الساقطون واللاقطون ــ كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة

تجاوز الشللية والقرابية ــ كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة

من ذاكرتنا الوطنية ـ كتب : عبدالله خليفة

نحن حبات البذار ـ كتب : عبدالله خليفة

تداخلات جبهة التحرير والمنبر الديمقراطي – كتب : عبدالله خليفة

في الطريق إلى المهرجان
صور من الجريدة الرسمية اسم عبدالله خليفة  المؤسسين رقم 77

صور بخط يد عبدالله خليفة واضع برنامج المنبر التقدمي

تقدير تاريخ اليسار  – كتب: عبدالله خليفة



لا تريد قواعد اليسار والقوى التحديثية الديمقراطية سوى إحترام تاريخ اليسار ونضالاته وتضحياته.
علينا أن نكون في منتهى الحذر والحرص في هذه السنوات الدقيقة، التي تتبدل فيها ألعاب السياسة، وتهيمن فيها القوى الحكومية والدينية على مسرح السياسة بما يفيدها ويقوي مواقفها في صراع لا آفاق فيه، ولا يعزز تطور بلدنا.
مرحلة تحتاج منا إلى ضبط أعصاب سياسية ورؤية المستقبل، ولا أن تستهين بعض القيادات بمستوى هذه القواعد، التي ضحت طوال عقود، وهي ليست سوى ممثلة بسيطة لأجيال من المناضلين منذ أن تكونت الحياة السياسية الحديثة في البحرين.
لقد تم تغيير اسماء المنظمات وأشكال وجودها ولم يعترض أحد، ثقة بالعائدين والحضور الفضفاض، أملاً في تطور نضالي مستقل عن الجهتين الحكومية والدينية.
وسكتت هذه القواعد عن أشياء عديدة من تحالفات غير ممثلة لتاريخه ومن تفرد ومن فوائد شخصية وغيرها.

ما تطلبه هذه الأصوات هو فقط إحترام تاريخ هذا اليسار وعدم التلاعب به، وأن ينأى بنفسه عن المجريين الحكومي والديني، وأن يشقَ طريقه بإستقلال، وبنمو إنتاجه الفكري إستعادة لتاريخهِ بشكلٍ نقدي، وأن يعيدَ نتاجاته وأعماله الفكرية، وأن ينظر لها كتاريخ ليس كله إنجازات وبطولات ففيه أخطاء، ويجب درسه بتمعن وموضوعية.
إننا أكبر من أن ندخل في لعب سياسي وتوظيف أنفسنا لخدمة هذا الطرف أو ذاك، أو لكي نحصل من هذا الطرف أو ذاك على مقعد، وليست علاقتنا النضالية سوى مع هذا الشعب، تبصيراً بطرقِ الحياةِ المستقبلية التي لا يعرفُ دروبَها الصعبة مع هؤلاء، ويتضررُ أشد التضرر بمفاجآتها وهواتها العميقة.

وأن نحافظ على صوتنا في قول كلمة الحق، لا نسمح لأحدٍ أن يشتريه من أجل مقعد في مجلس شورى أو في برلمان!
إن تجمدَ أبصار اليسار هو عمى للوطن كله، لأن اليسارَ لا يسعى للكراسي والأرباح، بل يسعى لتطور الوطن وخدمة الشعب بدون مصلحة وبدون الرغبة في الحصول على النفوذ والإمتيازات كما يفعل غيره!
حين يعطونك مالاً أو أشياء مادية وكراسي في البرلمان الذي تعجز عنه في ديمقراطية متكاملة، إنما يريدون إخراسَ صوتك، وأن تبلع لسانك عن نقد الأخطاء، ويجب أن تكون مثل هذه الحقوق المادية الثمينة عن طريق البرلمان أو عن طريق جهاتٍ مستقلة مسؤولة عن إصلاح وطني شامل، ترضي عنها مختلف الجهات المتضررة من التاريخ السابق بشرط أن تكون هي نفسها غير مُضرةٍ لآخرين محطمة لوجودهم البشري ولمصالحهم المادية.
أما أن تُرضى أنت فقط دون المواطنين فمعناه إنك مميز مستقل فوق القانون وفوق الشعب!
وتكون قد دخلت في مصيدةِ السكوت وعدم القدرة على النقد، فدعْ غيركَ يواصلُ الطريقَ ما دامت أنت عجزت عنه!
في هذا الزمن لا يستطيع اليسارُ أن يكون لنفسهِ سياسةً ممكنة التنفيذ وواضحة المعالم، فهذه تحتاج لسنوات طيولة قادمة، حين تتسع قواعده، وتنضج رؤيته، وتتجذر قواعد الديمقراطية في صفوفه وفي المجتمع.
وأي مرشح للمجلس النيابي من اليسار عليه أن يشير لمثل هذه الصعوبات، وكونه مجرد جندي في ظروف صعبة مع كتل لها برامج غامضة، مشحونة بالمواقف المذهبية اليمينية، التي تمزقُ البلدَ، ومع وزارات حكومية صعبة تجمد أعمال البرلمان، وإن اليسار يعمل في ظروف إستثنائية بين كل هذه الفرق وذلك من أجل أن يعرف الناس الحقيقة وأن لا يُعودوا بوعود كاذبة. فلنحقق قواعد صلبة منذ الآن!
أما الصمت على أخطاء الفريقين الحكومي والديني فهو مضر بمستقبل اليسار، ودون أن تكون لنا الجرأة في توضيح كل هذه المشكلات، وكسب الأنصار الجدد، وتوسيع رقعة اليسار، فيكون الأمر مضيعة للوقت والسير على خطى الآخرين في كسب الأموال!
والأمر ليس كذلك مغامرات ومهاجمات للحكومة وطفولية، بل كسب مواقع حقيقية وخلق إصلاحات، بالتعاون مع الكتل الأخرى، دون الإنزلاق لمواقفها المذهبية.

(التحرير) تبقى عالياً ومضيئــــــةً


لم يكن نادياً أو حلقة ثرثرة!
لم يكن تنظيماً للوجاهة والتجارة!
كان جدولاً صغيراً يجمع طاقات العقل والنضال والتغيير، في بذور صغيرة، وحلقات محدودة وسط بحر من اليأس والجهل والبحث والعذاب.
كانت نفس الخنادق المتعادية، ونفس الجهاز الواقف فوق جبل من العذابات والاستغلال، يكون فساده الخاص، وحياته المرفهة، وخططه التي تمشي فوق عظام البشر وأحلامهم!
وكان أصدقاؤنا في النضال المشترك هم أكثر الناس منافسة لنا وتقزيماً لحضورنا وهدماً لأفكارنا، لكن أفكارنا ليست هوىً شخصياً أو لعبة نتسلى بها، تاركين آباءنا في جبل بابكو يحترقون وسط الزيت المشتعل، وأمهاتنا يتمزقن بين تسفيط السمك واحتراق الأكواخ!
كانت أفكارنا السياسية الموضوعية الصغيرة ثمينة وعظيمة وسط التخبط السياسي وروح المغامرات التي تقوم بها ثللٌ من المراهقين والعفويين، الذين يريدون تغيير الخليج المصفح، بالنار، أو الذين يربطوننا بأجسامِ دولٍ أخرى كبيرة، ويقترحون مشروعات سياسية بين ليلة وضحاها، دافعين بحشود من الشباب إلى اعترافات السجون واليأس والضياع الاجتماعي!
تنظيمات هلامية تنشأ ولا تعبأ بالنصائح، تنطلق فقط من روح منافسة طفولية، وكأن(التحرير) هي فقط العقبة الكؤود أمام هذا الوطن لكي ينطلق، وليست هي كما هي حجر الزاوية الذي رفضه البناؤون، ولكنه لم يترك البناء وأقام معمار الوعي الطبقي، وأسس عمارة العقل الوطني المناضل!
وفي كلِ عاصفةٍ سياسية، وحين يترنح المركبُ البحريني في بحر الخليج المتقلب المشحون بالزيت الحار، يبحث الناسُ عن الربان، وفي عواصف الدخان والتضليل والتطبيل، تأتي كلمة التحرير مثل القنديل في بحر الظلمات، صغيرة، تكاد تنطفئ من الرياح، ولكنها مشعة لأنها الباحثة عن الحقيقة الموضوعية، وقراءة الواقع بالعلم وليس بالعاطفة الحارقة، وهي التحرير بنصائحها التي توجه التنظيمات لكي تترك انتفاخاتها وتغدو صغيرة صلبة تشق سكاكين القمع البريطاني الاستعماري أثناء العمل السري، وتدعو للنضال من أجل التحرر والوصول للديمقراطية وصنع الدستور وتأسيس النقابات، والمشاركة في الانتخابات وعدم المقاطعة، وعدم تفجير التجربة السياسية الغضة والانزلاق مع القوى المعادية لنمو الديمقراطية!
وهي التي ترفض استيراد المخططات السياسية من الخارج وتدين الاغتيالات وغزو دولة شقيقة جارة، وتبحث عن المصالح الوطنية وتشكل خطَ تغييرٍ مناسب لظروف الخليج والجزيرة العربية، حيث كميات كبيرة من الأمية والجهل ومن بحيرات الزيت والغاز، المشحونة للخارج، وحيث البعض يكدس المليارات ويشتري الجزر والشركات الكبرى في الغرب والشرق، ويترك أزقتنا وقرانا بلا شوارع مبلطة وبلا مصابيح وبلا بيوت تصمد للزمن وكثرة العيال!
وتزداد المواقف السياسية تعقيداً وتفجيراً في جسمنا الوطني، ويريدُ أناسٌ أخذنا إلى مسلخة طالبان، وآخرون إلى حمامات الدم في إيران ولبنان، وإعادتنا لعصر الحريم وتكميم الأفواه والعقول، وليس ثمة يسار صامد عظامه الفكرية من الصلب الصوان غيرنا، وعبر كلمات قليلة تقال، وبرنامج وسواعد كثيرة تنزل إلى النضال السياسي العام، يتشكلُ مجرى سياسيٌ جديد، وتبدأ الفسيفساءُ السياسية تمضي معنا، ومن هنا تزدادُ الحرقة من جهة، وتزاد الأعباء الجسام من جهةٍ أخرى!
إن مقاومة المشروعات الطائفية والشمولية الحكومية تتطلب كما كان النضال الأول مزيداً من العقل والعلوم والإرادة السياسية المتجهة للجمهور، مزيداً من التجذر في هويتنا البحرينية والعربية والإسلامية والإنسانية، وترك النخبوية والنزول للشوارع نحو مشروعات الخلايا وديمقراطية النقابات وقراءة الكتب وصنع الأفلام والمسرحيات والأبحاث، فثمة كسل وشحم كبير في أجسادنا، وليس ثمة شيء يزيل الأورام مثل النضال البرلماني المستمر لعقود، نحو جعل طبقاتنا الشعبية العمالية تغدو القوة الاجتماعية الأساسية المؤثرة في صناديق الاقتراع، وبحيث نوجه رأسمالية الدولة الحكومية الشمولية إلى أن تكون رأسمالية دولة ديمقراطية تصبُ الفائضَ الاقتصادي على البيوت الفقيرة والمدارس والصحة ولمزيد من التطوير الصناعي المكثف والعلمي وليس من أجل استيراد المصانع الملوثة للبيئة والناشرة للأمراض الوخيمة.
عقل التحرير يتحرك الآن في عالم الحداثة والعولمة والتركيب، ولحلول مبتكرة لقضايا الوطن والناس.
30/11/2006

محمد جابر الانصاري في تحولاته الفكرية

الاضواء 1/7/1989

كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة الاضواء 1/7/1989

لعب الاستاذ محمد جابر الانصاري دورا فكريا تنويريا كبيرا في حياتنا الثقافية، على امتداد ثلاثين عاما كان مثال الباحث الدؤوب المفتش في كل الاركان عن زوايا الضوء والابداع والنقد، محاولا دوما الكشف عن الجديد والمتميز، دون الانقطاع عن التراث والجذور.
وفي كتابه، واطروحته «تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي 1930 ــ 1970» يقوم الدكتور الانصاري بانعطافه غريبة في فكره، ويطرح اجتهادات مثيرة للتساؤل والبحث. وفي هذا الكتاب يحاول المؤلف تقديم تفسير لتطور الوعي الحديث في المشرق العربي من منطلقات خاصة. ومهما كانت الاجتهادات فيظل الكتاب نظرة معينة لهذه التشابكات المعقدة في الوعي العربي المعاصر المتواجد في بنى اجتماعية وجدت نفسها ممزقة، ملحقة، تابعة للمراكز الاساسية في العالم الرأسمالي الحديث.
وسوف نطرح في حلقات متتالية وجهة نظر موسعة في هذا الكتاب في المقدمتين الثانية والاولى لطبعتي الكتاب، واللتين صدرتا تباعاً في الكويت ثم قبرص، يسوق المؤلف منهج دراسته باقتضاب شديدن وبأسلوب يشبه ايقاعات الصحافة السريعة، لا بأسلوب مقدمات البحوث المعتادة، حيث المعالجة الدقيقة للرؤى والاجتهادات السابقة، وتحليلها ونقدها بعمق، وتجاوزها عبر تقديم التفسير الذي توصل اليه المؤلف د. الانصاري يتجاوز ذلك كله ويدخل مباشرة في موضوعه.
وفي البدء علينا ان نفحص العنوان الذي اختاره، انه «تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي». فالفكر هنا بلا تحديد، ليس هو الوعي بتياراته المتعددة، بل هو ذلك الفكر المجرد المطلق العام. ووضع «الفكر» هكذا بلا تحديد اجتماعي أو أيدلوجي له، ليس مصادفة، بل جزء من المنهج. حيث سيلعب الفكر الدور المطلق، وما الظروف التي يلبسها، أو تلبسه، سوى أردية مؤقتة وعارضة له. انه الساحر الذي سيطلع من المجهول ويقفز فوق المراحل والقرون محتفظا بهويته الخاصة، بجوهره الذي لا يتغير.
انه فكر «عربي ــ اسلامي»، حيث سيكون تمازج هذين العنصرين أساس ما يسميه أحيانا «المزاج الحضاري العام»، انه فكر عربي، انه نحن، هويتنا. وهو لأنه عربي، لأنه شرقي، لأنه الداخل الحضاري الخاص بنا، المجهول من قبل الغريب، الآخر، وخاصة: الغرب، الذي لن يستطيع ان يفهمه، أو يعرفه، لانه ليس من «جوهره».
فهذا الفكر، جوهر خاص، له عالمه المستقل، ليس هو علاقات موضوعية تعكس بناء اجتماعيا ضمن تشكيلة اقتصادية، اجتماعية، وليس هو تيارات متصارعة ضمن هذه التشكيلة، لا انه ليس كذلك، بل هو جوهر مفارق، خميرة خاصة سحرية وجدت فينا، ولا يستطيع احد أن يعرفها غيرنا، لن يعريفها الا اذا عرفها ضمن معرفتها الخاصة. اي لن يفهمها الا بأدواتها الناتجة من جوهرها الخاص المختلف عن جواهر البشر الآخرين.
يقول في المقدمة الثانية:
[تم اخضاع الفكر العربي والاسلامي الحديث ــ ومعه كثير من ظواهر الحياة العربية المعاصرة ــ لمعايير ومقاييس ومناهج خارجية . . ليبرالية امبريقية وضعية . . أو . . ماركسية ديالكتيكية «يقصد: مادية جدلية!»، الأمر الذي أدى الى فهم تلك الظواهر الفكرية والاجتماعية، والحكم عليها من منظور له انحيازات أيدلوجية وقيمية معينة مستمدة من مركزية حضارية أخرى هي مركزية الحضارة الاوربية الغربية بشقيها الليبرالي والماركسي، وبجذورها الاغريقية ــ الرومانية ــ المسيحية] ص 5، الطبعة الثانية.
ومن الواضح ان المقدمة نفسها لم تفلت من طريقة التفكير الوضعية الغربية، وما الرسالة كلها وطريقة البحث الا شكل من أشكال البحث «الغربية» وحتى الاسلوب لا ينتمي الى البلاغة العربية القديمة فلماذا لم يكتب بأسلوب الجاحظ مثلا كي يكون عربيا خالصا وبشكل جوهري؟!
هذا مجرد تذكير بالشكل، لكن لنتوغل الى الفكرة الخطرة: فقد اعتبر ان مسيرة «الفكر» العربي الحديث، ولنستخدم مصطلحاته مؤقتا، قد تمت بأدوات انتجت من عالم آخر، هو عالم الغرب. وهذا خطأ «جوهري» في رأيه. فجوهرها الخاص السحري المستقل لا يفهم من خلال «علم» الغير، والغير هو عالم الغرب بكافة تياراته من فكرة الديمقراطي الى الثوري، فأولك البشر، مختلفون عن «بشريتنا نحن».
الحضارة الغربية تمثل مركزية مناقضة لمركزيتنا، لجوهرنا الغامض، وهاتان المركزيتان، الجوهران المتفارقان، لن يلتقيا، على صعيد القسمات الخاصة. قد يلتقيان في صراع حضاري الا أنهما سيفترقان، كعنصرين غير قابلين لتركيبة جديدة.
نحن الأنا الشرقي العربي، في مواجهة الآخر، الغرب، ولن يستطيع هذا الآخر مهما كان فكره ان يفهمنا، فنحن لن نفهم الا بأدوات خاصة ننتجها بشكل خاص. (هنا نجد الاطاحة الكاملة بالعلوم!).
والآخر، الغرب، سيظل مفارقا لنا، مختلفا عنا، ليس في حضارته الحديثة، بل في كل تاريخه، ويمتد ذلك من أيام الاغريق قبل آلاف السنين ويصعد حتى الحضارة الرومانية، ويتواصل في الحضارة المسيحية (والتي نتجت في الشرق ذاته!). ويستمر الى انتهاء الزمن.
ان الجوهرين مطلقا التناقض، انهما ليسا منطقتين في عالم واحد تتفاعلان حسب التطور العام للأنسانية، وتباين الانظمة والطبقات والتيارات الخاصة بكل مرحلة، بل هما كوكبان اثنان، كل منهما يدور في فلكه، وان حدث التداخل والاصطدام فهو مؤقت، وبعدئذ يعود كل منهما الى فلكه!
هكذا جرى سابقا عندما تصادم «الجوهران» في عصر الدولتين الاغريقية والرومانية، وافترقا، ذهب الاغريق والرومان الى كوكبهم وبقينا في كوكبنا، والتحما ثانية في عصر المأمون التحاماً «علمياً» ثم افترقا على أحسن ما يكون كما يقول ثم التحما ثالثة ورابعة دون ان يمتزجا.
يقول:
[واذا شئنا النظر الى التاريخ في استمراريته قلنا ان التوفيقية الحديثة هي لقاء آخر متجدد بين تراث الشرق الادني والعقل الاوربي (منذ نشأته الاغريقية). وان ما حدث هو مواجهة لموجة «هيلنية» جديدة قادمة هذه المرة من أوربا الغربية بثوب عصري] ص 18.
ولنلاحظ هنا كيف ان «الجوهر» ــ العقل، يقفز فوق المراحل التاريخية والمناطق، فالفكر الاوربي هو هو ذاته، سواء كان في عصر الاغريق عندما كان وثنياً عبودياً، وديمقراطياً، أو في عصر الرومان عندما كان عبوديا وارستقراطيا وثنيا كذلك، وهو ايضا ذاته، عندما صار مسيحيا اقطاعيا معاديا للعقل، أو معاديا لذاته، وهو نفسه عندما صار أمبرياليا مسئوليا على العالم، وهو ايضا نفسه عندما صار اشتراكيا معاديا للرأسمالية، أما الحروب والصراعات الضارية وآلاف السنين من المعاناة والخبرة والارتداد والصعود فكلها زبد!!
ان الفكر الغربي هو هو!
ولعلنا هنا يمكن ان نتساءل: لماذا اذن أحرق البابوات المفكرين الاحرار ولماذا حدثت الثورة الفرنسية واعدمت الاقطاعيين والرهبان اذا كان كل شيء واحدا؟!
هكذا اذن يتحول الوجود الاجتماعي الذي شكل الوعي الى بخار، ويغدو الفكر مستقلا كليا، متوحدا في ذاته، لا مصدر له، لا تناقض فيه، يعبر عن جوهر غامض لا ندري من أين يأتي.
ولكن أحيانا. سيضطر المنهج الى معانقة عابرة للظروف والمشكلات الاجتماعية، لا كشفا لهذا الفكر عن مصدره الحياتي، بل طيرانا فوق الأرض البعيدة التي لم تستوعبه.
فالجوهر الشرقي سيظل في سرمديته، وسيظل الفكر مفارقا لجذوره، متعاليا فوق الظروف والاقطار، ولهذا يقول في ص 166 ــ 167 بعد بحث كبير في البنية الاقتصادية وصراعها الاجتماعي.
[وهكذا يصح القول ــ أخيرا ــ انه اذا كانت الاردية «الليبرالية» في الفترة السابقة قشورا على جسم قديم، فان الاردية «الراديكالية» الاشتراكية الوحدوية لم تكن اكثر انسجاما وتجذرا على الجسم القديم ذاته. هذا الجسم الذي لم يتضح بعد ماذا سيكون وكيف سيحيا. ان «الثابت» فيه هو مكاناته القديمة الموروثة التي «تتوافق» في كل مرحلة مع مكونات أو «متحولات» جديدة وافدة ــ تفرضها الظروف أو طبيعة المرحلة ــ ثم تنفك عنها وتسقطها لتعود وتتوافق ــ بعد فترة ضياع وبحث ــ مع مكونات جديدة اخرى ــ انسب وقتيا وهكذا . . دون اندماج عضوي ودون تلقيح خلاق. ويبقى القديم على قدمه، ولا يترسخ الجديد، بل يسقط قشرة بعد قشرة، ومرحلة اثر مرحلة.] ص 166 ــ 167.
اذن فان الجوهر ، حسب هذا الفكر الميتافيزيقي، سيبقى شيئا خارج الظروف، وداخلها ايضا، ان الاشياء الاخرى تفرض وجودها عليه، لكنه ينفصل عنها، فجوهرنا التصقت به أوشاب وأردية كالقومية والليبرالية والاشتراكية ولكنه نفضها عنه، لانها ليست جزءا من طبيعته وجوهره. وهكذا فان الجوهر العربي سينأى بنفسه عن الجوهر الاوربي. أي الى ان يكون هو هو، أي ان يصير الجوهر ما في حقيقته، دون أي تلاقح مع العالم الآخر، ان يصبح هو نفسه بلا مؤثرات حضارية من حضارات أخرى.
سوف نتابع في هذه الحلقة، مناقشة كتاب «تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي» مركزين على نقطة جديدة في الموضوع، وهي بحث صفات الجوهرين المختلفين، «الشرق» و«الغرب». واللذان لا يلتقيان، واذا التقيا فالى حين.
وقد كان على المؤلف من وجهة النظر المنهجية ان يركز على هذه النقطة، محللا هذه الفكرة المركزية المحورية، حتى يتسنى لنا من بعد اكتشاف تجسيداتها عبر الفصول.
ولكنه بدلا من ذلك راح يبثها هنا وهناك، بعبارات قليلة محدودة، مما جعلها فكرة غامضة سحرية لا تقبل التحليل المجهري، ولعل هذه الطريقة هي بعض بوادر «منهجنا الشرقي الخاص». الذي بدأ المؤلف يكتشفه، ومعه جملة من الكتاب في المنطقة العربية، بعد الحقبة النفطية. رغم ان اصول البحث وطريقته تمت بالشكل «الاوربي» ايضا!
هناك اسرار غامضة تتعلق بهذا الجوهر الشرقي الخالد، الذي نظل نبحث عن صفاته حتى نتعب، هو وحده الذي يتجلى عبر المراحل، فنعرف بعضه ونجهل اشياء كثيرة.
كيف كان الماضي؟ المؤلف لا يبحث ذلك بل يلمح الى ذلك تلميحا. وكيف هو في الوقت الراهن؟ انه يتشكل ويظهر هنا وهناك لكنه يعود للأختفاء.
هذا الطلسم الشرقي سيظل لغزا، وقابلا لكل تفسير جديد، أو هو خاضع للمعادلات الحياتية المتناقضة للمؤلف.
وعلينا ان نبحث ــ بجهدنا ــ عن صفات الجوهرين المتناقضين المتقابلين: «الغرب والشرق»، عبر تلك النتف الصغيرة وفلتات اللسان، علنا نعرف سر هذين الجوهرين الغامضين؟
وفي البدء، ماهي صفات الجوهر الآخر: الغرب؟
الغرب كما قلنا جوهر شامل كامل خاص مغلق له توليفته المستقلة كليا، ويبدأ من الحضارة الاغريقية والرومانية مرورا بالمسيحية الى العصر الراهن ونقيضة الاشتراكي كذلك. والاشتراكية رغم انها تقع في «الشرق» الا انها ضمن مواصفات الحضارة الغربية، فنحن ولله الحمد، ابرياء من من دنس الرأسمالية والاشتراكية معا!
يقول في هامش ص 157:
«يجب أن نتذكر دائما ان الاتحاد السوفيتي واوربا الشرقية جزء من الغرب حضاريا وفكريا وصناعيا، والتحول من الغرب الليبرالي الى الغرب الماركسي هو انتقال من كفة الى أخرى في ميزان واحد، رغم خطورة مغزاه سياسيا» (؟!).
ولا نعلم هنا اين يضع الصين الشعبية وفيتنام وغيرها من الدول الاشتراكية في العالم النامي، لعله يضعهما ــ كما أخبرنا في دراسة سابقة ــ انها تنتمي الى «الظاهرة الصفراء» وليس الى الغرب الاشتراكي!
وعموما فقد ادركنا هنا ان تعبير الغرب يضم هنا القيم العقلانية والحداثة والصناعة.
فما هي ميزات الحضارة الاغريقية غير الاهتمام بالبحث العقلي والديمقراطية والعلم والصناعة؟ وما هي ميزات الحضارة الرأسمالية غير البحوث والعلم والانظمة البرلمانية؟ وما هي ميزات الاشتراكية غير التطور الصناعي والحداثة «الجماعية»؟
اذن نستشف هنا بعض الميزات المخصصة أساسا وكليا لذلك الجوهر المختلف، والتي شاءت له ظروفه الخاصة وكيانه، ان يتحلى بالديمقراطية والصناعة والحداثة والاشتراكية.
نحن اذن لا نصلح لليبرالية والعلمانية والعلمية والديمقراطية وأمثالها من القسمات المخصصة أساسا للغرب، ولا نعرف من الذي قسم هذه القسمة الضيزى غير هذا «الفكر».
يقول في هامش آخر:
«لاحظ كثير من الباحثين ان اثر «الليبرالية ــ العلمانية» والاصلاحية الغربية عموما انحسر فجأة بأنحسار السيطرة السياسية، الأمر الذي يدل على انها لم تتجذر ورحلت برحيل اصحابها» ص 113.
أي حسب وعي هذا الفكر، فإن قسمات هذه الحداثة ليست من جوهرنا. بل فرضت علينا فرضا، لقد حاول الغرب اصلاحنا وتحديثنا ولكن مع انحسار سيطرته السياسية انحسرت هذه المحاولة التحديثية، لماذا؟ لانها تختلف عن جوهرنا، انها من جوهر عالم آخر.
خذوا مثال «الديمقراطية»، أي الحكم البرلماني والانتخابات وما الى ذلك من قسمات، انها ليست صفات انسانية شائعة للبشر جميعا، بل هي مخصصة لقوم محددين على هذا الكوكب، واي محاولة لتوسيع رقعة هذه الديمقراطية ستؤدي الى انهيار التجربة!
يقول المؤلف:
«ولم يكن اخفاق الديمقراطية الليبرالية قصرا على الشرق والغرب، اذا سرعان ما اثبت سير التجربة داخل القارة الاوربية ذاتها، وبعد سنوات قليلة، ان غرس هذه الفكرة في غير موطنها الاصلي (!) بغرب اوربا وشمال امريكا (الاقليم الاطلنطي الشمالي) ــ وان اتصف بالحماسة الرسولية ــ يفتقر الى الأسس الواقعية. فلقد أخذت النظم الديمقراطية المستحدثة في شرق اوربا ووسطها تتساقط بسرعة واحدا بعد الأخر» ص 84.
أرأيت التحديد الدقيق والعلم الشرقي المضبوط الذي يعرف اين تقع حدود الديمقراطية. انها تبدأ فقط من غرب أروبا. ثم انظر إلى تلك العبارة الجزلة في تحديد امريكا التي تنتهي لديها الديمقراطية: «الاقليم الاطلنطي الشمالي» حتى لا يتوهمن أحد أن الديمقراطية يمكن ان تتسلل الى جنوب الاطلنطي أو ان تفكر تلك الشعوب المقهورة ان الديمقراطية تصلح لادارتها، عوضا عن انظمتها العسكرية الديكتاتورية، أو ان مظاهراتها يمكن ان تجلب لها تلك الديمقرطية المقصورة فقط على غرب اوربا لا وسطها ولا جنوبها ولا شرقها ولا ابعد من ذلك! (ونستغرب كيف الغى ــ دون ان يدري ــ بلاد الاغريق اصل الديمقراطية!).
فلا تتعبوا انفسكم ايها المستعبدون فقد اكتشف «العلم الشرقي السحري» ان الديمقراطية لم تخلق لكم!
ثم تأخذ الأمور مجالا ابعد واكثر حدة، فبعد ان استقرت كل تلك الفضائل والايجابيات في كفة الغرب، لم يكتف المؤلف بذلك، بل اهداها الحضارة الحديثة بكل ميزاتها.
يقول المؤلف وهو يستعرض وجهة النظر الغربية حول الشرق «قد يكون الحكم التالي الذي يطلقه برنارد لويس مبالغا فيه ويحمل طابع التقليل(!) من الحركات التحديثية الا انه يمثل جانبا مهما من حقيقة الوضع: «الشيء الواضح الوحيد هو أن من بين جميع الحركات الكبرى التي هزت الشرق الاوسط في آخر قرن ونصف كانت الحركات الاسلامية وحدها اصيلة (؟) في تمثيلها لمطامح أهل هذه المنطقة فالليبرالية والفاشية والوطنية والقومية والشيوعية والاشتراكية كلها اوربية الاصل مهما اقلمها اتباعها.. وبالرغم من ان كل الحركات الاسلامية قد هزمت . . غير انها لم تقل كلمتها بعد!» ص 114.
المدح الذي يسوقه المستشرق البرجوازي برنارد لويس للحركات الاسلامية ليس خاليا من المنطق الاستعماري: «فرق . . تسد»، ولكن لا نريد ان نناقش هذا الآن، علينا ان نرى ان الحكم الذي اصدره برنارد لويس تطابق مع حكم المؤلف الانصاري.
فعبارة «قد يكون الحكم.. ويحمل طابع التقليل» التي ساقها في البداية وكأنه يخفف من وقع احكامها، عاد ونقضها بعبارة «الا انه يمثل جانبا مهما». وهنا نرى الطابع «الصحفي» الخفيف لمثل هذا البحث، فمثل هذه الخفة لا يسوقها اي دارس يقوم بتحليل تيارات وعي أمة في عصر كامل، فكيف تكون هذه العبارة مبالغا فيها «قليلا»، وهي قد ألغت كل التاريخ العربي الحديث وكل المعارك والعروبة والقومية التحررية وكل الانجازات التي يفتخر بها العرب في شتى الحقول؟ كيف تكون العبارة مبالغا فيها «قليلا» وهي قد ازالت عرابي وسعد زغلول ومصطفى كامل ومحمد فريد وحسين مروة وجمال عبدالناصر وجورج حبش ونجيب محفوظ وحنا مينا والسياب الخ . . أي كل تلك الحركات الوطنية والابداعية العظيمة، فكلها فقاعات لا تنتمي الى تاريخنا «الحقيقي»؟!!
لماذا؟ لأنها أصلا كانت من التاريخ الاوربي والتصقت بنا، ليبرالية سعد زغلول وتحررية عبدالناصر واشتراكية خالد محي الدين والتحديث في دول الخليج كله زيف وباطل، لأن هذه القيم خلقت أصلا للغرب واستلها هؤلاء ووضعوها في غير مكانها ضد ارادة الامة ذات «الجسد الاسطوري» الذي لا يعرف اسراره سوى المستشرق برنارد لويس..!
واذا رأينا ان كل تلك الصفات هي صفات غريبة، وهي التي اعطته الكيان العقلاني المستنير والصناعي والديمقراطي، فماذا سيبقى للجوهر الآخر، الشرق، أو العرب؟
ماذا بقى للجوهر الآخر، الذي لابد ان يتميز عنه، لانه لو تطابقت الصفات ما كان جوهرا مختلفا!؟
المؤلف لا يفصح عن صفات «جوهرنا» ولكن مسار العرض يقود اليها بشكل حتمي. فما هي؟
يقول متحدثا عن أجيال من المفكرين الاصلاحيين أمثال الطهطاوي ومحمد عبده ولطفي السيد وقاسم أمين هؤلاء الذين أسسوا النهضة الولى الليبرالية ولم يتخلوا أيضا عن الاسلام:
«غير ان هذه الموجة الغربية من القيم والافكار والنظم لم تنغرس في التربة العربية الاسلامية ولم تتجذر فيها بقوة، بل ظلت طافية على السطح ومنحصرة في افراد ومجموعات صغيرة من المثقفين ولم تتحد مع الاسلام (!) في اندماج عضوي» ص 83.
لنلاحظ أولا انه يقول موجة غريبة بلا تحديد اجتماعي وايدلوجي كجزء من المنهج الذي يلغى جذور الفكر، في حين انها تمثل موجة برجوازية بشكل محدد. ثم يختزل نشاط التحديث البرجوازي الليبرالي في مصر بخفة شديدة عبر القول ان القيم والنظم (البرجوازية) ظلت طافية على السطح ومنحصرة، اي انها كانت بعيدة عن «الجوهر»، حيث ظل ذلك الجوهر الاسطوري بمنأى عن الحداثة.
علينا اذن ان ننشى كل منجزات الليبرالية والتحررية المصرية العظيمة التي تحولت هنا ايضا الى مجرد فقاعة. علينا ان ننسى كفاح عرابي الذي حاول المزاوجة بين القومية والاسلام مكافحا بشراسة الاستعمار الزاحف. وكذلك الكوجة الضخمة من الليبرالية والوطنية التي قادها حزب الوفد في نصف قرن من الكفاح والتي خلق فيها أجيالا من المتنورين والمبدعين والمؤسسات والتشريعات الحديثة، والتي لم يتخل فيها أيضا عن آرائه الدينية «الاسلامية والمسيحية معا»
. علينا ان ننسى نجيب محفوظ ونلقيه في البحر حيث أن أدبه كان تعبيرا حيا ودقيقا عن رؤية هذا الحرب!
علينا حقا كي نجاري هذه الفكرة ان ننتزع كل هذا التلاقح الذي أحدثته الموجة الليبرالية العربية في حياة الأمة مثل تشكيل المسرح الحديث والقصيدة الحديثة والقصة القصيرة والرواية والدراسة النقدية والاكاديمية والصحافة . . فكل هذه نتاج ذلك التلاقح (الذي ظل طافيا على السطح)!
علينا ان نلغي نتاج محمد تيمور ومحمود تيمور وطه حسين وتوفيق الحكيم وعبدالرحمن الشرقاوي وجماعة الديوان والصحف والمطابع والجسور وتخطيط المدن والعلوم الخ.. فكل هذا كان من ثمار التلاقح مع الغرب بين الموجة الغربية والتربية العربية!
«استخدمنا الاسماء المصرية تحديدا لأن الكتاب دار بشكل خاص على النهضة العربية في مصر».
اذن الجوهر العربي منطق هذا «الفكر» عاطفي غير عقلاني، زراعي، غير تحرري، غير ديمقراطي، غير ليبرالي، غير اشتراكي، غير رأسمالي الخ..!!
وبمعنى آخر فان أحد الجوهرين وهو الغربي سيكون هو المسيطر مادام يمتلك مفاتيح الصناعة والعلم والتقدم والحداثة والنهضة، وسيكون الجوهر الآخر الشرقي، هو المسيطر عليه، بحكم عدم تملكه الحداثة والصناعة، وانتاجه المواد الاولية فقط.
وهكذا يسوقنا المسار الفكري الى نتائجه الحتمية: فنحن في عالم واحد، في كوكب واحد، استطاع شق منه ان يمتلك مقومات الحداثة والتطور بحكم انها هي جوهره، في حين ان الشق الآخر، ليست له هذه المقومات، فهو عاجز عن امتلاك سمات الحداثة والعلم والديمقراطية . . لكن لابد من علاقة ما بين هذين الجوهرين، وهي علاقة سيحددها الشق الذي يمتلك الميزان الافضل. اذن سيكون هناك شق مسيطر وشق مسيطر عليه.
فالشق المتخلف الذي هو نحن لا يستطيع ان يكون رأسماليا حديثا، ولا يستطيع ان يكون اشتراكيا، وهما صيغتا التجاوز اللتان لا توجد صيغة اخرى غيرهما في عالم اليوم .. اذن يبقى الشق المتخلف متخلفا وتابعا الى الابد!
لكي يعالج الدكتور محمد جابر الانصاري صدام الذات والآخر، الشرق العربي والغرب، فلا بد أن يدخل تضاريس هذا الصدام، أي أن يكتب عن ظروفه الملموسة، وهنا لا بد أن يتوجه الى معرفة «البنية الاجتماعية» التي تشكلت فيها هذه الظاهرة.
ويأتي الكتاب الى مقصده الأساسي، نقد تجربة جمال عبدالناصر الوطنية، التي كانت لحظة هامة من لحظات التوفيقية بين الذات والآخر، بين الشرق والغرب، وهي لحظة ليست أصلية، لأنها واجهت الغرب بيد وتعاونت معه بيد أخرى . بمعنى انها حاربت الاستعمار الغربي ولكنها تعاونت مع الدول الاشتراكية، وتلك جريمة كبيرة بحق الذات.
أي أنها لا بد أن تكون أصولية، تعود الى الذات الماضية فحسب، تحارب الاشتراكية والرأسمالية معاً. ان عبدالناصر اذن هو تتويج لسلسلة خيانات هذه الذات من الامام محمد عبده الى سعد زغلول والنحاس !!
الذات الأصلية تتمثل في الاقطاع القديم، كما تشكل لدى بني أمية وبني العباس والسلاجقة والدولة العثمانية، وكل رجوع الى هذه الذات هو الأصالة وكل خروج عنها، وكل ذهاب للغرب، وخصوصا الغرب الاشتراكي، خيانة أو «توفيقية» بتعبير الكاتب!
سوف يركز الكتاب على التجربة الناصرية، التي هي في الواقع تتويج لعقود الثلاثينات والأربعينات، وما الرجوع الى بداية النهضة العربية الا محاولة استكشاف لكيفية مجيء هذا النبت الاجتماعي السياسي المتفجر عام 1952. أي سيجري البحث في مرتكزات «الطبقة المتوسطة الصغيرة» التي قادت المرحلة وكان على رأسها عبدالناصر. هذه الطبقة التي تعددت فيها الاتجاهات من الاتجاه العلمي اليساري، وهو اتجاه غربي مرفوض لدى المؤلف وان كان يستعيد بعض منهجيته، وهناك اتجاه توفيقي وسطي حاول أن يدمج بين «الذات والآخر» «الشرق والغرب»، عبر لويس عوض ونجيب محفوظ وغيرهما وستكون الثورة الناصرية هي مسايرة عسكرية لهذا الاتجاه التوفيقي «التلفيقي» بمعنى آخرز
ان المؤلف لم يقل ذلك بهذه الصراحة والجراة ولكن هذا ما يحدده المنطق!
في البدء، سوف يطرح معلومات متعددة عن فترة ما بعد 1930. سوف يستعين ببعض الباحثين الاقتصاديين، فهناك الباحث شارل عيساوي ومعلوماته حول الاقتصاد المصري الحديث حيث يكتب بمنهجية علمية عن الاصلاحات البريطانية التي حدثت في الفترة بين 1898 ــ 1920. ان هذه الاصلاحات أقيمت باعتبارها [جزءا تابعا للاقتصاد الرأسمالي الحديث يمده بالمواد الخام الضرورية للصناعة الغربية، ثم باعتبارها سوقا استهلاكية مضمونة لاستراد تلك الضمانات] ص 147.
اذن تم اخراج مصر من سيطرة الاقتصاد الاقطاعي والتبعية لتركيا، وادخالها ضمن بنية التبعية للاقتصاد البريطاني الاستعماري. ولا شك ان هذا الالحاق له بنيته الخاصة، فما هي قوانين التبعية الجديدة؟
ولنلاحظ قبل ذلك ان الانصاري يعتبر تبعية مصر الفلاحين لتركيا الاقطاعية شيئا غير مستنكر،وكأنها لا تمثل عملية اضطهاد خاصة واستغلال يقوم به الباشوات الاتراك والشركس للفلاحين المصريين، فهذه تجري ضمن قوانين الذات الشرقية المنسجمة!!
ثم لا يحاول الكاتب ان يستفيد من الاستشهاد المأخوذ من عيساوي بل ينسفه عبر هذا الاستنتاج: [وبرغم هذه التبعية الجديدة، فأن التحول من الاقتصاد التقليدي الى الاقتصاد العصري أدى الى زيادة الثروة العامة] ص 147.
ان الحديث عن اقتصاد تقليدي، ثم اقتصاد عصري أمر يلغي المنهجية العلمية. فقد سحب مسئولية النهب الاقطاعي التركي لمصر عبر كلمة «تقليدي»! ثم غيب مسئولية التهب البريطاني عبر كلمة «عصري»!
ثم كان الاستنتاج بائسا «زيادة الثروة العامة»! لقد قامت بريطانيا بتطوير زراعة القطن فقط ثم خنقت زراعة معظم المواد الزراعية ومنعت الصناعة المصرية. [راجع لوتسكي، تاريخ الاقطار العربية ص 280 ــ 284 دار الفارابي].
هذه طريقة المؤلف في الاستفادة من المراجع خفة وسرعة واستنتاجات كبيرة بدون صبر علمي.
عبر الحديث عن «اقتصاد عصري» ألغى عملية البحث في تطور علاقات الانتاج وبنية التبعية. فهو ليس اقتصادا عصريا بل بناء متخلف شبه اقطاعي ــ شبه رأسمالي، تابع.
عبر هذه الخفة لم يتم التوغل في كشف الطبقات المسيطرة وحجم ثرواتها واسلوب حصولها على الثروة، كما لا نجد كشفا للطبقات الأخرى: الفلاحين العمال، البرجوازية الصغيرة، البرجوازية . . عبر التحليل الملموس، وليس بالتعبيرات الانشائية غير الدقيقة.
يتوجه الكاتب للكلمات العامة الفضفاضة والاستعانة بفقرات كبيرة جدا من كتب الرافعي زنجيب محفوظ ولويس عوض، بدلا من ان يقف بصبر لدراسة الخريطة الاجتماعية عبر سنوات 1930 ــ 1970. ثم يتابع نشوء التيارات وهي بشكل بذور، ثم يرى كيف تتفاعل مع تلك الخريطة.
انه لا يتتبع الهرم الاجتماعي بشكل ملموس، بل يقفز من موضوع الى آخر دون تحليل. فمثلا بعد ان يوضح ضخامة الفقر في مصر قبل سنوات الحرب يقفز الى انتشار التعليم حيث زاد عدد المتعلمين.
أي أن ضخامة الفقر وانتشار التعليم هي التي جعلت مصر تقترب من الثورة! وهذا كلام عام ولا علاقة له بالبحوث. فلا بد من دراسة تفصيلية عميقة للطبقات لكي نكتشف الأزمة على مختلف المستويات.
وبعد ذلك يقترب من تحديد بعض جوانب الهرم الاجتماعي المصري فيقول انه كانت ثلاث قوى جديدة هي: طبقة وسطى محلية من الوسطاء ومديري الأعمال والتجار، ونخبة من المثقفين وأصحاب المهن العالية، وطبقة عاملة مدنية. ويحدد بأن الطبقة المتوسطة الصغيرة «أي البرجوازية الصغيرة» باعتبارها القوة الاجتماعية الهامة التي سوف تتحرك في هذه الفترة دون ان نعرف الأسباب الاقتصادية ــ الاجتماعية التي أهلتها لذلك.
لقد شهدت حقبة ما بعد الحرب العالمية الاولى اقتراب الطبقة المتوسطة الصغيرة من الفقراء كما يقول بسبب الأزمة المتفاقمة.
ونجد المؤلف هنا يحاول ان يستعين بمنهجية غربية معروفة: [ولأن الطبقة المتوسطة المحلية الجديدة هي التي وعت الواقع(؟) بحكم موقعها الاقتصادي والثقافي قبل الفلاحين والعمال، الذين لم يتفتح وعيهم بعد، فانها هي التي تصدت للتغيير والقيادة، وأدركت مدى الهوة القائمة بين بؤس الأغلبية الساحقة وترف الأقلية الضئيلة، وكانت هي ذاتها مهددة ــ اقتصاديا ــ بالرجوع الى درك الطبقات الفقيرة كلما اشتدت وطأة الاستغلال وانعدمت عدالة التوزيع] ص 156.
ولكون البرجوازية الصغيرة قد تغلغلت في روافد التغيير الثلاثة: الجيش، الأحزاب، المؤسسة التعليمية، فقد حدثت ثوراتها المتتالية، ولم ينجح الأصوليون ممثلو «الذات»، وفشل التقدميون لأنهم لا يمثلون الذات، واستطاع التوفيقيون الجدد: عبدالناصر، البعث، في احداث توليفة توفيقية انتهازية جديدة لكنها وصلت الى الفشل لأنها توفيقية، أي حاولت ان تدمج بين الذات ولآخر، نحن العرب والغرب بشقيه، ونحن في انتظار شيء آخر غير توفيقي!!
ولنحاول فهم التاريخ المصري في هذا القرن عبر آلية أخرى. سنقول بشكل مقتضب جدا، ان التطورات الاقتصادية والاجتماعية في الثلث الأول من القرن قد أوضحت عجز الطبقات البرجوازية الكبيرة والارستقراطية عن حسم الصراع ضد الاستعمار البريطاني بطريقتها الخاصة، فبدأت الأشكال السياسية والايدلوجية التي أوجدتها تتعرض للتأكل والانهيار.
إن الأشكال السياسية مثل أحزاب الوفد والسعديين لم تستطع ان تستوعب قدرات الشعب وتقوده للقضاء على السيطرة البريطانية، كما ان الايدلوجية التي اعتمدت عليها في صنع النهضة عبر الأشكال البرلمانية والاصلاحية السلمية المتدرجة لم تلب حاجات الجماهير الملحة وتجسدها ضد الانكليز. من هنا راحت الطبقة البرجوازية الصغيرة تتقدم لاحتلال مسرح الأحداث.
ولا يعني ذلك ان صراع البرجوازية [الوفد] ضد الاستعمار كان بلا جدوى، بل على العكس كان حلقة ضرورية ومهمة، وهي التي مهدت للحلقة التالية. فذلك الصراع دفع القوى الأخرى للصعود وخلق الشروط الاجتماعية والفكرية لصراع البرجوازية الصغيرة ضد الاستعمار. وبدون اجراءات الوفد في المجال التعليمي والسياسي لم يكن بامكان عبدالناصر أن يدخل الكلية الحربية وبالتالي أن يصل للسلطة.
اذن كان صعود عبدالناصر حلقة جديدة مكن حلقات تطور الصراع الوطني، أي ان أزمة نظام التبعية الذي صنعته بريطانيا راحت تتعمق، لتنكسر مع قيام السلطة الناصرية.
ليس مستغربا من نظام عبدالناصر الوطني الذي تربعت فوق قيادته البرجوازية الصغيرة، الطبقة المتناقضة، ان يكون مليئا بالتناقضت، وان يجمع بين القطاع العام وتوسع الملكية الصغيرة، بين اليسار واليمين، بين الشرق والغرب، فهذه هي خصائص الطبقة، ومع ذللك فالمؤلف يستغرب من جمعها بين هذه المتناضات وهذا دليل على توفيقيتها!
ان هذا النظام قام باحداث نقلة هائلة في الحياة، تنمية واسعة، تحقيق الاستقلال، تنمية ثقافية، بعث حركة تحرر وطني عاصفة الخ..! ولقد أدت تناقضاتها الداخلية المتفاقمة للتمهيد لعودة الرأسمالية الكبيرة والارتباط مجددا بالسوق الرأسمالي.
أذن الوسطية الناصرية، أو هذه الحلقة المهمة في الصراع ضد التبعية، ليست نتاج ذات غامضة، فأنت ذاتها، بل نتاج طبقة متناقضة، عملت الكثير ثم عجزت.
إن المؤلف بدلا من ان يصل الى هذا الاستنتاج الموضوعي، يعود الى أصوليته وفكرته الاسطورية عن «الذات» الموهومة.
فيقول: [.. أي ان هذه البرجوازية الصغيرة ستتصدى لمهام مرحلة التحرر من الاستعمار الغربي، ثم ستتجه نحو محاولة اقامة الدولة القومية «الحديثة» وسيكون قدرها الصعب أن تدفع الغرب بيد لتأخذ حضارته وعونه بيد أخرى. وهو قدر لا يحتمل تناقضه ولا تحتمل مأساويته الا من خلال صيغة توفيقية، قد لا تكون عضوية ولا أصلية، ولكنها مرنة، وضرورية نفسيا وعمليا، تقفز فوق النقائض لتوفق بين «الأصيل» و«الوافد» ــ بين الذات والآخر ــ مبقية في الوقت ذاته على الفارق الكياني بينهما] ص 157.
هنا سنجد ثورة عبدالناصر تخون «الذات» لأنها اتجهت الى أخذ المساعدة من العالم الاشتراكي «الغرب» فهي حاربت الغرب الاستعماري ولكنها اتجهت للغرب الاشتراكي باليد الأخرى.
وكان ينبغي الرجوع الى الأصول، الى مثال الدولة العثمانية، حتى لا يخون عبدالناصر هذه الذات!
ان الانفتاح على الغرب الاشتراكي، والجماعات الديمقراطية والتقدمية في الغرب الرأسمالي كذلك، لم يكن قدرا صعبا، ولا مأساويا، ولا يتناقض مع أصالة المصريين، لكنه كان (قدرا) مأساويا على الاقطاعيين وكبار الرأسماليين اذا أردنا الدقة في التعبير!!
وكانت آراء عبدالناصر وموقفه استمرارا لخط الوطنية المتصاعد وتعبيرا عن معاناة ملايين العرب ومطالبهم في الحرية والتقدم!
هناك فكرة مركزية خاطئة تهيمن على فكر الأنصاري في كتابه «تحولات الفكر والسياسة» تتمثل في كون التاريخ البشري ليس عملية عالمية واحدة متداخلة، بل هو تاريخ عناصر ومجموعات مستقلة كليا.
وفي هذه الفكرة يكمن أساس الوعي الأصولي الخاطئ. فالحضارات البشرية متفاعلة، متداخلة، وتمثل كلها نمو قدرة الانسان على هذا الكواكب. فلا يمكن حقيقة تحديد أية أنواع عنصرية أو قبلية أسست تاريخ الانسان الأساسي والطويل في العصرين الحجريين القديم والحديث الذي بلغ مئات الآلاف من السنين، وما قبلهما أيضا، حيث وضعت تلك العصور أسس الحضارة الانسانية من زراعة وصناعة أدوات وتأسيس مجتمعات وثقافة.
(راجع بهذا الصدد كتاب: إنتصار الحضارة لجيمس هنري برستد، مكتبة الأنجلو المصرية حول العصور القديمة، ويمكن إكتشاف جذور الحضارة العربية الموغلة في القدم عبر كتابات العلامة جواد علي في «المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، عشر مجلدات».
ولكن لا يعني هذا التداخل العميق لحضارات الانسان، عدم وجود بُنى إجتماعية مستقلة نسبيا، تنمو عبر صراعاتها وتفاعلها مع الخارج.
إن لكل عصر مستوى معينا من تطور الانتاج، ويشكل هذا بُنى إجتماعية متعددة على الأرض، حسب الظروف الملموسة لكل شعب، وعموما لا توجد خصائص «جوهرية» لشعب من الشعوب، فالخصائص المحددة خاضعة لظروف محددة. ولا توجد سمات سحرية خارج الزمان والمكان. بل ان الشعب ذاته يتنوع بحصائصه، حسب الطبقات والمستويات الاجتماعية المتباينة.
ومن الواضح أن تاريخ البشرية هو نتاج هذا النمو المتباين للمجموعات والشعوب والأمم، وصراعاتها، وتفاعلها، في شروط محددة.
وقد واجه العرب بعد خروجهم من الجزيرة العربية لنشر الاسلام والفتوح، معضلة الحضارات الأخرى (التي تفاعلوا معها سابقا بشكل محدود)، وقد كانت تلك الدول العبودية القديمة قد وصلت الى نزف حاد للقوى المنتجة البشرية والمادية ودخلت مرحلة أزمة عميقة. وكان دور العرب هو إحداث قفزة تطورية في المنطقة، والاستفادة من نتاج الشعوب الأخرى سواء عبر تنظيمات ريها أو زراعتها أو علومها ودفع هذا النتاج الى الامام، وقد حدثت قفزات معرفية ضخمة سواء في العلوم أو الآداب أو الفلسفة، عبر الأخذ والاستيعاب تبعا للحاجات الداخلية.
وهذا التطور لم يحدث ــ بطبيعة الحال ــ بدون صراعات.
فقد فسرت القوى الاجتماعية المتعددة «الاسلام» حسب أوضاعها، فقد وقف الخوارج، وغيرهم، طويلا ضد الأمويين، وحين طرح الأولون مفهوما تشاورياً وعادلا ً وعامياً، يعتقدون أنه هو النابع من الدين، طرح الآخرون مفهوماً أرستقراطياً يجعل الثروة والحكم من نصيبهم فحسب، واعتقدوا أن مفهومهم نابع هو أيضاً من الدين!
ولقد كان لنشوء طبقة تجارية صناعية في عصر الدولة العباسية أثر مهم في توسيع طابع الاستنارة والاجتهاد، فحدث انفتاح واسع على آثار الأمم الآخرى بدون انغلاق، وتم إستيعاب فلسفات متعددة كفلسفة أرسطو وأفلاطون وغيرهما، وأستوعبت آداب الأمم الأخرى وكان من نتاجها حكايات كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة، وهكذا غدت الحضارة العربية ــ الاسلامية منارة معرفية ثقافية، لاستيعابها تجارب البشر وخبراتهم المضيئة تبعاً لمصالحها وأهدافها هي.
(راجع: النزاعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية لحسين مروة و«نحن والتراث» لمحمد عابد الجابري وغيرهما)..
وبعد إنكسار الطبقة البرجوازية الوليدة ــ وكانت هزيمة المعتزلة تعبيراً فكرياً عنها ــ وحدوث التفتت الاقطاعي، برز الاقطاع العسكري السلجوقي والتركي وفرض تصوراته المتخلفة، فكان الانغلاق واغلاق الاجتهاد والغاء العقلانية الاسلامية المستنيرة وفرض أئمة النصوص.
يقول المفكر الاسلامي د. محمد عمارة:
(فلما حدث الانقلاب التركي والمملوكي وتعسكرت الدولة. «. . .» غدت فيه مقولات التيار العقلاني فكراً محرماً ومجرماً يلاحقه الاضطهاد.. وغدا فيه أئمة هذه العقلانية موضع التنديد وأسرى للملاحقة والسجن والاضطهاد.) اخبار الخليج، العقلانية الاسلامية، 18/7/1989.
ومن هنا فإن نهوض الأمة العربية مجدداً في العصر الحديث، ومحاولاتها استيعاب المنجزات البشرية المتقدمة، سواء في العلوم أو الفنون أو التطبيقات الاجتماعية هو أمر ضروري ولابد منه، لمصلحة بقاء وتطور الأمة، فليس لديها مخزون سحري داخلي كامن في أعماقها تتوجه اليه لتطلع منه الحضارة كما يقول السحرة المعاصرون، بل لابد لها من أن تتعلم من الآخرين وتستفيد من إنجازاتهم، لكون ذلك هو قانون تطور البشرية: قانون الاستيعاب المتبادل للخبرات والمنجزات المفيدة في التطور الداخلي لكل منها.
واستيعاب الحضارة له تاريخيته وشروطه. فمصر عندما بدأت تستوعب الحضارة الغربية الحديثة كان على رأس السلطة فيها طبقة اقطاعية هي أسرة محمد علي. لقد ساهمت هذه الأسرة في البداية بإحداث أول حلقة من حلقات الاتصال الحضاري وأنجزت بعض الأشياء الا أن أسلوبها في العيش الباذخ قد كسر تطور الحلقة. وبدأت طبقة أخرى في إستيعاب الحضارة الغربية ونقل منتجاتها الى الحياة المحلية مع تكييفها للمصلحة الداخلية. وكان لهذه الحلقة البرجوازية انجازات كبيرة غير أنها راحت تتآكل كما أوضحنا سابقاً.
ثم بدأت القوى الاجتماعية الدنيا في مواصلة عمليات تحويل المجتمع والاستفادة من إنجازات الحضارة الغربية والشرقية ولكن هذه أيضا وصلت الى الأنهيار بفعل التناقضات الداخلية في نظام عبدالناصر. ثم عادت الطبقة البرجوازية الى التأثير في المنطقة العربية، أثناء مرحلة النفط، وتفجر الصراع بين جناحها الأصولي، الذي يطرح أسلوباً فاشياً دينياً، وجناحها الحديث المعتدل.
ويساهم كتاب الأنصاري هذا في ترجيح كفة الجناح الأول. عموماً لقد فشلت البرجوازية بأجنحتها عن أحداث التحول الحضاري الجذري الشامل، بينما لم تجرب الطبقات الشعبية الفرصة بعد.
إن هذا التعدد في الحلقات لا يدل على وجود نزعة متأصلة الى التوفيقية كما يرى الأنصاري، بل هي مجرد حلقات في تطور طبقات محددة. وعدم قيامة بربط هذه النزعات بتكوينها الاجتماعي المحدد هو الذي يجعله يعتبرها نزعة أصلية خارقة صوفية.
يقول: [إن ما حاولنا البرهان عليه في هذا البحث هو حقيقة كون هذه الروح التوفيقية نافذة الى صميم التكونات التاريخية المجتمعية الحضارية وانعكاساتها العقلية والشعورية في هذه المرحلة من التاريخ العربي.] ص 212.
أي أنه في الخاتمة وصل الى أن التوفيقية هي جزء من «جوهر» الذات العربية «الآن!» لقد كان قوله سابقاً أن الذات العربية هي من جوهر خاص غير قابل للذوبان في «الجوهر الآخر» الغرب، لكن هذا الجوهر يتحول الآن، ويغدو مفارقاً لذاته، ويصير من جوهره أن يفقد جوهره!
أي أن العرب الذين كانوا محتفظين بهويتهم الخاصة المستقلة عن البشر تماماً، صارت هويتهم الخاصة أن يمزجوا بينها وبين هوية مناقضة لهم!
كنا نتصور أن المؤلف وقد تتبع الأصيل والوافد، وصراعهما، أن يضع خطوطاً حمراء عازلة، نستعيد عبرها الذات العربية الضائعة، في دنس التغريب، في الحضارة العالمية الشاملة الآن، أن يعيدها الى دائرتها الخاصة، نقية، عذراء غير مدنسة بحضارة الغرب «الكافرة»!، ولكنه يفاجئنا أخيراً بعد كل رحلة العذاب هذه بأن هذه التوفيقية هي جزء أصيل من تكوين الذات العربية الذي لا نستطيع له تغييراً!!
ويجد سر ذلك في عامل جديد، لم يُطرح ابداً، وكالساحر يستخرجه من قبعته ويقول: انها الجغرافيا!
يقول: [اما الانتقاد الموجه الى «التوفيقية» من الجانبين السلفي والعلماني فليس غير اشارة الى طبيعة الجدلية القائمة بين التوفيقية ونقيضها (السلفي والعلماني)، وغير تعبير عن نوع (الديالكتيك) الخاص بطبيعة الفكر والمجتمع المعاصر في هذا الشرق العربي «الأوسط» ليس جغرافياً فحسب، وإنما على الأرجح فكرياً وحضارياً!] ص 215.
هنا ينسف الكاتب كل مقولاته السابقة ويجعلها في مهب الريح، فالتوفيقية لا تغدو نزعة انتقائية معادية للذات الأصلية، بل تكوينا لابد منه، فرضته ظروف الجغرافيا، ولو كان العرب في استراليا مثلا ما كانوا توفيقيين!
ولعل في هذه الفقرة شيئاً من التراجع عن الأصولية المتزمتة، وفتح الأبواب لتعدد التيارات، رغم كونه مبنيا على أساس غير مبدئي، لأنه أقيم فقط فوق أساس جغرافي. في حين أن الوعي العربي الطليعي في مختلف مراحلة التاريخية كان يقيم جدلية عميقة مع العالم تبعاً للمصالح العربية وتطور المجتمع.
وأيضا سرعان ما يتراجع عن هذا الانفتاح وفي السطر التالي مباشرة: [وفي التحليل النهائي فإن الأهمية البالغة للأيدولوجية التوفيقية تنبع من حقيقة كونها تعبيراً عن واقع اللاحسم في الحياة العربية المعاصرة] ص 215.
هنا تغدو التوفيقية (أقرأها: الوعي البرجوازي الديمقراطي بتياراته) راجعة لأسباب تاريخية محددة وموقوتة بأسبابها، أي ليست قدراً جغرافياً. أي أمامنا فقط النزعة الأصولية (أقرأها: الوعي البرجوازي الفاشي ذو الواجهة الدينية) وهي الوحيدة الممثلة للذات العربية. في حين تمثل التيارات الديمقراطية والاشتراكية الغرب!
إن الفقرتين اللتين عرضناهما للمؤلف سابقاً تمثلان انتقائية خاصة به، فهو يضع رجلاً في التيار البرجوازي الليبرالي، ورجلاً أخرى في التيار الأصولي، منتظراً إنتصار احدهما ليضع قميه كلتيهما عنده!
إنه يقف بين الخطين المتصارعين في ذات الطبقة ليقول حينئذ.. كلمته!!
وهذه أسوأ أنواع التوفيقية!!!


【من الليبرالية الى الأصولية!】

في كتابة المثير للجدل «تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي 1930 ــ 1970» حاول د. محمد جابر الأنصاري ــ بدون جدوى ــ ان يبرهن على فشل كافة النزعات التنويرية والتحررية في المنطقة العربية ابتداء من الاسلام المستنير لدى محمد عبده الى ليبرالية سعد زغلول وقومية ميشيل عفلق وتحررية جمال عبدالناصر، لكن قوة فكرتة واحدة لم يتحدث عن فشلها، أو توفيقيتها حسب وعيه، كما انها تتطابق مع الجوهر العربي، تلك هي «الأصولية»!
وانتقال الكاتب الليبرالي من تحرريته الى النزعة الأصولية، ليس ظاهرة غريبة بعد الامكانيات المادية والمعنوبة التي اكتسبتها تلك الأصولية، لكنها خسارة فادحة للفكر التنويري في المنطقة حيث يشكل الفكر الأصولي تهديدا جديدا وتقسيما للحياة العربية الممزقة أصلا.
وحتى لا نستبق النتائج سنحاول المسير في كتابه الثاني الجديد «العالم والعرب سنة 2000» الصادر عن دار الآداب، لنتعرف على الوعي الأصولي، وهو يناقش المستقبل هذه المرة، لا الماضي، كما في الكتاب السابق.
فإذا كان التصور الأصولي في الكتاب السابق قد اتجه لتفنيد الحركات الليبرالية والاسلامية المستنيرة والقومية والاشتراكية في العالم العربي، عبر كشف مايسميه بـ«التوفيقية» في مبادئها، بمعنى أنها تخلت عن «الأصول»، عبر الجوهر الخاص بنا، وحاولت أن توفق بينه وبين الوافد، الفكر الغربي الديمقراطي والمستنير، دون أن تملك الحق في التوفيق، إذا كان هذا التصور الأصولي هناك قد بين عدم «أصولية» تلك الحركات وغربتها عن «الجسم» العربي، الخاص بنا.
فإن التصور الأصولي هنا، في هذا الكتاب «العالم والعرب»، سوف يوضح الطريق الذي يجب أن يسلكه هذا الجسم العربي الى المستقبل. واذا كان «توضيح» ان كل تلك الحركات هي ضد «جوهرنا»، أو أصولنا، فأين سيتجه جوهرنا هذا؟
ما هي قدراته على تحديد مشكلات العرب وانقاذهم بعد أن أباد معرفيا جميع الحركات النهضوية والفاعلة على الساحة العربية من الشرق الى الغرب؟
ما هي الامكانيات العلمية والثقافية لهذا التصور ليكتشف العالم القادم، وليحلل القرن الحادي والعشرين ويمتلك المصير العربي؟!
لعل هذا التصور لديه شيء هام يستبصر به المستقبل، ويمتلك «وصفة» للجسد الذي أعيته العلل وأعجز «الأطباء»!
لهذا لا بد من المرافقة والتأني في الكشف عن هذا البرنامج لاصلاح ما «عجزت» عنه، حسب المصدر السابق، كل تيارات العرب الساعية الى النهضة والتقدم. لعلنا نجد كلمة مضيئة في هذا الليل المعتم!
والكاتب، خلافا لما يفعل الأصوليون الواضحون الصريحون، يعبر عن أصوليته بطريقة غير مباشرة، التفافية، فيدع تصوره مطاطيا قابلا لايحاءات متعددة، فهذا أصولي غير متجهم الوجه، ولكننا سوف ندقق في كشف هذه الأصولية غير الصريحة، ونبين التناقضات التي تحتدم في وعيها.
والكتاب الحالي، خلافا للكتاب السابق ذي الوحدة الموضوعية، هو عبارة عن مجموعة من المقالات، اختصت فيها الظاهرة اليابانية ــ الصفراء ــ بالثقل الكمي والنوعي. من هنا جاءت المقدمة كأنها تلخيص واعطاء نظرة عامة على الكتاب ككل، لكنها في الحقيقة لم تكن تلخيصا محضا، فقد أضافت شيئا جديدا، وحاولت أن تخفف من انطباع يتولد لدى قارئ الكتاب بعد أن ينهيه.
لا بد من مطالعة هذه الفكرة المهيمنة، ولماذا تم التخفيف منها؟ وهل يمكن ذلك حقا؟
يقول في المقدمة عن موضوعات الكتاب:
«ثم اختص «الفصل الثاني» من الكتاب بظاهرة عميقة متجددة من ظواهر التحجول في عصرنا، وهي ظاهرة الإحياء الروحي والانبعاث الإيماني والتحرر من النظرة المادية الضيقة التي خنقت الروح في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين». ص 7 .
ثم يضيف بعد ذلك:
«وظاهرة الاحياء الايماني في الغرب ــ إذا وازيناها بظاهرة الصحوة الاسلامية في عالمنا العربي وبظاهرة «لاهوت التحرير» في بلدان امريكا اللاتينية ــ تشير الى ان العالم، وهو يقترب من القرن المقبل ويستعد لخوض غماره، قد أوشك أن يسترجع قيمة أساسية جدا من قيم الوجود». ص 7.
وعلى الرغم هنا من اتجاهه للغرب، أي صار الجوهر الغربي مقبولا في جانب، وهو المرفوض كلية كما رأينا سابقا، وكما سنرى لاحقا، فان ذلك يس هو بيت القصيد.
فالملاحظة الإساسية هنا ان الكاتب يستخدم كلمة «الصحوة الاسلامية». وتعبير الصحوة يختلف عن تعبير «الإيمان». فكلمة الصحوة تشير في الحقيقة الى بروز تيارات سياسية تستخدم الاسلام سياسيا، في حين ان الايمان هو تعبير آخر يقصد به إيمان البشر بالأديان والخلق.
فقد تشمل هذه الصحوة بضع مئات أو آلاف من المسلمين، غير ان الايمان يشمل معظم المسلمين، فكأن التعبير وظلاله تقول ان المسلمين لم يكونوا مؤمنين قبل الصحوة، فلما جاءت آمنوا.
أو قل بأن المسلمن لم يكونوا مسلمين قبل «الصحوة» فلما جاءت بدأ انتشار الاسلام، أو أن ظهور تيارات «الأصوليين» المتعددة هي التي في سبيلها لجعل المسلمين يعودون مسلمين أو مؤمنين. فالأصوليون هم سبب عودة «الإيمان».
إن كلمة «صحوة» توحي بوجود موت قبلها، أو نوم، أو كفر. وهذا ما حدث لأروبا التي عاد اليها بعض الإيمان وكأمريكا اللاتينية التي انبعث فيها لاهوت التحرير، حيث كانت خارج اللاهوت.
من هنا فسوف تنقسم ديار الاسلام، حسب هذا الطرح، اضافة الى ما تنقسم اليه، الى معسكرين متعاديين متحاربين، المعسكر الذي يضم بشر ما قبل الصحوة، الميتين النائمين، الكفار، والمعسكر الثاني: بشر الصحوة، المؤمنون الحقيقيون.
ومن هنا سينفتح الباب! لتظهر المعسكرات داخل المعسكرات.. وتنفتح دهاليز لا تغلق أبدا.
ولكون هذه التعبيرات التي استخدمها الكاتب تفتح الباب لكل تلك المشكلات، وتوحي بتأييد المتطرفين الدينيين الذين أقاموا [صحوتهم] عبر الأطلال والحرائق، فقد كتب بعدئذ مهدئا من ظلال الكلمة وآثارها، بعد أن ظهرت نتائج منطق «الصحوة» في المنظقة العربية، يقول في ذات المقدمة:
«ثم يبقى أمر ترشيد هذه الصحوة الروحية بحيث تأخذ مسارها السليم تجديدا لقيم الايمان الأصيل والخلق القويم، والتسامح بين الناس، والاعتدال في القصد، بعيدا عن نزعات التعصب التي ينهى عنها الدين الحق وقيمة الجوهرية السامية». ص 7.
ورغم صحة ما يطرحة هنا ونبل مقصده، الا أن هذه الفقرة تثبت أكثر من غيرها خطورة المنطق السابق.
فالصحوة، أو الأصولية، ستجعل الإيمان «الأصيل» مقصورا على نفر من المسلمين، أو ستجعله المعيار الفاصل لتحديد انسانية البشر، وهذا ما يفتح الباب لتعبيرات «الحكومات الكافرة» أو «الكفار» و«التكفير» و«الهجرة من مدن الضلال والكفر»، وسيتم تصنيف البشر على أساس «الإيمان» أو «الكفر».
أي انك اذا اعتبرت المسلمين منذ البدء غير مؤمنين، وجعلت من نفسك رقيبا وحسيبا على ايمانهم، ووصيا على حسن اسلامهم، فقد جعلت من نفسك قوة فوق البشر، لينفتح الباب بعدئذ لسفك دمهم أو الهجرة من ديارهم أو تكميم أفواههم أو شن الحروب عليهم الخ…!
من هنا تغدو خطورة استخدام تعبيرات مثل «الصحوة» التي هي تعبير عن اتجاه سياسي، يستعيد الدين وقاموسه لغايات دنيوية محددة، بهدف أضفاء مسحة قدسية على عمله السياسي البشري المحدد والقابل للخطأ والصواب.
ولهذا فإن الكاتب في العبارة الاستدراكية يحاول ان يخفف من وطأة التعبير وظلاله المهلكة. انها عبارات جميلة ولكنها لا تعني شيئا: «ثم يبقى أمر ترشيد هذه الصحوة الروحية» فمن هو الذي سيقومك بترشيدها ومن هو المرشد لها؟ وكيف سيقوم بذلك بعد غلوها وهل سيستطيع؟ واذا لم يستطع واندفع (منطق الصحوة) الى غاياته وتطرفه المطلق…؟! وصار العلم العربي كلبنان وكيف سنغدو حينئذ؟؟!
إذن المنطق ذاته منطق خاطئ خطر.
لقد قام د. الانصاري بالغاء منجزات وابداعات التيارات الفكرية التنويرية والديمقراطية العربية ووجد نفسه في طريق مسدود، هو طريق الأصولية التي تحتاج الى «الترشيد» أيضا!!
هل تستطيع النخبة وحدها احداث النهضة؟!
هناك فكرة أساسية وملحة لدي الدكتور محمد جابر الانصاري. وهو يتقدم للتنبؤ بمصائر العالم والكون في القرن الحادي والعشرين. وهي ان قوة عالمية جديدة تنمو الآن، وسوف تحتل المركز القيادي في القرن القادم. فلأول مرة بعد قرون طويلة تزاح القوة البيضاء. «الغرب» لتحل القوة الصفراء «اليابان ودول شرق وجنوب آسيا»، وعلى العرب الإنحياز الى هذه القوة، أو التعاون معها بشكل اكثر دقة، والابتعاد كلية عن عالم الغرب بشقيه الرأسمالي والاشتراكي.
وسيكون القرن القادم هو أيضا قرن المحيط «الباسفيكي ــ الهادئ ــ فللحضارة البشرية دائما مركز مياهي خاص، فالحضارة الوسيطة كان لها البحر المتوسط ميدانا رئيسيا لاتصال أقطابها، والحضارة الغربية الحديثة كان لها المحيط الاطلسي ميدانا اساسيا لنشاطها، اما الحضارة القادمة ذات الاقطار المتعددة وأبرزها القطب الأصغر فسيكون ميدان تنافسها الملتهب هو المحيط الهادئ».
وثمة في هذه الافكار نقاط حقيقية، كالقول بتنافس القوى الدولية في عالم اليوم، وتحول المحيط الهادئ الى مركز حضاري هام وكبير، وبروز مراكز حضارية جديدة على شواطئه الواسعة كاليابان والصين وفيتنام وسيبيريا الخ..
ولكن الكاتب يوغل بعيدا في استنتاجاته، ونحن لا نريد ان نخطئ أو نصوب هذه الاستنتاجات بقدر ما نريد دراسة اليه تشكلها، فلماذا تأخذ هذا المنحى دون غيرة؟ لماذا تحاول أن تؤكد احتمالا واحدا مع وجود كثرة من الاحتمالات؟ وما هي علاقة التركيز على هذا الاحتمال بالنظرة التي يمتلكها الكاتب؟
إننا نريد ان ندرس آلية ظهور هذه النظرة وتناقضاتها المختلفة. سنأخذ مقالا واحدا بتركيز خاص. وعموما فمقالات الكتاب المنفصلة تحتوي ذات الفكرة الرئيسية المتمددة في كل الكتاب، وبنفس خطوطها العريضة.
المقال هو ذلك الجزء من الفصل الثالث النظري العام المعنون بــ«الوة الصاعدة.. والعرب ــ نظرة شمولية». فهذه النظرة الشمولية هي التي تحتاج الى فحص.
في البدء يقول:
انشغل الفكر العربي كثيرا بالتجارب الحضارية الأوربية والغربية بصفة عامة رغم أنها تمت في اقليم حضاري مختلف تماماً عن الاقليم العربي، وفي ظروف تاريخية اجتماعية تختلف هي الأخرى كثيرا عن الظروف العربية ص 64.
وكالعادة يجري تعميم وإطلاق الوعي العربي بتياراته المتعددة في كلمة «الفكر العربي» فلا يغدو قوى متعددة واجتهادات متباينة بل جوهراً ذا وحدة واحدة، يصير عدسة وحيدة تنشغل بعالم آخر مسيطر على وضعها فتنبهر به وتريد أن تحتذيه لتكون في مستواه.
إن العدسة العربية تنشغل «بالتجارب الحضارية الأوربية»، «بسبب التفوق الأوربي في المائتي سنة الأخيرة، والسيطرة الأوربية على معظم بقاع الأرض بما في ذلك الاقليم العربي».
إن العدسة تحاول نقل الموديل الغربي الرأسمالي الى عالمها الخاص رغم أن الحضارة الغربية تمت في «إقليم حضاري مختلف تماما»، وفي ظروف تاريخية مغايرة. وهنا يجب أن ننتبه الى كلمة الاقليم المختلف بمعنى أنها لو تمت في اقليم مشابه، شرقي، مقارب في عاداته ومؤسساته، لتمت عملية الاحتذاء، وحدث الإنصهار بين التابع والمتبوع، فعملية تقليد الموديل الغربي تمت في شروط غير مناسبة، بمعنى أن تقاليد العرب وأوضاعهم الاجتماعية كانت مغايرة، للنموذج المراد تباعه، ولو جاء نموذج أو موديل مناسب، قريب منا جغرافيا واجتماعيا لتمت عملية الإحتذاء.
ويواصل الكاتب بناء فكرته:
غير أن استيعاب سر القوة الحضارية المعاصرة لدى الغرب شيء، واحتذاء نماذجه الحضارية بكاملها ومحاولة اقتباسها بشكل تفصيلي شيء آخر، وهذا فارق لم ينتبه اليه ذلك الجيل من المفكرين الذي دعا الى اقتباس الحضارة الأوربية خيرها وشرها حلوها ومرها على حد تعبير طه حسين.. ص 65.
لقد أراد ذلك الجيل من المثقفين العرب نقل النموذج الغربي بكليته الى الواقع العربي (هل حدث ذلك حقا؟!) ونسى أهمية استيعاب سر القوة في ذلك النموذج، فاستيعاب «سر» النموذج هو مفتاح الحل.
فلو أن الوعي أدرك سر تفوق الموديل الغربي، وما هي خصائص تفوقه، وعمم هذه الخصائص أو نشرها أو طبقها، لكان بالامكان احداث نقلة حضارية! ولربما حدث التطابق بين التابع والمتبوع، ولكنه، للأسف، انشغل باحتذاء النمودج بالكامل.
هل هناك فرق بين احتذاء النموذج وادراك سر قوته؟!!
لقد أراد العقل العربي أن يصبح غريبا، وأراد للمجتمع الأصيل ان يتغرب عن ذاته، أن يفارق جوهره، ويلتحق بجوهر خاص ذي خصائص مختلفة كليا.
أي أن التطابق الحضاري، بين المختلف والمتقدم، بين التابع والمتبوع، رهن بشروط الوعي والفكر، فلو تحقق «ادراك معين» تمت عملية المصاهرة، وزال الفارق.
إن النقلة الحضارية المنتظرة تتحقق باستبدال عبارة «إحتذاء نماذجه» بعبارة «اسيعاب سر القوة!!» فلو أن المفكرين العرب انتبهوا الى ذلك في بداية التصادم الحضاري بين العرب والغرب وانشغلوا باستيعاب أسرار قوة الحضارة الجديدة وراحوا يفككون آلتها ويعيدون تركيبها، لأمكن حدوث التقدم الحضاري المطلوب.
وكان بامكان «العقل» العربي حينذاك أن يرى ايضا الموديل الجديد ويدرك أسراره. فقد صعدت اليابان حينذاك، وأستقبل المثقفون العرب بحماس بالغ الانتصار الياباني على روسيا القيصرية، ورأوا فيه أول هزيمة لأوربا.
«لكن الفكر العربي اكتفى بالترحيب والتفاؤل ولم يدرس ويتعمق أبعاد التجربة اليابانية الجديدة كاملة وهي التي بدات قبل ثلث قرن فقط من انتصار اليابان على روسيا. هذا مع العلم أن اليابان في بداية عصر نهضتها المعروف بعصر الميجيوالذي يؤرخ لبدايته بعام 1868. قد أرسلت وفدا الى مصر للتعرف على اسباب نهضتها الباكرة بين عهد محمد علي وعهد الخديوي اسماعيل ص 65.
إن الفكر. في نظرة الكاتب، يغدو هو الصانع المطلق للتاريخ بدون شروط موضوعية، خارج البنية الاقتصادية ــ الاجتماعية التي تكون فيها، وهو يستطيع بمفرده، لو أنه تعمق الأشياء لأمكن إعادة خلق التاريخ في منحى اخر.
فشروط النهضة وتفجيرها موجود لدى النخبة، وهم القوة الحاملة للفكر، وبامكان هذه النخبة مستقلة من شروط تكونها ان تخلق ما عجزت عنه. إن الفكر هنا قوة حرة مطلقة، ليست ابنة ظروف تاريخية بالغة التعقيد، فقد كان بامكانها أن تصير ولم تصر.
«هكذا لم يحول الفكر العربي ذلك الحدث في مطلع القرن العشرين إلى منعطف في انفتاحه على تجارب العالم الجديدة الأخرى، ونسى التجربة اليابانية بعد سنوات قليلة وواصل تطلعه غربا عبر المتوسط الى التجارب الحضارية الأوربية وحدها…». ص 65.
إن عدسة «العقل العربي»، ركزت على جهة واحدة من العالم ولو انها التفتت الى جهة أخرى وليدة بازغة، لتغير مصير العرب في هذا القرن.
إن الفكر يغدو، كما كان في كتاب «تحولات الفكر والسياسة . .» ظاهرة فوق الواقع، مجردة، وقادرة على تحويله بقدرتها الذاتية الخارقة، فليس هذا الفكر هو نتاج الواقع العربي المعقد المتباين، نتاج الأنظمة الاجتماعية المتخلفة التابعة، إلى مراكز متباينة في العالم الغربي، ليس هو ممارسات تتخلق عبر تحويل المجتمعات العربية المتعددة، ليس هو مجموعة من المثقفين المتناثرين المنتمين الى تيارات صغيرة داخل التكوينات «الحديثة» الوليدة حينذاك، وفي محيط من الأمية والتخلف وتأخر الصناعة الخ.. ليس هو التيارات الليبرالية المتعددة التي تحاول احتذاء، دول متباينة، وليس هو الاسلاميون المتنورون القليلون الذين يحاولون الاستفادة من ثقافة الغرب لتطوير الحياة العربية الخ..
لا، ليس الفكر كذلك. بل هو قوة مجردة مطلقة قادرة على تحويل مسارات الحياة بمجرد اكتشاف موديل آخر.
إن «الفكر» بهذا التجريد الذي يتصوره الكاتب لم يكن موجودا حينذاك، وليس موجودا الآن كذلك. بمعنى أن للتاريخ قوانينه الموضوعية لا بد من اكتشافها حتى يتم تحويل الواقع، فهو لا يتغير بمجرد التغيير في فكر النخبة.
إن انشداد الوعي العربي بتياراته المتعددة الى «الغرب» هو ظاهرة موضوعية، تأسست فوق عالم كامل من التبعية، تكون عبر قرون عديدة منذ نمو الرأسمالية في غرب أوربا وحدوث الثورة الصناعية فيها والاكتشافات الجغرافية ونمو الأساطيل والاستيلاء على العالم عبر الشركات التجارية الخ . .الخ.
لقد تم تمزيق الوطن العربي، كالعديد من البلدان، وربط بتلك المراكز الرأسمالية المتعددة. وهذا الربط منحوت عبر ظروف اقتصادية مادية عميقة، كما هو أيضا منحوت عبر شروط فكرية ثقافية.
من هنا كان لا بد من التطلع الى الغرب واحتذاء نموذجه وفهم سر قوته، فذلك هو طريق التحرر الشاق، الذي لن يتشكل عبر الضغط على مجموعة من الأزرار.
وقد حاولت قوى اجتماعية عديدة، كما أشرنا سابقا، أن تحطم التبعية للغرب، وقد كان هذا نفسه انعكاسا للتطور الموضوعي ذاته. وقد تشكلت عدة حلقات بدأها الاسلاميون المتنورون كالافغاني وتلاها الليبراليون الوطنيون كسعد زغلول ثم توجت بحلقة القوميين التحرريين كجمال عبدالناصر وغيره. وفي كل حلقة من هذه الحلقات كانت مسافة الحرية تتسع، وتآكل بنية التبعية يشتد.
ولو أن المنورين العرب في بدايات النهضة اهتموا بالتجربة اليابانية وحاولوا إدراك أسرارها لما نجم عن ذلك انفجار، بل تحول الى معرفة نهضوية مثل كافة اشكال الأدلجة الخاصة التي قامت بها البرجوازية العربية.
إن التاريخ لا ينمو الا بإمكانياته الحقيقية، وتظل المعرفة تلعب دورها الهام ضمن علاقتها بالطبقات المختلفة.
إذن الكاتب يقوم هنا بعملية تجريد واسعة، ويجعل من الفكر المجرد قوة خيالية قادرة وحدها على احداث التحول، خارج الظروف الملموسة للتطورات الاجتماعية.
فهل تتم النهضات الكبرى والتحولات التاريخية بفعل الارادوية المحضة ونشاط النخبة؟
هل ذلك ما حدث في التجربة اليابانية؟!

الأتراك يتحدثون

≣ الأتراك يتحدثون
25-1-2003
≣ العلمانية الإسلامية التركية
26-7-2007
≣ العلمانية التركية والسنة والحداثة
29 اكتوبر 2008
≣ العَلمانية التركية والسلام والتقدم
13 فبراير 2009
≣ هذا أبوالأتراك فأين أبو العربِ؟
2010/12/17
≣ التحولات السياسية في تركيا
2010/1/31
≣ تركيا مستقبلٌ مرئي للمسلمين
2010/6/4
≣ تركيا بين المبادئ والمصالح
2010/7/16
≣ تركيا والتحولات العربية
10/5/2011
≣ توازناتُ الحداثةِ التركية
18/6/2011
≣ انفصامُ تركيا الاجتماعي
20/8/2013
≣ تركيا الحداثة
6/4/2014
≣ صراع الرساميل في تركيا
25/8/2014
≣ هجمةٌ ثقافيةٌ تركية
29/8/2014
≣ أردوغان والخداع السياسي
2014/9/14

الأتراك يتحدثون
25-1-2003
تعبر العاصمة السابقة (اسطنبول) عن المكانة التي وصلت إليها عملية التحديث التركية، فهذه العاصمة هائلة بمقاييس المدن المعاصرة، ويقول مرشد سياحي تركي إنها تحتوي على ثمانية عشر مليونا من البشر، وان الآطفال وحدهم يبلغون مليونين.
وإذ تنقسم المدينة إلى قسمين أوروبي وآسيوي فإنها اجتماعيأ تتحول إلى مدينة أوروبية كاملة، فالنظام يسود ودقة وسائل المواصلات الحديثة والشبكة الواسعة منها، والانتشار الكثيف للعمل والتجارة والحريات والمرأة، يخبرك بأن تركيا في عاصمتها تحديدأ بدأت تودع عالم العصور الوسطى ومرحلة الانتقال متجهة إلى الحداثة بخطى قوية ثابتة.
إن وجود العمالة التركية المدربة في كل مكان، وصعود النساء الواسع في مختلف جوانبه، يعبر عن هذه الحداثة التي تغلغلت في الآوساط الشعبية، رغم ضعف المداخيل وضخامة البطالة، لكن هذه العمالة الواسعة المنوعة هي التي تقف العاصمة عليها.
إن اتجاه تركيا المستمر نحو الحداثة لم يلغ جذورها الفكرية الإسلامية، بل هي تحاول أن تجمع بينه وبين التحديث العميق والواسع وقيم النهضة الأوروبية، وقد كانت الأحزاب البرجوازنة الجديدة هي الأكثر اقترابأ من هذه الصيغة، خلافاً للأحزاب التطرف الدينية والعلمانية.
أحزاب التطرف الدينية تنادي بالثورة المسلحة على النظام العلماني في حين تتوجه الأحزاب العلمانية المتطرفة إلى إلغاء الإرث الإسلامي. وبين الجانبين ظهرت الأحزاب المعبرة عن الطبقة الوسطى بشرائحها الجديدة والتي حاولت التوفيق بين الجانبين المتضادين الكبيرين، ويبدأ قوسها باتجاهات محافظة ترتكز على مؤسسات الاوقاف في تركيا، والتي لم تذب بعد كليأ في دورة رأس المال وفي العلاقات الاجتماعية. ويعتبر ذلك من المداخيل المهمة لهذا القطاع الذي يحافظ على جزء من العلاقات التقليدية القديمة، وبالتالي تغدو مفاهيمه الدينية متسامحة لكنها بعد لم تصل إلى فهم التحديث العلماني.
أما الاتجاه الذي انتصر في تركيا فهو اتجاه اردوغان، وهو معبر عن هذه الشرائح الجديدة من الطبقة المتوسطة، وهو الاتجاه الذي استطاع الجمع بين قيم الماضي وتطلعات الحاضر بصورة مرنة، وشعاره هو (الإسلام والعلمانية والحداثة)، وحين كان في رئاسة البلدية اتهم بإرساء المناقصات على شركة المقاولات الإسلامية، وهذا يعبر عن الطبيعة الاجتماعية لهذه المجموعة السياسية، ونوعية هذه الشرائح التي تحاول وراثة تركة البرجوازية العلمانة السابقة.
وليست لديهم رؤية عميقة للتطور التاريخي الإسلامي والتركى المعاصر بقدر ما تغدو العملية توظيفاً لبعض جوانب الدين والعلاقات الاجتماعية التقليدية من أجل الوصول إلى كراسي الحكم والثروة، ولهذا فإن اردوغان بدأ حملته بالدعوة الى توزيع الثروة وإقامة عدالة اجتماعية، ولكن حين جاء حزبه إلى السلطة تغير البرنامج وصار متواضعاً جدأ، واقتصر على توفير الخدمات الصحية وإصلاح نظام التعليم وتحقيق الضمان الاجتماعي.
ولاشك ان الجمهور التركي سيكتشف الطابع الاجتماعي لهذا الحزب، وتصعيده لشرائح جديدة من رجال الأعمال، وستظل العلاقة مستمرة مع الغرب والولايات المتحدة خاصة، بل إن التيار الجديد كان متحمساً لدخول الوحدة الأوروبية.
هذا يوضح دور, المصالح الكبيرة والمؤثرة والتي تشكلت وقادت تركيا المعاصرة، والتي أخذت بالاقتصاد الحديث ولكنها أيضا بدأت تعيد تشكيل الإرث الديني بما يتلاءم مع تطوراتها وعلاقاتها الدولية والمناطقية.
إن هذا الاتجاه الوسطي التحديثي الديني سيكشف عن محتواه الاجتماعي وينحاز بطبيعة الحال إلى المؤسسات المالية الكبرى وأصحاب النفوذ، أما الوعود للفقراء والعدالة فسرعان ما تنسى.

العلمانية الإسلامية التركية
26-7-2007
استطاع حزب العدالة والتنمية أن يحقق انتصاراً في الانتخابات التركية الأخيرة، ويثبت أنه حزب مرن وديمقراطي وتحديثي وإسلامي كذلك!
إن وضع حد لعلمانية كمال أتاتورك العسكرية تتم من خلال النضال الديمقراطي التوحيدي بين الإسلام والحداثة، وليس من خلال الحرب بينهما، وهذه مسألة بالغة الدقة والتعقيد ولكن العديد من المثقفين والمتابعين يأخذونها بتسطيح شديد!
لقد قامت علمانية كمال أتاتورك على الاستيراد من الغرب، فحددت بعض الثوابت التي لا يجوز تخطيها كأبعاد الدين عن السياسة وعدم تشكيل أحزاب دينية، وتشكيل أحزاب مدنية، وخلق حريات مدنية هامة، وهذه أمور جوهرية في العلمانية الحديثة في العالم أجمع، لكن لا يعني ذلك أن يتخلى المسلمون الأتراك عن تقاليدهم الدينية، وعن تاريخهم، ويغدون ممسوخين!
إن هذه هي علمانية على طريقة العسكر الكبار الأتراك وقتذاك، والذين أرادوا أن تكون تركيا قطعة من أوربا، وذلك شيء جيد لكن بدون مسخ لحياة الأتراك وتقاليدهم، فهذه التقاليد العريقة لا يمكن أن يصدر قرار بشأنها من قبل الجنرال الوطني الكلي القدرة أتاتورك!
فهذه مسألة ترجع للشعب وقواه الدينية والسياسية، التي تقوم بمراجعة هذه التقاليد عبر السنوات، فتمزج بين الحداثة وجذورها، بأن يغير الرجالُ معاملاتهم لزوجاتهم وأسرهم، وبأن يقوم علماء الدين بدرس التراث على ضوء عصرنا، ويلائموا بين الأحكام الفقهية والتطورات المعاصرة، وأن يهتموا بتقدم الأمة دون أن تنسلخ من تميزها بين الأمم، وبأن يعيدوا النظر في فكر المسلمين الشفاهي والكتابي في العديد من جوانبه والتغيرات العلمية العاصفة، حتى لا تحدث شروخ رهيبة بين الأجيال الجديدة وتراثها وبين العصر التي تعيش فيه.
لقد أسست علمانية أتاتورك بعض القواعد الهامة لكنها كانت اقتلاعية ولديها تصور بأن اجتثتاث الإسلام هو العلمانية والتحديث الغربي، لكن هذه العلمانية العسكرية أصطدمت بصمود التقاليد الإسلامية، كما أن أحزاباً للطبقة الوسطى راحت تجمع بين الحداثة وبين تلك الجذور المُراد اقتلاعها، وتعترف بالقوميات المختلفة، وتخفف من هذه التبعية والذوبان في الغرب!
وفيما كانت أحزاب العلمانية العسكرية التغريبية تلتحم بالهياكل الحكومية النائية عن الجمهور الواسع، راحت أحزاب التحديث الديمقراطي الإسلامي تعبر عن حاجات ومشكلات هذا الجمهور الواسع وتقدم حلولاً لها، مما جعلها تتقدم على تلك الأحزاب ذات الأشكال العلماينة الخارجية والمرتبطة بأجهزة الدولة والتي نأت بنفسها عن الشعب وتقالده وقضاياه.
لدينا هنا تقدم لعلمانية الطبقة الوسطى المتصلة بالجمهور، فهي لا تعترف بالمذهبيات السياسية كشكل وحيد للتنظيم السياسي، بل تشكل إسلامية الحزب ووطنيته، استناداً إلى مبادئ نهوضية إسلامية تتعلق بالتاريخ التركي، وهو اقتراب من جوهر الثورة الإسلامية التأسيسية التي اقامت التعاون النهضوي بين التجار والفقراء، لكن الآن يأتي ذلك على ضوء الاستفادة من الانجازات الغربية الديمقراطية، حيث لا توظيف للدين في السياسة، ولا تفكيك لنسيج البلد القومي، وإعطاء الإسلام كذلك دوره الاجتماعي في الحياة الشعبية بدون قهر!
إن أحكام الفقه لتتطور وتلائم الظروف المستجدة تحتاج لعلماء، فلا بد أن تنفصل عن لعبة التسييس، واستخدامها من قبل الزعماء للحصول على الكراسي، وإذا كانت لدى هؤلاء برامج سياسية مفيدة وتحقق إصلاحات لوضع الناس المعيشي فليتقدموا بها، وليكسبوا الكراسي السياسية وليحققوا هذه التغيرات.
وهكذا يصبح الفقه بمسار والسياسة العامة البرلمانية بمسار آخر، فلا تقوم السياسة العامة بدهس إيمان الناس وتقاليدهم، ولا يقوم رجال الدين بدهس تطور الحياة العصرية وحرياتها.
والاحتكاك والصراع بين الجانبين وارد وصعب ويحتاج إلى زمن طويل لكي يحدث تعايش صحي بينهما، فلا بد من الصبر هنا، ورؤية هذين المسارين بحيث تواجه الأمة محن التخلف والتبعية دون أن تفرط في دينها كذلك!

العلمانية التركية والسنة والحداثة
29 اكتوبر 2008
ليست العلمانية الإسلامية التركية الوطنية سوى محاولة أولى للمسلمين للخروج من استغلال الإسلام لمصالح القوى المحافظة. فالذكور لا يريدون أن تتحرر المرأة وتتسع حقوقها مثلما فعل أجدادهم المحافظون في كبت وحرمان النساء. والطبقات الغنية تجد في الدين غموضا سياسيا اجتماعيا تستطيع أن تتلاعب من خلاله بمصالح الشعوب والعاملين. والحداثيون درجوا من جهة معاكسة على ذم الإسلام واحتقار تاريخ المسلمين، وتعميم صفات الطبقات الغنية التي تحكمت في إنتاج نسخ الدين المشوهة واعتبارها هي الإسلام.
لكن تاريخنا التحديثي العروبي الإسلامي الإنساني يجب أن يخرج من هذه القيود، ويحتاج إلى جهود فكرية وسياسية مبدعة، لن تأتي بسهولة نظراً لتباين المواقع وتعدد مستويات الفهم وتناقض المصالح المؤقتة غالباً. وقد مثلت التجربة التركية قفزة نحو ذلك، لأسباب تاريخية جعلت من تركيا مثل هذه البؤرة التجريبية لعالم المسلمين.
كان المذهب الحنفي من أكثر مذاهب أهل السنة تحرراً وعقلانية، ولكن القبائل البدوية التركية التي اعتنقت هذا المذهب في غابر الأيام لم تفهمه بشكل دقيق، ولا يعود الأمر سوى لتحكم الأمراء وفرضهم تبني المذهب، من دون ثقافة كبيرة في ذلك الزمن.
ولعل من أهم الأسباب في ذلك أن أصول الإمام أبي حنيفة النعمان كانت تركية.
لكن هذا التبني كانت له نتائجه المفيدة على الشعب التركي في العصر الحديث، فهذا الشعب البدوي المترحل استقر في أرض كبيرة، وكون امبراطورية كبيرة، واستفاد من غنائم الأمم في تشكيل مدنه، واقترب من أوروبا التي كانت متخلفة وراحت تتطور وتؤثر في الشعب التركي وتحدثه، مرة بانتزاع مستعمراته، ومرة بفرض الحداثة عليه.
لقد استفاد الاتراكُ من تبني المذهب الحنفي الذي يُقام على الاجتهاد من دون الخروج عن الأصول، وبإعطاء العقل مكانته الكبيرة في فهم الإسلام ومقاربته للعصور وللتقدم.
لقد كان الفقهاء الحنفيون مثالاً لتكوين الفرضيات وقراءة المستقبل ومحاولة تطوير النصوص الدينية لحاجات مسلمي اليوم، فكان تقدم المسلمين يقع في بؤرة اهتمامهم، فقد فهموا أن النص في خدمة البشر وليس أن البشر في خدمة النص.
وهذه بداية فهم كبيرة لكون الإسلام ثورة «نهضوية» لكنها جرت بين سكان متخلفين، فكان عليه أن يراعي ظروفهم، ولا يتجاوز قدراتهم، ولكن هؤلاء الناس راحوا يتطورون وعجز فقهاء كثيرون عن اللحاق بهذا التطور، في حين إن الفقه الحنفي أحس بهذا المضمون المتواري من دون أن يصل إليه، بسبب ان منهجية الفقهاء حينذاك تركز في الفقه الجزئي وليس الفقه الكلي، فقه التغيير الشامل، ومع هذا فقد كان هذا الفقه الجزئي المرن في تلك العصور مهما.
وقد أحس الاتراكُ وهم يرتفعون في تاريخهم إلى ذروةِ الصراعات التاريخية العالمية الكبرى في العصر الحديث بأهمية تطور المذهبية نحو أفق العصر، ولم تأتِ إليهم هذه المعرفة العفوية إلا من تجارب مريرة مثل هدم الامبراطورية العثمانية، واستعمار الشعوب الإسلامية، وإلغاء الخلافة، واحتلال بلادهم، وتحولها من امبراطورية إلى بلد تابع.
وقد فهم مؤسسو تركيا الحديثة الإسلام بالفهم الشكلاني للعصور الماضية نفسه، مثلما فهموا الحداثة الغربية بذات الطريقة الشكلانية، ولاتزال الغالبية الكبرى تفهم الدين والحداثة على أنهما أشكال من الأزياء والشعارات.
فيكفي بعض الشعارات والأزياء لإنشاء الحداثة وللابتعاد عن الماضي المتخلف؛ البس قبعة، أزل الحجاب، عش مثل الغرب، وسوف تتحقق الحداثة. أو على العكس سوف يتحقق الدين من الأشياء المعاكسة: البس، وضع الديكور ويتحقق دينك.
حتى هذه الشعارات كان لها بعض القيمة، فحتى الملابس تحولت في تاريخنا إلى شكل من الاستبداد والسيطرة على عقول النساء، بدوافع الخوف من الاثم والأخلاق الفاسدة، وهي دوافع نبيلة غير أنها شكلانية، لأن الأخلاق العالية لا تتحقق من لباس.
لكن العلمانيين العسكريين الأتراك جاوزوا ذلك لبعض مضامين التحديث الغربي، لكن المطابقة مع التحديث الغربي تتطلب ثورة صناعية، أي تحتاج إلى فوائض مالية ضخمة من عمل الناس، لم تتوافر في بلد فقير، وطبقته الحاكمة توجه الأموال للخارج والبذخ.
وهذا الفشل العلماني العسكري التركي يعود لنهج الطبقة الحاكمة ولا يعود للعلمانية التحديثية، فقد نجحت هذه العملية المتجاوزة للتخلف في روسيا والصين واليابان والهند، بسسب الحريات المتعددة المعطاة للناس، وللتركيز في التصنيع والتعليم وليس في قهر عادات الناس، وهي مرحلة حدثت في بلدان أخرى، ولكنها ما لبثت أن تخلت عنها مركزة في التطور الجوهري.
وقد عاد الاتراك للصراع على الحجاب والمشروبات وقضايا الأكل، كشكل من أشكال عدم المقاربة مع الثورة الإسلامية، وعبر التركيز في الفقه الجزئي، الذي لن يغير حياة المسلمين، بل تغيرها سياسة ثورية إصلاحية توزع الأرض على المعدمين، وتوسع التصنيع والثورة التقنية، ولا تجعل الأتراك بلداً يوزع عماله على الخارج، وبلداً يحرر القومية الكردية من الاضطهاد ولا يبعثر ميزانيته المحدودة في الحرب ضدها.
من المؤكد انه إذا لم يستطع الجيل الراهن المقاربة مع التراث الإسلامي وآفاق التحديث الديمقراطي، فإن جيلاً آخر سيقوم بالمهمة، وقد أعطته تجربة الشعب التركي الغنية إمكانية لفهم جدلية التضفير بين الماضي والحاضر، بين تراث المسلمين الديمقراطي، وخاصة الفقه الحنفي، وبين الحداثة العالمية المعاصرة التي قام كل شعب بالمساهمة فيها بقسطه الخاص.
وتعني العلمانية هنا عدم التجارة في التراث وتعني الأسلمة عدم تدمير وإلغاء الماضي العريق للشعوب، وأن على الطبقات الحاكمة والمؤثرة أن تخلق تركيباً بين الثورة الصناعية و«العدالة« الاجتماعية وحقوق القوميات والأقليات وحرياتها الخاصة في عباداتها ولغاتها.
مقاربة السنة للعلمانية ستكون أكبر من بقية المذاهب الإسلامية بسبب عملية الانفتاح والمرونة في الأحكام الفقهية وخاصة في المذاهب الثلاثة الكبرى المعتدلة، التي عاشت في المدن وركزت في الاجتهاد ومصالح الناس وتقدم الأمة والابتعاد عن الحكم والذوبان داخله.

العَلمانية التركية والسلام والتقدم
13 فبراير 2009
اختارت القوى الدينية العربية والإيرانية سياسة المجابهة، وهي سياسة نازفة للموارد المحدودة، لكن الفئات الوسطى التركية باتجاهها الديني ~ الإسلامي اختارت التنمية والسلام والتقدم.
بطبيعة الحال كانت هناك خلفية الإمبراطورية العثمانية والتحديث المتردد فيها، التي استفادت من الموارد الكبيرة التي أتاحتها تلك الهيمنة الطويلة على البلدان العربية والإسلامية الأخرى.
وحين خرجتْ تركيا الحديثة من الارتباط بهذه الإمبراطورية الشائخة، وابتعدت عن الدخول في المحاور الأوروبية المتصارعة على المستعمرات بدءاً من الحرب العالمية الثانية، حققتْ هذه السياسة تراكماتٍ اقتصادية وسياسية مفيدة لها، أهلتها لأن تنعطفَ بفهمِها الديني نحو آفاق الحداثة.
كانت الحرية الاقتصادية مقدمة لانتعاش الفئات الوسطى المختلفة، ورغم أن حكم الجنرالات كان حكماً دكتاتورياً، لكنه كان مركزاً على الناحية السياسية بدرجة أولى.
وحتى لو كان الحكم مؤسساً لأنظمة يمينية فاسدة وتابعة للغرب، لكنه كان مؤسساً كذلك لوحدة تركيا الحديثة الوطنية.
إن تركيا الخارجة من العصور الوسطى مثل بقية الدول العربية والإسلامية واجهت تحديين أساسيين: فثمة خطر المغامرة اليسارية المتطرفة الداعية لتحول تركيا إلى دولة اشتراكية عمالية تسحق البرجوازية، وكان هذا الخيار يجد صداه في العديد من المنظمات اليسارية المتشددة الصغيرة، وفي صفوف بعض قطاعات الجماهير الفقيرة المعدمة. وكان الخيار الثاني هو دولة رأسمالية حرة بشكل كلي وهو أمر لم ينضج بعد.
وتركيا دولة تسودُ فيها طبقة الفلاحين الفقراء، حيث تركيا هضبة كبرى واسعة شبه زراعية، ضعيفة الموارد.
ولم تحدثْ لهذه الطبقة إصلاحات عميقة، أو تحولات رأسمالية كبيرة، تحول فلاحي الريف إلى عمال.
كما أن القومية التركية هي قومية سائدة فوق الأكراد والعرب وغيرهم من القوميات الأقل عدداً، ولم تعط هذه القوميات حقوقها الكاملة، مما أوجد جماعات متطرفة رفعتْ السلاحَ وأنهكت تركيا كدولةٍ تتوجهُ للتنمية.
إن تحقق الديمقراطية بنفس المستوى الغربي غير ممكن تماماً بسبب ان الفئات الوسطى لم تستطع أن تقوم بالتحديث الصناعي وتوحيد السكان حولها، إلا في بعض المدن الرئيسية، وهو ما جعل هذه الفئات تبحثُ عن الجمهور الواسع المغذي لها بالتأييد وبالادخار المالي والاستهلاك. وبين العلمانية الساحقة للتراث، وبين القومية ذات النزعة الأوروبية والوطنية المعادية للعمال والشرق (المسلم المتخلف)، حسب فهمها، تقلبت هذه الفئات عدة عقود، حتى استقرت على صيغة تحديثية وطنية ~ إسلامية ~ علمانية.
إن دكتاتورية الجنرالات قد أفادت في جوانب معينة مهمة، وهي إبعاد الفئات الوسطى عن التجارة بالدين، وهو أمرٌ كان يضعفها اقتصادياً وسياسياً وفكرياً، ومع انقطاع هذه الفئات عن التجارة بالدين توجهتْ للاستثمار الحقيقي وتحرير النساء ودفعهن بأعداد كبيرة للعمل المنتج، كما فتح أفقاً لفهم مختلف للتاريخ والتراث، وحتى الآن فإن هذا الجانب يبدو أقل الجوانب حضوراً وانتشاراً بين الأمم الإسلامية.
وعبر هذه العقود فإنها أحدثت تراكمات اقتصادية مؤثرة، قادتها لأن تبرز على المسرح السياسي بقوة، وكلما قاربت الحداثة والعلمانية تحقق لها نجاح أكبر.
ليست هذه القسمات السياسية والفكرية هي مجرد كلام مجرد، بل هي استثمار وأموال ومصانع وتجارة، فالتسييس الديني يدفع المجتمع للصدام مع الغرب خاصة، ومع المذاهب الإسلامية الأخرى ومع الأديان المختلفة، مما يقود إلى حروب نازفة للموارد.
وهو أمرٌ نلحظه الآن بوضوح شديد لدى الجماعات الدينية العربية والإيرانية والافغانية التي تتغذى بالصدام وتريد توجيه بعض الدول العربية للحرب، ولكن كان لدى الطبقة الحاكمة التركية خاصة العسكرية خبرة مؤلمة في هذا الشأن، ورفضت طوال عقود سابقة الانجرار لمسألة الحروب حتى في ظل سياسة حلف الأطلسي.
فالتراكم الاقتصادي في دولة فقيرة كتركيا ليس سهلاً، كما أن النزاعات القومية والسياسية والاجتماعية، تجعل هذا التراكم صعباً ومؤلماً، لأنه انتزاع لفوائض القيمة القادمة من المصانع وتوزيعها بأشكال غير متكافئة بين الطبقات. وقد جعلتها سياسة السلام هذه تكبر على مسرح المنطقة، أكبر من دخول المسرح الأوروبي.
فلا تزال معاييرها للتقدم أقل من المعايير الغربية، ولا تزال بعضُ القوميات لا تتمتع بحقوقها، وهناك تفاوتات كبيرة بين مستويات المعيشة بين الأرياف والمدن الرئيسية. والمعايير الغربية ناتجة من ثورة صناعية على مدى ثلاثة قرون بينما التحديث التركي قصير نسبياً، فهذا تشرطٌ على تركيا فاقد للمقارنات التاريخية والنسبية في التطور السياسي.
وقد تحقق للنخب السياسية الراهنة حضور على مسرح المنطقة بقوة كبيرة، فتلك التبعية للسياسة الغربية بحذافيرها لم تعد مقبولة لديها، والخدمة للسياسة الإسرائيلية صارت عاراً مرفوضاً، وتحرر السياسة الخارجية من هذه الوصمة صار أمراً شعبياً.
لكن هذه النخب كذلك لم تنجر للسياسة المعادية للسلام، ودعت حماس أن تحذو حذوها في وعيها السياسي، لكن حماس نتاج مجتمع متقطع، لم يعش مستوى حريات طويلة، ولم تنشأ فيه فئات وسطى مهمة، ولا عمالة تقنية رفيعة المستوى، وغزة أشبه بجيب جغرافي ملحق بعدة دول، وهي ذيل سياسي لدول متنفذة في المنطقة وأقل من تنظيم مستقل.
وهكذا كان الحضور الحكومي التركي مفيداً للعديد من القطاعات، فقد أوضح بأن السياسة العلمانية الوطنية ذات الجذور الإسلامية ليست انقطاعاً عن مهمات السلام والتحرر والتقدم.

هذا أبوالأتراك فأين أبو العربِ؟
2010/12/17
وصلتْ الأدواتُ السياسيةُ العربية للاهتراء، ليس ثمة قدرة على التغيير العميق، البلدان العربية لم تعد حتى تراوح في أمكنتها بل هي تسير للوراء وتتدهور وتتمزق.
الكثير من الوعود والشعارات البراقة لا تفعل شيئاً.
الصيغةُ الوحيدةُ التي نجحتْ في البلدان الإسلامية هي صيغة كمال أتاتورك، نظفَ البلدَ لعقودٍ وبقبضةٍ حديدية وقربها من الغرب والحداثة.
صيغةٌ حادةٌ لكنها كانت ضرورية، لقد خلقَ بطانةً حوله وهذا أمرٌ ضار لكن كان ذلك من إرث ماقبل الديمقراطية ومن إرث التحرير العسكري، ولم تكن ثمة مواد أكثر تطوراً.
وجود أتاتورك عربي في أكثر من بلد، زعيم نهضوي علماني ديمقراطي يعيدُ تشكيلَ كل بلد، يكنسُ الأوراقَ الصفراء للعصور الوسطى.
الهياكل الإدارية بطيئة التطور، قليلة الفائدة، والأحزاب السائدة المتاجرة عصابات وإنتهازيات.
التخلفُ المريعُ يحيطُ بالجماهير.
إن تحضير ذلك هو من فعل المثقفين الأحرار الذين نفضوا يدهم من الفساد والرشاوى السياسية والاجتماعية، ويبثون هذه المادة التحديثية القوية في الناس والعقول علها تتشكل إرادات من قوى وفاعليات متحضرة تصعد بهذه الأمة إلى التوحد وعدم المتاجرة بالمواد العامة الاقتصادية والدينية للشعوب.
هل من الممكن أن تظهر شخصيات مثل أتاتورك في البلدان العربية؟
هناك بعضٌ من الحكام الريادين الذين أحسوا بمثل هذه الحالة، بضرورة التغيير التحديثي الديمقراطي العلماني من فوق، أمام طوفان التخلف الساحق الذي يكتسح الحواجز يوماً بعد يوم، لكن لم تصل الحالات إلى تشكيل النظام المتكامل.
في كل بضعة سنوات طويلة سابقاً يتم إختطاف بلد عربي سواءً من دكتاتورٍ متخلفٍ باطش أم من حركةٍ دينية إرهابية أم من تحالف لقوى الشر المتاجر بالطائفية وبذبح الناس، حتى يتفتت بلد عربي عريق وتستلمهُ متبلاً بالنار والزيت قوى الطائفية العريقة في يتخلفها.
وتتسارع خطوات الإختطاف لأجزاء من البلدان بالانفصال الواسع غير الديمقراطي، فكيف لشعبٍ مسمم جاهل تم تخديرهُ خلال عقود وبهيمنةِ عصابات السلاح والحكم والطوائف أن يقرر؟!!
بل هو المزيد من التكالب على الكراسي والمنافع والمزيد من الحروب والمذابح لهذا الشعب الذي سوف يصوت بشكل ديمقراطي جداً؟!
تتسارع خطواتُ الانفصال والحروب المذهبية الداخلية برعاية الجيران (الأشقاء) وتنتشر عصاباتُ الحروب الداخلية والإختطافات والحرائق والمجازر التي لم يُسمع بها من قبل!
مساجد ومآتم تُفخخ!
ويعتزم آخرون خطف جزء من العراق من أجل أن يكون قاعدة لهذا الإقطاع الطائفي ~ القومي المتخلف.
قطاراتٌ بشريةٌ سياسية تخرجُ عن خطوط السكك الحديدية والسياسية والعقلية!
فإلى متى؟
تغدو الإرادات القوية لحكومات علمانية ديمقراطية حاجة ماسة في ظل هذا الهذيان السياسي، توقفُ المتاجرةَ بالموارد الوطنية وبالمذاهب وبالتراث الروحي لهذه الأمة.
تقول كفاكم سرقة!
كفاكم دجلاً بإسم الدين والقومية.
من لديه مشروعات سياسية إقتصادية إجتماعية ثقافية للإصلاح والتغيير فليقدمها ويشتغل عليها، ومن لم يقدر فليترك المقاعد لغيره، ليس ثمة أوصياء مطلقين أبديين على هذه الأمة.
هذا أتاتورك حررها ووحدها وطورها وتركها لغيره، ثم جاءت إلينا متقدمةً ونحن على حالنا الشقي، فمتى ، متى، يظهر أبو العرب؟

التحولات السياسية في تركيا
2010/1/31
عبرت السياسة الأتاتوركية عن علمانية خفتتْ من الغلواءِ الدينية الاجتماعية، خاصة في عزل النساء عن سوق العمل، وتحجيم الوعي العقلاني، وأسستْ قطاعا عاما مسيطرا، إلى جانبِ قطاع خاص كبير. لكن الفسادَ قلل الإيرادات كثيراً في القطاع العام، وتم استغلال هذا القطاع لأغراضٍ سياسية لدعم السياسيين المتنفذين، فاستمر العجزُ في الميزانية، وازداد التضخم، وفقدتْ الليرة التركية الكثير من قيمتها.
ومن الناحية السياسية استمرت البيروقراطية الحاكمة العسكرية ~ المدنية في الحكم وهو أمرٌ يشيرُ إلى وجودِ قبضةٍ سياسية قوية في العاصمة على الجمهور الشعبي، وعلى الأقليات القومية، وعلى الحركات الدينية والحركات اليسارية، من أجلِ تشكيلِ نهضةٍ وسطية تقاربُ الغربَ الديمقراطي حسب رؤية كمال أتاتورك. لكن هذه الطبقة الإدارية العسكرية واجهتْ الاختناقَ في هذا المشروع فالفسادُ الداخلي أهدرَ الكثيرَ من الفوائض، وقمعُ الأكراد والحربُ في قبرص وقهر الشعب كلها أضعفت الحكومات التركية المنهارة المتعاقبة.
منذ الأربعينيات من القرن العشرين بدأتْ الحكوماتُ المختلفةُ دعم القطاع الخاص، وغدت تركيا ذات بنية صناعية متوسطة، فالموادُ الخامُ محدودةٌ والعمالةُ المتخلفة واتساع هجرة العمالة للخارج لم تجعل تركيا ذات صناعات ثقيلة وتقنية عالية.
كما أن ذلك يرجع إلى البنية الاجتماعية وتقسيم العمل الاجتماعي:
(هناك فرقٌ كبيرٌ في مستوى المعيشة والحالة الاقتصادية بين الغرب «التركي» الصناعي والشرق الزراعي. يعتبرُ القطاعُ الزراعي أكبر قطاع من حيث تشغيل العمالة، حيث تبلغ النسبة زهاء 40% من مجمل قوى العمل في البلاد، ولكنه ينتجُ ما نسبته زهاء 12% فقط من الناتج القومي. القطاعُ الصناعي ينتجُ زهاء29,5 %، قطاع الخدمات ما يقارب 85,5% من الناتج القومي لتركيا. يعمل في قطاع الصناعة 20,5%، في قطاع الخدمات 33,7% من مجمل عدد الأيدي العاملة)، موسوعة ويكيبيديا.
هذه النسب توضحُ الطابعَ الوسطي للصناعة، واتساع حجم القطاع التقليدي، وهو المؤسسُ للحركات السياسية المحافظة عادة، ولكنه يشير كذلك إلى تنامي فئات البرجوازية المختلفة، وخاصة في الصناعة والخدمات.
قامت الحكوماتُ المتعاقبةُ بحماية الشركات الخاصة، ودعم التصدير إلى الاتحاد الأوروبي، والابتعاد عن سياسات الحروب والمجابهة، فبدأ معدل نمو الاقتصاد بالتغير والتذبذب عموماً، فكانت نسبة النمو في سبعينيات القرن الماضي بين 4% و7%، بعد تنام سلبي لعدة عقود لكن مع زوال النظام العسكري في سنة 1982، وتدفق أموال العمال المغتربين من أوروبا الذين يبلغ عددهم سبعة ملايين فرد، أخذ الاقتصاد التركي في الانتعاش.
ولكن قادت الخصخصةُ غير الشعبية والانتقال الواسع غير المبرمج لدعم القطاع الخاص في الثمانينيات إلى إحداث اضطرابات سياسية واقتتصادية كبيرة، مما أدى إلى التضخم الواسع وانهيار الليرة التركية وإلى صراعات سياسية كبيرة وتفجر المسألة الكردية في تركيا.
لابد أن نقول هنا إن هيمنة القطاع الحكومي البيروقراطي في عقود طويلة يماثل جزئيا الرأسماليات الحكومية الشرقية الشمولية حيث إن تلك الهيمنة للقطاع العام لم تصل إلى اكتساح الاقتصاد كله، وحيث استمرت التعدديتان السياسية والثقافية المهمتان في تركيا، لكن تلك الهيمنة للقطاع العام من جهةٍ أخرى أسست طبقةً مستفيدةً من هذه البيروقراطية السائدة، وقامتْ بتقنينها فكريا عبر تصوير البلد كبلدٍ ديمقراطي على الطراز الغربي، خاصة لما تسودُ فيه من حرياتِ العقائد التي غدتْ شأنا خاصا بالمؤمنين بها، لكن هذه الديمقراطية الاجتماعية المحدودة لم تكن ذات عمق ديمقراطي سياسي، لكون الطبقة المسيطرة ذات حجم عسكري كبير ورأس مدني ضئيل، وهو أمر تجسدَ في القطاعين العام المهيمن الفاسد والقطاع الخاص المُنتج شبه الملجوم.
ولكن جاءتْ موجاتٌ اجتماعيةٌ وسياسية داخلية أساساً وعالمية ثانوية متضافرة ومؤثرة لعبتا دوراً في الاتجاه بتركيا نحو آفاق جديدة.
إن سقوط المعسكر «الاشتراكي» لعب هنا دورا إيجابيا فذلك «التهديد» التاريخي المزعوم زال، والمسألة القبرصية توجهت للتهدئة، والحركات اليسارية المتطرفة خفتتْ نيرانُها، وبقيتْ المسألةُ الكرديةُ ملتهبةً، وكلُ هذا أدى إلى تصاعدِ الحرياتِ وخفوتِ دورِ العسكر التاريخي، وتنامي دور القوى المدنية، وبقيتْ علاقاتٌ ضروريةٌ جدليةٌ لابد من بروزِها بين البرجوازيةِ البيروقراطية الحربية الآفلة تلك والبرجوازيةِ المدنية الصاعدة وهي علاقاتٌ ذات أهمية في تشكيلِ وضعٍ سياسي جديدٍ مشترك، يجمعُ بين إيجابيات الماضي وإيجابيات الحاضر، وهذا لابد له من جدلٍ تاريخي وصراع سياسي بين القوتين يكشفان المضامينَ الملتبسة بينهما وهما لهما مصالح متقاربة وان طمستها اللغتان الايديولوجيتان لدى كل منهما.
كان تآكلُ العلمانية الأتاتوركية نتاجَ ذلك الشكل الاستيرادي للنهضة الغربية التحديثية الديمقراطية بدون وجود أساسها الصناعي الحر والثقافة الديمقراطية المحلية.
وقد بدت هذه العلمانية للجمهور البسيط العامل خاصةً كأنها نظام معادٍ، خاصة أنه مسنودٌ عسكرياً من حلف الأطلسي، الذي يلعبُ دوراً في حصار التجارب القومية التحررية في الشرق، كما أن هذه العلمانية وظفتها واستفادت منها طبقةٌ عسكريةٌ بيروقراطيةٌ محدودة، قامتْ على اضطهادِ الأغلبية الشعبية.
لكن طريق القطاع العام البيروقراطي غدا مسدوداً بسبب الطريقة الإدارية الفوقية، وغياب السند الأهلي، ومعارضة التنظيمات السياسية، خاصة منظمات الطبقات المالكة التجارية والصناعية التي أتاحت لها نفسُ الحكومات النمو الاقتصادي المتواصل!
وبهذا بدأ التململُ اليساري الواسعُ في تركيا خلال عقود منتصف القرن العشرين الثانية، الذي لم يستطعْ استثمارَ الحريات المتصاعدة وطرحَ هدمَ الطريقَ الرأسمالي التركي، واعتبر البلدَ الحلقةَ الضعيفة في سلسلةِ الدول الرأسمالية الغربية فعاشَ حلمَ إسقاطِ نظامٍ كان ينمو وينعطف نحو طريق جديد كبير.
لقد تحولتْ الفئاتُ الوسطى خلال هذه العقود لطبقةٍ متوسطة مؤثرة، وأتاحَ تقزمُ القطاعِ العام والخصخصة، المجال للشركات الخاصة، ومن السيرة الخاصة لأردوغان نجد أنه كان بائعاً شعبياً، ثم مؤسساً لأعمال خاصة مهمة، وأخذت التنظيماتُ الدينية تتكيفُ مع النظام العلماني الرأسمالي التركي بشكلٍ تدريجي، فهي تتجذرُ شعبياً عبر العودة للإرث الإسلامي، عبر حشد الجمهور وراء شعاراتها التي لم تخف العداء للطبقة الحاكمة البيروقراطية الفاسدة السابقة، وكانت محطات الصراع بين النظام العلماني البيروقراطي والحركات الدينية، توضحُ الشكلانيةَ الفكريةَ السياسية عند كلا الجانبين، فالنظامُ يعتقدُ ان العلمانيةَ هي أزياءٌ ومظاهرٌ خارجية، مثلما أن الحركات الدينية تعتبرُ الإسلامَ شعائرَ حركية، وكان التصادمُ بين الشكليين العصريين والدينيين، هو خسارة لتطور السوق والإنتاج والوعي الديمقراطي عامة.
بعدها أخذت الحركاتُ السياسيةُ ذاتُ الجذورِ الدينية تبتعد عن المواجهات مع المؤسسة العسكرية الحافظة للنظام.
نرى هنا في التجربة التركية المعاني الغامضةَ والمصطلحات غير المفهومة تتوضح، فالفئاتُ الوسطى لا تغدو طبقةً متوسطةً إلا عبر الرأسمال الصناعي وعبر نموهِ في البنية التقليدية، لكي يعيدَ تشكيلَها بحسب التحديث وحاجات التطور، وهو أمرٌ غيرُ متاحٍ في الرأسمالياتِ الشرقية الشمولية الأخرى السائدة، التي تسيطرُ فيها الدولُ على الصناعة بشكلٍ شبهِ كامل، وهكذا فإن الفئات الوسطى التركية وهي تقومُ بالتصنيعِ وبالأشكالِ الأخرى من التوظيف الرأسمالي، تجددُ الإنتاجَ الوطني التقليدي، ولاتزالُ النسبة كما لاحظنا تراوحُ عند العشرين بالمائة.
وهذا المستوى لا يتيح استبدال البنية التقليدية ببنيةٍ حداثيةٍ واسعة شبه كلية، ومع التطورات الاقتصادية ~ التقنية ~ الفكرية المنتظرة يمكن أن يتحقق ذلك.
هذا يؤدي إلى إعادة النظر في الثقافة الدينية التقليدية ذاتها، كما يتم تغيير طابع الثقافة الغربية المتغلغلة ذات الوجوه الشكلانية أو الثقافة السوداء أو الساحقة لتميز البلدان الأخرى وشخصياتها المتوارثة المستقلة وغير المعادية للثقافة الإنسانية كذلك، وهي عمليةٌ مركبةٌ لا تحدث إلا عبر ذلك التطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، وبطبيعة الحال تحتاج إلى مثقفين من نوع خاص ولا يمكن أن تتشكلَ بطريقة آلية.
وقد تراوحُ البرجوازيةُ الدينيةُ التحديثية التركية في مسارها الراهن هذا، لأن طبيعة التغييرات في البنية الفوقية معقدة، ويمكن أن تستسهل النقل من الأقطار العربية خاصة نقل تجربة البنوك الإسلامية والسياحة وغيرها وهي عملية نقل للأموال العربية الإسلامية للغرب، وذلك سيؤدي لمشكلات كبيرة لها، لأن أهمية الفوائض أن تنتقل للبنية الصناعية ~ الخدماتية التركية وتعمق تطوراتها.
إن تقدمها يكونُ على الجانبين؛ على الجانب الغربي عبر العلاقات المختلفة المفيدة، وعلى الجانب الإسلامي والشرقي عامة، وهو سوق أخرى هائلة، يمكن أن تلعب فيها تركيا دوراً مغذياً للتحولات. وقد حاولت تركيا ذلك عبر تأسيس منظمة الثمان، التي لم تنشط.
لاتزال التجربة السياسية التركية التحولية في بدايتها لأن التحول الصناعي ~ التقني الحر في بداياته، فتغدو الأشكال السياسية التي تنمو من خلاله غير ناضجة بعد.

تركيا مستقبلٌ مرئي للمسلمين
2010/6/4
تركت تركيا التجارب الشمولية الشرقية خلفها، في حدثٍ سياسي نادر، وبهذا أمكنها صناعةَ قادةٍ من طراز مختلف، وعلاقات سياسية جديدة عن الدول العربية والإسلامية.
وكلُ بلدٍ إسلامي يشكلُ تطورَهُ من جذورهِ الخاصة، ومن موقعِ تجربتهِ وبلده وحجمها، وليس من الفراغ التاريخي.
وقد وجدت تركيا نفسها بأنها قائدةُ المسلمين في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأنها تحكم أغلبية هذا العالم الإسلامي، ثم وجدتْ الدولَ الغربية تنتزعُ هذه الأغلبية منها بالقوة، بل وتهاجم أراضيها لتحتلها!
فظهر قائدٌ عسكري في هذه الفترة الخطيرة سماه الحدثُ الرسمي بأنه أتاتورك أبوالأتراك وهو منصبٌ أسري سياسي غير ديني.
وهو ليس قائد غائر في صحراء العرب أو جبال إيران بل هو زعيمٌ يجثم في فم أوربا الجائعة للمستعمرات أثناء هزيمة الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، فأما أن يستسلم أو يزول!
لقد قام كمال بهزيمة المعتدين على بلاده، وقيادتها في سبيل الحداثة، فصارع الماضي المتخلف والحاضر الغازي، فأنتصر على الإثنين.
وهو لا يملكُ حزباً تحديثياً أو كوادر فكرية بل يعتمد على جيش وشعارات عامة. ولن نتوقع منه أن يعالج قضايا المجتمع المعقدة والمركبة إلا بأسلوبه العسكري، أسلوب تحديد الخصم، ثم إحتلال مواقعه واحداً بعد الآخر بالضربات القاضية!
وقد حدد العدو الهدف وهو التخلف الديني، فوجه مدافعَهُ نحو مواقعه الحصينة الكبرى المتجسدة في جيوش الدراويش وهو آخر ما بقي من عطر الصوفية الذي لم يتجسدْ في خرقٍ بل في مستوياتٍ إجتماعية بذخية وهلوسات غير عقلانية، فُضربت التكايا والزوايا وتم تحطيم حشود العصر الوسيط الذي يتقلبُ في حشيش الدروشة.
وتبصر أتاتورك الحداثة الغربية في علمٍ ونشيدٍ وحروف وهي رموزُ الجيشِ الوطني العلماني الذي شكله، وسماهُ في ميدانِ السياسةِ حزبَ الشعب الجمهوري، فأطاحَ برموز الخصم القروسطية الشكلانية وهي الحروف العربية والأذان بلغةِ العرب واللباس كي يجعلها أدوات للإطاحة بالقرآن وهو لا يعرفهُ، ثم قام بإصلاحاتٍ مثل المساواة بين الرجال والنساء، وأتاح للفئات الوسطى الحريات في الفكر والتجارة والحياة، فعكس مستوىً دكتاتورياً عسكرياً للحداثة بلا جذور شعبه الإسلامية. ولكنه حاولَ الحداثةَ بذلك المستوى الفكري المحدود الذي يملكه!
إن البنيةَ التحديثيةَ التي شكلها ظلتْ بنيةً شموليةً يؤسسُها نظامٌ غيرُ ديمقراطي، موجهاً مدفعيتَهُ الثقيلةَ نحو منظماتِ الصوفية التي تراءى لها من جانبِها بأن أتاتورك كافرٌ شديدُ الكفر، فحدثتْ معاركٌ ضاريةٌ بينه وبين الطريقة الصوفية السائدة في ذلك الوقت (النقشبندية)، وهو أمرٌ يشيرُ إلى الافتراقِ الشديدِ بين واقع (الإسلام) الذي تشكلنَّ وغدا طقوسياً تخديرياً غيرَ عقلاني وعبر هذه الممارسات المتوجة لتخريف سياسي وإستغلالية إرستقراطية باعتْ ودمرتْ حاضرَ المسلمين!
وقام البطلُ هنا أتاتورك المحدود المعرفة والجاهل بتاريخهِ الحضاري الديني وليس العسكري، بالتوجه بشكلٍ معاكسٍ حاد نحو الغرب. فأطلقَ مدفعيتَهُ على الطُرقِ الصوفيةِ والأبنية الدينية والتراثية والشعارات التاريخية والذاكرة الإسلامية.
فكان لهذا التحديثِ القمعي إنجازاته وسلبياته، فقد عبرَ بتركيا من محنة التبعية وشمولية التخلف إلى مجالاتٍ نهضة واسعة، وقد ربطَ تركيا بأكثرِ العوالم تحضراً وديمقراطية، لكن من خلال حكم عسكري دكتاتوري، فحدث تناقضٌ خطيرٌ بين شكلِ النظامِ ومؤسساتهِ الشمولية وبين أهدافهِ الديمقراطية التحديثية، وراحتْ الطبقةُ الحاكمةُ العسكرية التي جاءتْ من بقايا الدولة العثمانية والمؤسسات الحاكمة تتقلبُ وتتغير في محاولةٍ للمزواجة بين الشكل والمضمون، بين التكوين الكمالي العلماني العسكري، وبين حاجات الشعب، بين شعارات عامة مؤدلجة وتاريخ ذي تراث عريق، فجاءت قوانينٌ مخلتفة وعهودٌ متبانية، ومشت وزاراتٌ مختلفة منتخبةٌ على هذا الحبل المشدود بين الحكم ومصالح الأغلبية الشعبية، فتحررت الأملاكُ والقوانين العامة قليلاً قليلاً من الهيمنة وأطلق سراح الجماعات الدينية، وعادتْ الدولةُ لشيءٍ من الأعمال الدينية، وتشجيع الإرث الإسلامي، وحدث زخمٌ للجماعات السياسية الدينية، بسبب وجودها بين الأغلبية الشعبية التي تريد طرح مطالبها وحقوقها الاقتصادية المعاشية، في حين إن الطبقة الحاكمة القديمة تمترست في تقاليد أتاتورك السياسية خائفة من مد شعبي ديني متخلف يحطم منجزات الماضي الديمقراطية والحريات، خاصة هذا المد المتشكل في الأرياف.
فظهرت حقبةُ الإعتدال السياسية وتشكلتْ بصعوباتٍ جمة هذه الجماعاتُ السياسية الجامعةُ بين جذور المجتمع الإسلامية وتنظيمات وأساليب الحداثة، ولكن الأهم هو تعبيرها عن طبقة وسطى حرة راحت تصارع إمتيازات الطبقة العلمانية الأتاتوركية التي نشأتْ في عالم شمولي، ونشأت في أحضان الحرب الباردة وكراهية الشرق والمسلمين واليسار، فجمعت بين منظمات الغرب العسكرية وأسواقه وبين وجودها في الشرق، ثم تنامت هذه العملية بشكل مطول صراعي كبير.

تركيا بين المبادئ والمصالح
2010/7/16
تبدو التيارات الاجتماعية التركية متضادة بشكل عميق متقاطع وحاد، فهي لم تتكون بشكل متدرج ديمقراطي طويل، بل تشكلتْ في حُمى قرنٍ واحد، انتقلتْ فيه تركيا من إمبراطوريةٍ إلى دولة، ومن كيانِ خلافةٍ يقودُ أغلبيةَ المسلمين المستقلة عالمياً إلى تابعٍ للغرب الرأسمالي المعادي وقتذاك للشرق الاشتراكي وللعالم الثالث التحرري الوطني.
وفي سعيرِ هذا الانتقال اطاحَ حزبُ الاتحاديين بالخلفاء الأتراك، وشكل نظاماً دموياً استبدادياً قفز حتى على عنف دولة الخلافة التقليدي. وكان مضمون وجود هذا الحزب وسياسته يعني قفزة عسكرية من جماعات محدودة الثقافة والجذور الحضارية، ففي كلِ انقلابٍ (شعبوي) يقومُ به عامةٌ متخلفون لا يجدون سوى وسيلة العنف الأهوج طريقاً لتكريس مصالحهم الغامضة التي عادةً تتشكلُ في شعاراتٍ دينية أو قومية أو طبقية صارخة.
قفز الاتحاديون (الطورانيون) على خميرةِ التشكلِ السياسي التي كانت تعتملُ في جوفِ الجسد التركي الوطني القائد للامبراطورية الإسلامية الكبرى، فلم يقدروا على صنعِ مذهبيةٍ إسلامية تجديدية كانت تحتاج إلى تراكمات ديمقراطية واسعة في صفوف الفئات الوسطى المدهوسة من قبل الخلافة المتخلفة التي دهسها كذلك قطارُ التاريخِ الغربي المسرعِ في كيانٍ غامض حتى ذلك الحين.
ووجدَ القوميون المتعصبون في هذه القفزة العنصرية المسماة (الطوارنية) حلاً ايديولوجياً لإمبراطوريةٍ جديدةٍ تستندُ إلى العِرق، وتجمعُ الشعوبَ التركية أو ذاتَ الأصلين التركي والمغولي في وحدةٍ تستندُ إلى الدم.
في هذا الخيال السياسي مواد ايديولوجية هي، ففي هذا الزمن كانت برجوازياتٌ غربيةٌ كبيرة مخنوقة من غيابِ المستعمراتِ الشهية التي تزودُها باللحم البشري وبالبضائع، مثلما أن البرجوازيةَ اليهوديةَ تحتاجُ إلى مسلخٍ خاصٍ لليهود، لا يشاركها فيه أحدٌ من العمالقةِ الغربيين، وهكذا تداخلتْ واصطدمتْ هذه القوى المأزومة، بسبب غياب المستعمرات أو بسبب انسلاخ هذه المستعمرات من سيطرتها كما هي الحالة التركية، فتشاركتْ في الهم الاستعماري المأزوم، إحداها وهي الطبقة الحاكمة التركية عبر الاتحاديين مضت في مشروع مذابح على خريطة الإمبراطورية الممزقة والمنفلتة إلى شظايا من دهس القطار الغربي، تقتل الآلاف من الأرمن وتعدم قادة العرب، وتقوم بالتتريك، بشكل يدل على أن صناعة الأفكار والمبادئ في فهمها لا يقوم إلا بالعنف.
ونلاحظ ان أقصى تجليات العسكرة الدموية تتجلى في هذه النزعات الأربع، وهي الطورانية والصهيونية والفاشية والهتلرية، وتحدثُ بينها تداخلاتٌ مباشرةٌ أو غير مباشرة أو جنينية أو مستقبلية، بسبب مقاربات زمن الولادة التي جمعتها في فترةِ انهيارِ المستعمرات أو في زمن الشهوة العارمة لها، وجعلتها متقاربة جغرافياً وتاريخياً.
لكن السيناريو الطوراني القومي الدموي لم ينجح، لأن العديد من الأوروبيين دخلوا في تقطيع لحم المستعمرات التركية أو الهجوم على دارِ الخلافةِ نفسِها، وهي الأمورُ التي شكلتْ صفحاتٍ سوداءَ فيما يُسمى بالحرب العالمية الأولى، لكن بالنسبة إلى الشعب التركي الذي خرجَ من مستنقعِ المستعمرات، ودافعَ عن استقلالهِ بتضحياتٍ جسام، فقدْ وُلد بشكلٍ جديدٍ عبر قيادة كمال أتاتورك، وهي القيادة الممكنة المعقولة في ذلك الزمن العسير.
هذه الولادة الجديدة تمت بنفس أدوات الايديولوجية السابقة القومية الحكومية، وقد طورها كمال نحو التغريب والعلمانية والحداثة، والانسلاخ عن العالم الإسلامي. وقد كانت فيها مميزاتٌ إيجابية وكانت فيها سلبياتٌ خطرة كذلك.
وكان هذا هو مستوى الطبقة الحاكمة القادمة من العسكريين والموظفين والأغنياء الكبار الذين توحدوا عبر وظائفهم ومصالحهم وثرائهم مع هذه العلمانية الغربية، ولم يعودوا قادرين على فتح باب المساءلة لهذه الفترة وامتيازاتها وسرقاتها وعنفها ودهسها تقاليد الناس وقيمهم الدينية.
وكانت الأوربة مفيدة في تغيير العديد من الجوانب المتكلسة من الإرث الديني المحافظ الذي عُمم بأنه (الإسلام)، وكأن تركيا الفتاة التي فقدتْ المستعمرات فقدتْ ذاكرتَها كذلك، وهربتْ إلى الغرب، ونسيتْ قرونَ الاستغلال لعامةِ المسلمين في المعمورة التي حولتها إلى كياناتٍ متخلفةٍ مهترئةٍ قابلة للبلع من شتى الحيتان الغربية.
هذه الفئاتُ العسكرية والسياسية والاقتصادية لزمنيةِ العلمانية المتغربة، وجدت نفسها قوية في زمن الصراع العالمي بين الشرق والغرب، فعاشتْ على مساعداتٍ مُميزةٍ من الغرب، فهي تسرحُ عمالَها الفقراء في دولِ الغنى الرأسمالي في مهنِ البؤس، الذين يجلبون لها العملات الصعبة، كما تحصل على إعانات ومساعدات باعتبارها حليفاً وصديقاً لدوداً قد ينقلب في أي لحظة للدخول مع دول المحور، أو للانتماء للاشتراكية أو للمسلمين المتنامي دورهم في العالم.
هذا الموقفُ الرجراجُ الجغرافي السياسي كان له أن يسقطَ بفعلِ عوامل النمو الداخلي التي تصاعدتْ عبر السنين وهي تأكلُ العلمانيةَ المتغربة، وتأكلُ سيطرةَ الطبقةِ الفاسدة التي استولتْ على الحكم خلال هذه العقود ورفضتْ الديمقراطية الحقيقية.
إن الشعوبَ لا تتغيرُ حسب الأوضاع الخارجية، بل تتغير من داخلِها أولاً، لكن الظروفَ الدوليةَ المؤثرةَ تتيحُ لتلك التحولات الداخلية الكامنة العميقة التي جرتْ عبر عقود، الظهورَ وتأكيد قوتها.
فإذا كان قد تمَّ إشتغالٌ سياسي عميقٌ بين الشعب أو لم يتم، هذا ما تبرزهُ الحياةُ السياسيةُ العالمية على مسرحِها المتحولِ دائماً.
فلم يظهرْ المعتدلون الليبراليون الإسلاميون في تركيا لأن قوةً أجنبيةً أخرجتهم من الظلمات، بل لأنهم إشتغلوا بين الجمهور العادي لعقود، وكونوا شبكاتٍ تنظيمية وإجتماعية، فالسياسةُ هي تتويجٌ للعملِ بين الجمهور.
إن إشتغالهم بين الجمهور جاء لأنهم سلكوا سبيلَ الرأسمالية الخاصة الحرة، فهذه تنتجُ المواردَ وتجعلُ أصحابَها ذوي أفكارٍ ديمقراطية، فالعلمانيةُ الحكوميةُ الشمولية المتغربة هيمنتْ على السلطاتِ السياسية والاقتصادية ومنعتْ على مدى عقودٍ ما يناقضُ أفكارَها، وبالتالي لا يستطيع الحصول على الدخول العالية.
كما أن علاقتها التابعة للغرب وهيمنتها الإستغلالية على الجمهور العامل المتعدد الأديان والقوميات، جعلت أفكاراً كثيرة تشتغلُ ضدها، ولم تحصلْ الأفكارُ الاشتراكية على الجمهور الواسع بسبب القمع، وعدم فهمها للحياة الاجتماعية الجارية المُصَّعدة للطبقةِ الوسطى، وبسبب دور تركيا الإقليمي التابع لحلف الأطلسي، وما جرى من تنفيعٍ للنخبٍ الحاكمة.
لقد ظهرتْ المعارضة الممكنة الأوسعُ من خلال الدين، ومن خلال توسع الفئات الوسطى، ودور المراكز الإسلامية العريقة، وتأثرها المستمر بالحداثة، فخرجتْ بخطوطٍ سياسية تركز على مصالح الفئات الوسطى الحرة وغير المرتبطة بتاريخ الدولة الطورانية، وعلى تجميع الأمة التركية بجذورها الإسلامية التحديثية.
وقد تشكلت مجموعات من قوى الأعمال الخاصة التي إرتبطت بالجمهور الواسع، وكان تحجرُ الطبقةِ الحاكمةِ في العلمانية الغربية الشكلانية التي إفادت في زمن سابق، قد غدا مضراً، لأن الجمهور الأوسع كان يعود لتقاليده العادية، إيجابية وسلبية، فإن العلاقات التقليدية وسيادة الذكور الاجتماعية على الإناث، ورجال الإقطاع على الفلاحين، والقوميين الأتراك على القوميات الأخرى وخاصة الأكراد، وهيمنة الثقافة التقليدية المحافظة على الحياة التركية عموماً، هذه كلها لم تزل مهيمنة على تركيا ولم تستطع أن تصل إلى الحداثة الديمقراطية العلمانية بمستوى الغرب لأن هذه يحققها التصنيعُ الثقيل الواسع وليست حتى القوانين الحديثة، وكانت تركيا مقيدة فقط بكوابح حلف الإطلسي، وحين إنهار الصراعُ بين الشرق والغرب، لم يعدْ لتركيا ذلك الدور العسكري بعطاياه، فوجدتْ نفسها في التخلف والفقر والمحافظة وسؤ الإدارة والفساد، وكأن ثورة أتاتورك لم تكن!
ولم تقبل السوقُ الأوربيةُ المشتركة دخولَها كاملةَ العضوية فيه، ولم تُعدْ كاملة لعالم المسلمين المحافظين وقد تجاوزتهُ ببضعِ ياردات حضارية! فأخذتها الحيرةُ السياسيةُ بين الشرق والغرب.
إن قوى الإنتاج البشرية التركية متخلفة وخاصة في الأرياف، ولم تستطع الصناعات المحدودة أن تعيد تجديد المجتمع بشكل تقني علمي واسع، وما أعطته إياه الثورة الأتاتوركية هو التحديث المجرد والبرلمان والحريات التي جاءت بعد صراعات طويلة ومشاق ضارية.
وجدت الأمةُ التركيةُ نفسَها حرةً لأولِ مرة في تاريخها الحديث، لأن الفئات الوسطى المشتتة تلاحمتْ بشكلٍ هام ومؤثر في الاتجاه الليبرالي الإسلامي، جامعةً بين التقاليد القديمة والخصائص الحداثية، بين جذور الإسلام وقيم الديمقراطية الحديثة السياسية، فتلك القفزة العلمانية الشكلانية كانت جارحة للحم الشعبي، فبدأ الشعب يعودُ لتقاليدهِ وراح يمزجُها بالسياسةِ وهو يعارضُ نظامَ الحكم الضيق الأفق، لكن نظامَ الحكم له طبقته القوية التي هيمنتْ على الموارد الكبيرة والمؤسسات العسكرية المختلفة، وقد قبلتْ أخيراً بالحوار وبالصراع السياسي مع الطبقةِ الجديدةِ الناشئة في أحضانِ المؤسساتِ الخاصة المستقلة.
ولهذا كان على حزب العدالة والتنمية الذي غدا هو التتويجُ السياسي لهذا المخاض أن يوسعَ الحراكَ الاقتصادي للمزيد من الآفاق والعيش للناس، وللمزيد من تطور الرأسمالية الديمقراطية الاجتماعية في تركيا، أي أنه يخدم حتى خصومه السياسيين الكبار، وذلك بإقامة العلاقات الاقتصادية الواسعة مع المجتمعات الإسلامية، وإعطاء الأكراد بعضَ حقوقهم وهوياتهم المسلوبة، دون أن يخرج كذلك من طموحاته الأوربية، وهذا كله عاد بتطور إقتصادي جيد خلال سنوات حكم حزب العدالة كما تشير الإحصائيات خاصةً على الطبقات المالكة.
أي أن كل ما يجري هو صراع بين أهل اليمين، لإنعاشِ نظامٍ تجمد بسببِ مقولاتهِ الفكرية السياسية المجردة، وإثبت إن العلمانية والديمقراطية لا تأتي من الشعارات ولبس القبعات، بل من مدى مقاربة أي نظامٍ للعاملين ورفع معيشتهم وتحريرهم من الفقر والأمية واللامساواة وهو الأمرُ الجوهري في القرآن، ولكن ذلك يظلُ بعيداً على حزب التنمية، بدون جدلٍ مع الطبقات الشعبية، وبمدى قدرة اليسار في تركيا على الإسهامِ في الديمقراطيةِ الاجتماعية، وجعل العاملين يتحركون لتطوير النظام وتطوير أنفسهم، فما يزال الفلاحون في فقرهم وتخلفهم، والقوميات خارج أقاليم الأتراك محرومة.
أي أن الشكلانية الدينية هي الأخرى لافتات مثل الشكلانية العلمانية، والأساس هو في الديمقراطية الاجتماعية وحراك الأغلبية الشعبية.

تركيا والتحولات العربية
10/5/2011
يتوجه العربُ للدخول حالياً في النظام الرأسمالي العالمي الديمقراطي، بأشكال متفاوتة وبمقاربات مختلفة، وثمة شكلان رئيسيان مما هو سائد، فإما (أوربة) على طريقة تركيا، حيث لم تستطع هذه الدولة على قدم اتصالها بالحداثة ودخول النادي الأوروبي إلا أن تنفذَ نصفَ أوربةٍ حتى الآن بينما علاقات اجتماعية قديمة لاتزالُ تربط رجليها بقيود آسيا.
وأما النمطُ الإيراني بسيطرةِ رأسمالية الدولة الحكومية العسكرية الدينية حيث يهيمن النفوذُ الإقطاعي على الحياة ويشل توجه إيران نحو أي شيء رئيسي من الحداثة، فإنه يحترقُ ناراً في ليبيا واليمن وسورية.
استطاعت تركيا عبر توسع نفوذ رجال الأعمال الأحرار المستقلين أن تكونَ شخصيةً سياسيةً اقتصادية ذات نفوذ متسع في المنطقة، وحيث أحستْ نخبتُها السياسيةُ المذهبيةُ نصفُ العلمانية بأن أبواب أوروبا لم تنفتح تماماً أمام شخصيتها السياسية الجديدة نصف العلمانية ؟ نصف الدينية، فقد راهنتْ على العالم العربي، ورأتْ فيه أسواقاً واعدةً وخاصة دول الخليج والجزيرة العربية في بادئ تفتحها على المنطقة.
وقد كسبت فعلاً من هذه العلاقات، من دون أن تخسر علاقتها بالغرب، لكنها لا تستطيع أن تكون دولةً أوروبية كاملة، فقمعُها للأكراد ومنع حصولهم على حق تقرير المصير يحول دون ذلك، ومستوى حريات نسائها وبقاء التخلف الاجتماعي في الريف خاصة، يجعل صعودها لمستوى أوروبا شيئاً يحتاج إلى المزيد من انتشار المصانع والتحديث خاصة في المناطق الآسيوية.
وقد انفجرت الثورات العربية بسببيات مختلفة عن هذا، وعبرت عن حراك الأمة العربية عبر تفاوت مستوى أقطارها، ولمدى جذور التحديث فيها، سائرةً باتجاه الحداثة الأوربية نفسها وبالتقدم المطلوب نفسه، وتلاقى وتصادم الحراك العربي والحراك التركي ولكنهما يؤكدان ظاهرة متقاربة هي تبدلُ جلودِ الأمم القديمة في الشرق ونزعها حلل التقليد وتوجهها لدخول نادي الحداثة العريض.
هذا الدخول كان من خلال البقاء في الإرث الديني ~ الاجتماعي، فيما المستوى السياسي يتحركُ باتجاه الديمقراطية، فالرأسماليات الحكومية الشمولية تحولتْ من أداةٍ للتنمية إلى أن تكون عائقاً ضدها.
فالبرامج الاجتماعية السياسية لها من تركيز في شراء السلاح وهيمنة الفساد وغياب الخطط التنموية العادلة لأقسام الشعب ومناطقه، غدتْ عائقاً كبيراً أمام التنمية والديمقراطية معاً، وهما شكلان متلازمان.
لكن الدول العربية المنتصرة في تحولاتِها ليست مثل تركيا ذات التاريخ الأكبر في التحديث، فهنا لا توجد طبقةٌ واسعةٌ من رجالِ الأعمال المستقلين الأحرار، وهذا يبدو في طبيعة الأحزاب السياسية التي ارتفعت فوق المسرح السياسي القريب من دوائر الحكم.
كما أن هنا نسبة مشوشة متداخلة من الأحزاب السياسية العصرية والأحزاب الدينية، فالكلُ يريدُ أن يكسبَ أصواتاً لمعركة السلطات القادمة، والكل يظهر أنه مع الدين والحداثة ومصالح الشعب ومع الأخلاق وضد الفساد، ففجأة صار الكلُ طاهراً يلمعُ نفسَهُ للكراسي، ولم يُختبر أي حزب في التنفيذ ورؤية مدى قدرته على تكوين تنمية ونشر مستويات أجور وصحة وخدمات متقدمة.
وقد دخلت الحكومة التركية على الخط هنا لتشجيع اتجاه ديني معين من أجل أن تضمنَ علاقات اقتصادية ذات منافع متبادلة وتكرس اتجاهاً محافظاً في المنطقة، وتخشى من قوى أخرى كاليسار أو الحداثيين (الأوروبيين) توجه العلاقات باتجاهات أخرى.
ورأينا التذبذب في المسألة الليبية وتقارب سياساتها مع الدول الشرقية غير الديمقراطية كروسيا والصين، لكنها بعد ذلك وجدت أن خيار الثوار الليبيين أكبر من خيار القذافي المهزوم فمالت تماماً للمنتصرين المنتظرين.
لكن مصائر الدول القائدة للأمة العربية كمصر وتونس في هذه المرحلة مفتوحة، فظهرت علاقاتها الخارجية متذبذبة، بين تركيا وإيران، بين الغرب الديمقراطي والشرق الاستبدادي، وهذه العلاقات الخارجية تعكس مضموناً داخلياً يظل غامضاً حتى الآن وهو بحاجة للصراعات الاجتماعية السياسية لتجلي دلالاته.

توازناتُ الحداثةِ التركية –
18/6/2011
وضّحتْ نتائجُ الانتخاباتِ التركية الأخيرة رفضَ العديد من القوى الاجتماعية انزلاق المجتمع للسياسة الدينية المحافظة وتأييدهم لعملية التوازن بين الحداثة والديمقراطية والإسلام.
إن الثمنَ الذي دفعه الشعبُ التركي لكي يصل إلى هذه اللحظة التاريخية المتقدمة هو كبيرٌ وباهظ، ولكن التوازنات المعقدة والمتقلقلة كذلك تعبر عن مستوى اقتصادي اجتماعي متحول في البنية ولن يتوقف عن التغيير والصراع.
(عند إعلان الجمهورية التركية سنة 1923 كان 80% يعيشون حياة تقليدية في الريف)، (جدل الإسلام والحداثة في تركيا، عبدالله تركماني).
إن التجربة الأتاتوركية العلمانية رغم قسوتها القمعية وشكلانيتها التحديثية لكنها كسرتْ عظام الإقطاع السياسي الاجتماعي، فلم يعدْ شيوخ الدين قادرين على تأبيد التخلف باسم الإسلام، لكن هذه التحديثية من جهة أخرى أوجدت دولةً استبدادية.
إن توسيع الدولة للفئات الوسطى والعمالية الحديثة وانتشار الحريات والعلاقات الواسعة مع الغرب حضّرت تركيا الراهنة لعمليةِ تركيبٍ اجتماعية سياسية عميقة وهي الجمع بين الحداثة والإسلام، فالناس يشكلون واقعهم السياسي الديمقراطي ويتوجهون للصراع حول البرامج الاقتصادية ولهم حرياتهم الدينية.
لم يكن تاريخُ الإسلامِ سهلاً بسيطاً في حياة تركيا، لقد جاءت القبائل التركية من أقصى الشرق، وعبرت قارة مشتعلة وصارعت شعوباً واغتنت من الاحتكاك بالشعوب الكبرى المتحضرة، ولعب الإسلامُ دوري التوحيد والتحضير، فوثنيتها وتفككها وتخلفها تم التغلب عليها من خلاله، وصارعتْ الدولةَ البيزنطية والمسيحيين الشرقيين، وكسبتْ كلَ بوصة من أرض تركيا، عبر هذه الثقافة وتضحياتها فثمة بطولات أسطورية هنا وتاريخ مليء بالثقافة والإبداع، فمن المستحيل القفز منها للعدمية، بل لابد من تطويرِها وإغنائِها بمنجزاتِ الحضارة الحديثة ونقد الماضي المحافظ الاستغلالي الحربي كذلك.
الطواقمُ الليبراليةُ ذات الجذور الدينية فهمت ذلك وانتقلت من لغة الخطاب الايديولوجي إلى لغة الخطاب السياسي الواقعي.
ولهذا فإن دعاة الحركة السياسية الليبرالية الدينية الجديدة بدءًا من 2001 أخذوا يطرحون الخطوط العريضة السياسية التالية:
تركز نشاط الحركة في أسس الديمقراطية والشفافية والتعاون، وتوجهتْ لقضايا البناء التحتي أي التركيز في حل قضايا عدم المساواة في توزيعِ الثرواتِ والنمو العادل لكل مناطق الدولة، والتحول من خطرٍ على النظام إلى أداةٍ لتطوير النظام، وصعد الاهتمام بالانضمام للاتحاد الأوروبي كذروةٍ لتطور تركيا الديمقراطية الحديثة من دون نسيان الماضي والرفاق في مسيرة الإسلام، وعدم تحويل قضية الحجاب بالنسبة إلى المرأة إلى قضية صراع بل التركيز في حقوق المرأة الاقتصادية والاجتماعية، من أجل تغيير الأسرة.
واستطاع حزب العدالة والتنمية أن يطبق هذا البرنامج بكفاءة بسبب وجود كوادر سياسية مرنة وذكية وصبور جسدت تلك النقاط المحورية في شتى جوانب الحياة التركية، وجعلت منها برامج تغيير، فطورت حياة الفئات الوسطى والعمالية، في المدن والأرياف.
وقد عكست نتائج الانتخابات وانتصار حزب العدالة والتنمية صعود قوى الطبقة الوسطى المختلفة ايديولوجياً ومناطقياً وقومياً، فقد أعطتْ النتائجُ الانتخابية صعوداً مستمراً كذلك لقوة حزب الشعب الجمهوري ذي الجذور الكمالية والحزب القومي المكمل له، وتصاعدت قوة الأكراد السياسية معبرة عن الأقسام الوسطى المرنة بخلاف حزب العمال المتطرف.
كذلك أبقت حزب العدالة والتنمية في مستوى انتصاره السابق غير متيحة له تغيير الدستور، مما يعكس مخاوف أغلبية المجتمع من استغلال الإسلام للجوانب المحافظة مرة أخرى وتكوين دكتاتورية سياسية باسم الدين.
عبرت النتائج عن تعايش المجموعات الفكرية السياسية والقومية وتأسيس توازن بينها لا يتيح لقوة علمانية أو دينية أن تفرض رؤيتها الخاصة على الآخرين، ولكن في سيادة النهج الديمقراطي ذي الجذور الإسلامية الوطنية التركية.
ولا شك أن هذا يمثل السلام الاجتماعي ويكرسه ويجعل مختلف الأطراف تنشط اقتصادياً في إطار تنوع يمثل لحظة معينة من توازن قوميتي الأتراك والأكراد اللتين تنموان وتتحركان في المنطقة مثل حراك الصفائح الأرضية، والإدارة الديمقراطية هي من يتجنب الزلازل ويكرس الازدهار.

انفصامُ تركيا الاجتماعي
20/8/2013
شكلت تركيا طليعة الدول الإسلامية المتجهة نحو الحضارة المعاصرة، فقد كانت تقود هذه المنطقة وتغلغلتْ في القارة الأوروبية غازية، وكونت أكبر ثروة من استغلال الشعوب الإسلامية، فكونت فائضاً مهماً للتحول نحو الحداثة.
لكن بناءها الاقتصادي المتخلف لم يؤهلها لمراجعة وضعها ومقاربة الغرب. ولهذا فقد سرقتْ الدولُ الغربيةُ الكبرى (مستعمراتها) التي راحت تغذيها بالفوائض وتغدو أسواقاً لها.
خضوع تركيا السياسي الاقتصادي للغرب أدى إلى تغيير ملامحها الشرقية الدينية الاجتماعية، وقد هجمت النخبةُ الحاكمة التركية على ميراث الشرق الديني الذي رأت إنه السبب للتخلف والاستعمار، وحينئذ كان بيدها الجيش والسلطة أداتين للصراع ضد الميراث الاجتماعي الديني حيث الدروشة المنتشرة والمراكز الدينية الصوفية المعرقلة الكبرى للتحديث، وحدثت مجابهة طويلة بين هذين الشكلين من الوعي الاجتماعي، فالوعي الغربي التحديثي العلماني الرافض للتراث العتيق المتخلف يهاجم الدروشة ويفرض عالمه المجلوب من الغرب ويكرس مظاهره في كل مكان.
والتراث العتيق يدافع عن نفسه وعن زواياه ومظاهره وأشكال علاقاته الاجتماعية التي بقيت خلال قرون سائدة محتفية.
يمكن تلمس معاناة هذا الصراع الحاد خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، خاصة إنه تم كحروب عسكرية واجتماعية وثقافية، فدولةُ السلطنةِ تزيل الخلافة، وتندفع لمظاهر الحضارة والصناعة الغربية وتتحول من بلد شرقي لبلد غربي، وهذا التحول على مستوى حياة السكان لم يكن رفيقاً، فثمة فئات جديدة في السلطة تكرس نموذجاً له امتيازات وعادات وعلاقات وهذا يعني الصراع مع فئات أخرى ذات نموذج يتعرض للانهيار، ويفقد أشكال وجوده وطرق حياته التقليدية.
وكلما زاد التغريبُ تفاقم هذا الصراع وانزوت الفئاتُ القديمة وفقدت عاداتها الدينية وتعرضت للابعاد، ويغدو وجودها محل شك وخطر خاصة في الدوائر العسكرية والسياسية والإدارية.
أتاتورك طرح نموذج التقليد الغربي بشخصية تركية، فكرس الأشكال الخارجية والاستيراد العسكري والاستيراد الصناعي.
وجاء تلامذته ليجعلوا من التبعية والدخول إلى السوق الأوروبية والذوبان في الحضارة الغربية مساراً سياسياً طويلاً دون أن يصل ذلك للنهاية.
لكن الجمهور الغالب الفلاحي والحرفي والشعبي عادة لم يتطور بشكل صناعي علمي واسع وبقي وعيه الديني الإسلامي التقليدي علامة على هذا، وهو ما جعل تركيا أقل تطوراً من الدول الغربية ومشكلات القومية المسيطرة على القوميات المسيطر عليها مظهر آخر على غياب الديمقراطية الوطنية على نحو شامل وبقاء القوميات الأخرى في درجات عيش متدنية.
إزدواجية تركيا الاجتماعية مثلها مثل مستويات تطور أغلب دول الشرق لكنها تفوقت على الكثير منها وغدت ذات جزء حداثي هام، فأرادت أن تتمدد في الشرق وتعيد سيطرتها القديمة العثمانية بشكل جديد، مع الإبقاء على طابعها المحافظ المعبر عن السكان العاديين.
هذه المراوحة والتناقض والعجز عن التغيير الحداثي الديمقراطي الشامل تجد انعكاسها في اللغة الأيديولوجية الدينية وتحويلها لسوق سياسية داخلية وخارجية، فتريد أن تساهم في خلق نماذج عربية لها وأسواق مفتوحة، تدافع عن نفس المحافظة الريفية.
لكن القسم الحداثي التركي يرفض هذه العودة والأدلجة ودس الشعائر الدينية في السياسة وعمل الدولة وصناديق الانتخاب ويقاوم من أجل حداثة مكتملة وتفهم عقلاني علماني للتاريخ الديني.
القسمان المتصارعان سواء في تركيا أم في بعض الدول العربية والإسلامية التي تطورت فيها الفئات الوسطى وقاربت السلطات والنظام الحديث، يظلان غير مكتملين معتمدين على صناعات حرفية وصناعات تعتمد على المواد الخام وعلى ثقافة سحرية في أغلبها، ولهذا فإن تغيير الشعارات والسياسات بدون تغيير القواعد التحتية لهذه الفئات المأزومة بين الماضي والحاضر، بين الدين والعلم، بين القومية المتعصبة والإنسانية، هو إعادة تكرار للخلافات والأزمات في حين أن الحل هو تغيير القواعد الاقتصادية وإنتاج السكان القديم.
هو صراعٌ اجتماعي معبر عن مستوى أغلب الدول الإسلامية المنقسمة بين هشاشة الحداثة وضخامة الحياة التقليدية، ولكن تجربة تركيا أبكر، وتحويل القوى الاجتماعية هذا الاختلاف الاقتصادي إلى معارك سياسية تستنزف موارد متعددة هو تعبيرٌ عن قصر النظر وعن مستوى قوى الانتاج المتخلفة أساساً.

تركيا الحداثة
6/4/2014
تعودُ تركيا مرةً أخرى لتناقضاتها التقليدية، ولهذا تظهر بشكل متخلف ساذج، بالصراعات حول الحجاب ومراقبة الشؤون الخاصة.
لم يستطع الأتراك العثمانيون الخروج كذلك من هذه التناقضات وكانت لديهم إمبراطورية كبرى. كانوا يحافظون على العلاقات الإقطاعية، وينافسون الإسبان في تثبيتها والصراعات حولها. الامبراطوريتان الإسبانية والعثمانية تدهورتا وتقلصتا كثيراً حتى صارتا دولتين صغيرتين تصارعان من أجل وحدتيهما القوميتين.
فيما الدول الصغيرة الرأسمالية في غرب أوربا غدت دولاً عظمى.
حزب أردوغان الديني لا يعي تناقضاته، التي هي تناقضات المجتمع الإقطاعي الديني القديم، تناقض العقيدة الدينية المحافظة التي جعلتها شكلانية والتحديث.
في كل مرحلة كانت الأحزابُ الدينية تُخسرُ المسلمين شيئاً ما ثميناً، كانت السيادة على جزء كبير من العالم لهم، فأرجعوا إلى بحارهم الداخلية، ثم جاءت مرحلة الاقتطاع من دولتهم وعالمهم، ثم جاء زمن آخر هو نزع استقلالهم، ومن ثم تخلفهم وتبعيتهم.
الآن جاءت مرحلة تمزيق بلدانهم من الداخل.
الشرائح الوسطى التي تمثل هذا الحزب لا تريد أن تتخلى عن السلطة من أجل طبقة صناعية قائدة حاكمة، قوى المثقفين هنا لا ترى تجارب العالم الهائلة في ذلك، فعبر الأيديولوجية الدينية يمكن صناعة كل شيء.
كانت العودة للتسامح وهزيمة العلمانية المتطرفة السابقة مرحلة مهمة لتركيا، وعبر عنها حزب أردوغان، وهي التي أشبعت من الصراع الحاد بين العلمانية المتحزبة المعادية للإسلام وبين التدين المعادي للعلمانية الديمقراطية.
ولهذا تحتاج تركيا للعودة لأسس الحداثة وترك الصراع الأيديولوجي وفهم كل المسيرة التاريخية السابقة وفهم مسيرة العالم الغربي التحديثية والتي تُركت سابقاً وعاداها العثمانيون الأجداد والأحفاد للأسف، لكن هل تمتلك الفئات الوسطى المثقفة الرساميل لتقود ثورة صناعية داخلية؟ بوحدتها وتعاونها.

صراع الرساميل في تركيا
25/8/2014
عبرت السياسة الأتاتوركية عن علمانية خفتتْ من الغلواءِ الدينية الاجتماعية، خاصة في عزل النساء عن سوق العمل، وتحجيم الوعي العقلاني، وأسستْ قطاعاً عاماً مسيطراً، إلى جانبِ قطاعٍ خاص كبير. لكن الفسادَ قللَّ الإيرادات كثيراً في القطاع العام، وتم استغلال هذا القطاع لأغراضٍ سياسية لدعم السياسيين المتنفذين. فاستمر العجزُ في الميزانية، وازداد التضخم، وفقدتْ الليرة التركية الكثير من قيمتها.
ومن الناحية السياسية استمرت البيروقراطية الحاكمة العسكرية ~ المدنية في الحكم وهو أمرٌ يشيرُ إلى وجودِ قبضةٍ سياسية قوية في العاصمة على الجمهور الشعبي، وعلى الأقليات القومية، وعلى الحركات الدينية والحركات اليسارية، من أجلِ تشكيلِ نهضةٍ وسطية تقاربُ الغربَ الديمقراطي حسب رؤية كمال أتاتورك. لكن هذه الطبقة الإدارية العسكرية واجهتْ الاختناق في هذا المشروع فالفسادُ الداخلي أهدرَ الكثيرَ من الفوائض، وقمعُ الأكراد والحربُ في قبرص وعدم تحرير الفلاحين أضعفت الحكومات التركية المنهارة المتعاقبة.
منذ الأربعينيات من القرن العشرين بدأتْ الحكوماتُ المختلفةُ في دعمِ القطاع الخاص، وغدت تركيا ذات بنية صناعية متوسطة، فالموادُ الخامُ محدودةٌ والعمالةُ المتخلفة وأتساع هجرة العمالة للخارج لم تجعل تركيا ذات صناعات ثقيلة وتقنية عالية.
كما أن ذلك يرجع للبنية الاجتماعية وتقسيم العمل الاجتماعي:
(هناك فرقٌ كبيرٌ في مستوى المعيشة والحالة الاقتصادية بين الغرب (التركي) الصناعي والشرق الزراعي. يعتبرُ القطاعُ الزراعي أكبر قطاع من حيث تشغيل العمالة، حيث تبلغ النسبة حوالي 40 % من مجمل قوى العمل في البلاد، ولكنه ينتجُ ما نسبته حوالي 12% فقط من الناتج القومي. القطاعُ الصناعيُّ ينتجُ حوالي 29,5%، قطاع الخدمات حوالي 58,5% من الناتج القومي لتركيا. يعمل في قطاع الصناعة 20,5%، في قطاع الخدمات 33,7% من مجمل عدد الأيدي العاملة.)، موسوعة ويكيبيديا.
هذه النسب توضحُ الطابعَ الوسطي للصناعة، وإتساع حجم القطاع التقليدي، وهو المؤسسُ للحركات السياسية المحافظة عادة، ولكنه يشير كذلك إلى تنامي فئات البرجوازية المختلفة، وخاصة في الصناعة والخدمات.
قامت الحكوماتُ المتعاقبةُ بحماية الشركات الخاصة، ودعم التصدير إلى الاتحاد الأوربي، والابتعاد عن سياسات الحروب والمجابهة، فبدأ معدل نمو الاقتصاد في التغير والتذبذب عموماً، فكانت نسبة النمو في سبعينيات القرن الماضي بين 7% إلى 4%، بعد تنام سلبي لعدة عقود لكن مع زوال النظام العسكري في سنة 1982، وتدفق أموال العمال المغتربين من أوربا الذين يبلغ عددهم سبعة ملايين فرد، أخذ الاقتصاد التركي بالانتعاش.
ولكن قادت الخصخصةُ غير الشعبية والانتقال الواسع غير المبرمج لدعم القطاع الخاص في الثمانينيات إلى إحداث اضطرابات سياسية واقتصادية كبيرة، مما أدى إلى التضخم الواسع وانهيار الليرة التركية وإلى صراعات سياسية كبيرة وتفجر المسألة الكردية في تركيا.
لا بد أن نقول هنا بأن هيمنة القطاع الحكومي البيروقراطي في عقود طويلة يماثل جزئياً الرأسماليات الحكومية الشرقية الشمولية حيث إن تلك الهيمنة للقطاع العام لم تصل إلى اكتساح الاقتصاد كله، وحيث إستمرت التعدديةُ السياسيةُ والثقافية الهامتان في تركيا، لكن تلك الهيمنة للقطاع العام من جهةٍ أخرى خلقتْ طبقةً مستفيدةً من هذه البيروقراطية السائدة، وقامتْ بتقنينها فكرياً عبر تصوير البلد كبلدٍ ديمقراطي على الطراز الغربي، خاصة لما تسودُ فيه من حرياتِ العقائد التي غدتْ شأناً خاصاً بالمؤمنين بها، لكن هذه الديمقراطية الاجتماعية المحدودة لم تكن ذات عمق ديمقراطي سياسي، لكون الطبقة المسيطرة ذات حجم عسكري كبير ورأس مدني ضئيل، وهو أمرٌ تجسدَ في القطاعين العام المهيمن الفاسد والقطاع الخاص المُنتج شبه الملجوم.
ولكن جاءتْ موجاتٌ اجتماعية وسياسية داخلية أساساً وعالمية ثانوية متضافرة ومؤثرة لعبتا دوراً في الاتجاه بتركيا نحو آفاق جديدة.
إن سقوط المعسكر (الاشتراكي) لعب هنا دوراً إيجابياً فذلك (التهديد) التاريخي المزعوم زال، والمسألة القبرصية توجهت للتهدئة، والحركات اليسارية المتطرفة خفتتْ نيرانُها، وبقيتْ المسألةُ الكرديةُ ملتهبةً، وكلُ هذا أدى إلى تصاعدِ الحرياتِ وخفوتِ دورِ العسكر التاريخي، وتنامي دور القوى المدنية، وبقيتْ علاقاتٌ ضروريةٌ جدليةٌ لا بد من بروزِها بين البرجوازيةِ البيروقراطية الحربية الآفلة تلك والبرجوازيةِ المدنية الصاعدة وهي علاقاتٌ ذات أهمية في تشكيلِ وضعٍ سياسي جديدٍ مشترك، يجمعُ بين إيجابيات الماضي وإيجابيات الحاضر، وهذا لا بد له من جدلٍ تاريخي وصراع سياسي بين القوتين يكشفُ المضامينَ المتلبسة بينهما وهما لهما مصالح متقاربة وأن طمستها اللغتان الإيديولوجيتان لدى كل منهما، ولكن البرجوازية المدنية ارتبطت بقوى دينية ومؤثرات مشرقية عضدت القوى المحافظة الدينية فيما القوى الاتاتوركية تقلصت وغلبها المدنيون الدينيون بتوسع علاقاتهم بدول النفط.

هجمةٌ ثقافيةٌ تركية
29/8/2014
ملأت المسلسلات التركية الشاشات العربية، وتجلى التاريخ العثماني بسطور ذهبية مشوقة.
هذا التاريخ الذي كان مذموماً بصفته الامبراطورية التوسعية، حيث علت المشانق ساحات بيروت، وأكتسحت جيوش (الصدر الأعظم) الوطن العربي، وبتأخير حال العرب وجعلهم عشباً يابساً لأحذية الغرب.
هنا التاريخ يصبح تاريخ السلاطين والجواري، يسبك عالمٌ رمزي متألق منه.
ولم يقتصر الأمر على مسلسلات بل تعداه للأدب والقيام بطباعات فاخرة لأعلام الرواية التركية المعاصرة خاصة لبرهان داموق، هذا الكاتب الذي حصل على جائزة نوبل في تكريس مقصود لهذه المؤسسة التي تدعم مؤيدي النموذج الغربي التابع.
روايات برهان داموق ليست مؤدلجة في سياق رخيص فهو كاتب كبير، يُضفر بين قراءة سحر الشرق الفني وعالم تركيا المعاصر السياسي العام حيث يتجنب الصراعات الطبقية وكشف سجل التطور الاجتماعي التركي ولكنه يصمم روايات آخاذة بفنيتها وتعبيرها الغنائي وغوصها في البحر الأسود وكشف آثاره وبقاياه.
وهناك كتابٌ آخرون أتراك حظيت باهتمامهم دور النشر العربية الجديدة الغريبة التي ملأت الأرفف بنتاجاتهم.
هذا الزخم الإعلامي والاهتمام الأدبي لا يقتصر على دعم المؤسسات التركية ولكنه يحظى بدعم مؤسسات عربية.
يُراد تسويق النموذج التركي في المنطقة بديلاً عن النماذج الأخرى المتخلفة، فهو نموذج متفوق عليها، يقترب من النموذج الغربي الديمقراطي وأن لم يكتمل ذلك في عرف الغرب الذي لا يسمح لتركيا بدخول ناديه المقدس، كما أن جذوره الدينية تتيح له الدخول في المذهبية الأوسع في العالم العربي.
المذهبية الواسعة المرنة تتوجه للتداخل مع التطورات الغربية التحديثية وصارت تركيا نموذجاً دون أن يُحس تطورها.
لقد استطاعت الطبقة الوسطى بجناحيها العلماني والديني أن تهيمن على الشعب، وتقوم بإصلاحات مهمة على مدى القرنين الأخيرين فتوجهت لأن تكون قائدة للمنطقة خاصة مع توسع الموجات الدينية المحافظة التي تغدو رساميل.
لكن هذه التطورات تصطدم بمستوى تحديثي عربي مستقل خاصة في النموذج المصري الذي يسعى لدور الريادة مع حداثة وديمقراطية وعلمانية، وما جعل البلدين يصطدمان وتقوم مصر بتكوين تحالف حديثي مناهض للإخوان المسلمين.
الأتراك يستغلون الإخوان لكنهم أكثر تطوراً.
ولهذا نجد المسلسلات والآداب التركية مليئة بالحداثة والمقاربة الغربية الديمقراطية.
لماذا لا تؤيد الإدارة الأمريكية النموذج العربي وتخشى تكوينه محور يتجاوز النموذج التركي؟
البلدان العربية ذات إمكانيات كبيرة ومن الممكن أن تكون قوة كبيرة في المنطقة وتغير الخريطة السياسية.

أردوغان والخداع السياسي
2014/9/14
عاشت الامبراطورية العثمانية على سيطرة إقطاع عسكري سياسي متخلف أبقى المسلمين قروناً من التخلف.
لهذا كانت عظمة كمال أتاتورك في التصدي للغزاة وتحرير تركيا وتطويرها وتحديثها، فقام بمهام تاريخية جسيمة لم يستطع أي زعيم عربي في عصره القيام بها.
تحطيم العسكر العتيق وقواه من المتصوفة والدراويش كانت ثورة عصرية، لكنه لم يستطع استكمال مهام الثورة الديمقراطية بتحرير الفلاحين وتغيير ملكية الأرض، ولهذا فإن تركيا لم تغير بناءها الاجتماعي كلية، ودفعت الملايين من شعبها للهجرة وخاصة الى الغرب.
واعتبر الدينيون ذلك تغرباً على مستويين وجناية من جنايات الحداثة!
الاتاتوركيون رغم دورهم التاريخي تلاحموا مع القوى الإدارية الغنية وأخمدوا التحولات النضالية على مدى عقود، ولم ينشروا فكراً ديمقراطياً شعبياً مما جعل النزعات اليسارية والدينية المتطرفة تنشط وتخرب!
وجدها الدينيون فرصة في الاستغلال السياسي والقفز إلى الحكم، ووجدوا في اردوغان قائداً مغامراً تصدى لذلك بعكس زعمائهم المعتدلين الذين تخوفوا من آثار هذه الألعاب السياسية.
تلاعب أردوغان بالمشاعر واستغل فترة سجنه الضئيلة (أربعة شهور) في الدعاية، وقال انه صمم برامج لإخراج تركيا من أزمتها، مركزاً على الطابع الإيديولوجي، فيما كانت مشكلات تركيا بنيوية عميقة وتخلفا تاريخيا وتدفق الفلاحين الفقراء على المدن وتدفق العمال على أوروبا.
التلاعب بالشعارات وتحويلها إلى حماس جرّ الكثير من الفقراء للانخداع وصوتوا له، ولكن التغييرات العميقة لصالح القوى الشعبية لم تأت، ثم تشكلت فئة إدارية فاسدة جديدة إضافة الى القديمة.
فدخلت تركيا في أزمة داخلية مركبة، وانشطار في رأس الدولة وتفكك للمجتمع.
واستغل أردوغان ذلك في الانتشار في البلدان العربية واستغلال التحولات النفطية لصالح جماعته السياسية.

الثورة السورية

≣ الثورة السورية وضياعُ الطائفيين
29/5/2011
≣ ملامحُ المعارضةِ في سورية
6/6/2011
≣ اللغةُ الدينيةُ ومخاطرُها على انتصارِ الثورة السورية
9/8/2011

الثورة السورية وضياعُ الطائفيين
29/5/2011
تطرح الثورة السورية الشجاعة العظيمة قيماً كبرى للتضحية وتجاوز الشموليات السياسية والطائفية.
الدمُ كثيفٌ مسفوحٌ من هؤلاء البسطاء الأبطال الذين يَظهرون من الأزقة والقرى والبوادي ومن ضمير الشعب المحاصر المهان من قوى بيروقراطية حكومية مهيمنة اقتصاديا وعسكريا، فقدت أي اتصال لها بالقيم الإنسانية الموجودة لدى طبقات مختلفة حتى متصارعة، عائدة هذه الدولة للممارسات الفاشية.
قضية الثورة السورية هي قضية في جوهر حركة الأمة العربية في هذه المرحلة من أجل تقدمها وحريتها.
تصطدم مثلما نصطدم في بعض الدول العربية بإرادةٍ مسلوبة لأمة كبيرة أخرى هي الأمة الفارسية، يريدُ طغيانُها أن يمشي المشرق العربي على مستوى تخلفها، وبإرادة دولتها العسكرية الشمولية، وقد جَرتْ وأفسدتْ قيادة سوريا التي كانت «قومية علمانية» والتي ينخرها الفساد والتعالي على الشعب والتسلط بقسوة عليه فانزلقت في ذات الموقف.
الأمة الفارسية مُصادرةٌ ارادتها، مغلوبٌ أمر شعبها المناضل الذي عانى الكثير، وبين الإرادتين السياسيتين موقف مشترك هو رفض طريق الديمقراطية والحداثة والعلمانية، لأنه طريق يفككُ سيطرتيهما على الشعبين، ويتيح للشعبين اختيار طريق آخر غير طريق الانعزال عن الحداثة والديمقراطية المنتشرتين في كل البشرية.
ليس في موقفنا تناقضٌ، نحن الديمقراطيين البحرينيين، بين تأييدنا للثورة السورية وشجبنا لمغامرة الرجعيين الطائفيين في البحرين لتسلق سلم الثورات العربية لخدمة الدولة الشمولية الإيرانية والقيام بثورة مضادة، ضد تطور بلدنا الديمقراطي.
إن عمل الطائفيين الرجعيين البحرينيين يصبُ في خانة تصعيد الاستبداد وخنق الحريات المتصاعدة، ومسايرة النظام الدكتاتوري الإيراني الطائفي، العدو اللدود للمناضلين الديمقراطيين الإيرانيين والعرب على السواء.
إذا كان ثمة مأثرة للثورة السورية فهي توحد السنة والمسيحيين والعلويين والشيعة البسطاء في وجه نظام عسكري أهوج، خانَ بصيصَ ديمقراطيتهِ وعلمانيته، وحوّلَ البلدَ إلى حصالةً مسيجةً بالدم والنار لهيمنة طبقة ضيقة، ولم يسمح فيها بأي تعددية وأي كلمة حرة وأي نفس إنساني، حتى انفجر البسطاء مادة الشعب الباقية ليعيدوا هواء الحرية لبلدهم.
هؤلاء البسطاء سكبوا دماءهم من أجل التوحيد في درعا وحمص ودمشق واللاذقية وحلب والكثير الكثير من المدن الصغيرة والبلدات التي قفزتْ لعنان السماء في وعي الكرة الأرضية كلها، وغدتْ شجاعة هؤلاء البسطاء وهم يُسحلون بالدبابات أسطورة يصغيها الشعبُ السوري لذاكرة بعض قوى البشرية التي انطفأت بتراكم الغبار السياسي فوق عيونها.
هؤلاء المضحون اختاروا مسارَ الأمة العربية وهي تكنسُ أنظمةَ الاستبداد الفردي والطغيان الرأسمالي الحكومي، وتبحثُ عن مسارات الحرية في لغتها الشعبية المتواضعة، التجريبية التي لا يشكلها تنظيرٌ راهن، لكن مضمونها هو التغيير بعيداً عن تسلط الأجهزة وتدخل دول في شؤون دول أخرى.
إن وكلاءَ الدكتاتورية الإيرانية الذين يتلفعون بالمذاهب الإسلامية المناضلة وبأفكار «اليسار» واليمين، لن ينجحوا في وقف تصاعد إرادة الأمة العربية للحرية، مهما وضعوا من مساحيق ثورية زائفة على وجوههم الرجعية، ولن ينقلوا الأمة العربية وشعوبها لمعاداة الشعوب الإيرانية، فنضالُ الأمتين الكبيرتين مشترك ومتلاحم عبر العصور، وإن تشوه بقوى الاستغلال والتعصب الديني القومي لشق صفوف العاملين والقوى الحية خاصةً في وقت الالتباس السياسي التاريخي الراهن ولكنه لن يستمر إلى النهاية.
هم مجرد طبقة رقيقة ثقيلة مسمومة من فساد تجمع فيها الحقد القومي المذهبي بفشل طريق سياسي وجهل فكري مثير للرثاء، لن تفلت من مياه ساخنة ثورية من الشعوب ليذهبوا في مجاري التاريخ حيث يتحللون إلى الأبد.
الشعب السوري هو من يبقى ويرتفع فوق ذرا التاريخ، الشعب الذي دُفن في الأزقة المعتمة بالأشباح وعواصف الحديد.
حين يقارب المواطنُ الإسلام يغدو توحيديا مسالما ينشد الحرية، ويقترب من معايير الحداثة والإنسانية المجمعة على التقدم، ولكن حين يغدو طائفيا تتصاعد فيه كل قوى التفتيت وخدمة القوى العتيقة العاجزة عن التطور، التي لا تمتلك سوى توجيه الناس نحو كهوف افغانستان أو نحو جنون العسكر.

ملامحُ المعارضةِ في سورية –
6/6/2011
استطاعتْ الطبقةُ المسيطرةُ على القطاع العام والأجهزةِ الأمنية والعسكرية أن تعيدَ تشكيل المجتمع السوري لصالحها، فتمددتْ بقوة في القطاع الخاص كطبقةٍ ثرية متداخلة مع النظام، وبالتالي حولتْ الطبقات الأخرى لكياناتٍ مسحوقة أو تابعة، أو متلاشية، أو ضبابية في وجودها الاقتصادي ~ الاجتماعي.
هناك فئاتٌ وسطى وقوى عمالية مستقلةٌ لكن مهيمنٌ عليها عبر السوق وعبر النقابات والمؤسسات النقابية والسياسية.
واعتمد النظامُ على قطعِ شرايين هذه القوى عن الخارج، لعدم الاتصال وتكوين علاقات، كما قطعَ أشكالَ وجودِها المستقلة وعلاقاتها الداخلية السياسية المتضافرة.
أي أن الطبقةَ المسيطرةَ أسستْ حطاماً سياسياً، نراهُ في الجماعات القومية القديمة كالاتحاد الاشتراكي ومشتقاته، الذي كان صيغةً أخرى من رأسماليةِ الدولة الشمولية الناصرية، أو نراه كذلك في القوى المنشقةِ عن البعث كقياداتٍ كبيرة مثل رفعت الأسد وعبدالحليم خدام، وهي بالتالي رأسمالية حكومية شمولية أخرى، لكنها تمثلُ الانتقالَ من شريحةٍ سياسية مسيطرة إلى شريحة غيرِ مسيطرة، فيما تمثل التوجهات القومية والانشقاقات البعثية المتمردة الأخرى انهياراً في مضمون رأسمالية الدولة، فهي فئات التصقتْ بالدولة ولكنها عُوملتْ بقمعٍ وتقزيم حتى كادت أن تتلاشى.
كان بعثُ عبدالحليم خدام بعثَ صراعٍ على القيادة العليا بينما كانت مقاومة القوميين والبعثيين الآخرين مقاومة قواعد شعبية تضاءلتْ وقُزمتْ مع الزمن، وانقطعتْ صلاتُها بالجمهور بحكمِ ذينك القمع والإبعاد عن مراكز الإنتاج والإدارة. ولكن كلا الجانبين افتقدَ الجمهور الحاضن للأفكار السياسية، ذاك في منافيه وهذا في حصارهِ وسجونهِ والأحكام المريرة عليه.
وفي كلا الجانبين يُبرزُ هذا تصاعدَ قمةِ رأسماليةِ الدولة وتوحدها بمختلفِ الأجهزةِ القوية المتنفذةِ وبروز الحاكم المطلق من بينها. وهو الذي تكرسهُ أحجامُ الملكيات العامة المُسَّيطر عليها من قبل دوائرهِ، ومن قبل قوى العسكر الحامية حيث لا توجد أفكارٌ وأخلاقٌ تحمي نظاماً مثل هذا. ويؤدي هذا إلى بروز المُلكية الخاصة الكبيرة التي طلعتْ من بين أشداقِ الملكية العامةِ وصارتْ لهذه الطبقة المسيطرة، ويعبرُ هذا عن التناقض العميق والانهيار الداخلي الكبير للقطاع العام، أي للقوة الاقتصادية الموحِّدة للبلد خلال عقود معينة ثم غدا سبب انقسامه، وبهذا التناقض المحوري الذي هو جذر الأزمة السياسية تفككتْ الدولةُ والمجتمع.
ومثل ذلك التضاؤل للأجسام السياسية السورية نجده كذلك يتجسد في التباينات الشيوعية، بين قوى التحقتْ برأسماليةِ الدولة وعطاياها، كخالد بكداش وتنظيمه وغيره، وقوى رفضتْ الذوبانَ في الأجهزة واستقلتْ لكنها صُفيت أو حُوصرت، فكان الذوبان هنا مماثلاً للقوى الأخرى. فالفكرةُ تتخلى عن استقلاليتها ونموها التحليلي المعرفي عند خالد بكداش، فيما تُحاصرُ وتُقمعُ فتجددُ عند رياض الترك، إن رياضَ قائد المجموعة المستقلة الديمقراطية واصل نضالاً بطولياً ظل كبقاءٍ رمزي وسط الوحشية البعثية.
هذا التملك الشمولي الحاد للمُلكية العامة من قبل الطبقةِ المسيطرةِ بأجنحتِها السياسية والاقتصادية والعسكرية والايديولوجية يؤدي إلى الافقارِ المادي والافقارِ الثقافي للشعب، فالناسُ تفتقد التطور المعيشي، وملكياتها الخاصة الصغيرة والمتوسطة تُحاصر من قبل الملكية العامة الناهبة، ويُضيّقُ عليها بشتى عمليات الاستغلال، لكنها تفتقد القوى السياسية والفكرية المعبرة عنها، ولهذا وهي تنتفضُ تشتغلُ وحدها، كعامةٍ بطوليةٍ تكرستْ فيها كلُ أدوارِ القيادة نزولاً للشارع وتوسيعاً لحضورها في كل المدن والقرى وتوجيهاً للعملية السياسية وإنتاجاً لأفكارِها عبر الشعارات البسيطة الوطنية والدينية المعبرة عن برنامج عام في جوهره لا يمثلُ سياسةً محددة وخطة طريق للخروج من أزمة النظام.
ولهذا نرى في مؤتمر أنطاليا بتركيا ذلك الطيف الواسع لقوى سياسية غدتْ شبحيةً، فهي ليست لها أجسام اجتماعية وسط الشعب، مثلما أن المؤتمر مهاجر، وهي ليست مثل المعارضة الليبية التي شكلتْ قيادةً انتقالية، وكرستْ نفسَها كنفي مؤسساتي للنظام.
النظام بإزالته للقوى السياسية المستقلة لم يبقِ جسوراً مع الشعب، فالحوارُ مستحيلٌ هنا، وتحطيم القوى السياسية العنيف جعله يواجه الشعب نفسه وجهاً لوجه، فلم يجد سوى الدبابات والمدافع والقناصة والأشباح ليكون هو السائد، لكن الأسلوب ذاته يوسع الثورة وينشرها فالدماء تستدعي الدماء. ولم تستطع القوى الشعبية البسيطة أن تخترق النظام وطبقته السائدة بموظفيها وقواها التابعة الصغيرة التي تجد أكبر حضورها في مدينتي دمشق وحلب، مثلما لم تستطع أن تخترق الجيش، ولهذا يبقى الصراعُ مفتوحاً على آفاق مجهولة حتى هذه اللحظة.

اللغةُ الدينيةُ ومخاطرُها على انتصارِ الثورة السورية
9/8/2011
الشعب السوري الجبار بتضحياته الجسيمة العظيمة يجب أن يُدعم بكلِ قوةٍ من قبل العالم المتفرج على ذبحه عبر آلة قتل النظام الشرسة.
وحسناً تحركت كلماتٌ واحتجاجات بعضِ الدول العربية وتصاعدتْ لغةُ الرفض العالمية.
لكن موضوعنا هنا شيءٌ آخر، وهو يتعلق بمشكلاتِ تطورِ الثورة نفسها، ومن المؤكد أن الجماهيرَ الشعبيةَ العادية هي قوةُ التضحيةِ الكبرى، وهي تتدفقُ في الشوارعِ بلحمِها الممزق، وبوعيها البسيط تصنعُ الحشودَ والكلمات والشعارات.
هذه لحظاتٌ مفصليةٌ تاريخيةٌ خطيرةُ يجب درس شعيراتِها، ونحن أمام لحظة تصادم وافتراق بين نظام زَعم الحداثة والعلمانية، وبين جماهير القرى والبوادي ومدن الكادحين الريفية والمدنية، وكلٌ منهما له وعيهُ الخاص، فالجماهيرُ لم تندمج بذلك الوعي التحديثي المبتور الناقص، حيث لا حداثةَ من دون ديمقراطية، كما أنه لا ديمقراطيةَ من دون حداثة.
وتصادمُ الجماهيرِ الشعبيةِ والنظام يجب ألا يغيبَ عنه، إيجابياتُ النظامِ الحداثي البعثي الشمولي هذا، كما يجب ألا تغيب سلبياتُ الجماهير ومستوى وعيها الراهن.
النظام الدكتاتوري الوحشي الراهن كانت له إيجابيات، لقد طوّرَ الحداثةَ والإصلاحَ الزراعي وأقام قطاعاً عاماً كبيراً وشكَّل بؤرةً قوميةً تحديثية نضالية في المنطقة، لكن القبضةَ الأمنيةَ العسكريةَ دهورتهُ وجعلتهُ يتآكل وقزمّتْ طبقتَهُ الحاكمةَ في بضعة لصوص كبار وفي عائلة.
فيجب ألا تكون الثورةُ نَسفاً ودَماراً بل تكملةً وإضافةً وتجاوزاً للسلبيات.
الرائعُ هنا هو عظمةُ الجماهير الشعبيةِ وهي تتمسكُ بالنضال السلمي، فيما هي تُذبح!
لكنها تخوضُ النضالَ من عاميتها ومن ريفها ومن باديتها، وأي مثقف حتى لو كان مغنياً تُشق حنجرته ويُلقى في السماد البشري.
ومن هنا فهي تناضلُ عبرَ وعيها الديني المُسيّسِ البسيط، لكن هذا الوعي الديني خطرٌ على الثورة ونجاحها، لأنه وعي لم يستطع أن يفهمَ الأوضاعَ الدقيقة، وتشكلَ من خلالِ جملٍ سياسية باترة خطرة.
مثل شعار(يَله أرحلْ يا بشار، الله معنا يا ثوار)، فهو يجعل الثورةَ ذات هدف شخصي، موجهة لفرد، وتقوم الجماهير هنا باحتكار للدين، وتجعل من نفسها في صف إلهي فيما تجعل الخصم في موقف شيطاني أو إلحادي!
هذا المستوى تجاوزه الوعي السوري المثقف، ولغة الجمهور النقدية الشخصية تجعل الفئات المثقفة والتجارية الواسعة خاصة في المدن الكبرى تُحجم عن تأييد الثورة لما ترى فيها من خطورة على التعددية والتقدم.
ويتوجه الجمهور كذلك لإسقاط (البعثية)، وهو تعميمٌ آخر لحزب كبير، مؤثر في الجيش والحياة السياسية الاقتصادية العامة، والجمهور بلا قوى عسكرية مساندة، فيريدُ إلغاءَ رئيس دولة وحزب وكأنه ينسخُ التجربةَ المصرية التي لها مسار آخر، والجيش هناك ذو علاقة بالغرب تسليحاً وتدريباً وتأثيراً، فيما الجيش السوري مشبع بدكتاتورية حزبية طويلة، من هنا فإن شعارات ديمقراطية أكثر مقاربة تغدو ضرورية، شعارات تركز في إزالة الدكتاتورية، وقيام مجتمع ديمقراطي وطني متقدم، من دون الهجوم على الحزب، تاركة سبل تنفيذ ذلك من قبل جهات عدة تتكاثر أفضل مما تنحصر وتتآكل مع عظم التضحيات وطول المواجهة.
ولهذا فإن شعار (إسقاط النظام) يقف هو الآخر صعباً إن لم يكن مستحيلاً، كما أنه يعبر عن تصادم قوتي التحديث الشمولي والجمهور العامي، من دون حل وسط، فإمكانية السقوط صعبة، وما بعد السقوط غامض ومحفوف بالمخاطر.
ويعبر ذلك عن قوة العامة وتضحياتها الجسيمة في الأرياف خاصة، لكنها لا تستطيع أن تتقدمَ إلى المستقبل من دون (الطبقة) الوسطى المدنية المؤثرة في الدولة والجيش والأمن والاقتصاد، وهو أمرٌ يتضحُ في إحجام المدينتين الكبريين دمشق وحلب عن المشاركة في الثورة باندفاع واسع مؤثر.
إن الشعارات تعبر عن وعي شعبي ديني عادي لم يتغلغل لفهم الصعاب الكبرى التي تواجهه والمستقبل المنتظر من خلال كلماته ونضاله.
إن غيابَ الاستراتجية السياسية هو من مسئولية المثقفين الفاعلين في الأحداث، الذين يعيش كثيرٌ منهم في حالة عداء كلية للتجربة الحكومية الراهنة، بدلاً من رؤيتها كمرحلة، وكنظام ذي إنجازات مهمة، ينبغي تجاوز سلبياتها في مسائل الحكم الشمولي، والعنف، وهو أمرٌ سيكون رسالة للكثير من قوى الفئات المتوسطة المدنية والعسكرية للالتحاق بالثورة وإخراج سوريا من مذابحها الراهنة، والانتقال لمرحلة جديدة مكملة ومطورة للسابق، مع عقاب القوى المفسدة والمنتهكة لحقوق الإنسان.
وكانت هذه المشكلة من نصيب الثورة المصرية كذلك التي دخلت التحول نفسه بشكل عفوي من دون استراتيجية سياسية تجاه النظام ومؤسساته الاقتصادية والسياسية ودستوره وقوانينه، فدخلت في تجريب وغموض تصادمي طويل وأوجدتْ أعداءً لم يكونوا أعداء ودخلت في صراعات جانبية تاركة النظام الاقتصادي يتعثر ويفقد الناس أرزاقهم.

المقالات العامة

  1. جذور الرأسمالية عند_العرب
  2. عبدالله_خليفة #القرامطة .. الجذور التاريخية
  3. عبدالله_خليفة : كائنات مستأنسة
  4. عبدالله_خليفة : ما هو حبل الله؟
  5. عبدالله_خليفة : إنساننا البسيط المتواضع
  6. عبدالله_خليفة : إيران بين الحصارِ والتراث
  7. عبدالله_خليفة : الدولةُ والدكتاتوريةُ الروسية
  8. عبدالله_خليفة : الرقص ودلالاته الاجتماعية
  9. عبدالله_خليفة : حلقي مليءٌ بالنارِ على وطني
  10. عبدالله_خليفة وداعاً صديق الياسمين
  11. عبدالله_خليفة وطنيون لا طائفيين
  12. عبدالله_خليفة إعادة إنتاج العفاريت
  13. عبدالله_خليفة الماركسية الأديان
  14. عبدالله_خليفة الإنتاجُ الفكري وضياعُهُ
  15. عبدالله_خليفة الانتهازيون والفوضويون
  16. عبدالله_خليفة تلاقي المستغِلين فوقَ التضاريس
  17. عبدالله_خليفة عدم التطور الفكري وأسبابه
  18. عبدالله_خليفة: تطورات الرأسمالية الحكومية الروسية
  19. (علمية) فيورباخ وتوابعهُ
  20. ‏‏‏‏‏‏مكونان لا يلتقيان
  21. ‏‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أفــق ـ مقالات 2008
  22. ‏‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة: قراءة جديدة لظاهرات الوعي العربي
  23. ‏‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة: بلزاك: الروايةُ والثورةُ
  24. ‏‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تنوير وتحديث نجيب محفوظ
  25. ‏‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة: دوستويفسكي: الروايةُ والاضطهادُ
  26. ‏‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة: صراع الطوائف أم صراع الطبقات؟
  27. 𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙
  28. في الأزمة الفكرية التقدمية: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
  29. قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي
  30. قد بيان الحداثة لــ أدونيس
  31. قصة الأطفال عند إبراهيم بشمي
  32. قصص من دلمون
  33. كتاب ايديولوجي لعبدالله خليفة
  34. كريستين هانا
  35. لينين في محكمةِ التاريخ
  36. لينين ومغامرة الاشتراكية
  37. من أفكار الجاحظ الاجتماعية والفلسفية
  38. من ذكرتنا الوطنية عبدالله خليفة
  39. موقع عبـــــــدالله خلــــــــيفة على You Tube
  40. ماجستير الأدب البحريني ـ آثار عبدالله خليفة
  41. ماركس الرمزي وشبحية دريدا
  42. مبارك الخاطر: الباحث الأمين المسؤول عن بقاء الضوء في الماضي
  43. محمود أمين العالم والتغيير
  44. محمد أمين محمدي : كتب – عبدالله خليفة
  45. مراجعة للعنف الديني
  46. مراجعةٌ للعنفِ الديني
  47. مستويات السرد .. الدلالة والسياق عبـــــــدالله خلــــــــيفة
  48. مسرحية وطن الطائر
  49. مسرحية الأطفال عند علي الشرقاوي
  50. نموذجانِ مأزومان
  51. نحن حبات البذار
  52. نحن حبات البذار عبدالله خليفة
  53. هل حقاَ رحل صاحب القلب الأبيض؟
  54. وهي قد تكسرُ البشرَ وخاصة المبدعين والمثقفين!
  55. وعي محمود إسماعيل
  56. وعي الظاهر والباطن
  57. وعبادةُ النصوص
  58. يوسف يتيم : دراسة تطبيقية لرواية الجذوة على ضوء المنهج الواقعي
  59. يحيى حقي: كتب – عبدالله خليفة
  60. أيوب الإنسان: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
  61. أخوان الصفا
  62. أدب السجون: إجابة على أسئلة جريدة الوطن
  63. أدب الطفل في البحرين
  64. أزمة اليسار
  65. أسلوب القصة عند الجاحظ في (البخلاء)
  66. أسلوب الإنتاج الكولونيالي أو رأس المال الحـكومـي الشـــــــــرقي
  67. أسباب الانتهازية في اليسار
  68. إنتاجُ وعيٍ نفعي مُسيَّس
  69. إحترام تاريخ اليسار – كتب: عبدالله خليفة
  70. الفكرة ونارها: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
  71. القائد والمناضل عبـــــــدالله خلـــــيفة ‏‏‏‏‏‏ مفكراً وأديباً وروائياً بحرانياً
  72. الكلمة من أجل الإنسان
  73. الليبرالية في البحرين
  74. المفكر اللبناني كريم مروة
  75. المنبتون من الثقافة الوطنية
  76. المذاهب الإسلامية والتغيير كتب: عبـدالله خلــيفة
  77. المرأة والإسلام
  78. الولادة العسيرة لليسار الديمقراطي الشرقي
  79. الوعي والمادة
  80. الوعي الجدلي في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري
  81. اليسار في البحرين
  82. اليسار في البحرين والانتهازية
  83. اليسار والميراث الديني
  84. اليسار البحريني يخسر «عفيفه الأخضر»
  85. الأعمال الصحفية الكاملة. أفـــــق، 2024
  86. الإسلام السياسي كمصطلح غربي
  87. الانتهازية الفكرية عبـــــــدالله خلــــــــيفة
  88. الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الاسلامية.
  89. البطل الشعبي بين الماضي والحاضر
  90. التحرير تبقى عاليا ومضية كتب عبدالله خليفة
  91. التضحوي والاستغلالي
  92. التطور الفلسفي العربي الحديث المبكر .. عبــدالله خلــيفة
  93. الحدثُ الأوكراني ودلالاتُهُ الديمقراطية
  94. الحربائيون
  95. الرواية الخليجية لم تتجذر في الأرض بعد
  96. السودان بحاجة إلى الديمقراطية والسلام
  97. الساقطون واللاقطون ــ كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة
  98. الصحراويون والزرع
  99. الطبقة العاملة الهندية في البحرين
  100. العناصر الفكرية في الشيوعية العربية
  101. انتصار للطبقة العاملة في العالم بتنصيب الرئيس لولا دي سيلفا رئيسا للبرازيل
  102. اتحاد الكتاب العرب في سورية| ينعي الأديب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏
  103. بيع كتب ومؤلفات عبـــــــدالله خلــــــــيفة
  104. تكويناتُ الطبقةِ العاملةِ البحرينية : عبـــــــدالله خلــــــــيفة
  105. تناقضات الماركسية – اللينينية
  106. تآكل التحديثيين ونتائجه
  107. تجاوز الشللية والقرابية ــ كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
  108. تحدياتُ الحداثة في الوعي الديني
  109. تحدياتُ العلمانية البحرينية
  110. تداخلات جبهة التحرير والمنبر الديمقراطي – كتب: عبدالله خليفة
  111. تعريف العلمانية
  112. تعريف العلمانية عبدالله خليفة
  113. ثقافة الانتهازية: كتب – عبـــــــدالله خلــــــــيفة
  114. جمعية التجديد الإسلامية
  115. جورج لوكاش … تحطيم العقل !
  116. جبهة التحرير الوطني البحرينية باقية والمنبر التقدمي شكلٌ مؤقت وعابر
  117. جذور الرأسمالية عند العرب
  118. حكمٌ دستوري وإلهٌ عادلٌ
  119. حوار مع الكاتب عبدالله خليفة: المؤلف الجيّد عاجز عن الوصول الى الناس
  120. حوار مع عبدالله خليفة
  121. حوار المفكر العلماني صادق جلال العظم
  122. رفاق الطريق
  123. رفعت السعيد والسرد السياسي
  124. روسيا ودعم الدكتاتوريات
  125. روسيا الدكتاتورية
  126. رأس المـــال الحـكومــــي الشـــرقي ــ أو أسلوب الإنتاج الكولونيالي
  127. سردية الانكسار والانتصار في رواية  «التماثيل»: عبدالله خليفة
  128. صراع الطوائف والطبقات في فلسطين : كتب-عبدالله خليفة
  129. ضيعة الكتب ضيعة كبيرة. أصدقاء الكاتب لا يعرفون عناوين كتبه.
  130. طفوليةُ الكلمةِ الحارقة
  131. طفوليةُ الكلمةِ الحارقة : عبدالله خليفة
  132. ظهور المادية الجدلية: كتب- عبدالله خليفة
  133. علي الشرقاوي
  134. عودةُ الحداثيين لطوائفهم
  135. عبـــــــدالله خلــــــــيفة
  136. عبـــــــدالله خلــــــــيفة .. الفكرُ المصري ودورُهُ التاريخي
  137. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : «الكلمة من أجل الإنسان»
  138. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : في الأزمة الفكرية التقدمية
  139. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : فيلم الشاب كارل ماركس
  140. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : فالح عبدالجبار
  141. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : فصيلٌ جديدٌ لا يعترفُ بالحداثة وقوانينها
  142. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : قانون الإنتاج المطلق
  143. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كلمة من أجل الكاتب
  144. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب أدبيات النضال
  145. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : لماذا يموتُ الشعرُ؟!
  146. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : لولا تخاذل الحداثيين ما جاء الطائفيون
  147. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : لويس أرمسترونغ ــ موسيقى الحياة الوردية
  148. عبدالله خليفة: ملاحظات حول مجموعة ــ الفراشات لأمين صالح
  149. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : من أفكار الجاحظ الاجتماعية والفلسفية
  150. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : من ذاكرتنا الوطنية
  151. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : منعطفٌ تاريخي للعرب ‏‏
  152. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : ميراث شمولي
  153. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : نقادٌ مذعورون
  154. عبدالله خليفة: نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية
  155. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : نضال النساء في البحرين
  156. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : و(الفولاذ) بعناه!
  157. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : وردة الشهيد
  158. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفـــق ـ مقالات 2010
  159. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أن تكتب الأدب في السجن
  160. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أسباب تمكن الحركات الطائفية من الاختراق
  161. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أشكال الوعي في البنية العربية التقليدية
  162. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : إنّهُ المثقفُ العضوي!
  163. عبدالله خليفة: إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في ساعة ظهور الأرواح
  164. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الفقه والدكتاتورية المنزلية
  165. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الفنون في الأديان
  166. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : القصة القصيرة الطلقة
  167. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الكلمة من أجل الإنسان ــ كارل ماركس
  168. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الكائنُ الذي فقدَ ذاته
  169. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الكتابة وظروفها إجابة على أسئلة
  170. عبدالله خليفة: المناضل والأديب والإنسان ــ تقديم المحامي عبدالوهاب أمين
  171. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : المنبتون من الثقافة الوطنية
  172. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : المثقفون العاميون
  173. عبدالله خلـيفة : المجموعة القصصية ــ ضــــوء المعتــــــــزلة
  174. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : المرأة بين السلبية والمبادرة
  175. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : النساء وضعف الخبرة السياسية
  176. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : اليهودُ من التراث إلى الواقع
  177. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : اليسارُ الديمقراطي واليسارُ المغامر
  178. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الأفكار والتقدم
  179. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الأديان والماركسية
  180. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الإصلاحيون الإيرانيون
  181. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : البنية والوعي
  182. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : البناء الفلسفي في أولاد حارتنا
  183. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : البرجوازية والثقافة
  184. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : التفككُ الثقافي
  185. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : التبعية للدينيين
  186. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الثقافة والمثقفون البحرينيون
  187. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الثلاثة الكبار
  188. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الثورية الزائفة لمحطة الجزيرة
  189. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الحداثة مشروعان فقط
  190. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الدكتور عبدالهادي خلف مناضل أم ساحر؟
  191. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الدين والفلسفة عند ابن رشد
  192. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الرموزُ الدينيةُ والأساطير
  193. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الرهان على القلم
  194. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي
  195. عبـــــــدالله خلــــــيفة: الساقطون واللاقطون ــ المنبر اللاتقدمي مثالاً
  196. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الشاعر الكبير يوسف حسن و زهرة الغسق
  197. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العقل والحريــــــــــــة
  198. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العلوم والإنتاج والفلسفة
  199. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العمل والعمال والمصنع
  200. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العناصر الفكرية في الشيوعية العربية
  201. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العائلة والديمقراطية
  202. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تنوير نجيب محفوظ
  203. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تآكل الماركسية أم الماركسيين؟
  204. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تآكلُ الماركسيةِ في البحرين
  205. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تسلقُ البرجوازية الصغيرةِ الديني
  206. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تطورٌ حديثٌ حقيقي
  207. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تعدد الزوجات والحرية
  208. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : ثقافةُ الديمقراطيةِ المتكسرة
  209. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : جورج لوكاش وتحطيم العقل
  210. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة
  211. عبـــــــدالله خلــــــــيفة : حكاية أديب
  212. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: خفوتُ الملاحم
  213. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: رموز الأرض
  214. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: روحُ الأمة!
  215. : رأس المال الحكومي الشرقي – الطبقة العاملة في البحرين
  216. عبدالله خليفة : شقة راس رمان التي عاش فيها 21 عاماً وتوفى فيها.
  217. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: صراع الطوائف والطبقات في فلسطين
  218. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: ظهور المادية الجدلية
  219. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: علم الحشرات السياسية
  220. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: عن الديمقراطية
  221. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: عالم قاسم حداد الشـعري
  222. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: عبادةُ الشخوص
  223. عبـــــــدالله خلــــــــيفة كيف تلاشتْ النصوصُ الحكيمة؟
  224. عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
  225. عبـدالله خلـــيفة الأعمال الكاملة القصصية والرواية والتاريخ والنقدية
  226. عبـــــــدالله خلــــــــيفة السيرة الذاتية
  227. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي
  228. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: كلنا إسلام سياسي!
  229. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: لينين في محكمةِ التاريخ
  230. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أفكار سياسية دينية
  231. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: ألفُ ليلةٍ وليلة . . السيرة السحرية
  232. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أغلفة الكتب
  233. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: النظر بموضوعية في تاريخ الإنسان
  234. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الوعي الديني والبنية الاجتماعية
  235. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الأيديولوجيات العربية والعلم
  236. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الأزمة العقلية للثورة
  237. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الانتماءُ والغربةُ
  238. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الباحث عن أفق تنويري عربي
  239. عبـدالله خليفة: البحرين جزيرةُ الحريةِ الغامضةِ في العصر القديم
  240. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الخيال والواقع في الأديان
  241. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الرمزيةُ وأهميتُها
  242. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: العصبيةُ والعمرانُ
  243. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: بؤرةُ الوهمِ قديماً وحديثاً
  244. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: بروليتاريا رثةٌ: برجوازيةٌ ضعيفة
  245. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تفتيتُ المكونات
  246. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تبعية العلمانيين للدينيين ــ جذورها ونتائجها
  247. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تحليلٌ لكلامٍ مغامر
  248. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تحديث نجيب محفوظ
  249. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تدهور مكانة المرأة واتساع الرقيق
  250. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تركيب حضاري
  251. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تطور الوعي الديني في المشرق القديم
  252. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: ثرثرةُ الوعيِّ اليومي
  253. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: حريات النساء مقياس للديمقراطية
  254. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: دعْ الإنسانَ حراً
  255. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: رؤيتان للدين
  256. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: سبينوزا والعقل
  257. عبـــــــدالله خلــــــــيفة: سذاجةٌ سياسيةٌ
  258. عبـــــــدالله خلــــــــيفة(تفتيتُ المكونات)
  259. عبـــــــدالله خلـــــــيفة : مسيرة نوال السعداوي
  260. عبـــــدالله خلــــــــيفة : اليسارُ والتكويناتُ الاجتماعية الدينية
  261. عبــداللـه خلـــــيفة . . الأقلف والبحث عن الذات
  262. عبــدالله خلـــــيفة .. مقاربة الشعر الجاهلي
  263. عبــدالله خلـــــيفة : قراءة لــ طه حسين
  264. عبــدالله خلـــــيفة : قراءة لـــ إسماعيل مظهر 
  265. عبــدالله خلـــــيفة : وعي النهضة لدى الطهطاوي
  266. عبــدالله خلـــــيفة : وعي النهضة عند سلامة موسى
  267. عبــدالله خلـــــيفة: إبراهيم العُريّض ــ الشعر وقضيته
  268. عبــدالله خلـــــيفة: المثقف العربي بين الحرية والاستبداد
  269. عبـدالله خلــيفة: عرضٌ ونقدٌ عن أعماله
  270. عبد الله خليفة: كانت الكلمات عاجزة عن البوح
  271. عبدالله خليفة
  272. عبدالله خليفة «الساعةُ آتيةٌ لا ريبَ فيها»
  273. عبدالله خليفة.. كي لا يُدفن مرتين !
  274. عبدالله خليفة : وحدة الماضي والمستقبل
  275. عبدالله خليفة : الاشتراكية والمستقبل
  276. عبدالله خليفة : البحرين في بدء التحديث
  277. عبدالله خليفة : التنوير الاجتماعي عند فرح أنطون
  278. عبدالله خليفة : التنوير الرومانتيكي عند جبران خليل جبران
  279. عبدالله خليفة : العقل والديمقراطية في وعي جورج طرابيشي
  280. عبدالله خليفة : بوخارين ومصير روسيا
  281. عبدالله خليفة : تنوير لويس عوض
  282. عبدالله خليفة : تنوير يعقوب صروف
  283. عبدالله خليفة : صراع اليسار واليمين في الإسلام
  284. عبدالله خليفة : صراع الطوائف أم صراع الطبقات؟
  285. عبدالله خليفة – الأعمال القصصية
  286. عبدالله خليفة – الأعمال القصصية – المجلد السابع
  287. عبدالله خليفة – الأعمال النقدية – المجلد الثامن
  288. عبدالله خليفة – الأعمال التاريخية
  289. عبدالله خليفة – الأعمال الروائية – المجلد السادس
  290. عبدالله خليفة قبل رحيله: المحن مؤذيةٌ وصعبة
  291. عبدالله خليفة كل الأشجار
  292. عبدالله خليفة من أجل الشعب اولا
  293. عبدالله خليفة نفعية في الكتابة
  294. عبدالله خليفة وقضية المرأة في الرواية الخليجية
  295. عبدالله خليفة يكتب عن نجيب محفوظ
  296. عبدالله خليفة أحد أهم الكتاب المخلصين لتجربتهم الفكرية
  297. عبدالله خليفة أزمة اليسار
  298. عبدالله خليفة إشكالية البحر والواقع
  299. عبدالله خليفة المخادعون
  300. عبدالله خليفة الوعيُّ القرآني قفزةٌ نوعي
  301. عبدالله خليفة الأعمال الكاملة
  302. عبدالله خليفة الأعمال الكاملة الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية
  303. عبدالله خليفة الأعمال النقدية الكاملة
  304. عبدالله خليفة الأعمال الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية الكاملة
  305. عبدالله خليفة الإسلامُ ثورةُ التجار
  306. عبدالله خليفة الجمهورُ و(الغوغاء)
  307. عبدالله خليفة الحلال والحرام في السياسة الراهنة
  308. عبدالله خليفة الرعب من الحب
  309. عبدالله خليفة السحر والدين
  310. عبدالله خليفة العقل والحرية
  311. عبدالله خليفة اسكرايب
  312. عبدالله خليفة جريدة النور
  313. عبدالله خليفة رائد الثقافة التنويرية البحرينية
  314. عبدالله خليفة عن المرأة
  315. عبدالله خليفة.. تحطيم الصورة وتكوينها
  316. عبدالله خليفة… حياته
  317. عبدالله خليفة: في التطورِ العربي العام
  318. عبدالله خليفة: فائض القيمة البحريني
  319. عبدالله خليفة: القحط في زمن النفط
  320. عبدالله خليفة: المسكراتُ وأحوالُ السياسة
  321. عبدالله خليفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
  322. عبدالله خليفة: الوعيُّ العربيُّ وتطوراته
  323. عبدالله خليفة: العربُ ونقدُ الواقع
  324. عبدالله خليفة: تنوير تقي البحارنة
  325. عبدالله خليفة: تنوير حسن الجشي
  326. عبدالله خليفة: تناقضات الوعي العربي تاريخياً
  327. عبدالله خليفة: تباين طرقِ التطور العربية
  328. عبدالله خليفة: شيعةُ العربِ ليسوا صفويين
  329. عبدالله خليفة: صراعاتُ الوعي العربي تاريخياً
  330. عبدالله خليفة: ضعفُ العقلِ النقدي
  331. عبدالله خليفة: فائض القيمة والاقتصاد السبعيني
  332. عبدالله خليفة: عبيب «مأكول خيره»..!
  333. عبدالله خليفة: عبدالناصر كإقطاعي
  334. عبدالله_خليفة الثلاثة الكبار
  335. عبدالرحمن بدوي
  • General articles