
سلمان زيمان:
مطلوب منا في أجراس ان نقوم بنشاط واسع تلحيناً واتصالاً
كلنا موظفون غير متفرغين للغناء والتلحين!
نريد صالات وأستوديوهات غير مكلفة
كتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
نافذة
ليست الأغاني التي تخلقها «أجراس» سوى الأغاني والموسيقى الجميلة التي نحتاجها .انها اغانٍ ليست ذات علاقة مباشرة بالهواجس السياسية والصراخ الاجتماعي، لكنها تتجه عميقا الى هواجس الروح.
ما هو الخط الذي فجره «جندول» محمد عبدالوهاب وامتد إلى الشجن النوبي عند محمد منير، أليس هو اغنية الحب المريرة، تلك الأغنية التي تتوحد بالطبيعة، بالذات. بالجراح العميقة للنفس؟
لسنا بحاجة إلى أغنيات تخفف وجبات العشاء الثقيلة، وتتوحد مع برامج مكافحة السمنة. ولا الى أصابع تدغدغ الحواس العابرة.
فماذا بقى من الأغنيات التي ذابت خارج النهر الخالد، وطارت مع الهزات الخفيفة، ولم تصل أبدا الى
قاع الألم والأمل؟.
هناك قائمة كبيرة من المطربين مستعدة للنقوط، لكن من هو مستعد للوصول الى مشاعر عميقة؟ والتحليق؟.
يتوحد خليفة زيمان بالشابي ويهتف : «هاتها. فالظلام حولي كثيف، وضباب الاسى منيخ علّي».
هذا ياس مرير، ولكن لا نستطيع أن ننكر هذا الظلام المتراكم فوقنا، ولابد ان نسمح لمشاعرنا أن تعبر عنه؛ وتعبره.. وكأن كلمة «هاتها» دعوة لا للغرق. بل لنشوة روحية، سامية، تصعد فوق الجراح وتكبر.
وحين تغني هدى عبدالله لأزقة المحرق المعتمة، والحزن فيها، والحب المتلاشي، فكأن المدينة كلها تضاء بصوت هدى الأخاذ، النوراني، المتغلغل في الحس عميقا، وكانه ينسج من جديد اغنية حب لا تموت.
ولكن الفرح مساحته، ولدبيب الأقدام الراقصة فوق الشواطئ مكانها، ولإيقاعات النشوة والمرح تلويناتها المتفجرة، وبقعها المضيئة أبداً..
ع.خ.
مرت على تكوين فرقة «أجراس» عشر سنوات؛ وفي خلال هذه السنوات العشر قامت الفرقة بإنتاج العديد من الاشرطة؛ وخلقت في منطقة الخليج اغنية جميلة ذات طابع جديد، مختلف، راق، عميقة التعبير عن مشاعر الإنسان، ملونة الإيقاعات. وقد أثارت التجربة الكثير من الجدل الخصب والحوار. في إحدى بروفاتها، أجرينا الحوار مع سلمان زيمان.
جديد أجراس
عبدالله خليفة: ما هو جديد اجراس؟
سلمان زيمان: جديد أجراس فيه «انطباعات موسيقية» من تأليف الاستاذ مجيد مرهون وخليفة زيمان. وهي مجموعات من المقطوعات. كذلك سوف تسمع الناس مجموعة من الأغاني الجديدة؛ مثل اغنية من تأليف ابراهيم بوهندي وقد تمت دراستنا لمجموعة من القصائد لأكثر من شاعر محلي وعربي مثل ابراهيم بوهندي وصلاح عبدالصبور وابوالقاسم الشابي واختيارات مختلفة لشعراء آخرين. اختيار القصائد هو الطور الأول من تنفيذ الأغاني الجديدة.
كذلك من مشاريعنا الجديدة تنفيذ مجموعة من الأغاني الكثيرة، التي تم غناؤها في مهرجانات أجراس السابقة، لكن لم يتم وصولها الى أذن المستمع من خلال شرائط الكاسيت، وهي حوالي خمس وعشرين اغنية أو ثلاثين. وهي أغان لم يتم تنفيذها لمشكلات عديدة مرت كحرب الخليج ومشاكل المنتجين.
نحن اتفقنا الآن مع المنتجين لإخراج هذه الاغاني وتنفيذها في القاهرة والكويت وسوف تظهر على شكل عدة أشرطة؛ فهناك شريط لهدى عبدالله وشريط لي وشريط للفرقة تتخللها الأغاني الجماعية وبعض الاغاني الفردية وهناك شريط لسلوى وشريط لمريم زيمان.
نقص الصالة
عبدالله خليفة: ماذا جرى بشأن المهرجان الذي يعتزمون إحياءه في الأشهر القادمة؟ وماذا تم بشأنه؟
سلمان زيمان: تم تأجيل المهرجان لأسباب تتعلق بتنظيم المهرجان، وخاصة عدم وجود الصالة المناسبة. نحن كنا نتوقع أن تكون الصالة قادرة على استيعاب عدد كبير من الجمهور، لكن وجدنا أن الصالة التي اتفقنا عليها، لا تتحمل سوى 500 ـ 600 شخص فقط. هذا العدد المحدود هو عدد غير كاف لمهرجان تقيمه أجراس. ويحتمل أن نقيم حفلاً بديلاً عن المهرجان في شهر يونيو، في نفس الصالة ونؤجل المهرجان
المزمع الى ما بعد الصيف.
لقد اتفقنا على ثلاثة حجوزات لهذا الحفل.
عبدالله خليفة: لماذا لا تؤجلون الحفل بحيث تعطون المهرجان حقه؛ ليظهر بصورة مختلفة عن المهرجانات السابقة؟
سلمان زيمان: من ضمن برامجنا أن يكون بين كل مهرجان ومهرجان حفلان نلتقي فيهما مع الجمهور، نؤدي الاغاني بشكل عام سواء كانت قديمة أو جديدة. ولكن المهرجان يظل المناسبة التي نعرض فيها للجمهور اشياءنا الجديدة. خاصة وأن مهرجان هذه السنة يصادف مرور عشر سنوات على ميلاد الفرقة. فأردنا أن يكون لقاؤنا بالجمهور متميزاً.
تقييم للانتاج
عبدالله خليفة: كيف تقيم الآن نشاط أجراس وعملها بعد العشر السنوات هذه؟
سلمان زيمان: لقد أنجزنا الكثير مما أردنا أن نحققه ولكن يبقى ما لم ننجزه الاكثر والأوسع؛ الذي يظل حلماً نسعى دوماً لإنجازه. والذي نتمنى أن نحققه على أحسن صورة.
أول الأشياء التي حققناها تأكيد استمرارية الفرقة وسط ادغال من الصعوبات.؛ وخلق مجموعة من الموسيقيين تتبنى أعمالاً فنية متجانسة مع ذواتهم؛ وطموحاتهم وعوالمهم النفسية والاجتماعية المختلفة. والظروف التي تحيط بهم. أعتقد أن فرقة أجراس حققت أشياء هامة.
تغيير كبير
عبدالله خليفة: دائما هناك من يقول أن فرقة اجراس لا تزال في نفس مكانها السابق مثلما بدأت؛ وان الكلمات التي اختارتها أول ما ظهرت هي نفسها الكلمات التي تواصل اختيارها، وان الالحان هي ذاتها التي تمتاز الإيقاع البطيء..
سلمان زيمان: أنا أتصور أن فرقة «اجراس» تغيرت بشكل كبير وواسع. هناك أشياء كثيرة تطورت. ولولا هذا التطور لانتهت. من يقول أن الأغاني ليس فيها تغيير. ولا تحمل شيئا مختلفا أو أن الايقاع بطيء.. تحكم رأيه أسباب عديدة، من ضمنها كما اتصور ان انتاجنا متقطع؛ فآخر شريط أنزلناه في السوق كان لهدى عبدالله سنة 89، والان مضت أربع سنوات. وفي خلال هذه السنوات الأربع تم تقديم أعمال كثيرة لأجراس، لم تنفذ ولم تصل الى المستمع بشكل جيد. إنه لم يسمع هذه الاغاني إلا في ليالي المهرجانات القليلة، بالتالي فإن احساسه بهذه الاغاني، ورأيه فيها، سيكون محدوداً. كما أن المهرجانات لم تستوعب إلا الفين، ويبقى الجمهور الواسع خارج الصالة. لا يعلم ولم يسمع هذه الاغاني ويتذوق تطورها. من جانب آخر، فلا شك أن لدينا اسلوبنا في الاغاني، واختيار كلماتنا، وأنا أعتقد أن القصائد التي نغنيها جيدة؛ وينبغي علينا المحافظة على هذه الاختيارات الشعرية الجميلة، وتوسيعها وتطويرها. ولا نتدنى وننحدر إلى مستويات أخرى.
نمط جديد
عبدالله خليفة: هل تعتقد ان مثل هذه الكلمات، ومثل هذه الالحان. وسط الذوق الجماهيري المتدني نسبيا، وانتم تغنون القصيدة الراقية، الكلمة الشعرية، ذات اللحن المختلف .. هل هذا النمط؛ في رأيك، يستطيع أن يخلق جمهوره الخاص، وان يوسع علاقته بالجمهور..
سلمان زيمان: اعتقد ان الايام القادمة لهذا النمط من الاغنية. فمستوى التعليم والوعي المتجه للتطور. ينعكس باستمرار على تذوقه الغنائي والفني بشكل عام. والواضح أن الناس تتجه أكثر نحو التطور المعرفي والتعليمي، ولابد ذوقها ومداركها سيتغير أيضا، ولن تقبل الاغاني الادنى من ذوقها ومستواها.
من جانب آخر. فإن العالم يتجه الى الترابط اكثر. وعالمنا العربي ومنطقتنا تتجه إلى الوحدة. وأهم ما يوحدنا هو اللغة العربية. ولهذا فإن اختياراتنا، التي يكون الجزء الكبير منها باللغة العربية الفصحى،
ساهمت في تكوين جمهور لنا في الوطن العربي.
المطلوب منا كفرقة، في أجراس، أن نقوم بنشاط أكبر، سواء في عملية التلحين او التواصل مع الجمهور. هذا هو الذي سوف يخلق التذوق الاوسم لأغانينا بين الناس.
عبدالله خليفة: هناك كما تلاحظ عقبات عديدة لتطور الفرقة. لعل بعضها عقبات خارجية؛ وأخرى داخلية..؟
سلمان زيمان: أهم هذه العقبات عدم التفرغ. فمعظم الأعضاء موظفون، ويبقى النشاط الذي نقوم به هو نشاط في أوقات الفراغ؛ وكثير من الايام تمضي بناء دون أن يجد الملحن الوقت الكافي لكي يجلس مع نفس ويلحن، ويؤلف. هذه المسألة حساسة جداً، فتجد بيننا من يعمل في مجال التدريس، صحيح انه يدرس الموسيقى، لكن ذلك أيضاً بعيد كثيراً عن التفرغ للإبداع في الموسيقى.
خذ مثلا : محمد باقرى يعمل منذ الصباح الى الظهر، ثم يذهب للعمل في مركز سلمان إلى المساء فماذا يبقى منه للتأليف والإنتاج؟ الوقت عامل أساسي خاصة للمؤلفين الموسيقيين الذين ينتجون ويبدعون.
هذه مشكلتنا
عبدالله خليفة: وهذه المشكلة تتطبق عليك وعلى خليفة زيمان ..؟
سلمان زيمان: بالضبط. هذه مشكلتنا. نحن نتمنى أن تتوفر صالات خاصة للقيام بأعمال موسيقية، وفنية، وأن تكون مخصصة المهرجانات. أن تكون صالحة. فنحن نريد بقدر الإمكان الابتعاد عن الفنادق. لكن نجد أنفسنا مضطرين في النهاية لكي نعود الى الفنادق.
فالصالات خارج الفنادق تنقصها ميزات مختلفة كالميزات الصوتية أو الهندسية التي تنعكس على الصوت، كالصدى الذي يحدث في الصالات الرياضية؛ أو محدودية المقاعد، أو الصالات المفتوحة في الهواء الطلق، ذات السلبيات والايجابيات المختلفة. كذلك من الصعوبات عدم وجود استديو يوفر الخدمات الفنية بشكل معقول، فالأستوديوهات الحالية غالية التسجيل، ولا توجد فرق موسيقية محلية.
ونحن لدينا مقر ولكن نطمح في تطويره مستقبلا.
عبدالله خليفة: كيف تقيم تطور الفرقة من حيث التطور الموسيقي واستخدام الكلمة، ولماذا التركيز على الكلمة الرومانسية؟
سلمان زيمان: اختيارات القصائد والتفاعل معها هو حق مطلق للفنان الملحن، او المؤلف الموسيقي نفسه. حين يتفاعل مع قصيدة معينة؛ مهما كانت هذه القصيدة؛ مهما كان نوعها ومفرداتها، فإنه يقوم بتلحينها بتفاعل ذاتي، بغض النظر عن أن تغنى هذه الاغنية في الفرقة أم لا. حين يعرضها على الفرقة يتم تبنيها إذا كانت صالحة لتمثيل المجموعة. صحيح إن معظم كلمات الاغاني ذات طبيعة رومانسية، لكن هذا يعكس نوعية الفنان الذي قام باختيار وتلحين القصيدة. إذا كانت القصيدة حزينة لو فرحة أو متفائلة وغير ذلك من السمات، فإنها بالتالي تعبير عن صاحب الاغنية. ولا يوجد هنا افتعال.
عبدالله خليفة: يمكن أن يتم الاتجاه كذلك الى قصائد مرحة أو ساخرة؛ مثل أغنيات فيروز أو مارسيل خليفة حين تدور الأغنية حول حواريات تجريها امرأة الشارع أو نداءات الباعة أو غير ذلك من الاغاني ذات الطابع الشعبي والعاطفي المرح..
حيث تضفي سخرية وجمالية خاصة..؟
سلمان زيمان: هذا من ضمن الطموح؛ نحن حاولنا تغيير بعض الانماط لدينا. مثل اغنية «يا ابوالفعايل يا ولد» التي ظهرت في المهرجان الاخير، التي كانت فيها روح انفعالية ومرحة. رغم ما في كلماتها من تحد للظروف الحياتية الصعبة؛ وهي نشيد للفخر بالإنسان الذي يعمل ويصنع العجب.
أو مثل اغنية «لم تمت في اغاني فمازلت اغني» التي تجسد الأمل والقوة. وكلمات مثل:
ما سكت حس النشامى / ولا سكت حس اليهال / وما غرقت كل المنامة، الخ.. نحن نحاول أن ننمو بالأغنية تجاه التفاعل مع الحياة والمستقبل بأمل. كذلك نحن استطعنا أن نلون في ايقاعاتنا استخدمنا إيقاعات مختلفة، ايقاعات شعبية، مثل «الصوت» و«الفجري» و«الليوه» «والطنبورة». ؛ «البستة».
وايضاً استطعنا أن نستعمل أكثر من إيقاع من الإيقاعات العربية كإيقاع المعمودي الكبير، وايقاع الموشح. إضافة إلى استخدام الإيقاعات العالمية كالرومبا والسامبا .
هناك تلوين معقول في كلماتنا وايقاعاتنا، ولم يظهر هذا إلا عبر تطور عملنا المستمر.
الاضواء 20 يونيو 1992
لا يقرأون . . ويتعاظمون! : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
ذكرى مرور 9 سنوات على رحيله : عبدالله خليفة.. كم أثـرت في حياتي!
عبـــــــدالله خلـــــــيفة: عرضٌ ونـقـدٌ لأعماله القصصية
قانون الإنتاج المطلق ــ كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
الثورةُ السوريةُ.. بطولةُ شعبٍ: كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
إضاءة لذاكرة البحرين
❈ إضاءة لذاكرة البحرين
❈ أيديولوجي
أنت لا تستطيع أن تصنع العقول والأرواح كلُّ إنسان له خياراته وقدراته
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
الموت في فينيسيا : توماس مان كتب : عبدالله خليفة
مسارات ـ حمدة خميس كتب : عبدالله خليفة
ويطول اليوم أكثر من قرن :جنكيز ايتماتوف ـ كتب : عبدالله خليفة
«الهولة» بين الإنجازات وعذابات التجنيس: كتب ـ عبدالله خليفة
مثقفو الأكاذيب والتزوير : بقلم ـ عبدالله خليفة
الطليعيون والتحول إلى الطائفية: كتب ـ عبدالله خليفة
العلمانيون وتوحيد المسلمين: كتب ـ عبدالله خليفة
العنفُ مبررٌ ضد الصهيونية
اليهودية وإنتاج العنصرية
لم تتشكل تجربة حضارية ديمقراطية كبرى راسخة عميقة متوارثة لدى قبائل اليهود المشتتة عبر خرائط الأرض. ثمة قدراتٌ فذةٌ تراكمتْ في مجال العلاقات التجارية والنقدية، فنجد القبائل اليهودية وهي تخرجُ من أحضانِ التجمعاتِ القرابية المتماسكة المنغلقة لا تندمجُ بالمجتمعاتِ الحضارية شبهِ الرأسمالية وشبهِ الديمقراطية في المدن والدول التي تنزحُ إليها.
وسواءً كان ذلك بنزوحِ القبائل من فلسطين إلى مصر أو إلى بابل، فإن التجمعَ التحديثي شبه الرأسمالي أو المُـقاربِ للحداثةِ في ذلك الزمن، يبقى منعزلاً عن الاندماج. إن القبليةَ الدموية السلالية تبقى مهيمنةً على العلاقاتِ الماليةِ البضائعية، وتعيدُ فوائضَها إلى أحضانِ الجماعة القبلية – الدينية المتماسكة.
هناك جوانبٌ عقيدية تتأس من البذور الأسرية والقبلية، برفضِ الاندماج مع (الأغيار). فهناك اليهودُ وهناك الأغيار. ولا مجالَ للخلطِ والاختلاط والتداخل والنمو المشترك. ومن هنا تغدو العقيدة مشبعة بالتفاصيل الخاصة المميزة؛ في رسم الوجود، في ذكر السلالة والأنبياء والحكايات الحقيقية والخيالية والمحرمات والطقوس، لكي تبقى القبيلة – الشعب، في وصاية الكهنة.
لعل بعض الاختراقات المحدودة أو الواسعة تمت لهذه العرقية الزرقاء، المتعالية فوق الشعوب، ولا يعقل أطلاقاً أن يحتفظ أي عرقٍ بنقائهِ الأبدي.
ونلاحظُ هذه العقيدةَ بعدمِ الاندماج مع الأغيارِ حتى في الرمزياتِ القصصيةِ المقدسة للأديان، فالقائدُ اليهودي يتاجر ويجمعُ ثروةً ويصلُ لمنصبٍ كبيرٍ في الدولة، لكنه لا يختلطُ بالخاصةِ أو العامة الأهلية في البلد الذي ارتفع فيه من الحضيض لذروة عالية، والعلاقة الأسرية تقومُ على استدعاء أهله، وجلبهم للبلد الغريب، ويرفضُ العلاقةَ الجنسيةَ الانصهاريةَ مع هؤلاء الذين احتضنوه!
إن تجميعَ المال بصورةٍ مقترة متراكمة، والعيش في القواقعِ الاجتماعية أو الزرائبِ السياسية، والتمدد المستمر نحو عروقِ الذهب والفضة، نحو الأمكنة التي تتفجر فيها الثروات هي خصائص البقاء والصعود الاجتماعيين.
وكذلك الحفاظ على القرابية لكونها تحتفظُ بتراكمِ رأس المال، والاختلاط مع الأغيارِ يزيلُ ليس الدم النقي بل عروق الذهب التي تشتهي أن تصيرَ جبالاً!
لقد كان الترحالُ الأوليُّ في التاريخِ المبكرِ للقبائل الشديدة المحافظة بحثاً عن موقعٍ خصبٍ بعيد عن سنابك الإمبراطوريات الداهسة لها، وكان حلمُ النهرِ الخصب والأرض الخضراء هو الجنة الأرضية التي تريدها.
لكنها في ذلك الموقع، في أرضِ فلسطين نفسها، الجنة الموعودة، حلم
الأجداد والآباء، رأتْ الكوارثَ الساحقة لها.
مرة أخرى حافظتْ على مصارعةِ الأغيار، ورفضِ الاندماج بالشعوب، ورفض تقاليدها وميراثها، وفي العمقِ كان هناك توظيفٌ لذلك التراث واستلاله من نسيجهِ المغاير، والتزاوج الخفي والاختلاط غير المكتوب في سيرة القبيلة – الشعب الذهبية النقية.
هذا التاريخُ الانفصالي الصراعي مع الشعوب ربما تضَخمَّ وتوسع كثيراً في مملكةِ الخزر، الواقعة قرب بحر قزوين، هذه التجربة اليهودية التي حاولتْ الإدماج في شعوب الشرق وتنامت في التاريخ بشكلٍ كبيرٍ ومتحضر، لكن الخلايا السرطانية كانت موجودة كذلك.
في هذه التجربةِ التاريخيةِ الكبيرة نجدُ أن القياداتِ اليهوديةَ لم تستطعْ أن تستثمرَ هذا الموقعَ ومواردَهُ الكبيرةَ والشعوبَ الخام التي كانت تقدم قوى عملٍ ضخمة، بسببِ عدم قدرتها على خلقِ نسيجٍ توحيدي عقائدي أو ثقافي منفتح، وفي حين حقق المسلمون ذلك بانفتاحهم على الشعوب الوثنية ودمجها في حضارتهم، تهاوتْ تجربةُ مملكةِ الخزر، يقول باحثٌ عربي ملخصاً هذه التجربة الفريدة:
(ومن المؤكد أن الخزر لم يكونوا عِرقاً واحداً أو ينتموا إلى قبيلة معينة، ولكنهم تجمع سياسي وعسكري من الشعوب والقبائل، وكانت اليهودية التي تجمع دينياً بين قادتهم ونخبهم الحاكمة والمؤثرة، فكان اليهود الخزر ينتمون إلى أعراق وشعوب وقبائل متعددة، فقد كانوا هم أيضاً تجمعاً نخبوياً يشملُ قيادات ونخب الخزر أنفسهم)،(تاريخ يهود الخزر، عرض إبراهيم غرايبة)
إن النخبَ اليهوديةَ لم تكن قادرةً على صهرِ الشعوب التي تحكمها، لغيابِ الفكرة المنفتحة الإنسانية، غير العرقِية، وتقوم الشعوب الأخرى بصهرها فيها.
وهنا يظهرُ العصابُ الأسطوري، تتفجرُ صور فلسطين، الجنةُ الأرضية الصاهرة لما هو مشتت، وتظهرُ مشروعاتُ العودةِ التي تبقي القبيلة الذهبية الغيبية موحَّدةً تحكمُ نفسَها وتطردُ الأغيارَ من بينها.
ويظهر عمق التعصب اليهودي والعقلية الاسطورية من خلال سرقة الموروث المصري والموروث الرافدي الغيبين وترك جوانبهما الموضوعية والإنسانية ونشر هذا التراث الديني الغيبي الاسطوري على شعوب الشرق وخاصة العرب الذين أخذوا هذا الإرث الاسطوري ونشروه بينهم بل وتبنوه !
لقد تم اختيار فلسطين كغيتو كبير يمنع انصهار اليهود في المجتمعات الحديثة، ولهذا فإن عملية النضال التوحيدية بين العرب والإسرائيليين ضد الصهيونية تلاقي الفشل الكبير حتى الآن.
4/8/2014
ضرورة هزيمة التطرف الإسرائيلي
كانت الهيمنة على الأديان البشرية من قبل القوى المحافظة ذات أشكال متعددة، وكان للدين اليهودي مسار خاص، توحد فيه مع قوى المال الكبرى عبر التاريخ، ثم تداخل مع الامبرياليات، أعلى أشكال الرأسمالية الحديثة.
لكون الفئات اليهودية التجارية والمالية قد كرست نفسها في هذه الأشكال الاقتصادية، ثم توحدت مع حركة الاستعمار، فقد غدت فلسطين ضحيتها الأشد ضراوة.
وقد عرفت هذه القوى كيف تتغلغل في الحركات الاجتماعية والدينية المختلفة اليهودية وتؤدلجها وتسلحها وتحولها إلى جيتو كبير في منطقة الشرق الأوسط، يرفض الصراع الطبقي داخله، ويوجهه للصراع القومي الشوفيني.
إنها جوانب مركبة معقدة بين جذور الأديان وتطوراتها المعاصرة، والمرحلة الرأسمالية الحديثة، بتعدد الأقطاب فيها وتحولها.
على مدى التاريخ العربي الصراعي ضد هذه الظاهرة اليهودية – الإسرائيلية – الصهيونية، قامت القوى العربية بمجابهتها حسب برامجها الدينية والقومية التقليدية والمتخلفة، التي تقومُ على ثنائية النور أو الظلام، الإله أوالشيطان، نحن أو هم، أي وضع القضية في دوائر غير عقلية وغير اجتماعية وتعليقها في فضاء وهمي.
أي ليس على درس الظاهرة بشكلٍ تاريخي، وبكشفِ تناقضاتها الطبقية الداخلية واستثمار هذه التناقضات لتطوير الموقف العربي، وبضرورة المرحلية المتدرجة في تنفيذ أهداف الموقف العربي لاسترداد الأرض والتاريخ.
وكانت الكوارث تتالى من هذه الرؤية الفكرية السياسية المحافظة المحنطة: تقسيم فلسطين تحول إلى هزيمة، وانتصار إسرائيلي شبه كلي، ثم تدفقت الهزائم العسكرية وابتلاع المزيد من الأرض وضرب التقدم العربي الهش وتقوية النزعات الشمولية العربية، ثم انقلاب ذلك إلى النهج المعاكس وهو الاستسلام!
هذا النهج تبدى في المفاوضات اللاقومية، وتمزق القوى العربية وتناحرها، وتنامي السيطرة الإسرائيلية وحروبها المكلفة ونمو مقاومات دينية تنطلق من الموقف السحري الديني نفسه الذي يريد التغيير والنصر مع تمزيق الصفوف العربية الإسلامية وعبر المغامرات.
فلابد من الانتقال من هذه العقلية القومية الدينية الجامدة اللاتاريخية اللااجتماعية اللامرحلية، إلى موقف مغاير، إلى فهم الإسرائيليين كبشر، كقوى اجتماعية متضادة، إلى أن ثمة أمهات يكرهن الحروب، إلى أن هناك مثقفين إنسانيين يرفضون الهيمنة الصهيونية واستعلاءها، إلى أن هناك عمالا يكدحون ويعانون ويتم استغلالهم وتجنيدهم للحروب، وترك كل هؤلاء وعدم الاهتمام بمعاناتهم ومطالبهم وتركهم في السيطرة الكلية للنظام الخارج عن القانون الدولي، هو ليس من فعل السياسة في شيء، إلا في سياسة الهزائم والمغامرات.
ظهور سياسة عربية قومية وطنية فاعلة ضد الصهيونية، بدأ منذ اتفاقيات السلام المنفردة، التي نقلت بعض الأقطار العربية على سوء هذه الاتفاقيات إلى وضع تمكنت فيه من التطور الداخلي، لكن كان عملها هو فقط مع النخب الإسرائيلية المسيطرة ذات التوجه الصهيوني، ولم تمد أيديها إلى القوى اليسارية والتقدمية الإسرائيلية، لم تقم بعزل النخب المسيطرة ذات التوجهات الحربية عن الجمهور العامل، أي أنها أبقت قوى الاحتلال والهيمنة بل قامت بتقويتها وإعادة انتخابها مراراً.
لم تكن في سياسة السلام العربية المستسلمة مقاومة، بل كانت فيها متاجرات واستغلال للعمال العرب واليهود واستفادات اقتصادية نفعية، فلم تبن هذه السياسة ككل على مواقف عميقة، متحالفة مع قوى النضال الاجتماعي في إسرائيل، التي تعاني هي الأخرى سياسة الحروب والتوسع الإسرائيلية.
نحن بحاجة إلى عقلية سلام نضالية، وليست عقلية استسلام، وترك الأمور تجري على علاتها ونواصيها كيفما شاءت التطورات العفوية.
وكان يُفترض من الفلسطينيين خاصة أن يقودوا مثل هذه السياسة، وأن يعقدوا تحالفات واسعة عربية – إسرائيلية – عالمية من أجل وضع الصقور الإسرائيليين في زاوية ضيقة.
إن هذه السياسة لا تتضارب مع سياسة رفض التطبيع، حيث ان الحكومة الإسرائيلية الراهنة هي تتويج للصقور، وهزيمتها يجب أن تكون في بؤرة عمل السياسات العربية والعالمية الديمقراطية، لا أن تقدم لها التنازلات، فهذه الحكومة لها شهية هتلرية وكلما قـُدمت لها التنازلات انتفخت بالأراضي والسيطرات العنصرية والشروط اللاإنسانية.
يجب هزيمتها!
علينا ألا نقوي هتلر الإسرائيلي، فغداً يأتي إلى عواصمنا!
وهذا لا يعني تركها وحدها تلعب في ساحة المنطقة، وترك القوى الكثيرة من الإسرائيليين في عهدة موسوليني تل أبيب، والجمع ممكن بين السلام والمقاومة، بين تثمين مواقف الإسرائيليين المعادية للحروب والتوسع والمساندين لوقف المستعمرات وإزالة الجدار العازل ومساعدة غزة والانسحاب من الأرض العربية المحتلة، وبين رفض عنجهية وزراء التوسع وزيادة الاستيطان والحقد القومي.
يجب عدم تقديم المكآفات لهؤلاء الأخيرين، بل وضع الخطط لهزيمتهم، وعلى العكس يجب مد يد المساعدة لضحايا هذه السياسة على الجانبين الإسرائيلي والعربي.
29 يوليو 2009
التوراة والحرب
ليس ثمة تجارب وآراء عسكرية كبيرة في التوراة، فالقبائل اليهودية قبل ألفين وأكثر من السنوات كانت قبائل صغيرة ليس ثمة إمكانية لحضورها على مسرح الأمم وقتذاك، مثلها مثل قبائل أشقائها العرب، القبائل القيسية، الذين انحدروا جميعاً من منطقة سواحل بحر قزوين.
ولهذا فإن التسمية للمجموعتين العرقيتين: عبرانيون وعرب، المتقاربة، توضحُ النشأة المشتركة، وكذلك عودة المجموعتين للجد المشترك النبي إبراهيم كما تؤكد الوثائق المقدسة لكلا الشعبين الكبيرين.
وفي حين توجهت القبائل اليهودية إلى السكن في بلد الآراميين والكنعانيين؛ وهي فلسطين وما حولها، ثم هاجر بعضٌ منها لمصر الزراعية الغنية، فإن القبائلَ العربية توجهت لشمال الجزيرة العربية، في هذه المنطقة الأوسع، والخالية من الامبراطوريات الكبرى.
فحدث مصيرٌ مغايرٌ للشعبين، واكتسبَ كلٌ من الرافدين تقاليد عسكرية مختلفة، ففي حين وجدت القبائل اليهودية نفسها في عبودية وأشغال شاقة في مصر وعدم القدرة على تكوين جيش، فإن العرب صاروا قبائل حرة وذات انتشار وتقاليد عسكرية متجذرة في تلك الصحراء المترامية الأطراف.
ولهذا كانت القصص والعبارات العسكرية في التوراة تقوم على حفز اليهود للقتال، وعدم تأهلهم للحرب، وتنقد ذوبانهم في الأمم الأخرى، وتحضهم على التفرد وكره الأمم الأخرى والانعزال عنها. فهم شعبٌ صغيرٌ والأمم الأخرى كثيرة الأعداد، وحتى حين اقتربوا من الأرض (الموعودة) فلسطين، احتاجوا إلى وقت طويل للتسلل إليها، ولم ينجحوا في السيطرة عليها إلا بعد تفكك الحضارة الكنعانية التي ورثوها فقد كانت أكثر تطوراً منهم وقد استعاروا تقاليدها وطرق تجارتها وتحديثها،، ومع هذا لم يستطيعوا الحفاظ على المملكة اليهودية التي تقسمت إلى مملكتين ثم سُحقتا.
وهذا لا يعود فقط للأعداد المحدودة لليهود قياساً بالأمم السابقة العريقة بل للموقع الذي أصرت اليهودية على البقاء فيه، وهو أرضُ فلسطين.
فهذه الأرض الصغيرة عموماً دُشنت في العقلية اليهودية كمكانٍ مقدسٍ أزلي للعبرانيين، بسبب هجرة الآباء المؤسسين لليهودية نحوها، وعدم قدرتهم على تكوين دولة فيها، فبدا ذلك كحلمٍ توشج مع تلك القصص الدينية الكثيرة والكثيفة للآباء والأنبياء.
وفي حين كان العرب في أمية وينحدرون أكثر وأكثر في البداوة في الصحارى العربية ويتحولون إلى قوة ضاربة عسكرية كبرى، كان اليهود يتفاعلون مع الحضارات في الشمال، ويؤسسون عبر دولتهم وبعد تحطيمها وأسر الكثير منهم في المعتقل البابلي، ثقافة دينية متأصلة استفادت وتأثرت وحورت الكثير من التقاليد والأفكار المصرية والعراقية القديمة الوثنية. لكنهم يحافظون على المعتقل أو الجيتو وعلى التقوقع وعدم الرغبة في الانفتاح على الأمم خوفاً من الذوبان، إلا إذا آمنت الشعوب بهم وذابت في تقاليدهم.
فكانت التقاليد العسكرية قليلة في هذا التراث المشغول بالهجرة والنفي وأحلام العودة لأرض الميعاد.
وما صعّد اليهود عالمياً هو تبنيهم لطرق التجارة المالية والصرافة المنتشرة بين الكنعانيين، وتحويلها إلى تقاليد شعبية مقدسة، تطبق على الأمم الأخرى ولا تطبق على اليهود.
فعبر أسر قليلة والتوجه للأرباح وعدم تكوين دولة كبقية الأمم والاصرار على العودة لأرض الميعاد فلسطين عبر ألفي سنة من الشتات، أخذت الأحلامُ الاجتماعية لهذه الجماعات اليهودية في التفتح في الغرب الذي جعل اليهودية المصرفية الاستغلالية هي حياته اليومية، فتبناها مادياً ورفضها روحياً.
وقد خاف زعماء اليهودية الغربية من هذا الذوبان للجاليات اليهودية المختلفة في الغرب المتوجه للمساواة بين المواطنين بشكل عام، وإبعاد الأديان عن الحياة السياسية، فقلت الفروق بين اليهودي والمسيحي، اللذين صارا مواطنين شكلياً على الأقل. لأن الجذور المسيحية بقيت في الغرب قوية ومسيطرة لأسباب اجتماعية كبيرة.
هنا تحقق لفكرة العودة لأرض الميعاد فلسطين إمكانية تحويل الجيتو اليهودي إلى دولة، وجعل الجماعات التي كانت تحن للأرض المقدسة في الخيال المستمر بأن تضع أقدامها على أرض حقيقية وهي مليئة بالذكريات والرموز.
كانت هذه هي دكتاتورية الكبار في تلك الجماعات الخائفة من الديمقراطية والعلمانية الغربية.
وقد جاء ذلك كله مع صعود الهتلرية التي استغلت الوجود اليهودي لأفكارها العنصرية، فاجتثت الملايين منهم وغدت بالنسبة إليهم مثالاً مكروهاً بغيضاً، ولكن غدت كذلك نموذجهم الباطني المرغوب فيه، فالقوة العظمى الباطشة القوية ذات الانتصارات الكاسحة تغدو كذلك مصدر إعجاب للضعفاء المحطمين والمهمشين.
خاصة أن اليهود لم يشهدوا تجربة عسكرية كبيرة لهم، وافتقدوا في منعزلاتهم الأشكال السياسية والفكرية الديمقراطية.
فجاءت التجارب العسكرية اليهودية على أرض فلسطين محتفية بتلك التقاليد الهتلرية، من أساليب القمع والعقاب الجماعيين، إلى استخدام أساليب (الصاعقة) وهي فرق ألمانية نازية اعتمدت أسلوب الحرب المفاجأة مع ضربات شديدة للخصوم.
في ألمانيا وإسرائيل المعاصرة كانت الدولتان وسط جمع أممي معاد لهما، فاعتمدت كلاهما على الحرب الخاطفة، أو على زرع الشقاقات الكبيرة بين الخصوم، واستفراد كل على حدة، وعلى القول بالعنصر المتميز المغاير لعامة البشر الأقل رقياً، وعدم التمييز بين العسكريين والمدنيين واستخدام أساليب الإبادة، وعدم جعل النساء والأطفال والشيوخ خارج الصراع.
وذلك بسبب المصدر القومي الاجتثاثي المتعالي على البشر، فوجدت إسرائيل نفسها أنها تهاجم هتلر في كل مناسبة ولكنها تطبق تقاليده السياسية والحربية، نظراً لوحدة الأصل الاجتماعي، وفكرة المجال الحيوي وحياة الغزو.
9 يناير 2009
العنفُ مبررٌ ضد الصهيونية
تقوم الدولةُ الصهيونية على أسسٍ دينية تقليدية، وهي ليست دولة عصرية إلا فى الشكل، فطائفة اليهود تتمتع بالسيادة المطلقة والمواطنة الأولى؛ نظراً لتكون الدولة على أسس توارتية خرافية، ولهذا فإن العلمانية فيها شكلية، وتم إنشاء الدولة على أسس ما قبل الحداثة.
ولهذا فإن العنصريين الصهاينة لم يقبلوا بالمستويات التاريخية، ويحولوا الدولة الدينية إلى دولة علمانية ديمقراطية كما حدث في التسوية التاريخية بجنوب إفريقيا، حيث قبل المسيحيون حكم الأغلبية، وتم إنشاء دولة ديمقراطية مشتركة.
وبطبيعة الحال فإن هذه التسوية الديمقراطية الحقيقية لا تقبل الصهيونية الحاكمة في تل أبيب بشيء منها، أي أنها لم تقبل بقيام دولتين إسرائيلية وعربية؛ وتتوجه عملياً لإزالة أي وجود فلسطيني مؤثر، سواء برفض التسوية التي أنجزتها مباحثات أوسلو أو بالتمادي في سحق الوجود الفلسطيني الممزق أصلاً.
وهدا يعود لأن القوى السياسية الفلسطينية المؤثرة أسقطت خيار الحرب الشعبية، وركزت فقط على اللغة السلمية والحوار، وهو أمر لا يمكن رفضه، ولكن ليس هو الوسيلة الوحيدة، وأي حوار ما لم تسنده قوة عسكرية وحرب عصابات فهو كلام فارغ.
إن العمل الفلسطيني الذي يركز على شكل واحد من النضال ثبت خطأه، ولم يقم أي شعب في العالم باستخدام أسلوب وحيد في الكفاح، تاركا خيارات العنف جانباً.
لكن العنف ليس هو العنف الأعمى الذي يأخذ النساء والأطفال، بل هو العنف الموجه للمؤسسات العسكرية والاستخباراتية والعلمية الصهيونية، عنف ضد آلة الحرب والاحتلال، وهذا العنف وحده والمستمر والتاريخي هو وحده الذي يجعل خيارات السلام والحوار مفيداً.
لقد قامت النظرة الفلسطينية الكفاحية على نظرة أحادية، فأما الكفاح المسلح ورفض أي تسوية وحوار، وأما التسوية والحوار وبدون عنف، وما هكذا قاومت الشعوب، وما هكذا انتصرت حروب التحرير الشعبية؛ فقد جمع الفيتناميون بمهارة بين أساليب الحرب الشعبية والمفاوضات، وكانوا يهاجمون المعسكرات الأمريكية ويراسلون الجمعيات السلمية والنضالية الأمريكية، فيقومون بتفتيت الصفوف ونقل المعركة إلى داخل المجتمع الأمريكي.
وهكذا سارت حرب التحرير الجزائرية، وعلى الرغم من الإبداعات النضالية الفلسطينية خاصة في مجال الانتفاضة، لكن التركيز الوحيد على المفاوضات، وعلى العمليات الانتحارية التي أضرت أكثر مما أفادت، وللأسف فإن الدينيين الإسلاميين لا يعرفون أساليب الكفاح الحديثة، وغالباً ما يفيدون العدو أكثر من تحريك الكفاح الفلسطيني، تدفعهم الرغبة المتأججة في البروز، وخدمة دول أخرى تريد التقليل ما أمكن من دور فتح وبقية المنظمات الشعبية، وكان يمكن بقدرتهم البشرية واستعدادهم للتضحية أن يتوجهوا للهيكل العسكري الصهيوني في حرب طويلة لتدميره.
لقد استخدم الفلسطينيون أساليب ماهرة في العمل السياسي السلمى الجماهيري، عبر الانتفاضة وعبر النضالات ضد الجدار العازل، الذي يأكل أراضي فلسطينية جديدة، وهم يحضرون جماعات السلام الإسرائيلية والغربية ومنظمات الصحافة وحقوق الإنسان؛ ويحركون كافة وسائل التأثير ضد المتطرفين العنصريين، لكن الصهيونية المدججة بالسلاح مغرورة، وهي تستند إلى عقد تاريخية بإثبات الذات المريضة، ولهذا فبدون نكسير رؤوسها لن يأخذ الفلسطينيون شيئاً.
والنضال لا يعني الانقطاع عن وسائل التأثير السلمية والجماهيرية هذه، ونقل المعركة داخل المجتمع الإسرائيلي، بل أيضاً ضرورة استمرار النضال المسلح ضد المؤسسات العسكرية الصهيونية وبضرورة تدمير جيش الاحتلال والدفاع.
لقد قبلت كل دول الاستعمار والاستغلال بأنصاف الحلول، والتسويات التاريخية ما عدا الجماعات الصهيونية، المتجبرة والمتطرفة، لأنها واجهت تخاذلات من العرب، وترددات وضعف، فأجمعوا كافة أشكال النضال في حزمة واحدة، ولا تفرطوا في شيء منها.
26-1-2004
إسرائيل والعلمانية
إن اختيار الحركة اليهودية لفلسطين مكاناً لدولتها، كان هذا يعنى التوجه العميق لتشكيل دولة دينية.
ويُفترض أن هذه الحركة حركة علمانية، أي تفصل الدين عن الدولة، وتفصل السياسة عن التوراة، ولكن هذا الاختيار الديني لموقع الدولة السياسي، جعل من العلمانية مجرد شكل سياسي خارجى زائف .
إن اختيار المكان الديني للحركة أدى إلى انبثاق كافة الظاهرات الدينية لدولة علمانية مفترضة، فانفجرت الذكريات والأساطير مجدداً بالعودة إلى الأمكنة التي تسجلها التوراة بدقة بالغة في وقائعها الكثيرة جدا.
وتقر التوراةُ بأن أرض فلسطين هي للفلسطينيين أساساً وللكنعانيين، وأنها أرض حتى في الزمن القديم ليست لليهود أصلاً، ولكن (الرب)، أي وعي حركة القبائل الضائعة التائهة في الصحراء، بعد الفرار من مصر، قرر دخول فلسطين بعد أن تتمرس هذه القبائل حربياً وتنمو عددياً .
راحت الدولة العلمانية المفترضة تتعمق بصورة دينية متطرفة، فراحت تستعيد الأسماء العبرية المنقرضة، وتؤجج النزاعات الدينية المتطرفة، ليصبح اليسار متقلصاً بصورة مستمرة، في حين يتصاعد اليمين الديني والسياسي.
لقد استطاعت البرجوازية الإسرائيلية الكبيرة التي تقف فوق اقتصاد صناعي وتقني متقدم، أن تحافظ على الإرث الديني التقليدي بكل أساطيره.
وهكذا فإن البرجوازية التي خافت من ذوبان اليهود في المجتمعات الغربية، حيث تحولت المجتمعات المسيحية إلى مجتمعات يهودية مالية، استطاعت أن تشكل لهؤلاء اليهود (جيتو) قومياً، معزولاً عن الحضارة الرأسمالية، جغرافيا، وكذلك بأن يسبح على بحر من الأساطير، فجمعت بين عدة طيور في قبضتها، طير العزلة والتخندق الديني، وطير التطور الصناعي والتقدم التقني، وعدم الذوبان في العالم المجاور المختلف ديناً ومستوى اقتصادياً واجتماعياً.
كانت النخب المالية / الدينية اليهودية على مر التاريخ تنمي ثرواتها وتميزها الديني، الدينُ يزيدها ثروةً والثروة تزيدها ديناً؛ وحين تكسرت أسوار الحيتو بفعل الثورة الديمقراطية والعلمانية؛ أرادت الصهيونية الاحتفاظ بذلك الجيتو عبر فلسطين.
أصبحت الأوساط الدينية والمالية الكبرى اليمينية تخشى نمو اليسار والعلمانية فى إسرائيل وفلسطين معاً؛ وكان مشروعها الأساس هو تعميق التظاهرات المضادة، عبر تنمية التنظيمات الدينية على كلا الجانبين، وخلق حالة من العداء المستحكم والمذابح، تبريراً للعداء المستمر، ولبقاء الجيتو، وصار رمزه الآني (الجدار العازل).
إن في نمو قوى السلام واليسار والعلمانية الفكرية والتسامح الدينى في إسرائيل ذوبان للمشروع الأصلي الذي تم نقله من الحارات اليهودية المغلقة من أوروبا وأمريكا، وتحطيم للسياج العنصري، ولكشف تاريخ من العداوات الاجتماعية والمالية التي اُلبست ملابس الأديان، وتعرية لجلود الثعابين العسكرية المتلهفة للحروب وتوسيع مصانع السلاح.
إن في المذابح المتكررة على ضفتي العداء، والدقة البالغة في اصطياد المسلحين الفلسطينيين من بين عشرات السيارات، والتصويب الدقيق على هذه الأجسام دون غيرها في الأزقة من خلال الطائرات، يعطينا مؤشراً على الخيوط السرية الدموية المشتركة المتغلغلة بين المتحاربين، وكيف أن القوى المتطرفة الدينية والمالية لا تريد لهذه الجروح أن تتوقف، بل أن تنزف بصورة مستمرة.
حفاظاً على الجيتو وقد صار دولة مالية استغلالية كبيرة!
27-12-2004
لسانُ الشاعرِ المقطوع : كتب ـ عبدالله خليفة
الأبطال والفرح: كتب ~ عبدالله خليفة
رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة
مسلسلات رمضان : كتب ـ عبدالله خليفة
إعادة تقييم التجربة السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
أسباب تدهور وعينا : كتب ـ عبدالله خليفة
الأم والكتاكيت السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
الثورة والكهنوت: كتب ـ عبدالله خليفة
دولة «الحشاشين»: كتب ـ عبدالله خليفة
المتقدمون وغزو الفضاء: كتب ـ عبدالله خليفة
إصلاح أم ضياع : كتب ـ عبدالله خليفة
التقدميون يتغيرون: كتب ـ عبدالله خليفة
مناضلون بلا قواعد: كتب ـ عبدالله خليفة
توسع الفلسطينيين الإنساني : كتب ـ عبدالله خليفة
فلسطين: الأديان والطبقات : كتب ـ عبدالله خليفة
أمدنيةٌ أم علمانيةٌ؟ : كتب ـ عبدالله خليفة
أية ديمقراطية مرجوة؟! : كتب ـ عبدالله خليفة
النقد وتبعيته المزدوجة : كتب ـ عبدالله خليفة
الفردية والفردانية : كتب ـ عبدالله خليفة
شهادة من جمال عبدالناصر: كتب ـ عبدالله خليفة
التقدم في زمن مختلف : كتب ـ عبدالله خليفة
انحطاط الغناء.. انحطاط السياسة : كتب ـ عبدالله خليفة
محمد باقر الصدر: كتب ـ عبدالله خليفة
الفلسفة الغربية والنهضة العربية : كتب ـ عبدالله خليفة
وحدة فكر النهضة : كتب ـ عبدالله خليفة
(الطفولية) والنضال المعاصر : كتب ـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
isa.albuflasa@gmail.com
اليهودُ من التراث إلى الواقع

ظهر اليهودُ والعربُ وبعضُ الأقوام الأخرى في منطقة المشرق كقبائل نازحة بدوية باحثةٍ عن المناطق النهرية الخصبة، لكن ذلك لم يحدثْ في أول النزوح بل بعد مئات السنين.
في حراكِ اليهودِ المتوجهِ نحو البلدان الخصبةِ كانوا في البدءِ قبائل بلا هوية محددة، بل كانوا يشكلون هويتهم، عبر الاحتكاك بالحضارات والأقوام الراسخة في المنطقة، ولهذا كان عبورُهُم المستمرُ الذي أعطاهم فيما بعد اسم العبرانيين، مثلما أعطى العربَ تعبيرهم، يَتسمُ بالبحثِ عن المنافع والخصبِ لكنهم كانوا بداةً غلاظاً.
رؤوساءُ العشائر الكبار اتخذوا لهم أسماء تاريخية وهم: إبرام، وإسحاق ويعقوب.
عبّرَ حراكُ العشائرِ اليهوديةِ عن البحث عن المناطق الفارغةِ من السكان والشعوب الكبيرة مثلهم مثل شعوب كثيرة مترحلة وَجدت في منطقة الأنهار هذه قبلة إقتصادية، ولكنهم دائماً كانوا يجدون الأمكنةَ مليئةً، وأقل الأماكن من الشعوب الكبيرة كانت الصحارى فكانت شمالُ الجزيرة العربية هي الامتدادُ التاريخي لهم. وهي تمضي من جنوب العراق حتى سيناء والصحراء المصرية الشرقية. بل وحتى هذا المكان الكبير الوسع الشظف كان فيه العرب أقرانهم والمتداخلين المتصارعين معهم، والذين انحدورا للجنوب، وهناك العماليق كذلك، أما مناطق الخصب في العراق وفلسطين وسوريا ومصر فكان الدخول فيها عسيراً، وقد تم إقتحامها والصراع مع الكنعانيين في حران وأريحا لكن السيادة والعيش الرغد لم يأتيا.
القلة العددية لمؤسسي العبرانيين فيما بعد، والبداوة، والترحال، وهجمات الأقوام الأخرى، جعلتهم على هامش الحضارات التي قاربوها.
والجثومُ على الحدودِ المصريةِ من قبل هذه القبائل كانت البدايةُ الفعليةُ للتاريخِ اليهودي كما سيُعرفُ لاحقاً. لهذا كان التاريخُ السابقُ المليءُ بشذراتِ القصص هو مجردُ بدايةٍ غامضة، وإفتتاحية شبه مجهولة، وكان تاريخاً غائب الملامح رغم أن التأصيلَ اللاحقَ سوف يضخمه.
لهذا كان ظهورُ النبي موسى واقعياً في المسار التاريخي الحقيقي هنا، فهذه الأقوامُ من الرعاةِ والخدم وأصحاب المهن الدنيا الجاثمة على هامش الدولة المصرية، من الصعب أن يظهرَ فيها مثقفٌ بارزٌ بمستوى موسى، ولهذا كان موسى مصرياً بكلِ شخصه، كما يدلُ عليه اسمهُ وثقافته، أما التهويدُ الطفوليُّ له فقد جاءَ لاحقاً. فهو في اللغةِ المصريةِ القديمة بمعنى(وليد).
وثمة فترةٌ مهمةٌ بين ظهورهِ التاريخي وبين ظهوره الواقعي، حيث كان قد تزوج صفوره ابنة الكاهن في أرض الميدانيين وهي في المنطقة القريبة من التجمع السكاني الكبير للعبريين، وانجب منها ولدين وكَبُرا وتداخلت حياتهما بالحدث التاريخي، مما يُعطي مساحة زمنية للتداخل العميق مع هذه الحشود المهمشة.
وهذا السردُ الذاتي تداخلَ مع التحولاتِ التاريخية على الجانبين المصري والعبري. حيث أن الحضارةَ المصريةَ كانت في حالةِ مخاضٍ متنقلة من الوثنيةِ التعددية الكثيفة إلى التوحيد، وكانت تلك هي لحظة إخناتون التوحيدية الفاشلة، وتوجه موسى للتوحيد ومفارقته أرض مصر وحمل هذه الأقوام لرسالة التوحيد. انهما جانبان وحدا الذاتي والموضوعي، لكن حشود المرويات وألغاز التاريخ والنظريات، كلها تشوشُ هذه اللحظة المركبة المعقدة.
لكن توحيد موسى ورسالته وتحميلها لشعب وثني من قبائل صغيرة فقيرة في خضم إمبراطوريات المشرق، يظل لغزاً كبيراً. لكن الجانبين المتضادين، موسى والعبريين، ظلا يتصارعان، فأن نقل الثقافة المصرية التوحيدية البازغة لقبائل بربرية كانت عملية غير ممكنة عملياً، لكنها غدت مهمة قرون، وقد بدت المرويات الموسوية الموجهة لتثقيف وتديين هذه القبائل غير محبوكة على الجسد القبلي المفتت البدائي الذي ظلتْ الأرضُ الموعودةُ التي تفيضُ لبناً وعسلاً هي الوجهة التي تشده دون سواها.
إن التاريخَ اليهودي يبدأ هنا بإستخدام اسم الإله (يهوه)، إن النبي موسى هو الذي صاغهُ على جسم هذه القبائل ورَكّبَ موادَهُ الشعائرية والعبادية وأنتج بعضَ مواده الفكرية الدينية، لكي تصهرَ الكيان المفَّتتَ في كلٍ موّحد، وجاء اسمُ الإلهِ مفارقاً لإرث القبائل، ولكن الاسم القديم التجسيدي الطالع من ثقافةِ الخصوبة الزراعية الوثنية لم يعد ملائماً، فجاء اسمُ الإلهِ الجديدِ المُجرد، غيرِ المرتبطِ بالموروثِ الزراعي الخصوبي وعاداته، ويحملُ طابعَ القوة والتحدي ويجلجلُ بتراثِ منطقة البراكين لشمال الجزيرة العربية، مما يُعطي شجاعةً لهذه القبائل المُداسة على الشارع العام للأمم، ويدفعها للأرض الموعودة. ومن المؤكد إن إعادة تكوين ديانة أمر يحتاج لوقت طويل. كما أن الأرض الموعودة مليئة بالسكان المدافعين عنها، ولهذا قيل أن ثمة تيهاً قد حدث لأربعين سنة، وهو ليس تهياً بل هو تكون للدين الجديد العام دون إنفصال كلي عن القديم، كما أن ذلك كان عجزاً عن الدخول إلى فلسطين وتراكماً للمواليد وإستعداداً صعباً للغزو!
أدت ظروفُ النشأةِ اليهودية وصغرِ حجمِ السكان وسيطرة رجال دين غرباء على العبرانيين، إلى حكمٍ سياسي مفكك، فاللاويون وهم رجالُ الدين المجلوبين من مصر شكلوا طبقةً مسيطرة شبه أجنبية، إستغلتْ السكانَ العاملين حتى إنتفضوا عليها وإستبدلوها بعصرِ الملوك الذي لم يكن أفضل.
مثّل طابعُ الدينِ اليهودي أولَ حكم ديني عميق الاستبداد، يمركزُ قوة سكانية صغيرة محدودة المعرفة والجذور في المنطقة في مواجهة شعوب واسعة وثنية، فكان لا بد أن يتوقع بقوة، وفي زمن إنكسار الدولة عبر الغزو العراقي، أتيح لرجال الدين الجدد في بابل أن يعيدوا صياغةَ اليهودية بحيث تتجذر في تراثِ المنطقة الخصوبية بدون أوثانها، فكانت إعادةُ نظرٍ شاملة مؤدلجة مسيسة إستلهمت التراث المناطقي الواسع الضارب في الجذور عبر مسحة تهويدية قُدمت فيما بعد للعالم المسيحي.
لكن بعد هذا كان زمنُ الشتات، الذي ترسختْ فيه القوقعةُ الدينيةُ لدرجة العصاب اليومي، وكل هذا العصاب يجري من أجل العودة لفلسطين الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً، أرض الأجداد والتاريخ(العظيم) الذي زُخرف وبُولغ في عظمته وبطولاته.
التقوقعُ خلقَ رغبةً عارمة في تشكيل وطن قومي ديني، مفارق للبشرية، أتاحته القدرة اليهودية في تكوين رأس المال، لكن حين ظهر الوطن ظهر كقوقعة محصنة معادية للمحيط، وبقاؤه ك(جيتو) كان لا بد أن يهيمن عليه رجالُ الدين المتعصبين المنتجين لهذا المجتمع عبر عدة آلاف سنة، فكان لا يمكن أن يكون علمانياً، وأن يغدو ديمقراطياً يقبل بتنوع المواطنين الديني.
ونظراً لنشأته العسكرية فإنه إعادَ إنتاجَ نفس موديل الزمن القديم، حيث الهيمنة العسكرية- الدينية المتداخلة، وهذا هو ذات التركيب للمجتمعات المتعصبة والفاشية، حيث العرق أو المذهب هو المحدِّدُ لتكوين الدولة الإلهية أو الطائفة المنصورة.
لكن الإنشاء من قبل الرأسمال الكبير المتكون في ذروة الغرب كرّسَ من الخارج شكلاً حداثياً متطوراً، وهو بناءٌ إقتصادي متطورٌ لكن عبر شكلٍ سياسي إيديولوجي يعودُ لقرون غابرة ويفرضُ نفسَهُ بهذا التسلط التراثي المرعب، فالمضمونُ لم يغير الشكل والشكلُ يخربُ المضمون. وكأن الرأسمالَ الأمريكي عادَ لبيتِ أيل ويغتسلُ تحت مطر إلهِ البراكين.
الطابعُ العسكري الديني المحافظ العنيفُ المكرّسُ في الماضي والحاضر، وسببُ خرابِ الحكم القديم هو نفسه يزعزعُ إسرائيل المعاصرة، حيث قاد ويقود لتكاليف رهيبةٍ على كل جبهات النزاع فلم يؤدِ التطور الاقتصادي لرفاهية السكان المنتظرة، ولم تغدُ أرضُ الحلم التي تفيضُ عسلاً ولبناً، بل هي أرضُ الحروب والخصومات المستمرة، وإرتفاع تكاليف المعيشة بحيث أن ثمن شقة في يافا يصل إلى مائة وخمسين ألفاً من الدولارت.
التقوقع الداخلي الذي لم تهزمه الحداثة والديمقراطية، ما زال مصراً على الأنا المطلقة المتحدثة مع الإلهِ وحيدةً دون الأغيار، لكن الصراعات الاجتماعية ومطالب الأغلبية العاملة تكسرُ جزءً من هذا الإنكفاء التاريخي، وها هي تثور مثل العرب سكان العالم الثالث، تطالبُ بأقل بكثير من تلك الأرض الحلم، تطالب بالإسكان وتخفيض الأسعار.
ويتضح النهجُ اليميني المتطرف أكثر في عدم القبول بالعيش المشترك مع الفلسطينيين في دولةٍ علمانية واحدة أو في بلدين منفصلين، وتحميل الفلسطينيين تكاليف الأزمة الاجتماعية الناشئة من سلسلة طويلة من الحروب بتوسيع المستعمرات وحصار غزة.
ولم يستطع التكون الحداثي أن يفرض تحولاً في هذه الثقافة الدينية الرجعية المتكلسة بل هي التي تخترقُ التيارات الحداثية الظاهرية وتحيلها لأشكال أخرى من المقاربة الدينية.
فكلما كانت التربية المحافظة مسيطرة منذ الطفولة في أشكال حادة عصابية فإنها تحيلُ المواطنَ الحداثي إلى كائنٍ يعودُ يومياً لعصور الهامشية على حدود مصر ويمضي (التيه) في سيناء ويعيشُ الكراهيةَ الدائمة للأمم الأجنبية. ولهذا فإن اليسار الحكومي يشترك مع اليمين الديني المتطرف في حكومة واحدة تغتصبُ الأرضَ وتحيل الاقتصاد إلى إقتصاد عسكري يقع عبئهُ على السكان الذين لا يجدون قوة سياسية كبيرة ترفض إقتصاد الحرب ودولة الدين العسكرية.
الدينيون واللادينيون : كتب ـ عبدالله خليفة
عبدالرحمن رفيع : كتب ــ عبدالله خليفة
مراحل تطور (البرجوازيات) العربية ــ كتب : عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
اليهودية كدكتاتورية شرقية

لم تتشكل تجربة حضارية ديمقراطية كبرى راسخة عميقة متوارثة لدى قبائل اليهود المشتتة عبر خرائط الأرض. ثمة قدراتٌ فذةٌ تراكمتْ في مجال العلاقات التجارية والنقدية، فنجد القبائل اليهودية وهي تخرجُ من أحضانِ التجمعاتِ القرابية المتماسكة المنغلقة لا تندمجُ بالمجتمعاتِ الحضارية شبهِ الرأسمالية وشبهِ الديمقراطية في المدن والدول التي تنزحُ إليها.
وسواءً كان ذلك بنزوحِ القبائل من فلسطين إلى مصر أو إلى بابل، فإن التجمعَ التحديثي شبه الرأسمالي أو المُـقاربِ للحداثةِ في ذلك الزمن، يبقى منعزلاً عن الإندماج. إن القبليةَ الدموية السلالية تبقى مهيمنةً على العلاقاتِ الماليةِ البضائعية، وتعيدُ فوائضَها إلى أحضانِ الجماعة القبلية – الدينية المتماسكة.
هناك جوانبٌ عقيدية تتأس من البذور الأسرية والقبلية، برفضِ الإندماجِ مع (الأغيار). فهناك اليهودُ وهناك الأغيار. ولا مجالَ للخلطِ والأختلاط والتداخل والنمو المشترك. ومن هنا تغدو العقيدة مشبعة بالتفاصيل الخاصة المميزة؛ في رسم الوجود، في ذكر السلالة والأنبياء والحكايات الحقيقية والخيالية والمحرمات والطقوس، لكي تبقى القبيلة – الشعب، في وصاية الكهنة.
لعل بعض الاختراقات المحدودة أو الواسعة تمت لهذه العرقية الزرقاء، المتعالية فوق الشعوب، ولا يعقل أطلاقاً أن يحتفظ أي عرقٍ بنقائهِ الأبدي.
ونلاحظُ هذه العقيدةَ بعدمِ الإندماجِ مع الأغيارِ حتى في الرمزياتِ القصصيةِ المقدسة للأديان، فالقائدُ اليهودي يتاجر ويجمعُ ثروةً ويصلُ لمنصبٍ كبيرٍ في الدولة، لكنه لا يختلطُ بالخاصةِ أو العامة الأهلية في البلد الذي إرتفعَ فيه من الحضيض لذروة عالية، والعلاقة الأسرية تقومُ على إستدعاءِ أهله، وجلبهم للبلد الغريب، ويرفضُ العلاقةَ الجنسيةَ الانصهاريةَ مع هؤلاء الذين إحتضنوه!
إن تجميعَ المال بصورةٍ مقترة متراكمة، والعيش في القواقعِ الاجتماعية أو الزرائبِ السياسية، والتمدد المستمر نحو عروقِ الذهب والفضة، نحو الأمكنة التي تتفجر فيها الثروات هي خصائص البقاء والصعود الاجتماعيين.
وكذلك الحفاظ على القرائبية لكونها تحتفظُ بتراكمِ رأس المال، والأختلاطُ مع الأغيارِ يزيلُ ليس الدم النقي بل عروق الذهب التي تشتهي أن تصيرَ جبالاً!
في التبعثر الشرقي لليهود يُلاحظ هذا السكن القريب من الأسواق، والتواجد في المدن، لكن أبداً لا يحدث ذوبان، ولا تقومُ المدنُ بإعادةِ تفكيكِ القبيلة، ولا تتحول إلى فئات وسطى ضمن طبقة برجوازية حداثية، تقومُ بتغييرِ بلدٍ ما.
إن الفئات اليهودية المالية تنسحبُ من عملياتِ التوحدِ الديمقراطي سواءً كانت الوطنية التحررية أو الرأسمالية الديمقراطية الصاهرة لكلِ دينٍ وطائفةٍ في كل إجتماعي موحد.
وهناك عناصرٌ ديمقراطيةٌ وإنسانيةٌ يهوديةٌ عديدةٌ وهامةٌ وملفتة للنظر بتاريخِها النضالي أو العلمي أو الثقافي، لكنها تبقى مجردَ عناصرَ فرديةٍ غيرِ قادرةٍ على تحويلِ مجموع القبيلة – الدينية – المالية، فلا هي منتجةٌ لوعيٍّ يهودي ديمقراطي إنساني كلي، ولا هي قادرة على الصمود بفرديتِها المميزةِ داخل عالم القبيلة المالية المتقوقعة. فتُهزمُ أو تتبنى ديناً آخر أو فكرةً مغايرة، أو تعيشُ منعزلة.
بطبيعة الحال لعبَ الموقعُ الذي إنبثقَ منه اليهودُ وهو فلسطين في خلقِ ذاكرةِ التجمعِ الخيالية الأسطورية والواقعية عبر تاريخ الشتات، كرمزيةٍ للبقاء الموحد.
لقد كان الترحالُ الأوليُّ في التاريخِ المبكرِ للقبائل الشديدة المحافظة بحثاً عن موقعٍ خصبٍ بعيد عن سنابك الإمبراطوريات الداهسة لها، وكان حلمُ النهرِ الخصب والأرض الخضراء هو الجنة الأرضية التي تريدها.
لكنها في ذلك الموقع، في أرضِ فلسطين نفسها، الجنة الموعودة، حلم الأجداد والآباء، رأتْ الكوارثَ الساحقة لها!
مرة أخرى حافظتْ على مصارعةِ الأغيار، ورفضِ الإندماج بالشعوب، ورفض تقاليدها وميراثها، وفي العمقِ كان هناك توظيفٌ لذلك التراث وإستلالهِ من نسيجهِ المغاير، والتزواج الخفي والإختلاط غير المكتوب في سيرة القبيلة – الشعب الذهبية النقية.
هذا التاريخُ الإنفصالي الصراعي مع الشعوب ربما تضَخمَّ وتوسع كثيراً في مملكةِ الخزر، الواقعة قرب بحر قزوين، هذه التجربة اليهودية التي حاولتْ الإندماجَ في شعوب الشرق وتنامت في التاريخ بشكلٍ كبيرٍ ومتحضر، لكن الخلايا السرطانية كانت موجودة كذلك.
في هذه التجربةِ التاريخيةِ الكبيرة نجدُ إن القياداتِ اليهوديةَ لم تستطعْ أن تستثمرَ هذا الموقعَ ومواردَهُ الكبيرةَ والشعوبَ الخام التي كانت تقدم قوى عملٍ ضخمة، بسببِ عدم قدرتها على خلقِ نسيجٍ توحيدي عقائدي أو ثقافي منفتح، وفي حين حقق المسلمون ذلك بإنفتاحهم على الشعوب الوثنية ودمجها في حضارتهم، تهاوتْ تجربةُ مملكةِ الخزر، يقول باحثٌ عربي ملخصاً هذه التجربة الفريدة:
(ومن المؤكد أن الخزر لم يكونوا عِرقاً واحداً أو ينتمون إلى قبيلة معينة، ولكنهم تجمع سياسي وعسكري من الشعوب والقبائل، وكانت اليهودية التي تجمع دينياً بين قادتهم ونخبهم الحاكمة والمؤثرة، فكان اليهود الخزر ينتمون إلى أعراق وشعوب وقبائل متعددة، فقد كانوا هم أيضاً تجمعاً نخبوياً يشملُ قيادات ونخب الخزر أنفسهم)،(تاريخ يهود الخزر، عرض إبراهيم غرابية).
إن النخبَ اليهوديةَ لم تكن قادرةً على صهرِ الشعوب التي تحكمها، لغيابِ الفكرة المنفتحة الإنسانية، غير العَرقِية، وتقوم الشعوب الأخرى بصهرها فيها.
وهنا يظهرُ العصابُ الأسطوري، تتفجرُ صور فلسطين، الجنةُ الأرضية الصاهرة لما هو مشتت، وتظهرُ مشروعاتُ العودةِ التي تبقي القبيلة الذهبية الغيبية موحَّدةً تحكمُ نفسَها وتطردُ الأغيارَ من بينها!
لم يستطع اليهودُ بعد إنهيارِ مملكة الخزر أن يشكلوا دولةً أخرى، وقاد إنهيارُ المملكةِ إلى شمِّ روائحِ النقودِ الزكيةِ المنبعثة من خرافِ أوربا المُعَّدةِ للذبحِ الرأسمالي، فكانت الدولةُ العثمانية وغزوها وكان الإستيلاءُ الذي قامت به على أجزاءٍ من شرقِ أوربا، والقبائلُ اليهودية تسيحُ مع حملاتِ العثمانيين المحتاجين دوماً للصرافةِ اليهودية، وكان التغلغلُ والدخولُ في شرايينِ القارةِ – المستقبل، حيث ستصيرُ اليهوديةُ ديناً مالياً لكلِ الشعوب.
هذه القارةُ كان من مصيرِها أن تجعلَ من الرأسماليةِ ديانةً مقدسة، وأن تحولَ اليهودي إلى المواطنِ الأوحدِ النموذجي، وقد صبرَ اليهود في إستغلالِ عروقِ القارةِ الإقطاعية الأوربية المريضةِ مثل إستغلالهم إمبراطورية الرجل المريض العثمانية المفلسة تدريجياً، فكان الذهبُ ينتقلُ من الشرقِ للغرب، فتغلغلوا في عروقِ أوربا وأمتص رأسُ المال الربوي اليهودي عروقَ الناس والفلاحين المعدمين وحولها إلى مانيفاكتورات ومشاغلَ ومصانعَ وبنوك!
إن الدور التأسيسي للرأسمال الربوي اليهودي في تاريخ أوربا التحديثي كان مهماً بغضِ النظرِ عن الأساطير والوقائعِ الدموية الحقيقية، وسواءً كان ذلك في تاجر البندقية أم في كتاب كفاحي لهتلر، ولكن التجارَ اليهود وهم يشاركون في نهضة أوربا الرأسمالية الحديثة، رفضوا أن يندمجوا فيها، فما زالتْ القبيلةُ الربويةُ الموحَّدةُ ترفضُ أن تذوبَ في الأغيار، وما زالتْ الفوائضُ تعلي من شأنِ القبيلة، الذي صار(غيتو) الآن وهو الحي اليهودي المنعزل عن المدينة القروسطية الأوربية الرأسمالية المتحولة للحداثة والتي تقودُ العالمَ!
وإذا تفككت الأحياء الدينية والقبلية الأخرى فإن الغيتو لم يتفكك، وإذا تفكك إحتفظ سكانه بتقاربهم الديني. إن رؤوساء القبائل والعائلات يخلون المكان أكثر وأكثر للكهنة والسياسيين المؤدلجين للعقيدة.
وقد رفض بإصرار هذا الحي أن يذوبَ في الكل الأوربي الديمقراطي، لقد أعطتهُ الرأسماليةُ الغربيةُ كلَ إمكانيات أن يتفتحَ إستغلالياً وأن تزدهرَ ينابيعُ الفضةِ والذهب من حوله، رغم قيام الرأسمالية المسيحية بإدراكِ الفضائلِ اليهودية الإستغلالية فيما بعد، وأعترافها مؤخراً بأنها قامتْ على هذا الربا اليهودي العريق! لكنه من جانبه رفضَ أن يلغيَّ ذاتَهُ، أن يلغيَّ القبيلةَ – الماليةَ- الرأسمالية الكونيةَ الآن!
هذا التوحدُ تشكلَّ رمزياً تقديسياً منذ العصر الوسيط نفسه، بين المسيحية واليهودية. المسيحيةُ التي حاولتْ أن تجاملَ اليهودية وأن تقولَ أنها جزءٌ من العهدِ القديم(التوراة)، وأنها إمتدادٌ لتاريخِ اليهودِ النضالي المقدس، لم يعترفْ بها اليهود. ويَصعبُ لفئةٍ مجهولةٍ أن تصعدَ إلى مسرحِ الديانةِ المبجلِ بدون أن تكون لها سمعة مشرفة معروفة متجذرة. فالتصقتْ المسيحيةُ باليهودية، وتشكلَّ الكتابُ المقدسُ من جزأين، يهودي ومسيحي، التوارة والأنجيل، السِفر القديم والسِفر الجديد، وكأن القَدرَ المالي قد جمعَ الديانتين في رحلةٍ إستغلالية مشتركةٍ لشعوبِ الأرض، والمسيحيون إذ يشدون أنفسَهم للروابطِ القديمة، وللأساطير التي تم تشكيلها في المشرق العربي، فهم مرابون جددٌ يتحولون لرأسماليين يستغلون العمال والفقراء في أوربا وأمريكا ثم في العالم بأسره، وتشكلتْ مع اليهودية المالية روابطُ المصانع والبنوك، وهي الأساسُ الحديثُ لوحدةِ الكتاب المقدس بجزأيه القديم والجديد.
وفي حين كانت المسيحية تنتقل للعلمانية والدول الموحّدة وتذوبُ الأعراقَ والمذاهبَ في كلٍ موحدٍ وتبعدُ الأديانَ عن أن تكون سياسةً حكوميةً مهيمنةً وتغدو أهلية مهمة كذلك، فتحتفظ بوحدة الطبقة الحاكمة، ولا تبعد الأديانَ عن دورها الإيديولوجي لتخدير عامة الشعب حسب بفهمها، وسواءً كان ذلك على مستوى كل بلد أو على مستوى قارات الغرب الثلاث، لكن كانت اليهوديةُ السياسيةُ متشبثةً بذاتِها العليا ثم تظهرُ بأسم الصهيونية، رافضةً هذا الذوبان.
في التوحدِ الغيبي على مستوى النصوص الدينية ثمة إبقاء للجمهور العامل المسيحي أو اليهودي في ظلماتِ الماضي الجميلة، إبقاءً لما لا تستطيع الرأسماليةُ الحديثةُ أن تحققهُ من أحلامٍ عظيمةٍ في العيش السعيد، فتقدمُ له أساطيرَ عن بناءِ الكون وعن الآباء المؤسسين والأنبياء العظام الذين صنعوا هذه الحضارة المشتركة اليهودية – المسيحية، وتخلق ثقافة مشتركة، ذات ترميز لأهمية القوى العليا الإستغلالية ودورها الوحيد في التاريخ، والتي تغدو مؤسساتها موضع هيمنة وسؤدد وبخور عابق بروائح القداسة، والمرتبطة بالقوى الماروائية الأبدية.
وفيما تدورُ في الواقعِ الأرضي معاركٌ ماليةٌ نجسة، فإن اليهوديةَ لم تعترفْ بكلِ هذه الثقافةِ الأوربيةِ المسيحية، وبمحاولاتِ إلتصاق الأخيرة الملوث بها، خائفةً بشكلٍ متزايدٍ من إبتلاعِها من قبل الديمقراطية المسيحية، وتذويب اليهود في بخور المواطنة المجرد. وفيما كان المسيحيون يقولون إن اليهودَ قتلة المسيح كانوا في ذات الوقت يتمسحون بأذيالهم.
أخذت اليهوديةُ السياسيةُ تستغلُ كلَ أخطاء الديمقراطية الأوربية، خاصة المذابح التي كانت تجري هنا وهناك ضد اليهود. فتطورُ الرأسماليةِ الأوربية في الدول الإقطاعية – خاصة في شرق أوربا – كان يجري على عظامِ المرابين وكنوزِهم المخبأة، مثلما كان خلفاءُ الدولةِ العباسية يجددون الميزانيات المنهوبة من قبلهم، عبر المداهمات لليهود والتجار عموماً.
إن عدمَ إندماجِ اليهوديةِ في المسيحية السياسية المنتصرة لا يعني عدم تأثرها بالحداثة، فثمة مسحةٌ حداثيةٌ جرتْ لها، والكثيرُ من اليهود كانوا عمالاً ودخلوا الأحزاب الاشتراكية والنقابات، وشاركَ الرأسماليون اليهود في صنعِ الحضارة الغربية الرأسمالية في مرحلتها البنكية التوسعية، لكن قوى كبيرة ظلت في الجيتو، ظلت في عالمِ الطقوسِ الدينية وفي التماسكِ الاجتماعي اليهودي الصلد كسورٍ كبيرٍ لمنعِ هجمات القوى الأخرى.
وكانت هجماتُ القوى الأخرى مستمرةً بشراسةٍ ضد اليهود، لأتخاذِهم مبرراً لتفاقم الإستغلال، ولزيادةِ مشكلاتِ الاقتصاد والفقر، فكان البوليسُ القيصري الروسي يقومُ بمذابح لهم، وحولَّ هتلر ذلك العملَ البوليسي الدموي إلى فلسفةٍ مروعة له!
تنصلتْ اليهوديةُ الغربية – الأوربية – الأمريكية من ثمنِ الحداثة الذي لا بد من دفعه داخل صفوفها. فلا هي تستسيغُ بطبيعةِ الحال الأفكارَ الإشتراكية المتصاعدة بحكمِ إهتمامها الكبير بتنامي النقود، وترفضُ بقوةٍ كذلك سحبَ قواعدها العمالية والاجتماعية من وحدانية الشعب الديني المقدس.
وإذا كانت الرأسمالياتُ الغربيةُ مقبولةً بعض الشيء إلا أنها تقوم بتذويب اليهود في هذه العلمانية الاجتماعية المتصاعدة التي تطفئُ الأديانَ والمذاهبَ المتحجرةَ إجتماعياً تدريجياً في ثقافةٍ بشريةٍ ديمقراطيةٍ موضوعية موحدة.
كما أن المجازرَ الرهيبةَ التي حدثتْ في العصر الحديث الأوربي لليهود، خاصةً حمامات الدم في ألمانيا، أعطتها مبرراً لذلك البقاء الموحَّد، وفلسطينُ الأسطورةِ تظهرُ بقوةٍ في زمنِ المجازر وسياساتِ الفشلِ والعجز عن التوحد السياسي في كيان، وهي المتوحدة مع العهدِ القديم الرافض للتاريخ الحديث.
كما أن الصهيونيةَ كحركةٍ سياسية اعتمدت بقوةٍ سياسةَ رفضِ الأغيارِ الدينيةِ العتيقة الأسطورية، كإنقطاعٍ كلي عن البشرية، وعن تدفقِ الديمقراطيةِ الحضارية الكونية التي أخذتْ توحدُ العالم.
وبهذا فإن الهجرةَ إلى فلسطين باتتْ هي الخيارُ من مجملِ التناقضات التي يحياها اليهودُ كقوى منغلقةٍ، عجزتْ في عصرِ الديمقراطيةِ عن الديمقراطية، وحلقتْ بطائرةِ القبيلة الذهبية في أرضِ ما قبل الرأسمالية التحديثية، ما قبل العلمانية، وحطتْ على أجسادِ الفلسطينيين التي إحترقتْ وتفتتْ وتشردتْ من هذا الهبوطِ الأسطوري التحديثي الدموي.
إن روؤساءَ العشائر تراجعوا في خضمِ تحولاتِ اليهود، وتصاعدَ بشكلٍ واسعٍ جداً دورُ رجالِ الدين والسياسيين(الوطنيين)، ثم ظهر على الأرض المقدسة، أرض السلام، الدور الأبرز للجنرالات المهيمنين سفاكي الدماء.
إن العقيدةَ الوطنيةَ الإسرائيلية يكمنُ في قلبِها هذا الإنغلاقُ الجنسي، ذلك الغيتو الذي حَملَ من أزقةِ أوربا إلى المشرق العربي، (الاشتراكيةَ) و(الرأسماليةَ) اللتين هما يهوديتان، فهنا لهما معنيان مغايران، فهنا هما ترضعان كلتاهما من حليب رفض الأغيار والعنصرية، بشكلين متفاوتين كماً.
في التأسيس الأولي الذي أُقيم على إستلهامِ ثقافةِ العدو الهتلري، ظهرتْ المستعمراتُ لتُصَّعد قوةَ العمل عند اليهودي الربوي، فتحولتْ أرضُ المعيادِ لنهضةِ الرأسمالية، والشركات الخاصة.
وصعدتْ إسرائيلُ بقوةٍ خلال عقود ضد حركات التحرر العربية و(الإشتراكية) العالمية لتغدو عملاقاً رأسمالياً صغيراً خارج الغرب، ولتؤدي دور المرابي المناطقي اليهودي البخيل الدموي التابع للرأسمال المسيحي الذي صار أمبرياليةً، وهي تقفُ على علاقاتٍ دكتاتوريةٍ متأرحجةٍ بين رفضِ الأغيارِ وطردِهم وسحقِهم وعزلهم ثم نفيهم، وبين علاقات تعاون بشرية مترددة متقلبة.
إن الشعب – القبيلة المالية التي أوجدتْ لها مكاناً مشتركاً تخافُ باستمرار من التمزقِ، من الذوبانِ في الأغيار، ويصبحُ الفلسطينيون حتى بوجودهم الجسماني المتكاثر مشكلةً كبيرة. إن تجربةَ مملكةِ الخزر تم تجاوزها عبر هذا المشروع، لكن ما زال الأغيارُ يحيطون بالمملكة، ويتغلغلون فيها.
لم تتغلغلْ العلاقاتُ الديمقراطيةُ الإنسانية في الوجودِ الاجتماعي اليهودي العميق ويمثل تحالفُ الحاخامات والجنرالات والشركات البُنى الإستغلالية التي تراكمتْ رساميلُها الماديةُ والثقافية وعلاقاتُها الدولية هيمنةً على العمال اليهود والشعب الفلسطيني، وخوفاً من تفكك هذه السيطرة وتفكك اليهودية الجوهرية المنغلقة في قوقعتها الأبدية.
يقول إسرائيل شاحاك العالمُ الإسرائيلي المناضلُ الديمقراطي في كتابهِ التاريخ اليهودي:(في سنة 1985، اعتمد الكنيست بأغلبية ساحقة، قانوناً دستورياً، يعذرُ المشاركةَ في الانتخابات البرلمانية على كلِ حزبٍ يعارضُ صراحةً في برنامجهِ مبدأ “يهودية الدولة”، أو يقترحُ تعديله بطرقٍ ديمقراطية. فإسرائيل لليهود؛ ولهم فقط، حيثما وجدوا).
مضت قرونٌ طويلة وهذه القبائل مُنغلقة ومضطَّهدة ومكروهة وهي تعتمدُ الإستغلالَ الأقصى في حياتها الاجتماعية، تحملُ في عروقها بذور الرأسمالية بدون إنفتاحها وعلمانيتها، تجثمُ دائماً على ضفاف الحضارات، وتزدهر في الأمبريالية بدون أن تتخلى عن قوقعتها، وتريد في أقصى يمينها أن تطرد بقايا الفلسطنيين من أرضهم فهم يلوثون نقاءَ الدم اليهودي، لكنها في الواقع تؤجل المعركة الاجتماعية بينها وبين العمال اليهود أنفسهم، بينها وبين الوعي الديمقراطي العلماني الإنساني، حيث يُسحب تداول الأديان من السياسة، وحيث البشر متساوون أمام القانون العالمي.
أعطت مجموعاتٌ من المنظمات الفلسطينية والعربية لمشروع الغيتو اليهودي بعضَ دفقِ الحياة والمساعدة وهي تقول أنها تناضل ضده، لكن عبر توحيد (العنصرية) اليهودية، فلم يفرقوا بين مكوناتها الاجتماعية ويشتغلوا على أنسنتها، وجعلوها تلتحم، لكونهم هم أيضاً غير ديمقراطيين وعنصريين كذلك، لكن تبقى العنصريةُ اليهودية متفوقةً بسببِ التقنيات والرأسمال الكبير المتجذر في الأرض الذي شكلَّ شعباً صغيراً متقدماً، ومن أسرٍ صغيرةٍ غيرِ باذخةٍ، ومن قدراتٍ علمية وصناعية كبيرة.
انتظر (بحماس) صواريخ إيران على إسرائيل
قراءة في تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة
الدكتور إبراهيم غلوم .. ورؤية خاصة وغريبة عن التجريب المسرحي
أين صواريخ ‹‹حزب الله›› على إسرائيل؟!
إضاءة لذاكرة البحرين
العنفُ مبررٌ ضد الصهيونية
اليهودُ من التراث إلى الواقع
اليهودية كدكتاتورية شرقية
هتلر يحكم إسرائيل
غزة وحماس
isa.albuflasa@gmail.com
هتلر يحكم إسرائيل
كان يُفترض أن تشكل الإبادة التي قام بها أدولف هتلر زعيم النازية في ألمانيا ضد اليهود حافزاً كبيراً لإنتاج وعي إنساني وديمقراطي لدى اليهود، ولكن ما حدث هو العكس فقد تبنت إسرائيل أيديولوجية هتلر وجعلته معبودها السياسي الذي يرتقي فوق (يهوه)، أو أنه يجسده على الأرض!
إن لهذه المفارقة الرهيبة والمأساوية أسباباً عميقة.
فقد قامت جذور الطوائف اليهودية على استغلال الشعوب الأخرى عبر العمليات المالية القاسية، ومثلت هذه الطوائف صناديق الربا والفوائد التي تجمعت بفضل عَصْر الأجساد البشرية الأخرى، فكانت الحصالة الثقافية هي التعصب والكراهية للأمم، فلم تتشكل أفكارٌ إنسانية، وكان الانعزال اليهودي تجسيداً لحجم الكراهية للأمم، وكان (الغيتو) اليهودي في الأحياء الأوروبية ولادةٍ مبكرة لإسرائيل.
وهكذا راحت الجالياتُ اليهودية الغنية تتزحلق فوق رافعة النهب الرأسمالي للشغيلة والأمم، وتتوجه بفضل ذهب الاستغلال الهائل إلى بؤر الرأسمالية الكبرى؛ روسيا وأوروبا الشرقية، فإنجلترا، ثم تتويج الرأسمالية العالمية: أمريكا.
لقد وجد كبارُ الأغنياء اليهود في الرأسمالية ثم في الاستعمار فضاءهم المالي والسياسي المفقود والرحب. ولهذا كانت النازية عدوة لدودة لأنها رفضت هذا التشكل الرأسمالي المميز داخل مجتمعها الجرماني، فليس ثم لديها حاكم سوى الاحتكارات الألمانية وذبحت اليهود وشجعت الصهيونية، والجانبان متوافقان رغم تعارضهما الظاهر.
وقد وجدت الاحتكاراتُ اليهودية صيغةٍ مقبولة مع الاحتكارات البريطانية والأمريكية، وهو تشكيل وطن قومي لليهود، فلا هو ينافس هذه الاحتكارات على أرضها القومية ويتداخل معها، كما أنه يمنع اليهود من الذوبان في الأمم الغربية، كذلك فإنه يسمح للأساطير اليهودية بالبقاء!
وقد قامت الصهيونية على خداع العمال اليهود، بأن أوهمتهم بأنها حركة قومية اشتراكية، وكان دليلها هو صنع المعسكرات (الكيبوتزات) في إسرائيل، حيث تغدو الأرض مشتركة، ولكن الأرض رخيصة في حين أن المصانع والشركات الكبرى في المدن هي للعمالقة من الماليين اليهود وهم الذين حكموا، ولهذا كان حزب العمل الخادع للعمال هو الشريك الصغير فى قبضة أحزاب مثل الليكود ونسخه الأخرى، من القوى الفاشية، التي عبدت هتلر سراً وكرهته نفاقاً.
ولهذا لم تتأسس ثقافةٌ إنسانية ديمقراطية عميقة وواسعة الانتشار بين اليهود، لأن المعدل الزمني في إقامة دولة رأسمالية متطورة في قلب الشرق، استغرقت أقل معدل تاريخي، فالرأسمالية اليابانية أخذت أكثر من قرن، ومع هذا فلم تتشكل ثقافة ديمقراطية كبيرة وإنسانية في اليابان، وغدت أول فاشية شرقية، فتغدو إسرائيل ثاني فاشية آسيوية، بمعدل أضخم وأوسع وأخطر.
إن الرأسمالية كمجتمع إنساني بحاجة إلى عدة قرون، فلا بد أن يتجلى فيه نضال طبقاته الشعبية، وهو النضال الذي يؤنسن أي مجتمع، ومن دونه يتوحش، لكن إسرائيل هي أسرع مجتمع بشري قفز إلى الرأسمالية الحديثة في التاريخ البشري، لكن على رافعات الاحتكارات اليهودية المصنوعة في الغرب، ففقدت أي نضال عمالي إنساني مؤثر، وقامت على اجتثاث مجتمع فلسطيني فلاحي، وسحق الجيران العرب.
ومن هنا ليس غريباً ملاحقة النازيين الألمان من قبل الدولة العبرية، الدينية مضموناً والعلمانية شكلاً، في حين كانت تستورد التراث النازي، وتجعله أساس الدولة.
إن كل حيثيات العقاب الجماعي النازي، بضرب المدن وقتل الجماعات تتجلى في عمليات ضرب لبنان، يدفعها كذلك الحقد على أي تطور عربي، والسيطرة الكاملة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، وتفجير التناقضات الداخلية داخل لبنان والأمة العربية.
2006-8-14
بداية المثالية الموضوعية
الأيديولوجيات العربية والعلم
isa.albuflasa@gmail.com
غزة وحماس
تفاقم صراع الإقطاع الفلسطيني
لم تستطع أطول ثورة عربية وطنية أن تشكل ثقافة وطنية ديمقراطية واسعة، أولاً لعوامل موضوعية كبيرة. فلم يكن ثمة أسلوب إنتاج رأسمالي متطورفي الضفة والقطاع، بل ثمة تخلف اقتصادي كبير. ومن هنا اختلفت قيادة نلسون مانديلا عن ياسر عرفات، فالأول يستند إلى طبقة عاملة هائلة العدد وتبلغ أكثر من عشرة ملايين عامل صناعي، ولهذا لم يستطع النظام العنصري أن يقاوم هذا الوجود الطبقي طويلاً.
لكن الوجود الاجتماعي الفلسطيني وجود يعتمد على كتل اجتماعية هلامية، وقام المثقفون السياسيون المهيمنون على الأحزاب والمستندين إلى فئات وسطى تجارية وبيروقراطية، بالارتكاز على الأنظمة الاستبدادية العربية وقبض المال منها، فقامت هذه الأنظمةُ بتخريبِ منظمة التحرير من الداخل وبإفسادها، وبهذا لم تقم بالمساهمة في النضال من أجل الديمقراطية والعقلانية العربية، وغدت مثل نقطة الزئبق تتحرك في كل الجهات، رغم وجود طاقة شعبية نضالية كبيرة لدى الفقراء الفلسطينيين الذين سلموا لها أجسادهم مجاناً.
ومع وجود سلطة على الأرض تكشف خواء المضمون الاجتماعي النضالي للتنظيمات الفلسطينية المسيطرة، ودفع الفقراء ثمن غفلتهم السياسية وعدم مطالبتهم بكشف الحسابين السياسي والاقتصادي، وهذان الغفلة وعدم الوعي الطبقي دفعاهم مرةٍ أخرى لتسليم السلطة إلى حماس، التي هي تكرار آخر لفتح، فإذا كانت حماس هي سرقة رموز الإسلام في السياسة، ففتح هي سرقة رموز الوطن، وبدلاً من لص واحد سيجابه لصين متعاركين على خريطته الممزقة وظروفه الصعبة!
تعتمد حماس على ذات اللغة السياسية المغرورة المنفوشة والفارغة، وعلى نفس النوعية من الحرامية ولكنها الآن تأخذ المال من جهات أخرى، وتستخدم الإسلام لتمزيق داخلي عنيف للشعب الفلسطيني، وتنقل الصراع السياسي إلى مستوى جديد هو تمزيق مذهبية سياسية واحدة، هي المذهبية السياسية السنية هذه المرة.
ففتح لم تكن علمانية حقيقة، بل كان تعاملها مع الأديان تعاملاً نفعياً، وعجزت عن طرح علمانية متجذرة، لأن سياستها الانتهازية كانت منافقة، من أجل أن تقبض المال من الدول المذهبية التي تصاعد دورها مع تصاعد أهمية النفط.
فلم تبعد السياسة عن الدين بل وظفت كل شيء من أجل أن تكون لها موارد، والجمهور الفلسطيني لم يعترض على مثل السياسة الانتهازية، فصار مشاركاً فيها.
وجاء تصويته لحماس استمراراً لمواقفه غير الدقيقة وغير الصائبة في السياسة، وسيدفع ثمناً باهظاً من دمه وظروفه لمثل هذه الرؤية الضيقة الأفق الأنانية.
فمخلوقاه السياسيان المشكلان من المذهبية السياسية الشمولية الاستغلالية سيتعاركان الآن على ظروفه وحياته، أحدهما سيزايد على المقاومة البطولية وعدم الاعتراف بإسرائيل والآخر يزايد على الحكمة والعقلانية السياسية، وصار كل فريق يستند إلى دول عربية وإسلامية مغايرة للآخر، فتكون هنا لببنةٍ جديدة.
وهذا نموذج عادي لما يحدث في البلدان العربية من التوظيف التجاري للدين والوطن لصعود السياسيين الانتهازيين إلى الكراسي.
والخطورة هي وجود السلاح لدى المتخاصمين بحيث أن الشعب العادي سيدفع ضحايا جدداً كثيرين لأخطاء في وعيه.
2006-3-10
تفكيك منظمة التحرير الفلسطينية
بينما تتشكل عملية هدم الوحدة الوطنية التي تقوم بها الجماعات المذهبية السياسية في العديد من الأقطار العربية والإسلامية على أساس جغرافي واجتماعي، فهو في فلسطين يتمظهر على أساس تفكيك كيان منظمة التحرير الفلسطينية.
تشكلت منظمة حماس بتعضيد ورعاية من قبل المخابرات الإسرائيلية في بادئ الأمر كوسيلة لهدم كيان منظمة التحرير العدو اللدود لإسرائيل، ومجمعة الشعب الفلسطيني تحت راية واحدة.
لكن هذا التمزيق لم يستطع أن يتحول إلى سكين سياسية غائرة في اللحم الفلسطيني إلا عندما أوغلت منظمة التحرير في أخطائها، فتجيرت لصالح منظمة شمولية واحدة، ولقائد واحد وشلته الصغيرة، ولم تستطع أن تتجذر فعلاً كمنظمة علمانية شعبية إسلامية مسيحية عربية، بسبب التداخل مع الأنظمة العربية الطائفية الشمولية، وبسبب مساعداتها المشروطة، ولم تستطع منظمة التحرير والمنظمات العربية أن تطور عملية دعم الشعب الفلسطيني من خلال الجمهور العربي.
اهتراء منظمة التحرير من الداخل مثل اهتراء القوى السياسية العربية جاء بسبب الفساد الداخلي، وعدم التطور الفكري والسياسي، والتشجيع الذي لاقته الجماعات المذهبية السياسية من قبل الدول المحافظة المختلفة.
لكن لمنظمة التحرير أعداء وخصوماً مميزين في المنطقة، كإسرائيل وإيران وسوريا إضافة إلى دول أخرى أقل أهمية، ولكل دولة منها أسباب خاصة للعداء مع المنظمة، فإضافة إلى أنها ممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني وهذا مدعاة للعداء الإسرائيلي والسوري الحكومي، فإنها تجربة علمانية إسلامية مسيحية شعبية وهذا مغاير للأنظمة المذهبية السياسية في المنطقة ودعواتها.
وتتخذ حماس لتفكيك منظمة التحرير طابع المزايدة والثورية البلاغية، والمعتمدة على العمليات الانتحارية والعداء الشكلي لإسرائيل. ولكن العداء القومي والديني المطلق والمتطرف هو لتقوية إسرائيل في خاتمة المطاف، وليس تفكيك الجماعات الإسرائيلية المختلفة عبر جذب المناصرين والمعتدلين وعزل اليمين المتطرف وهزيمته.
إن هذه السياسة ستقود إلى هدم ما تم إنجازه من تحولات سياسية ومن جذب لصفوف قوى إسرائيلية عديدة لمشروع السلام، وستصعد بقوة أكبر أقصى اليمين وعملياته العسكرية المدمرة.
وسوف تخسر الجماهير الفلسطينية أكثر من غيرها من العودة للمجابهات المتطرفة، ولن يستطيع اليمين الفلسطيني الديني الحاكم أن يصل إلى عمق الإسلام ومضامينه التقدمية؛ بل ستؤدي سياسته إلى إثارة ذعر المسيحيين والجماعات الدينية المختلفة، لأن هذه السياسة الدينية تقوم على الشكلانية الدينية وتعجز عن فهم الإسلام كثورة نهضوية، مما سيقوض الوحدة الفلسطينية على كافة المستويات.
وهذا الأمر يتطلب من منظمة التحرير إعادة نظر جذرية في برامجها وسياستها الشمولية، والانتهازية الوطنية التي أتعبتها على هدى العقود السابقة، ومن اعتمادها على دعم الأنظمة إلى دعم الشعوب ومنظماتها وبرلماناتها، والانتقال إلى ديمقراطية سياسية تنظيمية داخلية، وتجذير الخط العلماني الديمقراطي النهضوي أساس التوحيد الإسلامي الحديث، وهي الأمور التي ستنقل الشعب الفلسطينى إلى مستوى توحيدي مختلف.
إن خط الأخطاء الذي شكلته منظمة التحرير تتوارثه المنظمات المذهبية السياسية الفلسطينية الآن، عبر الارتكاز على دعم الأنظمة المتخلفة الشمولية والتي تسوق الشعب الفلسطيني كضحية مستمرة تخفي بها أخطاءها وتنصلها من مساعدة مواطنيها المسلمين وغير المسلمين في بلدانها وتجعل قضية فلسطين كقميص عثمان (حق أُريد به باطل). فتواصل حماس تخريب علاقة الشعوب العربية والإسلامية بالشعب الفلسطيني بعد أن تدخله مآزق خطيرة في صراعه اللامتكافئ مع إسرائيل.
2006-3-27
حماس والطريق المسدود
للأسف فإن حركة حماس تدفع نفسها في طريق مسدود، لكنه مغلق بشلالات الدم وجبال الجثث والفكر الضيق.
تقوم حركة حماس على ميراث التطرف السياسي العربي القومي والديني، الذي بدأ من رفض قرار التقسيم الذي حدد نشوء دولتين عربية وإسرائيلية، في سنة 1948، ولو أن الدولة الفلسطينية نشأت من ذلك التاريخ لكان الموقف الآن مختلفاً.
ولكن لغة التطرف و«الحماس» والعنتريات قادت الدول العربية إلى مواجهة فوضوية عشوائية للمشروع الأسرائيلي المدروس الدقيق، الذي تمكن من السيطرة بسهولة على لغة الفوضى العربية.
ثم بعد خمسين سنة أخذ المشروع الإسرائيلي يتحكم شيئاً فشيئأ في المنطقة، وقام بتفتيت دول المواجهة، ثم أخذ ينفرد بها واحدة بعد الأخرى، ولم يجد الفلسطينيون لغة مقاومة مشتركة موحدة، وصارت القضية الفلسطينية مشروع طريق!
قبل فترة رفض الرئيس الفلسطيني مشروع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، بسبب التطرف الإسرائيلي وتطرف الحركات الدينية واليسارية المتشددة. وأخذ العنف بين الجانبين المتطرفين يحصد أرواح الأبرياء من الجانبين الفلسطيني والأسرائيلي.
حاولت حماس أن تستغل مشاعر اليأس والأحباط وأعمال التطرف الصهيونى من أجل أن تصبح زعيمة الفلسطينيين بلا منازع، وفي سبيل ذلك اندفعت في المعارضة من أجل المعارضة، دون أن تأبه بأرواح شعبها الذي يتعرض أكثر من غيره للتمزيق والإبادة.
كذلك ساعدتها المنظمات اليسارية المتطرفة على الإحساس بهذا الشعور ومن أجل معارضة السلام، الذي تقود عملياته حركة فتح، التي حاولت هي الأخرى أن تشكل منظمة مزدوجة، ففي جانب تمشي مع سياسة السلام وفي جانب تمشي مع سياسة الحرب.
وهناك تداخلات أمنية و«بوليسية» بين هذه المنظمات والخطوط بحيث إن المراقب لا يعرف أية أصابع تشتغل في كل هذا الخليط، حيث تشتغل المخابرات الإسرائيلية ومخابرات الرئيس عرفات والدول العربية والغربية. فكل هذه القوى تسعى لفرض خطوطها السياسية لكن فوق اللحم الفلسطيني والأسرائيلي.
فغالباً ما تكون داخل المفاوضات وبعدها مجموعات من المجازر؛ والقصد منها إفشال المفاوضات أو فرض شروط معينة فيها، بحيث إن لغة القوة الدامية هذه أصبحت هي لغة المتصارعين والمفاوضين والمنتحرين.
إن المنظمات المتطرفة في الجانبين تحكمها عقدة إلغاء الآخر بل إبادته، ولكن ذلك غير ممكن، ولا يوجد بديل عن التعايش المشترك والسلام.
ولكن الفلسطينيين ينتقلون من شروط أفضل إلى شروط أسوأ، وبدلاً من دولة كاملة في سنة 1948 إلى ضرورة الانسحاب من الأراضي المحتلة، ومع قبول المنظمة إنشاء السلطة الفلسطينية فقد تغيرت الأوضاع ومع هذا لم يقبل الرئيس الفلسطيني ما يتجاوزهذه الصفقة فيما بعد.
وأدت سياسة دعم الأنظمة المتطرفة في المنطقة للمنظمات الدينية إلى تفجيرهذا الوضع، ونمو اليمين الأسرائيلي وانتصاره وانتشار مذابحه في الشعب الفلسطيني الذي ترك وحيداً يجابه هذا السحل اليومي، ولا يترك هؤلاء الناس لغة التفجير اللغوي والدموي معتقدين انه الوسيلة الوحيدة للظهور والزعامة.
وترتكب حماس أخطاء جسيمة في هذا التفرد الذي تدفع فيه الكثير من الضحايا، دون أن تحقق انتصاراً من أي نوع، بل هي قد وضعت نفسها أمام القوى العالمية التي ستعمل على الأجهاز عليها.
2003-6-14
عدوان غزة وحماس
كانت حماس تسير في طريق وعر صعب، فلم تعد حكومتها مسيطرة دستورياً على غزة، فأصبحت تسمى الحكومة المقالة في حين تشبثت هي بسلطتها، وأخذت تمارس حكماً غير شرعي، لكن دولتها المصغرة كانت غير معترف بها.
ومن البداية كان الأخوان المسلمون الفلسطينيون خارج منظمة التحرير، وعملوا خارجها في إصرار غريب على تقسيم الشعب الفلسطيني، لكن ثقل المنظمات الوطنية والقومية الفلسطينية كان كبيراً.
وكان ثقل الأخوان يتركز في غزة التي كانت مرتبطة بمصر والتي انتقل تأثير أخوانها المسلمين إلى غزة بشكل قوي. ولم يستطع الأخوان عموماً أن يندمجوا في تجربة الأحزاب الوطنية والقومية العربية الإسلامية سواء على مستوى التعامل مع الدول أو على مستوى التعامل مع المنظمات، فكانوا يمثلون بذرة دولة مستقلة منفصلة.
هذا كان مخالفاً للمذاهب السنية الأربعة التي اعتبرت الانشقاق على الدولة مسألة مرفوضة حتى لو كانت الدولة جائرة، حيث ينبغي أن يكون الإصلاح من داخلها حتى لا تحدث فتنة، والفتنة أشد من القتل حسب التعبير المنتشر، وحتى يكون الإصلاحُ بناءً لا يُحدث أضراراً تكون أسوأ من الحكم الجائر المتصور من قبل الجماعات السياسية.
ولكن الجماعات الجهادية السنية التي نشأت في مواجهة الغزو الصليبي وجدت واقعاً مختلفاً فالغزو بذاته حكم جائر بمختلف المقاييس، ومقاومته واجب شرعي.
ولكن ولأول مرة في تاريخ المذاهب السنية تحول الجهاد ضد المسلمين أنفسهم، بعد هذه الحقبة، وجرى ذلك في صحارى الجزيرة العربية خاصة، وكان أشبه بغزو القبائل المعتاد ضد بعضها البعض، وأن لـُبّس ملابس الجهاد، وقد وصل ذلك إلى مجازر مروعة واستباحات للمناطق المدنية المسلمة.
وقد قاربت هذه الجماعاتُ المنشقة في الواقع عن المذهبية السنية الوسطية جماعات الخوارج وأمثالها التي كانت تستبيحُ دماءَ المسلمين بسبب صراعات سياسية وفكرية تحولها إلى صراع الإيمان ضد الكفر!
التبس سلوك حماس بين الظهور كتنظيم سني، أو كتنظيم سلفي جهادي على طريقة الأعراب، أو كتنظيم عصري حديث (ديمقراطي).
إن جذور الأخوانية الإسلامية لم تستطع مقاربة الفقه السني بشكل عصري عموماً، فإذ ركزت على الشعارات العبادية لكنها لم تتأول وتفسر الرؤية السنية السياسية المعتدلة العميقة في واقع العصر الحديث، بل عادت إلى جهادية الأعراب، وإلى تكفير الأنظمة الإسلامية، في بعض الوقت، ثم نادت بتطبيق الشريعة، مما يعني أن الأنظمة العربية لا تطبق الإسلام، وهي صيغة مخففة من التكفير.
لكن من أين تسربت الرؤية التكفيرية لجماعات سنية كانت ترفض على مدى ألف سنة مثل هذا التصنيف الخطير؟!
إن المقاربة الأعرابية الخوارجية لهذه الجماعات في المنطقة البدوية الواسعة خاصة، والصراع ضد الغزوات الخارجية اختلطت لدى هذه الجماعات، كما أنها نشأت في ظروف الثلاثينيات في مصر خاصة، حيث كان التأثر بالفاشية في إيطاليا وألمانيا قوياً مثل بقية الفصائل القومية.
كانت الدعوة لتطبيق الإسلام دعوة خيرية في البدء ثم توسعت لتكون تنظيمات مسلحة تتوجه للإغتيال، ثم توجهت لإلغاء الآخر المسلم الحاكم أو المعارض.
صار الجهاد ضد المسلمين أنفسهم علامة واضحة على الافتراق عن الفقه السني، لكن تم مزجه وخلطه بالحديث عن الجهاد ضد المستعمرين و(الصليبيين)، وهي مسألة أدت إلى تفجر الصراع الديني العربي والمصري خاصة.
وجاءت حماس محملة بهذا الإرث المختلط كله؛ تنظيم ديني ومليشيا، وصراع متوار ضد الحداثة والوطنية الفلسطينية.
وإذ يكون الجهاد ضد الصهيونية مشروعاً، لكن الجهاد ضد الشعب الفلسطيني وفصائل منه وقوى سياسية فيه، يكون خروجاً على الشرع والقانون.
كان الصراع ضد فتح هو المتأجج في صدر حماس السياسي المشحون بالعدائية، وهذا جعلها تتوجه لخصوم فتح من منظمات تكن هذا العداء لكبرى المنظمات الفلسطينية والتي قادت حركة التحرر، ولدول ناصبت فتح ومنظمة التحرير العداء وأرادت تذييلها لإرادتها واستخدامها في صراعها السياسي.
تأهلت حماس بقوة لتكون الخصم العنيد لفتح ولمنظمة التحرير المتوجهة للتسويات السياسية في ظرف انهارت فيها جبهة الصمود والتصدي، ودخلت الدول العربية في تسويات متعددة مع إسرائيل بحكم ميزان القوى العسكري، وكان الدخول في التسوية بالنسبة للفلسطينيين حدثاً تحولياً كبيراً.
وكان من أخطاء منظمة التحرير وفتح إعطاء خصوم التسوية حق دخول الانتخابات المقامة على أسس هذه التسوية، وعدم تطوير العلمانية الديمقراطية الوطنية إلى مستويات جديدة من التشريع والإصلاح الاجتماعي خاصة، فأدت الانتخاباتُ إلى تقسيم داخلي ومأزق تاريخي، وجاءت حماس لمركز السلطة وهي معادية لاتفاقية التسوية، مما أوجد سياستين متناقضتين على مستوى السياسة الخارجية بشكل خاص، وكان هذا يعني ليس تطوير التسوية بل إقامة حرب مع إسرائيل.
المقاومة والفوضوية السياسية وعدم البرمجة الدقيقة لخطوات النضال والإرث الديني الجهادي الأعرابي الذي التقى بقوى متنفذة على مستوى المنطقة، كل هذا دفع حماس لمأزق تاريخي، كان حله في عودتها للصف الفلسطيني بعد إقالة الحكومة، لكنها توسعت في دخول المأزق، وصار من المؤلم لها الانكسار السياسي وتقبل الهزيمة السياسية بصدر رحب، والعودة من جديدة لممارسة اللعبة السياسية، لكنها للأسف لم تفعل ذلك وقامت بقمع معارضيها، وواصلت لعبة التحدي غير المتكافئة مع إسرائيل.
نجد هنا أن التقاليد السنية السياسية بوجود معارضة من داخل النظام تم رفضها، على غرار التنظيمات غير السنية، وصار الجهاد ضد الأخوة وصار الالتقاء مع برامج قوى غير سنية لها خططها الخاصة المذهبية.
بطبيعة الحال استثمر الوحش الإسرائيلي هذه الوجبة الدسمة لكي يقوم بإضعاف القوى السياسية الفلسطينية كلها ولترتيب البلد حسب مصالحه وخريطته التي يريدها، فكم قادتنا المزايدات إلى كوارث.
31 ديسمبر 2008
رفعت السعيد والسرد السياسي
زكريا إبراهيم : الاستيراد الفكري
الرأسمالية البدوية
الإقطاع الفلسطيني تابع التابعين
كانت سرقةُ فلسطين من قبل رأسِ المال اليهودي قد تركزتْ بشكلٍ خاص على الفلاحين الفلسطينيين، فالأرضُ كانت هي قلبُ الصراع، فأُنتزعتْ بأغلبيتها عبر حربي 48 و67.
(في الدولة العربية، كان الملاكون العرب يمتلكون 77.69% من إجمالي مساحتها، بينما لم يكن يملك الملاكون اليهود إلا 0.84%).
ثم تغيرت النسبة كلياً، وسُرقت كذلك المساكن وحيوانات الزراعة والمعدات والمواد الإنتاجية المختلفة، ولكن بقيت أراض زراعية فلسطينية عديدة منتشرة في الضقفة وقطاع غزة وفلسطين 48، وصمدت جماعات عديدة من الفلاحين. ولكن حتى الضفة الغربية المحتلة سُرقت منها أراض تبلغ 52% من مساحتها العامة.
فالفلسطينيون غير قادرين على تشكيل إقطاع بالمعنى الحرفي الزراعي مثل بقية البلدان العربية، وفقدان البلد والأرض يمنع تشكل دولة، والدولة هي الشكلُ الأساسي للإقطاعِ السياسي في التاريخ العربي الإسلامي.
كان الفلاحون والمنتجون الصغار والبسطاء هم القاعدة الأساسية للاجئين، فحملوا وعيهم الديني إلى الأقطار التي سكنوا فيها، فتداخلوا بسكان الأقطار العربية المتعددة، الذين شاركوهم همومهم، وغدت القضية الفلسطينة قضية عربية، وراحت الشعوب العربية تساهم وتتبرع، والحكومات تستغلُ الهمَ الفلسطيني لأغراضٍ شتى.
هذا التداخلُ العربي الفلسطيني سيكونُ له تطورهُ حسب الصراعات والتطورات داخل كلٍ من هذه الأقطار، وداخل الكتل الفلسطينية المختلفة كذلك، فسوف ينجرفُ العربُ لتأييد القضية الفلسطينية ثم يتراجعون عن ذلك، بسبب أن تنامي الدكتاتوريات النازفة للموارد في الدول العربية وفي الجموع الفلسطينية يخربُ النضالَ المشترك على كلا الجانبين.
إن زمنَ المساعدات الكويتية التي تتشكلُ في فضاءٍ حر نسبي هي غير المساعدات في العراق وسوريا حيث تتشكل عبر نظامين دكتاتوريين، فميلادُ فتحٍ في الكويت، غير إلحاقها بزمني العراق وسوريا. فيتشكلُ هناك في البرلمانية الكويتية شيءٌ من الفضاء العلماني الديمقراطي، في حين يتدهور هذا الفضاء مع بعثي العراق وسوريا. هنا تغوصُ فتح في الإقطاع السياسي ونفعيته وإنتهازيته. وهذا غير زمن الفوضوية السياسية في لبنان، هناك زمنيةٌ إجتماعيةٌ لتحولِ فتحٍ من الوطنيةِ التضحوية للإقطاع السياسي.
لقد تشكلتْ الخليةُ الأولى الأساسيةُ للدولةِ الفلسطينية عبرَ منظمة التحرير، وكان المناخ العام مناخ تضحية وفداء من قبل الجمهور الفقير الواسع في المخيمات، وسيطرت منظمة فتح على هذه الخلية الأولى، وعبر تكتيكاتها العسكرية المختلفة المتفاوتة بين المغامرات الرهيبة والتضحيات الكبيرة، تغلغلتْ في حياة الشعب وأنضم إليها الكثيرون، وغدت هي مشروع الدولة.
الأجواء التضحوية الثورية، والعمليات الفدائية، والبطولات، وثقافة النضال العارمة التي أشاعتها، كل هذه جعلت الجمهور يتصور أنها خارج قوانين الصراع الاجتماعي، ولا علاقة لها بسببيات الدول العربية السياسية، وأنها قادرة على أن تقفز على سيادات الأنظمة الإقطاعية والرأسماليات الحكومية العربية الفاسدة بتجرية ثورية(نقية)، لكن هذا الوعي الرومانتيكي بدأ ينهارُ مع تراكمِ الموادِ الواقعية السوداء، فالجماهير الشعبية المضحية بقيت مثل الجماهير العربية الأخرى مادة نزيف إقتصادي، والأسوأ للمغامرات العسكرية المجنونة، وتحولت أراض (محررة) في البلدان العربية إلى أراضٍ محروقة ومناطق للحروب الأهلية.
الهيمنة الفردية المطلقة من قبل ياسر عرفات ومجموعته على فتح تحولتْ إلى هيمنةٍ مطلقةٍ على منظمة التحرير، اليسارُ واليمينُ في المنظمة، لم يخرجا عن الخيوطِ الماليةِ التي تحركُ العرائسَ السياسية، وضجيجهما الهائلُ لم يشكلْ تيارات تنويرية وديمقراطية وليبرالية فلسطينية مؤثرة متصاعدة التأثير، ومثلَ قاعدة الأنظمة العربية الإقطاعية والرأسمالية الحكومية العربية: من يملك الخزانةَ يصيغ التاريخَ السياسيَّ ويُشكلُ الدُمى على المسرح الفقير من العقل.
بل لقد ساعد اليسارُ الطفولي الفلسطيني في تقوية اليمين الإقطاعي، المستولي على الخزانة، بمغامراتهِ وصخبهِ وعنفه، حتى بدا العقل عند فتح، التي جمعتْ بين الدهاءِ والفساد.
لكن المال الذي يأتي للخزانة الفلسطينية لم يكن فقط من الضرائب على الشعب الفلسطيني الفقير المنهك، وحتى هذه لم تأت إلا بقرارات عربية سيادية، بل كذلك من فوائض النفط العربية، التي تدفعها حكوماتٌ عربيةٌ عديدة، كل منها لها سياسة، وتوجهتْ لفردٍ أو لمجموعةٍ لم تكن تمتلك وسائل المحاسبة السياسية والمالية الدقيقة، ولم تكن ثمة حكومة، ولم يكن ثمة برلمان منتخب، وبهذا فإن السيولةَ الماليةَ سالتْ في بعض الجيوب.
لقد نشأتْ بذرةُ الدولةِ الفلسطينيةِ من هيمنةٍ فردية، وفي أجواء بخور الفلاحين الديني المُنتزَّعين من الأرض، والذين شلت إراداتهم النضالية المطلبية وتناثروا في الملاجئ، وحملوا سذاجاتهم وغضبهم معهم وعبدوا الجملةَ الثورية باعتبارها المنقذ مثل الإله، وبحثوا عن البطلِ الفرد الطائر وراءَ الإسراء والفتوح القدسية، فجاءهم البطلُ وهو يركبُ حصانَ الفسادِ البترولي العربي ودكتاتورياتِ المشرقِ والمغرب العربيين، الباحثين عن زكاةٍ حلالٍ من خلالِ الدمِ الفلسطيني لكلِ السرقاتِ التي يقومون بها، ولكلِ الإنقلابات التي يدوسون بها على الشعوب.
حين كان الفلسطينيون يقومون بعملِهم السياسي الفوضوي ويفتقدون الديمقراطية والوعي العلماني التحديثي كانوا يخسرون على الجانبين العربي والإسرائيلي، فالعربُ ينسحبون من تأييدهم نظراً لتأييدِهم دكتاتوريات الأنظمة التي تبطشُ بهم ليل نهار وكانوا يعتقدون أنهم سيكونون شركاء معهم في نضالهم المشترك!
ونظراً لعجزِهم عن الاعتمادِ على شعبهم الفلسطيني بشكلٍ مستقل فهو الوحيد الذي كان يمكن أن ينقذَهم من الارتماءِ في أحضانِ الأنظمة الفاسدة ولكن هذا كان يتطلبُ ثوريةً صبورة حكيمة وليست إستعراضية بلهوانية، وهذا كله أدى إلى نمو جراثيم البرجوازية الطفيلية داخل القيادات الطليعية المفترضة، وكانت فوضوية وإنتهازية الجماعات المنظمة والمراهقة السياسية هنا خسارة على الجانبين، فهي التي أدتْ من جهةٍ أخرى لتماسك إسرائيل وتبعية العمال اليهود للبرجوازية الاستغلالية السارقة للأراضي والثروات الفلسطينية، وخسارة الأشقاء العرب العمال في المعركة المصيرية العظيمة المشتركة!
ياسر عرفات مثّل نموذج هذا العمل الغريب بالقضيةِ والدينِ والعلمانيةِ فلا أحد يستطيع القبضَ على موقعهِ الفكري، ولم يصمد في مشروعه الأولي عن دولة فلسطينية علمانية ديمقراطية تجمع العرب واليهود حيث لم يؤسسْ أيةَ خطوات صغيرة لها على الأرض ولم يكن قادراً لا فكرياً ولا سياسياً على الثبات في هذا المشروع وتطويره، ومثلَّ مأساةً مروعةً للنضالِ في العالم الثالث، ولم يُعرفْ دوره تماماً فهل هو القائد البطل أو المستثمر في الدم والنقود، هل هو الذي ينجو من المذابح الفلسطينية أم هو الذي يغتني من خلالها؟
والأهم هو هذا التلاعب بنقود الناس الفلسطينيين والعرب معاً، وهل كانت حربُ العصاباتِ تحتاجُ لتأسيسِ أهراماتِ النقود ولأن تكون بميزانيات شركات عابرة للقارات؟
(نشرت صحيفة الرأي العام الكويتية في تاريخ 24 كانون الأول/ ديسمبر 2004 تقريراً حول
شبكة استثمارات عرفات العالمية، وذُكر في التقرير أن قيمة إستثمارات عرفات في
جميع أنحاء العالم نحو 799 مليون دولار موزعة على شركات اتصالات وبرمجة وغيرها
من الشركات العالمية والإقليمية والمحلية من أمثال سترايك هولدينغنز، وشركة
الاتصالات المحلية في الجزائر، وشركة سمبلكستي للبرمجة)،(تقرير حول الفساد في منظمة التحرير، إعداد وائل سعيد).
إن الخطوات السياسية منذ بدء نضال الفلسطينيين والتي لم تستند على رؤية طبقية وطنية ديمقراطية وأممية، والتي كان محورها المفترض جذب العمال الإسرائيليين لنضال ديمقراطي مشترك ضد الصهيونية والحرب والإستغلال، قد جعلتهم معلقين في فضاء الشرق الأوسط السياسي، الإقطاعي العربي الديني، فغدت المشروعات السياسية تنزلقُ على سطحٍ إجتماعي أملس، فمن حرب العصابات وضرائبها الجسيمة حتى الدويلة التي لن تكون سوى – عبر هذا الوعي السائد- سوى قطائع مفتتة تابعة للبرجوازية الإسرائيلية المسيطرة.
الرؤية الوطنية القومية الدينية اليمينية التي بدأت في وقت مبكر كانت لديها شعب واعد لنضالٍ عميق تقدمي، لكنها لم تكرسْ هذه العناصرَ الديمقراطيةَ والعلمانية الجنينية، وصعّدت الفئات الإنتهازية، التي سدتْ مسامَ الثورة المستمرة في عروقِ العاملين العرب واليهود، وركبتْ على الجسور الخربة للدكتاتوريات العربية، حتى وجدتْ نفسَها شبهَ محطمةٍ في حرب لبنان، فقبلتْ بأي حلٍ ينقذها من عالم الحطام السياسي الذي صنعته.
فتح وحماس وليدتان لوعي مذهبي إقطاعي يميني واحد، كلتاهما نتاجُ حركةِ الأخوان المسلمين في مصر التي هي وليدةُ حركةِ الأخوان في السعودية، أي هي الحركةُ المعاديةُ للحداثةِ والديمقراطيةِ والعلمانية طريق الأمة العربية للنهضة والتحرر والوحدة.
في إنبثاقهما المقارب من مصر وغزة، وولادتهما من أصلٍ مريضٍ واحدٍ، تباينَ تطورُهما التالي، فرحلتْ (فتحٌ) للكويت، وتشربت ظرفاً جديداً، فيما غاصتْ (حماسٌ) في غزة بسبب الظروف التاريخية لتفككِ الشعبِ ولتفككِ الأجزاءِ الأخيرةِ المحتلة.
توجهتْ فتح للتجارة السياسية بالوطن، فيما توجهت حماس للتجارة بالإسلام، وكما أن فتح لها جذور دينية، فحماس لها جذور وطنية، لكن المادة الخام الفكرية هي نفسها، لا يُحفر فيها ولا تتشكلُ أبنيةٌ فكرية عميقة فيها، فتفصلُ الوطنَ والإسلامَ عن الإمتلاكِ الكلي لهما من قبلِ تنظيمات سياسية، فيحدثُ الإمتلاكُ الكلي بالضرورة عبر الدكتاتورية، وهي لا تأتي إلا بالحصولِ على الأموالِ بطرقٍ فاسدة، فتتكون النخبُ الانتهازيةُ المأجورة للقيادات.
كان حراكُ فتح أوسعُ حينذاك وقد دغدغتها الفترةُ القوميةُ الحماسية وخفوت الإقطاع الديني المحافظ، وكانت حركاتُ الأخوان ضد ذلك المد القومي التحرري ومتشبثة بالإقطاع الواعد بالنفط وبالقوى الأجنبية الاستعمارية، لكن كلا الفصيلين كانا تابعين لنفسِ الجذور، والفئاتُ الوسطى الصغيرةُ تتحركُ بتوسعٍ حسبَ مناخ النقود الأكثر، فكان حراكُ فتح الذي رصدناه وكوّنَ فئةً مهيمنةً على المال العام الفلسطيني، قد كسب الأغلبية الشعبية الفلسطينية.
وكما رأينا كيف مثَّلَ القبولَ بالدويلة الصغيرة الواعدة في الضفة وغزة، هزيمةً عميقة لخيارِ العلمانية والديمقراطية والحرية، فكانتْ عمليةُ قفزةٍ في الهواءِ مثلما فعلتْ القيادةُ اليمينيةُ الجنوبيةُ بقبول الوحدة مع الشمال، أي هو الهروبُ إلى الإمامِ بسببِ عدمِ تنفيذِ مهامِ النضالِ الديمقراطي العلماني، فكان نتاجاً لسياسةٍ فشلتْ في إستثمارِ القوى العمالية والشعبية والرأسمالية النهضوية المعادية للصهيونية في كلٍ من فلسطين وإسرائيل، وتشكيل السير الحثيث الصبور للقوى الديمقراطية المتجذرة في الأرض الفلسطينية الكلية، والناقدة للتخلف الديني الاجتماعي.
لكن هذه الثروة الشعبية لم يُحافظ عليها ولم تُطورْ بل طُورتْ الثروةُ الماديةُ لدى النخبة الحاكمة، وبهذا إنضمت لقوى الإقطاعِ العربي وللرأسمالياتِ الحكوميةِ الفاسدة التي تقوم فوقها فما أحدٌ يبلع مالاً من هذه القوى حتى يغلق فمه النقدي، وما أعتبرتهُ إنتصاراً تحولَ لهزيمةٍ صاعقة وصفعة سياسية مدوية لتلك الشعبية ولقوى منظمة التحرير، التي كشفت نفسها كذيل سياسي لفساد فتح.
ظهر الشعبُ المُنتخبُ إنه مؤثر لرمزية الإسلام المضادة للإستغلال والفساد حسب مستوى وعيه دون إدراك تنويري علماني لم تواصل فتح في تشكيله، ففشلت قياداته على مستويي الدفاع عن الثروة المادية والدفاع عن الثروة الروحية.
مرة بعدم النضال من أجل تنويره وتطوير فهمه للوطن والإسلام، وهذا لا يحدث بدون نضال ديمقراطي إجتماعي، وبنقد للعادات الاجتماعية المتخلفة في الزواج والإرث والتراث والعادات والتفكير، أي يتطلب منظمات مناضلة واعية بين الشعب، وليس صاحبة خطابات على المسارح العربية الضاجة بالميكروفونات الصاخبة.
النضال ضد حماس هو نضال من أجل الديمقراطية الاجتماعية، بتغيير حال الشعب المتخلف، بإعادةِ النظرِ في هيمنةِ القوى الإقطاعيةِ على الإسلام منذ بني أمية، وليس أن تضعَ صناديقَ الانتخابات بين هذه الأيدي غير المدركة لتعقيد النضال الوطني الفلسطيني.
كذلك بتغييبها إستثمار التقدم النضالي للقوى الشعبية في إسرائيل ضد الطغيان فيها، وبدون ذلك تُمزقُ صفوفُ العربِ والمسلمين، والمسيحيين واليهود، أي كل القوى الشعبية المتضررة من سياسات الغزو والإحتلال والإستغلال، لتهيمن الصهيونية عليها بأشكالٍ شتى عبر الانتهازية الفلسطينية اليمينية الفاسدة أو عبر المذهبية الاستغلالية اليمينية الأخرى المنتفخة بمغامراتها وتجارتها بالدين.
إن إنهيار المشروع العلماني الديمقراطي لفتح هو ثمار التنازلات المختلفة، وضعف تلك العناصر الديمقراطية الرقابية على القيادة وغياب حضور القواعد الشعبية، وجرى خلال ذلك تأييد الرأسماليات الحكومية العربية الشمولية التي وصلت إلى درجة الأزمة الخانقة كالعراق، وحركاته المخربة للتطور الديمقراطي العربي، ويتسبب ذلك في تجفيف ينابيع المال والتأييد لفتح، مثلما جرى الأمر عبر الالتصاق بالأنظمة الروسية والسورية والمصرية، أي لقد حدثتْ سلسلةٌ من الانهيارات في التحالفات العالمية والعربية، تشيرُ إلى عدم فهم القيادات الفتحاوية لفشلِ نماذجِ ومشروعات الرأسماليات الشرقية الشمولية ووصولها للأزمةِ العميقة والانهياراتِ المتتالية، وبضرورةِ إنتزاع نفسها وهي مشروعُ تحررٍ ديمقراطي مفتوح وليست نظاماً من تلك الأنظمة المسدودة الأفق.
لقد إستبقتْ الحركاتُ المعارضةُ العربية نماذجَ الرأسماليات الحكومية المستبدة عربياً وعالمياً، داخل كياناتها التنظيمية، وقلدتها وتماهتْ مع فسادِها وضيقِ فكرها، فصارتْ غيرُ قادرةٍ على إنتاجِ نماذج التطور الديمقراطي العلماني، فجاءت هزائمها السياسية.
جسدت حماس إختراق وتضعضع المشروع الوطني الفلسطيني التحرري العلماني، وهي سمةٌ (عربية إسلامية) عامة، نظراً للأصول المحافظة الإقطاعية للحركاتِ الدينية التي كونت التقليدية واللاعقلانية النصوصية بعد سقوط الخلافة الراشدة، وهي تعتمدُ على تمزيقِِ صفوفِ العربِ والمسلمين، وضرب الحداثة وهي القشرةُ الرقيقة التي تكونتْ في سنواتِ التحرر الوطني، وكلما زاد فساد وإنتهازية القوى الوطنية وتخليها عن المشروع العلماني الديمقراطي التقدمي، كلما قامتْ تلك القوى الدينية بإستثمار مناطق التخلف لدى الجمهور وغياب العدالة لتأصيل مشروعها الإنقسامي المتراجع عن قيمِ النهضةِ والتوحيد.
من هنا فتمزيق حماس لوحدةِ الشعب الفلسطيني وجره للوراء، والاشتراك في تحالفاتٍ إقليميةٍ مُفتتةٍ لصفوفِ للمسلمين ومهيجةٍ للطائفيات السياسية وللدفاعِ عن الرأسماليات الحكومية الفاسدة الرافضة للديمقراطية والإصلاح، هو إستثمارٌ لتناقضات النضال الفلسطيني التي نخرتْ فيه طوالَ العقود السابقة ولعدم تشكيله للبرنامج النهضوي التحرري العميق.
(حماس) هي تعبيرٌ عن رمزيةِ الأخطاءِ الفتحاويةِ والفصائليةِ وللتخلي عن العلمانيةِ والوطنيةِ والديمقراطيةِ والأمميةِ وعدم تطويرها في حلقاتِ العملِ السياسي السابقة.
ولهذا كلما تم إصلاح هذه الأخطاء وتواجدتْ جبهةٌ نضاليةٌ ديمقراطية تقدمية كلما أخفقت الأصواتُ الطائفيةُ المحافظةُ المستغلةُ للإسلامِ وتوظيفه لهدمِ نضال العرب والمسلمين المعاصر من أجل التقدم والتحرر.
فثمة ضرورةٌ كبرى لإعادةِ النظرِ في المشروع التحرري الفلسطيني منذ بدايته، ونقده، وضرب الفساد الذي عشش داخل أجهزته المسيطرة، وإحداث قراءات ديمقراطية علمانية للتراث والأوضاع الاجتماعية المحافظة للجمهور وتغيير حياته المادية الصعبة، وبضرورة العلاقات الوطيدة مع النضال الديمقراطي العلماني داخل العالم العربي وإسرائيل، وهي كلها عمليةٌ صعبةٌ تاريخية لكن لا يوجد بديل عنها.
رأينا كيف تجاوزت حماس أخطاء فتح وفتحت باب الإنهيار الوطني الفلسطيني العام، وعلى كلِ المستويات تم إختراق البيت الفلسطيني، فمزيد من الهيمنة الإسرائيلية والغربية ومزيد من تبعية القضية لأنماط جديدة من الإقطاع الأشد تخلفاً في المشرق العربي، ووصل التمزيق لصفوف المسلمين غير العرب، وسحب أيديهم من التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته.
كما قامت حماس بتقوية القوى الصهيونية داخل إسرائيل وخارجها.
الأدب الطائفي
عبدالله خليفة الأعمال الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية الكاملة
فلسفة جديدة
طبقات التوحيد وطبقات التفكيك
isa.albuflasa@gmail.com
صراع الطوائف والطبقات في فلسطين
مثل أي نظام عربي يعتبر الديمقراطية مناورة سياسية غير مرتبطة بوجود نظام علماني راسخ، قامت السلطة الفلسطينية بإجراء إنتخابات تشريعية جاءت على رأسها حركة حماس في مفاجأة كبيرة للجميع.
هذه المفاجأة تعكس تناقضات الوضع الفلسطيني، فقد قامت حركة فتح بقيادة النضال الوطني وتقدمت به إلى آفاق كبيرة، وكأي حركة سياسية وطنية في الشرق كانت حركة شمولية، ذات شعارات فضفاضة، غير راسخة في مسائل الحداثة المحورية؛ وهي العلمانية والديمقراطية والعقلانية، لكنها لم تخلُ من ملامحٍ منها، تبدو على شكل شعارات، وكان أهمها مشروع تشكيل دولة فلسطينية على أي تراب فلسطيني مُحرَّر وتكون دولة علمانية وديمقراطية مفتوحة لكل السكان فيها.
كان هذا الخيار ذاته صعباً في ظل منظمات فلسطينية متطرفة قومياً، تنادي بدولةٍ من النهر إلى البحر، وتستخدمُ الكفاحَ المسلحَ فقط، وهو أمرٌ يعكسُ مستوى الوعي السياسي الفقير في هذه المنظمات، وعدم معرفتها بالواقع الذي تريد تغييره، سواءً من حيث عدم معرفة القوة الإسرائيلية أو واقع البلدان المحيطة بها أو آفاق نضال شعب فلسطين في الداخل.
وأهم نقطة في هذا عدم درسها لتناقضات الدولة العبرية وكون هذه التناقضات هي قاعدة التحرك المنتظر، لكنها كانت ذات نظرة متجوهرة، غير تاريخية، وغير طبقية، فهناك فلسطين وهناك إسرائيل، هنا أبيض وهناك أسود، ويجب أن يسود الأبيض ويُسحقُ الأسود، وهي نظرة دينية شرقية جامدة ضاربة في القدم، لا ترى في الدول والحضارات تكوينات تاريخية مرحلية متناقضة، يكمن العمل السياسي الثوري في كشف تلك التناقضات وحركيتها وتوظيفها لصالح الأغلبية الشعبية.
لكن كانت حركة فتح أكثر هذه المنظمات مقاربة للظروف الموضوعية، عبر طرحها شعار الدولة العلمانية الديمقراطية، مما كان يفتحُ الأفقَ لجذب أقسامٍ من الإسرائيليين للعمل المشترك، وكان هذا يضربُ جوهرَ الصهيونية بشكلٍ عميق، وقد زواجتْ فتح بين العمل العسكري والنضال السلمي، وانفتحت على كل الجمهور الفلسطيني والدول العربية، وهذا كله أكسبها حضوراً قيادياً رائداً.
لكن من جهة أخرى ظهرت القيادة الفردية وشكلت بيروقراطية داخلية، وهيمنت على فتح، وعلى منظمة التحرير، وعلى الدخول النقدية فيها، معطية أدواراً ثانوية للقوى السياسية الأخرى.
كذلك لم تكن بعيدة عن المغامرات العسكرية، حيث كان الواقع الفلسطيني والكيان الإسرائيلي يبدوان لها في حالة سكونية، ومادة فعلٍ سلبية، وأنها هي صانعة التغيير، وهي ثقافة موجودة بقوة لدى الفلسطينيين في الداخل كما في الخارج.
وكان الحراكُ الطويل لهذه القوة النضالية في الخارج عاملاً جاذباً للكثير من القوى السكانية المشردة بفعل المجازر الإسرائيلية والغزو الفاشي، وهي الطبعة الأولى من الصهيونية، مما أدخل في فتح وغيرها من المنظمات جمهوراً بلا خبرة سياسية وقابلاً للنضال ولكل المغامرات المجنونة كذلك.
وكما ظهر الخط الوطني المعتدل في فتح ظهر الخط الوطني المتطرف في (الجبهة الشعبية) وغيرها من المنظمات القومية، ووجدت بعضُ الدول العربية في هذا الانقسام فرصة لاستثماره وتقرير حركة الشعب الفلسطيني من خارجه، ووجدت دولٌ أخرى صيغة مغايرة عبر ترسيخ منظمة فتح كقائدة للشعب الفلسطيني، وجعل رئيسها رئيساً للدولة التي تعيش حالة مخاض الولادة العسير.
ولكن كل هذا الحراك السياسي الخارجي البطولي والمغامر والنازف آلاف الشهداء، والمؤجج لصراعات المنطقة ومشاكلها، لم يثمر عن تحريرِ بوصةٍ واحدة من التراب الفلسطيني!
وكان الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي البداية الحقيقية لفتح الطريق للتحولات، وهو أمرٌ كان يبدو كخيانةٍ عظمى، وكارثة قومية لدى المتجوهرين وأصحاب الرؤى الساكنة الدينية، فظهرت في وجهِ هذا الحوار منظماتٌ متخصصة في الأغتيال كأيلول الأسود وغيرها، وشاركتها المخابراتُ الإسرائيلية في قطعِ رؤوسِ الوطنيين والمثقفين البارزين الذين كان بعضهم يقود الحوارات وبعضهم يقود العمليات العسكرية.
لقد أدى الجدبُ السياسي في النضال الخارجي، وتشتت الجيش الفلسطيني في المنافي البعيدة بعد إحتلال لبنان، إلى أن يبرز العاملُ الوطني الداخلي في كل من فلسطين وإسرائيل، ليغير هذه الصفحة التي استمرت عقوداً.
لقد بدأ وعي وطني علماني ديمقراطي يتغلغلُ في صفوف جماهير هاتين الدولتين، حيث بدأ الشعبُ الفلسطيني في الضفة وغزة يدرك كونه شعبَ دولةٍ مغيبة، وأن الشعوب الأخرى لا تستطيع تحريره، وعبر الحجر الذي يملكه كلُ ولد فلسطيني بدأت عملية التغيير الشعبية، وكان الجمهور الإسرائيلي قد تعب من الحروب ومن سيطرة قوى العسكر والمال المغامرة بمصيره وظروفه خدمة لمشروعات دينية متطرفة أو لمؤامرات غربية فاشلة.
لقد بدأ تاريخٌ آخر، وقامتْ الطليعة الفلسطينية الخارجية بدورها في التحريك السياسي، لكن الآن بدأت الأرض هي التي تتكلم.
وغالبية الفلسطينيين هم من المسلمين فيما يمثل المسحيون ما يقارب 10%، والمذهب السائد هو المذهب السني، حيث تداخلت المذاهب السنية في نسيج واحد خاصة في الدول خارج الجزيرة العربية خاصة.
ولهذا فإن الصراعات المذهبية لم تتواجد داخل الحركات السياسية الفلسطينية، لكن هذه الحركات تأثرت ببلدان النزوح المختلفة، فأكتسب بعضها طابع اليسار المتطرف، خاصة التي تواجدت في سوريا ولبنان، فيما نشأت حركة فتح في الكويت متأثرة بجوها السياسي الديمقراطي العلماني السني في ذلك الوقت، وراحت تمتد في الأردن والأرض المحتلة.
ولكن تجربة الشعب الفلسطيني في بلدان النزوح اتسمت بالاضطراب الشديد، بسبب القمع والتضييق العربي الحكومي، وتعدد بلدان النزوح وتبعية أقسام من الفصائل لبعض الحكومات العربية التي إستغلت ظروف الهجرة والفقر في خلق قوى سياسية تابعة لها داخل النسيج السياسي الفلسطيني ثم قامت هذه القوى بالانقسامات والصدامات والتبعية البوليسية لتلك المراكز ففجر ذلك العديد من المواجهات.
وعموماً كان الاضطراب في تجربة فلسطيني النزوح أكثر بكثير من الداخل، وخاصة في قطاع غزة المتضخم بالسكان والذي تغلغلت فيه حركة حماس خلال عقود طويلة.
والتقت تأثيرات الاضطراب السياسي في الخارج وعدم المعرفة الدقيقة بأحوال الشعب الفلسطيني من قبل القيادات العائدة من المنفى بالمحافظة الشديدة في غزة وأنتج ذلك إنقساماً على صعيد الأرض المحررة المستعادة!
مثلما أن القوى الحاكمة في إسرائيل تمكنت من بعد تطوراتها العسكرية والاقتصادية الكبيرة من التحكم في الأرض الفلسطينية وتحديد إتفاقيات السلام وربطت قسماً كبيراً من العمالة العربية بها، ووضعت المتشددين الفلسطينيين في زاوية ضيقة، توجهاً لرسم خريطة سياسية متطابقة مع مصالحها وأفق تطورها.
وبهذا فإن القوى الشعبية الفقيرة الفلسطينية هي أكثر القوى معاناة في المنطقة، عبر الأجور المتدنية الحضيضية، وبغياب الموارد في الضفة والقطاع، وسوء الحياة المعيشية وترديها في مخيمات النزوح في لبنان وسوريا والأردن.
وهذه المناطق والمخيمات قادرة على توليد سياسات متطرفة تستغلها الحكومات المختلفة من أجل تفجير الصراعات السياسية مثلما يحدث في لبنان.
أو أن يغدو الفلطسينيين الفقراء كبش الفداء في الصراعات السياسية العربية كما حدث في العراق على مدى حروبه المختلفة، وفي الأيام الأخيرة كانوا ضحايا السلام مثلما تم لجؤهم على الحدود العراقية.
لم تكن سياسة الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات على رغم العديد من إنجازاتها حكيمة في العلاقة مع بعض الدول العربية الشمولية التي أضرت بالقضية، بخلاف الرئيس الحالي أبو مازن الذي وجه السياسة نحو الاعتدال وإقامة علاقا جيدة مع كل الدول العربية.
عكس التوجه الفلسطيني لخلق مؤسسات منتخبة رغبة الإدارة الأمريكية في زمن الرئيس بوش تحقيق مسحة ديمقراطية لأصدقاء الحكومة الأمريكية في المنطقة العربية، وإذا كان هذا هدف أصيل كذلك للشعب الفلسطيني إلا أن التطورات الداخلية الفلسطينية الإيجابية هذه جاءت بتسريع لم يـُنضّج له على مستوى البُنى الاجتماعية والسياسية، التي هي مثل غيرها في الدول العربية بُنى تقليدية ماضوية لا علاقة لها بالديمقراطية الحديثة.
وإذا كانت فتح ذاتها قد إستغلتْ هذه البنى في سيطرتها السياسية، ووضعت رجلاً أخرى في الحداثة كذلك، فإن عملية التسارع في السيطرة على الضفة والقطاع بعد الإنسحاب الإسرائيلي، تنفيذاً لإتفاقيات أوسلو، لم تتشكل عبر جبهة حداثية فلسطينية علمانية ديمقراطية بقيادتها.
عبرت هذه الإتفاقية عن مستويين؛ مستوى الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي، ومستوى القوة الفلسطينية المحدودة على الأرض.
ولثاني مرة يحدث إنسحابٌ إسرائيلي من أرض عربية كبيرة (بعد مصر)، ويخلف إنفراجاتٌ سياسية وتقدماً اجتماعياً مهماً، مما أكد أهمية سياسة السلام في خلق التحولات بعد كل تلك الكوارث للحروب السابقة.
ومن جهة أخرى فإن الانسحابات المحدودة التي لا تحل مخلفات الأحتلال الإسرائيلي بالكامل، تعني بقاء سيطرة القوى العسكرية – الدينية المتنفذة في إسرائيل، واستمرار المواجهة مع أطراف عربية أخرى، وهو أمرٌ يؤدي إلى عدم حل القضية الفلسطينية ذاتها.
إن التسويات المنفردة رغم تمثلها للتقدم الهام إلا أنها تحوي بذور الصراعات والحروب أيضاً، فالصراع العربي – الإسرائيلي يحتاج إلى تسوية تاريخية عميقة شاملة، على مستوى تعاون الأديان السماوية، وعلى مستوى تصالح الشعوب، وعلى مستوى إزالة الإحتلال.
وبهذا فإن توجه فتح لحكم الضفة والقطاع وجعل أجهزتها تهيمن عليهما، بعد عقودٍ من الأحتلال الذي خلف الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فجعلها هذا التسرع المتعدد الوجوه تتعرض لانتقادات كبيرة من الجمهور الفلسطيني، الذي بعد أن فارق نشوة التحرير أرجعته صرخات البطون والبيوت والحشود الفقيرة إلى الأرض الحادة.
وكان التسريعُ (الديمقراطي) يعتمدُ على تلك المنظمة الفتحاوية الجماهيرية العريضة، غير الراسخة في بناها العلمانية الديمقراطية، والتي قبلتْ وجود الأحزاب الدينية، وبجعل تنظيم سياسي آخر يمثل الإسلام وحده، وبهذا فقد نزعتْ صفة الإسلام عنها وعن بقية الأحزاب العلمانية.
ولم يكن فضاء نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين مثل أزمنة الستينيات فقد غاصتْ المجتمعاتُ العربية في أزمة فشل التحديث الرأسمالي المحافظ بعجز تلك الأنظمة عن مقاربة الحداثة، وصعد محور دول العراق وإيران والجزيرة العربية، النفطي المحافظ الأكثر من السابق، وراجت الشعاراتُ المذهبية السياسية كشكلٍ لتدفق سكان القرى والبوادي على المدن العربية، طارحة فضاءً غيبياً لحل الأزمات السياسية والمعيشية.
وقد استثمرت منظمة حماس التكوين الإسرائيلي الأولي لها كمنظمة يكمنُ دورُها في شقِ صفوف الفلسطينيين، وخاصة شق منظمة التحرير، وكذلك بقائها الطويل المهادن على الأرض خلال عقود، وذلك الغياب للوعي الديمقراطي والعلماني وسط الجمهور الفقير الحاشد الذي امتلأت به أزقة غزة خاصة، وبهذا فقد كانت الانتخابات التي قلبت الأوضاع السياسية وشقت الفلسطينيين على مستوى المؤسسات وعلى مستوى الأرض، هي جزء من المتغيرات الفلسطينية التي جرت في الجمهور، وجزء من متغيرات المنطقة.
لقد جمدت فتح منظمة التحرير التي كانت مؤسسة مهمة لصقل الفكر الفلسطيني الديمقراطي العلماني المفترض والإسلامي العميق كذلك، وتحولت إلى تنظيم فضفاض، راح كوادرهُ يستولون على موارد مهمة، وبطبيعة الحال لم تكن قادرة على أن تكون معبرة عن برجوازية فلسطينية قوية، لضعف الصناعة ولعوامل الشتات، وحروبها، التي كانت كلها ضرباً للرأسمال الفلسطيني وللعمال.
وكان قادة حماس قد سيجوا الفقراء حولهم بشعاراتِ الغيبِ (الإلهية)، المؤدلجة لمصلحة بعض قوى الأرض الفاسدة، واستثمروا خطاب العنف الفلسطيني الإلغائي الطويل، (دولة من النهر إلى البحر) والذي تكرس بقوة في انفعالات الشعب العاطفية الحادة، وعلى بحار الدم الفلسطينية، فانتصروا انتخابياً وعمقوا أزمة الشعب الفلسطيني أكثر فأكثر.
وبهذا كانت الضربة لدكتاتورية فتح، وتبياناً لخطورة الخطاب العنفي الفلسطيني العاطفي، ولعدم التحضير المطول لإنشاء دولة علمانية، ولعدم تكريس سياسة السلام، ولعدم قراءة الإسلام بعمق.
وقد سارعت فتح في الحفاظ على سلطتها الحزبية، فأصدر المجلسُ التشريعي المنتهية صلاحياته والذي تسيطر عليه فتح عدة قرارات كبيرة محورية، وهي صدور مرسوم رئاسي بتعيين رئيس الموظفين كتابع لديوان الرئاسة، ومنع الحكومة المقبلة من تعيين أو فصل الموظفين، وتعيين أمين عام للمجلس التشريعي الجديد من فتح، وإنشاء محكمة دستورية يعينُ الرئيسُ الفلسطيني قضاتها، ونقل مسئولية الأجهزة الأمنية للرئيس مباشرة وليس لوزير الداخلية كما يُفترض، ونقل الإذاعة والتلفزيون إلى إدارة الرئيس كذلك، وبهذا قامت فتح بإفراغ سلطة حماس من نفوذها الأمني والإعلامي، رغم إنها حكومة منتخبة.
ولم تتقبل حماس هذا التحجيم ولم تقبل بدور العمل لتغيير أوضاع الشعب الفلسطيني الحادة، وابتعادها عن سلطات الرئيس التي غدت رسمية قانونية، فتوجهت للصراع مع مؤسسات الرئاسة ومن ثم الأنقلاب على السلطة العليا، وعدم القبول بقرارات الرئيس، ثم فصل قطاع غزة عن الضفة.
كان عدم توجه حماس للتركيز على أوضاع الشعب المعيشية التي كان ينبغي أن تكون بؤرة نشاطها الحكومي المفترض والتي أُنتخبت على أساسها، يعبر عن رؤية متضخمة لذاتها، ولكونها تتجاوز أطروحات فتح والقوى الوطنية الأخرى، فهي تحمل هوية (إلهية) قادرة على هزيمة إسرائيل عسكرياً، بعد أن عجز عن ذلك فارس الفرسان، وتمخضت تلك الهوية الميتافيزيقية عن إنصراف عن الأمور المحورية الاقتصادية للسكان، وجرهم إلى معارك غير متكافئة مع الجيش الإسرائيلي، وتخريب وضعهم المعيشي السيء. ومن هنا فهي تخاف من أية إنتخابات جديدة بعد أن تم كشفها على صعيد الممارسة السياسية الضعيفة على الأرض.
ومن الواضح بأن ذلك كله جرى وليس في حماس إهتمام جدي بعملية السلام المحورية في حياة الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد جاءت على أجنحة رؤية تصادمية هي إستمرار للماضي العنفي، وحاولت أن تجعل من الضفة وغزة الخارجتين بصعوبة من الأحتلال منطقتي حرب وبداية لتحرير فلسطين.
وقد توافق هذا مع سياسة المحور الإيراني – السوري، ومع صقور المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والحركات الدينية اليهودية المعادية للسلام، وهي قوى تشترك من خلال مواقعها المختلفة في تأجيج التدخلات في الدول والنزاعات وتوتيرها خدمة لأهدافِ كلٍ منها الخاصة.
وبهذا أصبح لفلسطين جسمان جغرافيان منفصلان، عوضاً عن ضم الجسم الثالث السليب.
وبدلاً من رئيس واحد صار لها رئيسان.
وصارت لها دولتان وعلمان، العلم الفلسطيني الرسمي والعلم الأخضر. وصار لها نشيدان الخ..!
وإنشغلت الضفة بطلب المساعدات وتغيير أوضاع الناس الاقتصادية وأنشغلت غزة بإطلاق الصواريخ، ومقاومة الحصار، وضاع برنامج التحرير والسلام إن لم يكن قد ضاع وجود الشعب.
لا بد من القول كلمة هنا حول استثمار حماس للإسلام، وهو بخلاف الاستثمار الفتحاوي الانتهازي النفعي السابق الذكر، فهو إستثمار رجعي متضخم، فقد حاولَ قادة حماس أن يضعوا أنفسهم مقاربة لمنزلة النبوة في صراعها مع اليهود، فكأنهم في نفس النزال ونفس المكانة! وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يواجه مجموعة ليست بضخامة اليهود الحاليين، ولا بعدتهم ولا بعلاقاتهم الجبارة مع قوى الهيمنة في العالم، وكان بقربه مئات الآلاف من العرب إستطاع أن يحركها ويوظفها، فكان صراعه معهم صراع اقتدار وانتصار ولغاية (تأسيسية) للأمة، وبعد ذلك جاء التعامل المغاير معهم ومع غيرهم بحسب إنسانية وديمقراطية الحركات والدول الإسلامية، أما صراع حماس الراهن مع إسرائيل فهو صراع إنتحار وكوارث على الشعب الفلطسيني!
فلا يجب توظيف آيات القرآن توظيفاً خاطئاً شرعاُ وسياسة، وإجراء عمليات المماثلة بين تاريخين مختلفين، في وضعين مغايرين، فتكون إساءة مزودجة لتاريخ الإسلام ولرموزه وللوعي والمسئولية في السياسة المعاصرة.
كانت الأوضاع الاقتصادية متردية في الضفة والقطاع منذ بداية القرن العشرين فيما تكشفه الأرقام، فيصف تقرير للأمم المتحدة الأوضاع بالصورة التالية:
(ذكرت بعثة منظمة العمل الدولية في تقريرها أن عمليات إغلاق الحدود الإسرائيلية ونقاط التفتيش بين الأراضي المحتلة وإسرائيل والبلدان المجاورة أثرت تأثيراً مأساوياً على اقتصاد المنطقة. فهبطت الأجور الحقيقية للعمال الفلسطينيين في إسرائيل بنسبة 46% تقريباً في 2001 مقارنة بالعام السابق، في حين تدنت إيرادات السلطة الفلسطينية بنسبة تزيد عن 70%.
وذكر التقرير أن تصعيد العنف والاحتلال العسكري للأراضي تسببا في أضرار مادية كبيرة بالبنية التحتية والأراضي الزراعية. وتقدر الأرقام الأولية تكلفة إعادة بناء المباني العامة والخاصة والبنية الأساسية في الضفة الغربية وحدها بنحو 432 مليون دولار أمريكي.
وأضاف التقرير أن النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي بالمناطق الفلسطينية هبط بنسبة 12% في عام 2001 كما هبط الدخل القومي الإجمالي الحقيقي – وهو مجموع الناتج المحلي الإجمالي وعامل الدخل المكتسب في الخارج (أجور العمال الفلسطينيين المكتسب في إسرائيل) بنسبة 18.7%.
ولاحظ التقرير أن أكثر من 90% من السكان الفلسطينيين يعتمدون على شكل من أشكال الدخل الناتج عن عمل في الأراضي المحتلة. وأضاف أن ” أي هبوط في الاستخدام في الدخـل الناتج عن العمل يترجم فوراً إلى هبوط في الاستهلاك والرفاهة”. وتشير التقديرات الأوليـة للمكتب إلى أن “البطالة يمكن أن تصل إلى قرابة 43% في الأراضي المحتلة خلال الربع الأول من عام 2002. وقد ازدادت النسبة المئوية للسكان الذين يعيشون في فقر (اقل من 2.1 دولار أمريكي يومياً) من 21% عام 1999 إلى 33% عام 2000 وإلى 46% عام 2001. وذكر التقرير أن الرقم يمكن أن يصل إلى 62% عام 2002. ووفقاً لما ورد في التقرير، فإن إسرائيل لم تنج من الانتفاضة. فقد عانى النشاط الاقتصادي في إسرائيل من انكماش حاد خلال عام 2001 بهبوط الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.5% خلال عام 2001 بعد زيادة بلغت 6.4% عام 2000.
وقد تضرر الاقتصاد الإسرائيلي بشدة نتيجة ثلاث صدمات اقتصادية: تباطؤ الاقتصاد العالمي في النصف الثاني من العام 2000؛ وتدهور الوضع الأمني لنشوب انتفاضة 2000؛ وعواقب أحداث 11سبتمبر.
واستطرد التقرير قائلاً “وكانت الصناعات عالية التكنولوجيا هي الأشد تضرراً من جراء تدني النشاط في الاقتصاد الأمريكي، يليها هبوط بنسبة 50% في عدد السائحين في 2001 نتيجة أحداث 11 سبتمبر، وتدهور الوضع الأمني الداخلي. وتعرض النشاط في قطاع البناء لفوضى حادة نتيجة الانسحاب المفاجئ لنحو 000 55 عامل فلسطيني، فضلاً عن هبوط الطلب المحلي والاستثمار العام. وامتدت هذه الصدمات التراكمية إلى الاقتصاد برمته.
وارتفعت البطالـة بشكل متواصل خلال عام 2001، من 8.1% في الربع الأول إلى 10.5% في الربع الأخير – أي ما يساوي 000 267 شخص. وأضاف التقرير أنه “تم استدعاء نحو 000 30 من قوات الاحتياط للخدمة العسكرية في الربع الأول من عام 2002، الأمر الذي قد يحدث أثاراً ضارة على أنشطة. واختتم تقرير المكتب قائلاً “يدفع السكان الفلسطينيون والإسرائيليون ثمناً باهظاً للاحتلال والعنف. ويشهد الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الأراضي المحتلة تدهوراً يومياً مع ارتفاع مستويات الفقر والبطالة التي أصبحت عملياً أزمة إنسانية سائدة).
لقد غدت البنية الاقتصادية الفلسطينية معتمدة على البنية الاقتصادية الإسرائيلية، وليس ثمة إمكانية للتفكيك بينهما، وأي علاقات توتر تنعكس على المعيشة بين الشعبين، كما يجري ذلك أيضاً على المستويين المصري والأردني بدرجتين أقل.
ولهذا فإن غالبية الشعبين تتطلع إلى علاقات جديدة بينهما، وبهذا فإن الأوساط المتطرفة في كلا الجانبين خفتت لكنها لا تزال قوية كذلك، فالقوى اليمينية المتطرفة الإسرائيلية ترفض أي إنسحابات وتقوم بتوسيع المستعمرات، وتعزز الجدار الفاصل، وتريد حدوداً تختلف عن حدود 1967، في حين تقوي حماس والجماعات الدينية المتطرفة في غزة التوتر وترفض الحلول السلمية لهذه الأزمة الرهيبة الطويلة التي إستنزفت الشعب الفلسطيني بدرجة خاصة لأسباب غدت واضحة.
ومن المؤكد بإن الحل النهائي للأزمة لن ينهي العلاقات بين الجانبين بسبب اعتماد العمالة الفلسطينية الكبير على الاقتصاد الإسرئيلي، وبسبب تدني أجور هذه العمالة وتفاقم الهجرة اليهودية من إسرائيل المضطربة نحو الغرب.
وفي دراسة أمريكية إستطلاعية عبرت شريحة من المواطنين العرب والإسرائيليين في داخل إسرائيل عن تأييدها للتعايش المشترك بين الجانبين:
(أظهرت نتائج استطلاع الرأي أن أغلبية مهمة من المواطنين اليهود والعرب يؤيدون التعايش، إذ عبرت الغالبية العظمى من المواطنين اليهود (73 %) والمواطنين العرب (94 %) عن رغبتهم في أن تكون إسرائيل مجتمعاً يقوم على الاحترام المتبادل بين المواطنين العرب واليهود وعلى تكافؤ فرص.)، (عن شبكة العلمانيين العرب).
إن نمو الفلسطينيين داخل إسرائيل يتزايد وهم يشكلون 20% من السكان، ويزاد حضور اللغة العربية وتدريسها في الجامعات الإسرائيلية.
ومن المؤكد إن نمو علاقات سلمية سوف يزيد الحضور السياسي للجمهور المدني وخاصة القوى العاملة المتضرر الأكبر من الصراع، وبالتالي فإن هذا سوف يزيد من حضور الأحزاب الديمقراطية والتقدمية في الجانبين.
isa.albuflasa@gmail.com
-
اشترك
مشترك
ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.


