لم تشهد البحرين أفاقاً متخصصا في الأكاذيب والتزوير حتى جاء مثل هذه الشخوص التي لا ذات فيها، لم تكن التربة المحلية قد سمحت لها بهذا التجاوز الفظ للكذب والتزوير، ولكن مع تزايد الغش التجاري حتى في مواد الحياة غدت التربة مهيأة لمثل هذا النصاب. الذيلية للوزارات والخدمة الإدارية الخادعة وقناع المسالمة والموضوعية كانت الوسائل للتغلغل في إحدى الإدارات والتعامل مع موظفيها وبالتالي خداع المتعلمين والاقتراب من بعض المثقفين وتقديم صورة موضوعية. لكن كيف عرف الفاسدون مثل هذه النوعية الغريبة؟ كيف اقتربوا منها ووظفوها؟ لا يمكن معرفة ذلك إلا بتحقيقات دقيقة مستقبلية. الشخص الذي لا يكتب كلمة واحدة ويتطلع إلى شهرة وسيطرة ونفوذ هائل احتاج إلى هذا الأفاق وتمكن من التوصل إليه! تحقيقات تاريخية وكتب عن التاريخ المحلي والغوص في شخصيات عتيقة غدت أطلالاً إلا لبعض المهووسين بنفوذهم وتاريخهم. هكذا يغرق النصاب الثقافي في الأوراق العامة والخاصة ليؤلف كتباً، ويعطي الآخر شهادة مزورة بأنه مؤلف تاريخي كبير! عمليات التزوير الفكري عرفتها الجامعات العربية وخصصت أنفاقاً للنصب وعدم الإيمان بالمادة وعينت سبل البحث بصدق أو الغش بسهولة. تكفي المراجع ومعرفة اللغة حتى تظهر المجلدات السمينة عن قضايا التاريخ النضالي لكن ليست فيها قضايا صدق موضوعية، فاللصوص يظهرون ثواراً ومعتزلة وقرامطة وتكفي زحزحة بعض الوقائع والتلاعب بالمواد التاريخية، وتحوير شخصيات العزلة والجبن كتاباً وقواداُ، حتى يكون الشخص قد غدا مؤلفاً، يُشار له بالبنان ويغدو مؤرخاً كبيراً لم يدخل أي رواق في التاريخ ويُدعى لمؤتمرات يحتاج فيها إلى معاونه المزور في كل حدث كتابي لا يستطيع فيها النطق بجملة عربية صحيحة ومزورهُ بقربهِ يتكلم نيابة عنه! وتنفتح للنصاب سبل التزوير الثقافية الواسعة، مع جهل دور النشر والصحف وانهمار المال من قبل عشاق الشهرة وتزييف أسماء المؤلفين والراغبين في انتشار النجومية السياسية الثقافية. تنفتح للمزور سبل العيش الواسعة ويحصل على أكثر مما يحصل عليه المواطن عن طريق تحايلاته الواسعة لكنه لا يترك عمليات النصب الصغيرة الوضيعة، وتغدو آلته اللفظية الكتابية تنطق كل يوم بنفس الكلمات عن النضال والتثوير والديمقراطية والحرية، بمعانٍ عامة مجردة لا تحلل شيئاً ولا تصطاد فأرة واحدة في عالم الشمولية. توج أعماله بفتح مكتب خاص للتزوير، سواء بصياغة شهادات فكرية، أو بمقالات نقدية، أو حتى مقالات للجرائد مع تقاسم المكافآت مع الكتاب. فهناك من لا يعرف الكتابة العربية ومع هذا صار من كتاب الأعمدة المرموقين، فالمهم هو الجعجعة ووضع الصورة وتسلّم المال! كيف وصلت الأمور إلى هذا المستوى وكيف سرب الملفق الثقافي كل هذا الفساد إلى حياتنا؟ هناك العناصر النخرة المهووسة بذاتها التي تريد الشهرة والهيمنة بأي شكل.
1ــ كتابة المضمون: لقد ركزت نظريات سردية غربية على الشكل وتقنيات الكتابة مبعدة الجانب المضمون للنص السردي لأنه يعالج من زوايا مختلفة ومناهج متعددة كالمنهاج النفساني أو التاريخي أو الاجتماعي، لكنها هي ركزت على الشكل؛ أي البنية الخارجية للنص السردي فبحثت في الصيغ أو [الخطاب] وأنماطها. وركزت كذلك على اللغة مجردةً أو اعتباطية لا تتصل بالمرجع الخارجي وإنما تأخذ معناها ودلالتها من العلاقات الناظمة لها، والعلاقات الناظمة لوحدات النص السردي. إنها المناهج البنيوية واللسانية. انحازت مجموعة «دهشة الساحر»(1) إلى كتابة المضمون واحتفت بالفكرة الشعرية التي تنفتح على الأبعاد الخارجية للنص، كالمرجع الخارجي الواقعي والمرجع الثقافي؛ من عادات وتقاليد وتصورات وأعراف…. لذلك فالشخصية القصصية في المجموعة ليست علامة لغوية فحسب بل هي رمز (واقعي) أي رمز يمتلك قوة الواقع. وهذا ما تسميه التحاليل البنيوية الإيهام بالواقعية. ورغم أن الشخصية القصصية في المجموعة لا تتمتع باستقلال ذاتي، أي أنها لا تتكلم ولا رد فعل لها وهي فاقدة الإرادة يتحدث عنها الراوي بالنيابة ويهيمن على سلوكياتها، فإنها تجسد قيما اجتماعية وسلوكيات فردية أفرزتها مرحلة التحول في البلاد العربية التي تتأرجح بين الأصالة والمعاصرة. بين قيم متجذرة وأخرى حملتها وسائل الاتصال المختلفة، التي ناهضت وسائل أخرى كانت سيدة عصرها كالكتاب. إن وقوف الكتابة في هذه المجموعة إلى جهة الكتابة المضمونة منحها العديد من الصفات المميزة، التي لا تستطيع التخلص منها. من تلك الصفات البساطة في الكتابة لأنها مصاحبة للوضوح ومتصلة اتصالا وثيقا بالفهم والإفهام. ومدار قصص عبد الله خليفة حول نوعية القارئ والإفصاح عن تناقضات المجتمع الجديد، وتناقضات شخصياته (أفراده). كما حاولت القصص إبراز ذلك من خلال النجم المذيع والدكتور مرزوق. ومن الصفات الأخرى التوالي الحدثي وتسلسل الوقائع. فالكتابة التي تروم الإيضاح والتعرية وتلتزم بالمنطق الخارجي الصارم الذي لا يسمح باللعب على التركيب ولا يداخل بين البناءات في المحتوى (المتواليات السردية)، ولا يعقِّدُ الزمان. ولا يجعل من المكان مجالا غامضا وهميا وهلاميا. إن القاص يبني قصصه بحذر شديد وكأنه يسطِّرُ الأحداث ويربط في تواليها وتحولها بين السبب والنتيجة. فلا يقع تحول أو انتقال إلا إذا ما وُجِدَتْ في القصة محفزات سردية تسمح بذلك. والانتقال في المحتويات في هذه المجموعة القصصية هادئ وضمني. من الصفات التي تسم الزمان في هذه المجموعة السرعة (تسابق الأحداث) والطفرة (حذف الأحداث) وتجميع اللحظات الزمانية في لحظة النهاية، لحظة (الحل). ومن الواضح أن هذا الانحياز سيؤثر على معنى القصة لدى الكاتب.
2 ــ معنى القصة: للقصة معنى عند عبدالله خليفة. فهي ليست ترفا أدبيا بل كتابة هادفة ملتزمة. والتزامها ذاك يعطيها طابعا فجائعيا. تتولَّدُ الفجائعية من الصراع بين الأجيال والتصادم بين القيم الأخلاقية والأفكار وأنماط العيش واختلاف السلوك. القصة عند عبد الله خليفة في مجموعة «دهشة الساحر» ذات لغة شاعرية. جمل بسيطة غير متكلفة. وتكتسب شاعريتها من عالمين: الأول طبيعي حافل بالزهور والورود والمخلفات الأثرية العمرانية. ومن امتداد الصحراء تكتسب القصة شاعريتها وتشيد ميثاقها مع القارئ. والثاني المرارة والحزن على ما يضيع الآن تحت أقدام الزمان، والغيرة على الجذور والثوابت الأصيلة للإنسان العربي. القصة عند عبدالله خليفة لا تحفل بالشخصية أو بالأحرى لا تكثرت للتفاعل بين الشخصيات القصصية. والأحداث فيها مسرودة متوالية ومحافظة على التسلسل الطبيعي التقليدي. فلا تحدث في سطح الحكاية هزات مفاجئة تخلخل البناء وتجعل من نسجه تركيبا معقدا كما في الكتابات الحداثية. ولذلك تأثير على الزمن. في قصص المجموعة الشخصيات القصصية متحَدَّثٌ عنها. هي عبارة عن (أشياء) ، ذات معنى ودلالة خارجية، عبارة عن حروف وصور ورموز لغوية، ابتسامها وغضبها وانفعالاتها وأقوالها وأفعالها مسرودة من قِبَلِ الراوي المهيمن على الحكي. والشخصيات القصصية متحدث عنها بالنيابة. هذا النمط من الحكي القصصي الذي يهيمن فيه السارد/الراوي يرتبط بالقص التقليدي الذي يؤمن بالتوالي الحدثي، ويرتبط ارتباطا وثيقا بالزمان الخارجي البسيط الذي له بداية ونهاية. والخلخلة الوحيدة التي يسمح بها الراوي/الكاتب تأتي في نهاية القصة كحل، وعادة ما يكون حلا غاضبا متمردا.
3 ــ صراع القيم.
نجمة الصباح: من بين الموضوعات المتولدة عن الفكرة المهيمنة لدى القاص والروائي عبدالله خليفة صراع القيم. ويتخذ هذا الصراع طابعا تفاقميا ونكوصيا، لأن الصراع سيحسم لصالح المسخ القيمي، لا إلى الأفضل والأحسن. وتمثل هذا الصراع في قصص المجموعة معظمها. «نجمة الصباح» صحيفة يومية ملتزمة متآلفة يعمل أعضاؤها كيَدٍ واحدة دون حواجز أو فروق. ولأن «راشد العلي» صاحب الصحيفة يتحمل عن أصدقائه وزملائه وموظفيه كل الإهانات ويزين جسمه بالكدمات جزاءً لمداد الأقلام الحرة الثائرة الساخرة، كان البذل كبيرا وبلا حدود. يعمل الجميع بهمة، مؤمنين بمهامهم التنويرية، مهام العمل الصحافي، التحليل والتفسير والتعرية وتفقيه الناس وإزالة الغشاوة عن أعينهم. لكن ماذا حدث ؟ هذا السؤال لابد أن يُطرحَ ونحن نحلل كتابة عبدالله خليفة لأن كتابته القصصية [كتابة مضمونية] تنبني في محتواها على التوالي الحدثي والتسلسل المنطقي. ولا تتأسس أحداثها على الانفجار بل تستسلم للسببية التاريخية. الذي حدث أن «راشد العلي» تزوج امرأة فاتنة، وهذا التحول الحدثي طبيعي وواقعي جدا، ولا يؤدي إلى أي هزة في البناء القصصي. ينزلق حدث الزواج ضمن زحمة الأحداث المروية وتحت غطاء صخب الأصدقاء وجدلهم. يقول النص: “أي سعادة خضتنا ونحن نرى راشد العلي يلتهم ساعد عروسه، ويغوص في بحر من الياسمين ورذاذ الفضة ووهج الغناء العارم القادم من الطبالات المتوهجات الصوت الصادحات؟ أي جمهور كثيف، الذي اختلط رجاله ونساؤه، في نهر الزغاريد والحلوى والهدايا، وأوقد النجمات في الأعالي وفرش الأرض بالسجاد واحتضن الليل؟ ضاع أهله وسط الحشد الطالع من الزوايا البعيدة، وتداخلت الشكاوي بانفجارات البيرة والعرائض بالقبل المسروقة الحارة، والعيون الفاحصة بالرقص المجنون…”(2). لا ينبئ هذا المجتزأ عن أي تحول بنيوي، بل على العكس نتوقع كمتلقين أن الحكاية تتدفق بسلاسة نحو الحل والنهاية ولا نتوقع نكوصا أو تراجعا، ولا نستشعر حدوث الأزمة (العقد القصصية). يوهمنا السرد بالسكون والتحول الهادئ، كذلك اللغة السردية. لغة إبداعية شاعرية مأخوذة باللحظة، لحظة العرس والاحتفال والابتهاج. لغة لا تستبق الزمان ولا تتعجل النهاية – كالقارئ – لكن تبنيها بتأن وجلد. وتحت غطاء الفرحة والتحول الطبيعي للأحداث تتسرب شخصية جديدة إلى الحكاية. إنها المرأة الفارهة الثلجية. بعد حادث الزواج (الاحتفال) يأخذ الحكي مسارا آخر. ولأن القصة قصيرة، أصبح الحكي سريعا وبدأت الأحداث تقفز على بعضها. إلا أنه قبل إدراج شخصية جديدة أخرى وهي الابن «سامر»، سيقدم القاص مؤشرا يدل على الأزمة ومصدرها. إنها المرأة التي يصفها القاص بأنها: “ملكة الثلج والجمال (…) والشامخة، المرفهة، المترفعة، التي تأتي إلينا بسيارتها الفخمة وهي في أبهة ملكة(3). هذا اللاتوافق واللاتجانس الكامن في الزوج، «راشد العلي» الناري المتوهج الملتزم الملتحم بالقضايا الكبرى و(ملكة الثلج) الباردة المرفهة، يعتبر محفزا سرديا تولد عنه التحول في مبنى إعادة الحكاية. يقول القاص: ” حدثت هذه في المبنى”(4). ويقصد القاص مبنى الصحيفة. إلا أن المبنى الآخر الذي تحول هو (الحكاية). واللاتجانس أفرز ابنا اسمه «سامر» لا يُحَدِّثُ أحدا، وهو طفل، متشبث بوالده تنهمر دموعه كلما اقترب منه أو حدثه أحد الصحفيين بالجريدة. ثم يكبر الطفل «سامر» ويحل محل والده الذي قضى ليتسرب الثلج إلى المبنى (الصحيفة والحكاية) وتفتقد الصلة والحرارة الإنسانية حتى يحس الموظفون بالموت في الأوصال بل القتل، يقول النص: “قتلني وسوف أقتله”(5). وكذلك كان.
أين يتجلى صراع القيم ؟ لصراع القيم في هذه القصة مؤشرات نوردها كالتالي:
الزواج اللامتكافئ، زواج «راشد العلي» من ملكة الثلج. زواج النار من الثلج. زواج طبقتين اجتماعيتين متناقضتين في المصالح والأهداف. وحينما نتحدث عن التمايز الطبقي نتحدث عن اختلاف القيم. واختلاف القيم ذاته صراع. إلا أن الصراع اللامتكافئ سينجب قيما شوهاء، سينجب مسخا.
المسخ حالة إبداعية سادت الأساطير وكانت نتيجة حتمية لصراع الآلهة وأنصاف الآلهة والبشر. فكلما باءت المعارك بالفشل إلا ولاقى المنتصر من الآلهة عقابا بالمسخ(6). لكن المسخ في الكتابات الإبداعية المعاصرة العربية لا يجعل من الإنسان حيوانا أو حشرة.. بل يغير من قيمه ويزيلها عنه. فما قيم المسخ في شخصية «سامر»؟ يقول النص: “تركت الاختباء، دست على الورق الأصفر الصارخ، حدقت برعب. كان سامر يلبس بدلة رقص أنثوية. يهتز وسط حلقة من مضاغ اللبان، المصفقين بتمايل، وهو ينحني ويقترب من أفواههم وأيديهم، ويغني…”(7). إنه التخنث وهو وليد قيم نارية وقيم ثلجية، ودليل على تناقض الطبقتين. تتميز هذه القصة بنهايتها. وقد اختار القاص نهاية دموية عنيفة [تتكرر هذه النهاية في عدد من قصص المجموعة] حتى يرسخ أكثر أهم ميزة تهيمن على قصص المجموعة، وأقصد طبعا الفجائعية. إن الفجائعية رؤية إبداعية ارتبطت عند «ل. كولدمان» (8) بالفاجعة والحدث المروع ( Drame). وهذا ما ترسمه النهاية. في هيجان وحالة انفعال كلي أخل بأعصاب الشخصية القصصية شهرت مسدسها وأطلقت الرصاص في كل اتجاه حاقدة على كل تحول تراجعي، وكل اندحار قيمي في المجتمع. إن القصة من المنظور الفجائعي عند عبدالله خليفة ذات وظيفة اجتماعية أولا وجماليا ثانيا. إنها كتابة أطروحة تهيمن عليها الفكرة (جوهر الكتابة) وقلما تلتفت إلى البناء الخارجي أو إلى أبعاد الشخصية القصصية المختلفة والمتعددة.
الأميرة والصعلوك: تتميز المجموعة القصصية «دهشة الساحر» لـ عبد الله خليفة بالانسجام والوحدة من حيث الشكل والمحتوى (الفكرة الجوهرية). وأن المقاصد تتجمع في هدف واحد استراتيجي يعتبر أساس الكتابة القصصية لدى الكاتب. كما أن القصص تكمل بعضها وتوضح بعضها وتفسره. من هذه الزاوية نورد قصة «الأميرة والصعلوك» حيث تتجلى مرة أخرى موضوعة الصراع القيمي وتتسع وتتضح فكرة المرأة. كأن القاص يعطي القارئ الأوجه المختلفة للمرأة حتى لا يكون حكمه قيميا ومجحفا. فإن كانت المرأة في «نجمة الصباح» محفزا سرديا نحو التحول السالب والانقلاب القيمي والسلوكي. فإن المرأة في «الأميرة والصعلوك» من طينة أخرى. إنها تشبه شخصية (إيما بوفاري) في رواية جوستاف فلوبير (السيدة بوفاري)(9)، أو تشبه شخصية (إيفيت) في رواية سحر خليفة (لم نعد جواري لكم)(10) بل شخصية روائية أخرى مُعَرَّبَةٌ. تتشكل نفسيتها من خلال المرجع الثقافي والنموذج الهلامي المستبد بالأحلام. وإذا كانت (ملكة الثلج) مترفة متعالية طبقيا فإن المرأة (الأميرة) ضحية فئتها وطبقتها البسيطة التي لم تسمح لها بأكثر من هامش ضيق من الأحلام الوردية وسلبتها عمق التجربة والخبرة الحياتية. يصفها النص مبينا ما سلف، فيقولُ: “هذه البُنَيَّةُ المحشورة في جرة الطين البيتي، الموعودة بالذهب واللهب، الساجدة للكلمة والأزهار الميتة في الدواوين، الخاشعة بذكر المحبة، ترتجف في حضرة بزوغ النجم.[…] من لها غير أب حنون امتلأت يداه بالشباك والنوءَّ وأسكنه العمر في دار خربة، والشيب لتآكل سريع ؟”(11). تتبادل الأدوار في هذه القصة، فالمرأة ليست دائما مؤشرا على الخطيئة بل الرجل كذلك. لأن مدار هذه الكتابة الإنسان في علاقته بمحيطه ومجتمعه. أي أن الإنسان ينتمي إلى بيئته ويرتبط بها وبالتالي فهي مصدر قيمه يؤثر فيها وتؤثر فيه. والنجم المتحدَّثُ عنه في «الأميرة والصعلوك» غاوٍ مستهتر مهزوز نفسانيا. إنه لا يستقر على حال يحتاج إلى النساء ويغويهن ويقطف أحلامهن ويذبل نضارتهن قبل أن يصطدم فيهن بصورة زوجة أبيه ويفتقد فيهن صورة أمه. بهذه الصورة يقدم الكاتب الشخصية القصصية. وهي نموذج اجتماعي يحذرنا منه. ويركز لإبراز عيوبه على المظهر الباطني النفساني ويقدمه كمريض جنساني. يقول النص: “إنه يحلق بطائرة عمودية فوق جسد بض مكتنز بأشجار اللوز. يبحث فيه عن أمه المفقودة، وكلما عثر عليها تحولت إلى زوجة أبيه القاسية. لهذا يصرخ لاعنا المرأة: المومياء، قردة السيرك، أم حمار خاطفة الأطفال، العنقاء المستحيلة…”(12). ما يلفت الانتباه هنا اللغة التي يوظفها الكاتب في وصف الحالة/الحادث؛ إنها لغة شاعرية تضفي على القصة مسحة مختلفة متفردة تخفف من عنف الوقائع (الأفكار) المسرودة، التي يسعى الكاتب إلى إجلائها للعيون. قصد إصلاحها والتنبيه عليها. ثم يلفت نظرنا في هذا المجتزأ المركَّبُ النفسيُّ الذي يعانيه النجم المتضخم الأنا المهزوز نفسانيا والذي لم يستطع التخلص من قسوة زوجة الأب. وهذه إشارة في النص تؤكد على المنبت الأصلي للشخصية القصصية قبل أن تكون نجما ويوم كان (النجم) طفلا لأن المركبات النفسانية كما يرى (فرويد) والمحللون النفسانيون تترسخ في مرحلة الطفولة الأولى. وتتمظهر خلال مراحل العمر بتلاوين مختلفة عبر مبدأ التحويل. هذا النجم الغاوي يعاني من الحرمان والفقدان، فقدان الأم. ولعل ذلك سببا يركز عليه الكاتب ويضعه كمؤشر دلالي وكمحفز سردي لإبراز وجهي النجم المتناقضين. يتجلى صراع القيم في هذه القصة في تصادم حالتين نفسيتين – بخلاف القصة السالفة – الأولى مشحونة بالأحلام الوردية لذلك قلت عنها (إيما بوفاري) المعربة. فالوسط الفقير لم يسمح لها إلا بهامش ضيق نمت فيه أحلامها، وهي أحلام غضة غريرة. والحالة الثانية متأزمة تخفي تحت الجلد الناعم وتحت بريق النجومية ذئبا شرها يقتنص الشاردة. لا تختلف هذه القصة عن سابقاتها في المجموعة القصصية، لأنها تهتم بالفكرة أكثر من اهتمامها بالتجريب القصصي أو التعقيد والتركيب. وتزاوج بين سرد ووصف (وصف مسرود) أفعال الشخصيات. وبين سرد ووصف الحالات والوقائع. ما ينبغي الوقوف عنده على مستوى البناء؛ قدرة الكاتب القاص على السرد الخالي من الوقائع الفجائية والبناءات الانفجارية المخلخلة لكل توقع وأفق انتظار لدى القارئ. ثم قدرته على زرع المحفزات السردية وتضمينها المسار السردي المؤسس على التحول الهادئ من موقف إلى آخر، شارحا أو معريا لوضع يراه منافيا ومخلا بالمقاصد والغايات التي جندت القصة في مفهومه لها، كل طاقاتها من أجل النهوض بها وتخليص الإنسان والمجتمع من مغبة الوقوع في حبالها. إن القصة بهذا المعنى قصة ملتزمة والإبداع في تصور القاص يقوم أولا على البعد الوظيفي ثم يأتي بعده البعد الجمالي مختزلا في اللغة الشاعرية وبساطة الجمل وتوالي الوحدات السردية. لأن القصة تعرف في البناءات التقليدية على أنها متوالية حدثية وسردية. ويختزل البعد الجمالي في تركيز القاص على النهاية (الحل) لأنها تجسد الحس التراجيدي أو الرؤية الفجائعية. وهي مهيمنة أخرى في قصص المجموعة. إن الغاية من الوقوف عند العيوب وتعريتها وفضحها والتركيز عليها في النص له دلالة عميقة في الكتابة القصصية وعموما الكتابات السردية. إنها الإصلاح والتغيير. إصلاح ما فسد من ذوق وحس جماليين، وتغير العادات المريضة الموروثة ويمثل لذلك بنص «دهشة الساحر».
الليل والنهار: في هذه القصة يبرز الكاتب جانبا آخر من المسخ القيمي المتفشي في الحياة المعاصرة. فإذا كان نجم قصة «الأميرة والصعلوك» يشكو من فقدان الحنان الأمومي والرهبة الثاوية في جلده ونفسه من زوجة الأب وقسوتها. فإن «مرزوق» دكتور يلقن الطلبة في المدرجات القيم والمبادئ العليا. إلا أنه بالنهار مختلف عنه بالليل حيث تظهر سلوكياته المتصابية. ويفقد اتزانه. وينغمر في حمرة ونشوة الليالي الساهرة. ويشمل التغير والتحول مجموع سلوكه: الأفعال والأقوال والعلاقات واللباس … ويركز القاص على هذه الظاهرة السلوكية ثم يحولها إلى أبطال فاعلين وفعليين في الحكاية. إن التصادم الصارخ بين قيم المدينة وقيم الصحراء – يوردها الكاتب ضمن قصص المجموعة بوفرة ويسبغ عليها قيما إيجابية – أدى إلى خلخلة وهزة عنيفة في شخصية الأفراد. لهذا تحاول قصص عبدالله خليفة تشريح – أدبيا – هذه الوضعية. والشخصيات المتحدث عنها والموضوعة تحت ضوء كاشف قوي ليست إلا نماذج عامة كالدكتور «مرزوق» المنشطر والمتصابي والنجم – المذيع – المضطرب والمحروم و«سامر» المخنث، ومظاهر اجتماعية وحالات نفسية متولدة عن ضغوطات وإكراهات وتسيبات اجتماعية ينبغي الوقوف عندها حتى يمتلك الأدب عموما بعده الوظيفي الذي أنشئ من أجله. لأن الأدب ليس ترفا فكريا يقرأه المتعبون قرب المدافئ في الأيام الباردة، من العمر. إن الأدب ضد المسخ، ضد التشوهات، ضد اكتساح الجنون للمعرفة كما اكتسح المريض النفساني والعصابي مؤهلات الطبيب في قصة (ترانيم). وكيف أن بعض المظاهر الشائهة تتخذ لنفسها موقعا قويا مستمدا من قوة الخارج (الاندفاع الجامح). هذه المبادئ العامة تحاول القصة لدى عبدالله خليفة الافصاح عنها بأسلوب أدبي لا يخل بالقص وإن كان لا يساير الوتيرة الحالية في العالم العربي والتي تنحو بالأدب جهة الحداثة الكتابية والتركيز على الأبعاد الجمالية للقصة والرواية والقصيدة الشعرية. وهذا التشبث بالتقليدي البسيط في الحكي والكتابة يتساوق والفكرة القصدية لدى الكاتب. ولا تبتعد كثيرا عن فكرة الأصالة والعتاقة لأن معظم مظاهر المدنية شائهة حسب المجموعة عينها، وهو ما يستفاد من قصة «الأحفاد»، أيضا حيث الصراع على أشده بين (السائق) الشغوف بالعمران والحضارة الأولى المتينة القوية وحجارتها الصلبة الشامخة وبين (الأحفاد) الصغار الذين انشدوا إلى السباق، فتركوا السائق لعزلته وانساقوا نحو صبواتهم وهلاكهم. إنها مجموعة تؤطرها فكرة (الدهشة) والاستغراب من كل ما يحدث من متغيرات. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتب وناقد من المغرب هوامش:
عبدالله خليفة. دهشة الساحر. دار الحوار. ط1. 1997م.
المرجع نفسه. ص. ص (85.84).
المرجع نفسه. ص (85).
المرجع نفسه. ص (88).
المرجع نفسه. ص(88).
أوفيد. مسخ الكائنات.ترجمة وتقديم، ثروت عكاشة. الهيئة المصرية العامة للكتاب.1984م.
يرتبط تصاعدُ التيارات الطائفية السياسية بعجزِ أو ترددِ واضطراب التحولات الرأسمالية الحكومية في العالم العربي والإسلامي. إن عجزَ رأسماليةِ الدولة السوفيتية عن إنتاج مجتمع ديمقراطي – على سبيل المثال – أدى الى اضطرابات وارتدادات لأشكال فكرية سياسية سابقة. مثل عجز رأسمالية الدولة الإيرانية عن التحول الى الديمقراطية، ولكن الأخيرة كانت منتجةً أصيلةً للوعي الطائفي. أو كتردد الرأسماليات الحكومية العربية في التوجه للديمقراطية الذي يُصعّد الاضطرابات الطائفية. الاضطرابات الطائفية هي شكلٌ لفشلِ البُنى الاجتماعية في المضي قُدما للديمقراطية وللحداثة والتقدم. إن العودةَ للأشكال الدينية المحافظة هي عودةٌ للعصور الوسطى بكل آثارِها من انقسامات شعوب وثقافة قَدرية وذكورية حادة وأشكال أدبية عتيقة. إن توغل رأسمالية الدولة الإيرانية في سوريا هو غيره في البحرين والعراق ولبنان، فكللا بلدٍ له بنيته الخاصة ومسار تطوره وهناك عام مشترك أيضا. في البحرين جرى ذلك على هيئةِ تنظيماتٍ لا تعرفُ سيرورةَ تطورها وسببياته، فتنقلُ المؤثرات وتصعدها، وتظهر ردود أفعال مختلفة من قبل الوعي البحريني وأشكاله، وهذا يعيدُنا لصلاتٍ قديمة بين الضفتين الشرقية والغربية للخليج، أي يعيدنا لعصر سابق، عصر لم تتشكل فيه دولٌ مستقلة، ويغدو الوعي المنقولُ وعيا طائفيا محافظا متنوعا حسب التنظيمات المصنوعة من قبل زعماء، فالوعي الديني السياسي وعي شخصي، وعي يصنعهُ زعيمُ ولا يستندُ إلى منهجيةٍ عميقة وإلى ركائز الإسلام التوحيدي. هنا لا توجد رؤيةٌ ولا فلسفة ولا برنامج بل توجد إرادات زعماء مغامرين. إن ما يجمعُ هذه الأشكالَ الطائفية من الوعي والتنظيم هو دور المركز الإيراني في الحراك العام وفي التوجيه التاريخي، أي ما يحدث في المركز من تطورات، هو تطورات استبدادية عسكرية متصاعدة، مما يفشل قدرات التنظيمات الطائفية المحلية في الحراك الوطني الداخلي، ويجعلها عاجزةً عن القراءة للواقع، وتحليله والقيام بشبكة من النظر الفكري والاقتصادي والسياسي المناسب للشعب لا للطائفة. الوعي الطائفي هو تفكيك للدول الأخرى، أزمة مركز منتقلة لشعوب أخرى، وهو أمرٌ يؤكد أهمية العلاقات النضالية الديمقراطية بين الأمم الإسلامية، وفي البدء الراهن بين القوى السياسية المتنورة في هذه الأمم التي تتبصرُ مخاطرَ سياسات العسكرة. هذا ما جعل المركز السوفيتي أو الصيني أو الناصري في أزمنةٍ مختلفة عاجزا عن تقديم بدائل ديمقراطية لنظامه وللحركات التي تتبعه ولم تفعل الحركاتُ التابعةُ دورا لتطوير المركز ولم يظهر منها مناضلون يكتشفون مخاطرَ القادم على الجميع. ولهذا فإن التنظيمات غير الطائفية التي تحتضنُ أو تساعد التنظيمات الطائفية وتقفُ معها تبدأ التحلل الفكري السياسي، فتصابُ بعدواها وجراثيِمِها وتنقلها لصفوفها. إن هويةَ الوعي الجوهرية بين هذه القوى هي نفسها، إنها نتاجُ رأسمالياتِ دولٍ عجزتْ عن التطور الديمقراطي، سواءً في روسيا أو الصين، والآن مشكلتنا القريبة في إيران. انها من ذات القوى الفوقية التي هيمنتْ واستغلت وحُوصرت بمسار مسدود. تقوم ثقافةُ هذه التنظيمات على تغييبِ التحليل خاصة لبلد المصدر- والآن لدينا عدة مصادر لإنتاج الطائفيات- ويجرى عدم نشر الآراء المختلفة عن مساره ومشكلاته، مثلما حدث للاتحاد السوفيتي، وبدلا من تحليل الواقع تظهر جزئياتٌ مبتسرة ومقاطع وشعارات، تجمعُ بينها المنفعة والانتهازية السياسية والفردية الجامحة لأشخاص انفصلوا عن الواقع، وعن النضال من أجل تطوره وحل مهماته الديمقراطية الوطنية ويجربون في لحم الجماهير. هذه المؤثرات تتغلغل في البلدان الأخرى نظرا الى عدم تطورها الديمقراطي وحل مشكلات البناء الاجتماعي من تماسك وتوزيع عادل للفائض الاقتصادي. ونظرا الى قبول القوى السياسية غير الطائفية بالطائفية فهي تكرسُ نشرَ المبدأ، ولا تحاربُهُ، فتصيرُ طائفيةً بالضرورة. تدمير الثقافة الفكرية وتغييب العمق الفلسفي ومعاداة الحداثة والديمقراطية تتحول إلى عامياتٍ مبتذلة، وهي لها جذورٌ في مختلف التنظيمات، حيث يتحول الاتجاه نحو الشعب إلى السقوط في التخلف، والقبول بالنواقص الكبيرة وعدم المساواة بين الأجناس، وتأييد الخرافة وعدم محاربتها بين الأفراد، خاصة مع ضحالة القراءة والدرس. العضو السياسي الذي كان حداثيا ارتفع بصور شكلية عن ابن الشعب العادي، وعندما فقدَ ميزاته الثقافية الوطنية الطليعية، وتجمد عن تحليل تطور الواقع السياسي المتراجع، صار من نفس طينة ابن الشعب البسيط الطائفي اجتماعيا، الذي لم يكن يؤيدُ الطائفيةَ السياسية، فيقوم العضو الطليعي السابق بجر ابن الشعب للطائفيةِ السياسية ممارسا دوره (النضالي) لكن للوراء وللتخلف، ويقوم بتبرير المغامرات والجرائم لكنه يترك ابنَ الشعب وقد صار طائفيا سياسيا ليقوم بها بدلا عنه. وهذه بذور الحروب الطائفية التي ينشرها ويوسعها النظام الإيراني. ولهذا لا يكون رد الفعل الطائفي الآخر سوى تكريس لما يقوم به العدو.
لن يستطيع أحد تحقيق وحدة المسلمين المعاصرة سوى العلمانيين. فالمذهبيون السياسيون بتركيزهم على التباين مع الآخرين من فرق المسلمين السياسية، يلغون جوهر الكفاح الإسلامي الذي تم في عصور التأسيس والنهضة، وهي تعتمد على مبادئ سياسية عامة وجوهرية، هي توحد مختلف القوى الاجتماعية ضد الدكتاتوريات المتحكمة في المال العام. ولا يعني تعبير العلمانيين سوى القوى السياسية التي تتوجه للوحدة بغض النظر عن الجذور الاعتقادية، أي تلك التي تضع جذورها المذهبية جانباً للوصول إلى مبادئ سياسية عامة، هي أن تكون الثروة تعود للمجتمع، وهذه القضية هي قضية عامة تخص المذاهب الإسلامية والأديان الأخرى كذلك، من مسيحيين ويهود وصابئة وغيرهم، لكن المسلمين يمثلون الثقل البشري والسياسي. ولهذا فإن القوى السياسية التي تركز على القضايا العامة، تبحث عن حلفاء لتغيير الظروف السلبية وتطور أحوال الناس، ولا تعود مسئولة عن العقائد، فتختص بالمسائل السياسية والاقتصادية مركز اهتمامها وبؤرة نضالها. أما مسائل العقيدة وتغير الأديان فهي مسألة أكبر منها، ولا تستطيع التدخل فيها. فتنسلخ الأحزابُ والجماعاتُ السياسية عن كونها جماعات دينية مذهبية بحكم المحدودية والضيق السياسي الذي ينشأ عن هذه العملية، تاركة العقيدة والحفاظ عليها للجماعات المتخصصة في ذلك، والتي تنأى عن العمل السياسي. ولهذا فإن الجماعات المذهبية والدينية تجد من مصلحتها السياسية التخلي عن أطرها الضيقة، كما أن الجماعات الوطنية، العلمانية في أطرها السياسية، تشكل تحدياً أساسياً متصاعداً لعملها ذي الأطر المحدودة. ومن هنا فالعلمانية السياسية تنبثقُ من الجماعات السياسية المختلفة سواء كانت مذهبية أو وطنية، لكن الجماعات المذهبية جامدة في وعيها وكثير منها ذو ارتباطات بدول مذهبية كبيرة، وهي التي تغذي مالياً وأيديولوجياً هذه الجماعات فهي لا تستطيع أن تخرج عن الخط المرسوم، رغم أن واقعها يدعوها لتوحيد جمهور شعبها من أجل النضال في القضايا الملحة.
حين نأخذ العلمانية باعتبارها تشكيلاً لدولة لا دينية, ينطبق ذلك على كل المجتمعات البشرية المعاصر, وهذا الاتفاق يشير فقط الى سمة كونية, تتمثل في إبعاد الدين عن الصراعات السياسية, كما كان الأمر يجري في كل العصور السابقة, واختيار البشرية لهذا الأمر هو تعبير عن توحد كوني, كما هو تعبير عن توحد قومي أو وطني. لكن العلمانية تأخذ سمات التطور من التواريخ القومية الخاصة بكل شعب, فالعلمانية الفرنسية تغلب عليها عمليات الصراع الحادة والعلمية ضد الكهنوت القروسطي الشديد التحجر في فرنسا, في حين انها في الولايات المتحدة تتسم هذه العلمانية بعدم وجود جذور للصراع مع الكهنوت ومع الإقطاع وبميراث بروتستنتي تبشيري قوي, جعل العلمانية الأمريكية قوية التعصب الديني خارج السياسة. وفي الصين فإن العلمانية لها جذور قوية في طابع البوذية, التي تتسم بالانعزال عن الحياة السياسية وترك الحياة المدنية للمدنيين, مما جعل البوذية تتعايش بسهولة مع الماركسية. في حين ان التعددية البوذية والهندوسية في الهند جعلت العلمانية ضرورة وطنية هندية شبه مقدسة. وتودي عمليات التعصب الهندوسية ذات المنحى اليمينى المعادي إلى إعادة تشكيل الهند بشكل عصري ولمعالح مئات الملايين من المحرومين والمنبوذين, إلى نحر ذلك الإرث التعددي الإنساني. وفي افريقيا فإن الديانات الإحيائية المتسمة بعبادة الأسلاف أو قوى الطبيعة, لم تواجة النزعات الحديثة بعداء شديد, إلا في المناطق التى استغلها زعماء القبائل لمواجهة الإصلاح الزراعي والمدني الحديث. وفي تاريخ العالم الإسلامي كانت ثمة محاولات كبرى لإنتاج علمانية تخفف من وطأة الصراعات الدينية من أجل اتخاذ مواقف سياسية موحدة تجاه قضايا الاستغلال والفقر والنضال المشترك. وقد كانت هذه المواقف الإسلامية قد خرجت من عصر التصعب الكلي للمذاهب, الذي انفجر بعد تفكك الإمبراطورية الإسلامية, حيث كانت سيطرة المذهب الواحد الذي تحمية حراب الدولة الباطشة, حينئذٍ لم يكن المذهب سوى اجتهاد إمام ما في طائفة, فيغدو هذا الاجتهاد والرأي قوة شبه منزلة, ولهذا اعتبر الأندلسيون والشمال افريقيون العرب والبربر عموماً اجتهاد مالك بن أنس مقدساً, وتعصبوا لة تعصباً شديداً حتى ان الإمام أبا حامد الغزالى أُعتبر خارجاً عن الملة والدين, وهكذا صدرت فتاوى مختلفة بتحريم كتاب (إحياء علوم الدين) الذي ألفة الغزالي, من قبل فقهاء اندلسيين ومغاربة, ثم انتشرت حملة كبيرة ضده انتهت بحرق الكتاب ومطاردة ناسخيه وقرائه! لم تعبر هذه الحملة المغاربية عن موقف جامد متصلب في الدفاع عن اجتهاد مذهبي معين فقط, بل أيضا لما يتضمنه الكتاب من هجوم عنيف على رجال التكسب بالدين الذين اتهمهم بالاشتغال بالفتوى من أجل تولي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد مناصب القضاء والحكم, وإنهم كما يقول الغزالي (اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات ولم يخرسوا اللسان عن الغيبة ولا البطن عن الحرام ولا الرِّجل عن المشى الى السلاطين), (نقلاً عن إضاءات حول تراث الغرب الإسلامى, إبراهيم القادري, الطليعة, بيروت, ص 135). بطبيعة الحال فإن رجال الدين والسلاطين تحالفوا معاً ضد كتاب الغزالي وحدثت تلك الهجمة العنيفة ضد أحد المثقفين الكبار في تاريخ الإسلام. وبطرح الغزالي فقهاً قريباً للصوفية والتنسك فإنة غدا عدواً للتصلب الفقهي المرفه. وهو لم يعدم المدافعين عنه ولا الانتصار في خاتمة المطاف على المناوئين له في الشمال الافريقي. كانت انتصارات الآراء المتصلبة الفقهية المذهبية في طور تفسخ الامبراطورية الإسلامية تجري في البلدان الصحراوية والمتسمة بغلبة البداوة، كالجزيرة العربية وشمال افريقيا، فالقبائل كالمرابطين كانت تهاجم المدن الإسلامية الأكثر تطوراً منها وتفرض عليها أحكاماً شرعية نصوصية باترة، وتقضي على التنوع والاجتهاد والتعددية المذهبية الإسلامية ذاتها. في حين كانت المناطق الحضارية الأكثر تمدنا تعرف سياقاً مختلفاً في البداية، هو ذلك التعايش بين المذاهب بل والأديان المختلفة، ولهذا كانت المدارس الفكرية الكبرى في هذا العصر تتجه إلى احتضان كافة الاجتهادات المذهبية والدينية. كانت مدرسة مثل الإسماعيلية تحاول أن تستوعب علوم العصر وكافة الاجتهادات العقلية لمجمل المذاهب من أجل أيجاد شبكة مواقف مترابطة، كما فعل اخوان الصفا في موسوعتهم الفكرية. لكن هل استطاع الإسماعيليون والمعتزلة وغيرهم أيجاد موقف موحد للمسلمين؟ كانت المشكلة تكمن في محاولة السيطرة من خلال مذهب ديني أو اجتهاد فقهي وحيد، فكل تلك الموسوعية وكل تلك الاجتهادات تغلف في النهاية مذهباً معيناً يُراد فرضه على بقية المذاهب، وعبر هذا الفرض يتم تجاهل مستويات التطور ودرجات التباين والتنوع والاجتهاد لدى الآخرين، وإذا تمت هذه العملية من خلال أدوات الحوار كالكتب، فإن الأمر يغدو حضارياً، أما إذا تم ذلك من خلال العمل السياسي فالحربي، فإن الآخرين يردون بذات الأدوات. هكذا كانت الصراعات (القومية) والمناطقية والاجتماعية المختلفة، ومصالح الحكام في الأقاليم والمراكز، ومستويات تطور الشعوب الإسلامية، كلها تتوارى وراء اختلافات المذاهب وصراعاتها. وبدأ عصر من دكتاتورية المذاهب والانغلاق. قامت هذه الصراعات الاجتماعية ذات الأشكال المذهبية بتفتيت الامبراطورية والدول، وفي النهاية توجهت العملية الى حصيلة المرحلة وتتويجها العقلي وهو العلم والبحث والوحدة والانفتاح. لقد قادت عملية الصراع السياسي الديني المتداخلة إلى تهديم الدولة كأساس موحد للحضارة، ثم تمزيق الدين نفسه. أي أن التحطيم كان على المستويين السياسي والديني. كان يُفترض أن تتوجه الاجتهادات الكبيرة للأئمة إلى المزيد من الجهود العقلية لتحرير الدين من سيطرة السياسة والدول، لكن المسار كان معاكساً تماماً، فظهرت الدولة الإسلامية ثم الدول المذهبية الكبرى: السنية العباسية والإمامية الفاطمية والشيعية الحمدانية والفارسية المختلفة ثم أخذت المذاهب الفروعية في تأسيس دولها، الأباضية في عُمان، والزيدية في اليمن والمغرب الخ.. والواقع ان القوى الاجتماعية المهيمنة في كل بلد، ثم في كل منطقة، قامت بتلبيس مصالحها بمذهب ما، وفي ظل انعدام مركز عربي كبير، وتخلف وسائل المواصلات وتدهور الإنتاج الفكري وأدوات التعليم، غدت هذه المتحجرات دولاً وأنظمة ذات صولجان وهيلمان. ان تخلف السلاطين السياسيين والدينيين والشعوب تمظهر في هذه النصوصية الحرفية وكتب الفتاوى التى تستأصل أي جهد واجتهاد، وتحول المذاهب الى زنازين كبيرة للعقل، وتتحول الى منظومة كبرى تطحن الحياة اليومية في أحكامها الشديدة البطش، بحيث إنه ليس ثمة للعقل أن يفكر خارجها، مثلما يتحول الفرد المسلم إلى أداة صماء للتلقي والضبط، ويظل دائراً في الأسئلة عن الأكل والجلوس والقيام والوضوء واللبس والنكاح، مثل أي بهيمة تُربط في الحقل، لا تسأل عن النجوم والكيمياء وفلسفة الرازي وطب ابن سينا والعلوم، والقصد ألا تتجاوز شيخ القبيلة الأمي، والملا والمطوع، الذين يغدو سقفهم الفكري متدنياً فاتحاً الأبواب لهبوب أعاصير الخرافات. وفي هذا المستوى لن نستبعد تحريم الكتب والسفور والحريات والفنون الخ… إن التدهور على مستوى إنتاج النص الديني، يتبعه التدهور على مستويات علاقة العقل بالحياة، أو أن كلا المظهرين جزء من عملية متداخلة مدمرة. يقول أحد القراء الذي يراسلني مقتطعاً إحدى العبارات ربما من مصدر خاص (هدف العلمانية في العالم الإسلامى: هدف العلمانية الأكبر هو جعل الأمة الإسلامية تابعة للغرب سياسياً وثقافياً وأخلاقياً واقتصادياً، وعزل دين الأسلام عن توجيه حياة المسلمين). هذا الرأي هو رأي شائع، فيتم تصوير العلمانية كمؤامرة غربية، تستهدف خلق التبعية للغرب، وهذا الكلام غريب، لأن العلمانية ليست ايديولوجية وليست بضاعة فكرية، بل هي نظام سياسي يتم فيه فصل المذاهب والأديان عن النزاعات السياسية. ويظن بعض السياسيين الدينيين ان العلمانية اتجاه فكري فيقول (هذا علماني وهؤلاء علمانيون)، فيجمع اتجاهات مختلفة متضادة، فقط لأنها لا تقوم بتسييس الدين. أما نظام التبعية فتشكله المؤسسات التجارية والمالية الاستغلالية التي تربط بلداً ما بإنتاجها، أما كيف قام القارئ بنقل سمات النظام العلماني إلى النظام الاستعماري، فهو أمر يعود إلى عدم الدقة الفكرية. فمثلاً نجد النظام العلماني لا يقتصر على الغرب بل هو مطبق في الهند وبعض دول افريقيا وروسيا، فهو نظام ليس لإشاعة الاستعمار الأوربي، بل للحيلولة دون تفاقم النزاعات الدينية والمذهبية. إذن لا توجد صلة منطقية وسببية بين العلمانية والتبعية، وبالتالي فإن العلمانية ليست نتاجاً استعمارياً، بل هي نظام سياسي جرى تطبيقه في أوروبا الغربية أولاً، بسبب خروجها من القرون الوسطى التى كان الدين فيها يحتل نظاماً كلياً في الحياة، فتجري المعارف والعلوم والمشكلات والتطورات تحت عباءته، ولكن العصر الحديث قام بتفكيك هذه العلاقة، وهذه العملية استفاد منها بشر آخرون في أنحاء الأرض، حيث أدت التطورات الاجتماعية والسياسية إلى مستوى مماثل. ولهذا فإن العلمانية ليست اتجاهاً سياسياً ما، بل هي نظام سياسي، يتم فيه تقدم الأحزاب على أساس هويتها الاجتماعية، بمعنى ماذا تمثل من فئات وطبقات، وعلى أساس فكرها السياسي وبرامجها، وليس على أساس دينها ومذهبها. وبالتالي فإن الصراع السياسي يدور حول البرامج والأهداف السياسية والاجتماعية، وتتم عملية التراكم السياسي والمعرفي والمكاسب، حسب قدرة كل حزب على تمثيل أكبر مجموعة من الفئات والشرائح، التى تتجسد في الأصوات. وهكذا أعطى النظام السياسي الحديث الأديان والمذاهب أكبر فرصة للوحدة والتعاون، مبعداً إياها عن الصراع. ولهذا فإن التبعية للغرب لا يسببها النظام العلماني بل النظام السياسي التابع حين يربط مؤسساته الاقتصادية ومصارد تمويله وتوزيعه، بالمؤسسات الأجنبية المهيمنة، بحيث تتراكم الفوائض هناك، ولا تنمو هنا في بلاد المسلمين مقدمة الأعمال وعدالة التوزيع الخ.. هكذا يمكن أن نجد (مؤسسات إسلامية) وهي تخدم الاستعمار، لأنها تقوم بسحب الأموال والفوائض ودم المسلمين مرسلة إياه إلى الاحتكارات والشركات والمصارف الغربية بدلاً من أن تحوله إلى حقول ومصانع وسفن للناس هنا. فالعلمانية لا علاقة لها بالتبعية وقد تكون كنظام سياسي مفيدة أو مضرة للتبعية، فالنظام العلماني الهندي في عهد حزب المؤتمر كان يخدم سياسة وطنية تحررية، في حين ان ذات النظام يخدم حزباً مواليا للغرب ومتعصباً دينياً هندوسياً، فمسألة التبعية تعود إلى سياسة الحزب أو الدولة ولا علاقة لها بالنظام العلماني. لكن كيف جعل القارئ النظام العلماني ذا علاقة بالتوجهات الفكرية والمضامين السياسية؟ إن ذلك يعود إلى الخلط الفكري واضطراب المصطلحات وعدم الدقة في التشخيص. فالنظام العلماني نظام سياسي محايد، يستطيع أن يخدم كافة الاتجاهات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فيخدم حزب ديغول وحزب ميتران، وما يشترطه فقط على الحزبين هو عدم الخلط بين السياسة والدين، أي عدم استخدام الدين في أغراض حزبية. أما مسألة أن العلمانية تهدف إلى إبعاد تأثير الإسلام عن الحياة الاجتماعية، فهو قول لا يستند إلى أدلة أو تاريخ، فنجد ان الغرب العلماني يسمح بشكل واسع للجماعات الدينية والمذهبية المختلفة المتعادية إسلامياً بالتواجد على أراضيه ونشر ما تشاء من دعاية دينية بين اتباعها أو بين الآخرين. في حين ان العكس هو الذي يجري في العديد من بقاع العالم الإسلامى. هنا يقوم بعض الدينيين بالإخفاء المتعمد لجوهر العلمانية كنظام سياسي يرفض استخدام الأديان في الدعاية والتنظيم السياسي، محولينه بصورة فجة إلى نظام لهدم الأديان. ومما يقوله القارئ المحاور هذه الفقرة عن أخطار ومصائب العلمانية: 1~ إقصاء الشريعة الإسلامية ليزول عن المسلمين الشعور بالتميز والاستقلالية، وتتحقق التبعية للغرب. 2 ~ تفريق العالم الإسلامي ليتسنى للغرب الهيمنة السياسية عليه وذلك بربطه مؤسساته السياسية وأحلافه العسكرية. 3 ~ زرع العالم الإسلامي بصناع القرار ورجال الإعلام والثقافة من العلمانيين، ليسمحوا بالغزو الثقافي والأخلاقي أن يصل إلى الأمة الإسلامي برجال من بني جلدتها، ويتكلمون بلسانها. تبدو هنا العلمانية مرة أخرى كاتجاه فكري غربى استعماري وليس نظاماً سياسياً يفصل الدين عن السياسة، وهذا هو الجوهر الذي يتم التهرب منه دوماً، والهدف من العلمانية هنا هو تقسيم العالم الإسلامي [المتوحد جدا]، ويبدو ان القارئ لا يعيش في ديار الإسلام ولا يسمع بالمجازر التي تجري في باكستان والهند والجزائر والسودان الخ.. بسبب الصراعات المذهبية، في حين ان العلمانية كنظام سياسي سوف تتجنب هذه العملية المدمرة، وتتيح للمؤمنين من شتى المذاهب فرصة اللقاء السياسي والكفاح المشترك الذي فقدوه بسبب نمو الاتجاهات المذهبية المسيسة. ولا نعرف كيف تقوم العلمانية بتفريق صفوف الدول الإسلامي، فمتى اتحدت هذه وناضلت بشكل مشترك؟ وقد قامت العديد من الدول والحركات الإسلامية بالارتباط بالأحلاف العسكرية الأجنبية، ويكفي الحلف العسكري الذي أقامته المخابرات الأمريكية بين هذه الجماعات الدينية والدول الإسلامية لضرب النظام الأفغاني الذي حاول الخروج عن السيادة الغربية فدمرته تدميرأ وشردت شعبه المسلم. أما رجال ونساء الثقافة والأعلام الموالون للغرب ففيهم الدينيون والليبراليون وغيرهم، ولكن ما علاقة (العلمانية) بهذا؟ فحين يكون الليبرالي علمانياً، يعني أن يؤيد فصل الدين عن السياسة، ولكن يوجد ليبراليون لا يؤيدون هذا الفصل. وقد يكون هؤلاء الليبراليون جميعاً وطنيين معادين لهيمنة الدول الأجنبية. مرة أخرى يتم عدم معرفة مصطلح العلمانية. ولعل المقصود هنا من جملة القارئ هي الاتجاهات الحديثة المتحررة التي تشيع قيم الفصل بين الدين والسياسة، ولكنه يقوم بعد أن خلط هذه المفاهيم وهذه الأوراق بجعل هؤلاء عملاء، فأفقدهم الوطنية وحولهم إلى جواسيس.. وجعلهم أدوات للغزو والاحتلال بتمهيدهم السبل الفكرية والثقافية للغزو العسكري. فقط لأنهم طالبوا بفصل الدين عن السياسة! هكذا تتضخم العلمانية في الخطاب الشعبوي إلى ركيزة من ركائز الاستعمار والهدم والتخريب، دون أن ينظرإلى طابعها الحقيقي باعتبارها نظاماً لتوحيد المسلمين والمسيحيين العرب وغيرهم، باعتبارها أداة للانتقال من مجتمع الطوائف المسيس بالألغام، إلى مجتمع السياسة العقلاني والبرامج والصراع الفكري الاجتماعي وليس الصراع الفكري المذهبي. أما النشر والدعوة له فذلك ميدان لا يغلق! وبطبيعة الحال فإن العلمانية كتجديد إسلامي لا تنقطع عن الموروث والحياة الإسلامية، عبر الجسور التي تتشكل للتقريب بين المذاهب، وتطوير التشريع بما يتفق مع المساواة والعدالة، والحفاظ على المصالح القومية للشعوب العربية والإسلامية وتطويرها وتحديثها بشكل مستمر. أن الجمع بين الجذور العربية والإسلامية وعمليات التحديث الراهنة، هو الأفق المفتوح للانظمة العلمانية المتوقعة في المنطقة، والتي لن تجري من دون الصراعات مع الاتجاهات المضادة والمتطرفة على الجانبين، جانب الارتداد والتعصب الماضوي المذهبي، وجانب الاغتراب والتغرب وفقدان الجذور وغياب الدفاع عن المصالح القومية. إن توحيد المسلمين في المرحلة الشائكة الراهنة يتطلب رؤى تراثية عميقة وحداثية تحررية، يتطلب الارتكاز على الماضي والمستقبل معاً، وفي هذه العمليات المركبة يتوه ذوو النظرات الوحيدة والجانبية وينحشرون في غيران الماضي غير مبصرين الفجر الطالع.
لا شك إن الفساد الساري في الوعي العربي على نحو واسع يتحمل جزءً كبيراً منه المثقفون، فهم انساقوا إلى أحابيله، وزحفوا في ممراته، تلوح أمامهم المغرياتُ بمختلف أنواعها. حين كان شعراء العربية التقليديون الكبار موجودين في الزمن السابق، فإنهم لم يتركوا تعرضاً واستبداداً واقتحامات أجنبية بدون أن يكتبوا شعراً منبرياً صاعقاً على هذه الكوارث التي تنزل بالناس! نعم كانت العديد من هذه القصائد مبنية بشكل تقليدي، لكنها كانت تعبر عن حرارة مواقف، وعن تضامن يعبر أسلاك الحدود السياسية والاجتماعية. كان الكتاب يقومون بالرحلات من أجل تعرية حال الأمة، وليس ليحلوا ضيوفاً وأفواههم مغلقة. لكن الآن استبسلت الوزارات في إقامة المآدب والمؤتمرات والمهرجانات، ليس من أجل البحث وكشف السلبيات لتجاوزها، ولتراكم المعرفة في شتى حقول المعرفة، بل للدعاية للأنظمة، أو لجعل هذه اللقاءات بنداً آخر لسرقة الميزانيات، وتقديم القوائم للحكومات والبرلمانات بأن أموالاً كثيرة صُرفت من أجل المصلحة العامة الخالصة! وإذا كان المثقفون سوف يصمتون عن أخطاء الأنظمة كلما ذهبوا إلى مأدبة عامرة، أو سيتم اعتقالهم في الفنادق الفاخرة، وتتم رشوتهم بمكافآت، فمن سوف يتكلم عن الشعوب؟ وإذا ذهب مثقف إلى عدة أنظمة فسوف تتهاوى عقليته النقدية، وسوف يتحدث في حقول فكرية وثقافية وسياسية مقبولة من قبل المناخ الملوث. ومن هنا ستنمو المدارس الفكرية التي لا تقول شيئاً، والآداب والعلوم المعلبة والمنتهية الصلاحية للاستعمال الثقافي السليم والصحي. وهذا ليس دعوة لكي لا يذهب المثقف بل لكي لا يتم أصطياده من قبل شبكات الأنظمة والوزارات، ولكي لايُحبس في فندق خمس نجوم، بل أن يذهب للتعرف على حياة الشعب الذي من أمواله دفعت له التذكرة وتكاليف الضيافة، وأن لا يقيد جسده كما أغلق فمه، وأن يذهب للأزقة الشعبية ويكلم الناس ويتعرف على صحف المعارضة وأدبيات الأدباء والفنانين المهمشين. فهذا المال الذي دُفع كرشوة لا ينبغي أن يُقبل كذلك، بل أن يُرد الجميل للشعب الذي سُحب منه هذا المال، فيتحول في لسان الشاعر قصيدة، وبقلم الناثر يغدو صرخة أو صفعة! إن مسلسل إفساد الثقافة والعلم ينتشر بشكل وبائي، وقد راحت الإدارات تخلق الطبالين من كل لون وصنف، وهم طبالون وليسوا كتاباً يناقشون ما هو سلبي وإيجابي، وكما أفسدوا بلدهم فيريدون إفساد كتاب وصحفيي الدول الأخرى، وقد كانت الدول الدكتاتورية العنيفة السابقة هي أكثر من حول هذه الظاهرة إلى عالم كامل مفسد للصوت والكلمة، وصارت الآن هذه الطريقة سياسة عربية رسمية. كانوا يعيبون على الجواهري تضامنه مع قضايا الشعب والأمة، وعلى هذا الصوت المجلجل الذي يملكه وينتج المظاهرات، لكننا الآن نريد ولو نصف صوتٍ مجلجل.. وصار الدينيون يوجهون سهام النقد للحداثيين العاجزين عن التضحية، والذين يهيمون بالمآدب بينما هم يهيمون بالاستشهاد! ونحن لا نريد عقلية الحزام الناسف فهذه سيئاتها أكثر لأنها ثقافة موت وطريق هدم، لكن بين الانبطاح والانتحار هناك مسافة النقد الموضوعي، والوقوف مع المقموعين والمضطهدين، وتعرية المساوئ بالكلمة والصورة والريشة وبالفيلم والمسرحية والبحث، حتى تتراكم ثقافة الحقيقة والمسئولية بدلاً من أن تزدهر ثقافة المقابر أو ثقافة الكروش المنتفخة من المال الحرام!
مثل أي نظام عربي يعتبر الديمقراطية مناورة سياسية غير مرتبطة بوجود نظام علماني راسخ، قامت السلطة الفلسطينية بإجراء إنتخابات تشريعية جاءت على رأسها حركة حماس في مفاجأة كبيرة للجميع. هذه المفاجأة تعكس تناقضات الوضع الفلسطيني، فقد قامت حركة فتح بقيادة النضال الوطني وتقدمت به إلى آفاق كبيرة، وكأي حركة سياسية وطنية في الشرق كانت حركة شمولية، ذات شعارات فضفاضة، غير راسخة في مسائل الحداثة المحورية؛ وهي العلمانية والديمقراطية والعقلانية، لكنها لم تخلُ من ملامحٍ منها، تبدو على شكل شعارات، وكان أهمها مشروع تشكيل دولة فلسطينية على أي تراب فلسطيني مُحرَّر وتكون دولة علمانية وديمقراطية مفتوحة لكل السكان فيها. كان هذا الخيار ذاته صعباً في ظل منظمات فلسطينية متطرفة قومياً، تنادي بدولةٍ من النهر إلى البحر، وتستخدمُ الكفاحَ المسلحَ فقط، وهو أمرٌ يعكسُ مستوى الوعي السياسي الفقير في هذه المنظمات، وعدم معرفتها بالواقع الذي تريد تغييره، سواءً من حيث عدم معرفة القوة الإسرائيلية أو واقع البلدان المحيطة بها أو آفاق نضال شعب فلسطين في الداخل. وأهم نقطة في هذا عدم درسها لتناقضات الدولة العبرية وكون هذه التناقضات هي قاعدة التحرك المنتظر، لكنها كانت ذات نظرة متجوهرة، غير تاريخية، وغير طبقية، فهناك فلسطين وهناك إسرائيل، هنا أبيض وهناك أسود، ويجب أن يسود الأبيض ويُسحقُ الأسود، وهي نظرة دينية شرقية جامدة ضاربة في القدم، لا ترى في الدول والحضارات تكوينات تاريخية مرحلية متناقضة، يكمن العمل السياسي الثوري في كشف تلك التناقضات وحركيتها وتوظيفها لصالح الأغلبية الشعبية. لكن كانت حركة فتح أكثر هذه المنظمات مقاربة للظروف الموضوعية، عبر طرحها شعار الدولة العلمانية الديمقراطية، مما كان يفتحُ الأفقَ لجذب أقسامٍ من الإسرائيليين للعمل المشترك، وكان هذا يضربُ جوهرَ الصهيونية بشكلٍ عميق، وقد زواجتْ فتح بين العمل العسكري والنضال السلمي، وانفتحت على كل الجمهور الفلسطيني والدول العربية، وهذا كله أكسبها حضوراً قيادياً رائداً. لكن من جهة أخرى ظهرت القيادة الفردية وشكلت بيروقراطية داخلية، وهيمنت على فتح، وعلى منظمة التحرير، وعلى الدخول النقدية فيها، معطية أدواراً ثانوية للقوى السياسية الأخرى. كذلك لم تكن بعيدة عن المغامرات العسكرية، حيث كان الواقع الفلسطيني والكيان الإسرائيلي يبدوان لها في حالة سكونية، ومادة فعلٍ سلبية، وأنها هي صانعة التغيير، وهي ثقافة موجودة بقوة لدى الفلسطينيين في الداخل كما في الخارج. وكان الحراكُ الطويل لهذه القوة النضالية في الخارج عاملاً جاذباً للكثير من القوى السكانية المشردة بفعل المجازر الإسرائيلية والغزو الفاشي، وهي الطبعة الأولى من الصهيونية، مما أدخل في فتح وغيرها من المنظمات جمهوراً بلا خبرة سياسية وقابلاً للنضال ولكل المغامرات المجنونة كذلك. وكما ظهر الخط الوطني المعتدل في فتح ظهر الخط الوطني المتطرف في (الجبهة الشعبية) وغيرها من المنظمات القومية، ووجدت بعضُ الدول العربية في هذا الانقسام فرصة لاستثماره وتقرير حركة الشعب الفلسطيني من خارجه، ووجدت دولٌ أخرى صيغة مغايرة عبر ترسيخ منظمة فتح كقائدة للشعب الفلسطيني، وجعل رئيسها رئيساً للدولة التي تعيش حالة مخاض الولادة العسير. ولكن كل هذا الحراك السياسي الخارجي البطولي والمغامر والنازف آلاف الشهداء، والمؤجج لصراعات المنطقة ومشاكلها، لم يثمر عن تحريرِ بوصةٍ واحدة من التراب الفلسطيني! وكان الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي البداية الحقيقية لفتح الطريق للتحولات، وهو أمرٌ كان يبدو كخيانةٍ عظمى، وكارثة قومية لدى المتجوهرين وأصحاب الرؤى الساكنة الدينية، فظهرت في وجهِ هذا الحوار منظماتٌ متخصصة في الأغتيال كأيلول الأسود وغيرها، وشاركتها المخابراتُ الإسرائيلية في قطعِ رؤوسِ الوطنيين والمثقفين البارزين الذين كان بعضهم يقود الحوارات وبعضهم يقود العمليات العسكرية. لقد أدى الجدبُ السياسي في النضال الخارجي، وتشتت الجيش الفلسطيني في المنافي البعيدة بعد إحتلال لبنان، إلى أن يبرز العاملُ الوطني الداخلي في كل من فلسطين وإسرائيل، ليغير هذه الصفحة التي استمرت عقوداً. لقد بدأ وعي وطني علماني ديمقراطي يتغلغلُ في صفوف جماهير هاتين الدولتين، حيث بدأ الشعبُ الفلسطيني في الضفة وغزة يدرك كونه شعبَ دولةٍ مغيبة، وأن الشعوب الأخرى لا تستطيع تحريره، وعبر الحجر الذي يملكه كلُ ولد فلسطيني بدأت عملية التغيير الشعبية، وكان الجمهور الإسرائيلي قد تعب من الحروب ومن سيطرة قوى العسكر والمال المغامرة بمصيره وظروفه خدمة لمشروعات دينية متطرفة أو لمؤامرات غربية فاشلة. لقد بدأ تاريخٌ آخر، وقامتْ الطليعة الفلسطينية الخارجية بدورها في التحريك السياسي، لكن الآن بدأت الأرض هي التي تتكلم. وغالبية الفلسطينيين هم من المسلمين فيما يمثل المسحيون ما يقارب 10%، والمذهب السائد هو المذهب السني، حيث تداخلت المذاهب السنية في نسيج واحد خاصة في الدول خارج الجزيرة العربية خاصة. ولهذا فإن الصراعات المذهبية لم تتواجد داخل الحركات السياسية الفلسطينية، لكن هذه الحركات تأثرت ببلدان النزوح المختلفة، فأكتسب بعضها طابع اليسار المتطرف، خاصة التي تواجدت في سوريا ولبنان، فيما نشأت حركة فتح في الكويت متأثرة بجوها السياسي الديمقراطي العلماني السني في ذلك الوقت، وراحت تمتد في الأردن والأرض المحتلة. ولكن تجربة الشعب الفلسطيني في بلدان النزوح اتسمت بالاضطراب الشديد، بسبب القمع والتضييق العربي الحكومي، وتعدد بلدان النزوح وتبعية أقسام من الفصائل لبعض الحكومات العربية التي إستغلت ظروف الهجرة والفقر في خلق قوى سياسية تابعة لها داخل النسيج السياسي الفلسطيني ثم قامت هذه القوى بالانقسامات والصدامات والتبعية البوليسية لتلك المراكز ففجر ذلك العديد من المواجهات. وعموماً كان الاضطراب في تجربة فلسطيني النزوح أكثر بكثير من الداخل، وخاصة في قطاع غزة المتضخم بالسكان والذي تغلغلت فيه حركة حماس خلال عقود طويلة. والتقت تأثيرات الاضطراب السياسي في الخارج وعدم المعرفة الدقيقة بأحوال الشعب الفلسطيني من قبل القيادات العائدة من المنفى بالمحافظة الشديدة في غزة وأنتج ذلك إنقساماً على صعيد الأرض المحررة المستعادة! مثلما أن القوى الحاكمة في إسرائيل تمكنت من بعد تطوراتها العسكرية والاقتصادية الكبيرة من التحكم في الأرض الفلسطينية وتحديد إتفاقيات السلام وربطت قسماً كبيراً من العمالة العربية بها، ووضعت المتشددين الفلسطينيين في زاوية ضيقة، توجهاً لرسم خريطة سياسية متطابقة مع مصالحها وأفق تطورها. وبهذا فإن القوى الشعبية الفقيرة الفلسطينية هي أكثر القوى معاناة في المنطقة، عبر الأجور المتدنية الحضيضية، وبغياب الموارد في الضفة والقطاع، وسوء الحياة المعيشية وترديها في مخيمات النزوح في لبنان وسوريا والأردن. وهذه المناطق والمخيمات قادرة على توليد سياسات متطرفة تستغلها الحكومات المختلفة من أجل تفجير الصراعات السياسية مثلما يحدث في لبنان. أو أن يغدو الفلطسينيين الفقراء كبش الفداء في الصراعات السياسية العربية كما حدث في العراق على مدى حروبه المختلفة، وفي الأيام الأخيرة كانوا ضحايا السلام مثلما تم لجؤهم على الحدود العراقية. لم تكن سياسة الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات على رغم العديد من إنجازاتها حكيمة في العلاقة مع بعض الدول العربية الشمولية التي أضرت بالقضية، بخلاف الرئيس الحالي أبو مازن الذي وجه السياسة نحو الاعتدال وإقامة علاقا جيدة مع كل الدول العربية. عكس التوجه الفلسطيني لخلق مؤسسات منتخبة رغبة الإدارة الأمريكية في زمن الرئيس بوش تحقيق مسحة ديمقراطية لأصدقاء الحكومة الأمريكية في المنطقة العربية، وإذا كان هذا هدف أصيل كذلك للشعب الفلسطيني إلا أن التطورات الداخلية الفلسطينية الإيجابية هذه جاءت بتسريع لم يـُنضّج له على مستوى البُنى الاجتماعية والسياسية، التي هي مثل غيرها في الدول العربية بُنى تقليدية ماضوية لا علاقة لها بالديمقراطية الحديثة. وإذا كانت فتح ذاتها قد إستغلتْ هذه البنى في سيطرتها السياسية، ووضعت رجلاً أخرى في الحداثة كذلك، فإن عملية التسارع في السيطرة على الضفة والقطاع بعد الإنسحاب الإسرائيلي، تنفيذاً لإتفاقيات أوسلو، لم تتشكل عبر جبهة حداثية فلسطينية علمانية ديمقراطية بقيادتها. عبرت هذه الإتفاقية عن مستويين؛ مستوى الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي، ومستوى القوة الفلسطينية المحدودة على الأرض. ولثاني مرة يحدث إنسحابٌ إسرائيلي من أرض عربية كبيرة (بعد مصر)، ويخلف إنفراجاتٌ سياسية وتقدماً اجتماعياً مهماً، مما أكد أهمية سياسة السلام في خلق التحولات بعد كل تلك الكوارث للحروب السابقة. ومن جهة أخرى فإن الانسحابات المحدودة التي لا تحل مخلفات الأحتلال الإسرائيلي بالكامل، تعني بقاء سيطرة القوى العسكرية – الدينية المتنفذة في إسرائيل، واستمرار المواجهة مع أطراف عربية أخرى، وهو أمرٌ يؤدي إلى عدم حل القضية الفلسطينية ذاتها. إن التسويات المنفردة رغم تمثلها للتقدم الهام إلا أنها تحوي بذور الصراعات والحروب أيضاً، فالصراع العربي – الإسرائيلي يحتاج إلى تسوية تاريخية عميقة شاملة، على مستوى تعاون الأديان السماوية، وعلى مستوى تصالح الشعوب، وعلى مستوى إزالة الإحتلال. وبهذا فإن توجه فتح لحكم الضفة والقطاع وجعل أجهزتها تهيمن عليهما، بعد عقودٍ من الأحتلال الذي خلف الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فجعلها هذا التسرع المتعدد الوجوه تتعرض لانتقادات كبيرة من الجمهور الفلسطيني، الذي بعد أن فارق نشوة التحرير أرجعته صرخات البطون والبيوت والحشود الفقيرة إلى الأرض الحادة. وكان التسريعُ (الديمقراطي) يعتمدُ على تلك المنظمة الفتحاوية الجماهيرية العريضة، غير الراسخة في بناها العلمانية الديمقراطية، والتي قبلتْ وجود الأحزاب الدينية، وبجعل تنظيم سياسي آخر يمثل الإسلام وحده، وبهذا فقد نزعتْ صفة الإسلام عنها وعن بقية الأحزاب العلمانية. ولم يكن فضاء نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين مثل أزمنة الستينيات فقد غاصتْ المجتمعاتُ العربية في أزمة فشل التحديث الرأسمالي المحافظ بعجز تلك الأنظمة عن مقاربة الحداثة، وصعد محور دول العراق وإيران والجزيرة العربية، النفطي المحافظ الأكثر من السابق، وراجت الشعاراتُ المذهبية السياسية كشكلٍ لتدفق سكان القرى والبوادي على المدن العربية، طارحة فضاءً غيبياً لحل الأزمات السياسية والمعيشية. وقد استثمرت منظمة حماس التكوين الإسرائيلي الأولي لها كمنظمة يكمنُ دورُها في شقِ صفوف الفلسطينيين، وخاصة شق منظمة التحرير، وكذلك بقائها الطويل المهادن على الأرض خلال عقود، وذلك الغياب للوعي الديمقراطي والعلماني وسط الجمهور الفقير الحاشد الذي امتلأت به أزقة غزة خاصة، وبهذا فقد كانت الانتخابات التي قلبت الأوضاع السياسية وشقت الفلسطينيين على مستوى المؤسسات وعلى مستوى الأرض، هي جزء من المتغيرات الفلسطينية التي جرت في الجمهور، وجزء من متغيرات المنطقة. لقد جمدت فتح منظمة التحرير التي كانت مؤسسة مهمة لصقل الفكر الفلسطيني الديمقراطي العلماني المفترض والإسلامي العميق كذلك، وتحولت إلى تنظيم فضفاض، راح كوادرهُ يستولون على موارد مهمة، وبطبيعة الحال لم تكن قادرة على أن تكون معبرة عن برجوازية فلسطينية قوية، لضعف الصناعة ولعوامل الشتات، وحروبها، التي كانت كلها ضرباً للرأسمال الفلسطيني وللعمال. وكان قادة حماس قد سيجوا الفقراء حولهم بشعاراتِ الغيبِ (الإلهية)، المؤدلجة لمصلحة بعض قوى الأرض الفاسدة، واستثمروا خطاب العنف الفلسطيني الإلغائي الطويل، (دولة من النهر إلى البحر) والذي تكرس بقوة في انفعالات الشعب العاطفية الحادة، وعلى بحار الدم الفلسطينية، فانتصروا انتخابياً وعمقوا أزمة الشعب الفلسطيني أكثر فأكثر. وبهذا كانت الضربة لدكتاتورية فتح، وتبياناً لخطورة الخطاب العنفي الفلسطيني العاطفي، ولعدم التحضير المطول لإنشاء دولة علمانية، ولعدم تكريس سياسة السلام، ولعدم قراءة الإسلام بعمق. وقد سارعت فتح في الحفاظ على سلطتها الحزبية، فأصدر المجلسُ التشريعي المنتهية صلاحياته والذي تسيطر عليه فتح عدة قرارات كبيرة محورية، وهي صدور مرسوم رئاسي بتعيين رئيس الموظفين كتابع لديوان الرئاسة، ومنع الحكومة المقبلة من تعيين أو فصل الموظفين، وتعيين أمين عام للمجلس التشريعي الجديد من فتح، وإنشاء محكمة دستورية يعينُ الرئيسُ الفلسطيني قضاتها، ونقل مسئولية الأجهزة الأمنية للرئيس مباشرة وليس لوزير الداخلية كما يُفترض، ونقل الإذاعة والتلفزيون إلى إدارة الرئيس كذلك، وبهذا قامت فتح بإفراغ سلطة حماس من نفوذها الأمني والإعلامي، رغم إنها حكومة منتخبة. ولم تتقبل حماس هذا التحجيم ولم تقبل بدور العمل لتغيير أوضاع الشعب الفلسطيني الحادة، وابتعادها عن سلطات الرئيس التي غدت رسمية قانونية، فتوجهت للصراع مع مؤسسات الرئاسة ومن ثم الأنقلاب على السلطة العليا، وعدم القبول بقرارات الرئيس، ثم فصل قطاع غزة عن الضفة. كان عدم توجه حماس للتركيز على أوضاع الشعب المعيشية التي كان ينبغي أن تكون بؤرة نشاطها الحكومي المفترض والتي أُنتخبت على أساسها، يعبر عن رؤية متضخمة لذاتها، ولكونها تتجاوز أطروحات فتح والقوى الوطنية الأخرى، فهي تحمل هوية (إلهية) قادرة على هزيمة إسرائيل عسكرياً، بعد أن عجز عن ذلك فارس الفرسان، وتمخضت تلك الهوية الميتافيزيقية عن إنصراف عن الأمور المحورية الاقتصادية للسكان، وجرهم إلى معارك غير متكافئة مع الجيش الإسرائيلي، وتخريب وضعهم المعيشي السيء. ومن هنا فهي تخاف من أية إنتخابات جديدة بعد أن تم كشفها على صعيد الممارسة السياسية الضعيفة على الأرض. ومن الواضح بأن ذلك كله جرى وليس في حماس إهتمام جدي بعملية السلام المحورية في حياة الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد جاءت على أجنحة رؤية تصادمية هي إستمرار للماضي العنفي، وحاولت أن تجعل من الضفة وغزة الخارجتين بصعوبة من الأحتلال منطقتي حرب وبداية لتحرير فلسطين. وقد توافق هذا مع سياسة المحور الإيراني – السوري، ومع صقور المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والحركات الدينية اليهودية المعادية للسلام، وهي قوى تشترك من خلال مواقعها المختلفة في تأجيج التدخلات في الدول والنزاعات وتوتيرها خدمة لأهدافِ كلٍ منها الخاصة. وبهذا أصبح لفلسطين جسمان جغرافيان منفصلان، عوضاً عن ضم الجسم الثالث السليب. وبدلاً من رئيس واحد صار لها رئيسان. وصارت لها دولتان وعلمان، العلم الفلسطيني الرسمي والعلم الأخضر. وصار لها نشيدان الخ..! وإنشغلت الضفة بطلب المساعدات وتغيير أوضاع الناس الاقتصادية وأنشغلت غزة بإطلاق الصواريخ، ومقاومة الحصار، وضاع برنامج التحرير والسلام إن لم يكن قد ضاع وجود الشعب. لا بد من القول كلمة هنا حول استثمار حماس للإسلام، وهو بخلاف الاستثمار الفتحاوي الانتهازي النفعي السابق الذكر، فهو إستثمار رجعي متضخم، فقد حاولَ قادة حماس أن يضعوا أنفسهم مقاربة لمنزلة النبوة في صراعها مع اليهود، فكأنهم في نفس النزال ونفس المكانة! وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يواجه مجموعة ليست بضخامة اليهود الحاليين، ولا بعدتهم ولا بعلاقاتهم الجبارة مع قوى الهيمنة في العالم، وكان بقربه مئات الآلاف من العرب إستطاع أن يحركها ويوظفها، فكان صراعه معهم صراع اقتدار وانتصار ولغاية (تأسيسية) للأمة، وبعد ذلك جاء التعامل المغاير معهم ومع غيرهم بحسب إنسانية وديمقراطية الحركات والدول الإسلامية، أما صراع حماس الراهن مع إسرائيل فهو صراع إنتحار وكوارث على الشعب الفلطسيني! فلا يجب توظيف آيات القرآن توظيفاً خاطئاً شرعاُ وسياسة، وإجراء عمليات المماثلة بين تاريخين مختلفين، في وضعين مغايرين، فتكون إساءة مزودجة لتاريخ الإسلام ولرموزه وللوعي والمسئولية في السياسة المعاصرة. كانت الأوضاع الاقتصادية متردية في الضفة والقطاع منذ بداية القرن العشرين فيما تكشفه الأرقام، فيصف تقرير للأمم المتحدة الأوضاع بالصورة التالية: (ذكرت بعثة منظمة العمل الدولية في تقريرها أن عمليات إغلاق الحدود الإسرائيلية ونقاط التفتيش بين الأراضي المحتلة وإسرائيل والبلدان المجاورة أثرت تأثيراً مأساوياً على اقتصاد المنطقة. فهبطت الأجور الحقيقية للعمال الفلسطينيين في إسرائيل بنسبة 46% تقريباً في 2001 مقارنة بالعام السابق، في حين تدنت إيرادات السلطة الفلسطينية بنسبة تزيد عن 70%. وذكر التقرير أن تصعيد العنف والاحتلال العسكري للأراضي تسببا في أضرار مادية كبيرة بالبنية التحتية والأراضي الزراعية. وتقدر الأرقام الأولية تكلفة إعادة بناء المباني العامة والخاصة والبنية الأساسية في الضفة الغربية وحدها بنحو 432 مليون دولار أمريكي. وأضاف التقرير أن النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي بالمناطق الفلسطينية هبط بنسبة 12% في عام 2001 كما هبط الدخل القومي الإجمالي الحقيقي – وهو مجموع الناتج المحلي الإجمالي وعامل الدخل المكتسب في الخارج (أجور العمال الفلسطينيين المكتسب في إسرائيل) بنسبة 18.7%. ولاحظ التقرير أن أكثر من 90% من السكان الفلسطينيين يعتمدون على شكل من أشكال الدخل الناتج عن عمل في الأراضي المحتلة. وأضاف أن ” أي هبوط في الاستخدام في الدخـل الناتج عن العمل يترجم فوراً إلى هبوط في الاستهلاك والرفاهة”. وتشير التقديرات الأوليـة للمكتب إلى أن “البطالة يمكن أن تصل إلى قرابة 43% في الأراضي المحتلة خلال الربع الأول من عام 2002. وقد ازدادت النسبة المئوية للسكان الذين يعيشون في فقر (اقل من 2.1 دولار أمريكي يومياً) من 21% عام 1999 إلى 33% عام 2000 وإلى 46% عام 2001. وذكر التقرير أن الرقم يمكن أن يصل إلى 62% عام 2002. ووفقاً لما ورد في التقرير، فإن إسرائيل لم تنج من الانتفاضة. فقد عانى النشاط الاقتصادي في إسرائيل من انكماش حاد خلال عام 2001 بهبوط الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.5% خلال عام 2001 بعد زيادة بلغت 6.4% عام 2000. وقد تضرر الاقتصاد الإسرائيلي بشدة نتيجة ثلاث صدمات اقتصادية: تباطؤ الاقتصاد العالمي في النصف الثاني من العام 2000؛ وتدهور الوضع الأمني لنشوب انتفاضة 2000؛ وعواقب أحداث 11سبتمبر. واستطرد التقرير قائلاً “وكانت الصناعات عالية التكنولوجيا هي الأشد تضرراً من جراء تدني النشاط في الاقتصاد الأمريكي، يليها هبوط بنسبة 50% في عدد السائحين في 2001 نتيجة أحداث 11 سبتمبر، وتدهور الوضع الأمني الداخلي. وتعرض النشاط في قطاع البناء لفوضى حادة نتيجة الانسحاب المفاجئ لنحو 000 55 عامل فلسطيني، فضلاً عن هبوط الطلب المحلي والاستثمار العام. وامتدت هذه الصدمات التراكمية إلى الاقتصاد برمته. وارتفعت البطالـة بشكل متواصل خلال عام 2001، من 8.1% في الربع الأول إلى 10.5% في الربع الأخير – أي ما يساوي 000 267 شخص. وأضاف التقرير أنه “تم استدعاء نحو 000 30 من قوات الاحتياط للخدمة العسكرية في الربع الأول من عام 2002، الأمر الذي قد يحدث أثاراً ضارة على أنشطة. واختتم تقرير المكتب قائلاً “يدفع السكان الفلسطينيون والإسرائيليون ثمناً باهظاً للاحتلال والعنف. ويشهد الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الأراضي المحتلة تدهوراً يومياً مع ارتفاع مستويات الفقر والبطالة التي أصبحت عملياً أزمة إنسانية سائدة). لقد غدت البنية الاقتصادية الفلسطينية معتمدة على البنية الاقتصادية الإسرائيلية، وليس ثمة إمكانية للتفكيك بينهما، وأي علاقات توتر تنعكس على المعيشة بين الشعبين، كما يجري ذلك أيضاً على المستويين المصري والأردني بدرجتين أقل. ولهذا فإن غالبية الشعبين تتطلع إلى علاقات جديدة بينهما، وبهذا فإن الأوساط المتطرفة في كلا الجانبين خفتت لكنها لا تزال قوية كذلك، فالقوى اليمينية المتطرفة الإسرائيلية ترفض أي إنسحابات وتقوم بتوسيع المستعمرات، وتعزز الجدار الفاصل، وتريد حدوداً تختلف عن حدود 1967، في حين تقوي حماس والجماعات الدينية المتطرفة في غزة التوتر وترفض الحلول السلمية لهذه الأزمة الرهيبة الطويلة التي إستنزفت الشعب الفلسطيني بدرجة خاصة لأسباب غدت واضحة. ومن المؤكد بإن الحل النهائي للأزمة لن ينهي العلاقات بين الجانبين بسبب اعتماد العمالة الفلسطينية الكبير على الاقتصاد الإسرئيلي، وبسبب تدني أجور هذه العمالة وتفاقم الهجرة اليهودية من إسرائيل المضطربة نحو الغرب. وفي دراسة أمريكية إستطلاعية عبرت شريحة من المواطنين العرب والإسرائيليين في داخل إسرائيل عن تأييدها للتعايش المشترك بين الجانبين: (أظهرت نتائج استطلاع الرأي أن أغلبية مهمة من المواطنين اليهود والعرب يؤيدون التعايش، إذ عبرت الغالبية العظمى من المواطنين اليهود (73 %) والمواطنين العرب (94 %) عن رغبتهم في أن تكون إسرائيل مجتمعاً يقوم على الاحترام المتبادل بين المواطنين العرب واليهود وعلى تكافؤ فرص.)، (عن شبكة العلمانيين العرب). إن نمو الفلسطينيين داخل إسرائيل يتزايد وهم يشكلون 20% من السكان، ويزاد حضور اللغة العربية وتدريسها في الجامعات الإسرائيلية. ومن المؤكد إن نمو علاقات سلمية سوف يزيد الحضور السياسي للجمهور المدني وخاصة القوى العاملة المتضرر الأكبر من الصراع، وبالتالي فإن هذا سوف يزيد من حضور الأحزاب الديمقراطية والتقدمية في الجانبين.
يتوحد الانتهازيون في ثقافة ذات أنماط عامة، وهي الثقافة الأكثر انتشاراً في العالم العربي والأخطر حضوراً، ولا بد من درس قوانينها وتجلياتها كماة خام للدرس. تنقسم هذه الثقافة إلى شكلين أساسيين، الشكل اليميني والشكل اليساري، لأن هذين النمطين يصوران نفسيهما بالدفاع الأقصى عن الناس، لكن هذا الدفاع الأقصى هو شكل من خداع الناس كذلك! إن هذه الحمية والعاطفية الشديدة والكلمات الحادة ولغة الأستعراض والأدعاء هي أمور توحد الفريقين رغم تعارضهما الظاهري، فهما يعتمدان على خلق مزايدة ما سواء بهذا الاتجاه أو ذاك ويبتعدان قدر الإمكان عن التفكير الموضوعي. فهناك دائماً فيهما انتفاخ ذاتي، يغطيانه بألفاظ ملتهبة، ليغطيا به عن ضحالة تحليلهما، عتمدين على المساعدة الضمنية المتوارية التي تأتي من القوى السائدة في المجتمع. حين يكره الاتجاه الانتهازي قوى المعارضة فهو يضخم أخطاءها بهدف الكسب من جهة أخرى. وحين يضخم من أخطاء الحكومة فهو يهدف للتقرب إلى أتجاه آخر. إنه لا يقدم تحليلاً موضوعياً يمكن عبره تطور الحالة السياسية وتغيير الظروف الاقتصادية دون أن يبالغ في الصواب أو الخطأ. كما أن الحالة الدينية وأهميتها في حياة المسلمين تجعل بعض الاتجاهات تبالغ فيها، فجأة يصبح بعض الأشخاص المنافحين عن جماعة معينة من المسلمين ويقوم بالضخ التشنجي التعصبي فيها، بغرض إستغلالها واستثمارها لمصالحهم، وينبهر بعض البسطاء بهذه الحالة، فهم لا يتحدثون عن أخطاء هذه الاتجاه، بل يتعمدون ذكر فضائله من أجل أن يستغلوا هذا الشحن العاطفي لمصلحتهم. وتتناقض مثل هذه الآراء الشخصية في كلها، فهم يمدحون هذه الاتجاهات في بلد بعيد، فإذا جاءوا لبلدهم انتقدوها! وأقرب شيء لذلك هو مدح الزعماء وإستغلال أسماء الرموز، وجاءتنا فترة غثة سابقة أندفع بعض (المثقفين) فيها لتأييد شخصيات دكتاتورية فقط لمجرد إرضاء مشاعر عابرة هنا أو هناك! لماذا يتركز المدح أو الذم على الأسماء الحادة في سياستها؟ ! فمثل هذه الشخصيات عرفت بالحدة في السياسة والتعصب وقيادة شئون البلدان إلى حافات الهاوية؟ لماذا لا تتوجه أفكارنا للتخفيف من حدتها من أجل الحفاظ عليها ومن أجل تطوير نهجها بدلاً من سيول المديح التي تفقدها الرزانة والعقلانية فتتوهم إن كل ما تفعله صواب؟! ومن البشري الذي لا يخطئ؟ ! لماذا لا نحافظ على هذه الشخصيات بشكل عقلاني نقدي فلا نضخمها ونحولها إلى آلهه! وإذا كانت شخصيات دكتاتورية تمت إزالتها ينهمر عليها نفس المديح بغرض إيجاد بدال لها، وهي قد خربت ما خربته؟ ألسنا قادرين على تطوير النهج الإسلامي والنهج القومي بشخصيات موضوعية رصينة تدافع عن هذه الثوابت بشكل حديث ونقدي؟ هل عدمت الأمة إلا من شخصيات السحل والحرب والمحو للآخر؟ ولماذا تكون الشخصيات المعتدلة والزعامات البعيدة النظر والداعية للسلام هي في نظر هذه الكتابات والسياسات الانتهازية هي العدو؟ لماذا خلق هذا التشنج؟
النقدُ الذاتي من جميع التيارات للحراك السياسي ليس نقداً موضوعياً قائماً على قراءةِ الأنظمة ومسارها المطلوب في التاريخ الراهن العاصف. لاتزال ثوابت الحداثة مرفوضة من قبل الفرقاء، الديمقراطية: تداول السلطة، العلمانية: إبعاد المذاهب الدينية السياسية عن الصراع والتعاون الاجتماعي السياسيين، العقلانية: إدارة الصراع وفق العقل والسلام الاجتماعي. الصراعُ المذهبي السياسي المتفاقم هو شكلٌ صراعٍ غير عقلاني بين دول كبيرة وتُستخدم فيه المذاهب كحطب لتفجير المنطقة والذي وقوده الشباب والبشر عامة. المعسكران يرفضان ثوابت الحداثة، وتنساق القوى التحديثية ذات التاريخ الوطني لتأييد هذا المعسكر أو ذاك. في حين يجب أن تؤدي ممارستها إلى تراكم الحداثة السياسية والوطنية في كل دولة ومنع الحروب وخاصة الأهلية منها. المجتمعات العربية الإسلامية في صراعها بين الإقطاع السياسي والإقطاع الديني حولتْ القطاعات (العامة) وهي رأسمالية الدولة لخدمة الارستقراطيات المذهبية في شكلين رئيسيين من التنمية أولهما عسكرية شاملة خطرة وثانيهما خدمة للمحافظ النقدية الغربية بشكلٍ كبير وترك المجتمعات بأمس الحاجة للرساميل. ويُفترض من القوى التحديثية التي انزلقتْ لتأييد أحد طرفي النزاع، أن تنسحب من هذا التأييد وتعمل لبنية سياسية عصرية ديمقراطية توحيدية للشعوب والدول. من الضروري تحويل رأسمالية الدولة أي دولة، لتكون رأسمالية دولة وطنية ديمقراطية، تخضع ماليتها للبرلمانات المنتخبة، وللحكومات المنبثقة عنها، فيما تُترك للرأسماليات الخاصة النمو والتوسع في كل المجالات. إداراتُ الدول التداولية تجري بين الأحزاب المعبرة عن طبقات وليست معبرة عن طوائف، لأن التعبير عن طوائف سوف يؤدي إلى توجه الرساميل نحو منطقة طائفة، أو قومية، ومصالح النخب فيها وليس ان يجري التداولُ الديمقراطي الرأسمالي الوطني لتطوير الانتاج لكل بلد وشعب، وهذا يؤدي إلى إفشال مشروعات الطائفية السياسية وينتج الدولة المدنية الجامعة. لكن ممثلي الأحزاب في خلال الصراعات وبعد فشل نتائجها وانتكاسة ثوراتها استمروا في رفض الثوابت التحديثية الديمقراطية العلمانية وبقوا في معسكرات الطوائف السياسية وخندقي الصراع في العالم العربي الإسلامي، وهو ما يمثل خطورة على السلام والأمن والتقدم في المنطقة، نظراً لضخامة الآلات العسكرية ومواد الطاقة الهائلة ومخاطر الانفجار الشامل. لديهم نظرة تجزيئية ويركزون على دعم الجماعات الطائفية أو على الدول الطائفية، على الإقطاع المذهبي المتعدد الأشكال، أو على الإقطاع السياسي وهيمناته على الأموال العامة. هم يتخندقون مع القوى التقليدية التي تقود المنطقة للنزاع الحاد، ويصيرون جزءًا من القوى التقليدية، ويرجعون لحواضن الطوائف، ويرددون نفس مصطلحاتهم الدينية المؤدلجة للمصالح الضيقة المسببة للمشكلات السياسية والاجتماعية. تدهور الجماعات التحديثية من حيث الوعي وتآكل أدواتها الوطنية الديمقراطية بسبب انقساماتها وعدم التشبث بمناهجها التحليلية الطبقية، وتصاعد الانتهازية بين قياداتها وبعض قواعدها للحصول على المكاسب والطفو على السطح السياسي. لكنه سطحٌ سياسي مشتعل بحاجة للإطفاء والعقلانية والوطنية والسلام، وإعادة النقد إلى منهجيته الصحيحة وصبه في مشروعات سياسية وبرامج محددة، والدعوة لها في الدول والمنطقة عامة، من أجل تغيير سير القطار المناطقي المتجه للحرب وتصعيد العداوات بين القوميات والمذاهب والأديان، وتعبيد سكة جديدة له سكة الديمقراطية والحداثة والعلمانية. هذا يتطلب من القواعد وبعض القيادات التي لم تصبها عدوى الأمراض العصبية السياسية، وتتحلى بموقف طبقي واع يعبر عن الطبقات الشعبية والطبقات الوسطى الرأسمالية إلى العودة لمناهج ما قبل الوباء الطائفي العام ونقد جميع أشكال الدكتاتوريات باسم طبقة أو مذهب أو دين أو قبيلة أو إقليم أو قومية، واعتبار النموذج الديمقراطي الغربي هو أساس الاحتكام وعلى الدول والقوى السياسية أن تطبقه أو ترتقي إليه، لا أن تكرس تخلفها وتلوي أشكال السياسات والمناهج تبعاً لتخلفها وهيمنتها وطائفيتها. إن مجاملات الدول والأحزاب وهي بنواقصها وعدم تكامل برامجها لا يفيد شيئاً بل هو يضر بدورها الحاضر والمستقبلي، ولا يقدم إلى الجماهير خرائطَ طرقٍ حقيقية بل يوجهها نحو منزلقات وصدامات خطيرة.
عاشَ الشرقيون آلافَ السنين والتاريخ لا يتحرك، التاريخ جامدٌ لديهم مربوط بالجبال الرواسي، لأن قوى تاريخيةً جديدة لم تظهر، إلا في لمحاتٍ حين ظهرتْ مشروعاتُ فئات وسطى صغيرة من التاريخ وسط بحر بدوي أو وسط ركود ريفي مديد تسيجهُ حضاراتُ الأنهار الاستبدادية العريقة. الشرقيون لا يعرفون الحوار لأن الصوت الواحد هو المسيطر، صوتُ الطبقة الوحيدة على المسرح. حين قامتْ الانقلاباتُ العسكرية ظهرت طبقة جديدة على خشبة المسرح السياسي، لكنها لم تتداول الحكم، فلم تعرف الحوار. الحوارُ هو حوارٌ اجتماعي طبقي وليس ثرثرة طويلة تستمرُ عقوداً أو قروناً كما فعلت القوى السائدة الشرقية على مر التاريخ، ومن هنا كان الغربُ يسير والشرق واقف. الحوار هو إمكانية للطبقات أن تغير النسيج الاقتصادي الاجتماعي من خلال وجهات نظرها ومصالحها. العسكريون والأنظمة الشرقية الآسيوية غير الديمقراطية واقفون في عوالمهم وهم يظنون التاريخ متحركاً. ثمة بناءٌ ومشروعاتٌ وسفراء ووزراء وانتقالات لكنها كلها حركاتٌ في الفراغ. حركاتُ الفراغ إما أن تؤدي إلى التآكل الاقتصادي السياسي المُفتت وإما أن تكون مقدمة لتحول قادم، حين تظهر قوى وسطى اجتماعية تلملمُ شظايا الجماعات والمذاهب والطبقات في مشروع تحولي يفيد كل الطبقات. أشادت الحضارات الشرقية أكبر المباني في التاريخ عبر قوى العمل المجمدة فذهبت تلك المباني أدراج الرياح. دولُ حوض الخليج خاصة تعيشُ زمنية الفراغ التاريخي، زمنية الركود، وثبات القوى الاجتماعية التي هي ذات الصوت الواحد، ذات الطائفة ومستوياتها العليا المتحكمة في الاقتصادات. بدا التاريخ متحركاً ويضج في سنوات لكن ظهرت الطوائف لتصنع التاريخ، والطوائف لا تستطيع أن تصنع التاريخ، بل تعيده للوراء أو تجعله واقفاً متآكلاً يعيدُ أسطوانته على مدى الدهر. الطوائفُ تكويناتٌ مما قبل الطبقات، تمثلُ النسيج الشرقي الاستبدادي المحافظ غير الديمقراطي. الدول الاستبدادية المحافظة لم تسمح للطبقات الوسطى أو العاملة أن تصنع تاريخاً جديداً. الطبقاتُ العاملة مشروعاتها التاريخية أفلست حين اعتمدت الرأسمالية الحكومية الشمولية. الطبقاتُ الوسطى لم تُعطَ الفرصَ في الكثير من الدول. الحوار إما أن يكون حوارا داخليا (مونولوجا) وإما يكون حوارا خارجيا (ديالوجا). وقد سيطر الحوارُ الداخلي في التاريخ الشرقي، فالطبقات الحاكمة لا تحاور إلا أنفسها، فهي تستمعُ ثم تقرر هي نفسها. الحوارُ الخارجي الديالوجي هو حوار اجتماعي، تقرره صناديق الاقتراع، وجدل المصالح المختلفة المتآزرة في النظام الوطني المشترك. الجماعات التي تحكم بذاتها لذاتها تبقى نظاراتُها ترى أفقاً واحداً وسطحاً دائماً من الواقع، لأن مصالحَها المكرسة لا تسمح لها بأن ترى شيئاً آخر. لكن التاريخ الذي لا يمشي ينكسر في النهاية، ولم يعد الشرقُ سرمديا في سلطانه وبخوره وتعاويذه وحفلات الزار السياسي التي يقيمها، بل ظهر تاريخ آخر، ودخل العالمُ ديالوجا عالميا شرسا. فإما أن يدخل الشرقُ التاريخَ وإما أن يخرج منه.