عبـــــــدالله خلــــــــيفة من روَّاد الرواية في البحرين

   قلم الكاتب البحريني لم يقف عند حدود كتابة القصة القصيرة والرواية والدراسات، بل اتسع فضاء اهتمامه ليشمل عالم الصحافة.
_193293_bahreen2L
يشكّل الأديب والكاتب الراحل عبـــــــدالله خلــــــــيفة ، علامة مُضيئة في المشهد الثقافي والأدبي المعاصر في مملكة البحرين خاصة في فضاء السرد، حيت تمحورت إبداعاته في كتابة الرواية التي اتسمت بالواقعية، وحيث تتمثّل شخوص رواياته من نماذج مُجتمعية تتحرّك بيننا وقد لا نلتفت لها، لكنه يلتقطها بعناية مثلما ينتقي تاجر اللؤلؤ نماذج لآلئه.
ويعد عبـــــــدالله خلــــــــيفة رائداً من روَّاد الرواية في البحرين، فأصدر ما يزيد على عشرين رواية، بداية من روايته ” اللآليء” عام 1982، مروراً بروايته “الهيرات” عام 1984، ثم رواية “أغنية الماء والنار” عام 1988، وحتى روايته الأخيرة “خليج الأرواح الضائعة” عام 2015، التي أصدرتها أسرة الأدباء والكُتَّاب بعد رحيله، بالتعاون مع مركز عبدالرحمن كانو الثقافي وهيئة شئون الإعلام، مروراً بكل الكم الكبير من الروايات والدراسات البحثية، حيث أصدر الراحل مجموعة من الدراسات الواسعة والمهمة، التي اتسمت بالعُمق والتحليل التاريخي والفلسفي.
لم يقف قلم عبـــــــدالله خلــــــــيفة عند حدود كتابة القصة القصيرة والرواية والدراسات، بل اتسع فضاء اهتمامه ليشمل عالم الصحافة، عندما عمل في صحيفة أخبار الخليج، فانشغل على التصدي لقضايا وملفات ساخنة سياسية واجتماعية وأدبية ودينية، وفي نفس الوقت فتحت أمامه أبواب واسعة لصدامات كثيرة، مع شرائح من المثقفين والسياسيين ورجال الدين، ولكن رغم ذلك ظل طوال حياته صامداً على مبدئه ومحترما أطروحاته، رغم الاختلاف المتباين للنُقَّاد والمهتمين حولها.
وفي كتاب تكريمي لمسيرة عبـــــــدالله خلــــــــيفة الفكرية والابداعية أصدرت أسرة الأدباء والكتاب في البحرين كتابا بعنوان “اضاءات السرد .. في أدب عبـــــــدالله خلــــــــيفة” يضم مجموعة من الأبحاث والشهادات فكتبت الدكتورة ضياء عبدالله الكعبي عن “الرواية وأدلجة التاريخ .. مقاربة تأويلية ثقافية لخطاب عبد الله خليفة الروائي”. وتناولت الدكتورة أنيسة إبراهيم السعدون “جدل الأنا والآخر وقلق الهوية في رواية (الأقلف)”، أما بحث الدكتورة انتصار قائد البناء فتناول “مفهوم الحرية في رواية (الينابيع) للكاتب عبـــــــدالله خلــــــــيفة”.
الكتاب يحتوي على دراسات تناولت بعض روايات عبـــــــدالله خلــــــــيفة وليس كلها، تُلامس واقع رواياته بمنهجية نقدية واضحة مُحددة، وإن اختلفت مناهج التناول بين كل باحثة من الباحثات الثلاث، ليخلقوا معاً إضاءة نقدية مُهمة تختصر مسافات المقاربة بين هذه الروايات، ومعين لكل دارس ومُهتم بأدب عبـــــــدالله خلــــــــيفة.
ميدل ايست أونلاين
المنامة ـ من وكالة الصحافة العربية

عبـــــــدالله خلــــــــيفة علامة روائية خليجية محورها الإنسان والمكان

البحر يموج في أغلب أعماله
عبدالله خليفة
علامة روائية خليجية محورها الإنسان والمكان

■ القصة العربية في الخليج: تجريبية الاحتمال في قصص «دهشة الساحر»
■ تشخيص البياض في سواد قصص «جنون النخيل»

غالية خوجة*

لا تخفى عن قارئ أهمية أعمال المبدع عبدالله خليفة، المعروف بتلك البنية السردية الناتجة عن عناصر متنوعة، وعوامل متعددة، تتمتع بثيمة موضوعية محورها الحياة والتاريخ والزمان والمكان والحالة النفسية للشخوص، وثيمة فنية تحوّل هذه الذاكرة الذاتية والبحرينية والعربية إلى جماليات تعتمد أدوات ومعايير مختلفة، أبرزها (المونولوج)، و(الحلم)، وهارمونية الإيقاع السردي، وتقاطعها مع الحكائي، ثم انحيازها للاختزال، والوصف الخلاق، وشعرية الدلالة والبنية.
عبدالله خليفة عانى الكثير على صعيد حياته الشخصية، والسيرية، تلك التي يتسرب بعضها من لا وعيه إلى نصوصه، ليرصد العديد من الحالات والشخوص والتحولات، قابضاً بإشارية على المسكوت عنه الاجتماعي والنفسي، كاشفاً عن ذاكرة الموج والنار والسفر والأبواب والجدران المغلقة والظلم المستشري، والظلام المهيمن في العقول والأمكنة على مرّ الأزمنة، وأحال بضوء من الأبجدية الحياة إلى منصة يتفاعل فيها «الضباب» مع «محمد العوّاد» مع «المرأة» مع «فيّ» و«كوكب» ومع بقية شخوصه الإنسانية والرمزية والخرافية، ومحيطها وأحداثها وتراجيديتها المتصارعة، ونشيد بحرها الذي يعبر من الرمال إلى الموانئ دون شواطئ نفسية، تمنح الإنسان لحظةً مستقرة، أو مرساة تضعه بهدوء في مكان ما قابل للتأمل، أو للرحيل.
لم يتخلّ عبدالله خليفة عن الصحافة، والعمل فيها، ظل حتى لحظة وفاته يكتب العمود الصحافي في الجريدة التي يعمل فيها مشرفاً على القسم الثقافي بــ(أخبار الخليج)، كما أنه كان مفكراً وناقداً، كثير النتاج والنشر إلكترونياً وورقياً، ويرى الكلمة بأبعاد إضافية، تماماً، كما كان يرى الحياة موجات عاديات غاديات، ولذلك ورد اسمه ضمن قائمة أهم الروائيين العرب الذين عبروا في كتاباتهم عن (أدب البحر/ روائياً)، مع عدد آخر من الروائيين، منهم: حنا مينه، جبرا إبراهيم جبرا، حيدر حيدر.
إذاً، هو البحر بدلالاته الواسعة، وحركته التي لا تمكث ولا ترحل، يموج في أغلب أعمال عبدالله خليفة، لا سيما وهي تبرز في أجزاء «الينابيع: الصوت/ الماء الأسود/ الفيضان»، الساردة بشعرية ورومانسية وتأريخية وفلكلورية لمرحلة هامة من مراحل البحرين، وحياتها بين السفن واللؤلؤ ومحاربة الاستعمار البريطاني، وانعكاساتها على حياة الشخوص وعلاقتهم بالمكان والزمان والذات والآخر، وما تختزنه الشخوص من دلالات أخرى، تذكّرنا بالموروث الإنساني العالمي، فمثلاً «محمد العوّاد» المتمرد على الأب والعائلة والتقاليد يُضمر بمفهوم ما الابن الميثولوجي المتمرد على أبيه في موروث الشعوب كالإلياذة والأوديسا، وما أضمرته عرافة دلفي، وتظهر آلة (العود) الوترية الموسيقية بدل (قيثارة هوميروس)، الآلة الوترية الموسيقية، وتجوب الأغاني والمخيلة والذات أمكان كثيرة، منها: المنامة، المحرق، دمشق، دلهي، عابرة الأسوار، منجزة الأسوار، حاكية عن (التحولات) منذ اللؤلؤ، والوقوف ضد الجنرال ميجر، وصولاً إلى مرحلة اكتشاف النفط، ثم الرفاهية، ولا تخلو مسافة الفضاء المكتوب من الدرامية الوجدانية الخيالية والواقعية بين «العواد» و«فيّ» و«مي»، كما لا تخلو شخصياتها من اللجوء إلى التأمل، ومن زاوية رؤيوية أخرى، لا تخلو أعماله من البنية الشعرية المتسارعة المشتبكة مع إيقاعات السرد المتقاطع مع الحكاية، الهارب إلى أطياف متفاوتة، تتجول في الأعماق وكأنها موجات تائهات، لتصطدم بالواقع، مما يُشعر المتلقي بأنه أمام أناس حقيقيين، فيصاحب (الهبل) و(الخبل) و(الجنون)، وتارة أخرى، يرافق كائنات تجمع المفارقات النفسية والاجتماعية، وتظهر بطريقة ممسوسة لا حقيقية ولا وهمية، مثل شخصية «ياسين كافود» في رواية «تماثيل»: “كان ياسين كافود غريباً، وظهر، فجأة، إلينا، وكأنه ممسوس، صحيح أنه كان طفلاً نزقاً، كثير الحب للأكل وسرقة البيض والكعك من الدكاكين، لكن، أن يظهر، بغتة، هادئاً، صامتاً، وينزوي عند الشاطئ، ويتوارى في غرفته، ويدمن القراءة، فهذه كلها كانت علامات لدينا على الخبل”. ولا يخلو أسلوبه من السخرية المثقفة الموظفة بهدف نقدي، تراجيدي يضمر الكوميدي، ومنها وصية المسؤول في العمل: “دعك من كل هذه السوالف، وركز على قبض المعاش آخر الشهر وكفى بالله حسيباً”، ثم يتابع خليفة الوصف الكاريكاتيري لشخصية هذا المسؤول: “ثم طوى بشته تحت ساعده وخرج مثل طائر الفينيق”، ولربما، لو لم يكن الوصف عميقاً، وذا دلالة أسطورية، موظفة بطريقة لا بدّ منها، لكان الوصف عادياً جداً، لكن حضوره برمزية وتشبيه ودلالات (طائر الفينيق) منحت الجملة الروائية قوتها، (وفلاشباكيتها) وحركتها.
وتتوالى الأحداث عبر فصول التماثيل الـ(42)، ضمن بنيات حكائية متنوعة، سيرية، وحوارية، ومونولوجية، وكاريكاتيرية، وناقدة، وهازئة، ولكنها جميعها تشير، وبوضوح، إلى البنية الجوانية الذاتية والمجتمعية، وما فيها من فساد أخلاقي واجتماعي ونفسي، وبالمقابل، بما فيها من طموحات وأحلام ومحاولة للارتقاء، وظهور بعض الظواهر الجديدة ابتداءً من (1950م)، لا سيما بعد تحوّل البحرين إلى المباني البرجية، مستقطبة الأيادي المهاجرة إليها بهدف العمل، متوقفة عند التناقضات الظاهرة والباطنة للشخوص، وتحولها السلبي السالب، حيث يتحول «كافود» من مؤلف ثائر على الفاسد إلى سارق للآثار، وصاحب مؤسسة إعلامية ودار نشر، تزيف وسائلها تبعاً لأهدافها، وتتناسل الأحداث، متواصلة، منقطعة، وكأنها حكاية داخل حكاية، ضمن تداخُلٍ فني يعكس الحساسية الجديدة للمقول والمكتوب، ليشدّ الفضول القارئ بجاذبية وتشويقية، تعتمد على (المونولوج) المتحول إلى (ديالوج)، فتتحاور أرواح الشخوص مع ذواتها، ومحيطها الموضوعي، والقارئ الذي لا ينفصل عن الاشتراك في كتابة الرواية، لا سيما وأن حياة «كافود» تبدو غير منتهية، لأسباب عديدة، منها: مساهمة القارئ في إنجازها، وثانياً، رغبة من المؤلف بتركه النهاية مفتوحة لأنها سيرة شخص لا تنتهي، قابلة للتجسيد في كل زمان ومكان، ومنها: تعدّد الخاتمة، وإحالتها إلى ذاكرة القارئ وبداية الرواية.
تستوقفنا روايته «عنترة يعود إلى الجزيرة» لما فيها من ترائيات لعودة الجاهلية والقبلية والظلامية الجاهلة المستترة بالدين، وكأنه كان يرى ويشير وينذر.
ولا بدّ من أن نشير إلى رأيه النقدي في الرواية الخليجية التي رآها غير متجذرة في الأرض بعدُ كما يجب، لأسباب عديدة، أهمها الوعي الروائي الإبداعي لا كمية النشر، إضافة إلى حاجة المنتوج إلى كل من: القراء، الوسائل الإعلامية المهتمة، والنقد الموضوعي.
ومثلماً موجات البحر متسلسلة وليست هي في الآن ذاته، كونها تتحرك، تتبدل، تتناثر، تغور في الأعماق ثم تميل مع المدّ والجزر، كذلك، كانت أسلوبيته التي تتميز بتشابكيتها مع الذاكرة الخرافية، الواقعية، الإنسانية، الحلمية، واللغوية ذات الأبعاد الجمالية المختلفة.

القصة العربية في الخليج: تجريبية الاحتمال في قصص «دهشة الساحر»**

تنبثق علاقة السرد في المجموعة كعلاقة بالمدلول، أي السرد يحيل الوصف على مكنوناته كحديقة ظلالية لا نلمس منها إلا الحفيف الزمكاني المتنقل من اللحظة الواقعية الى اللحظة المتخيلة.
وما بين حركتي الانتقال (من الواقع الى المتخيل) ثم (من المتخيل الى الواقع الذي توحي به مستويات النص) تبرز الحدثية كظل للشخصيات التي غالبا هي شخصيات اضمارية تتصارع مع دواخلها المستترة عابرة من البعد الموضوعي الى الجواني الذي يحوله القاص الى موضوعي نصي ينشر حوافره المخيلتية بهيئة (جان) او بهيئة أعماق مشخصة تخرج من اللامرئي لتدخل عالم الكلمات وتتوالد، أو تتبعثر، أو يختزل بعضها بعضا وذلك عن طريق العناصر الثلاثية المتلاحمة في النص (الحلم. المخيلة/تداخلات الزمكانية).

1ــ الذاكرة الأولى/الذاكرة الاخيرة:
ينساب الأثر النفسي استرجاعا في قصتي «طريق النبع» و«الأصنام» راسما علاقته الأيقونية في المكان “الطريق المؤدية الى النبع” في القصة الأولى، و”الحقل” في القصة الثانية. ومن هذا الفضاء كمكانية أولية للنص، تبدأ المؤشرات بالظهور مرتكزة على الشخوص ومتوزعة في النص على الرموز “الهياكل العظمية” في قصة «طريق النبع» و”جوف التربة” في قصة «الاصنام».

طريق النبع/الذاكرة الأولى:
تنفرج دلالات جملة الابتداء “يتذكر جزيرة «النبي صالح» وهي محاطة بغلالة من الضوء الاخضر” عن تداعيات فعل التذكر وعن ايحاءاتها المكانية، لتتدرج في المسافة المتعينة “الطريق/الجزيرة/النبع” وتتحول في المسافة اللامتعيّنة (الحيز النفسي: الآني والاسترجاعي). ومن نقطة الالتقاء بين هاتين المسافتين تنشأ علائق محكمة بالذاكرة الأولى للشخصية، حيث (الفجوة القصصية) المنبوشة عبر مقطعين رقَّمهما القاص «عبدالله خليفة» ليترك ثغرة بيضاء اضافية قابلة للامتلاء بما ينجزه فعل (التذكر) الحافل بالألون “ضوء أخضر/نخيل/سماء زرقاء/رمل ابيض/شريط من السحر/جنة أزلية/الصخور/الماء
المتلألئ/العصافير/الدماء/البيوت الملونة/القرميد الأحمر..”.
شبكة من الاسقاطات المتجولة بين الجزيرة الناهضة من الذاكرة وبين الحيز المتحرك مع السيرة والسير في الطريق، لا تلبث أن تحيلنا من مجازاتها وحواسها غير المتخيلة عن الشعرية الى عنوان القصة «طريق النبع» الذي نتبين كيف يتحول من عنوان الى (رمز) ينزح عن فضائه الأول (المكانية الخارجية المشكلة لبروز عناصر النص) الى فضائه الأعمق (الذاكرة الأولى) للشخصية المتخذة مسارا (زمنيا). وهذا ما يركبه لنا مشهدان متباعدان في القص، الا انهما يشيران الى ذات الاحتمال (الزمني) الذي رغبت في ايقافه الشخصية:
1 ــ مشهد المكانية المتكون كرحم للنسيج القصصي: “كان النبع يتدفق من تحت الصخور والتراب، زلالياً، مضيئاً، ذا أصوات ناعمة، يكوِّن غرفة واسعة، ثم يتدفق في مجرى عريض واسع، تحف به نخلات باسقات، شديدات الطول والجمال، ذوات أقراط مذهبة، وحشائش كثيفة كأنها روائح امرأة فاتنة وليل مفعم بالنشوة”.
2 ــ تحول المشهد المكاني الى زماني يتخارج مع الرغبة الداخلية للشخصية: “يتذكر، يتذكر بألم ومرارة، كما لو أنه يود أن يتجمد مجرى الزمن هنا، أو أن ثمة كشافاً هائلاً مسلطاً على تلك اللحظات.
أبوه يغرق في نومه، وهو يكتشف ذلك الصندوق، والذهب المخبأ”.
وتنزح هذه الشبكة بدورها الى الخاتمة التي ارتكز عليها النص في تحولاته المسكونة بالموت والحياة وبالانبعاث المفاجىء الذي تتشخص فيه الهياكل العظيمة لتناور على طريقة خروجها من ذاكرة الشخصية الى الواقع الملموس حيث (المكان المقصود بذاكرتيه الماضية والحالية) الى ذاكرة النص والنبع والهرب.
“انتبه إلى وجود هيكلين عظميين عند النبع.
جَثَمَ، ولم يسعفه جسمه الضخم، وكرشه المتهدل، أن ينحني ويلتقط حفنة من ماء.
أحد الهيكلين العظميين تحرك، وغرف بكأسه ماءً وتقدم إليه”.
وبين شعورين متناقضين (الفرح ثم الخوف) تتموضع شخصية البطل لتزيد من اشكاليات أبعادها. فبعدما تتناول الكأس المعدني المهترئ من الهيكل العظمي الأول، وبعدما تشرب ماء عذبا عميقا، نجدها تحدق في (الرجل الاخر) حيث تتعرف الى ملامحه الغائرة في الذاكرة والعائدة مع الزمن الحاضر لتكشف انه (هو الرجل النخلة الطيب) الذي دفع قارب البطل المحمل بالهدايا والذهب. تتركب شخصية (الرجل الطيب) المشبه بالنخلة من ثلاثة أبعاد: (الهيكل/الرجل. الهيكل+عرق الحياة الاخير): “هو خط دقيق واحد من عظم فوقه جلد متغضن. يد شاحبة هي عرق أخير للحياة. رأسه صلعاء ذات شعر نادر بلون الطحين. ثمة ماعزٍ ضار التهم عشبه” ولا تتحرك الدينامية السردية من احتمالات الشخصية الثانوية (الرجل النخلة) غلا لتعود بطريقة مموهة الى الشخصية الرئيسة الاشكالية. وتتم كيفية التلاقي من خلال تدوير الابعاد الحاضرة الغائبة بين الشخصيتين. وهذا ما يؤكده المشهد اللاحق لـ(عرق الحياة الاخير) ولما اختلط فيه من بعد ثيمة: “ثمة ماعزٍ ضار التهم عشبه”: “جامد، متصلد في ذاته، انقطع عن اللغة والماء والأصوات. حدق فيه عساه أن يعرفه ويقتله. حرك يديه أمام وجهه لكنه بلا روح. تمنى أن يبصره فقط..” وبهذا تكون البنية قد كست دراميتها ذاكرة، والذاكرة أشباحا وهياكل، ثم كست الهياكل لحما وحضورا يشوش لحظته الغائبة المتجسدة في الخاتمة كاحتمال يدعو الشخصية الى الهرب:
“تعكز العجوزان على جسده، ساروا ببطء في طريق الجذوع والأشباح.
قال العجوز:
ـــ خرج من السجن تواً. قتل زوجته التي سرقت ذهبه وأعطته لرجل من القرية.
لم يستطع أن يحمل جثثهم. فرّ مذعوراً إلى سياته). ومع الفرار الى السيارة، أو الى الذاكرة، أو الى الواقع، تخرج الذاكرة الأولى للشخصية عن التوقعات، مكثفة الحياة والموت ومسافة التغير الزمكانية لـ(جزيرة النبي صالح) كدلالة على ما يحدث في كل أرض.
الأصنام/الذاكرة الأخيرة:
تدور أحداث قصة «الأصنام» حول اكتشاف «مهدي» في حقله آثارا تاريخيا(أصنام/جرّات/كؤوس/سهام..)، وحول ما لحق هذا الاكتشاف من تواجد الأثري المنقّب في أحشاء الأرض وما أصاب الحقل من تعب “لكن السطر الأخضر الترابي لم يعد له. كان مدججاً بالسلاح والوجوه والملابس الغريبة. أناسٌ يحيطون بالأرض وآخرون تغلغلوا فيها، وآخرون يسيجون الحقل بأسلاك شائكة”. هذا وضع الحقل بعد الاكتشاف الذي كان محورا جذعيا للقصة. لكن قبل أن يؤل الحدث الى طبيعته المتوقعة (وجود الرجل الأثري وحالة التنقيب) كيف صاغ المبدع فنية الحدث بما قبله وبما آل اليه؟
يبدأ النص بداية عادية تنتقل منة الشخصية الى مكانها “اصطدمت جبهة الحاج مهدي وهو يصلي بشيء صلب.
كان حقله الصغير قد توارى بزحف الظلام”. ثم تتضاعف ايقاعية المشهد مع وصفيات المكان والحركة والاضاءة والحفرة التي يجدها مهدي. حيث تصبح (الحفرة) مثيرا تختلط فيه طقوس الشخصية مع طقوس المكان وتُشعرنا بتواصل خرافي مع الاشياء تسقطها الصورة الذهبية لـ«مهدي» على الموروث الموجود في (الحفرة) كذاكرة جمعية وعلى الموروث في العمق الانساني للشخصية والذي لا ينفصل عن ابعاد الذاكرة الجمعية الا بما أورده الراوي عن المعاش الحياتي للشخصية التي انعزلت في هذا المكان الذي تحول في النهاية الى (مقبرة) اكتشف فيها تلك الآثار التي يعتبرها ارواحا شريرة وسرا من أسرار الأرض التي لم ينفذ تحذيرات ابيه من اجلها، استخدم القاص المؤشر الفلاشبكي مزدوجة: ذاكرة مهدي العائدة الى صوت ابيه ووصاياه. وذاكرة الأرض الملتحمة من جوفها مع صلصال مهدي والتي يبثّها الراوية كخط بياني اتحدت فيه الشخصية مع الأرض. أما المعلن عن الدلالة المزدوجة، فهو الظرف الراهن الذي يوظفه الراوي ليعكس اللحظة المعاشة كاشفا عن أسرارها ايضا.
1 ــ النظرة المتبادلة للدلالة الازدواجية والمعاكسة من الشخصيتين (مهدي/الأثري):
“كان الأثريُ يرى مهدياً كإحدى المأثورات التي قذفتها التربةُ.”
“والفلاحُ يشاهد الرجل كحشرة دائبة التنقيب في جلده”.
“يتصور مهدي إن كل ذلك المهرجان قد تم لإنقاذ أرضه، واستخراج الأرواح الشريرة من باطنها، وجعل النخلات مزهرة، وإطلاق سراح الينابيع الصافية، وإلقاء الأصنام في محرقة”.
2 ــ تعرية الواقع المتلولب على الدلالة السابقة، وذلك من خلال ما انسرد بعد فعل:
“اعتاد أن تشق المعاولُ أجساد الحقول، وأن تنثر أمعاءها وأيديها عبر الفراغ الشاحب للزمن، وأن تحمل صناديق خاصة تلك الكنوز إلى ما وراء المدن والبحر، صانعة جنات ورافة لمن يحملونها ويبيعونها بعيداً وسراً.
اعتاد على ركض الرجال القرويين وتفتت أقدامهم قرب تلاله الدموية، وكم من مرة نزف وكتب ورقة ليستبدل أحدهم أرضه بقطعة ترابية ضائعة وسط البرية، أو ليحصل على ثمن لكفنه وجنازته”.
ويفضح القاص معاناة مهدي الذي اكتشف الآثار:
“لم تبق أية مدخرات في صرة زوجته، والأكل سينفد كله بعد أيام، والرسالة التي حملها دائراً بها على الوزارات والأقسام، تذوبُ من العرق والأختام، وهو حائر، متخثر الأعصاب، زائغ النظرات، في شوارع المدينة، يحضنه مصران قهوة ويلفظه باص مع الغازات/ والدخان/ لم يعد ثمة موطئ قدم لبرسيمه، وعريشه المفتوح صار جريداً ملقىً. وأبناؤه سحبهم من المدارس وغلغلهم في الأسواق والمحاجر والطقوس”.
بتلك الدلالة ينتقد القاص الواقع العربي، ويحمّل نصه ذاكرة أخيرة بمسرح اطيافها وهي تخرج من الجسد القصصي، بهيئة مشحونة بالحلم المضاف الى الرؤيا النازحة نحو الخرافة:
1ــ الجملة اللوحة: “تجمد على حائط شجرة، والقمر المكتمل المشتعل بدماء القرابين يصعد من الشرق” / “قرأ الآيات وعلق الاحجبة وبكي للحسين ووزع بقايا الأرغفة على العصافير غير أنه بقى ذلك السطر الموحش بين البرسيم والتراب”.
2ــ الجملة الممسرحة: “يتجول بين شواهد حريق، وأيد مرفوعة للقمر، وألسنة نارية مهولة تأتي من الفضاء وتنصب فوق الرؤوس، وتتعالى الصرخات وتتصادم الأجساد، وكرات الحمم تنقضُ فوق اللحم ويتصاعد البخور البشر.
الثيران تسير نحو بقعة ضوء ضائعة في السماء، والأبدانُ تنحلُ محروقة الجلد والروح، تصرخُ عبر الزمان، وصياحها يتخثر في الفخار”.
تمتزج متراكمات السرد في الجملتين (الجملة اللوحة والجملة الممسرحة) لتنتج أثرا سرياليا يملأ بياض النص بهالات سريعة الايقاع بين العالمين (الموضوعي المحمول على رؤيا العناصر الطبيعية وطريقة توظيفها سرديا) والذاتي: المتفاعل مع الرؤيا للموضوعي والمنعكس منها الى الذي لا يرى كعالم ثالث يتقنه «عبدالله خليفة» ويجعله هاربا من الشعرية الى تشكيلات المجهول، الى الشعرية.
إذن يكمن السر الجمالي للطاقة الابداعية في قدرتها على الانفلات من المحكي الى ما فوقه وذلك عبر دلالات الخلق غير الثابتة والمتعامقة في الثابت (الفضاء المكتوب).
في هاتين القصتين (طريق النبع/الأصنام) نتبين كيف نتجت تداخلات الزمكانية وكيف انشطرت الى ذاكرتين (أولى وأخيرة) وكيف تشابكت عناصرها الصاعدة، الهابطة، منتجة أثرها اللامتوقع العابر من الامكان الى اللاامكان ضمن شبكة النسيج المتصارعة والسريعة الانتقال والاختزال والمكاشفة.


تشخيص البياض في سواد قصص «جنون النخيل»
تتضافر الفضاءات الجمالية في تجربة الروائي والقاص «عبدالله خليفة» الذي يوظف مخيلته كإيقاع سردي تتشكل علاماته من علائق العناصر المستندة الى شعرية المقول، وعلى كثافة الجملة، وعلى تحويل الواقع الأرضي لبى واقع فني يختزل احداثه ويشابكها وينسلها من مكونات الشخوص وملامح المحيط، جاعلا من هذه الوحدات وحدة عضوية كبرى تميل بنيتها الى التفكيك الظاهر الذي يضمر في بنيته العميقة ترابطا وتماسكا نسقيا تتباعد فيه الذات الراوية لتلتقي في مسافاته التأويلية.
ميزة نجدها في سرديات «خليفة»: الضباب/أغنية الماء والنار/الهيرات/نشيد البحر/دهشة الساحر/جنون النخيل.
أضافة الى ذلك، فان سردية المقول تكمن في الكيفية التي تتناغم فيها حركة العلائق بين الظهور والاختفاء، بين الانقطاع والاتصال، بين درامية الخروج من الذاكرة والدخول في المخيلة، وبين الانجاز المحوّل لطرفي الخروج والدخول، وبين انسجام ايقاعات المونولوج والديالوج وزوايا رؤية الراوي.
هرموني ديناميكي يوجه محور رغبته نحو الارتقاء من (المتن المحكي) الى (المبنى المحكي) لماذا؟ لأنه يعي بأن للأبداع دورا فنيا يتجلى في (كيف أقول) وليس في (ماذا أقول) .. فالمعنى ملقاة في الطرقات كما قال يوما «الجاحظ» والمهم هو كيف نصوغها ونخلدها في اللغة.. لكن، ألم يفت «الجاحظ» شيئا؟.. أو لنتساءل بطريقة أخرى: هل كل المعاني ملقاة في الطرقات؟… لقد فات «الجاحظ» ذلك.. فهناك معان لا مرئية لا توجد في الطرقات ولا يمكن الوصول اليها الا ببصيرة وحدس مستبصرين لا يعرفان الجمود…
سنستنطق في قراءتنا هذه قصص «جنون النخيل»*** ذات الابناء غير التعاقبي الذي يقطع عناصره في بؤرة مزدوجة من الزمكانية والحلمية والاسترجاعية والحدثية الواضحة والمغّيبة.. حيث تتفاعل بنية القصة خادعة القارىء بتمحورها حول الحدث والشخصية.. لماذا لأنها توظف خداعها كعامل مكون من داخل النسيج لتجعله متمحورا معها حول دينامي الصراع العناصري الذي يستغوره القاص منتجا تلك الثنائية التبئيرية القائمة على (المفارقة) تبعا لــ«جيرار جنيت»:(كل مفارقة سردية يكون لها مدى مفارقة واتساع مفارقة، فمدى المفارقة هو المجال الفاصل بين نقطة انقطاع السرد، وبداية الأحداث المسترجعة أو المتوقعة.
يقول «جيرار جنيت» حول هذه النقطة بالذات:(ان مفارقة ما يمكنها أن تعود الى الماضي أو الى المستقبل وتكون قريبة أو بعيدة عن لحظة (الحاضر) أي عن لحظة القصة التي يتوقف فيها السرد من أجل أن يفسح المكان لتلك المفارقة. اننا نسمي (مدى المفارقة) هذه المسافة الزمنية، ويمكن للمفارقة أن تغطي هي نفسها مدة معينة كم القصة تطول أو تقصر، وهذه المدة هي ما نسميه (اتساع المفارقة) (1).
ما بين المدى والاتساع ينشأ عالم اشاري يعكس بناؤه الداخلي صورة متماسكة لانقطاعات البنية السطحية المنتشرة كحدث فيحدث وكمحكي حاضر غائب لا تجمع اشكالاته غير نقاط المفارقة على اعتبارها محكيا كاشفا تبث قنواته التضعيفات المتخيلة المنعزفة على نبرة تكثيفية تتجاوز بنيات المحكي الواقعي الى شبكة شعرية تتنامى فيها وجدانات وظلال العناصر السردية الأخرى.
ضمن هذا الفضاء البنائي تشرق مجموعة «جنون النخيل» مفتتحة وحدتها بقصة «بعد الانفجار» ومثقفة أبعاد الحياة والموت، الحلم والماضي واللحظة الحدثية عبر العناوين «الموت الأكثر من مرة واحدة/الاخوان/شهوة الدم/ياقوت/جنون النخيل/النوارس تغادر المدينة/رجب وأمينة/عند التلال/الأم والموت/النفق» ثم تختتم بنياتها وشخوصها السالبة والموجبة وطور اضاءاتها لتحركات الذات على الأرض، بقصتها الأخيرة «الميلاد» وبذلك تُكوّر المجموعة نصوصها بين حدين:
1ــ حد الموت «بعد الانفجار»
2 ــ حد الحياة «الميلاد».

تمفصلات الانكسار
تشترك انكسارات البنية الاجتماعية والنفسية والأخلاقية في تحريض آلية الانكسار الكرونولوجي: (من الحاضر الى الماضي) وفي تحريض آلية الانكسار الموروفولوجي (تمظهرات المكتوب النصي المجسد هنا بإقطاعات السرد على صعيدي الدال والمدلول).
ومن ثمَ تشترك آليتا الانكسار الكرونولوجي والموروفولوجي في انتاج زمنية السرد كثنائية تتمفصل ذاكرتها الحاضرة مع ذكراتها الارتدادية ولا تنفك الا لتضيء المقصدية المتخفية المتشعبة الى:
1 ــ غاية تعرية البنية الاجتماعية المتجلية في القصص «الاخوان/ياقوت/النوارس تغادر المدينة/الميلاد/بعد الانفجار».
2 ــ غاية تعرية البنية النفسية الممثلة في قصة «الموت لأكثر من مرة واحدة» وقصة «شهوة الدم».
3 ــ غاية الكشف عن مستوى البنية الأخلاقية، وتعكسها قصة «رجب وأمينة» وقصة «عند التلال» وقصة «النفق» ولا تنفصل هذه الغايات الا نظريا كونها متشابكة في جميع النصوص.
كنموذج لهذه التمفصلات سنناقش قصة «عند التلال» المبدوءة بوصف جمالي خلاق تبعا لــ«آلان روب غرييه» وبوصف جمالي تبعا لــ«جيرار جنيت» حيث تتعدد المعاني في الجملة المفتتح التي بإمكاننا اعتبارها جملة مشهدية تختزل محور العنوان «التلال» كمكانية محيطة بالشخصية: “تمتد وراءه التلال بحرا من الموجات الكبيرة المتجمدة” ص(91)، ولا يتوقف ايقاع الجملة الا بعدما يأخذ فعل “تمتد” زمكانيته النصية: (الطريق/الظلمات): “يتوارى خلف احداها رابضا على الأرض، محدقا في الطريق الضيق الملتوي، الذي امتلأ بالظلمات”. ثم يصبح الايقاع أكثر وضوحا وهو يكشف عن غاية وجود الشخصية في هذا المكان: “الرجل الذي ينتظره، لابد وأن يمر هذا الدرب، وأن تندفع سيارته بين الحصى والرمل والحفر، متوجهة الى فيلته الكبيرة في الخلاء الواسع”.
من هذه الجملة المشهدية تعبر مسافة المكان ومسافة الزمان الى المسافة النفسية لشخصية «محسن»: (الانتظار) الذي يظهر مسلحا بحافز (المسدس) الذي يستكمل وظيفته على مرحلتين:
1 ــ الوظيفة الفعلية التي تتم في نهاية السرد.
2 ــ الوظيفة الاشارية التي تستدرج البطل الى ذاته “المسدس يكهرب جسمه كله، رائحة رصاصة التي لم تنطلق بعد، وتضاريسه المعدنية المسنونة، وانفجاره المرتقب، تلتهم تفاصيل ذاته، وتغدو مثل نهر متدفق على المزارع والسهول”.
ومع تدفق الذات المرموز اليها بــ (النهر) ينقطع زمن السرد عن لحظته ليدخل في (المفارقة) منعطفا الى الوراء، الى ذاكرة الشخصية المنقسمة الى ذاكرة للماضي الذاتي وللماضي المكاني، فيتحول انجاز الجملة المشهدية الى مرآة عاكسة للقاتم من خفايا البطل، وذلك من موقع الراوي العارف بكل شيء (الراوي) الشخصية الحكائية (الرؤية من الخلف) .Vision Por Derriere وينتقل الراوي «عبدالله خليفة» الى الأحداث المسترجعة ليجعلها تستغرق بعدا زمنيا يمتد من لحظة ظهور الشخصية في النص الى لحظة طفولتها وسلوكاتها مع “الرجل الذي تنتظره الآن الذي كان صديقها” ويتحقق هذا الانتقال عن طريق تنوعات الوصف: (التمهيدي/التوضيحي والتفسيري/الخلاّق): “كان دائما قرب هذه التلال، هذه الدوائر الكبيرة من الرمل والحجر/ حين كان طفلا كانت أول ما واجهه، مثل السماء والحكايات والقدر/ وكان الذي ينتظره الآن، ومجهز له الرصاص، هو صديقه الدائم في اللعب فوقها” وبعدما تضعنا حركات الوصف في منطقة ملامح الشخصيتين وسلوكاتهما، تبرز ملامح الذاكرة عن طريق سؤال يفتتح المجال الغائب من الأحداث على مجال الحضور: “كيف سارت بهما الحياة حتى افترقا، وتخاصما، وتقاتلا؟”. وينزاح المحكي الى تبيان سبب النزاع، عائدا الى محوره المكاني “التلال” كحفرة توترية تجتمع فيها مكونات الصراع، وتنتشر منها على جسد القصة، كما ان هذه الفجوة، من ناحية ثانية، شكلت حقل توليد لحدث الذاكرة الذاتية والذاكرة الآنية وحدث الذاكرة المكانية، ومن هذا الحق تكونت ذاكرة النص المتحركة بين الأغراب وشخصية «زاهر» وآثار البشر القدامي المدفونة تحت تلك التلال، حيث أصبح «زاهر» يبيعها للأغراب سرا، فيهربها هؤلاء من هذه القرية ــ الوطن. “كان ثمة بشر قدامي هنا. أسرفوا في الملذات والخطايا، لم يردعهم شيء، وجاءتهم بينات. فما اتعظوا ولا تابوا، فنزلت عليهم الصواعق من السماء، فهلكوا في بيوتهم التي تحولت الى تلال من الحجر والعظام”.
مشهدية تسبر في الزمن وتضيف امتدادا غوريا لزمن القصة جاعلة منه ذاكرة مكانية تخفي في بنيتها مؤشرا نذيرا يقبل الاسقاط على زمنيتنا الراهنة بكل صعدها الحياتية.. ولا تلبث حركة انتشال حدث من حدث، ذاكرة من ذاكرة ان تنعطف بلغتها نحو حواس ومشاعر الشخصيتين «محسن/زاهر» موضحة الفروق التي بينهما: “وقد أصيب هو ــ المقصود «محسن» ــ برعدات مخيفة، حين طالع احشاء الأمهات المتفتتة والمهترئة والحاضنة للأجنة، ومن الجماجم المذعورة..
وكأنه ينصت حينئذ لتلك الصواعق السماوية الضارية، وهي تدك الفضاء، وتميد بالأرض..
لكن «زاهر» لم يكن يسمع الانفجارات الالهية العلوية، ولا صرخات المنابر، بل يحدق مذهولا في الصناديق الممتلئة بالقطع الثمينة، ويحملها ببطء الى سيارة الأغراب”.
وتتنافر سلوكات الشخصيتين بشكل متواز مع تغيرات البنية الاجتماعية والعمرانية مع تغيرات منحنى الأخلاق وتدنيه حتى اختراقه لحرمات الأموات: “التلال راحت تذوب في التدفق المحموم للمنازل، بطونها تبقر، وثرواتها تختفي في الجيوب والعروق والأرواح.. أسنان الموتى تتألق في الأحياء، وأزرتهم وحليهم تسطع في الصدور والصور. غابة التلال المترامية حتى الأفق اللامنظور تكتسح بالأزاميل والمجارف والتراكتورات العملاقة.. الرجال يقودون الآلات وهي تحصد الرمل والحجر والعبرة. والبيوت الملونة الملعونة تنبت فوق القبور، وتحتل قاعات وأسرّة المصعوقين”.
وتستمر انكسارات البنى والنفوس المتسترة بــ(الايمان)، وتمثلها شخصية «زاهر»: “يصيح في الناس: عم الكفر والفساد”، وتظهر نغمة حوارية سريعة بين الشخصيتين، فيها يدعو «زاهر» البطل «محسن» الى التفاوض، وحين يرفض ذلك، يهينه وتبدأ بينهما الشتائم، وبعدها يكشف محسن حقيقة زاهر “أنت فتحت قبور الكفار ونهبت منازل المؤمنين” تتجه بنية القص إلى تقنية (الحلم) لتنجز مفارقة مستقبلية ينقطع فيها زمن الذاكرة ويبدأ منها زمن المخيلة كمفاعل كاشف لما سيحدث “وبدت رؤى غريبة تراوده في المنام، فيجد نفسه في دوحة غناء، وبغتة يملأها حريق عات، وتتحول الأشجار الى أعود ودخان.. ويسمع أصواتا تناديه من بعيد، وثمة رجل يدعوه الى ملاقاته في البرية، ويجد شبحا هناك يدعوه الى دخول مغارة. وحين دخل فيها تساقطت عليه أحجار، لكنه نجا بأعجوبة”. يتعامد منصوص هذا الحلم مع مجال حلمي آخر، التبست فيه أزمنة الذاكرة وتكثفت فيه أنسجة النص، مما يجعلنا نعتبره فجوة توترية مقابلة لفجوة التوتر المكاني، أيضا، لنا أن نعتبر هذا المجال ــ الفجوة: الجملة ــ الصورة، ذات الحيوية المتناغمة التي ينقطع في آخرها المحكي الذاكراتي والمحكي الحلمي، ليتصل بانقطاعه الأول الذي ابتدأت منه القصة لحظتها الحاضرة السابقة للمفارقة الاسترجاعية الأولى: “ومنذ تلك اللحظة راح حلمه الأخير يتجدد في كل ليلة. ذاك الملاك البهي كان يهمس في قلبه بغمغمة غريبة. كانت القبور تتفتح، وتظهر الهياكل المحروقة بالزمن، وومضات البشر فراشات عصور ذائبة في التنور، يجد ثقبا في صدره، ويرى نفسه يترنح في الهوة وينهال عليه التراب، ويذوب، ويداه ترتفعان بين الرمل سياجا أو غصنا” وتبدأ بذلك المفارقة الأخيرة بقصة، حيث يلتئم السرد المتقطع راجعا الى لحظته الحاضرة الموزعة على ثلاث مسافات “الطريق/الظلمات/الانتظار”، فتنبثق سيارة «زاهر» ويطلق «محسن» الرصاص، الا أن الموت يعبر من حلم محسن الى جسده: “يده تمسك الآلة الباردة. يطلق النار وهو يكبّر، لكن رصاصاته لا تثقب الحديد ولا الزجاج… تندفع اليه ــ طبعا السيارة ــ وجسدها الساخن يحضنه بقسوة ويوغله في شقوق التل وحفره”. ص(98).
الملاحظ ان الشخصية الاسنادية «زاهر» توازت من حيث الفاعلية مع الشخصية الرئيسة «محسن» رغم بروزها الغالب من ذاكرة البطل.
من التكثيف كأوالية أسية، وكمركز لدوائر الايقاع السردي تنبثق شبكة رموز ظاهرة ومستمرة، هي بدورها تتمتع بوظيفة فنية لا يتقنها الا المبدع. تشكل شبكة الرموز في قصص «جنون النخيل» خلفية فاعلة تتحرك مع آثار البنية من السطح الى العمق إلى علائق النص، منشطة بذلك أولية التكثيف بعلاماتها وشخوصها وحواراتها وتقاطعات بنياتها واتصالاتها، ويتم ايقاع التنشيط الرمزي عن طريق تحويل داخلي تتشابه فيه ملامح العلاقات حيط وبعد جوّاني وغايات ومقاصد تمثلها (كرموز ظاهرة) بعض شخوص القصص التي تنتج سلوكياتها ضمن بوتقة مجازية أشبه بالمرايا المتعاكسة، وتنقسم هذه (الرموز ــ الشخوص) الى فئتين:
(1) فئة السلوك غير الطبيعي، الاستغلالي، الظالم، الخائن، الخ.. في هذا التموضع اللاأخلاقي نجد تحويلية العلاقة «كمال» في قصة «بعد الانفجار» تتفرع إلى عدة شخوص:
1ــ «حبيب» في قصة «الاخوان».
2ــ «الملك» في قصة «شهوة الدم».
3ــ «خالد» في قصة «ياقوت».
4ــ بطل قصة «جنون النخيل» المنسرد بضمير الغائب (هو).
5ــ «ظبية» ثم «أمينة» في قصة «رجب وأمينة».
6ــ «زاهر» في قصة «عند التلال».
7ــ (امرأة المستنقع) في قصة «الأم والموت».
8ــ (لشخص الآمر ــ المعتم اللانهائي) في قصة «النفق».
(2) فئة السلوك النقيض لشخوص الفئة الاولى، وهي غاليا ما تكون العلامة الموازية لها، بحيث ينتج الصراع بكل تقلباته وفضاءاته درامية المحكيين:(الواقعي) و(الفني):
1ــ «حسن» في قصة «بعد الانفجار».
2ــ «جعفر» في قصة «الأخوان».
3ــ (الطبيب/الفتاة/الخدم/البستانيين/المارة/جميع ناس المملكة) في قصة «شهوة الدم».
4ــ «ياقوت» في قصة «ياقوت».
5ــ (الرجل العجوز/النساء الثلاث/النخيل/الأرض) في قصة «جنون النخيل».
6ــ «رجب» في قصة «رجب وأمينة».
7ــ «محسن» في قصة «عند التلال».
8ــ (سكان العدامة) في قصة «الأم والموت».
9ــ (كائن النفق) في قصة « النفق».
وهناك شخصية قصة «الموت لأكثر من مرة» التي تعاني من ازدواج الفئتين فهي (ظالمة) و(مظلومة) في آن معا.
أما بالنسبة الى الرموز المستترة، فاننا نتبينها من خلال ايحاءات علاماتية يجسدها تغير الحياة الخارجي المؤثر في البنية النفسية للانسان، وذلك في قصة «النوارس تغادر المدينة»: “تبدل كل شيء فجأة. لم يعد جسده له. عظامه تصرصر فوق الخشب، وبصره اضمحل وغدا الشاطئ بعيداً، كله صخور وآلات وأبنية حادة، وتشكلت مزبلة ومقبرة كبيرة من الورق والخشب والنوارس النافقة والقار وملابس الموتى، والمتسكعين الغرباء، والمدمنين الذين يفاجئونه في عوداته المسائية سارقين صيده!” ص 71.
وتجسده شهوة العنف والطغيان والسواد والخمرة في قصة «شهوة الدم» كما يجسد هذه الرموز الاستتارية (النفاق والخداع والكذب) ومحمولات هذه المداليل على الدوال: (صاحب المجلة/النساء/الرجال/ظروف/الكاتب) في قصة «الميلاد»: “مدير مجلة ذو وجه صالح لكل الفصول والأغلفة، وفتاة جميلة وضعت قدميها المشتعلتين ضياء وفتنة أمام وجهه، ونصف دستة من الرجال المعتقين في تفتيت اللغة ولحوم الخراف، وثلاث سيدات مرحات يبعدن أبدا الخريف” ص 117.
تتركب هذه الرموز بنوعيها (الظاهرة) و(الخفية) منجزة تفاعلها الصراعي في القصص. وبناء على هذا التحليل بمكننا اعتبارها (فجوة توترية لا مرئية) تساهم في ارتفاع ايقاع السرد، وتمنحه حقلا تأويليا يتداخل مع الحقول الأخرى.
تتخذ مرايا الترميز ظهورات سردية متعددة كالمشهدية مثلا قصة «الاخوان» وكالمسرحية، مثلا قصة «الموت لأكثر من مرة واحدة» وكالخرافة، مثلا العناوين: (النفق/شهوة الدم/جنون النخيل/الأم والموت). التي تجنح فيها المخيلة الى تفكيك ظلال اللحظة الكتوبة، وتركيبها في آنساق لا مألوفة تنجز فضاءاتها المختلفة (الزمكانية) الدلالية/المنظورية/النفسية) كوحدة يتعدد فيها المقول السردي، فهو يظهر كحيرة للمعاش ترتفع إلى أقصى امكاناتها في تقزيم الكائن وتوسيع المعتم في قصة «النفق»، وهي تبرز كسرد من سرد في قصة «الأم والموت» بحيث يصبح النسيج الحاكي جزءا من الذاكرة المحكية وتتصاعد دائرة المعاش، لتعبر طور المتغيرات، متحولة الى حلم يحول أبعاده الى تجسيد فعلي ــ رمزي في قصة «النوارس تغادر المدينة»: “الأرض تتقلقل، والعلبة الخشبية تهتز، وتتصدع، والنوارس تصطدم بالجدران، تقضمها أسياخ الحديد، والعجلات، ويغفو رائياً نفسه فتىً يجدف في الماء، وسحابات بيض تفتتُ المرئيات، ويتحول إلى طائر يصفق بجناحيه في فضاء غريب مرير” ص 72.
تغترب اللحظة المدونة كاغتراب الوجدانات والقيم والبراءة والحلم والموت والحياة، وأيضا تغترب الأرض.. لكن اغتراب الأرض عن الأرض لا يعرف السكون والخضوع والذل، ولا يجهل كيف يفعل أرواحه، فيزلزلها، ويعلو مع مكنوناتها متصادما كالرموز، وهذا ما تنبني عليه قصة «جنون النخيل» المنتسجة عبر اربعة مقاطع يتقطع فيها السرد مستندا الى (المفارقة السبقية) المتنقلة من حدثية اللحظة الماضية ثم العودة الى حدثية اللحظة الحاضرة التي تنختم فيها القصة.
ينبني محكي النص على انقطاع توليدي الأحداث، تحكمة زاوية الرؤية من خلف، وتسرده محكيات خرافية، وذاكرة اسطورية، يرويها القاص «عبدالله خليفة» مسقطا فاعليتها الشكلية على شخصية البطل (ضمير الغائب: هو)، ومستبدلا هذا البطل بشخصية رئيسة أخرى مستترة، وهي (النخيل) كرمز يتحرك في البنيتين: السطحية والعمقى، متملصا من ميكانيزماتها الى مكوناته الفجوية لحظة الانفجار والزلزلة.
تبدأ القصة بوصف اشاري للزمكانية، يشبع حواسها بحدث غائب، يحصر عبر مؤشرات الخراب (الليل/السمك الميت/الأشباح الساكنة/الرماد المنتشر/الغبار/الصمت المفاجئ/انقطاع أصوات المغنين/سقوط أو هروب الموجودين حول بركة السباحة/رجرجة الموج/البحر الغاضب/الرمل المهاجم/حركة الموت وهي تتناوب على المباني والشخوص) وينتهي المقطع الأول باستفهام “ماذا يجري/هل أدت عاصفة البحر والرمال إلى سقوط المباني؟ ما هي تلك الكتل المخيفة التي تتحرك في الظلام؟” ص 60.
ويأتي المطقع الثاني كفاصل فلاشباكي، يرتد فيها وقع القص إلى الخلف، حيث يستريح توتر المقطع الأول في تلك النقطة التي تسبق حدوثه، فيصف لنا الراوي محيط وأجواء وبيئة وسلوكيات الشخصية اللاهثة وراء المال والخراب والفسق وقطع الأشجار: “وهو على طاولته الباذخة، يأكل الاهتزازات البيضاء الأخيرة للسرطانات، ويسبح مع نافورة النبيذ بين النجوم والعيون.
كان مرتعشاً من الطقس والبورصة الرصينة.
جرتهُ شقراءُ إلى حلبة الرقص، ودغدغته بغدائرها ونسائمها، لكنه وزع ابتساماته على جميع الغزالات، وصعد إلى جناحه في الطابق العاشر، وأبصر الساحل والبحر والبرية الممتدة، وغابة الأشجار الغريبة التي أحضرها من القارات الخمس، فبدت تُحيط بالأبنية مثل القبعة الخضراء الكبيرة.
أرتمى على السرير، والجدران كلها سكرى بالموسيقى الخافتة / ورمى الأعشاش في المزابل، وأطلق أسنان المناشير في لحم الشجر”.
وينقطع الفضاء الزمني مبتعدا الى رمزه البطل (النخيل) الذي ينكتب كسيرة للشجر والأرض وروح الجذور، حيث يتماوج السرد من محكيه الواقعي الى محكيه الخرافي مضاعفا علائق التواصل في شبكة الرمز وابعاده الزمكانية، موسعا الانزياح بين الدال والمدلول، ومفاعلا هذا المجال مع المعامل المخيلتي: “كانت النخيل ذوات وجوه آدمية، متكلمة، متجهمة، تتغلغل جذوعها في مياه البحر، وتبدو كقطيع واسع من المردة المحبوسين”، ويبدأ الرمز عبر التشخيص النصي في الدخول الى ملامحه الغريبة، فيتحول إلى ذاكرة زمنية قديمة مرتبطة بــ(آدم)، فيها من الأحلام مثلما فيها من القوة الخارقة، والطاقة اللامألوفة.. وكل هذه التحولات تبرز في المتن عن طريق مقول (الفلاح العجوز) صاح حقل النخل الذي اشترته الشخصية الشكلية بعدما ارشدتها اليه ثلاث نسوة ملفعات بالسواد.. “
“حكى له العجوز قصصاً انتشرت مثل الأحلام في حضرة النخل المتنفس عصافير ونسمات.
زعم أنه نخل عتيق، يعود غرسه إلى آدم. كانت نواة أولى من بلح وحشي ألقاها في المياه، وكان البحر وقتذاك يملأ كل هذه الأرض، فراحت النخيل تصنع اليابسة، وينتشر طلعها فوق البحر، فيبزغ البشر والزهر والثمر” ص 62.
وتتكاثر طاقة النخيل بدهشة وسحر بعدها يوحي بها السرد وكأنها الأصل البدئي لوجود الكائنات.. يجن النخيل متدفقات بخيراته وعذقه، مستتبعا ذلك تدفق المال في جيب البطل، فتزداد ثروته ومبانيه وشاحناته وخدمه وخزائنه.
وحين انتشر النخيل كغابة جهنمية تتوحش ممتدة في كل مكان، يعزم صاحبها على ابادتها: “، ثم راحت أسنان الحديد الشرهة تنكسر، وتتفجر أسلاك الكهرباء بغتة وتنطفئ، ويُصاب العمال بنوبات صرع ودوار، فيرون في الليل مشاهد أقنعة تتكلم وثلاث ساحرات يخترقن السماء”. وتتجلى بذلك اسباب حدث بداية القصة، فتتلاشى العلائق الفاصلة بين المحكيات المتنوعة، لتحل محلها مدارات تتصل، لكن ضمن علائق تتقطع كمفارفات جزئية تشكل مفارقة كبرى هي بدورها صدى لمفارقة اللحظتين (الحاضرة) و(الماضية)، وبامكاننا تقسيم هذه (المفارقة الصدى) أو (المفارقة الظل) الى:
1 ــ أثر الابادة المتمشهد مثل لوحة اطرت الرمز واعادته الى سيرته الأولى، رابطة بين )الكآبة( كإنذار وبين )الحدث الدراماتيكي الأول(: “لكن الإبادة كانت كبيرة، وأُرجع النخل إلى دائرته المحصورة بين البحر والساحل، وبدت الجذور الضخمة المقطوعة مثل أفاع هائلة، وحبال سرة للأرض متفجرة بالدم والرماد، وغدت أعشاش الطيور مثل منازل مهروسة، وغاص المشهد البحري في رمل منتشٍ، وتلفع البحر بغلالة من الزيت المشتعل، وجاء ضوء النجوم ككحل في عين عجوز”.
2 ــ الأثر المتولد عن أثر الابادة المنعكس عبر بوتقتين: الأولى: بوتقة تغيرات الفضاء الجغرافي، والمناخي ومنتوجها: (الاضطرابات الطبيعية ــ الطبيعية). والثانية: بوتقة الاستعادة التي تسبح فيها ذاكرة الشخصية: “ظهرت له أيام صباه مثل عربة من نور تسير نحو القمر، ومذاق كسرات الخبز اليابسة في الحقول مثل الشهد. وتضخمت الكآبة حتى غدت أيامه زجاجات ممتلئة ففارغة، واعتزم أن يستشير الأطباء فلم يفهموه حتى راح يقدم في الليالي الدامسة النذور والابتهالات إلى النخيل المنزوي والصامت في البحر”.
3 ــ أثر اللاوعي المتمثل بـ(الحلم) وتجسيده لما سيحدث عن طريق رموز تستعيدها ذاكرة النص، وتوظفها ضمن نسقية جديدة، غائيتها الكشف عن اللحظة الحديثة، وتتشابك هذه الرموز فيما بينها، ولا تطفو الا من خلال الرموز ذاتها: (الرجل العجوز/الرؤوس المطبوخة/الرؤوس المقطوعة/النسوة الثلاث): “ورأى فيما يرى النائم، الرجل العجوز يتقدم إليه، وهو يحملُ قدراً مليئاً بالرؤوس المطبوخة. صاح به: أنقذني! فلم يهتم به. وراحت الرؤوس المقطوعة تحدق فيه ثم تتكلم. قال العجوز: ستأتيك نذري. وكررها ثلاثاً حتى ذاب في البخار الساخن اللافح”.
وتمر على الحلم ايام، حين يخبره المهندس الشاب عن تشقق الأرض، لكنه لم يهتم بكلامه ويصرفه من الخدمة.
وبعدها تحدث هزة عنيفة، ثم تهدأ، وفجأة يتذكر الحلم، ينطلق الى البرية، لكنه “وعندما عاد رأى الرجل العجوز والنسوة الثلاث ذوات الأردية القاتمة، زبائنَ في الفندق، فسجد شاكراً”.
4ــ أثر (الحدث) الذي حدث ولم يحدث، وتمثله عناصر (أثر الحلم) التي تحضر بين (الهجس) و(الخوف) كبعد احتمالي يتسرب من الوجود الى الغياب، ومن الغياب الى الوجود مصطدما بقابلية الشهور وبعدم الظهور، نازحا بحركيته تلك الى تكوين خرافي ينتهي به المقطع الثالث: “هناك لحظات من الهجس والخوف والذهول تكتنفه. فالزجاجات صارت هواءً، والشاشات تصاب بالإغماء، وثمة نسوة يمشين في الفضاء، ولا أحد يتكلم من النزلاء، وينزل ثلج في القاعة الكبرى، فيندفع إلى الكشف باحثاً عن اسم الرجل العجوز وهويات نسائه الثلاث، فلا يجد لهم أثراً، وينكر الموظفون وجودهم..!”.
وتجتمع هذه الاثار في نقطة اتصال المفارقة الكلية، حيث يعود البناء السردي الى لحظته الحاضرة، والى مكانته الأولى (الفندق) والى (الحدث المحوري) الذي أزاح ضباب الدلالات، ليتحول من حيزه الغائم الى حيزه الواضح، وذلك بعد حدوث الزلزلة وتمرد النخيل والأرض وانبثاق الحلم: “والآن هو في غرفته محاصر بالأشباح والضجة. وانطفأت هواتفه ولم تعد سوى الظلمة والريح مطبقتين على الأشياء، والمصباح اليدوي الذي بحث عنه، لم يجده.
تحسس طريقه وعثر على الباب. نادى الخدم فسمع جرياً وتصادماً، ورأى السيارات في الأسفل كالحشرات تمد خرطومين من الضوء، ثم تفر هاربة.
المصعد توقف، والحرارة خانقة، والريح تصفع الأبنية بالتراب، وعليه أن ينزل سلم الطوارئ بين أكداس الأحذية والمصابين والأشياء”.
وتستمر فاعلية الرمز (النخيل) منفتحة على بداية القصة، عن طريق آليتها الفنية صورتين لتركيب العناصر تتداخل وحداتهما كمسننات الحدث الغائب الحاضر: صورة المبنى المتقطع القائم على (المفارقة)، وصورة المبنى التكويري، المبدوءة من خاتمته: “ترنح، ولم يسقط، شاعراً بضربة مؤلمة على ظهره، ثم جاءت هزة مدوية، أخرى، وبحلق في الفضاء مرعوباً، كانت النخيل تنقذف في الريح والغبار والنار وتصطك بالجدران”.
هكذا تنبثق انزياحات السرد من ايقاعاها السري تاركة في قصص «جنون النخيل» لحظة ابداعية تكتب حالتها وظلالها في اللامكتوب المتنامي عبر حداثة التشكل والتجريد ومرايا الجمع الاشكالي المتعاكسة في تمفصلات تقنية توظيف الرمز والحلم والذاكرة والمخيلة والأصوات: (صوت الراوي/صوت المونولوغ/صوت الديالوغ/صوت الايقاع المحكي/صوت وصدى المفارقة)، المنبجسة جميعها من أوالية التكثيف الشعري.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* شاعرة سوريا
** دهشة الساحر/قصص/ط 1/عدد الصفحات 93/دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية 1997.
(القصص: طريق النبع ـــ الأصنام ـــ الليل والنهار ـــ الأميرة والصعلوك ـــ الترانيم ـــ دهشة الساحر ـــ الصحراء ـــ الجبل البعيد ـــ الأحفاد ـــ نجمة الصباح).
*** جنون النخيل/قصص/ط 1/عدد الصفحات 126 /دار شرقيات، القاهرة 1998.
(القصص: بعد الانفجار ــ الموت لأكثر من مرة واحدة! ــ الإخوان ــ شهوة الدم ــ ياقوت ــ جنون النخيل ــ النوارس تغادر المدينة ــ رجب وأمينة ــ عند التلال ــ الأم والموت ــ النفق ــ ميلاد) .
المراجع:
(1)ـ د. حميد لحمداني/بنية النص السردي/ط2/ 1993/المركز الثقافي العربي/ص 74.

 كتب غالية خوجة

811459586767

بيان حزب توده إيرانبيان حزب توده إيران2026-01-11عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
عبـــــــدالله خلــــــــيفة : حـــواراتعبـــــــدالله خلــــــــيفة : حـــوارات2021-01-20عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
لينين و مغــــــــامرةُ الاشتراكيةِلينين و مغــــــــامرةُ الاشتراكيةِ2021-10-04عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

المنامة وثقافة التألق!

                                    المنامة وثقافة التألق!

ان كل عواصم الدنيا في بهاء خصوصية سمة تألقها الثقافي وقد تألقت عاصمة مملكة البحرين (المنامة) تألقا ثقافيا مميزا ليلة تكريم ابنها الوطني البار عبـــــــدالله خلــــــــيفة‏‏‏‏‏‏.
وفي الثقافة يختلف المختلفون الا ان الود الثقافي بينهم لا يفسد لهم قضية وكان الاختلاف في وجهات النظر الثقافية تتشكل عند هذا وذاك وهذه وتلك (…) الا ان الوعي الثقافي الوطني للبحرين ما وحدهم في رؤى ومواقف وأدب عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏الذي استوى وتنمط بأدبيات الثقافة الماركسية اللينينية وكان عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏قابضا على جمر الوطن في مسيرة حياته الفكرية والثقافية وكان يمثل روح تمرد الوعي الانساني في حركة اليسار .
ان خصوصية عاصمة ثقافة مملكة البحرين (المنامة) في خصوصية ثقافة وطنية مثقفيها اكانوا من الذين يغردون في سرب اليسار او من الذين يغردون خارج سرب اليسار وكانت الثقافة الوطنية في يسارية واممية الروائي الكبير عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏هي التي وحدتهم وهي التي دعتهم الى تكريمه ليلة 30 ديسمبر 2014.
ان الثقافة الوطنية التنويرية هي النقيض الابدي لثقافة الظلام والظلاميين من مرتزقه الطائفية في ثقافة الشيخ عيسى قاسم المكرسة في سياسة جمعية الوفاق الاسلامية ومن والاها في (وعد) و(التقدمي) وفلول البعثيين وكان عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏في وعيه الثقافي الوطني الماركسي الاممي قد ادرك دون غيره مبكرا هذه المخاطر الطائفية وكان في طليعة مناهضيها والمحذرين على الى ابعاد مخاطرها في شق الوحدة الوطنية البحرينية (…)
ان من خصائص سمة التألق الثقافي في (المنامة) عاصمة مملكة البحرين ان نرى وعلى مدى سنين طويلة جريدة (اخبار الخليج) تحتضن بدفء عموداً ثقافيا وفكريا ونقدا ادبيا متألقا لـعبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏وهو يصرخ وطنيا في وجه الظلام والطائفية: بالعلمانية واليسارية الماركسية! وهذه هي سمة الحرية والديمقراطية في سمة عاصمة البحرين الثقافية (المنامة) وهي سمة تشكل مفخرة الثقافة الانسانية التقدمية المستنيرة في مملكة البحرين وكان بودي ان اصوب شيئا في الكلمة الجميلة التي القاها رئيس تحرير جريد (اخبار الخليج) الاستاذ انور عبدالرحمن: اذ قال لغطا عن الراحل انه ماركسي وليس شيوعيا وانه ليس من الدقة فصل الماركسية عن الشيوعية من واقع ان الماركسية هي النظرية للشيوعية .
ان الاشادة الجميلة بالثقافة التنويرية اليسارية في انشطة عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏الثقافية والادبية والروائية رغم الاختلاف في المواقف والمبادئ ما يشكل هذا الجامع الثقافي الوطني التنويري في السمة الثقافية لعاصمة مملكة البحرين (المنامة)
ولقد كان لموقف الاستاذ انور عبدالرحمن رئيس تحرير جريدة (اخبار الخليج) تجاه راحل الثقافة البحرينية التنويرية عبـــــــدالله خلــــــــيفة‏‏‏‏‏‏: موقف شموخ نبيل وكرم وعي انساني وتقدير وطني تجاه الثقافة التنويرية في ادب عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏اذ انهى كلمته الجميلة في التكريم قائلا: «وفي الواقع نحن في اخبار الخليج كنا دائما نقدر قلم الاستاذ عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏وكنا نسمح له بأكبر مساحة من حرية التعبير لطرح آرائه وافكاره لأننا كنا على ثقة في انتمائه الى المدرسة العقلانية وانحيازه التدريجي في التطور والتقدم الى الامام».
الا اني ازعم ان الاستاذ انور عبدالرحمن يقع في ذات التعابير البغيضة مثل: «الشيوعية الغوغائية» التي تكرسها الادبيات المضادة والتي لا تمت الى الثقافة الوطنية التنويرية بشيء والتي كان يرفع رايتها عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏خفاقة عالية على ارض الوطن! ان الماركسية هي النقيض الجوهري للاساليب الغوغائية المغرضة ضد الثقافة التنويرية ولم تكن للماركسية مدارس متعددة ترتبط باسم العواصم في بلدان العالم كما يطيب للاستاذ انور عبدالرحمن ان يرى ان عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏ينتمى الى المدرسة الماركسية الانجليزية! ان خبطا عشوائيا في الماركسية تنامى في كلمة الاستاذ انور عبدالرحمن.. ان المدرسة الماركسية هي ذات ماركسية كارل ماركس التي تنتمي اليها جحافل واسعة من المثقفين والعمال والفلاحين المضطهدين على وجه الارض وكان الراحل الكبير عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏ابنا وطنيا وامميا مخلصا بارا لأفكار كارل ماركس وقد انتمى مبكراً الى جبهة التحرير الوطني في البحرين واعتقل في زمن قانون امن الدولة سيء الصيت وادخل السجن بسبب انتمائه للأفكار الماركسية الشيوعية! لا كما يرى الاستاذ الفاضل انور عبدالرحمن ان عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏لم ينتمِ الى الافكار الشيوعية التي تغرف افكار انشطتها السياسية الثقافية من الماركسية اللينينية وما كان عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏انتقائيا في قراءة مواقفه السياسية الفكرية كما يرى الاستاذ انور عبدالرحمن فالانتقائية عين الانتهازية .
لقد كان عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏فكرا وقلما وادبا في عين الواقعية الاشتراكية وتجلياتها في الصراع الطبقي ضمن المسارات التاريخية على وجه الارض فالراحل الكبير عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏هو نسيج وحده في تجلياته الابداعية والفكرية ارتباطا ثقافيا واعيا في ثقافة النهج المادي التاريخي الجدلي في الطبيعة والفكر والمجتمع وخلاف ذلك لا يمكن ان يلتئم بحقيقة عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏الفكرية والثقافية والسياسية.
اسحاق الشيخ يعقوب
الايام 8/1/2015
theme2

كانت الكلمات عاجزة عن البوح

   في ليلة تكريم الروائي والأديب عبدالله خليفة كانت الكلمات عاجزة عن البوح صادقة في شوقها لأديب كان له أثر الغمام في هطول المطر

   جمع كبير شهده مركز عبدالرحمن كانو الثقافي مساء الثلاثاء الماضي احتفاء بتكريم رائد الرواية العربية والكاتب العصامي عبد الله خليفة، في امسية تجلت فيها كل المشاعر الجياشة التي حملها المنتدون لخليفة الأديب والإنسان، عبر ليلة كرم فيها الراحل خليفة برعاية كبيرة من قبل «دار اخبار الخليج للنشر والتوزيع» وبتنظيم عملت عليه اسرة الأدباء والكتاب ومركز عبد الرحمن كانو الثقافي قبل رحيله، ولكن القدر وإرادة الله كان اقوى حيث ذهب الراحل قبل أن يشهد تكريمه.
كانت ليلة انصبت فيها كل المشاعر المحبة لخليفة عبر كلمات قيلت في حقه مستذكرة إنجازه الكبير الذي تجاوز الأربعين عاماً من العطاء الأدبي والفكري.
وعبر وقفة حداد من قبل الحاضرين بدأت الأمسية التي كان يديرها الفنان القدير عبد الله يوسف، الذي استذكر علاقته بخليفة منذ اصدر الراحل مجموعته القصصية الأولى «لحن الشتاء» قائلاً: أعود بالذاكرة الى تلك السنوات البعيدة التي كلفتني فيها «مكتبة دار الغد» لصاحبها الشاعر عبدالله خليفة بتصميم غلاف لمجموعة لحن الشتاء، ويومها رسمت الغلاف ولم اكن مقتنعاً به، لكن السنوات رجعت بي سريعاً، عندما كنت اطل من نافدة شقة ابني في اسطنبول بتركيا.

وكانت مشاعري ملتفة حول ذلك الظلام الذي يلف المدينة مع زخات خفيفة من المطر، حيث شغلني خبر رحيل عبدالله خليفة عن دنيانا، عندها رجعت بالذاكرة الى تلك السنوات البعيدة يوم صممت اول غلاف في مجموعات الراحل خليفة، وهو لحن الشتاء.
ومع لحن الشتاء وآخر نتاجاته الروائية «خليج الأرواح الضائعة»، كان لعبدالله ذلك الحنين الذي لم ينقطع عن ذاكرتي ولم تقصني السنين عن ملاحقة نتاجه الأدبي والفكري.
بعدها تقدم الشاعر علي عبدالله خليفة رئيس مجلس إدارة مركز عبدالرحمن كانو الثقافي، بكلمة رحب فيها بالحضور وبالضيوف الذين تعشموا تعب السفر قادمين من الأردن وتونس والسودان ودول الجوار من المملكة العربية السعودية وقطر مشاركين محبي عبدلله الاحتفاء بليلته، مترحماً علي خليفة على الراحل عبدالله قائلاً: «يعز علينا كثيرا ألا تكون هذه الشخصية بيننا الآن، فلقد سبقتنا يد المنون ونحن نغالب الزمن للحاق بالتكريم والمكرم حاضرا، لكن لا راد لقضاء الله سبحانه وتعالى، يعزينا أن المكرم الراحل كان على علم بما عقدنا العزم عليه».
معرجاً في كلمته حول الفكرة من التكريم والتي اشار اليها: أن فكرة تكريم المبدعين البحرينيين بصفة عامة كانت هاجسا حاضرا لدى أسرة الأدباء ومركز كانو الثقافي، كل على حدة، ينطلق من الواجب الوطني لرد الاعتبار إلى ثقافة البحرين الوطنية المهمشة، وذلك من خلال تكريم شعبي للرموز الإبداعية تشارك به كل فئات المجتمع البحريني الذي كانت همومه وأحلامه مادة حية في إبداعاتهم على مدى عقود.
وإننا نكرم في شخص هذا الأديب الراحل النخبة من حملة مشاعل التنوير الذين كرسوا ثقافة الإبداع والتعدد في مجتمع متآلف مسالم، من خصائصه تنوع الأطياف.
وبعد الشاعر علي خليفة كانت الكلمة للأمين العام لأسرة الأدباء والكتاب الدكتور راشد نجم التي قال فيها: يسعدني نيابة عن أسرة الأدباء والكتاب أن أرحب بكم أجمل ترحيب وأرحب كذلك بضيوفنا الكرام من دول الخليج العربي وأصدقاء الراحل العزيز.. في حفل تجمعنا فيه المحبة.. ويدفعنا فيه واجب التكريم لمن أشعلوا شموع حياتهم من أجل إسعادنا.. ولونوا فضاءات حياتنا الثقافية بإبداعاتهم حتى غدوا رموزا يفخر بهم الوطن ونفاخر بهم أمام الأمم.
موضحاً في كلمته ان الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة علامة مضيئة في المشهد الثقافي والأدبي المعاصر في مملكة البحرين.. سواء في فضاء السرد حيث تمحورت إبداعاته في كتابة الرواية التي اتسمت بالواقعية وتمثلت شخوص رواياته من نماذج مجتمعية تتحرك بيننا وقد لا نلتفت إليها.. لكنه يلتقطها بعناية، وإن عبدالله لم يمت لأن الادباء لا يموتون!
مستطرداً حول المنجز الذي غدا بعبد الله رائداً من رواد الرواية في البحرين، واديباً له مكانته الفكرية والأدبية المرموقة.
مؤكداً نجم: ان هذا ليس حفل تأبين للراحل العزيز ولكنه حفل تكريم لإبداعه ونتاجه الفكري.. فصاحب الكلمة لا يموت أبدا وإن غادر الدنيا جسدا.
بعدها كانت الكلمة للأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس تحرير صحيفة «أخبار الخليج» والتي من خلالها قال: الحديث عن الأستاذ عبدالله خليفة ليس أمرا سهلا رغم أنه كان زميلا لنا منذ البدايات المبكرة لنشأة «أخبار الخليج»، ورغم أننا كنا نتابع باهتمام كتاباته، لكنه في واقع الأمر كان إنسانا قليل الكلام مع جميع من حوله. كان عبدالله خليفة يطرح أفكاره من خلال قلمه، ولعل معظمكم يعرفه اكثر مني أو ربما على ذات القدر أو المستوى وذلك من خلال كتاباته وإبداعاته. كان – رحمه الله – ينتمي إلى المدرسة الفكرية العميقة للفكر الماركسي، أو بمعنى آخر لم يكن يؤمن ولا يتقبل الشيوعية الغوغائية، وفي تقديري أنه كان من خلال فكره وأطروحاته أقرب ما يكون إلى المدرسة الماركسية الإنجليزية التي كانت سائدة في جامعتي أكسفورد وكامبريدج فيما بين حقبتي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي وهي المدرسة التي كان من ابرز رموزها وأعلامها مفكرون من أمثال كيم فيليبي وجورج برنارد شو، وغيرهم من أقطاب النخبة المثقفة التي شغلت أفكار واتجاهات الرأي العام البريطاني في تلك الحقبة.
مستطرداً رئيس تحرير جريدة أخبار الخليج في كلمته عن عبدالله: ومما لا شك فيه أن الأستاذ عبدالله خليفة كان انتقائيا في قراءاته إلى أبعد الحدود، وقد انعكس ذلك بجلاء على كتاباته.
فهو لم ينجرف مطلقا إلى تقلبات ما يجري في الشارع السياسي من مواقف مرتبكة وأحداث طارئة وكان يفضل الانتظار والتأمل والتفكير بعمق في كل ما يجري قبل أن يدلي بآراء كانت أحيانا تتسم بكثير من الجرأة إلى درجة أنها سببت نوعا من الصدمة لبعض رفقائه ومعاصريه، طارحا أفكارا تدعوهم الى مراجعة فكرهم ومناقشة مسلماتهم.
ويمكن القول بأنه عبر ذلك النهج كان يمثل منبرا مختلفا بالمقارنة ببقية الكتّاب المسيسين، فقد كان مدرسة مستقلة بذاتها.
ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نشهد له أنه كان مثقفا عميقا مشغولا بالفكر وتغيير المفاهيم البالية في الوعي الاجتماعي والسياسي، ولم تكن له أي مطامع في منصب أو جاه كما يهفو الى ذلك كثير من المثقفين، بل كان – رحمه الله – سيد نفسه.
موضحاً أنور عبدالرحمن في ورقته إنهم: في «أخبار الخليج» كانوا يقدرون قلم وفكر الأستاذ عبدالله خليفة، وكانوا يسمحون له بأكبر مساحة من حرية التعبير لطرح آرائه وأفكاره لأنهم كانوا على ثقة من انتمائه إلى المدرسة العقلانية وانحيازه الى النهج التدرجي في التطور والتقدم ، مترحماً عليه ، معتبراً رحيله فقداً لواحد من ألمع المبدعين في تاريخنا المعاصر.
وفي كلمة للكاتب إسحاق الشيخ ألقاها بالنيابة عن رفقاء وأصدقاء الراحل قال فيها: «لقد أدرك راحلنا الكبير أن الثقافة في علاقة وطنيتها البحرينية والأممية الإنسانية، وان عليها أن تكون ثقافة تنويرية تدفع بالتحول الاجتماعي، وفي علاقتها الإنسانية بين الناس وفي النضال من اجل تحريك المجتمع البحريني، بهدف تطويره والأخذ به وعيا ثقافيا في الاستنارة، وعلى طريق الحداثة والتحديث، وهو ما أفنى حياته بكرامة نفس وشموخ إنساني لا احد يجاريه، ولا احد يشاطره فيها».
وبعرض فيلم تسجيلي لشهادات أصدقاء الأديب الراحل من اعداد احمد الصائغ تحدث فيه كل من الشاعر علي السترواي الذي اعتبر رحيل الأديب عبدالله خليفة هو رحيل للرواية العربية، باعتباره كان ركنا كبيرا في الأدب الخليجي، مضيفا أن الأديب الراحل ارتبط بالعمال والبسطاء وكان يكتب عن المعدومين.
وبشهادة أخرى قال فيها الناقد فهد حسين: ان الراحل عبدالله خليفة كان حنوناً ومعيناً له في تجربته الأدبية، وكثيراً ما وقف بجانبه مشجعاً له في مسيرته النقدية، وإنه انسان كبير القلب.
أما الكاتب المسرحي يوسف الحمدان فيقول: إن الحديث عن عبدالله خليفة حديث مؤلم ذو شجون، كثيراً ما كان لي فيها مع عبدالله مواقف جميلة وإنسانية، معتبراً انه قهر الموت ولم يمت.
وفي قصيدة عامية للشاعر علي الستراوي بعنوان: «يا عبيد قلبك سفين المحبين»
قال فيها الشاعر الستراوي:
يا عبيد اسمك وطن
وقلبك سفين المحبين
وشراعك يناحين الحمام
«ياعبيد» سر الوطن..
قصة هوى جروحك
وكانت القصيدة طويلة اسرد فيها الشاعر الستراوي صورة من الذكريات التي جمعته مع الراحل عبدالله خليفة.
بعدها كانت للإضاءات السردية وقفات قصيرة قدمتها كل من الدكتورة ضياء الكعبي: بعنوان «الرواية وادلجة التاريخ» وورقة أخرى للدكتورة انتصار قائد البناء تحت عنوان: «مفهوم الحرية في رواية الينابيع» وأخرى الأوراق النقدية كانت من نصيب الدكتورة أنيسة ابراهيم السعدون تحت عنوان: «جدل الأنا والآخر وقلق الهوية في رواية (الأقلف) لعبد الله خليفة»، وجميع هذه الدراسات جمعت في كتاب وزع في نفس يوم التكريم. بالإضافة إلى آخر روايات عبد الله خليفة وهي «خليج الأرواح الضائعة».
وكان الختام عرض فيلم قصير من إخراج حمد الشهابي وتمثيل مجموعة من ممثلي البحرين جاء تحت عنوان «المتشرد» مأخوذ عن رواية «الاقلف» للراحل عبدالله خليفة.
وأخيراً كعادة سنتها اسرة الأدباء والكتاب في تكريم المبدعين قدم في ختام الحفل «وسام الإبداع البحريني» إلى الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة، حيث تسلمها نيابة عنه شقيقه السيد عيسى خليفة.
وكانت ليلة كنا نتمنى فيها أن يكون عبدالله بيننا ليشهد تكريمه الذي رحل عالماً به.

اخبار الخليج تاريخ النشر :٣ يناير ٢٠١٥

حضور كثيف في احتفالية تأبين عبدالله خليفة بمركز كانو الثقافي

قالوا في الأديب الراحل: كان ركنا كبيرا في الأدب الخليجي

شهد مركز عبدالرحمن كانو الثقافي مساء أمس أمسية ثقافية وفنية استثنائية لشخص استثنائي، حيث أقيمت احتفالية تأبين الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة برعاية وتنظيم صحيفة أخبار الخليج وأسرة الأدباء والكتاب، تأكيدا على أن عبدالله خليفة من مبدعي الوعي والتنوير والثقافة الأصيلة الرصينة، وصاحب الإنتاج الأدبي والثقافي الغزير الذي أثرى الأدب البحريني بمؤلفاته، بداية من لحن الشتاء وحتى آخر إصداراته «خليج الأرواح الضائعة».
وقد بدأ الحفل بالوقوف دقيقة حداد على روح الأديب الراحل، ثم ألقى بعدها الشاعر علي عبدالله خليفة رئيس مجلس إدارة مركز عبدالرحمن كانو الثقافي كلمة المركز رحب فيها بالحضور وبالضيوف الكرام القادمين من المملكة العربية السعودية وتونس والأردن والسودان ودولة قطر للاحتفاء بتكريم شخصية أدبية وفكرية بحرينية، قائلا «يعز علينا كثيرا ألا تكون هذه الشخصية بيننا الآن، فلقد سبقتنا يد المنون ونحن نغالب الزمن للحاق بالتكريم والمكرم حاضرا، لكن لا راد لقضاء الله سبحانه وتعالى، يعزينا أن المكرم الراحل كان على علم بما عقدنا العزم عليه».
وأضاف في كلمته «أن فكرة تكريم المبدعين البحرينيين بصفة عامة كانت هاجسا حاضرا لدى أسرة الأدباء ومركز كانو الثقافي، كل على حدة، ينطلق من الواجب الوطني لرد الاعتبار إلى ثقافة البحرين الوطنية المهمشة، وذلك من خلال تكريم شعبي للرموز الإبداعية تشارك به كل فئات المجتمع البحريني الذي كانت همومه وأحلامه مادة حية في إبداعاتهم على مدى عقود.
إننا نكرم في شخص هذا الأديب الراحل النخبة من حملة مشاعل التنوير الذين كرسوا ثقافة الإبداع والتعدد في مجتمع متآلف مسالم, من خصائصه تنوع الأطياف, النخبة المبدعة ذات المواقف الجلية والشجاعة في رفض كل أشكال الإرهاب والتخريب وتقسيم وتأزيم المجتمع فكان عبدالله خليفة الأبرز والأشد ضراوة في الدفاع عن النهج الإصلاحي للمسيرة الوطنية.
ولمرضه العضال ولإحساسنا بأهمية الزمن في اللحاق بالتكريم قبل فوات الأوان تنادى رفاق الراحل للتعجيل بتكريمه فالتقت جهود جميع الأطراف وتوحدت لتنظيم هذه الاحتفالية المشتركة بمعرفته وبالتعاون معه, وقد تشرفنا بمشاركة من رافقوا المكرم في مسيرته النضالية, وقدرنا لأخبار الخليج وللأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس التحرير مواقف الدعم والرعاية, شاكرين لإدارة وسائل الإعلام وإدارة تلفزيون البحرين ما تقدما به من مساندة مهمة ولكل المثقفين المتعاونين تحية شكر وتقدير.
للمنجز الأدبي والفكري للأستاذ عبدالله خليفة قيمة رفيعة في ميزان النقد الأدبي إلى جانب جهوده المكثفة في شأن الصحافة الثقافية بالبلاد طيلة سنوات, فتكريم أمثال هؤلاء لا يأتي من باب العاطفة الشخصية أو المجاملة الصداقية, فلقد كنا نلتقي مع المكرم في بعض أفكاره ونختلف معه قطعيا في بعضها.
كانت معاناة الإنسان البحريني البسيط مادة تجربته الشعورية, ومرتكز أعماله الأدبية, اشتغل بالتدريس ثم بالصحافة وعاش تجربة السجن لسنوات وخرج منه أكثر إصرارا على ما كان يعتقد ويؤمن.
كان قارئا نهما وفي جوع دائم إلى المعرفة, تؤرقه هواجس التنوير وكيف يبدد الظلام من حوله, اعتكف خلال سنواته الأخيرة مركزا جهده على الإنتاج الكتابي فأنجز عددا من الروايات لم تزل مخطوطة, وحين داهمه المرض قاومه بتكتم شديد رافضا التصريح به, وتصارع معه بإرادة الإنسان غير المكترث بالنتائج, رافضا لكل محاولاتنا لعلاجه خارج البحرين.
كان الرجل, رحمه الله, ذا شخصية إنسانية فريدة, هادئا.. صموتا.. تمور بداخله الأفكار فينفثها نارا درامية ساخرة متهكمة, كان عصاميا حادا في طروحاته الفكرية ثابتا على مبدأ حدي لا يتنحى عنه قيد أنملة, ومن خلاله يقيس البشر ويحدد علاقاته بهم, فكان ذلك مدعاة إلى أن يساء فهمه وأن تفسر مواقفه على غير ما كان يريد, حتى من قبل أقرب الناس إليه.
إن مسيرتنا الأهلية المشتركة لتكريم المبدعين في البحرين ستستمر بإذن الله وستظل هذه الأرض ولودا تنجب المبدعين جيلا بعد جيل».
ثم ألقى الدكتور راشد نجم النجم الأمين العام لأسرة الأدباء والكتاب كلمة الأسرة قال فيها «يسعدني نيابة عن أسرة الأدباء والكتاب أن أرحب بكم أجمل ترحيب وأرحب كذلك بضيوفنا الكرام من دول الخليج العربي وأصدقاء الراحل العزيز.. في حفل تجمعنا فيه المحبة.. ويدفعنا فيه واجب التكريم لمن أشعلوا شموع حياتهم من أجل إسعادنا.. ولونوا فضاءات حياتنا الثقافية بإبداعاتهم حتى غدوا رموزا يفخر بهم الوطن ونفاخر بهم أمام الأمم.
يشكل الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة علامة مضيئة في المشهد الثقافي والأدبي المعاصر في مملكة البحرين.. سواء في فضاء السرد حيث تمحورت إبداعاته في كتابة الرواية التي اتسمت بالواقعية وتمثلت شخوص رواياته من نماذج مجتمعية تتحرك بيننا وقد لا نلتفت إليها.. لكنه يلتقطها بعناية مثلما ينتقي تاجر اللؤلؤ نماذج لآلته.. حتى غدى رائدا من رواد الرواية في البحرين, حيث أصدر ما يزيد على عشرين رواية بداية من زاويته «لحن الشتاء» عام 1975 مرورا بروايته «الهيرات» عام 1984 ثم رواية «أغنية الماء والنار» عام 1988 وحتى روايته الأخيرة «خليج الأرواح الضائعة» عام 2015 التي أصدرتها أسرة الأدباء والكتاب بعد رحيله بالتعاون مع مركز عبدالرحمن كانو الثقافي وهيئة شئون الإعلام مرورا بكل الكم الكبير من الروايات والدراسات البحثية, حيث أصدر الراحل مجموعة من الدراسات الواسعة والمهمة التي اتسمت بالعمق والتحليل التاريخي والفلسفي.
ولم يقف قلمه عند حدود كتابة القصة القصيرة والرواية والدراسات بل اتسع فضاء اهتمامه ليشمل عالم الصحافة عندما عمل في صحيفة «أخبار الخليج» فاشتغل على التصدي لقضايا وملفات ساخنة سياسية واجتماعية وأدبية ودينية بهدف دعم الثقافة الوطنية التنويرية التي خلقت له شهرة واسعة, وفي نفس الوقت فتحت أمامه بوابة واسعة لصدامات كثيرة مع شرائح من المثقفين والسياسيين ورجال الدين, ولكن رغم ذلك ظل طوال حياته صامدا على مبدأه ومحترمة أطروحاته رغم الاختلاف المتباين للنقاد والمهتمين حولها.
إن أسرة الأدباء والكتاب تشعر بالكثير من الاعتزاز والامتنان لما اتسمت به روح الشراكة والتعاون مع مركز عبدالرحمن كانو الثقافي خلال مراحل التخطيط والإعداد والتنفيذ لهذا التكريم ليكون بداية مسيرة لن تتوقف في تكريم المبدعين البحرينيين في مجال الأدب والفكر والثقافة وهم أحياء بيننا لإعادة الاعتبار إلى رموزنا الثقافية ودعم ثقافة البحرين الوطنية التنويرية التي اتسمت بروح التسامح والتعددية وقبول الآخر.
إننا نتقدم بالشكر الجزيل إلى كل من ساند فكرة هذا المشروع بتكريم المبدع الراحل عبدالله خليفة من مؤسسات رسمية نخص منها بالذكر هيئة شئون الإعلام التي تحملت مشكورة تكاليف طباعة ملف الدراسات والرواية وكان الصديق العزيز الأستاذ يوسف محمد مدير وسائل الإعلام بالهيئة نموذجا طيبا للتعاون وتذليل الصعوبات, وكذلك الأخ العزيز الأستاذ نبيل بوهزاع مدير تلفزيون البحرين, ومن مؤسسات أهلية وعلى رأسهم صحيفة «أخبار الخليج» ممثلة في الأخ الأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير لدعمهم لفكرة التكريم ومساهمتهم ماديا في تحمل تكليف هذا الحفل, وإلى أسرة الراحل العزيز الذين وفروا لنا المعلومات المطلوبة, وإلى جميع من أسهم معا بجهدهم السخي من اللجنة المنظمة لحفل التكريم من أعضاء أسرة الأدباء والكتاب ومركز عبدالرحمن كانو الثقافي.. وإلى جميع وسائل الإعلام المختلفة ووسائط التواصل الاجتماعي فلهم منا جميعا الشكر والتقدير.
إن هذا ليس حفل تأبين للراحل العزيز ولكنه حفل تكريم لإبداعه ونتاجه الفكري.. فصاحب الكلمة لا يموت أبدا وإن غادر الدنيا جسدا»
عقب ذلك ألقى الأستاذ اسحاق الشيخ كلمة بالنيابة عن رفقاء وأصدقاء الراحل قال فيها «لقد أدرك راحلنا الكبير أن الثقافة في علاقة وطنيتها البحرينية والأممية الإنسانية، وان عليها أن تكون ثقافة تنويرية تدفع بالتحول الاجتماعي، وفي علاقتها الإنسانية بين الناس وفي النضال من اجل تحريك المجتمع البحريني، بهدف تطويره والأخذ به وعيا ثقافيا في الاستنارة، وعلى طريق الحداثة والتحديث، وهو ما أفنى حياته بكرامة نفس وشموخ إنساني لا احد يجاريه، ولا احد يشاطره فيها.
ان الثقافة التنويرية هي ثقافة تلازم حراك المجتمع وتدفع به ضمن قوانين جدل التحول المادي التاريخي وهو ما وعاه جيدا عبدالله خليفة في باكورة نشاطه الذهني, ارتباطا في البناء الفوقي من المجتمع البحريني وفي تكريس ثقافة الاستنارة استهدافا في تغيير أسس البناء التحتي وتشبيع مؤسساته بوعي الثقافة التنويرية.
إن الثقافة التنويرية تشكل حاجة ملحة وضرورة أساسية في تحريك الأسس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المجتمع البحريني على طريق التحول إلى غد مجتمع بحريني قادم ناهض, وهو ما كان يؤرق أحلام وآمال رائد ثقافة التنوير والتغيير في مملكة البحرين عبدالله خليفة, الذي كان في طليعة المبتهجين بالمشروع الإصلاحي الذي كان يراه عن حق فاتحة أمل حقيقي على طريق غد مشرق للبحرين, ولقد رن قطرات حياته حبا وجدانيا معنى بحب البحرين وكان بحرينيا خالص الشفافية في بحرينيته, وكان يسابق الحياة ثقافة مستنيرة من أجل حياة أفضل للبحرينيين وكان يرى أن ثقافة الاستنارة هي الطريق الأجدى من دون منازع في تحريك القيم الثقافية في نسيج المجتمع الفوقي الذي يتعاكس بالضرورة في تغيير ثقافة نسيج المجتمع التحتي نهوضا بالبحرين في ضياء تنويري يعانق فلق ضياء الشمس في الكون.
إن مفهوم الثقافة التنويرية عند عبدالله خليفة مفهوم يرتبط بظواهر المنعطفات التاريخية في حياة الأمم والشعوب وهو ما نراه مكرسا في كتبه وروايته المشغولة بالثقافة التنويرية وأهميتها في حركة التغيير, وكان يرى عن حق أن الثقافة التنويرية هي ثقافة يمكن أن تلعب دور مهما ضد الثقافة الطائفية وتجلياتها الإرهابية بشكليها المضاد والمضاد له, من واقع أن الثقافة التنويرية في مفهوم يساريتها عند عبدالله خليفة هي إنسانية بطبيعتها ضد العنصرية والقبلية والمذهبية الطائفية.
إن الثقافة التنويرية هي ثقافة سلمية مناهضة للإرهاب وتدعو إلى السلم والحوار المدني بين الأطراف, حوار في علمانية الفكر والمنهجية الاجتماعية والسياسية بعيدا عن المذهبية الطائفية وتجلياتها المتطرفة بالعنف والإرهاب, وفي إثارة الفتن الطائفية بين أبناء الوطن الواحد.
ولقد كان الراحل الكبير عبدالله خليفة داعية ثقافة تنويرية وطنية علمانية يتجدد العدل فيها بين أبناء المجتمع الواحد, بعيدا عن المذهبية والطائفية, وكان رحمه الله من الداعين بتحرير المرأة البحرينية ومساواتها في الحقوق والواجبات ودفع الأذى عنها وتكريس إنسانيتها في المجتمع, وأنه من الأهمية بمكان وضع مؤلفات عبدالله خليفة ضمن المناهج التعليمية لأهميتها في تكريس الثقافة الوطنية التنويرية في المدارس التعليمية وتشبيع خصوصيات الناشئة بالثقافة الوطنية التنويرية, كما أنه من الأهمية أيضا وضع اسمه على أحد الشوارع في مملكة البحرين ليكون ذاكرة ثقافية تنويرية وطنية بحرينية لها مكانتها التنويرية في ذاكرة تقادم الأجيال.
شكرا لجريدة «أخبار الخليج» في شخص رئيس تحريرها الأستاذ أنور عبدالرحمن في رعايتها لهذا الحفل الجميل.. شكرا للجنة تكريم الأدباء في البحرين التي دشنت نشاطها في شخص الراحل الثقافي التنويري عبدالله خليفة».
بعد ذلك تم عرض فيلم تسجيلي لشهادات أصدقاء الأديب الراحل أكد فيه الشاعر علي السترواي أن رحيل الأديب عبدالله خليفة هو رحيل للرواية العربية، باعتباره كان ركنا كبيرا في الأدب الخليجي، مضيفا أن الأديب الراحل ارتبط بالعمال والبسطاء وكان يكتب عن المعدومين.
ويقول الأستاذ فهد حسين ان الراحل عبدالله خليفة كان إنسانا لأقصى درجات الإنسانية مع الجميع، أما الأستاذ يوسف حمدان فيقول إن عبدالله خليفة هو الرجل الذي قهر الموت بالكتابة، مضيفا أننا لو قمنا بجمع كل كتاباته ورواياته ومقالاته لوجدناها تضاعف من عمره.
عقب ذلك ألقى الشاعر علي الستراوي قصيدة شعرية بعنوان «عبيد».
ثم قدمت كل من د.ضياء الكعبي، ود.انيسة السعدون، ود.انتصار البناء رؤى بأبحاث حول النتاج الروائي للأديب الراحل.
وعقب ذلك تم عرض فيلم بعنوان «المتشرد» عن رواية «الاقلف» للأديب الراحل.
وفي ختام الحفل تم تقديم «وسام الإبداع البحريني» إلى الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة، حيث تسلمها نيابة عنه شقيقه السيد عيسى خليفة البوفلاسة ، وعقب ذلك تم توزيع آخر رواية صدرت للأديب الراحل عبدالله خليفة بعنوان «خليج الأرواح الضائعة» على الحضور، وأيضا كتاب بعنوان «فضاءات السرد في أدب عبدالله خليفة» الذي يتضمن بحوثا ودراسات وشهادات جديدة حول نتاج الأديب الراحل.

حضور كثيف في احتفالية تكريم عبدالله خليفة بمركز كانو الثقافي
اخبار الخليج ٣١ ديسمبر ٢٠١٤

أدب السجون: إجابة على أسئلة جريدة الوطن

أدب السجون
إجابة على أسئلة جريدة الوطن

• كيف تحصلون على أدوات الكتابة . .
• كانت عملية الحصول على أدوات الكتابة في غاية الصعوبة خاصة فيما يتعلق بالأقلام، فالأقلام نادرة وشحيحة جداً، في حين أن الأوراق أكثر سهولة، فهي تظهر من علب صابون(التايد) لكن المسحوق الإيراني في ذلك الوقت(درايا) ، منذ اواسط السبعينيات حتى بداية الثمانينيات ، كان الأكثر كرماً في تحول أغلفته إلى الورق، فحين تنقع هذه الأغلفة بالماء ثم تجففها تتحول أجزائها الداخلية المتعددة إلى دفتر كامل من الممكن أن تكتب عليه قصة قصيرة كاملة!
لكن مسألة الأقلام كانت عويصة وظلت تعرقل عملنا الكتابي، ومن الممكن التغلب عليها بمساعدة شرطي أو سجين، وقد قمتُ في سجن (جدا) بتعليم بعض السجناء القراءة والكتابة، فكان أجري هو الحصول على بعض هذه الأقلام التي تتحول إلى كنزٍ ثمين، فأنت تخبئها في علب معجون الحلاقة أو علب الصابون الناعم، وقد يتحول قلم الرصاص إلى طول أصبع، فتضعه في غصن شجرة، وحينئذٍ بإمكانك أن تكتب به!
لكن مشكلة الأقلام ظلت على مدى أعوام السجن مرهقة للجماعة وكأنها قضية وطنية كبيرة، حتى قمنا بحل بعض إشكالياتها في سجن (سافرة) حيث كنا نبدل أقلام الناشف التي تعطينا إياها إدارة سجن سافرة الممتلئة حتى نهاياتها بأقلام ناشف أخرى، تكاد أن تكون فارغة من الحبر، فيأتي العريفُ الأردنيُ صارخاً (أين الكلمات) ويلفظها بطريقة لهجته التي تـُضخم الكاف، فهو لا يقصد الكلمات بل القلمات!
ولم تنفرج أزمة القلمات حتى خرجنا واستعملنا الآلات الطابعة ثم الكمبيوتر لكن ظل قلم الرصاص هو الأثير، وصارت عقدة فكلما رأيتُ قلم رصاص سرقته، حتى راحت تتجمع لدي بشكل هائل دون أن أكتب بها!
• هل هناك بعض الممنوعات . . .
• الحياة في السجن كلها ممنوعات ، فلا أحدٌ يسمح لك بالكتابة ، التي هي نشاط غير قانوني ، لأنهم عزلوك لكي يمنعوك من الكتابة والتأثير الفكري والسياسي ، فلا بد وقتذاك أن تتحايل على هذه القيود ، فتكتب وراء الجدران وبعيداً عن عيون الحراس، وتخبئ ما تكتبه تحت الفراش ، أو بين اللعب ، أو في أمكنة أكثر غورا ، وأن تجعل الأوراق أقل حجماً بشكل مستمر ، وأن تخبئها بين ثيابك في لحظات المداهمة وأن تحتفظ بنسخ ، وأن تستغل الرسائل الموجهة للأهل لكي تنسخ هذه الأعمال وترسلها للخارج تحت عيون الرقيب نفسه
• ما انواع الكتابة . .
• كنتُ دائماً ولا أزال القصة القصيرة ، والرواية ، والمقالات ، والبحوث، منذ أن كنتُ طالباً في المرحلة الثانوية وفي معهد المعلمين ، وفي السجن واصلتُ نفسَ الأنواع الأدبية والفكرية ، لكن أصبح لظروف السجن تأثيرها من حيث صعوبة الكتابة ، وصعوبة كتابة البحوث خاصة ، ولكن انفتح مجال القصة القصيرة أكثر ، لأن نفس السجن نفـَسٌ سريع ، متوتر ، وهو كذلك مطول ، لأنه يتيح لك (التنقيح) عشرات المرات ، فليس أمامك جريدة تسرع بإعطائها قصصك ، وأمامك كذلك وقت طويل منذ أن تشرب الشاي الأحمر الكريه حتى تأكل وجبة المساء التي تأتي في العصر ، ولهذا فإن خيال الكتابة يتطور ، وتدخل معهد التشكيل المعمق للنص !
• هل يمكن للسجين أن يكتب عما يدور في الخارج .. .
• الكتابة حرة في السجن أكثر من خارجه ، لأنك تستطيع أن تكتبَ ما تشاء فأنت محبوس أصلاً وغير معرض للعقوبة رغم أنني عوقبت عن الكتابة داخل السجن. ولكن عموماً أنت في الكتابة عموماً تلغي الجدران ، والحواجز وتكتب بحرية ، لأنك تكتب من أجل أن تغير ، لكن حياة السجن الداخلية تعطيك مادة خصبة ، فأنت تقابل مجرمين عتاة ، فهذا قتل ولداً وذاك سرق خزنة وهرب بها ، وثالث اغتصب وقتل من أغتصبه ، وتجد هؤلاء يعيشون بهدوء ويأكلون ويمتمعون بالحياة ، وكأنهم قتلوا عصافير أو قططاً ، وكذلك تجد أن المعتقلين السياسيين بشخوصهم ونماذجهم الكثيرة يعطونك مادة للكتابة ويجعلونك تحلل الواقع بدرجة أكثر عمقاً مما كنت ترى سابقاً.
• ماذا أضافت تجربة السجن إلى تجربتكم ….
• تجربة السجن مريرة ، انقطاع عن الأهل والناس ، وعن الحرية ، وعن النشاط ، وعن الأكل اللذيذ ، وعن النساء ، فهي أما أن تصلبك أكثر أو تحطمك ، وقد استفدت من كل تجربة مريرة ، وبدلاً من أن أضيع وقتي ، كنتُ أتعلم أي شيء ممكن ، أقرأ أي كتاب موجود ، أي ورقة عن الأدوية أو السحر أو العلوم أو الدين ، استمع للقصص والدروس والتجارب ، أتعلم من أصدقائي وأعلم ، أكتب بشكل مستمر ، تجارب كثيرة كتبتها ، وضاع الكثيرمنها ، لكنها صقلت قدراتي في هذا المجال .
• عندما تكتبون هل كان لأحبابكم . . . .
• بطبيعة الحال فأنت جزءٌ من أهلك ، وكانت أمي قد ماتت في الشهور الأولى من سجني ، وكتبت قصصاً عديدة عنها ، وكذلك أهلي ، وحيِّ ، حيث استلهمت حكايات منطقتنا (القضيبية والحورة ورأس رمان ) وظهرت في روايات عدة : أغنية الماء والنار ، والضباب ، والينابيع الخ.. وتأخذ العلاقات الأسرية مكانة والعلاقة العاطفية مكانة ، فالمرأة لها من وجودك في السجن نصيب ، وكانت لي علاقة عاطفية بامرأة ، ويحدث مزيح مركب بين كل ذلك ، فالكتابة ليست تسجيلاً بل إعادة تركيب لعناصر كثيرة .
• هل للعلاقة الجنسية . . .
• ليس هناك أخطر من الجنس بعد السياسة ، فالحنين للمرأة يأخذ من وقتك الكثير ، وتتشوه بدون العلاقة الصحية بالمرأة ، وتصبح حياتك الجنسية غير سليمة حتى يكتب لك الله الفرج من الظلم والكبت والوحدة الشقية ومعاركة الفراش في الليل ، حتى تصيبك هلوسة جنسية ، وتزداد أحلامك البيضاء ، ولعلها رحمة حتى تفرغ شحناتك حينما يستمر السجن سنوات كثيرة !

كيفَ كتبتُ؟

1 – الوقت المناسب
كنتُ أكتب منذ كنتُ طالباً ثم مدرساً، في أواخر الستينيات من القرن العشرين، وحينئذ لم تكن للكتابة وقت وطقوس، لأن الوقت الأصلي للكتابة كما تكرس لدي لم يكن موجوداً، فأن تكونَ مدرساً فإن الصباح يتم إختطافه منك، وتلعب ضجة الطلبة دورها في القضاء على أي مناخ إبداعي.
لكنني مع هذا كنت أكتب قصصاً قصيرة وبعض المقالات في الليل، في أجواء مشتتة.
كانت سنوات السبعينيات تجري بهذا المناخ، وقد دخلت الأعتقال السياسي منذ 1975 أغسطس، وخرجت في بداية الثمانينيات، وبالتأكيد فإن طقوسَ الكتابةِ في السجن صعبة، لكنها كرستْ كتابةً صباحية، حيث الفراغ الطويل والمزاج المفتوح، لكن الأمرَ يعتمدُ على وجودِ القراطيس من ورقِ السجائر ومن قلمٍ رصاص قصير صعب المنال، ولم يوجد الشاي وكان هذا عاملاً مُحبِطاً للكتابة.
كتبتُ في هذا المناخ مجموعةً قصصية واحدة(الرمل والياسمين)، وعدة روايات قصيرة: اللآلئ، الهيرات، القرصان والمدينة، والعديد من المقالات والتعليقات على ما يُكتب في السجن والعالم الخارجي، إضافة لمشروعات روائية وقصصية كثيرة ذهبتْ في ظروف حملات التفتتيش وعدم القبول من المؤلف نفسه!
لا بد لك في هذه الأحوال من قدرةٍ على الاحتفاظ بما تكتب، ولهذا فإن أمكنةً سريةً لا بد أن تكون موجودةً جاهزةً بعد إنجاز المسودة كقعرِ حقيبةٍ، أو داخل معاجين الحلاقة!
بعد الخروج من السجن لم يكن ثمة عمل، وعدتُ لبيتِ أبي القديم، ولم يكن ثمة مكان هادئ، وتغير الجو كثيراً، لكن تحولت غرفتي القديمة إلى ساحة قتال لإخراج المسودات الغائرة في المعاجين، لتبدأ عمليات التنقيح والتبييض.
أخذ الصباحُ مكانتَهُ مجدداً، وتوفر الشاي والورق والأقلام لكن لم يتوفر الهدوء، فلا بد من البحث عن عمل، وتغير البيت، وتغير الحي، لكنني تمكنتُ من نشرِ ما كتبتهُ في مرحلة السجن بمساعدة أصدقاء سواءً في التنظيم السياسي أم من قبل إتحاد الكتاب العرب بدمشق.
وقد تعودت أن أحول ساعات الصباح الأولى إلى ساعات كتابة للأدب أو الفكر عامة، وبشكل مستمر ومنضبط على مر السنوات، ولكن هذا يتوقف على الفكرة الموجودة والمزاج، وبضرورة الوحدة والعزلة في المكان الذي يوفر الهدوء والتركيز، ولكنني لا أكتب كثيراً كل يوم، فربما فصلاً أو صفحة، أو حتى فقرة صغيرة، لكن الكم المتابي يتراكم على مدى الأيام، وهذا يجعل الذات في جدل يومي مع المادة ومعالجتها.
2
كما قلت لك سابقاً بأن ثمة علاقة مفروضة على المكان، أحياناً تكون لديك زنزانة في سجون متعددة، بعضها شرح وبعضها مقبض جداً، لكن المكان الذي تواجد عبر الأختيار هو جو الغرفة المغلقة، أو الصالة حين تكون في شقة زواج، ونفس الصباح حيث تذهب الزوجة للعمل، وتبقى وحدك، لكن مع تواجد الآخرين والضجيج تتسحيل الكتابة، إلا في حالة السجن حين يصمت رفاق الزنزانة نهاراً وينشغلون بأعمالهم من تشكيل حرف أو كتابة أو قراءة، لكنك لا تنتج بنفس مستوى العزلة الحرة.
3
علمتني الظروف أن أكتب بكل شيء، بأي مادة تنهمر على الورق الأبيض أو على الشاشة، كان الجون يتملكني وأنا أبحث عن قلم لدى المسجونين بأحكام الذين تعلمهم العربية فيهدونك قلماً طويلاً أشبه بمعجزة. ثم كتبت كثيراً بالأقلام المتعددة بعد ذلك، وكنت قبل السجن قد أشتريتُ آلةَ طباعة كتبت عليها، فأشتريتُ أخرى بعد أن تم إلقاء تلك الآلة في البحر خوفاً!
الآلة الكاتبة الجديدة أخذت معي سنوات، تنقلت بها من الشقة الصغيرة حتى غرفة فوق السطوح على بناية، وقد تحملت عدة مجلدات من الروايات وعدة مجلات من الأبحاث فتصدعت، فكانت نهايتها هناك، أصبحت رثة، ضعيفة الطبع، وهنا بدأت العلاقة مع الكمبيوتر، كانت هذه الآلة تحفة وثراءاً وحفظاً جباراً، لكن البدايات كانت مروعة!
أخطاء في الحفظ فضاعت فصول وقصص، وأخذت سنوات عدة وأنا أـعلم وأتغلغل في السيطرة على هذه الآلة، وعشت مع عدة أجهزة ثابتة أصيبت بالأجهاد وتغلغلت فيها الفيروسات بسبب جمعي للكثير من المعلومات من مختلف المواقع، فأنا كاتب عمود يومي في جريدة أخبار الخليج وعبر عدة سنوات لا بد لي من الإطلاع المستمر ونقل المعلومات والدخول في مختلف المواقع، حتى أصبح المحمول رفيق الدرب!
4
لا أعترف بالإلهام الكتابي أو بأشياء مميزة للكتابة، لكن الآن أصبح المحمول أفضل صفحة بيضاء أخطُ عليها، وأصبحتْ العودةُ للقلم الناشف والحبر أو حتى قلم الرصاص الصديق الوفي لسنواتِ غيرَ ممكنةٍ بسبب هذه الآلة الجميلة الفذة!

0-1-1

إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في ساعة ظهور الأرواح

عبدالله خليفة إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في  ساعة ظهور الأرواح

تتأسس رواية «ساعة ظهور الأرواح» للروائي البحريني «عبـــــــدالله خلــــــــيفة» على إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في سياق نصي يشير إلى تجذر ذاكرة الروائي ووعيه في تراثه الشعبي سعياً إلى تصنيع عالم فني يحاكي العالم الواقعي ويتوازى معه وترتبط أحداثه بمجموعة من الشخوص الذين يواجهون قوى غيبية خارقة ويستثمر الراوي قصة الكنز وهو رمز أسطوري يمثل قصة سحرية غامضة تدور حولها الحكايات ولهاث شرائح اجتماعية مقهورة من أجل الحصول عليه بتسخير الجان واستخدام وسائل السحرة مما يضفي على الحكاية الشعبية أجواءً رمزية وخرافية طقوسية ترقى بها إلى مستوى الأسطورة
ويتخلل سرد هذه الحكايات أهازيج وأغان شعبية تشبه الطقوس الدرامية المشيرة إلى ارتباط أهل القرية الأزلي بالخرافة

والراوي يقوم بإعادة صياغة هذه العوالم الأسطورية وفق قيم إيديولوجية تهدف إلى هزهزة بعض المعايير الثقافية والاجتماعية المتكلسة بغية طرح رؤية معرفية جديدة تدعو إلى إعادة النظر فيما ترسخ في العقل العربي من بعض المعتقدات المتوارثة

وتشكيل الأسطورة الشعبية في الرواية يحل محل الآلية التي كان الإنسان البدائي يدرك بها عالمه الخاص ويتوازى ذلك مع آلية إدراك أهل العدّامة لواقعهم فحينما يكون الهدف النهائي للإنسان البدائي هو البحث عن المعرفة يتمثل الهدف الأساس لأهل العدّامة في البحث عن الكنز بوسائل بدائية تتمثل في ممارسة الطقوس السحرية
ويتم تفعيل البرنامج السردي لتشكيل الأسطورة الشعبية في الرواية على تقنية مؤسسة من نظامين الأول نظام ما قبل الكلام
والثاني نظام ما بعد الكلام
أما الأول وهو نظام ما قبل الكلام فيتوزع على ثلاثة محاور : التفكير والتذكر والأحلام
ففي محور التفكير تسيطر بنية الرموز على حركة التفكيروتغلفها فالرواية زاخرة بالكثير من الرموز والتيمات الأسطورية إذ يضفي الراوي على حادث ميلاد الطفل صفة سحرية مشيراً إلى أسطورة الميلاد في الأساطير اليونانية القديمة فيرمز الطفل للخصوبة والميلاد وترمز شخصية مريم ترمز لدورة الحياة المستمرة والمتراوحة بين التجدد والانقضاء كما يرمز الشيخ درويش للمخلص الذي تتطلع إليه أنا ليخلصها من مخاوفها وإحباطاتها بينما شخصية بو سمرة ترمز للصراع بين الوجود والعدم ويتمثل الرمز الأسطوري في الكنز كواحد من أعباء وأحلام الذات الإنسانية في العدامة كما يرمز بحث الشخوص عنه إلى المعرفة الأبدية التي يتطلع إليها الإنسان والممثلة في محور الخلود السرمدي والذي لن يتحقق وجوده أبداً ومن ثم يظل رمزاً خالداً
وفي محور التذكروالرؤيا الاستبطانية :
نجد الحدث يرتكز في نموه وتطوره الدرامي على آلية التذكر فتتداعى الذكريات على وعي الشخوص والنصوص التذكرية لا تكتفي فقط بالتعبير عن الحدث الواقعي أو الحدث الأسطوري على حدة بل تمزج بين هذا وذاك في بؤرة تذكرية واحدة مما يعمق بنية الأسطورة بهذا الطابع الدرامي المتقيد بحدود الحكاية الشعبية

وفي محور الصيرورة الحلمية
يعيد السياق النصي توصيف الحدث عبر صيغ حلمية تكشف عن حراكية الحدث الأسطوري مما يفرز إنطباعاً بديمومة الحلم وانسيابه في سلسلة متتالية ومن ثم فإن ارتباط الحلم بهذه الديمومة المتصلة يجعله تمثيلاً لما هو حقيقي وابدي

أما النظام الثاني الذي يتأسس عليه البرنامج السردي فهو نظام ما بعد الكلام
ويضم ستة محاور
ففي محور الطقوس الأسطورية
نجد الراوي يؤسس للنظام الأسطوري في الرواية متكئاً على استغلال عناصر الموروث الشعبي لحكاية ( الكنز ) كما يفيد الراوي من تقنية ( الرؤيا ) التشوفية التي يدّعي بعض السحرة أنهم يتنبئون بها للمستقبل ويوظف مجموعة الحكايات الخرافية المرتبطة بالكنز الذي يتشكل تشكلاً غرائبياً
وتتوالى عمليات تراكب الحكايات الواقعية مع الأسطورية مما يسهم في تنامي تشوفات الشخوص وحلمهم بكنز الأجداد المدفون تحت الأرض ويشي سعي الشخوص في الحكايات المتراكبة إلى حلم الحياة الأبدي الذي لا يكف فيه الإنسان عن تطلعه لكنز غيبي يمثل تطلع الإنسان إليه للحصول عليه دورة مكررة في الحياة ويرتبط هذا الحلم بطقوس فلكلورية تغمر الإنسان في خضم طقوس سحرية تجذبه نحو عالم سفلي غامض وأثير فتتوازى غواية البحث عن ( الكنز ) مع غواية البحث عن ( الحقيقة )

وفي محور الخلاص وازدواجية الفجوة بين الواقع والأسطورة
نجد الحلم الضائع الذي يمثل تلك الفجوة المتنامية بين معطيات الواقع الحقيقي ومعطيات الواقع الحلمي هو البنية الدينامية الفاعلة والتي تسكن روح النص وتشي بنفسها في الأسطورة المعبرة عن المفارقة الكامنة بين جوهر الذات وبين طبيعة النسق الاجتماعي القائم وهذه المفارقة هي المولدة لبنية الفجوة التي تطرح الاسئلة لتحريرها من ركمات الخراب
كذلك تشير الرواية إلى أن العطالة التي تعانيها أنا الجماعة في المجتمعات العربية هي المحك الأبرز في تشكيل الخرافة وهزيمة الذات الانسانية ومن ثم فالراوي ينتقد أنا الجماعة بقيمها البالية التي رسخت السلوك الخرافي المولد لهزيمة الذات الإنسانية
وفي النهاية تتجاوز الرواية المستوى الأسطوري البدائي بعد أن قامت الأسطورة بأداء وظيفتها التي أهلتها للنهاية الصادمة مع الفكر الأسطوري البعيد عن واقعية الحياة فيصبح العقل أقدر من الأسطورة على خلق منظور جديد للواقع
وبذلك تكون الذات العربية قد تحررت من لعنة الخنوع التي بقيت تلاحقها منبعثة من زمن الخرافة وحتى زمن الآلة التي كان لها السطوة في تحويل الذات من ذات مستلبة من قبل قوة ميتافيزيقية إلى ذات ما زالت مستلبة ولكنه الاستلاب الحضاري الذي طوق مجتمع العدامة إبان تطوره وانتقاله إلى زمن الآلة التي عمقت مفهوم الغربة بين الانسان وذاته وبينه وبين الآخر ولكنها بشرت في الوقت نفسه بواقع يسيطر عليه العبث والتشتت في مقابل الحلم بالميلاد الجديد

وفي محور التشكيل الميثولوجي للشخصية نجد شخوص العدامة تعيش الشيء وضده مؤكده انقضاء كل الأشياء وأن الحلم الخالد مجرد خدعة كبيرة وتبدو الشخوص كما لوكانت تحيا حياة بدائية بامتلاكها القدرة على الاتصال بقوة غيبية تمدها بأسباب السيطرة على الواقع المعاين وتمنح الشخصيات بعض الأمتيازات الممثلة في القدرات العجيبة والتحكم في الآخرين ومن هذه الشخصيات شخصية الشيخ درويش الذي سعى إلى إقناع الناس بوجود الجن في حياته ومن ثم ارتبطت الشخصية في أذهان الناس بأنها ذات بعد أسطوري ويتحول إلى ساحر يوهم الناس بأن العالم الذي يعيشون فيه مملوء بالكائنات الغيبية التي بإمكانه وحده أن يتصل بها زاعماً أن بقدرته التحكم في الأرواح وتوجيهها الوجهة التي يريد
فتتجسم الشخوص من خلال حضور كائنات غيبية وقوى خارقة ممثلة في المردة والعفاريت والأرواح كما تحضر أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة

أما في محورالمصاحبات الصوتية والبصرية
نعني به الجزء القولي المصاحب للطقوس التي تصف الأسطورة بصورة تمثيلية تتولد عنها أصوات تسمع وكائنات تتحرك في الفضاء النصي للرواية فقد شغل العالم السفلي بوصفه مصدراً تأتي منه الشياطين والأرواح الشريرة مساحة واسعة من وعي الشخوص وذاكرتهم في العدامة ففي النظرة الأسطورية للعالم اعتقد الإنسان أن الأرواح وعالم الجن تحل في كل مكان في الأشجار والحجارة والرياح والنجوم وتتحول إلى كائنات متحركة قادرة على الفعل وفي الوقت ذاته يقوم الساحر عن طريق أداء تمثيلي باسترضاء هذه القوى بممارسة طقوس معينة وإنشاد ترانيم وتعاويذ وإشعال البخور المصاحب للطلاسم الغامضة كل ذلك يجعل الحدث مترافقاً مع مصاحبات صوتية وبصرية
وتتحول هذه المصاحبات الصوتية والبصرية إلى لغة أسطورية تلعب دور الكورس في المسرح الإغريقي وتوحي بأجواء ملحمية

أما في حراكية الزمن المثيولوجي ودائريته
فيبرز الزمن الدائري المرتبط بالدورة الطبيعية التي يمر بها الإنسان من خلال وجوده العضوي فيما يضمر في طياته العودة الأبدية للشئ نفسه
كما يمتزج الزمن الأسطوري ويتشابك زمن الحكاية الأساس مع زمن بعض الشخصيات الأخرى عبر حكايات عاطفية قصيرة وما يفتأ جميع الشخوص أن يجمعهم زمن واحد هو زمن البحث عن الكنز مما يهيئ لبروز حكاية أسطورية وتناميها من خلال امتزاج الحكايتين وتراكبهما
فتتسم الرواية بثراء الفضاء المنفتح على تضاريس المكان بمناخاته الشعبية المتوترة والمترقبة للعثور على الكنز جامعا بين الفضاء التراثي المرتبط بالأساطير الشعبية وبين فضاء الأمكنة الحديثة مما يجعل العدّامة تتأبى – كمكان- عن طوابعها الواقعية الاعتيادية لترقى إلى مرتبة أسطورية تتغيا لها مكاناً في الوعي والذاكرة

وفي محور الحضور الطقسي للغة المجازية :
برزت التشكيلات اللغوية أقرب إلى طبيعة الشعر تواؤماً مع مستويات التشكيل المثيولوجي
حيث يتمتع الشعر بلغة أسطورية وتشترك الأسطورة مع الشعر في لغته القريبة من المجاز
بفطريتها التي تثير دهشة المتلقي نتيجة تعبيرها عن المكامن الغامضة والمعبرة عن دهشة العالم كما يوظف اللغة المجازية الفارزة لأجواء معبأة برائحة الحكايات والطقوس الشعبية

وأخيراً فنص ساعة ظهور الأرواح معبر عن الإمكانات الثرة التي يزخر بها التراث في الجزيرة العربية

د. أسماء أبو بكر
ملخص ألقي في ملتقى قراءة النص في جدة والموسوم بــ ” الرواية في الجزيرة ” بتاريخ (27-29 -3 1430)

كتبت أعمالي الأولي داخل السجن السياسي

عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏14-8-2019

‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة واحد من المبدعين المميزين في مملكة البحرين‏,‏ فهو يكتب القصة والرواية‏,‏ إضافة إلي الدراسات النقدية الأدبية والمقال الصحفي‏,‏له العديد من الأعمال المميزة التي يسهم بها في إثراء الحركة الأدبية بالبحرين وإنضاجها حتي تتحول البحرين إلي منتج أدبي حقيقي ومميز في المنطقة العربية سواء هي أم منطقة الخليج بشكل عام‏…..‏وعبـــــــدالله خلــــــــيفة واحد من مثقفي البحرين المناضلين من أجل وضع أسس الديمقراطية وإعلان دستور وطني هناك‏,‏ وذاق مرارة السجن السياسي عقب إلغاء المجلس الوطني البحريني في منتصف سبعينيات القرن الماضي‏.‏

من أهم أعماله القصصية مجموعة دهشة الساحر وسيد الضريح ويوم قائظ أما رواياته فقد أصدر ما يقارب العشر روايات منها اللآلئ والقرصان والمدينة وأغنية الماء والنار والضباب وأخيرا رواية الينابيع في جزءين والجزء الثالث تحت الطبع الآن‏,‏ أما دراساته النقدية فقد شملت الإنتاج الأدبي الصادر من جميع أنحاء الوطن العربي‏,‏ إضافة إلي أدب الطفل‏.‏

وفي واحدة من زياراته المتعددة إلي دبي جلست إليه في محاولة للاقتراب منه والتحدث معه حول أعماله وإسهاماته الأدبية ورؤيته النقدية لإبداع الخليج‏,‏ سألته في البداية عن سبب ندرة الأسماء الخليجية المنتشرة عربيا في مجال القصة والرواية مما يؤدي بطبيعة الحال إلي قلة الأعمال الخليجية فقال‏:‏

 الحقيقة أن الرواية في الجزيرة العربية والخليج عمرها قصير نسبيا ولا يتعدي الثلاثة عقود وهذه فترة غير كافية كي تنضج وتنتشر‏,‏ فمثلا خلال القرن العشرين لم تنتج الجزيرة العربية والخليج أكثر من خمسين رواية والسعودية مثلا وهي بلد ضخم وكبير جدا لم تنتج منذ منتصف القرن الماضي سوي روايتين علي الأكثر‏,‏ لكن بعد منتصف القرن العشرين ومع الثورة والتطور الاجتماعي والثقافي بدأت الأجيال الجديدة تنتقل من القصة القصيرة إلي الرواية لأنه حتي في البدايات الأولي معظم الأعمال الأدبية كانت متجهة نحو القصة القصيرة لأن الرواية تحتاج إلي تراكم القصة القصيرة ذاتها فنيا وإلي اكتشاف الواقع بشكل عميق وإلي التطور الشكلي ونموه وهذا لا يجري إلا من خلال الاحتكاك العميق بالرواية العربية والعالمية وهذا ما جعله يتطلب فترة زمنية طويلة‏.‏

‏⇦‏ طبعا أنت لا تحسب عبدالرحمن منيف ضمن ما ذكرت؟

عبدالرحمن منيف انتقل من الجزيرة العربية ليعيش في المناطق الشمالية بسوريا والعراق (ولد وعاش في الشام والعراق)* وهذه أماكن ذات ثروة ثقافية عميقة وقديمة ولاحظي أنه حتي في تطور الإسلام والثقافة العربية القديمة ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية لكنه لم يتجزر فيها أو يكون مؤسساته الثقافية والحضارية وإنما انتقل إلي الشمال في العراق وسوريا والمشرق في مصر وهذه المناطق هي التي كونت الثروة المعرفية والثقافية بينما عادت الجزيرة إلي حياتها الصحراوية‏,‏ هذه الحياة وقلة المدن وتباعدها وعدم وجود تطور اقتصادي عميق في تلك السنوات ما كان ليؤدي إلي تطور ثقافي كبير جدا في العصر الحديث‏,‏ بدأ هذا التطور نتيجة للنمو الاقتصادي الجديد بسبب ظهور النفط‏,‏ عبدالرحمن منيف تواجد في المناطق العربية الأخري واستطاع أن يتغلغل في بيئتها الثقافية والفنية وأن يكون جزءا منها‏,‏ والملاحظ علي كتابة منيف عن التكوينات الخليجية الجزيرية علي أنها نظرة من الخارج مثل مدن الملح التي يكتبها كموجود في سوريا أو العراق ويكتب معتمدا علي مذكرات الإنجليز وغيرها إضافة إلي ذكرياته هو نفسه في المنطقة والتي لم تمتد طويلا‏,‏ وهناك أمر مهم أيضا أحب أن أشير إليه أنه لو كان يعيش في الداخل ما استطاع أن يكتب رواية بهذا الشكل لأنها موجهة بشكل أساسي للأسرة الحاكمة‏.‏

‏⇦ هل تريد أن تقول إن منطقة الخليج تربة غير صالحة للشكل الروائي الإبداعي؟

 لا ولكن نظرا لأنها لم تكن متجزرة في التربة الثقافية ليس لها تاريخ كبير مثل البلاد العربية الأخري وإن كان النفط والنمو الاقتصادي أدي إلي تسارع نموها وإن كان ذلك قد أدي إلي ظهور سلبيات مثل سهولة تسمية أي نثر رواية وطباعتها لتوفر المال‏,‏ كذلك استغل الكثيرون قدراتهم المادية للترويج لأسمائهم في الوطن العربي في حين لم يتمكن آخرون ممن لا يمتلكون المال‏,‏ لتبقي المواهب الحقيقية مدفونة في الداخل لتحفر بهدوء‏,‏ وخاصة أن المنطقة لم تكن كلها معرضة للثراء‏,‏ فهناك أجزاء شديدة الفقر وهناك العديد من الكتاب الحقيقيين زج بهم في السجون مثلما حدث لدينا في البحرين حيث لدينا تجربة مريرة في الحياة السياسية وأغلب النتاج الشعري والقصصي البحريني مكتوب داخل السجون فكيف يروج نفسه كي ينتشر‏.‏

‏⇦‏ وهل كتب عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏أدبه في السجون أيضا ؟

بالطبع كتبت جزءا منه وليس كله في السجن‏,‏ فلدي شهادة روائية كتبتها داخل السجن حيث مررنا في البحرين بصراعات سياسية حادة منذ السبعينات وكان لدينا مجلس وطني ونقابات ومحاولة جادة للإصلاح السياسي لكن الحكومة قامت بحل المجلس الوطني عام ‏1975‏ واعتقل علي إثر ذلك الكثير من الكتاب والمناضلين وكنت أنا واحدا منهم حيث ظللت بالسجن حتي الثمانينيات‏,‏ لكن ما أحب أن أؤكد عليه أن وجودي في السجن لم يكن شرطا لخروج إبداعي بشكل جيد‏,‏ فالمكان ليس له علاقة بجودة وشكل الإبداع وإنما المهم أن يكتب الأدب بلغة فنية تراعي المعمار الروائي أو القصصي وكون الرواية كتبت في السجون لا يعطيها ذلك أي أهمية فنية أو مكانة روحية غير التي تتوافر للعمل المكتوب خارج السجون‏,‏ لكن الكتاب في السجون تصادفهم عقبات كثيرة تجعل من قدرتهم علي إنجاز عمل أدبي داخل السجن انتصارا كبيرا علي واقع مأساوي‏.‏

‏ ما الأعمال التي كتبتها داخل السجن؟

 كتبت ثلاثة أعمال في هذه الفترة الأول اسمه اللالئ ومجموعة قصصية ثم رواية باسم القرصان والمدينة‏,‏ وتشكل هذه الأعمال بداياتي الأدبية حيث كتبتها في السبعينات وحتي تخرج من السجن وتعبر الجدران حفظتها داخل أنابيب معجون الحلاقة ليأخذها صديق ويطبعها بعد ذلك‏.‏

‏ هناك ملاحظة مأخوذة علي الإبداع القصصي الخليجي وهي أنه لا يخرج عن إطار التراث والغوص وصيد اللؤلؤ‏…‏ ألا توجد مواضيع أخري؟

 الرواية لابد أن تغترف من الواقع‏,‏ فمثلما قام نجيب محفوظ بتحليل الحارة المصرية‏,‏ يقوم كتاب الخليج بتحليل مجتمعهم وأرضهم والمهن التي امتهنوا بها مثل الغوص والصيد‏,‏ وكما تعذب فلاحو مصر في الأرض وعانوا من سيطرة الإقطاعيين‏,‏ تعذب الخليجيون في البحر من سيطرة الربابنة والنواخذة‏,‏ فكان مثلا الربان يربط الصياد الذي يعترض عليه في الصاري وإذا مرض صياد لا يصرف له أجر وإذا مات تشردت بعده عائلته وهكذا‏,‏ لقد كانت تلك المرحلة من المراحل القاسية علي الناس التي خلقت قصص كفاح وبطولات وأنا أعتقد أن هذه المرحلة كانت أفضل من الوقت الحالي حيث يتولي الخليجيون الإدارات وينتفخون ويتعالون علي العاملين من الجنسيات الأخري‏,‏ إذن التجزر في شخوص المنطقة والتعرف عليهم وتحويلهم إلي روايات وأيضا استغلالها للترميز علي الوضع الراهن أمر مطلوب‏,‏ المهم أن لا يقوم الكاتب بالبكاء الرومانسي علي الماضي والنظر له علي أنه النقاء والصفاء والخالي من السلبيات‏,‏ يجب النظر للماضي ودراسته بذكاء وبشكل موضوعي ونري إلي ماذا أدي ثم تحليل الواقع المعاصر بجميع جوانبه‏.‏

‏⇦‏ نعود إليك‏..‏ هل بدات بالقصة القصيرة أم بالرواية؟

بالقصة القصيرة ففي المناطق التي لا يوجد بها تراث قصصي غني معاصر متجذر تكون البداية دوما مع القصة‏,‏ فنحن عندما بدانا في الستينيات والسبعينيات كتابة القصة‏,‏ كانت هناك بلدان في المنطقة العربية تكتب هذا اللون الأدبي منذ قرن مضي وعندها منجز إبداعي وثقافي راق يمكن لأي أديب جديد أن يستند إليه أما في الخليج فليس لدينا هذا التراكم المنجز لمدة قرن لذا بدأنا بكتابة القصة القصيرة لأنه لم تكن هناك روايات منجزة في المنطقة‏,‏ بالطبع كانت هناك محاولات لكتابة الرواية لكنها خرجت مفككة ذات بنية ضعيفة وظهرت في شكل تربوي إصلاحي متعال علي المجتمع‏,‏ لكن نحن بدأنا في الستينيات والسبعينات بالحفر الموضوعي في الحياة واكتشاف النماذج علي حقيقتها وتحويل القصص القصيرة بشكل تدريجي إلي رواية‏,‏ عموما الكتابة الأدبية كلها واحدة ولكنها أجناس مختلفة وليس معني هذا أن تحول كاتب القصة القصيرة للرواية أمر طبيعي فمن الممكن أن لا يكتب الأديب سوي لون واحد طوال حياته ويمكن أن يعزف علي اللونين‏.‏

⇦‏ أنت تكتب في النقد الإبداعي أيضا فهل يؤثر الجانب النقدي داخلك علي الإبداعي؟

 عندما أكتب إبداعا أدبيا لا أنظر إلي أي مقاييس إبداعية مسبقة أو أي نظريات أفصل عليها قصة ولكن أنا لدي نظرة شخصية للأدب بشكل عام‏,‏ نظرة تنطلق من المدرسة الواقعية وتطوراتها ومدارسها كلها‏,‏ في البداية اخترتها بشكل انعكاسي مباشر ومع تطور التجربة أخذت الواقعية بشكل أعمق أنمو من خلالها‏.‏

⇦‏ وما نظرتك المستقبلية للكتابة الإبداعية في الخليج‏..‏ هل ستشهد تطورا لتشكل تيارا خاصا في الخريطة الإبداعية العربية؟

 ما يحدث أن الشباب في الخليج لديهم سيولة نقدية تشجعهم علي التسرع بالنشر دون أن يكون إنتاجا إبداعيا حقيقيا ودون الرجوع إلي النقاد والمراجعين‏,‏ ففي السعودية هناك إنتاج أدبي هائل لكنه للأسف غير مميز‏,‏ فهم لا يتجزرون في قراءة مجتمعهم ولا يقرأون تراثهم بشكل عميق ولا يطلعون علي الإرث الأدبي والروائي العالمي والعربي‏,‏ وبالتالي لا يتشربون النوع الأدبي روحيا وفنيا وتتحول العملية الإبداعية لمجرد صفقات تجارية حتي يتم الترويج لهم في الخارج ولينتشروا في البلدان العربية الأخري‏,‏ لذا أحذر من هذا وأنصح بالتعب علي الإبداع والعمل الجاد لامتلاك الأدوات الإبداعية قبل التفكير في النشر والانتشار‏..‏ عموما الرواية لدينا تنمو وإن كان بشكل حذر علي أيدي روادها مثل إسماعيل فهد إسماعيل في الكويت وهناك كتاب سعوديون لديهم تجارب مهمة وإن كانت الإشكالات الفكرية في هذا البلد تمنعهم من التطور الفكري مما يؤدي إلي أن يظلوا يعيدون إنتاج أنفسهم‏

أجرت الحديث في دبي ــ أمنية طلعت
27/11/2004
الأهرام العربي
27/11/2004

  المحرر

عبدالله خليفة وحوار عن أدب السجون

8

• كيف تحصلون على أدوات الكتابة . .
• كانت عملية الحصول على أدوات الكتابة في غاية الصعوبة خاصة فيما يتعلق بالأقلام، فالأقلام نادرة وشحيحة جداً، في حين أن الأوراق أكثر سهولة، فهي تظهر من علب صابون(التايد) لكن المسحوق الإيراني في ذلك الوقت(درايا) ، منذ اواسط السبعينيات حتى بداية الثمانينيات ، كان الأكثر كرماً في تحول أغلفته إلى الورق، فحين تنقع هذه الأغلفة بالماء ثم تجففها تتحول أجزائها الداخلية المتعددة إلى دفتر كامل من الممكن أن تكتب عليه قصة قصيرة كاملة!
لكن مسألة الأقلام كانت عويصة وظلت تعرقل عملنا الكتابي، ومن الممكن التغلب عليها بمساعدة شرطي أو سجين، وقد قمتُ في سجن (جدا) بتعليم بعض السجناء القراءة والكتابة، فكان أجري هو الحصول على بعض هذه الأقلام التي تتحول إلى كنزٍ ثمين، فأنت تخبئها في علب معجون الحلاقة أو علب الصابون الناعم، وقد يتحول قلم الرصاص إلى طول أصبع، فتضعه في غصن شجرة، وحينئذٍ بإمكانك أن تكتب به!
لكن مشكلة الأقلام ظلت على مدى أعوام السجن مرهقة للجماعة وكأنها قضية وطنية كبيرة، حتى قمنا بحل بعض إشكالياتها في سجن (سافرة) حيث كنا نبدل أقلام الناشف التي تعطينا إياها إدارة سجن سافرة الممتلئة حتى نهاياتها بأقلام ناشف أخرى، تكاد أن تكون فارغة من الحبر، فيأتي العريفُ الأردنيُ صارخاً (أين الكلمات) ويلفظها بطريقة لهجته التي تـُضخم الكاف، فهو لا يقصد الكلمات بل القلمات!
ولم تنفرج أزمة القلمات حتى خرجنا واستعملنا الآلات الطابعة ثم الكمبيوتر لكن ظل قلم الرصاص هو الأثير، وصارت عقدة فكلما رأيتُ قلم رصاص سرقته، حتى راحت تتجمع لدي بشكل هائل دون أن أكتب بها!
• هل هناك بعض الممنوعات . . .
الحياة في السجن كلها ممنوعات ، فلا أحدٌ يسمح لك بالكتابة ، التي هي نشاط غير قانوني ، لأنهم عزلوك لكي يمنعوك من الكتابة والتأثير الفكري والسياسي ، فلا بد وقتذاك أن تتحايل على هذه القيود ، فتكتب وراء الجدران وبعيداً عن عيون الحراس، وتخبئ ما تكتبه تحت الفراش ، أو بين اللعب ، أو في أمكنة أكثر غورا ، وأن تجعل الأوراق أقل حجماً بشكل مستمر ، وأن تخبئها بين ثيابك في لحظات المداهمة وأن تحتفظ بنسخ ، وأن تستغل الرسائل الموجهة للأهل لكي تنسخ هذه الأعمال وترسلها للخارج تحت عيون الرقيب نفسه
• ما انواع الكتابة . .
• كنتُ دائماً ولا أزال القصة القصيرة ، والرواية ، والمقالات ، والبحوث، منذ أن كنتُ طالباً في المرحلة الثانوية وفي معهد المعلمين ، وفي السجن واصلتُ نفسَ الأنواع الأدبية والفكرية ، لكن أصبح لظروف السجن تأثيرها من حيث صعوبة الكتابة ، وصعوبة كتابة البحوث خاصة ، ولكن انفتح مجال القصة القصيرة أكثر ، لأن نفس السجن نفـَسٌ سريع ، متوتر ، وهو كذلك مطول ، لأنه يتيح لك (التنقيح) عشرات المرات ، فليس أمامك جريدة تسرع بإعطائها قصصك ، وأمامك كذلك وقت طويل منذ أن تشرب الشاي الأحمر الكريه حتى تأكل وجبة المساء التي تأتي في العصر ، ولهذا فإن خيال الكتابة يتطور ، وتدخل معهد التشكيل المعمق للنص !
• هل يمكن للسجين أن يكتب عما يدور في الخارج .. .
• الكتابة حرة في السجن أكثر من خارجه ، لأنك تستطيع أن تكتبَ ما تشاء فأنت محبوس أصلاً وغير معرض للعقوبة رغم أنني عوقبت عن الكتابة داخل السجن. ولكن عموماً أنت في الكتابة عموماً تلغي الجدران ، والحواجز وتكتب بحرية ، لأنك تكتب من أجل أن تغير ، لكن حياة السجن الداخلية تعطيك مادة خصبة ، فأنت تقابل مجرمين عتاة ، فهذا قتل ولداً وذاك سرق خزنة وهرب بها ، وثالث اغتصب وقتل من أغتصبه ، وتجد هؤلاء يعيشون بهدوء ويأكلون ويمتمعون بالحياة ، وكأنهم قتلوا عصافير أو قططاً ، وكذلك تجد أن المعتقلين السياسيين بشخوصهم ونماذجهم الكثيرة يعطونك مادة للكتابة ويجعلونك تحلل الواقع بدرجة أكثر عمقاً مما كنت ترى سابقاً.
• ماذا أضافت تجربة السجن إلى تجربتكم ….
• تجربة السجن مريرة ، انقطاع عن الأهل والناس ، وعن الحرية ، وعن النشاط ، وعن الأكل اللذيذ ، وعن النساء ، فهي أما أن تصلبك أكثر أو تحطمك ، وقد استفدت من كل تجربة مريرة ، وبدلاً من أن أضيع وقتي ، كنتُ أتعلم أي شيء ممكن ، أقرأ أي كتاب موجود ، أي ورقة عن الأدوية أو السحر أو العلوم أو الدين ، استمع للقصص والدروس والتجارب ، أتعلم من أصدقائي وأعلم ، أكتب بشكل مستمر ، تجارب كثيرة كتبتها ، وضاع الكثيرمنها ، لكنها صقلت قدراتي في هذا المجال .
• عندما تكتبون هل كان لأحبابكم . . . .
• بطبيعة الحال فأنت جزءٌ من أهلك ، وكانت أمي قد ماتت في الشهور الأولى من سجني ، وكتبت قصصاً عديدة عنها ، وكذلك أهلي ، وحيِّ ، حيث استلهمت حكايات منطقتنا (القضيبية والحورة ورأس رمان ) وظهرت في روايات عدة : أغنية الماء والنار ، والضباب ، والينابيع الخ.. وتأخذ العلاقات الأسرية مكانة والعلاقة العاطفية مكانة ، فالمرأة لها من وجودك في السجن نصيب ، وكانت لي علاقة عاطفية بامرأة ، ويحدث مزيح مركب بين كل ذلك ، فالكتابة ليست تسجيلاً بل إعادة تركيب لعناصر كثيرة .
• هل للعلاقة الجنسية . . .
• ليس هناك أخطر من الجنس بعد السياسة ، فالحنين للمرأة يأخذ من وقتك الكثير ، وتتشوه بدون العلاقة الصحية بالمرأة ، وتصبح حياتك الجنسية غير سليمة حتى يكتب لك الله الفرج من الظلم والكبت والوحدة الشقية ومعاركة الفراش في الليل ، حتى تصيبك هلوسة جنسية ، وتزداد أحلامك البيضاء ، ولعلها رحمة حتى تفرغ شحناتك حينما يستمر السجن سنوات كثيرة !