إعادة إنتاج العفاريت ؛ عبـــــــدالله خلــــــــيفة

#عبدالله_خليفة


حين تسيطر الأغلبية الشعبية على الموارد العامة يقل حضور العفاريت في الحياة. فهي تعبيرٌ عن عدم سيطرة الإنسان على واقعه الاجتماعي وحياته وأمراضه.
وقد شكلت سورة الجن في القرآن تعبيراً ترميزاً مثالياً عن إلغاء دور العفاريت في حياة المجتمع وإبعادها عنه، بجعلها جزءً من عالم الإسلام، من عالم الخير، فانتهت تدخلاتها الشريرة، وانتهى حضورها في عالم الإنس، وغدت السيطرة لدى الإنسان.
إن الأدوات السياسية والاقتصادية لذلك العصرمحدود الثقافة العلمية، لكن المسيطر على ثروته المادية الموزعة على الأغلبية، تجعل مقاربته مع عالم الجن مقاربة دينية مثالية، فلا تتم إزالتها بل تتم إسلمتها.
ولكن المسلمين في مسيرتهم التالية وبسبب عودة الأغنياء للحكم، وإبعاد الأغلبية عن السيطرة على واقعها الاجتماعي، أعادوا حضور الجن بكثافة، وصار الجن الشرير خاصة هو المهيمن على الفضاء الثقافي.
فكلما فقدَ الإنسانُ السيطرة على واقعهِ، وتاريخهِ، وصار في مهبِ الرياح السياسية، لجأ لما هو خارج وجوده الاجتماعي، واستعان بالقوى الخفية ذات القدرات السحرية لكي تعيدَ له صحته أو ماله أو الأعزاء الذين فقدهم أو الشباب الذي مضى أو لكي تزيل العقم الجسدي والعقم الروحي، ولهذا لا بد من تقديم أعطيات لها مثل القوى الشريرة الاجتماعية وعمليات إسترضائها وخدمتها.
كانت الكلمة القرآنية والثقافية والتوحد الشعبي الواسع هي أدواتهم للسيطرة على الواقع الاجتماعي، لكن الواقع فلت من إيديهم لغياب الأدوات السياسية المناسبة، وجاءت قوى الأغنياء وحكوماتُ الأقلياتِ لتلغي ذلك الانسجامَ بينهم وبين وجودهم الاجتماعي التعاوني.
فراحوا يتصورون تاريخهم السابق كتاريخ من الأساطير ومن التدخلات السحرية العجائبية، فالكائنات والحيوانات والرموز العجيبة كلها هي التي صنعت تاريخهم الذي صنعوه هم بأيديهم، ويتراجع حضورهم الجماعي الذي تمزق فرقاً وأحزاباً.
لا يمنع من هذا إن المسلمين لم يسيطروا على ثقافة الخرافة كلياً، فهي نتاجٌ موغلٌ في القدم، فثقافتهم كانت تؤمن بالرقى والتعاويذ لكن المُسيطرَ عليها بالقرآن، وهو جانبٌ يماثل تحييد الجن وأسلمتها، والجانب التنويري الإسلامي حسمَ الخيارَ في بعض الجوانب، خاصة في تنحية الكائنات العلوية – الأرضية الشريرة، متوافقاً مع الكائنات العلوية الخيرة، والأفكار المثالية الفكرية الغيبية الخيرة الأخرى باعتبار العالم نتاج إله، وهو الذي يحكم الكون بالخير والفترة الأرضية هي فترة مؤقتة تجريبية، وبالتالي فإن الأفكارَ الدينية هي التي تعاونهُ على إستئصال الشر من حياة البشر.
ومع غياب الدولة الشعبية التي ترفدُ هذه التكوينات الفكرية العامة الخيرة، وتصاعد سيطرة الأشرار الاجتماعيين السياسيين الاستغلاليين، فإن الكائنات السحرية الشريرة تنطلق هي الأخرى في الحياة الاجتماعية.
لا يستطيع الإنسان في هذا المجتمع الذي فقدَ فيه الناسُ سيطرتهم على مصادر إنتاجهم، سوى أن يرتعب من كل بوادر الشر والموت والخراب والحروب، ولا يستطيع وعيه أن يفهمَ تاريخَهُ وكيف عجزَ عن السيطرة عليه، وما هي أسبابُ الحروب والأوبئة وسوء العلاقات البشرية، فهذه كلها تخرجُ عن فهمه، ويتصور إن مسبباتها موجودة في كائنات غيبية وفي حيوانات وطيور شريرة:
(العرب مثلا تكني البوم بطائر الخراب، إذ ينظرون إليه على أنه طائر شؤم تنقبض صدورهم لدى سماع صوته ليلا، ويتوهمون جهلاً حدوث مكروه كموتِ عزيز أو خراب ديار، ويصف الكتابُ الأوروبيين بأنهم يرون في صوتِ البوم إعلاناً لموتِ أحد الأشخاص أو أن أحد الناس يعاني في تلك اللحظة من سكرات الموت، ويتوهمون أن البومَ إذا ما حطَّ على سقفِ أحد البيوت أصابه بالشقاء!)، تعليق صحفي على كتاب مُترجم بعنوان (معجم الخرافات).
إن ارتباط البوم بالخرائب الناتجة عادة من كوارث الحروب وخراب العمران التي لها أسباب شتى، تتحول مع تكرارها في مثل هذا الوعي الشعبي العفوي إلى أن تكون هي مصدر الشر.
إن إعطاء الطيور أو الزواحف كالحيات قدرات على التدخل الواسع في الحياة البشرية تتصاعد إلى حد إعطاء الألوان والألبسة والوجوه إمكانية السيطرة على حياة البشر المستقبلية.
فالتطير والطيرة هي رؤية تشاؤمية من بعض الطيور كرؤية الغربان والاستدلال من وجودها على أحداث سيئة سوف تجري في المستقبل، مع ارتباط الغربان بالجثث الناتجة من الحروب خاصة.
ومع فقدان البشر السيطرة على واقعهم يبحثون عن مفاتيح السيطرة والتحكم خارجهم، نظراً لغياب التراكم المعرفي العلمي في حياتهم، وتظهر فئاتٌ متخصصة في مثل هذه الرؤى الغيبية، المستقبلية والمصيرية، وهي تقوم بإنتاج مثل هذا الفهم الخرافي، كشكلٍ آخر من توظيف الخرافة من أجل عيش تلك الفئة المنتجة لهذه الأشكال من الوهم.
تغدو النجومُ والكواكب والأرواح مصدراً لهذه المعرفة المستقبلية مع عجز العقول الأرضية عن التحكم في يومها، فهذه الأشياء خارج الملموس، ولها ظلال وصور لا نهائية وغير محددة، يمكن عن طريقها تسريب الأفكار والتوجيهات والنبؤات وخلق أشكال من التفكير المحتاجة للمعونة الماروائية نظراً لأزماتها المعيشية والسياسية والجسدية والنفسية المختلفة.
وإذا كانت هذه الأشكال السحرية عفوية وواضحة ببساطة فإن جر جوانب من الدين لعمليات سحرية هو الأمر الأكثر صعوبة في الكشف، حيث تجر تلك المناطق الغيبية لإنتاج ممارسات سياسية عامة مضرة بالتطور.
يؤدي ازدياد الاضطرابات في الحياة السياسية العربية إلى طريقين أما إلى توسع السيطرة العقلانية على الاقتصاد وأما السماح للقوى المتنفذة الإستغلالية التلاعب به كما تشاء مصالحها.
طريق السيطرة العقلانية يقود إلى ازدهار العلوم بما فيها علوم فهم الأديان، والثقافة عامة، وإلى إعادة لحمة القوى الشعبية وإمتلاكها لمواردها الاقتصادية، وهي أمورٌ تقود لزعزعة الثقافة السحرية والغيبية فهي ليست سوى إنعكاس لفوضوية الاقتصاد وتهميش العاملين.
أما طريق السيطرة الآخر والذي أنتج أغلب التاريخ الثقافي العربي، فهو يجعلها تزدهر، وهي تستغل مصطلحات الدين ورموزه من أجل إنتاج ثقافة لا تسيطر على واقع، ولا تجعل الجمهور يتحكم في إنتاجه الاقتصادي والخيرات التي يصنعها.
ولهذا كان نمو الموجات الأولى من الحركات الدينية يتم مع نشر السحر بصورةٍ واسعة، وهذا يتجسدُ بجعل العوالم الغيبية متحكمة تحكماً مطلقاً في الكائناتِ البشرية الشبحية، التي تفقدُ أيَّ دورٍ خلاقٍ في تغيير المجتمع بشكلٍ عقلاني مخطط.
ومن هنا فهي تتوجه للجوانب الدينية الغامضة، التي يتداخلُ فيها الواقعُ مع الغيب، وهي تلك العوالم التي حسم الإسلامُ الموقفَ منها، وجعلها سلبية فاقدة التدخل في الحياة البشرية، كالجن والأرواح.
وحتى لو فرض جدلاً بأنها غير موجودة فيزيائياً إلا أنها موجودة في الوعي البشري والوجود الاجتماعي، وهذا لا يغير من دورها.
فهناك إستغلال للمناطق المتراوحة بين الوجود والغيب كالموت، وهي منطقة خطيرة محفوفة بالأسرار والمخاوف، وذلك عبر جعل البشر يرتعدون خوفاً منها، فتتراءى لهم الثعابين والنيران والأرواح المختلفة، التي عادة ما تـُدخل في مثل هذه المناطق البرزخية عبر التعبئة السحرية التصويرية السينمائية بقصد نزع العقلانية من وعي المسلم، ويتحول المؤدلجُ السحريُّ هذا إلى قائد سياسي، يبطشُ بالعقل، ويهمشهُ، ويحيلُ الإنسانَ إلى أداة في يده من أجل المشروعات التي يخطط لها.
كما يقومُ بالتحكم في النصوص الدينية وإعطائها الأهداف التي يريدُها المتمثلة في زوال العقلانية، وإلى اعتبار التاريخ وحركة المجتمع لا تسير بقوانين، وأن الإسلام الأول لم ينتج خطة عقلانية للسيطرة على الاقتصاد، فتغدو منتجات التاريخ والتراث كلها بيدِ المنتج الساحر الحديث التي يوجهها كيفما شاءت مصالحُ الجماعات والدول الإستغلالية التي تتصرف بالمال العام كيفما تشاء.
إن الأغلبية الشعبية الجاهلة والأمية والتي عاشتْ طويلاً في ثقافةِ السحر، يُعادُ السيطرة عليها عبر مثل هذا التداخل بين السحر والدين، فتتحول الآياتُ والجملُ المُنتزَّعة من سياقاتِها إلى أدواتٍ للحكم والحروب والكوارث.
فيمكن للكلمة حسب هذا الفهم أن تحدث الانتصارات في الحروب، ويمكن إستدعاء بعض المنجمين لمعرفة مصير الحرب مع إسرائيل، وإعطاء الجنود مفاتيح الجنان وهم يدوسون على الألغام في جبهات القتال ويفقدون شبابهم، ويغدو أمراء الجماعات هم المحددون لجنس الكفار – سواء كانوا من جنس المسلمين أم من غيرهم – بعد أن التحموا بالذوات العليا، فهم الذين يستطيعون نقل المجتمعات المتخلفة والفقيرة إلى الأسلام الأول عبر دكتاتوريات المجموعات الصغيرة الأرهابية فيقررون الحياة والموت للناس.
إن حصول هذه القيادات على تلك الإمكانيات الخارقة يحيلُ الإسلامَ العقلاني التحديثي عند هؤلاء إلى شعوذةٍ سياسية، فهم قادرون على إقناع الجمهور الحاشد بأن يعود للوراء وأن يكون ضد مصالحه وتقدمه.
وهذا حدث ليس فقط لأن الجمهور جاهل وأمي، لكن لأن الجمهور يأمل في تسوية مشاكله الاقتصادية والاجتماعية الضارية بنفحةٍ سحرية، بتعويذةٍ تقدمُ له العفريتَ الهائل الذي ينقلهُ بين ليلة وضحاها إلى الجنة الأرضية، ويغدو الشباب غير المنتج وغير المشتغل في الصناعة وغير الدارس للعلوم وغير المصنعة في زنازين الدول الشرقية، يريد بلا عمل شاق أن يرى نفسه فجأة بين الحوريات، وأنهار اللذائذ حوله.
تتحول الجماعات الدينية السياسية إلى قوى خارقة ملكتْ السحرَ القادر بين عشية وضحاها على نقل المؤمنين للجنان الأرضية، فإن لم تستطع نقلتهم للجنان الأخروية، ولهذا تتحولُ سياساتـُها لبرامج سياسية فقيرة بفهم المجتمع وبفهم الدين معاً، معتمدة على زرع الأوهام في عقول الناس، فعبر روشتة حكم الأقليات أو الشركات الإسلامية أو شعارات العودة للشريعة، تجعل الناسَ تتصور أن هذه الشعارات قادرة على حل أزماتهم المعيشية في غمضة عين وانتباهتها.
في حين أن أزماتهم وتخلفهم نتاج ((علاقات اقتصادية)) متجذرة بحاجة إلى تحليلات عميقة، ومشروعات طويلة الأمد، فنقل الملكيات العامة الحكومية للناس وإحداث تنميات كبرى، وتوزيع فوائضها للمشروعات والحاجات الأهلية، مسألة تحتاج لعشرات السنين، إذا عملت وتوحدت الجماهير الشعبية وتعلمت وازدهرت بالعلوم.
إن الفانوسَ السحريَّ السياسي غير موجود، وإنه إذا لم يحدث الحراك الإنتاجي وتقلص هيمنات الدول على الاقتصاديات والدخول والعمالة والفوائض، وبقيت الجماهير في أميتها وسحريتها وتخلفها وأعمالها الحرفية المحدودة، لن يحدث أي تقدم، وسوف يزداد الفقر وتتكاثر الأرواح والأشباح.
إذا لم يحدث تعاون واسع بين القوى السياسية الديمقراطية لفهم الواقع الاقتصادي بالدرجة الأولى، وفهم عملياته ودخوله وكيفية تغييره، فلا تفيد أية روشتة أخرى، خاصة الروشتات السحرية.
لم تقم الثقافة الغربية المسيطرة على المنتجين الشرقيين أو الغربيين، بإنتاج ثقافاتهم العقلانية، فمثل هذا الإنتاج يتواكب مع تغيير ملكيات الصناعة الخاصة، التي تفيضُ عليهم بخيراتها، وإذا كانت ثمة عناصر عقلانية فيها، فهي لا تسود ولا تنتشر بشكل جماهيري.
بل توسعت الثقافات الغربية السائدة المعبرة عن أؤلئك المالكين للفوائض الاقتصادية غرباً وشرقاً، في نشر الخرافات وتيارات تغييب الحفر العقلاني.
كانت المدارس (الرفيعة) الأدبية والفنية كالسريالية والدادائية والبنيوية والشكلانية وغيرها تمثل عبادات الأشكال المفرَّغة مما هو حقيقي وما هو إنساني كفاحي، فتتركز على الخطوط والنقط المجردة والبُنى، ويُتم تغييب الإنسان وإزالة وجوده الاجتماعي، وتـُعطى لتلك الأشكال أهمية مساوية لعبادة النجوم والكواكب والأصنام، وتغدو عبادة الأشياء تخريفاً على أساس تحديثي، وتنقل للمنتجين الثقافيين لينشروها ويعطلوا ملكات الحفر النقدي في مجتمعاتهم.
لكن الجمهور العادي لا يفهم مثل هذه المنتجات الصعبة، كما هي مستوياته وظروفه، فتـُسوقُ له الخرافات عبر الأفلام، وتظهر الوحوشُ على هيئات مصاصي دماء وموتى وقوى غامضة تنبعث من الكواكب والقبور والأرواح ويجيء سكان المدارات البعيدة ليحكموا الأرض، ويتشكل أفراد بقوى خارقة، سوبرمان يرفع الطائرات على كتفيه ويحول مسارات الصواريخ في دقائق، وحيوانات قديمة هائلة يتم ظهورها في المدن الحديثة والبشرية تغوص في حروب نووية كارثية وغيرها من السيناريوهات الخرافية المرعبة والمسلية، وتـُحشدُ معها تقنياتٌ رهيبة لتجسيدها وجعلها حقيقية، مثلما يترافق مع ذلك نشر المخدرات وأشكال التسلية الخطرة والأدمان.
وتـُسمم الجامعات والثقافة وعمليات الإنتاج الفكري بالمستوى (الرفيع) فيما يُسمم العامة بالمستوى المتدني، وبهذا تجد ترنح الثقافات العربية من هذه الفؤوس الواسعة الانتشار، فالكثير من الشعر يغدو ذاتياً نرجسياً أو فقاعات، واللوحات تقلد اللاوجود الثقافي الغربي الخ..
ومع بقاء الرأسماليات الحكومية العربية الفاسدة المستنزفة للثروات وللأدمغة، وبقاء الأرياف غير مصنعة، والنساء الأميات يواصلن إنتاج الخرافة، تفيض البلاعات.
وتظهرُ مؤسساتٌ لعبادة الشيطان، ويُقال بأن ذلك جزء من الحرية الدينية، ويُقال بأن الإلهَ أو الشيطان تسميات خيالية مشتركة.
والقضية ليست الحرية هنا ولكنها في إلغاء التراث الإنساني المتمثل في الأديان، وصور الإله والملائكة واليوم الآخر هي رموزٌ لإنتاج الخير في تاريخ الإنسان، جوانبٌ روحية لتوسيع الضمائر وإحيائها في حالة الموات، ولكي لا تغدو الجريمة مبررة، والمذابح محترمة، وحين جاءت الهتلرية أنشأت الصليب المعقوف، صليبٌ يغيبُ التضحية، ويبررُ الحروب والقتل!
وهذا لا يعني جعل الفكر الديني مطية للاستغلال وهيمنة الطبقات والأمم، بل تعني رؤية التاريخ الديني كنضالٍ للإنسان في ظروفٍ فكرية مغايرة لنضاله في ظروف العلوم الحديثة.
وكم يحاول بعضُ المثقفين جعل تاريخ الأديان ومواده وسيلة لاستمرار الخرافة والقهر، ولهذا يشحنونه بما يجعل العقل يطير فوق ظروف الأرض الحقيقية، لتبرير اللاعقلانية.
فيظهر مثقفون يدافعون عن وجود الأرواح والروحانية ويعرضون فشل العلوم والسببيات والقوانين، وفي مواجهة ماديين آليين يريدون سحق الأديان بشكل لا يقل عن لاعقلانية أولئك.
يغدو الوجود صدفة، والخير صدفة، والعقول متاهة.
وفي ذات الوقت تبرز عبادة الشيطان وعبادة الدولار!
وفي ذات الوقت تفقد الكثير من الشعوب سيطرتها على أحوالها وأسواقها، ومعيشتها، وتتشردُ في أركان الأرض بحثاً عن لقمة العيش، حاملة معبوداتها وكتبها الدينية في أرجاء المعمورة، قد تغرق في قوارب أو تتلاشى في مجازر، وتنتفض الأريافُ بحروبٍ طاحنة مخربة لنفسها قبل الآخرين، وتلجأ للقرصنة وحروب العصابات لتأكيد عيشها الذائب في العولمة الرأسمالية الحديثة.
في حين إن كل أدوات الحداثة والعقلانية لم تستطع أن تضع حداً لفوضى الوجود السياسي الراهن، مع ازدهار الأنانيات الطبقية في كل مكان.
يعود الكثيرون للخرافات، ويغدو بند مطاردة السحرة في كل اجتماعات وزارات الدول العربية والإسلامية المخصصة لتنمية العقلانية وبشكلٍ مستمر، دون إلقاء القبض على الفقر والبطالة والجوع والتشرد والهجرة.
ورغم نشر بعض التقنيات في المدارس فإن الطلبة يعودون لصفحات التنجيم وقراءة حظوظهم في الجرائد، بسبب أن الخطط الحكومية لتشغيلهم غير مضمونة.
في هذا الجو العالمي تنتعش زيارات البابا وتحصل المنظمات الدينية على مساحات عمل تخصصها في زيادة نشر اللاعقلانية، وتهاجم الحداثة والعلمانية والديمقراطية سبب مصائب العالم في رأيها، وفي هذا الجو الخرافي الدموي، يبرر مثقفون المجازر بدعوى المقاومة، ويؤججون تصادم الأديان والشعوب، ويعودون لاستحضار السحر والشعوذة وإدراجها في الحياة اليومية.
لا عجب في مثل هذا الجو أن يستعين حملة رسائل الدكتواره بأرواح أسلافهم عبر القبور ويستنجدون بملاحظاتهم الهامة، وتظهر دراساتٌ عن أهمية البصل في أشعار الأمويين، وعن مدى الملوحة في مياه البحار، وتكثر الخطب عن التنوير في قرى ومجمعات قـُطعت عنها الكهرباء، وتلتهم الأغاني تسعين بالمائة من بث الفضائيات العربية، ويظهر قادة السحر في السماء وهم يرشدون الشعوب لكيفية محاربة الأمراض ودحر التخلف وهزيمة الصهيونية.

اختلاط التسميات والأسماء: عبـــــــدالله خلــــــــيفة

اختلطت التسميتان في الزمن القديم، كان الكثير من الشيعة في المشرق العربي مضطهدون، وكان الشيوعيون يبحثون عن المضطهدين في العمال والنساء والفقراء عموماً، فتغلغلوا بينهم، وفي ذلك الوقت كان الاتحاد السوفيتي وكانت الثورات الوطنية وصعود العمال ولم تكن ثمة طائفية سياسية معارضة، فكان الشيوعيون فصيل من فصائل التوحيد لا التفريق بين ملل الإسلام المختلفة!
فحين كان الشيوعيون أقرب لفكرهم والشيعة أقرب لمذهبهم توحد المختلفون!
وقد اختلطت الأسماء حيناً فمن يُعتقل وهو شيوعي يقول بأنه شيعي، وهو يحرض على هذا الأساس بين الجمهور، ويتناول رموزاً إسلامية مضطهدة ويعبر بها عن كفاح العمال الحديث!
كانت شعارات عامة تصلح لكل زمان ومكان وهو خيال الفقراء في النضال الوطني وفي الحصول على ظروف جيدة، وهو تقليد قديم بين أهل المنطقة فطالما ركبوا شعارات تحديثية قادمة من أمكنة أخرى ودمجوا بها معاناتهم.
وكانت الشيوعية قوة تغيير وطنية كاسحة كبرى في زمن الاستعمار القديم، فهناك مليارات من البشر في الشرق والغرب وراءها، ولم تتتفهم بأنها مرحلة معينة في تطور الرأسماليات الوطنية الشرقية الدكتاتورية، وإن إزالة الطبقات وسيادة العمال ما هي سوى أحلام مستقبلية بعيدة.
ولهذا فإن إختلاط هذه الأحلام بالأديان والمذاهب هو أمر عادي في تاريخ الشرق، وكم اختلطت المذاهب الإسلامية بالمانوية والزرادشتية والأرسطية وغيرها وانتجت ظواهر جديدة معارضة وخيالات و.
لكن الأديان والمذاهب تبقى أدياناً ومذاهباً لها مساراتها الخاصة، وإن الظواهر الهجينة التي تنتمي لأجهزة معرفة وكيانات فكرية مختلفة تتفارق آجلاً أم عاجلاً.
وكان خطأ الأوائل هو عدم فهم الأديان والتيارات الفلسفية معاً، فكلٌ له مساره المختلف، وإذا كان ثمة توحدٌ في أشياء ومبادئ معينة فهو يرجعُ لمعاناة البشر عبر العصور والأوطان.
لكن أهل الأرياف الشيعة وخاصة العمال الطليعيين والمثقفين المتنورين وجدوا في المذهب الشيوعي عزفاً على المعاناة وقهر الناس وإستغلالهم، وهو ما كان قوياً عارماً في مذهبهم على المستوى الشعبي لا على مستوى رجال الدين!
وبسبب مستوى معرفتهم الشعاري في المذاهب والفلسفات تبنوا الجانبين!
وكان أغلب هؤلاء محرضين وسيظلون في درجة التحريض طوال حياتهم وهي الدرجة الأولى الدنيا في فهم الفكر الحديث وإذا استمر المرء عليها انتهى منه.
التحريض يتطلب لتجاوزه القراءة العميقة والدرس والفتوى النظرية فيما بعد، وهي عملية مقاربة لفهم النص الديني، الذي يتطلب هذه الدرجات بشكل متصاعد.
وفي سنوات الستينيات خاصة من القرن الماضي تداخلت الأوساط النخبوية من الجانبين الشيعي والشيوعي، فلم تجد في الاختلافات الفكرية كوجود الإله ونفيه أو في الإيمان بيوم القيامة والكتب السماوية، عقبات للعمل المشترك والإيمان المشترك!
كانت محن الناس العاديين وكانت الظروف المشتركة لهؤلاء القياديين العماليين والمثقفين تدفعهم لتجاوز الاختلافات الفكرية.
كما ان الجانبين لا يتغلغلان بشكل عميق في المصطلحات الماركسية أو المذهبية. لكن كانت القيادة بين هذا الخليط تعود للشيوعيين بطبيعة الحال فوراءهم دولة كبرى هي الاتحاد السوفيتي وكانوا قادرين على إرسال بعثات دراسية والتصدي في المراكز القيادية للمؤتمرات التي تعقد في أمكنة مختلفة في الكرة الأرضية!
لكن تفارق الجانبين حدث مع تضاؤل الاتحاد السوفيتي خاصة الذي لم يعد قادراً على البذل المادي في سباق التسلح وفي الإنهاك الأمريكي له وفي الصرف الواسع على حركات التحرر.
فقد برز المركزُ الإيراني الشيعي، كقائد عارم للطائفة، ودفع الخصام مع الحركات التقدمية والقومية والإنسانية إلى أبعد مداه، في مشروعه لاستثمار الطائفة العالمية الشيعية لمشروعه القومي الإيراني السياسي.
إن عدم تناغم المركز الإيراني مع الحركات التقدمية العالمية لكونه اعتمد النصوصية الدينية العتيقة، واستبعد جوهر المذهب الشيعي النضالي، وعبر هذه النصوصية وتأجيج العداء لغيرها حاول تكريس سيطرته على ملايين الشيعة في العالم.
وهكذا حدث الانفصال الحاسم بين الشيعة والشيوعية، وخاصة في المراكز السياسية الدينية المحافظة، بينما واصل بعض التقدميين العيش في زمن التحالف القديم، والخلط بين المنهجين، لكون مستوياتهم الفكرية لم تتطور، ليس عبر تكريس العداء للمذاهب الإسلامية، بل لعدم فهمها، ولضرورة فرز المتعصبين والاستغلاليين لتلك المذاهب في مشروعاتهم لسرقة الجماهير المؤمنة، وللتحالف مع الإنسانيين والمناضلين فيها لصالح الجمهور.
وهذه الأسس هي العلمانية والعقلانية والديمقراطية، فلم يعد ممكناً الخلط بين المذاهب والحركات السياسية، ولم يعد ممكناً مزج المبادئ الذي لا يقوم به سوى الأميون والمتخلفون الفكريون.
فالمذهبية السياسية الدينية شيء والماركسية والقومية والليبرالية أشياء أخرى، تتقارب في أعمالها السياسية وتتصارع لكنها لا تذوب في بعضها البعض.
من يرد العودة إلى مذاهبه فليعد ولكن الخلطة الهجينة الفكرية لا تصلح للعصر.

  1. أفاتار غير معروف
  2. أفاتار غير معروف

    […] عمــران ــ علـى أجنحة الـرماد ــ خيمةٌ في الجـوار ــ ناشــرٌ ومنشــورٌ ــ شهوة الأرض ــ إغلاقُ المتحفِ لدواعي…

  3. أفاتار غير معروف

    […] ليلة صوفيـة ــ الخنفساء ــ بائع الموسيقى ــ الجنة ــ الطائـر الأصفـر ــ موت سعــاد ــ زينب والعصافير ــ…

  4. أفاتار غير معروف
  5. أفاتار غير معروف

الولادة العسيرة لليسار الديمقراطي الشرقي : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

إن تداخل اليسار في الشرق مع ولادات الرأسماليات الحكومية الشرقية فيها أدى إلى مشكلات في تطور اليسار نفسه وفي قضايا أخرى كالعقلانية والديمقراطية، فقد حدث التباسٌ تاريخي كبير.
كانت هذه لحظة لقاء معقدة وتركيبية، وذات إشكاليات متعددة، تضافر فيها اليسار الغربي مع الشمولية الشرقية، والرغبة في القفزة النهضوية مع الاستبداد، وتسريعُ الحداثة مع هياكل اقتصادية متخلفة جامدة، وتم جلب أحدث الأفكار التقدمية لوعي شعوب دينية تعيش في قرون سابقة!
أسرعت قوى سياسية في تنميط موديل سياسي يساري نهضوي رأت فيه الشفرة الموجزة والمتكاملة وجعلت من الدكتاتورية طريقة سياسية لحل كل هذه الاشكاليات، جعلت من ذلك مصدراً نضالياً حماسياً مهماً وشفرة سحرية لحل القضايا كافة التي تحتاج إلى قرون من التطور البطيء العقلاني.
تداخل الموديل التاريخي العابر مع اطلاقيات مقدسة وجعل نفسه بديلاً يؤدي إلى زوال الرأسمالية في العالم ككل، وتوجه لإزالة الأديان والقوميات (الشوفينية) وإحلال لغة قومية لشعوب أخرى.
إن الطريق الرأسمالي الحكومي الشرقي عامة وصل إلى طريق مسدود، وعادت الرأسمالية السوداء والفوضوية وعادَ الدين المحافظ ليتبوأ مكانة مقدسة، وعجزت اللغة القومية أن تكون لغة عالمية للشعوب التي عادت للغاتِها وتقاليدها العتيقة.
وهذا ليس سوى النتيجة للبناء الأول، فما تم تشكيله بسرعة ينهار بسرعة وعبر فوضى غير عقلانية! ومن النقيض للنقيض، لصعوبة تكوين البدائل الوسيطة التي لا تتشكل إلا من خلال تطور تاريخي متدرج وموضوعي.
أخذ اليسار الشمولي ينهار وينعزل ويتفتت إلى قوى كثيرة، ولم يقدم إجابات على الأسئلة المعقدة والمركبة للشعوب الشرقية، واستمرت أصوات يسارية قليلة ونادرة في مثل هذا الزحام بين يسار شمولي متآكل تاريخياً وقوى رأسمالية بيروقراطية امتلأت بالفساد وبنهج العصابات، وبين قوى شعبية عاملة يئست أو تجمد وعيها واضطربت أفكارها بين يسار شمولي وعد بالجنة، وبين جنان رأسمالية في الغرب تهفو إليها! ورجع بعضها للأفكار القديمة وقفز آخر نحو المجهول، يتشبث بليبرالية واهنة في بلدانه أو يلتحق.
كان نجاح اليسار الشمولي في تصعيد التنمية الهائلة لهذه البلدان وبين اخفاقات الديمقراطية والتطور الاجتماعي المتكامل، بين خلق نهضة كبرى لا أحد قادر على إنكارها، وبين دهس الشعوب ورفض حرياتها وتعبيرها عن ذواتها، تناقضات ضخمة استعصت على الحل التاريخي الملموس في ظرف زمني قصير قياساً لعمر الحضارات!
وكان غياب التطور المتكامل الجامع بين النهضة الصناعية والتحديث والديمقراطية، له ثمن فادح، في قفزة القوى الدكتاتورية الحكومية العسكرية والاستخباراتية إلى سدة الحكم، وفي تدمير الكثير من إنجازات القطاعات العامة، وتصعيد مليونيرات من الأقبية السرية للبيروقراطية، وفي انهيار المؤسسات العامة للثقافة ودعم الدول للمفكرين والمبدعين.
كان السؤال الخطير هو لماذا عجزت هذه التجارب العالمية الهائلة عن إنتاج يسار يجمع بين التنمية والديمقراطية، بين تقدير الأديان ونقد جوانبها المحافظة السلبية، بين قيادة القوى الاشتراكية المفترضة واحترام المؤسسات الديمقراطية التي تكونت في بدء الثورات؟
ولماذا تم مجاملة القوى الحاكمة وعدم نقدها وتسلق قنواتها السياسية؟
كانت هزيمة الاشتراكية الديمقراطية التعددية وسيطرة النموذج (الشمولي) علامة خطيرة في تطور شعوب الشرق، رغم أنه كان في خلال عقود نموذج الحلم المسقبلي.
لابد من بحث نتائج هذه العملية الآن، بعد سنوات من الصراع بين الموديلات السياسية المختلفة، خاصة بين اليسار الشمولي واليسار الديمقراطي، ماذا حدث؟ وما هي نتائج الانهيار؟ وهل ظهر يسار ديمقراطي يجمع بين التنمية والديمقراطية؟ بين احترام الأديان والتقاليد وشق الطريق لصعود قوى الكادحين؟
ماذا تقول الأحزاب الشيوعية عن تجاربها؟ وهل ظهرت أحزاب اشتراكية ديمقراطية؟ وما هي أوجه الاختلاف بينها؟ وهل ثمة صيغ متقاربة ومتداخلة؟ أليست الأحزاب القومية والدينية سوى نسخ مختلفة بعض الشيء عن سابقاتها؟
كان الانقسام بين الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والأحزاب الشيوعية يعود للانقسام بين الغرب والشرق، بين الأمم الغربية التي شكلت تطورها، ولم تعد بحاجة إلى التسريع، سوى أمم معقدة في التاريخ الغربي كالأمتين الألمانية والإيطالية اللتين تطورتا ولكنهما تأخرتا عن اللحاق بركب الاستعمار وعن تصيد مستعمرات كان قد انتهى تقسيمها. إن الأصل في الصراع بين الفريقين السياسيين الاشتراكيين هو تعبيرهما عن أمم مختلفة ذوات تطور قاري مختلف. وليس هو الصراع بين البرجوازية والطبقة العاملة.
كانت الاشتراكية في كل من العالم الشرقي الاستبدادي والعالم الغربي الديمقراطي، تأخذ لونـَها وسماتها من الأبنية القارية هذه، ومن تلوينات الشعوب حسب درجاتِ تطورِها وتعبيرها عن نضالها في كل من التقسيمين القاريين المختلفين.
كان لا يمكن للأمة الصينية أن تأخذ الاشتراكية الديمقراطية لأنها تقع في التقسيم الشرقي الاستبدادي، كان عشرات الملايين من الفقراء والقلة من العمال تريد إجراءات سريعة للعيش، وللحصول على العمل والأكل، وللسلامة من الأمراض الفتاكة، وللحصول على قطع أرض للزراعة وبيت متواضع، في حين كان العمال البريطانيون يأكلون بشبع، ولديهم مساكن، وأحزاب علنية حوارية منذ عقود طويلة، فكان لا يمكن أن يتوافقوا مع (الشيوعية) والثورة على الرأسمالية، كانوا يريدون استمرار عيشهم الطيب رغم كل المنغصات والسلبيات، كانوا يريدون الإصلاحات الصغيرة المضمونة وليست الثورات الخطرة!
ولكن ماذا سوف يخسر الفلاحون الروس من الثورة؟
إن الأمم الشرقية والأمم الغربية تركت بصمات أوضاعها على المنحى الاشتراكي العالمي، وكان غياب الممارسة السياسية الديمقراطية وسيطرة العامية المتحمسة والأوضاع السيئة الرهيبة والغزو الاستعماري كلها تجعل أغلبية هذه الأمم الشرقية تسلكُ طريقاً مختصراً سريعاً نحو (الاشتراكية) بكل ما فيه من حوادث عنيفة، وهو طريق مختصر فيه إنجازات وتحولات وفيه كوارث كذلك، ولكنه ليس طريق الاشتراكية بل طريق التقدم القومي!

إنساننا البسيط المتواضع : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

#عبدالله_خليفة..
إنساننا البسيط المتواضع



حين نطالع البنايات العمالقة التي تلامسُ أحياءَنا البسيطة في القضيبية والحورة وراس رمان والغريفة، حين نرى إتساعَ البحر، وإنفساحَ المجال والأفق للجزرِ البعيدة، نقول لماذا نختنقُ في هذه البقعة الصغيرة وكأننا محشورون حشراً؟
إن العمال الأجانب بشر ليسوا من فلين وقشور سمك، أناس عبروا محيطات وإنحشروا في الأزقة والبيوت الكبيرة القديمة والشقق الصغيرة، وكأن المدينة الكبيرة لم تعد سوى أحياء متلاصقة متزاحمة وسوق عارم.
ملايين تأتي وتخرج من هذه البقعة الصغيرة، يقتحمون الأزقة والأعمال، يقطفون بعض رزق الناس، يرتفعون في المعيشة، يكبرون، يُسيّرون أحدث موديلات السيارات!
لكن لم يقم أحدٌ من المواطنين بتكسير مصباح أو خدش إنسان بسبب هذا!
شعبٌ يعيش ببساطته وفقره وبعض غناه لكن لم يقبض على رقاب البشر!
تعلم الحضارة بسرعة، أسألْ الشركات الأولى التي جاءتْ لتحفرَ الآبار في الصحارى حيث لا ينابيع وبيوت!
أسألْ قيعانَ البحار التي غاصَ فيها بحارة صاروا عمالاً ولحامين.
تجاوز العمالُ والأجانب مقادير أعدادنا، والأقتصادُ المتطورُ يحتاجُ كتلاً هائلة، وإختصاصات، نعرف ذلك ونحن نتعلم وسنتعلم، لنتحكم في الأجهزة المعقدة والمواليد والإختصاصات والمهن والعلوم، لنكون بديلاً عن بعضهم أو كلهم.
نرحبُ بهم بشرياً بشكل متناقض إنسانياً، لا نقول إننا ملائكة، نستغلهم نرثى لهم، نصاب بالضيق منهم لكن لا تمتد أيدينا إليهم!
نحن بلاد صغيرة تطلق فيها الوزارات كل العربات والسيارات والسياح والمرور والتجار والعابرون . . لديها على الأوراق أرقام، لا تعرف أنها أشياء وكائنات ودخان وزحام وأمراض وجراثيم تتنتقل عبر البلدان والقارات!
لديهم أوراق ويفرحون بإنجازنا: إننا الدولة الخامسة والعشرون في الحريات الاقتصادية؟
نريدها أن تكون الثلاثين في إهتمامها بعيش المواطن وصحته وعيشه وتقدمه وسيطرته على دخل بلده!
حين إنتفضتْ البلدُ كلها من أجل الصياد البحار المضروب بالرصاص عند أسيجة مجلس التعاون العربي الخليجي أدركنا إننا شعب واحد؟!
إنتفضتْ قلوبنُا بعمق وأسى، توحدنا.
البحرينيون أعطوا الخليجَ العلمَ والنور والمدرسين والباحثين والكتاب الذين يشتغلون في الجرائد والمراكز العلمية والثقافية..
أشعلوا النيران في رأس تنورة ليتدفق النفط!
إشتغلوا في حفر الآبار في الصحارى وجزر الخليج الفارغة من البشر..
غنوا وصنعوا مع من صنع في الخليج الأغاني الأولى.
تعلموا الآداب والفنون فشاركوا ريادة صنع الصحافة والثقافة، ووزعوا أنوارها على المنطقة.
تعلموا قبل الآخرين وإستقبلوا أخوانهم على مر السنين، عملوا بجد وتعب، إشتغلوا في المهن الصعبة، وربما محيت هذه القصص من الكتب والصحف، أو ذابت بفعل الحساسية، والفورة النفطية، لكن ليس فيها إعتداء أو عنف.
عاملوا الناس الذين جاءوا من كل الخرائط بتقدير وإحترام، ومدارس العنصرية مفتوحة في بلدان كثيرة.
ليس لديهم ثروة النفط الكبيرة ولديهم الأسعار المرتفعة.
أمتصوا غضب الصحراء بمياههم الهادئة، وروضوها بأرضهم الصغيرة الناعمة.
مثل هذا الإنسان الذي يسعى للرزق تمتد إليه أيد؟
كان ينبغي أن تفتح له الأبواب التي تفتح للملايين من البشر من كل حدب وصوب!
يا ليت مؤسساتنا تهتم بهذا الإنسان، تحول حشود أولاد وبنات هذا البحار إلى مهندسين وتقنين تحتضنهم الشركات والورش.
يا ريت مؤسساتنا ووزارتنا تشغل من أبدع فيهم مسرحاً وتأليفاً في أجهزة هي بحاجة لهم وتطلب موظفين من خارج البلد!
نقول بأن في هذا البلد إمكانيات كبيرة، حقل زيتي لم يكتشف ويوظف هو هذه الطاقات الشعبية.

حلقي مليءٌ بالنارِ على وطني : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

عبدالله خليفة ..
ابن الشعب وصوته


أيها الشابُ الواعدُ نضالاً ووطنية، أنت لا تعرف القضية!
نحن على مدى رمية حصاة من الحوت العسكري الفارسي النهم لأكل الأسماك البشرية الصغيرة، أنظرْ نحن لسنا من أصحاب الملايين، نحن كادحي كلمة فقراء، ناضلنا قبل أن تولد في قرية من أجل ناد يشرق بالتنوير على القرية.
وفي الحورة، ورأس الرمان، كتبنا، ومشينا للصحف البخيلة على أرجلنا، من أجل أن تنشر كلمة، أنت أيها الشاب خريطة الجراح، وأن تسلق الوطن والزمن في صحن الشعارات البريئة في فمك والتي تتحول إلى قذيفة في دمك.
أنظرْ أيدينا كيف غدت حصى من حجارة البلد، مزقتها قروشُ البر والبحر، وأوراقنا تغطي مساحة ملعب لكنك لم تقرأها، وجئت تعلمنا القضية.
حين ظهرت مكتبة قرب سوق (الظلام) بالتسمية الشعبية قام أحد رجال الدين ليغلقها، وكنا نشتري كتبها، وأخذوها وحرقوها، وجعلوك لا تقرأ ما فيها، وصحوت في آخر القرن بعد جفاف الحقول وكسل العقول، وأمسكت صارياً لسفينة تتجه نحو الشرق الاستبدادي لتعطينا بعض خبز الحرية.
شبابٌ ساذجٌ تربى في معسكر مغلق، سدوا منافذ النور فيه، ملأوا جسده بكراهية النساء، وإستعبادهن، ونشأ عجوزاً عقلاً فلم يعرف من الفكر سوى الصرخة الطائفية.
يداه لا تمتد للآلات والنظريات والرقص والشعر، علاقته بالوطن علاقة بعلم ملتصق بجسده لا بروحه.
ماذا تعرف عن هذا العلم الذي تحلمه؟ أنت تحمله كما حمل أصحاب صفين القرآين؛ قضيةُ حقٍ أُريد بها باطلٌ.
هل أنت بحريني؟ ماذا تعرف عن البحرين؟ هل عرفت ثوراتها وآدابها، هل قرأت قصصها، هل طفت بحاراتها، هل تشبعت نفسك المنفية عنا والمحبوسة في الدهليز المعتم بأشعارنِا وقصصنِا ورواياتنا ولوحاتنا وأمثالنا ومقالاتنا وكتبنا وأبحاثنا؟
ماذا تعرف عن البحرين؟ أيها الطيف، أيها السيف في أيدي أعدائنا؟

وحدة الماضي والمستقبل : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

#عبدالله_خليفة


لا بد لك من جذور الشرق ومن تطور الغرب! لا تستطيع أن تعيش في الماضي ولا تستطيع أن تكون بلا ماضٍ! لا بد أن تجمعَ ما صنعتهُ من ضوءٍ ومجدٍ وتقدم في السابق، وأن لا تنعزل عن مجرى التقدم البشري، فالعالم لم يبدأ بك، ولن ينتهي فيك! وما أنتَ سوى لحظة من التاريخ، وقطرة في بحر الإنسانية، لكنك وقعتَ بين تخلفٍ شديد وتقدمٍ مخيف، فلا تقبل بهياكل مهترئة من الماضي يقدمونها إليك، فلا تكون لك إرادة ولا تكون لك حرية، كما فعل الاستغلاليون المتخلفون عبر التاريخ، فقادوا الأمة إلى أن تكون عربة محطمة في قطار التاريخ السريع، ولا تقبل أن تذوب في طوفان السلع الغربية لتعود مرة أخرى إلى الصحراء وقد فقدت نفطك وأبلك وحميرك! لكن الناس مهما تكن ثورتك ومحافظتك علبٌ من الماضي، مهما وضعوا الأضواء وديكورات الثياب والسيارات وتفننوا في الموضات فهم لا يختلفون عن الناس الذين عاشوا قبل مئات السنين، لا يزالون لا يؤمنون بإرادتهم، بل أزدادوا ضياعاً مع تحكم الرساميل الكبرى والدول ذات الجبروت بالبشر ينقلونهم من قارة إلى قارة كما يفعلون بالعرائس والحفاظات! أين الإنسان العربي من الإنسان الجاهلي قبل الإسلام الذي يقول : إذا بلغَ الرضيعُ منا فطاماً تخرُ له الجبابرةُ ساجدينا الآن إذا بلغ الشابُ منا جامعة وجدت ظهره منحنياً من الضرائب وتلوث الطرق والضمائر والجيوب، فهو منذ أن يتكون يخرُ ذلاً، ويزحف من أجل وظيفة، ويتوسل الراتب! ويسخر طرفة بن العبد من ملك الحيرة الذي جعل للناس يومين؛ يومٌ للطيور تطير فيها ويوم للناس تمشي على أقدامها، وإذا أحدٌ من الناس مشى في يوم الطيور ضرب، حتى جاء الشاعر عمرو بن كلثوم وقطع رأس هذا المتجبر! لا يأخذون من الماضي إلا القشور وزنازين الأفكار، ولا يأخذون من الحاضر إلا موضات الغرب الشكلية، فخسروا العصرين، ووحدة العصرين تتمثل في تأسيس حرية العربي في مبنى العلوم والحداثة

المسكراتُ وأحوالُ السياسة : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

المسكراتُ وأحوالُ السياسة


لم تكن المرحلةُ الوثنيةُ الجاهلية تستدعي في مرحلة مكة الإسلامية المؤسسة، عمليةَ نقدِ شربِ الخمور، فقد كانت لها شعبيةٌ كاسحة، خاصةً مع الإحتفالات الطقوسية ذات الآلاف من السنوات، فكان النقدُ ينصبُ على عبادةِ الأوثان المُفكِّكة للعرب، والمؤدية لتمزقهم السياسي، وحين أخذت الدولةُ تتشكل في المدينة بخطواتٍ صغيرة، وبجهودٍ محاصرةٍ من قبل كثرة الأعداء الوثنيين واليهود وغيرهم، كان الأمرُ يدعو إلى تنامي الإنضباط العسكري لتلك القلة من المحاربين، ولما جاء في شرب الخمور لدى العرب البدو من فوضويةٍ وتخريبٍ حتى للمسجد الوحيد الذي ظهر في التاريخ.
كان لا بد هنا من التحريم السببي، وحين انتصر العربُ على أعدائِهم وتوسعتْ الدولةُ من مشارق الغرب إلى مغاربِها وإحتوت أمماً وشعوباً كثيرة، مالتْ سياساتُ الخلفاءِ للمرونةِ الاجتماعية مع هذه الشعوب وتقاليدها، ولم تُستخدمْ الأحكامُ الدينية الصارمة في مرحلة التأسيس، في مجالاتٍ عدة.
وجه الأئمة الكبار الأنظارَ السياسيةَ نحو الفساد السياسي بدرجة خاصة، وصعدوا الحريات الخاصة والعامة. فواقع الإنفتاح والثراء وغياب الأزمة الاجتماعية الحادة لم تستدعي التوجهَ إلى التشدد في الأحكام الجزئية وقضايا الحريات الخاصة، وهناك فرقٌ شاسعٌ بين أوضاعِ الفنون والحريات في زمنِ الجزيرة العربية البدوية وأوضاعها في زمن الحضارة والتعددية الاجتماعية السائدة وقتذاك!
لكن مع الأزمات في النظام السياسي الشمولي وعجزه عن تطوير حياة الأغلبية بل وإستغلالها ببشاعة، وتدهور أحوال الزراعة مصدر الإنتاج الرئيسي وهجرة المزارعين القرويين المعدمين للمدن، وهجمة البدو من الصحارى عليها، تدهورتْ الأحكامُ الفقهية، وتعالت أصواتُ المنع، بسببِ سيطرة ضيق الأفق على الكثيرين من رجال الدين، وعدم توغلهم في فهم أزمة المسلمين الحقيقية في النظام الاقتصادي وسوء توزيع الثروات في نظامِ الخلافةِ الاستبدادي البذخي، وسادتْ النصوصيةُ المقطوعةُ الجذور عن سيرورةِ تطور المسلمين وأهدافهم الجوهرية في التقدم الحضاري.
فكان المنعُ في الفترةِ الأولى والفترة الثانية مختلفين، فكان الأولُ من أجلِ النهضةِ والقفزة الحضارية وكان الآخرُ من أجلِ القمع وبسبب إنسداد الآفاق الحضارية ومجيء زمن الانحطاط. فكانت الأحكام ليست لانتشال الأمم الإسلامية من المأزق بل لزيادةِ غرقها فيه!
وقد بقيتْ رؤى محافظي زمنِ الإنحطاطِ مستمرةً بإعادات إنتاجها الضيق الأفق في فقهٍ نصوصي لا يرى أهمية توسع الحريات وربط المسلمين بالثورة الصناعية الأوربية المتفجرة، بل يرى وضع القيود على المسملين رجالاً ونساءً وإسدال الستار عليهم وعزلهم عن الثورة الحضارية والديمقراطية المندفعة في الغرب، فكانَ ذلكَ سبباً لغزو بلادِ المسلمين وإحتلالِ أراضيهم وسرقةِ ثرواتهم.
وبهذا فقد تم إسقاط السيطرات المحافظة الدينية من قبل الغرب المسيطر، ومن قبل جمهور المسلمين الذي فُجع بمستوى قياداتهِ الدينية والسياسية التقليدية وتخلفها، وعجزها عن الدفاع عن الدين والأرض.
فنشأت قوى جديدة إستلهمتْ الثقافةَ الإنسانيةَ الجديدة ومزجتها بإرثها السابق، ولم تتخلْ عن القضية، فنشأتْ حرياتٌ أوسع في كافةِ مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية، وهي التي ساهمتْ في طردِ المستعمرين وتحرير البلدان وإنهاض الشعوب العربية والإسلامية.
لكن القوى الاستعمارية والتقليدية وهي ترى عمليةَ إنهيارها من قوى الحداثة إستدعتْ الثقافةَ الدينية التقليدية الطوائفية وبعثتَها من القبور، وشجعتَها في كلِ مجالاتِ الحياة لتركيزها على ما هو تفريقي وما هو سطحي ومعرقل للنهضة الجذرية.
حدثت عمليةُ إنهيارٍ أخرى مشابهة لما حدث في أواخر الدولة العباسية بحدوثِ أزماتٍ عميقة في الدول العربية والإسلامية الشمولية، وتراجع القوى الحديثة وعدم طرحها حلولاً عميقة للأزمة، فقامت القوى التقليديةُ الطائفيةُ بالهروبِ إلى الإمام والقفز على سببياتِ الأزمات الحقيقية، بدءً من العودة لتطبيق الحدود عبر الفهم النصوصي الضيق الهروبي من القضايا كما حدث في بدء زمن الصعود الطائفي حتى قضايا منع المسكرات والحجر على العقول.
مع كل أزمة عميقة يتم تصعيد الدينيين المحافظين ويتم الابتعاد عن سببيات الأزمات وحلولها، وتفجير قضايا جانبية، خاصة مع تدفق القرويين والبدو على المدن، وإستخدام مستوى فهمهم لتوسيع القمع والتدخل في حياة الشعوب.
تركز القوى المحافظة الطائفية على الفهم الجزئي، والشكلاني المعزول عن سيرورة التاريخ وأسباب إنتاج الأحكام، وتغيبُ عنها مقاصدُ الشريعة الكلية في جعل الأمم الإسلامية متقدمة متحررة، فتقوم بتمزيق الصفوف، وترفيع ما هو ثانوي إلى درجة الكلي المطلق، فتدمرُ ما تريد بناءه، وتشل فاعلية الأمم، وتسهل بلعها من قبل الأعداء وتحلُ ضيقَ أفقِها أمام ثراء الوعي النهضوي الديني نفسه.

قليل من الموسيقى كثير من البهجة

موسيقى عمر الخيام لمحمد عبدالوهاب

غزو الفردوس لفانجيليس

كارمينا بورانا لكارل وراف

https://youtu.be/LKK-O4pYwSE

بيع مؤلفات عبدالله خليفة: المجلد الأول من الأعمال الكاملة

القضيبية شارع طارق بن زياد طريق 2138 منزل 2521

https://maps.app.goo.gl/gKMzh1xds43zGwJM9

بيع مؤلفات عبدالله خليفة : الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية

‏الاطّلاع على ما نشرته على خرائط Google
https://maps.app.goo.gl/gKMzh1xds43zGwJM9

القضيبية شارع طارق بن زياد طريق 2138 منزل 2521

منزل عبـــــــدالله خلــــــــيفة

في نطاق البحرين