محمد البنكي ومحاولة لتفسير جديد
كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة
عقدت اسرة الأدباء والكتاب ندوة تحدث فيها محمد البنكي عن التجربة الشعرية الشاملة لقاسم حداد، وقد ركز على موضوع «تحول الرمز» في تجربة الشاعر. مستخدما بعض أدوات التحليل البنيوي .
وقد انطلق الدارس من تحليل الرموز والكلمات الأكثر تكراراً في تجربة قاسم ؛ واضعا إياها في جداول احصائية، كرموز: الرؤية ، الماء ، الموت ، الطفولة ، الأرض ، البحر ؛ الدم الحلم ..
وقد وجد ان رمز «المرأة» هو الاكثر حضورا واستمراراً ، خصوصا بعد ديوان «القيامة» ، وقد حاول أن يفسر تجربة قاسم حداد من خلال هذا الرمز .
[ إذ أن استهدافنا الحاضر هو التأكيد على دور المرأة كرمز يخترق تجربة قاسم حداد ويصوغ تحولاتها].
وفي سبيل جعل الرمز، مفتاحا أساسيا لفهم العالم الشعري يستعين محمد البنكي بالكثير من الاستشهادات والصيغ، ولكن من اهمها وما فهمة من أراء سوسير، وهو احد اقطاب البنيوية اللغوية، فيقول:
[ منذ اللحظة التي اكتشف سوسير اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول متيحا للدال حرية تأسيس مدلوله لم يعد ممكنا التراجع عن هذا التحرر؛ الذي يرفع قيود الظرف المعجمي والبيئي كمتحكم مطلق يقرر الدال ويصوغ مدلوله].
تحرير النص
في هذا الاستشهاد يتضح طبيعة المنهج الذى يستعين به البنكي لتفسير شعر حداد ، فالقصد هو تحرير نص حداد من مواصفات البيئة والظروف والتجربة التاريخية ، التي تشكل النص في بوتقتها ، أي قطعة من سياقه الاجتماعي ، ودراسته كبنية فنية منفصلة تمام الانفصال عن البيئة الاجتماعية التي ظهرت فيها.
إن اللغة الشعرية، مثلها مثل أي نوع لغوي ، حتى في تصور سوسير [نظام إشارات تعبر عن الأفكار فهي لذلك تقارن بنظام كتابة الألفباء الصامتة والطقوس الرمزية والصيغ السياسية والإشارات البنيوية في الأدب]. روبرت شولز اتحاد الكتاب العرب . دمشق ص 28.
فلا يمكن للنظام اللغوي الشعري؛ ان يفهم خارج الأفكار وبالتالي خارج سياقاته الاجتماعية – الأيديولوجية .
ولكن الدارس يتعمد فصل اللغة كنظام اشاري وتعبيري ، عن الأفكار وتاريخها ، وعن البنية الاجتماعية ، وبالتالي عن الصراعات والحياة بألوانها الحقيقية .
ولهذا فإنه ؛ بعد أن يفصل اللغة الشعرية عن سياقها التطوري ، التاريخي ؛ يفسرها منذ منتصفها ، منذ كتابة قاسم حداد لديوان «القيامة» ، لا أن يتتبع التجربة الشعرية في نموماً العضوي ، في ملموسيتها ، في نصوصها المحددة ، وتعاقب واختلاف النصوص.
وحين يأتي للرموز يعددها كمياً ؛ ويهتم بالرموز الأكثر تكراراً ، ولا يدرس تطور منظومة الرموز في نموها المتدرج ؛ فهي تعبير عن منظومة الأفكار ، وتتابعها ، وتناقضها ، وصراعها، وتبدلها.
كما أن هذه الرموز ، ككل البنية الفنية ، مرتبطة في نهاية السياق بعملية التحول الفكري ــ الاجتماعي . فرمز «النار» ــ ولا يأتي ذكره ــ ورد عشرات المرات في الدواوين الثلاثة الاولى، مع مشتقاته، ثم اختفى في الدواوين التالية ليستبدل برمز مركزي آخر هو «الماء» . وجاءت الدواوين التالية : القيامة – قلب الحب – انتماءات .. كمرحلة وسط تمثل لحظة صعود فنية كبيرة ، ثم تعقبها المرحلة الأخيرة، الأكثر توغلاً في الذات ، وهذه التبدلات تقوم على علاقة خاصة بين الشاعر والواقع.
الشاعر والواقع
إن الدارس بقطعه هذه العلاقة بين الشاعر والواقع ، يستهدف عدة عمليات فكرية . فهذا القطع يتيح دخول التفسير الأيديولوجي للشعر. لا التفسير العلمي . فالتفسير الأيديولوجي يقود الى اسقاطات فنية خاصة ؛ ويأخذ مناطق معينة من التجربة الشعرية فاصلاً إياها عن مناطق اخرى ؛ ويركز على رموز معينة ظهرت في الفترة الأخيرة ، ليمددها على طول التجربة ؛ ويبتعد عن دراسة بنية الدواوين الاولى ، ذات الرؤية السياسية المباشرة، المرتبطة بشكل ملموس بقضايا محددة .
هذه الرؤية النقدية تتيح تغيير الأدوار في الشعر ، فيتحول الشعر إلى نثر ؛ والنثر الى شعر ؛ المرحلة الشعرية الأخيرة تتحول الى كل الشعر . هنا يدخل التفسير الأيديولوجي للشعر او التبرير الفكري للنص الأدبي ؛ لا النقد التشريحي ، الباحث عن السلبي والايجابي ، المعتم والمضيء . النثري والشعري الخ ..
وهذا ما يجعل النقد ليس فتحا للنص ، أو نصاً آخر موازياً ، بل ملحقا وتابعا ومبرراً للنص الشعري .
وفي سبيل ذلك يجري حشد الاستشهادات وأقوال النقاد البنيويين ، بما لا يقوي عملية البحث الموضوعية ، بقدر ما يثقلها ويرهلها بحشود الأسماء .
الدارس محمد البنكي من الأسماء التى تشق طريقها في الدراسة الأدبية ، وبحثه رغم ملاحظاتنا عليه ، يبشر بباحث أدبي مجتهد وعميق .
لا يقرأون . . ويتعاظمون! : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
اليسار والميراث الديني
من الآراء التي تمخضت خلال الحوارات حول الثقافة العربية الإسلامية ضرورة نشر الآراء الديمقراطية الجديدة حول تاريخنا وتراثنا مع الجماعات الدينية والليبرالية لمزيد من تعميق هذه الآراء ونشرها وتصويبها.
وهو قولٌ وجيه وضروري ولكن الأمر يحتاج إلى خطوة أكثر ضرورة وهي تثقيف اليسار نفسه بهذه الآراء، فتكاد الجماعات اليسارية أن تكون منخلعة من فهم إرثها العربي الإسلامي، وقبل أن يذهب المرء للحوار مع الجيران من الضروري أن يرتب بيته الداخلى.
والصورة السائدة عن الإرث في الماضي تكاد أن تكون مشتركة في كل التيارات باختلاف توجهاتها، ما عدا الاتجاهات المتطرفة التكفيرية التي لا تتزحزح عن شعرة من نصوصيتها.
وهذه الصورة المشتركة هي العموميات المذهبية السياسية، أما الحفر تحت هذه الصورة المشركة، فهو أمر صعب. وهي ثوابت كرستها عدة قرون سابقة، وهى تتجذر في عادات شعبية واسعة، وطرق تفكير منمطة أشبه بالصخور!
ونجد أنه حتى المجددين في الفكر الديني لا يحظون بأهمية تذكر في صفوف طوائفهم، مما يؤكد صعوبة اختراق المؤسسات الدينية التقليدية، التى عاشت على طرق تفكير مقننة عبر المذاهب الرسمية المتواشجة مع الأنظمة السياسية الشمولية في المنطقة.
بل انه حتى الأنظمة التقليدية وهي تحاول بعض الإصلاح الطفيف فى الأنظمة الدينية التقليدية التى عفى عليها الزمن تواجه بمقاومة شرسة داخل بلدانها، في حين تقود السيطرة المتزمتة في أنظمة أخرى، وكذلك تفاقم العمليات الإرهابية والمذابح، بعض الجمهور إلى الكفر بكل شيء!
ولهذا فإن الأزمة الفكرية/السياسية في العالم الديني التقليدي مستفحلة بكل ضراوتها . في حين أن المجددين في الفكر الديني نفسه والمعزولين عن تيارات التأثير، هم أنفسهم يعجزون عن الوصول إلى سر هذه الأزمات، نظراً لرفضهم وجهات النظر المادية الجدلية والتاريخية والمدارس الجديدة في الفكر والتحليل!
وهكذا فإن اليسار يواجه ضحالة فكرية تراثية في صفوفه، ويواجه أزمة فكرية دينية في الحياة العامة، معتبراً المسائل الفكرية الرفيعة وقضايا الجذور التاريخية للفكر والأديان، مسائل ترفيهية ومضيعة للوقت الثمين المكرس للشعارات!
ولهذا لا يصبر أعضاء الجماعات اليسارية والليبرالية على قراءة المسائل التراثية، ويريدون فقط مناقشة المسائل اليومية، والتركيز على سطوح الظواهر، تدفعهم في ذلك الرغبة في تأجيج التطور والإسراع بحل المشكلات، دون أن يتحقق لهم شيء من ذلك فييئسون!
لأن حل المشكلات الجماهيرية لا يتم دون وجود جبهات سياسية واسعة تضم أوسع القطاعات الشعبية، وهو أمر لا يتحقق في وجود انقسام مذهبي سياسي واسع وتفكك فكري، ومن هنا يحتاج الأمر إلى ركائز فكرية مشتركة واسعة بين الناس، وبين الكتل الاجتماعية المختلفة، وهذه الركائز تعتمد على فكر النهضة والجذور الإسلامية والأفكار التقدمية المعاصرة معاً!
وهذه ليست خلطة طعام سريعة، بل هي رؤى منفتحة عند الجماعات السياسية الفكرية المؤثرة، تدفعها للقسمات المشتركة في الإسلام والفكر التقدمي الحديث، وقد تجاوز الاثنان الأشكال الشمولية وتخلصا من شبكات السيطرة، سواء على مستوى سيطرة الدول القديمة العربية وشكلنتها للإسلام، أم على مستوى الدول التقدمية المعاصرة وشكلنتها للفكر التقدمي وتحويله إلى شبكة للهيمنة الأدارية.
وفي الفكرين تتوارى الأجهزة الشمولية ويتجسد تحنيط النضال والوحدة الكفاحية الديمقراطية المعاصرة تتطلب نقدهما على مستوى الحاضر أو الماضي، وعلى مستوى الدين أو على مستوى السياسة !
عبـــــــدالله خلـــــــيفة: عرضٌ ونـقـدٌ لأعماله القصصية
قانون الإنتاج المطلق ــ كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
الثورةُ السوريةُ.. بطولةُ شعبٍ: كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
التضحوي والاستغلالي
البشر نمطان إما إنسان يضحي وإما إنسان يستغل. تجد النمطين في الحزب الواحد وفي الطائفة وفي العائلة الواحدة وربما في مراحل وتقلبات الإنسان الواحد!
وفى التيارات السياسية المعاصرة فإن الكثيرين يرتفعون على أكتاف التضحية وعمل الآخرين لكي يحصلوا على مكانة اجتماعية مريحة، فيتحدثون عن شعارات عامة وجمل مطاطة، لكي يواصلوا استغلال ماضيهم، أو جماعتهم السياسية التي ارتقوا على سلالمها نحو الثروة والمناصب والشهرة!
وهم في هذه الحالة لا يتحدثون عن أوضاع الاستغلال الراهنة، وحينئذٍ فإن المضحي في عقولهم تكون شعلته قد انطفأت وظهر المستريح والمتمدد فوق الامتيازات ومكاسب النضال!
في كل جماعة سياسية، فى كل عائلة، في كل دولة، في كل شركة، يكون هناك دائماً من يستغل مسار الجماعة، ويستطيع أن يجامل ويداهن ويكذب من أجل أن يرتفع، ولتذهب الجماعة والعائلة إلى الدمار والمهم أن تبقى مصالحه وأرباحه وارتفاعاته فوق الظهور والجهد!
وقد استطاع الاستغلاليون دائماً أن يرتفعوا فانتصر معاوية على علي بن أبي طالب وأنتصر يزيد على الحسين، وانتصر بنو العباس والإفلاس والغنى والجور والفجور على الشهداء والمعتزلة والصوفية، وانتصرت الإمبريالية على حركات التحرر الوطني وعلى انظمة رأسمالية الدولة المسماة اشتراكية، وانتصر البيض على الحمر، وتغلب الرأسمال على قوى العمل، لأن الفقراء والمضحين والتقدميين والديمقراطيين دائماً مفككين، لا تستطيع شعاراتهم وكلماتهم النضالية أن توحد الجمهور وتفعل كل طاقاته وجماعاته!
وسيواصل الاستغلاليون انتصاراتهم في المدى القريب، لأن لهم في كل حزب وفريق ودولة ودكان أعوان، وفي كل إنسان لهم مكان، لأن لحظات الخور والضعف والانتهازية والنجومية، كثيرة في كل نفس، ولكن في كل مكان وفي كل عائلة وقبيلة وحزب وطائفة، ثمة أناس شرفاء مضحون مناضلون، حتى لو على قلامه ظفر من شيء!
وهذا النضال والتضحية قد يكون من خلال دين أو مذهب أو فكرة جديدة أو حتى في صدق فردي وإيمان ذاتي بالخير وبالقانون، فطرائق التضحية و«الحق» متعددة ومصالح الناس من الممكن أن تتحقق بطرق مختلفة، ولكن هؤلاء المضحين مشتتون متنباذون، لأنهم لا يدركون جوهر القضية، وعمق ترابطهم، ويركزون على الأشكال التي تتجلى لهم فيها الحقيقة، فقد تتجلى بشكل ديني أو تحديثي، أو فردى، وكلٌ يراها من خلال تقاليده ومستوى معرفته.
لكنهم في المحصلة لا يتحدون في حين أن قوى الاستغلال تنمو وتتطور بقدرتها على تفكيك قوى النضال والخير والتقدم، وتقوم بدق الأسافين بحيث تتمكن هي من السيطرة على المختلفين المتنابذين، وهكذا تمكن الأشرار والمستغلون عبر التاريخ من الاستفادة من تشتت قوى المعارضة والمقاومة، وكرسوا أنظمتهم وسيطرتهم.
ونرى في المرحلة الراهنة كيف استطاع الغربيون العسكريون الغزاة تفريق المسلمين والعرب إلى قوى شتى، متنابذة، دون أن يهتم الفريق المتحمس المغالي بردم الهوة بينه وبين أهل منطقته، أو أن تتجمع الطاقات العربية في شيء؟
أو ترى العديد من قوى المعارضة في البلدان العربية تتفتت في روافد كلها تصب في خاتمة المطاف لخدمة الحكومات التي تعارضها!
هذا يتطلب قادة على مستوى تاريخي، يرتفعون عن السفاسف وعن الوقوع في المصائد التي تنصبها قوى الاستغلال، ويرون ما يفيد الناس ويطور من أوضاعهم، ويوحد صفوفهم، مهما كانت الكلمة التي يطلقها هذا الحزب أو ذاك، فالمهم هي الدعوة لا الداعي، وكلمة الحقيقة من أي لسان قيلت!
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
الموت في فينيسيا : توماس مان كتب : عبدالله خليفة
مسارات ـ حمدة خميس كتب : عبدالله خليفة
ويطول اليوم أكثر من قرن :جنكيز ايتماتوف ـ كتب : عبدالله خليفة
«الهولة» بين الإنجازات وعذابات التجنيس: كتب ـ عبدالله خليفة
مثقفو الأكاذيب والتزوير : بقلم ـ عبدالله خليفة
الطليعيون والتحول إلى الطائفية: كتب ـ عبدالله خليفة
العلمانيون وتوحيد المسلمين: كتب ـ عبدالله خليفة
القراءة والزنزانة
يعيشُ الناسُ في الزنزانة ويتصورون أنهم أحرار، لكنهم ليسوا كذلك، لأنهم لا يقرأون الكتب.
إن غياب القراءة هو غياب الإنتاج، والعجز عن تطوير قوى الإنسان وإمكانياته الداخلية ومواهبه. ولكن من الممكن كذلك أن تكون القراءة فعلاً غيرَ مجدٍ، إذا لم ترتبط بالإنتاج، كالمثل الذي ضربه الإنجيلُ عن الحمار الذي يحمل الكتب الكثيرة (الأسفار) ولكن لم ير سطراً داخلها.
فالقراءة ليست خاتمة المطاف، ولكنها بداية الفعل، وهي التي تؤسس عملية التراكم للإنتاج الفكري والصناعي العام، ولهذا فإن قراءة الصحف وحدها لا تسمى قراءة، لأنها قراءة للخبر والرأي السريع والانطباع، وهي أمر لا يكون وحده رأياً، ولا يشكل وعياً، بل يكون ردود فعل سريعة ومتابعة خبرية.
تعني قراءة الكتاب القدرة على الجلوس في مكان لساعات، وبالتالي الصبر والانضباط وتحريك خلايا العقل باتجاه موضوعٍ واحد، أي خلق تركيز فكري وتوغل والاتجاه نحو التحليل وتجاوز الانطباعات وخلق رأي.
ولهذا تراهم في الدول المتخلفة التي لم تتشكل فيها معركة الكتاب الحضارية، يسحبون الكتاب من الأسواق، والمطار والميادين العامة وملتقيات السياح وأمكنة الآثار ومن المقاهي والفنادق، ليظل الناس عمياناً، غير مبصرين في زنازينهم الواسعة، معشيين عن أنظمتهم وأجورهم وتاريخهم وطبقاتهم وجذورهم وتياراتهم الفكرية والسياسية!
ولهذا لا ينظمون لقاءات واجتماعات وندوات لتدارس الكتب وتجذير فعلها في حياة الجمهور، لتغدو عادة القراءة مرادفة للذين يضيعون أوقاتهم وأموالهم وعقولهم في أشياء لا تنتج فائدة وتحرف العقول عن مكانتها الفارغة السامية.
لهذا يغيبون الكتب الكبيرة الثورية في تاريخ البشرية عن أن تكون فعلاً معرفياً في الجامعات، وهي كتب مثل (رأس المال) و(أصل الأنواع) و(الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية) و(تفسير الأحلام) ويوجهون الطلبة إلى كتب الموضة الفكرية التي هي مثل ملابس الفصول المتقلبة.
في السابق لعبت الكتب الدينية الكبيرة دور فتح الأبواب للثورات، وغدت المجتمعات (كتابية) بمعنى أنها كتاب معين، مما يشير إلى دور الثقافة في الانعطاف بالمجتمعات من حال إلى آخر، والآن لم يتغير الوضع، فالمجتمعات التي بلا كتاب لا تزال أمية حقيقية، في حين لدى الغرب تعددية الكتب، فضربت عادة القراءة في أحشاء الجموع، بحيث يغدو من لا يقرأ الكتب أشبه بحيوان.
من هنا عبرت الكتب الدينية في الزمن القديم عن دورها في تشكيل اهتمام واسع بالكتاب، فبعد ظهورها خلق تيارات اجتماعية وقرائية حولها وحول مختلف الظاهرات وشكلت فئات المثقفين المتعددين، ولكن ما ان انتهى «زخم» التحولات حتى توقف الاهتمام بالكتاب، وتضاءلت فئات المتعلمين.
وجاءت الثورات الغربية عبر الكتاب بدءا من عصر التنوير الذي لعبت فيه كتب التنويريين كفولتير وجان جاك روسو دور نشر الشعارات الديمقراطية عن أوسع الفئات. ومن هنا كانت طبعات الصحف اليومية في عصر التنوير الأوروبي تطبع بمئات الألوف من النسخ يومياً، وهي التي كانت تحوي مسلسلات الروايات ومسلسلات الكتب الفكرية الكبيرة، في حين لا تستطيع صحفنا العربية الكبرى في الوقت الراهن أن تقترب من هذه الأرقام.
لا تحارب حكوماتنا العربية الجهل وبعد الناس عن الكتاب، ولا تقيم محطات فضائية لنشر الكتاب، بل تحتفي بموت الكتاب لدى العرب من أجل أن يزدادوا بعداً عن توجيع أدمغتهم.
isa.albuflasa@gmail.com
المنبتون من الثقافة الوطنية
واجهتْ الثقافة الوطنية الديمقراطية تحدياتٌ كثيرة في سبيلِ تشكيل نفسِها، وزرعِ وجودِهِا في الأرض، لهشاشةِ الجذور الثقافية لها، وعدم ترسخ الأنواع الأدبية والفنية، وقد تنامت بذورُهُا مع تنامي الحركة الوطنية الديمقراطية، أي بقدرِ ما تتخلص الحركات السياسية من جمودها وشموليتها، وبقدر ما يقدر المبدعون على تحليل العلاقات الاجتماعية التقليدية ونقدها وتجاوزها.
وقد تنامت الرؤى الشمولية في هذه الثقافة عوضاً عن ضعفها وزوالها، بسببِ تحكم المؤسساتِ العامة البيروقراطية في مصائر الثقافة، وخلخة تماسك المبدعين وحفرهم في الواقع ونقده، وهو الشرط الضروري في تنامي أي إبداع.
وكل هذه المؤثرات لعبت أدوارها في زعزعة الثقافة الوطنية وتقزمها، وتنامي دوران الكتاب والفنانين والمثقفين حول ذواتِهم ينسجون شرانقَ من وهم، ويكرسون أنفسهم وقد انعزلت عن عمليات تحليل الواقع ونقده، سواء عبر عوداتهم لوعي الطوائف وأندماجهم في مشروعاتها السياسية التفكيكية، ومزايداتهم على هذا الوعي أحياناً، عوضاً أن يتغلغلوا إلى نواته الوطنية ويبرزوها وينقدوا تجلياتها الطائفية ويخلقوا التلاحم بين الجمهور.
أو جعلهم ذواتهم هي البؤرُ الوحيدة في الكون الثقافي، فلم يعدْ ثمة وطنٌ ولا جبهاتٌ ثقافية يمكن أن تكرس شيئاً من الوعي الديمقراطي الحقيقي في الجمهور، فجربوا حتى ضاعوا، وانعزلوا عن القراءة وتطوير أدواتهم، أو راحوا يكررون ذواتهم الجامدة بصور شتى، حتى فقدتْ التجاربُ التي يقومون بها أهميتها ودورها، ولم يعد ثمة فارق بين مبدع كرس نفسه لعقود وبين ناشيء، بل قدرَ الناشىءُ أن يبز المعتق عبر أساليب هزيلة وإدعاءت بخلق فن جماهيري وما هو بجماهيري بل تخديري، يعتمد التسلية الفجة.
وهناك مظاهر شتى لذلك فكلها تعبيرٌ عن خلخلة وعي فئات وجدتْ إن مصالحَها هي كلُ شيء، ورنتْ إلى كراسيها وأرصدتها، وباعتْ تاريخاً، وتخلتْ عن تقنياتٍ وأدوات توصيل وحولتْ المنابر الفنية والأدبية إلى تكريس لشخوص وشلل وليس لمراكمة وعي ديمقراطي ثقافي يعيد بناء الثقافة الوطنية الخربة.
وتتشكلُ معطياتٌ جديدة لتجاوز ذلك عبر الدفاع عن مصالح الفنانين والكتاب ومؤسساتهم ونتاجاتهم، وتغيير هذا المستوى المتدني لظروف إنتاجهم الثقافية والشخصية، بشكلٍ جماعي وليس بأشكالٍ فردية، بحيث يتم تغيير جوانب هامة من الوضع الثقافي كدعم مغاير لهذا الدعم الهزيل الراهن، بحيث يزيل دور مؤسسات الثقافة المتسولة، ويضع قانوناً للتفرغ وليس لشراء بعض المبدعين، ويقيم مسارح ومكتبات وثقافة منوعة كبيرة للطفولة، ويحرر التلفزيون من سطوة الشلل، ويجعل للفنانين والأدباء ضماناً اجتماعياً مواكباً لدورهم الوطني، ولا يجعل من المثقفين منبوذين في أرضهم محتفى بغيرهم من كل الأصقاع!
وأن لا يأتي ذلك عبر التسول كذلك بل عبر استخدام الأدوات النضالية المتوفرة من مجالس منتخبة ونقابات، وإذا حدث أن لم تستجب الدوائر البيروقراطية لهذا وفضلت العمل عبر الشلل وتكريس المثقف المهرج والشاعر الشحاذ، والفنان المتعطل من الموهبة، فلتتواصل اللجان المشتركة للمثقفين، وتحفر في الواقع سواء عبر تعضيدها لنواب ديمقراطيين، أو بتصعيد نتاجها وتغيير طابعه الانعزالي غير المفيد وتتعلم مرة أخرى كيف تتكلم مع الناس.
isa.albuflasa@gmail.com
اليسار البحريني يخسر «عفيفه الأخضر»
مني اليسار البحريني اليوم الثلاثاء 21 أكتوبر/تشرين أول 2014 بخسارة فادحة. فلقد غيّب الموت بصورة مفاجئة وغادرة، الكاتب والأديب عبدالله خليفة. أقول خسارة لأن اليسار البحريني لم يفرز من بين صفوفه مناضلا دؤوبا لا يعرف الكلل ولا الملل، ولا السكينة والهدوء كما عبدالله خليفة. فهو لم يعترف يوما بالسكون وبمستقرات الأشياء ونواميس الحياة الرتيبة. فلم تكن صفات وخصال فقيدنا الراحل على وفاق دائم مع تلك الأشياء “الساكنة” وبديهياتها. فمن طبعه العنيد اكتسب شهرته غير المتوجة، أو المعبر عنها، باعتباره كاتبا وأديبا جسورا في تعبيره عن مصالح البروليتاريا البحرينية.
في دأبه غير المنقطع لابتداع مقاربات نضالية تُغلِّب الطابع الوطني والأممي والانساني للصراع الاجتماعي على مغالبات العصبيات الطائفية والعرقية والمذهبية والقبلية والجهوية، لم يتردد هذا “المشاكس” المصر دوما على مقارعة النمط الفكري والاجتماعي السائد، في توجيه معاول الهدم للبنى التقليدية السائدة وعرض مقارباته الحداثية الجريئة البديلة؛ فكان أن جلب على نفسه، دون مبالاة من أحد، خصومات الأعداء والأصدقاء معا.
في استدارته الفكرية الجسورة للتراث، لم يتردد عبدالله خليفة في نبش هذا التراث وتفكيكه وإعادة تركيبه على منوال أنماط الحداثة التي كانت تؤرقه، وعلى نحو ما أظهرته مطارحاته الفكرية الضاربة جذورها في عمق المذهب الحداثي، والذي حوَّله الى العَلَم الثقافي الأبرز في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية البحرينية، في دفاعه اللحوح عن نمط الحياة المُؤسِّس له.
لقد كانت سيرة الراحل قريبة من سيرة المناضل اليساري التونسي الراحل العفيف الأخضر.. في جسارته، وفي دأبه المستمر على مشاكسة السائد، ونقده، ومصارعته، وتشريحه، وهدمه لإعادة بنائه حداثيا.
وداعا أيها الصديق العزيز، وداعا أيها القلم الجسور، لقد أبكيتنا برحيلك، المدوي بمفاجأته.
«هذه المرثية كُتبت في يوم رحيل الفقيد الغالي والصديق الصدوق، الأديب والكاتب عبدالله خليفة»
المنامة – مملكة البحرين
الثلاثاء 22 أكتوبر/تشرين أول 2014
isa.albuflasa@gmail.com
تعريف العلمانية
كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة
≣ تعريفُ العلمانية
لفظُ العلمانيةِ لم يكن معروفاً في اللغة العربية، فتراثُ العرب يجهله، مثل مصطلحات حداثية غربية عديدة، فالبنية العربية الاجتماعية العامة لم تعرف الحداثة كبنية، بل كأجزاءٍ مفتتة، وكمحاولاتٍ مُجهَّضة.
(فالعلماني هو الشخص الذي يهتم بهذه الحياة الدنيوية ويتحركُ بمقتضى معيشته الدنيوية ولا يفكرُ في شيءٍ آخر ولا يعمل من أجل هدف آخر ولا يملك حساباً في حياته خارج هذه الدائرة. هذا هو معنى العلمانية بشكلٍ دقيق)، عبدالكريم سروش، التراث والعلمانية، ص 98، دار الانتشار العربي.
(تارة تـُقرأ بفتح العين «عَلمانية» فمادتها علم)، فهي مأخوذة من عَالم، أي التمظهر بمعالم الدنيا. (أما القراءة الأخرى لهذه المفردة بكسر العين «عِلمانية» تقرأ بالكسر)، تعطي معنى العلمي.)، السابق، ص 94.
دخلت لفظةُ (سكولاريسم) العربيةَ منقسمةً، وبالأحرى فإن مثقفي العرب في مرحلة التنوير انقسموا حولها، دخلتْ الحركاتُ العربية الإعرابيةُ فيها، فتباينتْ القراءاتُ لها.
إن تباين القراءات هو جزءٌ من تباين المواقف وتحولاتها، ودائماً تأتي المصطلحاتُ الغربيةُ من بُنيةٍ غربيةِ ذاتِ تطورٍ تاريخي مختلف، تحملُ مضامينَ زمنيتها في تلك البنية، لتدخل بنيةً عربيةً ذات سيرورة مختلفة، ويتم النقلُ بدون إدراك للفروق ولبصمات التاريخ عليها.
لم يكن للإسلام تلك الهوة التي وجُدت في أوربا العصور الوسطى بين الدين والدنيا، كانا مختلطين متداخلين، ولم يكن ثمة طبقة كهنوتية حسب الإسلام الأول المؤسس، كان هذا المؤسسُ يتعمدُ التباينَ عن المسيحية الرهبانية، والافتراق عنها بالبشرية الدينية الأرضية الطينية الفرحة بالعالم، كان مشروعه أمة مختلفة، شعبية، لا ملأ فيها، ولا تناقض بين صورتي العالم، صورة العيش الراهن وصورة الخلود. ولا فصل للدين عن الحياةِ، والحكمِ، والحكمُ غيرُ مفصولٍ عن صنع الناس. عبر رؤى القرون القديمة المسيرة حسب خطط الغيب المصنوعة المتداخلة في مادتها بفعل البشر. وقد جرتْ هذه الصورةُ الدينيةُ خوفاً من عودة الملأ، لكن الملأ عادَ مع هذا وصاغ الدينَ الرسمي.
والكثير من الشعوب قامت على خلاف تاريخ المسلمين اللاحق الرسمي، فصلتْ مؤسسات الدين عن الحياة الاجتماعية، لم تجعل مؤسسات الدين تتدخل بشكل يومي ودائم في حياة الناس.
لكن هذا العام لم يكن كلياً فرجال الدين يتدخلون في حيوات الشعوب بأشكالٍ مختلفة، بعضها خارجي تثقيفي، وعبر منعزلات: غابات البوذيين، والرهبان في الديانات الهندية، وأديرة الرهبان المسيحيين في آسيا وأوربا وأفريقيا. وقد صعدت الكنائس في العصر الوسيط الأوربي وقامت بحكم شامل عبر كنيسة روما، بعد أن أختلف الأمراء وتفتت الدول، أي بعد إنهيار أهل السياسة. وهكذا فقد عرفت أغلبُ الشعوب العلمانيةَ كجذورٍ سياسية، وحين تحكمتْ الكنيسةُ الأوربيةُ في كلِ شيء، وظهر مثقفون وبشرٌ خارجَ سيطرتِها أطلقتْ الكنيسةُ عليهم لفظةَ علمانيين، أي أهل دنيا وليسوا أهل آخرة. بعد أن إحتكرتْ الكنيسةُ الدنيا والآخرة. وتفاقم هذا التناقضُ بين أهلِ الدنيا وأهل الدين، بين الطبقات الوسطى الجديدة التي تريد حياةً، وأصحاب الضياع الكنسيين والملوكيين المسيطرين على الحياة وخيراتها، ووصل لدى الطلائع إلى عداء هائل، وإفتراق. كان هذا هو المصدرُ الأوربي للفظةِ العلمانية.
ولم يفهمْ بعضُ المثقفين العرب هذا المصطلح على هذا النحو وهو يأتي مدموغاً بالقفازاتِ الحديدية لكنيسة روما، لأنهم كانوا يزاوجون بين الدين والدنيا، لم يشعروا بوجود كنيسة متسلطة عليهم، وكانوا يرون الدولة العثمانية المحتلة والدول الغربية كعدو. وكان العديد من رجال الدين يشاركونهم الصراع الوطني. لهذا فإن القراءة الأوربية تعدلت عندهم. لكن القراءة الأخرى راحت تنمو.
كانت الديانةُ الإسلاميةُ المؤسسة لم تخلق مؤسسات دينية رسمية مسيطرة، واعتمدت على التمايز بين من يفقه الدين وعامة الناس وازدادت الهوةُ بين الفقهاء والعامة مع الفتوحات ودخول الملايين للإسلام، كما كثرت الموارد من ذلك.
لكن الفقهاء الكبار نظروا للتثقيف الديني ونشر الأحكام كعمل تطوعي، رغم أن بعض المؤمنين راح يغدق عليهم بعض الهدايا والأعطيات، ورفض هؤلاء الفقهاء عموماً مثل هذه الهدايا، واعتمدوا على دخولهم الخاصة، وقد كانت معيشتهم بسيطة، وحاول بعض الخلفاء إلحاقهم بالحكم والتحق العديد من رجال الدين بالأنظمة، وتوجه الفقهاء المعارضون للاعتماد على تبرعات المؤمنين، ومع ازدياد صعوبات المعيشة وضربات الدول للفقهاء المستقلين المعبرين عن روح الشريعة، اختفى الاستقلال الديني وتم إلحاق رجال الدين بالأجهزة الحكومية.
في البدء كان ثمة طوائف تدعو وتفقه، دون أن تمتلكَ سلطةً، ومنع تحولها لسلطة عملية توزيع الخيرات بشكل عام، ووجود عرب قبليين أحرار، وغياب الأسوار من بين من يَحكم ومن يُحكم، ومشاركة النساء الواسعة في الحياة السياسية، وفي الحياة الاجتماعية القبلية، وصعدتْ عقلانيةٌ جنينية تفصل الأسطرة والتخريف عن الثقافة العامة. هذا كان من حيث الحكم مقاربة لتاريخ العرب القبليين الذين يجعلون الحكم الديني ثانوياً وهامشياً.
وبعد تغير هذا الأساس الاجتماعي فإن الحكمَ السياسي ظل هو الشكل الرئيسي من جهاز الدولة، ولكنه كان محتاجاً باستمرار إلى الدين كأدة سيطرة أيديولوجية على الجمهور، الذي راح يعارضُ الأساسَ الاجتماعي لحكم الأقليات. وعلى مدى القرون التالية تحول الدينُ إلى شكلٍ آخر للسيطرة السياسية، فحدثتْ قراءاتٌ رسميةٌ مُـقطَّعة وإنتقائية للقرآن حسب مصالح النخب الحاكمة والذكور، وإلى تدخلات واسعة وعميقة في حياة الجماعات والأفراد، فلم يعدْ ثمة شكلٌ من أشكال التجمع والتعبير والتفكير لم يتم إدخالَ الدين الرسمي فيه، وكذلك فإن الفردَ يغدو مسيطـَّراً عليه من بدءِ ولادتهِ حتى دفنه. وكل هذه السيطرة تجري من أجل طاعة الجماعات والأفراد للمؤسستين المشاركتين في إستغلالهم. وتتوزعُ هذه السيطرةُ وتتنوعُ وتتداخل، خاصة في حالةِ الانسجام بين المؤسستين السياسية والدينية.
ويرتكز التقييدُ المشترك على الحياة العقلية والحياة السياسية، فهما أداتا التحويل للمجتمع، فكانت عملياتُ إنتاج الوعي الديمقراطي محدودة جداً، وإذا جرت فهي من داخل القوالب السائدة.
لقد واجه المسلمون سيطرتين مزودجتين طويلتين وعميقتين ورهيبتين، ومن دولة كبرى إلى فسيفساء سياسية، وإلى دمج الخرافة في الحياة اليومية، وإلى تشويه البشر، بحيث جاءت الدول الغربية الاستعمارية كمنقذٍ في بداية الأمر وبوابات لعالم جديد!
ومن هنا راح المسلمون يتفتحون وينقلون أدوات التقدم، وأحياناً يعتبرون أن تقدم الغرب هو من نتاجهم، لكن الغرب أفتتح عالماً مختلفاً ومثّل قفزة اقتصادية نوعية، وصنع ثورةً جديدة في تاريخ البشرية. وقد تم ذلك بشكلٍ إستغلالي، بطبيعةِ العلاقات التي كونته ورفعته إلى حكم العالم، ولهذا أنعكس ذلك على ترجمته للعلمانية، ففهم بعض المثقفين العلمانية كشعار علمي، وهذا كان متفقاً مع رغبتهم في نشر العلوم وكسح الجهل السائد، وإعتماد الإسلام كدين مستمر، دون أن يقرأوا بطبيعة الحال جذوره، ومشوا مع السائد من العلاقات التي فرضت خلال قرون، وإن كانوا قد وسعوا النقد للكثير من المشكلات والسلبيات.
لم توجد حينئذٍ سببيات لفصل الدين عن الدولة، بل كانوا متعطشين لدولة خلافة أخرى، ولمساندة رجال الدين في النضال الوطني، حيث كانوا ينظرون بعاطفية تنويرية، تعتمد على نفس الأدلجة القديمة، ولم يعرفوا النظام السائد، وهم أنفسهم كمثقفين من الفئة الصغيرة الوسطى، يتبعون مصالحهم التي كانت بيد القوى الأجنبية – المحلية المسيطرة، وهم كأصحاب وعي ديني مثالي يشاركون رجال الدين في الرؤى المفارقة والمسيطرة والشمولية، وكرجال يشاركونهم في السيطرة على النساء والعاملين.
ليست العلمانية سوى صراع سياسي لتوجيه الموارد الاقتصادية، أما القضاء على الأديان فهو هدف غير حقيقي وغير متحقق. أو خرافة تم الترويج لها لأسبابٍ سياسيةٍ كذلك.
وإذا لاحظنا نشؤ العلمانية في الغرب فإن الهجومَ الواسعَ ضد المسيحية الذي تفجر في عصر الأنوار، كان صراعاً اقتصادياً بدرجةٍ أساسية ضد ملاك الأرض الكبار، الذين كان منهم رجالُ دينٍ متنفذين وحكام، وقاوم هؤلاء صعود الملكيات الحديثة والمصانع واحتكروا الأرض وأغلبية المنتجين من الفلاحين. فلجأت الطبقة الوسطى الصاعدة الفرنسية خاصة المحتاجة لهذه الموارد والقوى العاملة الرخيصة، إلى الهجوم السابق الذكر على المسيحية، وتمت العودة لثقافة اليونان الديمقراطية والوثنية، وتصاعدت موجةُ الألحاد، وحين سيطرت الطبقات الوسطى على الحكم فإن سياساتها تجاه الدين خضعت لأهدافها الاقتصادية والاجتماعية المتبدلة في كل مرحلة، وفي كل بلد، فضخامة موارد الكنيسة الريفية الفرنسية استدعت هجوماً تنويرياً وإبعاداً للدين عن التعليم في المدارس، ثم وجدت حكومات محافظة تالية أهمية عودة تدريس الدين.
لا تستطيع أية طبقة تحديثية أن تلغي الدين، وما المناوشات التي تجري سوى عملية تشذيب معينة في الوضع الاقتصادي، تقود لسيولة الموارد وتوجيهها، فالعلاقات الاجتماعية التي يُضفى عليها طابعٌ ديني جامد بحاجة للتحول، وتعديل رؤية المرأة والفلاح والفوائد المصرفية التي تـُجمد حركتها في النصوص الدينية التقليدية، فتستدعي فهماً دينياً جديداً أو إبعاداً للدين التقليدي عن السيطرة السياسية.
ولهذا فإن العلاقات بين الطبقات الوسطى الغربية والأديان تُستعاد مرة أخرى عبر تحولات سياسية وفكرية جديدة، كما أن مثقفي هذه الطبقات الطليعيين يحفرون لمستويات أبعد، فالمصانعُ بحاجةٍ لتطوير تقني مستمر، ولا بد للعلوم الطبيعية خاصة أن تنطلق بلا قيود، ولهذا فإن العوالمَ الفكرية المصاغة في الكتب المقدسة تتبدل، فلا تعود الأرض مركز الكون، ويُفهم الإنسان بصور أخرى وكذلك الفضاء والتاريخ الخ.
لكن الأديان ليست مرتبطة بالعلوم فقط بل بعلاقات الإنسان الاجتماعية للأغلبيات الشعبية كذلك، وهذه لا تتبدل بمعدلات التطور الاقتصادية، كما أن قهر الطبقة الوسطى والعلاقات الاقتصادية الرأسمالية تجعل من الأديان ضرورة وإنتماءاً مشتركاً وعزاءً في جحيم الرأسمالية.
وهكذا فإن العالم الإسلامي لم يواجه مثل هذه الثورات الاقتصادية الغربية، وإلى إعادة توزيع السكان والطبقات وأشكال الوعي بصورة جذرية، وظلت الفئاتُ الوسطى مهمشَّةً، وذات تصنيع ضعيف، لا يستدعي ثورةً جذرية في الريف والتعليم، كما أنها تستخدم الدين التقليدي عموماً لتجذير مصالحها، ولهذا غدت ضعيفة علمانياً، ولم يكن رجال الدين ذوي سيطرات اقتصادية كبيرة على الموارد والعاملين، بل كانت الصراعات تتوجه للمؤسسات السياسية والحكومات. فغلب الصراع السياسي على الصراع ضد الفهم التقليدي للدين. ولهذا فإن معركة العلمانية ظلت ذات طابع ثقافي، وظل التعريف الأول لها، باعتبارها حركة علمية عربية أكثر منها حركة دنيوية معادية للدين والأخروية، خاصة أن مسائل العيش الدنيوي المبهج وكراهية الرهبنة سائدة بين المسلمين، إلا من بعض القطاعات المتشددة.
كما أن تصاعد دور الحكومات في الاقتصاد وسيطرتها على أغلبية الدخول جعل المعارك معها بصفة خاصة، وغدا التبشير السياسي هو الأكثر قوة في الحياة الفكرية.
≣ العلمانية والعلم
العلمانية هي فصلُ الدينِ عن السياسة، وهذا هو تعريفها العالمي الفيصل.
العلمانية لا تعني العلمية، فالعلميةُ والعلومُ هي مستوىً آخر، مرتبطٌ بتطورِ العلوم وبأهدافِها وبوسائلِها داخل المجتمعات المختلفة، في حين أن العلمانية هي مفردةٌ سياسيةٌ تتعلقُ بعالمِ السياسةِ والقوانين الإجتماعية، وتعني الفصل تحديداً بين الدين والسياسة سواءً كانت أحزاباً أم دولاً. أي أن لا يُستثمر الدينُ لمصلحةِ فريقٍ دون آخر، لا في شعاراتهِ ولا في أسمائه ولا في أهدافه. وأن تظهرَ الدولةُ أو الحزبُ بمظهرِ الكيان الوطني الذي يخدمُ المواطنين لا جماعةً من المؤمنين.
فصلُ الدينِ عن السياسةِ لا يعني الإلحادَ ولا يعني العلمية، فالعلمانيةُ هي وضعٌ سياسيٌّ يقومُ على منع الدينيين أو غيرهم من العسكريين والسياسيين والحكام، من إستخدامِ الدين في عملياتهم السياسية، ولكي لا يمكنهم إستخدام هذه الأدوات المتوارثة المقدسة، من أجل أهدافهم السياسية، ولكي يمنعهم هذا الوضعُ من إستخدامِ المفرداتِ الدينية والكتب المقدسة في دعاياتهم الإنتخابية وفي أحكامهم لأجلِ مصالح حزبية وسياسية، ولكي لا يتم تجنيد الناس من خلالِ نصوصِ الكتبِ المقدسة للمؤمنين جميعاً لغاياتهم الشخصية والحزبية والحكومية.
ففي حين تتوجه الإنتخاباتُ لعرضِ برامج الطبقات المختلفة، وأيها جديرٌ بمقاعد البرلمان، يستثمرُ الدينيون النصوصَ المقدسة من أجل غاياتِهم الحزبية للوصول إلى أهدافهم عن طريق الدين والمذاهب، والدين والمذاهب لا علاقة لها بإهدافهم الحزبية، وإنما هي أدواتٌ محترمة لدى الناس، يريد الحزبيون الدينيون من خلال إستغلالها الصعود لمغانم الحكم ومكاسب الثروات وللأهداف السياسية الحزبية التي تخضع في كل فترة لتحول وظروف وغايات يحددها هؤلاء السياسيون!
يمكن أن يكون العلماني صوفياً ودرزياً وشيعياً وسنياً وبوذياً وملحداً ومسيحياً ووجودياً وحداثياً وعلمياً كارهاً للأديان وغيرها من الآراء والأفكار الدينية والعصرية، فهي حالةٌ سياسيةٌ لا علاقة لها بالمعتقد، وهي وضعٌ إنتخابي ديمقراطي، لا علاقةَ له بالإيمان وعدم الإيمان.
يمكن أن يكون العلماني مجوسياً وبوذياً وهندوسياً وشيوعياً، فقد قررَ هذا الإنسانُ السياسي أن يضع عبادته وأفكاره الاعتقادية خارج العملية الإنتخابية، فيمكن للبوذي أن يصوتَ للشيوعي، ويمكن للشيوعي أن يصوتَ للهندوسي.
حين أرى أن الدرزي في آرائهِ السياسية وليس في معتقداته الدينية أفضل لي ويقدم برنامجاً سياسياً مفيداً لي سوف أنتخبه، وأعرضُ عن السني الذي يرفعُ لواءَ مذهبي، لكنه لا يرفع برنامجي الاجتماعي الذي يهتمُ برفعِ أجوري وبالدفاعِ عن مصالح طبقتي.
العلمانيةُ إذن هي حالةٌ سياسيةٌ تنأى بالأديان والمذاهب عن إقتحامِ الصراع الاجتماعي السياسي، وهي لا تعني القضاء على الأديان، وإبعادها عن معتقدات الناس، ولا تعني هدم دور عباداتهم، ولا منع الإهتمام بتراثهم!
هي منعُ المتاجرة بالأديان في العمليات السياسية فقط، وتتشكل عبر حالة قانونية دستورية معينة.
ومن هنا كان بعضُ العلماء مؤمنين، وبعضهم ملحدين، وغير هذا من الإنتماءات الفكرية، وهذا يتوقفُ على إعتقاداتِهم، ولا علاقةَ له بمواقفِهم السياسية، فالموقفُ السياسي مستوى مختلف، فالعديدُ من العلماء أتخذَ موقفاً غير علماني، أي وقفَ مع الأحزاب الدينية والدول الدينية، كما حدث العكس.
كما أن الكثيرَ من غيرِ العلماء ومن المتدينيين كما قلنا أتخذَ موقفاً علمانياً، أي رفض إستخدام الدين في السياسة.
أي إنهُ رفضَ أن يتمَ الزجَ بالدين لمصلحة فريق دون فريق!
وهذا في عصرنِا يتسمُ بالتوسع، فالأديانُ هي إيمانٌ الملايين، وتقومُ بعضُ الجهاتِ بإستخدامِها لمصالحِها الفئوية الضيقة لكسبِ الأصواتِ والمقاعد والثروات، في حين أن الأغلبيةَ ترى إن إستخدامَ هذه الأقليات لدينها في مثل هذا الوضع السياسي الشمولي ولخدمةِ مصالح تلك الأقليات، يتسمُ بعدمِ تحقيقِ تطوراتٍ لمعيشتِها ولحرياتها، وهو مضادٌ لمعاني الدين والتطور الديمقراطي معاً كما تفهمها.
تتفككُ علاقاتُ السياسةِ بالدين، فالدنيوي المتعلقُ بالحكوماتِ وبالصراع السياسي وبالبرامج السياسية والإنتخابية، ينفصلُ عن الديني المقدس، وينفصلُ عن آيات القرآن ولضرورةِ عدم زجها وإستخدامها في مثل هذه الحلبات، وينفصلُ عن الزجِ بالرموز المقدسة عند أصحابها في صراعات دنيوية محدودة، تتعرضُ للتغيير بشكلٍ فظ في كثير من الأحيان، وتتسم بالديماغوجية وبالانتهازية وبالمبدأية في(قليل) من الأحيان!
وقد إنفصل بعضُ كبارِ علماءِ المسلمين عن مثل هذه الحالاتِ السياسيةِ التنافسية وعن الإنخراطِ في الجبهات السياسية المتصارعة التي أتخذتْ للأسف توجهات طائفية، مشكلين حالة أولية من العلمانية الوطنية التوحيدية، ولا يعني هذا إنفصالهم عن دينهم و لا عن بحثهم العلمي!
كما أن هذا يعني حفاظهم على الخرائط الوطنية لبلدانهم، وبتقنيةِ المذاهبِ الإسلامية من الشوائب المريضة للفساد السياسي، مدركين طبيعةَ التطوراتِ السياسية المتقلبة وبضرورةِ عدم جرها للمذاهب الإسلامية في المزايدات والصراعات السياسية والاجتماعية التي لا تتوقف!
فالحالةُ الدينيةُ لها تطورُها الخاص كذلك، مغايرةٌ عن الحالةِ العلمانية، وعن الحالة العلمية. فهذه مستوياتٌ ثلاثة مختلفة كلٌ له مساره.
≣ العلمانية والدين
العديد من القراء يتصل بي للسؤال عن العلمانية فيقول أحد الإخوة بأن العلمانية تمثل (إبعاداً للإسلام عن الحياة وركنه في المساجد وبالتالي عدم استخدامه في جوانب المجتمع المختلفة، والدين يمثل قيمة روحية كبيرة فإذا خلا المجتمع من أي سلطة عادلة لجأ المرء إلى الدين يستظل به).
والواقع إن العلمانية لا علاقة لها بهذا الإلغاء والمحو للدين، فهي ليست سوى تنظيم اجتماعي يُبعد الدين عن استغلاله في السياسة والمتاجرة به، في حين أن الجوانب الأخرى من الحياة مشروع فيها استخدام الدين بكل أشكاله ومستوياته، فهي لا تلغي جذور وظاهرات المجتمع الإسلامي المختلفة من فقه وفلسفة إسلامية وعبادات وتصوف الح. .فهذه الجوانب لا يستطيع أن يمسها أي تنظيم علماني للمجتمع تصل إليه القوى السياسية بعد تطورها الثقافي الكبير المأمول.
تنظراً إلى هذه التعددية المذهبية والدينية واللادينية في الحياة العربية فإنها تتطلب أجساماً سياسية تجمع بين أصحاب المذاهب والأديان والأفكار إذا اتفقوا على عمل سياسى ما، كما حدث ويحدث للتنظيمات القومية والتقدمية والوطنية، وهذا الاتفاق هو للعمل بشعارات سياسية معينة كتحرير الوطن وتقدمه أو العمل من أجل نظام ديمقراطي، وهي أمور تفرضها كذلك الحياة الاقتصادية النقابية التي تجعل أصحاب المصالح المتحدة يعملون معاً للدفاع عن مصالحهم التجارية أو النقابية بغض النظر عن جذورهم وعقائدهم.
ولم تستطع المرحلة الأولية السابقة من العلمانية العربية أن تكونَ ذات جذورٍ دينية إسلامية ومسيحية عربية، بسبب محدودية تلك العلمانية الشعارية، فكانت تنحي الدين بهذه الدرجة أو تلك، وقد تكون التنحية في المجال السياسي، وقد تصل إلى جوانب أخرى، لكن كانت العلمانية العربية عموماً وربما مازال بعضها حتى الآن، ذا طابع استيرادي، يأخذ ما هو سائد في الغرب وينقله دون إعادة إنتاج عربية إسلامية، فظهر دعاة إلغاء الأديان وتلك ليست دعوة علمانية موضوعية.
فلم يكن العقل العلماني العربي قد وصل إلى مرحلة الديمقراطية، وقراءة جذوره القديمة، والفهم العميق لتاريخه؛ فإذا كانت الحركات النضالية سوف تتقوى عبر فصل المذاهب عن السياسة، لكن لا يعني هذا ألا ترتكز على تاريخها ونضالها السابقين.
والدرزي والشيعي والسني والقبطي المنتمون إلى حزب علماني عليهم ألا يتخلوا عن جذورهم، فيأتوا للحزب ككائنات مجردة، وكأناس من الهواء، بل أن يدرسوا هذه الجذور ويروا ما فيها من دلالات وأهمية تاريخية، ففيها جوانب مركبة من الإيجاب والسلب، أي هناك جوانب لابد من تطويرها في هذه المذاهب والأديان وجوانب لابد من تنحيتها كالتعصب والأحكام المتخلفة تجاه الجمهور وتغيير أوضاعه.
لكن هؤلاء العلمانيون المتحدون ذوي الجذور الدينية المختلفة سيعملون في الجانب السياسي بشكل خاص، أي للنضال من أجل قضايا مشتركة للمواطنين كوضع حد لدكتاتورية أو لتعسف اقتصادي، وهي قضايا أكثر إلحاحاً من قضاياً فقهية ومن عادات دينية مختلفة.
لكن النضال من أجل التغيير السياسي صار يتلازم مع النضال من أجل التغيير الاجتماعى، بشكل أكثر وأكبر من زمن العلمانية الأول، فالآن الأمر يتطلب تغيرات عميقة في الحياة السياسية وفي العلاقة بين الرجل والمرأة وفي الأفكار التراثية وفي رؤية الماضي الخ..
وهذا أمر يلحظه أي متتبع للصراعات الاجتماعية والفقهية التي تجري حيث تتطلب الحياة العصرية تغيير جوانب عديدة من رؤية الماضي وعاداته، لكن هذه التغييرات لن تزيل الأديان والمذاهب، بل ستحدث تطورات في رؤيتها للأمور.
فنظرتنا إلى تعدد الزوجات راحت تغتني برؤيتنا المختلفة للإسلام، وللضرورات التاريخية التي صاحبته، وخطورة كثرة الأبناء في عالم اليوم ذي الظروف الاقتصادية المختلفة وذي التحديات السياسية والعلمية الكبيرة.
لكن تغيرات الأديان والمذاهب هي تغيرات تتعلق بحقب، لأن لها جذورا تاريخية بالغة القدم، وهي مرتبطة بعادات الحياة الاجتماعية الكبرى، فتحولاتها متروكة للزمن ولتطور عادات وأفكار الأغلبية من الناس فلا تفرض عليهم الأمور بقوة إدارية بل عبر الاقتناع، في حين أن الحياة السياسية تتطلب تحولات يومية، والناس بحاجة إلى تغيير ظروف عملهم في المصانع والشركات وعلاقتهم بالدولة وتوزيع المال العام وتوظيفه..
وفي حين تعمل الدول والقوى الاستبدادية على تغذية النزاعات المذهبية والدينية بين الجمهور تعمل الدول والقوى الديمقراطية على توسيع التحالفات الشعبية التي لا تتحقق إلا بعزل الجوانب المذهبية والدينية المختلفة من دائرة الصراع السياسي!
ولهذا فإن اللوحة معقدة، فهناك نضالية علمانية جبهوية تضم مختلف القوى الشعبية ذات الأديان والمذاهب المختلفة التي تسعى للتغييرين السياسي والاقتصادي، في حين تصر القوى المحافظة على تكريس الصراعات المذهبية والدينية لإفشال ذلك التغيير.
≣ العلمانيةُ منعٌ للصراعاتِ الدينية
تعريف العلمانية هي أنها (فصل السياسة عن الدين، أي منع إستخدام الدين في السياسة). لا أكثر ولا أقل، فهي ليست حرباً ضد الدين، كما يحاول تجارُ الأديانِ تصويرَ الأمر.
لا يمكنك أن تبدأ خطاباً سياسياً باسم الله الرحمن الرحيم وأنت تهاجمُ نظاماً أو جماعةً أو طائفة معطياً نفسك الحق بالتعبير عن دين والنطق باسمه والسير تحت رموزه وأنت تدعو لسياسة لا أحد يعرف مدى تطابقها مع الدين وقيمه، وما هي نتائج هذه السياسة على الناس.
لا يمكنك التكلم باسم المؤمنين وباسم الدين وأنت تتكلم باسم حزب وجماعة من طائفة، فأنت تحرضُ على الحرب الدينية والاقتتال بين الطوائف وتسعرُّ نيرانَ الحروب بين المؤمنين!
لا يمكنك وأنت مسئول وتدعو لسياسة رفع الأسعار وخدمة الشركات أو تؤيد رفع أجور العمال أن تقدم نفسك معبراً عن ديانة أو مذهب بدلاً من تقدم نفسك معبراً عن توجه سياسي أو دولة أو وزارة!
كيف خدعوا الناسَ بأنهم معبرين عن الجماعة الكلية المؤمنة ولكنهم كانوا معبرين عن (جماعة) أصحابِ الامتيازات ورؤوساء القبيلة وقادة الحزب، وكيف أباحوا لأنفسم جرّ الناس كلها للصراعات ضد بقية الأديان والمذاهب، وجعلوا من كياناتهم الصغيرة المغامرة صوت الأمة كلها؟
تعالوا الآن وأنظروا لكوارث هذه الدعوة!
طالعوا بلداً مزدهراً عامراً بالخير به طبقةٌ مهيمنةٌ إستغلالية ولكنها لم تُجابه برؤيةٍ توحيدية شعبية ديمقراطية، بل جُوبهت بدعوةٍ سياسية طائفية، مضادة، بمذهب مقابل مذهب، وليس مواجهة لحكمٍ جائر طائفي مقابل شعب موّحد لا يعرف الانقسام المذهبي السياسي!
أنظروا إليه الآن وهو يتفتت تراباً ورملاً وعظاماً، والثائرون البسطاء في نضالهم ضد الاستغلال لم يعرفوا أنهم يُقادون من قبل جماعة طائفية تهيمنُّ عليهم بشعارات دينية، فجعلت من الطوائف الأخرى تفزعُ وتتعصب وتقاتل بشراسة دفاعاً عن حقها في الحياة!
في بدءِ المجزرة كانت الكلمة المُمزقِّة، كان إستخدامُ الشعارات الدينية، كان إستخدامُ رموز دينية طيبة لكن بأيدي طائفية سياسية تريدُ الكراسي والثروة!
لو كانوا لا يريدون الكراسي ما كونوا هذه العصبةَ المتعصبة وسيجوها بالكلام الديني المقدس ليمنعوا إنفلاتها من سيطرتهم وعدم خضوعها لمغامراتهم وإلقائهم لها في أتون الجحيم الأرضي.
ربطُ المقدسِ بالسياسةِ الجيدة أو الرديئة، تحطيمٌ له، وإضعافٌ لمعانيه السامية، ولتاريخه النضالي القديم، والذي لُوثَّ فيما بعد بهيمناتِ هؤلاء الساسة الاستغلاليين، ومتاجراتهم التي أوصلت الأممَ الإسلامية الآن لما وصلت إليه من تخلفٍ بل من هوةِ حربٍ كبرى بين مذهبيها الكبيرين!
إنهم يجرجون الشعوبَ ويسحبونها للمجازر، فبعد أن أنهارَ بلدٌ كامل يوسعون دائرةَ الخراب لشعبٍ مجاور، تسيطرٌ فيه أحزابٌ سياسية طائفية دكتاتورية إستغلالية عميلة في جانب فتنتفض أحزابٌ طائفية شمولية دموية في جانب آخر، والهدف حرق خريطة البلد!
إن هذه الأحزاب الطائفية السياسية بمثابة المجرمين المطلقي السراح، الذين يعبئون العامة لذبح الشعوب بعضها بعضاً، فهي لم تعرف الوطنية والثورية والإسلام والإنسانية، وعاشتْ على الأحقاد الطائفية والتخلف الفكري وتتصور أنها بشعارات منتزعة من الدين وجمل مستهلكة من التراث قادرة على الوصول للسلطات والثروات.
لقد رأى اللصوصُ في الجانب الشرقي أقرانهم اللصوصَ في الجانب الغربي قد سرقوا الدولة والطوائف وأثروا فسال لعابُهم السياسي الطائفي وإندفعوا لــ(النضال)!
كيف لا وهم يرون الشعوب غافيةً على وسائد النوم الفكري الاجتماعي، لا تعرفُ دينَها وحضارتَها وثقافتها وتراثَ الإنسانية التقدمي، ويمكن لهؤلاء من قطاع طرق المذاهب والسياسة كأقرانهم الأوليين من الفِرق المسلحة أن يخطفوها ويخدعوها ويجعلوها تحارب أخوتهم وأخواتهم من المسلمين؟
العلمانية سياسة فكرية تاريخية ظهرت في البلدان التي أكتوت بالتجارة بالأديان، وحين طبقت فصل السياسة عن الأديان لم تمت الأديانُ كما يزعم تجارُ الدين لدينا، فهناك مساحاتٌ شاسعة لحراك الأديان في الفقه والتاريخ والثقافة والحياة الاجتماعية، لكن في السياسة ميدان الصراع لا يمكن إستخدام أداوت التفريق والتمزيق هذه.
ومن لديه سياسة وبرامج فليتقدم بها ويعمل بها ويطبقها كيفما كانت جذوره وأهدافه الاجتماعية بدون أن يحتال تحت مظلة دينية ما، يتقدمُ في بخورها وغبشها ومراكزها الدينية ليسيطر على الناس، فيجعل آخرين يفعلون فعله ويقسمون المجتمع شيعاً وطوائفَ دينية متحاربة.
إنقاذُ الإسلام من هؤلاء عمليةٌ تاريخية كبرى ستقوم بها أجيالٌ وأجيال، فالمهمةُ ليست سهلة، بل خطيرة صعبة، وهي تتطلبُ درايةً بالتراث الإسلامي والتراث الإنساني، ومعرفة بالسياسات المعاصرة، وهي قمة جهود التوحيد للأمم الإسلامية، وتقدمها، فالنضالُ من أجل التغيير لا ينفصل عن حماية التراث الإسلامي والإنساني، وصيانةُ الرموز جزءٌ من محاربة التلوث السياسي الاجتماعي وجماعات التسلق والتجارة بالمقدس، وتسطيح التراث، وتغريبه.
هدفان لا ينفصلان هما عنوانا تجددِ هذه الأمم وإستقلالها وتطورها.
≣ علمانيةٌ لتطورِ الدين
قامتْ إيديولوجياتُ القوى التحديثية العربية وهي البديل المفترض على إستغلال الدين للوصول لمناصب وواجهات سياسية وثروات، فمحو الدين أو أدلجته لمصالح الإستغلال، كلاهما تعبيرٌ عن عدم إستكمال نضال الأوائل من منتجي الدين، ووضعه في خدمة القوى المهيمنة.
إن إدراكَ العناصر الديمقراطية في الدين هو ذاته إدراكها في الزمن الراهن، حين تطورُ من فاعليةِ القوى الشعبية، لكن القوى المحافظةَ والقوى الإنتهازيةَ الملتحقة بها، تنيحان العناصرَ الشعبية النضالية في الدين وتجعلانها ديكورات وخلفيةً وقوى سلبيةً وقوى مرتشيةً ومُعَّطلةً عن الفعل الإيجابي.
بخلاف أن العملية الديمقراطية هي تطوير للعقليات السياسية والثقافية ولإكتشاف المصالح العامة المطلوب تطويرها، وتوزيع الخيرات الاقتصادية عليها حسب أوضاع الطبقات المختلفة وليس أن تتكرس في فئاتٍ معينة دائمة.
إن الديمقراطيةَ هي تبادل المنافع وليس فقط إستخدام الأصوات لتكريس منافع خاصة. هي حلٌ للمشكلات القديمة المتكلسة في تاريخ الأمة، هي رؤية مواقع قصورها وإستلابها وتجميد تطورها ومنع تحررها من تجاوزها.
لأن (الديمقراطية) على أسس دينية محافظة هي رفض لتغيير حياة الناس والمغبونين منهم بدرجة خاصة، أو على الأقل عدم فهم من قبل المحافظين أن تخلف العامة السياسي الثقافي هو لغير صالح غنى الدين.
تغدو العمليةُ السياسيةُ إتفاقات أو صراعات بين الكبار داخل مسرح توزيع الكراسي، والجمهور (كومبارس)، يصفقُ أو يبصم أو يعتزل يائساً.
إن تنحية المحافظةِ الدينية تطويرٌ للعمليةِ الديمقراطية فهي تفرجُ عن أسرى مخدوعين يُصعَّدون إنتهازيين سياسيين، غير قادرين على فهم العملية الديمقراطية وخدمة المؤمنين العاملين الصابرين على الشقاء.
كيف يمكن أن نترك العلماء والمثقفين الكبار في المدن والريف ونختار شخصيات شابة بعدها لم تنضج للعملية السياسية المركبة المعقدة في هذا الزمن؟
وهل يستطيع هؤلاء جعل هياكل الدول أكثر شفافية وسماعاً للأصوات الشعبية ولتغيير قوى الإنتاج الحقيقية الوطنية وإدراك خفايا عمل الحكومات؟
الديمقراطية المكلوبة من الحكومة والتي تطورها أداءها مطلوبة للمعارضة لتطور من عقليتها ومن برامجها وقياداتها!
هذه العمليةُ ليست في بلدٍ واحدٍ بل داخل المنظومات الدينية المختلفة، التي تمثلُ لحظاتٍ تاريخيةً ضرورية للشعوب والأمم، بأشكال مذاهب كبرى تتحول إلى ما يشبه الأديان المستقلة، أو على صور مذاهب متقاربة.
وهنا في لحظات الإنتكاسات والخيبات من الديمقراطيات السريعة تظهر علمانياتٌ متعددة، فبسبب اليأس والتخلف وهيمنة المحافظين المتكلسين تحدثُ ردات فعل حادة.
فُينظر بأن الدين هو سبب التخلف ولولاه لأختلف الوضع، لكن المسألة تتعلق بسيطرات فئات إجتماعية غير قادرة على فهم العصر والتأقلم المجدد مع، وتأتي قوى البديل التحديثي وتجاملها وتريد أن تركب الموجة وتحصل على الكراسي بدون حفر في الحياة الشعبية.
والنتائج إن ذلك لا يحدث فتنتشر ردرود فعل أو ينمو فهمٌ جديد.
تظهر علمانية إلحادية حادة، وعلمانية قومية شرسة تجاه الدين، وربما أشكالٌ أخرى من ردات الفعل التي تصطدمُ الشعبَ وتجعله أكثر حذراً وخوفاً، وتلك الردود من الفعل ليست ذات وعي فكري عميق ببلدانها.
لكن العلمانية المتساوقة مع تواريخ الأديان في المنطقة تتطلب مثقفين وسياسيين من طراز رفيع، أو من الذين يقرأون النتاجات الحافرة في تواريخ هذه المنطقة العريقة التي أسست الأديان، ولا يمكن بشطحات عقلية وإنفعالية القفز على تواريخ آلاف السنين ببساطة!
كما أن العلمانية تقيم الإحترام لتواريخ هذه الأديان نفسها وتحجم من صراعاتها وتقرأها في مساراتها التاريخية المناضلة وفي دورها المضيء وتكشف جوانب القصور والتخلف.
≣ العلمانية ورأس المال
ليست العلمانية نظاماً سياسياً في الهواء، بل هي تعتمد في نشؤها على الأرباح ومدى تجذر رأس المال في التربة الوطنية لأي بلد.
في الشرق الذي له قوانين تطور اجتماعية مغايرة للغرب، فإن ذلك يعتمد على كيفية نشؤ الفئات الوسطى وعلى أية مداخيل تعتمد.
فإذا كانت فئات وسطى تعتمد على مداخيلها الخاصة، وغير المرتكزة على القطاعات الحكومية المسيطرة، بشكل مباشر وغير مباشر، فإنها سوف تنحو نحو الأفكار الحرة.
ولهذا فإن بروز الفئات الوسطى الحرة شيء محدود، لأن العديد من شخصيات هذه الفئات تعتمد على دخول تأتيها من دولها أو من دول أخرى.
ولهذا فإن معارضتها للاقتصاد الحكومي المسيطر تكون محدودة في بلدها، وتتلفعُ بمفاهيمَ مذهبيةٍ لعدمِ الدخول في صراعٍ ضد هذه الملكية العامة التي تحدُ من تطورِ الاقتصاد ومن نشؤِ هذه الفئاتِ الوسطى الحرة.
ولكونها مذهبية فإن نشؤها ومصدرَ تكوينِها السياسي يأتي من دولٍ ذات حكومات شمولية، فلا تستطيع أن تنتجَ مفاهيمَ الحرية بالصورة النضالية العميقة.
لا تأتي الحرية والحداثة والعلمانية والديمقراطية إلا من فئاتٍ اقتصاديةٍ حرة، يتشكلُ رأسمالـُها من عرقِ عمالها، وأين يمكن أن يجري ذلك؟!!
والمذهبياتُ الشمولية عموماً تشكلت في ركاب الدول المركزية الشمولية كذلك.
حين يتفكك القطاع العام ولا يغدو مركز الإنتاج والدخول وتظهر فئاتٌ وسطى من خارجه تعيش على مصادر دخل مستقلة، فإن أفكارها الحداثية تكون ذات جذور موضوعية، لأن الأفكار الحداثية لا تنتج لوحدها، بل تريد مفكرين وقادة وسياسيين، يضعونها في مجال التداول الاجتماعي.
لكن هذا لا يمكن أن يجري بصورة مطلقة، فلا بد تتوجه أغلبية الفوائض الصادرة من عملية التحول هذه إلى الصناعة، والتعليم المهني، وتوسعات السوق، لا أن تتوجه للخارج، أو التبذير، أو الرفاهيات الخاصة، أو عمليات التسلح الواسعة.
حين يحدث ذلك تزداد الفئاتُ الحرة، سواءً على مستوى الفئات الوسطى أم على مستوى العمال، وحينئذٍ تـُطرح تصورات مختلفة عن الدين والوطن والحياة السياسية.
حينئذٍ يُعاد إنتاج المذاهب الدينية، ويغير اليسار إستراتيجياته، ويتم التركيز على الحريات وتبادل السلطة وإيجاد دولة علمانية ديمقراطية.
هذا يفترضُ وجود سلطة خارج الصراع الديني – الديني، تتوجه لدعم الفئات الاقتصادية الوطنية في كافة المجالات، لأن تصدير السلع وترقية الإنتاج وتقدم القوى العاملة هو ما يضمنُ للبلدِ استقرارها السياسي، وما يعود بالتطور على جميع طبقاتها وفئاتها بأشكالٍ غير متساوية بطبيعة حال اقتصاد الملكية والعمل بالأجرة.
الدول المركزية الحكومية الشمولية تفترضُ رؤىً دينية تقليدية جامدة، من حيث تصور الألوهية والسببيات والقوانين الفاعلة في الظاهرات الطبيعية والاجتماعية، تعيد كل شيء إلى فعل خارجي، وغيبي، وليس من داخل هذه الظاهرات.
مثلها مثل النظريات الحديثة التي تقول بأن العلم وقف عندها.
ومع نشؤ وتطور الفئات الوسطى والعمالية الحرة، تتكرسُ الأحكامُ العقلانية، ويزدهرُ الفقهُ الحر، فتتحرر الأحكامُ الدينية من الجمود، وتخضعها لحاجات المسلمين والمواطنين للتحديث وإستقلال الاقتصاد وتقدمه ولتحرر الأمم الإسلامية من التبعية، ولرقي الشخصية المواطنية المستقلة.
حين نرى تطور الأمم الإسلامية في هذا الوقت سوف نجد أن الأمم والشعوب التي توجهت بقوة أكبر للاقتصاد الحر وغير العسكري الشمولي، والتي لم تخندق الشعب في فئات متقشفة محرومة واسعة، ووسعت سبل الرزق له، وقلصت بقوة البيروقراطية الحاكمة الاستغلالية، تتوجه بقوة للحرية والتقدم ورقي الصناعة والتصدير، في حين أن الدول التي هي بخلاف ذلك تعيش أسطوانات الحروب والصراعات الخارجية والداخلية.
إن الدول حين تتضخم عبر المؤسسات بحاجة إلى أيديولوجية شمولية سواء كان ذلك بشكل قومي أو ماركسي أو ديني، فهي تجعل الفكرة السياسية دينياً.
ومن هنا نرى الجماعات الدينية تحمل مثل هذه الأفكار لأنها تريد مواصلة نموذج الدولة الشاملة، ولم تهضم أفكار الحرية على مختلف المستويات.
فليست العلمانية سوى التخفيف من هذا الغطاء الشمولي الذي يتحكم في الاقتصاد، والحياة الاجتماعية، وجعل القطاعات الاقتصادية حرة دون قوة عليا تهيمن عليها.
إن تركيا تنمو بشكل أفضل من إيران، رأس المال في تركيا يتراكم ويتوجه للصناعات، وفي إيران يهدر جانب منه على التسلح، وفي ذات يوم سوف يصطدم هذا الرأسمال الصناعي – العسكري بالوضع الدولي، ويذهب هباءً، وقد كان نتاج تراكم طويل لعمل العمال.
هيمنة الدولة أو الدين أو القومية على رأس المال تؤدي إلى ضموره وتدهوره أو هروبه.
مثل الطاقات العلمية البشرية من عملاء ومنهدسين وغيرهم تهرب من الدول والمجتمعات الشمولية، ورأس المال العلمي والمادي واجهان لعملة واحدة.
لا تستطيع التنظيمات من قومية ودينية وغيرها إلا أن تعمل على الحرية إذا أرادت توسيع الحرية السياسية، فالحريات لا تتجزأ، وليست وطنية ومقصورة على قسم بشري دون آخر، بل الحرية عامة لكل الشعوب.
≣ العلمانية والديمقراطية
تضعُ العلمانيةُ الشروطَ الكبرى الأولى للديمقراطية، فتفصلها عن العصر الوسيط، الذي تشكلت فيه الصراعاتُ السياسية بشكلٍ ديني، فتمهد وتؤسسُ للدول القومية والوطنية وللأسواق الكبرى لهذه الشعوب، وتفككُ الحواجزَ التي أقامتها الأشكالُ الكثيرة للطوائف والملل والقبائل التي عزلتْ الجغرافيا البشرية وقوى الإنتاج عن توحدها وتعاونها المفترض، ومن هنا يقود نفي ذلك لثورة التقينة والعلوم.
العقلانية مرحلة أخرى لهذا الحراك التحويلي للبُنى المحافظة الذهنية والاجتماعية التي تكرستْ في حياة الشعوب عبر ألوف السنين الماضية.
العقلانية تطلق العلوم لتحريك قوى الإنتاج، من أجل تطوير الآلات والمصانع، والطوائف هنا تلتحم في أمكنة الإنتاج وفي البلدان.
حين نرى الآن الحراك الثنائي المتناقض في العالم الإسلامي بين الشيعة والسنة، ونجد أن النظام الشمولي الديني حجز كثير من الشيعة عن الانخراط في الأوطان التي ينتمون لها، فغياب العلمانية عن إيران أدى إلى حراك سياسي إنقسامي واسع النطاق، وبهذا بدلاً من أن تؤدي التطورات السياسية التحديثية إلى توسع العلاقات بين الإيرانيين والمسلمين والبشر عامة، أدت إلى سلسلة من الحواجز والانقطاعات في البلدان.
نتائج الصناعة والتطورات العلمية التي تدخل في باب العقلانية تتوقف ثمارُها مع الانحباس السياسي، وتؤدي العسكرة إلى تعريض ثمار الثروة للخسائر.
في حين راحت الثورات العربية الراهنة ذات القواعد السكانية السنية المسيحية الشيعية المتحدة نحو تصعيد العلمانية إلى درجة مدنية غير محددة، بسبب ظروف الثورات التي أدت إلى ضرورة الوحدة تجاه أنظمة إستنزافية للثروات، وإلى التوجه للتركيز على السياسي، وإحتذاء التجربة التركية، لكن المسار يبقى غير محدد في المستقبل.
الخطورة تكمن هنا في عدم رفع ثقافة العلمانية، ويكون للدول والجماهير ذات الأصول المذهبية السنية مخاطر في عدم التحديد هذا، وعدم التركيز على التطور السياسي الاقتصادي.
ففيما أدت التجربة الإيرانية إلى مخاطر جسيمة وتمزيق عدة دول عربية في مختلف جوانب الوجود السياسي، من الخطورة أن ينتقل التمزيق إلى بؤر البلدان العربية الكبيرة المركزية.
فحدوث الصراعات داخل هذه البلدان وهيمنة القوى الدينية المحافظة وصراعاتها مع بعضها البعض، ينقل ما جرى ويجري في الأطراف كباكستان وإفغانستان وغيرهما إلى القلب من وجود الأمة العربية.
التجربة الإيرانية فككتْ العراقَ وبعض مناطق الخليج ولبنان فحتى السوق على الطبيعة الرأسمالية العادية تعرقله وتفتته وظهرت العقوبات وتفشى الأرهاب.
إن السياسة المذهبية هي عودة لتفكك الإسواق، ولإضعاف قوى الإنتاج البشرية بعزل النساء، وبإضعاف تقنية الإنتاج بعدم تطور العلوم التي لا يجب أن تقف أمامها محاذير دينية وإجتماعية.
وجود التكوينات المذهبية المنفصلة يؤدي لضرب السوق الوطنية وقوى الإنتاج التي تعرضتْ للكثير من المشكلات في الحقبة السابقة، حقبة رأسمالية الدولة الشمولية، والتي تتطلب الآن مع ضرورة إزدهار الرأسمالية الحرة سوقاً واسعة ليست وطنية فحسب بل عربية وعالمية، إضافة لنمو الوعي العلمي لدراسة مشكلات الإنتاج.
أدت هذ الأشكال المتخلفة من الوعي إلى فصل الجناح الشرقي من العالم الإسلامي عن قلبه وغربه، لعدم إمكانية خلق سوق عربية إسلامية كبرى، والمأساة حين تنتقل هذه الأشكال التمزيقية من الوعي لقلب الوطن العربي.
إن ثورة سوريا تحاول ردم هذه الهوة في إحدى الجوانب الجغرافية المهمة. فيما حراك إفغانستان وطالبان تحمل رياح التفتت والقبلية والمذهبية إلى الدول المتوحدة.
لو أن الحراكَ السياسي الإيراني أخذ بالعلمانية والديمقراطية لكان الموقف مختلفاً، لأمكن ظهور تطورات إجتماعية تحديثية واسعة جداً.
والشكل المتخلف المذهبي يقود إلى فقدان الثروة مرة من خلال البذخ العسكري ومرة من خلال ترحيل الرساميل للغرب، وبخلاف ذلك ومع وجود تلك السوق الكبرى من إيران حتى مصر لن تكون الأشكال العسكرية المتطرفة ممكنة كما أن الرساميل سوف تصبُ في هذه السوق الكبرى.
لم توجد السوق الأوربية المشتركة دون الديمقراطية والعلمانية وبالتالي هذه ليست مفردات سياسية وعقلية بل مفردات إقتصادية في جوهرها، أي هي وضع الأساس الواسع للطبقات الوسطى، وللتجارة الحرة، والسلام وتطوير الأرياف الجامدة.
في حديث وزير الخارجية التركي أحمد أوغلو قبل أيام حول التجربة التركية أشار إلى ما يشبه هذه المعاني بلغة عامة سياسية دقيقة.
إذا لم تتبن الدول والتنظيمات هذه الأساسيات في عملها السياسي الفكري المؤسس فالحديث عن الديمقراطية كعدمه.
الدكتور إبراهيم غلوم .. ورؤية خاصة وغريبة عن التجريب المسرحي
أين صواريخ ‹‹حزب الله›› على إسرائيل؟!
إضاءة لذاكرة البحرين
العنفُ مبررٌ ضد الصهيونية
اليهودُ من التراث إلى الواقع
اليهودية كدكتاتورية شرقية
هتلر يحكم إسرائيل
غزة وحماس
isa.albuflasa@gmail.com
الزهد وصلابة المقاومة !
لا يستطيع المرفهون والأغنياء الباذخون أن يقاوموا !
لا يستطيع المقاومة والنضال إلى درجة الاستشهاد سوى الفقراء و الأنبياء والنبلاء فكراً وروحاً!
ولهذا فإن منطقة المشرق التي عرفت الغنى الفاحش أو الفقر الشديد لم تستطع أن تشكل مناضلين مرفهين يعيشون في الفلل الفارهة والقصور!
فإما أن تكون مع الفقراء المساكين وإما أن تكون مع الأغنياء الاستغلاليين المتبطرين!
حاول الأسلاف السابقون أن يجمعوا بين النضال والغنى فلم يقدروا، لكون الحكام يخيرونهم بين الجوع واستقامة الموقف وبين أن يكونوا من الحاشية أصحاب القصائد العصماء المداحة الناصعة بالوساخة. إما أن يكونوا من التنابلة وإما أن يكونوا من المطرودين من الجنة الفيحاء والمشمولين بالرعاية القاسية والفقر المدقع!
لم يكن ثمة خيار للفارابي الفيلسوف سوى أن يعيش بدرهمين في يومه ويؤلف أهم المؤلفات في العصور الوسطى الإسلامية !
في حين ان أي موظف كان يتسلم مئات الدنانير في شهره ويداهن ويمدح ويطبل ويسرق المال العام، ويعيش في بيت كبير ومعه خدم وجاريات وعدة زوجات وينشر كل هذه الكوارث كإرث لنا !
ومن هنا كان شعراء البلاط المداحين الكبار والمسفين ماتوا روحياً واخلاقياً وحين ماتوا فعلاً لم يكن الواحد منهم يساوي جزمة عتيقة!
جعلت الأنظمة المستبدة المثقفين أمام خيارين لا ثالث لهما، اما النظافة والفقر، وأما القذارة والغنى!
في خيار القذارة والغنى فإنه لا عقل مستقلا لك، ولا إنتاج ثقافيا حرا، ولا تطور إبداعيا تنطلق فيه لتحليل وعرض ما يخطر عليك، وأن تشكل برامج سياسية حرة، وتتحالف مع من تريد وتعادي من تريد، فأنت مربوط بخيارات فكرية وسياسية مسبقة، لك أصدقاؤك وأعداؤك المسبقون المحددون سلفاً !
لكن الزهد أتاح للمثقفين والفلاسفة والمناضلين تشكيل آرائهم بحرية وقوة، لأنهم لم يكونوا بحاجة لترضية عدة زوجات، ودفع أثمان فساتينهن وأدوات حلاقتهن وعطورهن، ولا دفع تكاليف بلطجة أبنائهن، كانت الزوجة الواحدة أو العيشة الرهبانية قادرة على أن تتحدى جبروت القصور وفسقها وفجورها !
على مدى آلاف السنين عاش المقاومون للأنظمة الدكتاتورية على حافة الجوع، وكان ذلك ليس بخيارهم، بل نتيجة لظروف قاسية وخيارين أحلاهما مرُ، فإما أن تعيش بكرامة ورأسك مرفوع وكلمتك حرة، وإما أن تعيش غنياً مرفهاً ورأسك في الوحل!
كان الزهد مطلوباً حتى حين تتوافر ظروف اقتصادية جيدة للناس جميعاً؛ ويغدو المناضل قادراً على الصعود إلى عيشة آدمية معقولة، لأن الأنطمة تطمح حينئذٍ في فساد المناضلين، واسترخائهم السياسي، وانعدام بصيرتهم للتحولات التي تعدها، والانقلابات التي تشكلها، لها دامت الثروة في أيديها والحكم المطلق من صناعتها !
ولم تعد الأمور كالعصور السابقة فالمناضل والرئيس المتوج قادران على العيش بصورة متشابهة، رغم أن الأول يعيش في بيت صغير أو شقة، والآخر يعيش في القصر الجمهوري!
لقد جعلت وسائل النقل والاتصال والترفيه المكانات شبه متساوية؛ فالعامل قادر الآن أن يسافر ويترفه بالحياة أكثر من رئيس مريض بالوساوس وأمراض السكر والضغط، وليس له سوى أن يستعرض أبهته الفارغة والسفراء والحرس الجمهوري!
ولكن الفقير يظل دائماً حذراً من تقلبات الزمن ومن هيئات التأمين الاجتماعية والأسعار والثورات والحروب، ولهذا فإن الزهد هو بوصلته لكي يظل قوياً في الحياة وليس صيداً سهلاً للتقلبات السياسية؛ وتنبع قوته من هذا الزهد والترفع وعدم الخسة الحيوانية ليظل إنساناً كبيراً بروحه أولاً وليس بالأشياء المحيطة به والخادعة!
بداية المثالية الموضوعية
الأيديولوجيات العربية والعلم
التطور الفلسفي العربي الحديث المبكر
جابر عصفور: الإصلاح وإشكالياته
سر التعويذة
رفعت السعيد والسرد السياسي
isa.albuflasa@gmail.com
العودة إلى الينبوع
من الواضح أنه بعد هذه السنوات الطويلة من النضال الديمقراطى والوطنى البحريني، يصعب القول بأن التيارات السياسية السابقة يمكن أن تعود بعافيتها السابقة، وكأن شيئاً لم يحدث خلال تلك العقود التى استولت فيها قيادات فردية على هذه التيارات، أو تابعت فيها هذه التيارات أفكاراً تقدمية عالمية نضبت فيما بعد قدراتها، وتابعتها بدون إبداع محلي كبير.
ولهذا فإن المناضلين المخلصين، أي الذين لم يرتبط كفاحهم بالحصول على غنائم ما، مدعوون إلى قراءة تلك المسيرة السابقة، والفصل بين القمح والقشور، بين ما يبقى للناس وما يذهب جفاء.
وأهم ما صار رئيسياً هنا هي أن الهياكل القديمة، أي القنوات التنظيمية لم تعد قادرة على توصيل الفكر والرؤى إلى الناس، بسبب مرض انسداد الشرايين السياسية.
فالمناضلون تعبوا، ولم يعودوا بقادرين على التضحية، والأجيال الجديدة تائهة، والأسوأ من ذلك أن يروا بأن طرقهم هي الخيار الوحيد، وأن النضال الثقافي والإعلامي المفيد هو نهاية المطاف، حيث أن توصيل الأفكار إلى دائرة ضيقة مستمرة من الاصدقاء هو مهمة المرحلة الأساسية، في حين يبقى الجمهور العريض بلا ثقافة سياسية جديدة.
هذه الطريقة تعبر عن مرحلة من الكسل ومخاطبة الأنا، وغياب الحوار مع الجمهور وسيادة الحوار مع الأصدقاء، مع الشلة الصغيرة التى لا تكبر، وتظل الوجوه فيها هي نفسها، وتردد نفس الشعارات مع زيادة بند الأحداث اليومية والمستجدات.
والحوار مع الأصدقاء هو سهل ولكنه عقيم على المدى الطويل، فكأن النهر ينحصر في مجرى وحيد، عاجزاً عن التغلغل في شرايين الأرض، فيظل المرء يخاطب نفسه. وحتى هذه الحوارات الذاتية غالباً ما تكون محدودة بسبب غياب الإنتاج الفكري فيها، والاعتماد على الجاهز، وغياب الحفر والتحليل في خريطة الأرض الاجتماعية والاقتصادية.
إن الترهل السياسي، وتضخم السمنة التنظيمية، هي بسبب غياب الرياضة والنزول إلى الشارع، والجري في الأزقة، ومخاطبة الجمهور العادي وتثقيفه، واكتشاف عناصره الجيدة ورفد التنظيم بالكفاءات والكوادر الجديدة، ذات الصلة الحديثة بالجمهور وقضاياه، وهى التي من الممكن أن تجدد الدماء في العروق التي تكلست، وتطرد الشحم الذي سد المجرى، والأوشاب التي علقت في القنوات التنظيمية على مدى العقود الماضية، فقطعت صلة التنظيم بالناس، وأهم هذه الأوشاب هي الركون إلى الجاهز، والتعكز على القديم الذي بلي وتأسن.
إن العودة إلى الناس، والنزول إلى الأزقة، ومخاطبة البسطاء هي عملية صعبة، بعكس مخاطبة الأصدقاء الذين لا يحتاجون إلى تعب، والذين تتحول السياسة معهم إلى متعة وأنس، خاصة إذا دار الشراب، وعم اللهو، ولكن هنا تغدو السياسة مضيعة للوقت، مثل الدوران في الساقية نفسها، وهي لا تنتج مواد معرفية وسياسية وقيادات بشرية جديدة، بعكس الموقف من مخاطبة إنسان جديد، وخامة بكر لم تتشبع بألاعيب السياسيين وثرثرة المثقفين، وفي هذه الخامات كنوز النضال الحقيقي، والمواد التي شكلها الشعب في معاناته، ولم تتزركش بأردية ولم تتعفن من قنوات البث السياسي الصدئة.
لكن العمل مع هذه الخامات الشعبية يظل هو الأصعب والمحك، وفي تطويرها وصقلها عناء كبير، استراحت القوى السياسية من معاناته والدخول فيه.
إن الخطوط الفكرية القديمة، متطابقة مع الهياكل التنظيمية القديمة، وطرق الأداء السياسي فى مرحلة النضوب، في حين تتطلب المرحلة الجديدة أفكاراً جديدة، واقتراباً من وعي الجمهور، ولكن كيف تثقفه وأنت غير مثقف، وكيف تغيره وأنت بحاجة إلى تغيير ؟!
إن تغيير الجماعات الحديثة وتغيير الناس عملية مترابطة عبر تداخل الطرفين واغتنائهما معاً.
isa.albuflasa@gmail.com
محمد باقر الصدر
كتب : عبدالله خليفة
في كتابه (فلسفتنا) يعتبر محمد باقر الصدر المفكر الديني الراحل وجهة نظره بأنها (مجموعة مفاهيم الإسلام عن العالم) ، ويعتقد بأن ثمة صراعاً فكرياً مريراً (لا بد للإسلام أن يقول كلمته) فيه ص 6 ، فيتصور بأن ما يقوله هو المعبر عن الإسلام لا وجهة نظر شخصية أو وجهة نظر تيار أو مذهب .
وهو من البداية يؤكد (صحة الطريق العقلية في التفكير ، وإن العقل ، بما يملك من معارف ضرورية فوق التجربة ، هو المقياس الأول في التفكير البشري ، ولا يمكن أن توجد فكرة فلسفية . أو علمية دون إخضاعها لهذا المقياس العام ، وحتى التجربة التي يزعم التجريبيون أنها المقياس الأول ، ليست في الحقيقة إلا أداة لتطبيق المقياس العقلي ، ولا غنى للنظرية التجريبية عن المنطق العقلي.): (فلسفتنا ، محمد باقر الصدر ، دار التعارف للمطبوعات ، 1979 ، ص 7 ، بيروت).
فهو يعتبر (العقل) هو المهيمن على التجربة وعلى الفكر التجريبي ، وهذا العقل غير موضح الفصيلة في بداية كتابه السابق الذكر.
ولكي يمهد محمد باقر الصدر لمناقشة وتفنيد الماركسية ، باعتبارها الخصم الرئيسي للفكر الديني كما يتصور ، فإنه يناقش طبيعة الأنظمة السائدة في زمنه وهي :
1 – النظام الديمقراطي الرأسمالي .
2 – النظام الاشتراكي .
3 – النظام الشيوعي.
4 – النظام الإسلامي .
وهو يعتبرُ بأن مشكلة الإنسان عميقة الجذور لكننا لديه لا نعرف مسيرة العلاقات الإنسانية إلا بشكل ضبابي أخلاقي مجرد ، يقول :
(فإن هذه العلاقات التي تكونت تحقيقاً لمتطلبات الفطرة والطبيعة في حاجة بطبيعة الحال إلى توجيه وتنظيم ، وعلى مدى انسجام هذا التنظيم مع الواقع الإنساني ومصالحه يتوقف استقرار المجتمع وسعادته)، (ص 11).
وهكذا تتشكل لديه الإنسانية عبر الفطرة والطبيعة وبالتالي فإن تاريخاً غائراً عميقاً يتوارى هنا ، وتظهر الإنسانيةُ المعاصرة كمذاهبَ فكريةٍ فلسفيةٍ سياسية ، مقطوعةِ السياقِ عن سيرورةِ التاريخ والطبقات ، وبالتالي فإنه لا يقوم بأي ربطٍ بين المذاهب والقوى الاجتماعية ، محولاً المذاهب إلى كينوناتٍ متجوهرةٍ على أنفسها منذ البداية ، ويعتبر النظامان السائدان في العالم في زمنه هما (النظام الديمقراطي الرأسمالي هو أساس الحكم في بقعة كبيرة من الأرض ، والنظام الاشتراكي هو السائد في بقعة كبيرة أخرى)، (وأما النظام الشيوعي والإسلامي فوجودهما بالفعل فكري خالص).
عبر قطع الأنظمة والأفكار عن سياقاتها الكبرى يقوم بعد ذلك باختيارِ جانبٍ رئيسي من النظام ليعتبره هو النظام الكلي ، فيقول عن النظام الرأسمالي بأنه قائم على (الإيمان بالفرد إيماناً لا حد له . وبأن مصالحه الخاصة بنفسها تكفل – بصورة طبيعية – مصلحة المجتمع في مختلف الميادين) ويعلقُ محمد باقر على هذا النظام من الوجهة الفكرية قائلاً: (ومن الواضح إن هذا النظام الاجتماعي نظام مادي خالص ، أُخذ فيه الإنسانُ منفصلاً عن مبدئه ، وآخرته ، محدوداً بالجانب النفعي من حياته المادية ، وأُفترض على هذا الشكل . ولكن هذا النظام في نفس الوقت الذي كان مشبعاً بالروح المادية الطاغية … لم يُبن على فلسفة مادية للحياة وعلى دراسةٍ مفصلةٍ لها) ، ولكن هذا لا يعني بأن الباحث محمد الباقر لا يعتبر النظام الرأسمالي صاحب ثقافة مادية (فلسفية هنا) ، ( بل كان فيه إقبال على النزعة المادية : تأثراً بالعقلية التجريبية التي شاعت منذ بداية الانقلاب الصناعي وبروح الشك والتبلبلِ الفكري الذي أحدثه انقلابُ الرأي ، في طائفةٍ من الأفكار كانت تعدُ من أوضح الحقائق وأكثرها صحة وبروح التمرد والسخط على الدين المزعوم ، الذي كان يجمدُ الأفكارَ والعقولَ ، ويتملقُ الظلمَ والجبروتَ) ، (ص 17 ـ 18) . نحن نرى هنا إن عشرة قرون من التطور العلمي و الثقافي والروحي الأوربي تــُركز في مظاهرٍ مختزلة ، فهناك تمردٌ وسخط وهناك شك وبلبلة وهناك فلسفة تجريبية ، لكن يبدو إن ليس هنا ثمة بناءٌ فكريٌ وأخلاقي كما يتصور الباحث ، فقد دمر الغربيون الدينَ المزعوم ، لكنهم لم يشكلوا وعياً دينياً آخر حسب تصوره ، أو أنهم بلا مظاهر روحية وثقافية غنية وعظيمة ، وهذا الاختزالُ الذي يقومُ به الباحثُ بإلغاء الدين المعاد تجديده أو فصله عن الدولة الغربية ، يغدو لديه إبعاداً كلياً للدين عن المجتمع وعن الثقافة ، وهي الأمور التي لم تجرِ في الغرب ، كما أن ثقافة أخرى غير دينية وأخلاقية كذلك لم تتشكل مهيمنةً على كل الفضاء الروحي ، وهو بعد هذا الإلغاء لثقافة روحية أخلاقية وهامة في الغرب يستنتج :
(كل هذا صحيح ، ولكن النظام الرأسمالي لم يركز على فهم فلسفي مادي للحياة ، وهذا هو التناقض والعجز ، فإن المسألة الاجتماعية للحياة تتصل بواقع الحياة ، ولا تتبلور في شكل صحيح إلا إذا أقيمت على قاعدة مركزية ، تشرحُ الحياةَ وواقعها وحدودها ، والنظام الرأسمالي يفقد هذه القاعدة)، (ص 19) .
وهذه التعابير الغامضة يُـقصد منها عدم وجود أساس ديني للنظام الرأسمالي الغربي العلماني ، فبدون وجود رجال دين يهيمنون على النظام فإنه يخضع لزوال الأخلاق: (والدليل على مدى اتصالها بالحياة من الديمقراطية الرأسمالية نفسها أن الفكرة تقدم على أساس الإيمان بعدم وجود شخصية أو مجموعة من الأفراد ، بلغت من العصمة في قصدها وميلها وفي رأيها واجتهادها ، إلى الدرجة التي تبيح إيكال المسألة الاجتماعية إليها ، والتعويل في إقامة حياة صالحة للأمة عليها)، (ص 19ـ 20).
إن الثقافة الروحية والفكرية الأخلاقية تــُفهم من قبل السيد محمد باقر بأنها إيكال أمر السيادة السياسية إلى رجال الدين وبدون ذلك فإنه لا توجد حياة صالحة للأمة ، وهذا يعني ضرورة هيمنة رجال الدين على المؤسسات السياسية لكي يكون هناك تطور روحي وأخلاقي في المجتمع !
ومن هنا فإن (القيم المادية؛ بمعنى الابتذال السوقي هنا) هي التي تسودُ في الحياة الديمقراطية الرأسمالية حسب رأيه. ولهذا قام الباحثُ بإزالة التطور الفكري والأخلاقي الطويل من نسيج الحضارة الغربية خلال القرون العشرة الأخيرة ، وغيّب مختلفَ أشكال الثورة الثقافية والفكرية والفلسفية الغربية التي تفجرت كثقافة النهضة ثم التنوير ثم ثقافة العصر الصناعي والثورة الديمقراطية البرجوازية ثم صعود ثقافة الطبقات العاملة ، وذلك فقط بسبب إبعاد الدين عن السلطة السياسية ، في حين أن الدين المسيحي مع غيره من الأديان لا يزال يقوم بالسيادة العبادية على الحياة الاجتماعية في الغرب خلال هذه القرون كلها .
أي أن الغرب (العلماني) لم يحطم الهيمنة الدينية المسيحية على الناس ، حيث قامت القوى المهيمنة بنشر والحفاظ على الدين في الوعي الجماهيري بمختلف الأشكال ، مثلما يوجد وعي لا ديني غير أنه غير مهيمن ، ولهذا فإن موضوع سيادة الدين على الحكم هو الذي يجعل الحياة مادية غير روحية في تصور السيد محمد باقر!
(وكان من جراء هذه المادية التي زخر النظامُ بروحها أن أُقصيت الأخلاق من الحساب ، ولم يلحظ لها وجود في ذلك النظام .. وأعلنت المصلحة الشخصية كهدف أعلى .. فنشأ عن ذلك ما ضج به العالم الحديث من محن وكوارث..)، (ص 20) .
إن العالم الصالح في نظر الباحث هو الذي يتمكن رجالُ الدين من إدارته حيث تغدو الأخلاق في بؤرة الاهتمام ، فالعالم الرأسمالي الذي لم يسيطر عليه الروحانيون غدا بلا أخلاق ، وصار التكالب على الماديات ، وهنا يجري في وعي محمد الباقر تغييب الصراعات الاجتماعية التي شكلت مسار التطور ، وكذلك نمو المستويات الثقافية والأخلاقية الغربية عبر هذا الصراع الاجتماعي نفسه ، فالتكالب على الماديات يعتبره سبب الكوارث ، في حين أن النظام الغربي يجعل الصراع على (الماديات) كالأرباح والأجور والخدمات الخ .. جوهر نشاطه السياسي الرسمي والشعبي ، في حين أن الجانب الروحي والاجتماعي مباح للدين وغير الدين ! ففصل الدين يجري فقط في إدارة المجتمع السياسية أما غير ذلك فإن للدين دوره الكبير ، ولهذا فإنه حتى الأخلاق الدينية لها مكانتها!
ويتصور الباحث محمد باقر إنه عبر هذه الحياة المادية الاستهلاكية (لا توجد قيم) وتتحكم (الأكثرية في الأقلية ومسائلها الحيوية) ص 21 ، وهو يقصد هنا تحكم الجمهور المادي في الجمهور الروحي الديني ، (وما دامت الأكثرية لا تعرف للقيم الروحية والمعنوية مفهوماً في عقليتها الاجتماعية ؟؟) ص 22 ، أي أن إبعاد رجال الدين عن السيطرة الفكرية على الجمهور الذي لا يعرف القيم الروحية هو أمر يؤدي إلى حيونة الإنسان .
والباحث محمد باقر هنا يعود إلى الخلفية الشرقية وإلى قيام بعض اتجاهات الدين الكفاحية دورها التحويلي والأخلاقي ، وهو يتصور بأنه مع غياب ذلك لا يعود الغرب سوى غابة !
إن تحويل الجمهور الغربي بأغلبيته إلى قطيع حيواني ، هو مسألة لا علاقة لها بالتطور الحقيقي ، ولكنه هنا يتشكل في وعي السيد محمد باقر مثلما يتشكل في وعي بعض عامة المسلمين عبر تعميم بعض المظاهر و عزلها عن اللوحة العامة وتضخيم هذه المظاهر بشكل كاريكاتيري ، في حين أن التطور الأخلاقي والثقافي الرفيع يجري في الغرب بمواكبة النضال ضد مظاهر ابتذال الإنسان واستغلاله . فالنضال من أجل تطور حياة الإنسان المادية لا ينفصل عن النضال لتطور حياته الأخلاقية .
إن هذا الإسقاط الديني الإيديولوجي للسيد محمد باقر جرى في أزمنة لم تكن الرؤية الشرقية للغرب متعددة وعميقة وذات مستويات مختلفة ، كذلك فإن الإسقاط يجري من مواقع الفئات الوسطى والصغيرة الإسلامية التي ترفض هيمنة الشركات الكبرى الغربية في الغرب والشرق كذلك ، وهو ما يؤدي إلى دهس إنتاجها المادي والثقافي . وهو أمر يشعر المتصدون للقيادة الدينية والسياسية بخطورته على العالم .
إن محمد الباقر يفسر الأسلوب الرأسمالي للإنتاج بشكل فكري أخلاقي ، (كل هذه المآسي المروعة لم تنشأ من الملكية الخاصة ، وإنما هي وليدة المصلحة المادية الشخصية التي جعلت مقياساً للحياة في النظام الرأسمالي ، والمبرر المطلق لجميع التصرفات والمعاملات)، (ص 35).
فالملكية الخاصة لم تنتج ثقافتها المختلفة عبر العصور ، بل لعبت روحيةُ المصلحة الشخصية الأنانية هذا الدور الاستغلالي ، وحين تــُضاف القيم النبيلة إلى الملكية الخاصة فإنها تنتج أدواراً اجتماعية مختلفة في رأيه ، ومن هنا كان يمكن للنظام الرأسمالي الغربي أن يكون شيئاً آخر لو كان هناك رجال دين مختلفين غير استغلاليين وفاسدين ، حيث يمكن لرجال الدين النزيهين المتحكمين في جهاز الحكم أن يصنعوا غرباً مختلفاً !
وهنا يفكر محمد باقر كذلك من خلال تاريخه الاجتماعي الشرقي ، حيث الملكية الفردية الإنتاجية في الحقل والحرف والملكيات الصغيرة تتوازى مع ملكية الدولة ، وحيث لا تزال العلاقات الاجتماعية لم تترسمل بشكل واسع ، كما أن هذا الوعي يعبر عن حياة الركود طوال عصور حيث لعبت الدولُ المركزية عبر الأديان والمذاهب دور المهيمن ، فهنا اندمج الدور (الأخلاقي) للملكية الخاصة مع الدور الحكومي ودور رجال الدين ، وحيث أُعتبرت الملكية الخاصة خالدة لا يسبقها تاريخٌ مشاعي طويل ، وبالتالي فإن محمد باقر يريد أن يشرقن ويمسلم الغرب ، الذي غادر التاريخ الشرقي حيث الترابط بين الملكية الخاصة الصغيرة والإدارة الحكومية وسيطرة الأديان والمذاهب ، وقد جعل الغربُ قوى الإنتاج في ثورة مستمرة مرتبطة بالسوق المحلية والعالمية ، فهي تعيدُ تشكيلَ البنى الاجتماعية والفكرية بشكل دائب ، لكي تسهمُ في عملية التغيير الاقتصادية التي يتحكم فيها الرأسماليون وعبر صراع دائب مع العمال .
ولهذا فإن السيد محمد باقر يرى التجربة المسماة (اشتراكية) بنفس الرؤية ، فيقرأها بالصورة التالية: (أما مضاعفات هذا الإنتاج فهي جسيمة جداً : فإن من شأنه القضاء على حريات الأفراد ، لإقامة الملكية الشيوعية مقام الملكيات الخاصة . وذلك لأن هذا التحويل الاجتماعي الهائل على خلاف الطبيعة الإنسانية العامة)، (باعتبار إن الإنسان المادي لا يزال يفكر تفكيراً ذاتياً ، ويحسب مصالحه من منظاره الفردي المحدود) وهذا كله جعل الاشتراكيون يشكلون (قوة حازمة تمسك زمام المجتمع بيد حديدية ، وتحبس كل صوت يعلو فيه ، وتخنق كل نفس يتردد في أوساطه ، وتحتكر جميع وسائل الدعاية والنشر..)، (ص32).
يعتبر محمد باقر كما تقول (الماركسية – اللينينة) بأن التجربة التي جرت في الاتحاد السوفيتي والصين وغيرهما بأنها تجربة (اشتراكية) ، وليست رأسمالية دولة شمولية ، وهو لا يؤيد هذا البناء من ذات منطلق الملكية الخاصة الصغيرة التي ستُحطم هنا من خلال الدولة وليس من خلال الرأسماليين كما في الغرب ، ولكن بمضاعفات أخرى وهي غياب الحرية الفردية كذلك ، وهو يجعل هيمنة الملكية الخاصة جزءً من (الطبيعة الإنسانية) ، كما أنه يتنبأ بشكل صحيح بعودة (الاشتراكية) إلى الرأسمالية العادية لأن المديرين والمهيمنين على المال العام هم أفراد ، أي كما لاحظ تروتسكي بأن البيروقراطية تنخر (الاشتراكية) المفترضة كما تنخر التجارب التنموية الرأسمالية الفردية في العالم الثالث الأخرى .
لكن منطلقات محمد باقر دينية مثالية ، حيث تتناغم لديه الملكيةُ الخاصة الصغيرة والدينُ والدولةُ المسيطرة الشاملة في علاقة شرقية أبدية . دون أن يقرأ بأن رأسمالية الدولة الشرقية (الاشتراكية) جرت بسبب عوامل نهضوية تسريعية ، وبهذا فإن المركزة الاقتصادية الحكومية أدت إلى تجاوز هذه البلدان منظومة الدول المتخلفة ، وأجرت ثورة ثقافية وتقنية ، بسبب عدم جعل الملكية الخاصة الصغيرة والمذاهب تتحكم في البناء الاقتصادي العام ، ولكن كان لذلك ثمن باهظ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انظر عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الرابع ، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة ، 2015.
الأدب الطائفي
عبدالله خليفة الأعمال الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية الكاملة
فلسفة جديدة
طبقات التوحيد وطبقات التفكيك
isa.albuflasa@gmail.com
-
اشترك
مشترك
ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.
