبة للمنطقة ومراحلها المختلفة ، أي دون التضفير بين الصراعات الاجتماعية والتضادات الإنتاجية البارزة للأقسام الرعوية والزراعية ، كما كتب الباحث حسين مروة في النزعات المادية ، إلى الكثير من المساهمات المفيدة والعظيمة، والتي تحتاج في الآونة الراهنة إلى التغلغل الأعمق إلى تضاداتها العميقة والمركبة .
لو أخذنا الأستاذ أحمد أمين كنموذج لقراءة الوعي الديني والفلسفي فما سنجد؟
يعتبر الأستاذ أحمد أمين من كبار الباحثين العرب الذين أعطوا الكثير للبحث العلمي في مجال التاريخ الفكري والفلسفي العربي، فقد غربل هذا الرجل لوحده مئات المجلدات العربية القديمة، وفحصها أيضاً على ضؤ الدراسات الأوربية في عصره ومن خلال شخصيته المنفتحة ، وليقدمها مشروحة مكثفة منتقاة، باحثاً عن خيوط النور والوعي فيها، غير متجاهل لأثر البيئة والوسط والأحوال المادية والفكرية وتلاقح الأجيال والعصور والأفكار.
جهدٌ كبيٌر وعملٌ عظيم ، فأياديه بيضاء على الباحثين ممن جاءوا بعده ، فتلمسوا الأرض الممهدة والجهد الخلاق ، فأضافوا وحفروا وشقوا دروباً جديدة.
استطاع أحمد أمين أن يرى تداخل العصور الفكرية ، فهو لا يصور المنتجات الفكرية وكأنها منقطعة السُبل عن بعضها البعض ، بل يراها كمعاناة اجتماعية بشرية لإنتاج وعي جديد ، وتمثل موسوعته : فجر الإسلام، ضحى الإسلام ، ظهر الإسلام ، ذروة عمله العلمي الذي عكف عليه طوال حياته ليضع التاريخ الفكري للأمم الإسلامية رهن المادة المتداولة المدروسة .
في استعماله لألفاظ : الفجر، الضحى، الظهيرة ، تعبير زمني عن جدلية التطور ، فهو يدرس تطور الوعي وكأنه في لحظة نمو نهاري ومتوقف عند سمت الشمس العمودية وليس الغاربة ، وفي هذا حدس بالصيرورة الاجتماعية وقد اتخذت صفة اليوم، ومن هنا تراه يعكف على بلورة التطور العام للفكر ، مموضعاً إياه في ظاهراته المختلفة ، مقسماً إياه في شرائحه الفكرية والاجتماعية المختلفة الكثيرة، فهو يدرس الأدب والفلسفة والدين والحياة الاجتماعية الخ..، بحيث يقود هذا التشريح الموضعي إلى فهم الصفات المشتركة .
ومن هنا لن تجد لديه التعميمات والصفات العامة، فكلمة [ عربي ] لن تُؤخذ بإطلاق، بل في مكانها الاجتماعي والتاريخي ، ولهذا يقول عن أبن خلدون :
[ فترى من هذا أن أبن خلدون في حكمه على العرب خلط بين العربي في عصوره المختلفة ، وأصدر عليه أحكاماً عامة ، مع أنه هو نفسه القائل بأن العربي يتغير بتغير البيئة.]، (3).
إن أحمد أمين وهو يقوم بقراءة التاريخ المحدد، أي المُنتَّج في فترة تاريخية ما، سيبحث عن العوامل البشرية المؤدية إلى تشكيله، ولن يعطي لأحد العوامل أهمية استثنائية، ولهذا فهو يعرض العوامل والظواهر جنباً إلى جنب بموسوعية، وحتى الظواهر الغيبية سيضعها داخل صيرورتها الإنسانية، دون أن يغفل الطابع المركب لهذه الظواهر، حيث سنرى جذور الماضي تتدلى قرب رؤوس الحاضر، والحاضر بدوره يحمل مواليد الغد، وهذه الجدلية المركبة ، لن تعترف بالمطلقات كالقول بالعقل اليوناني والعقل العربي والهندي وكأنها براميل مستقلة ، تحمل موادها الكيميائية الخاصة المتجوهرة على ذواتها ، وسيجد إن العقل العربي في مرحلة البادية مختلف عن عصر المدن ، دارساً الظاهرات المتحدة والمتنوعة له ، وهو يلاحظ هنا عمليات معقدة تجري للوعي العربي، فحين يتناول أبا ذر الغفاري كشخصية داعية للمساواة، يتتبع أثر الأفكار المنتشرة والقديمة والمتداخلة بين الشعوب فيقول : [ونلمح وجه شبه بين رأي أبي ذر الغفاري وبين رأي مزدك في الناحية المالية فقط ]، (4).
ومهما كانت صحة آرائه هنا، أو كذلك تحامله على عبدالله بن سبأ، فنحن يهمنا هذا الالتقاط للشعيرات الفكرية والاجتماعية المتداخلة.
ويعبر كل هذا عن قراءة التداخل بين الوسط والوعي بشكل زمني متصاعد، يرجع للوراء قليلاً ، لكنه ينمو دوماً إلى الأمام، وليس هذا الوسط إلا حدود الجغرافيا الطبيعية والاقتصادية والفكرية ، متقطعة في المراحل السياسية المعهودة في التأريخ: العصر الجاهلي ، فالإسلامي، فالأموي الخ..
وهنا تلعب المرجعيات الفكرية الليبرالية لعصر أمين دورها ، فمفاهيم الوسط والبيئة والعوامل المختلفة المؤثرة، هي التي تقوم بالتحليل المتضافر المنساب عبر الزمن، أما مفاهيم البنية الاجتماعية وقوانينها ، فهي مرحلة لم تصل لها هذه المنهجية بطبيعة الحال ، (5).
والفارق بين المنهجيتين ، أي بين منهجيتي البيئة والبنية ، يعبر عن أدوات التحليل بين زمنين ، فمفهوم الوسط البيئي لدى أمين لا يعبر عن صراعات القوى الاجتماعية في ظل بنية محددة، يقوم العلم بدراستها ، ثم يتتبع البُنى التالية وأسباب ظهورها وتشكيلاتها، فلا يغدو التاريخ الفكري مجرد مؤثرات على وسط غامض الملامح ، بل تأثيرات على بنية أو بُنى تزداد تناقضاً ثم انفجاراً متيحة الدرب التاريخي لبنية أخرى.
فنظرة أحمد أمين لا تستطيع أن تفسر بعض القضايا المركبة ، كالقول بأن الإمامية هي ذات جذور فارسية ، وأن [ ثانوية الفرس كانوا منبعاً يستقي منه رافضة الإسلام ]، (6) ، فمسائل التيارات الفكرية أعقد من ذلك، وظروف الصراعات العربية الداخلية كانت هي الأساس في إنتاج مثل هذه التيارات ، مع أهمية المؤثرات الخارجية.
إن فترات العصر النبوي والراشدي ، والفترة الأموية ، والعصر العباسي الأول ، والعصر العباسي الثاني، التي يتخذها أمين كفترات معروضة في أجزائه، هي بحد ذاتها بُنى اجتماعية لها قوانين تطورية مختلفة عن المراحل الأخرى، وميزته إنه يقوم بعرض ظاهراتها المختلفة ، بدون التوصل لقوانين الصراعات الاجتماعية فيها ، فليس لديه مفهوم البنية وترابطها، لأن هذه البنية هي التي تحدد تشكل الظاهرات الفكرية التي يدرسها، ولكنه يأخذها مستقلة عنها غير متضافرة بسبب علل جوهرية، مع أهمية المعلومات والمواد التي يقدمها عنها.
ومثال آخر نقرأه لدى الأستاذ الدكتور محمود إسماعيل، فالباحث الدكتور محمود إسماعيل هو من القلائل في مصر الذين اعتنوا طويلاً بالبحث في التاريخ والفلسفة العربيين ـ الإسلاميين ، وكان أول كتاب له عن [ الحركات السرية في الإسلام] وهو الكتاب الذي صدر في بداية السبعينيات ، وقد افتتح فيه تحليل التاريخ الإسلامي من وجهة نظر كشف تطور الصراع الاجتماعي ، ثم تتالت كتبه عن ظاهرات الفرق والاتجاهات خاصة في شمال أفريقيا التي درّس فيها حقبة هناك ، ثم أصدر كتابه الأساسي [ سيوسيولوجيا الفكر الإسلامي ] وهو أربعة أجزاء يتناول فيها تطور الوعي في التاريخ العربي الإسلامي وكيفية نشأة الفرق والاتجاهات الفكرية والفلسفية المختلفة ، مستخدماً أسلوباً سهلاً في العرض ، معززاً إياه بمئات المراجع والنصوص ، مما يعتبر مرجعاً لأي دارس لهذه الظواهر .
وإذا كان أسلوبه يمتاز بسلاسة العرض وبساطته نظراً لاستمراره في العملية التدريسية وثورية أفكاره ، إلا أن التبسيطية في النظرة إلى التاريخ الفكري تنتشر لديه في الخطوط العريضة لرؤية هذا التاريخ.
فهو يقسم التاريخ الاجتماعي إلى قوتين متصارعتين هما البرجوازية والإقطاع ، والتطور والحداثة والعلم تأتي من الأولى ، أما القوة الثانية فهي قوة تخلف وارتداد ، وهو حكم صحيح في عموميته الواسعة ، ولكن إلى أي مدى كانت البرجوازية تستند إلى أسلوب إنتاج بضاعي وصناعي ، وما هي تداخلاتها مع التيارات الفكرية والفلسفية ، فإن هذه مسائل مركبة يبسطها الدكتور محمود إسماعيل ، فلا يقوم بتوصيفها التوصيف الدقيق المتداخل ، لأنه يلجأ عادة إلى التعميم.
في الجزء الثالث ، على سبيل المثال ، وهو المختص بدارسة أفكار الفلاسفة والفرق الفلسفية ، يتعرض لمدرسة [ أخوان الصفا ] ، وهي المدرسة الفكرية السرية التي ذاعت أفكارها في العالم الإسلامي عبر التاريخ.
وحول الاختلافات في تاريخ ظهور هذه المدرسة وعن صحته يقول الباحث : [ وعندنا أن ظهور المعلومات الأولى هذه عام 360 هـ لا يخلو من دلالة على ارتباط هذا الظهور بعصر الصحوة البورجوازية الثانية ـ من حول منتصف القرن الرابع إلى منتصف القرن الخامس الهجري ـ وهو عصر المد الليبرالي الذي شهد ظهور كيانات سياسية كبرى تمثل في الدولة البويهية والدولة الفاطمية والخلافة الأموية بالأندلس ، وهي كيانات ذات طابع بورجوازي حققت الكثير من طموحات إخوان الصفا ]، (7).
إن هذه الكلمات العامة عن الصحوة البرجوازية والمد الليبرالي، يجب أخذها بحيطة موضوعية وتدقيق بالغ ، فهل يمكن اعتبار عصر الدولة البويهية عصر [ صحوة ] ، وما معنى الصحوة في سياقات البحث الاجتماعي ، وهل الدولة البويهية دولة بورجوازية؟ إن كلمة [ صحوة ] تقابل النوم ، فكأن العلم الاجتماعي يتحول هنا إلى استخدام التعبيرات الفضفاضة المتعلقة بنوم واستيقاظ الفرد ، وليس بقراءة تشكل الفئات والطبقات الاجتماعية.فمن المعروف إن الدولة البويهية كونها أمراءٌ فرسٌ زيديون تلاعبوا بالخلفاء العباسيين وحولهم إلى دمى، وقد عاثوا بميزانية الخلافة على بذخهم ولهوهم ، وانحصرت الخلافة حول بغداد ثم بضع دويلات فارسية ، وعموماً تحول الأمراء البويهيون إلى إقطاع متحكم في الثروة.
وإذا أردنا قراءة الوضع البويهي على حقيقته فلنستمع إلى باحث ثقة في هذا المجال وهو عبدالعزيز الدوري ، فحول وضع الفلاحين نقرأ: [ فمن آثار سياسة معز الدولة تجاه الأراضي أن ” فسدت المشارب ، وبطلت المصالح ، وأتت الجوائح على التناء {الفلاحون} ورقت أحوالهم ] في حين أرتفع دخل أفراد الجيش البويهي المسيطر ، [ والخلاصة، فإن عصر العصر البويهي كان خالياً من الخدمات الاجتماعية باستثناء الفترة بين 369 ـ 372] ، [ وكان الفقراء يأكلون الجراد أيضاً، وخاصة في السنين العجاف] ، [ وكانت معيشة البدو صعبة] ، [ ورأى بعض الوزراء في المصادرة مورداً أساسياً للخزينة وتصرفوا بموجب ذلك ] ، (8).
هكذا غدا هؤلاء الأمراء البويهيون الغزاة إقطاع عسكري ، ينتزع الفوائض عبر الجيش ، وهو ــ أي الإقطاع ــ لا يعرف كيفية توسيع الإنتاج وتحديثه، ولكن ما هي علاقة أخوان الصفا الذين ظهروا في هذه الفترة بالبويهيين وهل كانوا من تأثيراتهم؟
إن أخوان الصفا تجمع ثقافي سري ليس له صلة بالحكام ، وهو يتشكل من شرائح الفئات الوسطى المعارضة للاستغلال الإقطاعي السياسي والديني والعسكري ، وقد أمكن لهذه الجماعة أن تكتب وتدس كتبها في غيبة من أعين السلطات ، واستفادت من صراعاتها الفوقية وغياب ملاحقاتها ، ولهذا فإن كلمة [ الصحوة ] تبدو بلا معنى هنا ، ففعل أخوان الصفا فعل كفاحي استمر في فترات طويلة ولا علاقة مباشرة له بنظم الحكم الراهنة، فالمستوى الفكري ليس انعكاساً مباشراً للحظة السياسية، بل له صيرورته الخاصة ، فهو إجابة على الأسئلة التي طرحها الإسلام عبر حركاته المختلفة ، خاصة حركة الاعتزال ، وحركة أخوان الصفا مرتبطة بالتقاليد الكفاحية الفكرية للمناطق العراقية الجنوبية القديمة وهي محاولة لتجاوز عقلانية الاعتزال بصورة مختلفة . أما إلى أي مدى هي بورجوازية فإن ذلك لا بد أن يقوم على دراسة دقيقة في مدى تعبيرهم عن ذلك. وعادة كانت الشرائح الوسطى والصغيرة غير ذات استقلال عن الإقطاع الديني والسياسي ، ولهذا لا نستطيع أن نتحدث عن فكر بورجوازي مستقل وبشكل واسع لديهم.
لكن الدكتور محمود إسماعيل بعد هذه الملاحظات العامة يسوق الكثير من الأفكار المتغلغلة في تحليل فكر أخوان الصفا ، بصورة دقيقة متتبعاً تجليات وعيهم في مختلف الظاهرات السياسية والعلمية والفلسفية ، بحيث جاءت هذه الملاحظات بغنى مختلف عن التعميمات التي لم ترتبط بها.


4 ₪ خاصية هذا الجزء وموقعه:


يتناول هذا الجزء الجذور الاجتماعية البعيدة والقريبة لتشكل الفلسفة العربية ـ الإسلامية. فالجذور البعيدة تعني الأسس التي أقيمت عليها الأديان في منطقة المشرق العربي، فهذه المنطقة التي عرفت الحضارة مبكراً، كانت لها أسسها الخاصة في تكوين الوجود الاجتماعي والفكري، نظراً لقيامها على دول استبدادية شاملة بسبب عمليات الري الحكومية المبكرة ، فظهرت فيها الآلهة الشاملة المسيطرة على الوجود كليا ً، وقد تنامت هذه السيطرة من الجزئي إلى الكلي، من الطبيعي حتى الروحي، وقد تمثل ذلك في وعي المشرق وأوربا بخلاف البشرية الأخرى ، أي غدا ذلك متجذراً في الوعي الأسطوري المشرقي القديم ثم في الديانات : اليهودية، والمسيحية ، والإسلام.
ولن يكون تناولنا لهذه الجذور البعيدة إلا لوضع بعض الأسس الموضوعية لظهور عمليات التدين، حيث ستقوم الأديان السماوية بوراثتها وتجاوزها . فهنا تقع التخوم بين العصر القديم والعصر الوسيط ، وتجري عمليات التوارث والتداخل والتجاوز ، ويقوم الوعي باستعادة الموروث القديم حسب المواقع الاجتماعية والجغرافية المختلفة ، أي حسب لحظات تطور الشعوب في كل بقعة ، وعمليات الصراع الداخلية التي تجري فيها.
فيحدث التأثر والتجاوز حسب مهمات التطور لكل شعب ، فالتراث السابق يقع في لحظات الغربلة المستمرة والتجميد المقصود واللامقصود ، ومن هنا سنأخذ التاريخ العربي باعتباره يتشكل في حضن القديم ويقوم بتجاوزه ، ويقوم هذا الجزء بتحليل كيفية تشكل ذلك ، فهنا توجد الجذور الاجتماعية والفكرية الأولى ، فهي المرحلة التأسيسية القاعدية للتطور التالي ، ولا بد من رؤية قوانين تشكلها ، حيث ستقوم بإعادة إنتاج نفسها في المناطق الأخرى ، ليس بشكل مجرد ولكن من خلال سيرورتها الاجتماعية المفروضة على تلك المناطق ، ثم عبر تفاعل تلك المناطق ومقاومتها وإعادة تشكيل نفسها.
ولهذا يتصف الوعي هنا بخضوعه لعمليات الصراع السياسية والاجتماعية المباشرة ، ويؤدي تكون الإسلام في الجزيرة العربية ومحاولة مدنها للتقدم ، إلى التصاق هذه المرحلة بالعمليات المختلفة القادمة ، فتغدو المرحلة بمثابة الجذور الفكرية ـ الاجتماعية الأساسية لهذا الوعي الديني ، وتغدو تطوراته التالية مرتبطة بإنتاج هذه المرحلة وإعادة النظر فيها ، أو على العكس بتجميدها في المناطق واللحظات التاريخية الأخرى ، تبعاً لكيفية القراءات ومواقعها. وهنا يقف هذا الجزء الأول فيما سيتابع الجزء التالي ، الثاني ، المرحلة التالية والتي نعرض الآن خطوطها العريضة.
فإذا كانت المرحلة الإسلامية والأموية قد حددت جسم الظاهرة وأبرزت مضامينه الاجتماعية الأساسية المتضادة ، حيث ستغدو المرحلة التالية هي بمثابة النمو الكمي في التطور الاجتماعي ـ الاقتصادي ، فلن يكون العصر التالي : العصر العباسي الأول ، سوى امتداد واسع وتثبيت له ، ولكن دوره ينتقل إلى المستوى الفكري ، فهو يتجاوز النمو الفكري السابق ويشكل ظاهرات فكرية عميقة واسعة ، تغدو تحولاً نوعياً في مسار الوعي ، ولكن هذا المسار النوعي للوعي يستند على التطور الاجتماعي السابق وعمليات الانتشار والتعميق له.
وفي هذه المرحلة تبدو عمليات التضاد بين المرحلتين ؛ المرحلة التأسيسية برؤاها البسيطة ، ذات النسيج الديني والسحري والأسطوري والواقعي ، وبين المرحلة الراهنة حينذاك ذات البنية الثـقافية المتطورة التي تقوم بتسجيل الإرث السابق وحفظه ، أو تقنينه وعقلنته ونقده ، لكن عملية الاستعادة والتجاوز المتصارعتين ، تعتمدان على مجمل الصراعات في البنية الواسعة التركيبية ، فالطبقة المسيطرة ، بفرعيها السياسي والديني في العصر العباسي الأول تقوم بحفظ التراث السابق بشكل حرفي ، كجزء من الحفاظ على النظام السياسي / الاجتماعي الذي يضمن لها الحياة الرغدة ، ويمنع القوى الاجتماعية المستَّغلة من الانفصال ، ولهذا يغدو الإسلام الرسمي في هذه المرحلة عامل وحدة للأمم الإسلامية المتكونة تدريجياً ، فيشكل العمود الفقري لعالمها القادم .
وتتراوح عمليات الحفاظ على الموروث السابق بين الشكلانية شبه الكاملة وتوجهات التجديد التي لا تشكل إعادة نظر جذرية لأسباب تتعلق بمواقف هذه القوى السياسية والدينية الحاكمة ، وهي التي غدت الآن تكرس نظاماً شمولياً يستعيد النظم الاستبدادية القديمة في المنطقة .
ومن هنا تغدو عملية الحفظ [ الشكلية ] لمرحلة التأسيس الإسلامية مرفوضة من قبل الشعوب المستَّغلة من تلك الطبقة الحاكمة ، وهي تحاول الدخول إلى العمليات المضمونية العميقة للنصوص الإسلامية الأولى ، ونزع قشرتها الشكلانية التي فرضتها القوى المهيمنة على الدولة والمجتمع .
لكن عمليات التأصيل الجديدة حينذاك تقوم على استعادة الموروث القديم لمنطقة المشرق ، وليس على العمليات التحليلية الموضوعية للإرث القديم بشكليه الإسلامي أو الديني القديم ، فالتناقض بين المستوى الحضاري للمرحلة الرعوية الدينية والسياسية السابقة ، و المستوى الحضاري للمرحلة الزراعية الراهنة يتمظهر بشكل صراع مذهبي إسلامي ، أو بصراع ديني بين الإسلام وبين المانوية والمسيحية واليهودية.
فالرعاة العرب الذين فرضوا تراثهم على المنطقة الشمالية الزراعية ، واصلوا استعادة تاريخهم السابق في جميع أشكاله ، وتغدو النواة الصلبة لعملية هذه الاستعادة والتثبيت جزءً من رفض سيطرة البنية الزراعية الراهنة وقتذاك بظلالها الفكرية والسياسية.
والأمر ليس تناقضاً تقنياً بل هو أيضاً صراع مصالح بين الجمهور الذي استفاد من الفتوح والجمهور الذي واصل الإنتاج والعذاب . وحين تثبتت تلك المصالح في طبقة حاكمة بفرعيها السياسي والديني ، فأخذ الوعي القديم ما قبل الإسلامي باستعادة دوره الكفاحي ، في ظل معطيات جديدة ، حيث صار الدين الجديد مقبولاً ، خاصة لتأثيرات دعوته وممارسته الكفاحية الأولى .
ولكن هناك من ورثة هذا التاريخ الرعوي / التجاري من أقترب من فعل الإسلام الحضاري ، ومضمونه الثوري الأولي ، عبر التركيز على عناصر توحيدية وعقلانية دينية ماضوية وحديثة ، ولكن هذا يعتمد على إنتاج حرفي لم يتطور بشكل صناعي وعلمي شامل.
إن اتجاهات هذه المرحلة وتراكماتها المعرفية هي التي تضع الأسس لمرحلة التطور الفلسفية التالية ، التي هي تتويج للتطور الفكري في ظل الإسلام ، والمسيحية واليهودية ، والنزعات الدهرية المختلفة ، فهنا ستصل الصراعات الاجتماعية والسياسية الكامنة في ظل المرحلتين السابقتين إلى ذروتها.
إن نمو المثالية أو المادية يعبر عن اتجاهات التطور الفكرية والاجتماعية ، فالمثالية هي تطوير للدين من زوايا جديدة ، فهي تظل مندغمة في أسسه الأولى ، أي هي تشترك معه في اعتبار الوجود مصاغاً من قبل قوة فكرية سواء كانت خالقاً أم كانت المحرك الأول أم وعياً ذاتياً .
إن إخراج معطيات فهم الحياة إلى الغيب أو السماء أو العقول المفارقة ، لها مساراتها التاريخية الطويلة وجذورها ، عبر سيطرة الأشكال السحرية والأسطورية في فهم العالم ، وهي المعتمدة على اقتصاد الصيد وجمع الثمار ، حيث تصبح المادة الطبيعية ليست في متناول التجربة ، ومع الاقتصاديات الأكثر تطوراً حيث يتعامل الإنسان مع الأشياء ويقوم بإنتاجها ، تبدأ المعرفة العلمية في التسلل إلى عمليات الفهم ، وهي تخضع للبنية الاجتماعية وقوانينها ، ففي الدول المشرقية الاستبدادية يخضع العلم لحاجات الدولة ، ويبقى شكل الوعي المهيمن هو الدين [ البدائي هنا ] ، فلا تتشكل حتى الفلسفة ، فلا تتواجد إمكانية لظهور الوعي الفردي الحر ، وهذا يحدث في التجربة اليونانية التي أمكن فيها الاستفادة من المعلومات العلمية الهائلة التي أنتجها المشرق ولم يفلسفها، أي لم يضعها في تصورات فكرية واسعة نقدية للأسطرة ، وهكذا فإن المشرق الذي شكل وعياً أسطورياً مهيمناً ، عبر عن الحراك الواسع والوحيد للملوك ، فجعل نتاج العلم في خدمة الأساطير ، وخلق المثالية الدينية بصورها المختلفة ، التي تجعل إمكانات فهم العالم أو تغييره من ضمن مسئوليات الغيب ، حيث الواقع بمادته وفكره وإنسانه خارج الوعي والسيطرة العقلية .
في حين أمكن في بعض المدن اليونانية أن تؤدي الحريات والحرف والعلوم إلى تعميمات فلسفية تستند إلى العلم ، وهكذا ظهرت المدارس المادية التي اتجهت لتفسير الطبيعة بعناصر طبيعية ، ولكن كانت مثالية أرسطو هي الحل الوسط للعالم القديم والوسيط ، حيث الاعتراف بخالق للكون واعطاء الكون سببياته الداخلية التي يمكن عبرها نمو العلوم ، أي تنمية قدرات الإنسان الموضوعية المختلفة.
إن سيطرة [ المثالية ] الأسطورية في المشرق ثم عودة المثالية بشكل فلسفة كبرى موضوعية إلى المشرق من خلال أرسطو بشكل خاص ، يعبر عن عمليات الكفاح التي تمت على مختلف الأصعدة العلمية والاجتماعية ، لزحزحة الحكام السياسيين ـ الدينيين المطلقين المتوحدين بالشريعة، ولكن هذه العملية لم تتوج بالانتصار في التاريخ العربي القديم .
إن المثاليات الدينية والمثاليات الفلسفية المترجمة أو المشكلة عربياً تعبر كلها عن تناغم ما، أي عن فاعليات القوى العليا.
ولهذا فإن تحليلاً مستمراً للوعي الديني والفلسفي المعاصر هو أمر مطلوب لمتابعة خريطة التطور الفكري ودورها في إعادة تشكيل العالم العربي ـ الإسلامي باتجاه الحداثة والديمقراطية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
(1) ( حول تعبير [ الساميون ] يكتب هادي العلوي : ورغم الشك في تاريخية الاسم فانه، كمصطلح ، يبقى صالحاً للتعبير عن هذه الكتلة التاريخية من الشعوب التي ترجع إلى منشأ واحد وتتكلم بلغات متفرعة من لغة واحدة وهي شعوب الجزيرة العربية والهلال الخصيب) ، ( هادي العلوي، من قاموس التراث ، دار الأهالي ، ط 2، ص 145 ـ 146 ).
(2) : ( يعرف قاموس المنجد المثالية بأنها : مذهب فلسفي ينكر حقيقة ذاتية الأشياء المتميزة من ” أنا ” ولا يقبل منها إلا الفكر ، من مادة مُثُل.) ، ويضيف في مادة ” العنادية” بأنها أيضاً : مذهب المنكرين حقيقة الأشياء فهم يزعمون إنها أوهام وخيالات باطلة كالنقش على الماء ويقولون بصدور المعرفة من التصور [ايديالسم ].
في حين يعرف رأي آخر المثالية عبر نقيضها وهو المادية، يقول:
(وللمسألة الأساسية في الفلسفة وجهان، الأول ـ أنطولوجي ، يدور حول مسألة الأولوية في العالم ، هل هي للمادة أم للروح، للوجود أم للفكر. وتبعاً للإجابة على هذا السؤال انقسم الفلاسفة إلى تيارين ، معسكرين . فالفلاسفة ، الذين يقرون بأولوية معسكر المادة، أو الطبيعة، أو الوجود، أمام الروح، أو الوعي، أو الفكر، يؤلفون معسكر المادية Materialism . أما أولئك الفلاسفة، الذين يزعمون أن الوعي، أو الفكر، أو الروح (…) هو الأسبق، فيؤلفون معسكر المثالية Idealism.)، ( موجز تاريخ الفلسفة ، تأليف جماعة من الأساتذة السوفييت، تعريب: توفيق إبراهيم سلوم ، إصدار دار الجماهير الشعبية ، دار الفارابي ، ط3 ،ص 10).
(3) : ( فجر الإسلام، ط 11 ، دار الكتاب العربي، بيروت، ص36 ).
(4) : ( السابق نفسه ص 110).
(5): ( ويكتب د. أحمد فؤاد الأهواني في مذهب أحمد أمين (( أعلن فيما يخص الدين عدة آراء تعد ثورة حقيقية في هذا الميدان، أولهما الرجوع إلى مبادئ المعتزلة أي تفسير الدين بالعقل، والثاني فتح باب الاجتهاد حتى لا نظل عبيداً لأبي حنيفة والشافعي ومالك وأبن حنبل ..))، ( نقلاً عن د. محمد جابر الأنصاري، الفكر العربي وصراع الأضداد، ص 100، هامش 1).
(6) : (الفجر ص112).
(7):( ص179 ، ط 1 ، سينا للنشر.).
(8): (راجع الدوري ، تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط3 ، المقتطفات من صفحات:284، 296،297 على التوالي).

حول كتاب : الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية..

فكرة المشروع

كان البحث في تاريخ التطور الفكري والاجتماعي العربي يراودني منذ فترةٍ مبكرة ، حيث نشأنا على خلاءٍ من البحث في الجذور الكبرى للتاريخ سواءً في المنطقة الجزيرية الخليجية أم في العالم العربي – الإسلامي عموماً ، فكانت قراءتنا المبكرة للمصادر الماركسية توجهنا للسؤال عن موقع بلداننا من هذه الكتابات ، وكانت الإشارات في المصادر هذه تجلعنا نحاول الحفر فيها علنا نلقى إجابات حول تشكل الإسلام وظهور الأمة العربية والأمم الإسلامية الأخرى لكن بدون الحصول على تلك الإجابات .
مثل كلام أنجلز في رسائله إلى كارل ماركس كان ينبه لعوامل استثنائية في ظهور الإسلام كمسألة دور الري في تشكل الإمبراطوريات في الشرق واختلاف ذلك عن التطور في الغرب .
كما لاحظنا بعد ذلك توجه بعض الباحثين العرب إلى الحفر في هذا التاريخ السياسي والاجتماعي ، وفي سنوات الدراسة والتحاقي بمعهد المعلمين والتخصص في اللغة العربية والدين ، صار من متابعاتي المستمرة قراءة الأبحاث العربية حول تاريخ الإسلام ، خاصة لدى أحمد أمين في موسوعته حول التاريخ الإسلامي وطه حسين في كتابه (الفتنة الكبرى) وغيرهما .
وفي تلك الفترة قبل اعتقال سنة 1975 كانت مجلة الطريق تنشر دراسات مجزأة للأستاذ حسين مروة ، قرأت منها دراسته حول المعتزلة ، وفي سنوات السجن عزت المصادرُ ، لكن في السنة الأخيرة 79 – 80 ، لاعتقال مجموعة حل البرلمان ، سُمح لنا بالكتب فكان كتاب جواد علي ( المفصل في تاريخ الإسلام ) من عشرة أجزاء ، و كتاب (النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ) الذي أنجزه مروة خلال تلك السنوات ، من أثمن الكتب التي وصلتنا بتوصية مخصوصة . وغيرها من الكتب التي تتناول التراث والأدب بصفة خاصة .
لكن ظلت مثل هذه القراءة غير وافية ، كما أنها لا تجثم في بؤرةِ الاهتمام بالنسبة لي ، كما أن أسئلةَ الواقع والعصر لم تطرحْ نفسها بحدةٍ علينا ، فلم يزل المعسكر ( الاشتراكي ) موجوداً ، وكان تصورنا حول ( الماركسية – اللينينية ) لم يزل مدرسياً شعارياً ، استيرادياً ، وحين حدثت التغيراتُ الكبرى فيما بعد أصبحت هذه المسائل تنتقل إلى بؤرة الوعي .
وخارج السجن الذي انتقلنا إليه كانت المصادر أكثر ، فتتابعت عمليةُ البحث في الجذور ، وقد بدأتُ ذلك بشكل قصصي ، بمحاولة كتابة رواية عن العهد الراشدي والفتوحات ، وذلك قبل عشر سنوات من الآن ، فرحتُ أستجمع أفكاري عن المرحلة الإسلامية ، لكن الرواية كانت تحتاج إلى معلومات ملموسة وليس فقط أبحاثاً عامة ، فقلتُ يجب أن أكتب تصوراتي عن ظهور الإسلام وأوضاعِ العرب وكيفيةِ نشوء الفتوح ، فرحت أكتبُ مقالات عن ذلك في جريدة أخبار الخليج ، في الملحق الثقافي وكانت أول مقالة بعنوان ( قريش تؤسس وحدة العرب ) ، وهكذا كان في كل أسبوع أنشر مقالةً تواصل الحلقة السابقة ، وراح الهدف يتغير من كتابة رواية إلى كتابة تاريخ تطور الوعي العربي دينياً وفلسفياً ، وكذلك فإن بحث الدين كان يقودُ إلى بحثِ كيفية نشوء الفرق ، وأسباب ذلك ، والفرق السياسية تقود إلى تشكل الفرق الفكرية ، فيتشعب البحث وينمو .
لكن هذه الكتابة الأولية الُمبسطة ، كانت تتعرض باستمرار للتبدل والتوجه إلى جذور الموضوعات ، حيث أن عرض الأحداث لا يكفي فلا بد من معرفة أسبابها الكامنة العميقة ، وهذا يقودُ إلى دراسة البُنى الاجتماعية ، وما يسمى ماركسياً بالتشكيلات التاريخية .

لماذا الاتجاهات ولماذا النزعات

قام كتاب المفكر التقدمي حسين مروة في كتابه ( النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ) على البحث عن البذور المادية في الفلسفة العربية الدينية عموماً . والبحثُ عن البذور ( المادية ) يعني فكرياً البحث عن العناصر الموضوعية والعلمية في الوعي السائد ، والتي غالباً ما ينتجها مفكرون يعبرون عن القوى الشعبية ، فهم يكشفون داخل الفلسفة عناصر مضادة للتفكير المثالي الذي يجعل جذور الوعي موجودة في الغيب ، أو في المطلق .
لكن مثل هذه العناصر تغدو استثنائية لأن الفلسفات العربية – الإسلامية كانت فلسفات دينية عموماً ، والوعي الديني لا يسمح باتساع الفكر المادي داخله ، فهو يفسر ظهور الدين مثلاً بعوامل غير اجتماعية وغير واقعية .
لهذا فإن البحثَ في وجود الوعي المادي داخل فلسفات دينية عموماً يؤدي إلى عدم كشف الطابع المثالي السائد في هذه الفلسفات ، ومن هنا أردت استكمال مشروع حسين مروة وغيره من الباحثين التقدميين في جوانب أخرى ، هي جوانب الفكر المثالي المسيطر ، ولماذا هو مسيطر .
إن الاهتمام بالفكر المادي في العصر الإسلامي التأسيسي يوجه البحث إلى تضخيم العناصر المادية والثورية ، وهذا التضخيم ينعكس على الحركات السياسية الاجتماعية في ذلك الوقت ، وبالتالي يجري إعطائها صفات ليست فيها ، والمبالغة في اقترابها من الفكر المادي الجدلي الحديث .
فمثلاً يجري تصوير المعتزلة بأنهم قريبون من الفكر العقلاني وأن لديهم عناصر فكرية مادية كبيرة ، وأن بعض الفلاسفة كانوا مضادين للدين بشكل متوارٍ ، وهذه العملية تقود إلى تفسير أي توجه فكري مثالي لديهم بأنه قناع وأن الفيلسوف بسبب الاضطهاد والقمع يحمل فكراً مادياً متوارياً .
هذه المبالغات في رأيي هي بسبب العقلية السياسية السائدة في سنوات الستينيات والسبعينيات حيث الاعتقاد بالانتصار الوشيك للاشتراكية على الرأسمالية وأن التراث الإسلامي يحملُ الكثيرَ من الاقتراب من هذا الفكر المادي وأن الحركات السياسية في الماضي هي حركات قريبة للحركات التقدمية العربية المعاصرة .
ومع تصدع هذه الأفكار ، وظهور الواقع أكثر ارتباطاً بالدين وفي اتجاهاته المحافظة ، وابتعاد النموذج الاشتراكي ، أخذت نظرتنا للواقع وللتراث في التغير .
ومن هنا كان العنوان ( الاتجاهات المثالية ) أي هو البحث في السائد ، فما هي الجوانب المثالية المسيطرة في الفلسفة العربية ، ولماذا هيمنت هذه العناصر على الوعي ؟
والبحث في سيطرة ( المثالية ) يقود إلى بحث تشكل الأديان في المنطقة وعلى أية أرضية تشكلت هذه الأديان ، حيث قامت أنظمةُ العبودية العامة في الحضارات القديمة في الشمال الزراعي العربي خاصة وهي : الرافدية والمصرية والكنعانية وغيرها ، بخلقِ هيمنة الفكر الديني الواحد ، المتداخل مع هيمنة الدولة ، والتي يجري تغييرها عبر فكر ديني مضاد ، والذي يصبحُ منتجاً لدولة مستبدة بعد حين ، وهكذا دواليك .
أي كان لا بد من أخذِ العناصر الإنتاجية والجغرافية والتاريخية المتداخلة المركبة التي شكلت الإسلام ، وفكره في سيرورة صراعية خاصة به .
ولهذا توجهتُ للبحثِ عن الجذور السياسية والدينية عند القدماء ، ورحتُ أبحث العناصر المشتركة في مثل هذه الثقافة ، حتى ظهور الإسلام ، وما هي العناصر الخاصة التي أحدثها .
في الأديان ثمة عناصر تمثل القوى المسيطرة وعناصر تمثل القوى المعارضة ، لكنها كلها تتشكل في مناخ مثالي ، أي يعيد سببيات التطور إلى عناصر غيبية في نهاية المطاف ، وإعادة هذه العناصر للغيب ، تعني إعادتها للقوى العليا المسيطرة ، وهذا ما فعلته كذلك الفلسفات العربية الإسلامية ، حيث قامت على الدين ، ولكنها بدلاً من تفسير الكون والحياة بعناصر غيبيةٍ دينية كفكرةِ الإله فإنها تفسرُ الكونَ إضافةً لذلك بفكرة العقول الكونية التي تخلق الطبيعة ، وبشكل متدرج ، لكنها تقوم بإعطاء هذه الطبيعة المادية سببياتها بعد أن تكون نتاج صورة الإله التي تتصورها .
ولهذا فإن الحركات الفكرية الإسلامية توجهت للبحث عن عناصر معينة لفهم الواقع والطبيعة مركزةً على فكرة الإله ومنتجة صوراً كثيرة حول ذلك ، ومقيمة كل فلسفاتها على صور الإله التي تنتجها .

الجزآن الصادران

هذه فكرةٌ مبسطة جداً حول نشأة الدين والفلسفة في الواقع العربي ، والجزآن الصادران بين أيديكم في مجلد واحد ، يبحثان الخطوط الاجتماعية والفكرية الممهدة لظهور الفكر الفلسفي ، منذ نشأة الحضارات القديمة بجوهرها السياسي – الاجتماعي ، حتى الخصوصيات في التكون العربي الإسلامي ، وظهور الإسلام والصراعات الاجتماعية التي عاشها ، كتعبير عن حركة تجار متوسطين متحالفين مع العبيد والفقراء ، مما مثل ثورة مدنية بأدوات الوعي الديني ، ولكن هذه الثورة سيطر عليها الأشرافُ وحولوها إلى دولةٍ يتحكمون في ثرواتها ، وقد ظهرت فئاتٌ وسطى مدنية حاولت أن تقوم بعمليات تحولية عبر المذاهب الفكرية والسياسية كالقدرية والمعتزلة والمرجئة والزيدية والمذاهب الفقهية السنية والإثناعشرية والإسماعيلية الخ ..
ولهذا تجدون فصول الجزء الأول تدور في : تطور الوعي الديني في المشرق القديم – قريش تؤسس وحدة العرب – الثورة المحمدية – عهد الخلفاء الراشدين – الملك والإمام – القصة في القرآن – الفرق المعارضة الكبرى الخ كما يبحث هذا الجزء آثار الفتوح وتمازج العرب بالأمم الأخرى ، وتداخل الأديان ، ثم دراسة طبيعة التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية ، وهذه قضية محورية لفهم مقولة النظام الإقطاعي وتطوراته .
فمن المهم دراسة البنية الاجتماعية بمستوياتها كما تشكلت في مناخ الجزيرة العربية البدوية ، وكذلك انتقال هذا الموروث إلى البلدان المفتوحة وقراءة التمازج الذي حدث بين الفكر الإسلامي الطالع من الجزيرة والفكر الديني القديم الراسخ في الشمال ، لأن هذا سيضع بصرنا على الأرضية الموضوعية لتشكل الوعي بمختلف تجلياته .
في حين يبحث الجزء الثاني ما بعد تشكل النظام الإقطاعي الديني ، عبر فصول مثل : الثورة العباسية ، التطور الاقتصادي للعصر العباسي الأول ، طبيعة تكون الإمبراطورية العربية ، صعود الثقافة العربية الإسلامية ، نماذج من مثقفي العصر البارزين كابن المقفع والجاحظ . ثم كيفية ظهور الفلسفة العربية الإسلامية وأول نموذج لها وهو الكندي .
إن الغرض من هذا المسح الشامل هو الوصول إلى طبيعة النظام الاجتماعي الذي أقامه المسلمون وكيفية تشكل الصراعات الاجتماعية والفكرية ، والإمكانيات الموضوعية التي يخلقها لظهور الفلسفة .
فقد حدث خلافٌ فكري كبير حول طبيعة التشكيلة التي أقامها العرب المسلمون و هل هي عبودية أم إقطاعية أم آسيوية ، وقد كانت الفصول السابقة هي تحديد وذلك ، وهذا ما جعلني اكتشف جوانبَ جديدةً حول علاقات الدين والفلسفة ، فأركز على طبيعة النظام الإقطاعي المذهبي ، المستمر حتى الوقت الراهن ، وكيف يُلحق الفئات الوسطى بسيطرته ويمنعها من تشكيل نظام رأسمالي حر .
ولأن المثقفين – المنتجين للوعي الفقهي والثقافي والفكري والفلسفي – هم نتاج هذه الفئات ، فقد كانوا نتاج التمرد على هذا النظام وعلى محاولة تغييره أو الالتحاق بسيطرته.
ومن هنا فالمعتزلة الذين كانوا متمردين على ظهور ونشأة هذا النظام في العصر الأموي حاولوا تشكيل عناصر عقلية دينية مثالية في زمن آخر ، ولكن لأن جزءً هاماً منهم التحق بسيطرة الطبقة الإقطاعية الحاكمة ، فإن العناصر التمردية والعقلية تآكلت ولم تستطع المعتزلة فتح طريق عقلاني واسع للوعي العربي الديمقراطي .
ولهذا أقوم بتقسيم تطور الوعي الاعتزالي عبر مراحل نمو البنية الاجتماعية ، ففي المرحلة مع واصل بن عطاء كان الفكر المعتزلي بشكل ثم تبدل في مرحلة أثناء النظام والجاحظ وغيرهما من قادة الاعتزال ، ثم جاءت مرحلة ثالثة مع فشل المعتزلة من الخروج من هيمنة صورة الإله المباشرة والشاملة على الطبيعة والمجتمع رغم طرحهم بعض السببيات في تفسير الظواهر، وهذا الفشل صعّد جماعةً مضادة هي الأشعرية عكست رؤى الطبقة المسيطرة في مرحلة مختلفة هي مرحلة سيطرة الإقطاع وإضعاف الفئات الوسطى بشكل كبير .
وقد الفلاسفة بمحاولة استكمال مشروع المعتزلة على صعيد أكثر تطوراً وأحفل بالتناقضات الفكرية كذلك ، فهم لم يعتمدوا على عناصر فقهية ودينية بالدرجة الأولى بل على عناصر فلسفية ، أي بالاعتماد على المقولات الأرسطية . لكن فلسفة الفارابي كمثال تقول في خاتمة المطاف إن على الوعي أن يتوجه للاتحاد بالذات الإلهية كأرقى شكل من التجلي الفكري وأن ينسحب من المجتمع المادي ( الوضيع ). وعملية الزهد ثم التصوف ثم فلسفة التصوف ستلعب كلها دوراً من الهدم للنظام دون أن تستطيع تغييره إلى الأمام ، وهذا سوف يقوي التيارات الفقهية الدينية وسيطرتها على الجمهور بدلاً من الفلسفة .
أي أن الطبقات الإقطاعية الحاكمة باستيلائها على موارد الدولة تقوم بإهدارها على بذخها ومتعها غير سامحة للفائض الاقتصادي بتشكل ثورة صناعية ، ولم يستطع المفكرون والفلاسفة اكتشاف ذلك ، وتشكيل فاعلية اجتماعية لقطع الطريق على هذا الخراب .
في حين قامت الحركات الاجتماعية والمذهبية بتكرار ممارسات الطبقة الإقطاعية في المركز في مناطق قوميات وشعوب أخرى.

الجزآن التاليان

ويبحث الجزآن الثالث والرابع هذا النمو التاريخي حتى العصر الحديث ، فالجزءُ الثالث يتناول مسألة نمو العلوم وعلاقاتها بالإنتاج وتطورات الفرق الفكرية خاصة الاعتزال وظهور الأشعرية وتطورات الإسماعيلية والإثناء عشرية ، وأفكار الفلاسفة وهم الفارابي وابن سينا والغزالي وابن طفيل وابن رشد وابن باجة وابن تيمية وصدر الدين الشيرازي ، ثم كتابة خاتمة تدرس المبنى الديني – الفلسفي العربي الإسلامي عامة من داخل تفاصيله وهيكله .
ثم يتناول الجزء الرابع والأخير ظهور الوعي العربي الحديث بدءً من انهيار الإمبراطورية العثمانية مروراً بتشكل فكر النهضة الديني عند الأفغاني ومحمد عبده وظهور الفكر النهضوي العلماني عند فرح انطون وسلامة موسى وطه حسين وغيرهم ، وكذلك العمليات الأولى لظهور الفلسفة كالمعركة التي دارت بين فرح انطون ومحمد عبده حول فلسفة ابن رشد ، ثم ظهور الفلسفة العربية الحديثة عند يوسف كرم ، وزكي نجيب محمود وزكريا إبراهيم ونصيف نصار وغيرهم من الباحثين المعاصرين وكذلك طبيعة الفرق الفكرية – السياسية المعاصرة كالقوميين والماركسيين والدينيين لدى أبرز من يمثلونهم فكرياً .
وهذا كله يجري في قراءة البني الاجتماعية القديمة – الحديثة ، وهل استطاع وعي الشرائح الوسطى فهم طبيعة النظام الاجتماعي العام الديني السياسي أي طبيعة ( النظام الإقطاعي المذهبي ) ، وأسباب اخفقاتها في ذلك ، وماذا يمكن أن يحدث مستقبلاً وكيفية إدارة الصراع السياسي والاجتماعي على ضوء السابق .
فليست غاية الدراسة هي نظرية فقط ولكن المساهمة في اكتشاف الواقع العربي الراهن ، وكيفية تكوين تحالف عربي ديمقراطي في كل بلد يتوجه لتغيير الهيكل الاجتماعي التقليدي ، بالتعاون بين الفئات الوسطى والشعبية ، بين عناصر النضال الديمقراطية القديمة والجديدة ، لتفكيك الدولة المذهبية الشمولية ، وقراءة الموروث .

المكان في روايات عبدالله خليفة دراسة تحليلية لنماذج مختارة

أ. فاطمة الزاكي. بكالريوس لغة عربية، جامعة البحرين
Author
‫أ.د. أحمد محمد ويس‬ – ‫جامعة البحرين
Thesis advisor

الملخص:

يتناول هذا البحث دراسة المكان في أربع روايات للروائي عبد الله خليفة وهي:” نشيد البحر – الماس والأبنوس – ثمن الروح وابن السيد وذلك عن طريق اتباع المنهج التحليلي، ويحتوي البحث على:
أولا: التمهيد النظري: يدرس مفاهيم ومصطلحات المكان في اللغة والفلسفة والسرد، بالإضافة لأهمية المكان وأنواع الأمكنة، كما يتناول سيرة الروائي عبدالله خليفة وتلخيص للروايات المختارة للدراسة.
ثانيا: الفصل الأول ويحتوي على أنماط المكان في روايات عبدالله خليفة، ومن أهم هذه الأمكنة: الأمكنة السكنية، الأمكنة الطبيعية، أمكنة المسارات الأعشاش أمكنة العمل المساجد، أمكنة التعلم، المستشفيات، السجون المحاكم، أمكنة الأكل والشرب، أمكنة التنقل المقابر.
ثالثا: يتناول الفصل الثاني الوصف كونه آلية من آليات إبراز المكان في الرواية، ولما له من أهمية في تشكيل الأمكنة، وفي هذا الفصل تناولت الدراسة تعريف الوصف ووظيفته في تحديد النوع الروائي، والعلاقة بين الوصف والمكان، كما تناولت أنماط وصف الأمكنة ووصف المكان المتخيل والحلمي، واندماج الحواس في وصف الأمكنة، ثم يتطرق لأساليب الوصف المتنوعة كالوصف بالأقوال أو الأفعال أو الوصف بالرؤية أو الوصف غير المباشر، ومن أمثلة الوصف غير المباشر: الوصف بالحلم والوصف بالرمز والوصف بالفنون، وللوصف وظائف متعددة في البناء الروائي.
رابعا: يتناول الفصل الثالث ثلاثة مباحث المبحث الأول: المكان والهوية، ويدرس التفاعل الاجتماعي والجماعات المرجعية والسلطة النسبية للأدوار الاجتماعية، كما يدرس الحراك الاجتماعي والصراع بين الجماعات والدوافع الاجتماعية، والتنشئة الاجتماعية، وعلاقة ذلك بالمكان كعنصر من عناصر الهوية كما يتطرق لأشكال التنشئة الاجتماعية كالمطاوعة والعدوانية والتقليد والضمير والصحبة وحاجات الإنجاز والمعيار الاجتماعي، وكذلك تسهم المسؤولية الاجتماعية والقيادة في التأثير بشكل مباشر في طبيعة العلاقة بين الإنسان وأمكنته. أما المبحث الثاني بعنوان المكان ونمذجة العالم فيمزج بين علم نفس الجشطلت! وسيمياء الثقافة وذلك للتقارب بين هذين العلمين وأهميتهما في دراسة المكان الروائي ومن خلالهما درسنا

3
التقاطبات الثنائية للأمكنة ودور انتظام الأمكنة ضمن أنساق خاصة في إبراز الجانب النفسي للأمكنة، ويتناول المبحث الثالث أهمية الجانب الإيديولوجي في تشكل المكان في روايات عبدالله خليفة.
خامسا: يتناول الفصل الرابع المكان وعناصر السرد، كالزمان والشخصيات، كما يتناول اللغة كعامل رئيسي ومهم في بناء المكان وتشكله في روايات عبدالله خليفة.
وأخيرا توصل البحث لعدة نتائج أهمها :
تتنوع الأمكنة في روايات عبدالله خليفة، فمنها ما يأتي مكتمل النمو في الشخصيات الروائية منذ بدايات الروايات، ومنها ما تتبني ألفته أو عدائيته مع نمو الشخصية، ويدل هذا التنوع على ارتباط نمو المكان بوعي الشخصية وانتباهها للمحيط.
الأمكنة في روايات عبدالله خليفة لا تأتي عشوائية بل تأتي ضمن نسق ثقافي من تداعيات الأفكار المنتقاة والمتلازمة والتي يصيغها الروائي بدقة وفي في قائم على التنويع والبراعة في الوصف، ووعي وإدراك فكري ووجداني، والتي عبر من خلالها عن هموم مجتمعه.
يرتبط المكان ارتباطا قويا بعناصر السرد التي تساعد على إبراز أهمية المكان ذلك لأن المكان جزء لا يتجزأ من مكونات الشخصية وكذلك فإن المفارقات الزمنية تؤدي وظيفتها في إبراز العمق الشعوري للمكان كالمكان المتذكر والمكان الأسطوري والأمكنة التاريخية، كما تؤدي اللغة دورا مهما في نسج المكان وصياغته وتنوعه، ولذا نلاحظ أن المكان محوري ومهم ضمن عناصر السرد الأخرى.
المكان في روايات عبد الله خليفة دراسة تحليلية لنماذج مختارة

Date Issued
2024
Language
Arabic
Extent
[275], pages
Place of institution
Sakhir, Bahrain
Thesis Type
Thesis Master
Institution
جامعة البحرين, كلية الآداب, قسم اللغة العربية و آدابها
English Abstract
Summary: This research deals with the study of place in four novels by the novelist Abdullah Khalifa, which are: “Ode to the Sea – Diamonds and Ebony the Price of the Soul Ibn Al-Sayyid” by following the analytical approach. The research contains: First: The oretical introduction: It studies the concepts and terminology of place in language, philosophy, and narrative, in addition to the importance of place and types of places. It also deals with the biography of the novelist Abdullah Khalifa and a summary of the novels chosen for study. Second: The first chapter contains types of places in Abdullah Khalifa’s novels, and the most important of these places are: residential places, natural places, places of paths, nests, workplaces, mosques, places of learning, hospitals, prisons, courts, places of eating and drinking, places of transportation, Cemeteries. Third: The second chapter deals with description as a mechanism for highlighting place in the novel, and because of its importance in shaping places. In this chapter, the study dealt with the definition of description and its function in determining the novel genre, and the relationship between description and place. It also dealt with the types of description of places and the description of the imagined and dreamed place. And the merging of the senses in describing places. Then, he discusses the various methods of description, such as description with words or actions, description with vision, or indirect description. Examples of indirect description include description with a dream, description
Theses
المكانُ في روايات عبد الله خليفة دراسة تحليليّة لنماذجَ مُختارة
الزاكي ,فاطمة حسن سلمان
2024

قصص من دلمون

إهداء
القاص والروائي والكاتب البحريني عبدالله خليفة البوفلاسة حرفك ذات يوم علمنا غواية السرد، حيث أبحرنا وشهوة الحلم تعبر نحو «اللآلئ»؛ ثم نمضي في متاهة الموج الأزرق كيما نبلغ «الهيرات»، يحدونا الأمل ولا ندري ما يتوارى لنا خلف «أغنية الماء والنار»، وإذا ما كان «القرصان والمدينة»، في انتظارنا هناك في أزقة العدامة والمحرق والمنامة.

ثمة خليط ملون هنا من الحكايات، خاطب روحك الغائبة عنا، لكن طيف أنفاسك الساخرة يعرفها، هيّا.. ﺍجمع كل هؤلاء المحتفلين حولك في حلقة الزار وأخبر عفاريتك وسط العتمة، وكذا العمال المطحونين قرب آبار النفط وحقول الصحراء ومدن الاسمنت وكآبة «…»، أخبرهم أن عشاق الحرف يستمر ركبهم، وهذا مدادهم محلّق في فضاء الوطن الذي أحببته، لا ينقطع غيثه الطيب مهما تبدلت الأحوال.
إلى ذكراك الطيبة نقدم هذا الكتاب تقديراً وعرفاناً.. لترقد روحك بسلام عند رب الأنام.

أحمد المؤذن

عتبة اولى لا بد منها
من الصعب إجمالا اختزال كلية المشهد السردي ــ ونعني به هنا «عوالم القصة القصيرة البحرينية»، في مقدمة مقتضبة ضمن هذا الكتاب الصغير بعدد صفحاته والثري بمضمونه كما تأمل، الكننا في توجهنا هنا من الهم أن نٌطلع المتلقي العربي على جزئية مهمة من حراك الساحة الثقافية في مملكة البحرين، هذه الجزيرة الصغيرة في الخليج العربي حيث تُعڐ ملتقى للثقافات طوال العقود الماضية، ولا تزال حتى يومنا هذا.
جزءٌ مهمٌ من نموها الحضاري وتطورها جاء نتيجة الانصهار والتعايش السلمي ما بين مختلف الإثنيات والمذاهب، وهذا تماما كان المحك في ثقافة قبول «الآخر»، واستيعابه في عمومية البناء المجتمعي بمختلف تجلياته وتمثلاته.. لذا فإن المشهد السردي يحمل سمات البيئة البحرينية وملتحمٌ بهواجسها وقضاياها اليومية، وخير من صور هذه البيئة وعمل على التوغل في همومها، هو الأديب والباحث الراحل: عبدالله خليفة البوفلاسة، ابن البحرين الذي غذى روح السرد بانحيازه للفقراء والمهمشين، وأغنى المشهد الثقافي البحريني بمؤلفاته المتنوعة حتى بعد رحيله.
فقد قطعت القصة القصيرة البحرينية شوطا طويلا في حرية الكلمة ونهوضها الثقافي على مستوى الخليج العربي، وقدمت الكثير من العطاء والتجلي الأدبي في صعودها؛ إبان القرن العشرين المنصرم مع بواكير الصحافة البحرينية عام 1939؛ لما تأسست جريدة البحرين، ثم تلتها صوت البحرين، والقافلة، والوطن. وكان الراحل عبدالله الزايد هو الأب الروحي للصحافة البحرينية؛ فهو من أسس الصحافة الحديثة في منطقة الخليج العربي، الأمر الذي أثرى الحركة الفكرية والأدبية وساهم في بروز الأقلام المحلية والعربية.
فكان لفن القصة القصيرة دورها وإن كان خجولا في ارهاصاته الأولى لڪن أسهم في انطلاقة تلك الأقلام البحرينية في تلك الفترة التي شهدت نهضة البحرين واليوم تتواصل الساحة الأدبية في زخمها الثقافي، حيثُ تتسيدها الكثير من الأجيال تتفاوت في جهودها كقامات أدبية مهمة كمثل الراحل (فريد رمضان، عبدالله خليفة البوفلاسة، محمد عبدالملك، أمين صالح، خلف أحمد خلف، جمال الخياط، عبد الحميد القائد، فوزية رشيد، عبد القادر عـقيل، علي سيار، أمينة هاشم الكوهجي وأسماء أخرى لا خضرفي الآن)، وثمة أسماء أخرى ظهرت للساحة مثل، (عبدالعزيز الموسوي، ايمن جعفر، شيماء الوطني، فتحية ناصر، حسن بوحسن، جعفر الديري، محمد أبوحسن، مها المسجن، منار السماك، ندى نسيم، جميلة الوطني، نعيمة السماك، علي الحداد، جابر خمدن، علي خميس الفردان، فخرية المخلوق، يثرب العالي، أحمد المؤذن، وأسماء أخرى تغيب عن المشهد ممن صدرت لها مجاميع قصصية، ثم اختفت عن الساحة في زحام الحياة. في هذا الكتاب نطلق شهية السرد للعــديـد من الأقلام التي استحوذ عليها سحر الحكاية بالذات التي استجابت لدعوتنا وتواصلت معنا وأرسلت قصصها، وهناك أسماء أخرى «ربما لم تتحمس لفكرة المشروع»، وعدم تواجدها في متن الكتاب لا يفسر على كونه تجاهلا متعمدا أو مقصودا في حق تجاربها، ففي نهاية الطاف لكل تلك الأقلام الغائبة أعذارها وظروفها الحياتية كيفما كانت، وهي موجودة على كل الأحوال.
وهناك أصوات أخرى من غير المكان «التصرف» بنقل نصوصها القصصية، لكوننا لا نمتلك الصلاحية في ذلك بالرغم من بصمتها السردية الوازنة في المشهد الأدبي البحريني.
أكثر الأمور إيجابية في صيرورة هذا المشروع القصصي والذي يعمل عنوان «قصص من دلمون»، حيث أن دلمون تلك الحضارة القديمة التي تميزت بأنها نقطة الوصل ما بين الطرق التجارية القديمة الشرقية والغربية، وتحتوي على الآثار التاريخية التي تحمل معها تاريخ البحرين قبل خمسة آلاف عام تقريبا، فقد نشأت حضارة دلمون ما بين 2800 ــ 323 قبل الميلاد، تعطينا الحافز على محاولة فهم كنه قدم الرغبة البشرية في سرد الحكاية، والتي أطلقها إنسان الكهوف لما شرع يرسم ويحكي الحياة من حوله بالرسم على جدران الكهوف، وعليه فالسرد غريزة إنسانية أصيلة تضمر إحساسنا الفطري في أرشفة صيرورة الحياة وتخليد الحدث/ الحكاية.
لهذا فإننا هنا عملنا على جمع هذا الخطوط الأدبي، والإعداد له، ولم نتعسف في تصنيف مجمل الكتاب المشاركين بفرض معيارية فوقية على مبداً (الاستحقاق للأفضل)، فالقصص الواردة تتنوع في مضامينها الحياتية، وتعبر عن بيئتها ضمن مناخاتها المحلية، تبرز صراع الإنسان المعاصر على سطح هذه الجزيرة الصغيرة بمختلف قضاياه وروتينه اليومي وهمومه كأي مواطن عربي، متمنين لعموم القراء رحلة سردية ماتعة تستنطق جزءاً من مسيرة القصة البحرينية المعاصرة، والتي لا يمكن هنا بأية حال من الأحوال «أن تعكس كلية المشهد الراهنة»، نظراً لغياب أسماء أخرى مؤثرة لكننا بشكل عام نضع هذا المجهود الأدبي المتواضع بين يدي القارئ العربي من المحيط إلى الخليج كيما نتواصل حضارياً مع الجميع، ابتغاء التعريف بعطاء القصة البحرينية القصيرة التي في بالأساس جزء أصيل من نتاج الساحة الثقافية العربية، ولا تنفصل عنها من دون أدنى شك.
تمنياتي لكم بحصد الفائدة والمتعة في السطور القادمة والله ولي التوفيق.
أحمد المؤذن 8 نوفمبر 2023 / مملكة البحرين

قصص من دلمون

قصـــــــةٌ


لكَ النورُ والظلالُ والحلم أيها الشراع، لك الفضاء المفتوح تتجه لجزرِ الكنوز والنساء.
وراءنا الشواطئ الرثة الضاجة التعبة المهترئة تحاصرنا تخنقنا ثم تنثرنا في البحار والمدن البعيدة والبلدان النتنة.
لا تلقي نظرةً طويلةً للوراء، حتى لو تحطم الخشب أسبحْ، أسبح، حتى تصل للجزر، للجبال فيها، للعطاء داخلها، لتصل للساحرات، النساء المتجددات عذريةً.
الهواء الحار يلفحكم، الرجال يجدفون، وينفخون بأنفاسهم وأيديهم الهواء،
الظهيرة قاسية، الموج يضربُ الحطبَ اليابس ويكاد يشققه، هذه الكتلة المحدودة المثقلة بالأجساد والأشياء الموضوعة في الخن، وبالأشباح الكثيرة وذكريات الموتى ورغبات الأجساد العارمة التي تصطدمُ بعرق الرجال وزنخهم، الذين يتعرون ويساقطون في الظلمة فيم مياه البحر اللذيذة المنعشة.
قدموا من أزقةٍ نتنة، من فجائع وتفاهات وفشل مروع، يقذفون أنفسَهم للحياة، للبحثِ عن فرص، لرحلاتٍ مخيفة لتكوين مصائر جديدة.
ليس قربك سوى الربان طارش يهمهمُ ويغمغم، يتصلُ بكائناتهِ العليا، يتطلعُ للنجوم والكواكب والشهب ويراسلها، يلقي عليها مياهاً مقروءً عليها، متبلات بنفحِ الطيب المحمدي فتندفع المياهُ في قوالب ممتدةٍ كأنها صاعدةٍ من نافورة. رأسُهُ الصلعاء مضاءة، جمجمته فيض نور.
هذا الربان العجوز كأنه حيةٌ تجددُ شبابَها في كل سنة، يعرس، يسكن أكواخاً وبيوتاً جديدة، ينجب قبائل من الأولاد والبنات، يختفي، يظهرُ في أمكنةٍ أخرى، كأن البناتَ تغيرُ جلدَه، والعيالُ يسلخونه، يهرب للألق، للمغامرات الغريبة، يلتقي بالسحرة والعلماء والربابنة.
فكيف الآن يقشعرُ جلدُهُ من المغامرة الكبيرة القادمة؟
تلك التي أعددتَ لها طويلاً.
يلتفتُ إليه مروِّعاً:
ــ حلمت البارحة يا غانم حلماً مخيفاً، هذه السفينة سوف تتصدع!
يضيف:
ــ هذا الكائن الخشبي الحقير يوغل في شلالات الماء والنار!
سكتَ ونظرَ إليه هو ساخراً يستمر في تغريبته البائسة:
ــ لا بد أن نقنع الرجال بالعودة للبر، كفاية ما التقطناه من محار واسفنج ومرجان وما بليناه من لهب.
ها هو العملاق يتحول لعصفور مبلول من المطر.
ــ تقنع الرجال بماذا؟ بهذه النفايات التي تكبدوا التعب لكي يحشروها في الخن بين عظامهم؟
ــ بدلاً من أن يصيروا طعاماً للكائنات التي سوف تهجمُ عليهم!
ــ إنهم ينتظرون هدوء الرياح الموسمية وتدفق الرياح الشمالية لينحدروا للجنوب ويذهبوا لجزر الأقمار السوداء، حيث جبال الذهب ومدن النساء والمتع وسفن الثروات الضائعة! إنها جزر ليست بعيدة وسوف نأتي بالقوارب والطعام والشباب.
ــ ما هذا؟ أي مخطط غريب هذا. هل استغفلتموني؟
ــ أنت لمحطة واحدة ثم تأخذ أجرك وترحل إلا إذا أردت أن تكمل معنا.
ــ أتعصون إرادتي؟
لست سوى ربان هذه السواحل الضحلة الكئيبة!
جسدُهُ العملاقُ العاري يسبحُ إلى الخشب، ويرتفعُ وكأن السفينةَ تتقلل وتصعد أصواتُ بحارة: لا تسقطْ السفينةَ يا نوخذه!
يقف أمام البحارة كالجبل، كموسى القادم من الشعل، لكنه يحمل ألواح السحر غير المقروءة، وهمهمات البشر وراء الأكواخ. يقول:
ــ يا ربعي وعزوتي إنني لم أرَ حلماً من قبل هكذا، لقد أخذني الوحشُ بين يديه وطار بي، لمستُ الطوفان بيدي، تناثرت أجسادُنا أشلاءً، ثمة كائن مخيف يطل علينا، سَحبنا للثلج والرياح والنار!
غمغم رجالٌ وضحك آخرون.
في كل هوةٍ بشرية تتساقط القمامةُ ولا ترتفع سوى شرارات صغيرة من البِشَر والألق و(النهمات).
يرى الربانُ السفينةَ وقد التفتْ فجأة بالظلام، تحولت لخان، أو سوق، أو شرك، تبدل الرجالُ العراةُ، جثموا للعبِ الورق، ظهرت زجاجاتٌ صغيرة تفيض بالمنكر ويحيط بها الدخان.
ارتفعتْ أصواتٌ، بدت الرؤوسُ كحياتٍ تترددُ بين الماء والهواء، بين النار والقبور، وتمشي الحكايات مستعيرةً أجنحةَ الجن وأصوات النوارس وقلوب الأطفال.
ــ تعال يا طارش للعبِ وأنزعْ أساطيرك هذه!
ــ يا إلهي! هذه الأساطير جعلتكم تمشون وتحلقون فوق البحار!
يرتفع كأنه على تلة، على برج تاريخي شيده سحرة، يجثم على الخشب متطلعاً إلى كائنات غريبة تحيطُ به.
هل هم جماعته نفسها؟ ألم تقودهُ العفاريتُ لكيان آخر؟
ليسوا هؤلاء جماعته!
يقترب، يطالع الوجوهَ، يرى رمضان، هذا جزءٌ من علامات السفينة والمدينة؛ ثرثرةٌ وسخافات مشبعة بالنوادر والتوابل الجنسية الحارقة ومحاولات بائسة لفتح دكان، وهذا فهد لديه مهمات عجيبة للمعارك الدامية، فيه قوة غرائزية مجهولة.
يجلس عند رؤوس الرجال، يتحسسُّ الأحلامَ المدهشة المتدفقة، إنه خروجٌ واسع من الأزقة الرثة والغبار والدخان والدم، حرائق منتشرة في بيوت السحرة، أبنية متألقة مثيرة، رؤى ومتعٌ وسفر.
عتيق لم يستطع أن يتجاوز إدمانه، يتطلع للبراري الجديدة والمدن.
فهد كل تمرداته ضد أبيه كانت خائبة.
يتطلع فيهم طارش مذهولاً.
ــ أي فتية أنتم؟
ــ كنا نهذي في المدن، نتحشرُ يوماً بعد يوم، خذنا بعيداً عن تلك الأكوام من السماد البشري، خذنا لحياة أخرى!
يغمغم، يتحد بصلابة الخشب، يسمع الموجَ يهذي ضائعاً في الكلام والأنام، والأسماك تبتعدُ عن صدأ السفينة مذعورة، جسدُهُ العملاق يقلق، ثم تدب حركة عنيفة، كأنها ضربة من كائنٍ ما، السفينة تهتز وتَقلقلُ الرجالَ كدمى من البلاستك والقماش الطفولي الرقيق.
رؤوسهم ترتفع قلقة، يتطلعون لجهة الربان الجاثم مثلهم، ولكن الحركة لم تتوقف، وراحت السفينة تهتز بعنف، الشراعُ الملفوف يهتز ويسقط منشوراً على رؤوسهم، السفينة تسحب المرساة. تختض بقوة، كل بحار يمسك شيئاً لئلا يتدحرج ويُقذف إلى الماء.
يقتربون من الحواف وكل بحار يمسك الخشب بقوة.
الموج يتساقط عليهم ويهزهم ويكاد يقذفهم. يسمعون دمدمةً مخيفة، ثمة وحشٌ يضربُ الألواحَ ويشمُ السمكَ المجفف والعظام الحية المليئة بالنخاع.
اقتربوا، رأوا!
ثمة ذيلٌ هائل يتحرك في الماء والهواء نشطاً قوياً يضربُ بحدة.
الكائن لا يستطيع أن ينزل تحت قاع السفينة ليقلبها، جسمُهُ الضخمُ لا ينحشر في الأسفل، لكنه يقذفهم بمياه قوية ويرتفعون عن الخشب ويسقطون بعنف.
طارش يرى أجواءً رآها في الحلم ولم تكتمل بعد. يتحرك بصعوبة لكي ينتزعَ مجدافاً، غانم يحاول أن يقترب منه، حركتهما تهتز، يضطربان ويتلاقيان ويصطدمان. يضع طارش حربةً في المجداف، الذي يتمردُ على يديه مراراً.
الحوتُ يظهرُ برأسهِ المفتوح وعيناه تبحثان عن جسد.
الأجواءُ تغيم، رذاذٌ ناعمٌ يتساقط من سحبٍ متحركة قطنية هفهافة، النورُ يغمرُ الأفق، الماءُ الحلو يتداخل والماء الإجاج.
يتقدم طارش من أمام الكائن الهائل، يهتز من ضربات المياه والهواء، الحربة الطويلة تُوجه نحو رأس الحوت، عينا الحوت الضخمتان تتطلعان بقوة وشهية للربان.
العصفُ مستمر، تقلبُ البحارة وإنفلاتاتهم على الخشب حادة، بحارٌ طويلٌ هزيل يعركُهُ الموجُ ويتدحرجُ ويقترب من أشداق الحوت فيفتح الحيوانُ فمَهُ ويهجم عليه، البحارُ تضيعُ صرخاته في ضجيج الرياح والمياه، يزدردُهُ الحوتُ وتتقطعُ أجزاؤه، ويتقدم طارش بقوة ويوجه الحربةَ ويسددها إلى عين الحوت المنشغلة بالجسم البشري المتقطع الممزق المتناثر.
الضربةُ تتغلغلُ في العين ويُذعرُ الوحشُ وينتفضُ ويتحرك ذيلُهُ ويضربُ السفينةَ وكانت حربةَ غانم قد دخلتْ فيها وتقلقلتْ بين اللحم والخروج من الجسم المثخن.
يتراجع الحوتُ ويترك بحيرةً من الدماء، تطفو على أشلاءَ مضطربة، وتهتز السفينة اهتزازات عنيفة وتهدأ بعض الشيء ولم تزل مضطربةً مترنحة.
راح البحارةُ يطالعون أنفسَهم، يتفقدون أجسادَهم والضحايا، يمسكون بعضَ أشياء الزاد التي تنبعثُ من (الخن)، يحدقون في الربان وغانم اللذين انهارا متعبين.
لكن السفينة كانت تهتز بقوة، الريح ازدادت عنفاً وصخباً، أنها تدفعها للجنوب، تضغطُ عليها من الجهات الشمالية والغربية، وحبلُ المرساة الهائل يمسكها فتهتز وتضطرب وتدور.
غانم يزحف للحافة، يرى الموجَ الصاخبَ وتيارَ الدماءِ لا يزال متدفقاً:
هل أسرعا بالصعود وتركا الوحشَ يلملمُ جراحَهُ ويستعد لجولةٍ ثانية لالتهامهم؟
البحارة نزلوا في أعماق السفينة، يرفعون مواداً غذائية تكاد تتلف وتذوب.
هل ينزل البحرُ ثانيةً لوحده مصارعاً؟ هل يتركه يستعيد عافيته لجولة ثانيةٍ؟
هل يتركون هذا الجسم الهائل المكتنز بالشحم ويتحسرون في الأيام القادمة جوعاً؟
ثمة قلقلة واضطراب. هل عاد الوحش؟
إنها مجموعةٌ من قروش البحر تتدفق على المكان، ورغم الريح والمطر الموج الصاخب لكن الكائنات الوحشية الجائعة أسرعتْ لالتقاط رزقها وهم تركوه!
سيلُ الدمِ يمشي من تحت بطن السفينة متجهاً للجنوب، للضواري والبقع المساحات التي سوف تستقبلهم.
هل يقطعُ الآن حبلَ المرساة ويحرر السفينة من قلقها واضطرابها؟
فهد وطارش يصارعان الهواء المائي الباطش ويقتربان منه.
يقول وفي فمه بخار وماء:
ــ سوف أقطع حبل المرساة لنمضي!
يصرخ طارش ولكن فقاقيع الكلام وشظايا اللغة تتناثر:
ــ كلا.. لا .. سوف نقودها نحو بر..نا .. أر .. ضنا…!
يصرخ غانم:
ــ أبتعد أيها الكهل، سوف أقطع الحبل ونمضي قبل أن نغرق في دوامة المكان!
يهجم الربان عليه، يحاول وقف أداته الحديدية التي تجرحه.
ــ أبتعد سوف تقطع يدك!
يتمكن طارش من زحزحة غانم عن الحافة والحبل الضخم الذي يعود جزؤه المسحوب للماء وقد أُصيب بحز، غانم يسقط على السطح والماء المتدفق يضربه وغمغمته تائهة في الخضم.
أصواتُ أسماك القرش تتفاقم، إنها تتصارع الآن على البقايا، ظهرت حشودٌ منها، لم تعثر على شيء وراحت تصارع من يمسك بقطعة أو بعظم!
ثم راحت تضرب السفينة بجنون وتمد رؤوسها وسيوفها نحو الرجال، بدت مثل قماش صلب معدني مقطع منتشر على طويل المياه ويحيط بالسفينة مثل قيد مصنوع من أنياب!
بحارة يضربونها بالمجاديف التي تكاد تتكسرُ على رؤوسها.
بحيرةُ الدمِ المنتشرة المترجرجة تخف وتُمص وتذوب في المياه الكثيرة المتدفقة.
بدا الرجال مثل كومة أو بقايا إعصار، أو حزمة حشائش محصودة.
لم تعد المدينةُ المغبرة المدفونة في رمال الصحراء وغبارها، وصدأ الحديد، والدخان، والأكاذيب، والضجيج، ودخان الحرائق مرئية، محبوبةً، مسموعة الأصوات، وراح مهدي يرى حقله الميت وهو يعود ويداه فارغتان من نثار اللؤلؤ ودخانه وأصوات بيعه في السوق..
فيما سلمان يتذكر كيف وُضع في عربة صغيرة ودُورَ به على المنازل للتصدق عليه بشيءٍ من القرآن وكبر شبه معتوه يتلاعب بجسده الأولادُ والبحارة، لا يريد الآن سوى أن ينظف روحه، ويرى مدناً جديدة، وامرأة تغسله من لوثة الرجال.
وسعد تزوجت أمه رجلاً لا يدري به، وأبوه اختفى فجأة، بصق دماً من رئته وهو ينفخ عميقاً في الصرناي، وهو أخذه الأولاد للسجائر المخدرة والإبر.
وغانم نفسه يرى ذاته في غرفة لا يعلم أهي مكتب لطبيب نفسي أم مكتبة بائرة الكتب؟
صاحبه يقول له:
ــ أنت تتعفن في هذه الأزقة والورق الأصفر.
ــ وأنت تُخرج كائنات مضطربة من الأجساد وأرواحاً ثائرة محطمة؟!
ــ أي مغامرة هذه، تعود للغوص، تذوب في البحارة، تتوجه لجزرٍ غامضة، وأرضك دخان ونار.. أي مغامرة مجنونة؟
ــ إننا نتعفن هنا، أنظر إلى نفسك ضاعت الفروق بينك وبين المرضى، بضعة أيام لا يجدك الأميون إلا في أزقة المعتوهين؟
ــ وأنت طالعْ كيف مَحيت الفروق بين المعقول واللامعقول؟
ــ مغامرة عظيمة وراءها آفاق وذهب وكشوف!
صرخ فيهم طارش:
ــ هيا نعود لأرضنا، أنظروا قروش البحر تنتظر لحمكم!
يحاول أن يصلَ للدفةِ والجمعِ والماء الصاخب والدم والريح تمنعه.
ينحني غانم على (الخراب)* الضخم ويرفع شيئاً منه بصعوبة يرى رأس قرش يقترب منه.
الحزُ كَبرُ والحديدُ يتوغل فيه.
تتحرر السفينة من المكان تهتز بقوة كعروس حرة.
كفرسٍ جامحة في برية مفتوحة، ترتفع للذرى، ثم تنزل للقاع، مجنحة، تعصفُ بها المياه وهي تنثرها، بحارتُها غدوا أولاداً رؤومين بأمهم، ممسكين أجزاءَ من الشراع، يكيفونه مع ضربات المياه وعصف الرياح.
تنبثقُ من أسفلِها غابةٌ من قروش البحر وبقايا الأسماك وبقايا جسد الحوت العملاق.
تصهل في الملكوت الأزرق.
ولم يعد طارش يرى سوى الجنوب. غابت الأزقةُ المغبرة والظهائر بين الأكواخ، والنسوةِ الطبالات والسحرةِ الكاذبين والأسواق التي نفق فيها الرجال واللؤلؤ والمرجان. الأولاد كبروا وذهبوا وراء التلال والجبال البعيدة وذابوا في أدخنةِ الزيوتِ المنبعثةِ من الأراضي المجهولة والشاحنات الفخمة التي تدوس على جثث الرجال والحيوانات. وحين يجيئون لا يعرفونه، يتضخمون في المقاهي وغرف الأعراس والغناء، يظهر نسلٌ غريبٌ من ورائهم يرقصون عقب الولادات ويتفجرون في الشوارع. والمدينة تغرق في الدخان والصراخ والأنقاض التي تتساقط من الأحياء الميتة والتي تطلق في وجهه كميات كبرى من الغبار والبشر القادمين من وراء خطوط القارات يحملون بيوتهم في مناديل وصرر قذرة.
وحتى السماء تخلت عنه، لم تعد النجوم والأرواح تستجيب، أُخترقتْ بالطائرات والنفاثات في العقد والورق.
لم تعد له سوى هذه العائلة من الرجال المنبتين بمنجل الزمن، تتساقط رؤوسُهم تحت قدميه.
البحر يقول:
ــ هيا يا سيدي أدفن جثتك المتعفنة هنا!
وها هي السفينة تصهل، انسابتْ من دائرةِ لعاب الحوت ومستنقع قروش البحر إلى فضاء أخضر، بدت ملامحُ جزرهِ في الآفاق، ثمة صخور متناثرة ومساحات صغيرة من الأرض مبعثرة ناتئة من ملامح المياه، والكائنات الوحشية لا تفارقها، تغطسُ حولها تظهر فيها مثل الحشرات الصغيرة، تجري إلى الأعماق الضحلة متداخلة بين التراب والماء، بين الصخر وبقايا العظام. تحدقُ عيونُها في الليل مثل الخرز وتنطفئُ في الظهائر حيث كل حصاة شمس متألقة.
ها هي جزيرةٌ بدت كاستراحةٍ للسفينة المتعبة، ذات مرسى عميق، فيها تراب مترام وجبل صغير كأنه ثؤلول على جسدٍ بشري يسبح في المياه. تهمسُّ له: تعالْ لي نصيب من لحمك!
البحارة يغتسلون ويسبحون ويسرعون للجزيرة بحثاً عن مياه حلوة، يمشون ببطء في تلك المياه الضحلة والنقع، يحدقون في عيون سمك القرش التي تسرع خائفة تحرك ذيولها كأنها سيوف تحارب الهواء.
يلقي غانم نظرة مديدةٍ على التراب الممتد كخريطة مرمية، وثمة رأس جبل صغيرة حوله عصابةٌ كثيفةٌ من طيور تصرخ تطلب الطعام وخائفة من الثلة المتقدمة تطرطشُ الماء وتُذعر قروش البحر التي يتمكن أحدها من الانقضاض على سعد الغافل غارزاً فمه المنشاري في ساقه، فيصرخ ألماً ويطبق بيده على رقبة القرش يفتحها بقوة ويمزقها بضراوة.


استقبلت السفينةُ مياهاً زرقاء صافية، انفتحتْ الآفاقُ عذراء، تعالتْ أدخنةُ الشواء والطبخ، وتفجرت ضجةُ البحارة.
بدت السماء تتغير، ثمة غبرة غريبة في الأعالي، غَزُرتْ المياهُ وأسودت، ظهرت أشباحُ جزرٍ عملاقة وجبال شاهقة ذوات رؤوس تتكسرُ أشعةُ الشمس عليها وتغدو مثل المرايا المتعددة.
أخذت الدروب تضيق وانتشرت الجبالُ والصخور في كل مكان، حتى جاءت جزيرةٌ هائلة تكاد تسد الآفاق، جزيرةٌ جبلية قاحلة جهمة، ذات مرتفعات وكهوف ملآى بحيوانات ضارية!
وقف البحارة منتصبين مذهولين من وحشةِ المكان وعنفِ الذئاب التي تتصارع جائعةً وتندفعُ نحو السفينة كأنها تريدُ التهامَ لحم سهل.
لم يكن سوى شريط مائي ضيق وتقفز الحيواناتُ الشرسة في جوف السفينة المتوقفة.
حدث إظلامٌ شديدٌ وما تزال المرايا الضوئية المشتعلة في عمق السماء تتكسر.
تأمل طارش المكان والعواءَ والجبالَ الموحشة ورأى أشعةً كالخيوط باهرة في الكهوف، وعيون الذئاب تومضُ فيها.
تألقتْ النارُ في السفينة، غدت المجاديف مرة أخرى تحملُ الحرابَ، توحد الرجالُ في الألق والشجاعة، تخوفت قطعانُ الذئاب من الضوء والحديد اللامع المسنون، وجدتهُ ينغرزُ في عظامها بسرعة، فتعوي وتصيح وتهجم وتبرز أسنانها ولعابها وتدافع عن صغارها المضروبة بقسوة، وتعضُّ لحماً هارباً وتقتطع بعضَه بوجل وصراخ وتلوذ بالفرار وتترك الأفاعي لمهمة حماية الظلام والصغار والسم.
كان الرجال يصرخون، يرون عروقَ الصخورِ تتألق في الداخل، خطوط الماس والذهب تمتد في الحصى، يرون أكواخَهم تنارُ فجأة، ونساءهم يمضين في أعراس بهيجة، والبيوت الحجرية الصغيرة تصيرُ عمارات تضج بالموسيقى.
الحراب تتحول لفؤوس، تتغلغل في المواد الصلبة المتفجرة شراراً، خنُّ السفينةِ العفن يستقبلُ معدناً متألقاً يندسُ في زواياه وخفاياه، ينحشرُ في ثقوب، يهدأ في سكون.
غدت السفينة أثمن ما في البر، غدا السير صعب المرور بين الحجارة العملاقة والصخور الناتئة والمياه الضيقة، الجزرُ صارت ضائعةَ الملامح، الغبارُ والأضواءُ الشاحبةُ والشجرُ الكثيفُ تعرقل سيرها، لكن الرجال يبحثون عن مجارٍ ويسيرون في مواكب الساحل وبعضهم لا زال في الجزيرة يحفر ويحطم الصخور.
أجسادُهم تغدو، أقوى، بعضهم يسير في البرية، آخرون ملتصقون بالسفينة وشراعها ودفتها.
تبدو الجزر الأخرى بعيدةً ضخمة محاطةً بعتمات تحيطها المياهُ والجبال، المرتفعاتُ تصلُ للسماء في أشكالٍ رأسية حادة وفراغات ضيقة تتراءى وراءها جبال أُخر.
الجسم الذكوري المتنوع يزخرُ بالحياة، يشعر محمود إنه تحرر من سطوة أبيه إلى الأبد، لن يعد للمدينة ويتوارى في زقاق أو مشرب ينزف فيه أيامه.
علي ينفضُّ المياهَ القذرة التي تحيط بجسمه ويرمق الجبال البعيدة والسماء السوداء الغريبة المتألقة.
سالم يحرك قطعَ الماس في كفه، يضعها في فتحة بالسفينة ويغطيها بقماش.
سوف يزيل السعف وصراخ الجن وجنون المخمورين.
بصعوبة تمضي السفينة بين الصخور والأشياء والمياه الضحلة والعميقة، تتحرك بمجاراة الشواطئ غير الصخرية، تمضي في العمق وتعود للساحل، والجزيرة القادمة الهائلة تنمو، تظهر غاباتُها، يجيء صمتُها الغريب، تُسمع أصواتٌ غريبةٌ كأنها زئير أسودٍ وصراخ قردة تتشاجر.
تتوقف السفينة عند شاطئ هادئ آمن، تمزج الليل بالنهار، وتتحسسُّ الشطآنَ برؤيةِ الكهوف والأشجار، تزداد أصواتُ القردة صخباً.
يقظة حراس المجموعة، النيران المشتعلة حولهم، الجذوع الموضوعة المحيطة بهم، توقف قفزات القردة بينهم، وهي تصخبُ وتملأ المكان ضجيجاً وتتقافز بين فروع الشجر وتحدق في وجوههم وتقلدهم وتضحك عليهم.
ثم أخذت تنزل وتتطلع إلى النيران والوجوه وتكاثرت لدرجة مقلقة.
ثم أخذت تتجرأ وتحاول مشاركتهم في اللحم المشوي المتقلب على الفحم وخطفه من فوق الفحم وسحبه من الخشب الملتهب فتصرخُ من الألم.
ثم جاء النهار المعتم، وضوء الشموس المنكسرة لا يزال متردداً مترجرجاً.
وقفت جماعة القرود في وجه زحف البحارة وخروجهم من الدائرة الضيقة المحاصرة.
قفزت ثلةٌ من القرود إلى السفينة وأمسكتْ أشياءَ راحت تصيح بها.
غضب البحارة وراحوا يغرزون حراب المجاديف في لحومها وهي مذهولة يتفجر الشرر من عيونها، وتسقط مضرجة في المياه وعلى الأرض، الكتلة البشرية التي كانت ساكنة هادئة لطيفة غرزتْ حرابَها في عيونها وصدورها مما أفزعها وجعلها تلوذُ بالفرار وتتعالى على الشجر وتلقي بالأغصان على السائرين في جوف الغابة الواسعة المتفتحة عن جبال مغطاة بالشجر وكهوف معتمة تُنار فجأة بعد سنين.
تجمع البحارةُ يراقبون حشود القرود الغريبة، الصامدة في خطوط الشجر والأرض، كأن وجوهها تفكر بعمق!
سحبت كتلاً من الجذوع وسدت الطريق، تراكضت بين الأغصان والأرض وأعماق الغابة البعيدة.
لم يستطع الرجال التحرك والنفاذ بينها، يصرخون ويرمونها بالحصى فتصرخ بدورها وتضربهم بالحصى وهي تضج وتضحك!
ينتظرون أنها تذهب وتتوارى في جوف الغابة لكنها تجثم في المقدمة وتعسكر وتجمع خشباً وتنتشر!
جلس الرجال وأشعلوا النيران وبحثوا عن قماش لصنع خيام فلم يجدوا.
جمعوا خشباً وصخوراً وأشعلوا النيران وصنعوا دوائر من أجسادهم.
ثم نزل مطرٌ مدرارٌ أطفاء النيران ورأوا القرود لا تزال ترابط وتجثم على الأغصان وتتلحف بأجسادها وبعضها يمضي في مغارات الجبال وتحت أثلام الصخور وبينها.
تعذر حراكُ البحارة، روأوا قردةً غريبةً تمشي على قدمين، تتحدث بهدوء، تتغلغل في السفينة وتبحث في سطحها وخنها، يندفع البحارة نحوها بحرابهم وتحدث معركة ساخنة، تصرخ فيها تلك الكائنات الغريبة وتهرب وتسقط في المياه وتسبح بمهارة!
قال غانم:
ــ فلنهجم عليها ونمضي للمغارات الواعدة، ثمة أضواءٌ غريبة فيها!
أنهمر مطرٌ من الحجارة، ظهرت الشمس توقفت المياه، تعثرت القرود في الحجارة راحت تهرب وهي تصيح.
مشى الرجال وذاكرات النساء تبلبلهم، بين العودة والمغامرة هوات عميقة، وبرار ذكورية قاتمة.
أعطتهم جزيرةٌ هدؤَها وعشبَها، وغدت ساحلَ لبحرٍ واسع ضحل وعميق.
غانم مشى فيه، رأى سمكاً كثيفاً، وسمك قرش خطر، ولاحت أخشاب كثيفة في الأعماق.
نزل والسم يطالعه ويتحرك ويشرد. رأى كتلاً مسودة، أقترب فشاهد صناديق ختلفة الأحجام، صدئة، عليها قواقع متحجرة شبه مخضرة.
أمسك واحداً، صغير الحجم فوجده ثقيلاً، رفعه وأعتلى به للسطح، تكرست المياه فوقه، ورآه طارش وسبح نحوه، صرخ به:
ــ ثمة .. أخرى في الأسفل، أدعو الرجال!
بدت الأجساد كعناكب أو سراطانات كبيرة وهي تغوص وتلتم على الخشب الذي تمسك بالقاع وبأسراب السمك العنيف الذي قاوم طرده.
الصناديق تُجر للشاطئ، لم تزل تضخ ماءً وشعاعاً وظلالاً.
الأقفال الصدئة لم تتحطم بسهولة، ومع كل صندوق تظهر أعاجيب الفضة والنحاس والأشياء والذهب والحلى والقماش. هياكل بشرية كانت بعظامها تحاول الأبقاء للمرة الأخيرة على أملاكها.
ذُهل البحارة من جبل الثروة المتكون المتصاعد المنير. تطلعوا للجهات البرية المختلفة المخيفة، بدا كأن رؤوساً تطل من وراء تلال، بل ربما ذئاب، أو قرود أو جن!
تحسسوا أجسامَهم غير المسلحة، غدت الثروة بدون دفاع مخيفة.
كلما فرزوا الأشياء وروأوا قطع الذهب والفضة المتكاثرة التحموا وغفوا وحلموا ورأوا قطاع الطرق يهجمون عليهم، وهم في قافلة من سيقان هزيلة تتساقط في البرية.
لم تعد القرود والذئاب مخيفة.
إنتبهوا لجوعهم، ذهب غانم وفهد للصيد، غدا المحار المطبوخ كافياً، كل شيء يشبعهم، فرحهم الغامر يسندهم.
رأوا حاراتهم ترتفع جبالاً مضيئة ذات أقمار، تراقصت أجساد الصبايا بنجوم السماء، وزُفت بكواكب الأرض، أرتفعت ناطحات السحاب من بين السبخ.
ــ أين نخبىء كل هذا؟
ــ لندفن أشياء منها ونمضي..
ــ كأنني أرى رؤوساً وراء التلال..
ــ وكأنها تتكاثر..
ــ يكفي منظار واحد ليفضحنا ويجعلنا في دائرة اللصوص!
ــ أي طريق طويل علينا أن نقطعه لبلدنا؟
كان ثمة من يرقبهم، كان المنظار المخيف قد التحم بالبصر والذهول. قائد مجموعة البدو أصيب بدوار وترك موقعه ويمضي تاركاً مجموعته تراقب وتنتشر على طيف السفينة المارق المحاصر.
الجبل الكبير المفتوح الفم مضاء بالقناديل والشموع في عز النهار. الحراس يرقبونه وهو مسرع يخترقهم بلا تحيات. يوقفه عزيز الكائن الجاثم لدى الملكة. الرياش والحرير والشموع والجواري لغة مختلفة عن البراري والسباع والخيام ورياح الغبار.
ــ كلمة رأس للملكة فقط!
ــ قلْ ما لديك وأنا أوصلها لها..
ــ أبتعدْ عني!
الجواري يخبرن الملكة العملاقة بقدوم عزيز لأمر هام. وهي ترفع حجاباً وتطل مصغية.
ــ حاصروهم وانتزعوا الثروة منهم، وإن لم تفعلوا سوف أقطع رؤوسكم.
ــ العدد لا يكفي.
ــ وكم عددهم؟
ــ عشرة ربما أو أكثر بقليل..
ــ يا لرجولتكم!
ــ أنهم في سفينة وفي البحر ونحن قلة ولا نخوض اليم.
ــ خذْ العددَ الكافي وحاصرهم وأجلبهم لي.
إندفع عزيز للشاطئ والخيول تجري وراءه. كانت السفينةُ قد أبحرت. كانت تشكل دوائر من الموج والضباب والدخان، كانت تطلق أشباحاً على عيون البدو، وقد رأت رؤوسهم وبانت أيديهم بقيودها وسيوفها وبنادقها.
كلما تجاوزت صخرةً برزت رؤوس، وكلما ذهبت للمياه العميقة أنتشر المسلحون على الضفاف، يظهرون من الموج والخشب، يلقون شباكاً لا تتسع لها.
الصيد السمين يغور في الموج، يتجاوز السكاكينَ الصخورَ، ويكاد يفلت من القروش الآدمية، لكن عند رأس حيان نزلت طيورٌ وحشية، أجسادٌ صلدة بقيود وسيوف تقطع الرؤوس المتمردة، وعزيز يمسك الدفة ويضع الرجال الصناديد تحت أرجله.
ينغمر بسرعة ذاهلة بالثروة أشعتُها تضربُ العيونَ ببروق حادة، يغمغم:
هل أذهب بها للملكة؟ لن تترك لي شيئاً.
يتخيل هصرها للرجال وتخديرها لعقولهم وتحولهم لمسطولين وإنسلال الثروة في خزائنها السرية، ساقاها جبلان، وفرجها هوة يضيع فيه البحارة وكنوزهم.
العين مسلطة عليه والدفة تتجه لموضع الساحرة العملاقة.
يُذهل البحارة من الجبل العملاق المفتوح، عرش الجنية، حيث الأصوات الغريبة، والممرات السرية السحرية التي يضيعون فيها ويفقدون الصحبة، وتمسكهم أيد غريبة، وظلال تنفث في أرواحهم إضطرابات، ويلتصقُ بهم جسدٌ عملاقٌ يمصُ رحيقهم الذكوري ويتخلخل الماضي، تنتفي صورُ الأمس، تتقطع الجذور، تتفجر صيحاتُهم، وكلما خرج واحدٌ منهم من كهف بدا ممسوخاً.
يخرج سلمان وقد نسي أمه، التي دارت به معوقاً تستجدي الشفقة، يطير في سحابة حشيش.
وعلي نزل من جبل بعيد وشرب حليباً وغمره ضباب.
وسالم راح يتسول معرفة ليخرج من زقاق معتم.
تناثروا هشيماً وأرواحاً وصرخات.
غانم ظل محتفظاً بذاكرة هشة تعود للطفولة.
طارش حلق مع الأرواح فلم يؤخذ للكهف.
سلمان سقط في هوة، بئر منفتحة على جذور الأنهار.
بلدة معتوهين وضائعين تتردد فيها أصداءٌ مخيفة.
الملكة أنتشت وتلاعبت بالعقود الماسية والأقمار الأرضية.
ظل غانم في الكهف يبحث عن أشباح أصحابه كلما عثر على واحد غنى له أغنيات الطفولة وأناشيد البحر.
تختلط أرواحُهم حتى تضيع. تنأى في الأزقة المعدمة وتذوب في مصائد السكاكين الحجرية، هذه أقدامهم ممزقة، هذه المدينة التي خرجت من سيوف المصائد ودم الحيتان، أكواخ تزدهر بالنار، وناقلات عظام للمناجم، سفن تغرق، فهد رضيع الحليب السحري ينتبه لأقدامه في الأكواخ وكيف مشت للمستنقعات والرياح وبنت بيوتاً، تتحدى الأعاصير، يجمع أثوابه وعقالاته وأحلامه ويقود باصاً في أمعاء مدينة تكبر كل يوم.
سلمان يحول التعاويذ والتمائم لمعادلات ضوئية في المكتب، ويأخذ جدته لمسرح الرقص.
سيدي غانم هذه الريح تغني، تعوي، والملكة الساحرة تسمع أصواتاً غريبة، تدهسها، ترى جسدَ فهد يضيءُ في قوقعتها المعتمة، وتضربه مراراً ولا يموت.
تحاصرها حشراتٌ كثيفة، يخرج أولادٌ صارخون من مطوع السحر الغنائي، تعرس فتياتٌ على فتيةِ الجن المتمردين. غانم يسحب أصحابه من الكهوف، ومن عدسات الملكة النارية، تحترق أجنحتُهم ويطيرون.
يتجمعون ثانية في أزقة الحلم والضوء، يرون شباك الملكة تخطفهم، يتجمعون في الذكريات والخلايا وأزقة الأحجار، ويمشون نحو القلاع النخرة.
يتسلقون الجدران، يحضنون الجبل ويمشون في أوردته، يكشفون الغلال، يسحبون الكنوز للأزقة، الملكة تتضخم مثل بركان وتمتد نيرانها لأجنحتهم.
يأسرون الملكة ويضعونها في هودج كبير بأنتظار الجمال في البرية البعيدة.
تتساقط الكواكب من سقوف الغلال.
تتحرر النسوة من الخزائن وآبار الأصداء والخرافة.
تتركب السفينة ثانية من عظامها ومن فتائل القطن والأغاني والأظافر.
تهتز السفينةُ من أنين وهذيان الملكة، تحيط بالسفينة قوارب، ثروات الجزر السوداء تتألق في خشب عظيم.
كل عيون البدو والصعاليك تنتشر على طول الشواطئ.
ترى السفينة الكبيرة وحولها سفن وتدرك أن كنوز الجزر تجمعت كلها في خشب.
خيمة كبيرة مفتوحة للهواء الشمالي ورائحة القهوة والبدوي الجالس على جلد الثعلب يفكر أمام ثلته المفكرة القانطة من قوة السفينة.
يقول فاتح الشهية:
ــ لان نستطيع أن نغزوها، أو نهاجمها، بل نقوم بضربها بالمدافع ونثر ثرواتها في الماء.
ــ ألن تضيع الثروة في البحر؟
ــ لن يذوب الذهب وتطفو الجثث بعيداً.
راحت المدافع تتدحرج على الكثبان، تضرب التلال وترتفع وتهبط بقوة، تبحث عن مواقع مسطحة.
كان غانم قبطان لمجموعة السفن، تغير لباس البحارة، حملوا البنادق، حدق بمنظاره في ثلل البدو السائرة الماكرة على الشواطئ، مجموعات من الذئاب وراء غنيمة، عباءاتها منتفخة بفعل الهواء والرمال، يرى إشارات أيديهم المستفزة، والمدافع تترنح على التراب.
لو يطلقوا قذائفهم لأصيبت سفينة وربما تكون الرئيسية التي فيها خزائن الجزر المتجهة لمدينة الهلال تغدو عاصمة كبرى.
بحارته مستعدون إطلاق القذائف على المجرمين. تدوي واحدةٌ ويطير رجل في الهواء ويتصدع مدفع، وينتاب البدو إعصار. الدهاء الساذج يترنح ويصير صرخات غاضبة، ثم تدوي طلقة أخرى وينكسر مدفع ويتوحد رجالان بالسحب منتفخين كبالونين كبيرين.
تتقدم السفن كاحتفال حاشد، الملكة الضخمة ترتج وتصيح وهي تدخل ميناء المدينة، والحشود تتجمع لترى الكائن الغريب والأشياء المبهرة.

(مايو 2014)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عامية بمعنى حبل المرساة.
ضوء المعتزلة «قصص» دار نينوى للدراسات والنشر 2017.
❖ «القصص: ضوء المعتزلة – جزرُ الأقمار السوداء – سيرة شهاب – معصومة وجلنار – سارق الأطفال – شظايا – الترابيون».

ضيعة الكتب ضيعة كبيرة. أصدقاء الكاتب لا يعرفون عناوين كتبه.

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

لا يقرأون . . ويتعاظمون! : كتب ـ عبدالله خليفة

الكلمة من أجل الإنسان: التعريف بالكتاب على أمازون

كلماتٌ تُقلب العالم رأسًا على عقب ، هذا ليس مجرد كتاب، بل صرخةٌ في وجه الزيف، وقبضةٌ تُمسك بتلابيب الحقيقة. هنا، تتحول الكلمات إلى حراب تُثقب جدار الصمت، وتكشف جراح الواقع بلا رحمةمن يقف وراء هذه الصفحات؟ كاتبٌ شجاعٌ يرفض التزييف، يكتب بدم القلب لا بحبر الأقلام. كلماته مثل النار تُحرق الأكاذيب، وتُنير درب الثائرين ..

كتب عبـــــــدالله خلـــــــيفة متوفرة في المكتبات العالمية
⇽ مكتبة فويلز (foyles) في بريطانيا: كتب عبدالله خليفة متوفر في ـ متاجرها السبعة في لندن، تشيلمسفورد، برمنغهام، وبريستول في انجلترا // كلماتٌ تُقلب رأس العالم على عقب هذا ليس مجرد كتاب، بل صرخةٌ في وجه الزيف، وقبضةٌ تُمسك بتلابيب الحقيقة.  https://t.co/ukKdmK5V7U
 ⇽ #مكتبة_واترستونز (Waterstones) في #بريطانيا: كتب #عبدالله_خليفة متوفر في ـ مدينة #لندن في انجلترا // كلماتٌ تُقلب رأس العالم على عقب هذا ليس مجرد كتاب، بل صرخةٌ في وجه الزيف، وقبضةٌ تُمسك بتلابيب الحقيقة. هنا، تتحول الكلمات إلى حراب تُثقب جدار الصمت،،، https://t.co/RqN0UZvn9H
⇽ متجر بارنز أند نوبل (Barnes & Noble) في الجادة الخامسة بمدينة #نيويورك: كتب #عبدالله_خليفة متوفر في ـ مدينة نيويورك في أمريكا   https://t.co/bTAvXyuUjq
⇽ كتب #عبدالله_خليفة متوفر في مكتبة #صوفيا في #المحرق  https://t.co/L36Oa7TAqI
⇽ كتب #عبدالله_خليفة متوفر في ـ مدينة سان فرانسيسكو ـ ولاية كاليفورنيا في أمريكا https://t.co/u46IEoHZOr
⇽ ومتوفرة في مكتبة bookhype في لندن:    
أتي كتاب «أيديولوجي» لعبدالله خليفة ليقدم تحليلاً جريئاً للوعي العربي بين ثنائيات السحر والدين، العقلانية والخرافة، والتقليد والحداثة. عبر صفحاته، يناقش الكاتب كيف تشكلت البنى الفكرية والسياسية في المجتمعات العربية، وكيف تؤثر هذه التشكيلات في حاضرنا المعقد. من الأسئلة التي يطرحها الكتاب
* كيف تحول السحر من ظاهرة شعبية إلى أداة سياسية؟
* ما دور الدين في صراع الهوية بين الماضي والمستقبل.
* كيف يمكن للعلوم والفلسفة أن تكون جسراً للخروج من أزماتنا الفكرية؟
بأسلوب يحاكي الواقع بكل تعقيداته، يقدم خليفة رؤية نقدية للتاريخ العربي والإسلامي، من الدولة العباسية إلى التحديات المعاصرة، مروراً بثنائيات العلم والخرافة، والديمقراطية والاستبداد. كتاب يضيء الزوايا المظلمة في وعينا الجمعي، ويدعونا إلى إعادة قراءة تراثنا بمنظور نقدي يحفز على التغيير. أيديولوجي ليس مجرد كتاب مقالات ، بل إضاءة في نفق الصراع بين العقل والغيبيات، بين الماضي الذي يثقلنا والمستقبل الذي ينادينا.
https://t.co/7xQcu9sE3k
الكلمة-من-أجل-الإنسان
https://www.everand.com/book/889578874/
أيديولوجي
https://www.everand.com/book/889578822/

راكبتين النمسا Rakuten

كتاب عبدالله خليفة لينين ومغامرة الاشتراكية متوفر في الصين
 لينين ومغــــــــامرةُ – 三民網路書店
الكلمة من اجل الانسان
https://24h.pchome.com.tw/books/prod/DJBQ9I-D900J1LD8?srsltid=AfmBOop4Bd7sqd4tpRikZ3MRqOcKOgsZnlxPBO8bM8cu-Tw-l_cCCaAa
⇽ وفي متجر amazon
⇽ وفي متجر amazon

⇽ وفي متجر amazon
كتاب «الكلمة من أجل الإنسان»

كتاب «الكلمة من أجل الإنسان» يعكس شخصية عبدالله خليفة كمفكر تقدمي وأديب وروائي ومناضل، حيث جمع بين الفكر والإنسانية والنضال، مع توثيق تجاربه وحياته من خلال كلمة صادقة تعبر عن هموم الإنسان وقضايا الوطن.
نبذة عن الكتاب والشخصية المؤلفة
يُعرف عبدالله خليفة بأنه كاتب لم يتراجع عن أفكاره ومواقفه حتى في أصعب الظروف، حيث دخل السجن في 1975 من موقعه في قيادة جبهة تحرير البحرين. خلال فترة سجنه استمر في ممارسة الكتابة بإصرار، مؤلفًا أعماله وأحيانًا على ورق السيجارة، وتم تهريب هذه الأعمال ونشرها لاحقاً. الكتاب ينقل تجارب عبدالله خليفة الإنسانية والفكرية، إذ يعكس عمق تأثيره في الأدب والنضال السياسي والاجتماعي.
محتوى الكتاب وأفكاره
يحمل الكتاب رسالة إنسانية ورؤية واضحة بأن الكلمة ليست مجرد حروف بل قوة تعبيرية ذات بعد شعبي مقاوم تعبّر عن معاناة الفئات المحرومة وقضايا الوطن الملتبسة بسبب الفساد والكذب. يعبر عبدالله خليفة في كتابه عن رفضه للتزييف وكشفه للواقع بلا مجاملات، مقترباً من قضايا الحارات والفقراء والناس الذين يدوسهم الواقع، متصدياً للفساد والانتهاكات الفكرية والسياسية.
أهمية عبدالله خليفة وأثره
عبدالله خليفة يُعتبر أيقونة في الفكر اليساري والنضال، وصاحب رؤية نيرة جمعها في كتاباته الروائية والفكرية، وهو الذي مزج بين الالتزام السياسي والعطاء الأدبي الإنساني العميق. رواياته مثل ثلاثية «ينابيع البحرين» تصوّر تاريخ البحرين الحديث بطريقة روائية رصينة. كما أنه كان ملتزمًا بالكتابة كأداة للمقاومة والتنوير الاجتماعي بعيدًا عن المظاهر والأنانية الشخصية.
خلاصة
«الكلمة من أجل الإنسان» ليس فقط كتابًا بل صرخة في وجه الظلم والغموض، وأداة ضغط عبر الكلمة المكتوبة توثق تاريخ الوطن وشعبه، وتسلط الضوء على أردأ مظاهر الفساد والقمع بفكر نير وعطاء أدبي متميز. الكاتب عبدالله خليفة قدم منحى فريدًا في الأدب العربي، يُخلّد دوره كمفكر ومناضل وكاتب أسَس سجله الإنساني والفكري في مواجهة التحديات بقلم قوي لا يعرف الاستسلام.

ايديولوجي: تعريف بالكتاب على أمازون

يأتي كتاب «أيديولوجي» لعبدالله خليفة ليقدم تحليلاً جريئاً للوعي العربي بين ثنائيات السحر والدين، العقلانية والخرافة، والتقليد والحداثة. عبر صفحاته، يناقش الكاتب كيف تشكلت البنى الفكرية والسياسية في المجتمعات العربية، وكيف تؤثر هذه التشكيلات في حاضرنا المعقد. من الأسئلة التي يطرحها الكتاب
كيف تحول السحر من ظاهرة شعبية إلى أداة سياسية؟
ما دور الدين في صراع الهوية بين الماضي والمستقبل
كيف يمكن للعلوم والفلسفة أن تكون جسراً للخروج من أزماتنا الفكرية؟
بأسلوب يحاكي الواقع بكل تعقيداته، يقدم خليفة رؤية نقدية للتاريخ العربي والإسلامي، من الدولة العباسية إلى التحديات المعاصرة، مروراً بثنائيات العلم والخرافة، والديمقراطية والاستبداد. كتاب يضيء الزوايا المظلمة في وعينا الجمعي، ويدعونا إلى إعادة قراءة تراثنا بمنظور نقدي يحفز على التغيير. أيديولوجي ليس مجرد كتاب مقالات ، بل إضاءة في نفق الصراع بين العقل والغيبيات، بين الماضي الذي يثقلنا والمستقبل الذي ينادينا.

«أيديولوجي» هو عمل فكري تحليلي للكاتب البحريني عبدالله خليفة يتناول الأفكار والصراعات الإيديولوجية التي تشكل المجتمعات العربية، خاصةً بين ثنائيات مثل السحر والدين والعقلانية والخرافة والتقليد والحداثة. يحلل الكتاب كيف تتشكل البنى الفكرية والسياسية وتؤثر في الواقع المعقد للمجتمعات العربية.
محتوى وأهمية الكتاب:
تحليل الوعي العربي: يقدم الكتاب تحليلاً جريئًا للوعي العربي، مستكشفًا تأثير الأفكار المتضاربة على تشكيل المجتمع.
الصراعات الفكرية: يغوص الكتاب في الصراعات الإيديولوجية عبر التاريخ، موضحًا كيف تؤثر الأفكار على الأفراد والمجتمعات.
التحول والتأثير: يناقش الكاتب كيف تتشكل البنى الفكرية والسياسية في المجتمعات العربية وكيف تؤثر هذه التشكيلات في حاضرنا.
أسلوب الكاتب: يتميز عبدالله خليفة بأسلوبه الذي يجمع بين التحليل العميق والسرد المشوق، ليقدم للقارئ دراسة موسعة عن الأفكار التي تحرك المجتمعات.
لمن هذا الكتاب؟
القراء المهتمون بفهم الأيديولوجيات والصراعات الفكرية التي تشكل العالم العربي.
من يبحث عن تحليل معمق للوعي العربي وعلاقة الأفكار بالبنى السياسية والفكرية في المجتمعات.

كتب عبـــــــدالله خلـــــــيفة متوفرة في المكتبات العالمية

⇽ مكتبة فويلز (foyles) في بريطانيا: كتب عبدالله خليفة متوفر في ـ متاجرها السبعة في لندن، تشيلمسفورد، برمنغهام، وبريستول في انجلترا // كلماتٌ تُقلب رأس العالم على عقب هذا ليس مجرد كتاب، بل صرخةٌ في وجه الزيف، وقبضةٌ تُمسك بتلابيب الحقيقة.  https://t.co/ukKdmK5V7U

 ⇽ #مكتبة_واترستونز (Waterstones) في #بريطانيا: كتب #عبدالله_خليفة متوفر في ـ مدينة #لندن في انجلترا // كلماتٌ تُقلب رأس العالم على عقب هذا ليس مجرد كتاب، بل صرخةٌ في وجه الزيف، وقبضةٌ تُمسك بتلابيب الحقيقة. هنا، تتحول الكلمات إلى حراب تُثقب جدار الصمت،،، https://t.co/RqN0UZvn9H

⇽ متجر بارنز أند نوبل (Barnes & Noble) في الجادة الخامسة بمدينة #نيويورك: كتب #عبدالله_خليفة متوفر في ـ مدينة نيويورك في أمريكا   https://t.co/bTAvXyuUjq

⇽ كتب #عبدالله_خليفة متوفر في مكتبة #صوفيا في #المحرق  https://t.co/L36Oa7TAqI

⇽ كتب #عبدالله_خليفة متوفر في ـ مدينة سان فرانسيسكو ـ ولاية كاليفورنيا في أمريكا https://t.co/u46IEoHZOr

⇽ ومتوفرة في مكتبة bookhype في لندن:    

أتي كتاب «أيديولوجي» لعبدالله خليفة ليقدم تحليلاً جريئاً للوعي العربي بين ثنائيات السحر والدين، العقلانية والخرافة، والتقليد والحداثة. عبر صفحاته، يناقش الكاتب كيف تشكلت البنى الفكرية والسياسية في المجتمعات العربية، وكيف تؤثر هذه التشكيلات في حاضرنا المعقد. من الأسئلة التي يطرحها الكتاب

* كيف تحول السحر من ظاهرة شعبية إلى أداة سياسية؟

* ما دور الدين في صراع الهوية بين الماضي والمستقبل.

* كيف يمكن للعلوم والفلسفة أن تكون جسراً للخروج من أزماتنا الفكرية؟

بأسلوب يحاكي الواقع بكل تعقيداته، يقدم خليفة رؤية نقدية للتاريخ العربي والإسلامي، من الدولة العباسية إلى التحديات المعاصرة، مروراً بثنائيات العلم والخرافة، والديمقراطية والاستبداد. كتاب يضيء الزوايا المظلمة في وعينا الجمعي، ويدعونا إلى إعادة قراءة تراثنا بمنظور نقدي يحفز على التغيير. أيديولوجي ليس مجرد كتاب مقالات ، بل إضاءة في نفق الصراع بين العقل والغيبيات، بين الماضي الذي يثقلنا والمستقبل الذي ينادينا.

الكلمة-من-أجل-الإنسان

كتاب عبدالله خليفة لينين ومغامرة الاشتراكية متوفر في الصين
 لينين ومغــــــــامرةُ – 三民網路書店

كتاب «الكلمة من أجل الإنسان»

كتاب «الكلمة من أجل الإنسان» يعكس شخصية عبدالله خليفة كمفكر تقدمي وأديب وروائي ومناضل، حيث جمع بين الفكر والإنسانية والنضال، مع توثيق تجاربه وحياته من خلال كلمة صادقة تعبر عن هموم الإنسان وقضايا الوطن.

نبذة عن الكتاب والشخصية المؤلفة

يُعرف عبدالله خليفة بأنه كاتب لم يتراجع عن أفكاره ومواقفه حتى في أصعب الظروف، حيث دخل السجن في 1975 من موقعه في قيادة جبهة تحرير البحرين. خلال فترة سجنه استمر في ممارسة الكتابة بإصرار، مؤلفًا أعماله وأحيانًا على ورق السيجارة، وتم تهريب هذه الأعمال ونشرها لاحقاً. الكتاب ينقل تجارب عبدالله خليفة الإنسانية والفكرية، إذ يعكس عمق تأثيره في الأدب والنضال السياسي والاجتماعي.

محتوى الكتاب وأفكاره

يحمل الكتاب رسالة إنسانية ورؤية واضحة بأن الكلمة ليست مجرد حروف بل قوة تعبيرية ذات بعد شعبي مقاوم تعبّر عن معاناة الفئات المحرومة وقضايا الوطن الملتبسة بسبب الفساد والكذب. يعبر عبدالله خليفة في كتابه عن رفضه للتزييف وكشفه للواقع بلا مجاملات، مقترباً من قضايا الحارات والفقراء والناس الذين يدوسهم الواقع، متصدياً للفساد والانتهاكات الفكرية والسياسية.

أهمية عبدالله خليفة وأثره

عبدالله خليفة يُعتبر أيقونة في الفكر اليساري والنضال، وصاحب رؤية نيرة جمعها في كتاباته الروائية والفكرية، وهو الذي مزج بين الالتزام السياسي والعطاء الأدبي الإنساني العميق. رواياته مثل ثلاثية «ينابيع البحرين» تصوّر تاريخ البحرين الحديث بطريقة روائية رصينة. كما أنه كان ملتزمًا بالكتابة كأداة للمقاومة والتنوير الاجتماعي بعيدًا عن المظاهر والأنانية الشخصية.

خلاصة

«الكلمة من أجل الإنسان» ليس فقط كتابًا بل صرخة في وجه الظلم والغموض، وأداة ضغط عبر الكلمة المكتوبة توثق تاريخ الوطن وشعبه، وتسلط الضوء على أردأ مظاهر الفساد والقمع بفكر نير وعطاء أدبي متميز. الكاتب عبدالله خليفة قدم منحى فريدًا في الأدب العربي، يُخلّد دوره كمفكر ومناضل وكاتب أسَس سجله الإنساني والفكري في مواجهة التحديات بقلم قوي لا يعرف الاستسلام.

لينين ومغامرة الاشتراكية: تعريف بالكتاب على أمازون

لينين ومغامرة الاشتراكية – رحلة استثنائية في فكر الثورة والسلطةفي هذا العمل الفكري المميز، يأخذنا الكاتب عبد لله خليفة إلى عمق التجربة اللينينية، ليس كمعجب أو معارض، بل كباحث موضوعي يسعى لفهم حقيقة أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في القرن العشرين عبر صفحات الكتاب، نكتشف كيف حوّل لينين الأفكار الماركسية النظرية إلى مشروع عملي حقيقي، وما تبع ذلك من تحديات وتناقضات. يكشف المؤلف بجرأة عن الجوانب الإنسانية للزعيم الثوري، بعيداً عن تقديسه أو شيطنتهما يجعل هذا الكتاب فريداً هو قدرته على ربط الماضي بالحاضر، حيث يحلل المؤلف كيف أثرت أفكار لينين على تطور الأنظمة السياسية في الشرق والغرب، وكيف تفاعلت مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي المختلف عن السياق الأوروبي الذي نشأت فيه من خلال أسلوب سردي مشوق ومعلومات دقيقة، يقدم الكتاب رؤية جديدة لفهم التجربة الاشتراكية، دون إغفال الأخطاء والتحديات التي واجهتها، مما يجعله مرجعاً مهماً لكل من يسعى لفهم تطور الفكر السياسي الحديث الكتاب ليس مجرد دراسة تاريخية، بل هو دعوة للتأمل في كيفية بناء المستقبل من خلال دروس الماضي والحاضر.

كتب عبـــــــدالله خلـــــــيفة متوفرة في المكتبات العالمية
⇽ مكتبة فويلز (foyles) في بريطانيا: كتب عبدالله خليفة متوفر في ـ متاجرها السبعة في لندن، تشيلمسفورد، برمنغهام، وبريستول في انجلترا // كلماتٌ تُقلب رأس العالم على عقب هذا ليس مجرد كتاب، بل صرخةٌ في وجه الزيف، وقبضةٌ تُمسك بتلابيب الحقيقة.  https://t.co/ukKdmK5V7U
 ⇽ #مكتبة_واترستونز (Waterstones) في #بريطانيا: كتب #عبدالله_خليفة متوفر في ـ مدينة #لندن في انجلترا // كلماتٌ تُقلب رأس العالم على عقب هذا ليس مجرد كتاب، بل صرخةٌ في وجه الزيف، وقبضةٌ تُمسك بتلابيب الحقيقة. هنا، تتحول الكلمات إلى حراب تُثقب جدار الصمت،،، https://t.co/RqN0UZvn9H
⇽ متجر بارنز أند نوبل (Barnes & Noble) في الجادة الخامسة بمدينة #نيويورك: كتب #عبدالله_خليفة متوفر في ـ مدينة نيويورك في أمريكا   https://t.co/bTAvXyuUjq
⇽ كتب #عبدالله_خليفة متوفر في مكتبة #صوفيا في #المحرق  https://t.co/L36Oa7TAqI
⇽ كتب #عبدالله_خليفة متوفر في ـ مدينة سان فرانسيسكو ـ ولاية كاليفورنيا في أمريكا https://t.co/u46IEoHZOr
⇽ ومتوفرة في مكتبة bookhype في لندن:    
أتي كتاب «أيديولوجي» لعبدالله خليفة ليقدم تحليلاً جريئاً للوعي العربي بين ثنائيات السحر والدين، العقلانية والخرافة، والتقليد والحداثة. عبر صفحاته، يناقش الكاتب كيف تشكلت البنى الفكرية والسياسية في المجتمعات العربية، وكيف تؤثر هذه التشكيلات في حاضرنا المعقد. من الأسئلة التي يطرحها الكتاب
* كيف تحول السحر من ظاهرة شعبية إلى أداة سياسية؟
* ما دور الدين في صراع الهوية بين الماضي والمستقبل.
* كيف يمكن للعلوم والفلسفة أن تكون جسراً للخروج من أزماتنا الفكرية؟
بأسلوب يحاكي الواقع بكل تعقيداته، يقدم خليفة رؤية نقدية للتاريخ العربي والإسلامي، من الدولة العباسية إلى التحديات المعاصرة، مروراً بثنائيات العلم والخرافة، والديمقراطية والاستبداد. كتاب يضيء الزوايا المظلمة في وعينا الجمعي، ويدعونا إلى إعادة قراءة تراثنا بمنظور نقدي يحفز على التغيير. أيديولوجي ليس مجرد كتاب مقالات ، بل إضاءة في نفق الصراع بين العقل والغيبيات، بين الماضي الذي يثقلنا والمستقبل الذي ينادينا.
https://t.co/7xQcu9sE3k
الكلمة-من-أجل-الإنسان
https://www.everand.com/book/889578874/
أيديولوجي
https://www.everand.com/book/889578822/

راكبتين النمسا Rakuten
https://www.kobo.com/at/de/ebook/0cGQN1_G8z27Oun2xYKCTQ?srsltid=AfmBOorSlWqr5Cs5N-Qo-bW3pApcxhwZD8OJYG_PBWbQHaQleqs3K0Pb

كتاب عبدالله خليفة لينين ومغامرة الاشتراكية متوفر في الصين
 لينين ومغــــــــامرةُ – 三民網路書店
الكلمة من اجل الانسان
https://24h.pchome.com.tw/books/prod/DJBQ9H-D900J1LEI?srsltid=AfmBOopihLLOZA9s87QQMmlgdiKYOFoASh0nd0RDgdKg-xXpBKBH1S-m
https://24h.pchome.com.tw/books/prod/DJBQ9I-D900J1LD8?srsltid=AfmBOop4Bd7sqd4tpRikZ3MRqOcKOgsZnlxPBO8bM8cu-Tw-l_cCCaAa
⇽ وفي متجر amazon
⇽ وفي متجر amazon

⇽ وفي متجر amazon
https://www.amazon.in/%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%81%D8%A9-%D8%B9%D8%A8%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D8%AF%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%AE%D9%84%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%8A%D9%81%D8%A9/dp/9778575754
كتاب «الكلمة من أجل الإنسان»

كتاب «الكلمة من أجل الإنسان» يعكس شخصية عبدالله خليفة كمفكر تقدمي وأديب وروائي ومناضل، حيث جمع بين الفكر والإنسانية والنضال، مع توثيق تجاربه وحياته من خلال كلمة صادقة تعبر عن هموم الإنسان وقضايا الوطن.
نبذة عن الكتاب والشخصية المؤلفة
يُعرف عبدالله خليفة بأنه كاتب لم يتراجع عن أفكاره ومواقفه حتى في أصعب الظروف، حيث دخل السجن في 1975 من موقعه في قيادة جبهة تحرير البحرين. خلال فترة سجنه استمر في ممارسة الكتابة بإصرار، مؤلفًا أعماله وأحيانًا على ورق السيجارة، وتم تهريب هذه الأعمال ونشرها لاحقاً. الكتاب ينقل تجارب عبدالله خليفة الإنسانية والفكرية، إذ يعكس عمق تأثيره في الأدب والنضال السياسي والاجتماعي.
محتوى الكتاب وأفكاره
يحمل الكتاب رسالة إنسانية ورؤية واضحة بأن الكلمة ليست مجرد حروف بل قوة تعبيرية ذات بعد شعبي مقاوم تعبّر عن معاناة الفئات المحرومة وقضايا الوطن الملتبسة بسبب الفساد والكذب. يعبر عبدالله خليفة في كتابه عن رفضه للتزييف وكشفه للواقع بلا مجاملات، مقترباً من قضايا الحارات والفقراء والناس الذين يدوسهم الواقع، متصدياً للفساد والانتهاكات الفكرية والسياسية.
أهمية عبدالله خليفة وأثره
عبدالله خليفة يُعتبر أيقونة في الفكر اليساري والنضال، وصاحب رؤية نيرة جمعها في كتاباته الروائية والفكرية، وهو الذي مزج بين الالتزام السياسي والعطاء الأدبي الإنساني العميق. رواياته مثل ثلاثية «ينابيع البحرين» تصوّر تاريخ البحرين الحديث بطريقة روائية رصينة. كما أنه كان ملتزمًا بالكتابة كأداة للمقاومة والتنوير الاجتماعي بعيدًا عن المظاهر والأنانية الشخصية.
خلاصة
«الكلمة من أجل الإنسان» ليس فقط كتابًا بل صرخة في وجه الظلم والغموض، وأداة ضغط عبر الكلمة المكتوبة توثق تاريخ الوطن وشعبه، وتسلط الضوء على أردأ مظاهر الفساد والقمع بفكر نير وعطاء أدبي متميز. الكاتب عبدالله خليفة قدم منحى فريدًا في الأدب العربي، يُخلّد دوره كمفكر ومناضل وكاتب أسَس سجله الإنساني والفكري في مواجهة التحديات بقلم قوي لا يعرف الاستسلام.

حوار للمفكر السوري الكبير الراحل الدكتور صادق جلال العظم

الدكتور صادق جلال العظم هو مفكر سوري علماني من مواليد دمشق وأستاذ فخري بجامعة دمشق في الفلسفة الأوروبية الحديثة. كان أستاذاً زائراً في قسم دراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون حتى عام 2007. كتب العظم في الفلسفة ولديه دراسات ومؤلفات عن المجتمع والفكر العربي المعاصر. وعضو في مجلس الإدارة في المنظمة السورية لحقوق الإنسان.
تاريخ ومكان الميلاد: نوفمبر 1934، دمشق، سوريا
تاريخ ومكان الوفاة: 11 ديسمبر 2016، برلين، ألمانيا
الجوائز: جائزة إيراسموس
الدكتور صادق جلال العظم واحد من أهم المثقفين السوريين في القرن العشرين والسنوات المنقضية من هذا القرن. غطت مروحة اهتمامه قضايا متنوعة، تمتد من نقد الفكر الديني إلى الشؤون السياسية العربية بعد هزيمة حزيران 1967، إلى حرية الفكر (ذهنية التحريم، وما بعد ذهنية التحريم) إلى الحب العذري، إلى قضايا العلمانية والديمقراطية والعولمة… وتميز دوماً بأسلوب واضح، وباستمرارية أساسية لتوجهاته الفكرية من وراء تغير المناخات الإيديولوجية وبعض أدوات التفكير. تميز الدكتور العظم منذ بداية هذا القرن بانخراطه في الحياة العامة وقضايا الحريات والديمقراطية. كان عضواً مؤسساً لـ«لجان إحياء المجتمع المدني» ومساهماً نشطاً في نقاشات «ربيع دمشق» وأجوائها. ومنذ بداية الثورة أخذ موقفاً مؤيداً لها بوضوح، مع احتفاظه بمسافة للنقد والتقييم. لقد قرن الرجل القول بالعمل، مع بقائه مثقفاً، أولاً وأساساً.

⇽ إضاءات
⇽ الثورة السورية هي تصفية حسابات لسورية مع نفسها ودفع فواتير متأخرة عن ما سبق لنا من تقاعس وتخاذل وصمت وجبن سوري.
⇽ الانتفاضة الشعبية السورية تسعى لاستعادة الجمهورية عبر الإطاحة بنظام وراثي قديم مفروض ومهترئ بأجهزته كلها، وإحلال نظام حكم جديد ومغاير محله.
⇽ نعم، أخشى الإسلام السياسي بعد سقوط النظام وقبله.
⇽ في ثقافتنا ومجتمعاتنا ما يكفي من العناصر السلطوية والتسلطية والسلبطجية والأبوية والأبوية المحدثة والثأرية، بما يجعل إعادة إنتاج نظام الاستبداد مجدداً، بصورة أو أخرى، احتمالاً وارداً ومخيفاً.
⇽ يقوم معذبو الأرض السورية بثورة على حكم وحزب وطغمة عسكرية – مالية أمنية متسلطة وعلى قيادة وزعامة «وطنية» أبديتها من أبدية الآلهة.
⇽ إذا أوصلتنا الثورة، بصورة ما، إلى صناديق الاقتراع، سأعتبر أن حقي قد وصلني كمواطن.
⇽ هم ما يمكن للمثقفين أن يفعلوه بداية، هو التخلص من شيء اسمه وزارة الثقافة، ومن شيء آخر اسمه وزارة الإعلام.
⇽ من ميزات العلمانية والديمقراطية أيضاً أنهما توفران أرضية محايدة لتلتقي عليها المذاهب والعقائد الدينية المتنافرة والاقصائية بطبيعتها، وبحيث تتمكن من التعامل مع الفضاء العام والشأن الوطني والساحة السياسية الجامعة

⁎ على عكس كثير من اليساريين والماركسيين في سوريا والعالم، يبدو موقف صادق جلال العظم واضحاً لا لبس في انحيازه إلى الثورة السورية. أين تكمن جذور الغموض والتشتت اليساري تجاه الثورة؟ وماذا يمكن أن تكون عواقب ذلك على مستقبل اليسار في سوريا؟
⁂ بسبب طبيعة هذا السؤال، أسمح لنفسي أن أبدأ بالكلام قليلاً عن نفسي. كثيراً ما سُئلت ما إذا كانت الانتفاضة الشعبية في سوريا على نظام الاستبداد وحكمه وفساده قد فاجأتني أم لم تفاجئني؟ جوابي هو نعم ولا في وقت واحد. نعم، فوجئت بتوقيت اندلاع الانتفاضة مع تخوف كبير في البداية من احتمالات قمعها بسرعة بسبب مما أعرفه عن صلابة المنظومة الأمنية السورية وشراستها القمعية وتغلغلها في مسامات الجسم السوري وتحكمها اليومي بجميع حركاته وسكناته تقريباً. شكّل هذا الواقع عندي (وعند غيري) نوعاً من عقدة النقص الراسخة بالعجز أمام النظام العسكري الأمني الكلي وسطوته، كما أدى إلى استبعاد أية فكرة أو حتى احتمال لقول لا (فردية أو جماعية) كبيرة له. داريت عقدة النقص في داخلي بالتكيف اليومي البطيء مع هذا الواقع الأمني- الاستبدادي المرير والضاغط دوماً، كما داريتها بالاستبطان الجيد لقواعد وأصول التعامل معه بكل ما تتطلبه من نفاق وتظاهر بالتصديق والقبول والتكتم والتقية والتلاعب بالكلمات والتحايل في مواجهة القوة العارية. لولا ذلك لما تمكنت من الاستمرار في حياتي العادية والقيام بالأعمال الروتينية والمهام اليومية، أو من المحافظة على صحتي النفسية والعقلية.

⁎ كيف لي إذن أن لا أنحاز لهذه الثورة الشعبية العارمة ضد هذا النوع من الاستبداد والظلم والقهر بغض النظر عن طبيعة القناعات التي أحملها إن كانت يسارية أو ماركسية أو وسطية، أو حتى يمينية؟ مع ذلك، أعتقد أن المنهج الماركسي في البحث والتحليل والتفسير هو الذي يعطينا القدرة الأفضل والأرقى على فهم قيام الثورة وتحديد أسبابها الأعمق والبحث في خلفياتها التاريخية والاجتماعية وإلى جانبها والدفاع عنها.
⁂ كلّا، لم أتفاجأ بالثورة على نظام الاستبداد – كما تفاجأ هو– بسبب من بعض التجارب والملاحظات الدالة والمستمدة من المعايشة والتفاعل الحي مع الحياة اليومية في سوريا وبخاصة في دمشق، وهي دلالات وملاحظات وتجارب أثبت النظام عجزه عن التقاطها أو حتى الاقتراب من معناها ومغزاها، لأن طبائع الاستبداد لا تسمح بذلك على ما يبدو. أعود لأقول بأني لم أتفاجأ بالثورة لأنه انتابني (كما انتاب غيري) إحساس مبهم بالتوجس والقلق والخوف على سوريا عموماً بعد القضاء على «ربيع دمشق»، حيث بدت لي سوريا عالقة على حافة هوة سحيقة ما، وأن السقوط آت لا ريب فيه. كانت الحياة في دمشق، على سبيل المثال، تبدو هادئة وعادية ورتيبة على السطح، مع ذلك كنت ألمس وأتأكد أن حمماً بركانية كانت تتفاعل تحت السطح بقليل والجميع يحاول التعامي عنها، قدر الامكان، على أمل أن تبقى تحت السطح لأطول مدة ممكنة ولا تطفو بسرعة على وجه الحياة في البلد. لما قامت الثورة، انفضّ هذا التناقض بين مظهر سطح الحياة الهادئ والطبيعي بزيفه وافتعاله، من ناحية أولى، وبين البركان الحقيقي الذي كان يعتمل تحت السطح، من ناحية ثانية، وكان لا بد لي أن أنحاز إلى الحقيقي والأعمق وأقف إلى جانبه وأترك لغيري مهمة تبرير السطح المزوّر والدفاع عن المزيف والوقوف إلى جانب التافه. استمعت إلى ناس عاديين جداً وبسطاء جداً يعبرون عن الاحساس بهذا التناقض بأقوال عاميّة عفوية مثل : «بدها كبريتة لتولّع»، «بدها شرارة لتهب»، «بدها ولعة لتشتعل»، «بدها فتيشة لتنفجر».

⁎ أما في الأوساط الثقافية فقد كان لكل واحد من المثقفين أسلوبه وتشبيهاته واستعاراته الخاصة لقول الحقيقة ذاتها. في مقابلة مع مجلة «نيوز ويك» الأمريكية سنة 2007، عبّر علي فرزات عن الوضع بقوله «إما الاصلاح أو الطوفان»، كان تشبيهي المفضّل في تلك الفترة هو أن سوريا الآن مثل طنجرة بخار ترتفع حرارتها بسرعة ويرتفع ضغطها ساعة بعد ساعة، علماً بأنه جرى تعطيل صمامات الأمان كلها. أما أحمد برقاوي فقد كان يقول في مجالسه الخاصة «إن الشرخ في سوريا قد وقع وقضي الأمر». وكان هناك من يموه على نفسه بالقول «الجميع يعرف حقيقة الوضع في البلد وما يجري فيه، ولكن ماشي الحال..». البعض الآخر توصل إلى قناعة “بأنه لم يبق من النظام سوى وظيفته كصمام أمان أخير حتى لا يقتتل السوريون فيما بينهم»، مع ذلك فوجئ النظام أكثر من غيره باندلاع الانتفاضة والثورة.
⁂ أنا أدرك أيضاً أن الثورة السورية هي تصفية حسابات لسورية مع نفسها ودفع فواتير متأخرة عن ما سبق لنا من تقاعس وتخاذل وصمت وجبن سوري في لحظات مثل لحظة حصار مدينة حماه سنة 1982، وتدميرها والفتك بأهلها، ولم تحرك سوريا ساكناً يومها على الرغم من أننا جميعاً كنا نعرف تماماً ما الذي كان يحدث في حماه في ذلك الوقت. كما تقبّلت سوريا لفترة طويلة جرائم حكامها في القتل والتعذيب وارتكاب المذابح والحبس التعسفي والاختفاء القسري وعشرات آلاف المفقودين بهدوء، وكأنّ ذلك كله ممارسة عادية ومسألة طبيعية.
ثم جاءت لحظة توريث السلطة والحكم الجمهوري في سوريا سنة 2000، وبلعت سوريا الإهانة بهدوء ورصانة لا تحسد نفسها عليها في هذه الأيام، وتبذل الدماء الآن لمحو آثارها. وفي اللحظة التي حاول فيها «ربيع دمشق» إشعال شمعة عند نهاية النفق المظلم، تم القضاء عليه وعلى شمعته بشراسة مشهودة، ومرة ثانية سكتت سوريا وتقبلت قمع ربيع دمشقها بروتينية عجيبة. أعود لأقول، بثورتها اليوم تبذل سوريا هذا الكم الهائل من الدماء تكفيرا عن خطاياها هذه كلها ومحواً لعارها، ولذا أنا معها.
أما بالنسبة للشقّ الثاني من السؤال المتعلق بغموض والتباس موقف اليسار من الثورة، فاقول: أولاً، معروف أنّ اليسار كان يجمع ملتزمين ونشطاء وأنصار وكوادر ومؤيدين من الخلفيات والانتماءات الدينية والطائفية والمذهبية والجهوية والأثنية والعشائرية كلها باتجاه مستقبل يتجاوز الانتماءات والولاءات الأولية شبه الطبيعية هذه، باتجاه حالة مدنية وعصرية أرقى. بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار اليسار وتشتته في كل مكان تقريباً (بخاصة الأحزاب الشيوعية بتعددها وتنوعها)، ارتدّ الكثير من هؤلاء اليساريين إلى ولاءاتهم الأولى والأولية والأكثر بدائية، وبخاصة الطائفية والمذهبية والدينية منها، وأخذوا يحددون مواقفهم من الثورة استناداً إلى الولاءات والالتزامات التي عادوا إليها واحتموا بها وليس استناداً إلى يساريتهم المكتسبة والضائعة لاحقاً.
ثانياً، بعد انتهاء الحرب الباردة أيضاً على النحو الذي انتهت عليه، انقسم اليسار إلى كتلة كبيرة تبنت ما يمكن تسميته «ببرنامج المجتمع المدني» والدفاع عنه، وهو البرنامج الذي يؤكد مسائل مثل: احترام شرعة حقوق الإنسان (حتى لو قولاً وبالحد الأدنى فعلاً)، أولوية فكرة المواطنة وممارساتها بالاضافة إلى الحقوق المدنية والحريات العامة، المساواة أمام القانون، فصل السلطات، علمانية الدولة وأجهزتها، القضاء المستقل، الديمقراطية وتداول السلطة والحكم فعلياً، وليس تداولهما بين الآباء والأبناء والأحفاد والأقرباء كما هو حاصل في سوريا اليوم. بعبارة أخرى، الكتلة الأكبر من اليسار تراجعت إلى خط الدفاع الثاني المتمثل «ببرنامج المجتمع المدني» والدفاع عنه في وجه الاستبداد العسكري – الأمني – العائلي القائم من جهة أولى، والظلامية الدينية القروسطية الزاحفة من جهة ثانية. أعتقد أن هذه الكتلة من اليسار على العموم متعاطفة مع الثورة في سوريا، وبالتأكيد ليس لها موقف عدائي منها أو حاد ضدها، علماً بأن لهذه الكتلة دور كبير في صناعة الربيع العربي عموماً. كما أن معظم اليساريين المؤيدين للثورة ينتمون إليها بصورة أو أخرى.
أما الكتلة الأصغر من اليسار فقد تعصّبت لمواقفها السابقة، وكأن شيئاً لم يكن مع انتهاء الحرب الباردة وأخذت تميل مع الوقت إلى المواقف وأساليب العمل ذات الطابع الطالباني – الجهادي أو الطائفي المذهبي المنغلق على نفسه، أو حتى على الإرهاب «البن لاديني» بعنفه الأعمى نكاية بالغرب والرأسمالية العالمية (التي انضمت روسيا والصين إلى عالميتها) والامبريالية. هذه الكتلة من اليسار، عربياً وعالمياً، هي الآن الأكثر عدائية للثورة السورية والأقرب إلى دعم نظام الاستبداد العسكري والأمني والعائلي فيها بحجج كثيرة ليس أقلها تآمر الكون بأسره، فيما يبدو، على هذا النظام المحب للسلام والاستقرار وإن كانت سلامته واستقراره هما من قبيل سلام القبور واستقرارها. يطرب هذا النوع من اليسار بإشغال نفسه «بلعبة الأمم» و«بالتحليلات الجيوسياسية» الكبرى وبحكايات تصادم مصالح الدول العظمى ومشاريعها في الهيمنة في منطقتنا، ولا يريد أن يرى الثورة في سوريا إلاّ من خلال «طربه» هذا، مهملاً كل ما يمت بصلة إلى سوريا والسوريين الأحياء الثائرين اليوم، ومتغاضياً عن الأسباب التي دفعت شعبها إلى الثورة سلمياً وثم إلى حمل السلاح في وجه الطغيان «الوطني» الذي يتحالف معه هذا النوع من اليسار ويتعصّب له. بعبارة أخرى، لا مانع لدى هذا اليسار من التضحية بسوريا إن كان في ذلك انتصاراً موعوداً للجهة الدولية و«الجيوسياسية» التي يريد لها النصر العالمي في «لعبة الأمم»، أي أن الهم الأول عنده ليس سوريا وشعبها الثائر لاستعادة جمهوريته وحريته وكرامته، بل لعبة الأمم على مستوى الكون كله والطرف الذي يراد له الفوز فيها.

⁎ كيف يقف مؤلف «نقد الفكر الديني» إلى جانب ثورة كانت الجوامع مراكز انطلاق مظاهراتها، ويعرض مكونها العسكري اليوم وجها إسلامياً ظاهراً؟ ألا يخشى من الإسلام السياسي بعد سقوط نظام الأسد؟
⁂ مؤلف كتاب «نقد الفكر الديني» كان قد وقف مع ثورة الشعب الإيراني على الحكم الشاهنشاهي واستبداده وفساده وأجهزة مخابراته الشهيرة بشراستها هي الأخرى (السافاك) على الرغم من أن الدور القيادي لرجال الدين وآيات الله كان جلياً فيها منذ البداية، وعلى ما أذكر فإن اليسار في تلك الأيام كان برمته تقريباً مؤيداً لثورة الشعب الإيراني وداعماً لها ومهلّلاً لخطابها، على الرغم من خروج المظاهرات يومها من المساجد والحوزات والجنازات. الأمر المهم هنا هو الوقوف مع ثورة الشعب على الطغيان والعسف بغض النظر عن طبيعة الأماكن والمراكز التي ينطلق منها الحراك الشعبي الثوري أو يتجمع عندها.

⁎ مؤلف كتاب «نقد الفكر الديني» وقف كذلك مع لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية وغيرها من مناطق العالم، لأن لاهوت التحرير دعم الحراكات الشعبية التحررية في تلك البلدان ضد أشكال مثل طاغية مرزول على شاكلة سوموزا في نيكاراغوا وانقلابي مجرم مثل بينوشيه (Pinochet) في التشيلي، وحكم الجنرالات الدموي في الأرجنتين. بعد هذا كله، هل يمكن لمؤلف الكتاب المذكور أن يتقاعس أو يتخاذل في مسألة الوقوف مع ثورة الشعب السوري على حكم تفوق في طغيانه وقتله وتدميره على سوموزا وبينوشيه وجنرالات الأرجنتين وشاه إيران مجموعين كلهم معاً. التناقض هنا ليس عندي، بل عند الذين انتصروا في يوم ما لثورة الشعب الإيراني ولـ لاهوت التحرير وكنائسه ولحركات التحرر الوطني في كل مكان تقريباً ولكنهم يرفضون الانتصار لثورة الشعب السوري بذريعة أن مظاهراتها واحتجاجاتها تخرج من الجامع وليس من دار الأوبرا أو المسرح الوطني على حد تبرير أدونيس.
⁂ نعم، أخشى الإسلام السياسي بعد سقوط النظام وقبله. أخشاه لأسباب أبعد من الوجه الإسلامي الزائد الذي أخذت تظهر به الثورة السورية أمام نفسها وأمام العالم كله. أخشى ذلك لأنه في ثقافتنا ومجتمعاتنا ما يكفي من العناصر السلطوية والتسلطية والسلبطجية والأبوية والأبوية المحدثة والثأرية، بما يجعل إعادة إنتاج نظام الاستبداد مجدداً، بصورة أو أخرى، احتمالاً وارداً ومخيفاً مما يتطلب الحذر الشديد واليقظة التامة. في أحوالنا الراهنة لا يجوز الاستسهال باحتمالات نشوء استبداد عسكري ما، مثلاً، مغلفاً هذه المرة بالعقيدة الدينية والأحكام الشرعية والتعصب المذهبي. لذا أحاول أن أتابع جيداً ما يجري في مصر اليوم، إذ عندما أعطى الرئيس المنتخب هناك محمد مرسي نفسه، فجأة، سلطات وحصانات استبدادية من نوع «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون» (وهذا هو تعريف الطاغية)، هبّ نصف المجتمع المصري تقريباً، هبة شعبية عارمة لمنع الرئيس من السير في طريق إعادة إنتاج الاستبداد في مصر حتى لو كان ذلك لفترة معلومة على حد زعمه، وحتى لو كان خطابه خطاباً إسلامياً وشرعياً، حتى مشايخ الأزهر وقفوا إلى جانب الهبة الشعبية كما صوتت القاهرة بـ «لا» مدوية على دستور مرسي المسلوق سلقاً من جانب الإسلاميين (كما يقول المصريون). ولا أعتقد أن سوريا ستكون أقل من مصر في هذا الشأن أو أقل حرصاً على حماية نفسها من عودة الاستبداد بأي صفة كانت. طبعاً، تبقى خيارات المستقبل وأشكاله التاريخية القادمة مفتوحة، ولا توجد ضمانات مسبقة لأحد خاصة عندما نكون أمام أحداث تاريخية كبرى مثل الثورات ونتائجها القريبة والبعيدة.
توقعاتي بالنسبة لهذه المسألة تتلخص في أنه بعد رحيل النظام، وعودة أهل حماه إلى حماه، وأهل حمص إلى حمصهم، وأهل حوارن إلى ما تبقى من بيوتهم، وبعد تجاوز مرحلة قلقة محتملة من الفوضى والانتقامات الثأرية وتصفية الحسابات بين عدد من الأفراد والمجموعات، سيسود مجدداً في البلاد والمجتمع مزاج التدين الشعبي السوري البسيط والسمح والذي عرفت به سوريا المعاصرة، وعرف به شعب سوريا منذ عهد الملك فيصل.
من ناحية ثانية، عندما تبدأ عملية إعادة الإعمار والبناء، أعتقد أن رأس المال السوري والبرجوازية السورية عموماً ستتقدمان بقوة لقيادة مسيرة الإعمار والبناء هذه والاستثمار فيها والهيمنة عليها. وسترى سوريا على الأرجح بروز شخصيات ورجالات وقيادات جديدة طالعة من هذه الأوساط بحكم استمرار العملية وتصاعدها. لذا، أعتقد أن الإسلام الذي سوف يطفو على السطح سيكون إسلام “البزنس” وإسلام رجال الأعمال وأصحاب المشاريع والشرائح التجارية، وهو غير الاسلام السياسي الذي نتخوف منه بسبب تصلبه وتشدده في أتون المعركة الجارية. في مثل هذا المناخ المتوقع سيجري استيعاب تيارات الاسلام السياسي الأكثر تعنتاً وتخفيفها في بحر الاسلام الشعبي التقليدي ونموذج الاسلام التجاري – البزنس السوري المعتاد. أي أن سوريا غير مرشحة لسيادة ذلك النوع من الاسلام الذي يمنع التعليم ويحرق المدارس ويغلق الجامعات ويعطّل المعاهد ويحرم المرأة من التعليم والعمل المنتج. إذا أوصلنا الثورة إلى صناديق الاقتراع بأمان نسبي، لا أعتقد أن أياً من تيارات الاسلام السياسي في سوريا سيتمكن من اكتساح نتائج الانتخابات على الطريقة المصرية أو التونسية.

⁎ هل من صراع طبقي كامن في الثورة السورية؟ وكيف يتلاقى أو يتصادم مع البعد الطائفي الأكثر حضوراً في الخطاب الإعلامي والثقافي المعني بالثورة؟
⁂ نعم، للثورة في سوريا بعدها الطبقي الصراعي دون الاستهتار ببعدها الديني–المذهبي الصراعي أيضاً، لكن علينا ألاّ نأخذ المسألة الطبقية هنا بمعناها الماركسي–الأوروبي الكلاسيكي، حيث تتواجه بروليتاريا صناعية وطبقة عاملة عموماً من جهة، مع طبقة برجوازية مالكة لوسائل الانتاج ومحتكرة لفضل القيمة، من جهة ثانية. الأقرب إلى واقعنا هو صراع طبقي كما شخصه وبيّنه فرانز فانون في كتابه الأشهر «معذبو الأرض» ومن المفيد العودة إليه اليوم في أية محاولة لتشخيص الثورة السورية وفهم طبيعتها، بخاصة أن فانون كان رائداً حقاً في وصف آليات ومراحل تحول قوى سياسية وأحزاب وتنظيمات بدأت كأحزاب وحركات تحرر وطني في مجتمعات عالم ثالثية مقهورة، إلى طغم حاكمة انفصلت تماماً عن بداياتها وقواعدها الشعبية الأولى وعن البرامج التحررية التي تبنتها بداية وعن الأغراض التي جاءت من أجلها لتقوم بقمع جماهير بلادها الشعبية من معذبي أرضها وتدوس على رقابهم، ثم تتجه بالضرورة إلى تمجيد القائد الأوحد الذي يخرج من صفوفها إلى رفع شخصه فوق مستوى البشر والأرض والوطن، وصولاً إلى درجة التأليه، وحتى تجاوز حدودها. هذا كله دفاعاً عن احتكار الثروة والسلطة معاً مع ما يرافقهما من امتيازات ومغانم ومصالح طبقية وفئوية ضيقة على حساب البقية الباقية من البلاد وأهل البلاد وشعب البلاد. فالصراع الطبقي موجود في الثورة السورية بهذا المعنى، حيث يقوم معذبو الأرض السورية بثورة على حكم وحزب وطغمة عسكرية – مالية أمنية متسلطة وعلى قيادة وزعامة «وطنية» أبديتها من أبدية الآلهة. المفارقة الملفتة هنا هي أن عمال وفلاحي وحرفيي وطلبة وصغار كسبة سوريا (والجيش الحر منهم وفيهم) هم الذين يشكلون القاعدة الطبقية للثورة على حزب كان يقدم نفسه في يوم من الأيام على أنه حزب العمال والفلاحين وعلى قيادة «وطنية» كانت تدعي أنها بالفعل منهم وفيهم وجاءت أصلاً لتخلصهم من مظالم إقطاعية وبورجوازية واستعمارية سابقة. هذه الكتلة من معذبي الأرض السورية لا تتحرك بوعي طبقي-مصلحي واضح وحيد، بل تتحرك أيضاً بفعل انتماءاتها الدينية وعواطفها الطائفية وولاءاتها المذهبية، وبنوازع الثأر والانتقام لكرامتها المهدورة وحرياتها المسلوبة، وواقع القهر الشديد الذي عاشته وتعيشه، بالإضافة إلى تهميشها الدائم وخيباتها المتراكمة والمستمرة.

⁎ ما هي رؤيتكم لآليات الانتقال الديمقراطي في سورية؟
⁂ لا أعتقد أن سورياً واحداً اليوم يملك رؤية واضحة حقاً أو تصور متماسك لكيفية الانتقال الديمقراطي وألياته في بلده بعد رحيل النظام الأسدي. إذا أوصلتنا الثورة، بصورة ما، إلى صناديق الاقتراع، سأعتبر أن حقي قد وصلني كمواطن. من الطبيعي، كذلك، أن يتطلع شعب سوريا الثائر إلى يُسر الديمقراطية بعد عُسر الاستبداد والطغيان والقهر والحرمان. تفرض الديمقراطية نفسها هنا كخيار بديل لأسباب كثيرة على رأسها طاقتها الاستيعابية لعناصر الموزاييك السوري الغني الذي هو شعب سوريا بتنوعه وتلاوينه. يعني هذا أن الديمقراطية في سوريا ستحتوي على مقدار معين من «المحاصصة» التي لا مفر منها في الظرف الحالي، إلى أن نصل إلى ديمقراطية المواطن الحر بعيداً عن الاعتبارات الأخرى كلياً، أما الآليات الفعلية للانتقال إلى الحالة الديمقراطية، فلا يمكن الجزم أو حتى التنبؤ بها لأنها تعتمد على صيرورة الثورة ومسارها الذي مازال مفتوحاً على المفاجآت والاحتمالات كلها. الواقعية تدعوني إلى أن لا أتوسع في خيالي وتوقعاتي حول هذا الموضوع، بل النظر إلى الواقع كما جرى ويجري حولي، أي في بلدان مثل مصر وتونس وليبيا ولبنان والعراق حيث وصلت تلك المجتمعات إلى حالة ديمقراطية ما قلقة ومضطربة عبر مرحلة انتقالية كان فيها الكثير من العنف والقلاقل والغموض والالتباس، على أثر أحداث جسام زلزلت مجتمعاتها وأطاحت بأنظمة حكمها. وقياساً على هذا الواقع المُشاهد، أتوقع شيئاً شبيهاً لسوريا، ربما أكثر فوضوية واضطراباً وعنفاً من النماذج الأخرى لأسباب تخص الثورة السورية وتخص الوحشية الفائقة التي لجأ إليها النظام في محاولة قمعها وإيقافها.

⁎ كيف تقيم تفاعل المثقفين السوريين مع الثورة؟ وماذا يحتمل في تقديرك أن تكون مواقع المثقفين وأدوارهم في سورية الجديدة؟
⁂ أقيمه تقييماً إيجابياً على العموم. أريد أن أذكّر هنا أنه قبل اندلاع الثورة بزمان بعيد، كان مثقفو سوريا (وما زالوا) من مالئي الدنيا وشاغلي الناس، وانطباعي هو أن أعداداً لا تحصى منهم تقف اليوم مع الثورة وتعبر عنها، كل على طريقته، وتعمل ما في وسعها على مساعدتها على الاستمرار والانتصار.
أما الحفنة الصغيرة من المثقفين والفنانين السوريين الذين ناصبوا الثورة العداء أو وقفوا ضدها بحياء أو بنوع من الحياد الإيجابي أحياناً والحياد السلبي في أحيان أخرى، فهم معروفون ومعدودون جيداً ولا يشكلون إلاّ قلة قليلة، ولا ينطبق عليهم، بالتأكيد، القول العربي الشهير «إن الكرام قليل»، في الوقت الذي تمر عليهم الثورة مرور الكرام.
يعيدني السؤال عن علاقة المثقف بالثورة إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث احتدم الجدل والخلاف والنقاش والفعل ورد الفعل داخل الثورة الفلسطينية نفسها حول هذه المسألة بالذات، وأسهم في ذلك كله وشارك عدد لا بأس به من مثقفي العالم العربي من كل مكان تقريباً. أثناء احتدام هذا الجدل، كنت أعمل في مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير في بيروت وكنت عضواً مؤسساً لمجلة «شؤون فلسطينية» وعضواً في هيئة تحريرها. لذا تسنى لي أن أتابع عن كثب الضجة الكبيرة المثارة وقتها حول علاقة المثقف بالثورة. أما الرموز الملخّصة للشرر المتطاير وقتها فكانت: نموذج المثقف العامل في أجهزة منظمة التحرير، مثل مركز الأبحاث ومركز التخطيط وفي صحافة المنظمة وإعلامها، وحتى في مؤسسة الدراسات الفلسطينية المستقلة عن منظمة التحرير، يقابله نموذج الفدائي أو المقاتل في الخطوط الأمامية للثورة. أما الرمز الثاني فكان «الكلمة» في مقابل «الرصاصة»، وهل تفعل الكلمة فعل الرصاصة! وما صلة الرصاصة بالكلمة وأصحابها وما إلى ذلك من كلام سخيف. في التحليل الأخير، ظل هذا الخصام الثقافي عقيماً ولم يسفر عن نتيجة مفيدة لأحد، ووصلتُ إلى قناعة بأن السؤال بالأساس غلط بغلط، وبأن المشكلة الأولية زائفة ولا طائل منها، لأن المضمر في السؤال الأساسي هو افتراض شائع بأنه لا بد أن تكون للمثقف علاقة استثنائية بالثورة هي غير علاقة الطبيب أو الصيدلي أو المحامي أو الموظف أو الانسان العادي في الشارع، مثلاً. في نظري، يُحمّل هذا الافتراض الثقافة والمثقف أكثر بكثير مما يحتملانه من الأدوار والأعباء، فالمثقفون لا يصنعون الثورات أو يقودونها، قد يمهدون لها ويحرضون عليها ويصوغون بياناتها وبرامجها وينشرون دعايتها ويكتبون أدبها وينشدون شعرها وينتجون تحليلاتها ويموتون في سبيلها…، كما حدث مع غسان كنفاني وكمال ناصر ولوركا، وغيرهم كثير. لا أريد للثورة في سوريا أن تقع في مطب إعادة إنتاج هذا النوع من الخلاف والجدال والخصام، كما في كلام ظهر عن «الخنادق» و«الفنادق»، الذي أثبت عقمه عبر مسيرة الثورة الفلسطينية.
بالنسبة لسوريا الجديدة، فإن أهم ما يمكن للمثقفين أن يفعلوه بداية، هو التخلص من شيء اسمه وزارة الثقافة، ومن شيء آخر اسمه وزارة الإعلام، ثم تشكيل هيئاتهم الثقافية ومنتدياتهم الأدبية وحلقاتهم الفكرية واتحاداتهم المهنية المستقلة ذاتياً كلها وإدارتها جميعاً بغير تبعية لأحد أو هيمنة لطرف. بعد ذلك، هناك ما هو متعارف عليه من قيم الدفاع عن حرية الفكر والضمير والتعبير والإعلام وتداول المعلومات التي يجب الحرص عليها بشدة والتي عانينا معاناة فظيعة بسبب سلبها واحتكارها وغيابها. بعدها، على المثقفين أن يجودوا بأفضل ما عندهم ولديهم ويقدموه للناس في كل مكان، حتى يبقى المثقف في سوريا الجديدة مالئاً للدنيا وشاغلاً للناس. وبالفعل، ملأ المثقفون السوريون الدنيا وشغلوا الناس أثناء «ربيع دمشق» على قصره. فعلى الرغم من عقود سورية – بعثية – مخابراتية طويلة من الرقابة والحظر والمنع والمصادرة للمطبوعات والكتب والمجلات وتمزيق الصحف والجرائد وطمس كلمات في المعاجم والقواميس وسيطرة وسائل إعلام وثقافة رسمية واحدة موحدة في سوريا ذلك الزمان، أثبت المثقفون، عبر ما أنتجوه من كتابات ووثائق وتحليلات وتعليقات وانتقادات ومقالات، في فترة «ربيع دمشق»، أنهم أبناء الحاضر بكل معنى الكلمة أسلوباً ومعنى ومحتوى، وأنهم لم يتأخروا لحظة واحدة عن عصرهم وزمنهم وعالمهم الأوسع بتطوراته ومتغيراته كلها. كما أثبتوا أن هذه السنوات الطويلة من سياسة الرقابة والمنع لم تؤثر فيهم بشيء أو تمنع عنهم شيئاً له علاقة بثقافة العالم وفكره وفلسفاته وسياساته وأخباره الأخرى. وليتبين، في التحليل الأخير، أن السنوات المشؤومة إياها ذهبت هدراً وسدى وكأنها لم تكن بالنسبة لسلطات الرقابة الحاكمة.
ولأكون واقعياً، أقول أنه إذا تحقق 25–30 بالمئة فقط من هذا كله في سوريا الجديدة، تكون سوريا، عندئذ، قد حققت تقدماً هائلاً وقفزة كبيرة إلى الأمام. ملاحظة جانبية: عندما نتكلم عن الفعل الثقافي وفاعلية الثقافة، لا بد من أن نأخذ الأمر على الموجة الطويلة، وليس بمناسبة حدث ما بعينه حتى لو كان ثورة عارمة، لأن الفعل الثقافي تراكمي اجتماعياً وبطيء تاريخياً، ولا تظهر نتائجه النوعية إلاّ متأخرة. عندما تابعت ما كان يجري في ميدان التحرير في القاهرة وفي الميادين العربية الأخرى الشبيهة به، ودققت في الشعارات المرفوعة والمطالب المطروحة والأهداف المطلوبة والأشواق الفائضة، وسمعت كلمات وعبارات صادرة عن هذه الجموع الشابة مثل: الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والدستور والتسامح الديني والمجتمع المدني وحقوق الانسان، فكرت فوراً بالفعل الثقافي التراكمي الذي فعلته سلسلة طويلة من المثقفين والأدباء والمفكرين وأساتذة الجامعات تمتد، لربما، من أحمد أمين إلى عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري، مروراً بـ طه حسين وفؤاد زكريا وزكريا ابراهيم ولويس عوض وزكي نجيب محمود ونصر حامد أبو زيد، وفي سوريا تحديداً بـ جميل صليبا وأنطون مقدسي وأديب اللجمي وعادل العوا وياسين الحافظ والطيب تيزيني، إلى آخر اللائحة الطويلة جداً.

⁎ كمثقف علماني، يساري التوجه، يرفض علمانيون ويساريون تسمية ما يجري في سوريا على أنه ثورة على عكس ما تذهب إليه. على ماذا يستندون في رأيهم هذا في تقديركم؟ وهل هي فعلاً ثورة؟
⁂ في مناقشة هذا الموضوع أبدأ بالمعايير المحلية. في سنة 1952، نفّذ الضباط الأحرار في مصر انقلاباً عسكرياً أطاح بالحكم الملكي هناك، وسميّ الانقلاب «ثورة 23 يوليو». في سنة 1958، نفّذ ضباط في الجيش العراقي انقلاباً عسكرياً بقيادة الجنرال عبد الكريم قاسم، أطاح بالحكم الملكي هناك أيضاً، وأصبح اسم الانقلاب «ثورة 14 تموز». وتوالت الانقلابات العسكرية في العراق: انقلاب عسكري في 8 شباط 1963 تحول إلى «ثورة 14 رمضان»، انقلاب إضافي سنة 1968 أصبح «ثورة 17 تموز». وفي سنة 1963، نفذّت مجموعة الضباط الريفيين في سوريا انقلاباً عسكرياً استولوا فيه على السلطة المدنية في البلاد وقتها، وأخذ انقلابهم اسم «ثورة 8 آذار» وظهر شيء جديد عربياً اسمه مجلس قيادة الثورة. بعد هزيمة الجيوش العربية أمام اسرائيل في حرب «الأيام الستة» في حزيران 1967، صعدت المقاومة الفلسطينية المسلحة (الكفاح المسلح) لمقارعة الاحتلال الاسرائيلي الجديد، وسميّ ذلك كله «بالثورة الفلسطينية»، وشعارها «إنها لثورة حتى النصر». وفي سنة 1978-1979، قامت هبة شعبية هائلة في إيران أطاحت بحكم الشاه – بقيادة رجال الدين الشيعة- وسميت الحركة كلها «بالثورة الاسلامية في إيران». فإذا جرى العرف العربي، لأكثر من نصف قرن، على تسمية هذه الانقلابات العسكرية كلها، ومعها الكفاح الفلسطيني المسلح والهبة الشعبية الايرانية بالثورات، فلماذا يبخلون على ما يجترحه الشعب السوري من ملحمة بطولية اليوم في مقارعة الاستبداد والطغيان بلقب «ثورة»؟ علماً بأن معظم هؤلاء البخلاء كانوا قد جاروا التيار العام في وصف الأحداث المذكورة «بالثورات». الآن، إلى ماذا يستند هؤلاء البخلاء في بخلهم هذا؟ تقديري أن معظمهم يحمل بيده مسطرة خاصة يقيس بها مجريات التاريخ والأحداث المصيرية الجسام، ثم يطلق على كل واحدة منها الأوصاف والتسميات والتصنيفات التي تمليها عليه مسطرته الصغيرة المتحجرة. ينطبق هذا على القوميين بالنسبة لانقلاب عبد الناصر في مصر، مثلاً، وعلى اليسار والكثير من الشيوعيين بالنسبة لانقلاب عبد الكريم قاسم في العراق، وعلى الإسلاميين بالنسبة لثورة آية الله الخميني في إيران، وعلى قدامى الشيوعيين الذين يفتقدون في الثورة السورية الحزب الطليعي والقائد الكاريزماتيكي الملهم والنظرية الثورية الجاهزة، إلى آخر عناصر المسطرة مسبقة الصنع. أضف إلى ذلك ما كنت قد ذكرته سابقاً من أثر انحلال الأطر والجوامع السياسية والثقافية السابقة، وما رافق ذلك من عودة الكثيرين من هؤلاء البخلاء إلى عصبياتهم الطائفية والمذهبية والجهوية والإثنية الأولى، وإلى ولاءاتها الأكثر بدائية، مما ضاعف عدد المساطر الذاتية الجديدة التي تقاس بها ثورة الشعب السوري وتصنف على أساسها.
مع ذلك، إذا أراد بعض هؤلاء البخلاء وصل النظريات الثورية الجاهزة بالثورة في سوريا، فهذا موجود أيضاً، فالثورة السورية مارست بعفوية وتلقائية النظرية الثورية القائلة «بالبؤر الثورية» أو «الفوكو» (Foco) كما شرحها المنظر الفرنسي الشاب يومها ريجيس دوبريه في كتابه ذائع الصيت وقتها «ثورة في الثورة». كما تمارس الثورة عفوياً، وبلا الكثير من التنظير، ما كان قد تم التنظير له مطولاً في مرحلة سابقة، حول اتباع حروب التحرير الشعبية تكتيكات تُشتت القوة العسكرية المتفوقة بقوتها النارية وتبعثرها في كل مكان ممكن، مما يؤدي إلى شللها وإلى تحييد تفوقها الناري والعددي والعتادي. تمارس الثورة السورية كذلك وبشكل عفوي وحتى دون أن تدري، على الأرجح، النظرية الثورية الصينية–الماوية القديمة (والتي قيل الكثير فيها عربياً وبخاصة من جانب بعض هؤلاء البخلاء) القائلة بتقدم الأرياف الثائرة إلى محاصرة المدن وإسقاطها الواحدة بعد الأخرى، باعتبارها الحصون الأخيرة للسلطة التي يطالب الشعب بإزاحتها. تعيش التنسيقيات هي أيضاً في البحر الشعبي السوري الواسع «كما يعيش السمك في الماء» على حد تعبير شهير قدمته النظرية الثورية الصينية للعالم.

⁎ أعتقد أن ما يجري في سوريا الآن هو، أولاً، انتفاضة شعبية عارمة بالمعنى الكلاسيكي للانتفاضة كما ابتدعها الشعب الفلسطيني، وثم اضطر إلى عسكرتها، أي انتفاضة على طغيان عسكري تحولت قوات جيشه الضاربة إلى جيش احتلال كامل الأوصاف، يدّمر الحجر والبلد ويقتل البشر دون حساب. وهو، ثانياً، ثورة بمعنى أن الانتفاضة الشعبية السورية تسعى لاستعادة الجمهورية عبر الإطاحة بنظام وراثي قديم مفروض ومهترئ بأجهزته كلها، وإحلال نظام حكم جديد ومغاير محله. ألا يكفي هذا كله للاعتراف بأن في سوريا ثورة حقيقية اليوم؟.
بين أن يكون أفعى تختنق إن لم تغير جلدها، أو حرباء متلونة لا تكف عن تغيير مظهرها بحسب تغيرات الظروف من حولها (على ما ورد في سجال لك مع أدونيس)، كيف ترى أن يتفاعل المثقف مع واقع متغير؟ وبصورة عامة، لماذا يبدو أن المثقفين في مجالنا من العالم مُتغيرون أكثر مما هم مغيرون؟
⁂ بعيداً عن الاستعارات والتشبيهات بالأفاعي والحرباءات التي بدأها أدونيس، أقول: لا يوجد جواب جامع مانع وشافي على هذا النوع من الأسئلة في عالمنا العربي، لا سيّما بغياب أية معطيات موثوقة أو معلومات ميدانية أو عمليات سبر للرأي العام عموماً ولدى المثقفين تحديداً. لذلك لا بد لي من الاستناد في كلامي إلى الحدس والعموميات والانطباعات لا أكثر. فالاختلاف في توجهات المثقفين، كأفراد وكمجموعات، والتنوع في أمزجتهم وطبيعة اهتماماتهم، لا تسمح بأجوبة شافية ودقيقة في هذه المسألة.
بالنسبة لي شخصياً، مطلوب من المثقف أن يأخذ دوماً المستجدات التي يأتي بها الواقع المتغّير في الاعتبار، واستيعابها بصورة أو أخرى، بعقلية نقدية منفتحة، أي نقدية بالنسبة للواقع المتغير نفسه ولاتجاهات تغيره، من ناحية أولى، بالنسبة لذات المثقف نفسه، وللمقولات والمسلمات والافتراضات التي يحملها أصلاً ويقارب بها الواقع المتغير، من ناحية ثانية. أفترض أن المثقف الجاد والمثابر يمتحن جهازه الثقافي والمعرفي والفكري بما يحمله من التزامات ومسؤوليات على الواقع المتحرك كما أنه يعيد النظر في جهازه المعرفي والثقافي هذا على ضوء تجربته مع الواقع ومتغيراته ومستجداته. كما أنه يستخدم جهازه في نقد الواقع حين يرى لزوماً لذلك. أصلاً، الثقافة الحية حقاً لا تتوقف عن نقد وإعادة نقد نفسها وعن إعادة النظر في افتراضاتها الأولية وفي منطلقاتها الأساسية، وإلاّ لما تمكنت من تجاوز حاضرها وصنع مستقبلها. أعرف أن هذا كلام في العموميات، وإذا أردت التحديد أذكر، مثلاً، أن مثقفاً وشاعراً كبيراً مثل محمد الماغوط انتهى إلى حالة من اليأس العميق والتشاؤم الذي لا يرحم والسوداوية المفجعة في مواجهة الواقع العربي المتغير وتعامله معه. فضّل أدونيس الإنكار والتهرّب والتبرير في تعامله مع الواقع المتغير الذي اسمه الربيع العربي وبخاصة الثورة الشعبية في سوريا. كان أدونيس قد رفع شعار «مواقف من أجل التغيير والحرية والإبداع» في مجلته المعروفة «مواقف»، لكن عندما بدأ التغيير الجدي في سوريا واقتربت الحرية من سوريا، تراجع أدونيس أكثر من خطوتين إلى الوراء، بدل الاستيعاب النقدي الجاد لمستجدات الواقع العربي المتغير، وبدل إعادة النظر النقدية في مسلّمات جهازه الثقافي والمعرفي على ضوء الواقع العربي والسوري المتحرك والجديد. تفترض الشعارات إياها أن مثقفاً مثل أدونيس سيكون في طليعة المنحازين للتغيير والحرية في سوريا، مثلاً، والدفاع عنهما، ولكنه فضّل النأي بنفسه عن هذا كله ورمى بشعاره في مزبلة التاريخ.
من جهة أخرى، نحن نعرف أن الواقع المتغير يتغيّر أحياناً ببطء شديد، مما يؤدي إلى الإحباط والقنوط، وفي أحيان أخرى يتغير بصورة فجائية زلزالية وكوارثية تؤدي إلى الذهول والضياع لدى المثقف وغير المثقف على حد سواء. ولا توجد طريقة حتى الآن لتحديد مسبق لطبيعة تعامل أي مثقف أو مجموعة من المثقفين مع هذا النوع من التغير الفجائي الزلزالي الذي اسمه الثورة في سوريا اليوم وكيفية تعامل المثقفين السوريين وغير السوريين معه. مثال آخر، شكل كل من هزيمة العرب أمام اسرائيل في حرب 1967، وانهيار الاتحاد السوفيتي والفكرة الشيوعية بأكملها معه، تغيّراً تاريخياً من النوع الفجائي الزلزالي الكوارثي في الواقع القائم. وليس هنا المكان المناسب لمحاولة رصد تعامل المثقفين العرب، مثلاً، مع هذين المتغيرين، فهناك من استوعب المستجدات وفهم المغزى، وهناك من نقد الواقع والذات في الوقت نفسه، وهناك من رفض وكابر، وهناك من أنكر وبرّر، وهناك من يئس وترك، وهناك من طار عقله كما بيّن ممدوح عدوان في كراسه الجميل «دفاعاً عن الجنون»، وهناك من … وهناك من … السؤال صعب ومتغيرات الحياة العربية بخاصة، تجعل الإجابة عنه أكثر صعوبة من السؤال نفسه.

⁎ بنيت العلمانية العربية في أحد جوانبها على فكرة قصور المجتمعات العربية وأنها غير مؤهلة للديمقراطية، وربما هذا هو مؤدى فكرة التنوير الذي نادت به نخب علمانية، والذي يقع على عاتقه مهمة تحضير هذه المجتمعات. د. صادق هل ترى الثورات العربية نقضاً لهذه الفكرة؟ هل حان الوقت للتكلم عن علمانية بمضامين جديدة إذاً؟
⁂ في الأساس لا توجد شعوب أو مجتمعات مؤهلة للديمقراطية بطبيعتها وبصورة مسبقة أكثر من شعوب ومجتمعات أخرى. حيثما نظرنا شرقاً أو غرباً، في عالمنا المعاصر، نجد أن الديمقراطية عادة مكتسبة، كما أن العلمانية حالة مكتسبة أيضاً وليس بهذه السهولة على الإطلاق، فالموانع كانت دوماً كبيرة والعقبات كثيرة داخلياً وخارجياً عند الجميع. كما أني لا أعتقد أن النخب التنويرية العلمانية العربية كان هدفها أصلاً مجرد تحضير وإعداد مجتمعاتها لتصبح مؤهلة لتقبل الديمقراطية. كان هدفها وطموحها ومطلبها هو نهضة شاملة من مفرداتها الديمقراطية والعلمانية. الإحساس الواقعي جداً بالقصور العميق والعجز المزمن كان عامّاً وطاماً لكل مجتمعات وثقافات الكرة الأرضية منذ الطفرة التي طرأت على أوروبا الغربية عبر الثورة العلمية في القرن السابع عشر، ومن ثم الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، وما ترتب عليهما من نتائج وتحولات تاريخية عظمى. بسبب من واقع هذا القصور العميق والعجز المستمر والانكشاف الكامل، دخلت مصطلحات الاصلاح والتجديد والتحديث والتنوير والمعاصرة والنهضة مجال التداول والأخذ والرد والفعل ورد الفعل ليس عندنا فقط، بل عند الحضارات والثقافات والشعوب التاريخية الحية الأخرى أيضاً. عند البحث في التنوير والنهضة عندنا، نحن نعود دوماً إلى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، لكن قليلاً من التدقيق سيبين أنه كان هناك ما يشبه الأفغاني ومحمد عبده وما يمثلانه في إيران وروسيا والهند والصين واليابان، وفي إفريقيا أيضاً. لذلك أرى أن مسألة التنوير أكبر بكثير من مجموعات من النخب المثقفة والعلمانية التي تحاول تأهيل شعوبها لتقبل الديمقراطية عبر التوعية بضرورة العلمانية والعلمنة لتجاوز مشاكل القصور والعجز القائمين. ولا أعتقد أن ثورات الربيع العربي الراهنة قادرة على نقض فكرة التنوير بمعناها التاريخي الأوسع، هذا لو أرادت، فهي أيضاً تقول بالإصلاح والديمقراطية والتجديد والحرية والكرامة والنهضة والدستور وما إليه. وتريد، إن استطاعت، الاستجابة إلى رغبة دفينة عميقة وشبه جارفة في فاعليتها لدى هذه الشعوب كلها لتجاوز القصور المقيم في مجتمعاتها والتغلب على العجز الذي تشعر به دوماً في أعماقها. تبقى شروط واحتمالات النجاح أو الاخفاق في ذلك كله، مسألة أخرى.
أخيراً، أهم ما في العلمانية والديمقراطية هو طاقتهما الاستيعابية، بخاصة في المجتمعات المتعددة والمتنوعة، الإثنيات والأعراق والأديان والمذاهب والملل والنحل واللغات واللهجات… الخ. بالإضافة إلى مقدرة هذه الطاقة الاستيعابية على توفير مناخ جيد وإيجابي لاستتباب السلم الأهلي، ليس قهراً وبالقوة العارية، وعلى توفير آليات مجرّبة جيداً (لدى الكثير من البلدان والشعوب والمجتمعات والثقافات الراهنة) لتداول السلطة سلمياً على أوسع نطاق في المجتمع. أضف إلى ذلك أن من ميزات العلمانية والديمقراطية أيضاً أنهما توفران أرضية محايدة لتلتقي عليها المذاهب والعقائد الدينية المتنافرة والاقصائية بطبيعتها، وبحيث تتمكن من التعامل مع الفضاء العام والشأن الوطني والساحة السياسية الجامعة استناداً إلى قواسم مشتركة عظمى وتوافقات طوعية حرة يستحيل على أي من هذه المذاهب والعقائد توفيره بنفسه أو لوحده. وأنا أخاف من عبارات مثل «علمانية بمضامين جديدة» و«ديمقراطية متلائمة مع قيمنا وتراثنا»، وما إلى ذلك من تحايل على العلمانية والديمقراطية، برعت فيه أنظمة الاستبداد في كل مكان من أجل تجميل استبدادها وتأبيده.
بالنسبة لمسألة حاجتنا إلى علمانية بمضامين جديدة، فالمضمون الجديد الذي أسمع به الآن يتلخص ،على ما يبدو، بإحلال فكرة «مدنية الدولة» في بلدان مثل العراق وسوريا ومصر، محل علمانيتها الناقصة أصلاً. في التحليل الأخير، هذه ليست سوى عبارة مهذبة للكلام عن العلمانية في الدول المذكورة. هذا في الشكل، أما في المضمون: معروف أن أحد مضامين العلمانية يمنع منعاً باتاً، على سبيل المثال، أن يكون المواطن المسيحي العراقي أو السوري أو المصري ذمياً. هل توجد أية مضامين جديدة يمكن إدخالها على العلمانية كما نعرفها، بحيث تعالج مضمونها الأول المانع هذا بشكل آخر أو مختلف، أو بحيث تؤكده أو ربما تلغيه وتحل محله؟ إذا أردنا المواطنة والمساواة حقاً، فلا بد من العلمانية بمضامينها المعروفة، وإن جاءت تحت أسماء أخرى.
كذلك تعني العلمانية في عراق اليوم، إبعاد الشرع الإسلامي بصيغته الشيعية الراهنة (ولاية الفقيه) والشرع الإسلامي بصيغته السنية الحالية (الحاكمية)، إبعادهما عن السلطة وعن الدولة وأجهزتها وعدم السماح لأي منهما بالسيطرة على الحياة العامة للبلد ومرافقها، تجنباً لحرب أهلية مرجحة، ومنعاً لحرب طائفية مجربة.
أسأل الآن: هل هناك مضامين جديدة يمكن إدخالها على معنى العلمانية في العراق اليوم، قادرة على معالجة هذه المشكلة بصورة مختلفة أو على إخراج البلد من المأزق الخطير الذي يهدده؟ بعبارة أخرى، إذا أردنا للعراق الحفاظ على نفسه وعلى سلمه الاجتماعي والأهلي، لا بد من العلمانية بالمعنى المذكور أعلاه مهما كانت التسميات والمصطلحات.