عظماء الصوفية : الحلاج

الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد، في ستمائة صفحة، ويعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية، 2005.

هو أبو المغيث الحسين بن منصور بن محمى البيضاوي الحلاج وُلد في قرية الطور في الشمال الشرقي من مدينة البيضاء من مدن مقاطعة فارس بإيران وإلى الشمال من مدينة شيراز ، سنة 244 هـ ،858 م .
كان جده مجوسياً ، ويقال بأن [عمرو بن الليث الصفار ( حكم بين 269 إلى 287 هـ ) ألزم أبا الحلاج دفع ضريبة فادحة ، فلما أغلظ لهُ هذا في الجواب غضب عمرو فقتله ، فكان من الطبيعي أن ينتقل الحلاج بأسرته إلى مناطق أكثر أمناً ] ، ( 16 ) .
وقد نزلت أسرةُ الحلاج بواسط في فترةٍ مضطربة وقصد هو [ إلى تستر ( شوشتر الإيرانية) على نهر كارون ليصحبَ سهل بن عبدالله التستري أحد كبار الصوفية في القرن الثالث الهجري .. وتنقل الحلاج بين شيوخ التصوف المعاصرين حتى وصل إلى بغداد ليأخذ عن الجنيد البغدادي ( شيخ الطائفة ) الصوفية لأيامه.. لكن هذا لم يقبله قبولاً حسناً لثقة الحلاج المفرطة بنفسه ومبالغته في ممارسة الرياضات النفسية والجسدية ] ، ( 17 ) .
توضح هذه العبارات طبيعة الأزمة المحتدمة في الإمبراطورية الإسلامية المتفككة ، خاصة القسم الإيراني / العراقي منها ، وكيف أن الحرفيين كأبي الحلاج يتعرضون لعسف شديد واستغلال حاد بل وقتل، وهو ما يعبر كذلك عن انتماء الصوفيين كغيرهم من منتجي الثقافة إلى الشرائح الوسطى ، والصغيرة ، لكن منتج الثقافة هنا وهو الحلاج، يتعرض مع أسرته للاقتلاع من جذوره الإنتاجية بل والقومية ، وهو أمر يشكل خلفية معينة للغربة الاجتماعية والروحية .
وفي التوجه إلى بغداد العاصمة ملمحٌ مجِّسدٌ للجذب المستمر الذي يقوم به المركز السياسي والثقافي للمُـقتـلعَّين الريفيين، من جذورهم والذين يدخلون المدينة الكبرى ، كحطامٍ اجتماعي ولكنهم يتنامون كوعي مضادٍ لهذه المدينة وسيطرتها السياسية والاقتصادية المدمرة للأقاليم التابعة .
وقد قلنا بأن الوعي الصوفي ، هو شكل من الوعي الديني ، وقد ازداد انفصالاً عن الواقع ، أي أتجه إلى الجانب الأقصى من طبيعته الماورائية الغيبية ، فتمحور حول إنتاج صورة جديدة عن الله ، وهذا التمحور أتاح له كما قلنا أن يتغلغل في عقر عاصمة السيطرة الاستغلالية ، وهذا الإنتاج للصور عن الذات الإلهية يزداد تعقيداً وتركيباً ، وفي كل صورة جديدة يحاولُ قطبٌ ما تكريسها ، مستوىً جديداً من التغير الاجتماعي والنفوذ الشخصي لهؤلاء الأقطاب .
فالصورة الجديدة التي ينتجها القطبُ عن الإله هي بمثابة المستوى الإيديولوجي لهيمنته السياسية والاجتماعية ، والاختلاف والتباعد بين الأقطاب يعكس تنامي السيطرة لكل منهم ، وصراعاتهم في تكوين الدول السياسية الموهومة التي يشكلونها في عاصمة دار الخلافة .
وإذ تشتركُ كافة الصور عن الإله والتي يقدمها الصوفيون في هذه اللحظة التاريخية من تطور الأزمة الاجتماعية الإسلامية ، بكونها تحل صورة الإله المشارك بدلاً من صورة الإله المفارق التي تقدمها الدولة السياسية المفارقة للمواطنين الضحايا ، إلا أن الصوفيين المتميزين يحاولون تعميق هذه الخصوصية في صورة الإله التي يقدمها كلُ واحدٍ منهم .
وهذا التمييز يتشكل أثناء نمو الأزمة المحتدمة في المجتمع ، وبالتالي فإن كل زعيم صوفي يعبر عن معالجته لهذه الأزمة الاجتماعية من خلال الاستمرار في نحت صورة الإله عبر الوعي الصوفي ، أو تغييرها ، أو تفجيرها بدلالات جديدة .
وإذ تعبر هذه الصورة الجديدة عن موقف جديد للقطب الصوفي فكذلك هي تعبر عن تفاقم المشكلات للوعي الصوفي عامة ، وعدم قدرة كافة صوره المقدمة عن الإله، عن حل الأزمة الاجتماعية أو المساهمة في حلها .
بل أن الصورة الحادة العنيفة للإله المقدمة من قبل الصوفي ، ولا شك أن الحلاج هو ممثله بامتياز ، وهي التي تمثل الشكل الآخر من تطرف الصورة الشكلية المفارقة التي تقدمها الدولة الشمولية عن الإله ، وهي هنا الدولة العباسية في زمن هو العجز عن أن تكون حتى دولة ، تؤدي هذه الصورة الحلاجية عن الإله إلى مأساته الخاصة ، إلى استشهاده الدامي العنيف الفاجع .
من الواضح أن الحسين بن منصور الحلاج ، عبر رياضاته الصوفية العنيفة ، وسفره الواسع ، وقراءاته للفلسفات الصوفية البوذية والهندية ، وارتحاله إلى الحج وعباداته الطويلة ، كان يكوّن صورةً جديدة عن الإله ، راحت تهيمن على إنتاجه الفكري والشعري .
وإذ لا تعبر هذه الصور الصوفية عن الإله عن تكون نوعي مغاير ، فكلها علاقات حميمية مع الله، وعمليات تداخل متشابهة ، ولكن الصور المتنوعة هي بمثابة العلم السياسي المرفوع لكل قطب صوفي ، وهي تعبير عن موقفه الاجتماعي وكيفية محاولته لحل الأزمة السياسية المحتدمة .
فالحلاجُ حين يقول : [ سبحانَ من أظهرَ ناسوته / سرَّ سَنا لاهوتهِ الثاقبِ / ثم بدا في خلقهِ ظاهراً / في صورةِ الآكلِ الشاربِ / حتى لقد عاينـُه خلقُــه / كلحظةِ الحاجب بالحاجبِ ] ، فهو هنا يحيلُ الصورةَ الصوفية السابقة عن التداخل بين الإله والإنسان ، والتي تتشكل في تجريد الوجود ، والتي تتمظهرُ بشكل عام كما لدى الجنيد ، أو حتى لدى البسطامي الذي كسر تقليدية الصورة الصوفية الجنيدية ، يحيلها الحلاج إلى صورة يومية اجتماعية ملموسة .
فالإله لم يعد مفارقاً كما تطرح الدولةُ ، أو متداخلاً مع الإنسان بشكل عام كما تطرح الصورُ السابقة الصوفية ، بل غدا معايناً مرئياً بشكل حسي وشامل في الحياة اليومية للمسلم .
فهو قد أظهر لاهوته للناسوت البشري عياناً ، ولكن الحلاج لم يكتف بهذا التجلي للإلهي في الإنسان ، بل جعل ذاته هي محور تمظهر والتقاء اللاهوت والناسوت . فلو قال بأن هذا الحلول أو الاتحاد قد كان من نصيب الخليفة العباسي مثلاً ، كما قال الخليفة المنصور ذات يوم ، لما كان لهذا القول أي عقاب ، بل لربما حصل على مكأفاة ، ولكنه جعل شخصه هو مكان هذا اللقاء ، فغدا أرفع مكانةً من الخليفة، وتمظهر فيه الإله .
وهذا من جهة أخرى يعبر عن التضخم المستمر في الذوات القطبية وهي تنفصم عن الواقع وتعود إليه وقد امتلأت بعظمة موهومة .
كذلك فإن هذا الحلول الإلهي في هذا الفرد الغريب المقلوع من إنتاجه وبلده ، يعبر عن كسره وقطعه لتكوين الوعي الإسلامي السابق ، فهذه الصورة الحلاجية تكونت من خلال علاقة مقطوعة بين القطب الصوفي والناس ، ومن خلال علاقة مقطوعة بمهمات التحويل الثوري للمجتمع .
فعلى على خلاف الصورة التي تكونت للإله في الوعي الإسلامي التأسيسي ، حيث ظهرت تلك الصورة في خضم الثورة الإسلامية وهدم المجتمع الجاهلي المتخلف ، وبمشاركة واسعة من الجمهور الشعبي ومن أجل مهمات نهضوية ، تأتي الصورة الحلاجية عن الإله بلا تفاعل خلاق مع الناس ، وبلا دمج بين الصورة الجديدة عن الإله وقضايا الحياة والتغيير ، فهي تأتي وهي في قمة كسرها للحواجز بين اللاهوت والناسوت ، مفعمة ومليئة بالحواجز !
وذلك بسبب النهج الصوفي الغيبي وعدم قدرته على تحويل الإلهي إلى اجتماعي ، والفردي إلى جماعي ، والنقد المضمر للدولة الشمولية المفارقة إلى عمل سياسي شعبي .
لكن كيف تنفتح الصوفيةُ على الجمهور عبر تسيـيس مباشر وواضح وهي قد أقامت علاقاتها على الانفصال عن الناس ، والتماهي في الإله الذي صار رغم كل جهودها مفارقاً بسبب مناهجها ؟
أي أن الصورة المقدمة عن الإله من قبل الحلاج ، تفتقد إلى دعم من الوعي التاريخي ، ومن الأنسنة الاجتماعية ، فتغدو عملاً مغامراً تستغله القوى الحاكمة الشرسة في تقطيع جسد الحلاج ، وصرف الجمهور عن معاركها الداخلية وعن أزمتها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر :
( 12 ) أبو يزيد البسطامي ، المجموعة الصوفية الكاملة ، تحقيق وتقديم قاسم محمد عباس ، دار المدى ، ط 1، سنة 2004 ) .
(13 ) : ( المرجع السابق ، ص 42 ، 43 ) .
( 14 ) : ( المرجع السابق ، 64 ) .
( 15 ) : ( المرجع السابق ، ص 48 )
( 16 ) : ( الحلاج ، الديوان ، منشورات الجمل ، ط1 ، ص 16 ) .
( 17 ) : ( السابق، ص 16 . ) .

أضف تعليق