في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.

الموقف الجوهري

دعْ الإنسانَ حراً

يتصور بعض المتشددين دينياً أن التحديثيين يؤيدون نشر الموبقات والإدمان والدعارة وغيرها من الكبائر، ولهذا يستميتون قتالاً ضدهم.
إنهم لا يتصورون أبداً إن هذه الأعمال كريهة وتُقاوم من قبل هؤلاء المؤيديون للحداثة.
يتصورون التحديث بأنه فتح البوابات لهذا السيل العرم من الشر وإنه القبول بهتك الأعراض ونشر المحرمات!
إن التحديثيين الحقيقيين المناضلين لشعوب عربية وإسلامية حرة متقدمة هم بخلاف ذلك تماماً.
ولهذا تغدو للمحافظين الشعائرَ فيصلاً بين الحق والباطل.
ولهذا تغدو أسهل الحلول لهم هي المنع والبتر والقضاء الشكلي على الموبقات والآثام!
الكائن الإنساني لديهم عجينة صناعية يتم هرسها منذ الطفولة بالعصا والأوامر فإن لم تفلح فبالزنزانات فإن لم ترض الشعوب فبالأحكام العرفية والدساتير المفصلة حسب العصا، وإن لم ترض فبعزلها عن العالم ووضعها في قمقم، ولهذا يقولون أحسن الدواء هو الكي.
العصف بالموبقات هنا مثل عصف عصابات بول بوت بالعناصر الرأسمالية الشريرة، وكانت قد تبعت في ذلك جبابرةً أنزلوا الجيوشَ لسحق العناصر الرأسمالية الاستغلالية ومحوها من الجنان حتى لو تضاءل البشر من على وجه البسيطة!
وكان في التراث العربي الإسلامي كثيرون من إمتشقوا السلاحَ لبتر الخطايا وسحق أصحاب الرذيلة، وكان الخوارجُ والعتاة يرهفون الأسماع لكي يئدوا أي نغمةٍ طربية تخرجُ من وراء جدران بيت، ويقطعوا حناجر من يحتفل ويمرح!
ولكنهم أين ذهبوا؟
التحديثيون الاسلاميون العرب الأوائل كانوا يصنعون المعرفةَ ويعادون الشر والفساد والموبقات، فلا تناقض بين الاثنين بل هما متكاملان لا ينفصمان.
فالرذائلُ تأتي من الفقر والجهل، وحين يفصل الديني المحافظ النصوصي بين تنامي الخير والفضيلة وبين عدم إنتشار الغنى والثقافة بين الفقراء والعاملين، يعلق دعوته في فراغٍ لا تتمسكُ بشيءٍ ولا تقفُ على قاعدة صلبة.
وكأن الخيرَ حسب خطاباته الدائمة في الفراغ الاجتماعي تأتي من الكلام، وكلما أكثر من الكلام أمطرتْ السماءُ فضيلةً!
وكأنه لا صلةَ بين الأجور المنخفضة والمساكن الرثة والأولاد الهائمين على وجهوهم بين الخرائب والإبر، وبين الفضائل المبتغاة الممتنعة عليهم.
وكأنه لا صلةَ بين يُولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهبٍ وهذا الموتُ السريري البيروقراطي وهذا الرفاه الباذخ المُفسد للعقول ولزوال الإراداتِ والمواهب والبحث عن المتع الشريرة!
وكأن الخيرَ يمكن غرسه عبر شاشات التلفاز ومكبرات الخطب، وإنه يمكن إجبار هذا الكائن البشري الحر على أن يتبع روشتةً صادرةً من صيدلية واحدة متنفذة، وأن يَدهس نوازعه الشريرة ويقتل مشاعره وأهواءه المختلفة بالأوامر الصادرة من مركز كلي متحكم.
وهذا محال، فالحريةُ الفردية هي هواء البشر حتى لو أطبقتْ القيودُ على أجسادهم وأرواحهم، ولكن الحرية تتحول خراباً مع غياب الثقافة وعدم تغيير حال المجتمع الفقير المعدم الذي يتفجر بظرفه وينحرف نحو الكثير من المشكلات، كما أن الحرية موجودة بقوة في المجتمع الغني المادي لكن الذي يتلاعب بالأموال ولا يمتلك خططاً إجتماعية لتطوير غناه الروحي.
التحديثيون من يصارع الجانبين وتوجيه الأحول نحو الرفاه المادي والروحي، وهذه لا تأتي بدون معرفة جذور المشكلات و«الخطايا» وأسباب الانحرافات، والطبيب النفسي يصغي للمريض للوصول إلى جذور مرضه، فلماذا لا يعرف المربي الروحي المشكلات الغائرة وراء الأدمان والشرور؟ بل أن يصير جزءً من كتائب المناضلين لتغيير الأكواخ والمستشفيات البيروقراطية الخاسرة غير المعالجة أو المستشفيات الباذحة المعالجة الاستغلالية، والمدارس التي لا تدرس وتربي والمصانع التي تسرح العمال؟
إن التيارات السياسية والفكرية يمكن أن تلعب أدواراً مساندةً لبعضها البعض في التحويل الاجتماعي، فالمدنُ تُختطفُ شيئاً فشيئاً، فنحن جزءٌ تابع في العالم، ولسنا في كوكبٍ خاص مستقل، وبدون تعاون التيارات الدينية العقلانية والتحديثية وعملها معاً ضد ظاهرات الاستبداد والفساد والشر تتجه الظروف والأحداث للمزيد من الكوارث والموبقات!
إن مقاومةَ المحافظين للتحديث والديمقراطية والحرية هو بخلافِ أهدافهم زيادةٌ للشرورِ وتكسيرٌ لإراداتِ العقول للوقوف ضد طوفان الغرب بجانبهِ السلبي ولعدم الاستفادة من جانبه الايجابي، وترك الشباب بلا سلاح يواجهون به الاغترابَ والأدمان والتسطيح والتخريب والعهر وتضييعَ ثروات الأسرِ والأمةِ في ملذاتٍ فارغة وأهواء عابرة وأمراض متجذرة!
دعْ الإنسانَ حراً ومسئولاً عن حريته ودعْ الحياة حرة وقاوم الشرور.

الموقف الجوهري

يمثل الموقف من مساندة الفقراء سياسياً واقتصادياً جوهر المواقف النضالية عبر العصور . فلكون الفقراء والعمال والعبيد والفلاحين يتحملون عبء الإنتاج، ولا يحصلون إلا على النزر اليسير لما يسد رمقهم ويجعلهم يواصلون حمل عجلة الإنتاج الدائرة دوماً، يغدون هم أساس المواقف النضالية الاجتماعية، ومن يقترب من الدفاع عنهم يغدو هو داخل تيارات التغيير والتقدم.
فهكذا كان الأنبياء والأئمة والمناضلون عبر العصور، فهم قوى التغيير والدفاع عن هؤلاء المنتجين، ومن هنا يتلاقى المناضلون عبر العصور رغم اختلاف طرق التفكير، وأنماط الإنتاج، وأشكال التعبير، ومن هنا يصم المتجبرون من يقف مع الفقراء والمعوزين بنعوت التحقير، كقول كطغاة قريش عن المسلمين الأوائل بأنهم كانوا مع الدهماء وأراذل الناس، ومع ذلك وقف المسلمون معهم، فمالوا عن سنن قريش، واقتربوا من المنتجين ودافعوا عنهم ! والآن حين يقف المعارضون المعاصرون مع هؤلاء الفقراء والعمال، وهم لا يختلفون كثيراً عن بلال الحبشي وعمار بن ياسر وصهيب الرومي، يوصمون بما وُصم به المسلمون الأوائل، لأن هؤلاء الواصمون ابتعدوا عن الفقراء وامتلأت جيوبهم، وغيروا مواقفهم .
إن الغنى والفقر عمليات موضوعية في التطور الاقتصادي والاجتماعي، وهي عمليات ضرورية تقود إلى انتقالات كبرى للمجتمع، على صعيد التطور الاجتماعي والثقافي والسياسي، فلا يحدث أن يصير جميع الناس أغنياء، لأن ذلك مستحيل في أساليب الإنتاج القائمة على الملكية الفردية .
ولكن الحركات السياسية غالباً ما تضلل جمهورها زاعمةً أنها سوف تحقق الثروة للجميع، وتحقق العدالة للجميع، وهذه شعارات خيالية في ظل مستويات التطور الاقتصادية السابقة والراهنة. ورغم أن هذه الحركات تتحول من مساندة الفقراء بأسلوبها الخيالي السابق ذكره، فإنها تصر أنها تمثل الفقراء بعد أن راحت تصعد في سلم التطور الاقتصادي، ويتغير دخل أفرادها، ويرتفعون من الفقر إلى الغنى !
فتظل الشعارات اليسارية والنضالية مستمرة في حين تكون مياهٌ أخرى قد جرت في قنوات الحركة، وهكذا فإن الحركات الدينية الإسلامية قد تغيرت لغتها السياسية بعد الفتوح، وتراكم الأموال في أيدي قيادييها، وتحول الحزب الشيوعي السوفيتي إلى مؤسسة حاكمة مالكة لأغلبية الدخل القومي بدلاً من أن يكون المدافع عن العمال، وصار الحزب الشيوعي الصيني منتجاً للمليونيرات، وغدت الأحزاب الليبرالية الغربية غير مدافعة كثيراً عن الحريات بعد تراكم ثروات المستعمرات والعالم الثالث في خزائنها !
وانقسمت الحركات الدينية في العالم الإسلامي إلى أجنحة متضادة فبعضها اغتنى ووصل إلى الثروة، والبعض الآخر ظل مُهمشاً متدني الدخل، فراح يطرح خطابات قتالية لمزيد من الاتباع والثروات . وهكذا فإن ظهور تيارات منتفعة في الأحزاب هو أمر حتمي، وتقود هذه التيارات إلى القبول بمستوى التطور السياسي المتدني، وتتشوش الرؤية على التيارات الأخرى المدافعة عن الفقراء، خاصة إذا تم سد أفواهها بمكاسب ذاتية أو بتجهيل، بحيث تعجز تنظيمياً عن رفع صوتها وتشكيل تيارات مستقلة . والقوى الغنية والانتهازية عادة لا تريد طرح وجهها الاجتماعي بوضوح، ولا تقوم بتحويل استثماراتها عادة التي تشكلت وسط الأحزاب الثورية، مؤكدةً استمرار خطها النضالي، في حين أنها تفقد صلاتها بهذا الخط السياسي المعارض الذي تمثله، وهنا تقوده لأضرار فادحة بدلاً من أن تنسحب وتشكل خطها الخاص .

الهام حرمة أموال الناس

لا يهم بأي شكل تفكر فالمهم ما هو مضمون فكرك. إذا كنت مذهبياً أو علمانياً أو رجلاً أم امرأة، عقائدياً أم متحللاً من العقائد، فالمهم هو أن تكون مع إرادة الناس لكي تكون أموالهم لهم. لايهم إذا كانت المرأة محجبة أم غير محجبة، قارئة أم راقصة، فالمهم أن تناضل من أجل الدفاع عن حقوق الناس وتناضل لتطور الأمانة ورد الحقوق لأصحابها!
لايهمنا المعمم إذا كان قد فتح عينيه الكبيرتين تجاه قضايا الطلاق والإرث وأغمضهما عن سرقة القطاع العام، وابتلاع الأراضي ودفن المصائد والتهام أموال اليتامى!
لايتساءل العرب والمسلمون والصائبة واليهود والمسيحيون والمجوس وعبدة النار عن العقائد بل عن الأموال كيف سُرقت والجواري كيف سُلبت والخزائن كيف نـُهبت والمزارع كيف جُففت وحولت إلى قصور والحقول كيف شـُفطت فأزهرت أولاداً وبنات من عصي وجرائم وسرقات في المدن!
لا يتساءل الناس كيف تصلي ولمن تولي وجهك بل كيف يقبل ضميرك أن تصمت على نهب حقوق الناس، وكيف لا ترد الأموال التي سرقتها، ولا تناضل ضد الضرائب الباهظة التي أثقلت كواهل الناس وأكتاف العاملين وحولتهم إلى جذوع نخيل خاوية من الأمانة والصدق فباعوا أنفسهم لمن يدفع..
في كل الأديان والعقائد والملل هناك محاكمة للضمير، لكن الضمائر نامت على وسائد الحرير والبقشيش والعملات والعمولات، فلم يعد المؤمنون يخافون من اليوم الآخر، ولم يعد المناضلون يهابون نقد الخلايا الماركسية النائمة، فابتكر العصر المحاكم وحقوق الإنسان والديمقراطية لكي يجر اللصوص من كل الطبقات والأديان والمذاهب إلى قفص الاتهام، فلم يعد مهماً من تكون بل ماذا تفعل!
لم يعد أحدٌ في العالم السياسي يهتم بأسئلة ما هو دينك ومذهبك وحزبك واتجاهك الفكري، بل بما هو موقفك من المال العام، وكيف يناضل الدينيون من أجل استرجاع المال العام، وكيف يراقب العلمانيون مصادر رزق الناس المنهوبة من قوى اللصوص وقطاع الطرق. لقد كرست المبادئ الشريفة من كل المذاهب والأديان والأفكار المعاصرة التنافس لصالح إعطاء الفقراء والمحرومين أنصبتهم من الدواء، فماذا نفعل بكل مبادئ الحزب التقدمي العظيمة وهو لا يناضل في الحياة العملية من أجل دواء رخيص وتغيير لوضع المستشفيات التجارية الماصة لدم الجرحى والمتألمين، ولوضع المستشفيات الحكومية البيروقراطية التي هي قصور في الهواء بعيدة عن توصيل الإبرة العلاجية للمحتاج من ألم السرطان والقرحة؟
ماذا نفعل بكل مبادئ الدينيين وهي لا تفكر في عذابات المعذبين، ولا تعرف الأزقة الفقيرة إلا في مواعيد الانتخابات وتغيير إدارات الجماعات المتنفذة ؟
والمهم لديها هو مراضاة الأغنياء والمتنفذين والاستفادة منهم، لهذا قل الزهاد فيهم وكثرت الكروش السياسية المنتفخة وصار النضال لتعدد النساء الزوجات هو النضال الأكثر حمية لديهم؟ ومن هنا كثرت خلافات السياسيين وتعددت تياراتهم وجماعاتهم لأنهم لايفكرون سوى في أنفسهم وامتيازاتهم وكيف يهبرون من لحم الشعب مثل المتسلطين والاستغلاليين!
قال السلف الصالح قديماً: في العمل من أجل الحق والدفاع عن مال الأمة فليتنافس المتنافسون، لكن الواقع كان يقود السياسيين دوماً إلى التنافس على غنائم الحكم والعظام الملقاة من السلطان!

قانون الإنتاج المطلق

لا يكون الإنتاج الروحي إلا من أجل الناس، وبؤرتهم وقلبهم أصحاب العمل والإنتاج، قوى المعاناة والعطاء.
الفئات المنتجة للثقافة هي فئات وسيطة، لديها بعض الغنى المادي وبعض الغنى الثقافي، وتنمو حسب توجهها للناس، وتضحيتها بغناها الشخصي، لأجل أن تزدهر السعادة والغنى عند الأكثرية المنتجة.
وحتى حين كان المثقف ساحراً في العصور البدائية قبل التاريخ كان يشتغلُ من أجل الصيادين، فيرقص ويغني ويقص من أجل أن يزداد الصيد ويتكاثر الإنتاج ويعم الفرح.
وحين دبت الخلافاتُ بين الناس، وصار العبيدُ والأحرار، والفقراء والأغنياء، ظل قانون الإنتاج الثقافي هو نفسه. هل ينتمي المنتج الثقافي للمنتجين، والمعذبَّين، وللأغلبية المنتجة؟
لكن كان أغلبية المنتجين الثقافيين عبيداً في الروح، يوجهون إنتاجهم لمصلحة الأقلية، وبقي الإنتاج الذي انتمى للناس، وذاب إنتاج النفاق والاستعراض. لقد ظل مكتوباً كذكرى مؤسفة على هدر بعض الناس طاقاتهم من أجل النقود، لا من أجل سموهم الروحي.
أنظرْ يا من غيبت نفسك في طوفان الأشياء كيف أن كلمات التوراة والأنجيل جسدت معاناة أنبياء هربوا من الإستغلال وعسف الدول إلى الصحارى كي ينشئوا دولاً حرة، فتسامت كلماتهم وتواريخهم وتوحدوا مع السعادة العميقة والصلبان والزنزانات.
ولعلك لم تقرأ جيداً القرآن وهو كلماتٌ عن نبي رفض أن يخدم الملأ الاستغلالي وفضلَّ أن يكون مع العبيد والفقراء وغيّرَ التاريخ.
لعلكَ يا منْ غيبتَ نفسك وراء الأشياء تظن إن حمايتك من قبل أصحاب النفوذ سوف تعلي كلماتك الباهتة، أو لأنك مررت بتجربة سجن عاصفة وألم كبيرة سوف يحميك هذا الجبل الطيب من طوفان زحفك نحو المعدن الأصفر، فالناس تعرف استمرار مقاومتك لا تاريخك ذلك وتخليك عن أصلك الطيب.
ومهما جئتَ بأصولٍ حاكمةٍ أو أسرةٍ كريمة أو إنتماء لحزبٍ مناضل قدم الشهداءَ الكثيرين، ومهما كان أقرباؤك وأئمتك من جهابذة في الدين والتاريخ، فإن مقياسك هو شخصك ومدى إنتاجك المضيء ونقدك للأشياء السيئة والظاهرات المخربة للإنتاج وحقوق الأغلبية من العاملين.
لا تقل أسرتي وحزبي وأئمتي وقادتي، بل قل ما هو عملي وموقفي الناقد ودفاعي عن شعبي وكفاحي ضد الأخطاء.
والأديب ليست كلماته بمعزل عن قانون الإنتاج المطلق هذا، الذي يتساوى فيه الأنبياء العظام والشعراء الصعاليك، وهو ميزان الحق، فيظن أنه له فترة يجاهد ويتعذب لكي ينير ثم تأتي له فترة خاصة يتكاسل ويبحث عن المناصب ويغدو رئيس جريدة النفاق.
ميزانك هو كلمتك، مدى تحول قصصك وأشعارك ومسرحياتك ونقدك إلى كشافات تفضح مستنقعات الفساد، لا تقلْ إنني أديب ناشىء أبحث عن سبل التعبير والعيارة، ليشتد عودك وتنضم إلى الحرامية، بل أغمسْ مدادك في معاناة البشر ولا تستجدي الشهرة والمال.
لكن الكثيرين اتخذوا الكلمات مطايا، وهدايا، وضحايا، وقادة الفكر وعباقرة الكلمة غدوا مثالاً سيئاً للنشء، وهذا يحدث كثيراً في التاريخ، عندما تقبضُ الطبقة المسيطرة على الكثير من المال فتستطيع أن ترشو بكثرة، لكن ذلك مؤقت، لأن وفرة المال على هذا النحو لا تدوم، بل تدوم حين تستمع هذه الطبقة للنقاد، وترهفُ جميعُ آذانِها للضربات الكلامية والأدبية والعلمية التي توجه لتبذيرها وفسادها وحينئذ تطور سيطرتها وإنتاجها المشرف على الأفلاس بفضل جوقات النفاق والبذخ.
المال اليوم عندك وغداً عند غيرك ، فتذهب للاستلاف، فلماذا تبيع ماء وجهك وكنت عزيزاً، ولا تحفظ كرامتك وهي من كرامة الأمة والناس؟
لا تقل أصلي وفصلي وحزبي وجماعتي، بل قل هي كلمة الحق أوجهها ضد كل مخطئ ومستغل ومبذر، أرفع بها من يسمو إلى المعالي، وأعصف من خلالها بكل من أهدر ثروة الأمة ونشر الأرهاب وغزا الأخوة والجيران ووسع الاستبداد.
كلمتي هي مع الحق والحقيقة، لا مع الخزائن.
ليست كلمتي مرهونة بمديح النقاد وأن يرضى عني رئيس الجامعة والكلية، فأدبج «الدراسات والأبحاث» كما يشتهي رئيسُ القسم المريض، فأعلي من يرضى عنهم، وأخسفُ الأرضَ بمن يكرههم لكي أحصل على الوظائف والمال، فأي علم هذا الذي يكون ذاتياً وجائراً وغير منصف؟
وكيف تنشأ الحقيقة بين جماعات القول الواحد والصوت الواحد، وجماعات نحن مع الزعيم أينما توجه وكيفما قال؟ وهل تـُدار الأوطان والأحزاب بقول الفرد؟
يتباين الإنتاج الثقافي في كل هذه الأنواع في أشكاله وتعابيره، ويتحد في مضامنيه، وفي عصوره السحيقة والمعاصرة، على بعد المسافات والأشكال والأزمان، فكلمة الحقيقة تشق طرقها بوسائل مختلفة، وهي تنمو من خلال الألم الشعبي، تنور صهر الأشكال ووحدتها وتطورها، وفي الفرح والاسترخاء والغنى ظاهرات مقاربة حين تتصل بذلك الهم الإنساني العميق.

الرهان على القلم

لم تفد الكتاب المراهنة على الحكومات والدينيين، فالكلُ يتاجر بالأوطان والأديان لمصلحة موقوتة، والكل يبيع والبعض مستفيد، والأغلبية خاسرة!
الكل يدعي ولا أثر على الأرض!
ليس للكتاب سوى أقلامهم تنمو قصة ورواية وشعراً ونقداً وثروة للوطن بلا مقابل أو بمقابل ضئيل وغير شفاف!
أعطوا الوطن لكل من يدعي ويبيع، وكل من يزحف على بطنه، ويقبل الأحذية، ويأكل التراب ويلعن الإنسان.
ليس لكم سوى هذا القلم مهما توهمتم التحليق في سماء مجردة، ومهما تباعدتم، وأختلفتم، ليس لكم سوى قطرات من حبر أو من دم.
راهنوا على القلم فهو وحده الباقي
تتحولون إلى عظام وذكريات متعددة التفاسير ولا يبقى سوى قلمكم يقول ما آمنتم به وما ناضلتم لكي يتكرس في الأرض.
ليس لكم سوى أوراق فلا يخلدكم ولدٌ ولا تلد، هذه الحروف التي عانيتم في إنتاجها وتعذبتم في إصدارها هي التي تشرفكم أمام الأجيال المقبلة التي لا تحد ولا تحصى.
فثقوا بالحروف وبالإنسانية المناضلة نحو زمن جديد هو زمنكم، الذي تصيرون فيه ملوكاً متوجين، وحكاماً غير مطلقين، ومربين كباراً للأجيال.
ماذا تفعلون الآن وكيف تمتشقون سلاح الكلمة وتوجهونه للحرامية والمفسدين وتعرون شركات الأستغلال وبنوك النهب العام، ترتفعون في سماء الوطن، وتخلدون في سجلات الأبرار.
القلم ليس له شريك سوى الحقيقة، وليس لطريقه واسطة أو سلطة محابية أو كهنة مطلقين، هو الحربة الموجهة للشر لا تعرف الحلول الوسط أو الشيكات الثمينة.
سلطة القلم سلطة عالمية، تتوحدون مع القلم الأسود والأبيض والأصفر، وكل ألوان الإنسانية المتوحدة في معركة واحدة ضد الحكومات المطلقة وبيع الإنسان كما لو أنه حذاء وضد هذا العداء بين الأمم والأديان والأعراق.
أنتم رموز الإنسانية فلا تنحدروا ولا تساوموا واكتبوا بسلطة الحقيقة وليس بسلطة المال.
توحدوا في هذه المعركة الكونية، وتضامنوا مع اشقائكم المظلومين والمضطهدين في كل قارات الأرض، وضد هذه القوى التي تدهس القصة والقصيدة ولا تحب سوى الإعلان، وأخبار القتل واليأس، ولا تبجل سوى البشاعة.

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

جمعية التجديد الثقافية

عبـــــــدالله خلــــــــيفة الســــــيـرة الذاتـيــــــــة

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

منذ أن ظهرت جماعة التجديد من أقبية السجن المكلل بالمعاناة وهي محط اشتباه عند الغالبية العظمى من الجماعات السياسية الشيعية، بسبب النشأة الغامضة للجماعة في أتون السجن ودعوتها لأشياء جديدة لا تتوافق مع الجو السياسي العاطفي الساخن لدى هذه الأغلبية. ظل أصل النشأة غامضاً، لكون الجماعة لم تصدر شيئا تاريخيا بهذا الصدد، فظهرت شائعات كثيرة أغلبها يربطُ الجماعةَ بمؤامرة بهدف زعزعة الصف الشيعي المتماسك الموحد. واعتبرت هذه الشائعات أن تكوينَ جماعةٍ سياسية تزعمُ الاتصالَ بالمهدي وأنها طليعة لقدومه العظيم، هو خطة مدبرة دقيقة، ولكن ما قـُدم من قبل الرافضين لهذا التشكل لا يعدو أشياء عجائبية لا يصدقها العقل، مثل أن زعيم الجماعة كان يُظهر معجزات بالاتفاق مع إدارة السجن، لكي يرتفع في نظر اتباعه القلة وقتذاك، الذين تضاعف عددهم بعد الخروج من السجن.
وإذا كان ذلك صحيحاً على هذا الافتراض فإنه من الصعب التصديق بأن هذه الجماعة هي مؤامرة بهذه الطريقة، فقد توجهت لإنتاج الفكر وإصدار الكتب وعقد الندوات وتوفير أجواء من البحث، من دون أن تكون كل هذه الثمار المتنوعة بمثابة (مؤامرة). ولا يمكن لمشعوذ مهما كانت قدراته أن يخلق تيارا فكريا. وإذا قال معارضو جماعة التجديد: إنها مؤامرة موجهة لتفتيت الصف الشيعي فإننا لم نجد شيئاً مسيئاً للشيعة أو لغيرهم من المسلمين في هذه الأدبيات.
أما إذا قيل: إنها جماعة موالية للسلطة فلماذا لا يُسمح بظهور جماعات سياسية موالية للسلطة؟ ولماذا لا تظهر جماعاتٌ أخرى محافظة معارضة؟ لكن لا توجد كذلك أدلة على موقف سياسي محدد لجماعة التجديد، فهي أقرب لجماعة فكرية تتسم بمرونة سياسية وببعد نظر ثقافي ولا تحشرُ نفسَها في زاوية، صحيح أن أطروحاتها الاجتماعية ضد الفقر والبطالة والاستغلال غير مرئية، لكن ذلك أيضاً هو موقف اجتماعي هي حرة في انتهاجه. والمهم هنا أنها تدعو إلى أفكار بالكلمة وهذا هو المميز، أما المواقف الفكرية فلها حساب مختلف.
إنها تطرح الاختلاف وتجتهد في البحث وهذا لا يضر أحداً لأن القضاء على الفكرة يتم بالفكرة لا بالقبضات القوية والعصي. وتبدو الجماعات الكبيرة المعادية لجماعة التجديد في وضعها الفكري المحافظ غير راغبة في اثارة أي جدل فكري، وهي تغلق الأبواب في بحث تاريخ الأديان والأفكار، وهذا ليس من حقها، بل من واجبها إطلاق حرية البحث حتى فيما يتعلق بالمذهب الشيعي نفسه، فهو ملكٌ للمسلمين وليس فقط حكراً عليها.
لكن جماعة التجديد في كتبها وأوراق بحوثها الكثيرة ومقالات أعضائها تتجنب الصراعات وتمتنع عن الإثارة كما هو الحاصل في بقية التيارات، ربما لإدراكها صعوبة مثل هذه الإثارة في وسط ديني محافظ، كما أن خطوات التجديد في الوعي الديني بحاجة إلى الحصافة وبعُد النظر والهدوء، فهذه مقدسات الناس وليست تجارة بضائع، وهو ما التزمت به الجماعة.
وهي لها حق الاجتهاد والتأويل في الموروث الديني من دون أن تلزم غيرها به كذلك. ونريد من يتهم هذه الجماعة بذلك أن يضع بين أيدينا دليلاً على إساءة الجماعة لرمز من الرموز الدينية، أو تحقيرها لعبادة وسوى ذلك من الأدلة، أما الاتهامات الجزافية فهو أمر خطر.
ان التركيز في لفظ (السفارة) وان الجماعة تزعم الاتصال بالمهدي عليه السلام وانها تمهد لعودته وغير هذا من الافتراضات، فلا يوجد دليل ملموس حول ذلك. لكن إذا خرجت الجماعات من أفق هذا التفكير النصوصي، ورأت ان رمزية المهدي أوسع من هذه المحدودية، وأنها رمزية خلقت ثورات فكرية وخصباً جدلياً وثقافياً كبيرين، فكم من ثائر قال ذلك، وكم من حركات في التاريخ الإسلامي الطويل نشأت على هذا التداخل بين الغيبي والواقعي، بل ان التاريخ الثقافي الشيعي نفسه مليء بمثل هذه الحركات.
وفي الثقافة السنية اندلعت ثورات كبرى وتشكلت مقاومة وطنية باسم المهدي، وكل هذا بسبب هذه الرمزية المتعددة الآفاق والاحتمالات، فيجب ألا تـُؤخذ بحرفية نصوصية وبانعدام للخيال الخصب والتأويل. ومن المؤكد أن رمزية الاتصال تعني تشكيل موقف سياسي ويجد القائمون على احتكار المعنى الرمزي أنه يجب ألا ينازعهم منازعٌ في هذا الاحتكار، ثم تم تحويل الصراع مع جماعة التجديد إلى هذه الجزئية الصغيرة وتم شحن العواطف حولها، ونسيان الجوانب الثقافية الأخرى، مما يؤدي إلى تحريض البسطاء الذين لا يعرفون أن المسألة ثقافية واجتماعية كبيرة، ذات أبعاد معقدة ومركبة، فيتم التركيز في تفصيل هدم المقدس والاعتداء على حرمة الدين. وحتى لو أن جماعة التجديد توجهت لهذا الهدم المزعوم فهل تستطيع أن تفعل شيئاً؟ هل تستطيع أن تزيل حجراً واحداً من هذا الإيمان؟ بطبيعة الحال هذا غير ممكن، ولهذا ما الداعي للخوف والتناحر؟

مشروع جمعية التجديد

حين أصدرت جمعية التجديد الثقافي مشروعها في عدة كتب تحت اسم «عندما نطق السراة»، أبهرتني الجمعية بهذا النتاج الثقافي، فلأول مرة يقوم مثقفون بحرينيون بإنتاج عمل فكري ثقافي واسع، خلافاً لكل الجمعيات السياسية التي دأبت على إنتاج الشعارات وتعطيل العقل المنتج الناقد، فلم يظهر لها إنتاج فكري متميز خلال العقود السابقة، وهو أمر كان يدل على سيطرة العفوية والتلقائية السياسيتين، في حين أن جمعية التجديد التي اختارت الظل قامت بما عجز عنه أولو القوة والبأس في هذا المضمار الفكري.
فهي قد مضت إلى أكثر جوانب الفكر صعوبة وهو مناقشة الأسس الفكرية التي قامت عليها هذه المنطقة، خاصة أديانها، سواء كانت القديمة المتمثلة في الأساطير والديانات ما قبل التوحيدية، أو مناقشة الأديان السماوية، وقمتها العربية: الإسلام.
وقد ظهر ذلك فيى شكل ملتبس، أي عبر كتب بلا أسماء كُتاب، وقد خيل إلي أن جماعة التجديد تعيد إنتاج عمل إخوان الصفا، الذين قاموا في العصر العباسي بكتابة بحوثهم من خلال اسم جماعي، حذراً من السلطات السياسية والمذهبية المتعددة الجامدة الواقفة ضد كل تجديد.
ولكن هذا الحذر لا معنى له في العصر الراهن، بل من شأنه إخفاء جهود الباحثين، وتطورهم الفكري داخل جماعتهم، وإسهام كل منهم، ومعرفة المتقدم البارز من المشارك البسيط الخ.. وبالتالي تحديد خطوط التطور الفكري العميقة والإسهامات في بلورتها.
قرأت بعضاً من هذه الكتب، فوجدتُ نظرات مثيرة ومحاولة جريئة لتجاوز تناقضات المراحل الفكرية، فتلك الهوة بين ما قبل الأديان، وعالم الأديان، ما بين أسطورة مثل جلجامش أو تموز، وبين رموز الأديان التي لم يقبل الفكر الديني مناقشتها، بل إنه اعتبر العالمَ الفكري القديم عالماً وثنياً جديراً فقط باطمس والإلغاء، إن هذه النظرة الدينية التقليدية تم نسفها في مطبوعات جمعية التجديد .
كذلك فإن الخلاف الطويل بين الدينيين عامة سواء كانوا يهوداً أم مسلمين الذين يرجعون أصل الأنسان إلى السماء، وبين العلميين الذين يرجعون التطور إلى ظروف البيئة البحتة من دون تدخل غيبي، قامت الجمعية كذلك بإيجاد مخرج له هو الآخر.
وسلسلة التخريجات لبؤر التضاد الحاد بين الوعي الديني والوعي العلمي، تمتد إلى إلغاء التضاد بين الدين والعلم، وبين الشريعة والحداثة الخ..
ومهما كانت طبيعة هذه التخريجات فهي تغدو بادئ ذي بدء مبعث تقدير بأن أناساً مجهولين (لم يشيروا إلى أسمائهم تواضعاً) قاموا بهذه المأثرة، وهي الدخول في قضايا المنطقة التراثية بكل الغامها وقاموا بالبحث الطويل الموسع فيها.
وهي مأثرة بالنسبة إلينا نحن البحرينيين أن يقوم مواطنون لنا بمثل هذا الجهد الفكري الطويل والعميق وبنكران ذات وبتوجيه الوعي نحو التحديث والتطور مع وجود كل دوائر التعصب والإلغاء.
والدهشة تتشكل بسبب أن المثقفين في جمعية التجديد لم تظهر لهم أبحاث مستقلة سابقة، أو لم يُعرف لديهم باحثون نشروا كتباً في هذه الجوانب العويصة حسب علمنا، التي تحتاج إلى سنوات طويلة من القراءة والبحث، ثم فجأة تصدر كتبٌ موسوعية تحلل الخليقة في مراحلها القديمة كافة معتمدة على التراث الديني، فذلك أمر يدعو إلى العجب بأوسع معانيه.
لأن التجديد يحتاج إلى تراكم ثقافي وتجريب وشخوص كتابية محددة، وإسهامات أولية وتعديلات وأخطاء وخبرة الخ.. أما أن يظهر مشروع هكذا ناجز خاصة في طوره الديني القديم المتعلق بالأديان وتاريخ المنطقة، فهو أمر يحتاج إلى حيثيات وتأريخ وأدلة.
والمؤكد أن بعضاً من جماعة التجديد عاشت في السجن؛ فقرأت كثيراً وتأملت، فالسجن مدرسة كبرى، وهذا المنحى التجديدي المعارض للسيطرة الدينية التقليدية، لا يتشكل إلا في مثل هذه المناخات، وأنا لا أنكر حتى عمليات الهرطقة التي تحدث كثيراً في المجموعات الدينية، حين تزعم الاتصال بالغيب الألهي؛ بهذا الشكل أو ذاك، فهذه ثورات وطفرات معبرة عن صراعات في الوعي الديني، يبحث من خلالها عن استقلاله الفكري، ويكوّن فيها جماعته المميزة ثم ينخرطُ في السيرورة القانونية للفكر الديني نفسه مع معارضته التي حصل عليها بتضحياته.
إن جماعة التجديد إذن دخلت منطقة مليئة بانواع الألغام كافة، فحين اختارت الانفصال عن التفكير المذهبي السائد في جماعتها، اختارت الصراع والاختلاف، وبالتالي شكلت انشقاقاً، ومهما كانت خلفية وجذور هذا الانشقاق، فلا بد أن تكون له رؤيته، فهل هو انشقاق لتحطيم الجماعة أم هو لتطويرها؟ هل هو عمل نضالي لتغيير حياة الجمهور من تخلف واستغلال وعبودية ثقافية أم هو لتكريس هذه الجوانب؟
وبطبيعة الحال فإن الانشقاقات والصراعات الدينية الفكرية غالباً ما تقوم على أرضية الفكر الديني الواحد، فهي لا تنفصل عنه، بل تشكل رؤيةٍ جديدة داخله، وياخذها التيارُ السائد باعتبارها جريمةٍ وتمزيقاً للجماعة، في حين يعتبرها التيار الآخرعملاً تغييراً ونهضويأً واتساعاً لأفق الجماعة بطرح بدائل أخرى.
والجماعةُ التقليدية هنا لا تواجه انشقاقاً على مستوى الفصائل السياسية، التى هي متعددة، بل تواجه انشقاقاً في الرؤية المذهبية ذاتها، في كيفية رؤية العقيدة، فتراه الجماعةُ المنشقةُ باعتباره إصلاحاً على طريقة مارتن لوثر البروتستانتى في مواجهة كنيسة البابا، في حين تراه الجماعة التقليدية انحرافاً وخطراً على الإيمان والعقيدة وتحول مارتن من مصلح إلى كافر ومنبوذ!
ونحن علينا أن ندرس، لا أن نحابي أحد الطرفين، فالدرس الموضوعي يقيد الجانبين.
ولهذا فإن الجانب القديم، جانب القوى الدينية السائدة، يرى عمل المنشقين، ذا طابع سياسي تفكيكي للجماعة، هدفه زعزعة الطائفة، في موقفها السياسي المتحد. فيغدو لديها تاريخ الجماعة المنشقة، وهي هنا جماعة التجديد، جماعة (مندسة مغرضة)، فتدخل عمليات التصوير البوليسية لتاريخ الجماعة المنشقة، وأنها مجرد زرع، لا أصول ولا جذور لها في تاريخ الطائفة. وأنها هي الجماعة الأصيلة النابتة في الشرعية (وهناك مسلسل قصصي في هذا).
وعمليات التصوير البوليسية هذه، لا تستطيع أن تبرر مهما تشكلت بدلة حقيقية أو موهومة، نمو جماعةٍ فكرية ما، فكلُ الجماعات المنشقة وكلُ الأحزاب التي صارت ظاهرات كبرى فيما بعد، كانت جماعات منشقة، وكل الملل والنحل، كانت في بدئها انحرافاً، ومهما كان الزرع اصطناعياً فإنه إذا وجد تربةٍ موضوعية للنمو سوف ينمو، فالمشكلة تعود الى التربة نفسها، وتقبلها للأفكار المنشقة واحتضانها لها!
ونحن لا ندافع عن عمليات الزرع في أجسامنا السياسية التي هي متعددة وكثيرة، بل نقول إنها لا تبرر نمو الفكرة وتوسعها.
وبطبيعة الحال فإن خيارات الجماعة الجديدة لا يمكن أن تفلت من الصراع السياسي الذي ظهرت فيه، فإن التجديد إذا اختارت الاقتراب من الليبرالية السياسية، ومن طرح سياسة وطنية لا طائفية، فهذا أمر يظل يُدرس فى إطار هذه الليبرالية الدينية، وإذا اختارت الطرح العقلاني فهذا يظل مدروساً في ظل هذه الدائرة، فتظل الخيارات السياسية في نهاية المطاف هي التي تحدد مدى عمق هذه الليبرالية، هل هي تصطدم بالقوى المتنفذة في الثروة العامة؟ هل تدافع عن الطبقات المحرومة؟ وفي أي عمق واتجاه تشكل ليبرالتها الدينية هذه هل هي بالانفصال عن الدوائر البيروقراطية الاستغلالية أم معها؟ هل تفضح الفساد أم تدافع عنه حتى بالسكوت؟
إننا لا يمكن أن نضع جماعةٍ ما في دائرة مغلقة، فنحكم عليها بالخيانة الأزلية، أو النظافة المطلقة، فالجماعات الفكرية السياسية خاضعة لحراك لا يتوقف، فقد تبدأ جماعةٌ بالوطنية وتنتهي بالطائفية أو العكس، وقد تبدأ جماعةٌ بالدفاع عن المستضعفين وتنتهي كجلادين لهؤلاء المستضعفين أنفسهم! ويتحدد موقفنا من أي جماعة عبر شريط ممارستها الطويل، وكيف تصوب برامجها تعبيراً عن القوى الشعبية ومطالبها، فهل تغوص نحو المضمون النضالي للجمهور أم سوف ترتدي عباءات اللغة والمذهب لتدافع عن اللصوص؟
ومن هنا إذا أردنا معرفة مضمون أي جماعة فعلينا أن نقوم بقراءة وثائقها، وهذه جماعة أصدرت كتباً فعلينا بقراءتها قبل أن ندمغها، بل علينا أن ننتظر تطور مفاهيمها ونرى ممارستها على الأرض.
علينا أن ندخل إلى صلب رؤية جمعية التجديد في بعض القضايا الكبرى التى طرحتها في كتبها، والتي عنونتها بعنوان رئيسي وهو (عندما نطق السراة)، ففي أحد كتبها وهو بعنوان (التوحيد: عقيدة الأمة منذ آدم)، ترفض الجمعيةُ الفكرةَ الموضوعية المنتشرة في أغلبية كتب البحوث بأن الإنسان تدرج طويلاً حتى وصل إلى عبادة الآلهة ثم الإله الواحد، وتصر في هذا الكتاب على أن الإنسان كان توحيديا حتى وهو في أول ظهوره وتخلفه، وهى تفند دراسات الباحثين التحديثيين العرب والأجانب بهذا الصدد كإسماعيل مظهر أو عباس محمود العقاد أو محمد شحرور. يقول العقاد حسب استشهاد الجمعية: (يعرف علماءُ المقابلة بين الأديان ثلاثةَ أطوارٍ عامة مرت بها الأممُ البدائية في اعتقادها بالآلهة والأرباب، وهي دور التعدد، ودور التمييز والترجيح، ودور الوحدانية)، (ص 14 – 15)، ويضيف العقاد حسب استشهاد الجمعية رابطاً الأديان بظروف الحياة الاجتماعية: (ترقي الإنسانُ في العقائد كما ترقى في العلوم والصناعات. فكانت عقائدهُ الأولى مساويةٍ لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الديانات والعبادات)، ص 14.
ثم تفند الجمعيةُ أقوالَ العقاد فتقول: (فالعقيدة في نظر العقاد إنتاج بشري وليست وحياً سماوياً، تطورت الوحدانية بمرور الأزمان كما تطورت العلوم!)، ص 16 .
وهي هنا لم تفهم الوحي والتطور كما عرضهما العقاد والمثاليون الموسوعيون عموماً، فالوحي لا يتشكل في الهواء، بل هو يتمظهرُ ويتجسدُ في البشر واللغة المحددة وفي الظروف والصراعات البشرية؛ وهو جدل اجتماعي بين الغيب والإنسان، بين النبوة والجماعة، بين الإله والواقع الخ..
لكن الجمعية تضع الأفكار الدينية في المطلق، بلا جذور اجتماعية وبلا تاريخ. وتركز على قراءة التاريخ الغيبي في النصوص الدينية المفصولة عن زمانها ومكانها. ثم تحاول أن تجد كذلك جوانبَ إيجابية وتقدمية داخل هذه النصوص المقطوعة الصلة بالبناء الاجتماعي.
فالتوحيد لديها كان موجوداً حتى عند الإنسان البدائي، وهو نظرٌ لا يصمد لأي تاريخ ثقافي، وهي ترى التوحيدَ وكأنه هو التاريخ الديني العربي وحده، لكنها كالباحثين القوميين الخياليين تعتبر أغلب سكان المنطقة عرباً وأن حضاراتها عربية، وهو أمر لا يصمد للتحليل الموضوعي كذلك؛ وهو فهمٌ روج له العروبيون المتطرفون ويعتبر أحمد داود الكاتب السوري المتعدد المواهب نموذجاً له، والجمعية تستشهد به كثيراً.
نقول الجمعيةُ (هكذا بدأت حياة الإنسان على هذه الأرض بالتوحيد لله الواحد الأحد)، واستمرت عقيدة التوحيد في هذه الأمة (حين تحولت من حياة الكهوف والتقاط الثمر، إلى استئناس الحيوانات و تدجينها بالرعي)، ص 26.
فأي أمة هذه؟! فلم توجد أي أمة عربية أو غير عربية حينئذٍ، بل جماعات بدائية متوحشة، وقبائل صغيرة، تعبدُ الأرواحَ والحيوانات الخ.. وبعد آلاف السنين بدأت رحلة الحضارة وتشكلت الأديان بتعددية آلهتها.
إن هذا ما تطرحه البحوث وقد أصبحت بديهية لا يجادل فيها أحد. ثم تدخل الجمعيةُ آيات القرآن في هذا المسار الخيالي الذي تشكله بصورة غير موضوعية. وهي تظن أن آيات القرآن هذه تنقض ما أجمعت عليه التواريخ والعلوم. في حين أن آيات القرآن المتعلقة بالتوحيد تتحدث عن تاريخ العرب في المنطقة وفي الجزيرة العربية فقط، حيث بدأ التوحيد في قمة الحضارة المصرية والذي تأثر به اليهود وشكلوا منه ديانة توحيدية، انعطفت إلى الجزيرة العربية وبدأ التوحيد حينئذٍ.
لكن حتى هذا المسار المعروف تحاول أن تنقضه جمعية التجديد في كتابها هذا، فالمصريون كانوا موحدين في تصورها منذ البداية وهي تستنكر ما هو بديهى بسخرية فكأن الباحثين زعموا على حد قولها: (إن الحضارات العربية القديمة في مصر أو بابل تعجُ بالآلهة والأوثان كالإغريق والرومان!). لكن هذه بديهية لا يبادل فيها طالب.
ولديها على العكس إن الفراعنة والبابليين كانوا موحدين، فلم الحاجة إذاً إلى الأديان السماوية وهي التتويج للسابقين؟! إنها تستند الى جمل صغيرة مقطوعة السياق من باحث أو اثنين لتعضيد ذلك الكلام غير الدقيق.
يتراوح خطاب جمعية التجديد الفكري بين تكريس النصوصية الغيبية وبين الآراء العلمية والنقدية الوامضة.
فهي تقول في مقاربة مع المنهجية الموضوعية:
( لقد نص «فرانسيس بيكون» على فكرة أن الإنسان لن يستطيع السيطرة على الطبيعة إلا عن طريق اكتشافها بالعلم، ولكن لكي يفعل ذلك ينبغي أن يخضع لها! بمعنى آخر: لكي نفهم القوانين التي تتحكم بالطبيعة ينبغي أن ندع الطبيعة تتكلم لا أن نتكلم عنها)، مفاتح القرآن والعقل، ص 8 -86.
وتكمل الجمعية في تلخيص مهم (القرآن والطبيعة والأنفس، أمرٌ واحدٌ، آيات ينبغي الخضوع لاكتشافها).
إن هذه الفقرة الجيدة وغيرها المماثلة هي اقتراب من مدرسة تقنين الطبيعة المخلوقة للذات الإلهية، بخلاف مدرسة الخلق الإلهي المستمر للطبيعة. وكلاهما مدرستان مثاليتان، لكن الأولى تؤمن بوجود قوانين موضوعية للطبيعة والوعي والوجود (مثالية موضوعية)، ومن أعلامها ابن رشد في حين أن الأخرى ترفض ذلك، وترفض وجود قوانين موضوعية ومن أعلامها الغزالي (مثالية ذاتية).
وفكر الجمعية حائرٌ بين المدرستين، فهو فكرُ يحاول أن يبحث عن موضوعية الوجود، ثم يضيف عليها الكثير من الغيبيات والإسقاطات المعاصرة من العلوم الحديثة مما يلغي تلك الموضوعية.
فهي تؤمن بوجود تطور موضوعي للوعي الديني وكذلك لا تؤمن بوجود مثل التطور.
فبرفضها وجود سببيات موضوعية للتطور الديني يصبح تاريخ الأديان بلا قيمة، كما لا تصبح هناك قوانين موضوعية لتطور الإسلام، فالمندائيون (الصابئة) والحنفاء هم شكل آخر للإسلام، وليس أن الإسلام تتويج لهذه الحركات التوحيدية المحدودة الجزئية، لأنه غدا ثورة شعبية. وبالتالي كذلك لا توجد تباينات في البناء بين حكم الخلفاء الراشدين والحكومات الشمولية التالية، وبالتالي لا يُفهم تباينات خطاب الإمام علي الثوري الشعبي الجلي عن خطابات الأئمة والفقهاء المحاصرين بين أشداق الاستبداد في المراحل التالية والذين غاصوا في الغيبيات الشديدة بسبب ذلك.
فنتيجة لقيام الجمعية بفصل الأديان والمذاهب عن جذورها وأبنيتها وكون الخطابات الدينية والفكرية هي جزء من حركة صراع اجتماعي، لا تستطيع جمعية التجديد الانتقال العميق الكلي من المثالية الذاتية إلي المثالية الموضوعية.
هنا يمكن الاستفادة من فكر هيجل، الفيلسوف المثالي المؤمن ولكن الدارس بشكل موضوعي للأديان وتطوراتها.
فلتطور الإنسان ككائن بيولوجي قوانين، ولتطور الأديان قوانين، ولتطور المذاهب والمجتمعات قوانين، ومن دون الدرس الموضوعي المستقل عن الكتب الدينية وعن المأثور الشعبي عامة، لا يمكن الانتقال إلى العلوم الحديثة التي لها شروط مختلفة عن الوعي الثقافي للعصور السابقة. وبعد التجذر في هذه العلوم يمكن مراجعة المأثور والنظر له بشكل موضوعي.
هذه الحيرة الانتقالية بين المثالية الذاتية والمثالية الموضوعية تعبر كذلك عن جانب مختلف عن الحركات المذهبية التقليدية السائدة التي تتجمد عند المثالية الذاتية، فلا تبحث عن سببيات موضوعية للتطور الديني، فتعبر بهذا عن كتل سياسية شمولية، ترفض البحث والديمقراطية، وتعيد إنتاج النص الديني كما كان في المرحلة التقليدية التي سيطر فيها الإقطاع بشكل كلي، ومن هنا نجد الحركات التقليدية تناوئ أي حركة تغيير وزعزعة للقوى التقليدية المسيطرة على الجماعة، فأي تحرك سياسي لدى هذه القوى التقليدية يتم ولكن تحت هيمنتها، فهي تستفيد من الأدوات الديمقراطية لنشر سيطرتها الاستبدادية، بخلاف جمعية التجديد التي تقوم بالتساؤل حول تاريخ الوعي الديني هذا وتقوم بالبحث فيه، رافضة جزءا وقابلة بجزء، حسب منهجها الذي بعد لم يتصلب فلسفياً، ولكنها في مراحلها الأولي فعلينا أن ننتظر ونتيح لها الوقت.

في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.

فاقدُ الشيء التاريخي لا يعطيه

حاول القوميون والشيوعيون والعديد من أصحاب الخيال السياسي قبل المذهبيين السياسيين الحاليين أن يخترعوا تنظيمات وأنظمة اجتماعية خاصة بهم من دون جدوى، وكانت الحصائل على المدى الطويل كارثية.

لا يعترف هؤلاء بالتشكيلة الرأسمالية التي سوف تستمر سنوات طويلة وتحطم تصوراتهم الخيالية وبرامجهم السياسية المحدودة التصور والآفاق.

يشترك المذهبيون السياسيون مع قرنائهم السابقين بكون البرجوازيات الصغيرة الصانعة لهذه التصورات هي منتجة هذين النشاطين النظري والسياسي، ولكن كل فصيل وجماعة تأخذ ذبذبتها الخاصة بكل ظرف وموقع، ففي حين دك الشيوعيون أنظمة الإقطاع وصنعوا رأسماليات عملاقة في روسيا والصين فإن المذهبيين السياسيين متذبذبون بين الإقطاع، معدنهم الأصلي، وبين الرأسمالية التي تظهر كعدو في مواقع متعددة هي الحرية السياسية والاجتماعية للنساء خاصة وللعقول، بينما حب المال لديهم في منتهى القوة.

  إيران تحاول بعصر ملايين الفقراء داخلها وخارجها أن تقوم بقفزة الرأسمالية الحكومية لكن عبر مغامرات سياسية وعسكرية محفوفة بأشد أنواع المخاطر.

في حين ان الإقطاعيات السنية هرّبت الأموالَ للخارج وعجزت عن استغلال العمل القروي الرخيص والثروة النفطية الهائلة في إنتاج مجتمعات مقاربة للرأسمالية الحديثة.

وقد انهارت أبنية فكرية وثقافية وسياسية سابقة، وضاع أصحابها من دون نتاجات خلاقة في العلوم والآداب، لعدم فهم التاريخ وتركيبه المعقد، ويأتي جذر الأمر من عدم رؤية الحقيقة وتحليل مواد الحياة الحقيقية وإضفاء تصورات خيالية عليها، مما يضعف عملية فهم المادة الحياتية.

فالقاص الاشتراكي يقدم الطبقة العاملة كمنقذة تاريخية من النظام الرأسمالي، وهذا صحيح على مدى كوني وفي البلدان الرأسمالية المتطورة، وليس في مجتمع تفتقد فيه المرأة حتى الخروج الحر من البيت. وقد يكون هذا التقديم من قبل القاص الاشتراكي هروباً من أسئلة حرية زوجته وابنته، ومن عجزه عن تحليل الدين، فيقدم هروباً إلى الأمام.

وهكذا يفعل الشاعر في قفزته على واقع التخلف والأمية فيرى العنف أداة لحرق هذا المجتمع المتخلف وإحضار بديل من الصين أو من فيتنام.

وتمكن أغلب أداة البرجوازي الصغير منتج الأيديولوجية الشمولية الدينية الراهن في التعكز على الدين كمظلة تساعده على الهروب من الإجابة عن أسئلة الواقع الحقيقية، فلديه الأمور بسيطة؛ (الإسلام هو الحل)، (ابتعدوا عن ثقافة الغرب)، (الرأسمالية شر والاشتراكية شر).

ولكن كيف يمكن الهروب من الشركات العملاقة المسيطرة في العالم، ومن نظام البنوك والأجور؟

كيف وأولادك يرون من خلف ظهرك كل يوم (شرور) الرأسمالية الغربية، وبناتك محجبات وتحت الحجاب كل فساتين الموضة؟

كيف وهم يتكلمون عن الفضائل وممارسة تخزين المواد الغذائية في الشركات والمخازن وملء الجيوب؟ كلام ديني وممارسة استغلالية.

ثم يطرح أناس حل الأزمات الغربية في الاقتصاد الإسلامي.

وهي عملية أدلجة لتقوية الرأسمالية الدينية وبنوكها التي تكدس أموال المودعين باسم الإسلام وهي تجري تحت بنود مضاعفة الأرباح.

لكن الغربيين لا يخفون عيوبهم، وبغض النظر عن أدلجة الليبراليين الذين يعتقدون ان الرأسمالية نظام أبدي مطلق، فإنهم يكشفون عيوبهم، ويبحثون عن مواقع الأخطاء، ويطورون الرأسمالية بمزيد من مقاربة حاجات الناس وكبح الاندفاعات الشهوانية الهائلة للرأسمال الخاص.

إن الموجات الشمولية الشرقية لا تنتج شيئاً عميقاً في الوعي والثقافة والدين، ولهذا فإن الاتباع بعد تحطم كل موجة شمولية كبرى تراهم يواصلون شعارات الموجة، بلا إنتاج أو نقد عميق، لماذا؟ لأن الموجة لم تحرر عقولهم من التزمت، ومن سلق مواد الحياة وتعليبها في شعارات عامة، لأنهم لا يقرأون ولا يدرسون، لا يشترون كتباً لكي يقرأوا قصة أو بحثاً، المآتم والبكائيات والندب والعيش بين أطلال الماضي العظيم وذكرياته الرائعة، هي ما يجمعهم.

والشموليون الدينيون الحاليون هم أسوأ الموجات، جاءوا من مناطق مغمورة بالفقرين المادي والثقافي، ذات علاقات تقليدية محافظة عتيقة، وألقتهم مصادفات التطور لكي يصطدموا بأكثر أشكال الرأسمالية العالمية تطوراً، حكم الشركات الكبرى والبنوك والعولمة وانتشار الإنترنت، فماذا فعلوا بهذه الثروة المعرفية الكونية؟

في الإنترنت استغلوها للرسائل القصيرة والشتائم وتمجيد الأحزاب المذهبية وما إلى ذلك من غايات ضحلة لا ترتفع إلى المهمات التي ينبغي أن يتصدوا لها كتحليل هذه الأنظمة التي يعارضونها ورؤية إيجابياتها وسلبياتها، ورؤية احتمالات المستقبل ودرس المنطقة التي يعيشون فيها ويسخرون منها.

ما هي النتاجات التي صنعوها؟ أين البحوث؟ أين الدرس الموضوعي للعصر واحتمالاته المخيفة؟

تجد مئات المواقع التي لا تحوي سوى هذه المساهمات المتواضعة، وتأتي الرقابات لتقفلها وتكوّن لها أهمية.

في حين تجد أن المثقفين المستقلين والقراء الموضوعيين ينشئون مواقع يدرسون فيها الأدب والفن والفلسفة ويتناقشون بعمق.

والإشكالية التي تواجهنا هي أن أعضاء الموجات السياسية الشمولية نظراً لعامل الاستقواء ببعضهم بعضا، وباستعراض العضلات، ومساعدة بعضهم بعضا لفرض مناخ معين، يكونون مسئولين عن مصير الناس، وعن مستقبل ابنائهم، ويواجهون حكومات تتلاعب بمستوياتهم المعرفية البسيطة.

إذا كنا يجب أن نخرج من تحت مظلة الثقافة الغربية فلمزيد من الثقافة الغربية الديمقراطية والإنسانية، وإذا كنا نعمل لمواجهة الشركات العملاقة فمن أجل زيادة أرباحنا الوطنية ومحافظتنا على البيئة وتطوير معيشة الأغلبية، وإذا دخلنا الإنترنت فمن أجل فهمنا لمنطقتنا بموضوعية وليس عبر إسقاط مذهبيتنا التي لا ترى العالم إلا من خلال نظارتها الضيقة.

لكن هل نستطيع أن نوقف مسار الشموليات المذهبية الراهنة وصداماتها؟

قد نستطيع أن نحد من بعض أخطارها لكنها مثل المذنبات التي لها مساراتها وأجسامها الخاصة ودورانها، فإما أن تذهب في السماء العريضة وإما أن تصطدم بالأرض مخلفة دماراً كبيراً.

وتبقى الإجابة التاريخية عند مركز المذنبات هذه، لقد كانت مراكزها سابقاً في روسيا والصين، والقاهرة، والآن صارت لها مراكز أخرى.

◇ من مواليد القضيبية - البحرين. ◇ خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1974. ◇ اعتقل من سنة 1975 إلى 1981. ◇ عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثقافية في الصحف البحرينية والخليجية، ونشر في العديد من الدوريات العربية. ◇ عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا. ◇ ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002، ببحث تحت عنوان «جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين. والعديد من المؤتمرات الادبية العربية. ◇ منذ سنة 1966 مارس عبــدالله خلــيفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها: مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد. ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة.

المسيحية وانتصار المثقف الديني

لقد قامت المسيحية بوراثة تراث المشرق [ الذي صار عربياً فيما بعد ]، وهو التراث الذي يعود إلى ما قبل أفكار الساميين الرعويين (الأكاديين )، الذين رفعوا الإله الباطش كحاكم قوي على الأرض والسماء، تعبيراً عن نزعة توسعية استرقاقية حادة، ووضعوا الإله التموزي المعذب الفادي جانباً. لقد كانت المسيحية عودة إلى إله الفلاحين الممزق هذا ، وهو إله تعمم في المشرق.

 لقد عادت المسيحية إلى الثالوث المصري والمشرقي عموماً : أوزوريس وحورس وإيزيس. وتم التخلي عن يهوه كإله باطش وكاستمرار لإله الرعاة القاسي. وجاء الأب والابن الفادي. لقد جاء الابن من السماء والمطلق وأتحد بالإنسان والنسبي، ودخلت الروح في الجسد، والنور في المادة، ثم عاد النور إلى السماء، وأعطيت الذبيحة الأخيرة الفادية لأخطاء بني آدم، أي تم تجاوز الإرث اليهودي. وتشكلت من العناصر الدينية المشرقية القديمة والحديثة مادة فكرية توحيدية أعطت للمشرقيين سلاحاً ثقافياً في وجه الاحتلال الذي غدا رومانياً.

في التداخل بين العنصرين الإلهي والبشري، المطلق والنسبي، النور والطين، الأعلى والأدنى، الأب والابن، آن وتموز ، أيل وأدونيس، علاقة سياسية تلغي الانفصال بين الدولة والناس. إنها تعطي للمنتجين إمكانية الاتصال والوصول إلى الدولة. فلم يعد الحاكم إلهاً باطشاً بل أباً حنوناً. ويتحول حب الابن والذوبان فيه صعوداً إلى المطلق وتغييراً للسلطة الجائرة المتعالية.

في ثالوث الأب والابن والروح القدس، صيغة سياسية بدت غامضة في أول الأمر ثم أخذت تتضح، عبر النضال الرهباني الطويل، وآلاف الشهداء الذين يلقون في النار وفي أفواه الوحوش خلال ثلاثة قرون من القسوة غير المتناهية.

لم يكن الأب الحاني غير المتدخل بقسوة في العالم سوى تعبير عن سلطة محايدة رفيقة، ولم يكن الابن سوى واجهة المثقف الديني وهو يرتفع فوق أكتاف الجماهير نحو السيادة على القرون الوسطى. وبدلاً من الأباطرة والملوك المطلقين كان نموذج الراهب المضحي الزاهد يُطرح بديلاً للجماهير التي أُرهقت من نظام العبودية القاسي حيث ملايين البشر تجلب وتسرق من قراها وصحاريها لتعمل في المزارع الكبرى للحكام والملاك الكبار للعبيد.

ويتحول هؤلاء الرهبان والقساوسة إلى هيكل هائل لسلطة تنمو في الحياة الاجتماعية . يقول القديس أيرينيوس أسقف ليون : [ لا سبيل إلى منع المسيحية أن تتفرق إلا أن يرضى المسيحيون بالخضوع لسلطة واحدة .. وتلك هي قرارات مجالس الكنيسة الأسقفية ].

لقد تشكلت سلطة هائلة من هذه الثورة، وأصبحت أراضٍ زراعية بحجم قارة في يدها، لكن المثقف الديني الفقير والزاهد لم يصل إلى السلطة، وحين يتحول الدين إلى مخالب دولة فلا سبيل لمنع الملاك الكبار من الاستيلاء على الثروة الاقتصادية والروحية، ومع هذا كان ذلك قفزة في التاريخ، بتجاوز عصر العبيد، للدخول في عصر الإقطاع، وما أقساه وما أكثر الظلمات فيه !

لقد تفككت قارة أوربا إلى إقطاعيات صغيرة، وذبلت المدن الكبرى، وسيطر الريف المتخلف بخرافاته وأميته، وانتشرت الزراعة والنبلاء بقصورهم الباذخة والفلاحون المدقعون فقراً، وتلاشت الفلسفات اليونانية، وقرأوا أرسطو بشكل مشوه، وأعتبر مع ذلك المعلم الأول، وتوجهت الأنظار إلى السماء والغيب، ورفضت الفنون، وتشكلت محاكم التفتيش للبحث عن المخالفين للعقيدة المستقيمة، عقيدة الكنيسة، وغاب المفكرون الأحرار والفلاسفة الخ

لقد تم تسييس صورة الابن ليتوافق مع صعود الرهبان والكنائس ولكن في النهاية لم يسيطر على الماكينة الدينية سوى كبار ملاك الأرض التي قسمت بين النبلاء والكنيسة، بطبيعة الخطاب الديني الذي لا يقوم بتحليل الصراع الاجتماعي، بل يموهه باحتكاره لفهم النص الديني وهو لا يحتكر سوى الثروة.

تركيا بين المبادئ والمصالح

التحولات السياسية في تركيا


عبرت السياسة الأتاتوركية عن علمانية خفتتْ من الغلواءِ الدينية الاجتماعية، خاصة في عزل النساء عن سوق العمل، وتحجيم الوعي العقلاني، وأسستْ قطاعا عاما مسيطرا، إلى جانبِ قطاع خاص كبير. لكن الفسادَ قلل الإيرادات كثيراً في القطاع العام، وتم استغلال هذا القطاع لأغراضٍ سياسية لدعم السياسيين المتنفذين، فاستمر العجزُ في الميزانية، وازداد التضخم، وفقدتْ الليرة التركية الكثير من قيمتها.
ومن الناحية السياسية استمرت البيروقراطية الحاكمة العسكرية – المدنية في الحكم وهو أمرٌ يشيرُ إلى وجودِ قبضةٍ سياسية قوية في العاصمة على الجمهور الشعبي، وعلى الأقليات القومية، وعلى الحركات الدينية والحركات اليسارية، من أجلِ تشكيلِ نهضةٍ وسطية تقاربُ الغربَ الديمقراطي حسب رؤية كمال أتاتورك. لكن هذه الطبقة الإدارية العسكرية واجهتْ الاختناقَ في هذا المشروع فالفسادُ الداخلي أهدرَ الكثيرَ من الفوائض، وقمعُ الأكراد والحربُ في قبرص وقهر الشعب كلها أضعفت الحكومات التركية المنهارة المتعاقبة.
منذ الأربعينيات من القرن العشرين بدأتْ الحكوماتُ المختلفةُ دعم القطاع الخاص، وغدت تركيا ذات بنية صناعية متوسطة، فالموادُ الخامُ محدودةٌ والعمالةُ المتخلفة واتساع هجرة العمالة للخارج لم تجعل تركيا ذات صناعات ثقيلة وتقنية عالية.
كما أن ذلك يرجع إلى البنية الاجتماعية وتقسيم العمل الاجتماعي:
“هناك فرقٌ كبيرٌ في مستوى المعيشة والحالة الاقتصادية بين الغرب “التركي” الصناعي والشرق الزراعي. يعتبرُ القطاعُ الزراعي أكبر قطاع من حيث تشغيل العمالة، حيث تبلغ النسبة زهاء 40% من مجمل قوى العمل في البلاد، ولكنه ينتجُ ما نسبته زهاء 12% فقط من الناتج القومي. القطاعُ الصناعي ينتجُ زهاء 29،5%، قطاع الخدمات ما يقارب 58،5% من الناتج القومي لتركيا. يعمل في قطاع الصناعة 20،5%، في قطاع الخدمات 33،7% من مجمل عدد الأيدي العاملة”، موسوعة ويكيبيديا.
هذه النسب توضحُ الطابعَ الوسطي للصناعة، واتساع حجم القطاع التقليدي، وهو المؤسسُ للحركات السياسية المحافظة عادة، ولكنه يشير كذلك إلى تنامي فئات البرجوازية المختلفة، وخاصة في الصناعة والخدمات.
قامت الحكوماتُ المتعاقبةُ بحماية الشركات الخاصة، ودعم التصدير إلى الاتحاد الأوروبي، والابتعاد عن سياسات الحروب والمجابهة، فبدأ معدل نمو الاقتصاد بالتغير والتذبذب عموماً، فكانت نسبة النمو في سبعينيات القرن الماضي بين 4% و7%، بعد تنام سلبي لعدة عقود لكن مع زوال النظام العسكري في سنة 1982، وتدفق أموال العمال المغتربين من أوروبا الذين يبلغ عددهم سبعة ملايين فرد، أخذ الاقتصاد التركي في الانتعاش.
ولكن قادت الخصخصةُ غير الشعبية والانتقال الواسع غير المبرمج لدعم القطاع الخاص في الثمانينيات إلى إحداث اضطرابات سياسية واقتتصادية كبيرة، مما أدى إلى التضخم الواسع وانهيار الليرة التركية وإلى صراعات سياسية كبيرة وتفجر المسألة الكردية في تركيا.
لابد أن نقول هنا إن هيمنة القطاع الحكومي البيروقراطي في عقود طويلة يماثل جزئيا الرأسماليات الحكومية الشرقية الشمولية حيث إن تلك الهيمنة للقطاع العام لم تصل إلى اكتساح الاقتصاد كله، وحيث استمرت التعدديتان السياسية والثقافية المهمتان في تركيا، لكن تلك الهيمنة للقطاع العام من جهةٍ أخرى أسست طبقةً مستفيدةً من هذه البيروقراطية السائدة، وقامتْ بتقنينها فكريا عبر تصوير البلد كبلدٍ ديمقراطي على الطراز الغربي، خاصة لما تسودُ فيه من حرياتِ العقائد التي غدتْ شأنا خاصا بالمؤمنين بها، لكن هذه الديمقراطية الاجتماعية المحدودة لم تكن ذات عمق ديمقراطي سياسي، لكون الطبقة المسيطرة ذات حجم عسكري كبير ورأس مدني ضئيل، وهو أمر تجسدَ في القطاعين العام المهيمن الفاسد والقطاع الخاص المُنتج شبه الملجوم.
ولكن جاءتْ موجاتٌ اجتماعيةٌ وسياسية داخلية أساساً وعالمية ثانوية متضافرة ومؤثرة لعبتا دوراً في الاتجاه بتركيا نحو آفاق جديدة.
إن سقوط المعسكر “الاشتراكي” لعب هنا دورا إيجابيا فذلك “التهديد” التاريخي المزعوم زال، والمسألة القبرصية توجهت للتهدئة، والحركات اليسارية المتطرفة خفتتْ نيرانُها، وبقيتْ المسألةُ الكرديةُ ملتهبةً، وكلُ هذا أدى إلى تصاعدِ الحرياتِ وخفوتِ دورِ العسكر التاريخي، وتنامي دور القوى المدنية، وبقيتْ علاقاتٌ ضروريةٌ جدليةٌ لابد من بروزِها بين البرجوازيةِ البيروقراطية الحربية الآفلة تلك والبرجوازيةِ المدنية الصاعدة وهي علاقاتٌ ذات أهمية في تشكيلِ وضعٍ سياسي جديدٍ مشترك، يجمعُ بين إيجابيات الماضي وإيجابيات الحاضر، وهذا لابد له من جدلٍ تاريخي وصراع سياسي بين القوتين يكشفان المضامينَ الملتبسة بينهما وهما لهما مصالح متقاربة وان طمستها اللغتان الايديولوجيتان لدى كل منهما.
كان تآكلُ العلمانية الأتاتوركية نتاجَ ذلك الشكل الإستيرادي للنهضة الغربية التحديثية الديمقراطية بدون وجود أساسها الصناعي الحر والثقافة الديمقراطية المحلية.
وقد بدت هذه العلمانية للجمهور البسيط العامل خاصةً كأنها نظام معادٍ، خاصة أنه مسنودٌ عسكرياً من حلف الأطلسي، الذي يلعبُ دوراً في حصار التجارب القومية التحررية في الشرق، كما أن هذه العلمانية وظفتها وإستفادت منها طبقةٌ عسكريةٌ بيروقراطيةٌ محدودة، قامتْ على إضطهادِ الأغلبية الشعبية.
لكن طريق القطاع العام البيروقراطي غدا مسدوداً بسبب الطريقة الإدارية الفوقية، وغياب السند الأهلي، ومعارضة التنظيمات السياسية، خاصة منظمات الطبقات المالكة التجارية والصناعية التي أتاحت لها نفسُ الحكومات النموَّ الإقتصادي المتواصل!
وبهذا بدأ التململُ اليساري الواسعُ في تركيا خلال عقود منتصف القرن العشرين الثانية، الذي لم يستطعْ إستثمارَ الحريات المتصاعدة وطرحَ هدمَ الطريقَ الرأسمالي التركي، وأعتبر البلدَ الحلقةَ الضعيفة في سلسلةِ الدول الرأسمالية الغربية فعاشَ حلمَ إسقاطِ نظامٍ كان ينمو وينعطف نحو طريق جديد كبير.
لقد تحولتْ الفئاتُ الوسطى خلال هذه العقود لطبقةٍ متوسطة مؤثرة، وأتاحَ تقزمُ القطاعِ العام والخصخصة، المجال للشركات الخاصة، ومن السيرة الخاصة لأردوغان نجد إنه كان بائعاً شعبياً، ثم مؤسساً لأعمال خاصة مهمة، وأخذت التنظيماتُ الدينية تتكيفُ مع النظام العلماني الرأسمالي التركي بشكلٍ تدريجي، فهي تتجذرُ شعبياً عبر العودة للإرث الإسلامي، عبر حشد الجمهور وراء شعاراتها التي لم تخف العداء للطبقة الحاكمة البيروقراطية الفاسدة السابقة، وكانت محطات الصراع بين النظام العلماني البيروقراطي والحركات الدينية، توضحُ الشكلانيةَ الفكريةَ السياسية عند كلا الجانبين، فالنظامُ يعتقدُ إن العلمانيةَ هي أزياءٌ ومظاهرٌ خارجية، مثلما أن الحركات الدينية تعتبرُ الإسلامَ شعائرَ حركية، وكان التصادمُ بين الشكليين العصريين والدينيين، هو خسارة لتطور السوق والإنتاج والوعي الديمقراطي عامة.
بعدها أخذت الحركاتُ السياسيةُ ذاتُ الجذورِ الدينية تبتعد عن المواجهات مع المؤسسة العسكرية الحافظة للنظام.
نرى هنا في التجربة التركية المعانيَّ الغامضةَ والمصطلحات غير المفهومة تتوضح، فالفئاتُ الوسطى لا تغدو طبقةً متوسطةً إلا عبر الرأسمال الصناعي وعبر نموهِ في البنية التقليدية، لكي يعيدَ تشكيلَها حسب التحديث وحاجات التطور، وهو أمرٌ غيرُ متاحٍ في الرأسمالياتِ الشرقية الشمولية الأخرى السائدة، التي تسيطرُ فيها الدولُ على الصناعة بشكلٍ شبهِ كامل، وهكذا فإن الفئات الوسطى التركية وهي تقومُ بالتصنيعِ وبالأشكالِ الأخرى من التوظيف الرأسمالي، تجددُ الإنتاجَ الوطني التقليدي، ولا تزالُ النسبة كما لاحظنا تراوحُ عند العشرين بالمائة.
وهذا المستوى لا يتيح إستبدال البنية التقليدية ببنيةٍ حداثيةٍ واسعة شبه كلية، ومع التطورات الاقتصادية – التقنية – الفكرية المنتظرة يمكن أن يتحقق ذلك.
هذا يؤدي إلى إعادة النظر في الثقافة الدينية التقليدية ذاتها، كما يتم تغيير طابع الثقافة الغربية المتغلغلة ذات الوجوه الشكلانية أو الثقافة السوداء أو الساحقة لتميز البلدان الأخرى وشخصياتها المتوارثة المستقلة وغير المعادية للثقافة الإنسانية كذلك، وهي عمليةٌ مركبةٌ لا تحدث إلا عبر ذلك التطور الإقتصادي والتقدم الاجتماعي، وبطبيعة الحال تحتاج إلى مثقفين من نوع خاص ولا يمكن أن تتشكلَ بطريقة آلية.
وقد تراوحُ البرجوازيةُ الدينيةُ التحديثية التركية في مسارها الراهن هذا، لأن طبيعة التغييرات في البنية الفوقية معقدة، ويمكن أن تستسهل النقل من الأقطار العربية خاصة نقل تجربة البنوك الإسلامية والسياحة وغيرها وهي عملية نقل للأموال العربية الإسلامية للغرب، وذلك سيؤدي لمشكلات كبيرة لها، لأن أهمية الفوائض أن تنتقل للبنية الصناعية – الخدماتية التركية وتعمق تطوراتها.
إن تقدمها يكونُ على الجانبين؛ على الجانب الغربي عبر العلاقات المختلفة المفيدة، وعلى الجانب الإسلامي والشرقي عامة، وهو سوق أخرى هائلة، يمكن أن تلعب فيها تركيا دوراً مغذياً للتحولات. وقد حاولت تركيا ذلك عبر تأسيس منظمة الثمان، التي لم تنشط.
لا تزال التجربة السياسية التركية التحولية في بدايتها لأن التحول الصناعي – التقني الحر في بداياته، فتغدو الأشكال السياسية التي تنمو من خلاله غير ناضجة بعد.

تركيا بين المبادئ والمصالح


تبدو التيارات الاجتماعية التركية متضادة بشكل عميق متقاطع وحاد، فهي لم تتكون بشكل متدرج ديمقراطي طويل، بل تشكلتْ في حُمى قرنٍ واحد، إنتقلتْ فيه تركيا من إمبراطوريةٍ إلى دولة، ومن كيانِ خلافةٍ يقودُ أغلبيةَ المسلمين المستقلة عالمياً إلى تابعٍ للغرب الرأسمالي المعادي وقتذاك للشرق الاشتراكي وللعالم الثالث التحرري الوطني.
وفي سعيرِ هذا الانتقال إطاحَ حزبُ الاتحاديين بالخلفاء الأتراك، وشكل نظاماً دموياً إستبدادياً قفز حتى على عنف دولة الخلافة التقليدي. وكان مضمون وجود هذه الحزب وسياسته يعني قفزة عسكرية من جماعات محدودة الثقافة والجذور الحضارية؛ ففي كلِ إنقلابٍ شعبوي يقومُ به عامةٌ متخلفون لا يجدون سوى وسيلة العنف الأهوج طريقاً لتكريس مصالحهم الغامضة والتي عادةً تتشكلُ في شعاراتٍ دينية أو قومية أو طبقية صارخة.
قفز الاتحاديون (الطورانيون) على خميرةِ التشكلِ السياسي التي كانت تعتملُ في جوفِ الجسد التركي الوطني القائد للأمبراطورية الإسلامية الكبرى، فلم يقدروا على صنعِ مذهبيةٍ إسلامية تجديدية كانت تحتاج إلى تراكمات ديمقراطية واسعة في صفوف الفئات الوسطى المدهوسة من قبل الخلافة المتخلفة التي دهسها كذلك قطارُ التاريخِ الغربيِّ المسرعِ المُوحِّد للإنسانيةِ في كيانٍ غامض حتى ذلك الحين.
ووجدَ القوميون المتعصبون في هذه القفزة العنصرية المسماة (الطوارنية) حلاً إيديولوجياً لإمبراطوريةٍ جديدةٍ تستندُ على العِرق، وتجمعُ الشعوبَ التركية أو ذاتَ الأصلِ التركي والمغولي في وحدةٍ تستندُ إلى الدم.
في هذا الخيال السياسي العنصري موادٌ إيديولوجية هي متماثلة مع الصهيونية والهتلرية والفاشية، ففي هذا الزمن كانت برجوازياتٌ غربيةٌ كبرى مخنوقةٌ من غيابِ المستعمراتِ الشهية التي تزودُها باللحم البشري وبالبضائع، مثلما أن البرجوازيةَ اليهوديةَ تحتاجُ إلى مسلخٍ خاصٍ لليهود، لا يشاركها فيه أحدٌ من العمالقةِ الغربيين، وهكذا تداخلتْ وإصطدمتْ هذه القوى المأزومة، بسبب غياب المستعمرات أو بسبب إنسلاخ هذه المستعمرات من سيطرتها كما هي الحالة التركية، فتشاركتْ في الهمِ الاستعماري المأزوم، إحداها وهي الطبقة الحاكمة التركية عبر الاتحاديين مضت في مشروع مذابح على خارطة الإمبراطورية الممزقة والمنفلتة إلى شظايا من دهس القطار الغربي، تقتل الآلاف من الأرمن وتعدم قادة العرب، وتقوم بالتتريك، بشكل يدل على أن صناعة الأفكار والمبادئ في فهمها لا يقوم إلا بالعنف.
ونلاحظ إن أقصى تجليات العسكرة الدموية تتجلى في هذه النزعات الأربع، وهي الطورانية والصهيونية والفاشية والهتلرية، وتحدثُ بينها تداخلاتٌ مباشرةٌ أو غير مباشرة أو جنينية أو مستقبلية، بسبب مقاربات زمن الولادة التي جمعتها في فترةِ إنهيارِ المستعمرات أو في زمن الشهوة العارمة لها، وجعلتها متقاربة جغرافياً وتاريخياً.
لكن السيناريو الطوراني القومي الدموي لم ينجح، لأن العديد من الأوربيين دخلوا في تقطيع لحم المستعمرات التركية أو الهجوم على دارِ الخلافةِ نفسِها، وهي الأمورُ التي شكلتْ صفحاتٍ سوداءَ فيما يُسمى بالحرب العالمية الأولى، لكن بالنسبة للشعب التركي الذي خرجَ من مستنقعِ المستعمرات، ودافعَ عن إستقلالهِ بتضحياتٍ جسام، فقدْ وُلد بشكلٍ جديدٍ عبر قيادة كمال أتاتورك، وهي القيادة الممكنة المعقولة في ذلك الزمن العسير.
هذه الولادة الجديدة تمت بنفس أدوات الإيديولوجية السابقة القومية الحكومية، وقد طورها كمال نحو التغريب والعلمانية والحداثة، والإنسلاخ عن العالم الإسلامي. وقد كانت فيها مميزاتٌ إيجابية وكانت فيها سلبياتٌ خطيرة كذلك.
وكان هذا هو مستوى الطبقة الحاكمة القادمة من العسكريين والموظفين والأغنياء الكبار الذين توحدوا عبر وظائفهم ومصالحهم وثرائهم مع هذه العلمانية الغربية، ولم يعودوا قادرين على فتح باب المساءلة لهذه الفترة وإمتيازاتها وسرقاتها وعنفها ودهسها لتقاليد الناس وقيمهم الدينية.
وكانت الأوربة مفيدة في تغيير العديد من الجوانب المتكلسة من الإرث الديني المحافظ الذي عُممَّ بأنه(الإسلام)، وكأن تركيا الفتاة التي فقدتْ المستعمرات فقدتْ ذاكرتَها كذلك، وهربتْ إلى الغرب، ونسيتْ قرونَ الإستغلال لعامةِ المسلمين في المعمورة التي حولتها لكياناتٍ متخلفةٍ مهترئةٍ قابلة للبلع من شتى الحيتان الغربية.
هذه الفئاتُ العسكرية والسياسية والاقتصادية لزمنيةِ العلمانية المتغربة، وجدت نفسها قوية في زمن الصراع العالمي بين الشرق والغرب، فعاشتْ على مساعداتٍ مُميزةٍ من الغرب، فهي تسَّرحُ عمالَها الفقراء في دولِ الغنى الرأسمالي في مهنِ البؤس، والذين يجلبون لها العملات الصعبة، كما تحصل على إعانات ومساعدات باعتبارها حليفاً وصديقاً لدوداً قد ينقلب في أية لحظة للدخول مع دول المحور، أو للانتماء للاشتراكية أو للمسلمين المتنامي دورهم في العالم.
هذا الموقفُ الرجراجُ الجغرافي السياسي كان له أن يسقطَ بفعلِ عوامل النمو الداخلي التي تصاعدتْ عبر السنين وهي تأكلُ العلمانيةَ المتغربة، وتأكلُ سيطرةَ الطبقةِ الفاسدة التي إستولتْ على الحكم خلال هذه العقود ورفضتْ الديمقراطية الحقيقية.
إن الشعوبَ لا تتغيرُ حسب الأوضاع الخارجية، بل تتغير من داخلِها أولاً، لكن الظروفَ الدوليةَ المؤثرةَ تتيحُ لتلك التحولات الداخلية الكامنة العميقة التي جرتْ عبر عقود، الظهورَ وتأكيد قوتها.
فإذا كان قد تمَّ إشتغالٌ سياسي عميقٌ بين الشعب أو لم يتم، هذا ما تبرزهُ الحياةُ السياسيةُ العالمية على مسرحِها المتحولِ دائماً.
فلم يظهرْ المعتدلون الليبراليون الإسلاميون في تركيا لأن قوةً أجنبيةً أخرجتهم من الظلمات، بل لأنهم إشتغلوا بين الجمهور العادي لعقود، وكونوا شبكاتٍ تنظيمية وإجتماعية، فالسياسةُ هي تتويجٌ للعملِ بين الجمهور.
إن إشتغالهم بين الجمهور جاء لأنهم سلكوا سبيلَ الرأسمالية الخاصة الحرة، فهذه تنتجُ المواردَ وتجعلُ أصحابَها ذوي أفكارٍ ديمقراطية، فالعلمانيةُ الحكوميةُ الشمولية المتغربة هيمنتْ على السلطاتِ السياسية والاقتصادية ومنعتْ على مدى عقودٍ ما يناقضُ أفكارَها، وبالتالي لا يستطيع الحصول على الدخول العالية.
كما أن علاقتها التابعة للغرب وهيمنتها الإستغلالية على الجمهور العامل المتعدد الأديان والقوميات، جعلت أفكاراً كثيرة تشتغلُ ضدها، ولم تحصلْ الأفكارُ الاشتراكية على الجمهور الواسع بسبب القمع، وعدم فهمها للحياة الاجتماعية الجارية المُصَّعدة للطبقةِ الوسطى، وبسبب دور تركيا الإقليمي التابع لحلف الأطلسي، وما جرى من تنفيعٍ للنخبٍ الحاكمة.
لقد ظهرتْ المعارضة الممكنة الأوسعُ من خلال الدين، ومن خلال توسع الفئات الوسطى، ودور المراكز الإسلامية العريقة، وتأثرها المستمر بالحداثة، فخرجتْ بخطوطٍ سياسية تركز على مصالح الفئات الوسطى الحرة وغير المرتبطة بتاريخ الدولة الطورانية، وعلى تجميع الأمة التركية بجذورها الإسلامية التحديثية.
وقد تشكلت مجموعات من قوى الأعمال الخاصة التي إرتبطت بالجمهور الواسع، وكان تحجرُ الطبقةِ الحاكمةِ في العلمانية الغربية الشكلانية التي إفادت في زمن سابق، قد غدا مضراً، لأن الجمهور الأوسع كان يعود لتقاليده العادية، إيجابية وسلبية، فإن العلاقات التقليدية وسيادة الذكور الاجتماعية على الإناث، ورجال الإقطاع على الفلاحين، والقوميين الأتراك على القوميات الأخرى وخاصة الأكراد، وهيمنة الثقافة التقليدية المحافظة على الحياة التركية عموماً، هذه كلها لم تزل مهيمنة على تركيا ولم تستطع أن تصل إلى الحداثة الديمقراطية العلمانية بمستوى الغرب لأن هذه يحققها التصنيعُ الثقيل الواسع وليست حتى القوانين الحديثة، وكانت تركيا مقيدة فقط بكوابح حلف الإطلسي، وحين إنهار الصراعُ بين الشرق والغرب، لم يعدْ لتركيا ذلك الدور العسكري بعطاياه، فوجدتْ نفسها في التخلف والفقر والمحافظة وسؤ الإدارة والفساد، وكأن ثورة أتاتورك لم تكن!
ولم تقبل السوقُ الأوربيةُ المشتركة دخولَها كاملةَ العضوية فيه، ولم تُعدْ كاملة لعالم المسلمين المحافظين وقد تجاوزتهُ ببضعِ ياردات حضارية! فأخذتها الحيرةُ السياسيةُ بين الشرق والغرب.
إن قوى الإنتاج البشرية التركية متخلفة وخاصة في الأرياف، ولم تستطع الصناعات المحدودة أن تعيد تجديد المجتمع بشكل تقني علمي واسع، وما أعطته إياه الثورة الأتاتوركية هو التحديث المجرد والبرلمان والحريات التي جاءت بعد صراعات طويلة ومشاق ضارية.
وجدت الأمةُ التركيةُ نفسَها حرةً لأولِ مرة في تاريخها الحديث، لأن الفئات الوسطى المشتتة تلاحمتْ بشكلٍ هام ومؤثر في الاتجاه الليبرالي الإسلامي، جامعةً بين التقاليد القديمة والخصائص الحداثية، بين جذور الإسلام وقيم الديمقراطية الحديثة السياسية، فتلك القفزة العلمانية الشكلانية كانت جارحة للحم الشعبي، فبدأ الشعب يعودُ لتقاليدهِ وراح يمزجُها بالسياسةِ وهو يعارضُ نظامَ الحكم الضيق الأفق، لكن نظامَ الحكم له طبقته القوية التي هيمنتْ على الموارد الكبيرة والمؤسسات العسكرية المختلفة، وقد قبلتْ أخيراً بالحوار وبالصراع السياسي مع الطبقةِ الجديدةِ الناشئة في أحضانِ المؤسساتِ الخاصة المستقلة.
ولهذا كان على حزب العدالة والتنمية الذي غدا هو التتويجُ السياسي لهذا المخاض أن يوسعَ الحراكَ الاقتصادي للمزيد من الآفاق والعيش للناس، وللمزيد من تطور الرأسمالية الديمقراطية الاجتماعية في تركيا، أي أنه يخدم حتى خصومه السياسيين الكبار، وذلك بإقامة العلاقات الاقتصادية الواسعة مع المجتمعات الإسلامية، وإعطاء الأكراد بعضَ حقوقهم وهوياتهم المسلوبة، دون أن يخرج كذلك من طموحاته الأوربية، وهذا كله عاد بتطور إقتصادي جيد خلال سنوات حكم حزب العدالة كما تشير الإحصائيات خاصةً على الطبقات المالكة.
أي أن كل ما يجري هو صراع بين أهل اليمين، لإنعاشِ نظامٍ تجمد بسببِ مقولاتهِ الفكرية السياسية المجردة، وإثبت إن العلمانية والديمقراطية لا تأتي من الشعارات ولبس القبعات، بل من مدى مقاربة أي نظامٍ للعاملين ورفع معيشتهم وتحريرهم من الفقر والأمية واللامساواة وهو الأمرُ الجوهري في القرآن، ولكن ذلك يظلُ بعيداً على حزب التنمية، بدون جدلٍ مع الطبقات الشعبية، وبمدى قدرة اليسار في تركيا على الإسهامِ في الديمقراطيةِ الاجتماعية، وجعل العاملين يتحركون لتطوير النظام وتطوير أنفسهم، فما يزال الفلاحون في فقرهم وتخلفهم، والقوميات خارج أقاليم الأتراك محرومة.
أي أن الشكلانية الدينية هي الأخرى لافتات مثل الشكلانية العلمانية، والأساس هو في الديمقراطية الاجتماعية وحراك الأغلبية الشعبية.

أردوغان والخداع السياسي

عاشت الامبراطورية العثمانية على سيطرة إقطاع عسكري سياسي متخلف أبقى المسلمين قروناً من التخلف.
لهذا كانت عظمة كمال أتاتورك في التصدي للغزاة وتحرير تركيا وتطويرها وتحديثها، فقام بمهام تاريخية جسيمة لم يستطع أي زعيم عربي في عصره القيام بها.
تحطيم العسكر العتيق وقواه من المتصوفة والدراويش كانت ثورة عصرية، لكنه لم يستطع استكمال مهام الثورة الديمقراطية بتحرير الفلاحين وتغيير ملكية الأرض، ولهذا فإن تركيا لم تغير بناءها الاجتماعي كلية، ودفعت الملايين من شعبها للهجرة وخاصة الى الغرب.
واعتبر الدينيون ذلك تغرباً على مستويين وجناية من جنايات الحداثة!
الاتاتوركيون رغم دورهم التاريخي تلاحموا مع القوى الإدارية الغنية وأخمدوا التحولات النضالية على مدى عقود، ولم ينشروا فكراً ديمقراطياً شعبياً مما جعل النزعات اليسارية والدينية المتطرفة تنشط وتخرب!
وجدها الدينيون فرصة في الاستغلال السياسي والقفز إلى الحكم، ووجدوا في اردوغان قائداً مغامراً تصدى لذلك بعكس زعمائهم المعتدلين الذين تخوفوا من آثار هذه الألعاب السياسية.
تلاعب أردوغان بالمشاعر واستغل فترة سجنه الضئيلة (أربعة شهور) في الدعاية، وقال انه صمم برامج لإخراج تركيا من أزمتها، مركزاً على الطابع الإيديولوجي، فيما كانت مشكلات تركيا بنيوية عميقة وتخلفا تاريخيا وتدفق الفلاحين الفقراء على المدن وتدفق العمال على أوروبا.
التلاعب بالشعارات وتحويلها إلى حماس جرّ الكثير من الفقراء للانخداع وصوتوا له، ولكن التغييرات العميقة لصالح القوى الشعبية لم تأت، ثم تشكلت فئة إدارية فاسدة جديدة إضافة الى القديمة.
فدخلت تركيا في أزمة داخلية مركبة، وانشطار في رأس الدولة وتفكك للمجتمع.
واستغل أردوغان ذلك في الانتشار في البلدان العربية واستغلال التحولات النفطية لصالح جماعته السياسية.

في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.

كتب ومؤلفات عبـــــــدالله خلــــــــيفة متوفر في مكتبة صوفيا بالمحرق

   الكتاب                                                                   السعـر      

1 – عقاب قاتل.        ……………………………………………………………  4,5 دينار

2 – اغتصاب كوكب.   ………………………………………………………….     3 دينار                                        3 – رسائل جمال عبدالناصر السرية  ……………………………………………   4 دينار

4 – حورية البحر.  ……………………………………………………………….  4 دينار

5 – طريق اللؤلؤ.  ………………………………………………………………… 4 دينار

6 – رأس الحسين.  ……………………………………………………………….  4 دينار

7 – ابنُ السيد.   …………………………………………………………………..  4 دينار

8 –  ألماس والأبنوس. ……………………………………………………………  4 دينار

9 – ثمن الروح.  …………………………………………………………………..  4 دينار

10 – بورتريه قصاب. …………………………………………………………..   4  دينار

11 – مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني. ……………………………………………    4 دينار

12 – شاعرُ الضياء. …………………………………………………………..    4 دينار

13 – خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ. …………………………………………………  4,5 دينار

14 – هُدهُد سليمان. …………………………………………………………….  4 دينار

15 – الكسيحُ ينهض. ……………………………………………………………  4 دينار

16 – أنطولوجيا الحمير. ………………………………………………………..  4 دينار

17 – إنهم يهزون الأرض!  …………………………………………………….  4 دينار

18 – ضوء المعتزلة. …………………………………………………………  4,5 دينار

19 – سهرة.  ……………………………………………………………………  3 دينار

20 – جنون النخيل. ……………………………………………………………..  3 دينار

21 – سيد الضريح. ……………………………………………………………..  3 دينار

22 – دهشة الساحر. …………………………………………………………….  3 دينار

23 – نشيد البحر. ……………………………………………………………….  3 دينار

24 – الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الأول. …………………………………..  5 دينار

25 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، جزء(1) – (2)  ……….  5 دينار

26 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، جزء(3)  ……………  5 دينار

27 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، جزء(4)  …………….  6 دينار

28 – عالم قاسم حداد الشعري. …………………………………………………  4 دينار        

29 – تطور الأنواع الأدبية العربية. …………………………………………..  5 دينار

30 –  رأس المال الحكومي الشرقي. ………………………………………….  5 دينار   

31 – صراع الطوائف والطبقات. …………………………………………….. 5 دينار     

32 – الملعون سيرة وحوارات وما كتب عنه. …………………………………. 4 دينار

كتب ومؤلفات عبـــــــدالله خلــــــــيفة متوفر في مكتبة صوفيا بالمحرق

الدين بين الشكل والمضمون

الدين مثل غيره من الظواهر الاجتماعية له شكل ومضمون، وقد احتار الناس عبر التاريخ بين الأديان كمظاهر خارجية، وكمضامين اجتماعية وأخلاقية روحية. وكافة الأديان كانت ثورات في البداية، استهدفت تغييرحياة الناس، وتجاوز ظلم فئة واستغلال طبقة الخ..

لكن الأديان مثلها مثل الثورات لا يمكن أن تخضع لتأثير فئة ما كل التاريخ، وكثير من اللصوص والمستغلين الذين حاولت أن تجرفهم هذه الثورات الاجتماعية التي لبست لباس الوعي الديني، استطاعوا أن يتغلغلوا في أجهزة هذه الثورة، وفي شرابين هذا الدين أو ذاك.

وهكذا فإن القوى المستغلة عبر التاريخ تقوم بإعادة تفسير الدين، أو أنها تخفي مضامينة الحقيقية، أو تجرد أهدافه الاجتماعية الملموسة من طابعها السياسي والطبقي، وتركز على المظاهر الخارجية، والجوانب التي لا توجه الأسئلة إلى سيطرتها واستغلالها.

وقد احتارت الحركات الاجتماعية الإسلامية والمفكرون الإسلاميون في جذور الطابع الاجتماعي للإسلام، ولم يصلوا إلى أنه ثورة اجتماعية نهضوية تمت بأدوات عصرها، فقد قام بعضهم برفض العبادات وشكل بعضهم تنظيمات من حلقات وهياكل سياسية معقدة، يدخل فيها المريد من الخلية الدنيا ويصعد درجات حتى يصل إلى قمة التنظيم السياسي الديني، وحينذاك تتكشف له (الحقائق) التي لا تُقال له وهو في سن صغيرة وفي مكانة فكرية دنيا.

في حين شكل الصوفيون المسلمون درجات من المعرفة الصوفية يتدرج في سلالمها المريد، وتتفتح أمامه (الحقائق) بقدر ما ينزع عنه من ثياب الدنيا والعرض الزائل، ويتقدم في الحضرة القدسية.

المناضلون الإسلاميون الأوائل كانوا يحاولون البحث عن جوهر للدين خارج النضال الاجتماعي والصراع السياسي ضد المستغلين؛ فيجدونه في العزلة المطلقة والتجويع الذاتي للنفس والبعد المطلق عن الشهوات كرد فعل على الغرق في الشهوات والماديات التي تقوم له الطبقات الحاكمة.

وحتى الحركات الدينية التي وصفها المؤرخون بالحركات الاجتماعية، لم تصل إلى جوهر الدين، كحركة سياسية نهضوية تتطلب شروطاً خاصة، وحولوا الدين إلى مغامرات حربية وحملات للسلب والنهب، في حين غرقت الأكثرية المؤمنة في الاعتقال السياسي للحكام الجائرين، غائصة في أوحال العمل ومستنقعات الزراعة وكهوف الحرف، بينما كانت ثمار جهودها تضيع في الليل الطويل.

يتحول هذا الصراع بين الشكل والمضمون في الأديان إلى جنون أحياناً حينما يقوم بعض المغامرين برفض الدين جملة وتفصيلا، أو يبتكرون مذاهب من رؤاهم الذاتية ويصنعون جناناً موهومة.

أو تتحول إلى كوابيس اجتماعية حين يقوم الباباوات والملالي باحتكار الأقوال المقدسة وتفسيرها وتحديد من يدخل الجنان ومن يخرج منها.

أما التفسير الديمقراطي العصري للصراع بين الشكل والمضمون فى الدين فقد قام على ترك المؤمنين في عالمهم الديني الخاص، وأخرج المنطقة السياسية العامة منه، وجعلها ميداناً للتنافس السياسي والصراع الانتخابي.

فنهضة الأمم وتقدمها وتغيير حياتها صارت رهناً ببرامجها السياسية، ولم يعد أحدٌ يُسمح له باحتكار الحقيقة الدينية، أو أن يستخدمها في عمله السياسي، إلا لأن الدين صار ملكية عامة وتراثاً، غير مسموح بزجه في الصراعات السياسية.

إن هذه العملية العصرية أخرجت الدين لأول مرة من التداول السياسي التجاري؛ وأصبح المؤمن يذهب للكنيسة ويصوت للحزب اليساري أو اليميني حسب ما يراه من دور لهذا الحزب أو ذاك في قضاياه الاقتصادية والاجتماعية.

ولأول مرة في التاريخ يعطى للدين مكانته المقدسة واحترامه، ولا يؤجر لخدمة الاستغلال السياسي والاجتماعي.

قصة أول مايو

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

محمد امين محمدي

لم يكن ثمة من يعمل لتحويل أول مايو إلى احتفال بحريني، فهذا الاحتفال يشير إلى تكريم طبقة لم تحصل سوى على أشد أنواع العمل قسوة، وأقلها أجوراً..

ولهذا مرت جل سنوات الخمسينيات وأغلب سنوات الستينيات من دون اهتمام بعيد العمال العالمي، رغم بداية الحضور السياسي المكثف للعمال في الحركة الوطنية، حيث كانت الطبقة التي رفعت الزعماء الى اهدافهم، ومنذ الستينيات أخذت طلائع العمال بالتعبير عن الطبقة كطبقة مستقلة لها مصالحها المتميزة عن عموم الطبقات الوطنية.

وكنا كطلبة أو مثقفين في تنظيم عبر عن حركة العمال وهو جبهة التحرير الوطني، لم نكن ندخل في خصوصيات الطبقة وعالمها اليومي، وصنوف صراعها المعيشي على الأرض المتفجرة بالعرق، والدم، بين الآلات والدخان. أما الجيل القديم جيل الغوص الذي كان قاعدة الصناعة والأعمال اليدوية فكان بالكاد يعرف ماذا تعني نضالية الطبقة العاملة الحديثة!

وكان هذا من نصيب شباب العمال وقتذاك الذي أمتلك نصيباً من المعرفة، وزجت به ظروف الفقر والاستغلال تحت سيارات الشحن والنقل وفي (سالم الخطر) وعرف أفران الموت الصاهرة. خاصة شباب مدرسة بابكو الفنية التي ازدهر فيها الوعي التقدمي خلافاً لإرادة الشركة وطابع عمالها المسالم المسترخي في ظل امتيازات تفصله عن بقية العمال.

كانت الحورة كغيرها من الأحياء الشعبية تضج بحركة هذا الشباب، وكان العامل محمد أمين الذي عمل في بابكو طويلاً، من العمال الشباب المهتم منذ أواخر الستينيات من القرن الميلادي الماضي، بقضايا العمال المعيشية والعملية، وقد خطرت له هذه الفكرة البسيطة بأن يكرس جزءاً من وقته لتعريف العمال بقصة أول مايو، وأي مراجع لجريدتي الأضواء وصدى الأسبوع في تلك السنوات سيجد أسم محمد أمين أو أي أسم مستعار، يتعمد الكتابة قبيل شهر مايو عن حدث أول مايو وكيف ظهرت المناسبة بعد أحداث أمريكا والتعسف ضد العمال الذي جرى في نهاية القرن التاسع عشر. لكن هذه التعريفات والكتابة لم تحول المناسبة الى فعل احتفالي، ولهذا فقد تحول محمد أمين إلى التنظيم لكي ينتبه المثقفون والعمال للمناسبة ويجعلوها تسري بين العمال, ولهذا أقترح كتابة ملصقات صغيرة شعارية ورسومات تعلق في الشركات والمصانع عن المناسبة. هنا تحولت الفكرة من فكرة فردية إلى انخراط حشد من العمال الشباب والطلبة في الكتابة والرسم وتوزيع الملصقات والمنشورات عن اول مايو، ومن المجموعة الصغيرة إلى أن غدت الفكرة تضم عدداً كبيراً من العمال.

وبدلاً من شباب عمال بابكو المتميزين دخل عمال شركات المقاولات والشركات الصغيرة الذين كانوا رئة العمال في التحركات، حيث كانت الأجور الهابطة وعدم وجود عمل ثابت، تجعلهم يجمعون بين الإضرابات والدعاية النقابية وليدخل مطلب أول مايو أجازة محسوبة.

وتوجهت الملصقات إلى التعبير عن المشكلات الرئيسية للعمال كالعمل من أجل تحديد ساعات العمل أو المطلب التاريخي بتحديد الحد الأدنى للأجور الخ..

تم نقل الشعار الى احتفالات حقيقية فيما بعد، لكن يوم العمل ظل بلا إجازة فتجري الاحتفالات بشكل ليلي، ومن خلال تجمع حشود العمال، وتحولت الفكرة في التنظيم الى مطلب سياسي ضمن المطالب المدرجة عن الديمقراطية.

وهكذا حين تشكل أول مجلس منتخب رفعت كتلة الشعب مطلباً بضرورة تحويل أول مايو إلى يوم إجازة، أسوةٍ بمختلف بلدان العالم.

وتم الاعتراض على هذا المقترح من قبل كتلٍ متعددة بالقول أن أول مايو لا يندرج في اعياد المسلمين كعيد الحج والفطر، وحين احتج نواب كتلة الشعب بأن البلد تحتفل بعيد الاستقلال، وهو ليس عيداً دينيا، تحكم التصويت بإجهاض المقترح.

ورغم دخول البلد في عواصف الانقلاب على المجلس المنتخب وتوسع البناء الاقتصادي وانهمار العمالة الاجنبية فان المناسبة أفلتت من يد النخب الصغيرة وغدت مناسبة شعبية يتم الاحتفال بها بأشكال غير رسمية، رغم غياب النقابات وسرية المنظمات.

وفي السنوات القليلة الماضية لم يحتج البلد إلى صراعات ومناشدات لكي يتحول أول مايو إلى اجازة، بل غدا ذلك بعد أن ذاب الجليد، لكن لا يزال بعيداً أن يكون عيدا بهيجاً يحتفي به أغلب العمال ولهذا فانضمام أغلبية العمال ينتظر تحوله من يوم اجازة وتذكير سياسي إلى أن يكون عيداً احتفالياً سعيداً.

الرفيق المناضل محمد أمين محمدي رحل يوم الجمعة  7  يونيو 2024
جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

الديمقراطية والتقليدية

الديمقراطية من جهة، والأنظمة والحركات التقليدية من جهةٍ أخرى، في حالةِ تضادٍ لا يمكن التوفيق بينها.

الديمقراطية حداثة، ووطنية، وعلمانية، وديمقراطية وتقدمية.

والتقليدية طائفية، ودينية، وشمولية، ونظرتها الوطنية ملتبسة وأفقها التاريخي غائم وشائك!

كيف سيحاولون التوفيقَ بين هذه المتناقضاتِ وإلى متى؟

أي نظامِ يطبقُ هذين التوجهين المتضادين سيجدُ نفسه بين طرق شتى متعاكسة تحفر في كيانه من جهات مختلفة، وسيحاولُ أن يوفقَ وينشىءُ الفلسفةَ التوفيفيةَ بين الثلج والنار، بين الشرق الإقطاعي والغرب الحداثي الرأسمالي، بين العالم الطائفي والعالم العلماني، بين أناس يقولون ان المرجعية للمذهب، وأناس يقولون إن المرجعية للشعب، أناسٌ أدلجوا الأديانَ وحولوها إلى حصالات للعيش على حساب الفقراء، وأناس يريدون بصيصاً من النور لسياسة حرة تخدم الشعب ولا تفرق بين الطوائف، وتغدو المرجعية للدساتير المصونة.

حين تقوي الديمقراطيةُ المفترضةُ القوى التقليديةَ فسوف تتمردُ على الديمقراطية حين تتطور وتقترب من السمات العالمية، وتقلص من نفوذها، لكن بعد أن قويت وامتدت لجذور الحياة الاجتماعية السياسية.

يجب عدم الاعتماد على مرجعياتِ وزارات الخارجية الأمريكية والبريطانية في لحظاتٍ مقطوعةٍ من لحظاتِ سياساتها المتبدلة دوماً بحسب ظروفها ومصالحها، وليس بحسب المرجعية الغربية الديمقراطية العلمانية ومصالح الجماهير الشعبية في تلك الدول كذلك.

فالبرلماناتُ تفوزُ فيها عادةً القوى اليمينية الممثلة للشركات الكبرى وهذه تريدُ نفطاً رخيصاً وأسواقاً مفتوحةً وقطاعات عامة مهدمةً وغيرَ ديمقراطية، فتدعو البلدان العربية لسياساتٍ (ديمقراطية) مبنيةٍ على حراكِها السياسي المؤقت، أي أن تخففَ الصراعات بها بشكلٍ راهن عابر، حتى تقوم بمهماتِ شراء النفط الرخيص، وتغدو أسواقاً مفتوحة، وأن تُحضرَ منها الرساميل الكبيرة وأن ترتبط بعملتها، ولا تنظرُ نظرةً بعيدةَ المدى من أجلِ الاستقرار الطويل الأمد وإلى تطور هذه البلدان وإلى نمو تحديثها وازدهار صناعاتها. فهي ديمقراطيةٌ غربية تسويقية استنزافية للعملات الوطنية والخزائن الناضبة يوماً بعد يوم!

ولا توجدُ من جهةٍ أخرى سياساتٌ وطنيةٌ بعيدةُ المدى في الدول العربية الإسلامية، تثمنُ هذه الجوانبَ التكتيكية الغربية(الديقراطية) لكن أن ترى أبعد منها وتضعها في مرحلتها وتحدد القوى الراهنة المستفيدة منها والمؤثرة فيها، وتشكلُ استراتيجياتها الخاصة القائمة على سياسةٍ علمانية ديمقراطية متدرجة شعبية في بلدانها، وأن تسحبَ عملاتها من تحت مظلة الدولار، وتعمل على إيجاد سلة من العملات، وإنشاء ترسانة من الذهب في خزائنها، وتطور بلدانها صناعياً تحديثياً تقنياً معاصراً، وتتخلص تدريجياً من العمالات الأجنبية الاستنزافية، وتطور عمالاتها الوطنية.

السياسة العلمانية الديمقراطية استراتيجية بعيدة المدى تقوي اللحمة بين الدول العربية والإسلامية، وتعمل على إيجاد سوق إسلامية عالمية، وشيئاً فشيئاً تقلصُ مساحات الاستثمار السياسي الاجتماعي في الأديان، ولكن من دون توسيع مجالات الرأسماليات الخاصة والعمالة المحلية المتقدمة، تحدث إشكاليات الصراعات الدينية السياسية.

بطبيعة الحال مثل هذه السياسات مسألة تشكلها تياراتٌ فكرية وسياسية عبر سنوات والخطورة أن يكون ذلك من خلال الصراعات الداخلية الضارية.