≣ الأتراك يتحدثون
25-1-2003
≣ العلمانية الإسلامية التركية
26-7-2007
≣ العلمانية التركية والسنة والحداثة
29 اكتوبر 2008
≣ العَلمانية التركية والسلام والتقدم
13 فبراير 2009
≣ هذا أبوالأتراك فأين أبو العربِ؟
2010/12/17
≣ التحولات السياسية في تركيا
2010/1/31
≣ تركيا مستقبلٌ مرئي للمسلمين
2010/6/4
≣ تركيا بين المبادئ والمصالح
2010/7/16
≣ تركيا والتحولات العربية
10/5/2011
≣ توازناتُ الحداثةِ التركية
18/6/2011
≣ انفصامُ تركيا الاجتماعي
20/8/2013
≣ تركيا الحداثة
6/4/2014
≣ صراع الرساميل في تركيا
25/8/2014
≣ هجمةٌ ثقافيةٌ تركية
29/8/2014
≣ أردوغان والخداع السياسي
2014/9/14
الأتراك يتحدثون
25-1-2003
تعبر العاصمة السابقة (اسطنبول) عن المكانة التي وصلت إليها عملية التحديث التركية، فهذه العاصمة هائلة بمقاييس المدن المعاصرة، ويقول مرشد سياحي تركي إنها تحتوي على ثمانية عشر مليونا من البشر، وان الآطفال وحدهم يبلغون مليونين.
وإذ تنقسم المدينة إلى قسمين أوروبي وآسيوي فإنها اجتماعيأ تتحول إلى مدينة أوروبية كاملة، فالنظام يسود ودقة وسائل المواصلات الحديثة والشبكة الواسعة منها، والانتشار الكثيف للعمل والتجارة والحريات والمرأة، يخبرك بأن تركيا في عاصمتها تحديدأ بدأت تودع عالم العصور الوسطى ومرحلة الانتقال متجهة إلى الحداثة بخطى قوية ثابتة.
إن وجود العمالة التركية المدربة في كل مكان، وصعود النساء الواسع في مختلف جوانبه، يعبر عن هذه الحداثة التي تغلغلت في الآوساط الشعبية، رغم ضعف المداخيل وضخامة البطالة، لكن هذه العمالة الواسعة المنوعة هي التي تقف العاصمة عليها.
إن اتجاه تركيا المستمر نحو الحداثة لم يلغ جذورها الفكرية الإسلامية، بل هي تحاول أن تجمع بينه وبين التحديث العميق والواسع وقيم النهضة الأوروبية، وقد كانت الأحزاب البرجوازنة الجديدة هي الأكثر اقترابأ من هذه الصيغة، خلافاً للأحزاب التطرف الدينية والعلمانية.
أحزاب التطرف الدينية تنادي بالثورة المسلحة على النظام العلماني في حين تتوجه الأحزاب العلمانية المتطرفة إلى إلغاء الإرث الإسلامي. وبين الجانبين ظهرت الأحزاب المعبرة عن الطبقة الوسطى بشرائحها الجديدة والتي حاولت التوفيق بين الجانبين المتضادين الكبيرين، ويبدأ قوسها باتجاهات محافظة ترتكز على مؤسسات الاوقاف في تركيا، والتي لم تذب بعد كليأ في دورة رأس المال وفي العلاقات الاجتماعية. ويعتبر ذلك من المداخيل المهمة لهذا القطاع الذي يحافظ على جزء من العلاقات التقليدية القديمة، وبالتالي تغدو مفاهيمه الدينية متسامحة لكنها بعد لم تصل إلى فهم التحديث العلماني.
أما الاتجاه الذي انتصر في تركيا فهو اتجاه اردوغان، وهو معبر عن هذه الشرائح الجديدة من الطبقة المتوسطة، وهو الاتجاه الذي استطاع الجمع بين قيم الماضي وتطلعات الحاضر بصورة مرنة، وشعاره هو (الإسلام والعلمانية والحداثة)، وحين كان في رئاسة البلدية اتهم بإرساء المناقصات على شركة المقاولات الإسلامية، وهذا يعبر عن الطبيعة الاجتماعية لهذه المجموعة السياسية، ونوعية هذه الشرائح التي تحاول وراثة تركة البرجوازية العلمانة السابقة.
وليست لديهم رؤية عميقة للتطور التاريخي الإسلامي والتركى المعاصر بقدر ما تغدو العملية توظيفاً لبعض جوانب الدين والعلاقات الاجتماعية التقليدية من أجل الوصول إلى كراسي الحكم والثروة، ولهذا فإن اردوغان بدأ حملته بالدعوة الى توزيع الثروة وإقامة عدالة اجتماعية، ولكن حين جاء حزبه إلى السلطة تغير البرنامج وصار متواضعاً جدأ، واقتصر على توفير الخدمات الصحية وإصلاح نظام التعليم وتحقيق الضمان الاجتماعي.
ولاشك ان الجمهور التركي سيكتشف الطابع الاجتماعي لهذا الحزب، وتصعيده لشرائح جديدة من رجال الأعمال، وستظل العلاقة مستمرة مع الغرب والولايات المتحدة خاصة، بل إن التيار الجديد كان متحمساً لدخول الوحدة الأوروبية.
هذا يوضح دور, المصالح الكبيرة والمؤثرة والتي تشكلت وقادت تركيا المعاصرة، والتي أخذت بالاقتصاد الحديث ولكنها أيضا بدأت تعيد تشكيل الإرث الديني بما يتلاءم مع تطوراتها وعلاقاتها الدولية والمناطقية.
إن هذا الاتجاه الوسطي التحديثي الديني سيكشف عن محتواه الاجتماعي وينحاز بطبيعة الحال إلى المؤسسات المالية الكبرى وأصحاب النفوذ، أما الوعود للفقراء والعدالة فسرعان ما تنسى.
العلمانية الإسلامية التركية
26-7-2007
استطاع حزب العدالة والتنمية أن يحقق انتصاراً في الانتخابات التركية الأخيرة، ويثبت أنه حزب مرن وديمقراطي وتحديثي وإسلامي كذلك!
إن وضع حد لعلمانية كمال أتاتورك العسكرية تتم من خلال النضال الديمقراطي التوحيدي بين الإسلام والحداثة، وليس من خلال الحرب بينهما، وهذه مسألة بالغة الدقة والتعقيد ولكن العديد من المثقفين والمتابعين يأخذونها بتسطيح شديد!
لقد قامت علمانية كمال أتاتورك على الاستيراد من الغرب، فحددت بعض الثوابت التي لا يجوز تخطيها كأبعاد الدين عن السياسة وعدم تشكيل أحزاب دينية، وتشكيل أحزاب مدنية، وخلق حريات مدنية هامة، وهذه أمور جوهرية في العلمانية الحديثة في العالم أجمع، لكن لا يعني ذلك أن يتخلى المسلمون الأتراك عن تقاليدهم الدينية، وعن تاريخهم، ويغدون ممسوخين!
إن هذه هي علمانية على طريقة العسكر الكبار الأتراك وقتذاك، والذين أرادوا أن تكون تركيا قطعة من أوربا، وذلك شيء جيد لكن بدون مسخ لحياة الأتراك وتقاليدهم، فهذه التقاليد العريقة لا يمكن أن يصدر قرار بشأنها من قبل الجنرال الوطني الكلي القدرة أتاتورك!
فهذه مسألة ترجع للشعب وقواه الدينية والسياسية، التي تقوم بمراجعة هذه التقاليد عبر السنوات، فتمزج بين الحداثة وجذورها، بأن يغير الرجالُ معاملاتهم لزوجاتهم وأسرهم، وبأن يقوم علماء الدين بدرس التراث على ضوء عصرنا، ويلائموا بين الأحكام الفقهية والتطورات المعاصرة، وأن يهتموا بتقدم الأمة دون أن تنسلخ من تميزها بين الأمم، وبأن يعيدوا النظر في فكر المسلمين الشفاهي والكتابي في العديد من جوانبه والتغيرات العلمية العاصفة، حتى لا تحدث شروخ رهيبة بين الأجيال الجديدة وتراثها وبين العصر التي تعيش فيه.
لقد أسست علمانية أتاتورك بعض القواعد الهامة لكنها كانت اقتلاعية ولديها تصور بأن اجتثتاث الإسلام هو العلمانية والتحديث الغربي، لكن هذه العلمانية العسكرية أصطدمت بصمود التقاليد الإسلامية، كما أن أحزاباً للطبقة الوسطى راحت تجمع بين الحداثة وبين تلك الجذور المُراد اقتلاعها، وتعترف بالقوميات المختلفة، وتخفف من هذه التبعية والذوبان في الغرب!
وفيما كانت أحزاب العلمانية العسكرية التغريبية تلتحم بالهياكل الحكومية النائية عن الجمهور الواسع، راحت أحزاب التحديث الديمقراطي الإسلامي تعبر عن حاجات ومشكلات هذا الجمهور الواسع وتقدم حلولاً لها، مما جعلها تتقدم على تلك الأحزاب ذات الأشكال العلماينة الخارجية والمرتبطة بأجهزة الدولة والتي نأت بنفسها عن الشعب وتقالده وقضاياه.
لدينا هنا تقدم لعلمانية الطبقة الوسطى المتصلة بالجمهور، فهي لا تعترف بالمذهبيات السياسية كشكل وحيد للتنظيم السياسي، بل تشكل إسلامية الحزب ووطنيته، استناداً إلى مبادئ نهوضية إسلامية تتعلق بالتاريخ التركي، وهو اقتراب من جوهر الثورة الإسلامية التأسيسية التي اقامت التعاون النهضوي بين التجار والفقراء، لكن الآن يأتي ذلك على ضوء الاستفادة من الانجازات الغربية الديمقراطية، حيث لا توظيف للدين في السياسة، ولا تفكيك لنسيج البلد القومي، وإعطاء الإسلام كذلك دوره الاجتماعي في الحياة الشعبية بدون قهر!
إن أحكام الفقه لتتطور وتلائم الظروف المستجدة تحتاج لعلماء، فلا بد أن تنفصل عن لعبة التسييس، واستخدامها من قبل الزعماء للحصول على الكراسي، وإذا كانت لدى هؤلاء برامج سياسية مفيدة وتحقق إصلاحات لوضع الناس المعيشي فليتقدموا بها، وليكسبوا الكراسي السياسية وليحققوا هذه التغيرات.
وهكذا يصبح الفقه بمسار والسياسة العامة البرلمانية بمسار آخر، فلا تقوم السياسة العامة بدهس إيمان الناس وتقاليدهم، ولا يقوم رجال الدين بدهس تطور الحياة العصرية وحرياتها.
والاحتكاك والصراع بين الجانبين وارد وصعب ويحتاج إلى زمن طويل لكي يحدث تعايش صحي بينهما، فلا بد من الصبر هنا، ورؤية هذين المسارين بحيث تواجه الأمة محن التخلف والتبعية دون أن تفرط في دينها كذلك!
العلمانية التركية والسنة والحداثة
29 اكتوبر 2008
ليست العلمانية الإسلامية التركية الوطنية سوى محاولة أولى للمسلمين للخروج من استغلال الإسلام لمصالح القوى المحافظة. فالذكور لا يريدون أن تتحرر المرأة وتتسع حقوقها مثلما فعل أجدادهم المحافظون في كبت وحرمان النساء. والطبقات الغنية تجد في الدين غموضا سياسيا اجتماعيا تستطيع أن تتلاعب من خلاله بمصالح الشعوب والعاملين. والحداثيون درجوا من جهة معاكسة على ذم الإسلام واحتقار تاريخ المسلمين، وتعميم صفات الطبقات الغنية التي تحكمت في إنتاج نسخ الدين المشوهة واعتبارها هي الإسلام.
لكن تاريخنا التحديثي العروبي الإسلامي الإنساني يجب أن يخرج من هذه القيود، ويحتاج إلى جهود فكرية وسياسية مبدعة، لن تأتي بسهولة نظراً لتباين المواقع وتعدد مستويات الفهم وتناقض المصالح المؤقتة غالباً. وقد مثلت التجربة التركية قفزة نحو ذلك، لأسباب تاريخية جعلت من تركيا مثل هذه البؤرة التجريبية لعالم المسلمين.
كان المذهب الحنفي من أكثر مذاهب أهل السنة تحرراً وعقلانية، ولكن القبائل البدوية التركية التي اعتنقت هذا المذهب في غابر الأيام لم تفهمه بشكل دقيق، ولا يعود الأمر سوى لتحكم الأمراء وفرضهم تبني المذهب، من دون ثقافة كبيرة في ذلك الزمن.
ولعل من أهم الأسباب في ذلك أن أصول الإمام أبي حنيفة النعمان كانت تركية.
لكن هذا التبني كانت له نتائجه المفيدة على الشعب التركي في العصر الحديث، فهذا الشعب البدوي المترحل استقر في أرض كبيرة، وكون امبراطورية كبيرة، واستفاد من غنائم الأمم في تشكيل مدنه، واقترب من أوروبا التي كانت متخلفة وراحت تتطور وتؤثر في الشعب التركي وتحدثه، مرة بانتزاع مستعمراته، ومرة بفرض الحداثة عليه.
لقد استفاد الاتراكُ من تبني المذهب الحنفي الذي يُقام على الاجتهاد من دون الخروج عن الأصول، وبإعطاء العقل مكانته الكبيرة في فهم الإسلام ومقاربته للعصور وللتقدم.
لقد كان الفقهاء الحنفيون مثالاً لتكوين الفرضيات وقراءة المستقبل ومحاولة تطوير النصوص الدينية لحاجات مسلمي اليوم، فكان تقدم المسلمين يقع في بؤرة اهتمامهم، فقد فهموا أن النص في خدمة البشر وليس أن البشر في خدمة النص.
وهذه بداية فهم كبيرة لكون الإسلام ثورة «نهضوية» لكنها جرت بين سكان متخلفين، فكان عليه أن يراعي ظروفهم، ولا يتجاوز قدراتهم، ولكن هؤلاء الناس راحوا يتطورون وعجز فقهاء كثيرون عن اللحاق بهذا التطور، في حين إن الفقه الحنفي أحس بهذا المضمون المتواري من دون أن يصل إليه، بسبب ان منهجية الفقهاء حينذاك تركز في الفقه الجزئي وليس الفقه الكلي، فقه التغيير الشامل، ومع هذا فقد كان هذا الفقه الجزئي المرن في تلك العصور مهما.
وقد أحس الاتراكُ وهم يرتفعون في تاريخهم إلى ذروةِ الصراعات التاريخية العالمية الكبرى في العصر الحديث بأهمية تطور المذهبية نحو أفق العصر، ولم تأتِ إليهم هذه المعرفة العفوية إلا من تجارب مريرة مثل هدم الامبراطورية العثمانية، واستعمار الشعوب الإسلامية، وإلغاء الخلافة، واحتلال بلادهم، وتحولها من امبراطورية إلى بلد تابع.
وقد فهم مؤسسو تركيا الحديثة الإسلام بالفهم الشكلاني للعصور الماضية نفسه، مثلما فهموا الحداثة الغربية بذات الطريقة الشكلانية، ولاتزال الغالبية الكبرى تفهم الدين والحداثة على أنهما أشكال من الأزياء والشعارات.
فيكفي بعض الشعارات والأزياء لإنشاء الحداثة وللابتعاد عن الماضي المتخلف؛ البس قبعة، أزل الحجاب، عش مثل الغرب، وسوف تتحقق الحداثة. أو على العكس سوف يتحقق الدين من الأشياء المعاكسة: البس، وضع الديكور ويتحقق دينك.
حتى هذه الشعارات كان لها بعض القيمة، فحتى الملابس تحولت في تاريخنا إلى شكل من الاستبداد والسيطرة على عقول النساء، بدوافع الخوف من الاثم والأخلاق الفاسدة، وهي دوافع نبيلة غير أنها شكلانية، لأن الأخلاق العالية لا تتحقق من لباس.
لكن العلمانيين العسكريين الأتراك جاوزوا ذلك لبعض مضامين التحديث الغربي، لكن المطابقة مع التحديث الغربي تتطلب ثورة صناعية، أي تحتاج إلى فوائض مالية ضخمة من عمل الناس، لم تتوافر في بلد فقير، وطبقته الحاكمة توجه الأموال للخارج والبذخ.
وهذا الفشل العلماني العسكري التركي يعود لنهج الطبقة الحاكمة ولا يعود للعلمانية التحديثية، فقد نجحت هذه العملية المتجاوزة للتخلف في روسيا والصين واليابان والهند، بسسب الحريات المتعددة المعطاة للناس، وللتركيز في التصنيع والتعليم وليس في قهر عادات الناس، وهي مرحلة حدثت في بلدان أخرى، ولكنها ما لبثت أن تخلت عنها مركزة في التطور الجوهري.
وقد عاد الاتراك للصراع على الحجاب والمشروبات وقضايا الأكل، كشكل من أشكال عدم المقاربة مع الثورة الإسلامية، وعبر التركيز في الفقه الجزئي، الذي لن يغير حياة المسلمين، بل تغيرها سياسة ثورية إصلاحية توزع الأرض على المعدمين، وتوسع التصنيع والثورة التقنية، ولا تجعل الأتراك بلداً يوزع عماله على الخارج، وبلداً يحرر القومية الكردية من الاضطهاد ولا يبعثر ميزانيته المحدودة في الحرب ضدها.
من المؤكد انه إذا لم يستطع الجيل الراهن المقاربة مع التراث الإسلامي وآفاق التحديث الديمقراطي، فإن جيلاً آخر سيقوم بالمهمة، وقد أعطته تجربة الشعب التركي الغنية إمكانية لفهم جدلية التضفير بين الماضي والحاضر، بين تراث المسلمين الديمقراطي، وخاصة الفقه الحنفي، وبين الحداثة العالمية المعاصرة التي قام كل شعب بالمساهمة فيها بقسطه الخاص.
وتعني العلمانية هنا عدم التجارة في التراث وتعني الأسلمة عدم تدمير وإلغاء الماضي العريق للشعوب، وأن على الطبقات الحاكمة والمؤثرة أن تخلق تركيباً بين الثورة الصناعية و«العدالة« الاجتماعية وحقوق القوميات والأقليات وحرياتها الخاصة في عباداتها ولغاتها.
مقاربة السنة للعلمانية ستكون أكبر من بقية المذاهب الإسلامية بسبب عملية الانفتاح والمرونة في الأحكام الفقهية وخاصة في المذاهب الثلاثة الكبرى المعتدلة، التي عاشت في المدن وركزت في الاجتهاد ومصالح الناس وتقدم الأمة والابتعاد عن الحكم والذوبان داخله.
العَلمانية التركية والسلام والتقدم
13 فبراير 2009
اختارت القوى الدينية العربية والإيرانية سياسة المجابهة، وهي سياسة نازفة للموارد المحدودة، لكن الفئات الوسطى التركية باتجاهها الديني ~ الإسلامي اختارت التنمية والسلام والتقدم.
بطبيعة الحال كانت هناك خلفية الإمبراطورية العثمانية والتحديث المتردد فيها، التي استفادت من الموارد الكبيرة التي أتاحتها تلك الهيمنة الطويلة على البلدان العربية والإسلامية الأخرى.
وحين خرجتْ تركيا الحديثة من الارتباط بهذه الإمبراطورية الشائخة، وابتعدت عن الدخول في المحاور الأوروبية المتصارعة على المستعمرات بدءاً من الحرب العالمية الثانية، حققتْ هذه السياسة تراكماتٍ اقتصادية وسياسية مفيدة لها، أهلتها لأن تنعطفَ بفهمِها الديني نحو آفاق الحداثة.
كانت الحرية الاقتصادية مقدمة لانتعاش الفئات الوسطى المختلفة، ورغم أن حكم الجنرالات كان حكماً دكتاتورياً، لكنه كان مركزاً على الناحية السياسية بدرجة أولى.
وحتى لو كان الحكم مؤسساً لأنظمة يمينية فاسدة وتابعة للغرب، لكنه كان مؤسساً كذلك لوحدة تركيا الحديثة الوطنية.
إن تركيا الخارجة من العصور الوسطى مثل بقية الدول العربية والإسلامية واجهت تحديين أساسيين: فثمة خطر المغامرة اليسارية المتطرفة الداعية لتحول تركيا إلى دولة اشتراكية عمالية تسحق البرجوازية، وكان هذا الخيار يجد صداه في العديد من المنظمات اليسارية المتشددة الصغيرة، وفي صفوف بعض قطاعات الجماهير الفقيرة المعدمة. وكان الخيار الثاني هو دولة رأسمالية حرة بشكل كلي وهو أمر لم ينضج بعد.
وتركيا دولة تسودُ فيها طبقة الفلاحين الفقراء، حيث تركيا هضبة كبرى واسعة شبه زراعية، ضعيفة الموارد.
ولم تحدثْ لهذه الطبقة إصلاحات عميقة، أو تحولات رأسمالية كبيرة، تحول فلاحي الريف إلى عمال.
كما أن القومية التركية هي قومية سائدة فوق الأكراد والعرب وغيرهم من القوميات الأقل عدداً، ولم تعط هذه القوميات حقوقها الكاملة، مما أوجد جماعات متطرفة رفعتْ السلاحَ وأنهكت تركيا كدولةٍ تتوجهُ للتنمية.
إن تحقق الديمقراطية بنفس المستوى الغربي غير ممكن تماماً بسبب ان الفئات الوسطى لم تستطع أن تقوم بالتحديث الصناعي وتوحيد السكان حولها، إلا في بعض المدن الرئيسية، وهو ما جعل هذه الفئات تبحثُ عن الجمهور الواسع المغذي لها بالتأييد وبالادخار المالي والاستهلاك. وبين العلمانية الساحقة للتراث، وبين القومية ذات النزعة الأوروبية والوطنية المعادية للعمال والشرق (المسلم المتخلف)، حسب فهمها، تقلبت هذه الفئات عدة عقود، حتى استقرت على صيغة تحديثية وطنية ~ إسلامية ~ علمانية.
إن دكتاتورية الجنرالات قد أفادت في جوانب معينة مهمة، وهي إبعاد الفئات الوسطى عن التجارة بالدين، وهو أمرٌ كان يضعفها اقتصادياً وسياسياً وفكرياً، ومع انقطاع هذه الفئات عن التجارة بالدين توجهتْ للاستثمار الحقيقي وتحرير النساء ودفعهن بأعداد كبيرة للعمل المنتج، كما فتح أفقاً لفهم مختلف للتاريخ والتراث، وحتى الآن فإن هذا الجانب يبدو أقل الجوانب حضوراً وانتشاراً بين الأمم الإسلامية.
وعبر هذه العقود فإنها أحدثت تراكمات اقتصادية مؤثرة، قادتها لأن تبرز على المسرح السياسي بقوة، وكلما قاربت الحداثة والعلمانية تحقق لها نجاح أكبر.
ليست هذه القسمات السياسية والفكرية هي مجرد كلام مجرد، بل هي استثمار وأموال ومصانع وتجارة، فالتسييس الديني يدفع المجتمع للصدام مع الغرب خاصة، ومع المذاهب الإسلامية الأخرى ومع الأديان المختلفة، مما يقود إلى حروب نازفة للموارد.
وهو أمرٌ نلحظه الآن بوضوح شديد لدى الجماعات الدينية العربية والإيرانية والافغانية التي تتغذى بالصدام وتريد توجيه بعض الدول العربية للحرب، ولكن كان لدى الطبقة الحاكمة التركية خاصة العسكرية خبرة مؤلمة في هذا الشأن، ورفضت طوال عقود سابقة الانجرار لمسألة الحروب حتى في ظل سياسة حلف الأطلسي.
فالتراكم الاقتصادي في دولة فقيرة كتركيا ليس سهلاً، كما أن النزاعات القومية والسياسية والاجتماعية، تجعل هذا التراكم صعباً ومؤلماً، لأنه انتزاع لفوائض القيمة القادمة من المصانع وتوزيعها بأشكال غير متكافئة بين الطبقات. وقد جعلتها سياسة السلام هذه تكبر على مسرح المنطقة، أكبر من دخول المسرح الأوروبي.
فلا تزال معاييرها للتقدم أقل من المعايير الغربية، ولا تزال بعضُ القوميات لا تتمتع بحقوقها، وهناك تفاوتات كبيرة بين مستويات المعيشة بين الأرياف والمدن الرئيسية. والمعايير الغربية ناتجة من ثورة صناعية على مدى ثلاثة قرون بينما التحديث التركي قصير نسبياً، فهذا تشرطٌ على تركيا فاقد للمقارنات التاريخية والنسبية في التطور السياسي.
وقد تحقق للنخب السياسية الراهنة حضور على مسرح المنطقة بقوة كبيرة، فتلك التبعية للسياسة الغربية بحذافيرها لم تعد مقبولة لديها، والخدمة للسياسة الإسرائيلية صارت عاراً مرفوضاً، وتحرر السياسة الخارجية من هذه الوصمة صار أمراً شعبياً.
لكن هذه النخب كذلك لم تنجر للسياسة المعادية للسلام، ودعت حماس أن تحذو حذوها في وعيها السياسي، لكن حماس نتاج مجتمع متقطع، لم يعش مستوى حريات طويلة، ولم تنشأ فيه فئات وسطى مهمة، ولا عمالة تقنية رفيعة المستوى، وغزة أشبه بجيب جغرافي ملحق بعدة دول، وهي ذيل سياسي لدول متنفذة في المنطقة وأقل من تنظيم مستقل.
وهكذا كان الحضور الحكومي التركي مفيداً للعديد من القطاعات، فقد أوضح بأن السياسة العلمانية الوطنية ذات الجذور الإسلامية ليست انقطاعاً عن مهمات السلام والتحرر والتقدم.
هذا أبوالأتراك فأين أبو العربِ؟
2010/12/17
وصلتْ الأدواتُ السياسيةُ العربية للاهتراء، ليس ثمة قدرة على التغيير العميق، البلدان العربية لم تعد حتى تراوح في أمكنتها بل هي تسير للوراء وتتدهور وتتمزق.
الكثير من الوعود والشعارات البراقة لا تفعل شيئاً.
الصيغةُ الوحيدةُ التي نجحتْ في البلدان الإسلامية هي صيغة كمال أتاتورك، نظفَ البلدَ لعقودٍ وبقبضةٍ حديدية وقربها من الغرب والحداثة.
صيغةٌ حادةٌ لكنها كانت ضرورية، لقد خلقَ بطانةً حوله وهذا أمرٌ ضار لكن كان ذلك من إرث ماقبل الديمقراطية ومن إرث التحرير العسكري، ولم تكن ثمة مواد أكثر تطوراً.
وجود أتاتورك عربي في أكثر من بلد، زعيم نهضوي علماني ديمقراطي يعيدُ تشكيلَ كل بلد، يكنسُ الأوراقَ الصفراء للعصور الوسطى.
الهياكل الإدارية بطيئة التطور، قليلة الفائدة، والأحزاب السائدة المتاجرة عصابات وإنتهازيات.
التخلفُ المريعُ يحيطُ بالجماهير.
إن تحضير ذلك هو من فعل المثقفين الأحرار الذين نفضوا يدهم من الفساد والرشاوى السياسية والاجتماعية، ويبثون هذه المادة التحديثية القوية في الناس والعقول علها تتشكل إرادات من قوى وفاعليات متحضرة تصعد بهذه الأمة إلى التوحد وعدم المتاجرة بالمواد العامة الاقتصادية والدينية للشعوب.
هل من الممكن أن تظهر شخصيات مثل أتاتورك في البلدان العربية؟
هناك بعضٌ من الحكام الريادين الذين أحسوا بمثل هذه الحالة، بضرورة التغيير التحديثي الديمقراطي العلماني من فوق، أمام طوفان التخلف الساحق الذي يكتسح الحواجز يوماً بعد يوم، لكن لم تصل الحالات إلى تشكيل النظام المتكامل.
في كل بضعة سنوات طويلة سابقاً يتم إختطاف بلد عربي سواءً من دكتاتورٍ متخلفٍ باطش أم من حركةٍ دينية إرهابية أم من تحالف لقوى الشر المتاجر بالطائفية وبذبح الناس، حتى يتفتت بلد عربي عريق وتستلمهُ متبلاً بالنار والزيت قوى الطائفية العريقة في يتخلفها.
وتتسارع خطوات الإختطاف لأجزاء من البلدان بالانفصال الواسع غير الديمقراطي، فكيف لشعبٍ مسمم جاهل تم تخديرهُ خلال عقود وبهيمنةِ عصابات السلاح والحكم والطوائف أن يقرر؟!!
بل هو المزيد من التكالب على الكراسي والمنافع والمزيد من الحروب والمذابح لهذا الشعب الذي سوف يصوت بشكل ديمقراطي جداً؟!
تتسارع خطواتُ الانفصال والحروب المذهبية الداخلية برعاية الجيران (الأشقاء) وتنتشر عصاباتُ الحروب الداخلية والإختطافات والحرائق والمجازر التي لم يُسمع بها من قبل!
مساجد ومآتم تُفخخ!
ويعتزم آخرون خطف جزء من العراق من أجل أن يكون قاعدة لهذا الإقطاع الطائفي ~ القومي المتخلف.
قطاراتٌ بشريةٌ سياسية تخرجُ عن خطوط السكك الحديدية والسياسية والعقلية!
فإلى متى؟
تغدو الإرادات القوية لحكومات علمانية ديمقراطية حاجة ماسة في ظل هذا الهذيان السياسي، توقفُ المتاجرةَ بالموارد الوطنية وبالمذاهب وبالتراث الروحي لهذه الأمة.
تقول كفاكم سرقة!
كفاكم دجلاً بإسم الدين والقومية.
من لديه مشروعات سياسية إقتصادية إجتماعية ثقافية للإصلاح والتغيير فليقدمها ويشتغل عليها، ومن لم يقدر فليترك المقاعد لغيره، ليس ثمة أوصياء مطلقين أبديين على هذه الأمة.
هذا أتاتورك حررها ووحدها وطورها وتركها لغيره، ثم جاءت إلينا متقدمةً ونحن على حالنا الشقي، فمتى ، متى، يظهر أبو العرب؟
التحولات السياسية في تركيا
2010/1/31
عبرت السياسة الأتاتوركية عن علمانية خفتتْ من الغلواءِ الدينية الاجتماعية، خاصة في عزل النساء عن سوق العمل، وتحجيم الوعي العقلاني، وأسستْ قطاعا عاما مسيطرا، إلى جانبِ قطاع خاص كبير. لكن الفسادَ قلل الإيرادات كثيراً في القطاع العام، وتم استغلال هذا القطاع لأغراضٍ سياسية لدعم السياسيين المتنفذين، فاستمر العجزُ في الميزانية، وازداد التضخم، وفقدتْ الليرة التركية الكثير من قيمتها.
ومن الناحية السياسية استمرت البيروقراطية الحاكمة العسكرية ~ المدنية في الحكم وهو أمرٌ يشيرُ إلى وجودِ قبضةٍ سياسية قوية في العاصمة على الجمهور الشعبي، وعلى الأقليات القومية، وعلى الحركات الدينية والحركات اليسارية، من أجلِ تشكيلِ نهضةٍ وسطية تقاربُ الغربَ الديمقراطي حسب رؤية كمال أتاتورك. لكن هذه الطبقة الإدارية العسكرية واجهتْ الاختناقَ في هذا المشروع فالفسادُ الداخلي أهدرَ الكثيرَ من الفوائض، وقمعُ الأكراد والحربُ في قبرص وقهر الشعب كلها أضعفت الحكومات التركية المنهارة المتعاقبة.
منذ الأربعينيات من القرن العشرين بدأتْ الحكوماتُ المختلفةُ دعم القطاع الخاص، وغدت تركيا ذات بنية صناعية متوسطة، فالموادُ الخامُ محدودةٌ والعمالةُ المتخلفة واتساع هجرة العمالة للخارج لم تجعل تركيا ذات صناعات ثقيلة وتقنية عالية.
كما أن ذلك يرجع إلى البنية الاجتماعية وتقسيم العمل الاجتماعي:
(هناك فرقٌ كبيرٌ في مستوى المعيشة والحالة الاقتصادية بين الغرب «التركي» الصناعي والشرق الزراعي. يعتبرُ القطاعُ الزراعي أكبر قطاع من حيث تشغيل العمالة، حيث تبلغ النسبة زهاء 40% من مجمل قوى العمل في البلاد، ولكنه ينتجُ ما نسبته زهاء 12% فقط من الناتج القومي. القطاعُ الصناعي ينتجُ زهاء29,5 %، قطاع الخدمات ما يقارب 85,5% من الناتج القومي لتركيا. يعمل في قطاع الصناعة 20,5%، في قطاع الخدمات 33,7% من مجمل عدد الأيدي العاملة)، موسوعة ويكيبيديا.
هذه النسب توضحُ الطابعَ الوسطي للصناعة، واتساع حجم القطاع التقليدي، وهو المؤسسُ للحركات السياسية المحافظة عادة، ولكنه يشير كذلك إلى تنامي فئات البرجوازية المختلفة، وخاصة في الصناعة والخدمات.
قامت الحكوماتُ المتعاقبةُ بحماية الشركات الخاصة، ودعم التصدير إلى الاتحاد الأوروبي، والابتعاد عن سياسات الحروب والمجابهة، فبدأ معدل نمو الاقتصاد بالتغير والتذبذب عموماً، فكانت نسبة النمو في سبعينيات القرن الماضي بين 4% و7%، بعد تنام سلبي لعدة عقود لكن مع زوال النظام العسكري في سنة 1982، وتدفق أموال العمال المغتربين من أوروبا الذين يبلغ عددهم سبعة ملايين فرد، أخذ الاقتصاد التركي في الانتعاش.
ولكن قادت الخصخصةُ غير الشعبية والانتقال الواسع غير المبرمج لدعم القطاع الخاص في الثمانينيات إلى إحداث اضطرابات سياسية واقتتصادية كبيرة، مما أدى إلى التضخم الواسع وانهيار الليرة التركية وإلى صراعات سياسية كبيرة وتفجر المسألة الكردية في تركيا.
لابد أن نقول هنا إن هيمنة القطاع الحكومي البيروقراطي في عقود طويلة يماثل جزئيا الرأسماليات الحكومية الشرقية الشمولية حيث إن تلك الهيمنة للقطاع العام لم تصل إلى اكتساح الاقتصاد كله، وحيث استمرت التعدديتان السياسية والثقافية المهمتان في تركيا، لكن تلك الهيمنة للقطاع العام من جهةٍ أخرى أسست طبقةً مستفيدةً من هذه البيروقراطية السائدة، وقامتْ بتقنينها فكريا عبر تصوير البلد كبلدٍ ديمقراطي على الطراز الغربي، خاصة لما تسودُ فيه من حرياتِ العقائد التي غدتْ شأنا خاصا بالمؤمنين بها، لكن هذه الديمقراطية الاجتماعية المحدودة لم تكن ذات عمق ديمقراطي سياسي، لكون الطبقة المسيطرة ذات حجم عسكري كبير ورأس مدني ضئيل، وهو أمر تجسدَ في القطاعين العام المهيمن الفاسد والقطاع الخاص المُنتج شبه الملجوم.
ولكن جاءتْ موجاتٌ اجتماعيةٌ وسياسية داخلية أساساً وعالمية ثانوية متضافرة ومؤثرة لعبتا دوراً في الاتجاه بتركيا نحو آفاق جديدة.
إن سقوط المعسكر «الاشتراكي» لعب هنا دورا إيجابيا فذلك «التهديد» التاريخي المزعوم زال، والمسألة القبرصية توجهت للتهدئة، والحركات اليسارية المتطرفة خفتتْ نيرانُها، وبقيتْ المسألةُ الكرديةُ ملتهبةً، وكلُ هذا أدى إلى تصاعدِ الحرياتِ وخفوتِ دورِ العسكر التاريخي، وتنامي دور القوى المدنية، وبقيتْ علاقاتٌ ضروريةٌ جدليةٌ لابد من بروزِها بين البرجوازيةِ البيروقراطية الحربية الآفلة تلك والبرجوازيةِ المدنية الصاعدة وهي علاقاتٌ ذات أهمية في تشكيلِ وضعٍ سياسي جديدٍ مشترك، يجمعُ بين إيجابيات الماضي وإيجابيات الحاضر، وهذا لابد له من جدلٍ تاريخي وصراع سياسي بين القوتين يكشفان المضامينَ الملتبسة بينهما وهما لهما مصالح متقاربة وان طمستها اللغتان الايديولوجيتان لدى كل منهما.
كان تآكلُ العلمانية الأتاتوركية نتاجَ ذلك الشكل الاستيرادي للنهضة الغربية التحديثية الديمقراطية بدون وجود أساسها الصناعي الحر والثقافة الديمقراطية المحلية.
وقد بدت هذه العلمانية للجمهور البسيط العامل خاصةً كأنها نظام معادٍ، خاصة أنه مسنودٌ عسكرياً من حلف الأطلسي، الذي يلعبُ دوراً في حصار التجارب القومية التحررية في الشرق، كما أن هذه العلمانية وظفتها واستفادت منها طبقةٌ عسكريةٌ بيروقراطيةٌ محدودة، قامتْ على اضطهادِ الأغلبية الشعبية.
لكن طريق القطاع العام البيروقراطي غدا مسدوداً بسبب الطريقة الإدارية الفوقية، وغياب السند الأهلي، ومعارضة التنظيمات السياسية، خاصة منظمات الطبقات المالكة التجارية والصناعية التي أتاحت لها نفسُ الحكومات النمو الاقتصادي المتواصل!
وبهذا بدأ التململُ اليساري الواسعُ في تركيا خلال عقود منتصف القرن العشرين الثانية، الذي لم يستطعْ استثمارَ الحريات المتصاعدة وطرحَ هدمَ الطريقَ الرأسمالي التركي، واعتبر البلدَ الحلقةَ الضعيفة في سلسلةِ الدول الرأسمالية الغربية فعاشَ حلمَ إسقاطِ نظامٍ كان ينمو وينعطف نحو طريق جديد كبير.
لقد تحولتْ الفئاتُ الوسطى خلال هذه العقود لطبقةٍ متوسطة مؤثرة، وأتاحَ تقزمُ القطاعِ العام والخصخصة، المجال للشركات الخاصة، ومن السيرة الخاصة لأردوغان نجد أنه كان بائعاً شعبياً، ثم مؤسساً لأعمال خاصة مهمة، وأخذت التنظيماتُ الدينية تتكيفُ مع النظام العلماني الرأسمالي التركي بشكلٍ تدريجي، فهي تتجذرُ شعبياً عبر العودة للإرث الإسلامي، عبر حشد الجمهور وراء شعاراتها التي لم تخف العداء للطبقة الحاكمة البيروقراطية الفاسدة السابقة، وكانت محطات الصراع بين النظام العلماني البيروقراطي والحركات الدينية، توضحُ الشكلانيةَ الفكريةَ السياسية عند كلا الجانبين، فالنظامُ يعتقدُ ان العلمانيةَ هي أزياءٌ ومظاهرٌ خارجية، مثلما أن الحركات الدينية تعتبرُ الإسلامَ شعائرَ حركية، وكان التصادمُ بين الشكليين العصريين والدينيين، هو خسارة لتطور السوق والإنتاج والوعي الديمقراطي عامة.
بعدها أخذت الحركاتُ السياسيةُ ذاتُ الجذورِ الدينية تبتعد عن المواجهات مع المؤسسة العسكرية الحافظة للنظام.
نرى هنا في التجربة التركية المعاني الغامضةَ والمصطلحات غير المفهومة تتوضح، فالفئاتُ الوسطى لا تغدو طبقةً متوسطةً إلا عبر الرأسمال الصناعي وعبر نموهِ في البنية التقليدية، لكي يعيدَ تشكيلَها بحسب التحديث وحاجات التطور، وهو أمرٌ غيرُ متاحٍ في الرأسمالياتِ الشرقية الشمولية الأخرى السائدة، التي تسيطرُ فيها الدولُ على الصناعة بشكلٍ شبهِ كامل، وهكذا فإن الفئات الوسطى التركية وهي تقومُ بالتصنيعِ وبالأشكالِ الأخرى من التوظيف الرأسمالي، تجددُ الإنتاجَ الوطني التقليدي، ولاتزالُ النسبة كما لاحظنا تراوحُ عند العشرين بالمائة.
وهذا المستوى لا يتيح استبدال البنية التقليدية ببنيةٍ حداثيةٍ واسعة شبه كلية، ومع التطورات الاقتصادية ~ التقنية ~ الفكرية المنتظرة يمكن أن يتحقق ذلك.
هذا يؤدي إلى إعادة النظر في الثقافة الدينية التقليدية ذاتها، كما يتم تغيير طابع الثقافة الغربية المتغلغلة ذات الوجوه الشكلانية أو الثقافة السوداء أو الساحقة لتميز البلدان الأخرى وشخصياتها المتوارثة المستقلة وغير المعادية للثقافة الإنسانية كذلك، وهي عمليةٌ مركبةٌ لا تحدث إلا عبر ذلك التطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، وبطبيعة الحال تحتاج إلى مثقفين من نوع خاص ولا يمكن أن تتشكلَ بطريقة آلية.
وقد تراوحُ البرجوازيةُ الدينيةُ التحديثية التركية في مسارها الراهن هذا، لأن طبيعة التغييرات في البنية الفوقية معقدة، ويمكن أن تستسهل النقل من الأقطار العربية خاصة نقل تجربة البنوك الإسلامية والسياحة وغيرها وهي عملية نقل للأموال العربية الإسلامية للغرب، وذلك سيؤدي لمشكلات كبيرة لها، لأن أهمية الفوائض أن تنتقل للبنية الصناعية ~ الخدماتية التركية وتعمق تطوراتها.
إن تقدمها يكونُ على الجانبين؛ على الجانب الغربي عبر العلاقات المختلفة المفيدة، وعلى الجانب الإسلامي والشرقي عامة، وهو سوق أخرى هائلة، يمكن أن تلعب فيها تركيا دوراً مغذياً للتحولات. وقد حاولت تركيا ذلك عبر تأسيس منظمة الثمان، التي لم تنشط.
لاتزال التجربة السياسية التركية التحولية في بدايتها لأن التحول الصناعي ~ التقني الحر في بداياته، فتغدو الأشكال السياسية التي تنمو من خلاله غير ناضجة بعد.
تركيا مستقبلٌ مرئي للمسلمين
2010/6/4
تركت تركيا التجارب الشمولية الشرقية خلفها، في حدثٍ سياسي نادر، وبهذا أمكنها صناعةَ قادةٍ من طراز مختلف، وعلاقات سياسية جديدة عن الدول العربية والإسلامية.
وكلُ بلدٍ إسلامي يشكلُ تطورَهُ من جذورهِ الخاصة، ومن موقعِ تجربتهِ وبلده وحجمها، وليس من الفراغ التاريخي.
وقد وجدت تركيا نفسها بأنها قائدةُ المسلمين في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأنها تحكم أغلبية هذا العالم الإسلامي، ثم وجدتْ الدولَ الغربية تنتزعُ هذه الأغلبية منها بالقوة، بل وتهاجم أراضيها لتحتلها!
فظهر قائدٌ عسكري في هذه الفترة الخطيرة سماه الحدثُ الرسمي بأنه أتاتورك أبوالأتراك وهو منصبٌ أسري سياسي غير ديني.
وهو ليس قائد غائر في صحراء العرب أو جبال إيران بل هو زعيمٌ يجثم في فم أوربا الجائعة للمستعمرات أثناء هزيمة الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، فأما أن يستسلم أو يزول!
لقد قام كمال بهزيمة المعتدين على بلاده، وقيادتها في سبيل الحداثة، فصارع الماضي المتخلف والحاضر الغازي، فأنتصر على الإثنين.
وهو لا يملكُ حزباً تحديثياً أو كوادر فكرية بل يعتمد على جيش وشعارات عامة. ولن نتوقع منه أن يعالج قضايا المجتمع المعقدة والمركبة إلا بأسلوبه العسكري، أسلوب تحديد الخصم، ثم إحتلال مواقعه واحداً بعد الآخر بالضربات القاضية!
وقد حدد العدو الهدف وهو التخلف الديني، فوجه مدافعَهُ نحو مواقعه الحصينة الكبرى المتجسدة في جيوش الدراويش وهو آخر ما بقي من عطر الصوفية الذي لم يتجسدْ في خرقٍ بل في مستوياتٍ إجتماعية بذخية وهلوسات غير عقلانية، فُضربت التكايا والزوايا وتم تحطيم حشود العصر الوسيط الذي يتقلبُ في حشيش الدروشة.
وتبصر أتاتورك الحداثة الغربية في علمٍ ونشيدٍ وحروف وهي رموزُ الجيشِ الوطني العلماني الذي شكله، وسماهُ في ميدانِ السياسةِ حزبَ الشعب الجمهوري، فأطاحَ برموز الخصم القروسطية الشكلانية وهي الحروف العربية والأذان بلغةِ العرب واللباس كي يجعلها أدوات للإطاحة بالقرآن وهو لا يعرفهُ، ثم قام بإصلاحاتٍ مثل المساواة بين الرجال والنساء، وأتاح للفئات الوسطى الحريات في الفكر والتجارة والحياة، فعكس مستوىً دكتاتورياً عسكرياً للحداثة بلا جذور شعبه الإسلامية. ولكنه حاولَ الحداثةَ بذلك المستوى الفكري المحدود الذي يملكه!
إن البنيةَ التحديثيةَ التي شكلها ظلتْ بنيةً شموليةً يؤسسُها نظامٌ غيرُ ديمقراطي، موجهاً مدفعيتَهُ الثقيلةَ نحو منظماتِ الصوفية التي تراءى لها من جانبِها بأن أتاتورك كافرٌ شديدُ الكفر، فحدثتْ معاركٌ ضاريةٌ بينه وبين الطريقة الصوفية السائدة في ذلك الوقت (النقشبندية)، وهو أمرٌ يشيرُ إلى الافتراقِ الشديدِ بين واقع (الإسلام) الذي تشكلنَّ وغدا طقوسياً تخديرياً غيرَ عقلاني وعبر هذه الممارسات المتوجة لتخريف سياسي وإستغلالية إرستقراطية باعتْ ودمرتْ حاضرَ المسلمين!
وقام البطلُ هنا أتاتورك المحدود المعرفة والجاهل بتاريخهِ الحضاري الديني وليس العسكري، بالتوجه بشكلٍ معاكسٍ حاد نحو الغرب. فأطلقَ مدفعيتَهُ على الطُرقِ الصوفيةِ والأبنية الدينية والتراثية والشعارات التاريخية والذاكرة الإسلامية.
فكان لهذا التحديثِ القمعي إنجازاته وسلبياته، فقد عبرَ بتركيا من محنة التبعية وشمولية التخلف إلى مجالاتٍ نهضة واسعة، وقد ربطَ تركيا بأكثرِ العوالم تحضراً وديمقراطية، لكن من خلال حكم عسكري دكتاتوري، فحدث تناقضٌ خطيرٌ بين شكلِ النظامِ ومؤسساتهِ الشمولية وبين أهدافهِ الديمقراطية التحديثية، وراحتْ الطبقةُ الحاكمةُ العسكرية التي جاءتْ من بقايا الدولة العثمانية والمؤسسات الحاكمة تتقلبُ وتتغير في محاولةٍ للمزواجة بين الشكل والمضمون، بين التكوين الكمالي العلماني العسكري، وبين حاجات الشعب، بين شعارات عامة مؤدلجة وتاريخ ذي تراث عريق، فجاءت قوانينٌ مخلتفة وعهودٌ متبانية، ومشت وزاراتٌ مختلفة منتخبةٌ على هذا الحبل المشدود بين الحكم ومصالح الأغلبية الشعبية، فتحررت الأملاكُ والقوانين العامة قليلاً قليلاً من الهيمنة وأطلق سراح الجماعات الدينية، وعادتْ الدولةُ لشيءٍ من الأعمال الدينية، وتشجيع الإرث الإسلامي، وحدث زخمٌ للجماعات السياسية الدينية، بسبب وجودها بين الأغلبية الشعبية التي تريد طرح مطالبها وحقوقها الاقتصادية المعاشية، في حين إن الطبقة الحاكمة القديمة تمترست في تقاليد أتاتورك السياسية خائفة من مد شعبي ديني متخلف يحطم منجزات الماضي الديمقراطية والحريات، خاصة هذا المد المتشكل في الأرياف.
فظهرت حقبةُ الإعتدال السياسية وتشكلتْ بصعوباتٍ جمة هذه الجماعاتُ السياسية الجامعةُ بين جذور المجتمع الإسلامية وتنظيمات وأساليب الحداثة، ولكن الأهم هو تعبيرها عن طبقة وسطى حرة راحت تصارع إمتيازات الطبقة العلمانية الأتاتوركية التي نشأتْ في عالم شمولي، ونشأت في أحضان الحرب الباردة وكراهية الشرق والمسلمين واليسار، فجمعت بين منظمات الغرب العسكرية وأسواقه وبين وجودها في الشرق، ثم تنامت هذه العملية بشكل مطول صراعي كبير.
تركيا بين المبادئ والمصالح
2010/7/16
تبدو التيارات الاجتماعية التركية متضادة بشكل عميق متقاطع وحاد، فهي لم تتكون بشكل متدرج ديمقراطي طويل، بل تشكلتْ في حُمى قرنٍ واحد، انتقلتْ فيه تركيا من إمبراطوريةٍ إلى دولة، ومن كيانِ خلافةٍ يقودُ أغلبيةَ المسلمين المستقلة عالمياً إلى تابعٍ للغرب الرأسمالي المعادي وقتذاك للشرق الاشتراكي وللعالم الثالث التحرري الوطني.
وفي سعيرِ هذا الانتقال اطاحَ حزبُ الاتحاديين بالخلفاء الأتراك، وشكل نظاماً دموياً استبدادياً قفز حتى على عنف دولة الخلافة التقليدي. وكان مضمون وجود هذا الحزب وسياسته يعني قفزة عسكرية من جماعات محدودة الثقافة والجذور الحضارية، ففي كلِ انقلابٍ (شعبوي) يقومُ به عامةٌ متخلفون لا يجدون سوى وسيلة العنف الأهوج طريقاً لتكريس مصالحهم الغامضة التي عادةً تتشكلُ في شعاراتٍ دينية أو قومية أو طبقية صارخة.
قفز الاتحاديون (الطورانيون) على خميرةِ التشكلِ السياسي التي كانت تعتملُ في جوفِ الجسد التركي الوطني القائد للامبراطورية الإسلامية الكبرى، فلم يقدروا على صنعِ مذهبيةٍ إسلامية تجديدية كانت تحتاج إلى تراكمات ديمقراطية واسعة في صفوف الفئات الوسطى المدهوسة من قبل الخلافة المتخلفة التي دهسها كذلك قطارُ التاريخِ الغربي المسرعِ في كيانٍ غامض حتى ذلك الحين.
ووجدَ القوميون المتعصبون في هذه القفزة العنصرية المسماة (الطوارنية) حلاً ايديولوجياً لإمبراطوريةٍ جديدةٍ تستندُ إلى العِرق، وتجمعُ الشعوبَ التركية أو ذاتَ الأصلين التركي والمغولي في وحدةٍ تستندُ إلى الدم.
في هذا الخيال السياسي مواد ايديولوجية هي، ففي هذا الزمن كانت برجوازياتٌ غربيةٌ كبيرة مخنوقة من غيابِ المستعمراتِ الشهية التي تزودُها باللحم البشري وبالبضائع، مثلما أن البرجوازيةَ اليهوديةَ تحتاجُ إلى مسلخٍ خاصٍ لليهود، لا يشاركها فيه أحدٌ من العمالقةِ الغربيين، وهكذا تداخلتْ واصطدمتْ هذه القوى المأزومة، بسبب غياب المستعمرات أو بسبب انسلاخ هذه المستعمرات من سيطرتها كما هي الحالة التركية، فتشاركتْ في الهم الاستعماري المأزوم، إحداها وهي الطبقة الحاكمة التركية عبر الاتحاديين مضت في مشروع مذابح على خريطة الإمبراطورية الممزقة والمنفلتة إلى شظايا من دهس القطار الغربي، تقتل الآلاف من الأرمن وتعدم قادة العرب، وتقوم بالتتريك، بشكل يدل على أن صناعة الأفكار والمبادئ في فهمها لا يقوم إلا بالعنف.
ونلاحظ ان أقصى تجليات العسكرة الدموية تتجلى في هذه النزعات الأربع، وهي الطورانية والصهيونية والفاشية والهتلرية، وتحدثُ بينها تداخلاتٌ مباشرةٌ أو غير مباشرة أو جنينية أو مستقبلية، بسبب مقاربات زمن الولادة التي جمعتها في فترةِ انهيارِ المستعمرات أو في زمن الشهوة العارمة لها، وجعلتها متقاربة جغرافياً وتاريخياً.
لكن السيناريو الطوراني القومي الدموي لم ينجح، لأن العديد من الأوروبيين دخلوا في تقطيع لحم المستعمرات التركية أو الهجوم على دارِ الخلافةِ نفسِها، وهي الأمورُ التي شكلتْ صفحاتٍ سوداءَ فيما يُسمى بالحرب العالمية الأولى، لكن بالنسبة إلى الشعب التركي الذي خرجَ من مستنقعِ المستعمرات، ودافعَ عن استقلالهِ بتضحياتٍ جسام، فقدْ وُلد بشكلٍ جديدٍ عبر قيادة كمال أتاتورك، وهي القيادة الممكنة المعقولة في ذلك الزمن العسير.
هذه الولادة الجديدة تمت بنفس أدوات الايديولوجية السابقة القومية الحكومية، وقد طورها كمال نحو التغريب والعلمانية والحداثة، والانسلاخ عن العالم الإسلامي. وقد كانت فيها مميزاتٌ إيجابية وكانت فيها سلبياتٌ خطرة كذلك.
وكان هذا هو مستوى الطبقة الحاكمة القادمة من العسكريين والموظفين والأغنياء الكبار الذين توحدوا عبر وظائفهم ومصالحهم وثرائهم مع هذه العلمانية الغربية، ولم يعودوا قادرين على فتح باب المساءلة لهذه الفترة وامتيازاتها وسرقاتها وعنفها ودهسها تقاليد الناس وقيمهم الدينية.
وكانت الأوربة مفيدة في تغيير العديد من الجوانب المتكلسة من الإرث الديني المحافظ الذي عُمم بأنه (الإسلام)، وكأن تركيا الفتاة التي فقدتْ المستعمرات فقدتْ ذاكرتَها كذلك، وهربتْ إلى الغرب، ونسيتْ قرونَ الاستغلال لعامةِ المسلمين في المعمورة التي حولتها إلى كياناتٍ متخلفةٍ مهترئةٍ قابلة للبلع من شتى الحيتان الغربية.
هذه الفئاتُ العسكرية والسياسية والاقتصادية لزمنيةِ العلمانية المتغربة، وجدت نفسها قوية في زمن الصراع العالمي بين الشرق والغرب، فعاشتْ على مساعداتٍ مُميزةٍ من الغرب، فهي تسرحُ عمالَها الفقراء في دولِ الغنى الرأسمالي في مهنِ البؤس، الذين يجلبون لها العملات الصعبة، كما تحصل على إعانات ومساعدات باعتبارها حليفاً وصديقاً لدوداً قد ينقلب في أي لحظة للدخول مع دول المحور، أو للانتماء للاشتراكية أو للمسلمين المتنامي دورهم في العالم.
هذا الموقفُ الرجراجُ الجغرافي السياسي كان له أن يسقطَ بفعلِ عوامل النمو الداخلي التي تصاعدتْ عبر السنين وهي تأكلُ العلمانيةَ المتغربة، وتأكلُ سيطرةَ الطبقةِ الفاسدة التي استولتْ على الحكم خلال هذه العقود ورفضتْ الديمقراطية الحقيقية.
إن الشعوبَ لا تتغيرُ حسب الأوضاع الخارجية، بل تتغير من داخلِها أولاً، لكن الظروفَ الدوليةَ المؤثرةَ تتيحُ لتلك التحولات الداخلية الكامنة العميقة التي جرتْ عبر عقود، الظهورَ وتأكيد قوتها.
فإذا كان قد تمَّ إشتغالٌ سياسي عميقٌ بين الشعب أو لم يتم، هذا ما تبرزهُ الحياةُ السياسيةُ العالمية على مسرحِها المتحولِ دائماً.
فلم يظهرْ المعتدلون الليبراليون الإسلاميون في تركيا لأن قوةً أجنبيةً أخرجتهم من الظلمات، بل لأنهم إشتغلوا بين الجمهور العادي لعقود، وكونوا شبكاتٍ تنظيمية وإجتماعية، فالسياسةُ هي تتويجٌ للعملِ بين الجمهور.
إن إشتغالهم بين الجمهور جاء لأنهم سلكوا سبيلَ الرأسمالية الخاصة الحرة، فهذه تنتجُ المواردَ وتجعلُ أصحابَها ذوي أفكارٍ ديمقراطية، فالعلمانيةُ الحكوميةُ الشمولية المتغربة هيمنتْ على السلطاتِ السياسية والاقتصادية ومنعتْ على مدى عقودٍ ما يناقضُ أفكارَها، وبالتالي لا يستطيع الحصول على الدخول العالية.
كما أن علاقتها التابعة للغرب وهيمنتها الإستغلالية على الجمهور العامل المتعدد الأديان والقوميات، جعلت أفكاراً كثيرة تشتغلُ ضدها، ولم تحصلْ الأفكارُ الاشتراكية على الجمهور الواسع بسبب القمع، وعدم فهمها للحياة الاجتماعية الجارية المُصَّعدة للطبقةِ الوسطى، وبسبب دور تركيا الإقليمي التابع لحلف الأطلسي، وما جرى من تنفيعٍ للنخبٍ الحاكمة.
لقد ظهرتْ المعارضة الممكنة الأوسعُ من خلال الدين، ومن خلال توسع الفئات الوسطى، ودور المراكز الإسلامية العريقة، وتأثرها المستمر بالحداثة، فخرجتْ بخطوطٍ سياسية تركز على مصالح الفئات الوسطى الحرة وغير المرتبطة بتاريخ الدولة الطورانية، وعلى تجميع الأمة التركية بجذورها الإسلامية التحديثية.
وقد تشكلت مجموعات من قوى الأعمال الخاصة التي إرتبطت بالجمهور الواسع، وكان تحجرُ الطبقةِ الحاكمةِ في العلمانية الغربية الشكلانية التي إفادت في زمن سابق، قد غدا مضراً، لأن الجمهور الأوسع كان يعود لتقاليده العادية، إيجابية وسلبية، فإن العلاقات التقليدية وسيادة الذكور الاجتماعية على الإناث، ورجال الإقطاع على الفلاحين، والقوميين الأتراك على القوميات الأخرى وخاصة الأكراد، وهيمنة الثقافة التقليدية المحافظة على الحياة التركية عموماً، هذه كلها لم تزل مهيمنة على تركيا ولم تستطع أن تصل إلى الحداثة الديمقراطية العلمانية بمستوى الغرب لأن هذه يحققها التصنيعُ الثقيل الواسع وليست حتى القوانين الحديثة، وكانت تركيا مقيدة فقط بكوابح حلف الإطلسي، وحين إنهار الصراعُ بين الشرق والغرب، لم يعدْ لتركيا ذلك الدور العسكري بعطاياه، فوجدتْ نفسها في التخلف والفقر والمحافظة وسؤ الإدارة والفساد، وكأن ثورة أتاتورك لم تكن!
ولم تقبل السوقُ الأوربيةُ المشتركة دخولَها كاملةَ العضوية فيه، ولم تُعدْ كاملة لعالم المسلمين المحافظين وقد تجاوزتهُ ببضعِ ياردات حضارية! فأخذتها الحيرةُ السياسيةُ بين الشرق والغرب.
إن قوى الإنتاج البشرية التركية متخلفة وخاصة في الأرياف، ولم تستطع الصناعات المحدودة أن تعيد تجديد المجتمع بشكل تقني علمي واسع، وما أعطته إياه الثورة الأتاتوركية هو التحديث المجرد والبرلمان والحريات التي جاءت بعد صراعات طويلة ومشاق ضارية.
وجدت الأمةُ التركيةُ نفسَها حرةً لأولِ مرة في تاريخها الحديث، لأن الفئات الوسطى المشتتة تلاحمتْ بشكلٍ هام ومؤثر في الاتجاه الليبرالي الإسلامي، جامعةً بين التقاليد القديمة والخصائص الحداثية، بين جذور الإسلام وقيم الديمقراطية الحديثة السياسية، فتلك القفزة العلمانية الشكلانية كانت جارحة للحم الشعبي، فبدأ الشعب يعودُ لتقاليدهِ وراح يمزجُها بالسياسةِ وهو يعارضُ نظامَ الحكم الضيق الأفق، لكن نظامَ الحكم له طبقته القوية التي هيمنتْ على الموارد الكبيرة والمؤسسات العسكرية المختلفة، وقد قبلتْ أخيراً بالحوار وبالصراع السياسي مع الطبقةِ الجديدةِ الناشئة في أحضانِ المؤسساتِ الخاصة المستقلة.
ولهذا كان على حزب العدالة والتنمية الذي غدا هو التتويجُ السياسي لهذا المخاض أن يوسعَ الحراكَ الاقتصادي للمزيد من الآفاق والعيش للناس، وللمزيد من تطور الرأسمالية الديمقراطية الاجتماعية في تركيا، أي أنه يخدم حتى خصومه السياسيين الكبار، وذلك بإقامة العلاقات الاقتصادية الواسعة مع المجتمعات الإسلامية، وإعطاء الأكراد بعضَ حقوقهم وهوياتهم المسلوبة، دون أن يخرج كذلك من طموحاته الأوربية، وهذا كله عاد بتطور إقتصادي جيد خلال سنوات حكم حزب العدالة كما تشير الإحصائيات خاصةً على الطبقات المالكة.
أي أن كل ما يجري هو صراع بين أهل اليمين، لإنعاشِ نظامٍ تجمد بسببِ مقولاتهِ الفكرية السياسية المجردة، وإثبت إن العلمانية والديمقراطية لا تأتي من الشعارات ولبس القبعات، بل من مدى مقاربة أي نظامٍ للعاملين ورفع معيشتهم وتحريرهم من الفقر والأمية واللامساواة وهو الأمرُ الجوهري في القرآن، ولكن ذلك يظلُ بعيداً على حزب التنمية، بدون جدلٍ مع الطبقات الشعبية، وبمدى قدرة اليسار في تركيا على الإسهامِ في الديمقراطيةِ الاجتماعية، وجعل العاملين يتحركون لتطوير النظام وتطوير أنفسهم، فما يزال الفلاحون في فقرهم وتخلفهم، والقوميات خارج أقاليم الأتراك محرومة.
أي أن الشكلانية الدينية هي الأخرى لافتات مثل الشكلانية العلمانية، والأساس هو في الديمقراطية الاجتماعية وحراك الأغلبية الشعبية.
تركيا والتحولات العربية
10/5/2011
يتوجه العربُ للدخول حالياً في النظام الرأسمالي العالمي الديمقراطي، بأشكال متفاوتة وبمقاربات مختلفة، وثمة شكلان رئيسيان مما هو سائد، فإما (أوربة) على طريقة تركيا، حيث لم تستطع هذه الدولة على قدم اتصالها بالحداثة ودخول النادي الأوروبي إلا أن تنفذَ نصفَ أوربةٍ حتى الآن بينما علاقات اجتماعية قديمة لاتزالُ تربط رجليها بقيود آسيا.
وأما النمطُ الإيراني بسيطرةِ رأسمالية الدولة الحكومية العسكرية الدينية حيث يهيمن النفوذُ الإقطاعي على الحياة ويشل توجه إيران نحو أي شيء رئيسي من الحداثة، فإنه يحترقُ ناراً في ليبيا واليمن وسورية.
استطاعت تركيا عبر توسع نفوذ رجال الأعمال الأحرار المستقلين أن تكونَ شخصيةً سياسيةً اقتصادية ذات نفوذ متسع في المنطقة، وحيث أحستْ نخبتُها السياسيةُ المذهبيةُ نصفُ العلمانية بأن أبواب أوروبا لم تنفتح تماماً أمام شخصيتها السياسية الجديدة نصف العلمانية ؟ نصف الدينية، فقد راهنتْ على العالم العربي، ورأتْ فيه أسواقاً واعدةً وخاصة دول الخليج والجزيرة العربية في بادئ تفتحها على المنطقة.
وقد كسبت فعلاً من هذه العلاقات، من دون أن تخسر علاقتها بالغرب، لكنها لا تستطيع أن تكون دولةً أوروبية كاملة، فقمعُها للأكراد ومنع حصولهم على حق تقرير المصير يحول دون ذلك، ومستوى حريات نسائها وبقاء التخلف الاجتماعي في الريف خاصة، يجعل صعودها لمستوى أوروبا شيئاً يحتاج إلى المزيد من انتشار المصانع والتحديث خاصة في المناطق الآسيوية.
وقد انفجرت الثورات العربية بسببيات مختلفة عن هذا، وعبرت عن حراك الأمة العربية عبر تفاوت مستوى أقطارها، ولمدى جذور التحديث فيها، سائرةً باتجاه الحداثة الأوربية نفسها وبالتقدم المطلوب نفسه، وتلاقى وتصادم الحراك العربي والحراك التركي ولكنهما يؤكدان ظاهرة متقاربة هي تبدلُ جلودِ الأمم القديمة في الشرق ونزعها حلل التقليد وتوجهها لدخول نادي الحداثة العريض.
هذا الدخول كان من خلال البقاء في الإرث الديني ~ الاجتماعي، فيما المستوى السياسي يتحركُ باتجاه الديمقراطية، فالرأسماليات الحكومية الشمولية تحولتْ من أداةٍ للتنمية إلى أن تكون عائقاً ضدها.
فالبرامج الاجتماعية السياسية لها من تركيز في شراء السلاح وهيمنة الفساد وغياب الخطط التنموية العادلة لأقسام الشعب ومناطقه، غدتْ عائقاً كبيراً أمام التنمية والديمقراطية معاً، وهما شكلان متلازمان.
لكن الدول العربية المنتصرة في تحولاتِها ليست مثل تركيا ذات التاريخ الأكبر في التحديث، فهنا لا توجد طبقةٌ واسعةٌ من رجالِ الأعمال المستقلين الأحرار، وهذا يبدو في طبيعة الأحزاب السياسية التي ارتفعت فوق المسرح السياسي القريب من دوائر الحكم.
كما أن هنا نسبة مشوشة متداخلة من الأحزاب السياسية العصرية والأحزاب الدينية، فالكلُ يريدُ أن يكسبَ أصواتاً لمعركة السلطات القادمة، والكل يظهر أنه مع الدين والحداثة ومصالح الشعب ومع الأخلاق وضد الفساد، ففجأة صار الكلُ طاهراً يلمعُ نفسَهُ للكراسي، ولم يُختبر أي حزب في التنفيذ ورؤية مدى قدرته على تكوين تنمية ونشر مستويات أجور وصحة وخدمات متقدمة.
وقد دخلت الحكومة التركية على الخط هنا لتشجيع اتجاه ديني معين من أجل أن تضمنَ علاقات اقتصادية ذات منافع متبادلة وتكرس اتجاهاً محافظاً في المنطقة، وتخشى من قوى أخرى كاليسار أو الحداثيين (الأوروبيين) توجه العلاقات باتجاهات أخرى.
ورأينا التذبذب في المسألة الليبية وتقارب سياساتها مع الدول الشرقية غير الديمقراطية كروسيا والصين، لكنها بعد ذلك وجدت أن خيار الثوار الليبيين أكبر من خيار القذافي المهزوم فمالت تماماً للمنتصرين المنتظرين.
لكن مصائر الدول القائدة للأمة العربية كمصر وتونس في هذه المرحلة مفتوحة، فظهرت علاقاتها الخارجية متذبذبة، بين تركيا وإيران، بين الغرب الديمقراطي والشرق الاستبدادي، وهذه العلاقات الخارجية تعكس مضموناً داخلياً يظل غامضاً حتى الآن وهو بحاجة للصراعات الاجتماعية السياسية لتجلي دلالاته.
توازناتُ الحداثةِ التركية
18/6/2011
وضّحتْ نتائجُ الانتخاباتِ التركية الأخيرة رفضَ العديد من القوى الاجتماعية انزلاق المجتمع للسياسة الدينية المحافظة وتأييدهم لعملية التوازن بين الحداثة والديمقراطية والإسلام.
إن الثمنَ الذي دفعه الشعبُ التركي لكي يصل إلى هذه اللحظة التاريخية المتقدمة هو كبيرٌ وباهظ، ولكن التوازنات المعقدة والمتقلقلة كذلك تعبر عن مستوى اقتصادي اجتماعي متحول في البنية ولن يتوقف عن التغيير والصراع.
(عند إعلان الجمهورية التركية سنة 1923 كان 80% يعيشون حياة تقليدية في الريف)، (جدل الإسلام والحداثة في تركيا، عبدالله تركماني).
إن التجربة الأتاتوركية العلمانية رغم قسوتها القمعية وشكلانيتها التحديثية لكنها كسرتْ عظام الإقطاع السياسي الاجتماعي، فلم يعدْ شيوخ الدين قادرين على تأبيد التخلف باسم الإسلام، لكن هذه التحديثية من جهة أخرى أوجدت دولةً استبدادية.
إن توسيع الدولة للفئات الوسطى والعمالية الحديثة وانتشار الحريات والعلاقات الواسعة مع الغرب حضّرت تركيا الراهنة لعمليةِ تركيبٍ اجتماعية سياسية عميقة وهي الجمع بين الحداثة والإسلام، فالناس يشكلون واقعهم السياسي الديمقراطي ويتوجهون للصراع حول البرامج الاقتصادية ولهم حرياتهم الدينية.
لم يكن تاريخُ الإسلامِ سهلاً بسيطاً في حياة تركيا، لقد جاءت القبائل التركية من أقصى الشرق، وعبرت قارة مشتعلة وصارعت شعوباً واغتنت من الاحتكاك بالشعوب الكبرى المتحضرة، ولعب الإسلامُ دوري التوحيد والتحضير، فوثنيتها وتفككها وتخلفها تم التغلب عليها من خلاله، وصارعتْ الدولةَ البيزنطية والمسيحيين الشرقيين، وكسبتْ كلَ بوصة من أرض تركيا، عبر هذه الثقافة وتضحياتها فثمة بطولات أسطورية هنا وتاريخ مليء بالثقافة والإبداع، فمن المستحيل القفز منها للعدمية، بل لابد من تطويرِها وإغنائِها بمنجزاتِ الحضارة الحديثة ونقد الماضي المحافظ الاستغلالي الحربي كذلك.
الطواقمُ الليبراليةُ ذات الجذور الدينية فهمت ذلك وانتقلت من لغة الخطاب الايديولوجي إلى لغة الخطاب السياسي الواقعي.
ولهذا فإن دعاة الحركة السياسية الليبرالية الدينية الجديدة بدءًا من 2001 أخذوا يطرحون الخطوط العريضة السياسية التالية:
تركز نشاط الحركة في أسس الديمقراطية والشفافية والتعاون، وتوجهتْ لقضايا البناء التحتي أي التركيز في حل قضايا عدم المساواة في توزيعِ الثرواتِ والنمو العادل لكل مناطق الدولة، والتحول من خطرٍ على النظام إلى أداةٍ لتطوير النظام، وصعد الاهتمام بالانضمام للاتحاد الأوروبي كذروةٍ لتطور تركيا الديمقراطية الحديثة من دون نسيان الماضي والرفاق في مسيرة الإسلام، وعدم تحويل قضية الحجاب بالنسبة إلى المرأة إلى قضية صراع بل التركيز في حقوق المرأة الاقتصادية والاجتماعية، من أجل تغيير الأسرة.
واستطاع حزب العدالة والتنمية أن يطبق هذا البرنامج بكفاءة بسبب وجود كوادر سياسية مرنة وذكية وصبور جسدت تلك النقاط المحورية في شتى جوانب الحياة التركية، وجعلت منها برامج تغيير، فطورت حياة الفئات الوسطى والعمالية، في المدن والأرياف.
وقد عكست نتائج الانتخابات وانتصار حزب العدالة والتنمية صعود قوى الطبقة الوسطى المختلفة ايديولوجياً ومناطقياً وقومياً، فقد أعطتْ النتائجُ الانتخابية صعوداً مستمراً كذلك لقوة حزب الشعب الجمهوري ذي الجذور الكمالية والحزب القومي المكمل له، وتصاعدت قوة الأكراد السياسية معبرة عن الأقسام الوسطى المرنة بخلاف حزب العمال المتطرف.
كذلك أبقت حزب العدالة والتنمية في مستوى انتصاره السابق غير متيحة له تغيير الدستور، مما يعكس مخاوف أغلبية المجتمع من استغلال الإسلام للجوانب المحافظة مرة أخرى وتكوين دكتاتورية سياسية باسم الدين.
عبرت النتائج عن تعايش المجموعات الفكرية السياسية والقومية وتأسيس توازن بينها لا يتيح لقوة علمانية أو دينية أن تفرض رؤيتها الخاصة على الآخرين، ولكن في سيادة النهج الديمقراطي ذي الجذور الإسلامية الوطنية التركية.
ولا شك أن هذا يمثل السلام الاجتماعي ويكرسه ويجعل مختلف الأطراف تنشط اقتصادياً في إطار تنوع يمثل لحظة معينة من توازن قوميتي الأتراك والأكراد اللتين تنموان وتتحركان في المنطقة مثل حراك الصفائح الأرضية، والإدارة الديمقراطية هي من يتجنب الزلازل ويكرس الازدهار.
انفصامُ تركيا الاجتماعي
20/8/2013
شكلت تركيا طليعة الدول الإسلامية المتجهة نحو الحضارة المعاصرة، فقد كانت تقود هذه المنطقة وتغلغلتْ في القارة الأوروبية غازية، وكونت أكبر ثروة من استغلال الشعوب الإسلامية، فكونت فائضاً مهماً للتحول نحو الحداثة.
لكن بناءها الاقتصادي المتخلف لم يؤهلها لمراجعة وضعها ومقاربة الغرب. ولهذا فقد سرقتْ الدولُ الغربيةُ الكبرى (مستعمراتها) التي راحت تغذيها بالفوائض وتغدو أسواقاً لها.
خضوع تركيا السياسي الاقتصادي للغرب أدى إلى تغيير ملامحها الشرقية الدينية الاجتماعية، وقد هجمت النخبةُ الحاكمة التركية على ميراث الشرق الديني الذي رأت إنه السبب للتخلف والاستعمار، وحينئذ كان بيدها الجيش والسلطة أداتين للصراع ضد الميراث الاجتماعي الديني حيث الدروشة المنتشرة والمراكز الدينية الصوفية المعرقلة الكبرى للتحديث، وحدثت مجابهة طويلة بين هذين الشكلين من الوعي الاجتماعي، فالوعي الغربي التحديثي العلماني الرافض للتراث العتيق المتخلف يهاجم الدروشة ويفرض عالمه المجلوب من الغرب ويكرس مظاهره في كل مكان.
والتراث العتيق يدافع عن نفسه وعن زواياه ومظاهره وأشكال علاقاته الاجتماعية التي بقيت خلال قرون سائدة محتفية.
يمكن تلمس معاناة هذا الصراع الحاد خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، خاصة إنه تم كحروب عسكرية واجتماعية وثقافية، فدولةُ السلطنةِ تزيل الخلافة، وتندفع لمظاهر الحضارة والصناعة الغربية وتتحول من بلد شرقي لبلد غربي، وهذا التحول على مستوى حياة السكان لم يكن رفيقاً، فثمة فئات جديدة في السلطة تكرس نموذجاً له امتيازات وعادات وعلاقات وهذا يعني الصراع مع فئات أخرى ذات نموذج يتعرض للانهيار، ويفقد أشكال وجوده وطرق حياته التقليدية.
وكلما زاد التغريبُ تفاقم هذا الصراع وانزوت الفئاتُ القديمة وفقدت عاداتها الدينية وتعرضت للابعاد، ويغدو وجودها محل شك وخطر خاصة في الدوائر العسكرية والسياسية والإدارية.
أتاتورك طرح نموذج التقليد الغربي بشخصية تركية، فكرس الأشكال الخارجية والاستيراد العسكري والاستيراد الصناعي.
وجاء تلامذته ليجعلوا من التبعية والدخول إلى السوق الأوروبية والذوبان في الحضارة الغربية مساراً سياسياً طويلاً دون أن يصل ذلك للنهاية.
لكن الجمهور الغالب الفلاحي والحرفي والشعبي عادة لم يتطور بشكل صناعي علمي واسع وبقي وعيه الديني الإسلامي التقليدي علامة على هذا، وهو ما جعل تركيا أقل تطوراً من الدول الغربية ومشكلات القومية المسيطرة على القوميات المسيطر عليها مظهر آخر على غياب الديمقراطية الوطنية على نحو شامل وبقاء القوميات الأخرى في درجات عيش متدنية.
إزدواجية تركيا الاجتماعية مثلها مثل مستويات تطور أغلب دول الشرق لكنها تفوقت على الكثير منها وغدت ذات جزء حداثي هام، فأرادت أن تتمدد في الشرق وتعيد سيطرتها القديمة العثمانية بشكل جديد، مع الإبقاء على طابعها المحافظ المعبر عن السكان العاديين.
هذه المراوحة والتناقض والعجز عن التغيير الحداثي الديمقراطي الشامل تجد انعكاسها في اللغة الأيديولوجية الدينية وتحويلها لسوق سياسية داخلية وخارجية، فتريد أن تساهم في خلق نماذج عربية لها وأسواق مفتوحة، تدافع عن نفس المحافظة الريفية.
لكن القسم الحداثي التركي يرفض هذه العودة والأدلجة ودس الشعائر الدينية في السياسة وعمل الدولة وصناديق الانتخاب ويقاوم من أجل حداثة مكتملة وتفهم عقلاني علماني للتاريخ الديني.
القسمان المتصارعان سواء في تركيا أم في بعض الدول العربية والإسلامية التي تطورت فيها الفئات الوسطى وقاربت السلطات والنظام الحديث، يظلان غير مكتملين معتمدين على صناعات حرفية وصناعات تعتمد على المواد الخام وعلى ثقافة سحرية في أغلبها، ولهذا فإن تغيير الشعارات والسياسات بدون تغيير القواعد التحتية لهذه الفئات المأزومة بين الماضي والحاضر، بين الدين والعلم، بين القومية المتعصبة والإنسانية، هو إعادة تكرار للخلافات والأزمات في حين أن الحل هو تغيير القواعد الاقتصادية وإنتاج السكان القديم.
هو صراعٌ اجتماعي معبر عن مستوى أغلب الدول الإسلامية المنقسمة بين هشاشة الحداثة وضخامة الحياة التقليدية، ولكن تجربة تركيا أبكر، وتحويل القوى الاجتماعية هذا الاختلاف الاقتصادي إلى معارك سياسية تستنزف موارد متعددة هو تعبيرٌ عن قصر النظر وعن مستوى قوى الانتاج المتخلفة أساساً.
تركيا الحداثة
6/4/2014
تعودُ تركيا مرةً أخرى لتناقضاتها التقليدية، ولهذا تظهر بشكل متخلف ساذج، بالصراعات حول الحجاب ومراقبة الشؤون الخاصة.
لم يستطع الأتراك العثمانيون الخروج كذلك من هذه التناقضات وكانت لديهم إمبراطورية كبرى. كانوا يحافظون على العلاقات الإقطاعية، وينافسون الإسبان في تثبيتها والصراعات حولها. الامبراطوريتان الإسبانية والعثمانية تدهورتا وتقلصتا كثيراً حتى صارتا دولتين صغيرتين تصارعان من أجل وحدتيهما القوميتين.
فيما الدول الصغيرة الرأسمالية في غرب أوربا غدت دولاً عظمى.
حزب أردوغان الديني لا يعي تناقضاته، التي هي تناقضات المجتمع الإقطاعي الديني القديم، تناقض العقيدة الدينية المحافظة التي جعلتها شكلانية والتحديث.
في كل مرحلة كانت الأحزابُ الدينية تُخسرُ المسلمين شيئاً ما ثميناً، كانت السيادة على جزء كبير من العالم لهم، فأرجعوا إلى بحارهم الداخلية، ثم جاءت مرحلة الاقتطاع من دولتهم وعالمهم، ثم جاء زمن آخر هو نزع استقلالهم، ومن ثم تخلفهم وتبعيتهم.
الآن جاءت مرحلة تمزيق بلدانهم من الداخل.
الشرائح الوسطى التي تمثل هذا الحزب لا تريد أن تتخلى عن السلطة من أجل طبقة صناعية قائدة حاكمة، قوى المثقفين هنا لا ترى تجارب العالم الهائلة في ذلك، فعبر الأيديولوجية الدينية يمكن صناعة كل شيء.
كانت العودة للتسامح وهزيمة العلمانية المتطرفة السابقة مرحلة مهمة لتركيا، وعبر عنها حزب أردوغان، وهي التي أشبعت من الصراع الحاد بين العلمانية المتحزبة المعادية للإسلام وبين التدين المعادي للعلمانية الديمقراطية.
ولهذا تحتاج تركيا للعودة لأسس الحداثة وترك الصراع الأيديولوجي وفهم كل المسيرة التاريخية السابقة وفهم مسيرة العالم الغربي التحديثية والتي تُركت سابقاً وعاداها العثمانيون الأجداد والأحفاد للأسف، لكن هل تمتلك الفئات الوسطى المثقفة الرساميل لتقود ثورة صناعية داخلية؟ بوحدتها وتعاونها.
صراع الرساميل في تركيا
25/8/2014
عبرت السياسة الأتاتوركية عن علمانية خفتتْ من الغلواءِ الدينية الاجتماعية، خاصة في عزل النساء عن سوق العمل، وتحجيم الوعي العقلاني، وأسستْ قطاعاً عاماً مسيطراً، إلى جانبِ قطاعٍ خاص كبير. لكن الفسادَ قللَّ الإيرادات كثيراً في القطاع العام، وتم استغلال هذا القطاع لأغراضٍ سياسية لدعم السياسيين المتنفذين. فاستمر العجزُ في الميزانية، وازداد التضخم، وفقدتْ الليرة التركية الكثير من قيمتها.
ومن الناحية السياسية استمرت البيروقراطية الحاكمة العسكرية ~ المدنية في الحكم وهو أمرٌ يشيرُ إلى وجودِ قبضةٍ سياسية قوية في العاصمة على الجمهور الشعبي، وعلى الأقليات القومية، وعلى الحركات الدينية والحركات اليسارية، من أجلِ تشكيلِ نهضةٍ وسطية تقاربُ الغربَ الديمقراطي حسب رؤية كمال أتاتورك. لكن هذه الطبقة الإدارية العسكرية واجهتْ الاختناق في هذا المشروع فالفسادُ الداخلي أهدرَ الكثيرَ من الفوائض، وقمعُ الأكراد والحربُ في قبرص وعدم تحرير الفلاحين أضعفت الحكومات التركية المنهارة المتعاقبة.
منذ الأربعينيات من القرن العشرين بدأتْ الحكوماتُ المختلفةُ في دعمِ القطاع الخاص، وغدت تركيا ذات بنية صناعية متوسطة، فالموادُ الخامُ محدودةٌ والعمالةُ المتخلفة وأتساع هجرة العمالة للخارج لم تجعل تركيا ذات صناعات ثقيلة وتقنية عالية.
كما أن ذلك يرجع للبنية الاجتماعية وتقسيم العمل الاجتماعي:
(هناك فرقٌ كبيرٌ في مستوى المعيشة والحالة الاقتصادية بين الغرب (التركي) الصناعي والشرق الزراعي. يعتبرُ القطاعُ الزراعي أكبر قطاع من حيث تشغيل العمالة، حيث تبلغ النسبة حوالي 40 % من مجمل قوى العمل في البلاد، ولكنه ينتجُ ما نسبته حوالي 12% فقط من الناتج القومي. القطاعُ الصناعيُّ ينتجُ حوالي 29,5%، قطاع الخدمات حوالي 58,5% من الناتج القومي لتركيا. يعمل في قطاع الصناعة 20,5%، في قطاع الخدمات 33,7% من مجمل عدد الأيدي العاملة.)، موسوعة ويكيبيديا.
هذه النسب توضحُ الطابعَ الوسطي للصناعة، وإتساع حجم القطاع التقليدي، وهو المؤسسُ للحركات السياسية المحافظة عادة، ولكنه يشير كذلك إلى تنامي فئات البرجوازية المختلفة، وخاصة في الصناعة والخدمات.
قامت الحكوماتُ المتعاقبةُ بحماية الشركات الخاصة، ودعم التصدير إلى الاتحاد الأوربي، والابتعاد عن سياسات الحروب والمجابهة، فبدأ معدل نمو الاقتصاد في التغير والتذبذب عموماً، فكانت نسبة النمو في سبعينيات القرن الماضي بين 7% إلى 4%، بعد تنام سلبي لعدة عقود لكن مع زوال النظام العسكري في سنة 1982، وتدفق أموال العمال المغتربين من أوربا الذين يبلغ عددهم سبعة ملايين فرد، أخذ الاقتصاد التركي بالانتعاش.
ولكن قادت الخصخصةُ غير الشعبية والانتقال الواسع غير المبرمج لدعم القطاع الخاص في الثمانينيات إلى إحداث اضطرابات سياسية واقتصادية كبيرة، مما أدى إلى التضخم الواسع وانهيار الليرة التركية وإلى صراعات سياسية كبيرة وتفجر المسألة الكردية في تركيا.
لا بد أن نقول هنا بأن هيمنة القطاع الحكومي البيروقراطي في عقود طويلة يماثل جزئياً الرأسماليات الحكومية الشرقية الشمولية حيث إن تلك الهيمنة للقطاع العام لم تصل إلى اكتساح الاقتصاد كله، وحيث إستمرت التعدديةُ السياسيةُ والثقافية الهامتان في تركيا، لكن تلك الهيمنة للقطاع العام من جهةٍ أخرى خلقتْ طبقةً مستفيدةً من هذه البيروقراطية السائدة، وقامتْ بتقنينها فكرياً عبر تصوير البلد كبلدٍ ديمقراطي على الطراز الغربي، خاصة لما تسودُ فيه من حرياتِ العقائد التي غدتْ شأناً خاصاً بالمؤمنين بها، لكن هذه الديمقراطية الاجتماعية المحدودة لم تكن ذات عمق ديمقراطي سياسي، لكون الطبقة المسيطرة ذات حجم عسكري كبير ورأس مدني ضئيل، وهو أمرٌ تجسدَ في القطاعين العام المهيمن الفاسد والقطاع الخاص المُنتج شبه الملجوم.
ولكن جاءتْ موجاتٌ اجتماعية وسياسية داخلية أساساً وعالمية ثانوية متضافرة ومؤثرة لعبتا دوراً في الاتجاه بتركيا نحو آفاق جديدة.
إن سقوط المعسكر (الاشتراكي) لعب هنا دوراً إيجابياً فذلك (التهديد) التاريخي المزعوم زال، والمسألة القبرصية توجهت للتهدئة، والحركات اليسارية المتطرفة خفتتْ نيرانُها، وبقيتْ المسألةُ الكرديةُ ملتهبةً، وكلُ هذا أدى إلى تصاعدِ الحرياتِ وخفوتِ دورِ العسكر التاريخي، وتنامي دور القوى المدنية، وبقيتْ علاقاتٌ ضروريةٌ جدليةٌ لا بد من بروزِها بين البرجوازيةِ البيروقراطية الحربية الآفلة تلك والبرجوازيةِ المدنية الصاعدة وهي علاقاتٌ ذات أهمية في تشكيلِ وضعٍ سياسي جديدٍ مشترك، يجمعُ بين إيجابيات الماضي وإيجابيات الحاضر، وهذا لا بد له من جدلٍ تاريخي وصراع سياسي بين القوتين يكشفُ المضامينَ المتلبسة بينهما وهما لهما مصالح متقاربة وأن طمستها اللغتان الإيديولوجيتان لدى كل منهما، ولكن البرجوازية المدنية ارتبطت بقوى دينية ومؤثرات مشرقية عضدت القوى المحافظة الدينية فيما القوى الاتاتوركية تقلصت وغلبها المدنيون الدينيون بتوسع علاقاتهم بدول النفط.
هجمةٌ ثقافيةٌ تركية
29/8/2014
ملأت المسلسلات التركية الشاشات العربية، وتجلى التاريخ العثماني بسطور ذهبية مشوقة.
هذا التاريخ الذي كان مذموماً بصفته الامبراطورية التوسعية، حيث علت المشانق ساحات بيروت، وأكتسحت جيوش (الصدر الأعظم) الوطن العربي، وبتأخير حال العرب وجعلهم عشباً يابساً لأحذية الغرب.
هنا التاريخ يصبح تاريخ السلاطين والجواري، يسبك عالمٌ رمزي متألق منه.
ولم يقتصر الأمر على مسلسلات بل تعداه للأدب والقيام بطباعات فاخرة لأعلام الرواية التركية المعاصرة خاصة لبرهان داموق، هذا الكاتب الذي حصل على جائزة نوبل في تكريس مقصود لهذه المؤسسة التي تدعم مؤيدي النموذج الغربي التابع.
روايات برهان داموق ليست مؤدلجة في سياق رخيص فهو كاتب كبير، يُضفر بين قراءة سحر الشرق الفني وعالم تركيا المعاصر السياسي العام حيث يتجنب الصراعات الطبقية وكشف سجل التطور الاجتماعي التركي ولكنه يصمم روايات آخاذة بفنيتها وتعبيرها الغنائي وغوصها في البحر الأسود وكشف آثاره وبقاياه.
وهناك كتابٌ آخرون أتراك حظيت باهتمامهم دور النشر العربية الجديدة الغريبة التي ملأت الأرفف بنتاجاتهم.
هذا الزخم الإعلامي والاهتمام الأدبي لا يقتصر على دعم المؤسسات التركية ولكنه يحظى بدعم مؤسسات عربية.
يُراد تسويق النموذج التركي في المنطقة بديلاً عن النماذج الأخرى المتخلفة، فهو نموذج متفوق عليها، يقترب من النموذج الغربي الديمقراطي وأن لم يكتمل ذلك في عرف الغرب الذي لا يسمح لتركيا بدخول ناديه المقدس، كما أن جذوره الدينية تتيح له الدخول في المذهبية الأوسع في العالم العربي.
المذهبية الواسعة المرنة تتوجه للتداخل مع التطورات الغربية التحديثية وصارت تركيا نموذجاً دون أن يُحس تطورها.
لقد استطاعت الطبقة الوسطى بجناحيها العلماني والديني أن تهيمن على الشعب، وتقوم بإصلاحات مهمة على مدى القرنين الأخيرين فتوجهت لأن تكون قائدة للمنطقة خاصة مع توسع الموجات الدينية المحافظة التي تغدو رساميل.
لكن هذه التطورات تصطدم بمستوى تحديثي عربي مستقل خاصة في النموذج المصري الذي يسعى لدور الريادة مع حداثة وديمقراطية وعلمانية، وما جعل البلدين يصطدمان وتقوم مصر بتكوين تحالف حديثي مناهض للإخوان المسلمين.
الأتراك يستغلون الإخوان لكنهم أكثر تطوراً.
ولهذا نجد المسلسلات والآداب التركية مليئة بالحداثة والمقاربة الغربية الديمقراطية.
لماذا لا تؤيد الإدارة الأمريكية النموذج العربي وتخشى تكوينه محور يتجاوز النموذج التركي؟
البلدان العربية ذات إمكانيات كبيرة ومن الممكن أن تكون قوة كبيرة في المنطقة وتغير الخريطة السياسية.
أردوغان والخداع السياسي
2014/9/14
عاشت الامبراطورية العثمانية على سيطرة إقطاع عسكري سياسي متخلف أبقى المسلمين قروناً من التخلف.
لهذا كانت عظمة كمال أتاتورك في التصدي للغزاة وتحرير تركيا وتطويرها وتحديثها، فقام بمهام تاريخية جسيمة لم يستطع أي زعيم عربي في عصره القيام بها.
تحطيم العسكر العتيق وقواه من المتصوفة والدراويش كانت ثورة عصرية، لكنه لم يستطع استكمال مهام الثورة الديمقراطية بتحرير الفلاحين وتغيير ملكية الأرض، ولهذا فإن تركيا لم تغير بناءها الاجتماعي كلية، ودفعت الملايين من شعبها للهجرة وخاصة الى الغرب.
واعتبر الدينيون ذلك تغرباً على مستويين وجناية من جنايات الحداثة!
الاتاتوركيون رغم دورهم التاريخي تلاحموا مع القوى الإدارية الغنية وأخمدوا التحولات النضالية على مدى عقود، ولم ينشروا فكراً ديمقراطياً شعبياً مما جعل النزعات اليسارية والدينية المتطرفة تنشط وتخرب!
وجدها الدينيون فرصة في الاستغلال السياسي والقفز إلى الحكم، ووجدوا في اردوغان قائداً مغامراً تصدى لذلك بعكس زعمائهم المعتدلين الذين تخوفوا من آثار هذه الألعاب السياسية.
تلاعب أردوغان بالمشاعر واستغل فترة سجنه الضئيلة (أربعة شهور) في الدعاية، وقال انه صمم برامج لإخراج تركيا من أزمتها، مركزاً على الطابع الإيديولوجي، فيما كانت مشكلات تركيا بنيوية عميقة وتخلفا تاريخيا وتدفق الفلاحين الفقراء على المدن وتدفق العمال على أوروبا.
التلاعب بالشعارات وتحويلها إلى حماس جرّ الكثير من الفقراء للانخداع وصوتوا له، ولكن التغييرات العميقة لصالح القوى الشعبية لم تأت، ثم تشكلت فئة إدارية فاسدة جديدة إضافة الى القديمة.
فدخلت تركيا في أزمة داخلية مركبة، وانشطار في رأس الدولة وتفكك للمجتمع.
واستغل أردوغان ذلك في الانتشار في البلدان العربية واستغلال التحولات النفطية لصالح جماعته السياسية.