أزمة اليسار : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

#عبدالله_خليفة : أزمة اليسار

تتردد كلمة أزمة اليسار وغياب اليسار في الكثير من المقالات، تعبيراً عن فقدان لقوى مهمة معبرة عن أغلبية الشعب.
كان اليسار نتاج صيغ مستوردة وكان عالمياً يشتغل لإنتاج رأسماليات حكومية، أُضفيت عليها شعارات إشتراكية، والتحمت هذه الشعارات بالمطلق، أي رئيت وكأنها أبدية، مما جعلها نسخاً من الأديان.
وقد كانت الأديان في بدايتها ثورات معبرة عن أغلبية الناس، وهي الخميرة الأساسية، التي تم دفنها في الأشكال العبادية المفارقة لتطور الناس وتقدمهم، وغدت الأديان معبرة عن الأقليات الإستغلالية فركزت على الأشكال كأدوات سيطرة على الجمهور.
ولهذا حين حاول اليسار أن يعبر عن الإغلبية الشعبية كان يواصل سيرورة الأديان، في تلك الثورات، لكن اليسار في العالم العربي لم يتواصل مع تاريخه العربي، بل استورد يساريته من الخارج، وهي عملية ضرورية في جانب الأدوات النظرية التحليلية لأنها نتاج تطور العلوم التي هي خبرة بشرية عالمية، والتي كان ينبغي أن تتوجه لكشف تطور المجتمعات العربية، وهي غير ضرورية بل مضرة حين تغدو جلب قوالب وتركيبها على تطور الشرق المختلف عن الغرب.
في التجارب (الاشتراكية) التي تحولت إلى أديان حديثة، نجد العمل الهام الذي إستغرق سنوات على تطوير حياة الأغلبية، لكن من خلال هيمنة حكومات مطلقة، وحينئذٍ يغدو الفكر (الاشتراكي) دينياً ويصبح شيئاً فشيئاً معبراً عن الأقلية الاستغلالية، لأن البيروقراطيات تنفصل عن الناس وتحول جزءً مهماً من الفائض الاقتصادي لمصلحتها.
فالوعي(الاشتراكي) هنا يكرس شمولية الشرق؛ وهي سلطة مطلقة أبدية، وإدعاء بامتلاك الحقيقة والقضاء النهائي على الشرور، وتحويل الزعماء الموتى إلى مزارات ومعبودين، حتى يتم دفن الفكر النقدي العقلاني معهم.
هذا الوعي الديني هو الذي هيمن على اليسار العربي، فتم نقل إشتراكية دينية بيروقراطية ذات نصوص شبيهة بالكتاب المقدس، الذي لا يمسه سوى المطهرون، وهي في ذات تنكر تراثها الديني، وليس الأشكال التقليدية فقط بل كذلك المضمون الثوري المتواري في بداياتها.
لكنها تنزلق نحو الأشكال التقليدية، فالمقدس المحافظ موجود في لا وعيها في أكثر الأحيان، خاصة أن الكثير من مناضليها هم من الفقراء والعمال. فالأشكال التقليدية أكثر حضوراً في الحياة اليومية، كما أن الاشتراكية ليست عند الأغلبية سوى شعارات.
بسبب المواجهات بين الرأسماليات الحكومية الشرقية التي تصورت نفسها نهاية للتاريخ، وبين الغرب، حدث انتصار للرأسماليات الغربية الأعرق وكذلك حدث تطور آخر في الرأسماليات الحكومية الشرقية، فكشفت عن وجهها الرأسمالي، وتجاوزت إختناقها التقني الانتاجي، وقاربت الديمقراطية الغربية في جوانب شكلية.
وبهذا فقد اليسار العربي سنده العالمي، وأعتبر ذلك نتاج خيانة للاشتراكية أو لتغلغل الجواسيس، وغير هذا من السببيات المسقطة بشكل ذاتي، فأصيب بصدمة دينية، عُوضتْ في جوانب منها بالرجوع إلى الدين المحافظ، الدين كما صاغتهُ قوى الإستغلال، وكان الرجوع للمحافظة والأشكال العبادية والطقوس وغيرها من المظهريات، جزءً من تدهور طويل في هذا الوعي (اليساري).
وإذا كانت بعضُ القواعد انهارت وذابت في المظهريات الدينية الطافحة، فإن جزءً من القيادات تمرس بالأشكال الانتهازية، والمصلحة الذاتية، والميوعة الفكرية، والتوجه مع الغالب أي مع الأطراف الدينية المحافظة بتنوع تياراتها وزئبقية مواقفها وتوجهها نحو الانضمام إلى قوى الإستغلال السائدة.
إن الطبيعة الدينية في هذا اليسار تعتمد على قواعد شعبية لم تتجذر في المعرفة العلمية، فليست الأفكار اليسارية – كما يُفترض – شعارات وإنما نظرية متغلغلة في كافة العلوم خاصة الاجتماعية منها.
وأغلبية العمال ليس لديها وقت للقراءة المعمقة إن لم يكن ليس لديها وقت للقراءة أصلاً، ولهذا هي تعيد سير آبائها الذين بعد أن ينتهوا من العمل يتوجهون للترفيه أو إلى دور العبادة يشحنون أدمغتم بالخطب المنبرية، ثم مع الأيام تضعف صلاتهم هناك بأعماق الدين وهنا بأعماق اليسار وجذوره التاريخية.
وتصبح المظهريات العامة الدينية واليسارية بينهما مشتركة؛ البكاء على الشهداء، وعمليات الشحن الموسمية للرمزية المعبودة، وتسلل الطائفية عبر تنحية رموز وتعظيم رموز دينية، تنحية النساء عن التنظيم والقيادة، وغير هذا من الجوانب التي تغدو في الشباب أكثر بروزاً وهي التي لم تشهد النضال اليساري في عنفوانه.
يساعد على ذلك نوعيات التنظيمات اليسارية خاصة التي صارت أندية وشللاً، وفقدت مضمونها الجوهري وهو الالتحام بالواقع والجمهور والصراع معهما، من أجل تحليل واقع الأغلبية وتطوير مساهمتها في التغيير.
وإذا كانت لا تدرس الواقع، ولا تعتمد على القراءة والإنتاج المعرفي التحليلي للحياة، ولا على جهود أعضائها تقرأ الواقع وتصارعه، فإنها تغدو مذبذبة، انفعالية، عفوية، تتبع تيارات الواقع ولا تقودها.
ولأن الواقع يتمثل في صراعات الطائفيين المسيطرة فإن حركة (اليسار) تصير بينها، استفادة منها، وميلاً إلى بعضها، ونقد أخرى، لأنها تكون قد إنزلقت بينها وصارت جزءً منها.
صارت العفوية أساس عملها وهي التي تتيح نمو الانهازية في صفوفها.
في إطار تحليله لأزمة اليسار يقول إحد الكتاب العرب:
( عندما إنضم ابناء جيلي لمعسكر الفكر الماركسي المتمثل اساساً بأحزابه الشيوعية، كنا نتفجر بالطاقات الفكرية والنضالية، والثقة التي لا تتزعزع بصحة نهجنا، وبأننا قادرون، رغم ضعفنا الواضح في مناطق ما من العالم، على تحقيق ما كان يبدو مستحيلاً، بالانتصار على الاعداء الطبقيين والانضمام الى العالم الحضاري المتنور، عالم العدالة الاجتماعية والحرية البعيد عن الاستغلال، الا وهو العالم الاشتراكي. وكنا مؤمنين بنهجنا متعصبين له بشكل مطلق. ولكن اتضح فيما بعد ان ما كان يبدو قريب التحقيق اصبح مستحيلاً، وأقرب الى معجزات السيد المسيح وكنا قد تجاوزنا جيل الحماسة والاندفاع، وبدأنا ننظر للقضايا الفكرية والاجتماعية بواقعية ومنطق مختلفين عن أساليب التلقين الحزبية التي واصلت (والمرعب انها لم تتغير حتى اليوم) التمسك بنفس النهج والتصرف وكأن ما جرى في النظرية والتطبيق مجرد خطأ مطبعي سيجري تجاوزه وتعود الثوابت الايمانيه الى مكانها الطبيعي. فالحديث ليس عن نظرية أو فلسفة تتعارك مع الواقع الفكري والاجتماعي، انما عن دين له كهنته وبطاركته ونصوصه المقدسة بل وله حرمته الدينيه. وكأن المعسكر الاشتراكي لم ينته، ونموذجه الاشتراكي هو النموذج الوحيد القادر على انقاذ البشريه… رغم ما تبين من فساد بعد الانهيار المدوي، ومن انحرافات، وتجاوزات للفكر العظيم لمؤسس الماركسيه- كارل ماركس، قزمت فلسفته وحولتها الى ستالينية ضيقه الافق مارست أبشع اشكال القهر والاستبداد ضد شعوب الإتحاد السوفياتي والمجموعة الخاضعة لها في اوروبا الشرقية.)
حتى في إطار نقد الفكر اليساري وتجربته تتواصل عقلية الفكر الديني المحافظ، فمصطلحات مثل(عالم العدالة والحرية البعيد ع ن الاستغلال)، تعيدنا إلى ذلك الوعي فهي تصويرٌ للمجتمع السوفيتي كمجتمع ديني، كجنة أرضية، انحرفت إلى النار بسبب شخص كافر هو ستالين، لم يمش على صراط الإمام الأكبر ماركس.
وهناك جوانب في الفقرة السابقة المستشهد بها حقيقية، لكن الفقرة لم تقترب من فهم أساليب الإنتاج، وهي الفكرة الرئيسية لفهم الماركسية، ف(عالم العدالة والحرية البعيد عن الإستغلال) كلامٌ خيالي، وهو كلام مقصود به القفز على التشكيلة الرأسمالية، وهو ما كان المطب الرئيسي لمنظومة ما يُسمى ب(الماركسية – اللينينية) التي تمظهرت في مؤسسات الأحزاب الشيوعية، والتي اعتبرت هذه التشكيلة غير ضرورية، ويمكن القفز فوقها للذهاب إلى الاشتراكية مباشرة، وهي تعبر عن عقلية مغامرة غير علمية، لهذا كانت في العمق وعياً دينياً، وفي الظاهر إلحاد عدمي، يعتقد بإمكانية الطيران فوق السببيات الاقتصادية، وصناعة الواقع كما يهوى ويتحول إلى دين يسحق الأديان.
لكنه كان يصنع الرأسمالية الحكومية الدكتاتورية، فليست المسألة مسألة(رغم ما تبين من فساد بعد الانهيار المدوي)، بل الأمر أخطر وأكبر من ذلك، إنها عملية صنع المنظومة الحكومية الشمولية تلك، أي الأمر يعود لتكوين دكتاتوري في العلاقات الاجتماعية والسياسية الشرقية الضاربة الجذور في الاستبداد. فاستيراد الروس للماركسية كان إستيراداً بعقلية دكتاتورية تمظهرت بقوة في الحزب البلشفي، وكان المناشفة، المنادين بالديمقراطية أقرب للماركسية! وهكذا كان لينين صانعاً لهذه الدكتاتورية الرأسمالية الحكومية، منذ بداية تنظيم البلاشفة في الخلايا الأولى!
ولهذا كانت الرأسمالية الحكومية الدكتاتورية هي الممكن الوحيد لدى مثل هذه المؤسسات السياسية، وليس هذا ببعيد عن القوميين العرب والبعثيين والطائفيين الحالييين، فمهما كانت مصادر نقلهم للأفكار، فهم في النهاية يعملون لقيام رأسماليات حكومية دكتاتورية، فهذا له جذور في تاريخهم السابق لا يقوموا سوى بقولبتها على الحاضر. لا يختلف في هذا لنين عن الخميني عن عبدالناصر عن هوشي منه عن كاسترو عن صدام الخ..
وهي علاقات تجعل (اليساريين) يرون في الطائفيين أخوتهم في النضال!
كان إنشاء قطاع عام أساسي في روسيا وتشجيع القطاعات الخاصة المنتجة و تطوير الريف وتحديثه بشكل تدريجي والسماح بتعدد الأحزاب والحريات العامة والانتخابات الحرة كان أفضل للتجربة الروسية، وهو ما صار وامضاً في السياسة الاقتصادية الجديدة في العشرينيات من القرن العشرين في الاتحاد السوفيتي، التي لم يحولها لينين إلى منظومة مصراً على النظام الحكومي الدكتاتوري، فـُنسفت هذه العناصر الديمقراطية مع تصاعد الدكتاتورية بشكل شامل.
وإطاحة ستالين بأعضاء المكتب السياسي الآخرين وقتل أغلبهم ليست مسألة عبقرية شخصية، بل هي نتاج تصاعد البيروقراطية الحكومية وتصاعد الأجهزة السرية البوليسية والعسكرية التي وقعت خيوطها بين يديه!
ثم عممت هذه التجربة على البلدان والأحزاب الأخرى باعتبارها إشتراكية!، وقد هيجت هذه السياسة الصراعات الدولية الكبرى وبررت صعود الفاشيات في أوربا الغربية.
لم يقم اليسار العربي بنقد تجربته النضالية الدكتاتورية إلا بأشكال عمومية ومجردة ولم يدرسها بشكل نقدي من خلال تاريخه الخاص، لأسباب فكرية بدرجة خاصة فهو الماركسي لا يعي الماركسية، إلا باعتبارها قوالب شرقية استبدادية، وعبادة لقادة، وأبوية وطنية وعالمية.
هو جزء من جماعة تسودها الأبوية وغالبية عمالية تكره الرأسمالية بسبب عيشها في مصانع وشركات وتحن لإزالة الاستغلال، وهي تعاني من ظروفها هذه ولا تستطيع أن تغير مهنها، ولا تدرس الثقافة السياسية كذلك، وبالتالي يكون لها وعي مناهض بشكل عفوي للرأسمالية، وتمضي غريزياً للشعارات الاشتراكية، دون فهم عميق لها.
ومقاومة الاستغلال الرأسمالي وتحسين ظروف العمال وأجورهم أمور هامة جوهرية، ولكن مسألة إقامة نظام سياسي إشتراكي شيء مختلف.
وغالباً ما لا يفهم حتى قادة العمال هذين الأمرين، نتيجة لذلك الوعي، خاصة في دول تعيش نظاماً تقليدياً، متخلفاً، كما أن(الماركسية – اللينينية) التي تمتْ صناعتها في دول الرأسماليات الحكومية كرست مثل هذه الأمية الفكرية.
ولهذا فإن واقعاً معقداً كالذي نشهده حالياً لا تستطيع مثل هذه اليافطات الشعارية أن تحلله وتفهمه، وتتأخذ تجاهه موقفاً نقدياً يؤدي إلى تقدم حياة الغالبية من الجمهور.
لقد خلقت الطائفيات مثل هذه المواقف الملتبسة، وتؤدي العفويات السياسية والانتهازية والمعارضة الغريزية، أدوارها في تأييد الأحزاب اليسارية للطائفية الشيعية أكثر من الطائفية السنية، خاصة في بلدان المشرق ما عدا مصر وفلسطين والأردن، التي لها سمات مذهبية ودينية أخرى، فالكثير من قواعد الأحزاب اليسارية تأتي من العمال والفقراء، المشحونين بالدعاية الطائفية، ولا تتمكن مداركهم من فرزها وتحليلها، وحياتهم اليومية تجري بين هوائها، ولهذا يؤيدونها دون إدراك لمخاطرها.
والسياسات الطائفية لكافة دول المشرق مرفوضة، ولكن الأخطر فيها حين ترتبط بمشروعات توسع، وعسكرة، وتقمع شعوبها في الداخل، ولهذا فإن عدم نقد مثل هذه السياسات في الأحزاب(اليسارية) هو بحد ذاته مبعث قلق كبير، ولعل أسبابه تكمن في مجاملة طائفتها، وأعضائها المنتمين إليها، وحينئذ تكون السياسة(اليسارية) قد وصلت إلى الكارثة.
كما أن الطائفيات السنية لا تخلو من سلبيات كبيرة كذلك، فالعسكرة وسياسة الأجهزة العسكرية والبوليسية وإرسال الرساميل للعيش في الخارج، وعدم المساواة في المناطق وبين المواطنين للدخل الوطني، هي وغيرها سلبيات يجب نقدها بقوة من قبل الأحزاب اليسارية، لكن في هذه الفترة الحالية تكون سياسة المحافظين الدكتاتوريين في إيران هي الأكثر خطورة على حياة المنطقة.
مثلما تتوج خطأً السياسة الطائفية السنية في تأييد القاعدة.
تحدث المجاملات والتغاضي عن ذلك البلد وتلك الطائفة فيقال أن ذلك لحساسية الموقف! وليس ذلك سوى للحفاظ على مظهر هش للتنظييم اليساري، الذي تقاعد مبكراً من اليسار، لكنه يخدع نفسه بمظهريات، وعبر أعضاء لا يقرأون، ولا يزاولون نشاطاً سياسياً تحويلياً للواقع.
بطبيعة الحال يمكن لمواجهة الجمهور المتخلف والمتعصب أن تجرى وسائل الارشاد بطرق حذرة، وعبر التمييز بين رموز التراث والأنظمة التي تتاجر بها، لكن الحقائق يجب أن تقال، وأن تترسخ في وعي هذا الجمهور، فالتناقضات داخل الطوائف والأنظمة الشمولية تحتدم، وسيكون لها في المستقبل مظاهر حادة تصل بالقوة حتى إلى عقول أكثر الناس تخلفاً عن متابعة الأحداث وفهم الواقع.
ولو كان اليسار ذا مواقف نقدية من الظاهرة السوفيتية والصينية والناصرية والبعثية واليمنية الجنوبية وغيرها، لكان قد طور عقلانيته، وكان أكثر بقاء واتساعاً، وقلل من كوارث الأنظمة والحركات الطائفية، ولكن ذلك لم يحصل، وهو لا يحصل الآن تجاه الأنظمة التي ورثت السابقين، مما يدل على ضعف تنامي تلك العناصر النقدية العقلانية، وهيمنة العفوية المؤيدة للدكتاتوريات الجديدة، ومجاملة المتخلفين، والاستفادة منهم لمصالح عابرة، بدلاً من تبصيرهم بوعورة الطريق، وعرض تجربتهم هم كيساريين بلسبياتها وإيجابياتها، فالجميعُ نتاجُ نسيجٍ واحد شرقي شمولي طائفي، لا بد من التعاون لتغييره.

وحدة المنبر، وحدة المعارضة : عبـــــــدالله خلـــــــيفة

لعب اتجاه جبهة التحرير على مدى العقود السابقة دور الموحد للقوى السياسية الوطنية والداعم لوجودها ونموها، فالنقد الذي كان يوجهه غالباً ليس تحطيمياً بل هو نقد بناء، يريد تعزيز مواقف هذه القوى، وتطور النظام الوطني.

ولهذا فمن الغرابة أن يشهد هذا الاتجاه نفسه انقساماً شل فاعليته وسط معركة انتخابية متصاعدة.

وإذا بحثت عن الأسباب لهذا الانقسام لن تجد أسباباً فكرية، بل هي أسباب شخصية وصراعات بين أفراد.

وقد كان رئيس الاتجاه الراحل الذوادي، قد عرف بدماثته الأخلاقية ورحابة صدره، وترحيبه بوجد اخلافات اجتهادية وفكرية وسياسية داخل الجماعة، لكنه عرف كيف يمنعها من الشطط، والغلو، فهو يحتضن السمات الفردية المختلفة، رغم أنه كذلك لم يكن متوجهاً للدراسات العميقة ولم تتشكل بالتالي في الجماعة رؤية متجذرة في شتى نواحي قراءة الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية، خاصة إن سنوات المنفى لم تعرف مثل هذه العملية، بخلاف الأحزاب التقدمية العربية في المنفى.

ربما يعود ذلك للتقلقل في حياة الذوادي وعدم وجود قاعدة ثقافية متجذرة للأعضاء، وعمليات الاضطهاد التي لم تتح مثل ذلك الدرس وتكوين هيكل عظمي صلب من الأفكار المنتشرة بين الأعضاء والجمهور المؤيد.

ولهذا جاء المنبر الديمقراطي التقدمي ليس نتاجاً للتنظيم الصلب السبعيني، وليس كتتويج لعملية فكرية وسياسية متصاعدة بل كتجميع لأفراد تضاربت بهم السبل وعاشوا خلال العشرين سنة السابقة في عوالم مختلفة، وجاءوا من منافٍ ومن سجون حطمت أعصابهم وثقتهم في دورهم، ومن حياة عادية روتينية ليس فيها إنتاج فكري أو قراءات عميقة في أغلبها الأعم، فتشكل المنبر كشكل من أشكال العفوية السياسية، وعبر شلل وصداقات شخصية، لم تشكل فكراً.

ولهذا فمع مرض الذوادي وغياب الرعيل الجامع لهذه الفسيفساء، لعبت تلك الصراعات الفردية دورها، وتم النفخ من البعض في تلك الاختلافات وتضخيمها وتحويلها إلى (صراع إيديولوجي). وإن ثمة تحرير مواصلة للنهج السابق وثمة منحرفين ليبراليين، وإذا حاولت أن تدقق في ذلك فلا تجد له أي مصداقية، فليس ثمة أي كراسات مكتوبة أو مقالات تنظيرية في هذا، أي لا توجد أية أدلة تثبت وجود انقسام فكري وسياسي. والأفكار المطروحة في الصحف لأفراد من المجموعتين لا تجد فيها أي اختلاف جوهري يستدعي هذه الحديث عن خلاف عميق!

كذلك فإن المرحلة ليس فيها ما يدعو للعودة إلى فكر التحرير السابق، حيث تم تجاوزه، في الفكر التقدمي المعاصر باعتناق فكر ديمقراطي اشتراكي، تخلى عن المطلقات في الحزب القائد الوحيد، وفي الحقيقة، واعتماد التعددية حتى داخل التنظيم الواحد، عبر وجود منابر رفاقية وليست نزاعية هادمة.

ولهذا كله تعود صراعات المنبر إذن إلى صراعات شخصية، في تصوري، مع غياب الزعيم المحتوي لهذه المجموعات والأفراد، وإصرار البعض على عملقة ذاتية ليس لها ما يبررها.

لكن الخطورة في الأمر هو إن فصيلاً مهماً تم شله عبر هذه التصرفات، وبالتالي فإن المعارضة فقدت شيئاً مهماً، إلى حين. خاصة إن هذا الفصيل نفسه هو من تزعم مع القوى الوطنية والدينية المعتدلة دعم التغيرات السياسية في البلد وتجذيرها شعبياً بحيث تحول هذا الخط إلى خط يجمع الأغلبية الكاسحة من القوى السياسية!

وهذا يعبر كذلك عن إن مهمات مركبة ضخمة تنتظر المنبر عبر تعميق العضوية، وجعلها حقيقية فاعلة في حياة الجمهور، وليست ترفاً أو رقماً في دفاتر الجمعية، وتطوير الفكر الديمقراطي الاشتراكي في حياة أعضائه، عبر دراسات نظرية وتطبيقية على الواقع والحياة الفكرية وعلى التراث.

كذلك فإن صعود العديد من القيادات بدلاً من قيادات الرعيل الأول يتطلب منها رحابة الصدر للنقد وللاجتهادات المختلفة، وتعميق النظرة السياسية وتجذيرها بقرءاة مختلف أفكار الأحزاب الأخرى والتيارات الحديثة والدينية، بحيث تظهر قيادات من نوع مختلف عن الرعيل الأول، ذات ثقافة حديثة طليعية واسعة، وقادرة على صياغة نظرات سياسية توحيدية لمختلف الجماعات الوطنية والديمقراطية، لتساهم معها في نقلة كبيرة للحياة السياسية.

وأول ما يجب الآن هو وحدة هذه القيادات وانتقالها للمساهمة النشطة في الانتخابات القادمة.

عبيب «مأكول خيره»..!

#عبدالله_خليفة


عبد النبي سلمان
الأمين العام للمنبر الديمقراطي التقدمي – البحرين

عبدالله خليفه… ابن الفقراء ورفيق الكادحين

شارك حشد كبير في حفل التأبين الذي أقامه المنبر الديمقراطي التقدمي في ذكرى مرور أربعين يوما على وفاة الكاتب والأديب الرفيق عبدالله خليفة.
وتم في الحفل القاء العديد من كلمات الرثاء والقصائد الشعرية من بينها كلمة الامين العام للمنبر الديمقراطي التقدمي التي جاء فيها:
عملنا جاهدين خلال الفترة القليلة الماضية على جمع بعضا مما كتب حول الراحل الكبير الرفيق عبدالله خليفه، وهو جزء يسير مما كتب وسيكتب عن سيرة هذا المناضل الفذ الذي افنى جل حياته باحثا وكاتبا وروائيا ومناضلا ومفكرا تقدميا في صفوف الحركة الوطنية والأدبية البحرانية، حيث انتمى الى صفوف مناضلي ومناضلات جبهة التحرير الوطني البحراني في العام 1966 وهو الذي عرف قبلها قائدا طلابيا ونقابيا شجاعا اثناء انتفاضة مارس المجيدة عام 1965، كما عرف عنه شغفه الكبير ومثابرته الدؤوبة على قراءة ومتابعة كل ما يتصل بالفكر وبقضايا الكادحين والطبقة العاملة وقضية الصراع الطبقي، فقد تبحر الراحل الكبير كثيرا في تحقيق قراءة علمية ناقدة وجسورة، ميزته عن سواه على مستوى المنطقة حين اهتم وبشغف كبير في تحقيق قراءة مؤصلة في تاريخ الثقافة العربية والإسلامية، وموظفا ما اتيح له من أدوات النقد العلمي لسبر أغوار تلك الثقافة وأسباب نهوضها وانكساراتها وتراجعاتها، مستندا في ذلك على ما توافر لديه من عمق والمام واسع بأدوات التحليل العلمي الماركسي اللينيني لمختلف الظواهر والتحولات الاجتماعية والسياسية.
وعندما نحتفي في هذه الأمسية الوداعية الحزينة برحيل هذا المناضل الشجاع فأننا نستذكر بالفخر سيرة مناضل من أولئك المناضلين الكبار الذين عرفتهم السجون والمعتقلات، ولازمتهم عاهات التعذيب، وعركتهم الحياة وذاقوا مرارات الفقر والحرمان والتهميش والإقصاء، نظير مواقفهم الوطنية وصلابتهم في الدفاع عن المبادئ التي آمنوا بها، وعلى المستوى الأدبي والسياسي رفض كينونة النخب الصماء، وبقي وفيا لمبادئه وقيمه ورسالة حزبه، مهموما بقضايا العمال والكادحين وعذابات المهمشين، ووعى باكرا أسباب تراجعات وانكسارات وسقوط القيم والمبادئ في وجه العواصف والمحن، فكان بحق مشعلا مضيئا من مشاعل الحرية والنور والتقدم. تلك صفات تعلمناها منذ خطواتنا الأولى على طريق النضال نحو بناء وطن تظلله العدالة والحرية، ونفخر أن يكون رفيقنا الراحل عبدالله خليفة أحد معلمينا الكبار الذين ستبقى لهم في الذاكرة مزايا وبصمات لا تقبل التلاشي وعصية على النسيان.
عبدالله خليفه ابن فريق العمال ورفيق العمال والفقراء والكادحين، قرأناه وهو يكتب بحرقة عن حرائق اكواخ السعف وعذابات البحر والبحارة، وموت العمال في مصانع الموت، وجشع سراق المال العام وخبز الفقراء، وغياب العدالة الاجتماعية، واضطهاد النساء وسطوة الجهل والتخلف وتبعات الحرمان، فقد اثرى مكتبتنا الوطنية بنتاجاته الأدبية والفكرية الغزيرة وبرؤاه السياسية ونقده الأدبي العلمي الرصين، فكان في طليعة من كتبوا الأحرف الأولى لترسيخ نهجنا الفكري والنضالي إبان تأسيس تنظيمنا الوطني الشامخ المنبر الديمقراطي التقدمي، تعلمنا منه كيف يكون الاختلاف صحيا ومفيدا مهما تباعدت الرؤى والأفكار، طالما كان الهدف هو الناس والوطن واحترام المبادئ وفي سبيل فهم أفضل لقضية الصراع الطبقي وتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة، والدفاع بشراسة ووعي عن قضايا التنوير في مجتمع يزداد انغلاقا وتمزقا جراء مكابدات اجتماعية وسياسية واقتصادية لا زالت تترى ضمن عالم بات يضيق ذرعا بأصحاب الكلمة والرأي الشجاع. ولا يفوتنا هنا ان نقدم الشكر الجزيل للتوجهات الوطنية لدى اسرة الأدباء والكتاب والتي كان الراحل أحد مؤسسيها الأوائل، حيث تتجه الأسرة لطباعة ما يربو على اكثر من أربعة عشرة مؤلفا فكريا وادبيا جديدا* لفقيد الوطن والكلمة الشجاعة ستسهم حتما في إثراء الفكر والأدب في بلادنا.
عبدالله خليفة ، أيها الراحل الكبير، لا نقول وداعا، لأنك ستبقى فينا ومعنا شعلة تضيء حلمنا المخبوء حتى يرى النور يوما، فنحن ببساطة، وكما علمتنا، نؤمن بانتصار الكلمة والفكر والعدالة على قسوة السيف وازيز الرصاص و سياط الجلاد، مهما ادلهم الطريق وتشعبت الدروب، وستبقى فينا قامة وطنية سامقة تلهمنا على الدوام بفكرك التقدمي وبشجاعتك في الدفاع بصلابة عن قيم الخير والعدالة ووحدة الوطن والشعب، وسيبقى تراثك الفكري والنضالي منارة لنا على طريق وطن حر وشعب سعيد يستحقه شعبنا.
——–
*هذه أكبر كذبة تسمعها اسرة الفقيد !؟

وإلى الآن يرفضون وضع فيديو تأبين عبـــــــدالله خلـــــــيفة على موقع المنبر اللاتقدمي

شيعةُ العربِ ليسوا صفويين : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

شيعةُ العربِ ليسوا صفويين

كان العربُ هم مؤسسو المذاهب المختلفة، وهذا ينطبق على الشيعة، حيث تدفقت القبائلُ العربيةُ على العراق والبحرين واستوطنت هذه المناطق الزراعية وتأثرت بتقاليد أهلها القديمة الفلاحية.
كان تباينُ الرؤى السياسية يتم بشكل ديني، لكن المنزع العربي كان ملازماً للشيعة، والعربُ هم الذين نشروا المذاهب الإمامية في إيران وبعد أجيال تأثر بها الفرس والترك والأكراد وغيرهم.
أما الصفويون فقد ظهروا كتحولٍ سياسي حكومي واستثمروا تطور المذاهب الإمامية الطويل في إيران حيث بقيت الاثناعشرية وتلاشى مذهبا الزيدية والإسماعيلية بسبب اعتمادهما على العنف، في حين قامت الإثناعشرية على السلام والتعاون مع بقية المسلمين، وحتى ما عُرف بالتقية فقد كان تعبيراً عن الرغبة في عدم التصادم مع الآخرين.
الطبيعة الاجتماعية الريفية التي عاش عليها الشيعةُ العرب كرستْ هذه المسالمة، وغذى التجاور مع بقية الطوائف الإسلامية ومع المسيحيين هذا الميل للتقارب والتعاون.
ولهذا يُلاحظ في الشيعة العرب عدم اللجوء للجوانب العسكرية، وتعددية المراجع والتنوع في الآراء.
إن تطورَ الشيعة الفرس كان يجري في وضع سياسي اجتماعي مختلف، فإذا كان العربُ ذوي امتدادات واسعة في الجغرافيا وتنوع المناطق العربية وعدم وجود تأزم (قومي)، كان الفرس يعانون من الانحصار بين قوميات متضادة في منطقة ليست باتساع الجغرافيا العربية، وحين نشأت مملكةُ الصفويين بين سنتي 1501 – 1722 كانت قد أُقيمتْ على أثر عنف تاريخي سواءً من الإماميين السابقين أم من خلال الثورة الدموية ضد المغول ومن تحويل الإرث الصوفي المسالم للفرس إلى سياسة حربية.
ولهذا كان على الصفويين وهم يشكلون دولتَهم الحربية التوسعية المستندة على التعصب القومي الفارسي، أن يحولوا هذا الإرثَ الديني السلمي المتجسد في المذهب الشيعي إلى إرثٍ عنيف وإلى انفصال حاد عن بقية المسلمين وعداء كبير للعرب وهي أمورٌ صعبة متضادة. وبطبيعةِ حال تاريخ الصراع بين القوميتين الفارسية والعربية فإن ثقافةَ العداء للعرب واسعة متاحة أمكن تضخيمها بشكل هائل وحُولت بشكل مذهبي دون القدرة على تزوير ذلك بشكل كلي.
كما اشتغلوا على جوانب متعددةٍ من تفجير التناقضات داخل التراث الإسلامي، وتضخيمِ الموروث العبادي المختلف للمذهب عبر سيطرتهم المركزية طوال قرون عليه، وإلى توسع اللامعقول فيه، وتغييب الجوانب العقلانية النضالية المشتركة بين المسلمين. وأدى التوسع والغزو إلى طرد العرب من المناطق التي كانوا يعيشون فيها في إيران نفسها، وخاصة السواحل التي كانت عربية، ثم تم غزو العراق نفسه مصدر المكانة المقدسة في التاريخ الشيعي.
إضافةً للثروات هنا فقد كانت السيطرة على الأماكن المقدسة تتيح ثروات إضافية ومركزيةً دينية طاردةً محطمة للآخر المختلف.
لدينا هنا عبر القومية التعصبية الغازية الفارسية اللابسة الرداء الخارجي الإمامي، يجري تغييب التعايش، وخلق التناقض الكلي، فإما أنا أو أنت، إما الشيعة أو السنة، ولهذا فالقومي الفارسي الشوفيني يحيلُ المذهبَ إلى تضادٍ حربي ضد المسلمين الآخرين، وإلى نزاعٍ دموي مع الاتراك العثمانيين، وإلى نقل التكوين السياسي الفارسي القومي الشوفيني للعرب الشيعة، ومواجهة البشرية قاطبة.
في حين إنه في زمن الدولة العثمانية ظهرت مشروعاتٌ اقتصادية هامة في العراق فقد (أُنجزت قناة الهندية بعد عام 1803 لتروي الأراضي الممتدة حتى النجف، وهي عامل أساسي في ازدهار منطقة الفرات الأوسط زراعياً واقتصاديا. وشُقت بعد ذلك في أواخر القرن التاسع عشر ثلاث قنوات أخرى)، مما كان لهذا التطور الاقتصادي الاجتماعي مردود إيجابي على العراقيين وعلى تعايش المذاهب الإسلامية في مجتمع واحد.
نقل النسخة القومية العسكرية الشمولية الفارسية للعراق رغم كل التطورات السلبية التي غذتْ هذا النقلَ ووجود تُربٍ شمولية راعية له في مختلف التكوينات السياسية الاجتماعية، إلا أن شيعةَ العراق العرب ظلوا مختلفين عبرَ اختلاف المرجعية وبرفضِ ولايةِ الفقيه، وهم متنوعون فكرياً وسياسياً، ومتعاملون في ظلِ وطنٍ منوع، رغم أن تاريخ نقل النسخة الفارسية المذهبية السياسية الشمولية حصل على أتباع وقوى مؤيدة، لكنها ليست مطلقة التصرف وتُواجه بمكوناتٍ ومقاومة متنوعة، لكنها تُقحم العراق كله في مغامرات المركز الإيراني الحربية والسياسية.
وإذا كانت النسخة الأصلية الفارسية هي ذاتها تواجه شعباً تحديثياً متنوعاً يرفض هذا القالب العسكري المضر، ولكنه مأزوم ملغى الحضور، فإن العراقيين يُنتظر منهم تصعيد نموذج الديمقراطية والتنوع وفصل المذهبيات عن الحكم والسياسة وإعلاء الوطنية العراقية  ومد العون بهذا لشعوب المنطقة عبر السلام والتعاون وهو الإطار السليم لازدهار الأديان والمذاهب والأفكار والعلاقات بين البشر.

رابط المقال على الحوار المتمدن أدناه
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=349423&r=0

إعادة إنتاج العفاريت ؛ عبـــــــدالله خلــــــــيفة

#عبدالله_خليفة


حين تسيطر الأغلبية الشعبية على الموارد العامة يقل حضور العفاريت في الحياة. فهي تعبيرٌ عن عدم سيطرة الإنسان على واقعه الاجتماعي وحياته وأمراضه.
وقد شكلت سورة الجن في القرآن تعبيراً ترميزاً مثالياً عن إلغاء دور العفاريت في حياة المجتمع وإبعادها عنه، بجعلها جزءً من عالم الإسلام، من عالم الخير، فانتهت تدخلاتها الشريرة، وانتهى حضورها في عالم الإنس، وغدت السيطرة لدى الإنسان.
إن الأدوات السياسية والاقتصادية لذلك العصرمحدود الثقافة العلمية، لكن المسيطر على ثروته المادية الموزعة على الأغلبية، تجعل مقاربته مع عالم الجن مقاربة دينية مثالية، فلا تتم إزالتها بل تتم إسلمتها.
ولكن المسلمين في مسيرتهم التالية وبسبب عودة الأغنياء للحكم، وإبعاد الأغلبية عن السيطرة على واقعها الاجتماعي، أعادوا حضور الجن بكثافة، وصار الجن الشرير خاصة هو المهيمن على الفضاء الثقافي.
فكلما فقدَ الإنسانُ السيطرة على واقعهِ، وتاريخهِ، وصار في مهبِ الرياح السياسية، لجأ لما هو خارج وجوده الاجتماعي، واستعان بالقوى الخفية ذات القدرات السحرية لكي تعيدَ له صحته أو ماله أو الأعزاء الذين فقدهم أو الشباب الذي مضى أو لكي تزيل العقم الجسدي والعقم الروحي، ولهذا لا بد من تقديم أعطيات لها مثل القوى الشريرة الاجتماعية وعمليات إسترضائها وخدمتها.
كانت الكلمة القرآنية والثقافية والتوحد الشعبي الواسع هي أدواتهم للسيطرة على الواقع الاجتماعي، لكن الواقع فلت من إيديهم لغياب الأدوات السياسية المناسبة، وجاءت قوى الأغنياء وحكوماتُ الأقلياتِ لتلغي ذلك الانسجامَ بينهم وبين وجودهم الاجتماعي التعاوني.
فراحوا يتصورون تاريخهم السابق كتاريخ من الأساطير ومن التدخلات السحرية العجائبية، فالكائنات والحيوانات والرموز العجيبة كلها هي التي صنعت تاريخهم الذي صنعوه هم بأيديهم، ويتراجع حضورهم الجماعي الذي تمزق فرقاً وأحزاباً.
لا يمنع من هذا إن المسلمين لم يسيطروا على ثقافة الخرافة كلياً، فهي نتاجٌ موغلٌ في القدم، فثقافتهم كانت تؤمن بالرقى والتعاويذ لكن المُسيطرَ عليها بالقرآن، وهو جانبٌ يماثل تحييد الجن وأسلمتها، والجانب التنويري الإسلامي حسمَ الخيارَ في بعض الجوانب، خاصة في تنحية الكائنات العلوية – الأرضية الشريرة، متوافقاً مع الكائنات العلوية الخيرة، والأفكار المثالية الفكرية الغيبية الخيرة الأخرى باعتبار العالم نتاج إله، وهو الذي يحكم الكون بالخير والفترة الأرضية هي فترة مؤقتة تجريبية، وبالتالي فإن الأفكارَ الدينية هي التي تعاونهُ على إستئصال الشر من حياة البشر.
ومع غياب الدولة الشعبية التي ترفدُ هذه التكوينات الفكرية العامة الخيرة، وتصاعد سيطرة الأشرار الاجتماعيين السياسيين الاستغلاليين، فإن الكائنات السحرية الشريرة تنطلق هي الأخرى في الحياة الاجتماعية.
لا يستطيع الإنسان في هذا المجتمع الذي فقدَ فيه الناسُ سيطرتهم على مصادر إنتاجهم، سوى أن يرتعب من كل بوادر الشر والموت والخراب والحروب، ولا يستطيع وعيه أن يفهمَ تاريخَهُ وكيف عجزَ عن السيطرة عليه، وما هي أسبابُ الحروب والأوبئة وسوء العلاقات البشرية، فهذه كلها تخرجُ عن فهمه، ويتصور إن مسبباتها موجودة في كائنات غيبية وفي حيوانات وطيور شريرة:
(العرب مثلا تكني البوم بطائر الخراب، إذ ينظرون إليه على أنه طائر شؤم تنقبض صدورهم لدى سماع صوته ليلا، ويتوهمون جهلاً حدوث مكروه كموتِ عزيز أو خراب ديار، ويصف الكتابُ الأوروبيين بأنهم يرون في صوتِ البوم إعلاناً لموتِ أحد الأشخاص أو أن أحد الناس يعاني في تلك اللحظة من سكرات الموت، ويتوهمون أن البومَ إذا ما حطَّ على سقفِ أحد البيوت أصابه بالشقاء!)، تعليق صحفي على كتاب مُترجم بعنوان (معجم الخرافات).
إن ارتباط البوم بالخرائب الناتجة عادة من كوارث الحروب وخراب العمران التي لها أسباب شتى، تتحول مع تكرارها في مثل هذا الوعي الشعبي العفوي إلى أن تكون هي مصدر الشر.
إن إعطاء الطيور أو الزواحف كالحيات قدرات على التدخل الواسع في الحياة البشرية تتصاعد إلى حد إعطاء الألوان والألبسة والوجوه إمكانية السيطرة على حياة البشر المستقبلية.
فالتطير والطيرة هي رؤية تشاؤمية من بعض الطيور كرؤية الغربان والاستدلال من وجودها على أحداث سيئة سوف تجري في المستقبل، مع ارتباط الغربان بالجثث الناتجة من الحروب خاصة.
ومع فقدان البشر السيطرة على واقعهم يبحثون عن مفاتيح السيطرة والتحكم خارجهم، نظراً لغياب التراكم المعرفي العلمي في حياتهم، وتظهر فئاتٌ متخصصة في مثل هذه الرؤى الغيبية، المستقبلية والمصيرية، وهي تقوم بإنتاج مثل هذا الفهم الخرافي، كشكلٍ آخر من توظيف الخرافة من أجل عيش تلك الفئة المنتجة لهذه الأشكال من الوهم.
تغدو النجومُ والكواكب والأرواح مصدراً لهذه المعرفة المستقبلية مع عجز العقول الأرضية عن التحكم في يومها، فهذه الأشياء خارج الملموس، ولها ظلال وصور لا نهائية وغير محددة، يمكن عن طريقها تسريب الأفكار والتوجيهات والنبؤات وخلق أشكال من التفكير المحتاجة للمعونة الماروائية نظراً لأزماتها المعيشية والسياسية والجسدية والنفسية المختلفة.
وإذا كانت هذه الأشكال السحرية عفوية وواضحة ببساطة فإن جر جوانب من الدين لعمليات سحرية هو الأمر الأكثر صعوبة في الكشف، حيث تجر تلك المناطق الغيبية لإنتاج ممارسات سياسية عامة مضرة بالتطور.
يؤدي ازدياد الاضطرابات في الحياة السياسية العربية إلى طريقين أما إلى توسع السيطرة العقلانية على الاقتصاد وأما السماح للقوى المتنفذة الإستغلالية التلاعب به كما تشاء مصالحها.
طريق السيطرة العقلانية يقود إلى ازدهار العلوم بما فيها علوم فهم الأديان، والثقافة عامة، وإلى إعادة لحمة القوى الشعبية وإمتلاكها لمواردها الاقتصادية، وهي أمورٌ تقود لزعزعة الثقافة السحرية والغيبية فهي ليست سوى إنعكاس لفوضوية الاقتصاد وتهميش العاملين.
أما طريق السيطرة الآخر والذي أنتج أغلب التاريخ الثقافي العربي، فهو يجعلها تزدهر، وهي تستغل مصطلحات الدين ورموزه من أجل إنتاج ثقافة لا تسيطر على واقع، ولا تجعل الجمهور يتحكم في إنتاجه الاقتصادي والخيرات التي يصنعها.
ولهذا كان نمو الموجات الأولى من الحركات الدينية يتم مع نشر السحر بصورةٍ واسعة، وهذا يتجسدُ بجعل العوالم الغيبية متحكمة تحكماً مطلقاً في الكائناتِ البشرية الشبحية، التي تفقدُ أيَّ دورٍ خلاقٍ في تغيير المجتمع بشكلٍ عقلاني مخطط.
ومن هنا فهي تتوجه للجوانب الدينية الغامضة، التي يتداخلُ فيها الواقعُ مع الغيب، وهي تلك العوالم التي حسم الإسلامُ الموقفَ منها، وجعلها سلبية فاقدة التدخل في الحياة البشرية، كالجن والأرواح.
وحتى لو فرض جدلاً بأنها غير موجودة فيزيائياً إلا أنها موجودة في الوعي البشري والوجود الاجتماعي، وهذا لا يغير من دورها.
فهناك إستغلال للمناطق المتراوحة بين الوجود والغيب كالموت، وهي منطقة خطيرة محفوفة بالأسرار والمخاوف، وذلك عبر جعل البشر يرتعدون خوفاً منها، فتتراءى لهم الثعابين والنيران والأرواح المختلفة، التي عادة ما تـُدخل في مثل هذه المناطق البرزخية عبر التعبئة السحرية التصويرية السينمائية بقصد نزع العقلانية من وعي المسلم، ويتحول المؤدلجُ السحريُّ هذا إلى قائد سياسي، يبطشُ بالعقل، ويهمشهُ، ويحيلُ الإنسانَ إلى أداة في يده من أجل المشروعات التي يخطط لها.
كما يقومُ بالتحكم في النصوص الدينية وإعطائها الأهداف التي يريدُها المتمثلة في زوال العقلانية، وإلى اعتبار التاريخ وحركة المجتمع لا تسير بقوانين، وأن الإسلام الأول لم ينتج خطة عقلانية للسيطرة على الاقتصاد، فتغدو منتجات التاريخ والتراث كلها بيدِ المنتج الساحر الحديث التي يوجهها كيفما شاءت مصالحُ الجماعات والدول الإستغلالية التي تتصرف بالمال العام كيفما تشاء.
إن الأغلبية الشعبية الجاهلة والأمية والتي عاشتْ طويلاً في ثقافةِ السحر، يُعادُ السيطرة عليها عبر مثل هذا التداخل بين السحر والدين، فتتحول الآياتُ والجملُ المُنتزَّعة من سياقاتِها إلى أدواتٍ للحكم والحروب والكوارث.
فيمكن للكلمة حسب هذا الفهم أن تحدث الانتصارات في الحروب، ويمكن إستدعاء بعض المنجمين لمعرفة مصير الحرب مع إسرائيل، وإعطاء الجنود مفاتيح الجنان وهم يدوسون على الألغام في جبهات القتال ويفقدون شبابهم، ويغدو أمراء الجماعات هم المحددون لجنس الكفار – سواء كانوا من جنس المسلمين أم من غيرهم – بعد أن التحموا بالذوات العليا، فهم الذين يستطيعون نقل المجتمعات المتخلفة والفقيرة إلى الأسلام الأول عبر دكتاتوريات المجموعات الصغيرة الأرهابية فيقررون الحياة والموت للناس.
إن حصول هذه القيادات على تلك الإمكانيات الخارقة يحيلُ الإسلامَ العقلاني التحديثي عند هؤلاء إلى شعوذةٍ سياسية، فهم قادرون على إقناع الجمهور الحاشد بأن يعود للوراء وأن يكون ضد مصالحه وتقدمه.
وهذا حدث ليس فقط لأن الجمهور جاهل وأمي، لكن لأن الجمهور يأمل في تسوية مشاكله الاقتصادية والاجتماعية الضارية بنفحةٍ سحرية، بتعويذةٍ تقدمُ له العفريتَ الهائل الذي ينقلهُ بين ليلة وضحاها إلى الجنة الأرضية، ويغدو الشباب غير المنتج وغير المشتغل في الصناعة وغير الدارس للعلوم وغير المصنعة في زنازين الدول الشرقية، يريد بلا عمل شاق أن يرى نفسه فجأة بين الحوريات، وأنهار اللذائذ حوله.
تتحول الجماعات الدينية السياسية إلى قوى خارقة ملكتْ السحرَ القادر بين عشية وضحاها على نقل المؤمنين للجنان الأرضية، فإن لم تستطع نقلتهم للجنان الأخروية، ولهذا تتحولُ سياساتـُها لبرامج سياسية فقيرة بفهم المجتمع وبفهم الدين معاً، معتمدة على زرع الأوهام في عقول الناس، فعبر روشتة حكم الأقليات أو الشركات الإسلامية أو شعارات العودة للشريعة، تجعل الناسَ تتصور أن هذه الشعارات قادرة على حل أزماتهم المعيشية في غمضة عين وانتباهتها.
في حين أن أزماتهم وتخلفهم نتاج ((علاقات اقتصادية)) متجذرة بحاجة إلى تحليلات عميقة، ومشروعات طويلة الأمد، فنقل الملكيات العامة الحكومية للناس وإحداث تنميات كبرى، وتوزيع فوائضها للمشروعات والحاجات الأهلية، مسألة تحتاج لعشرات السنين، إذا عملت وتوحدت الجماهير الشعبية وتعلمت وازدهرت بالعلوم.
إن الفانوسَ السحريَّ السياسي غير موجود، وإنه إذا لم يحدث الحراك الإنتاجي وتقلص هيمنات الدول على الاقتصاديات والدخول والعمالة والفوائض، وبقيت الجماهير في أميتها وسحريتها وتخلفها وأعمالها الحرفية المحدودة، لن يحدث أي تقدم، وسوف يزداد الفقر وتتكاثر الأرواح والأشباح.
إذا لم يحدث تعاون واسع بين القوى السياسية الديمقراطية لفهم الواقع الاقتصادي بالدرجة الأولى، وفهم عملياته ودخوله وكيفية تغييره، فلا تفيد أية روشتة أخرى، خاصة الروشتات السحرية.
لم تقم الثقافة الغربية المسيطرة على المنتجين الشرقيين أو الغربيين، بإنتاج ثقافاتهم العقلانية، فمثل هذا الإنتاج يتواكب مع تغيير ملكيات الصناعة الخاصة، التي تفيضُ عليهم بخيراتها، وإذا كانت ثمة عناصر عقلانية فيها، فهي لا تسود ولا تنتشر بشكل جماهيري.
بل توسعت الثقافات الغربية السائدة المعبرة عن أؤلئك المالكين للفوائض الاقتصادية غرباً وشرقاً، في نشر الخرافات وتيارات تغييب الحفر العقلاني.
كانت المدارس (الرفيعة) الأدبية والفنية كالسريالية والدادائية والبنيوية والشكلانية وغيرها تمثل عبادات الأشكال المفرَّغة مما هو حقيقي وما هو إنساني كفاحي، فتتركز على الخطوط والنقط المجردة والبُنى، ويُتم تغييب الإنسان وإزالة وجوده الاجتماعي، وتـُعطى لتلك الأشكال أهمية مساوية لعبادة النجوم والكواكب والأصنام، وتغدو عبادة الأشياء تخريفاً على أساس تحديثي، وتنقل للمنتجين الثقافيين لينشروها ويعطلوا ملكات الحفر النقدي في مجتمعاتهم.
لكن الجمهور العادي لا يفهم مثل هذه المنتجات الصعبة، كما هي مستوياته وظروفه، فتـُسوقُ له الخرافات عبر الأفلام، وتظهر الوحوشُ على هيئات مصاصي دماء وموتى وقوى غامضة تنبعث من الكواكب والقبور والأرواح ويجيء سكان المدارات البعيدة ليحكموا الأرض، ويتشكل أفراد بقوى خارقة، سوبرمان يرفع الطائرات على كتفيه ويحول مسارات الصواريخ في دقائق، وحيوانات قديمة هائلة يتم ظهورها في المدن الحديثة والبشرية تغوص في حروب نووية كارثية وغيرها من السيناريوهات الخرافية المرعبة والمسلية، وتـُحشدُ معها تقنياتٌ رهيبة لتجسيدها وجعلها حقيقية، مثلما يترافق مع ذلك نشر المخدرات وأشكال التسلية الخطرة والأدمان.
وتـُسمم الجامعات والثقافة وعمليات الإنتاج الفكري بالمستوى (الرفيع) فيما يُسمم العامة بالمستوى المتدني، وبهذا تجد ترنح الثقافات العربية من هذه الفؤوس الواسعة الانتشار، فالكثير من الشعر يغدو ذاتياً نرجسياً أو فقاعات، واللوحات تقلد اللاوجود الثقافي الغربي الخ..
ومع بقاء الرأسماليات الحكومية العربية الفاسدة المستنزفة للثروات وللأدمغة، وبقاء الأرياف غير مصنعة، والنساء الأميات يواصلن إنتاج الخرافة، تفيض البلاعات.
وتظهرُ مؤسساتٌ لعبادة الشيطان، ويُقال بأن ذلك جزء من الحرية الدينية، ويُقال بأن الإلهَ أو الشيطان تسميات خيالية مشتركة.
والقضية ليست الحرية هنا ولكنها في إلغاء التراث الإنساني المتمثل في الأديان، وصور الإله والملائكة واليوم الآخر هي رموزٌ لإنتاج الخير في تاريخ الإنسان، جوانبٌ روحية لتوسيع الضمائر وإحيائها في حالة الموات، ولكي لا تغدو الجريمة مبررة، والمذابح محترمة، وحين جاءت الهتلرية أنشأت الصليب المعقوف، صليبٌ يغيبُ التضحية، ويبررُ الحروب والقتل!
وهذا لا يعني جعل الفكر الديني مطية للاستغلال وهيمنة الطبقات والأمم، بل تعني رؤية التاريخ الديني كنضالٍ للإنسان في ظروفٍ فكرية مغايرة لنضاله في ظروف العلوم الحديثة.
وكم يحاول بعضُ المثقفين جعل تاريخ الأديان ومواده وسيلة لاستمرار الخرافة والقهر، ولهذا يشحنونه بما يجعل العقل يطير فوق ظروف الأرض الحقيقية، لتبرير اللاعقلانية.
فيظهر مثقفون يدافعون عن وجود الأرواح والروحانية ويعرضون فشل العلوم والسببيات والقوانين، وفي مواجهة ماديين آليين يريدون سحق الأديان بشكل لا يقل عن لاعقلانية أولئك.
يغدو الوجود صدفة، والخير صدفة، والعقول متاهة.
وفي ذات الوقت تبرز عبادة الشيطان وعبادة الدولار!
وفي ذات الوقت تفقد الكثير من الشعوب سيطرتها على أحوالها وأسواقها، ومعيشتها، وتتشردُ في أركان الأرض بحثاً عن لقمة العيش، حاملة معبوداتها وكتبها الدينية في أرجاء المعمورة، قد تغرق في قوارب أو تتلاشى في مجازر، وتنتفض الأريافُ بحروبٍ طاحنة مخربة لنفسها قبل الآخرين، وتلجأ للقرصنة وحروب العصابات لتأكيد عيشها الذائب في العولمة الرأسمالية الحديثة.
في حين إن كل أدوات الحداثة والعقلانية لم تستطع أن تضع حداً لفوضى الوجود السياسي الراهن، مع ازدهار الأنانيات الطبقية في كل مكان.
يعود الكثيرون للخرافات، ويغدو بند مطاردة السحرة في كل اجتماعات وزارات الدول العربية والإسلامية المخصصة لتنمية العقلانية وبشكلٍ مستمر، دون إلقاء القبض على الفقر والبطالة والجوع والتشرد والهجرة.
ورغم نشر بعض التقنيات في المدارس فإن الطلبة يعودون لصفحات التنجيم وقراءة حظوظهم في الجرائد، بسبب أن الخطط الحكومية لتشغيلهم غير مضمونة.
في هذا الجو العالمي تنتعش زيارات البابا وتحصل المنظمات الدينية على مساحات عمل تخصصها في زيادة نشر اللاعقلانية، وتهاجم الحداثة والعلمانية والديمقراطية سبب مصائب العالم في رأيها، وفي هذا الجو الخرافي الدموي، يبرر مثقفون المجازر بدعوى المقاومة، ويؤججون تصادم الأديان والشعوب، ويعودون لاستحضار السحر والشعوذة وإدراجها في الحياة اليومية.
لا عجب في مثل هذا الجو أن يستعين حملة رسائل الدكتواره بأرواح أسلافهم عبر القبور ويستنجدون بملاحظاتهم الهامة، وتظهر دراساتٌ عن أهمية البصل في أشعار الأمويين، وعن مدى الملوحة في مياه البحار، وتكثر الخطب عن التنوير في قرى ومجمعات قـُطعت عنها الكهرباء، وتلتهم الأغاني تسعين بالمائة من بث الفضائيات العربية، ويظهر قادة السحر في السماء وهم يرشدون الشعوب لكيفية محاربة الأمراض ودحر التخلف وهزيمة الصهيونية.

اختلاط التسميات والأسماء: عبـــــــدالله خلــــــــيفة

اختلطت التسميتان في الزمن القديم، كان الكثير من الشيعة في المشرق العربي مضطهدون، وكان الشيوعيون يبحثون عن المضطهدين في العمال والنساء والفقراء عموماً، فتغلغلوا بينهم، وفي ذلك الوقت كان الاتحاد السوفيتي وكانت الثورات الوطنية وصعود العمال ولم تكن ثمة طائفية سياسية معارضة، فكان الشيوعيون فصيل من فصائل التوحيد لا التفريق بين ملل الإسلام المختلفة!
فحين كان الشيوعيون أقرب لفكرهم والشيعة أقرب لمذهبهم توحد المختلفون!
وقد اختلطت الأسماء حيناً فمن يُعتقل وهو شيوعي يقول بأنه شيعي، وهو يحرض على هذا الأساس بين الجمهور، ويتناول رموزاً إسلامية مضطهدة ويعبر بها عن كفاح العمال الحديث!
كانت شعارات عامة تصلح لكل زمان ومكان وهو خيال الفقراء في النضال الوطني وفي الحصول على ظروف جيدة، وهو تقليد قديم بين أهل المنطقة فطالما ركبوا شعارات تحديثية قادمة من أمكنة أخرى ودمجوا بها معاناتهم.
وكانت الشيوعية قوة تغيير وطنية كاسحة كبرى في زمن الاستعمار القديم، فهناك مليارات من البشر في الشرق والغرب وراءها، ولم تتتفهم بأنها مرحلة معينة في تطور الرأسماليات الوطنية الشرقية الدكتاتورية، وإن إزالة الطبقات وسيادة العمال ما هي سوى أحلام مستقبلية بعيدة.
ولهذا فإن إختلاط هذه الأحلام بالأديان والمذاهب هو أمر عادي في تاريخ الشرق، وكم اختلطت المذاهب الإسلامية بالمانوية والزرادشتية والأرسطية وغيرها وانتجت ظواهر جديدة معارضة وخيالات و.
لكن الأديان والمذاهب تبقى أدياناً ومذاهباً لها مساراتها الخاصة، وإن الظواهر الهجينة التي تنتمي لأجهزة معرفة وكيانات فكرية مختلفة تتفارق آجلاً أم عاجلاً.
وكان خطأ الأوائل هو عدم فهم الأديان والتيارات الفلسفية معاً، فكلٌ له مساره المختلف، وإذا كان ثمة توحدٌ في أشياء ومبادئ معينة فهو يرجعُ لمعاناة البشر عبر العصور والأوطان.
لكن أهل الأرياف الشيعة وخاصة العمال الطليعيين والمثقفين المتنورين وجدوا في المذهب الشيوعي عزفاً على المعاناة وقهر الناس وإستغلالهم، وهو ما كان قوياً عارماً في مذهبهم على المستوى الشعبي لا على مستوى رجال الدين!
وبسبب مستوى معرفتهم الشعاري في المذاهب والفلسفات تبنوا الجانبين!
وكان أغلب هؤلاء محرضين وسيظلون في درجة التحريض طوال حياتهم وهي الدرجة الأولى الدنيا في فهم الفكر الحديث وإذا استمر المرء عليها انتهى منه.
التحريض يتطلب لتجاوزه القراءة العميقة والدرس والفتوى النظرية فيما بعد، وهي عملية مقاربة لفهم النص الديني، الذي يتطلب هذه الدرجات بشكل متصاعد.
وفي سنوات الستينيات خاصة من القرن الماضي تداخلت الأوساط النخبوية من الجانبين الشيعي والشيوعي، فلم تجد في الاختلافات الفكرية كوجود الإله ونفيه أو في الإيمان بيوم القيامة والكتب السماوية، عقبات للعمل المشترك والإيمان المشترك!
كانت محن الناس العاديين وكانت الظروف المشتركة لهؤلاء القياديين العماليين والمثقفين تدفعهم لتجاوز الاختلافات الفكرية.
كما ان الجانبين لا يتغلغلان بشكل عميق في المصطلحات الماركسية أو المذهبية. لكن كانت القيادة بين هذا الخليط تعود للشيوعيين بطبيعة الحال فوراءهم دولة كبرى هي الاتحاد السوفيتي وكانوا قادرين على إرسال بعثات دراسية والتصدي في المراكز القيادية للمؤتمرات التي تعقد في أمكنة مختلفة في الكرة الأرضية!
لكن تفارق الجانبين حدث مع تضاؤل الاتحاد السوفيتي خاصة الذي لم يعد قادراً على البذل المادي في سباق التسلح وفي الإنهاك الأمريكي له وفي الصرف الواسع على حركات التحرر.
فقد برز المركزُ الإيراني الشيعي، كقائد عارم للطائفة، ودفع الخصام مع الحركات التقدمية والقومية والإنسانية إلى أبعد مداه، في مشروعه لاستثمار الطائفة العالمية الشيعية لمشروعه القومي الإيراني السياسي.
إن عدم تناغم المركز الإيراني مع الحركات التقدمية العالمية لكونه اعتمد النصوصية الدينية العتيقة، واستبعد جوهر المذهب الشيعي النضالي، وعبر هذه النصوصية وتأجيج العداء لغيرها حاول تكريس سيطرته على ملايين الشيعة في العالم.
وهكذا حدث الانفصال الحاسم بين الشيعة والشيوعية، وخاصة في المراكز السياسية الدينية المحافظة، بينما واصل بعض التقدميين العيش في زمن التحالف القديم، والخلط بين المنهجين، لكون مستوياتهم الفكرية لم تتطور، ليس عبر تكريس العداء للمذاهب الإسلامية، بل لعدم فهمها، ولضرورة فرز المتعصبين والاستغلاليين لتلك المذاهب في مشروعاتهم لسرقة الجماهير المؤمنة، وللتحالف مع الإنسانيين والمناضلين فيها لصالح الجمهور.
وهذه الأسس هي العلمانية والعقلانية والديمقراطية، فلم يعد ممكناً الخلط بين المذاهب والحركات السياسية، ولم يعد ممكناً مزج المبادئ الذي لا يقوم به سوى الأميون والمتخلفون الفكريون.
فالمذهبية السياسية الدينية شيء والماركسية والقومية والليبرالية أشياء أخرى، تتقارب في أعمالها السياسية وتتصارع لكنها لا تذوب في بعضها البعض.
من يرد العودة إلى مذاهبه فليعد ولكن الخلطة الهجينة الفكرية لا تصلح للعصر.

  1. أفاتار غير معروف

    […] من كتابة القصة القصيرة إلى الرواية التي اصدر منها: (⬅ عبدالله خليفة السيرة الذاتية)، تصب في مجموعها في هاجس…

  2. أفاتار غير معروف

    […] ــــــــــــــــــــــــــــــــــ✍ القحط في زمن النفط ✍ البحرين جزيرةُ الحريةِ الغامضةِ في العصر القديم ✍ البحرين في العصر والوسيط ✍ البحرين…

  3. أفاتار غير معروف

    […] ✍ البحرين في العصر والوسيط ✍ البحرين في بدء التحديث✍ فائض القيمة البحريني✍ الرأسمالية الخاصة في البحرين ✍ تحدياتُ…

  4. أفاتار غير معروف

    […] في العصر القديم ✍ البحرين في العصر والوسيط ✍ البحرين في بدء التحديث✍ فائض القيمة البحريني✍ الرأسمالية الخاصة في البحرين…

  5. أفاتار غير معروف

الولادة العسيرة لليسار الديمقراطي الشرقي : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

إن تداخل اليسار في الشرق مع ولادات الرأسماليات الحكومية الشرقية فيها أدى إلى مشكلات في تطور اليسار نفسه وفي قضايا أخرى كالعقلانية والديمقراطية، فقد حدث التباسٌ تاريخي كبير.
كانت هذه لحظة لقاء معقدة وتركيبية، وذات إشكاليات متعددة، تضافر فيها اليسار الغربي مع الشمولية الشرقية، والرغبة في القفزة النهضوية مع الاستبداد، وتسريعُ الحداثة مع هياكل اقتصادية متخلفة جامدة، وتم جلب أحدث الأفكار التقدمية لوعي شعوب دينية تعيش في قرون سابقة!
أسرعت قوى سياسية في تنميط موديل سياسي يساري نهضوي رأت فيه الشفرة الموجزة والمتكاملة وجعلت من الدكتاتورية طريقة سياسية لحل كل هذه الاشكاليات، جعلت من ذلك مصدراً نضالياً حماسياً مهماً وشفرة سحرية لحل القضايا كافة التي تحتاج إلى قرون من التطور البطيء العقلاني.
تداخل الموديل التاريخي العابر مع اطلاقيات مقدسة وجعل نفسه بديلاً يؤدي إلى زوال الرأسمالية في العالم ككل، وتوجه لإزالة الأديان والقوميات (الشوفينية) وإحلال لغة قومية لشعوب أخرى.
إن الطريق الرأسمالي الحكومي الشرقي عامة وصل إلى طريق مسدود، وعادت الرأسمالية السوداء والفوضوية وعادَ الدين المحافظ ليتبوأ مكانة مقدسة، وعجزت اللغة القومية أن تكون لغة عالمية للشعوب التي عادت للغاتِها وتقاليدها العتيقة.
وهذا ليس سوى النتيجة للبناء الأول، فما تم تشكيله بسرعة ينهار بسرعة وعبر فوضى غير عقلانية! ومن النقيض للنقيض، لصعوبة تكوين البدائل الوسيطة التي لا تتشكل إلا من خلال تطور تاريخي متدرج وموضوعي.
أخذ اليسار الشمولي ينهار وينعزل ويتفتت إلى قوى كثيرة، ولم يقدم إجابات على الأسئلة المعقدة والمركبة للشعوب الشرقية، واستمرت أصوات يسارية قليلة ونادرة في مثل هذا الزحام بين يسار شمولي متآكل تاريخياً وقوى رأسمالية بيروقراطية امتلأت بالفساد وبنهج العصابات، وبين قوى شعبية عاملة يئست أو تجمد وعيها واضطربت أفكارها بين يسار شمولي وعد بالجنة، وبين جنان رأسمالية في الغرب تهفو إليها! ورجع بعضها للأفكار القديمة وقفز آخر نحو المجهول، يتشبث بليبرالية واهنة في بلدانه أو يلتحق.
كان نجاح اليسار الشمولي في تصعيد التنمية الهائلة لهذه البلدان وبين اخفاقات الديمقراطية والتطور الاجتماعي المتكامل، بين خلق نهضة كبرى لا أحد قادر على إنكارها، وبين دهس الشعوب ورفض حرياتها وتعبيرها عن ذواتها، تناقضات ضخمة استعصت على الحل التاريخي الملموس في ظرف زمني قصير قياساً لعمر الحضارات!
وكان غياب التطور المتكامل الجامع بين النهضة الصناعية والتحديث والديمقراطية، له ثمن فادح، في قفزة القوى الدكتاتورية الحكومية العسكرية والاستخباراتية إلى سدة الحكم، وفي تدمير الكثير من إنجازات القطاعات العامة، وتصعيد مليونيرات من الأقبية السرية للبيروقراطية، وفي انهيار المؤسسات العامة للثقافة ودعم الدول للمفكرين والمبدعين.
كان السؤال الخطير هو لماذا عجزت هذه التجارب العالمية الهائلة عن إنتاج يسار يجمع بين التنمية والديمقراطية، بين تقدير الأديان ونقد جوانبها المحافظة السلبية، بين قيادة القوى الاشتراكية المفترضة واحترام المؤسسات الديمقراطية التي تكونت في بدء الثورات؟
ولماذا تم مجاملة القوى الحاكمة وعدم نقدها وتسلق قنواتها السياسية؟
كانت هزيمة الاشتراكية الديمقراطية التعددية وسيطرة النموذج (الشمولي) علامة خطيرة في تطور شعوب الشرق، رغم أنه كان في خلال عقود نموذج الحلم المسقبلي.
لابد من بحث نتائج هذه العملية الآن، بعد سنوات من الصراع بين الموديلات السياسية المختلفة، خاصة بين اليسار الشمولي واليسار الديمقراطي، ماذا حدث؟ وما هي نتائج الانهيار؟ وهل ظهر يسار ديمقراطي يجمع بين التنمية والديمقراطية؟ بين احترام الأديان والتقاليد وشق الطريق لصعود قوى الكادحين؟
ماذا تقول الأحزاب الشيوعية عن تجاربها؟ وهل ظهرت أحزاب اشتراكية ديمقراطية؟ وما هي أوجه الاختلاف بينها؟ وهل ثمة صيغ متقاربة ومتداخلة؟ أليست الأحزاب القومية والدينية سوى نسخ مختلفة بعض الشيء عن سابقاتها؟
كان الانقسام بين الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والأحزاب الشيوعية يعود للانقسام بين الغرب والشرق، بين الأمم الغربية التي شكلت تطورها، ولم تعد بحاجة إلى التسريع، سوى أمم معقدة في التاريخ الغربي كالأمتين الألمانية والإيطالية اللتين تطورتا ولكنهما تأخرتا عن اللحاق بركب الاستعمار وعن تصيد مستعمرات كان قد انتهى تقسيمها. إن الأصل في الصراع بين الفريقين السياسيين الاشتراكيين هو تعبيرهما عن أمم مختلفة ذوات تطور قاري مختلف. وليس هو الصراع بين البرجوازية والطبقة العاملة.
كانت الاشتراكية في كل من العالم الشرقي الاستبدادي والعالم الغربي الديمقراطي، تأخذ لونـَها وسماتها من الأبنية القارية هذه، ومن تلوينات الشعوب حسب درجاتِ تطورِها وتعبيرها عن نضالها في كل من التقسيمين القاريين المختلفين.
كان لا يمكن للأمة الصينية أن تأخذ الاشتراكية الديمقراطية لأنها تقع في التقسيم الشرقي الاستبدادي، كان عشرات الملايين من الفقراء والقلة من العمال تريد إجراءات سريعة للعيش، وللحصول على العمل والأكل، وللسلامة من الأمراض الفتاكة، وللحصول على قطع أرض للزراعة وبيت متواضع، في حين كان العمال البريطانيون يأكلون بشبع، ولديهم مساكن، وأحزاب علنية حوارية منذ عقود طويلة، فكان لا يمكن أن يتوافقوا مع (الشيوعية) والثورة على الرأسمالية، كانوا يريدون استمرار عيشهم الطيب رغم كل المنغصات والسلبيات، كانوا يريدون الإصلاحات الصغيرة المضمونة وليست الثورات الخطرة!
ولكن ماذا سوف يخسر الفلاحون الروس من الثورة؟
إن الأمم الشرقية والأمم الغربية تركت بصمات أوضاعها على المنحى الاشتراكي العالمي، وكان غياب الممارسة السياسية الديمقراطية وسيطرة العامية المتحمسة والأوضاع السيئة الرهيبة والغزو الاستعماري كلها تجعل أغلبية هذه الأمم الشرقية تسلكُ طريقاً مختصراً سريعاً نحو (الاشتراكية) بكل ما فيه من حوادث عنيفة، وهو طريق مختصر فيه إنجازات وتحولات وفيه كوارث كذلك، ولكنه ليس طريق الاشتراكية بل طريق التقدم القومي!

إنساننا البسيط المتواضع : عبـــــــدالله خلــــــــيفة


حين نطالع البنايات العمالقة التي تلامسُ أحياءَنا البسيطة في القضيبية والحورة وراس رمان والغريفة، حين نرى إتساعَ البحر، وإنفساحَ المجال والأفق للجزرِ البعيدة، نقول لماذا نختنقُ في هذه البقعة الصغيرة وكأننا محشورون حشراً؟
إن العمال الأجانب بشر ليسوا من فلين وقشور سمك، أناس عبروا محيطات وإنحشروا في الأزقة والبيوت الكبيرة القديمة والشقق الصغيرة، وكأن المدينة الكبيرة لم تعد سوى أحياء متلاصقة متزاحمة وسوق عارم.
ملايين تأتي وتخرج من هذه البقعة الصغيرة، يقتحمون الأزقة والأعمال، يقطفون بعض رزق الناس، يرتفعون في المعيشة، يكبرون، يُسيّرون أحدث موديلات السيارات!
لكن لم يقم أحدٌ من المواطنين بتكسير مصباح أو خدش إنسان بسبب هذا!
شعبٌ يعيش ببساطته وفقره وبعض غناه لكن لم يقبض على رقاب البشر!
تعلم الحضارة بسرعة، أسألْ الشركات الأولى التي جاءتْ لتحفرَ الآبار في الصحارى حيث لا ينابيع وبيوت!
أسألْ قيعانَ البحار التي غاصَ فيها بحارة صاروا عمالاً ولحامين.
تجاوز العمالُ والأجانب مقادير أعدادنا، والأقتصادُ المتطورُ يحتاجُ كتلاً هائلة، وإختصاصات، نعرف ذلك ونحن نتعلم وسنتعلم، لنتحكم في الأجهزة المعقدة والمواليد والإختصاصات والمهن والعلوم، لنكون بديلاً عن بعضهم أو كلهم.
نرحبُ بهم بشرياً بشكل متناقض إنسانياً، لا نقول إننا ملائكة، نستغلهم نرثى لهم، نصاب بالضيق منهم لكن لا تمتد أيدينا إليهم!
نحن بلاد صغيرة تطلق فيها الوزارات كل العربات والسيارات والسياح والمرور والتجار والعابرون . . لديها على الأوراق أرقام، لا تعرف أنها أشياء وكائنات ودخان وزحام وأمراض وجراثيم تتنتقل عبر البلدان والقارات!
لديهم أوراق ويفرحون بإنجازنا: إننا الدولة الخامسة والعشرون في الحريات الاقتصادية؟
نريدها أن تكون الثلاثين في إهتمامها بعيش المواطن وصحته وعيشه وتقدمه وسيطرته على دخل بلده!
حين إنتفضتْ البلدُ كلها من أجل الصياد البحار المضروب بالرصاص عند أسيجة مجلس التعاون العربي الخليجي أدركنا إننا شعب واحد؟!
إنتفضتْ قلوبنُا بعمق وأسى، توحدنا.
البحرينيون أعطوا الخليجَ العلمَ والنور والمدرسين والباحثين والكتاب الذين يشتغلون في الجرائد والمراكز العلمية والثقافية..
أشعلوا النيران في رأس تنورة ليتدفق النفط!
إشتغلوا في حفر الآبار في الصحارى وجزر الخليج الفارغة من البشر..
غنوا وصنعوا مع من صنع في الخليج الأغاني الأولى.
تعلموا الآداب والفنون فشاركوا ريادة صنع الصحافة والثقافة، ووزعوا أنوارها على المنطقة.
تعلموا قبل الآخرين وإستقبلوا أخوانهم على مر السنين، عملوا بجد وتعب، إشتغلوا في المهن الصعبة، وربما محيت هذه القصص من الكتب والصحف، أو ذابت بفعل الحساسية، والفورة النفطية، لكن ليس فيها إعتداء أو عنف.
عاملوا الناس الذين جاءوا من كل الخرائط بتقدير وإحترام، ومدارس العنصرية مفتوحة في بلدان كثيرة.
ليس لديهم ثروة النفط الكبيرة ولديهم الأسعار المرتفعة.
أمتصوا غضب الصحراء بمياههم الهادئة، وروضوها بأرضهم الصغيرة الناعمة.
مثل هذا الإنسان الذي يسعى للرزق تمتد إليه أيد؟
كان ينبغي أن تفتح له الأبواب التي تفتح للملايين من البشر من كل حدب وصوب!
يا ليت مؤسساتنا تهتم بهذا الإنسان، تحول حشود أولاد وبنات هذا البحار إلى مهندسين وتقنين تحتضنهم الشركات والورش.
يا ريت مؤسساتنا ووزارتنا تشغل من أبدع فيهم مسرحاً وتأليفاً في أجهزة هي بحاجة لهم وتطلب موظفين من خارج البلد!
نقول بأن في هذا البلد إمكانيات كبيرة، حقل زيتي لم يكتشف ويوظف هو هذه الطاقات الشعبية.

حلقي مليءٌ بالنارِ على وطني : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

عبدالله خليفة ..
ابن الشعب وصوته


أيها الشابُ الواعدُ نضالاً ووطنية، أنت لا تعرف القضية!
نحن على مدى رمية حصاة من الحوت العسكري الفارسي النهم لأكل الأسماك البشرية الصغيرة، أنظرْ نحن لسنا من أصحاب الملايين، نحن كادحي كلمة فقراء، ناضلنا قبل أن تولد في قرية من أجل ناد يشرق بالتنوير على القرية.
وفي الحورة، ورأس الرمان، كتبنا، ومشينا للصحف البخيلة على أرجلنا، من أجل أن تنشر كلمة، أنت أيها الشاب خريطة الجراح، وأن تسلق الوطن والزمن في صحن الشعارات البريئة في فمك والتي تتحول إلى قذيفة في دمك.
أنظرْ أيدينا كيف غدت حصى من حجارة البلد، مزقتها قروشُ البر والبحر، وأوراقنا تغطي مساحة ملعب لكنك لم تقرأها، وجئت تعلمنا القضية.
حين ظهرت مكتبة قرب سوق (الظلام) بالتسمية الشعبية قام أحد رجال الدين ليغلقها، وكنا نشتري كتبها، وأخذوها وحرقوها، وجعلوك لا تقرأ ما فيها، وصحوت في آخر القرن بعد جفاف الحقول وكسل العقول، وأمسكت صارياً لسفينة تتجه نحو الشرق الاستبدادي لتعطينا بعض خبز الحرية.
شبابٌ ساذجٌ تربى في معسكر مغلق، سدوا منافذ النور فيه، ملأوا جسده بكراهية النساء، وإستعبادهن، ونشأ عجوزاً عقلاً فلم يعرف من الفكر سوى الصرخة الطائفية.
يداه لا تمتد للآلات والنظريات والرقص والشعر، علاقته بالوطن علاقة بعلم ملتصق بجسده لا بروحه.
ماذا تعرف عن هذا العلم الذي تحلمه؟ أنت تحمله كما حمل أصحاب صفين القرآين؛ قضيةُ حقٍ أُريد بها باطلٌ.
هل أنت بحريني؟ ماذا تعرف عن البحرين؟ هل عرفت ثوراتها وآدابها، هل قرأت قصصها، هل طفت بحاراتها، هل تشبعت نفسك المنفية عنا والمحبوسة في الدهليز المعتم بأشعارنِا وقصصنِا ورواياتنا ولوحاتنا وأمثالنا ومقالاتنا وكتبنا وأبحاثنا؟
ماذا تعرف عن البحرين؟ أيها الطيف، أيها السيف في أيدي أعدائنا؟

وحدة الماضي والمستقبل : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

#عبدالله_خليفة


لا بد لك من جذور الشرق ومن تطور الغرب! لا تستطيع أن تعيش في الماضي ولا تستطيع أن تكون بلا ماضٍ! لا بد أن تجمعَ ما صنعتهُ من ضوءٍ ومجدٍ وتقدم في السابق، وأن لا تنعزل عن مجرى التقدم البشري، فالعالم لم يبدأ بك، ولن ينتهي فيك! وما أنتَ سوى لحظة من التاريخ، وقطرة في بحر الإنسانية، لكنك وقعتَ بين تخلفٍ شديد وتقدمٍ مخيف، فلا تقبل بهياكل مهترئة من الماضي يقدمونها إليك، فلا تكون لك إرادة ولا تكون لك حرية، كما فعل الاستغلاليون المتخلفون عبر التاريخ، فقادوا الأمة إلى أن تكون عربة محطمة في قطار التاريخ السريع، ولا تقبل أن تذوب في طوفان السلع الغربية لتعود مرة أخرى إلى الصحراء وقد فقدت نفطك وأبلك وحميرك! لكن الناس مهما تكن ثورتك ومحافظتك علبٌ من الماضي، مهما وضعوا الأضواء وديكورات الثياب والسيارات وتفننوا في الموضات فهم لا يختلفون عن الناس الذين عاشوا قبل مئات السنين، لا يزالون لا يؤمنون بإرادتهم، بل أزدادوا ضياعاً مع تحكم الرساميل الكبرى والدول ذات الجبروت بالبشر ينقلونهم من قارة إلى قارة كما يفعلون بالعرائس والحفاظات! أين الإنسان العربي من الإنسان الجاهلي قبل الإسلام الذي يقول : إذا بلغَ الرضيعُ منا فطاماً تخرُ له الجبابرةُ ساجدينا الآن إذا بلغ الشابُ منا جامعة وجدت ظهره منحنياً من الضرائب وتلوث الطرق والضمائر والجيوب، فهو منذ أن يتكون يخرُ ذلاً، ويزحف من أجل وظيفة، ويتوسل الراتب! ويسخر طرفة بن العبد من ملك الحيرة الذي جعل للناس يومين؛ يومٌ للطيور تطير فيها ويوم للناس تمشي على أقدامها، وإذا أحدٌ من الناس مشى في يوم الطيور ضرب، حتى جاء الشاعر عمرو بن كلثوم وقطع رأس هذا المتجبر! لا يأخذون من الماضي إلا القشور وزنازين الأفكار، ولا يأخذون من الحاضر إلا موضات الغرب الشكلية، فخسروا العصرين، ووحدة العصرين تتمثل في تأسيس حرية العربي في مبنى العلوم والحداثة