يعبر قيامُ إسرائيل عن مجموعة كبيرة من التناقضات السياسية والثقافية، فقد أُقيم المشروعُ من قبل الحركة الصهيونية، التي ظهرتْ في الغرب، ومثلتْ مستوىً دينياً واجتماعياً مغايراً لبقية اليهود في العالم، وخاصة اليهود الشرقيين، فسيطر ما يُسمى بـ(الإشكناز) على مقاليد السلطة وغدوا طبقة مميزة تناهض أي قوة إجتماعية تحاول الصعود.
منذ البداية كان مشروع إسرائيل متضاداً فقد أقامه اليهود العلمانيون المفترضون، فهو مشروع ديني بقيادة رأسمالية غربية يهودية، علمانية، فظهرت دولة حديثة ديينة معاً، فهي لا تنتمي للعلمانية ولا للدين، وهي خليط غريب بينهما.
إن النسيج الديني نفسه لا يقوم على دولة متوارثة ذات تقاليد متنامية، فلم تكن ثمة دولة، ولا تراكم تجربة سياسية حكومية، بل قامت على أحلام وذكريات أمتدت لقرون مديدة، فكيف يتحقق نسيج ديني موحد بناء على تاريخ الشتات الطويل؟!
لو أن اليهود الشرقيين قادوا بناء الدولة لجاءت الدولة دولة شرقية متخلفة، لكن اليهود الغربيين قاموا بهذه العملية ونقلوا المشروعات الغربية إلى إسرائيل، وهذا كفل لهم كذلك ليس القيادة الروحية فحسب بل القيادتين الاقتصادية والسياسية.
ومع هذا فإن اليهود الغربيين العلمانيين والتحديثيين قليلو الارتباط بالتقاليد الدينية اليهودية الصارمة، مما خلق تضاداً عميقاً بينهم وبين اليهود الشرقيين المُبعدين عن السلطة والامتيازات الاقتصادية، فقام هؤلاء بإستثارة التقاليد الدينية وتجذيرها في الدولة العلمانية المفترضة.
إن هذا الصراع الاجتماعي بين يهود الغرب ويهود الشرق ينعكسُ دينياً، بين شكلين من تبني اليهودية، أي بين يهودية تحديثية وبين يهودية تقليدية.
تناقضات العلمانية واليهودية عميقة، فقد تأسس النظام على أساس سلطة الحاخامات في تحديد من هو اليهودي، وأشترطوا شروطاً صعبة ومن أهمها أن يكون اليهودي من أسرة يهودية، وعن طريق أم يهودية، وهو أمرٌ من الصعوبة تحقيقه، خاصة لليهود الشرقيين الذين كان الكثير منهم مسيحيين.
تحديد السكان وأصولهم، وجعل هذه الأصول هي المسيطرة سياسياً، يجعل الدولة دينية غير علمانية، في حين أن ماكينة عمل الدولة تعتمد على الانتخابات الحرة والأحزاب المتصارعة، وهي آلية غربية ديمقراطية.
إن هذه الشروط وطرق العمل السياسي الأساسية تجعل أحزاب الأشكيناز هي المسيطرة، لكنها تؤدي كذلك إلى ردود فعل الأحزاب الدينية الشرقية وتصاعد دورها، فظهر بين اليهود الشرقيين حزب(شاس) المؤثر والذي يمنع الأحزاب العلمانية من التفرد بالسلطة.
فلا يُعرف حقيقة هل إسرائيل دولة علمانية أم دينية، أهي شرقية أم غربية؟
لكن الثروة توحد القوى الرأسمالية فيها سواء كانت تنتحب كثيراً عند جدار المبكى أم كانت لا تراه إلا في الصور.
ومع تجذرها الرأسمالي الكبير، وقد كان اليهود منذ زمن الكنعانيين رأسماليين في الشرق ثم في الغرب، فإن الصراع لا يدور عن توزيع الثروة فقط، بل أيضاً حول أنصبة الطوائف في حصص الحكم، والأمران يتداخلان ويغينان بعضهما البعض، الثروة تقود للحكم والحكم يقوي الثروة.
هل تؤدي التقاليد الدينية القوية في الدولة إلى الرجوع للبنى الإقطاعية الشرقية؟
هذا غير ممكن، سواء بجذور اليهود التاريخية التجارية، أو بسبب تعاظم الدور الرأسمالي في دولة أقيمت على أساس صناعي غربي متطور، ولكن مع هذا فإن التقاليد الدينية وتدني مستويات اليهود القادمين من الشرق، تجعل الميراث المحافظ موجوداً بقوة، ويؤججه الصراعُ مع العرب خاصة.
إذن فإن التناقض الأساسي في الدولة الإسرائيلية هو تناقض ديني بين اليهود الغربيين(الإشكيناز) واليهود الشرقيين( الإسفارديم).
ولماذا لا يحدث التناقض الطبقي هنا ويغدو هو محرك الحياة السياسية؟
هذا يعود إن قيادتي الطائفتين قيادات في نفس الطبقة الرأسمالية الحاكمة، لكن عبر مستويات اقتصادية واجتماعية متباينة، وبتقاليدٍ مختلفة، تمثل المكونين الأساسيين للسكان، القادمين من الغرب، وللسكان القادمين من الشرق، وهما ذا مستويين مختلفين رأسماليين، أي أن تطور الرأسمالية اليهودية في الغرب متطور عن مستوى الرأسمالية في الشرق.
ومع هذا فإن المستويين المختلفين اجتماعياً بدرجات معينة يشكلان اختلافات سياسية قوية، فتدخل في الصراع عواملٌ أخرى كاستثمار العمال في الانتخابات والاستفادة من التقاليد الدينية من أجل الوصول للكراسي على طريقة الجماعات الطائفية في العالم الإسلامي تماماً.
ومن هنا فإن العلمانية تتدمر مرة أخرى فتغدو الدولة دينية ليس على مستوى القمة الحاخامية فقط بل على مستوى القواعد السياسية، في حين أن الدولة صناعية.
وهذا أمرٌ يعود لطبيعة تشكيل الدولة القصير نسبياً، وزراعتها داخل غابة تراثية أسطورية، وعودتها للشرق جسماً وبقسمٍ كبيرٍ من السكان، فالقمة الصناعية رأسمالية متطورة والقاعدة شرقية تقليدية.
بل أن الأمر لا يقتصر على هذا، فوجودُ دولةٍ متغربة عن منطقتها وغازية على جسم سياسي لا يعود إليها، ويقوم هذا الغازي نفسه بغزو آخر يحتل فيه أراضٍ عربية جديدة، إن ذلك كله يعيده إلى تاريخ الاستعمار الغربي وطريقة الاحتلالات القديمة وهو ما يظهر في حركة الإستيطان:
(فيما تلعب حركة غوش أمونيم المتطرفة والتي تعتبر أحد امتدادات الحاخام المتطرف مئير كهانا دورا عنصريا مميزا، وهي التي جندت الدين في خدمة الاستيطان، ولهذا فهي في صراع مع جميع الحكومات من أجل الحصول على امتيازاتها الخاصة في دعم المستوطنات والوجود الاستيطاني في الضفة والقطاع والقدس الشرقية.)، (من كتاب الهامشيون في إسرائيل، د. أسعد غانم).
وتمثل حركة الاستيطان إستغلال الدين لغايات اقتصادية وسياسية واضحة، فالحركات الشرقية الدينية تقوم بإلهاب المشاعر الدينية من أجل أغراضها.
إن صراع العلمانية والحركة الدينية قديم في النشاط السياسي لليهود، ففي العصر الحديث وخاصة في أوربا الغربية ومع هزيمة الأنظمة الإقطاعية الدينية المسيحية أخذت الطائفة اليهودية تطرح بقوة على نفسها مسألة الهوية الدينية في عصر علماني غربي هائل؛ إلى أين تتجه؟ وهو سؤال مصيري تم طرحه في عقر الحداثة، وكانت نتائجه خطيرة جداً على وضع اليهود وعلى أمم أخرى لم يكن لها علاقة بذلك.
ظهر أتجاه علماني قوي في الجماعات اليهودية يطرح حلاً فردياً على كل يهودي؛(كن يهودياً في بيتك وحداثياً علمانياً في العالم الخارجي).
وهو اتجاهٌ تنويري بين اليهود المثقفين، لكن لا يتطابق مع أوضاع اليهود عامة، فهناك ملايين من اليهود خارج هذه الأسئلة وتعيش عالماً تقليدياً سواء في الشرق أم الغرب.
وهكذا فإن حركة علمانية تولدت عبر الثقافة الديمقراطية الغربية السائدة، راحت تدعو إلى العيش التحديثي في الغرب نفسه، وعدم الذوبان كذلك في علمانيته.
لكن قوى أخرى تمثل اتجاهات متطرفة رأت ضرورة إستمرار الحي اليهودي المنفصل (الجيتو) عن المدينة الغربية الرأسمالية المتطورة التي راحت تزيلُ الأحياءَ الدينية والمذهبية الخاصة، في كلٍ اجتماعي لا يعرف الهوية الدينية بل يعرف الهوية المواطنية، لكن الرأسماليات الغربية الحكومية كذلك لم تـُزلْ جذورَ حكوماتها المسيحية بطبيعة الحال، وبهذا فإن مشروعات الغزو الاستعماري الغربية قوت الدينية التبشيرية والساحقة لشعوب العالم الثالث (الوثنية)!
وبهذا فإن الاتجاهات اليهودية المتطرفة وجدت في نمو الاستعمار قوة جديدة لتصاعد دورها، خاصة أن بعض اليهود يكونون شركات كبيرة، بحاجة للتوسع والمواد الخام والمستعمرات!
هكذا التحمت حركة (التنوير) اليهودية بالحركة الصهيونية وشكلتا الجسم السياسي للأشكناز الذين يديرون الدولة العبرية، فلم يعد اليهودي يهودياً فقط في بيته بل في شارعه ومستعمراته وأراضيه!
إن قيادة هذه (الطائفة) بالمعنى السياسي للدولة كما أوضح سابقاً، نقلت اليهود إلى مغامرة سياسية عالمية محفوفة بالكثير من المخاطر على الشعوب وعلى اليهود أنفسهم، ولم تستطع أن تكون إسرائيل (جيتو) مناطقي، منفصل عن محيطها، ولم يستطع أن يكون اليهود الغربيون هم كل سكانها، فحدثت تلك التناقضات السكانية والسياسية المتعددة.
فغدت حركة التنوير اليهودية ظلاماً يرفض أن يتغلغل لتعرية الدين وجذوره، ويكتشف في اليهود بشراً مثل غيرهم، فأحاطت بهم الأسلاك الشائكة الثقافية، وتفجرت حروب الاقتحام والاستعمار والإستغلال فعجزوا عن التنور والتماهي مع بقية البشر، وخاصة الناس الذي اقتحموا أرضهم وطردوهم وأستغلوهم.
وحتى تجاه اليهود الشرقيين الذين تعكزوا عليهم من أجل تضخيم العدد السكاني، جعلوهم في المرتبة السكانية الثانية، فالثالثة يحتلها العرب.
ففيما يقيم رأسماليو الإشكناز في إسرائيل في المدن المتطورة ويحصلون على ظروف عيش باذخة، يعيش الكثير من اليهود الشرقيين في ظروف الفقر والتمييز.
(ويتعرض اليهود الشرقيون إلى محنة واضحة على الصعيد الاجتماعي أيضا، فهم معزولون في أحياء قذرة وفقيرة في إسرائيل، إذ يسكن الكثير منهم في مساكن العرب القديمة التي تم هجرها بسب النكبة، في الوقت الذي يسكن فيه اليهود الأشكناز في أحياء جديدة راقية بعيدة عن أماكن القاذورات والمناطق الصناعية وفضلاتها، إضافة إلى فوارق في التعليم أيضا.)، (المصدر؛ الهامشيون في دولة إسرائيل).
وعبر هذا الفقر والمحدودية الثقافية تستثمر قوى التطرف السياسي الإسرائيلي مثل هذه الأوضاع لخق حركات يمينية متطرفة، كما ظهر حزب(ليكود) الذي هيمن على السياسة الإسرائيلية خلال سنوات عديدة، وهو أمرٌ يشاركهم فيه جيرانهم العرب كذلك.
هناك صعوباتٌ شديدة في تشكل مواقف مشتركة للطبقات العاملة في كل من إسرائيل وفلسطين المتداخلتين، فالطبقة الحاكمة في إسرائيل تستغلُ كلاً من البلدين وجمهورهما العامل بضراوة.
وفي إسرائيل فإن الطبقة الحاكمة المكونة من سياسيين من قوى علمانية ودينية ثرية تركز على سياسة السيطرة على الضفة وغزة وعدم إستقلال فلسطين إلا بشروط مجحفة، فيما تستغل القوى العاملة في إسرائيل المكونة من يهود وعرب.
في حوار أجراه اليساريون العرب المغاربة مع عضو حزب شيوعي إسرائيلي من النمط التروتسكي، يقول:
(لقد تغير المجتمع الإسرائيلي كثيرا جدا خلال السنوات الأخيرة. لقد مرَّ وقتٌ كانت فيه إسرائيل قادرة على ضمان التشغيل الكامل وتحسين شروط عيش الشعب الساكن فيها. أما الآن فالبطالة تجاوزت نسبة 10%. الحكومة تعمل دائما على الاقتطاع من النفقات الاجتماعية. هاجمت أنظمة التقاعد، التعليم، الصحة وغيرها. وقد صرنا الآن نرى المتسولين في شوارع إسرائيل! والهوة بين الغني والفقير تتصاعد.
إن إسرائيل مجتمع طبقي، مثلها مثل أي بلد آخر. توجد فيه طبقة عاملة، مكونة من اليهود ومن العرب. وتوجد فيه أيضا طبقة سائدة. وهناك صراع طبقي كما يظهر من خلال العديد من الإضرابات)، (حيفا، 18 يوليو 2006).
تحول الحكوماتُ الإسرائيلية المتعاقبة الوضع الفلسطيني وخاصة التطرف فيه لأداة سيطرة عسكرية وإستغلال، وعبر الإدعاء بكون الفلسطينيين يشكلون خطراً وجودياً على إسرائيل فقد تفاقمت النفقات العسكرية بشكل هائل واقتطعت من عيش الناس، وبهذا فقد غدا حل القضية الفلسسنية ومشاكلها لدى الجمهور الإسرائيلي قضية محورية في حياته وأيدت السياسة السلمية وضغطت في إتجاهها لكن ظهرت جهاتٌ عربية أخرى تواصل تبرير الميزانية العسكرية الخيالية باستمرار المواجهة العنيفة.
يقول السياسي اليساري الإسرائيلي:
(إن المسألة القومية تعقد بشكل هائل مهمتنا هنا. فبينما الطبقة العاملة في إسرائيل طبقة مضطهدة من طرف طبقتها السائدة نفسها، فإن إسرائيل كدولة تضطهد شعباً بأسره، أي الشعب الفلسطيني. وطالما بقي الشعب الفلسطيني مضطهداً فإنه لن تكون هناك أية حرية حقيقية للعمال الإسرائيليين. إن النضال من أجل حقوق الشعب الفلسطيني هو جزء لا يتجزء من نضال العمال الإسرائيليين من أجل تحررهم الخاص.) .
إن الأوضاع متداخلة بقوة بين فلسطين وإسرائيل، وأي نمو لنضال القوى العاملة في إسرائيل يتطلب التوحد مع نضال الشعب الفلسطيني، والخروج من دوامة الوعي الديني العنصري، في كلا الجانبين، ونجد أن قوى عديدة في الجانبين بدأت تتخذ مواقف عقلانية ومتقاربة، لكن القوى القومية والدينية المتطرفة لا تزال كذلك ذات حضور قوي وتمنع فريقا السلام من العمل المشترك.
وإذا قامت القوى الديمقراطية في فلسطين بتطوير وعيها السلمي منذ الرئيس السابق ياسر عرفات ومواصلة بومازن هذا الخط، فإن هناك ضعفاً كبيراً في الجانب الإسرائيلي لهذا التوجه بسبب ما قلناه من الإرث الشمولي الغائر في الحركة الصهيونية، وبسبب إستغلال الجمهور العامل الإسرائيلي والفلسطيني، وخاصة في الجانب العربي لما يتم دفعه من أجور رخيصة لهؤلاء العمال قياساً حتى بالعمال الإسرائيليين، كذلك فإن بقاء التوتر بين الجانبين يجعل القوى المسيطرة العسكرية – الصناعية في قمة المجتمع متحالفة مع الحاخامات!
لقد كان التصور الأساسي للمجتمع الإسرائيلي بأن يكون قاعدة سكانية عسكرية في حالة طوارئ مستمرة وعمالاً مفرغين من وعيهم العمالي الإنساني وخاضعين للحركة الصهيونية، وهذا يتطلب سياسة مواجهة دائمة، وإذا لم يوجد طرف يواجه إسرائيل فلا بد من خلقه وتوتيره حتى يندفع للمواجهة!
كانت سياسة السلام مؤثرة ومزعجة للأوساط الإسرائيلية الحاكمة، ولهذا تكرست بقوة في سنوات المواجهة، والآن تقوم بمساعدتها القوى والأوساط الدينية والقومية العربية والإسلامية المتطرفة، وتعطيها المبررات لزيادة الأنفاق العسكري وطلب المساعدات وتصوير إسرائيل المحاصرة المخنوقة!
ومن هنا فإسرائيل الحاكمة تعمل على بقاء الحد الأدنى من سياسة المواجهة المتوترة كذلك تقوم بالابتزاز في مفاوضات السلام، بحيث تكسب من الجانبين.
وهنا فكلما زادت الأطراف العربية في سياسة السلام ورفضت التنازلات المصيرية، وتوقفت عن سياسة العنف وحركت قوى السلام واليسار الإسرائيليتين كلما فقدت تلك القوى الحاكمة الإسرائيلية أوراقها.
خاصة إن هذه السياسة العدوانية الاستعمارية العتيقة تواجه برفض جمهور متسع من الأقليات اليهودية المضطهدة والتي تريد العيش وزيادة دخولها بدلاً من أن تموت في حروب مستمرة لهذه الدولة – القاعدة العسكرية.
فتبدل الطابع الصهيوني للدولة العنصرية وضخامة الوجود العربي فيها الذي يبلغ 16% من مجموع السكان داخل إسرائيل، أي حوالي مليون عربي، وتمرد اليهود الشرقيين واتساع رقعة اليسار والقوى العلمانية الإسرائيلية، إن كل هذا يؤذن بخمود للسياسة الصهيونية من داخل إسرائيل نفسها.
ولكن تصاعد التطرف الديني والتطرف القومي بين الإسرائيليين وبين العرب يقود إلى تفتيت القوى الشعبية عامة، وأنتصار لقوى المتطرفة في الانتخابات وفي الوجود السياسي عامة.
لقد كانت الأحزاب المعارضة في القسم العربي قليلة ولكن مع تزايد تأثير القوى المتشددة فقد ظهرت الكثير من الأحزاب وقسمت الأصوات العربية.
لا يقرأون . . ويتعاظمون! : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
تحدياتُ العلمانية البحرينية
حين يرحل المناضلُ العجوزُ* ربما نؤجلُ البحثَ في تاريخه كله الآن، ونتذكرُ لحظةً مفصليةً مشتعلة من تاريخه، هي قراءته لهيمنة القوى الدينية المستغلة للإسلام لمسرح الحياة السياسية.
هذه القراءة ينبغي أن تكون موضوعية وعقلانية لترى الانهيار من جهتين: من جهةِ عدم فهم النظرية الاشتراكية ومن جهة عدم فهم الإسلام. لأن تلك اللحظة عكستْ خموداً من جهة وطغياناً من جهة أخرى. هيمنة القوى الدينية على مسرح اليسار (واليمين الليبرالي كذلك) قد جرت وهو في حالةِ أنقاضٍ وضرباتٍ من كل الجهات.
ثلةٌ قليلةٌ وقفتْ ضد هذا في مسرح المحرق السياسي حيث الغرف الصغيرة للحوارات الساخنة، وفي حالة عدم القدرة على إنشاء روابط واسعة في حياة الناس نتيجة لتاريخ دام طويل.
لن يذكر تاريخُ الأشباحِ هؤلاء القلة، والعجوزُ الكهلُ كان من ضمن هؤلاء، الذين قبضوا على جمرةِ الشعب المتوهجة في أيديهم.
تصدوا بأفكارهِم لدخولِ القوى المذهبية السياسية مسرحَ اليسار وإحتلاله، كان لديهم تاريخٌ طويلٌ من التضحيات، عملوا لتشكيلِ شعبٍ موحد، وزرع أفكار ديمقراطية وطنية تميل للعاملين ولكلِ قوى النهضة، رفضوا تسييسَ السنة والشيعة وإعادة البحرينيين لما قبل تاريخ الهيئة ونسيان تضحيات عبدالرحمن الباكر وعبدالعزيز الشملان ورفاقِهم الكثيرين، أي العودة للوراء، وتحويل الشعب الصغير إلى معسكرين، كان كارثةً بكلِ المقاييس، مهما ارتدتْ العمليةُ من شعاراتٍ براقة.
ليس هذا دفاعاً عن الحكومة بل نقداً لعملها في سد الأبواب أمام القوى الديمقراطية في العقود الماضية.
الإشكاليةُ بطبيعةِ الحال أكبر من كافةِ الشعوب العربية الإسلامية المفتتة، غير القادرة على التوحد النهضوي مجدداً، بعد اللمحات الوطنية النهضوية الليبرالية التي جرت في سماواتها المتفرقة، المتباعدة، التي انفجرت مثل الشهب في تلك السماوات، الوفد في مصر، والتوحد الوطني في العراق، والهيئة في البحرين وغيرها في كل بلد عربي.
التماعاتٌ سريعةٌ لأن الأصواتَ الديمقراطيةَ شاحبةً وضعيفةً في المجتمعاتِ العربيةِ التي تكدستْ الأبنيةُ الإقطاعيةُ فوق صدورِها ألفَ سنة، وجاءَ الاستعمارُ ففتحَ بعضَ القنواتِ الصغيرةِ لمرورِ الضوء وتركَ جبالاً جاثمة.
كانت شبكاتُ الغوص في المحرق لم تستطعْ سوى أن تحول القبائل إلى (فرجان)، وهي كلمة عامية تعني الفريق، فكانت القبائل فرقاً عسكرية، تجثمُ على مكان ويكون لها، ورغم تحول عامتها إلى عاملين، فإن الجذورَ العسكريةَ والأنتماءَ القبلي التحالفي ظلتْ مستمرةً فيهم، ومع كل تبدلات في الإنتاج تكون لها تغييرات لا تصل إلى زوال تلك الأسس القبلية المذهبية التحالفية.
وقد ظهر سوقٌ فيها، عبر نمو تراكماتِ الفيضِ الاقتصادي لزمنِ الغوص، في البحر والدكاكين، وظل هامشياً على ضفافِ المدينة خاصة، وكعروقٍ صغيرةٍ في أنحاء جسمِها المتماسك، كأنه القبائل العسكرية المتخوفة من الخارج، والمترابطة، ولهذا ستكونُ محكومةً بهذا الهاجسِ العسكري (السني)، الذي يستقبلُ أعضاءَ المذاهب الأخرى كعاملين لديه، ليس لهم إستقلال سياسي، وهو بهذا متخوف من المذاهب الأخرى ويخاف من إختراقه، ولهذا يتراص داخلياً ويتعصب، وتكونُ للمدينة بهذا نشأةٌ جغرافيةٌ مأزومةٌ بين البحر والبرية، في تضادٍ مع القريةِ ذاتِ الهويةِ المذهبية المغايرة، والمدينةُ تضعُ أوزارَ الغوص تدريجياً وتلبسُ أشكالَ الحداثة، كالقرية لكن الأخيرة تقومُ بذلك على زمنيةٍ أطول، ويتنامى السكانُ المدنيون في أزمةٍ معيشية، فالغوص توفى، والنفط ليس سوى أجور زهيدة تُدفع لعاملين محظوظين تمكنوا من الالتحاق بالجبل، وهو التسمية الرمزية لشركة النفط.
لم تستطع التجارة التي اتخذت صفة الدكاكين التي رضعت من أثداء الغوص ببيع حباله وخشبه ومواده المختلفة، وامتدت للبضائع الجديدة الأخرى الاستهلاكية غير الثمينة غالباً، أن تخلق (طبقة) تجارية في المدينة، بل بضع عائلات تجارية أمتدت قليلاً في شراء الأراضي، والعمارات.
ولهذا فإن مستقبلَ الطبقة التجارية سيكون في المنامة التي كانت لها مساحاتُ فراغ أكبر، وقدرة على المناورة المكانية أوسع من المحرق، وتوسعاً في الوكالات، وكذلك عرفتْ جدلاً إجتماعياً أكبر من المحرق، فتداخلتْ في أحيائِها الطوائفُ والمهاجرون وأنتشرت فيها التجارة على نحو كبير، والسمة العروبية السنية الكبيرة في المحرق تجاوزتها المنامة بتعدديتها الإسلامية والقومية!
تشكلت الوحدةُ الوطنيةُ الأبرزُ، العمودُ الفقري للبحرنة، من هاتين المدينتين، بتمايزهما وبتداخلهما، وصراعهما زمناً ثم وحدتهما النضالية، التي ارتفعت عن المذهبية وبدأت تصيغ الوطنية البحرينية!
لم يكن بإمكان مدينة المحرق أن تكوّن طبقةً تجارية، أو ثقافةً حضرية ديمقراطية، رغم نشوء التعليم المبكر فيها، وظهور المجالس والمنتديات الثقافية والتعليمية، وكانت الرموزُ النادرةُ التي تعودُ للزمنِ التقليدي الثقافي كالشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة وعبدالله الزائد وعبدالرحمن المعاودة تؤكد الماضي الثقافي المبهر للمدينة وكذلك عملية الانطفاء الثقافية وعدم قدرة هذه الرموز على إنتاجِ ثقافةٍ وطنيةٍ ترضعُ من التحديثِ لصعوبةِ المهمة وضخامة العراقيل.
وهذا يعكس من الناحية الاجتماعية الغائرة عدم وجود حوار مؤسساتي بين الشيوخ والعامة، وبين المدينة والقرية، فقد انقسمتْ القبائلُ انقساما حادا، بين قمة وسفح، وتحول العامةُ إلى ما يشبه الرقيق في نظامِ الغوص، وسنجدُ هذه المرارةَ متفجرةً حادةً في شعر علي عبدالله خليفة، الذي ارتسمتْ في قصائدهِ عظامُ الغواصين الملتهبة وغرقُهم المستمرُ في الليلِ الاجتماعي، الذي تجسدَ بحراً لا يرحم وعلاقات اجتماعية استغلالية بشعة، غير إنسانية، وكذلك صَورتْ تلك الأشعارُ التي أُنتجتْ في المحرق طبيعةَ المثقف البحريني في المدينةِ كفردٍ ينتظرُ المخلص، القادم، فيراهُ في البطلِ الشعبي، وفي الإنسان العامي الذي ينزلُ للصراع في الشارع، ويرحل، ويتحول لديه إلى أسطورةٍ، ورمز، أو يراه كذلك في الرمز السياسي العربي القومي: ناصر.
إن تحول العامة إلى ما يشبه الرقيق في نظام الغوص خلقَ عامةً مسحوقة غير متعلمة، حادةَ المزاج، بسببِ هذا الانحصار المعيشي وهذه المدينة الضيقة المزدحمة التي هي أشبهُ بسجنٍ كبير، وتشرّب الشبابُ هذه الأزمةَ وهذه العواطف الحادة وهذا الصخبَ السياسي المتفجر في المقاهي الكثيرة المنتشرة، وقام الراديو بربطِها بأحداث العالم، ولهذا فإن تأييدها لأدولف هتلر في الحرب العالمية الثانية غير مستغرب، فهي تبحثُ عن بطلٍ يقومُ بتوجيهِ ضرباتٍ حادة وقوية للاستعمار، أي أن يذلَ عدوَها البريطاني، مثل كل الشعوب الأخرى المكتوية بسيطرةِ الاستعمار ولا تملكُ قيادةً وطنيةً حصيفة، مثل غاندي في ذلك الوقت تماماً، الذي كان موضع سخرية من هذه الجماهير، وكان يجابهُ الامبراطوريةَ العجوز بعنزةٍ، وراح يشاركُ في الحربِ العالمية الثانية ضد الهتلرية البغيضة.
عبدالله الزائد الذي تعاون مع السلطة البريطانية كان حصيفاً بعض الشيء في فتح قنوات التعاون في مثل تلك اللحظة التاريخية المهمة، التي تجسدتْ ورقا صحفيا وأدبيا بحرينيا لعبَ دورا كبيراً أكبر من هذه اللحظة وأطلق بداية الكتابات البحرينية المختلفة في المقالة والقصة والنقد والشعر التي قامتْ بالدورِ التوحيدي الثقافي كمقدمةٍ للتوحيد السياسي. لكن الزائد لم يكمل مشواره بسبب ان قدراته الفكرية والنفسية لم تكن متماسكةً وقادرةً على الاستمرار والتجدد وخلقِ إنتاجٍ مستمرٍ متابعٍ لمدينةٍ “نهضوية”.
انحصارُ عبدالله الزائد وجفوةُ مدينتهِ له، مظهران لعجزٍ مشترك، فالمثقفُ الفردي النهضوي غيرُ باحثٍ عن أدواتٍ تحليليةٍ وتعبيرية مواكبةٍ لتطور المدينة، والمدينةُ المأزومةُ بعامةٍ مسحوقةٍ غيرِ صبور، تبحثُ عن إنقاذ سريع، يتحققُ في لحظات، حتى لو كان مدمراً، على هيئة هتلر، أو على هيئات آخرين يتابعون الصفعات الحادة للاستعمار البغيض فيما بعد ويسببون تحديات واختراقات وربما كوارث، وإذا كان هتلر بعيداً ليس عن المحرق فقط بل عن الخليج ككل، إلا من طائرة عابرة تلقي قنبلة فاشلة، فإن نماذجَهُ سوف تتالى مع أزمات دول الشرق المتصاعدة، وتقارب المحرق بقوة من الراديو ذي السلطة الكبيرة في الشوارع، ويمكن أن تُدار المدينة من الخارج عبره.
إن الأزمةَ المعيشية والهياجَ النفسي وفقدان آفاق التحول الموضوعي، ومحدودية العناصر المتعلمة والمثقفة، وهشاشة “طبقة” التجار، غير المتجذرة في حداثة وقوة اقتصادية، والجذور العسكرية القبلية للمدينة، حيث يُحل كلُ شيءٍ بالقوة وحدها، هي كلها تجعلُ عنصرَ البطلِ العفوي والعاطفي الحاد والمتوجه للموجات السياسية القوية الطافية في البحر الاجتماعي هو القوةُ الصانعةُ للأحداثِ اليومية في المدينة، إنهُ ينفعلُ بقوةٍ بها، وينقلها للجماهير “المتعطشة للنضال القومي”، أو للنضال التقدمي العمالي، أو للإسلام النقي. “حماسة” قوية لا تعطيه فترةً للدرس، فقواهُ العاطفيةُ مشتعلة، وهو ينزلُ بقوةٍ لأزقةِ المدينة صارخاً، ويجمعُ عدداً كبيراً، مفجراً كميةً كبيرة من المفرقعات الكلامية، ثم يلوذُ بالفرار في الدروب الضيقة الممتنعة عن القمع.
لقد تشكلت بيئةٌ طبيعيةٌ مماثلة للكثير من الأحياء الشعبية في المدن العربية، وإن كانت بشكل مصغر، لكننا نجدُ السببيات الاجتماعية نفسها التي أحدثت التحولات الكبيرة بقفزاتها وبانهياراتها.
وفي القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين كان الوعي ينقسم بشكل ثنائي مذهبي حاد يعكس التضادات بين القبائل والريف، بين المدينة والقرية، ولم تتشكلْ جسورُ الاتصال، وتكوين الشعب البحريني، إلا عبر تلك الفترة وعبر روابط الاقتصاد الحديث، وتقوقعتْ المذاهبُ بشكلٍ حاد، ولم يكن بالإمكان إيجاد حركة سياسية وطنية عبر ذلك، وهذا ما سهل الوجود البريطاني، فكان الوعي المضاد هو الذي كونته الفئاتُ الوسطى بين هذين الوجودين الاجتماعيين، وهو الذي قاد لتكون الحركات السياسية الحديثة. ولكن المذاهب حتى فيما بعد ربما غدتْ مرنةً في بعض الأحكام الفقهية لكنها بقيت على الوجود الهيكلي المذهبي الذي تشكل في القرون السابقة.
ولم تزد المقاربةُ العلمانية البحرينية هنا على فكرة التسامح والشعار الإسلامي التوحيدي العام، والأخوة الوطنية المحدودة المتصاعدة.
إن المذاهب تحتفظ بخصائص تكونها الماضوي، ومن الصعب أن تعيدَ تشكيلِ نفسِها حتى على المستوى الإسلامي العام في بضعة عقود، ومن هنا تغدو الأفكارُ الوطنيةُ العلمانية دعوةً إلى تركِ خلاف المذاهب، وتكوين مجرى سياسي وطني مشترك تتطلبهُ الضروراتُ الخطرة في الحياة السياسية.
إن صدور توجه ديمقراطي علماني وطني لدى مجموعة صغيرة من مناضلي مدينة المحرق خاصة، كان شيئاً مذهلاً في خضم الانهيارات الفكرية والسياسية لليسار البحريني وهو يتعاملُ مع أزمةِ الرأسمالية الحكومية وعدم قدرتها على حلِ إشكاليات الاقتصاد والتطور الاجتماعي.
كان تغلغل الفكر اليساري داخل المدينة القومية ذات الجذور القبلية شيئاً صعباً، وبعكسِِ المنامة التي أحتضنت هذا الوعي ونشرته في القرى بسرعة.
علينا هنا أن نقرأ حيثيات مدينتين متقاربتين وصار لهما مساران سياسيان في بعض السنوات السابقة.
إن تمثل أدوات التحليل الموضوعية، ودراسة البُنى الاجتماعية وتناقضاتها وتطورها، ورؤية السياسة كشكلٍ من الموقفِ المقارب للأوضاع الحقيقية المحتمل تغييرها بأدواتٍ متواضعة، مثل المنشور والمظاهرة والخلية، هذه الأمور كانت مثار سخرية في خضمِ الهياجِ القومي، وهي أدواتٌ تحتاجُ إلى صبرٍ ودرس، وإلى عملٍ يومي لا يتوقف وصغير، وذي نتائج ضئيلة في الزمن الراهن، لكنه يتراكم وينمو ويشكلُ تغييراتٍ على المدى الطويل فهو يقاربُ العلومَ بينما ذاك يقاربُ السحر.
هذه الطريقة في العمل السياسي مغايرةٌ للأسلوبِ العربي القديم القادم من إجتماعاتِ الخيام وتجمعات المجالس، والذي يعتمد على القريحة والخاطرة مثل الشعر العامي، ويشكل الدكتاتور من جهةٍ ويشكلُ الخدمَ من جهةٍ أخرى، ومن هنا فهو لا يعتمد على التدقيق والتوثيق في فحصِ المشكلاتِ والرجوع للمصادر ولا يكَّون تنظيماتٍ مهمةً متجذرةً في الأرض، وحواريةً في بحثها الداخلي وفي حوارها مع الناس، ولا يخلقُ مناضلين ذوي كفاءات، بل يكونُ تنظيماتٍ هلاميةَ الأشكال، لا تعتمدُ على تنامٍ في القدرات العقلية والسياسية، ويكـّون شخصياتٍ متعاطفةً مع التيار اليوم وغداً مع غيره، وليس مناضلين أكفاء فيها حادبين على التطور الوطني الديمقراطي العلماني التوحيدي، ويضيفُ العملُ السري أعباءً على هذه العملية النضالية.
هذه الطريقة السياسية يصعبُ أن تخترقَ الجماعات الشعبيةَ الهائجة، فهذه ليس لديها قدرة على التمثُل الفكري وعلى الهضمِ السياسي العميق، فهي ترددُ المحفوظات في حالةٍ من الصراخِ والتبتل الديني. إنها في حالةِ تكهرب سياسية، وهي تغدو في أيةِ حالةِ تفكيرٍ عميقةٍ أو حوار تفقدُ الشحنةَ المُسَّربة إليها، وتعودُ للحالةِ السلبية، فالشحنةُ خارجيةٌ، شعاريةٌ، تـُقذفُ في سمعِها فتجثمُ هناك مطلقةً الحركة، مولدةً طاقةً يسيرةً فيها وعنيفة في الغالب لأنها لا تقوم على العقلانية. إنها دُمى إجتماعية ولم تصرْ بعد بشراً ذوي مواقف. اليوم لكَ وغداً عليك. (ألسنتهم معك وسيوفهم عليك) حسب خبرة التراث.
وعادة تعتمد الشحنة على المقدس الديني أو القومي. أو يجري تحويل أي شحنة سياسية إليهما. وبدون أن تصير السياسة مقدسة يفقد مثل هذا الجمهور طاقته. فهو يعيشُ عالم الرموز والعبادات المقدسة كل يوم وأن ينحو خارجها يحتاج إلى ظروف كبيرة.
لا يظهر من الجمهور المتكهرب بهذه الحالة السياسية أي إنتاج عميق في الثقافة أو الاقتصاد، وحالما يفقد الشحنة الوطنية أو التقدمية يعودُ لوجودهِ المذهبي العتيق. وقد تمرُ سنواتٌ طويلةٌ من هذا النضال السياسي الملتهب الممزوج بالعصير المقدس، وفي حالات مروعة هائلة من الحدة، ثم بعد ذلك يتحول هذا الجمهور إلى شيء آخر. إلى سكون فاجع. قال أحمد شوقي (إن الجمهور عقله في أُذنيه)، ولكن الجمهور هو صانعُ التاريخ في شروطٍ موضوعية وذاتية معينة. وقد بكى عبدالرحمن الباكر بعد إعتقاله ومحاكمته في قرية البديع قائلاً: أين الشعب؟!
ويمكننا مراجعة كتاب الأستاذ محمد السيد عن يومياته في المحرق في ظل أزمة الخمسينيات والصراع القومي العربي، فسنجد مثل هذه الحالات وهو يروي كيف تجري المظاهرات فيها بنفس الشعاراتِ كلَ يوم على مدى شهور طويلة تنتهي بالحرائق.
هذا هو الوجودُ العربيُّ الاجتماعي عادةً الذي يشكلُ السكان، ويحركُهم في الأزمات السياسية، وهو يعتمدُ على تنظيماتٍ هلامية، تجتمعُ بصورٍ ليس فيها تراكمات سياسية وتراتبية مدروسة تنتجُ معرفةً بالواقع وبتنفيذِ البرامج وبأحوالِ الواقع والناس وبقراءة تحولات العالم.
فمثل هذه المعارضة تشكلُ حالاتٍ من ردودِ الفعل تجاه سياسة رسمية معينة، تسمعُها وتهاجمُها، محاولةً تغيير الواقع السلبي وخدمة الناس. وهذه الطريقة الانفعالية التي تجري بصورةِ فعل القدماء على مدى التاريخ المغلق السابق، أي بتشكيل التضادات الكلية، وبصورة الخندقين اللذين لا يتقابلان، بصورة الإله أو الشيطان، سواء كان (العدو) حكومة محلية أم قوة إقليمية محتلة كإسرائيل، أو عدواً إستعمارياً شيطانياً كالغرب، هنا تلاميذُ الإله، وهناك تلاميذُ الشيطان، هنا معسكرُ المؤمنين وهناك معسكرُ الكفار. وليس ثمة من حلٍ وسط ولا بد من الاستمرار في هذا الصراع الجياش العواطف!
كانت حركة العامة بعد الخمسينيات هي التي أوصلت البحرين للاستقلال ولحدوث التحولات في الاقتصاد والوعي.
في الخمسينيات مع إحتكار المحرق لقيادة العمل السياسي الشعبي، كان من الصعب إحداث الاستقلال. كان الارتباطُ واضحاً بالخارج، كان البلدُ ترتبط بإذاعة صوت العرب، وبرموز مصر، وكان هذا غير مقبول في عُرف السياسة البريطانية بأي شكل من الأشكال وقتذاك.
كانت بريطانيا لا تزال تهيمنُ على بقاع الخليج، ولا تتصور عملية الانسحاب من(شرق السويس)، وكانت تضربُ عُمان بالقنابل فلا يمكن أن تتخلى عن شبر من الأرض عبر الصراخ.
وشكلت المحرق بتلك القيادة نهجاً مضاداً كلياً للقيادة البريطانية، وحين اقتحمت قواها العسكرية المدينة، بعد حدوث(الفوضى) وحفاظاً على (السلام الاجتماعي)، فقد انتهت لغةُ الهياج القومية المطلقة، لكن لغة الهياج النسبية سوف تستمر إلى حين.
أخذت المنامة في البروز في القيادة السياسية، فالحركةُ الاقتصاديةُ راحتْ تتنامى في هذه المدينة التي أخذت تتوسعُ وتلتهمُ البساتين والخلاءَ والشواطئ، وصارت مركز الحركة الاجتماعية وظهرَ العمالُ كطبقةٍ واسعة فيها، وبعدما كانوا مادةً لحركةِ الهيئة نزلوا مدافعين عن وضعهم المعاشي، ودخلتْ مصطلحاتٌ جديدةٌ في الحياة الفكرية، بل منهجيةُ وعيٍّ مختلفة: كلمات مثل الامبريالية والطبقات، والانتاج، والبناء الاجتماعي، والسببيات والقوانين الاجتماعية، وماذا يعني الاستعمار اقتصادياً وغيرها، كان دخولها بمثابةِ منهجيةٍ جديدةٍ وتأملاً أكثر عمقاً من الخطاب السياسي السابق. وهو أمرٌ إنعكس على طبيعة المنظمات السياسية، وصغرها ونوعيتها المتماسكة المطلعة، وتنامي روابطها مع الناس كذلك.
الفروقُ كبيرةٌ بين مصطلحاتِ الجماعاتِ بين المدينتين وأساليب العمل السياسي.
كان تتويجُ الحركة التي نبتتْ في المحرق هو العنف الكاسح، هو الحرائق التي التهمت أبنيةً، وكان هذا تعبيراً عن المضمون الداخلي للحركة، فهي ليس لديها شيء إجتماعي تطرحه، شيءٌ يضيفُ للبلدِ نقلةً سياسية أعلى. إنها تظاهراتٌ حادة مستمرة تشعر بالفوران العاطفي كل يوم دون نقلة جديدة، وقد أصيبتْ الجماهيرُ بمسٍ سياسي، لا تقبل فيه أي مراجعة لشيء، حتى تقفز في لحظة الهياج العارمة إلى أكبر شيء من العنف وفرض إرادتها بالقوة النارية!
هناك دائماً الجندي المجهول للعنف، والذي سوف يكونُ بديلاً لمناقشةِ من المتسبب في الحرائق والتكسير والقتل؟ والأصابع المختلفة سوف تشيرُ لجهاتٍ متعددة، وبطبيعة الحال سوف تتداخل الإراداتُ السياسية لجهات، ويحدث التنصلُ منها جميعاً، وهي مشتركة في العنف جميعاً.
ومن هنا فالذين قاموا بالعنف والذين حرضوهم والذين خططوا بمهارة لأحداث ذلك وهم ينتظرون بقواتهم الدخول إلى المدن، والذين أرادوا الانتقام من مؤسسات أجنبية رأوا فيها صورة المحتل، كل هذه القوى لن تعترف بما فعلته، ويشترك في هذا (المتحضر) الأجنبي و(المتخلف) الوطني.
لن تُناقش تلك البذورُ السياسيةُ والشعارية التي زُرعت في أرضِ الكراهية المطلقة، في ذلك الأصطفاف العدائي الرهيب؛ بين الشعب الذي يُحقر ويفقر وقوى التسلط المطلقة في فرض الأحكام.
وبعد هذا يحلُ الهدوءُ ويتمُ طمس ذكرى الضحايا ويتوارى المجرمون وتبدأُ مسيرةٌ سياسية جديدة، تسدل الستار على الماضي ذي الأشباح المخيفة، لكن ذكريات العنف والحماس الأهوج سوف تتركُ بصماتِها غير المرئية في النفوس والعقول. البسطاء الذين تم جرهم في غمرة الانفعالات الحادة والذين لم يخسروا شيئاً كثيراً واختفوا وعادوا لبيوتهم سالمين، ستترك الأحداثُ أشياء كبيرة في نفوسهم، سوف ينظرون بأحتياط أكبر للمتعلمين الذين جروهم لمثل هذه الأحداث، سيشعرون بخيبةٍ هائلةٍ بأن كل ما فعلوه وتعرضوا له من عنف وضرب وخوف من العقاب وما ضحوه به من مال ووقت، لم يغير شيئاً في الواقع، الواقعُ الظاهرُ الذي يلمسونه، غير قادرين على التغلغل لما تحته، بل يرونهُ قد صار أسوأ، فهذه القوى العسكرية الأجنبية قد اقتحمت الدروب، واقتادت شباباً كثيرين للسجون، وحلَّ صمتٌ، وحلَّ يأس.
لهذا حين تبدأ المنامة بالنضال الوطني يكون ذلك بشكلٍ جديد، مغاير لما سبق!
ومن تلك الكتل الكبيرة غير المسيطر على إنفعالاتها وجياشانها العنيف تخرج جموعٌ مُنظَّمة، وتتشكلُ نضالاتٌ صغيرةٌ مدروسة، وتتوسع، ولا تحدث أضراراً في المباني حتى ولو بالتكسير الطفيف!
كانت هذه نقلة تمت في بضع سنوات، ولها سببياتها!
ومن حيث الأفكار تكون العلمانية البحرينية قد إنتقلت لخطوة أبعد، بل وقفزة، رغم أنها لم تؤسس نفسها جيداً ولم تدرس تاريخها بعمق، ولم تحلل المذاهب والواقع، بل توجهت للنضال القومي، والنضال الأممي التقدمي ، وهكذا في بضع سنوات قليلة تكون قد حلقت في الفضاء السياسي على هيئةِ نخب صغيرة. وتبقى الجماهيرُ العاديةُ مشاركةً في شعاراتِ كلِ مرحلةٍ حسب مقاربتها لحياتها الاقتصادية وما تقوم به تلك الشعارات من تغيير تلك الحياة ذات الفقر والبطالة وسوء السكن.
إن التحولات التي جرت للجمهور العريض في مدينتي المحرق والمنامة كانت متناقضة، الجمهور دخلَ في حالةِ يأسٍ شديدة بعد القضاء على حركة الهيئة، لم تعدْ المنشوراتُ الصاخبةُ تحركهُ، الإذاعاتُ التي لا تزال فوارةً بالجملِ الملتهبةِ ما تزالُ مسموعةً غير أنها تنزلُ على حديدٍ بارد.
تركتْ حركةُ الهيئةِ الناسَ بلا قيادة، لم تنشيءْ أي مجموعة بديلة، لم تؤسسْ فكراً منتشراً بين المتعلمين، لم تتركْ تراثاً أدبياً يخلقُ هويةً أو تياراً، بدتْ الحركة ونتائجها أشبه بانفجارٍ كبير لم يخلف أثراً، أو أرثاً. فالحركةُ الصاعقةُ المليئةُ بالخطبِ الرنانةِ والاجتماعات الحاشدة واللقاءات الحماسية، كانت تبدو للجموع بأنها خالدة، فيكفي منظر هذه الحشود التي تخرجُ من الحارات ومن القرى وتندفع لأمكنة الاجتماعات، والورق الصادر من القيادة الذي يدعو لكذا وكذا من القرارات والتي تـُلبى، يكفي هذا كله لاقتناع هذه الجماهير بأنها باقية بهذا الشكل للأبد.
لكن الجماهير اختفت فجأة! والسطورُ الملتهبةُ لم تعد تحرك أحداً!
كان ثمة أحساس واسع النطاق بأن ثمة أخطاءً كبيرةً حدثت، لكن أين؟ ومن الذي ارتكبها؟ كانت أسئلةً تدورُ في الفضاء بلا إجابة!
أذكرُ كتيباً صغيراً قرأته بعد سنواتٍ من كهف الحزن الشعبي هذا، بعنوان(المد والجزر في الحركة السياسية)، وهو مكتوبٌ بخط اليد ويتم نسخه وقراءته وتداوله، زثمة عقلٌ في هذا الكتيب يتساءلُ لماذا حدث ما حدث؟ لكنه لا يناقش تلك التجربة الخمسينية عبر تحليل ملموس لطبيعتها الاجتماعية ولأدواتها الفكرية والسياسية المخلتفة، بل من خلال تجريد عام.
يطرح الكتيبُ هذا التصور العام للحركات السياسية، وأن المجتمع مثل البحر فيه المد وفيه الجزر، والناس يحدث لها ما يحدث للبحر، تتمدد وتنكمش، وعلى المناضلين أن يكونوا في كل وقت، خاصة وقت الجزر حين يحدث اليأس، ويفقد الناسُ الحماسَ للسياسة!
ليس في الكتيب على ما أتذكرُ أية حيثيات سببية عميقة، ويتم دمج المجتمع بالطبيعة بشكلٍ ميكانيكي، فلا تُدرسُ بُنيةُ الواقع الراهنة، وما يجري فيها من أوضاعٍ اقتصاديةٍ وإجتماعية وتحولاتٍ، وعلاقة ذلك بمعاشِ الناس وأفكارهم.
لكن الكتيب عبّر عن رؤيةٍ جديدة بدأت تدخلُ الواقع الوطني.
أجل كانت ثمة بذور تنمو. فمن الحشود كان ثمة نشطاء شباب تبعوا تلك الأحداث وتحمسوا مثلها، وحين أختفتْ لم يعرفوا كيف يوظفون طاقاتهم. حين نقرأ ما كتبه الشاعر قاسم حداد في كتابه(ورشة الأمل) عن لحظات الهيئة وكيف أنغمرَ هو الفتى بالحشود متحمساً مذهولاً مما يحدث، ثم تتالت فتراتٌ من التخمر التي تحولت شعراً سياسياً حاداً ورغبة في إسقاط الواقع بذلك النفس المحرقي الصاخب، فندرك بأن صخب الفترة قد أمتد للجماعات الشبابية الصاعدة في ذلك الحين، على طريقتين؛ أستمرار خط الهيئة خاصة خطها العامي الحماسي والذي سوف يتنامى في الجماعاتِ القوميةِ والتجماعات التنظيمية الفضفاضة والمتصفة بغياب البرامجية الدقيقة، أي سوف يستمر خطُ الحماسِ المتأجج الذي يضعُ رغباتَهِ وحماسه محل الواقع. وتغدو أداته البارزة: العنف، ويعتبر نفسه جزءً من كيان عربي سواء تمظهر عند الخليج أو أتسع ليشمل الوطن العربي. وخطٌ آخر سوف يدرسُ الواقع بتحليليةٍ أكبر ويبرمج أعماله السياسية. ويربط نفسه بالبلد خاصة.
إن مسألة التحليلية وقراءة الواقع وسببياته مسألة مهمة، وهي تحتاجُ لأداةٍ فكرية، ولمصادر وحلقات درس وعمل، ولهذا فإن الشباب الذين تأملوا حركةَ الهيئة وارتبطوا ببعضِ أنشطتِها وبأعمالٍ إجتماعية ونضالية كانت من موجتِها، سوف يتوجهون للجمع بين البحث وتكوين مؤسسات تعليمية وثقافية على شكل أندية ليحركوا الجمهور بشكل آخر، غير الصخب السياسي، محاولين كسر اليأس الذي أطبق على النفوس سنين عديدة.
إن إستمرار التجمعات الفضفاضة، غير الداخلة في علاقة تحويلية يومية للجمهور البسيط في مواقع عمله وأحيائه، والتوجه الجديد بخلق بنية تنظيمية دقيقة مثقفة مُحّولة الواقع، وتستند على برنامج، هذه طبيعة المخاض الذي تولد من حركة الهيئة.
إن هذه الاتجاهات كانت في الحراك القومي وكذلك البذرة التقدمية معاً، فكلها تقريباً أجهها المركزُ المصري الناصري، للنضال الوطني، وهذا ما جعلها ضمناً من خط العلمانية المرتفعة فوق تمزق المذاهب وصراعها، فكانتْ وريثةُ الهيئة كذلك وحضورها الاجتماعي، وهو أمرٌ مثل جبهوية شعبية في ذلك الأفق الفكري الوطني المتصاعد. كانت نضالاً على المستوى القومي بدرجةٍ كبيرةٍ ونضالاً على المستوى المحلي، حتى بدون تباين ودرجة من الاستقلال بين القومي والوطني، وهذا ما سيؤدي إلى فصل للجانب الآخر، أي للجانب الوطني أكثر من الجانب القومي في المرحلة التالية.
لكن هيئة الاتحاد كانت من الناحية الفكرية لا تقدم سوى شعارات، وتجمعُ قوى الطائفتين في حراك سياسي مشترك، دون هيئة تنظيمية توحيدية فكرية، لعجزها عن قراءة المذاهب، ولعدم قدرتها على إيجاد إيديولوجية لأنها لم تكن بمستوى ذلك، ولم يعطها الوقت مثل هذه الإمكانية لصهر القوى الطليعية في فكر سياسي وطني.
في البرنامج السياسي الأول الذي ظهر في البلد نقرأ عبارات محددة:
(من أجل دولة ديمقراطية ذات سيادة مستقلة إستقلالاً حقيقياً وذلك بإلغاء الحماية ومعاداتها الاسترقاقية غير المتكافئة وذيولها المفروضة على شعبنا)،(تصفية القواعد العسكرية الأجنبية وجلاء القوات الأجنبية)،(قيام حكومة وطنية ديمقراطية تعمل لصالح الشعب وتطهير الأجهزة الحكومية من العملاء)،(إقامة نظام وطني ديمقراطي بإقامة مؤسسات ديمقراطية تكفل الحريات لجموع الشعب وقيام برلمان وبلدية منتخبة)،(ووضع دستور يأخذ بعين الأعتبار الظروف الموضوعية لبلدنا)، (إنشاء جيش وطني)، (مساواة المرأة بالرجل في كافة الحقوق)، إنشاء جيش وطني، إقامة علاقات مع دول العالم الخ.
غدت هذه العبارات الآن عادية لكنها في سنة 1962 لم تكن بمثل هذه السهولة، ويهمنا هنا هذا التبلور الفكري في العبارات القصيرة المكثفة والذي أزال التطويل والحشو، في صيغة برامجية واضحة، وفي المضمون الداخلي جرت بلورة إختزالية، عبرت عن رؤى القوى السياسية العربية في ذلك الزمان التي تتسم رؤاها بالبتر والحسم، فتشكلُ نظاماً جديداً تصيغهُ هي لوحدها، وعبر صوتها المتفرد، خارج ظروف الزمان والمكان.
وفي العمق ثنائيات متضادة كلياً: وطنيون/عملاء، شرق متحرر/ إستعمار غربي، دكتاتورية راهنة/ ووطنية ديمقراطية وردية قادمة، إستبداد ذكوري راهن/ ومساواة تامة بين الجنسين الخ.
في هذه الأهداف التي صاغتها جبهة التحرير الوطني البحرانية وقتذاك، قفزة عن اللغة القومية الدينية السياسية السائدة، وبلورة للأهداف، وتحديد بناء وطني متكامل، لكن لا تخرج هذه اللغة كذلك عن مناخ الوعي القومي الديني، فتقوم بتحديد معسكرين مجردين، وأهدافَ مجردة كبيرة عامة، ليس بإمكان القوى السياسية الراهنة وقتذاك تحقيقها، لكنها سوف تدفعُ القوى نحو تحقيقها.
فإستقلالٌ تامٌ ناجزٌ وزوال الاستعمار وظهور نظام وطني ديمقراطي هكذا بالمطلق، تكمن وراءه قدرةٌ سحرية ولا شك، ويمكن تحققها بالشعب المارد، وبهذا فإن اللغة السياسية هذه رغم قطعها لمسار الانتفاخ العاطفي القومي الديني لم تخلُ هي الأخرى من ذلك.
إن الأدبيات القادمة من الخارج والتلاقح العربي التقدمي والاستفادة من تطور حركة اليسار العالمية، لها فوائدها في التحديد السياسي وبلورة الصياغة وتحديد الأولويات ولها أضرارها كذلك.
فلا يزال جو الحماس العاطفي والتصدي للغرب الاستعماري المجرد مسيطراً، وثمة معسكر عالمي يزيل الغرب، والحركة الوطنية جزءٌ من هذا المعسكر المتقدم لتنظيف القارات من رجس الاستعمار، بل أن الأنظمة الوطنية العربية موجودة ومتسعة وسوف تزيل أنظمة(العملاء).
تستلزم هذه الأهداف الكبيرة تضحيات جساماً على مر الأجيال، ولكنها على الأرض الملموسة تتطلب خطوات صغيرة بسيطة مثل القراءات وتكوين الخلايا والقيام بالدعاية السياسية، وهي أمورٌ تتجاوز طرق السابقين، سواء في الهلاميات التنظيمية للهيئة أم الأبنية الفضفاضة للقوميين، وكلما تقدم التنظيم في تجذره على الأرض واصل العمل لتطبيق ذلك البرنامج الحاسم.
وهذا ما يؤدي إلى صعودهِ على بقية التنظيمات التي تفتقدُ مثل هذه الطريقة السياسية وعمليات البحث في الواقع وجذب الجمهور العمالي خاصة، لأنه بصدد تنظيم ذلك البرنامج الجذري الذي يخلق نظاماً وطنياً مطهراً من الرجس، وإختلاط المنهجية العلمية بالمنهجية الدينية، هو جزءٌ من النضال العام، حيث للجبهة عدة وجوه، وجه مادي مستورد من الأدبيات الشيوعية العالمية، ووجه ديني يحلق فوق الشعائر الحسينية النضالية.
ومن البداية فإن التغلغل في العمال سيغلب عليه طابع السكان في أي مرحلة، فمع التوازنات السكانية المذهبية، وأنتشار الأفكار القومية واليسارية، سيغدو الاتجاه العمالي وطنياً قوياُ، لكن هذا التوزان سيختفي ويتزايد حضور العمال من الطائفة الشيعية، وفما تتمظهر القيادة يشكل وطني غالباً، ويؤثراً ذلك في تلك الصدامية الحاسمة الباترة للنظام، فتتمظهر وراءها كذلك عداوة حاسمة في توافق بين القيادة عامة والوعي (الاشتراكي) ثم هذا الوعي في مرحلة أخرى.
وتؤثر الصراعات المذهبية السياسية على قوى اليسار(العلماني) فتتجه جماعة لناحية وتتجه أخرى لناحية، ويحدث إصطفاف طائفي متوارٍ في أغلب الأحيان.
بدأت جبهةُ التحرير بالنسبي، أي بالنضالِ الممكن، وبالدفاعِ عن مطالب العمال، وحقوق الشعب في الحرية والتقدم عامةً، وهو أمرٌ مفيدٌ ويؤدي لالتفاف الجمهور الذي يعاني ويطالب، ولكن البرنامج السياسي الذي قرأنا بعضَ لمحاتٍ منه يقودُ للمطلق، والارتباط بتصفية النظام وإستبداله بنظام آخر، والاندماج مع حركة المعسكر (الاشتراكي) الهادفة للقضاء على الاستعمار والرأسمالية قضاءً مبرماً.
بين النسبي الممكن والمطلق غير الممكن تاهتْ الخطواتُ السياسية للجبهة، بين النضال المطلبي المستمر والانقلاب السياسي، وهي إذ لم تعلن القضاء على الرأسمالية، لكن أدوات الوعي المتداولة من فكر الماركسية – اللينينية كلها تقود لهدف غير معلن وغائر ومستمر.
لا يستطيع العمالُ بشكلٍ عام إستيعاب الماركسية، لأنها فلسفة مركبة من عدة علوم، وقد يستوعبون شعاراتها السياسية في مناهضة الرأسمالية لكن عملية إستيعابها على نحو واسع من قبلهم، أمرٌ يتجاوز مداركهم وظروفهم الصعبة.
وقد يستوعبها أفرادٌ بشكلٍ عميقٍ فيكونون أقرب للمثقفين، وما راج في الشرق هي نسخٌ مشوهةٌ من الماركسية، قامت بتوزيعها الرأسمالياتُ الحكومية(الاشتراكية)، فلم تنتجْ وعياً منهجياً مستنداً على أدواتِ تحليل الماركسية، ولهذا لم تحقق خصباً بحثياً لدى التنظيمات التي تبنتها، فكان ذلك إرتباطاً بالمعسكر (الأشتراكي) ومسيرته في تشييد الرأسماليات القومية، وحين إنتهت الحرب الباردة، سقطتْ هذه النسخُ من الماركسية، أو عجزت عن الاستمرار، أو فقدتْ قدراتها على تمييز الديمقراطي العقلاني العلماني من الطائفي والمحافظ، فسادت عموماً عمليات الشعارات.
إن الارتباط بالمطلق(الأشتراكي) في تجربتنا المحلية جعل الطريق مفتوحاً للانكسار والترابط مع الجماعات الدينية ذات الأهداف الانقلابية فيما بعد. في حين كان قوى دينية أخرى ترتبط بالنظام وبالفئات الوسطى والصغيرة وقد تراجعَ حضورُ العمال لديها، وتتشكلت لديها معارضات نسبية في الأقل، ولم تتوجه للمعارضة المطلقة بشكل عام، وهي القائمة على الهويات المذهبية.
والارتباط بالنسبي غذا نمو الجبهة الديمقراطي ووسع تحالفاتها ونما القوى الاجتماعية المختلفة. في حين إن المطلق قربها من الضفة الأخرى.
تجسد النسبي عبر مشروعات سياسية ممكنة، في النضال المطلبي والنضال البرلماني الذي تفجر في بداية السبعينيات، ومع غيابهما انسدت الآفاق أمام التطور الداخلي الديمقراطي في الجماعة، ومع تضخم الرأسمالية الحكومية المحلية ورفضها للنقد والمراقبة، فإن آفاق المطلق تنامت وفاضت على الجميع.
ومن جهة فقد سقط الاتحاد السوفيتي ومن جهة أخرى ظهرت التجربةُ الدينيةُ الإيرانية مندفعة نحو شموليةٍ توسعية وأحتاجت إلى إشعال المنطقة حولها بالتوتر، لكي تنطلق في هيمنة قومية، جعلت من المذهبية جسراً لها.
هنا جرى مخاضُ اليسار المتصدع أكثر فأكثر، وكان لا بد للفئات الوسطى الصغيرة أن تتذبذب بقوة نحو الموجة الأقوى في المنطقة وفي البلد.
وساعدت ضرباتُ القمع لهذا اليسار من هذا التصدع الداخلي ومن المقاربة مع المذهبيين السياسيين، ولم تكن الأدواتُ السياسيةُ المشتركةُ سوى قناع للمذهبيين لكي يفرضوا سيطرتهم ويتحكموا في الصفوف الوطنية، فهم الذين يقودون والآخرون مجرد مؤيدين.
أكثر من ثلاثين سنة من التربية السياسية ومن نشر الأفكار ضاعت بسرعة شديدة، وغدا الانفجار الذي أعقب سقوط الهيئة انفجارات، حيث العنف الأهوج هو الوسيلة الوحيدة.
تنمية مواقف العمال وتصعيد الوعي الديمقراطي، ونشر التنوير هذه كلها تلاشت، بسبب هذا القهر الطويل، وذوبان فكرة لم تكن موجودة إلا كشعارات، أما سياسة الصدام الطويلة، فقد استعارها آخرون، والبديل المذهبي السياسي كان أكثر قدرة ولكن القدرة وقفت عند شق خريطة البلد وشق صفوف المواطنين لا هزيمة النظام.
من اليسار ومن جعل الطبقة العاملة صاحبة الصوت الأساسي في الحياة السياسية ينتهي ذلك إلى تصعيد دور المحافظين الدينيين في الحياة السياسية، بكل ما فتحوه من مشكلات سياسية عنيفة على البلد، وبكل ما يمثل ذلك من تراجع البرنامج الديمقراطي التحديثي للمجتمع.
إن مرتكزات الحداثة من عقلانية وعلمانية وديمقراطية ذابتْ مع صراع الفئات البرجوازية الصغيرة التي تسلمتْ القيادةَ من هيئةِ الاتحاد الوطني الأقرب للفئات الوسطى من كبار التجار وغيرهم، وعلى مدى عقود تسلمتْ تلك الفئاتُ البرجوازية الصغيرةُ مقاليدَ الحراكِ السياسي فتضاءلتْ مرتكزاتُ الحداثة في خاتمة المطاف، وخاصة العلمانية، وغدا للفئات البرجوازية الصغيرة ذبذبة مصلحية تجاهها، فجعلتْ من العلمانية ليس نظاماً سياسياً وبرنامجاً شاملاً على ضوئهِ تحددُ السابقَ واللاحقَ بل لحظةً تكتيكية، يمكن الاستفادة منها في جوانب ويمكن تجاهلها في جوانب أخرى حسب مصلحة الجماعة المعنية، ولكن خطورةَ هذا التجريب والتذبذب إنها ساهمت في بروز الثنائية الطائفية التي شقتْ المجتمعَ شقين كبيرين لم يعدْ من خلال الأدوات السياسية الراهنة إمكانية إصلاحهما.
إن محاولات دول الشرق لإجهاض وإزالة الرأسمالية تحت دعاوى مشروعات كثيرة، إنتهت بإظهار رأسماليات خاصة من باطن الدول، مع ما جرى في ذلك من فساد وهدم للديمقراطية والتنوير وإعلاء الأجرام.
ما سيحدثُ في دولنا خاصةً الكبيرة منها هو صعود القطاعات الرأسمالية الخاصة ومنافستها الحكومات في إحتكارهِا للسلطاتِ والثروات. إن نمو هذه القطاعات سوف يزعزعُ الطائفيةَ السياسية التي ظهرت ونُشرت مع هيمنة الرأسماليات الحكومية، إذا جرت بالتعاون مع قوى العلمانية والحداثة.
انتهى اليسار التقليدي إلى دعمِ قطاعاتٍ خاصة ملوثة بكل إستبداد الماضي، فظل صعود القطاعات الخاصة هو المخرج في كل الأحوال، في التجارب(الاشتراكية) وفي الراهن القادم من التجارب (الوطنية).
في كل دولنا الكبيرة تحاول هذه القطاعات الخروج من عنق الزجاجة، ولهذا فإن اليسار الديمقراطي يغدو مشروعه الراهن هو مساعدة هذه القطاعات الخاصة ونموها السياسي لتحجيم الاحتكار الحكومي للسلطات السياسية والاقتصادية والثقافية وإنهائه وتشكيل دول ديمقراطية علمانية.
إن حلم الاشتراكية يبقى لعصر قادم، وفي الراهن لا يزال اليسار يغذي بذورَ الحلم، بالدفاع عن الطبقات العاملة، ونشر الحداثة، ودرس المنطقة والتغلغل في جذورها.
ليس التعاون مع القطاعات الخاصة ودعمها هو شكلٌ مطلقٌ، ووحدةٌ صوانية، بل هو تعاونٌ وصراع، لأن القطاعات الخاصة تتوجه حسب مصالحها، ولا تعترف ببرامج سياسية وإيديولوجية من هذا الطرف أو ذاك، وتوجهُ الاقتصادَ بخياراتها، لكن الرأسماليات الحكومية تثقلُ عليها، وتحجمُ من تطورِها، ومسائلُ الاقتصاد محل نزاع، والخططُ الحكومية في الاقتصاد أكثرها بيروقراطي لا يخضع لدرس وطني عميق تحكمهُ البرلماناتُ المنتخبة والقوى الاجتماعية الأهلية.
ولهذا فإن العقود التالية سوف تشهد نمواً كبيراً في الإرادة السياسية للقطاعات الخاصة، ويظهر من بينها قادة سياسيون ذوي بُعد نظر، ومن هنا فإن التعاون الديمقراطي العميق أساسي، لأنه سوف يترك بصماته الكبيرة على التاريخ.
وحتى الجماعات الدينية خاصة القادة فيها والصفوف الأولى ستجدُ نفسَها مع نمو هذه القطاعاتِ الخاصة ومصالحها المشتركة، والأمر لا يجري في بلدنا وفي دول الخليج فحسب بل يجري في إيران ومصر وغيرهما من الدول المؤثرة في تشكيل النمط الاقتصادي العام، الذي عادة تقيمهُ الأممُ الإسلامية بأشكالٍ متفاوتةٍ تعكسُ طرق تطورها الخاصة.
ليس غريباً أن يبدأ اليسار حياته بالصراع لإزالة الرأسمالية و(ينتهي) بدعمها، لقد كان هو يفعل ذلك دون أن يدري، لكن الارتباط السياسي بالعاملين وتصور نشؤ دولة يحكمونها وإزالة الأستغلال للأبد، هذا مشروعٌ عالمي في الدول النامية لتصعيد الرأسماليات القومية والوطنية، ولهذا حين سقط (الحلم) فقد توازنه السياسي، لكن التشكيلة الرأسمالية مستمرة وكائنة في مشروعات (الإشتراكية) وما بعدها وما سوف ينقضُها حين تأتي الظروفُ التي لا نعلمُها حتى الآن، وهي لا تعني خدمة الرأسماليين فقط، بل إحداث تنمية واسعة، وتفعيل قوى الإرادات السياسية كي لا تكون هذه العمليات خدمةً لقوى عليا محدودة، وتقود المجتمعات لتنمية جيوبها، وتوزيع الخدمات على مناطقِها، وتصعيد طائفة ضد أخرى، ولا أن يتحول العمال إلى أنفار مستجلبين من الداخل والخارج مقذوفين في الأسواق بأرخص الأجور، وتنعدم الخطط الاقتصادية وتفرض مشروعات إقتصادية إحتيالية وتضيع الثروات الهائلة على بذخ وفوضى عمرانية وتلوث الخ.
تقوية الإرادات السياسية لرجال الأعمال، وتصعيد أدوار العمال النقابية والسياسية، كقوى أساسية متعاونة لتطوير الأنظمة باتجاه الديمقراطية الحداثية العلمانية، تتطلب الانتقال من سياسة الانتفاخ والاستعراض، والكم التنظيمي الكبير غير الفاعل، ومن لغات الشعارات إلى البحث الجدي، وإلى إنشاء الدراسات للواقع الراهن، وتنمية العناصر النضالية البشرية العميقة، وخلق هذه التيارات الديمقراطية العلمانية الوطنية العقلانية بإرثها الإسلامي الإنساني، لخلق ذلك الانعطاف السياسي المحوري وأن لا تكون الدول هي المحتكرة للثروة.
لكن هل استطاعت تنظيمات اليسار أن تحافظ على الإيقاع المتوازن في الدعوة للاشتراكية أو في أعتبار نفسها بديلاً لأنظمة تابعة ومقيمة للنظام الوطني الديمقراطي الناجز ثم في ضياعها السياسي؟
وفي تبدل أسمائها فجأة ؟
ولماذا لم تتم عمليات التغيير في مؤتمرات يجري فيها البحثُ العميق في الإرث السابق، ومعرفة ما سوف يأتي وتـُدرس فيه وثائق التحول وأبعاده واحتمالاته؟
لقد وقعَ البلدُ في ثنائيةِ الطائفيةِ التي غدت هي صانعة النظام والسياسة. إن القطبين الطائفيين يجران الجميع نحو ما يتوارى داخلهما من مضامين غامضة، ويغدو بقية اللاعبين السياسيين ثانونيين.
إن تسليم القيادة للمذهبيين السياسيين بشكلٍ عملي كان تعبيراً عن تلاقي يمينين، فلا يمكن لليسار أن يسلمَ القيادةَ لليمين الديني، بغضِ النظر عن أخطاء الأخير.
اليمين الديني لا يستطيع أن يسايرَ العصر، فهو يبعثُ علاقات قديمة لا تتعايشُ مع العلاقات الجديدة وتحديات العصر ونموه. وما يفعلهُ هو العودةُ للوراء وهي عودةٌ مكلفةٌ رهيبةٌ ثقيلة من الناحيتين السياسية والاجتماعية.
تنشأ بالضرورة وعبر هذا الصدام بين يمين محافظ مضاد للعصر وتطورات الحياة، علمانيةٌ عفويةٌ لدى الجمهور وخاصة الشباب، في رفض مثل هذه العودة للماضي التقليدي. ويتمسكُ الجمهورُ بدينهِ ولكن لا يقبلُ هذه النسخةَ الجامدةَ المشوهةَ من فهم الدين.
لكن العلمانية العفوية لا تستطيع أن تكونَ قوةً سياسيةً مؤثرة، وكذلك فإن الحياةَ الاجتماعية بظروفها وإحتمالاتها لا تعطيه علمانية سياسية قوية توحدُ شعبَهُ وتحلُ مشكلاته.
سواءً من قبل الفئات الغنية العليا أو من قبل جماعات البرجوازية الصغيرة المتحكمة في إنتاج السياسة.
إن اليسار الذي يسلم التاريخ السياسي لليمين الديني يكون هو قد إنهار من الداخل عن اليسار وعن العلمانية. لقد تآكلتْ أدواتُ تحليله وطرقُ نضاله.
ليس من محض الصدف هذه التحولات والتلاقي؛ التآكل في اليسار والتداخل مع اليمين الديني. اليسارُ العالميُّ الشرقي (المعسكر الاشتراكي)، كان في حالاتِ إحتضار، والبيروقراطياتُ الرأسمالية الحكومية كانت قد أبعدتْ العمالَ ومؤسساتهم، وذابتْ أصواتُ العمال، ولهذا رأينا الانهيارات التالية وصعودَ الحكوماتِ الرأسمالية بشكلٍ واضح، وهذا ما حدث في التنظيمات اليسارية العربية عموماً، فقد حدث التآكلُ والجمود في القيادات، وفقدتْ التنظيماتُ العمالَ الذين ضحوا وتعبوا وأنقطعت علاقاتهم بالتيارات، وتبدلت الحياة الاجتماعية في البلد ولم تعدْ المدنُ النهضوية هي التي تزخ أغلبية العمال، بل صار الريف، وأعطت هذه القواعد العمالية الريفية أجواءَ أخرى، وتداخلتْ مع الآراء السياسية المذهبية.
إن البنية الاجتماعية تبدلت، وأخذت الفئات الوسطى تلعب الأدوار الرئيسية في الحراك الاجتماعي السياسي، الذي نحا من المدن للريف، وتعملقت مؤسساتُ الرأسماليات الحكومية ووجهت البلد في مركزية شديدة التهمت أغلب المداخيل.
إن ثوابت التنظيمات اليسارية الفكرية من علمانية وعقلانية وديمقراطية تآكلت على مدى السنين السابقة، لغيابِ أسسها الموضوعية والذاتية، فاستخدام الدين سياسياً كان يجري بشكل عفوي ولمجاملة الجمهور في مناسباته الدينية، وبعضها يتحول إلى مشاركة إيديولوجية فيها، فُرؤيت التنظيمات الدينية كجزءٍ من ظاهرة طبيعية، لكنها كانت إمتداداً لصعود الرأسمالية الحكومية الإيرانية، بشكل الثورة القومية الفارسية خاصة، والتي جعلت الشعارات المذهبية أداتها في السيطرة الداخلية والإقليمية، فحلَّ تأثيرُ رأسمالية حكومية صاعدة محل رأسمالية حكومية ثورية شرقية آفلة، وضعفت المدنُ في مقابل صعود الأرياف، وتقزمتْ العلمانية كإتجاهاتٍ سياسية قوية، تنادي بفصلِ الدين عن الحكم، وعن السياسة.
وكانت التنظيماتُ السنية كذلك إمتداداً لرأسماليات حكومية مناطقية محافظة، وتركزت في المدن، وتغلغلت في الفئات الوسطى وبعض العامة، خاصة المتواجدين في المؤسسات العامة.
وكل يوم تُقرأ هذه الأزمة:(معاناة حادة من شرخ طائفي يقسم المجتمع التجاري إلى قسمين رئيسيين، لا يمكن القفز فوقه أو تحاشي إفرازاته السلبية. هذا الانقسام العمودي للمجتمع البحريني، الذي أحدثته تطورات تاريخية – ليس هنا مجال الخوض في تفاصيلها – ينبغي لمن يريد أن يحدد دور هذا القطاع أن يتوقف عنده، عوضاً عن القفز فوقه أو دفن رأسه في الرمال تحاشياَ لرؤيته. هذا الجرح الطائفي النازف بغزارة، والمنهك لإمكانات هذا القطاع، يضع كل الخلافات الثانوية القائمة ضمن كل طائفة على حدة، في الصفوف الخلفية عند تحديد معالم التناقضات في ساحة العمل السياسي البحرينية، عبيدلي العبيدلي، الوسط، 13أكتوبر، 2009.
(فالمشكلة التي تعانيها المملكة هي التخندق الطائفي ومن المؤسف أن يتحول مجلس النواب الذي من المفترض أن يكون بيتاً للشعب إلى كتل نيابية طائفية وكل كتلة تحارب هذا الوزير أو ذاك أو تدافع عنه لأسباب طائفية، ولكن ما هو خطير أن نجر الجمعيات السياسية وهي تجربة وليدة في البحرين إلى التخندق الطائفي )،(فاضل عباس، الأيام، 31أكتوبر 2009.
وهكذا فإن الشرخ أخذ يتوسع ثم صار إنقساماً عميقاً في الشعب وفي المؤسسات العامة وفي الحياة الاجتماعية وفي بقايا التنظيمات.
لكن المدى السياسي خلال العقود الثلاثة السابقة أوضح بجلاء إن هذه العودة للوراء مكلفة، وأخذت القطاعاتُ الرأسماليةُ الخاصة التحديثية تقوى، وأخذت هي التي تقودُ الحراكَ السياسي في عدةِ بلدان وخاصة في إيران كما نرى المشهد الراهن الساخن الآن، لظروف لا تتوفر بمثل هذا المستوى في بلدان أخرى.
إن عجز اليمين الديني عن مواكبة الحداثة والديمقراطية وصون الحرية الوطنية اصبحت واضحة وتتسع في مجمل ظروف البلدان الإسلامية، بسبب العودة للماضي وتفكيك الصفوف وغياب التحليلات العميقة للمشكلات والقضايا، ومن هنا تنشأ مرحلةٌ جديدةٌ من الأصطاف والتجميع للقوى السياسية والاجتماعية للتصدي للمهمات والمشكلات التي تفاقمت.
لقد تطورت قوى الرأسمالية الخاصة وغدت هي القوى الاقتصادية الفاعلة من أجل مجتمع ديمقراطي حديث، فاستعادت ما فقدته خلال عقود، وصارت هيئة الاتحاد الوطني المغّيبة ضروة جديدة ولكن من خلال تراكمات العقود التي تلت والأشكال السياسية الجديدة.
من الممكن تجميع كافة خيوط القوى السياسية العلمانية المتفرقة المفتتة لكي تكون جبهة موحدة، للعمل من أجل وقف التراجع للماضي وتوحيد الشعب وتطوير الحريات الديمقراطية لمستوى أعلى بعد زمن من التراكم والتعاون.
ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ ــ
* الشخصية الوطنية الكبيرة الأستاذ محمد جابر صباح سيادي، انظر كتابنا الكلمة من أجل الإنسان ص 637.
عبـــــــدالله خلـــــــيفة: عرضٌ ونـقـدٌ لأعماله القصصية
قانون الإنتاج المطلق ــ كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
الثورةُ السوريةُ.. بطولةُ شعبٍ: كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
الخيال والواقع في الأديان
تعتمدُ الأديانُ على الخيالِ غالباً، لأنها تشكلت منذ أكثر من أربعين ألف سنة على فكرتي الأرواح الخيرة والأرواح الشريرة، فهذا السديمُ من الصورِ والمعاني يشتبكُ غالباً بالواقعِ ومشكلاتهِ من حروبٍ وأمراضٍ وصيدٍ وزواج الخ.
بداياتُ الأديان هي بداياتُ الانتقالِ للحضارة، وهي لا تعدو أن تكون 1% من التاريخ البشري، وقبلها ملايينٌ من التاريخِ المجهول للإنسان، حسبما يقول فراس السواح.
ولهذا فإن فرزَ الجمادِ من الروح كانت ثورةً فكرية كبرى! حيث انفصل عن الإنسان عن الحجر والنهر والغابة ولكن ليس بشكل كلي، فإلى مدى طويل ستظل الأشياءُ ذات قوى روحية أو أرواحية، وسيظل الإنسانُ هذا الكائنَ الهشَ المعلقَ في خشبةِ الوجودِ السائرة في الأنهار.
وتتوجه الإراداتُ البشرية لطلب المساعدة من هذه الأرواح، مرة بالخير ومرة بالشر، وتصيرُ الآلهةُ نمطين مثلهما، آلهة تحكمُ بالخير وللخير، وأخرى للشر وبالشر.
وهذه المعاني العامة سنجدُها لدى البوذيين أو الهنود الحمر. وكلما تطورتْ الحضارةُ أخضعت الأفكارَ الدينيةَ للتقاليد والمواصفات الاجتماعية وللمؤسسات السياسية.
ونظراً لكونِ الأفكار الدينيةِ متصلةً بعالمِ الأرواح فهي تبقى غامضةً، متعددةَ الرؤى، مختلفةَ التفاسير، ويتيحُ لها ذلك النمو التاريخي، العقلاني مرة، وغير العقلاني مرة أخرى. وأن تقع في قبضاتٍ مختلفة، وإرادات متناقضة، وتصيرُ مرة للبناء ومرة للهدم.
ليس في عالم الأرواح تجريب وبرهان، ويقول صانعو الأديان إنهم يسمعون أصواتاً، وان نداءات تأتيهم، وإن رسائلَ بُعثتْ لهم، وآخرون يقولون إنهم شاهدوا أحلاماً، وكل هذا يجري في السديم الغامض، في عالم الأرواح، حتى تبدأ الكتابة الملموسة للدين من خلال الكلمات، والقوانين، سواءً كانت في ورقٍ أو حجر، ويتحولُ الغموضُ الخارجي الفوقي السماوي أو الأرضي، إلى جماعةٍ أو إلى نصوصٍ أو عبادات أو أوامر ونواهٍ اجتماعية.
عالمُ الأرواح الذي يتم التراسلُ معهُ أرضياً وبشرياً والمتسم بالغموضِ واللاتحدد من المستحيل أن يعطي رسالةً واحدةً، وكما أن الأرضَ ذاتَ خرائط وأصواتٍ مختلفة، فكذلك فإن الرسائلَ تتباين، وتتعددُ الأديان.
يعزلُ عالم الأرواح مع تصاعد المؤسسات الدينية والسياسية، إن عالم الأرواح الغامض لابد من السيطرة عليه اجتماعياً، وأن يكون الدين مؤسسةً ثم مؤسسات، حسب تنازع القوى والمؤمنين أو تآلفهم، إن الأرواحَ الخيرةَ هي التي تتجسدُ في المؤسسة الدينية، لأن الدينَ في غاياتهِ الأولى كان بهدف خير، فقد كانت الرسائل الدينية تظهر لدى قادة روحيين مضحين، يشقون طرقاً لتطور البشر. فالرسالةُ في حدِ ذاتها تضحية، وبطولة، ولكنها تصيرُ مؤسسةً، وتنحازُ لهذا الطرف الاجتماعي أو ذاك، فينقسم الدينُ ويصير مذاهب وحركات سياسية واختلافات.
الركائز الأولى للدين من ألوهية وانقسام للأرض والسماء والدنيا والآخرة وغيرها من ركائز تصورية كبرى، هي ركائز عرفتها البشريةُ كلها، حتى من دون أن تتشكلَ علاقاتٌ مباشرةٌ بين بعضِها بعضا، وهي تقومُ على أساسِ التضاداتِ الكبرى في الحياةِ البشريةِ غيرِ الممكنِ ردمها أو إزالتها. التناقضُ بين الحياة والموت، وهو أكثر التناقضاتِ رهبةً وبقاءً للجنس البشري والحيواني عامة. التناقضُ بين الوجودِ والعدمِ هو من أكثرِ المناطقِ خصوبةً لإنتاجِ الوعي الديني، والأفكار عامة، وهو الذي بدأَ تحريكَ الوعي باتجاه أن يكون الكائنُ النسبي مطلقاً، والعابرُ أبدياً.
وكذلك هناك التناقضُ بين الأرضِ والسماءِ، وهو شكلٌ آخر للتناقضِ بين الإنسانِ والوجود، ثم التناقضُ بين الحاكم والمحكوم وهو التناقضُ المولدُ للحركةِ الاجتماعية، ويتداخلُ مع التناقضين السابقين في توليدِ التصوراتِ وفي نسجِها بين الخالد والعابر، بين الفقير والغني، بين اللاموجود والموجود.
تنقشع ضبابيةُ الأرواح لدى المؤسسات، التي تحيلُ الدينَ لنصوصية قانونية وراءها العقوبات والسجون، والتقاليد، والحلال والحرام، وعلى مدى وجود العناصر العقلانية القارئة للآلام البشرية وحاجات العاملين أو عدم وجودها، تتحدد تطورات الأديان، بين ازدياد للعقلانية أو هجوم للجنون، فالحياة الاجتماعية تولد سلاسلَ من التطورات الدينية واللادينية، من الفرق المتبصرة أو (من الهلوسات)، ومن التخصصات الدينية المدققة العاكفة على التطور التدريجي، ومن النصوصية الجامدة المريضة، ومن هجوم الفرق السياسية على الدين واختطافه من حياته العبادية العادية، إلى حماية الدين بإبعاده عن التجارة والحروب السياسية.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
الموت في فينيسيا : توماس مان كتب : عبدالله خليفة
مسارات ـ حمدة خميس كتب : عبدالله خليفة
ويطول اليوم أكثر من قرن :جنكيز ايتماتوف ـ كتب : عبدالله خليفة
«الهولة» بين الإنجازات وعذابات التجنيس: كتب ـ عبدالله خليفة
مثقفو الأكاذيب والتزوير : بقلم ـ عبدالله خليفة
الطليعيون والتحول إلى الطائفية: كتب ـ عبدالله خليفة
العلمانيون وتوحيد المسلمين: كتب ـ عبدالله خليفة
ميشيل عفلق
هو مؤسس الفكر البعثي الذي كان التتويج للأفكار القومية المناطقية في الهلال الخصيب وتحويلها إلى رؤية قومية عربية، وفي البيان التأسيسي لحزب البعث سنة 1947 يجري القول العفلقي بالصورة التالية:
«حيث شدد على تميز الأمة العربية وقدرتها على الخلق والتجدد والإبداع، معتبراً أن الرسالة القومية لهذه الأمة ليست شيئاً جديداً، بل هى (بنت تاريخ طويل) ذلك أن هذه الأمة التي أفصحت عن نفسها في الماضي.. (إفصاحاً متعدداً متنوعاً… في تشريع حمورابي وشعر الجاهلية ودين محمد وثقافة المأمون، فيها شعور واحد يهزها في مختلف الأزمان، ولها هدف واحد بالرغم من فترات الانقطاع والانحراف..»، (عن رهانات النهضة، مصدر سابق، ص 210).
يقوم خطابُ البعث على أشكال فكرية تعميمية تقفز فوق التكوينات الاجتماعية العربية وفوق العصور والمراحل ، وتُسقط وعي بعض النخبويين القوميين المعاصرين على الظروف الموضوعية السابقة المختلفة، فالقبائل البابلية المتحضرة الوثنية التي تعيش في العصر العبودي تابعة لحكام آلهة، هي نفسها القبائل العربية الجاهلية المفككة المتناحرة في عالمها ما قبل الحضارة، ويتمظهر وجودها القومي العروبي في قوانين حمورابي وشعر الجاهلية!
إن التكوين القومي هنا هو نفسه الروح الغيبية المنزلة لدى الحصري والأرسوزي التي لا تعرف التضاريس الصحراوية أو نمو المدن، بل تظهر كالسحر في كل مظهر يريد المثقف القومي المثالي أن يسقطه على الأشياء والتاريخ ، ومن هنا فلن يعترف بحدود بين التشكيلات الاقتصادية أو المراحل التاريخية أو الأقطار السياسية، ولهذا فسوف يأخذ من التاريخ ما يلائم النخب القومية الغنية المعادية للأمم الإسلامية الأخرى، مكرساً هنا بشكلٍ متوارٍ التوجهات المذهبية السنية، فهو يختار عصر ثقافة المأمون الإلهية التجريدية المركزية الرافضة للتعدديات الدينية.
إن عدم الدرس الموضوعي لتطور تجربة القبائل العربية في العصر الوسيط وتشابك هذه التجربة بالإسلام وغيره من الأديان والمذاهب، يخرج هذه العروبة من الفحص المعملي الاجتماعي ليجرها إلى منطقة التجريد الشعري والتلاعب بالألفاظ.
ويلغي الفحص المعملي والديمقراطي هذه الأفكار الخيالية للبعث، وليذا فإن ميشيل عفلق بخلاف غيره من مفكري العرب والمسلمين التحديثيين يرفض ثقافة الغرب:
«إن النظريات والأنظمة المنبثقة عن حضارة الغرب لا تلبي حاجات البيئة العربية وأن الأمة العربية ليست (أمه صغيرة ثانوية) كي تتبنى رسالة غيرها»، (السابق).
لقد قام ميشيل عفلق هنا بتوجيه فكر البعث بشكل مضاد للعناصر الديمقراطية فى ثقافة الغرب، وليس بشكل مضاد كلي لثقافة الغرب فالعاصر القومية الشمولية في الثقافتين الألمانية والإيطالية سوف تحصل لها على مكانة في منظومته الفكرية، ولكن هنا هو يصرح بشكل إطلاقي عام. وهو هنا يجوهر حضارة الغرب فليس هي شكل لتجل مرحلي للحضارات الإنسانية في سيرورتها التاريخية، بل هي حضارة غرب منقطع عن غيرها، مما يشكل بالمقابل حضارة قومية دينية شرقية متجوهرة هي الأخرى على ذاتها، وإذ يرفض عفلق العناصر الديمقراطية داخل الحضارة الغربية فهذا للحفاظ على العناصر الدكتاتورية داخل الثقافة العربية، وهي هنا النظام الإقطاعي التقليدي، ببنيته الاجتماعية المذهبية.
فهنا أي عناصر غير سنية محافظة أو غير عربية وتدخل غرفة البخور القومية هذه فإنها تخلع ثيابها وتتماهى في هذه الثقافة العروبية المذهبية الشمولية وقد غدت الآن غائرة، أى غير مُعلنة ، لكنها في مراحلَ تاليةٍ سوف تظهرُ ما أخفته في مراحل سابقة؛ كانت فيها تمثلُ أصواتاً من عناصر الفئات الوسطى التي لا تزال بعد مستقلةً، والتي بعدُ لم تدخلْ أجهزةَ الدول وتتحدْ بهياكلها الشمولية السياسية – الاجتماعية. فتؤدلج أفكار الفئات الوسطى؛ في الحرية؛ والعلمانية، والديمقراطية، تبعاً لهذه الهياكل الشمولية التي سوف تقضمُ بأسنانها الحديدية أفكار التحديث هذه، مثلما فعلت تجاه أفكار محمد عبده في مصر.
وفى هذا الطور فإن البناء الإقطاعي المذهبي سوف يظهرُ من أفكار النفي لا الإثبات، في (النظريات والأنظمة المنبثقة عن حضارة الغرب) مرفوضة بسبب تجريدي غامض، لأن الأمة العربية لا تقبل برسالة تاريخية من أمة أخرى كما يقول، والأمر هنا ليس أمر رسالة، يسلمها ساعي بريد متغطرس لديوان ميشيل عفلق، بل هي تجارب شعوب على مدى عشرة قرون قامت فيها بمراكمة التجارب والاكتشافات في العلوم الطبيعية والاجتماعية، لكن العملية تعني رفض العناصر الديمقراطية في الحضارة الغربية كي لا تقوم بتفكيك رسالة البعث التاريخية في الحفاظ على الأبنية الإقطاعية – المذهبية.
إن مفهوم (الرسالة) يتضح هنا وهو أنه يعني مفهوم الغزو والاستعمار، فالغرب له رسالة هي هذا الغزو المكتسح وللبعث رسالة هي رسالة الأمة العربية في التحول إلى أمة متفوقة غازية، ورسالتان غازيتان لا تتوافقان. كما أن مفهوم الرسالة البعثي هذا هو محاولة كذلك للتمظهر بالرسالة المحمدية والتشبه بدورها، دون العودة إلى أسسها كثورة نهضوية شعبية.
إن عدم أخذ العناصر الديمقراطية الغربية يعني ضمناً تشكيل أحزاب شمولية، تقوم على الحفاظ على تلك البنى الاجتماعية المماثلة لطبيعتها الحزبية:
«فمن خصائص المرحلة الانقلابية إذاً أن تكون قيادة الحركة الشعبية بيد أقلية.. ولكنها أقلية من نوعية خاصة، أقلية واعية لواقع أمتها مؤمنة بقضية بلادها وبحقوق شعبها.. هذه الأقلية تتقدم لتمثيل الشعب قبل أن يفوضها الشعب تفويضاً صريحاً بهذا التمثيل، وهي التي تبدأ بأن تتجه للشعب لتوقظه على واقعه ولتنظم نضاله وتقوده في طريق الانقلاب».
إن التغييرات السياسية المستحيلة التى ما كان من الممكن أن تتم في المدن العربية تصبح الآن ممكنة بفضل التنظيم السياسي الذي يصل إلى الجيش والدولة عبر الانقلاب. لكن البناء الاجتماعي العربي الديني التقليدي يجري الحفاظ عليه، عبر رفض العمل التدريجي الإصلاحي داخل المجتمع على نحو طويل ، وعبر دمقطرته العميقة، ويجري هذا استلهام التجارب في اللينينية أو غيرها وعبر الارتكاز على هذه الجموع البسيطة المؤدلجة الشمولية.
إن رفض التطور التدريجي الإصلاحي يعني عدم هدم البنية الإقطاعية – المذهبية المترسخة عبر القرون والتي يجري الآن (بعثها)، وهنا بدلاً من أن تقوم الفئات الوسطى باستثمار الحرية العربية فهي تعود لأصلها السابق :
«الماضي شيء حقيقي أصيل في حياة أمتنا…إننا نقصد بالماضي ذلك الزمن الذي كانت فيه الروح العربية متحققة. وماذا نقصد نحن بالمستقبل الذي يغرينا ويدفعنا إلى النضال إن لم يكن هو الزمن الذي يجب أن تتحقق فيه روحنا الأصيلة، فماضينا، بهذا المعنى الصافي الصادق، أرسلناه أمامنا إشعاعاً ينيرُ لنا الطريق».
لا تقع هذه الكلمات فوق جسد اجتماعي معين، بل فوق الروح الغامضة المبهمة، أي ترفض عمليات التحليل الموضوعية للهياكل الإقطاعية الدينية العربية في العصر الوسيط، فهذه الهياكل العامة التي تعود لسيطرة تلك القوى الاجتماعية العليا من ملوك وارستقراطية بدوية هي المراد بعثها ، وليست حركات التغيير الاجتماعية ونضال الفئات الوسطى القديمة الذي لم يكتمل من أجل الديمقراطية والتحديث، ومن هنا فالعناصر البعثية المرتبطة بالفئات الوسطى المعاصرة تؤكد ارتباطها ببعث الهياكل الإقطاعية الدينية السابقة، وليس بإنتاج ثورة ديمقراطية معاصرة.
وهي تطلقُ بخورَ الكلمات مثل الروح الأصيلة والدين والإسلام لتعشى عيون الفحص العلمى:
(لأن القومية مثل الدين (تنبع من معين القلب وتصدر عن إرادة الله، وهما يسيران متآزرين متعانقين، خاصةً إذا كان الدين يمثل عبقرية القومية وينسجم مع طبيعتها)،.. «إن الدين دخل أوروبا من الخارج ولم ينزل بلغاتها القومية .. فى حين إن الإسلام كان أمره بالنسبة إلى العرب مختلفاً ولا يمكن أن تكون علاقته بالعروبة مثل علاقة أي دين بأية قومية.. وذلك على اعتبار ان العرب قد انفردوا عن سائر الأمم في اقتران يقظتهم القومية (برسالة دينية)».
ليس ثمة فروق موضوعية بين مرحلة الدين ومرحلة القومية، فهذا التطور التاريخي بين عصرين هما العصر الوسيط والعصر الحديث، ينتفيان، ولهذا فان التشكيلتين المختلفتين وهما الإقطاع والرأسمالية الحديثة تتنفيان هما الأخريان، وهنا تتضح عملية استعادة التركيبة التقليدية الماضية، ورفض الحداثة والرأسمالية المعاصرة وآليات تقدمها الديمقراطي، فالقومية ليست نتاج الدين، وقد كانت العناصر العربية في الحضارة الدينية السابقة عناصر ثقافية في وعي قبلي وديني، لم تصل ابداً الى وعي قومي، ولكن تدمير عناصر التحليل الموضوعية هنا يجري بقصد إلغاء فهم القومية كنتاج العصر الحديث، وربطها بعمليات دينية عامة واستغلال الدين كمظلة اجتماعية وسياسية.
إن الدعوة البعثية تستغل هنا الميراث الرسالي وتصوير نفسها كطبعة جديدة منها، مثلما تفعل الحركات المذهبية الأقطاعية، لكنها تختلف عنها عبر عدم الرجوع الى النصية الدينية الحرفية، والاكتفاء بعبارات عامة مجردة (الإسلام، القومية، النهضة الخ..) تسمح للفئات الوسطى المنتجة للبعث باستيراد مفاهيم ومظاهر أوروبية لا تصل إلى تجاوز المنظومة الإقطاعية — المذهبية.
وعدم التطابق مع الغرب هنا هو بقصد ألا تتماثل الفئات الوسطى العربية المعاصرة حسب الوعي البعثي بمثيلاتها الأوروبية وتنتج ثورة برجوازية ديمقراطية.
إن عدم وجود نصوصية دينية هنا والاعتماد على ذلك البخور الغيبي المجرد، هو بقصد التجاوز المظهري للانقسام الطائفي الإسلامي، فهو تجاوز مظهري لأنه لا يصل الى العلمانية، وقسمات الحداثة الأخرى ، لكونها تتطابق والنضالية الديمقراطية الثورية الغربية المماثلة. فهذه اللامذهبية الزائفة هي طائفية غائرة.
فلكون ميشيل عفلق لا يقوم بتحليل تطورات الصراع الاجتماعي والسياسي في الإسلام، وكون ذلك الصراع اتخذ طابعاً طائفياً، معبراً عن صراعات اجتماعية جرت باشكال دينية، مطلقاً همهمته الدرويشية الحديثة: روح نقية، معين القلب، رسالة السماء! الخ.. فهو يقوم بالانزلاق الاجتماعي السياسي نحو القوة المسيطرة على ذلك التاريخ: طبقة الإقطاعيين وممارساتها المذهبية السائدة، أي سيتماثل ووعي سني مذهبي محافظ في خاتمة المطاف ، لأنه لم يقم بنقد الصراع الاجتماعي — الطائفي السابق وتجاوزه بشكل حقيقي ، بل تجاوزه بشكل زائف، أي لم يقم برفض الإقطاع ومنظومته المذهبية.
إن (التنظيم الانقلابي) (سيكون أعضاءه الجنود المحاربون لنهضة عربية أصيلة تغذي الإنسانية جمعاء). واعتبر عفلق ان الحركة الانقلابية (وفكرة السرعة من صميمها) هي نقيض الحركة الإصلاحية، ورأى في التفكير التطوري شذوذاً مرضياً (فالعرب، أو خلافاً لغيرهم من الأمم لم يعرفوا غير نوعين من الحياة: الانقلاب أو الانحطاط، وارتقاؤهم بالتالي لا يمكن أن يتحقق بالنمو أو التطور الطبيعي، إذ أن الشقة (واسعة بعيدة، ولا بد من الانقلاب حتى يتحقق الارتقاء العسير).
وتتكامل هنا عناصر التطابق مع الماضي الإقطاعي الديني وأساليبه في التغيير، أي غير الوصول للجيش، ونظراً لكون القبائل العسكرية قد انتفى دورها الانقلابي في بلاد الشام رغم أماني زكي الأرسوزي في ذلك ، ولكن هذه القبائلية العسكرية البدوية ستبعثُ عبر الاستيلاء على الجيش، وهنا يتحقق شيء من التماثل مع الماضي، فبدلاً من الغزو الرعوي على الطريقة العربية والبربرية والتركية سيكون الانقلاب العسكري، وهذا ما سيشكله البعث السوري كمادة نموذجية لأقطار عربية اخرى، فيغدو الجيش هو الغزو الرعوي الجديد للحواضر المدنية العربية.
ولكن أين توجد أغلبية المادة البشرية الرعوية العربية غير لدى أهل السنة الصحراويين خاصة؟! وهنا ستغدو الجيوش المشرقية البعثية متوجهة لهذه المادة البشرية الطيعة. وقد كان البدو العرب الصحراويون عسكريين دائماً في حياتهم، ومن هنا ستتوجه التجربة البعثية للمذهب (السني) المحافظ المكرس في أجهزة السلطة عبر القرون، وعبر المادة العسكرية البدوية التي ستكون القواعد التحتية الطيعة لأنظمة شمولية جديدة.
ولكن التعابير العفلقية الغامضة عن الإسلام والنهضة من شأنها كذلك الإتاحة للعناصر المذهبية والدينية الأخرى من التواجد في هذا الفضاء العلماني الزائف، وهي عناصر غالباً ما تتكون من الفئات الوسطى ، وهي التي ستتواجد غالباً في المراكز المتوسطة والعليا من الجيش والإدارة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ انظر عبــدالله خـلــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.
لسانُ الشاعرِ المقطوع : كتب ـ عبدالله خليفة
الأبطال والفرح: كتب ~ عبدالله خليفة
رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة
مسلسلات رمضان : كتب ـ عبدالله خليفة
إعادة تقييم التجربة السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
أسباب تدهور وعينا : كتب ـ عبدالله خليفة
الأم والكتاكيت السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
الثورة والكهنوت: كتب ـ عبدالله خليفة
دولة «الحشاشين»: كتب ـ عبدالله خليفة
المتقدمون وغزو الفضاء: كتب ـ عبدالله خليفة
إصلاح أم ضياع : كتب ـ عبدالله خليفة
التقدميون يتغيرون: كتب ـ عبدالله خليفة
مناضلون بلا قواعد: كتب ـ عبدالله خليفة
توسع الفلسطينيين الإنساني : كتب ـ عبدالله خليفة
فلسطين: الأديان والطبقات : كتب ـ عبدالله خليفة
أمدنيةٌ أم علمانيةٌ؟ : كتب ـ عبدالله خليفة
أية ديمقراطية مرجوة؟! : كتب ـ عبدالله خليفة
النقد وتبعيته المزدوجة : كتب ـ عبدالله خليفة
الفردية والفردانية : كتب ـ عبدالله خليفة
شهادة من جمال عبدالناصر: كتب ـ عبدالله خليفة
التقدم في زمن مختلف : كتب ـ عبدالله خليفة
انحطاط الغناء.. انحطاط السياسة : كتب ـ عبدالله خليفة
محمد باقر الصدر: كتب ـ عبدالله خليفة
الفلسفة الغربية والنهضة العربية : كتب ـ عبدالله خليفة
وحدة فكر النهضة : كتب ـ عبدالله خليفة
(الطفولية) والنضال المعاصر : كتب ـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
isa.albuflasa@gmail.com
بين أبي بكر وعمر
بين الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر صداقة وطيدة ونضال مشترك، كما بينهما اختلاف كبير في العمل السياسي، فأولهما رقيق واسع الصدر، والثانى شديد، صلب. لكنهما اتحدا في الحق، الذي له سبل مختلفة وطرق أداء متباينة!
ولا نريد أن نخوض في بحر علاقتهما، ولكن لنرى هل أثرت هذه الصداقة الحميمة في دوريهما في الحكم؟ فالوجود في قمة السلطة يغير الأحوال ويبدل المشاعر!
ورغم معرفة أبي بكر الصديق بعمر وأخلاقه لكنه وهو في مرضه الأخير راح يسأل عنه كبار الصحابة، ليدرك مدى قبولهم أو رفضهم لمجيء عمر للحكم والخلافة.
بطبيعة الحال أدرك أبوبكر إن الكثيرين طامحين في السلطة فقال لعبدالرحمن بن عوف: (إني وليت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم من ذلك أنفه، يريد أن يكون له الأمر! ورأيتم الدنيا مقبلة – حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألموا الاضطجاع على الصوف الأذربي كما لم يألم أحدكم الاضطجاع على شوك السعدان).
ويشير أبوبكر هنا إلى أن الكثيرين في ذلك الوقت قد اندفعوا للثروة، حتى راحوا يتألمون من الجلسة فوق الصوف القادم من أذربيجان وهو شديد الرقة، بينما لم يكونوا يتألمون من الشوك الصحراوي!
فكان هذا الزمن السياسي بحاجة إلى قائد صلب عادل حكيم، فكان عمر بن الخطاب هو رجل هذه المرحلة. لكن أبابكر لديه مخاوف من عمر كذلك، فماذا لو استبد بالأمر؟ ومارس قوته في غير الحق؟
كان رأي أبي بكر في عمر الشخصي كبيراً وعظيماً فهو يقول عنه في أواخر حياته: (اللهم إني لم أرد إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فعملتُ فيهم بما أنت أعلم به، واجتهدتُ لهم رأيي فوليت عليهم خيرهم، وأقواهم على رشدهم).
وتحيلنا هذه الكلماتُ الدقيقةُ إلى دقة أبي بكر في التشخيص السياسي، فهو عبر حكم عمر الذي لا يختلف عليه أحد، يتمكن في زمن لاحق لا يعيشه، أن يضمن السلام الاجتماعي للمواطنين والعدالة، عبر وجود شخصية خيرة، وقوية، وهو أمر يشير إلى ابتعاده عن العصبية القبلية والأسرية، حيث تجنب البيوت القرشية الكبرى، وركز على عمر كشخصٍ يستند إلى وجوده الأخلاقي والسياسي المحض.
ولكن هذا لم يمنع الخليفة الذي سيغادر الدنيا، من أن يترك أمور الناس للناس، رغم كل هذه الحصافة في الاختيار والتدقيق.
وقد أحضر عمر نفسه وواجهه بحقيقة الأوضاع السياسية والاجتماعية المتغيرة التى تحتاج إلى صلابة وتضحية فقال له بقوة وشدة عُرفت عنه في الأوقات العصيبة كعادته: (أن أولَ ما أحذرك نفسك! وأحذرك الناس، فإنهم قد طمحت أبصارهم، وانتفخت أجوافهم! وأنهم سيخافونك كما خفت الله!)، (الفاروق عمر، عبدالرحمن الشرقاوي، ص 58).
ليس ثمة إيجاز للوضع السياسي والاجتماعي وقتذاك مثل هاتين الجملتين، فالكثيرون من الساسة قد اندفعوا متوثبين للحكم، مثلما شاعت الثروةُ وكثر الطمع!
عانى الخليفة المريض جسدياً من ولاية العهد هذه، حتى استقر رأيه أخيراً ولكنه كتب خطاب التكليف للناس عن صديقه فقال فيه بشكل رسمي وموضوعي: (إني استخلفتُ عليكم بعدي عمرَ بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا.. فإن عدلَ فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب من الإثم، والخير أردت، ولا أعلم الغيب..).
فبعد أن قدم أبوبكر الشخصيةَ البديلة بكل التمحيص والتذكير والنقد جعل الخليفة الجديد مسئولاً عن حكمه والناس مراقبين له. وفي اليوم التالي بعد أن تسلم عمر مقاليد حكم الإمبراطورية، قدم الخليفةُ الراحل عن طريق ابنته السيدة عائشة، تركته الباقيةَ لبيت المال وهي (خادم، وبعير، وقماش بخمسة دراهم)! فصاح بعضهم: أتسلب ورثة الخليفة أبي بكر هذه الأشياء التافهة يا عمر؟
بكى عمر وقال: لقد اتعبَ أبوبكر من جاء بعده! ولكن عمر أخذ ورثة صديقه الحميم ووضعها في بيت المال!
الدينيون واللادينيون : كتب ـ عبدالله خليفة
عبدالرحمن رفيع : كتب ــ عبدالله خليفة
مراحل تطور (البرجوازيات) العربية ــ كتب : عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
بين عمر وخالد
يشكر للباحثين الغربيين هذا الاهتمام الدقيق بالتراث العربي الإسلامي، حيث تفوقوا على أبناء العربية في الدخول الى دقائق التراث، وبأساليب حديثة ومنهجيات خصبة.
من هؤلاء الباحثين الجدد كلاوس كلير من جمهورية ألمانيا، حيث قدم رسالة دكتوراه في العلاقة بين عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد، الصحابيين الجليلين، باسم (خالد وعمر، بحث نقدي في مصادر التاريخ الإسلامي المبكر)، دار قدموس في سوريا ولبنان سنة 2001م ويعجب المرءُ كيف يتغلغل باحثٌ أجنبي في تراث العربية بهذا الشكل، حيث درس أمهات كتب التاريخ برصد تحليلي ورصد كمي، والجانب الأخر من الرصد هو الذي يستوقف القارئ، حيث يكشف نظرات المؤرخين العرب للعلاقة بين عمر وخالد عبر الجداول الإحصائية والبيانات وليس بالبيان التحليلي المجرد فقط.
كما يعجب المرء من تحول الرسالة الجامعية الى دفاع عن خالد بن الوليد تجاه ما صدر ضده كما يقول الباحث من الخليفة الراشد عمر ومن المؤرخين كذلك، الذين قللوا من جهد خالد نظراً الى ما حدث له من عزل.
والعجب يكمن في أن باحثين غربيين يقومون بهذه المهمات في حين يعيش (باحثونا) في عملية نقل مستمرة لما يُنشر في الغرب. وكأن أولئك الباحثين أقرب للعربية والتراث من أهله!
وعلى الرغم من ذلك فالباحث أخطأ في جملة بحثه واستنتاجاته، فرغم أن خالد بن الوليد قامة عسكرية عملاقة مقاييس البشرية، حيث يقف جنباً الى جنب مع الإسكندر. ونابليون وغيرهما من القادة العسكريين الكبار، فإن قامة عمر بن الخطاب السياسية تكبر عنه وتصعد صعوداً كبيراً، على الرغم من محاولة الباحث التنقيص من هذه القامة.
فالباحث يوجد لخالد بن الوليد الأعذار في أخطاء اجتماعية قبل أن تكون أخطاء عسكرية: (فالسلوك الإسلامي وآثار الوثنية في شخصية خالد لا سبيل إلى إزالتهما هما النقطة الجوهرية في الاتهامات التي يتم إيرادها ضده وبصورة خاصة على لسان عمر)، ويعد قتل خالد للاسرى في غزوة بني جذيمة، وقتل مالك بن نويرة وبعض قومه في حرب الردة والعديد من الأخطاء الأخرى، ليس تجنياً من عمر بن الخطاب بل هي حقائق معروفة في التاريخ.
لكن القضية ليست قضية أخطاء تتعلق بالأسرى بل هي قضية قائدين مختلفين في طريقة تفكيرهما، فعمر ليس قائداً عسكرياً فحسب، بل هو قائد سياسي مسؤول عن نظام اجتماعي ديمقراطي شعبي، يرفض عنهجية الملأ القرشي السابق وطريقة إدارته للحياة السياسية والحروب ونتائجها.
وعمر لم يؤمن بقائد سواء أكان سياسياً أم عسكرياً مترفعاً عن العامة، منتفخاً مهما كانت انجازاته، يضع اهتماماته الشخصية محل المصلحة العامة. إن النهج الفردي أمرٌ محبذ في ثقافة الغرب الفردانية، التي تركز على الفرد وعبقريته مهما تضادت مع الجماعة، لكن في تلك الثقافة الشعبية الإسلامية الديمقراطية الأولى كان هذا مرفوضاً.
إن عبقرية خالد العسكرية هي ممدوحة من قبل عمر وغيره، فقد حققت انتصارات هائلة، فضربة فتح دمشق المفاجئة الغريبة، وضربة اليرموك قد وضعتا حداً للامبراطورية المهيمنة على نصف المشرق. لكن عمر تخوف من تحول هذا الإعجاب الى غرور سياسي يكتسح قواعد تلك الديمقراطية الشعبية التي لم تكن تدعمها مؤسساتٌ راسخة.
ولهذا فان عمر كان يريد قيادات عسكرية جماعية وأن يصعد أبناء العامة المسلمون إلى هذه القيادة، وألا يظهر دكتاتور عسكري.
ولهذا فإنه لم يذل خالداً وابعده كلياً عن القيادة والمشاركة في الحروب، بل جعل القيادة لأبي عبيدة بن الجراح، وهو قائد عسكري من طبيعة عمر بن الخطاب الزاهدة الديمقراطية، فجعل من علاقته بخالد نموذجاً لخضوع العسكري الفذ للقيادة الجماعية ولأهداف الحرب من منظور إسلامي ديني.
كما أدت هذه العلاقة الى ظهور قادة عسكريين عباقرة آخرين، فلم تحجب قامة خالد قامات كثيرة بعده.
أن عمر هنا حارب الفساد العسكري، وأوقف تحول القادة العسكريين إلى أباطرة نظراً إلى انتصاراتهم العسكرية الكبيرة. وعلى الرغم من أن ذلك أثر في خالد وجعله يتألم كثيراً لكنه ادرك حكمة قرارات عمر مع هذا، وقد تأسى عمر كثيراً كما يذكر الباحث الألماني نفسه لموت خالد المبكر نسبياً.
انتظر (بحماس) صواريخ إيران على إسرائيل
قراءة في تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة
الدكتور إبراهيم غلوم .. ورؤية خاصة وغريبة عن التجريب المسرحي
أين صواريخ ‹‹حزب الله›› على إسرائيل؟!
إضاءة لذاكرة البحرين
العنفُ مبررٌ ضد الصهيونية
اليهودُ من التراث إلى الواقع
اليهودية كدكتاتورية شرقية
هتلر يحكم إسرائيل
غزة وحماس
isa.albuflasa@gmail.com
الإمام علي والسياسة
كان الإمام علي هو ذروة الإسلام في السياسة، وكانت لديه رؤى محددة للتغيير، وقد كانت حياته الشخصية هي مثال النموذج في التضحية والتعبير عما هو بطولي وتضحوي في الإسلام والإنسانية، وكانت – أي حياته – نموذج المأساة كذلك، لأن ذلك النموذج في التضحية تناقض مع نموذج كامل في الانتهازية والمنفعية لدى أتباعه قبل خصومه!
ببرنامجه السياسي غير المحدد لهؤلاء الدهماء الذين ثاروا وحاصروا الخليفة عثمان بن عفان، ومنعوه عنه الماء، ثم قتلوه وهو في أرذل العمر، ولو أنهم صبروا عليه بضعة أيام لمات من الشيخوخة!
وافق الإمامُ أغلبيةَ هذه الدهماء، وقبل ترشحها لمنصب الخلافة، بعد رفضٍ كبير وممانعة شديدة، لكن الأزمة الخطيرة وخلو مكان الإمامة والخلافة من مسئول، جعلته يقبل هذا التكليف الخطير ويقود هذه الجماهير الغاضبة العنيفة الهوجاء!
لكن هذه الجماهير التي قادها كانت تعمل لمصالحها الذاتية الرخيصة، فاقدة الوعي بأهمية التضحية والثورة والانضباط، ففي حرب الجمل التي شنوها بسرعة مخالفة لأوامر القيادة من قطعاتهم المتطرفة المتحمسة، ثم أرادوا سلب المسلمين المهزومين أغراضهم ونساءهم، وحين رفض الإمام ذلك صاحوا: (أحلَّ لنا دماءهم وحرم علينا أموالهم !).
إن هذه الجماهير التي ثارت من أجل بضعة أموال وهي نتاج البداوة والصحارى، لم يكن يهمها سوى هذه النقود والمكاسب، وإذ كان من بينها أناس شرفاء كثيرون أدركوا أهمية هزيمة بعض أفراد من العائلة الأموية الباطش حينذاك، وأهمية وجود خليفة نزيه، إلا أن الأغلبية لم تكن تعي كذلك.
وبعد ذلك راحت هذه الدهماء تتنصل من تلك القيادة النضالية، وتقل أعدادها، وتتفرق جماعاتها، وتتعدد آراؤها، وتتصادم، فلماذا حدثت هذه المأساة؟
ما الذي جعل هذه الحشود تنفض فجأة ويصير الإمام في قلة قليلة وأمام أتباع حمقى متآمرون ومشاكسون ثم يتم التآمر عليه وقتله؟
لنسمعه وهو يئن منهم:
(أيها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ، كلامكم يوهي الصم الصلاب ، وفعلكم يطمعُ فيكم الأعداء(….) المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل . أصبحتُ والله لا أصدق قولكم ولا أطمعُ في نصركم، ولا أوعد العدو بكم ، ما بالكم؟ ما دواؤكم؟ ما طبكم ؟ …).
إن هذا الجمهور كان يريد المال وتحسن العيش، وحين لم يجدهما بالصورة التي توقعها تحول إلى معاوية وصار من الخوارج الذين يغيرون على المسلمين ويسلبونهم . .
سياسة الإمام لا خداع فيها، ولا وعود كاذبة، والمسلمون سواسية في جيشه وجماعته، ولا تضليل للدهماء وتنشيط لأحقادها وأمراضها وأوهامها.
إن سياسة الإمام هي سياسة قول الحقيقة، والنضال من أجلها، وتوحيد المسلمين والناس، نحو تلك المطالب المشتركة.
بداية المثالية الموضوعية
الأيديولوجيات العربية والعلم
isa.albuflasa@gmail.com
القبائل والطوائف والطبقات
إن القبائل والطوائف والطبقات هي الأشكال الاجتماعية التي قامت بخلق التحركات السياسية في التاريخ العربي الإسلامي، والعالمي كذلك، لكونها الحواضن الاجتماعية الممكنة في كل عصر للتغيير الاجتماعي.
إنها ترتبط بمستوى التطور الاقتصادي لكل شعب أو أمة، ولهذا كانت القبائل العربية هي الحواضن الاجتماعية لنقل من مرحلة الجاهلية إلى الإسلام؛ أو من ما قبل التاريخ حيث لم تتبلور الطبقات، إلى التاريخ والحضارة، حيث تشكلت الطبقات والمدن والعلوم.
غير أن النظام الاجتماعي المطلق في السيطرة والاستغلال لم يتح للفئات الوسطى أن تتبلور، وتشكل ثورة صناعية، تعيد تجديد العالم الإسلام في تكوين حديث، وهذا ما جعل الصراع الاجتماعي ينحو إلى منحى طائفي، فتكونت الطوائف وصارت هي الشكل الديني للصراع الاجتماعي المأزوم والمغلق.
وهذا ما عانته مختلف بلدان العالم في تاريخها التقليدي، وأدت ظروف خاصة بأوربا الغربية أن تشكل أسلوباً اقتصادياً يتجاوز نظام الطوائف، وهكذا فإن الطوائف الأوروبية من كاثوليكية وبروتستانتية وغيرهما كانت تمر بنفس المرحلة التي نعجز الآن عن تجاوزها!
لكن الصناعة أعادت تشكيل عالم الطوائف، ووحدت البلدان الأوروبية الغربية في كيانات قومية، وراحت تتجاوز عبر قرون نظام الطوائف، ووجدت الطبقات العاملة والمالكة نفسها في كتل اجتماعية رغم انتمائها إلى أديان ومذاهب مختلفة.
لقد أدى أسلوب الاقتصاد الحديث إلى بلورة الأحزاب والسياسة والفكر بشكل مغاير لعالم القبائل والطوائف. ولكن الأديان والمذاهب لم يقض عليها، بل هي خلفية وجذور للنظام الحديث، الذي فصل بين المرجعيتين السياسية والدينية في المطالب الاجتماعية والأهداف السياسية!
لكن العالم العربي والإسلامي لم يتجاوز تركيبة القبائل والطوائف، اللتين ظلتا متداخلتين، لعدم حسمه في تطوره الاقتصادي بين الري والزراعة، فضخامة صحاريه كانت تضخ القبائل الرعوية باستمرار للسيطرة على المدن والقرى، وتكرار أنماطها المتخلفة.
والآن ظهرت فرص للخروج من دوامة التكرار التاريخي، والانتقال من أنماط القبائل والطوائف إلى الأنماط الحديثة، وجعل المرجعيات القديمة جذوراً لا تتحكم في المستقبل.
لكن مستوى وعي الجمهور العربي وظروف التخلف الطويلة لا تتيح للانتقال إلى هذا المستوى الحديث بشكل تام، فحتى قوى المعارضة متورطة في أشكال الانتماءات القديمة غير قادرة على توحيد الجمهور، لأنها لم تطور أفكارها، ولم تفهم أديانها ومذاهبها، لضعف إنتاجها العقلي، وقدم أشكال اقتصادها وطرق معيشتها وعلاقاتها الاجتماعية.
ولن تتمكن من تجاوز الأشكال التقليدية من قبلية ومذهبية سياسية إلا في حراك اقتصادي وثقافي طويلين، تكتشف فيه بالمعاناة القاسية إن تلك الأشكال تجاوزها الزمن وهي تمثل عقبات خطيرة في تطورها وتقدمها.
ولعل الإصلاحات الأخيرة والدعم الغربي هو من أجل أن تتقدم هذه الجماهيرإلى المحرقة وتكتشف، وياله من ثمن باهظ سوف تدفعه لتتعلم مفردات الحضارة الحديثة!
لقد كان الباحث ابن خلدون لا يؤمن بأداة للتغيير سوى العصبية القبلية، ولم ينتقل حتى إلى العصبية الطائفية!! فيا أيها العرب كم ستعانون لتتعلموا!
isa.albuflasa@gmail.com
الحنبلية والتصحر
كما أشرنا مراراً إلى كون الحنبلية قد نشأت كرد فعل عروبي على النزعات الفكرية النهضوية الأقرب للفرس في بغداد، فإنها اعتمدت على نصوصية مغلقة، وتكريس سلطة الحديث النبوي كما هو متوارث دون فحص، وهذا ما جعلها تتحول إلى عداء للحداثة العربية والإسلامية القديمة، وقام الحنابلة في بدء أمرهم بحمل السلاح ضد كل من عمل بالفلسفة والمنطق، وحرقوا الكتب، ثم هاجموا الفرق الإسلامية السنية الأخرى، والمؤرخين الخ..
استطاعت الفرق السنية الأخرى أن تكون أقل تضرراً بموجة التخلف التي هاجمت العالم الإسلامي مع انطفاء شعل الحضارة، وذلك بإتاحتها مجالاً للقياس والاجتهاد، كما حدث للمالكية من بعض التطور في المغرب العربي، فنجد ابن خلدون المالكي يطرح أفكاراً متقدمة عن الاجتهاد.
لكن كافة المذاهب تم اعتقالها من قبل السلطات المتخلفة؛ وغدت الحنفية راية الأتراك العثمانيين دون أن يكون لهذه الحنفية أي علاقة باجتهاد وفقه مؤسسها أبي حنيفة النعمان، وربما لأنه له جذور بالأصل الأفغانى، أي أن المنبت القومى كان له صدى!
رحلت الحنبليةُ من المدن الإسلامية الهامة، إلى المدن الصغيرة البرية، كما جرى ذلك لمدينة الفقيه ابن تيمية، فمدينة الرها، التي عُرفت بأنها مدينة الترجمة المسيحية والإسلامية الطبية والفلسفية، صارت شيئاً مختلفاً مع مولد ابن تيمية.
قوّى ابن تيمية الطابع النصوصي للحنبلية، ورفض الثقافة الحديثة الإسلامية وقتذاك، خاصة جوانبها المنطقية والفلسفية سواء أكانت شديدة الغيبية أم عقلانية، وحول العلوم إلى جوانب جزئية تقنية، مؤكداً أهميتها، وجاهد ضد الصليبيين الغزاة، ولكن آراءه الفقهية المتشددة لم تكن مقبولة لحكومات ذلك الزمان، فقد واجه التيارات الصوفية المنتشرة الجماهيرية، واعتبرها كفراً، مما أثار عليه الناس كذلك، فتم سجنه ومات في السجن.
بطبيعة الحال حولت هذه المواقف والجهاد الفكري الطويل لابن تيمية إلى أن يكون قدوة للحنابلة وبطلاً تاريخياً، ولكن ابن تيمية هو نفسه لم تؤخذ قدراته الفكرية والعقلية الاجتهادية من قبلهم بمأخذ الدرس ولم تتم مراعاة ظروف زمنه.
تغلغلت الحنبلية أكثر وأكثر في الصحارى، حيث البدو البسطاء البعيدون عن الحضارة، والذين لأئمتهم هذه الأفكار المتشددة بحكم طبيعة حياتهم، وأعطتهم هذه الأفكار مبرراً للهجوم على المسلمين الآخرين ومصادرة أملاكهم. وراكز عبادتهم وقراهم، زاعمين أنهم كفرة.
إن البدو هنا يستعيدون نمط حياتهم القديم القائم على الغزو، والذي تم قبل الإسلام بالحروب والغزو والصعلكة، وفي الإسلام عبر أفكار الخوارج والقرامطة وغزوات الهلالية!
ولم تتطور هذه النزعات مع العصر الحديث، وأعطت الثروات النفطية لهذه الأفكار قوة، فتغلغلت في بلدان إسلامية لم تعرف مثل هذه الحنبلية فى عصورها القديمة الأشد تخلفاً، فصار فيها لأول مرة إباحة دم المسلمين والمسيحيين، ورُفضت أشكال الحضارة، وغدت مراكز العبادة غير الإسلامية والفرق الصوفية الإسلامية والقوى الحديثة مركزاً لهجمات هذه الجماعات التي تحولت إلى المسمى المزعوم (الجماعات الإسلامية) ولم تكن ثمة صلة حقيقية بين مذهبية البدو وهذه الحنبلية الُمسيّسة، التي كرستها أموال النفط الباذخة.
وعبر أربعين سنة من تكريس هذه الجماعات من قبل الغرب والحكومات في المنطقة، وتشعبها في الأرض الجماهيرية تحت شتى المسميات، وجذبها للمذاهب السنية الأخرى، التي لم تتعرض هي الأخرى لفعل الاجتهاد خلال قرون التخلف، فإن القضية تغدو أكبر من قضية قمع بوليسي، وأكبر من شعارات سياسية محدودة، فالأمر يحتاج إلى تحولات ثقافية وسياسية عميقة.
الأدب الطائفي
عبدالله خليفة الأعمال الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية الكاملة
فلسفة جديدة
طبقات التوحيد وطبقات التفكيك
isa.albuflasa@gmail.com
الحنبلية والامبريالية
إن التقاء مصائر المذهب الإسلامي المتشدد الحنبلي والإمبريالية هو جزءٌ من تعقد وتشابك سمات وعمليات العصر السياسية والاجتماعية.
فتوجهات الرأسمالية الغربية منذ القرن التاسع عشر تتوجه إلى احتلال مناطق المستعمرات والثروات، ومن هنا كانت مناطق المذاهب الإسلامية المعتدلة هي التي واجهت الغزو المبكر، في حين نأت المناطق الصحراوية مكان إنتاج المذاهب الإسلامية المتشددة عن ذلك، ومن هنا عرفت المدن الإسلامية التي تعرضت للاحتلال نمواً في الفكر الاجتهادي الإسلامي بصورة مبكرة.
وإذا قيل بأن جمال الدين الأفغاني من أصل إيراني وليس من أصل افغانى، فليس ذلك بغريبٍ، لكون الفرس عُرفوا بالتبكير في الوعي، في مختلف المراحل التاريخية، كما أن إيران وأفغانستان كانتا متداخلتين منذ أقدم العصور.
وهكذا فإن النزعات الاجتهادية الإسلامية الحديثة لم تلامس الحنبلية التي تمترست في الصحارى، وإن كانت الهجمات الاستعمارية البربرية قد أيقظت قوى التطرف منذ وقت مبكر كما حدث في الجزائر التي لها عوامل قديمة في التجذر الديني العنيف.
أما المناطق الحضرية الإسلامية فقد حاولت المزاوجة بين الحضارة الغربية بإنجازاتها في التقنية والأشكال الفكرية والفنية، وبين المحافظة على الطابع الديني الخاص، وحلحلة هذا الطابع من جموده الكلي القديم، غير أنها لم تستطع ذلك كلياً، بسبب أدواتها التي لم تنفصل عن الجمود المتوارث .
وهكذا فإن الحنبلية الصحراوية وجدت نفسها فجأة في عمق التواجد الغربي بسبب النفط وعملياته. فهي لم تتوفر لها فرصة للاحتكاك بهذا الغرب كما جرى لبقية المسلمين، بشكلٍ مطولٍ وجماهيري، فظلت محافظةً على أبنيتها الاجتماعية التقليدية العتيقة، ومن جانبٍ آخر فإن تدفق النفط واستشراء الثروات لديها، دون أن تغير من أبنيتها المحافظة تلك، مكنها من الهيمنة المذهبية والسياسية على بقية المذاهب الإسلامية السنية، ثم أخذت بالتوغل في المذاهب الشيعية كذلك.
وكان دور الإمبريالية في هذا المسار هو تقوية الجانبين، جانب العزلة عن التطور الحديث، وتكريس التقوقع والتخلف والعصبية السياسية، وكذلك تقوية جانب الانتشار والتأثير على الجماعات الإسلامية وغير الإسلامية.
إن هذا الزواج غير الشرعي تجلى في حقبة الحرب الباردة، وهكذا وجدت الإمبريالية في خدمات الحنبلية والجماعات المذهبية السياسية الأخرى، فرصةً في ضرب تجارب التحرر والتقدم في بقاع الأرض. وتجسد ذلك بعلانية في أفغانستان.
ومن الملاحظ هنا أن الحنبلية غدت فرقاً ومستويات، فظهرت حنبلية رسمية حكومية، وحنبلية أهلية، وحنبلية سياسية نخبوية. وحدثت تداخلات وتعقيدات في العملية. لكن الحنبلية النخبوية السياسية التي تمظهرت أخيراً في (القاعدة) استثمرت التقنية الإمبريالية وكذلك غياب النوازع الأخلاقية والبرجماتية النفعية أما جذور العنف الواسع فهي تاريخياً فيها، وموثقة بأحكام (الرعية) مؤدلجة من تاريخها نفسه.
إن التغلغل في أوساط المسلمين ووجود الثروة الواسعة والحصول على التقنية الرفيعة، والحصول على الفقه الُمبرر والذي حصل على رعاية غربية، جعل المآسي تتساقط على الضفتين الغربية والإسلامية.
فحصد الغربيون ساسةً وأناساً أبرياء نتائج تاريخ شاركوا في صنعه بالمساهمة المباشرة أم غير المباشرة. أما المسلمون فتعرضت بلدانهم للغزو مرةً أخرى، ولإعادة التشكيل بمنظور غربي مختلف، غائيّ وبراغماتي ومُقننٍ حسب مصالح وظروف جديدة.
جمعية التجديد الثقافية
المسيحية وانتصار المثقف الديني
الديمقراطية والتقليدية
كلُ شيءٍ يتغير
«الإسلام السياسي» كمصطلح غربي
إشكاليات التطور السياسي في السودان
isa.albuflasa@gmail.com
-
اشترك
مشترك
ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.

