عبـــــــدالله خلــــــــيفة : روح بحرينية

في شخصية الكاتب البحريني الراحل عبـــــــدالله خلــــــــيفة أكثر من عبـــــــدالله خلــــــــيفة ، فهو كاتب قصة، وروائي، وله اهتمام بالسينما والمسرح، والفكر، والنقد . . وبهذا التوصيف نكون قد خسرنا كاتباً هو صاحب رؤية ثقافية فكرية وأدبية على درجة كبيرة من الثراء المعرفي الذي تحتاجه الثقافة العربية خصوصاً في الوقت الحاضر .
عبـــــــدالله خلــــــــيفة ينتمي إلى جيل من الكتاب عقدوا مع أنفسهم ميثاق الوفاء للكتابة والانتماء الكلي إليها، فهو كان يكتب في الصحافة اليومية، وما من دورية ثقافية عربية متخصصة إلا واغتنت بأفكاره وطروحاته الجريئة.
أرضية عبـــــــدالله خلــــــــيفة أرضية سردية في الأصل، أنجز مجموعة من الروايات والمجاميع القصصية التي تحمل روحاً إنسانية شفافة، وفي هذه الأعمال (رواية وقصة) كان أميناً إلى بيئته (البحرين والخليج عموماً) ومحباً لإنسان بيئته ومنحازاً إلى أشواقه وتطلعاته وأحلامه، وربما من هذه الزاوية توجه خليفة إلى الفكر والنقد بجرأة ثقافية نادرة، فلم يكن يخاف من رأيه، كما لم يكن يخشى الرأي الآخر، بل، هو مساجل ومُحاور عنيد يدافع عن رأيه ويحترم الرأي الآخر، لكنه لم يكن ليسمح بأن يختطفه أحد من كينونته الفكرية الأمر الذي جرّ عليه غضب فئات متعصبة لا تعرف قوة فكرية سجالية، بل ديدنها التكفير والتخوين، غير أن كل ذلك لم يُجْهِدْ عزمه الثقافي والفكري، وبقي واضحاً كالشمس.
استفاد عبـــــــدالله خلــــــــيفة من التاريخ بإسقاطات معاصرة في بعض أعماله الروائية، ومرة ثانية نحن أمام نموذج أدبي جريء يحضر في التاريخ وفي التراث. وفي الفكر.
وبهذا المعنى يعتبر عبـــــــدالله خلــــــــيفة صاحب مشروع أدبي بحثي فكري واظب عليه بأمانة، ونشير هنا إلى النسيج السياسي المهم في شخصيته وعلى نحو مبكر. غير أن أمانته لمشروعه الأدبي والفكري أبعدت عنه الغرق في استحقاقات السياسة التي، عادة، ما تختطف الكاتب ومشروعه وجوهره، فقد بقي يكتب ويبحث ويسترسل في سياقه الثقافي بغزارة لافتة وفي نوع من الشغف اليومي بالكتابة.
رحيل عبـــــــدالله خلــــــــيفة ليس خسارة للوسط الثقافي البحريني فقط، بل وخسارة للوسط الثقافي الإماراتي، فهو كان دائم التردد على الإمارات مشاركاً في تفاصيل النتاج الثقافي الإماراتي قراءة ومتابعة ومشاركة، وهكذا أتيح لكاتب هذه السطور أن يعرفه عن قرب، ومن الواجب الأخلاقي أن نشير إلى خلق الرجل ودماثته ورقته الإنسانية المحبوبة، وكما هو إنساني في قصصه ورواياته هو أيضاً إنساني في حياته، وتشرق روحه بالصداقة والألفة الحميمة التي يُعرف بها البحرينيون عموماً، وتتجلى هذه الحميمية في استقبالهم الإنساني العميق لأخوة الحياة والكتابة والجمال.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة رحل في قمة عطائه وتوهجه بعد أن أجبره جسده على العزلة، لكن إرثه الأدبي والفكري والإنساني لن يعرف العزلة أبداً. إنه حي في الشمس وفي الهواء الطلق، وفي الأرواح التي تعرف جيداً معنى المحبة والجمال.
يوسف أبولوز
شاعر من فلسطين
قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي
دولةُ قطر لم يكن فيها شيء هام في تاريخها سوى هجرة قبائل وهابية إليها قبل عقود طويلة من إكتشاف النفط، فقامت الأسرةُ الحاكمةُ بتجميد حياة الأهالي ومنعهم من شتى أنواع الحريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فغدت قطر حتى الخمسينيات من أكثر دول الخليج تخلفاً.
تدفق النفطُ وإرتفع مستوى المعيشة ولكن أميرُ قطر السابق إستمر في الهيمنةِ المحافظة على البلد ولم تقدم القبائل أية إمكانية للتطور الاجتماعي الداخلي، بعد تلك العقود الطويلة من غياب المدن والفئات الوسطى والثقافة بأبسط أشكالها.
ووجود البحرين الأصغر منها قربها كان يشكلُ حالةً غريبة من التباين الواسع، فالبحرين ازدهرت إقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً وثقافياً مما شكلَّ غيرةً عميقة لدى الجارة وكذلك لعبتْ النزاعاتُ القديمة دوراً في تأجيج تلك الغيرة، ومما يُروى بأنه بعد تدفق النفط وخاصة الغاز المفجر للثروة والطموحات القطرية حاولت الإدارة القطرية تحريك الجو الثقافي الميت فبحثت عن كُتاب فلم تجد سوى واحد لكن أتضح إنه بحريني يعيش في قطر!
تدفق الثروة مع سكان قليلين محافظين لم تُترك لهم فرص في الانفتاح والتطور، وكانت الحياة التقليدية السابقة قد فرضتْ أجواءَ المحافظة الشديدة فلم يُقبل التغيير ولم توجد قوى إحتجاج أو تساؤل من فئات وسطى أو مثقفين أو متمردين!
ولهذا فإن الانقلاب على الأمير الأب وعزله ونفيه كان بمثابة مغامرة سياسية كبيرة، وكان بمثابة صدمة موجعة للتقاليد القبلية والحالة السياسية الأبوية في دول مجلس التعاون الخليجي!
هذا الزلزال الأسري لم يعبرْ عن ثورةٍ إجتماعية، ولم يكن على طريقة السلطان قابوس في التغيير التدريجي، فكان بمثابة مغامرة فردية لم تملك أية أسس حضارية وتقاليد تغيير وديمقراطية، فكانت لعبة وإستعراضاً فردياً ورغبة جامحة في الظهور ولو على حساب الأب شبه المفجوع المُطارد!
فحتى تشكيل أنساق ديمقراطية جنينية أسرية تبررُ هذا التغيير لم تحدث، وحتى الصبر على النمو الحضاري الحذر لم تحدث وجرى أول إنقلاب في الخليج من قبل الابن على الأب!
المغامرةُ التي حدثتْ وتغيرتْ فيها السلطةُ القطرية لم تأت بتحولٍ نوعي في الدولة التي تفتقدُ إلى الإمكانيات الفكرية والثقافية المهمة إلا من بعض الإبداعات الشخصية لنفر حفر بنفسه في الصخور والرمال غير الغازية بدون مساعدة من أحد!
إن الإمكانيات المادية الهائلة التي نتجت من إنتاج الغاز الذي تفجر بوفرة جعلت من الطاقم السياسي الحاكم يبحث عن طريقة للبروز في عالم الشهرة السياسية الساطعة في المنطقة!
وقد كان إنقلابه وعدم تجذره القبلي المتعقل يجعله فريسة للمغامرات وحب العروض والشهرة والسطوع في المنطقة خاصة إنه أمتلك الثروة النفطية الغازية، لكن كيف يحققُ حلمه وحالةَ الاستعراض الكبرى العربية وربما حتى الكونية وهو في صحراء مجدبة من المواهب؟ ولم يكن هناك سوى التزمت الديني السني المتشدد، ولم يوجد سوى تدخين الحشيش والمخدرات تسلية للشباب، حتى غدت حتى الدوائر الحكومية مخدرة!
وكانت جماعة الأخوان المسلمين هي الوحيدة المسموح لها بالتنفس في ذلك الجو الاجتماعي الخانق التي تزيدُ السيطرةَ عليه وتبررُ بلادته ومحرماته الكثيرة.
القبائل الوهابية من جهة والإنقلابيون الحكام المبهورون بذواتهم المتضخمة المنفوخة بغازات نفطية ملأت بشوتهم التي كانت قبل فترة وجيزة مليئة بأتربة الصحراء، إلى درجة البالونات والمناطيد الهائلة التي إرتفعت فوق شبه الجزيرة القطرية ثم فوق المنطقة!
جسمان متعارضان كل منهما لا يتماشى مع الآخر فظلا يعيشان كل منهما في عالم!
فكان لا بد من إستمرار تخدير القبائل بالمنح المالية والبيوت الواسعة والسيارات التي كلها زادتها جدباً في الإنتاج الثقافي!
لكن لا بد من الظهور للإدارة ذات العروض، فلم تقبل تتحول من مثل بعض الدول الخليج التي ركزت على التطوير الثقافي أو التركيز على السياسة والثقافة وتقدم الشعب التدريجي،
فغدت الحالة القطرية حالة فصام بين إدارة تعيش في فضاء، وشعب يعيش في فضاء آخر.
عنصرا الـــ(show) والأخوان المسلمين كيف يلتحمان مع بعض؟
كيف تلتحم لحيةٌ كثةٌ ونصوصيةٌ تقليدية محنطةٌ في عروض تلفزيونية حديثة ومع نسوة متبرجات مغريات لزوم الأغراء في العروض المشوقة؟!
كان عنصر التركيب؛ عنصر لحم هذين المركبين المختلفين، هو في عنصرٍ ثالث هو عنصر الأمبريالية الثقافية البريطانية ذات التاريخ الطويل في العروض الإذاعية والتلفزيونية، (الموضوعية شكلاً المؤدلجة مضموناً) والتي لديها خبرة في كيفية صياغة الخداع والأكاذيب وأنصاف الحقائق، وإعداد المواد حسب سياسة المسيطر السياسي.
إذن كل شيء سوف يخضع لعنصر العرض المبهر المشوق وإستغلال المادة الخبرية حسب المنظور الإيديولوجي للمرحلة المحافظة الأخوانية وجذب الناس إليها عبر تطعيم بعض الحقائق بذلك العرض المؤدلج الخاص، الذي يبث الوعي المحافظ الديني اليميني ويحقق العلو لإدارة البلد ويدخلها في السياسة المناطقية والعربية والعالمية، بدون أن تحتاج لشعب متطور ومثقفين كبار، فالمذيعون والفنيون كثيرون يمكن جلبهم عبر نفس الشبكات الأخوانية والإعلامية الجاسوسية البريطانية والعربية.
قامت الأسرةُ الحاكمةُ في قطر بإنقلابها على الأبِ المؤسس بإلغاء أبسط العادات الإسلامية حيث ينصُ القرآنُ على توقير الأب والأم وعدم قول الأف لهما، وهذا يعني إعتماد الإصلاح المتدرج وتطوير الحياةِ الأسرية والأوطان بشكلٍ عقلاني.
فبعد طعن الأسرة يحلُ كلُ شيء، وتُستباح المحرمات، وتتحللُ الجماعةُ المغامرةُ من الأخلاق، وتبيحُ أي شيء من مغامرات سياسية ومن تلاعب بالأموال العامة وتُدخلُ دولَ الخليج في علاقاتٍ خطرة مع أنظمةٍ وجماعات شمولية إرهابية، وتصيرُ مصلحةُ هذه الجماعة فوق أي عرف وأخلاق وأسس عقلانية وديمقراطية!
وحين تعلمنا المحطةُ بأخلاقِ الإسلام كل يوم يجب أن تعلمَ نفسَها أولاً وتعلمَ الأسرةَ الحاكمة فيها التي إستباحتْ كلَ شيء! أما الساكتون من (علماء الإسلام) على ذلك فهؤلاء من نفس العينة فهم خدم السلاطين المراهقين هذه المرة.
إذن تأسست قناةُ الجزيرة على أسسٍ إيديولوجية إنتهازية مائعة مع غياب نظرة ديمقراطية نابعة من القوى المحلية الوطنية، مثل طبيعة السلطة التي تكونت في قطر حيث الفردية، غير المتجذرة في نمو حضاري ديمقراطي نابع من فئات عليا وسطى تنامت في المجتمع وفرضت مقاييسها التحديثية.
أي أن ظهورها كنخبة فردية متحللة من قوى تقليدية مؤثرة أو شعبية أتاح لها أن تتحرك وسط خيارات دينية محافظة وقومية مضمرة بشكل إنتهازي مغامر قوي، فغدا صعودها بأي طريقة متحللة من الأخلاق والمبادئ ومدعية بها كذلك!
هي ثوريةٌ كاذبةٌ لكن تحاول لصق نفسها بالثورية دون أن تنجح في ذلك للأسباب الموضوعية المذكورة سابقاً، نظراً للمنحى الديني المحافظ القائم على سلطة قبلية سيطرت على موارد دولة غنية بالنفط والغاز، وتحكمت في كيفية توزيع هذه الثروة، دون أن تدخل نفسها في تحويل بلدان الخليج العربية بشكل تنموي نهضوي وديمقراطي مشترك.
من هنا تتشكل سياسة العروض والرغبة في الإبهار ومتابعة الأحداث الساخنة دون موقف نضالي حقيقي، مثل إستخدام الأسماء الكبيرة في الفقه والصحافة القومية، فالنجومية ضرورية وهي تعني القدرة البترولية الغازية على شراءِ الذممِ والأسماء وأدلجتها لصالحِ سياسة العروض.
إن الارتكاز على شخصيتين مثل الشيخ يوسف القرضاوي والأستاذ محمد حسنين هيكل، هو شكلٌ لتلك العروضية المؤدلجة الإبهارية دون مضمون كفاحي حقيقي.
فهو إستخدام لشخصياتٍ توقفتْ عن الحفر الديمقراطي الحديث سواءً في الإسلام أو في القومية العربية، فالشيخ القرضاوي يقدمُ آراءً فقيهةً جزئيةً مطلية ببعض الحداثة، لا تجعله مجدداً وذا حَفرٍ عميق في الفقه والتراث الإسلاميين، فهو يكرسُ المذهبيةَ السنية المحافظة، مرتداً حتى عن مؤسسي التنوير الإسلامي كالأفغاني ومحمد عبده، وليست له علاقة بالتجديدات الجارية بقوة في عمليات التجديد في الوعي الإسلامي، يشتغل مثل المحطة لتصعيد قوى الأخوان والشركات المالية الدينية للهيمنة على العالم العربي.
لقد تخثرَ فقيهاً ونظرياً، وهو ما يؤسسهُ عيشهُ في بلدٍ محافظ كقطر، مؤسس لوعي أخواني تقليدي يتحرك للسيطرة على العالم العربي، فلم يعارك حتى التحولات الفكرية والاجتماعية في مصر منبع هذا الشكل الوسطى المتذبذب من الوعي المذهبي المرتبط بفقهِ الإقطاع، وليس بفقهِ الثورةِ الإسلامية المؤسِّسة.
وهذا بسبب العمل مع دولة إقطاعية المضمون مشكلةً لرأسماليةِ دولةٍ شمولية مستغلةٍ لثروة ضخمة بشكل إستبدادي وربطت نفسها بسياسة المغامرات للدول الشمولية والجماعات الأرهابية .
فهنا تتحول التجديدات الثانوية الفقهية للشيخ إلى عرقلة لتطور المسلمين المحتاجين لثورة فكرية ديمقراطية تنأى بالاستخدام المذهبي الذكوري المتسلط للدين، وتخلق مقاربة بينهم وبين الرأسمالية الديمقراطية العالمية في أقل إحتمالاتها الممكنة في المنطقة الخليجية العربية وتعمل على توجيه الثروة والثورة للتغيير العربي الإسلامي التوحيدي. وهذا ما يفعله راهناً بدعوة الناخبين في مصر(يوم21 نوفمبر 2011) بعدم إنتخاب من يشرب الخمرة لأنه فاسق حسب رأيه وهو حكمٌ خطيرٌ يتناقضُ مع قوله بضرورة إنتخاب الأكفأ، وهل يؤدي شرب البيرة إلى تعطيل العقل والفساد السياسي كما تفعل أنت في عاصمة المغامرة؟ ألا يعطل عقلك الديني ما تأخذهُ من أسرةٍ حاكمةٍ لها هذا التاريخ غير المشرف المغامر الخطير على نضال المسلمين ووحدتهم؟!
هذا نموذجٌ لرفعِ الحكم الفقهي الشكلي إلى مصافِ القانون المقدس، وترك التوجيه المقدس في القرآن عن العائلة!
إن تغييبَ الشيخ للمنحى الثوري التأسيسي في الإسلام هو مواكبةٌ إيديولوجيةٌ للإقطاع الحاكم في قطر، مثله مثل تغييب هيكل لمنحى التجديدات الديمقراطية في القومية، فهو قد قام بتحويل عمل المناضل الرئيس جمال عبدالناصر إلى أسطورة أخرى مثلما عمل القرضاوي بتحويلِ الثورة المحمدية إلى أسطورةٍ وهي حراكٌ تاريخي محددٌ له جوانبه الايجابية والسلبية، بدلاً من أن يقوما بدرسِ أسبابِ الثورتين الاجتماعية وصراع الطبقات فيهما، بتجمدِ الديمقراطية في الثورة الأولى وتحولها إلى إقطاع سياسي، وعجز الناصرية عن التحولِ إلى الديمقراطية نظراً لهيمنة رأسمالية الدولة الشمولية مثل الحالة في قطر التي تخلقُ ثورةً زائفةً باسم الثورة الحقيقية التي ترفض الولوج في أولياتها وتترك مراقبة الثروة للشعب عبر برلمانٍ منتخبٍ بل تقوم بتوزع الثروة على الإعلاميين المُضِّللين وفئات النفاق والاستغلال المختلفة.
إن خطابات الضيفين الدائمين على الجزيرة الفضائية السَابقي الذكر نموذجين لتجميد الأفكار الثرة للإسلام والقومية وتحنيطها في أشكالٍ متيبسة، لا تقتحمُ الواقعَ، أو الأوضاع العربية المتفجرة، فتضيئها، وترشد خطواتها وتخلق عقلانية في نضالها، بل تقدم فقهاً ووعياً لما يشتيه السلطانُ الشمولي العابثُ بالأموال العامة ومصير العرب والمسلمين!
ومن هنا فتاريخ القرضاوي الأخواني المضاد للناصرية، وتاريخ هيكل المضاد للأخوان، يمكن أن يتلقيا في برامج منفصلة، وكل منهما يبثُ خطابَه بدون إغتناء مشترك، وبدون تجاوز لخطابات شمولية غدت متحجرةً متصحرةً، في عالمٍ يغلي بالتحولات، لأنهما تيبسا عن المضامين الحية للواقع المضاد للعالم الإقطاعي المحافظ المؤسَّس في الإسلام والمؤسَّس في القومية العسكرية الشمولية معاً!
نحن نأخذُ الشيخَ والأستاذَ في التلفزةِ المؤدلجةِ الجزيرية، كجزءٍ من عروضٍ واسعة، يُقصد بها جذب المشاهد والتعكز على الأسماء ثم تسريب مضامين سياسية عبر موادٍ أخرى مضللةٍ هادفةٍ لترسيخ وعي معين، ونشر سياسات خطيرة مضادة لتطور الأمة العربية والمسلمين، علينا متابعة ظهوره وتشكله.
نظراً للخطِ السطحي المذهبي السياسي اليميني الذي نشأتْ به فضائيةُ الجزيرة فإن الموادَ الطافحةَ المثيرة التي ظهرتْ في السنوات الأولى لعمرِها كانت القاعدة وبن لادن وصدام حسين وغزو العراق وغيرها من المواد التي هي بذاتها عروض.
زمنية بن لادن تحدد المنحى الأولي للجزيرة وطاقمها ومستواهم الإعلامي وقدرتهم الفكرية.
إن زمنيةَ صعود بن لادن تتماشى مع الوهابية العريقة في السعودية وقطر، فهي الشكل الجامد الإقطاعي البدوي للاختلاف مع البشر ومع المسلمين أو ضدهم.
هي المعاندة الطفولية للاستعمار، الناتجة من تغلغل الحنبلية في الجزيرة العربية وزيادة جمودها وتصحرها، وتحولها لعصابات ذبح وسرقة وإعتقال للمسلمين في أزمنةٍ سابقة، ثم تدفقت الثروةُ على بعضِ أصحابِها فحولوا الثروة لثورة إرهاب أو عروض إعلامية مبهرة زائفة تشترك في ذبح البشر أو السكوت على إيديولوجية الذبح!
إلتقاء الشكلين من العروض السياسية والإعلامية والإرهابية هو نتاجٌ لذاتِ المذهبية الشكلانية إسلامياً، التي تتحولُ في يد شيوخِ سلطةٍ وشيوخِ دينٍ إلى دكتاتورية سياسية سلمية أو عنيفة، كلٌ في موقعه!
الجانبان هنا يأخذان المذهبَ المحافظ وقد تحول إلى هيمنة طبقية إستغلالية غير ديمقراطية وينتقيان ما شاء لهما الهوى السياسي، أحدهم يحولهُ إلى هجوم بالطائرات على البرجين والثاني يعرض ويبهرُ بهذا الأجرام وينشرهُ في كل مكان!
لم يقم الطاقمُ الإعلامي بدرسٍ مسبقٍ طويل للظاهرات الاجتماعية والسياسية في الإسلام المعاصر، خاصة تاريخ الحنبلية وعلاقاتها بالوهابية، وكيف جاءت وكيف حدث التجميد لتطور الإسلام في العصر الوسيط ولتطور القبائل في الجزيرة العربية وأين ذهبت مداخيل النفط عن تغيير الحياة التقليدية العنفية لهؤلاء!
ولهذا يعمم هذه الصورة الإرهابية الدموية للإسلام كصورة بطولية!
إن الوعي الأخواني المشكل بتسطحٍ لرؤيةِ الإسلام بعينٍ يمينية إستغلالية إنتهازية كليلة النظر سوف يفصل بين ظاهرة بن لادن والواقع المحافظ للجزيرة العربية وأنظمتها الاقطاعية المسيطرة على الثروة النفطية وبين المغامرات الإرهابية لبن لادن.
وسيكون لقاء بن لادن المقاول الاقتصادي النفطي والظواهري المتعلم المصري غير مدروس كلقاء فئات إستغلالية ثرية في الجزيرة العربية للمثقفين والمتعلمين الدينيين والسياسيين العرب وإستخدامهم للأدلجة العصابية المذهبية والقومية، في مرحلةِ التأسيس للخطاب الأخواني بشكله الدموي حينذاك وللخطاب القومي المتجمد بشكله المستمر.
إن المقدم المنبهر بعروضه والقادم من الأخوانية الفلسطينية أو المصرية هو نفسه يدخلُ حمامَ الدم كجزء من نضال قوي، نافخاً في شخصية بن لادن محولاً إياه لبطل خارق، ورمز إسلامي، ويستحيل عليه تقديم قراءات عقلانية لمثل هذه الظواهر، ويتابع كمؤلفِ أرسين لوبين الأحداثَ البوليسية السياسية مفصولة عن المذابح وحمامات الدم التي تجري للبشر، ومن هنا تغدو هروبية بن لادن وإختفائه في إفغانستان واللجؤ إلى الكهوف لا تثير فيه أي شيء من تاريخ الفرق الدينية الإرهابية كالخوارج التي نبذت المدنيةَ والسلم والديمقراطية والحضارة، فلا يستطيع أن يفهم هذا كتحللٍ لجماعات دينية خرجت من الحياة المدنية الحديثة، ومن الطبيعة البشرية، لعالم الحيوان، بل يعرض ذلك كبطولاتٍ ويتابعها في جبال قندهار ورسائل بن لادن المفخخة للبشرية، مشدوهاً مذهولاً(لعظمة هذه البطولات)!
إن الأخواني وقد أُلتقط من حارات مصر الفقيرة أو من غزة يتم ذلك بمستويات عدة لابناء الفئات الوسطى المتجمدة فكرياً وسياسياً، فيتم إغراقه في غاز قطر، وسواء كان ذلك على مستوى شيخ هام كالقرضاوي أو على مستوى كاتب كبير كهيكل أو كمذيع مثل أحمد منصور، أو مثل الظواهري الذي يُحال على الخدمة الحربية في إفغانستان، هم أفراد من فئات وسطى تاهت عن طبقتها البرجوازية، التي لم تستطع أن تقوم بمهمتها النضالية الديمقراطية في بلدها وتؤسس الحداثة، تحليلاً للإسلام بتوجيهه نحو الديمقراطية، أو بتعرية القومية كدكتاتورية، أو كنقدٍ ضد ذروة التدهور عبر الظواهري الذي يصير إرهابياً وخارجاً كلياً من المدنية.
إن الجزيرةَ تغرقُهم بالغازِ الإعلامي المالي، لإنتاجٍ خطابات متطرفة حماسية تجذبُ وتخدعُ الجمهور، ويخطفُ الأضواءَ بطلُ المرحلة بن لادن، الممثل لعجز تلك الفئات عن النضال الديمقراطي الحاسم في بلدانهم، فيتحول على العكس إلى ضرباتٍ كارثية في بلدان العرب والمسلمين، وسلخ لشعوبهم وسرقات لثرواتهم البترولية!
ولكن مقدم (الشو) منبهرٌ ويحولُ هذه الكوارثَ إلى عروضٍ جديدة!
إن المضمون المفقود هو جزءٌ من وعي المسئولين القطريين العاجز عن فهم الديمقراطية وعن تصعيد فئات وسطى متحضرة في بلدهم، فلا يستطيع أن يعرض بالنقد الإعلامي وبالشرح الفكري هذه الظواهر المتداخلة وأسبابها العميقة، ولهذا يظهر بن لادن في الجزيرة كبطلٍ عالمي وليس كظاهرةٍ تدميرية!
تزدادُ العروض الأمريكية في منطقة العالم العربي الإسلامي المتداخلة، وهو ما يؤسسُ مواسمَ طافحةً بالنشاط الدموي أو بالإعلام الجزيري المخضب كذلك من هذه النافورات المتدفقة بالجثثِ والمدنِ المحترقة والسياراتِ المفخخة ونشر رياح الأشلاء ومن ثم الشعوب المهاجرة ومن ثم أخيراً الشعوب الثائرة!
البطل الصحراوي المطرود للكهوف يخلي المكان للبطل المدني الذي لم يتأثر بالمدنية وظل مجرماً.
صدام حسين والجزيرة الفضائية لحظة أخرى من غياب الدرس والبحث والتنوير وتسييد اللوثة القومية هذه المرة بدلاً من اللوثة الدينية، وفي اللوثتين منحى الجزيرة التسطيحي الغائر، حيث لم يقدر ضيفاهما المستمران من تحليل الإسلام أو تحليل القومية العربية وإنتاج مادة معرفية تنويرية إنسانية، فتكون مادةُ العرضِ هي ذاتها خاوية رغم الإبهار، ولكنها تجسد كذلك الإفلاس الفكري المتواري.
صدام وأمريكا، ثنائي معروض بإطلاق، مثل ثنائيات الوعي الديني القومي الشمولي، فهنا الحق وهناك الباطل، هنا النور وهناك الظلام، هنا العرب والإسلام والأخيار وهناك أمريكا والغرب والأشرار!
ورغم سحق صدام للعراق وشعبه، فهو يظل بطلاً في هذا الوعي الشمولي المسطح، ومن هنا فإن البطولات العربية الإسلامية غالباً ما تُؤخذ منتقاة من ظروفها الحقيقية وتداخلات التقدم والتخلف، ويُلغى الشريط الذي يحدد منابت رموز الدين الطبقية كقوى إستغلالية تطورية في فترة ما، ثم تتحول إلى أيقونات مقدسة تغدو أدوات للقوى الاستغلالية المتخلفة المفككة الممزقة لبلدان المسلمين والمواطنين عموماً، لكن الوعي الطائفي يُؤخذ كرأس الحربة في هذه العمليات.
إن صدام يُلحق بهذه الرمزية الدينية، فهو سوف يبني دولة عربية نهضوية كبرى ويحقق الانجازات كما فعل الأسلاف العظام! وتُستغل هنا كلمات الفتوح والعروبة والإسلام بتشنج عاطفي من أجل بلع شفرات الحلاقة المسمومة التي سوف تُدس في حناجر الناس.
في وعي محمد حسنين هيكل الشمولي يغدو الزعيمُ بؤرةً مركزيةً تقوم بلعب دور التحويل ولهذا فإن صدام العراق في تلك اللحظة المأساوية الكارثية في مسلسل الحقيقة يغدو قائد التصدي لأمريكا قائدة سحق العرب وتقزيم تطورهم القومي التوحدي، ولهذا فهو رغم مذابحه رجل المرحلة الذي لا يوجد رجل آخر مكانه يقوم بهذه المهام الجسام!
هنا تظهر وتتوالى العروضُ الفنيةُ المؤدلجةُ المتممة لهذا الهراء الفكري، فالزعيم يسبحُ في النهر بطلاً وينشرُ جيوشه ويطلق الصواريخ ويجتمع بالساسة وعلماء الدين والأدباء والمثقفين وكلهم يثني على دوره الخلاق التاريخي!
اللحظتان المؤدلجتان الفارغتان من أي وعي عربي إنساني ديمقراطي، وهما لحظة تأييد الدكتاتور، ولحظة التخلي عنه، تظهران تجاه القاعدة وبن لادن، وتجاه صدام حسين معاً.
الوجهان يعبران عن عدم الحفر الموضوعي في المادة السياسية، ففي اللحظة الأولى يتم التهويل للرمز الفردي، وربطه بمقدسات وعظمة الأمة التي هي بلا مراحل ولا طبقات، مجردة معممة متجوهرة حسب إيديولوجية الفئة الطائفية اليمينية صاحبة الرأسمال العولمي الطفيلي أي غير الصناعي والمنتج، فهنا الزعيم الطائفي الذي قاد بعض جماعاتها للكهوف والتخلف والهجمات الأجرامية الاستفزازية، أو الزعيم (القومي) الذي ذبح شعبه وتلاعب بتاريخه وسلمه جثة محروقة للغرب، يغدو رمزاً للأمة وإرادتها، وهي عملية نفخ سياسية دعائية لتحريك الجماعات المؤمنة بهذا الخط وغرزه في الجمهور وإستغلال عواطفه وربطه بهذه الجماعات لعملياتٍ سياسية راهنة وقادمة.
تصير العمليات التي تخرج من فضائية الجزيرة والعمليات التي تخرج من القاعدة الأمريكية الكبرى قرب الجزيرة في قطر نفسها، شكلين لفعلٍ واحد هو تزييف وعي الشعوب العربية والسيطرة عليها وتفتيتها طائفياً.
الغزو للعراق الذي تم بأدوات وعي أمبريالية أمريكية والذي كرسه النظام الدكتاتوري السابق المحبوب للجزيرة في اللحظة الأولى المدحية، تم هذا الغزو لتفكيك العراق وتصعيد القوى المحافظة الطائفية، ولم يشتغل على تكوين برجوازية نهضوية وطنية قائدة في أقل الخيارات المعقولة، وهذا الاشتغال الأمريكي حرباً تلاقى مع إشتغال الجزيرة دعاية وتضليلاً للعراقيين وبقية العرب.
مثلما لعب ذات الفعل على شخصية بن لادن وإفغانستان تضليلاً ثم تفكيكاً للمجتمع الإفغاني وتحطيم بنيته عبر خلق الصدامات بين القومية المذهبية البشتون وبقية القوميات، بين طالبان والحكومة (المركزية).
ومن هنا فإن الإيديولوجية السائدة تحريضاً في الجزيرة وهي الإدعاءات الثورية، هي مجرد لحظة أولى، تُعمم وترمز وتُجرد بدون تحليلات ملموسة معمقة للبُنى الاجتماعية المرصودة، وبدون إحداث مناقشات ديمقراطية حولها من أجل رؤية الطرق بتحولها الديمقراطي، وبتجميع كافة القوى الاجتماعية والتيارات على حلول توحيدية تطويرية.
وكان السودان نموذجاً آخر لهذا التصعيد الثوري الديني الزائف ثم تم عبره هدم السودان التدريجي عبر الانفصالات والحروب الأهلية.
ولهذا فإن لغة الطبول والاستعراض والمصادمات والتعريض والإدعاءات تستهدف تفجير العواطف وخلق حالات من الإثارة وعدم إعمال العقول وعدم تقارب القوى السياسية العربية الديمقراطية والتقدمية والدينية، ومن أجل نشر التنوير والديمقراطية الوطنية وبقاء الاستقلال.
وكذلك فإن صرف الأموال الهائلة على هذه العمليات الدعائية والسياسية يستهدف تصعيد هذه القوى الطائفية والرأسماليات الطفيلية وقوى الإقطاع الديني، وتوسيع نفوذ المؤسسات المالية القطرية والغربية وهدم القطاعات العامة المنتجة.
بين تأييد وشحن الجمهور العربي والمسلم بفظائع بن لادن وصدام حسين، وبين الترويجِ للثوراتِ العربية خيوطٌ مشركةٌ ولغةٌ إيديولوجية يمينية إنتهازية واحدة.
من يروج لذبح العرب والمسلمين وجرهم لمغامراتٍ خطيرة إجرامية وأنظمة إستبدادية وظلامية لا يمكن أن ينقلبُ بين برنامج وآخر إلى ديمقراطي وثوري!
إن اللغةَ السطحيةَ الراكبةَ فوق الموجات السياسية الطافحة وإستغلال عواطف الجماهير العفوية وتوجيه الأحداث لأغراضٍ ليست من جوهرها النضالي الديمقراطي وحرفها لغاياتٍ أخرى هي غايات القوى الطائفية اليمينية وإقتصاد الشركات المالية القطرية وعملائها، وسائلٌ هي ذات جوهر لم يتغير ولكن تغيرت المنطقة والمرحلة والظروف.
إن من روّجَ للقتلة في الجزيرة وللدكتاتوريين السفاحين هو ذاته من يروج للمناضلين من أجل الديمقراطية!
فلم تحدث أية مراكمات في الوعي ولم تطرح الجزيرة نقداً لظلاميتها ومواكباتها للفاشيتين الدينية والقومية، وبقى منهج الاستغلال النفعي، وركوب الموجات، وفصل الظواهر عن بعضها وعدم درس جذورِها وإستغلال المشاهدين والمشاركين في الأحداث، لتوجيه الأمور لغايات التنظيمات الطائفية.
لا علاقة للجزيرة والرأسمال الإقطاعي الغازي القطري بصراعات البُنى العربية والإسلامية حيث غرقت الرأسمالياتُ الحكومية بمصر وتونس وليبيا وسوريا والعراق والجزائر واليمن والبحرين وإيران وغيرها من البلدان العربية والإسلامية في أزمات إجتماعية عميقة، وغدا صعود الرأسماليات الخاصة التحديثية الديمقراطية وقوى العمال مسألة ملحة لإعادة تجديد البنى المسدودة الآفاق.
هي أزماتٌ بنيويةٌ تطالُ أشكالَ الرأسماليات الحكومية والرأسماليات الخاصة كذلك، لكنها تتمركز وتتعقد في هذا الشكل المتخلف من الرأسمالية في العالم الثالث نظراً لاحتكار السلطات وتجميد هياكل الإنتاج وإبقاء قطاعات سكانية كبيرة كالنساء والفلاحين والفئات الهامشية خارج الإنتاج الحديث.
ومثلما يحدث في إيران عبر تصدير أزمتها إلى الخارج تقوم قطر بذات الأمر، عبر تصدير أزمتها للخارج، وهي أزمة مختلفة عن إيران وبقية الدول، فهنا أزمة قيادة تبحث عن دور نجومي لا تقوم به في بلدها، ولديها تراكمات من فوائض نفطية تريد تحريكها في المنطقة والعالم، وشراء شركات حكومية وخاصة في الدول العربية والأوربية.
إنها أزمة المراهقة السياسية وهي تتجلى في الأسرة الحاكمة أولاً بالقفز على الشرعية، والقفز على دول الخليج المحافظة التي تتطور بشكل بطيء ومتدرج وهي لا تختلف عن نموذج الرأسماليات الحكومية الجامدة والفاسدة نفسه، ومن هنا تنفتح علاقات المغامرة لبعض أفراد الأسرة الحاكمة القطرية على كافة الصعد، بقيام علاقات مع دولٍ مغامرة وإحتلالٍ كإسرائيل وإيران.
فهي سياسةٌ لا ترتكزُ على قوى تحديثية وطنية، بل تهمش حتى الشخصيات الثقافية النادرة في قطر، ومن هنا فإنها لم تستطع أن تقدم نموذجاً ديمقراطياً داخلياً بالسماح بنمو فئات حرة لكون هذه القوى سوف تحد من التفرد المطلق للشخوص القليلة المتفردة في الأسرة الحاكمة.
ولهذا فإن النموذج المغامر يعرض الشعب القطري نفسه للعزلة عن محيطه والتضاد معه، كخفوت المشروعات المشتركة، ولا تختلف ظروف القطريين عن الليبييين في نظام المقبور القذافي، ولا تمتاز البنية الاقتصادية والسكانية والخدماتية بمميزات متفوقة بأي شكل من الأشكال، في دولة خصصت نفسها للعروض السياسية الرياضية، كإحتضان كأس العالم مع دفع الرشاوي الطائلة في ذلك.
ومن هنا تتجاهل القناةُ بشكلٍ فظٍ مشكلات الشعب القطري وكأنها تبثُ من مكانٍ آخر، كما ترفض الاستعانة بالمثقفين القطريين الشباب الواعدين في هذه الفترة، فتعيش قطر حالة ليبية مشابهة لزمنية العقيد المغرور، وثلته هي نفسها هنا، لكن بدون دم ومجازر هنا إلى حين.
ولهذا فإن الطبيعة المغامرة لسياسة القناة تنتقلُ للمناخ المحلي وتسممهُ، وتحرضُ القطريين بشكلٍ غيرِ مباشر على القيام بمغامرات ضد دولتهم وإستقرارها عبر نشرها مثل هذه الثقافة الخطيرة من جهة وإحتقار الشعب من جهة أخرى!
لهذا نجد عدم الاستعانة بمقدمين محليين، وجلبهم من الخارج من دول عدة، وغالباً ما يتم ذلك بوسائل سياسية خاصة.
ولهذا فالمحطة تخلق إضطرابات كامنة على الصعيد الوطني، كما تنقل مغامراتها للخارج بقصد الصعود في أية أحداث كبرى في المنطقة العربية.
فإذا كانت الدولة التي تنبثق منها هي كذلك رأسمالية حكومية شمولية، ميزتها إمتلاك وفرة من الفائض النقدي، فإنها لا يمكن أن تكون نموذجاً جديداً لدولٍ مأزومةٍ بنفس الموديل!
ولهذا فإنها تنقلُ نموذجَها المحافظَ الطائفي الانتهازي للخارج، وتبحثُ عن نسخٍ سياسيةٍ معجونةٍ بنفسِ الأمراض الطائفية المحافظة مثلها، فتُعّضد هذه النسخ، وتستغلها في خلق مشروعات سياسية وإقصادية مشتركة، فيتوسع الموديل الطائفي اليميني الانتهازي.
ولهذا فإن الأحاديث عن الدعم المالي للأحزاب الدينية إضافة للدعم الإعلامي ليست بعيدة عن الواقع.
فنلاحظ القناة كيف ركبت ظهور الشباب الثوري المنفتح، وعضدت حركاته بشكل واسع، ومدغدغ للمشاعر النضالية وشعارات الحرية، وإستغلتهُ في عالمٍ من البراءة والسذاجة السياسية والتضحية، ثم ساهمت في دعم جماعات الطائفية المتخلفة وعياً سياسياً وإسلاماً، من أجل تصعيد النسخ البدوية الإقطاعية الجزيرية في دولٍ كمصر وتونس وسوريا واليمن والجزائر والمغرب، وقد حدثَ تغلغلٌ كثيفٌ سابق أوتى ثماره المرة على هذه الشعوب.
ومن هنا فإن الرأسماليات الموعودة بها هذه الدول لا تبتعد عن النموذج الأصلي الطفيلي، أي الذي يركز على العمليات المالية والعقارية وشراء حطام القطاعات العامة التي ناضلت من أجل قيامها ووجودها الطبقات العاملة العربية، ولهذا يجب التحذير والنضال ضد خراب هذه الدول العربية التي سُرقتْ ثوراتُها بسبب الأحزاب الطائفية والدعاية الفضائية وخاصة من لدن الجزيرة، لتحطم صناعاتها وزراعاتها وتحقق هجرات عمالها عبر تصعيد مثل هذه الموديلات التي خربتْ بلدانَها أولاً وأضاعت ثرواتها الهائلة على سباق الهجن والسيارات وناطحات السحاب وأزالت الحرفَ والزراعة وجلبت عمالة هائلة بأجور متدنية وأستغلتها في الأعمال غير الإنتاجية بشكل أساسي ولتقزم شعوبها وتبقيها على البداوة وكره العمل اليدوي ولم تنشىء الصناعات المتقدمة ولم تدخل هذه البلدان الثورةَ العلمية التقنية رغم هذه الوفرة.
إنها رسملةٌ جارية مع وعيٍّ محافظ معادٍ للحريات النسائية وتحرر الفلاحين وحريات الثقافة والعقول وللانتاج المتطور ولإبقاء البداوة وعالم الإقطاع، ويريدُ خداعنا بألفاظ ثورية زائفة.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي ⇦ http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=290773&r=0
ابن خلدون: العصبيةُ والعمرانُ
(ذلك لأن الدولة هي السوق الأعظم للعالم ومنه مادة العمران فإذا أحتجز السلطانُ الأموالَ والجبايات أو فُقدت فلم يصرفها قلّ حينئذٍ ما بأيدي الحاشية وانقطع أيضاً ما كان يصل منهم لحاشيتهم وذويهم وقلت نفاقاتهم جملة وهم معظم السواد ونفقاتهم أكثر مادة للأسواق من سواهم فيقع الكساد حينئذٍ في الأسواق وضعف الأرباح في المتاجر لقلة الأموال فيقل الخراجُ لذلك)، مقدمة ابن خلدون، جزء 2، ص 92.
يصور ابنُ خلدون هنا حركةً داخلية للسوق المركزية حيث تتحكم الأموالُ الحكومية في الاقتصاد العام، وهي حركة داخلية جزئية وكأنها هي السبب الرئيسي لبناء الاقتصاد في حين أنها هي التي تعتمدُ على مدخول الخراج، الذي عن طريق جلبه من الأرياف والبوادي والأمصار تتشكل الماليةُ العامة.
لكن تلك الحركة الجزئية وهي سيطرةُ السلطانِ على السوق والمال العام تغدو حركة مؤثرة هامة على مجمل الوضع الاقتصادي.
فعلى حسب إنفاق الدولة تتشكل الفئات الاجتماعية وتتحرك الأرزاق، ويزدهر السوق.
وهو ازدهار مؤقت قائم على مدى جلب الخراج الذي تسيطر عليه العُصبةُ القبلية، ويحدد تاريخ العُصبة وتماسكها مدى إستمرار هذه الطريقة الانتاجية التوزيعية.
فهذه العصبة القبلية أو الدينية تمكنت لقدرتها العسكرية وتماسكها العشائري من التغلغل في الأمصار وفرض سيطرتها، وتجعل من جماعتها المتوحِّدة قوى عسكرية وسياسية وإدارية وإعلامية وتضم قوى أخرى للمهمات الثانوية وهي كلها تتغذى على التماسك القَبلي وتوزيع الأموال والجبايات، وكلا الأمرين يشكلان أساسا الوجود السياسي الاقتصادي، ولكن توزيع الأموال يتم عبر خروجه من المصب السلطاني، فهو الذي يتحكم في تدفقه، كما يتحكم في تشكيل الفئات الاجتماعية المستفيدة والمتضررة.
هذا الرسم للخريطة الاجتماعيية السياسية يتشكل في فضاء العصر الإقطاعي، ويحدث تناقضاً بين التملك السلطاني والتجارة الحرة، فتغدو مؤسسات التجارة والحِرف والنقود مشكلة سياسياً، فهي ملجومة باللجام السلطاني الأعلى مُطلقةٌ حسب شده ومده، وتغدو البنية الاقتصادية مسيطر عليها غير حرة، متماسكة حسب قدرة العُصبة القبلية أو الدينية على التماسك الداخلي، وهي متماسكة حسب فيض النقد الذهبي المتدفق من الأعلى، ولهذا فإن تماسكها يؤدي لقوة السوق وازدهاره، ولهذا فإنه ثمة علاقة إجابية بين العصبة والعمران، فالحراك العربي التحولي النهضوي يعتمد على مجيء عصبة ذات مشروع إقتصادي، وتتسطيع قوتها القتالتية أن تؤسس مدنية وأسواقاً، وحين تنهار العصبة لخلافات داخلية أو لضربات خارجية فإن السوق ينهار. لكن المدينة لا تنهار حسب تاريخها، فثمة مدنٌ تاريخية لا يضعفها زوالُ حكم ما، فيما أخرى مرتبطة بذلك نظراً لضعفها العمراني وهامشيتها.
التناقض بين السياسة والاقتصاد، بين هيمنة مجموعة سياسية إدارية على السلع والحرف، يجعل التطور الاقتصادي رهن للصرف البذخي من قبل فئات الحكم وأنصارهم والمستفيدين من السوق، فالسلع المعمرة الثمينة هي التي تشترى من قبل العضبة وفئاتها، فيما يعيش الناس على المواد الاستهلاكية ولكن حسب التطور ومدى نمو الاقتصاد وزوال المركزية السياسية العليا وظهور مراكز إنتاج متعددة تغذي الأسواق.
لكن نمط العُصبة لا بد أن يخلق إقتصاداً مركزياً إدارياً ملجوماً، لا يتيح تعدد المراكز الانتاجية، وتنوع القوى الاجتماعية السياسية. بل وهو يخلق مركزية إدارية حادة في الخريطة الاجتماعية، بحيث يغدو الجيش هو الأداة الأساسية لها.
هذا لا يجعل كل التجار مشاركين في منافع السوق، فهناك تجار يعيشون على حركة السوق العادية، وآخرون على حركة السوق السياسية. فالعلاقات مع العصبة تؤدي لازدهار أعمالهم، فيما آخرون يخسرون نظراً لفقدانها.
وتحدد العلاقات الاجتماعية التاريخية هذه التحولات، فالسببيات الميكانيكية غير موجودة فثمة مدن لها تاريخ إنتاجي حر جزئي قوي، كما في تونس والقاهرة واليمن، وتمكنت رغم تغير الدول من البقاء، لكنها تظل على هامش الاقتصاد الاقطاعي، لا تستطيع تغييره ولا تنهار من تحولاته.
وإذ يتمكن النظامُ التقليدي من لجم حركة الرساميل وعدم جعلها تخترق بنيته وتحويله لاقتصاد حر، فهو يجمدها تاريخياً، وإنتاجياً وعلمياً، فكافة الظاهرات المصاحبة من علوم وفلسفات وتطورات إنتاجية وإقتصادية ترتبط بكيس الانفاق الحكومي.
وإذا كان ذلك يرتبط في الاقتصاد الزراعي القديم على الأرض وإنتاجها وأحجام القوى العاملة ومدى الخراج المُنتزع من حاجاتها، فإنه يعيش حالات تذبذب حسب ظروف المناخ وهروب القوى العاملة وأسعار المحاصيل، ويعيش حالات إنهيار مع تفاقم القوى السكانية وإشتداد الفقر وتكدس المال العام في جهات معينة، وهذه الظروف القديمة قد تنقل للعالم الحديث مع عدم تغير الأساس الاقتصادي الاجتماعي للدول، وإستمرارها في إقتصاد العصبة والعمران.
يؤدي حكمُ العُصبة القبلية أو الدينية إلى إنهيار واسع في العلاقات البضاعية، فبدلاً من أن تتصاعد العلاقات السلعية نحو تكون الرساميل وتبدل قوى الانتاج يحدث العكس وتتدهور العلاقات الاقتصادية الاجتماعية بشكل شامل.
(فهو يقول- أي ابن خلدون- إن الناس ذوي المكان الاجتماعي الرفيع(الجاه) هم الأغنياء ويصبحون أغنى لأنهم قادرون على أن يحصلوا على خدمات الآخرين دون مقابل)، ابن خلدون وتاريخيته، عزيز العظمة، دار الطليعة، ص 147.
يتحول مركزُ السلطنةِ إلى أداةِ تحللٍ للعلاقات البضاعية، فرغم أنه يقومُ بنشرِ المعاملات التجارية والمالية وإفادة فئات عدةٍ لكن ذلك يتم حسب تبعيتها السياسية له، وهدرها للأموال العامة التي لا تتوجه للمشروعات كإصلاح السدود التي تغدو حيوية لمجمل البناء الاقتصادي وقتذاك، بل تتوجه الأموال للبذخ ومظهريات السلطان وتنحرفُ تدريجياً حتى عن الأسواق العامة وفائدتها.
التناقض بين العلاقات السياسية السائدة والعلاقات البضاعية الرأسمالية لا يُلحظُ إلا بشكلٍ تاريخي مديد، وحين تتضاءل الأموالُ العامة الموجهة لقوى الانتاج الزراعية لا يعد بالامكان ظهور السلع الكمالية، ثم تتأثر السلع الاستهلاكية الشعبية.
عدم تحول أشكال الوعي إلى سلع كالكتاب والشعر والقصة والفلسفة يصيبها بالعطب كذلك، رغم مكانتها الأدبية الرفيعة. إن التكسب بالثقافة يدمرها في حين إن تنامي السوق يغذيها.
(ترتفع الأسعارُ بفضل ما يفرضه الحكامُ من ضرائب، لأن الصناع والمنتجين الزراعيين يضيفون هذه الضرائب على حساب المستهلك)، المقدمة.
مع تدهور العلاقات البضاعية التاريخي تتدهور قوى الانتاج، وهذا يحدث في العصرين الوسيط الماضي والعربي الراهن، فالانتاجُ الزراعي يُصاب بأزمات مستمرة، وتتصحر الحقول، وترتفع أسعار المواد الأولية الغذائية، فيما تكون البدائلُ الانتاجية مصانع مواد أولية تابعة للعُصبة القبلية أو الدينية أو العسكرية أو الحزبية حسب التطور التاريخي، فتغدو مستبدلةً عن قوى الانتاج الزراعية والحِرفية المتدهورة، ويصيبها ما أصاب العلاقات البضاعية في الزمن العربي الوسيط.
ينعكس التدهور التاريخي على العلاقات السياسية المهيمنة التي تتعرض للتدهور هي الأخرى، فتتشكل جماعاتٌ تخرقُ خرائطَ البلدان، والأمثلة في عصر ابن خلدون هي المدن- الدول القصيرة العمر، فيما تعبر الحركات الدينية والأنظمة الشمولية عن ذات النموذج في العصر الراهن.
التحلل السياسي يقود كذلك إلى تدهور الخدمات وإنتشار الأوبئة وتصاعد الفقر وغير هذا من الظاهرات المختلفة.
إضمحلالُ الدول لا يتم بمعارك حاسمة بل عبر تدهور تدريجي تستغله القوى الصاعدة الهامشية بتثبيت أقدامها في المناطق الضعيفة التطور فتتحلل الدول.
لم تقم الدولُ والجماعات العربية والدول الاستعمارية الحاكمة في زمن ما قبل الاستقلال بتغيير علاقات الانتاج الإقطاعية الموروثة بل غيرت بعض الجوانب في قوى الانتاج والأشكال الحادة من تلك العلاقات الانتاجية كبقايا الرق والسخرة.
إستمرار العلاقات الاقطاعية أعاد البناءات القديمة فغدت العصبةُ القرابية أو السياسية أو الدينية أو العسكرية هي التي توزع الدخول، على الفئات المقربة منها، وتتم تبعية السوق لآليات عملها، الأمر الذي يعيدُ هيمنةَ السياسي البيروقراطي المضاد لتطور التسليع ويؤدي لتوقف تطور العلاقات الرأسمالية التحولية.
رغم أن العصر الحديث عرف توسعاً كبيراً للعلاقات البضاعية، وتغلغلت أشكالها المتجددة في البُنى العربية حسب تطورها التاريخي إلا أن العلاقات ما قبل الرأسمالية حدتْ ومنعتْ تطورها نحو الاكتمال البنيوي. أي أن تقوم بالقطع مع بُنى الاقطاع الموروثة.
هذا يُرى على مدى القرن العشرين حيث ضُربت العلاقات المالية الصناعية الواعدة ثم تفاقمت الأنظمة العسكرية والدينية في عمليات تآكل ضارية للتطورات الاقتصادية الحرة، ثم توسعت الأزمة في القرن الواحد والعشرين وظهر الوقوف على مفترق الطرق العالمية وتدهور الأوضاع وعجز الحلول عن فهم البُنى وسيرورات التاريخ.
العُصبة السياسية القرابية العسكرية وغيرها تجعل الانتاج تابع للقرابة أو الهيمنة الحزبية بشكل مضاد لقوانين التطور السلعي، مما يؤدي إلى تدهور مصادر الانتاج كما لاحظنا في خراج الزراعة في العصر الوسيط وخَراج المؤسسات الصناعية والمعملية في العصر الراهن، وهذا يصيب كافة العلاقات الاقتصادية بالتدهور والأزمات والشلل.
حين بدأت الدول العربية تتململ من سيطرات القوى التقليدية الكبرى خاصة السلطنة العثمانية جاءت القوى الغربية مدعيةً الحداثة وإنتاج عصر جديد.
لم تكن لبريطانيا عَصبية أو هيمنة تقليدية في المركز لكنها في سيطرتها على بعض الدول العربية كرست تلك الهيمنة عبر التعاون معها وتصعيدها.
إنها تستنهض وتعمم القوى التقليدية، لهذا فإن علاقات الانتاج الإقطاعية سيُعاد تشكيلها مع تصعيد العلاقات البضاعية الرأسمالية في جوانب معينة.
إن التكوينين التقليدي والحديث المزيف سيُربطان في بنية إجتماعية واحدة، تخضع لتطورها التاريخي، وصراعات القوى الاجتماعية داخلها وحولها.
في العراق الذي هو مثال واضح قوي على هذه العملية المركبة المتناقضة تحول المندوب السامي لسلطة مطلقة يهيمن على ما يصدر من تشريعات ويكون المَلكية التابعة، والوزارة والمؤسسة البرلمانية الذيلية له.
لقد قيل بأن العهد الجديد يهدف للخروج من هيمنة عثمانية(إقطاعية شديدة الاستبداد والتخلف والتعصب القومي والديني والطائفي، وفي مجتمع ما يزال يرزح تحت سيادة العلاقات البدوية الأبوية والإقطاعية البالية)،(فهد والحركة الوطنية العراقية: كاظم حبيب وزهدي الداوودااي، ص26، دار الكنوز).
ليست العلاقات الإقطاعية بقايا بل هي نمط إنتاج، هي علاقات مسيسة مشكلة للبنية الاجتماعية، ولهذا حين يغدو المندوب السامي مكان الخليفة العثماني أو الوالي، فإنه يواصل إنتاج البنية في ظل ظروف مختلفة.
تباين النمط مع العلاقات البضاعية الرأسمالية هو تباين غير تناحري، فالنمطُ يهيمن على تلك العلاقات بأشكالها الجديدة ويخضعها لقوانين تطوره.
ولهذا تحدث ظاهرات متناسقة، فالجيش البريطاني يهيمن ويضعف التطور العسكري الوطني، وتغدو له إمتيازات مثل القرون الوسطى، ولهذا تغدو مفردات مثل(البرلمان) والصحافة الحديثة والأحزاب على غير مسمياتها الحقيقية، ويصير النفط كثروة حديثة مثل الخراج، فهيمنة الشركات البريطانية تزحزحُ الشركات الألمانية مثلما توقف سكة الحديد وتندفع الحكومة الأمريكية هجوماً على سيطرة الأنكليز على النفط حتى تُستبدل بالشركات الألمانية.
الفوائض النقدية النفطية تتجه للغرب وتُوسع السوق العراقية الداخلية للمنتجات البريطانية، وتُرفع فئاتُ التجار المستوردة لها، وتغدو هذه الفئات هي المالكة للصحافة والممثلة في البرلمان.
فيما تُحارب المحاولات الصناعية الحرة إلا في أثناء الحرب العالمية الثانية حين تدعو الحاجة لها، وحين يتصاعد النضال من أجل التصنيع والتحرر الوطني.
كما أن الارتباط بالمركز البريطاني والمركز الأمريكي يؤدي لجلب ظاهرات مشكلات الرأسمالية وهي في بلدانها، حيث تؤدي أزمة 1929 إلى مشكلات إقتصادية وطنية كبيرة.
وفيما تنهب شركات النفط جسم الثروة الوطنية الرئيسية وتمنع حدوث التراكم الرأسمالي الوطني الانتاجي، توسع الاستهلاك البذخي، وتصعد فئات زعماء القبائل ورجال الدين، نظراً لقيامها بهدم البنية التحديثية في مجالات العلاقات الاجتماعية وأنماط الوعي، وإضعاف أشكال الفكر والفلسفة العقلانية.
تقوم السلطة المسيطرة بإعادة العلاقات الانتاجية العامة السياسية، فتخلق الكابحَ الكلي الذي يؤدي على مدى عقود التاريخ القادمة لتحجيم حتى العلاقات الرأسمالية التي تشكلت.
وهذا الكابح يتجسد في بروز قوى العشائر والقوى الدينية وصعودها في ظل سيطرة دولة حداثية كبرى، فهذه القوى التقليدية المُعطى لها فرص الانتشار وإعادة تجديد خلاياها القديمة تتوسع في المدن وتتغلغل في المؤسسات السياسية والفكرية والاجتماعية، ثم تصعد قياداتها بعد عقود كما تتوج الأمر في السيطرة الأمريكية التالية.
إن الأشكال الوطنية والنهضوية تقاوم، فتظهر برامج حكومية لتطور الصناعات ودعمها، رغم هشاشة ما يُخصص لها من أموال على مدى عقود، وأغلبها في الصناعات الخفيفة، كما أن الحكومات التالية والجمهورية تتوسع في الصناعات لكنها لا تحدث هدماً لعلاقات الانتاج البنيوية.
هكذا عمدت العصبية البريطانية وقد لبست لبوس الشرق التقليدي في إنتاج عمران ملتبس متناقض، يزدهر أغلبه في بلدها، عبر إستنزاف المواد الخام النفطية والزراعية، بينما يموج بالتناقض والحصار في البنية الوطنية المحلية، وهي بنية مماثلة للدول العربية الأخرى حسب مستويات تطورها، ولن يحدث فيها تبدل كياني ساحق.
لهذا كله تزداد العودة للوراء لأن العلاقات البضاعية لا تصل لذروتها عبر سيادة رأس المال الصناعي مع كل نتائجها التحديثية، فتغدو المراوحة التاريخية، حتى يضعف الجسم الوطني من الضربات ويتدرج في الانهيار.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: العصبيةُ والعمرانُ
الوعي التاريخي عند ابن خلدون
في التمهيد الأولى لكتابه «كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، يدعو ابن خلدون لتجاوز النظرة السردية للتاريخ العربي الإسلامي نحو نظرة تحليلية تعليلية له، فيقول: إن التاريخ: «إن هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمّى فيها الأقوال، وتُضرب الأمثال، وتطرف الأندية إذا غصها الاحتفال.. الخ».
ولكن هذا الظاهر السردي وراءه شيءٌ آخر:
«وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع، وأسبابها عميق»، إن هاتين الطريقتين تعمران عن نمو النظر التاريخي في الكتابة العربية، ولهما تاريخهما الخاص المرتبط بسيرورة الوعي والتطور الاجتماعي، ولكن ابن خلدون لا يقرأ تاريخ هذه الكتابة التاريخية على نحو تاريخي، بل على نحو ذاتى فهناك الفحول الذين كتبوا تاريخ العرب والإسلام وهناك المندسون:
«وأن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها، وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الماطل وهموا فيها أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها»..
يظهر الصنف الأول من الكتابة التاريخية أنه كتابة سردية خبرية بلا تحقيق وتتقيح، ثم ظهرت كتابة أخرى كتبها نفرٌ محدود مثل ابن إسحاق والطبري وابن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الأسدى والمسعودي وغيرهم كما يقول، ثم لا يقوم ابن خلدون بتتبع الكتابتين وسببيتيهما بل يتطرق إلى حكم عام تجاه أولئك المؤرخين:
«إلا أن الكافة اختصتهم بقبول أخبارهم، واقتفاء سننهم في التصنيف وإتباع آثارهم» وبهذا فإن ابن خلدون لم يقم بغربلة هاتين المدرستين، وتحولت المدرسة الأخيرة إلى كل عام، لم يُدرس للوصول إلى كيفية كتابة التاريخي بشكلٍ موضوعي.
وعبر هذه القفزات بين شكلين من الوعي التاريخي ومن ثم عبر تعمعم الشكل الأخير الذي يقول عنه إنه الخلاصة، يتناول بلمحات خاطفة الشكل الأخير من السرد التاريخي محدداً مداه، بأنه قام بتناول عموم الدولتين في صدر الإسلام، أو قام بتجاوز ذلك وتناول ما قبل وما بعد الإسلام، فيأخذ السرد التأريخي المذكور هنا المدى الزمني وليس بنيته الداخلية التحليلية والتفسيرية المفترضة. ثم هناك المثال الثالث وهو حين يقوم مؤرخون بالكتابة عن تواريخ بلدانهم، وكل هذه التواريخ في الكم الزمني والجغرافي، وليس في الوعي السردي التحليلي للتاريخ الذي كان يفترض من ابن خلدون كشفه وتحديد هياكله.
ثم يطرح ابن خلدون في ومضات متقطعة أسباب ضعف ذلك الوعي بالتاريخ، أى حين يدخل فى النسيج الفكري المنهجي المطلوب فيصف عمل المؤرخين بأنهم:
«يجلبون الأخبار عن الدول، وحكايات الوقائع في العصور الأول، صوراً تجردت عن موادها، وصفحات انتضيت من أغمادها.. إنما هي حوادث لم تعلم أصولها، وأنواعٌ لم تعبر أجناسها ولا تحققت فصولها»، فيتركز نقد ابن خلدون هنا حول الوقائع التي سردها بمترادفات عدة، فهذه الوقائع المسرودة لم تكن تمتاز بالدقة من قبل الساردين.
إن السرد التقليدي غير العميق للتاريخ يتركز حول الدول وقيامها واضمحلالها الخ..، وهو مرفوض لدى ابن خلدون فيغدو التاريخ عنده هو بحث في تاريخية الدول، ويُظهر أن الطريقتين السابقتين قبله في التأريخ هما طريقة واحدة، دون أن نرى أنها بنية منهجية مختلفة عن السابقة، فهي طريقةُ سردٍ غير دقيق للدول، حيث أن السابقين عموماً لم يجمعوا بين السرد السياسي وجانب آخر عظيم الأهمية حيث اكتشفه هو ورعاه وهو:
«وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللاً وأسباباً»، «وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها».
إن ابن خلدون يقوم بالسرد السياسي والاجتماعي مترابطين متداخلين، حيث كانت الطريقة فيما قبله هى فك الاتصال بينهما، حيث تبدو الدول لديه هى المظهر التاريخى الأولي، فهي أساس الحركة التاريخية، وهي لها أسباب اجتماعية، أما السرد التاريخي قبله فلم يكن كذلك حسب رأيه.
تترافق وخيوط المنهجية الوامضة الأولى تحديد لفصول الكتاب واختصاصه بتاريخ المغرب الذي تتواشج فيه تواريخ أمم أخرى ولهذا فإنه يختص بقراءة تاريخ الشعبين اللذين شكلا هذا التاريخ، «وهم العرب والبربر إذ هما الجيلان اللذان عُرف بالمغرب ماواهما، وطال عنى الأحقاب مثواهما»، وإذا كان مشتملاً على أخبار العرب والبربر، فإن الكتاب كُتب والعرب أهل حكم سابق لا راهن:
«لفناء العرب ودولتهم بها وخروجهم عن ملكة أهل العصبيات».
لا نستطيع أن نفهم التقلبات لابن خلدون دون أن نعرف جذور الهوية الفكرية له، فهو حين يتحدث عن الفضاء الاسلامي العام ستكون مواقفه متقاربة مع السلطة المركزية الإسلامية، ولكن حين تظهر الانقسامات في العالم الاسلامي، ويتشكل الجناح المستقل الذي شكلته القبائلُ البربرية (الأمازيغية) في شمال أفريقيا والأندلس فإن ابن خلدون سيعود إلى جذوره، وإلى انتمائه الثقافى.
وللتدليل على الموقف المناطقي الأمازيغي هناك متن الكتاب الأساسي الذي يعالج تاريخ المغرب من خلال وجهة نظر تقليدية تراجع فيها المؤلفُ عن منهجيته، والأهم هنا أن نلاحظ الكثير من المقاطع في المقدمة نفسها. فكل الظاهرات التاريخية السياسية التي شكلها البربر وساهموا فيها بشكل هام ، هي ظواهر إيجابية عظيمة في نظر ابن خلدون ، والأمر يبدأ من أهمية الدولة الفاطمية حتى إلى الأكلات المغاربية.
ويتصاعد الوعى بدور البربر وأهميته التاريخية حين يناقش في الوقائع التالية مسألة مؤسس الدولة الإدريسية ومؤسس الدولة الموحدية والدون الفاطمية وغيرهما.
يقيمُ ابن خلدون تراتبية خاص للحدث التاريخي ويتجلى ذلك أولاً في قيام العصبيات بدور المحرك التاريخي الأساسي، وثانياً يقوم هذا المحركُ بإنتاج مختلف أنواع السلطات، وثالثاً يتشكلُ من هذه السلطات البناء الاجتماعي العام والثقافة.
إننا هنا أمام نظرة لفهم التاريخ البدوي، أي كيف يقوم الرعاةُ بصناعة التاريخ. أي أن التاريخ هنا لا يغدو تاريخ الإنسانية، بل هو تاريخ العرب والبربر أو غيرهم من القبائل التي انضمت للعملية التاريخية ، كجماعاتٍ رعويةٍ أنشأتْ تاريخها عبر التكوين العشائري.
إن النظرة الخلدونية هنا هي تسجيلُ ما حدث ويحدث حينئذٍ من حراك اجتماعي مرئي للمؤرخ، فيغدو حراكُ القبائل في تصوره هو التاريخ والعمران ومشكل الدول والمعاش.
ومن هنا فهي تتطابق مع الفعل السياسي الرعوي السائد، أي أنها تقرأ ما فعله الرعاةُ، وكيف كونوا الأبنية الاجتماعية والثقافية، أي أنها تقرأ ما شكله المسيطرون، وليس ما شكله المسيطر عليهم، أي أن نقرأ تاريخ القبائل السائدة واضمحلالها، لا تاريخ الفلاحين الباقين عبر العصور، وكيف تمت السيطرة عليهم واستغلالهم ولكنهم لم يذوبوا.
فهي ترى العالم التاريخي من جانب المُشكلين والقاهرين للبُنى لا من جانب المقهورين. ومن هنا فهي ستعممُ قالبَ العصبيةِ ولا تقوم بتحليل عناصره الداخلية المتضادة.
فالعصبية القبلية كمحركٍ تاريخي أولي مطلق، سيكونٌ متجوهراً، أي خارج التناقض، والقبيلةُ حين تقوم بتشكيل التاريخ عبر السيطرة على المدن، لا يكون فيها تناقض داخلى، أي لا توجد بها مستويات اجتماعية متناقضة؛ فهي تتحركُ وتحكلمُ وكأنها جوهر مطلق، ثم يأتي التغيير والتفسخ ليس من داخلها بل من خارجها، عبر قيامها بالسيطرة على الدولة فتتآكلُ تلك العصبية بالغنى والبذخ والترهل فتأتي قبيلة أخرى وهكذا، يغدو التاريخ العربي والإسلامي وكأنه إعادة إنتاج مستمرة لهذه القبلية بمراحلها.
ومن هنا يغدو تاريخ القبائل حسب رؤية ابن خلدون، رغم أنه يمرُ بالتاريخ، كأنه خارج التاريخ كذلك.
أي أن تشكيل قبيلة قريش وعصبيتها هي نفسها عصبية قبيلة أخرى، لا أن يكون تاريخ قبيلة قريش مرتبط ببنية اجتماعية معينة، هي بنية عشائرية ما قبل العبودية – والإقطاع، هي غير قبيلة أخرى كونت سلطتها في زمن تشكل أسلوب الإنتاج الإقطاعي، أي أن المدى النهضوي الاجتماعي لقبيلة كهذه هو غير المدى النهضوي لقبيلة في ظرف موضوعي آخر، ولكن هذا لا يغدو مهماً في هذه الرؤية فالمهم هو طابع هذه العصبية المتجددة بغض النظر عن المراحل والتشكيلات التاريخية.
هذا من جانب المسيطرين أما المسيطرُ عليهم، فإنهم يبدون خارج هذا التاريخ، لكون الفلاحين انصهروا قبلياً وفقدوا العصبية القبلية ، ولكنهم كانوا قبائل لهم عصبية سابقة، وهم ينتجون حراكاً اجتماعياً مختلفاً، وهكذا فإن التاريخ يغدو أكثر تعقيداً وتركيباً ؛ من كونه نتاج العصبية القبلية السائدة فقط.
إن الحراكَ التاريخي لدى ابن خلدون سيكونُ بفعل العصبيات الرعوية السائدة، ولكن حين تكونُ في فترة نهضةٍ ومدٍ حضاري، وعندما ستتفسخُ، وتتحلل من الداخل، فستكونَ خارجَ رؤيته، التي راح فيها الحماسُ للسلطة ولاستمرار والعمران يتداخلان فيها بصورةٍ مركبة، فتغدو العصبيةُ الفاعلةَ هي الأثيرةُ عنده، ولكن حين تضمحلُ فإنه سيخرجها من عالمه.
وهذا يتطابقُ مع تطور القبائل البربرية في القبول بالإسلام ثم في صناعة شكلها الحضاري الخاص منه. فالإسلامُ العامُ يغدو قائماً على هذه العصبية، والموجاتُ التالية التي فيها قومهُ موجةٌ مهمةٌ من موجاتها، تغدو هي المرئية التاريخية في تسجيله وبصره.
أما الموجات غير العصبية، غير الرعوية، الغائرة و|لموثرة، فإنها تصير غير مُسجلةٍ وغير مفحوصةٍ تاريخياً.
تغدو الحضارةُ اذاً هي حضارةُ الرعاة في زمن عصبيتهم، أي في زمن تماسكهم القبلي، ولكن بعد ذلك حين يتحللون اجتماعياً فهم يدخلون دور الانطفاء والذل، ولهذا كذلك فإنه لا توجد حضارة في وعي ابن خلدون خارج التوهج البدوي هذا، فبعده انطفاء وموات.
ومن هنا كذلك فلا وجود لديه لأمم تسود فيها الزراعة وتقوم عصبيتها على المحراث، أي لن يستطيع أن يرى فعل الأقوام غير الرعوية، أي أن يرى فعل الأقوام الحضرية في مقاومة الرعاة، وفي إنتاج حضارتها.
هكذا يغدو التاريخُ الناهض هو من صنع العصبية القبلية وانطفاء التاريخ من انطفائها، ومن هنا لا يرى ابن خلدون الحراك التاريخي بأنه من صنع الجماعات الاجتماعية المتعددة التي تتضمن القبائل وكذلك الطبقات والأمم.
وبالتالي كان يصعب عليه أن يرى اللوحات المتداخلة بين الرعاة والفلاحين، بين العصبيات القبلية والقوى المنتجة، وكيف أن الفرس كانت عصبيتهم «القومية»، أو كفاحهم القومي، يتراءى داخل الثقافة العربية الإسلاميه؛ حيث راحوا يشقون لأنفسهم طريقاً خاصاً مغايراً داخلها ، مثلما أن البربر راحوا يشقون طريقاً خاصاً، ولكن من خلال السائد فيها، في حين شكل الفرس تلك «القومية» ضد السائد المهيمن داخلها.
وهكذا فإنه لن يرى التعقيدات في اللوحات المشكلة والإنتاج الثقافي المتكون في تلك المقاومة وموجاته المتعددة وكيف أنه راح يعيدُ تشكيلَ تلك الأمة بطريقة مختلفة.
إذن تعودُ جذورُ الرؤيةِ الخلدونية غير الدقيقة إلى فهمه لمسألة «العصبية»، فهو كما قلنا لن يرى القبيلة ذات تكوين اجتماعي متناقض، في مستوياتها الاجتماعية خاصةً، وكيف تنقسم إلى شيوخ وفقراء يشكلون قطبي القبيلة، ويقوم الشيوخ بالمحافظة على هياكل القبيلة التراتبية وثقافتها البدوية حين الانتقال إلى حكم المدينة، وهذه العملية تخضع للهياكل الاجتماعية العامة ومستوى التطور وجذور الأقوام المتصارعة الخ..
إن وحدة القبيلة تتشكل في ظروف الصحراء ولكن هذه الوحدة تتفكك مع تبدل ظروف الحياة، فتتصاعد الانقساماتُ الاجتماعية داخل القبيلة، والتطورُ يتعلق هنا بكيفية نمو العملية السياسية والاجتماعية، فالعصبية القبلية تشكل قوة مسيطرة مستبدة على السلطة، وإذا كانت تقوم بإنجازات نهضوية في البداية فإن التحكم في السلطة والثروة يقودان إلى كوارث ومشكلات تالية..
إن ما يراه ابن خلدون كسبب للتقدم هو أيضا سبب للتخلف والتفكك، وقيام حركات تاريخية مختلفة حسب طابع الأقوام والشعوب والصراع الاجتماعي الدائر فى قلبها.
وهو صراع قد يبدأ داخل رحم القبيلة ذات العصبية، ورؤية ابن خلدون لا تتبع هذه الصراعات الداخلية والانقسامات المتوارية داخل القبيلة، لكونه يرى القبيلة كجوهر مطلق، ورغم أنه يمشي في التاريخ، وتتم عملية رصد ظواهر عديدة منه بشكل موضوعي، إلا أن رؤيته كجوهر مفلق تمنع رؤية الاحتمالات المتعددة والطبقات المختلفة للتاريخ المتكونة من خلال ذلك.
وهذا ما حدث لقبيلة قريش حيث كان الصراع بين بني هاشم وبني أمية مبكراً فيها، وهو ما جعل التاريخ ينمو عبر الصراع بين هذين الفرعي القبليين، والاجتماعيين السياسيين المختلفين، لكن شجرة الصراع القبلي المتنامية ارتفعت عبر تغيرات اجتماعية كبرى.
إن الوحدة القبلية لا تنفي الصراع فيها، ولهذا فإن الصراع القبلي كشكل للصراع الاجتماعي، وكتعبير عن مستوياته داخل أسلوب الإنتاج، لن يظهر كحزئيةٍ من قوانين أعم، أي كتعبير عن قوانين الصراع الاجتماعي في ظل بنية اجتماعية معينة.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الوعي التاريخي عند ابن خلدون
http://archive.alsharekh.org/newPreview.aspx?PID=3089237&ISSUEID=18630&AID=421562
أفكار سياسية دينية

المؤمن والملحد يتحدد إيمانهما أو إلحادهما بدور هذا الإيمان والإلحاد في تقدم جماعة المسلمين، في مقدرتهما على جعل الرموز فاعلة في التقدم، فحين يكون المؤمنُ مفرقاً ممزقاً للجماعة، لا قيمة لإيمانه.
وأهم رموزُ الجماعةِ هي الإيمانُ بالألوهية الواحدة، وهو ليس رمزاً مجرداً، بل واقعاً حياً، فالدولة العريضة التي نشأت في ظلاله، هي جسده الحي على الأرض وبين الناس، وفي حراك التاريخ المتجه للتقدم والمساواة والحرية، ولهذا فإن الحاكم على هذا الجسد السياسي الهائل يغدو غير موحد وهو يمزقُ هذا الجسدَ بخراجه المتعسف، وبأناينته التي جعلت الدولة حكراً على إستغلاله وشهواته.
توحيدُهُ يغدو شكلياً مجرداً وأن لبس مظاهر العبادات المختلفة، ونطقَ بالإرثِ المعتمد لدى لجماعة، فهو ممزقٌ لوحدة ذلك الجسم العريض للدولة؛ موحدٌ شكلاً مفرقٌ عملاً، وهو يجردُ ثقافةَ الجماعة ويجعلها شكليةً عاطلةً عن العمل والوجود الحي.
المؤمن أو الملحد الذي يعارض تفكيك جماعة المسلمين ويعمل على بقائها وإستمرارها في أشكال التوحد والتقدم إنما يقوم بمناقضة فعل حاكم الدولة الواسعة التي تتفكك بفعل سياسة الأنانية الاجتماعية والإدارة البيروقراطية المنفصلة عن حاجات الناس.
هو يفهم الرموز الإسلامية في حراكها بين الناس، في مضمونها الحي، في تطور الأكواخ إلى بيوت، والخراج المتجة للمتع والاستغلال إلى خراج متجه لمصالح الجماعة.
هو يعقلن المجرد، وذاك يفكك المجرد، الأول يحافظ على وحدة الدولة، ووحدة الشعب فيها، والآخر يفكك الدولة ويقسم الناس فئات متعادية تؤدي للدمار.
شكلنة الرموز الدينية ربما تغدو بصراخ هائل، ودعاية ضخمة، وتصرف عليها الأموال، لكن العقول الموحدة لا تأبه بها، وتحلل المضمون، وتبقي الأثر، وتحمي ثقافة التوحيد الحقيقية لا أعلامها الزاهية، وشعاراتها الجوفاء.
لكن العقول غير الموحدة، الممزقة لجماعة المسلمين تستفيد منها وتعيش عليها، بمناقضتها الظاهرية، والسير مع مضمونها الممزقِ لوحدةِ دولة المسلمين الكبيرة، التي تغدو بفضل مثل هذه الثقافات الشكلية المفرِّغة من المضامين، والمؤيدة للتمزق، والتي تركب موجات الانفصالات وتكوين الدويلات، لا لتبقي الأثرَ وتحمي الرموز وتبقي على مضامينها بل لتقوم بما قام به الكبيرُ في مركزِ الدولةِ من إفراغٍ للوحدة من حقيقتها، والوحدانيةِ من مضمونِها المعبر عن حقِ كل مسلم ومواطن في العيش الكريم.
والمفرقُ الممزقُ لوحدة الجماعة يعومُ على اللاعقل، ويجدفُ بموادِ المستنقعات القديمة ليبحرَ في بحور الدماء وعرقِ الجمهور من أجله هو ومصالح جماعته الضيقة، فيخرجُ الأوشابَ العتيقة والعادات الجاهلية والأسطورية من تواريخ جماعاته المفككةِ ليحركها في ثقافة التوحيد، وليجعل العقلَ التوحيدي عقولاً ممزقة، وإرادت مشلولة، وعاطفيات مجنونة.
ولهذا فإن المؤمن والملحد يرى نتاجهما التوحيدي معياراً للإيمان، ولمدى قدرتهما على فهم رموز الأثر في العالم الحديث تعبيراً عن وحدة جماعة المواطنين، ليغدو توحيدهما للدولة والشعب المعيار مجسداً في العصر، أي أن شكلية الكلمات والشعائر وغربة الثقافة تقوض التوحيد، حيث يغدو جسم الدولة والشعب رمز الوحدة لكل شعب، وبين جماعات المسلمين المعاصرة، مدار التعاون والاختلاف، مدار الصراع ضمن الوحدة، والتباين ضمن الدفاع عن الأرض والوطن والإنسان.
وتغدو دول الأمم الإسلامية مجسدة عبر هذه الثقافة التوحيدية، لا التمزيقية والشكلية والاستغلالية، فلا دولة هي مركز مهيمن فتمثل المراكز القديمة التي أضعفت وحدة المسلمين ومزقتهم، فهي وحدة قائمة على المصالح المشتركة وإحداث التقدم، وعودة الخراج الزراعي كما في القديم أو الخراج النفطي الصناعي للبيوت والسكان والمصالح العامة كما في عالم اليوم.
وإذ نأخذ ثقافة الماضين بعقلنا الحديث، نؤيد التعدد في النظر الموجه لخدمة الناس في عالمهم السياسي التوحيدي، فأي ثقافة يغدو عملها تفكيك وتمزيق لإطارات الدولة والشعب تغدو خارجة عن العقلانية.
وعلى مستوى السياسة والنظر الفكري، وإنتاج العلوم.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة .. الرؤية الفكريّة والفنيّة لأدبه
عبـــــــدالله خلــــــــيفة على موقع الحـــــوار المتمـــــدن
عبـــــــدالله خلـــــــيفة ـــ العناوين ـــ أفـــــق ـــ مقالات من 2003 إلى 2014
الســــــيـرة الذاتـيــــــــة PDF
عبـــــــدالله خلــــــــيفة على You Tube









