كما أشرنا مراراً إلى كون الحنبلية قد نشأت كرد فعل عروبي على النزعات الفكرية النهضوية الأقرب للفرس في بغداد، فإنها اعتمدت على نصوصية مغلقة، وتكريس سلطة الحديث النبوي كما هو متوارث دون فحص، وهذا ما جعلها تتحول إلى عداء للحداثة العربية والإسلامية القديمة، وقام الحنابلة في بدء أمرهم بحمل السلاح ضد كل من عمل بالفلسفة والمنطق، وحرقوا الكتب، ثم هاجموا الفرق الإسلامية السنية الأخرى، والمؤرخين الخ..
استطاعت الفرق السنية الأخرى أن تكون أقل تضرراً بموجة التخلف التي هاجمت العالم الإسلامي مع انطفاء شعل الحضارة، وذلك بإتاحتها مجالاً للقياس والاجتهاد، كما حدث للمالكية من بعض التطور في المغرب العربي، فنجد ابن خلدون المالكي يطرح أفكاراً متقدمة عن الاجتهاد.
لكن كافة المذاهب تم اعتقالها من قبل السلطات المتخلفة؛ وغدت الحنفية راية الأتراك العثمانيين دون أن يكون لهذه الحنفية أي علاقة باجتهاد وفقه مؤسسها أبي حنيفة النعمان، وربما لأنه له جذور بالأصل الأفغانى، أي أن المنبت القومى كان له صدى!
رحلت الحنبليةُ من المدن الإسلامية الهامة، إلى المدن الصغيرة البرية، كما جرى ذلك لمدينة الفقيه ابن تيمية، فمدينة الرها، التي عُرفت بأنها مدينة الترجمة المسيحية والإسلامية الطبية والفلسفية، صارت شيئاً مختلفاً مع مولد ابن تيمية.
قوّى ابن تيمية الطابع النصوصي للحنبلية، ورفض الثقافة الحديثة الإسلامية وقتذاك، خاصة جوانبها المنطقية والفلسفية سواء أكانت شديدة الغيبية أم عقلانية، وحول العلوم إلى جوانب جزئية تقنية، مؤكداً أهميتها، وجاهد ضد الصليبيين الغزاة، ولكن آراءه الفقهية المتشددة لم تكن مقبولة لحكومات ذلك الزمان، فقد واجه التيارات الصوفية المنتشرة الجماهيرية، واعتبرها كفراً، مما أثار عليه الناس كذلك، فتم سجنه ومات في السجن.
بطبيعة الحال حولت هذه المواقف والجهاد الفكري الطويل لابن تيمية إلى أن يكون قدوة للحنابلة وبطلاً تاريخياً، ولكن ابن تيمية هو نفسه لم تؤخذ قدراته الفكرية والعقلية الاجتهادية من قبلهم بمأخذ الدرس ولم تتم مراعاة ظروف زمنه.
تغلغلت الحنبلية أكثر وأكثر في الصحارى، حيث البدو البسطاء البعيدون عن الحضارة، والذين لأئمتهم هذه الأفكار المتشددة بحكم طبيعة حياتهم، وأعطتهم هذه الأفكار مبرراً للهجوم على المسلمين الآخرين ومصادرة أملاكهم. وراكز عبادتهم وقراهم، زاعمين أنهم كفرة.
إن البدو هنا يستعيدون نمط حياتهم القديم القائم على الغزو، والذي تم قبل الإسلام بالحروب والغزو والصعلكة، وفي الإسلام عبر أفكار الخوارج والقرامطة وغزوات الهلالية!
ولم تتطور هذه النزعات مع العصر الحديث، وأعطت الثروات النفطية لهذه الأفكار قوة، فتغلغلت في بلدان إسلامية لم تعرف مثل هذه الحنبلية فى عصورها القديمة الأشد تخلفاً، فصار فيها لأول مرة إباحة دم المسلمين والمسيحيين، ورُفضت أشكال الحضارة، وغدت مراكز العبادة غير الإسلامية والفرق الصوفية الإسلامية والقوى الحديثة مركزاً لهجمات هذه الجماعات التي تحولت إلى المسمى المزعوم (الجماعات الإسلامية) ولم تكن ثمة صلة حقيقية بين مذهبية البدو وهذه الحنبلية الُمسيّسة، التي كرستها أموال النفط الباذخة.
وعبر أربعين سنة من تكريس هذه الجماعات من قبل الغرب والحكومات في المنطقة، وتشعبها في الأرض الجماهيرية تحت شتى المسميات، وجذبها للمذاهب السنية الأخرى، التي لم تتعرض هي الأخرى لفعل الاجتهاد خلال قرون التخلف، فإن القضية تغدو أكبر من قضية قمع بوليسي، وأكبر من شعارات سياسية محدودة، فالأمر يحتاج إلى تحولات ثقافية وسياسية عميقة.
عالم عبدالله خليفة الإبداعي مقاربة نقدية تحليلية والضبط الببليوجرافي
لا يقرأون . . ويتعاظمون! : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
الحنبلية والامبريالية
إن التقاء مصائر المذهب الإسلامي المتشدد الحنبلي والإمبريالية هو جزءٌ من تعقد وتشابك سمات وعمليات العصر السياسية والاجتماعية.
فتوجهات الرأسمالية الغربية منذ القرن التاسع عشر تتوجه إلى احتلال مناطق المستعمرات والثروات، ومن هنا كانت مناطق المذاهب الإسلامية المعتدلة هي التي واجهت الغزو المبكر، في حين نأت المناطق الصحراوية مكان إنتاج المذاهب الإسلامية المتشددة عن ذلك، ومن هنا عرفت المدن الإسلامية التي تعرضت للاحتلال نمواً في الفكر الاجتهادي الإسلامي بصورة مبكرة.
وإذا قيل بأن جمال الدين الأفغاني من أصل إيراني وليس من أصل افغانى، فليس ذلك بغريبٍ، لكون الفرس عُرفوا بالتبكير في الوعي، في مختلف المراحل التاريخية، كما أن إيران وأفغانستان كانتا متداخلتين منذ أقدم العصور.
وهكذا فإن النزعات الاجتهادية الإسلامية الحديثة لم تلامس الحنبلية التي تمترست في الصحارى، وإن كانت الهجمات الاستعمارية البربرية قد أيقظت قوى التطرف منذ وقت مبكر كما حدث في الجزائر التي لها عوامل قديمة في التجذر الديني العنيف.
أما المناطق الحضرية الإسلامية فقد حاولت المزاوجة بين الحضارة الغربية بإنجازاتها في التقنية والأشكال الفكرية والفنية، وبين المحافظة على الطابع الديني الخاص، وحلحلة هذا الطابع من جموده الكلي القديم، غير أنها لم تستطع ذلك كلياً، بسبب أدواتها التي لم تنفصل عن الجمود المتوارث .
وهكذا فإن الحنبلية الصحراوية وجدت نفسها فجأة في عمق التواجد الغربي بسبب النفط وعملياته. فهي لم تتوفر لها فرصة للاحتكاك بهذا الغرب كما جرى لبقية المسلمين، بشكلٍ مطولٍ وجماهيري، فظلت محافظةً على أبنيتها الاجتماعية التقليدية العتيقة، ومن جانبٍ آخر فإن تدفق النفط واستشراء الثروات لديها، دون أن تغير من أبنيتها المحافظة تلك، مكنها من الهيمنة المذهبية والسياسية على بقية المذاهب الإسلامية السنية، ثم أخذت بالتوغل في المذاهب الشيعية كذلك.
وكان دور الإمبريالية في هذا المسار هو تقوية الجانبين، جانب العزلة عن التطور الحديث، وتكريس التقوقع والتخلف والعصبية السياسية، وكذلك تقوية جانب الانتشار والتأثير على الجماعات الإسلامية وغير الإسلامية.
إن هذا الزواج غير الشرعي تجلى في حقبة الحرب الباردة، وهكذا وجدت الإمبريالية في خدمات الحنبلية والجماعات المذهبية السياسية الأخرى، فرصةً في ضرب تجارب التحرر والتقدم في بقاع الأرض. وتجسد ذلك بعلانية في أفغانستان.
ومن الملاحظ هنا أن الحنبلية غدت فرقاً ومستويات، فظهرت حنبلية رسمية حكومية، وحنبلية أهلية، وحنبلية سياسية نخبوية. وحدثت تداخلات وتعقيدات في العملية. لكن الحنبلية النخبوية السياسية التي تمظهرت أخيراً في (القاعدة) استثمرت التقنية الإمبريالية وكذلك غياب النوازع الأخلاقية والبرجماتية النفعية أما جذور العنف الواسع فهي تاريخياً فيها، وموثقة بأحكام (الرعية) مؤدلجة من تاريخها نفسه.
إن التغلغل في أوساط المسلمين ووجود الثروة الواسعة والحصول على التقنية الرفيعة، والحصول على الفقه الُمبرر والذي حصل على رعاية غربية، جعل المآسي تتساقط على الضفتين الغربية والإسلامية.
فحصد الغربيون ساسةً وأناساً أبرياء نتائج تاريخ شاركوا في صنعه بالمساهمة المباشرة أم غير المباشرة. أما المسلمون فتعرضت بلدانهم للغزو مرةً أخرى، ولإعادة التشكيل بمنظور غربي مختلف، غائيّ وبراغماتي ومُقننٍ حسب مصالح وظروف جديدة.
عبـــــــدالله خلـــــــيفة: عرضٌ ونـقـدٌ لأعماله القصصية
isa.albuflasa@gmail.com
إشكالية الراعي
انبثقت سلطة العرب من رحم القبيلة، من جذور سيطرة شيخ العشيرة الذي كان راعي غنم، فحول سلطته على الماشية إلى سلطة على البشر.
إن شيخ القبيلة لديه اتجاهان، إما أن يكون مع القاعدة الشعبية في القبيلة والقبائل الأخرى التي تنضم معاً في «شَعب»، وكلمة شعب لغوياً تعني تجمع القبائل المتوحدة.
وإما أن يصير مع الملأ ، مع الأقلية المالية العقارية التي نزفت عاملي القبائل في خزائنها .
لقد تحول راعي الغنم إلى حاكم مطلق، فعمد إلى توظيف الإسلام بخلاف مضمونه الثوري الديمقراطي إلى أن يكون سلطة نص مسيطر على عقل المدينة، أي على عقول أبنائها، ومنعهم من الحداثة، حيث الأفق العريض للحرية، والانتقال من رعي الطبيعة إلى صناعتها.
وبخلاف راعي الغنم البدوي البسيط، الذي يتآلف مع ماشيته ويقدرها ويقيم علاقة مباشرة بين خيمته وحظائرها ، فإن السلطوي الذي وصل إلى الحكم المطلق في تاريخنا أقام حول نفسه أسواراً وعزل نفسه في قصور.
وبدلاً من عصا الراعي وكلاب الحراسة الأليفة التي لا تعض الغنم بل تنبح نباحاً لطيفاً حولها، فإن الحاكم العربي، أقام حشوداً من العسكر الضاري، وغالباً ما يكونون مرتزقة أجانب وبدواً شرسين من المناطق الحدودية، مهمتهم بقاء الغنم البشري في ساقية الإنتاج المتخلف، أو أن هذه الرعية تقدم في مسالخ الحروب كلما توجه الراعي للتوسع، أو ضاقت به سبل الرزق.
وبدلاً من الكلاب وحيوانات الطراد ظهر المثقفون الحافظون على سلامة النص المهيمن، يبعدون الغنم البشري والرعية المعصوبة العينين، عن مناطق الخطر الفكري، ويحفظون ديمومة النص والحقل الأصفر الذي تبقى فيه الماشية ترعى حتى تُذبح.
وهم لا يهشون بعصيهم هنا بل بألسنتهم، داعين الماشية للبقاء في النص الذي سيجوه وأدلجوه. ومن هنا تتعدد خطابات هذه الألسنة من قصائد سلخ أو وعظ أعمى أو فكر فارغ.
ومن هنا يقول محمد بن تومرت: إنه لا فائدة من العقل، ولا من الاجتهاد، فالنصُ كاملٌ موجودٌ، ولا داعي لاستعمال الفكر، وهل يجب أن تستخدم الماشية الفكر ؟
ورغم أن الراعي تحول إلى سلطان مهيمن على مناجم الذهب، فإنه لا يريد أن يُخرج الناس من ثقافة الرعي والغنم، فهو يحافظ على الخيام وثقافة الأساطير، جاعلاً الرعية مستمرة في رعي الكلأ، وهو الحشيش الأصفر من بقايا التراث.
مع انتقالات السياسة العربية الكثيرة إلا أن الراعي والغنم ظلا محفورين في المجتمعات، فظهر رعاة الديمقراطية، ورعاة الآداب والفنون، ورعاة التنمية والابتكارات العلمية والجامعات والأحزاب…
ولكن هذه الرعاية للمجتمع والخدمات فيه لا تتقدم بشكل كبير حقاً، لأن الراعي يستمر في الوجود كسلطة ذات عصا وغنم، فلا أحد يعرف نتاج المرعى، بشكل دقيق. ولا أحد يعرف مصير الغنم بشكل دقيق.
تنتظر ثقافة المرعى المطر والغيث وتنتج الحداء للإبل وإذا تطورت زرعت وسكنت المدينة بأفخاذها وعشائرها، ثم لا تستطيع أن تعمل في المصانع، لأنها مدربة على رعي الغنم، والنوم تحت الأشجار، وترك الكلاب تهش وتتحكم في الغنم الشاردة !
فتجلب عمالاً آخرين لديهم إمكانيات العمل الصناعي، وتجثم هي في الإدارات الحكومية حيث عصا الراعي الذي ينام تحت الأشجار ويترك العشب للمطر، والبهائم للقدر .
ويحن الرعاة لتاريخهم وللخيام وللبر، وجلسات المقاهي، ويكرهون الكتب والعلوم والفلسفة.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
الموت في فينيسيا : توماس مان كتب : عبدالله خليفة
مسارات ـ حمدة خميس كتب : عبدالله خليفة
ويطول اليوم أكثر من قرن :جنكيز ايتماتوف ـ كتب : عبدالله خليفة
«الهولة» بين الإنجازات وعذابات التجنيس: كتب ـ عبدالله خليفة
مثقفو الأكاذيب والتزوير : بقلم ـ عبدالله خليفة
الطليعيون والتحول إلى الطائفية: كتب ـ عبدالله خليفة
استغلال في عمق التاريخ
ليس نتاج تراكم الثروة لدى أقسام من اليهود هو نتاج عبقرية دم أو سلالة، أو من جانب اخر نتاج مؤامرة سامية، بقدر ما هو نتاج تراكم ظروف تاريخية معقدة .
فمجيء القبائل اليهودية إلى فلسطين والصراع مع أهلها الكنعانيين نعبا دوراً أساسياً في وضع الخطوط الفكرية والاجتماعية لتكون هذه القبائل، التي حاولت بعد ذلك حماية نفسها وخصوصيتها عبر الدين .
لقد كان هؤلاء الكنعانيون العرب هم بناة الحضارة في فلسطين وفي شرق المتوسط وفي البحر الأبيض المتوسط عموماً، فهم الذين ظهر منهم ذلك الشعب الذي عرفته أوربا باسم (الفينيقيين).
وهؤلاء الفينيقيون هم الذين طوروا التجارة وأسسوا بيوت المال التي عرفت باسم الصيرفة، وبادلوا المنتجات بسفنهم التي مخرت البحار حتى شواطئ إنجلترا في ذلك الزمن الموغل في القدم .
قام اليهود في ذلك الزمن بالاستيلاء على أرض وإرث الكنعانيين هؤلاء، وعلى طرقهم في إدارة التجارة والمال وعلى العديد من جوانب التراث الديني والأسطوري كذلك.
وبعد تشتت اليهود نظراً لتشكيلهم دولة في مفترق طرق الإمبراطوريات المصرية والعراقية والسورية، استفادوا من ذلك الإرث الفينيقي المالي ودمجوه بتعصب ديني وعزلة خاصة عن المحيط، فتداخلت عمليات استغلال الإرث الديني باستغلال الجيران من الشعوب المحيطة وتكوين ثروات ظلت تتراكم على مدى التاريخ.
عبرت اليهودية عن نمو رأس المال المالي، وهو النمط من المال الذي أنكرت الحضارتان المسيحية والإسلامية وجوده وشرعيته، بشكل عام، مما جعل اليهود هم الجيران والأعداء داخل هاتين الحضارتين، في حين أن اليهود لم يجدوا موطئ قدم في الحضارات الهندوسية والبوذية والزنجية، بسبب عدم رفض هذه الحضارات وجود الفائدة المالية، وتشكل رأس المال المالي !
إن وجود اليهود داخل هاتين الحضارتين، لم يمنع الصراعات المستمرة بين هذه الأديان، وكان جوهره هو قدرة اليهود الصيارفة والرأسماليين عموماً؛ على مراكمة الأرباح الناتجة من استغلال القوى المنتجة.
لكن القادة والحكام الذين يتوجهون لمصادرة أموال الرأسماليين سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهوداً، يشيعون أسباباً دينية أو سياسية لهذه المصادرات التي يلجاون إليها حين تنضب خزائنهم!
وقد حاول بعض المسلمين والمسيحيين الاشتغال بالمهن الحرة والصيرفة خصوصاً، ولكن أعداد المسلمين خصوصاً كانت قليلة قياساً. باليهود، الذين وسعوا عملياتهم في الدول الناشئة في روسيا وشرق أوربا، التي فتحت أبوابها لرأسمالهم الظاهر والباطن.
كان الدبيب اليهودي على الجغرافيا البشرية يعبر عن عمليات تطور الرأسمالية، الذي كان يتسارع في إيطاليا وهولندا وإنجلترا، وفجأة تغدو الجاليات اليهودية في غرب أوربا من أقوى الجاليات اليهودية في العالم!
ولا شك أن هذا النمو الرأسمالي كان يتبعه تطور تقني وعائلات قليلة العدد، واهتمام بالتطور العلمي، لأن رأس المال المالي يحتاج إلى البخل وقلة النفقات ومراكمة الأرباح والبحث عن المواد الثمينة وتحولات الاقتصاد والمواد الخام وامكنتها، والعلاقة بالسياسيين والحركات السياسية المؤثرة وتتبع تطور الدول المهمة.
وهكذا فإن المرحلة الرأسمالية الصناعية قد جعلت القوى المالية اليهودية في أبرز المواقع الاقتصادية و الاجتماعية، ولكن مرحلة الرأسمالية المالية، مرحلة هيمنة البنوك، هي التي جعلتهم في ذروة الدول الامبريالية، بريطانيا والولايات المتحدة !
وهكذا دخلت اليهودية مرحلة الامبريالية لكن على حساب العرب، وعلى حساب أحفاد الكنعانيين، وهم الفلسطينيون!
التاريخ بين حوارين : كتب ـ عبدالله خليفة
لسانُ الشاعرِ المقطوع : كتب ـ عبدالله خليفة
الأبطال والفرح: كتب ~ عبدالله خليفة
رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة
مسلسلات رمضان : كتب ـ عبدالله خليفة
إعادة تقييم التجربة السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
أسباب تدهور وعينا : كتب ـ عبدالله خليفة
الأم والكتاكيت السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
الثورة والكهنوت: كتب ـ عبدالله خليفة
دولة «الحشاشين»: كتب ـ عبدالله خليفة
المتقدمون وغزو الفضاء: كتب ـ عبدالله خليفة
إصلاح أم ضياع : كتب ـ عبدالله خليفة
التقدميون يتغيرون: كتب ـ عبدالله خليفة
مناضلون بلا قواعد: كتب ـ عبدالله خليفة
توسع الفلسطينيين الإنساني : كتب ـ عبدالله خليفة
فلسطين: الأديان والطبقات : كتب ـ عبدالله خليفة
أمدنيةٌ أم علمانيةٌ؟ : كتب ـ عبدالله خليفة
أية ديمقراطية مرجوة؟! : كتب ـ عبدالله خليفة
النقد وتبعيته المزدوجة : كتب ـ عبدالله خليفة
الفردية والفردانية : كتب ـ عبدالله خليفة
شهادة من جمال عبدالناصر: كتب ـ عبدالله خليفة
التقدم في زمن مختلف : كتب ـ عبدالله خليفة
انحطاط الغناء.. انحطاط السياسة : كتب ـ عبدالله خليفة
محمد باقر الصدر: كتب ـ عبدالله خليفة
الفلسفة الغربية والنهضة العربية : كتب ـ عبدالله خليفة
وحدة فكر النهضة : كتب ـ عبدالله خليفة
(الطفولية) والنضال المعاصر : كتب ـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
isa.albuflasa@gmail.com
زكي الأرسوزي
زكي الأرسوزي من كبار المنظرين العرب للفكر القومي، وقد بدأ كتاباته فى أوائل القرن العشرين، وناضل لتأسيس الحركة القومية واعتبرت أفكاره رائدة للبعث.
لكنه يواصل إنتاج الوعي القومي الغيبي مثل الحصري وقسطنطين زريق، يقول:
«إن ظهور الأمة على مسرح التاريخ مماثل لظهور الإلهام في الوجدان أول لظهور النوع الحيواني ذي الطابع البديء على مسرح الطبيعة… وكما أن الإلهام ينجمُ في الوجدان كاستجابةٍ تجيبُ بها النفسُ على جملةِ رموز مرتسمة صوراً في الدماغ، وكما أن النوع يبدر على مسرح الطبيعة كاستجابة تجيبُ بها الحياة علي انقلاب في البيئة، فكذلك تظهر الأمةُ في تاريخ الإنسانية كعقيدة. إن الامة تجربة رحمانية في الوجود أجابت بها النفوس على ظروف طبيعية اجتماعية مشتركة، وإنه على عمق هذه الإجابة تقاس أصالة الأمة»، (رهانات النهضة، ماهر الشريف، ص 218).
يعرض الأرسوزي تكون الأمم بطريقة تجريدية عامة، خارج التكوينات الاقتصادية – الاجتماعية، فتظهر له بشكلين مختلفين، أحدهما أن يكون ظهور الأمة كإلهام، وهو عملٌ إبداعي ذاتي منقطعٌ عن الممارسة التراكمية الإبداعية وشروطها الموضوعية وهو يعيد الإلهام هنا إلى الموروث العربي السحري، وكأنه لقاء مفاجيء بالسماء وبالأرواح والشياطين، وبهذا فهو يدمغ تشكل الأمة هنا بلحظة ذاتية خيالية سحرية.
ثم يحول هذا الإلهام إلى لغة إيهامية بالعلم حين يقول بأن «الإلهام استجابة للنفس على رموز مرتسمة في الدماغ»، وتتحول النفس الموحدة هنا إلى جملة نفوس، فهناك النفسُ التي تستجيبُ وهناك الرموز التي في الدماغ، أي أن النفسَ تستجيب لنفسها، لكن الرموزَ هي انعكاساتٌ لأشياء في الوجود. وبهذا فإن العلاقة الموضوعية بين النفس والخارج تنسد لأن الأرسوزي حوّل النفس والرموز إلى شيء واحد.
والجانب التشبيهي الثاني يستعين بالنوع الحيواني في ظهوره على الطبيعة، كأن ظهورَ الأنواع الحيوانية هو نفسه ظهور الأمم على مسرح التاريخ، وهو يفسرُ ظهور الأنواع الحيوانية بشكل سحري كذلك، فالنوع يظهر كاستجابةٍ «تجيبُ بها الحياةُ على انقلاب في البيئة»، فهو يجعل الحياةَ قوةً مفارقة سماوية هى التى تبث عناصرنا في الوجود المادي. وهذه الحياة تقوم بطرح إجابة على أسئلةٍ فوق مسرح البيئة الذي شكل الأرسوزي أكسسوراته المجرد. فحين يحدث انقلاب في هذه البيئة تقوم الحياة بالإجابة وتخرجُ النوعَ.
وهنا يتقاطع الأرسوزي مرة أخرى مع العلم، فالنوع لا يتشكل كاستجابة مفاجئة، بل يقومُ بخلقِ تراكم عضي طويل داخله لكي يتكيف مع تبدل شروط البيئة الخارجية، التي تغيرت رغماً عنه، أو حين ذهب هو إلى بيئة جديدة، وتكونُ النوعِ هو هذا التكيفُ الطويلُ مع تحولاتِ الطبيعة، ويتحددُ بقدرةِ الأجسام على هذا التكيف وعلى التغلب على صعوبات البيئة.
لكن هذا التكيف للأنواع الحيوانية وظهور أنواع جديدة من رحم القديمة هو غير ظهور الأمم، فظهور الأمم يعودُ إلى مستوى تكون أخر هو التطور الاجتماعي، والتطور الاجتماعي له قوانينه المختلفة عن تكون الأنواع الحيوانية، فالأخير هو مستوى بيولوجي والآخر مستوى اجتماعي، وكلاهما من طبيعة نوعية مختلفة، ودمج النوعين يعود لشكل من الوعي الإيديولوجي الذي يُسقط مقولاته على الظاهرات.
فالأمة تكونُ تكويناتُها الأولى هى القبيلة والفخذ والشعب، وهذه التكوينات تكون أقرب للتكوينات الحيوانية ثم تتطور تبعاً للسيطرة على البيئة، وذلك عبر عملية صراع طويلة تفشل فيها جماعات وتنجح أخرى حسب تنامى قدراتها، ولكن حتى هذه العملية تعود لما قبل تكون الأمم، أي لعمليةِ تكونِ أسسها وقواعدها الإجتماعية التي تتمظهرُ في لغةٍ ووسطٍ تاريخي تتواجدُ فَيه وتشكلُ وعياً يميزها كجماعةٍ قومية عن أخرى، وهذا الوعي القومي الطالع الجديد لا بد أن يكون وعياً لا دينياً ، لأن الوعي الديني يوحدها ويذوبها في الجماعات القومية الأخرى التي تشترك في دينٍ واحد معها، وهذه العملية الانشقاقية التكوينية تحتاج إلى تغيير شروط البنية الاجتماعية، أي لا بد أن تتكون سوقٌ موحدة لهذه القومية كي تتجسد مصالحها الموحدة من بين الأمم الأخرى المحيطة والداخلة ربما فيها الخ..
خلافاً للوعي الموضوعي بالتاريخ يشكل زكي الأرسوزي لوحة شعرية إلهامية سحرية، بدلاً من أن يقوم بدرس تكوّن الأمة بصورة تاريخية موضوعية، فيستخدم تشبيهات واستعارات لا تتطابق والموضوع المدروس، ليصل من ثم إلى استنتاجات أيديولوجية مسبّقة:
«تظهر الامةُ على مسرح الطبيعة كعقيدة».
لا توجد قبائل تظهر على مسرح التاريخ بدون عقائد، فالعقيدةُ هي شكلٌ محددٌ لعلاقتها بالطبيعة ولعلاقاتها الداخلية، ومن هنا فكون العقيدة سحرية — أسطورية — دينية — قومية نهضوية — قومية تعصبية عدوانية، الخ، كلها تعبرُ عن صيرورة الجماعة في حالات تحولها من شكل ابتدائي إلى شكل متطور.
ولكن اللغة التجريدية للأرسوزي تجعل كيان الجماعة المتحولة إلى قومين متداخلاً مع تكوينات أخرى، سواء كانت تكوينات ما قبل القومية أم تكوينات قومية، أي تقوم بالخلط العشوائي ما بين أشكال وعيها السحرية والأسطورية والدينية والحديثة.
«الأمة تجربة رحمانية فى الوجود أجابت بها النفوسُ على ظروفٍ طبيعية مشتركة، وإنه على عمقِ هذه الإجابة تُقاس أصالة الأمة».
إن استخدام مصطلح تجربة رحمانية يشير إلى أثرٍ صوفي، فصلةُ الرحم الولادية تتحولُ إلى ما يشبه النشوة الكونية، وكأن تكون الأمة هو انبثاق غيبي إلهي، شكلته النفوسُ الروحانية تلك فكونت الامة. وعلي عكس ( العمق ) المراد يتشكل هنا التسطيح. ويستهدف الأرسوزي عموماً خلق مشاعر قومية فياضة، لكن مثل هذه المشاعر يستغلها بعد ذلك السياسيون الانتهازيون لصالح تكوينات الأحزاب القومية الحماسية التعصبية التي تنتجُ عكس ما كان يبتغيه الأرسوزي . فتصير الإجابةُ السياسية القومية المتجسدة على الأرض معيقةً لوعي الأمة وتطوره، لكون التأسيس الأيديولوجي كان مضاداً للعلم وللتطور الموضوعي.
وبطبيعة الحال فبما أى الأمةَ العربية جوهرٌ خارج الزمان والمكان وقادمٌ من الغيب، فإن أي أوشاب وأدران تكون ليس من جنسها الطاهر المقدس، بل من القوميات الأخرى التي اختلطت بها:
«لما طغى الدخيل والهجينُ على بيئتنا تقلصت مشاعرنا الرحمانية، وعميت بصائرنا في الشؤون الإنسانية.. واختل نظام القيم في مجتمعنا».
تغدو الآراء الشمولية الإيديولوجية المعاصرة برفض الاختلاف والتعدد الاجتماعي والتي تقود القومَ المسيسين المعبأين مُسقطةً على الماضي التعددي الاختلافي، الذي تطور عبر صراعاته واختلافاته، وقد عجز الماضون عن مواصلة التقدم، لأسباب مركبةٍ تعودُ إلى طبيعة علاقات الإنتاج، لكن علاقة الإنتاج الماضية التي عرقلت ذلك التطور تعودُ للنمو في عصر الأرسوزي، ولكنه لا يقرأ مجمل البنية الاجتماعية وتاريخ تطورها، بل يُسقط دعوته السياسية الحماسية على الماضي والحاضر، فيرى التدهورَ بسبب مجيء الأغيار غير العرب، وكأن العرب ليسوا هم الذين اقتحموا تلك البلدان غير العربية وسيطروا عليها وتحكموا في تاريخها، فتشكلت مجموعاتُ الشعوبِ الإسلامية غير القومية، وكانت سيطرة شعب على شعب مظهر لسيطرة طبقة على الشعوب المختلفة، ومن هنا ففي عالم «الأغيار» أي في نتاجات الشعوب الأخرى الإسلامية ما هو إيجابي وما هو سلبي، وقد سببت تلك السيطراتُ الاجتماعية للأقلية المميزة دفن الآثار الإيجابية لمختلف الأمم الإسلامية التي لم تكن في حالةَ أممٍ واعية لتميزها، وهي في الشكل السياسي الإمبراطوري، ولكن هذا الوعي ( القومي ) أخذ يظهر حين راحت الامبراطورية تتفكك، ولكن العرب خضعوا مرةً أخرى للإمبراطورية العثمانية التي دفنت ذلك التململ.
وحتى ذلك التململ القومي العربي كشكل من أشكال التجليات القومية للأمم الإسلامية، لم تتح له الظروف أن يظهر بشكل قومي بيّن، فظهر بشكل ديني مناطقي ومذهبي عبر المذاهب السنية والمقاومة للقوى الصليبية الغازية حينذاك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ انظر عبــدالله خـلــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.
الدينيون واللادينيون : كتب ـ عبدالله خليفة
عبدالرحمن رفيع : كتب ــ عبدالله خليفة
مراحل تطور (البرجوازيات) العربية ــ كتب : عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
قسطنطين زريق
قسطنطين زريق من رواد ما يسمى بالفكر القومي العربي وقد تابع جهود ساطع الحصري ولكن باتجاه خاص، أي باتجاه تغييب العناصر القومية المفصولة عن سياق البُنى الاجتماعية، وجعل تلك العناصر المثالية مطلقة .
يقول بأن على العربي الواعي قومياً أن ينظر:
«في اللغة فيعرف من أين نشأت وكيف انتشرت ويفهم ميزاتها على غيرها من اللغات والقوى الخاصة التي جعلتها تسود سيادة تامة على هذه الأقطار الشاسعة؛ فلكل لغة نبوغ خاص وميزات تنفرد بها عن غيرها من اللغات: واللغة العربية، من بين اللغات جميعاً، قد أظهرت حيوية بالغة في دقة تنظيمها؛ وفي سعة انتشارها وفي مرونتها، التي جعلتها أداة صالحة لنقل شتى العلوم والآداب»، ودعا: «إلى استكشاف سر هذه الحيوية وفهم القوى الخاصة التى تمثلها لغتنا كي نستغل هذه القوى في تنظيم حاضرنا وبناء مستقبلنا»، (نقلاً عن رهانات النهضة العربية، ماهر الشريف، ص ٢٠٨).
يقوم قسطنطين زريق هنا بالافتراق عن علوم اللغة الموضوعية، التي جعلت كل لغة مثل بقية اللغات، فلكل لغة أداة توصيل وأداة تراكم فكري وثقافي، فلا توجد لغة خارقة ولغة تافهة، وأي تطور للغة ما رهين ليس بميزاتها الشكلانية المفصولة عن البنى الاجتماعية، وتراكم الخبرة والثقافة لدى المتكلمين بها، بل بما يحدث من تطور اجتماعي – فكري لدى المتحدثين بهذه اللغة.
لكنه في سبيل زحزحة هذا الفهم الموضوعي ولإعطاء اللغة العربية ميزات خاصة عن بقية اللغات يدلل على ذلك بكلمات عامة مثل «القوى الخاصة التى جعلتها تسود سيادة تامة على هذه الأقطار الشاسعة» فكأن اللغة العربية لديها سحرية خاصة جعلتها تسود، ولعل الأمر في رأيه إن لغةً أخرى ما كان يمكن أن تسود فى مثل هذه الظروف التي توسع فيها العرب وحكموا، فالمسألة هنا تعود للغة وليس للظروف التي جعلت العرب قوةً حربية في الصحراء تمكنت من هزيمة جيوش أنظمة عبودية معممة احتدمت بتناقضاتها الداخلية ، وكانت لديها لغات خاصة، لكن هذه اللغات الخاصة للشعوب المحكومة من قبل العرب تعرض بعضها للاندثار بسبب السيادة العربية التي استخدمت كافة الوسائل لفرض لغتها، وخاصة عامل التوحيد بين الدين واللغة والسلطة.
ولا يعنى ذلك بأن اللغة العربية ليست ذات إمكانيات داخلية جيدة في بنائها الصرفي والنحوي والاشتقاقي، بل يعني أن اللغةَ أداةٌ محايدة، مثل أي جهاز، ولكنه جهاز مرتبط بالاتصال وغنى الاتصال بين الجماعات المتحدثة بهذا الجهاز. كالقلم ينمو عبر اشتباكه بالفكر والورق ، ويصدأ خارج هذا الجدل.
وهكذا فإن اللغة العربية حملت ميراثها البدوي والديني وهي تتحول إلى لغة حاكمة ومتسيدة على الجمهور الأممي الذي لا ينطق بالعربية، وهذا الجمهور الشعبي الأممي الأمي لم يستطع الانتقال إلى اللغة العربية الفصحى إلا في فئات محدودة هي غالباً ما تتكون من الفئات الوسطى، في حين عجزت الجماهير البسيطة من الانتقال إلى الفصحى التي غدت هي أداة الاتصال بين المتعلمين وأخذت هذه الجماهير تجمع بين لغاتها القديمة واللغة الجديدة وهي تقوم بتكسير قواعدها الفصيحة وتخضعها للتداول العامي المتعدد الأشكال.
وهذا التناقض اللغوي يعود للتناقض الاجتماعي بين قوى الأشراف التي تربعت على السلطات وجماهير الأمم المختلفة ، التي لم تصل إليها التحولات المعرفية النهضوية العربية الإسلامية التي انتشرت بفعل نشاط الفئات الوسطى المثقفة في مختلف فروع العلوم، ولهذا فإنه بعد تفكك الإمبراطورية السياسية الموحَّدة أخذت لغاتُ الأمم غير العربية في الصعود مرةً أخرى لتزيح اللغة العربية تماماً عن مثل هذه البلدان.
تعود مسائل تطور أو عجز اللغة العربية إلى قضايا التحول الاجتماعي، وإلى عجز القوى السياسية العربية أو المتعربة عن تغيير حياة الجمهور الأمي الفقير، ومن هنا فإن التعميمات بشأن القدرة الخارقة للغة العربية لا تعكس قراءة تاريخية موضوعية، بقدر ما تعبر عن إسقاط ايديولوجي لمثقفين معاصرين يحولون عناصر ثقافية قومية معينة إلى جوانب سحرية خارقة، وهي عملية تؤدي إلى تعطيل العقل العربي الفاحص لواقعه.
ويواصل قسطنطين زريق النظرات التعميمية حيث يقول مثلاً عن الحضارة العربية: «أن العرب استطاعوا في العصور الغابرة أن يهضموا مدنيات اليونان والرومان والفرس والهند، ويمثلوها في عقولهم النشيطة ونفوسهم الظمأى ويخرجوها إلى العالم وحدة منسجمة غنية المادة باهرة اللون»..
إن التعميم حول العرب هنا يحولهم إلى كيان متجوهر، مجرد عام، وكذلك هذا يحدث لكافة العمليات التالية: الهضم، والتمثل، فهذه جوانب تاريخية وثقافية مركبة قامت بها قوى معينة مثقفة من شتى الأمم العربية والفارسية والبربرية والتركية الخ.. ولم تكن هذه المادة الثقافية الضخمة ( منسجمة.. باهرة اللون ) بل كانت متصادمة تعبر عن مستويات واتجاهات متعددة وقوى شتى.
في إحالة زريق الثقافة الدينية الإسلامية القديمة إلى ثقافة قومية وإلى ثقافة عرب مجردين، يُسقط لحظته الزمنية الإيديولوجية المعاصرة على زمن لم تكن فيه ثقافة قومية، لأنه لا يريد أن يعترف بمساهمات الأمم غير العربية في تلك الثقافة، وعدم الاعتراف ناشئٌ من وعي قومي شمولي، يزيلُ مساهمات الأمم الأخرى في ظل المستوى المعرفي والاجتماعي الديني السابق، ويحيلُ العربَ الى هذا الكيان المتجوهز اللاتاردخي واللامنقسم وبالتالي فإنه يقيمُ رؤية سياسيةً معاصرة طاردةً لأي تنوع عربي ولأي تعدد قومي داخل الكيان العربى.
«كذلك ستكون مهمة العرب في الأعصر التالية أن يتشربوا علمَ الغرب ويجمعوا إليه العناصر المختلفة، التي تنشأ كرد فعل له، ويؤلفوا بينها في وحدة جديدة تكون عنوان الحياة المقبلة ويفيض بها العربُ على العالم، كما فاضوا عليه بمدينتهم الباهرة في القرون الماضية».
إن الغموض التعبيري هنا هو غموض في فهم الحاضر والمستقبل، فغير معروفة هي العناصر المأخوذة من الغرب، ومن يأخذها وفي أي مسار سياسي واقتصادي، وتحلُ اللغة الرومانسية الغموصَ في فهم سيرورة التاريخ، فالعرب الذين ظهورا كشكل سحري في العالم السابق، يستطيعون القيام بنفس الدور، فلا توجد تضاريس ولا هياكل اقتصادية مختلفة، وإنما تلك القوة الغيبية التي فاضت على العرب ففاضوا على الوجود ماضيه ومستقبله.
وهذا التجوهر العربي المفارق للأوضاع الموضوعية يقود إلى مفهوم «الرسالة»، فهذه الأمة غير المنقسمة الباهرة الثقافة والمنجزات غير المرتبطة بأوضاع صحراوية قاسية أو بتخلف اقتصادي أو بإنجازات واقعية، تتحول إلى كيان خرافي قادر على صنع المعجزات بلا عوامل موضوعية مدروسة.
يستعير المفهومُ القومي النخبوي المثالي الفكرَ الديني ليحمله أهدافه بدلاً من قراءة واقعية الفكر الديني في عصره. فكما أن الفكر الديني له رسالة، وحاملوها هم العرب، فكذلك فإن الرسالة تتجدد ويحملونها مرة أخرى فى العصر الراهن:
«أن القوة المدبرة وراء هذا الكون قد أعدت العرب لأمر لا يستطيع أي شعب أخر أن يقوم به دونهم»، أي أنهم لا بد أن يقوموا بأمر هذه الرسالة ويفيضوا بها على العالم.
ودمج الفكر الديني بالفكر القومي من شأنه هنا أن يجعل أهداف الحركة القومية العربية أهدافاً دينية مقدسة، وقدرية، وغيبية، فهي ليست بحاجة هنا إلى العلوم وإلى الديمقراطية وتجديد البنى الاجتماعية ما دامت متصلة بالغيب وهو الذي يغذيها، وحين يروج قادة هذا الوعي الإيديولوجي القومي في الحياة لمثل هذا الفكر الديني – القومي – السحري المضاد للعصر وللفحص العقلي فلا بد أن يكون ذلك عبر مؤسسات شمولية، أي عبر أجهزة سياسية ينزل فيها هذا الوعي من القمة المهيمنة إلى القاعدة المؤدلجة، ولهذا فإن صانعي هذا الوعي الطالعين من الجامعات والمعاهد يتوجهون إلي التنظيمات ولا يدرسون هذا الفكر عبر البحوث فى الجامعات. وبدلاً من أن يواصلوا عملهم العلمي يخرقونه لتشكيل عملهم الإيديولوجي المسيس التبسيطي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ انظر عبــدالله خـلــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.
انتظر (بحماس) صواريخ إيران على إسرائيل
قراءة في تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة
الدكتور إبراهيم غلوم .. ورؤية خاصة وغريبة عن التجريب المسرحي
أين صواريخ ‹‹حزب الله›› على إسرائيل؟!
إضاءة لذاكرة البحرين
العنفُ مبررٌ ضد الصهيونية
اليهودُ من التراث إلى الواقع
اليهودية كدكتاتورية شرقية
هتلر يحكم إسرائيل
غزة وحماس
isa.albuflasa@gmail.com
لطفي السيد
توضح حياة وأفكار لطفي السيد طابع الفئات الوسطى المصرية، فهو المؤسس لعقلها السياسي.
«التقى لطفى السيد محمد عبده وأصبح صديقه وتلميذه. كذلك تعرف على الأفغانى..، فأعجب به كثيراً»، «وفي هذه السنوات ايضاً، أرسى أسس معرفته بالفكر الأوروبي. وقد تجلى في كتاباته تأثير قراءاته الواسعة.. كقراءة روسو وكونت ومل وسبنسر المألوفة لدى المصريين المثقفين في زمنه. لكنه قرأ ( أخلاق ) أرسطو أيضاً. وحركت مشاعره بعمق كتابات تولستوي التبشيرية الأخيرة))، (الفكر العربي في عصر النهضة، ألبرت حوراني، ص 210).
لكن هذه العلاقات مع رواد الفكر الديني الجديد في المنطقة لم تنعكس في كتاباته: «الانطباع القوي الذي تتركه فينا قراءة تلك المقالات هو الاندهاش من الدور الصغير الذي لعبه الإسلام في تفكير رجل تتلمذ على محمد عبده.
لكن مع ذلك فإنه يرى بضرورة أن يكون الدين أساس التعليم:
«لستُ ممن يتشبثون بوجوب تعليم دين بعينه أو قاعدة أخلاقية معينة، ولكني أقول بأن التعليم العام يجب أن يكون له مبدأ من المبادئ يتمشى عليه المتعلم من صغره إلى كبره، وهنا المبدأ هو مبدأ الخير والشر وما يتفرع عنه من الفروع الأخلاقية. لاشك في أن نظريات الخير والشر كثيرة التباين. ولكن الواجب على كل أمة أن تعلم بنيها نظريتها هي في هذا الشأن… فعندنا (في مصر) إن مبدأ الخير والشر راجع إلى أصل الاعتقاد بأصول الدين، فعليه يجب أن يكون الدين من هذه الوجهة الأخلاقية هو قاعدة التعليم العام».
ليس عدم تحليله للإسلام والمسيحية وقراءة جذورهما هو عدم وجود موقف منهما، بل هو بسبب طابع النظرة الليبرالية المسيسة البرجماتية النفعية، فطه حسين يقوم بالغوص في تحليل الإسلام بموقف معين، ولكن لطفي السيد يكتفي بعبارات عامة مسايرة للدينيين، كما شكلتهما القوى الإقطاعية خلال القرون السابقة، بمعنى أن الليبرالية هنا لا تقوم بالاصطدام بالإقطاعين السياسي والديني، بل هي تسايرهما وتحفر في هجرى معهما وليس ضدهما.
إن الفئات البرجوازية الاستيرادية للبضائع المادية والفكرية، تقوم على ملكيات الأرض والعقار، والمصنع بالنسبة لها هامش، جديد، ولهذا فإن لطفي السيد لا ينتج مدرسة فلسفية سياسية تعيد تشكيل الإسلام والمسيحية والنظام القائم لمصلحة الفئات الوسطى.
((كانت أهم فكرة بين مجموعة الفكر التي استقاها لطفي السيد من معلميه الغربيين فكرة الحرية»، «كان مفهوم لطفي السيد للحرية، كما يعترف هو باعتزاز، مفهوم ليبراليي القرن التاسع عشر. فهي تعني جوهريا غياب رقابة الدولة غير الضرورية. فللدولة وظائف محددة هي الحفاظ على الأمن والعدل والدفاع عن المجتمع ضد العدوان. ويحق للدولة، للقيام بهذه الوظائف التدخل في حقوق الفرد، أما في ما عدا ذلك، فاي تدخل منها جائر، مع العلم أن بعض، أنواع التدخل أشد خطراً من سواه، وخصوماً العبث بحرية القضاء، أو بحرية الكتابة والقول والنشر، أو بحرية تأليف الأحزاب».
يتحول الفكر إلى منهج استيرادي للشعارات الليبرالية السياسية العامة، فالحرية هي تلك التي تنسج على مصلحة الفئات الوسطى، وهي ليست مثل حريات الفكر الليبرالي الأوروبي، الذي أزال هيمنة الإقطاع السياسي والديني من الفضاء الاجتماعي العام، وبالتالي منع استخدام الدين سياسياً، أو احتكار السلطة، ولكن لطفي السيد يماهي نفسه بليبراليي القرن التاسع الأوروبيين بعد إنجازهم الثورة الديمقراطية، في حين يتجاهل هو عملية خلق الثورة الديمقراطية التي تتيح هي إيجاد الحرية، ويعني ذلك بأن الفئات الوسطى تفكر بمصلحتها الاجتماعية ولا تريد تحرير الفلاحين والنساء والسكان عموماً من سيطرة الإقطاع السياسي ~ الديني.
إن لطفي السيد يعبر عن فئات التجار الأحرار التي توافقت مصالحها مع الإقطاع ولهذا كانت رؤاها السياسية التحررية لا تتطرق إلى تحرر الفلاحين والأرض عموماً من اقتصاد القرون الوسطى.
وبهذا فهي تخلق حرية ليبرالية فوق جسد إقطاعي شامل، ومن هنا فإن المطالب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تغدو جزئية، لا تتوجه لإعادة تشكيل المجتمع التقليدي. إنها إنجازات ان حدثت تبق العلاقات الأساسية في الاقتصاد والحياة الاجتماعية كما هي، وتقوم بتغييرات صغيرة تراكم الفوائض النقدية لدى هذه الفئات، وتمنع تحرر الجمهور من الإقطاع وتقوي من وعيه تجاه الفئات الوسطى هذه.
إن تحرير الفلاحين من الإقطاع هو دينامو الفئات الوسطى للتحول إلى طبقة برجوازية، لتسيطر على السوق الوطنية وتراكم الفوائض للتوسع الرأسمالي الصناعي، ولكن هذا المصهر للفئات الوسطى يتخلى عنه لطفي السيد:
لكن المبتكر في كتابات لطفي السيد هو شعوره الطبيعي المرهف بمصر وبريفها. فهو يرى الجمال فى حياة القرية المصرية على فقرها وبؤسها، كما يتذكر مناظر حقول القطن وجلبتها، ويرسم بألوان بهيجة فضائل الفلاح الطيب وسعادته، ويحث الجيل الجديد على التجاوب مع جمال الطبيعة وعلى إضافة تثقيف المشاعر إلى تثقيف العقل».
إن رومانتيكية رواية زينب وشكيّة طه حسين وبرامجه التعليمية وغيرها تتناسق في مواقف الفئات الوسطى عبر هيمنة البرجوازية التجارية، في قيامها بتصدير القطن للمعامل البريطانية، ولاستيرادها البضائع المصنوعة المادية ولنتف أفكار الليبرالية وقد قطعت وشائجها بالتاريخ وبالطبقات والبنى، وتشبثها بديمومة الإقطاع السياسي في الملكية، والإقطاع الديني في النصوصية الدينية الشعائرية على الجمهور.
وبالتالي فإنها لا تقوم بإعادة النظر في مجمل البناء الاجتماعي، بجذوره الوطنية العميقة، عبر توجه تحريري متجذر، وفي سلطة ديمقراطية وحيدة تتكرس في البرلمان، وفي تعميق فهم البناء الوطني بامتداداته القومية الإسلامية المسيحية الإنسانية.
فالبناء الوطني المفهوم عبر وعي الفئات الوسطى التابعة في جوانب والمصارعة في جوانب، للإقطاع، يظل محدوداً على الأقلية ولهذا لا يغدو قومياً بالضرورة، فإذا كانت الفئات الوسطى هذه غير راغبة في إشراك الطبقات الشعبية في المعركة الوطنية فكيف تستطيع أن تتجاوز ذلك إلى الجمهور القومي؟
إن البرنامج السياسي البطيء الذي شكله لطفي السيد لهذه الفئات الوسطى سيكون له مخاطره على المستقبل الطبقي لهذه الفئات، فغياب المبادرة والجرأة سوف يدمرانها إلى حين.
فبرنامجه يقوم على «تقييد سلطة الخديوي المطلقة والتحرك على مراحل نحو الحكم الدستوري»، لهذا «جاءت الإصلاحات التي اقترحها فيه متواضعة وحذرة، منها توسيع اختصاص الهيئات النيابية وتعديل طريقة الانتخاب».
أما البرنامج الاقتصادي فلا يختلف «على مصر أن توفي ديونها الأجنبية»، «وعليها أن تبني صناعاتها». إن هذا التطور البطيء حتى لو تم فى ظل السيادة الاستعمارية فإنه سيكون أفضل، ومن هنا رأى خطرين يواجهان التجربة المصرية،«المثل العليا السابقة لأوانها في (الاشتراكية) أو (العالمية) من جهة، واليأس وضعف الثقة بالنفس من جهة أخرى».
إذا كانت هذه الليبرالية ذات ميزات عظيمة في بداية القرن العشرين حيث أسست البرلمان والحريات الفكرية والتعبيرية وحرية نساء المدن، فإنها عجزت عن التجذر والانتقال من الإصلاحات المدنية والسياسية إلى الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تصل إلى ملايين المنتجين، ولهذا فإن الفئات الوسطى الصغيرة: الضباط، مثقفي البرجوازية الصغيرة المتسرعين، استغلوا هذا الضعف لدى جيل لطفي السيد ليطرحوا الحل الشمولي التسريعى.
ومع ذلك فلم يستطيعوا أن يتجاوزوا المهمات التي لم ينجح فيها جيل لطفي السيد كلية، ولكن جيل الحريات ذاك أسس النهضة الديمقراطية والتحرر الوطني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ انظر عبــدالله خـلــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.
ساطع الحصري
لم يكن للعرب وعي قومي قبل القرن التاسع عشر، وبدأ ذلك يتكون مع أزمة الإمبراطورية العثمانية المتعددة القوميات والأجناس والأديان. وقد قامت العناصر الليبرالية الأولى التي ظهرت في لبنان بنقل المنتجات الفكرية السياسية الغربية الجاهزة الخاصة بالعلمانية والقومية دون أن تتهيأ لها الظروف الموضوعية لتشكل تياراً ديمقراطياً، كما فعل بطرس البستاني الذي شدد على «أهمية تمتع أهل الوطن بحرياتهم ، ومن ضمنها حرية الضمير وطالب بصورة صريحة، بفصل الدين عن الدولة وعن السياسة»، «عن رهانات النهضة في الفكر العربي، ماهر الشريف، دار المدى، ص ١٩٧» وقد تابع ذلك مفكرون آخرون كأمين الريحاني وغيره.
غير أن هذا الوعي العلماني الديمقراطي المعبر عن بنية رأسمالية متطورة لم يكن من نتاج داخلي للبنية العثمانية — العربية الدينية الإقطاعية في ذلك الحين، رغم تعبيره عن أجنة جديدة للفئات الوسطى العربية المحدودة في المشرق العربي.
وكأن مخاض الإمبراطورية العثمانية يقود إلى انفصال أجزائها، وبدأت قوى سياسية عربية في المشرق بإنشاء هيئات سياسية تحبذ قيام نظام لامركزي في ظل الخلافة العثمانية، لكن تيار التتريك المتصاعد واعتلاء القوميين الأتراك المتطرفين السلطة حول مطالب قوى اللامركزية العربية إلى الانفصال، وجاءت «الثورة العربية الكبرى» وتقسيم دول المشرق لتصعد بشكل كبير الأطروحات القومية العربية.
إن ظهور الأفكار القومية العربية في دول المشرق العربي تعبير عن الدور التاريخي الذي قام به هذا الجزء من العالم العربي كعصهر للأفكار العربية – الإسلامية – والدينية القديمة، حيث كان عليه دائماً أن يبلور سمات المشرق المستقل وحين تنضم إليه مصر يكون الشمال العربي الزراعي قد اكتهل.
لكن يغدو تشكيل الأفكار القومية الان هو وليد البُنى الاجتماعية العربية الراهنة بتبعيتها للمركز العثماني المنهار وللمركز الغربي المتشكل حديثاً، فهناك مالك يحتضر ومالك جديد يتسلم.
وقد كان المنظر الأول للفكر القومي ساطع الحصري قد جاء من عاصمة الأتراك لكي يدعو العرب لقومية هو خارجٌ عنها ولا يتكلم بلغتها . كان ارتباطه بالأشراف (الهاشميين) الُمقتلعين من مكة والباحثين عن سلطة بمساعدة الإنكليز هو المناخ السياسي الذي تشكلت فيه الدعوة القومية العربية الأولى.
كان ساطع الحصري قد «استقى مفاهيمه القومية من مفكري القرن التاسع عشر الأوروبيين، ولا سيما من القوميين (الرومانسيين) الألمان، حيث اقتبس من أرنت وهردر وهيغل، وأعجب، إعجاباً شديداً، بفخته وخطبه إلى الأمة الألمانية، التي ركزت على مكانة اللغة والتاريخ والتوحيد والتربية القومية في حياة الأمم»، (٢).
إن عناصرَ الاستيراد هنا تعبرُ عن العلاقة بين المستورد وثقافة المنشأ، فساطع الحصري يقومُ باستيراد عناصر من ثقافة قومية تعيشُ ظرفاً مشابهاً، فألمانيا التي كانت تنتقل من الإقطاع إلى التحديث الرأسمالي تجري الانتقال عبر سيطرة بروسيا وعبر الملكية، وكذلك تقوم في الوقت ذاته بتشكيل الوحدة القومية عبر الجيش.
وتقوم المثالية الرومانسية عبر فخته بتشكيل خطاب قومي ثقافي لا يحفر في الركائز الاجتماعية السفلى للوحدة، فلا يتطرق إلى العوامل الموضوعية للوحدة القومية كالسوق ووحدة الطبقة البرجوازية والشعب والديمقراطية، وذلك تعبير عن نزعة شمولية عسكرية غائرة تقومُ بصهر المجموعات الشعبية الألمانية تحت قيادة عليا قاهرة سيكون تتابعها لدى الإمبراطور غليوم ثم المستشار هتلر.
وماكان يفعله ساطع الحصري هو نقل المنتجات القومية الثقافية من البناء الألمانى إلى البناء العربي، وصياغتها بأسلوب شعري مشابه ، لكن مستوى البنية الألمانية يختلف عن البنى العربية عامة، يقول ساطع الحصري:
«إن الأمة كائن من الكائنات الطبيعية الحية.. والأمة العربية بالذات كيان قديم، قائم منذ آلاف السنين، تشكّلُ اللغةُ العربية روحَها والتاريخُ ذاكرتها وشعورها، وإن القومية العربية التى تعني حب هذه الأمة، قد ظلت كامنةً رغم الضعف الذي أصاب الوعي القومي العربي في مراحل تاريخية معينة، وتجلى تأثيرها، على المستوى الروحي، من خلال روح العروبة والروابط المعنوية التي تربط العرب» يحول ساطعُ الحصري هنا العربَ إلى كائنٍ متجوهر خالدٍ سرمدي يتعالى فوق ظروف الزمان والمكان، فيوحدهُ بالطبيعة، وهذا أثر رومانسي واضح. إن هذا الكائن الخرافي القومي ليست له جذور على الأرض الاقتصادية الاجتماعية فقد ظهر هذا الكائن مكتملاً منجزاً فتغدو الأمة ذات مصدر غيبي إلهي، وليست ذات سيرورة تاريخية، ويتمظهر جوهرها عبر اللغة، وكأن اللغة هنا معطىً ميتافيزيقياً وليست مصطلحات للأشياء وللحيوانات والحروب وللحياة البدوية المُعاشة، ثم يقفز الحصري عبر هذا الإنشاء من ظهور الأمة العربية الغيبي هذا إلى تكون القومية العربية التي ظهرت في القرن العشرين، وكل الحقبة السابقة لا تعني شيئاً في منهج يجوهر الذات القومية ككيان خارج الزمان والمكان.
وبعد أقفز على تضاريس تكوّن العرب القديمة يقوم بالقفز على تضاريسهم الحديثة:
«إن العناصر الأساسية فى تكوين القومية.. هى وحدة اللغة ووحدة التاريخ، وما ينتج عن ذلك من مشاركة في المشاعر والمنازع، وفي الآلام والآمال. إن جميع الناطقين بالضاد، جميع أبناء البلاد العربية، يكونون أمة واحدة بهذا الاعتبار. وما القومية العربية إلا الشعور والإيمان بوحدة هذه الأمة، وهي تحتم العمل بكل نشاط لإزالة الحواجز القائمة بين أجزائها المختلفة».
يلغى ساطع الحصري هنا الظروف الموضوعية لتشكل الوحدات العربية المعاصرة، فكما أن الماضى ذا البنى المختلفة لسيرورة العرب بلا قيمة فكذلك تشكلهم الراهن في أقاليم أو دول بلا قيمة مهمة، فالكيان العربي السرمدي القومي في حد ذاته خارج مثل هذه الظروف، وما يظهره هو المشاعر واللغة. وحتى هذه اللغة التى يأخذها كعنصر مطلق يتصورها في اللغة الفصحى المكتوبة، لأن اللغة الفصحى غير الموجودة على الأرض وفي أحاديث الناس، هي الموحّدة التجريدية للعرب. وهذا ما سيؤدي إلى خصام نخبوي قومي للهجات العربية وآدابها.
ويتضح الجاذب الرومانسي الخيالي في قوله بأن القومية (الا تنشأ من المنفعة، بل هي عاطفة تصدر من أعماق القلب».إن الحصري باعتباره فرداً من الفئات الوسطى الملتحقة بالنظام الإقطاعي – الديني المتكون وقتذاك بالعراق بقيادة فيصل تغدو لغتها الفكرية معبرة عن سياسة هذا النظام، فالنظام الملكي إذ ينفصل عن الإمبراطورية العثمانية ويهزم الرابطة العثمانية، يتطلع إلى مشروع عربي إمبراطوري، وتغدو الركائز لهذا النظام دعاية فكرية واستثارة للمشاعر الجماهيرية البسيطة، فيغدو إلحاق العرب عاطفياً، وليس منهجاً يقرأ ظروفهم الموضوعية ويغيّرها.
وهذه اللغة القومية العاطفية التي يشكلها فرد ملتحق بالنظام الإقطاعي الديني يقطع مسارها عن المصدر الفكري الألماني الذي استقى منه بعض الشعارات، أي لايرى دور البرجوازية الألمانية التي شكلت الروابط الموضوعية من مواصلات ومصانع وعلاقات اقتصادية كبيرة بين الولايات الألمانية المُقسّمة، وتبعيتها للنظام الإقطاعي الملكي البروسي المتشكل بالحديد والنار، بل يقوم ساطع الحصري وقد جعل القومية العربية كائنا خيالياً رومانسياً بالدعوة لوحدة وهمية، يمكن اجتيازها بسهولة بلا قطارات ومعامل مشتركة الخ.. بل عبر الجملة العاطفية المنتفخة.
ومن هنا فإن تضاريس تكون الأمة العربية في العصر الحديث غير مدروسة، فقد كانت أجزاء من المشرق العربي إلى زمن قريب من عهد الحصري ذات وحدة سياسية عامة عبر السيطرة العثمانية، وكانت هذه الأجزاء يحدث بينها تفاعل، ولكن هذا التفاعل يتم تحت الأدوات السياسية والعسكرية سواء أكانت من العثمانيين أم من الإنكليز أم الفرنسيين، فيحدث وهمٌ هنا لدى ساطع الحصري بأن العاطفة وحدها قادرة على خلق الوحدة العربية. ويتشكل ذلك بسبب تبعيته للإقطاع الملكي الهاشمي الجديد الذي تحرك على تضاريس المشرق العربي عبر ما سمي بالثورة العربية الكبرى، لكن هذا التحرك لم يكن سوى مظهر للإرادة الإمبريالية البريطانية، وما الإرادة (العربية) هنا سوى إرادة تابعة لمشروع خارجي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ انظر عبــدالله خـلــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.
جابر عصفور: الإصلاح وإشكالياته
سر التعويذة
رفعت السعيد والسرد السياسي
زكريا إبراهيم : الاستيراد الفكري
الرأسمالية البدوية
علي عبدالرازق
بعد الحرب العالمية الأولى جرت تغيرات كبيرة في العالم العربي والإسلامي فقد زالت الإمبراطوريات التي تظلل المسلمين أو أغلبيتهم في وحدة سياسية حقيقية أو رمزية، وفي 1924 قامت الحكومة التركية بإلغاء الخلافة وأعلنت قيام دولة علمانية تحولت بعد سنة إلى جمهورية علمانية.
في ذات السنة نفسها كتب مثقفٌ أزهري وقاض شرعي بإحدى المحاكم المصرية كتاباً حول الخلافة الإسلامية واسم المثقف هو علي عبدالرازق، وبدأت عاصفةٌ سياسية وفكرية حول الخلافة والعلمانية.
كتب محمد رشيد رضا في صحيفة المنار:
[ لقد كانت الخلافة والسلطنة فتنة للناس في المسلمين كما كانت حكومة الملوك فتنة لهم في سائر الأمم والملل. وكانت هذه المسألة نائمة فأيقظتها الأحداثُ الطارئة في هذه الأيام، إذ أسقط الترك دولة آل عثمان، وأسسوا على أنقاضها فيهم دولة جمهورية بشكل جديد، من أصوله أنهم لا يقبلون أن يكون في حكومتهم الجديدة سلطة لفرد من الأفراد لا باسم الخليفة ولا باسم سلطان، وأنهم فصلوا بين الدين والسياسة فصلاً تاماً ]، (28).
لكن إسقاط السلطنة العثمانية لم يهز مصر مثل كتاب علي عبدالرازق، فهذا القاضي الشرعي قام بعرض رؤية تمثل انقلاباً كبيراً في فهم الإسلام، حيث أنكر وجود أصول شرعية لدولة دينية في الإسلام، مدللاً على ذلك عبر القرآن والسنة.
وقد فهم علي عبدالرازق ظهور الإسلام بأنه [ دعوة سامية أرسلها الله لخير هذا العالم كله، شرقيه، وغربيه، عربيه وأعجميه، رجاله ونسائه، أغنيائه وفقرائه.. ]، وإن هذا الدين الُمرسل لديه كان بغرضِ جمع ما اسماه الأمم العربية: [ هذه الأمم المتنافرة اجتمعت كلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، حول دعوة الإسلام، تحت لوائه ] لكن تلك الوحدة في رأيه: [ ليست سياسية بأي وجه من الوجوه. ولا كان فيها معنى من معاني الدولة والحكومة، بل لم تعد أبداً أن تكون وحدة دينية خالصة من شوائب السياسة. وحدة الإيمان والمذهب الديني، لا وحدة الدولة ومذاهب المـُـلك ]، (29).
يفصلُ علي عبدالرازق هنا فصلاً كلياً بين ظهور الإسلام كدين وبين ظهوره كدولة، وهو فصلٌ قد يكون مرجواً في زمن مستقبلي تحديثي عميق، ولكنه بأي حال من الأحوال لم يكن موجوداً في ذلك الزمن الأولي، أي أن علي عبدالرازق أسقط رغبته الذاتية على الواقع الموضوعي، وعبر هذا الإسقاط الذاتي كان عليه أن يتعسفَ التاريخَ والوقائع وثقافة الوعي السائد حينئذٍ.
فإن يكون الإسلام دعوة دينية خالصة لا تربطها بعمليات الصراع السياسي العربي وبتكوين دولة للعرب براية الدين، هو أمر يبترُ التاريخَ الحقيقي بغض النظر عن سلامة الدعوة لتكوين دولة لا دينية معاصرة.
يواصل علي عبدالرازق عرضَ فكرته:
[ يدلك على هذا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فما عرفنا انه تعرض لشيءٍ من سياسة تلك الأمم، ولا غير شيئاً من أساليب الحكم عندهم، ولا مما كان لكل قبيلة منهم من نظام إداري أو قضائي، ولا حاول أن يمس ما كان بين تلك الأمم بعضها مع بعض، ولا ما كان بينها وبين غيرها من صلات اجتماعية أو اقتصادية الخ…]، (30).
إن عبارة علي عبدالرازق تقومُ بعمليةٍ تعميميةٍ كبيرة، فكأن الباحث هنا ليست لديه أية وقائع عن تشكل الإسلام، فهذه الدعوةُ الدينية الخالصة التي لم تتشابك بمعاركٍ سياسيةٍ عربية وعالمية هي غير موجودة في التاريخ، فقد ارتبطت الدعوة بتغيير وضع العرب السياسي المشتت، وبتشكيل دولة كبيرة، ثم بتغيير الأنظمة السياسية المسيطرة على المنطقة، وهذا كله استدعى تشريعات على مختلف الأصعدة.
وصحيح ما يقوله [ بل ترك لهم عليه السلام كل تلك الشئون، وقال لهم أنتم أعلم بها ] ولكن هذا ينطبق على تدابير الإنتاج وصناعة الأشياء والعلوم وليس على النظم السياسية!
يقع خطاب علي عبدالرازق في تناقض كبير لا يعرف كيف يقوم بحله، وذلك يتبدى في العبارتين التاليتين:
[ ربما أمكن أن يقال، أن تلك القواعد والآداب والشرائع، التي جاء بها النبي عليه السلام، للأمم العربية ولغير العربية أيضاً، كانت كثيرة، وكان فيها ما يمس إلى حد كبير أكثر مظاهر الحياة في الأمم، فكان فيها بعض أنظمة للعقوبات، وللجيش، والجهاد، والبيع والمداينة والرهن، ولآداب الجلوس والمشي والحديث..].
ثم يقول مناقضاً ذلك:
[ ولكنك إذا تأملت، وجدت إن كل ما شرعه الإسلام، وأخذ به النبي المسلمين، من أنظمة وقواعد وآداب، لم يكن في شيء كثير ولا قليل من أساليب الحكم السياسي، ولا من أنظمة الدولة المدنية..]، (31).
توضح هاتان العبارتان المأزق الفكري السياسي الذي ألم بفكرة علي عبدالرازق، ففي الأولى يقول بأن ثمة نظاماً سياسياً شاملاً، يبدأ من العقوبات حتى مظاهر الحياة اليومية شكله الإسلام، ثم يقول في العبارة الثانية بأن ذلك ليس نظاماً سياسياً.
لكننا نستطيع أن نفهم سبب التناقض بأن لدى علي عبدالرازق مفهوم معين للدولة السياسية، لا يصرح به هنا، ولكننا نرى أنه النظم الغربية الحديثة التي يؤمن بها علي عبدالرازق، باعتبارها هي النظم السياسية الصحيحة والسليمة، ويتضح ذلك في تعبير (الدولة المدنية)، فهذا تعبيرٌ عصري جُلب مع العلاقة بالحداثة الغربية.
وهو إذ يؤمن بالإسلام إيماناً عميقاً، ولكنه يؤمن كذلك بالدولة العصرية المدنية، وبضرورة أن تكون دولة لا دينية، فإنه يقوم بالالتفاف على التاريخ الموضوعي وحقائقه التاريخية، بالقول بأن ما جاء به الإسلام لا يتضمن تشكيل دولة دينية:
[ إن كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات، وآداب وعقوبات، فإنما هو شرعٌ ديني خالص لله تعالى، ولمصلحة البشر الدينية لا غير ].
إن الرؤية الغائرة وراء هذه العبارات المتضادة هي رؤية لا تاريخية، فهي لا تفهم تشكل الإسلام كصراع لتكوين دولة لقبائل مشتتة، متخلفة، كما أن أنها لا تفهم – أي هذه الرؤية – الأفكار الدينية وسواها كتعبير عن وعي سياسي متداخل بالمقولات الدينية المختلفة، التي لم يكن بالإمكان أن لا تكون سياسية، وأن لا تتداخل مع الدين معاً، فتلك ضرورة الزمان والمكان، والمستوى التاريخي للعرب وللمسلمين وقتذاك.
إن الفكرة إذن لدى علي عبدالرازق ليست ذات جذور تاريخية، وذات بعد اجتماعي موضوعي، فتغدو خاضعة للإرادة الفردية الخالصة، سواء تشكل ذلك عبر وعي نبوي قديم، أم عبر إرادة علمانية حديثة.
فالدين مجرد دعوة أخلاقية ولا تتضمن هدفاً سياسياً لديه، وكأن بالإمكان أن تتشكل دعوة أخلاقية خارج الصراع الاجتماعي والسياسي، وكأن الدعوة الأخلاقية النبوية بتحطيم الأصنام ليست هي أيضاً تحطيم للسلطات القبائلية الكثيرة، وكأن المفهوم الإسلامي التوحيدي ليس هو أيضاً تشكيل سلطة مركزية في المدينة.
إن قيام علي عبدالرازق بتفكيك الصلة بين الديني والسياسي، يتشكل إذن عبر وعي ذرائعي برجماتي، هو وعي معاصر، يُسقط عملية تفكيك الديني عن السياسي، لهدفٍ راهن، هو تفكيك الصلة بين الدين والدولة.
ولكن هذا التفكيك وقطع الصلة بين الديني والسياسي، في العصر النبوي والراشدي، تناقضه السيرة والقرآن والأحداث، فهنا لا بد أن يقوم الباحث علي عبدالرازق بتعسف في تفسير كل تلك المصادر الإسلامية.
إن هذا العرض الحقيقي لما جرى في التاريخ، يستبدله علي عبدالرازق بعرض وهمي، فلا يتمكن من مناقشة المسائل المحورية التي ترتبت على مثل هذا الوضع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ انظر عبــدالله خـلــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.
الأدب الطائفي
عبدالله خليفة الأعمال الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية الكاملة
فلسفة جديدة
isa.albuflasa@gmail.com
إسماعيل مظهر
في مقالته (أسلوب الفكر العلمي: نشوءه وتطوره في مصر خلال نصف قرن)، يعرض الباحث إسماعيل مظهر وجهة نظره في النهضة العربية الإسلامية في المنطقة عامة ومصر خاصة، وهو يوجه نقداً شديداً إلى المصلح المعروف جمال الدين الأفغاني فيقول:
(تعلم السيد جمال الدين الأفغاني منتحياً الأساليب العملية العتيقة التي عكف عليها العربُ منذ القرون الوسطى، فهو بذلك صورةٌ مصغرة أو مكبرة لعصر من العصور البائدة في تاريخ الفكر الإنساني. وهو بنزعته السياسية أشبه الأشياء في عصره بالحفريات التي تعيشُ بيننا بجثمانها وأن رجعت بتاريخها إلى أبعد العصور إيغالاً من أحشاء الزمن).
وينتقل إسماعيل مظهر من النقد العنيف للأفغاني إلى النقد العنيف لكل ما أنتجه العربُ فهو في رأيه غير جدير بالحياة فيقول:
(ذاعت بينهم مذاهبٌ فلسفية نقلها المترجمون)، (ولكنك لا تجد عندهم مدارس فلسفية يــُنسبُ إليهم ابتكارها. فليس لهم مدرسة تــُعزى إلى الفارابي أو ابن رشد أو ابن سينا مثلاً).
(هذه العقليةُ بذاتها هي التي ورثها السيد الأفغاني عن العرب. عقليةٌ وقفت عند حد الأسلوب الغيبي لم تتعده وتنكبت كل سبيل كان من الممكن أن يسلم بها إلى الأسلوب اليقيني.)،.
يقيمُ إسماعيل مظهر تعميماً فكرياً كبيراً، عبر جملٍ صغيرةٍ تختزلُ قروناً من التطور والإبداعات والمساهمات النقدية، فكلُ ثقافةِ العرب والمسلمين خضعت لفكر معين يسميه الفكر الغيبي، ولم تعرف ما يسميه كذلك (الفكر اليقيني)، وكلا التسميتان ترجعان إلى مصطلحات أوربية مأخوذة من مدرسة معينة، يقول إسماعيل مظهر:
(إذا كان ناموس جاذبية الثقل أعظم استكشاف وصل إليه العقلُ البشري في عالم الكون والفساد، فإن قانون (الدرجات الثلاث) الذي كشف عنه الفيلسوف الكبير (أوغست كونت) لأكبر اكتشاف وصل إليه العقل البشري في الطبيعة الإنسانية. وإن متابعتنا لشرح هذا القانون لهي النواة التي تدورُ حولها أبحاثنا).
يجعلُ إسماعيل مظهر بؤرةَ التطور النهضوي في ابتكارِ النظريات العلمية فهو يبتدئ التاريخ الأوربي بنظرية الجاذبية، ثم بالوضعية الاجتماعية، والمصطلحات التي يستخدمها هي مصطلحاتٌ مستعارةٌ من هذه المدرسة الأوربية الأخيرة التي قسمت التاريخَ الإنساني بشكلِ مراحل معرفية، فهو يعتبر بأن هناك (قانون ضروري يخضع له العقل)، ولهذا فإن كلَ مدركاتنا وفروع معرفتنا وتجاربنا التاريخية لا بد أن تمر بالمراحل الثلاث:
(الأولى اللاهوتية أو التصويرية التخيلية، والثانية الميتافيزيقية الغيبية، أو المجردة، والثالثة اليقينية الإثباتية أو الواقعة).
ويقومُ بتفسيرِ تعدد هذه المراحل بشكل يعود للعقل نفسه، فيقول:
(.. أن العقل الإنساني فيه بطبيعته كفاءة لأن ينتحي ثلاثَ طرق مختلفة للتأمل من حقائق الأشياء وطبيعته في كل من تلك الطرق تختلف عن الأخرى تمام الاختلاف، بل لا نبالغ إذا قلنا أنها تتضاد تمام التضاد)، (أما الأسلوب الأول فخطوة ضرورية يبدأ بها العقل في سبيل تفهم الحقائق أو البحث عن مصادرها، وأما الأسلوب الثالث فهو يمثل العقل في آخر حالات ارتكازه على الحقائق البارزة الملموسة. وليس الأسلوب الثاني إلا خطوة انتقالية تتوسط بين الأسلوبين).
يقومُ إسماعيل مظهر عبر هذا المنهجِ بإدخالِ العرب والمسلمين في المرحلة الثانية من منهجه طبقاً للمخطط التاريخي المعرفي الذي قال به أوجست كونت، وهو مخطط لأنه يشمل الإنسانية جمعاء، فيضع لها مراحلَ معينةً، كذلك فإنه مخططٌ معرفي لكونه يتعلقُ ب [العقل]، وبطرقِ التفكير التي سادت حسب قوله هذه المراحل، ووسمت كلَ مرحلةٍ بطابعٍ خاص من التفكير الذي يختلف عن سابقه.
إن العقلَ هنا منفصلٌ عن بنائه الاجتماعي الذي تكون فيه، بل أن العقلَ هو الذي يشكلُ المرحلةَ والتاريخ والبناء الاجتماعي.
إن العقل المجرد تتشكلُ فيه قوى ونزعاتٌ تحددُ هذا التطور وكأن العقلَ يتطور من داخله، كقوةٍ غيبية مفارقة، فهو يبدأ مرحلةً ولكننا لا نعرف كيف ولماذا يتحول عنها وينتقل إلى المرحلة الأعلى منها.
إن العقل في الدرجة اللاهوتية (يبحثُ في طبيعةِ الأشياء وحقائقها، وفي الأسباب الأولى والعلل الكاملة، يبحثُ في الأصل والماهية والقصد من كل الأشياء التي تقع تحت الحس. وعلى الجملة يبحثُ في (المعرفة المطلقة) وهناك يفرض أو يسلم بأن كل الظواهر الطبيعية ترجع إلى الفعل المباشر الصادر عن كائنات تختفي وراء الطبيعة المرئية).
يقومُ هنا بتجريدِ الأفكارِ السحرية البدائية المتعددة عند ظهور الإنسانية الأول ويصفها بأنها [عقل] يبحث في [ الأسباب والعلل الكاملة ] في حين إن الوعي البدائي السحري كان يسقطُ مشاعره وانفعالاته على الطبيعة، فتصبح الظاهرات الطبيعية حيةً تعكس ذاته، ولهذا فإنه لا يبحث عن العلل الكاملة أو يبحث في طبيعة الأشياء، وهذه المرحلة الأرواحية تتمظهرُ بعدئذٍ في الأرواح الخيرة والأرواح الشريرة، وتتحول بعدها إلى كائنات [ تختفي وراء الطبيعة المرئية ] حقاً وكما يقول.
وإسماعيل مظهر هنا لا يبحثُ هذه الظاهرات الفكرية بشكلٍ متكامل مع البُنى الاجتماعية البدائية التي ينشأُ فيها هذا الوعي، ومن هنا يقومُ بعملياتِ سلقٍ للتطورات الفكرية، ولا يقرأ عمليات توزعها الجغرافي، أو تناقضاتها الداخلية، أو حتى تداخلاتها مع المرحليةِ الدينية على تنوعاتِ هذه الأخيرة، وصلة ذلك كله بالتطورات الاقتصادية والاجتماعية، ففي حين تبقى مناطق جغرافية كأفريقيا مستمرةً في المرحلة الأرواحية لضعف تطور قوى الإنتاج، تتوجه مناطقٌ أخرى إلى مستوى أرقى بسببِ تطورات البنى الاجتماعية – الاقتصادية.
فالعقلُ هذه المفردةُ الفكريةُ ليست مُشكَّلةً بمثل هذا التجريدِ الغيبي، فهي تعبرُ عن مجملِ العملياتِ الفكريةِ – الفنية التي تجري لجمهور معين لزمن معين، فإذا كانت تعبرُ عن العملياتِ الفكريةِ الباحثة عن سببياتِ الظاهرات الطبيعية والاجتماعية، فإن السببيات هنا مُـغلفةٌ بعمليات الإسقاطات الطفولية لهذا الوعي على الأشياء وعلى العمليات الفكرية، فالآلهة مثلاً تتجسدُ كقبيلةٍ سماوية، تحكمُ الوجودَ وبإمكانيات خارقة، وهي بهذا تعبرُ عن عجز القبيلة الأرضية وطلبها للمساعدة من هذه القوى الماروائية.
لكن ذلك لا يزول إلا بتطور القبيلة الأرضية واستقرارها الزراعي والمدني الخ.. فعملياتُ الاستقرار والصراع الاجتماعي والسياسي تعيدُ تشكيلَ هذه المادةِ الفكرية السحريةِ باتجاهاتٍ يبلورها ذلك التطور المعقد في التمدن وعبر التأثيرات الأجنبية والصراعات السياسية والحربية والتجارة الخ..
فالعقلُ ليس هو العصا التي تسوق الماشية البشرية نحو المراعي الخضراء، بل هو عملياتٌ فكريةٌ مركبة معقدة، يتداخلُ فيها اللاعقلُ والعقل، أي المراحل السحرية والمراحل التالية الدينية والعلمية والموضوعية، فكلمة العقل ليست سوى تجريد يمثل عمليات اكتشاف الوجود الموضوعية..
ومن هنا فإن إسماعيل مظهر يقومُ بإحضارِ لوحةٍ تقنيةٍ أوربية، ويقومُ بتركيبها على الجسمِ العربي الإسلامي المسيحي المدد فوق طاولة التشريح، فهو يرى بأن هذا الجسم قد عبر المرحلة اللاهوتية السحرية ولكنه لا يزال في المرحلة الميتافيزيقية الغيبية، ولكنه بعد لم ينتقل إلى المرحلة الثالثة اليقينية فإذن لا بد من قطع هذا الجزء من الجسم وإدخاله إلى المرحلة الثالثة.
وإذا كان هذا صحيحاً فليس ثمة دراسة لهذا الجسم، أي لا توجد قراءة للمرحلتين السابقتين وكيف تجسدتا وتداخلتا وأسباب تشكلهما وبقائهما الخ..
فهو ينطلق من تكامل ونظافة المرحلة الثالثة التي تشكلت أوربياً لكي يضع شعاراتها فوق الجسد العربي – الإسلامي – المسيحي، القديم والحديث، دون أن يقومَ بقراءة عبر هذه الشعارات نفسها لذلك الجسد بأن يبين متى وكيف بدأت المرحلة السحرية ومتى وكيف بدأت المرحلة الدينية، أي أن يدرسَ الحضارات القديمة في المنطقة ثم الوسيطة، وبالتالي يصلُ إلى الأسباب التي أعاقت هذه المرحلة الدينية الأخيرة من الانتقال إلى المرحلة [اليقينية]، أي إلى المرحلة الرأسمالية المعاصرة لزمنه.
إن مصطلح [ اليقينية ] سيُعرف عند تيارات أخرى لاحقة بأسماء أخرى تقلل من طابعه الغيبي الميتافيزيقي ليغدو أقرب إلى الرؤية التقنية المستعارة من الثقافة الغربية، فيصيرُ التحليلُ اللغوي التجريبي، أو البنيوية، وغير ذلك من تسميات، تنقلُ آخر منجزات التقنية الفكرية الغربية، وتضعها في أدوات بحثها.
وإذا كان إسماعيل مظهر يمر بسرعة شديدة على خمسة قرون من التحولات النهضوية العربية بتضاداتها المختلفة، فإنه يقف وقوفاً مماثلاً عند نهضة مصر الحديثة، دامغاً إياها بالعقم.
فهو يصف ثورة 1919 المصرية بأنها [ لم تمس من الحياة الكامنة في الأمة شيئاً ] وهو يقصد هنا إزالة طابع الوعي الديني المهيمن، فهو يقارنها بالثورة الفرنسية الكبرى التي قامت على جهود الموسوعيين والفلاسفة الاجتماعيين (بل على مجهود سلسلة من العظماء، تعهدوا الفكر الكامن في طبقات الأمة المنتقاة منذ عهد ديكارت بتلك الفكرات الثابتة التي يذهب أثرها إلى أبعد غور من أغوار الحياة الخفية في نفس الأفراد والجماعات) .
تغدو المقارنة بين مصر المحتلة من قبل السيطرة الإقطاعية التركية التي كرست البناء التقليدي المتخلف لعدة قرون، ثم لم تفلح إقطاعية أسرة محمد علي في تغييرها بشكل كبير، ثم جاء الاحتلالُ البريطاني وكرس البناء الإقطاعي وجعله تابعاً، وبين فرنسا المنسلخة عبر عدة قرون من السيطرة الإقطاعية والتي شكلت رأسمالية صناعية متجذرة في أرضها، تصبح هذه المقارنة لا تاريخية، ومطالبة مظهر بأن يعيدَ المثقفون المصريون التاريخ النهضوي الفرنسي بشروط وضعهم الخاص، أمراً غير ممكنٍ، وبهذا فهو يفصل مراحل أوغست كونت التي تشكلت في تلك البيئة الفرنسية المتطورة عقلياً، عن تاريخها الخاص فهي تتويجٌ فكري بحثي لنهضوية فرنسا وأوربا في تحليل التاريخ الفكري السحري والديني السابق لتجاوزه، ونقل مثل هذه الأداة البحثية إلى وسطٍ آخر متخلف، لم تكن له الشروط الاجتماعية والمعرفية من معامل وجامعات ونخب ثقافية واسعة وجمهور كبير متعلم، هو زراعة لنبتة في شروط مغايرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ انظر عبــدالله خـلــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.
طبقات التوحيد وطبقات التفكيك
جمعية التجديد الثقافية
المسيحية وانتصار المثقف الديني
الديمقراطية والتقليدية
كلُ شيءٍ يتغير
«الإسلام السياسي» كمصطلح غربي
إشكاليات التطور السياسي في السودان
isa.albuflasa@gmail.com
-
اشترك
مشترك
ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.

