حين نطالع البنايات العمالقة التي تلامسُ أحياءَنا البسيطة في القضيبية والحورة وراس رمان والغريفة، حين نرى إتساعَ البحر، وإنفساحَ المجال والأفق للجزرِ البعيدة، نقول لماذا نختنقُ في هذه البقعة الصغيرة وكأننا محشورون حشراً؟ إن العمال الأجانب بشر ليسوا من فلين وقشور سمك، أناس عبروا محيطات وإنحشروا في الأزقة والبيوت الكبيرة القديمة والشقق الصغيرة، وكأن المدينة الكبيرة لم تعد سوى أحياء متلاصقة متزاحمة وسوق عارم. ملايين تأتي وتخرج من هذه البقعة الصغيرة، يقتحمون الأزقة والأعمال، يقطفون بعض رزق الناس، يرتفعون في المعيشة، يكبرون، يُسيّرون أحدث موديلات السيارات! لكن لم يقم أحدٌ من المواطنين بتكسير مصباح أو خدش إنسان بسبب هذا! شعبٌ يعيش ببساطته وفقره وبعض غناه لكن لم يقبض على رقاب البشر! تعلم الحضارة بسرعة، أسألْ الشركات الأولى التي جاءتْ لتحفرَ الآبار في الصحارى حيث لا ينابيع وبيوت! أسألْ قيعانَ البحار التي غاصَ فيها بحارة صاروا عمالاً ولحامين. تجاوز العمالُ والأجانب مقادير أعدادنا، والأقتصادُ المتطورُ يحتاجُ كتلاً هائلة، وإختصاصات، نعرف ذلك ونحن نتعلم وسنتعلم، لنتحكم في الأجهزة المعقدة والمواليد والإختصاصات والمهن والعلوم، لنكون بديلاً عن بعضهم أو كلهم. نرحبُ بهم بشرياً بشكل متناقض إنسانياً، لا نقول إننا ملائكة، نستغلهم نرثى لهم، نصاب بالضيق منهم لكن لا تمتد أيدينا إليهم! نحن بلاد صغيرة تطلق فيها الوزارات كل العربات والسيارات والسياح والمرور والتجار والعابرون . . لديها على الأوراق أرقام، لا تعرف أنها أشياء وكائنات ودخان وزحام وأمراض وجراثيم تتنتقل عبر البلدان والقارات! لديهم أوراق ويفرحون بإنجازنا: إننا الدولة الخامسة والعشرون في الحريات الاقتصادية؟ نريدها أن تكون الثلاثين في إهتمامها بعيش المواطن وصحته وعيشه وتقدمه وسيطرته على دخل بلده! حين إنتفضتْ البلدُ كلها من أجل الصياد البحار المضروب بالرصاص عند أسيجة مجلس التعاون العربي الخليجي أدركنا إننا شعب واحد؟! إنتفضتْ قلوبنُا بعمق وأسى، توحدنا. البحرينيون أعطوا الخليجَ العلمَ والنور والمدرسين والباحثين والكتاب الذين يشتغلون في الجرائد والمراكز العلمية والثقافية.. أشعلوا النيران في رأس تنورة ليتدفق النفط! إشتغلوا في حفر الآبار في الصحارى وجزر الخليج الفارغة من البشر.. غنوا وصنعوا مع من صنع في الخليج الأغاني الأولى. تعلموا الآداب والفنون فشاركوا ريادة صنع الصحافة والثقافة، ووزعوا أنوارها على المنطقة. تعلموا قبل الآخرين وإستقبلوا أخوانهم على مر السنين، عملوا بجد وتعب، إشتغلوا في المهن الصعبة، وربما محيت هذه القصص من الكتب والصحف، أو ذابت بفعل الحساسية، والفورة النفطية، لكن ليس فيها إعتداء أو عنف. عاملوا الناس الذين جاءوا من كل الخرائط بتقدير وإحترام، ومدارس العنصرية مفتوحة في بلدان كثيرة. ليس لديهم ثروة النفط الكبيرة ولديهم الأسعار المرتفعة. أمتصوا غضب الصحراء بمياههم الهادئة، وروضوها بأرضهم الصغيرة الناعمة. مثل هذا الإنسان الذي يسعى للرزق تمتد إليه أيد؟ كان ينبغي أن تفتح له الأبواب التي تفتح للملايين من البشر من كل حدب وصوب! يا ليت مؤسساتنا تهتم بهذا الإنسان، تحول حشود أولاد وبنات هذا البحار إلى مهندسين وتقنين تحتضنهم الشركات والورش. يا ريت مؤسساتنا ووزارتنا تشغل من أبدع فيهم مسرحاً وتأليفاً في أجهزة هي بحاجة لهم وتطلب موظفين من خارج البلد! نقول بأن في هذا البلد إمكانيات كبيرة، حقل زيتي لم يكتشف ويوظف هو هذه الطاقات الشعبية.
أيها الشابُ الواعدُ نضالاً ووطنية، أنت لا تعرف القضية! نحن على مدى رمية حصاة من الحوت العسكري الفارسي النهم لأكل الأسماك البشرية الصغيرة، أنظرْ نحن لسنا من أصحاب الملايين، نحن كادحي كلمة فقراء، ناضلنا قبل أن تولد في قرية من أجل ناد يشرق بالتنوير على القرية. وفي الحورة، ورأس الرمان، كتبنا، ومشينا للصحف البخيلة على أرجلنا، من أجل أن تنشر كلمة، أنت أيها الشاب خريطة الجراح، وأن تسلق الوطن والزمن في صحن الشعارات البريئة في فمك والتي تتحول إلى قذيفة في دمك. أنظرْ أيدينا كيف غدت حصى من حجارة البلد، مزقتها قروشُ البر والبحر، وأوراقنا تغطي مساحة ملعب لكنك لم تقرأها، وجئت تعلمنا القضية. حين ظهرت مكتبة قرب سوق (الظلام) بالتسمية الشعبية قام أحد رجال الدين ليغلقها، وكنا نشتري كتبها، وأخذوها وحرقوها، وجعلوك لا تقرأ ما فيها، وصحوت في آخر القرن بعد جفاف الحقول وكسل العقول، وأمسكت صارياً لسفينة تتجه نحو الشرق الاستبدادي لتعطينا بعض خبز الحرية. شبابٌ ساذجٌ تربى في معسكر مغلق، سدوا منافذ النور فيه، ملأوا جسده بكراهية النساء، وإستعبادهن، ونشأ عجوزاً عقلاً فلم يعرف من الفكر سوى الصرخة الطائفية. يداه لا تمتد للآلات والنظريات والرقص والشعر، علاقته بالوطن علاقة بعلم ملتصق بجسده لا بروحه. ماذا تعرف عن هذا العلم الذي تحلمه؟ أنت تحمله كما حمل أصحاب صفين القرآين؛ قضيةُ حقٍ أُريد بها باطلٌ. هل أنت بحريني؟ ماذا تعرف عن البحرين؟ هل عرفت ثوراتها وآدابها، هل قرأت قصصها، هل طفت بحاراتها، هل تشبعت نفسك المنفية عنا والمحبوسة في الدهليز المعتم بأشعارنِا وقصصنِا ورواياتنا ولوحاتنا وأمثالنا ومقالاتنا وكتبنا وأبحاثنا؟ ماذا تعرف عن البحرين؟ أيها الطيف، أيها السيف في أيدي أعدائنا؟
لا بد لك من جذور الشرق ومن تطور الغرب! لا تستطيع أن تعيش في الماضي ولا تستطيع أن تكون بلا ماضٍ! لا بد أن تجمعَ ما صنعتهُ من ضوءٍ ومجدٍ وتقدم في السابق، وأن لا تنعزل عن مجرى التقدم البشري، فالعالم لم يبدأ بك، ولن ينتهي فيك! وما أنتَ سوى لحظة من التاريخ، وقطرة في بحر الإنسانية، لكنك وقعتَ بين تخلفٍ شديد وتقدمٍ مخيف، فلا تقبل بهياكل مهترئة من الماضي يقدمونها إليك، فلا تكون لك إرادة ولا تكون لك حرية، كما فعل الاستغلاليون المتخلفون عبر التاريخ، فقادوا الأمة إلى أن تكون عربة محطمة في قطار التاريخ السريع، ولا تقبل أن تذوب في طوفان السلع الغربية لتعود مرة أخرى إلى الصحراء وقد فقدت نفطك وأبلك وحميرك! لكن الناس مهما تكن ثورتك ومحافظتك علبٌ من الماضي، مهما وضعوا الأضواء وديكورات الثياب والسيارات وتفننوا في الموضات فهم لا يختلفون عن الناس الذين عاشوا قبل مئات السنين، لا يزالون لا يؤمنون بإرادتهم، بل أزدادوا ضياعاً مع تحكم الرساميل الكبرى والدول ذات الجبروت بالبشر ينقلونهم من قارة إلى قارة كما يفعلون بالعرائس والحفاظات! أين الإنسان العربي من الإنسان الجاهلي قبل الإسلام الذي يقول : إذا بلغَ الرضيعُ منا فطاماً تخرُ له الجبابرةُ ساجدينا الآن إذا بلغ الشابُ منا جامعة وجدت ظهره منحنياً من الضرائب وتلوث الطرق والضمائر والجيوب، فهو منذ أن يتكون يخرُ ذلاً، ويزحف من أجل وظيفة، ويتوسل الراتب! ويسخر طرفة بن العبد من ملك الحيرة الذي جعل للناس يومين؛ يومٌ للطيور تطير فيها ويوم للناس تمشي على أقدامها، وإذا أحدٌ من الناس مشى في يوم الطيور ضرب، حتى جاء الشاعر عمرو بن كلثوم وقطع رأس هذا المتجبر! لا يأخذون من الماضي إلا القشور وزنازين الأفكار، ولا يأخذون من الحاضر إلا موضات الغرب الشكلية، فخسروا العصرين، ووحدة العصرين تتمثل في تأسيس حرية العربي في مبنى العلوم والحداثة
لم تكن المرحلةُ الوثنيةُ الجاهلية تستدعي في مرحلة مكة الإسلامية المؤسسة، عمليةَ نقدِ شربِ الخمور، فقد كانت لها شعبيةٌ كاسحة، خاصةً مع الإحتفالات الطقوسية ذات الآلاف من السنوات، فكان النقدُ ينصبُ على عبادةِ الأوثان المُفكِّكة للعرب، والمؤدية لتمزقهم السياسي، وحين أخذت الدولةُ تتشكل في المدينة بخطواتٍ صغيرة، وبجهودٍ محاصرةٍ من قبل كثرة الأعداء الوثنيين واليهود وغيرهم، كان الأمرُ يدعو إلى تنامي الإنضباط العسكري لتلك القلة من المحاربين، ولما جاء في شرب الخمور لدى العرب البدو من فوضويةٍ وتخريبٍ حتى للمسجد الوحيد الذي ظهر في التاريخ. كان لا بد هنا من التحريم السببي، وحين انتصر العربُ على أعدائِهم وتوسعتْ الدولةُ من مشارق الغرب إلى مغاربِها وإحتوت أمماً وشعوباً كثيرة، مالتْ سياساتُ الخلفاءِ للمرونةِ الاجتماعية مع هذه الشعوب وتقاليدها، ولم تُستخدمْ الأحكامُ الدينية الصارمة في مرحلة التأسيس، في مجالاتٍ عدة. وجه الأئمة الكبار الأنظارَ السياسيةَ نحو الفساد السياسي بدرجة خاصة، وصعدوا الحريات الخاصة والعامة. فواقع الإنفتاح والثراء وغياب الأزمة الاجتماعية الحادة لم تستدعي التوجهَ إلى التشدد في الأحكام الجزئية وقضايا الحريات الخاصة، وهناك فرقٌ شاسعٌ بين أوضاعِ الفنون والحريات في زمنِ الجزيرة العربية البدوية وأوضاعها في زمن الحضارة والتعددية الاجتماعية السائدة وقتذاك! لكن مع الأزمات في النظام السياسي الشمولي وعجزه عن تطوير حياة الأغلبية بل وإستغلالها ببشاعة، وتدهور أحوال الزراعة مصدر الإنتاج الرئيسي وهجرة المزارعين القرويين المعدمين للمدن، وهجمة البدو من الصحارى عليها، تدهورتْ الأحكامُ الفقهية، وتعالت أصواتُ المنع، بسببِ سيطرة ضيق الأفق على الكثيرين من رجال الدين، وعدم توغلهم في فهم أزمة المسلمين الحقيقية في النظام الاقتصادي وسوء توزيع الثروات في نظامِ الخلافةِ الاستبدادي البذخي، وسادتْ النصوصيةُ المقطوعةُ الجذور عن سيرورةِ تطور المسلمين وأهدافهم الجوهرية في التقدم الحضاري. فكان المنعُ في الفترةِ الأولى والفترة الثانية مختلفين، فكان الأولُ من أجلِ النهضةِ والقفزة الحضارية وكان الآخرُ من أجلِ القمع وبسبب إنسداد الآفاق الحضارية ومجيء زمن الانحطاط. فكانت الأحكام ليست لانتشال الأمم الإسلامية من المأزق بل لزيادةِ غرقها فيه! وقد بقيتْ رؤى محافظي زمنِ الإنحطاطِ مستمرةً بإعادات إنتاجها الضيق الأفق في فقهٍ نصوصي لا يرى أهمية توسع الحريات وربط المسلمين بالثورة الصناعية الأوربية المتفجرة، بل يرى وضع القيود على المسملين رجالاً ونساءً وإسدال الستار عليهم وعزلهم عن الثورة الحضارية والديمقراطية المندفعة في الغرب، فكانَ ذلكَ سبباً لغزو بلادِ المسلمين وإحتلالِ أراضيهم وسرقةِ ثرواتهم. وبهذا فقد تم إسقاط السيطرات المحافظة الدينية من قبل الغرب المسيطر، ومن قبل جمهور المسلمين الذي فُجع بمستوى قياداتهِ الدينية والسياسية التقليدية وتخلفها، وعجزها عن الدفاع عن الدين والأرض. فنشأت قوى جديدة إستلهمتْ الثقافةَ الإنسانيةَ الجديدة ومزجتها بإرثها السابق، ولم تتخلْ عن القضية، فنشأتْ حرياتٌ أوسع في كافةِ مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية، وهي التي ساهمتْ في طردِ المستعمرين وتحرير البلدان وإنهاض الشعوب العربية والإسلامية. لكن القوى الاستعمارية والتقليدية وهي ترى عمليةَ إنهيارها من قوى الحداثة إستدعتْ الثقافةَ الدينية التقليدية الطوائفية وبعثتَها من القبور، وشجعتَها في كلِ مجالاتِ الحياة لتركيزها على ما هو تفريقي وما هو سطحي ومعرقل للنهضة الجذرية. حدثت عمليةُ إنهيارٍ أخرى مشابهة لما حدث في أواخر الدولة العباسية بحدوثِ أزماتٍ عميقة في الدول العربية والإسلامية الشمولية، وتراجع القوى الحديثة وعدم طرحها حلولاً عميقة للأزمة، فقامت القوى التقليديةُ الطائفيةُ بالهروبِ إلى الإمام والقفز على سببياتِ الأزمات الحقيقية، بدءً من العودة لتطبيق الحدود عبر الفهم النصوصي الضيق الهروبي من القضايا كما حدث في بدء زمن الصعود الطائفي حتى قضايا منع المسكرات والحجر على العقول. مع كل أزمة عميقة يتم تصعيد الدينيين المحافظين ويتم الابتعاد عن سببيات الأزمات وحلولها، وتفجير قضايا جانبية، خاصة مع تدفق القرويين والبدو على المدن، وإستخدام مستوى فهمهم لتوسيع القمع والتدخل في حياة الشعوب. تركز القوى المحافظة الطائفية على الفهم الجزئي، والشكلاني المعزول عن سيرورة التاريخ وأسباب إنتاج الأحكام، وتغيبُ عنها مقاصدُ الشريعة الكلية في جعل الأمم الإسلامية متقدمة متحررة، فتقوم بتمزيق الصفوف، وترفيع ما هو ثانوي إلى درجة الكلي المطلق، فتدمرُ ما تريد بناءه، وتشل فاعلية الأمم، وتسهل بلعها من قبل الأعداء وتحلُ ضيقَ أفقِها أمام ثراء الوعي النهضوي الديني نفسه.
اصدرت وزارة الإعلام البحرينة سلسلة من المطبوعات تحت اسم (رواد الصحافة البحرينية)، يحررُ هذه المطبوعات ويجمعُ موادَها الأخ خالد البسام، وهو جهدٌ توثيقي هام، وتحية بسيطة لرواد الكتابة الصحفية في البحرين في بواكيرها. وتتشابه ظروف مؤسسي الصحافة البحرينية في الخمسينيات، فهم سياسيون ومربون وتجار وجدوا أنفسهم في خضم مهمات سياسية عاجلة فلجأوا للكتابة، فجاءت الكتابة صحفية انطباعية تحريضية، وصار المقال القصير هو الجنس الكتابي السائد فيها، ولهذا فإن المقال يجمع بين النظرات الفكرية الإيديولوجية والمعالجات النقدية الاجتماعية اليومية والتحريض السياسي وكذلك الخواطر الأدبية والحكايات والنقد الأدبي! ومن يمثل كذلك خير تمثيل الأستاذ حسن الجشي، الذي كان يجمع بين مهمات التحشيد الاجتماعي عبر النادي والمدرسة، وبين مهمات الكتابة لتغيير النظام القائم وقتذاك. ومن الصعب الجمع بين إدراةِ نادٍ ومدرسة ابتدائية تغدو نموذجاً للضبط والتعلم، وبين مهماتِ الحركةِ الوطنية السياسية، ولكن هذا هو طابعُ الحياة الاجتماعية في بلدٍ وجدَ نفسَه يركضُ سريعاً نحو التحرر السياسي والتحديث والتوحيد الوطني. فلا عجب أن يقومَ كلُ كادر سياسي وطني بمهمات كثيرة في آنٍ واحد، ولهذا نجدُ الأستاذ حسنَ الجشي مشغولاً في الصباح بالضبط والربط والتثقيف في المدرسة، وفي المساء بمداولات النادي وتوسيع المشاركة فيه ونشر تأثيره التوحيدي الفكري بين الجمهور المشتت طائفياً، وعقد اجتماعات بين أقطاب الحركة الوطنية لاختيار أنجع السبل لتحريك الحياة السياسية المهيمن عليها من قبل المستشار بلجريف والمركز البريطاني، ومن ثم الإنشاء التدريجي الصعب لمطبوعة (صوت البحرين) التي تــُحرر في الداخل وتـُطبع في الخارج، وهي المطبوعة المرَّاقبة، ولكن في ذات الوقت المعبرة عن قضايا وثقافة مثقفين يندفعون بسرعة لقيادة حركة سياسية متفجرة! ولهذا فإن ما جمعتهُ وزارة الإعلام من كتاباتِ حسن الجشي وغيره هي موادٌ مختارة، وغيضٌ من فيض، ليست هي ما يُسمى بالأعمال الكاملة، ولكنها عينة مما كتبهُ خلالَ هذه السنوات، ولهذا فإن ثمة اختيارات وانتقاءات. وتشيرُ الموادُ المقدمة المختارة إلى هواجس وهموم الكاتب الجشي وإلى الأشكالِ الكتابية الفكرية الموظفة للتعبيرِ عن تلك الهموم، وهي أشكال متقاربة مع نظائره من أفراد الفئة الوسطى الذين قرروا تحدي عالم التبعية والتخلف، من خلال مواد فكرية بسيطة، ليس لها جذور كبيرة في الإنتاج الثقافي الوطني المحلي، فتعتمدُ على الاستيراد العربي، وخاصة من مانشيتات الفكر القومي المنتشر في المشرق. يقولُ في مقالةٍ بعنوان (رسالة الشباب في فترات البعث والانتقال): (إن الأممَ مهما أغرقتْ في همودها وتمادتْ في غفوتها، فإن طبيعة الحياة المتجددة تأبى إلا أن تحفزها فتفتح أعينها وتتحرك في أغلالها، ومن ثم تنطلقُ لبعث الأمجاد وإنشاء الحياة، وحاملو هذا البعث، أبداً، هم الشباب أو من تعيش في جوانحهم عزمات الشباب)،( منشورة سنة 1950)،(ص12). إنه المنشورُ القومي الذي يعتبر الشعوب العربية كياناً يعيش لحظة همود، فلا يستعمل كلمة الموت، وهو الآن يستيقظ، مثل جسم الرجل المتواري في التراب، ويقوم بذلك الإيقاظَ الشبابُ المتحمسُ، ويبحث الأستاذ الجشي طبيعة هذا الهمود أو النوم في مفردات نفسية وفكرية، كغياب البصيرة، وغياب الشباب الملتهب شوقاً لتحقيق أمانيه وهو لايجد مثل هذا الشباب. ويكمل(إن المرء ليُدهش من ضيق أفقنا الروحي وإنكماشنا في الحيز الفردي)، ويتصورُ الكاتبُ بأن هذا الشبابَ لا بد أن يكون موجوداً لنهوض الأمة الطويل السابق: (وذلك مناف لمقومات السيادة، تلك السيادة التي نعمنا بها زمناً ثم أفتت من أيدينا منذ أن أفلتت معاني الشهامة والرجولة). يعبر حسن الجشي في افتتاحية العقد الخامس من القرن العشرين عن مهمات فكرية وأخلاقية وعن ضرورة توقد الشباب لخدمة الوطن.
إن مقالات الأستاذ حسن الجشي في مجلة(صوت البحرين) تنتقلُ من الجوانب الفكرية والأخلاقية المجردة، التي تتصورُ الأمةَ العربية شخصاً نامَ وعليه أن يصحو الآن، إلى المهمات السياسية العاجلة والمهمات الاجتماعية الملحة لشعبٍ محدد. وتتزواجُ المهمات السياسية والاجتماعية في تلك اللحظة المفصلية من نضال شعب البحرين، فغدت مقالات الجشي موجهة نحو وحدة الناس:(فاللهم ألفْ شملهم وأجمعْ كلمتهم..وتحلُ نكبة، كالحريق مثلاً، بجماعةٍ من الطائفتين فينبري القادرون من أفرادها إلى جمع الإعانات المالية من الطائفة نفسها، دون أن يشركوا معهم أغنياء الطائفة الأخرى)،(ص 21). أخذت مهماتُ التوحيد السياسي تستأثرُ باهتمامِ الكاتب، فيتوجهُ لبحثِ جزئياتها في الحياة الاجتماعية كتوقف دار الأيتام بسبب هذه المشكلة، وآثار ذلك على النشء، ثم يتوجهُ نحو بحثِ جذورِ الطائفية في المذاهب، فلا يعزوها للاختلافات الفقهية، بل يرجعُها إلى مسألة الخلافة، ويدهشُ كيف تؤثرُ هذه المسألة المدفونة في بطون التاريخ على أحداث الحياة اليومية وتغلُ أيديَّ الناس عن فعل الخير والتصدي للاستعمار؟ ويدهشُ أكثر وهو يتصفحُ آياتَ القرآن التوحيدية ويعددها، ثم يعودُ إلى أن المسألة ترجعُ لنزعات طائفية هدامة، داعياً للتطهر منها والتعاون عليها. ويستمر الأستاذ الجشي في تنوير الشباب جامعاً بين مسائل فكرية وسياسية متشعبة، وبين توجيهات ثقافية واجتماعية محددة، فهو يكتبُ عن شعار قتل الوقت الصادح بين الشباب، فيعجبُ منه أشد العجب، ويعددُ قوائمَ المثقفين الذين عصروا الوقتَ عصراً وحولوه اختراعات ومؤلفات، وينتقدُ في مقال آخر بلديةَ المنامة التي حولتْ حديقة في المنامة إلى زريبة حمير! إضافة إلى المعالجات الحدثية والتوجيهات الاجتماعية لخلق خميرة الشباب الملتف حول الحركة السياسية الوطنية، يركز على المسائل الفكرية المحورية، وخاصة مسألة النظام الاجتماعي القادم والمطلوب، وهو أمرٌ يُؤخذ بشكل نظري عام، ورداً على مقالة للأستاذ يوسف الشيراوي يدعو فيها لأخذ النظام الغربي جملة وتفصيلاً، أي إستيراد الغرب بكامله، في حين يستوعبُ الجشي تركيبية هذه المسألة المعقدة، مدركاً مصير الأمة العربية(كأمة لها خصائصها الروحية والاجتماعية الفارقة)، وهي مسألة صحيحة أدركها الجشي في ذلك المسار المضطرب للتطور، كذلك فإنه يتفقُ مع الأستاذ يوسف الشيراوي في المهماتِ الاجتماعية الوطنية الجذرية للنظام السياسي عموماً وهي(تطهير الأمة العربية من الزعماء الأنانيين، ودك صروح النظام الإقطاعي، والقضاء على الاستعمار) وهي خطوة كبيرة في رأيه نحو(إنشاء مجتمع أفضل) أو(مجتمع فاضل) بتعبير آخر. وإذ يصر الجشي على (بعث حضارة لها مثلها الخاصة السامية) وهو ما اعتبره الشيراوي شيئاً خيالياً، لكن من جهتهِ لم يوضح الجشي ما إذا كانت هذه الحضارة العربية المنبعثة تتناقضُ مع سمات العصر؟ ثم يدور في حلقة التجريد الكبيرة(إنها تراثنا الأكبر، ورسالتنا الخالدة إلى هذه الإنسانية المعذبة)، ويعتبر الحضارة الغربية الديمقراطية موجهة(على إبعاد هذا الدين العظيم عن مجال الحياة، وحصره في أضيق الحدود). وبطبيعة الحال فإن الأستاذ الشيراوي لم يجب عن هذه الأسئلة، كذلك فإن الجشي يواصل التعبير عن هذه الحضارة العربية الإسلامية الجديدة ومثلها، ولكنه لا يفرقُ بين الحضارة الغربية المسيحية الحديثة، وبين الحضارة الغربية كحضارةٍ إنسانية عامة، أي حضارة الحداثة والعقلانية والعلمانية والديمقراطية، وهي الأسسُ التي راحت تأخذ بها الأممُ الأخرى غير الغربية المسيحية حسب أديانها وتقاليدها وتجاربها. وإضافة للمقالات العلمية العديدة التي ينشرها عن العقل واللاشعور والذكاء فإنه يزداد نقداً للأوضاع السياسية والاجتماعية في منطقة الخليج، ويتوهجُ قلمُهُ مراراً مع أناشيد الثورة المصرية المتفجرة وقتذاك، وينشد لنموذج الدولة السوفيتية القافزة في التنمية رغم رفضة لمنهج الألحاد فيها، مندفعاً لموديل التسريع الذي كانت تبشر به أيديولوجية الانقلابات العربية. إنها كتابة متوثبة أعطت ما عندها في زمن صعب.
في مختارات وزراة الإعلام البحرينية لأعمال تقي البحارنة الصادرة (ط1 2007)، التي أعدها خالد البسام، نلاحظ اتساع اهتمام الأستاذ تقي بالأعمال النظرية الأدبية في سنوات الخمسينيات، ثم اهتمامه بالجوانب الثقافية العامة كالسياحة والمذكرات والمقالات الاجتماعية في الستينيات وما تلاها. وليس للأستاذ تقي البحارنة أعمال سياسية كمعظم معاصريه، مثله مثل الأستاذ الشاعر إبراهيم العريض، وهو ما يعبر عن مقاربة بعيدة من الأحداث السياسية المحورية، رغم بعض الانخراط في نشاطاتها، ولهذا تظل أعماله الفكرية ذات استقلال نسبي عن الواقع، ولا تزال تحتفظ بأهميتها، خاصة أنه توجه لقضايا كبيرة في الشأن الثقافي كمسألة الأنواع الأدبية العربية والحضارة، وهو القسم الذي واكب زخم الخمسينيات، ثم ظهرت المقالات الاجتماعية كتسجيل ليوميات السياحة في البلدان والعودة للذكريات. ورغم إن زخم مرحلة الأربعينيات والخمسينيات كان ثورياً عاصفاً في البلدان العربية والبحرين، إلا أن تقي البحارنة اتخذ منحىً محافظاً، رافضاً لنزعات التجديد والثورة الثقافية. فهو يعتبر فترة الأدب الجاهلي والإسلامي هي الفترة الذهبية للأمة، وما جاء بعدها محاولاً تجاوزها وحتى الإضافة إليها، فهو خارج ذلك النقاء الأصيل، فكان (جوهر)الأمة الثقافي وحتى الأختلاق والوضع في الشعر القديم فهو رغم انحرافهِ إلا أنهُ كذلك صورة عن العصرِ القديم لأنهُ تمثـُلٌ لهُ بأدواتهِ، أما ما جاءَ بعد ذلك فهو أشبه بالانحراف، يقول: (هذه العلوم الأخيرة، بما صحبها من آثارِ المنطقِ اليوناني الدخيل والبحث الفلسفي العقيم كانت على النقيض من الأولى ذات أثر سيء على اللغة وآدابها، ذلك لأن أكثر أولئك الذين خاضوا في علوم العربيةِ بعدئذٍ، كانوا من الأعاجم والفلاسفة الذين لم يصعدوا إلى عصور العربية الأولى)، (ص 13 – 14). ويتوقف الإنتاج الشعري عند حدود العصر العربي البدوي؛(وليس بعجيب أن يظل الشعرُ الإسلامي في جملتهِ جاهلي الروح، فالدولة عربية محضة، والثقافة عربية صقلها الإسلام، والشعراء عرب إلا ثلاثة أو أربعة، والصحراء مقام الأكثرية فيهم، والطبع هو الغالب على شعرهم)، ص15. وهكذا فإن جوهرَ الإبداع في وعي تقي الخمسيني هو نتاجُ العفوية والإلهام الأعرابي كما ينظرُ لهُ الجاحظ العباسي المدني، حيث هو بديهة وارتجال، فكأن (الروح) العربية توقفت عن التمازج مع المؤثرات الإنسانية الخارجية، وغدت ذلك الجوهر البدوي الإسلامي، الذي سيظلُ يحتفظ بنقائهِ الأصيل دون أي تداخل مع المؤثرات الإنسانية، وهو أمرٌ إيديولوجي ناقضته كثرة الاحتكاكات والتوظيفات التي أشتغل عليها شعراء وباحثو الثقافة العربية وقتذاك. ولكن ذلك الجوهر النقي في رأي تقي البحارنة لم يتغير، فكان الأدب القديم يعتمد على الصدق والبساطة والوضوح أما الثقافة المصنوعة فاعتمدت على شعار ( أكذب الشعر أصدقه)،(وهكذا قـُدر للشرق العربي أن يظل أجيالاً طويلة يقتات من سموم هذه النظريات)، وورث الأدب العربي الحديث الماضي الجميل وكذلك ركاماً من (مخلفات عصور التاريخ العربي والإسلامي، فخلطوا بين مختلف تلك العصور، إلا قليلاً منهم)، ص18. وتواصل محافظة تقي البحارنة نقد الاتجاهات الحديثة وخاصة التجديدية منها حيث قام (نفر ممن ادعوا لأنفسهم التجديد، فتنكروا للأدب العربي برمته، وأحدثوا فيه كثيراً من النظريات الخاطئة). يواصل الأستاذ تقي البحارنة هجومه على الحداثيين سواء في العصر القديم أم الحديث، وهو يكتبُ بحرارة في صيف سنة 1950عن الشبهات والانتقادات التي أثارها كبارُ الأدباءِ العرب تجاه الشعر الجاهلي خاصة طه حسين وعباس العقاد، غير منكرٍ لقضية الانتحال لكنه يرى أنها غير جوهرية (لأن المعين الشعري الذي يصدرُ عنه الجاهليون والإسلاميون يكاد يكونُ واحداً في جوهره)، ص25. يضع الأستاذ تقي الانتقادات الموجهة للأدب العربي القديم بمجموعه في دائرة الرفض شبه المطلق قائلاً ( وهذه مغالطة لا تجوز على غير السذج والبسطاء من ضحايا أولئك الكتاب)، ويرى بأن انتقاداتهم لنقص الأدب العربي من القصص والملاحم هي آراء منقولة عن المستشرقين، (ولقد وجد هؤلاء في الخليط الشعوبي المتناثر من نتاجِ العصور المتأخرة ضالتهم المنشودة، فأشادوا بهِ)، وفي رأيه بأن إثارة مثل هذه القضايا يستهدفُ تحقير الأمة العربية وهو تنقيصٌ من(نتاج أمة غلابة فاتحة، ذات أثر توجيهي مباشر في تاريخ العالم، فلم يجدوا فيه غير إثارة أمثال تلك المواضيع التافهة واتخاذها سلماً للتنقيص من الأدب القديم برمته)، ص..28 يعزو الأستاذ تقي الانتقادات الموضوعية لنقص الأنواع الأدبية العربية لعوامل ذاتية مريضة، ففي رؤيته بأن الأدب البدوي الإسلامي النقي قد اكتمل، وما التجديدات سوى إضافة فاسدة عليه، وهذا (التجوهر) يقودهُ إلى رفض التحولات الديمقراطية الأدبية والاجتماعية والسياسية في الثقافة، ومن هنا فهو لا يرى بأن غياب الملاحم والمسرح نتيجة لنقصٍ ديمقراطي في الحياة الثقافية العربية الاستبدادية، وحتى إنجازات الشعر العربي التجديدي لدى أبي نواس وأبي تمام والمعري لا يلتفتُ إليها، فهي غير متطابقةٍ مع ذلك الجوهر الذي افترضهُ للثقافة العربية والذي لا يمكن أن يتلاقح أو يتغير. إن قضية تطورات الأنواع الأدبية ليست قضية مفصولة عن قضية الحكم وتوزيع الفائض الاقتصادي، حيث تقومُ الدولة الشمولية بتجميد التطور الثقافي باحتكارها الثروة، وحين يحدث النقل في العصر الحديث من الأدب الأوربي فيغدو ذلك جزءً من عملية التحرر من ذلك الأستبداد وليس من الثقافة العربية، ولهذا حين تتجدد الأنواع الأدبية العربية يغدو ذلك نقداً أوسع للأنظمة ونشراً للحرية. لكن الأستاذ تقي لا ينطلق من ذلك حسب نصوص تلك السنوات، بل يطبق ذلك المعنى على الحياة السياسية أيضاً، فيرفض (استيراد مبادئ ونظم وقوانين إصلاحية تحملُ خصائص أمم أخرى غريبة)، ويقترب البحارنة من المفهوم الصوفي القومي في فهم الأمة، حيث يجب أن يظهر ذلك المضمون الخفي للأمة فيجب (إزالة ما يتراكم على طبع الأمة الأصيل من مفهومات طارئة، ومبادئ مضللة، لينفسح الطريق أمام حيوياتها الكامنة للظهور والتبلور في قالب ثقافي أصيل)، ص53. إن هذه العناصر نجد بعضها لدى الأستاذ ميشيل عفلق والأستاذ زكي الأرسوزي فيما يسميه التجربة الرحمانية للأمة، كذلك في آراء الأستاذ سيد قطب كما يشير البحارنة في الهامش كذلك. ويصلُ البحارنة إلى استنتاجاتٍ عامة حين يقول (فالمشكلة الإسلامية اليوم هي أبعد مما تحاول هذه الطبقة تصويره. إنها مشكلة تقويض مدنية مادية ملحدة، وإنشاء حضارة إسلامية في محلها)، ص61. ولهذا فهو يرفض محاولات الإصلاحيين الإسلاميين دمج المجتمعات الإسلامية بجوانب إيجابية من الحضارة الغربية، كما يرفض بطبيعة الحال الحداثيين المتطرفين العرب المطالبين بالتوجه الكلي نحو الغرب. ويتصور بأن للإسلام تصوراته المختلفة في (الأسرة وتنظيمه للمرافق الاقتصادية وسياسته التحررية في الحكم)، كما يرفض الحريات النسائية المعمول بها في الغرب. إن كتابة تقي البحارنة تمثل منظوراً محافظاً صلباً استمر في الصعود خلال العقود التالية، وتمكن من الوصول للسلطة في العديد من البقاع الإسلامية، محافظاً على جوهرية ما، لكن إلى متى؟! توقفت كتابات البحارنة الفكرية هذه، وحلت محلها كتاباتٌ أدبية أكثر تفتحاً، واهتم بالشعر والسرد، وذاك مجالٌ آخر.
ظهرَ الإسلامُ في ظروفٍ الوعيُّ العربيُّ وتطوراته التخلف عند العرب والأمم المجاورة لهم ، وبهذا فإن شكلَ الوعي المكرس فيه يقومُ على شكل مثالي ديني ، تلعب فيه الكائنات الغيبية دوراً محورياً مهيمناً على الوجود ، وذلك بسببِ غيابِ العلوم بمختلفِ أقسامها عند أهالي المنطقة البدوية خاصةً. ومع تطور المسلمين واحتكاكهم بالحضارات التي سبقتهم والمنتجة للفلسفة فإنهم اتجهوا للاستفادة من هذه المنتجاتِ الفكرية المتطورة القديمة، بصفتهم أكثر شعوب الأرض وقتذاك تقدماً. وهكذا راح المسلمون يستثمرون هذه المنتجات في تطورهم الحضاري المستقل، ومن هنا كيفوها مع الموروثِ الإسلامي الأولي، ومع الموروث الإسلامي الجديد الحضاري الذي تكون حين شكلوا تلك الحضارة ، منقطعين عن المستوى السابق. والذي قام بهذه العملية ليس المسلمين ككل، ولكن تلك الفئات المثقفةَ التي يعود تكوينها للفئات الوسطى عموماً، وقد أبقت على المنظور المثالي للفترة السابقة، مطورةً إياه في منظور مثالي موضوعي. بين المنظورين المثاليين الديني الأولي، والديني الفلسفي ، ثمة نقاط تشابه ونقاط افتراق ، في كون الأول يمثل الفئات الوسطى المكية المثقفة ، وهي تقودُ عمليةَ التحولِ في ظروف شديدة التخلف، وبأدوات النضال الجماهيرية. واعتمدت تصوراتها على الرؤية المثالية الدينية في أبسط أشكالها، حيث الجمع بين الواقع والميراث الأسطوري الفكري القديم، المستفيد من الدينين السماويين السابقين، اللذين هما كذلك مستفيدين من الإرث الفكري للعصر القديم. وفي الجزيرة العربية أتيحَ للفئةِ الوسطى التحرك بحرية تاريخية نسبية ، لعدم وجود الحكم المركزي القوي، فغدت المثاليةالفلسفية اقعية تحليلية – أسطورية – تصويرية – مغيرة للواقع المتخلف. فهذا الجمع المركب الهائل بين أشد فاعليات التغيير ورصد الحياة والاعتماد على الغيب لم يتجل مرةً أخرى. في حين واجهت المثالية في عصر الحضارة الإسلامية التالية إمكانيات فكرية وعلمية كبيرة، فتخلص أغلبُها من الشكل الأسطوري التصويري، ودخل في الشكل الأسطوري المفاهيمي، متوجهاً إلى المقولاتِ والتركيبِ النظري الواسع واعتماد المنطق الأرسطي وطرح استقلال الطبيعة والمجتمع من التدخلات الغيبية المباشرة الحادة. لكنه اعتمد المثالية كذلك عبر جعل هذه المقولات تخلقُ العالمَ، وتشكلَ الوجودَ، مع اعترافها بموضوعيةِ هذا العالمِ ووجود قوانين لتطوره. لكن هذه القوانين تتمثل في الجانب الطبيعي بدرجة أساسية ، وإن كان هناك بحث مستفيض في البنى الاجتماعية. وهكذا فإن الوعي الديني والوعي الفلسفي تماثلا في إعطاء القوى الماروائية إمكانيات تحويل الحياة ، مرة ً عبر الرسول، ومرة عبر الفيلسوف، ومرة باعتماد الجمهور الشعبي للتحويل وعبر الدخول الجريء في الحياة ، ومرة عبر العلوم والانسحاب إلى الزهد كفاعليةٍ سلبية هادمة للبذخ، فهنا حدث تغير في طبيعة الفئة الوسطى القائدة ، فالأولى كانت غير تابعة للقصور، والثانية كانت تابعة. والأولى إذ غيرت العالم فإنها أسست مدنيةً مسيطراً عليها ثقافياً من قبل مستوى بسيط سابق، في حين أن الثانيةَ كانت أكثر تقدماً ثقافياً لكنها عاجزة سياسياً وتاريخياً! وهذه التحولات المتضادة أُزيلت بإيجابياتها في المرحلتين، المرحلة الإسلامية التأسيسية، وفي المرحلة الحضارية المدنية، في عصر الانحطاط فلم يبقْ من الثورة التأسيسية والارتباط بين التقدم والجمهور الشعبي، ووجود برنامج نهضوي مطبق على الأرض، ولا كذلك ضخامة الإنتاج الفكري والفلسفي والتداخل مع إنجازات العصور السابقة واستيعابه ثروة الأمم! وجاء العصرُ الحديثُ متردداً متناقضاً، غير قادر على فهم العصرين السابقين وعصره هو. أطروحةٌ، فنفيٌ، فنفي النفي، أي عصور ثلاثة متضادة، راحت تتشكلُ على مدى الألفين سنة من عمر العرب والمسلمين، كلُ عصرٍ يقومُ بنفي العصر السابق، ليس بشكل كلي، ولكن بشكل أساسي، والعصرُ الحديث لم يفهم إنه تركيبٌ، وإنه جمعٌ بين العصرين السابقين ونفي لهما معاً. إذا أخذنا سلسلةَ التطورات التي حدثت خلال القرنين الأخيرين، فسنجدُ ثلاثةَ فتراتٍ كبرى: الأولى تمثلتْ في استيعابِ المنجزات الغربية، الثانية: في تشكيل تجارب لرأسمالية دولة شمولية، توهمت إمكانية تجاوز العصر الرأسمالي، الثالثة عودة متدهورة للفترة الليبرالية الأولى مع عودة كذلك للإقطاع السياسي والديني الشموليين، وبالتالي فإن هذه الفترات في العصر الحديث العربي شكلت هي الأخرى أطروحة فنفي فنفي للنفي، أي أننا نعيش في الزمن الراهن أكثف فترات التجاوز . كان النهضويون الأوائل في القرنين 19 و 20 يتصورون إن التماثل مع الغرب هو كفيلٌ بخلقِ النهضة، وحين تزعزعَ هذا الوهمُ راح الدينيون يتصورون وهماً آخر هو استرجاع الفترة الأولى من العصر الإسلامي. أي أن دراسةَ العصرين العربيين السابقين ورؤية تضادهما والخروج بتركيب منهما، وفي ظل ثقافة الحداثة المسيطرة، كان يمكن أن يكشف للعقول قوانين التطور الاجتماعي، وبالتالي أن يؤدي إلى التحكم فيها. إن عصرنا العربي الإسلامي التحديثي الراهن هو عصر التركيب، للعصرين العربيين السابقين، تداخل معهما ونفي لهما معاً. إنه عصر نفي النفي. وهو لهذا عصر التمثل العميق للحداثة العربية على مر الزمن والصعود بها إلى لحظة نوعية جديدة مقاربة للمستويات العالمية. فأخذ إنجازات الثورة المحمدية، والجوانب الإيجابية من نضال الفئات الوسطى التحديثية في العصر النهضوي الأموي – العباسي السابق، وتشكيل نضال نهضوي للفئات الوسطى المتحالفة مع العاملين بشروط الحداثة المعاصرة. وهكذا فإن إنجازاتِ التحالف الشعبي الديمقراطي الإسلامي النهضوي الجريء في اقتحامهِ العالم، يُضاف إلى تراكميةِ الثقافة الفكرية الموسوعية والانفتاح وعقلنة الفقه وعصرنته، وقد تم كل ذلك بوعي ديني مثالي مسيطر على أجهزة الحكم، تعبيراً عن القوى العليا مرة في تحالفها مع العاملين ومرة في انقطاعها عن التحالف مع العالمين. وبهذا فإن طيفاً اجتماعياً واسعاً لا د أن يتشكلَ ليعيدَ إنتاج الحضارة العربية المستقلة الحديثة ، وهذا التحالف الذي في جوهره تحالف الفئات الوسطى والعاملين ، له مضمون اجتماعي هو إعادة تغيير طابع الدولة ، في ملكيتها الاقتصادية الشاملة، وفي مذهبيتها السائدة المتحكمة، وفي تحرير كافة هذه الجموع من الدولة الإقطاعية – المذهبية، وفي خلق طبقات وسطى وطبقات عاملة حرة، تتداول السلطة حسب برامجها المقبولة للجمهور . وعمليةُ إجراءِ الإصلاحات في جسم الدولة – المجتمع الاقتصادي والديني والاجتماعي والسياسي، يعتمدُ على سلسلة من الإصلاحات في ظاهرات الوعي المختلفة . إن جسمَ الدولةِ – المجتمع الذي يعيش النظام الإقطاعي المذهبي ، يعيش المفردات الدينية الشمولية، كخلفيةٍ متحكمة فيه عبر القرون. وإذا كانت صورُ الإلهِ الواحد هي التي تهيمنُ على الكون فإن الحاكم الواحد هو الذي يهيمن على السلطة – المجتمع. إي أن هذه (الصور) تعبيرٌ عن مذهبيات شمولية تفكيكية للجسد الإسلامي، وتقارب هذه الصور، أو ظهور صورة مختلفة مميزة عن العصور القديمة، سيكون تعبيراً عن الإصلاحات العميقة الجارية في البــُنى ، وللتقارب العربي والإسلامي والعالمي . وقد قامت الفلسفاتُ في العصر الوسيط الإسلامي بخلقِ وسائطَ غيبيةٍ متعددةٍ في المشرق الإسلامي، ثم في المغربِ الذي أخذ يتخلصُ من هذه الوسائط بحكمِ توجههِ السني العقلي، بحيث غدت فلسفةُ ابن باجة – ابن رشد تشقُ الطريقَ نحو مثاليةٍ موضوعية صافية من الغيبيات المشرقية الواسعة. لقد استغرقت العمليةُ بين التكوين الديني الصوري القصصي الميثولوجي الحكمي، وبين تكون الفلسفة المثالية بمعمارها التعددي المفاهيمي عدة قرون، ثم إلى أن تكونَ مثاليةً موضوعية جنينية في الأندلس على بضعة قرون أخرى. وهذه المثالية الموضوعية الجنينية ترحلت إلى أوربا لتبدأ رحلةً جديدة في بُنى اجتماعية مختلفة وتكونُ فتيلَ النهضة الفكري فيها. وحين وصلت الفلسفةُ من أوربا للعرب والمسلمين محملةً بكل هذا الزخم التحولي المتضافر الداخلي، فإنها لم تـُفهم من قبل الجيل الأدبي، جيل التنوير الأول، فقد كان تاريخُ أوربا الوسيط والنهضوي والمعاصر معروضاً أمامه، بشكلٍ غامض، بحيثيات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية ، فكانت الوقائع الاجتماعية المباشرة كمظاهر التقدم في مختلف جوانب الحياة هي الطافحة على سطح الوعي النخبوي، وهذا ما كان يمثل له صدمةً على صعيد أنه كان عبر موروثه يعتبرُ نفسَه محور العالم والبقعة الأكثر حضارة فيها، ودينه يمثل أرقى تكون ٍ فكري. ومن هنا كان هذا الوعي ينقلُ وقائعَ الحياة والثقافة بعناصرها المشتتةِ متقبلاً المظاهرَ الحديثة الأكثر وظيفية ونفعيةً والتي تغدو عبر التجارة مستخدمةً في حياته، محتفظاً ببنائه التقليدي المحافظ، حيث يعبرُ هذا الاحتفاظ عن جانبي الاستخدام الوظيفي وبقاء أسس النظام التقليدي التي تسيطرُ عليه القوى الاجتماعية العليا، ومهما كانت التغيرات السياسية التبدلية في هذه القمة فإنها لم تغير هذا البناء، إن لم تحافظ عليه بقوةٍ أشد. من هنا كان الوعيُ التنويريُ أدبياً ثقافياً تقنياً عاماً، لا يستطيع أن يطرحَ المنظورَ الفلسفي الواسع الشامل النقدي، وأن يشكلَ نظراتٍ عامةً إلى الوجود ، حيث أن وجودَهُ الاجتماعي هو ذاتهُ مقلق وغير مفهوم له. فكان عليهِ أن يعي أساسياتِ وجودهِ (الوطني) أولاً، أي أن يقومَ بخلقِ لحمةٍ في بنائه السياسي التابع والمتخلف، وهو أمرٌ يجعل البنى العربية والإسلامية المفتتة تقومُ ولهذا فإن الاحتكاكَ بأوربا كان يتيحُ استخدامَ بعضِ الأسسِ السياسية الاجتماعية الأوربية في العمل لتشكيل هذه البُنى، وكلُ بنيةٍ عربية وإسلامية لها ظروفها وسيرورتها الخاصة، والمتداخلة مع السيرورات الأخرى كذلك. إذن كان الوعي وهو يشكلُ البنيةَ العربية التقليديةَ – الحديثة، يمرُ بمرحلةِ التأثر الأوربي – والعودة إلى الماضي، عبرَ استخدامِ مفهومِ النهضة، وهو الذي كان يتيحُ استعارةَ الأشكال الأوربية وتركيبها فوق الجسد القديم، مع الزعم بأنه يتحدث ، فهو يغرفُ من الماضي (المجيد)، وكذلك يستفيد من الخبرة الأوربية، التي كانت (وليدة التأثير العربي) . ولكن لم يكن يدرسُ هذا التداخلَ العربي – الغربي في سيرورته التاريخية المعقدة والمتوارية، أي أن يدرسَ رحلةَ المثالية الموضوعية وتبدلاتها العميقة في أوربا، من الرشدية الُملاحقة إلى الديكارتية المنفصلة كثيراً عن تقاليد الفلسفة الدينية للعصر الوسيط. إن ثمة عدةَ قرونٍ أخرى بين الرشديةِ الُملاحقة وبين الديكارتية الأوربية، وهذه السيرورة لن تــُدرس عبر هذا الوعي الأدبي – الفني العربي وهو يقابلُ أمثالَهُ في الإنتاجين الأوربي والعربي القديم، لكن هذا الدرسَ المتعددَ الأشكالِ سوف يضعُ مادةً ثقافية كبيرة للمرحلة التالية وهي مرحلة الوعي الفلسفي. وهناك عناصرٌ فلسفيةٌ مشتتة في داخلِ هذه المرحلة، فكان التأكيدُ على الخلق الإلهي للعالم ، يتداخلُ مع الإيمانِ بالضروراتِ الموضوعية للوجود ، وهو أمرٌ يشيرُ إلى هذه الثنائيةِ بين الجذورِ المتواصلة الحضور، أي بين النظامِ المحافظ بصورةِ الألوهيةِ المطلقةِ التي صنعها خلال سيطرته الطويلة، وبحكامه المطلقين، وببنائه الاجتماعي الذكوري – الأرستقراطي – وثقافته السحرية – الدينية، وبين ضروراتِ التحديث التقنية. فكان التقنيون فوق الجسدِ المحافظِ يستوردون المنجزاتِ البنائيةَ والتقنية والأدبية والديكورية الخ. إن فكرةَ الخلقِ الإلهي والسببية المحدودة، تتماثل وعملية التداخل العربي – الغربي في مرحلةِ الاستعمار والتجارة وإنتاجِ المواد الخام، فهما تتيحان الحفاظَ على النظام التقليدي بأسسهِ الدينية، التي يتم تصورها بأنها(جوهر الأمة)، وأيضاً بتطويرِ بعضِ الجوانب في الحياة الأكثر إلحاحاً كتغيير الحرف و نمط المدن والإدارة ونظم التعليم الخ. إن الحوارَ بين فرح انطون ومحمد عبده يمثلُ هنا ذروة الصراع الفكري، والمثقفان المعبران خلال هذا الصراع يكشفان لنا حول ابن رشد، كيفية عدم حسم الوعي العربي استيعابِ لحظةِ ابن رشد وتجاوزها تاريخياً، بمعنى ضرورة قراءتها في تطورها التاريخي العربي – الأوربي، فقد غدت لحظةُ ابن رشد وفلسفته متجّاوزةً تاريخياً في الإنتاج الغربي عموماً، وحتى في الفلسفات المثالية الموضوعية، ودع عنك الفلسفة الهيجلية والماركسية. أي أن فلسفةَ ابن رشد وصلت إلى فكرة تحييد صورة الإله المهيمنة على الوجود والمتدخلة، والتي تعكسُ المجتمع العربي الرعوي – الزراعي البسيط، عبر هذا التداخل الذي أقامه ابنُ رشد بين الأرسطية ومنجزات الحداثة الإسلامية. لكن هذه الفلسفة الرشدية لم تدخل في القوانين الموضوعية المتجسدة في تكون الطبيعة والمجتمع، أي بفهم الحركة، وأن تلعب دوراً في تطوير الحرف والصناعة والمدن. وهذا ما جرى أوربياً، فكان أمامَ الفلسفةِ المثالية الموضوعية الإسلامية مادةً ثقافية غنية. ولكن في لحظة الصراع حول فلسفة ابن رشد عادت القضايا القديمة للفلسفة العربية، دون استيعاب لمفرداتها ومراحلها ومضامينها، إذ تمظهرَ الحوارُ حول الخلق الإلهي ومداه، وتردد فرحُ أنطون بين مثالية موضوعية وعودة لهيمنة النجوم والكواكب. يعبرُ هذا الحوارُ عن البحثِ في السببياتِ وبمدى قدرةِ العقل على تحدي اللاعقل، وتثبت كذلك تردد العقل بشكله الديني والليبرالي عن معركة العقل الحاسمة وعدم استيعابه للعلوم المختلفة فهو نتاجٌ لتراكمٍ نهضوي بسيط . إن المثاليةَ الموضوعية هنا عبر تجسيدها عند الإمام محمد عبده لم تتجرد كلياً، أي لم تصبح ذات مفاهيم مجردة واسعة وكلية، بحيث تدخلُ في تحليل الوجود تحليلاً مفاهيمياً مجرداً فتجعل القانون الكلي الشامل بلا استثناء، وتدخل بالتالي في كشف قوانين الطبيعة والمجتمع العربي الإسلامي الإنساني. لكن هذه العمليةَ كانت أكبر من قدرات الإمام الذي أخذ يوقف ثوريته الدينية ويلتحق بالنظام الإقطاعي المذهبي ، وعبر رؤيةٍ إصلاحية جزئية. إن ما حدسهُ السيدُ جمال الدين الأفغاني بضرورة إيجاد ثورة بروتستانتية في الإسلام هو أمر ظل في مجال الحدس، وهو يعبرُ هنا عن ضرورة تشكيل ثورة ديمقراطية في الإسلام ، عبرت عن قصورها تلك الاجتهاداتُ الفقهيةُ الجزئية، وعدم تشكيل مثالية موضوعية تامة التكوين ، وهو أمرٌ يتطلب الغوص في التاريخ والقرآن والبنى الاجتماعية. أي أن (البروتستانتية)الإسلامية هنا هي استكمال للوعي الاجتهادي السني التحديثي باتجاه المفارقة عن الإقطاع المذهبي في الجسم الديني الأساسي للمسلمين . إذن فإن ذاك القصور نجده في العلمانيين والليبراليين الذين وسعوا عمليات التحليل الاجتماعي والسياسي للبنى العربية التقليدية واعتمدوا على الاستيراد التقني . لقد توصل فرح أنطون إلى مثالية موضوعية تامة عن قانونية الوجود بدون القبول بخرق لهذه القوانين ، وكان هذا يتطلب الغوص في تجسيد هذه المثالية الموضوعية على النصوص الدينية والمجتمع ، ولكن هذه العملية لم تبدأ ، لأنه انشغل بقضايا الحياة الاجتماعية والسياسية بدون ربطها بمقولات الفلسفة . إن عمليات التغيير العربية تتجه إلى جوانب أكثر عمقاً بطبيعة تطور الحياة ، وسواء بسببِ من اهتراءِ القديم ، أم من هجوم الجديد، وهذا يمكن ملاحظته في تعمق الأشكال الأدبية كالقصة والرواية والمسرح، وتوجهها نحو عمليات تحليل الواقع بصورٍ متزايدة، وكذلك عمليات اتساع العلوم ونمو تخصصاتها ، والتبدل المستمر بين حجم الزراعة وحجم الصناعة، واستعادة المدن العربيةِ دورها النهضوي ، وبدء إلحاق الريف والبادية بتحولاتها. ومن هنا فالسببيةُ سوف تتزايدُ عملياتها في الوعي ، وتصبح الظواهرُ المشتتة في الوعي التنويري الأولي أكثرَ ترابطاً ، فلم تعدْ العمليةُ هي استلالُ عنصرٍ وحيد من التراث ، أو من الغرب ، بل أخذت عمليات النظرة التركيبية بين الثقافة والوجود الاجتماعي والتاريخي ، تتشكلُ في العقل النهضوي الجديد ، وأصبح العالمُ العربي الإسلامي بتطوراته الكبرى مرئياً في هذا العقل ، ولكن في ظاهراته الفكرية الروحية المستقلة عن البنى الاجتماعية التي يتشكلُ فيها . يمكن هنا أن تتشكل لمحاتٌ من العرض الاجتماعي ، لكن الوعي يظل مستقلاً ، وبه سببياته الداخلية المترابطة الأعمق ، والمنفصلة عن البنى الاجتماعية . ومن هنا تبدأ المثالية الموضوعية في الظهور والتشكل ، واقفةً فوق قاعدتها الدينية للمنطقة ، القاعدة الإسلامية – المسيحية ، فيستمر العالمُ مخلوقاً من قبل الصور الإلهية التي يصنعها الوعي الديني – الفلسفي الحديث ، بتنوعات مغايرة عن الصور القديمة ، أي أن المثاليةَ الموضوعيةَ الرشديةَ هنا تعودُ ولكن بغنى ثقافي أتاحته القراءاتُ المعاصرةُ الواسعة ، فلم تعد النجومُ والكواكبُ روحيةً مهيمنة على الوجود الأرضي إلا في بعض أنماط الوعي الشعبي السحرية ، وغدا الاحتكاك بالأعمال الفلسفية الأوربية مغذياً للاختزال في زمنية البحث والتشكيل الفكري . لكن الاستيرادَ من جهةٍ أخرى يؤدي أحياناً إلى القفز إلى مستويات جديدة واختزالية ، للمدارس ، وخاصة في النزعات الحديثة كالوضعية المنطقية ، والمادية الجدلية ، نظراً لبطء المثالية الموضوعية في التشكل وتوقفها أحياناً لأسباب خاصة ، مما يؤدي إلى عودة المثالية الذاتية بشكل فلسفي وصوفي . إن تشكلَ المثاليةِ الموضوعية سيظهرُ لدى بعض الدارسين والمتخصصين في الجامعات أو الحوزات الدينية كما رأينا في النموذجين المدروسين وهما يوسف كرم ومحمد باقر الصدر ، وقد لاحظنا أن نصوصهما الفلسفيةَ تتشكلُ في حالةِ مواجهةٍ مع الفلسفاتِ التجريبية الذاتية أو مع المادية الجدلية . فهما يرفضان التصورية أو المثالية الذاتية حين ترفضُ هذه المثاليةُ الاعترافَ بأساسياتِ الوجودِ العامةِ فتقومُ بحصرِ مركز الوعي في الذاتِ المفصولة عن الوجود الموضوعي ، ويقوم المفكران المسيحي والمسلم كلٌ من جهته ، بربطِ الوعي بالوجود والاعتراف بموضوعية المعرفة ، وهذا يفتحُ البابَ لقراءة المجتمع ونقده والمطالبة بإصلاحه بهذا الشكل أو ذاك . وإذا كان يوسف كرم لا يدخل في عملية التحليل والنقد الاجتماعية ، أي لا يربط بين هذه المثالية الموضوعية وقوانين الوجود الطبيعية والاجتماعية ، فإن محمد باقر الصدر يتوسع في هذه العملية ويبحث عن سببياتِ الوجودِ الطبيعية والاجتماعية ، دون تحديد مدى قانونية المثالية الموضوعية هذه . فهو هنا يواجهُ فلسفةَ المادية الجدلية في مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين حيث تتقابلُ على أرض العراق هذه المعسكرات المتضادة بشكلٍ حاد ، وتقودهُ عمليةُ ( تفنيدِ ) المادية الجدلية إلى الاعتراف بموضوعية الوجود وسببياته ، لكن قانونية الوجود الاجتماعي تصيرُ مرفوضةً لديه ، فالبُنى الاجتماعية بقوانينها الموضوعية تتحولُ إلى سببيات جزئية مثالية ، أي أن تغيرات المجتمع تعود لديه إلى أسبابٍ تربوية وفكرية ذات أساسٍ غيبي في نهاية المطاف . وبهذا فإن قانونية الوجود راحت تتكسر ، وأخذتْ المثاليةُ الموضوعيةُ عموماً تتوقف أو تتراجع إلى أشكال فلسفية مثالية ذاتية أو تعود للتصوف ، وهو شكلٌ مثالي ذاتي كذلك . فظهور واتساع البرجماتية والتجريبية المنطقية والوجودية ، خلافاً للبواكير المشجعة لنهوض المثالية الموضوعية ، تعود لعدم قدرة المثاليات الموضوعية في التطور ، فالشكل الديني المحافظ حبسها عن النمو ، فيوسف كرم عبر مسيحيته ومحمد باقر عبر أثنا عشريته ، كانا يجعلان المثالية الموضوعية تابعةً للوعي الديني المهيمن ، وإذا كان الاعترافُ بقانونيةِ الوجود الموضوعة تحت عدة أقواس ، مهماً في الوجود الطبيعي فإنه في الوجود الاجتماعي أكثر أهمية ولكن أكثر صعوبة وخطورة . ولكن هنا لا تظهر عملية نقدية جذرية للمجتمع عبر المثالية الموضوعية ، فهي سوف تعيدُ سببيات الحياة الاجتماعية إلى التربية والوعي ، وليس إلى بنية المجتمع الطبقية الحاسمة . رغم اتفاق مثالية محمد باقر الصدر مع المادية الجدلية على وجود قطاع عام هام في إسناد الطبقات الفقيرة وعلى دوره في عملية التنمية والقبول بالإصلاح الزراعي في حدود . وهكذا فإن المثالية الموضوعية بأساسها الديني سوف تقدم أساساً فكرياً للعلوم الطبيعية ، في المادة الصماء عادة ، ولكن في المادة الحية أي في الأجسام البشرية وفي تطور البيولوجيا فإنها سوف تعود إلى أفكارها الدينية النصوصية دون القدرة على التأويل الهام في هذا الجانب . فنظرية التطور في البيولوجيا تغدو مرفوضةً باعتقاد أنها تناقض التصور الإلهي بنزول الإنسان كاملاً من السماء ، وهكذا فإن أساسيات التاريخ تبقى مشكوكاً فيها ، رغم أن محمد باقر الصدر لا ينفي تعاقب التشكيلات المشاعية والعبودية والإقطاع والرأسمالية لكنه يرى أن أسبابها تعود لوعي الأفراد والخصائص الروحية .