حدثت تعميمات لدى الباحثين العرب تجاه الفئات المتوسطة، عبر سلق تعبير (الطبقة البرجوازية)، فالفئات المتوسطة في العصر العربي الكلاسيكي، كانت في حالة تبعية شبه كلية للإقطاع، في حين إن في الزمن المعاصر تتشكل في حالات متعددة تبعاً للتبعية أو الإنسلاخ من الإقطاع. عند العديد من المفكرين والباحثين المعاصرين هناك التعميم، وسواء كان ذلك في الفكر الفلسفي كما عند مهدي عامل، أو كان في التأريخ الثقافي كما عند الدكتور سيد النساج في مصر في دراساته عن القصة القصيرة المصرية خاصة. لا بد من تحقيب قراءة الفئات الوسطى، بمعنى أن نعرف إن لها حقباً، مرتبطة بتطور قوى الإنتاج وعلاقاته. في الفترة الحديثة الأولى كانت مرتبطة بالاستيراد، ولهذا كنا نقرأ لمفكريها شطحات نهوضية كبيرة، فشبلي شميل أو إسماعيل مظهر وسلامة موسى يدعون لحداثة غربية ناجزة، وهي حداثة التاجر المستورد، الذي لم يشكل قوى إنتاج صناعية عربية، والذي يحولُ النهضةَ إلى استجلاب للبضائع الفكرية ويعتقد إنها تحلُ إشكال التخلف. إنها مرحلة رأس المال التجاري. في البحرين نجد ذلك يتقارب مع فترة مثقفي هيئة الاتحاد الوطني، رغم إن استيرادهم كان أقل تطوراً من قرنائهم العرب بطبيعة الحال. في الفترة الثانية والتي حدثت في البلدان العربية (المتطورة) حين لم يعد الاستيراد هو العلامة الميزة للإنتاج والوعي الطليعي، هنا حدث الانتقال من الاستيراد الكلي إلى الاستيراد الجزئي ونشوء بدايات التصنيع، والذي أرتكز على المرحلة السابقة، وزمن الحربين العالميتين اللتين ساعدتا على استنهاض كوامن الإنتاج، وفي هذا الزمن استطاع الفكر عبر طه حسين وأحمد أمين ومن ثم حسين مروة وغيرهم على إنتاج قراءات عربية إسلامية. إنها مرحلة رأس المال الصناعي الخاص – العام الأولي. إن الفترتين السالفتي الذكر شكلتا ما نسميه بالنهضة الوطنية والتقدمية، رغم إن الكم النقدي ليس بمستوى الفترة الثالثة، لكن كان هذا الكم النقدي يتجه في كثير منه إلى قواعد الصناعة، ويمكن أن ندخل في حساب ذلك الأنظمة الوطنية التي تشكلت والتي وسعت الصناعات، وهي كلها فترة وجهت النظر العقلي نحو نقد الواقع والتراث، بمستويات متعددة ومقاربات مختلفة. ثم جاءت المرحلة الثالثة الراهنة والتي اعتمدت على فورة صناعات الاستخراج، وخاصة النفطي منه، وهي مرحلة اعادت الاستيراد بقوة، سواء على مستوى الإستيراد من الغرب، أو إلى مستوى الاستيراد من الماضي العربي. وهي صناعة إستخراج لا تغير جذور المجتمع السحرية والأمية لكنها تتنج مردوداً مالياً كبيراً. ولم تعتمد على تطوير قواعد الإنتاج السابقة، بل أدت في العديد من البلدان إلى تحطيمها، كتصفية الصناعات الشعبية، أو تخريب الصناعات المؤممة، أو نقل المصانع الخربة الملوثة من أوربا الخ.. وهذه كلها أدت إلى صعود الطفيليات الإدارية الكبرى التي أفسدت الثقافة. هنا نجد الوفرة النقدية في بعض البلدان لم تؤد إلى نهضة، إلا بشكل إستيراد الكماليات بصورة بذخية مدمرة. الاستيراد الجديد هو الذي شكل الجماعات المذهبية السياسية، التي راحت تجتر ما قاله القدماء الجامدين في فهم الدين. إن الوفرة المالية هنا ساعدت على اعتقال العقل، في حين كان زهد طه حسين أو سلامة موسى أو حسين مروة أو جمال عبدالناصر أو عبدالكريم قاسم مشابهاً للتراكم النقدي المطلوب لدى برجوازية التصنيع الأولي وتقشفها. إن المراحل التالية التي قد تستمر في الماضي أو قد تصححه، مرهونة بمدى تعزز مواقع القوى الديمقراطية في المجتمعات العربية، ومدى تحويل صناعات الإستخراج والصناعات الخفيفة إلى صناعات كبرى، وتغيير الهياكل السكانية المتخلفة. والمرحلة الثالثة نجد تجلياتها الفكرية في النقل الآلي من الغرب والنقل الميكانيكي من التراث، وضخامة الاستيراد على الجانبين، فهنا راقصة مغنية بأحدث موضة وهناك مقنعة تخاطب القبور، شكلان متضادان يعبران عن أن القوى الشعبية لم تتمكن من السيطرة على الموارد وجعلها من إجل الإنتاج العربي. لا بد من رؤية حلقات التداخل بين المراحل العربية الثلاث التي أسست النهضة منذ القرن التاسع عشر الميلادي. لقد كانت مرحلة رأس المال الخاص والعام متداخلة، فهذان الرأسمالان الموظفان في الصناعة الخاصة والعامة، تصادما في المستوى السياسي، فكان صناعيو المرحلة التي وقعت فيها الانقلابات العسكرية يرفضون المشاركة في دعم الإنتاج، خوفاً من دعم هذه الأنظمة التي بدا فيها الواقع السياسي مقلقاً وخطراً على التوظيفات الرأسمالية. إن عدم دعم الصناعيين لخطط التنمية التي طرحتها الحكومات العسكرية، بدا لهذه الحكومات العسكرية الوطنية بمثابة تآمر وحصار، ومشاركة في الموقف الاستعماري الرافض للتصنيع. لكن الحكومات العسكرية من جهةٍ أخرى لم تعِ بأن التصنيع غير مرفوض غربياً لكن المرفوض هو التصنيع بيد الحكومات العسكرية، فهذا كانت له نتائجه الحربية والسياسية على خريطة المنطقة، ولو أن العسكريين سلموا السلطة لحكومات منتخبة لما كان الأمر كذلك. وهكذا فإن التصنيع العام الذي ظهر بيد الحكومات العسكرية كان يمثل قطيعة مع التصنيع الخاص الذي تشكل بيد الرأسماليين الأفراد والشركات والبنوك الخاصة، واحتلال الحكومات للفضاء الاقتصادي كان من شأنه أن يرعب الرأسمال الخاص الجبان بطبيعته، وهذا ما أدى على المستوى الفكري إلى نهجين متضادين كلياً، فهناك الشعار الاشتراكي الحكومي، وهو بمثابة غطاء لفشل التعاون بين البرجوازية الحرة وبين الفئات الوسطى الحاكمة العسكرية، وهو بمثابة رد وإلغاء لدور هذه البرجوازية التاريخي، فتم إعدام وجودها من الثقافة والتاريخ، ولم يعد ثمة من فكر سوى فكر الاشتراكية الحكومية التي صُورت على إنها نهاية التاريخ الطبقي. إن عدم القدرة على تشكيل تعاون بين هذين الرأسمالين كان يعني توقيف نمو بذور الوعي الديمقراطي العربي والإسلامي المنتج، وهو الوعي التحرري الموضوعي، الذي طلع بشق النفس، ولكن أدوات التحليل لديه لم تتطور ولم تتجذر، فظل نائياً عن الجدل وفهم تناقضات التطور الموضوعية. فكان الجانب الثاني من الوعي المعبر عن الرأسمال الخاص، قد تعرض للتآكل فنرى طه حسين والعقاد وأحمد أمين وغيرهم يتوقفون عن درس ونقد الواقع، بينما كان الفكر الماركسي العربي يتوه في زفة الاشتراكية الحكومية، ويفقد أدوات التحليل بشكل آخر، فيذوب ذيلياً في هيمنة القطاع العام الدكتاتورية، والتي في تصوره كما في تصور العسكر، تلغي وتزيل الطبقات! إن الفكرين الوطنيين المعبرين عن رأس المال العام والخاص، تصادما وعجزا عن التعاون، مثلما أن المصنع الخاص الصغير تعرض للإنهيار من العملقة الحكومية، والتي توجهت لهدم التصنيع الخاص، وترك الأشكال الأخرى كتجارة الجملة والمفرق والعقار والصرافة تعيش مؤكدة سيطرة الجوانب الطفيلية من الاقتصاد على الجوانب المنتجة. وهكذا فإن الإنتاج على مستوى الصناعة وعلى مستوى الوعي، تعرضا للتآكل التدريجي، فالصناعة الخاصة تعرضت للحصار، والصناعة العامة تعرضت لسرقات البيروقراطية الحكومية المتنفذة، في حين كان الوعي الوطني الديمقراطي بمختلف أجنحته يتعرض هو الآخر للتآكل، لأنه هدم التصنيع الخاص الحر وأوقف النظر التحليلي الموضوعي في رؤية الاقتصاد، وراح يشكل قصوراً في الهواء. إن القفزة التصنيعية الكبيرة كان لها نتائج هامة وعظيمة، وقد مثلت نقلة أخرى في دعم القاعدة الاقتصادية، لكن غياب الحرية والنقد ومجيء المشروعات بالقوة من الأعلى، وعدم ترابط التصنيع مع تغيير الريف، وانفصام ذلك كله عن تغيير الثقافة الشعبية والأسرة الأبوية، هذا كله أدى إلى توقف التصنيع العام عن دوره الثوري الواعد. وعبرت الهزائم العسكرية وعدم القدرة على تغيير خريطة المنطقة لصالح الاستقلال العربي، عن عجز القطاع العام بصيغته البيروقراطية غير الديمقراطية، عن تشكيل النهضة والتحكم في المصير، فعاد القطاع الخاص للسيادة مع صراع شديد ضد العام، ومع تدخلات مالية أجنبية وطفيلية هائلة.
هناك توهمٌ أن الألبسة والأشكال والمظاهر الخارجية تحل المشكلات كافة، فإذا لبست هذا اللباس ووضعت هذا الديكور على جسمك ونفسك فأنت بمنجى من كل شر، وأنت النموذج والقدوة. لكن خطورة الأشكال أنها سهلة، وخادعة، وهي تغازل الجهل الجماهيري، وتنومه، وفي ذات الوقت تمتد أيدي بعضها لجيوبه. لقد مرت على الأمم الإسلامية قرون طويلة من التجهيل سواء لدى (علمائها) أم عامتها، ونحن الآن في زمن التحديث لا بد أن ندرس كل هذا الزمن، ونضع قواعد دقيقة لتغييره. وقد طبق السلف أحكاماً إنسانية ثرة كقول عمر بن الخطاب (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!)، بمعنى أن الحرية سابقة على أشكال القيود كافة، وأن أي حدود وقوانين خاضعة لوضع الأغلبية الفقيرة. وحين تركز في هذا الإنسان الفقير الذي دفعته حاجته المادية أو الجنسية لفعل شائن، فلماذا لم توسع نظرتك النقدية التحكيمية في هذه المؤسسات المغيبة عن الرقابة وتلك المباني البعيدة عن المحاسبة؟ في زمن الفقه التابع للحكومات كان للفقهاء والمشرعين عذرهم فقد كانت اسواط الدول واقبيتها جاهزة لابتلاعهم، فطبقوا أحكاماً نصوصية شكلانية، انتزعوها من بين لوحة كبيرة حية، لكن ما هو عذر الفقهاء في هذا الزمن وخاصة في الدول التي أعطتهم حرية التفكير، واستقلالية القول؟ بأن يركز على هذا اللص الفقير ولا يفكر في أوضاعه المعيشية، وعلى هذه العامة المحرومة في غرائزها، وهو ينبغى أن يكون مدرسة أخلاقية لها، تعرف حاجاتها وظروفها وتقودها للرقي عبر تغيير أوضاعها المادية. فلا بد للمشرع من زيارة هذه الزرائب التي يعيش فيها الناس، وأن يوجه بصره القانوني لما يرفع من حياتها، وبعدئذ يستطيع أن يحاكمها في سوء تصرفها. تقود الشكلانية الدينية إلى النظر للأحكام من دون الرجوع للظروف الشعبية، فيتوجه المشرع إلى الاهتمام بمصالحه لكون تغلغله في ظروف الناس ونقد القوى الاستقلالية سوف يمنع التراكم المالي في جيوبه، وسوف تنظر القوى السياسية له كنشاز، وكلما منع صوت ضميره، وفكر في نفسه، خالف دينه، وانفصل عن قاعدته الشعبية. المناخ الشكلاني الذي يعيش فيه بعض فقهاء هذا الزمن، يمثل زمن الطفولية في الفهم الإسلامي، حيث الحماسة للأشكال، وعدم اختراقها للوصول إلى المضامين، ولكنه أبضاً زمن تجميع المال بلا محاسبة أخلاقية، وزمن الشركات التي تتاجر في الدين وفي المسلمين لتجميع المليارات وترحيلها للغرب، وهؤلاء الفقهاء ينخدعون بالشعارات ولا يمشون فى أزقة المال ويدققون في شعاراتها وكيف تعامل الناس وأي أجور منخفضة وأي مساكن رهيبة تقدمها؟
إذا كان أسلوب الإنتاج الإقطاعي الديني لم يتبدل منذ عمر بن الخطاب، منقلباً في الشكل مع تغير الحكام، صائراً مذهبياً بعد أن كان إسلامياً عاماً، فإن بؤرته الاقتصادية المركزية تقومُ على ملكية الدولة للثروة العامة، وعبر هذه الملكية تتحدد أنواع وأحجام الطبقات والفئات. ولكن هل أدى العصر الحديث بشركاته وصناعاته واستعماره إلى تغيير جوهري في أسلوب الإنتاج؟ ألم تقلبه هذه التغيرات «الكبرى» كما يقولون إلى أسلوب رأسمالي؟ إن أسلوب الإقطاع – المذهبي، يتضمن إنتاج الثروة المادية، عبر الإقطاع الاقتصادي السياسي، وإنتاج الدين عبر المذاهب، ولهذا فهو يشمل كل البنية الاجتماعية، بطوابقها الثلاثة: الاقتصادية والثقافية والسياسية، وحين جاء الاستعمار حافظ على البناء الإقطاعي – المذهبى فى الدول العربية والإسلامية، فلم تنشأ الفئات الوسطى إلا من خلال فيض الإقطاع الاقتصادي المسيطر. ولهذا ظلت تابعةً له بشكل مباشر أو غير مباشر، بشكل وطني، أو بشكل قومي. ولهذا وجدنا الاستعمار يكرس حكم الأسر والأفخاذ القبلية والطوائف، وحين جاءت الأنظمة الجمهورية تحولت المكاتب السياسية وهيئات الضباط الحاكمة إلى قبائل تغرف من الثروات العامة كذلك. هنا نجد تعبيرات جديدة مثل الميزانية العامة، التي فرضها الاستعمار بسبب الضرورات الاقتصادية المختلفة، ولكن حتى الإقطاع السياسي الديني في العصر العباسي والفاطمي الخ.. كان يخصص أموالاً للخدمات العامة، أي ليس ثمة هنا تغيير جوهري، فلاتزال الميزانية في يد الحكام، وهم لا يكتفون بذلك بل يطمعون حتى في الميزانية العامة التي خصصت للإنفاق العام، عبر دخولهم إلى الوظائف العامة، وتخصيص نسب ومكافآت لهم، إضافة إلى العمليات غير القانونية الكثيرة التاريخية، كعدم تحديد الأراضي العامة والمشاعية وكيفية التصرف بها الخ.. والعمليات غير القانونية العادية كإرساء المناقصات عليهم، وبيع الممتلكات العامة بمبالغ رمزية لهم وتحديد النسب الكبرى من الوظائف لهم ولأسرهم ومعارفهم وأقربائهم الخ.. لم يعد الحاكم يقول للغيوم بأن خراجها هو له أين ولت بوجهها، لكن المضمون هو نفسه، لكن الخراج لم يعد فقط في الزراعة باعتبارها القطاع الرئيسي الوحيد في أسلوب الإنتاج، بل أضيفت إليها الصناعات الاستخراجية، «البترول، والفوسفات الخ…» وهي شكلٌ آخر متطور عن الزراعة، فهي لا تقوم بتحويل تقني واسع لقوى الإنتاج، بل تعتمد على شطف المادة الأولية واستخراجها وتصفيتها الأولى. كما أن الزراعة ذاتها دخلت في عمليات تصنيعية محدودة، غير أن ذلك لا يغير في علاقات الإنتاج. إن ذلك يؤدى إلى احتدام التناقضات بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج؛ في ظل أسلوب إنتاج واحد، حيث أخذ يتعرض لصراع متفاقم متعدد المصادر . ولكن أين تكمن عقدة «علاقات الإنتاج»؟ إنها تكمن في السلطة وأسلوب إدارتها للثروة العامة. إن أساليب الإنتاج الغربية المماثلة لأساليب الإنتاج الشرقية تختلفُ في كون العقدة موجودة خارج السلطة، لكن أساليب الإنتاج الشرقية، ووريثتها الراهنة علاقات الإنتاج الإقطاعية – المذهبية، تكمن عقدتها في السلطة بجانبيها السياسي والديني. ولهذا فإن الباحثين عن موديل مماثل في تاريخ الغرب، لكي يطبقوه وينقلوه إلى العرب والمسلمين، لن يجدوه. ولهذا فإن علاقات الإنتاج تتكون من خلال السلطات الشرقية عبر تاريخ الهوة العسكرية وتشكيلها للمجتمعات. ومن هنا فإن العصر الحديث افتتح بالقوى الغربية العسكرية ومحافظتها على أسلوب الإنتاج السابق – الراهن، فلا أحد يستطيع أن يغير أسلوب الإنتاج بقرارات. إذا كانت الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج الرئيسية الإقطاب المذهبية في المنطقة تغدو بالضرورة هي الطبقة الحاكمة سياسياً، فإنها لا تتشكل من خلال انبثاقها من عوى الإنتاج، بل من خلال القوة العسكرية التي عبرها تفرض ُ سيطرتها على قوى الأنتاج، سواء كان ذلك من خلال الأسر القبلية أو زعماء الطوائف كما في لبنان؛ أو من خلال الضباط الأحرار واللجان المركزية للأحزاب الخ .. ويغدو الحكم ناجحاً أو فاشلاً بشكل اقتصادي مؤقت عبر نجاح القوة العسكرية في فهم الإنتاج وتطويره. ولهذا فإن عمليات الإصلاح الاستعمارية التي تمت في بداية القرن العشرين الميلادي كنست الجوانب الأشد تخلفاً فى أسلوب الإنتاج الإقطاعي الموروث، كالرقيق والغياب الكلي للمرأة عن سوق العمل، ونظام السخرة، ونظام أهل الذمة، ولا مركزية الدول الخ..، وهي خصائص عموماً غير جوهرية وغير أساسية في أسلوب الإنتاج الإقطاعي. ولهذا فإن جانباً كبيراً من الثروة العامة ظل في يد قوى الإقطاع السياسي، فدخول الاستعمار الغربي لم يكن ثورةً برجوازية بل كان مخافظةً على الإقطاع في ظل إصلاحات محدودة. ان تشكل الإقطاع السياسي الجديد بدءاً مما يسمى بـ«الثورة العربية الكبرى» حافظ على ملكية الحكام وأتباعهم للأراضي الكبرى في المشرق العربي الشمالي، حيث كانت لاتزال الشكل العيني الهام للثروة، وفي مصر كانت أسرة محمد علي العسكري الألباني هي التي حددت الملكية الكبيرة ووزعتها، وقامت الإدارات الاستعمارية في شمال افريقيا بتحديد من يملك أكبر حصة من الأرض وفي ثورة المهدي في السودان رفض المهديون توزيع الأراضي على الفقراء مما أدى إلى انتصار الإنجليز، وقام الوهابيون بتملك الثروة العامة في الجزيرة العربية عن طريق الحروب ونظام الغنائم الخ.. إن ملكية الأرض الكبرى في زمن التحول من العصر الوسيط إلى العصر الحديث في العالم العربي، كانت هي الشكل الاقتصادي الهام في عصر الانتقال الأولي من الإقطاع إلى العصر الحديث العربي، والتي أنتجت الريع العقاري وأشكاله، كشكل مباشر للإقطاع الاقتصادي، وهو المستوى الوحيد الذي يفهمه الباحثون التقليديون للإقطاع. نظراً لخلفيتهم الأوروبية الدراسية وعملية النقل الجاهز منها. لكن ملكية الأرض لم تعد هي الثروة الكبرى مع تطور الاقتصاد وعمليات التفاعل بين الاقتصاديات المحلية والغربية والعالمية عموماً، بل إن الزراعة راحت تتدهور، وأخذت أسعار الغلات الزراعية فى هبوط مستمر، ثم غدت الأرضُ كعقار هي مصدرُ الدخل الأهم؛ ولهذا فإن عائلات الإقطاع السياسي هي التي استفادت من تخصص الأراضى الزراعية ذات المحصول الغني كالقطن في مصر والسودان أو التمور فى العراق أو اللؤلؤ في الخليج أو الحرير في لبنان الخ.. وقد تحدث عمليات التداخل بين الأراضي الزراعية والسيطرة السياسية المؤدية للضرائب والمكوس وغير ذلك. لكن الثروة العائدة من المواد الخام التقليدية الزراعية أخذت تتراجع، ومع ظهور النفط في العراق بعد الحرب العالمية الأولى أخذت المواد الخام الصناعية المكانة الأولى في تشكيل الإقطاع وثروته. وكما كانت مفاتيح الأرض الزراعية والأرض المشاعية تنتقل لشيوخ القبائل والحكام والموظفين الكبار فإن صفقات الاستخراج الجديدة والتصنيع المعالج الأولي كانت من نصيب من هم في الحكم، أو أن الامتيازات تتضمن حقوقاً اقتصادية تعود للهيمنة السياسية. وبذا فإن كبار المهيمنين على الحكم والأرض انتقلت سيطرتهم إلى الصناعات التحويلية والنشاطات الاقتصادية الحديثة. إن انبثاق الثروة من السلطة السياسية والقوة ينتقل من الأرض إلى البنوك والصناعة والاستخراج وفيما بعد إلى المحافظ النقدية الغربية والعمليات المالية الدولية. لكن هذا لا يغير من الطابع العام للتشكيلة الإقطاعية ــ المذهبية. إن العلاقات الرأسمالية المتنامية في النظام الإقطاعي العربي والإسلامي تُؤسس من قبل قوى السلطات، ولهذا فإنها تُوضع بعيداً عن البناء الاجتماعي، فالألوية السياسية المسيطرة لا تقوم بخرق الأبويات الأسرية والقبلية والهيمنة الذكورية والثقافة الطائفية المسيطرة، فهذه كلها تبقى خارج علاقات الرأسمالية المتولدة من الحكم الإقطاعي المسيطر. إن العلاقات الرأسمالية تشتغل خارج مملكة النفوذ الاقطاعية الراسخة، لكنها تملأ خزائنها بالفيض النقدي، الذي يؤدي للمزيد من الرسوخ للعلاقات المحافظة. لكل بلد عربي وإسلامي مستوى معين من التطور ومن شكل التجلي الخاص به لسيرورة الإقطاع – المذهبي. إن الرأسمالية الطالعة من تحت عباءة الإقطاع تنبثق من العمليات الاقتصادية الكبرى لهذا الأخير، ففي مصر يظهر الرأسماليون من الريف ومن بيع القطن وتصنيعه، ثم يكبرون، في حان يظهر الرأسماليون في العراق من العمليات الزراعية ومن النفط، وفي الجزيرة العربية من التجارة البحرية والغوص على اللؤلؤ ومن ثم النفط، وفي لبنان من الزراعة ثم التجارة الواسعة الخ.. إن ارتباط ظهور رأس المال بالسلطة كعامل أساسي لأنتاج الفيض النقدي، تتشكل على أثره الطبقات والفئات على قدر اقترابها من نبع المال، وبالتالي فإن طابع الحكم العشائري أو القبلي أو الطائفي أو العسكري يحدد كم التوزيع، وكلما تبعثر الفائض الاقتصادي على كم سلطوي كبير ينفقه في استهلاكه، ازداد الخلل في البناء الاجتماعي. وتتضاعف الأخطار حين يكون التركيز شديداً في القمة، أو مرتبطاً بقرارات مغامرة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. إن ملاك الأرض المصريين حين نقلوا الفيض النقدي الزراعي إلى الصناعة والبنوك والحرف في الثلاثينيات تجنبوا الأزمة ووسعوا من التطورين الاقتصادي والثقافي. والرأسمالية المصرية تعاني الأن عدم قدرتها على رسملة الريف مصدر ثروتها الأول ودون ذلك يصعب انتقالها إلى الرأسمالية «الحرة». إن ظهور الثروات الراسمالية داخل التكوينات والعائلات والشرائح الإقطاعية، يجعل نمو الرأسمالية مرتبطاً بالأجهزة السياسية الحاكمة أو المعارضة التي تنتقل للسلطة، لتكرس السلطة الإقطاعية المذهبية كيفية نمو التجارة والصناعة والبنوك، فتقوم العائلات المتنقذة بالسيطرة على الموارد العامة، وكلما اقتربت من هرم السلطة ازدادت ثروتها ونفوذها وتوسعت أعمالها الاقتصادية. وكلما تنامت ثرواتها تغلغلت في السلطة أكثر. ولهذا فإنها تقوي أساسها الاجتماعي الإقطاعي – المذهبي، على أساس ركائزها المذهبية والاجتماعية، فإذا كانت طائفة مارونية أو سلطة سنية فستحافظ على مذهبيتها كمصدر أولي للثروة وللسلطة وللحشد الاجتماعي وسوف تكرس تمايزها عن الطوائف الأخرى، أو إذا كانت إدارة دولة متوارثة بيروقراطية شمولية فستحافظ على تمايزها كجماعة «مسلمة» في مواجهة مسيحيين، أو في مواجهة بربر، أو أكراد أو زنوج الخ.. تغدو السلطة السياسية، أو السلطة المذهبية، مصدرين لتوزيع الثروة وتناميها وهي القادمة من المنتجين، أو لدمارها كذلك، ولتداخلها ولصراعها، فلكونهما موزعتي الثروة يجري الصراع الشديد حولهما، وبينهما. إن كون السلطة والمذهب مصدري توزيع الثروة على القوى الاجتماعية المختلفة، يجعلهما مستقرين ومتوحدين في أزمنة النهضة، ولكنهما يتزعزعان في أزمنة الأزمة، فتنشأ مراكز متعددة للسلطة، وتظهر المذاهب المتصارعة، وقد عرفت أزمات الإقطاع المذهبي لدينا عدة حلول أساسية، فأما تفكك النظام السياسي، وإما سيطرة سياسية جديدة تعيد توزيع الفائض الاقتصادي بطريقة جديدة، وإما الحرب الأهلية التي تعيد المتصارعين إلى ما قبل الانفجار. وخيار الدول العربية الآن هو سياسات جديدة تبعد مصدري الثروة الدولة والدين عن أن يكونا موزعي الثروة، وتعود آليات توزيع الثروة للأنظمة الاقتصادية المحضة، وقوى الإنتاج المختلفة.
حين أبصرَ الشيخُ محمد بن زايد آل نهيان إن ثمة فتحة في إحدى الوزارات الحكومية بدولة الإمارات العربية تــُجبرُ المواطنين وهم يستلمون الأوراقَ على الأنحناء وعلى إدخال رؤوسِهم تحت حديدها، جاءَ وطلبَ تكسير هذه الفتحة المُذلة وجعلَ رؤوسَ المواطنين عالية شامخة لا تنحني! وليس هذا بغريب على أبناء زايد، فهم قد ورثوا الحكمة والتواضع من أبٍ كبير، أعطى أمثولة في الحكم، وصار شجرة خضراء كبرى تـُعطي بذورها وثمارها لمن يسمو بنفسه ويرتفع لمهام التاريخ العظيمة! لم يكن زايد آل نهيان في بدء حياته الحافلة بالعطاء سوى شاب عانى الكثير، وعرك حياة الفقراء البسطاء، وحين جاءهُ الحكمُ وجاءتهُ الثروة الخرافية لم ينفصل عن ذلك التاريخ، ولم يقطعْ علاقته بالمحرومين، ولم يتكبر أو يتجبر، بل طور هذه العلاقة لتغدو نظرة كبرى ومدرسة لمن يريد أن يتعلم، وما أقل المتعلمين وأكثر الحمقى المغرورين! كانت الدولة صحراءَ شاسعة، لا حدود لرملِها وجفافِها، فأخضرت وتحولت رمالها وصخورها وجدبها إلى أكبر حديقة في الجزيرة العربية، والدولة التي كانت بلا نخل صارت النخيل غابات فيها، وزادت عن ثلاثين مليون نخلة! وزايد الذي عاش في الشظف والصحراء، فأثرت ثقافته ونظرته السياسية، كان هذان العدوان أكبر خصمين له، فراح يجثتهما زراعة خصبة لا تعرف الاستسلام أمام العدو الأصفر، وإغنى المواطنين بحيث أن الفقر غدا لعنة من الماضي! والمواطنون الذين كانوا يعيشون في الخيام أو البيوت الحجرية الصغيرة، صارت بيوتهم أكبر من مضمار الخيل، يعيشون ويزرعون ويتريضون ويضعون سياراتهم في كل هذه المساحة. وهذا البدوي المفكر، والشعبي المثقف، كان يعبر بلغته عن أفكار معقدة لدى المثقفين والحداثيين، فعبر عنها بمنطقه ولغته البدوية، لكنهم لم يفهموها وغابت عن أنظارهم لأنهم يريدون اللغة المتحذلقة، وبيانات يعدونها من ورائه أناسٌ مزورون منافقون، يضعون على لسانه كلمات من منتدياتهم ومن جعجعتهم الفارغة ويحشونها بعبارات وألفاظ منتفخة لا مضمون حقيقي لها وهي زائفة مثل الحديد المطلي بقشرةِ فضةٍ رخيصة، ولكنه كان يريد أن يعبر عن نفسه بنفسه، وبألفاظه التي تبدو لهم مضحكة، لأنهم وكلماتهم زائفون، ولكن لغته البسيطة تتطابق مع أعماله العظيمة! ومن هنا لم يحتاج لفرق الطبالين والمشعوذين وحملة البخور الذين يفبركون المقابلات واللقاءات ويكتبون ما شاءت لهم الكتابة، المدفوعة الأجر، فزايد لم يحتاج إلى مثل هذه الصناعة الإعلامية الكاذبة، لأن أعماله تشهد له، ومن لم ينظر لضخامة هذه الأعمال، ومن لم ير مثل هذه المنجزات فلا فائدة من كلامه ومن بيانه! كان المختلفون معه هم الذين يشيدون به، وكانت إنجازاته تتحدث بنفسها، فلا حاجة لتطبيل وتزمير في الصحافة والإذاعة والتفزيون وفي الحزب المسيطر ومن جلبٍ للصحفيين الذين تـُشترى الدستة منهم بدينار، فيكفي هذه الخيرات التي تنصب على الشعب وعلى البلدان العربية والأراضي المحتلة وجنوب لبنان وعلى البلدان الفقيرة، لتتحدث عن نفسها، وكفى بالخير شاهداً ولساناً ناطقاً! وهذا الرجل البسيط كان أبعد نظراً من السياسيين، فقد تمرد في بدء تكون دولة الإمارات نفرٌ من الشباب الغض، وأراد الحرب، فاستدعاهم زايد واقترح عليهم أن يعبروا عن آرائهم ويثقفوا الناس عبر جريدة أو مجلة، لعل هذه الآراء تنتجُ شيئاً طيباً، بدلاً من المراهقة، لكنهم لم يستفيدوا فضاعوا، فكيف لحاكم أن يشكلَ معارضة ويدعوها للبقاء لا للزوال؟! وأخضرتْ كلماتُ زايد كما أخضرتْ الأغصانُ الصغيرة التي زرعها في الرمال، وغطت الأشجار والنخيل التي زرعها الشمس الحارقة، وأتت المنجزات أُكلها في دولةٍ كبيرة، متقدمة، مليئة بالحريات، نادرة المشاكل، ذات شعب مرفوع الرأس، سعيد. وتأثر الحكامُ الحكماء منه وتعلموا وغيروا من حياة شعوبهم. وأخضرتْ كلماتُ زايد كما أخضرتْ الأغصانُ الصغيرة التي زرعها في الرمال، وغطت الأشجار والنخيل التي زرعها الشمس الحارقة، وأتت المنجزات أُكلها في دولةٍ كبيرة، متقدمة، مليئة بالحريات، نادرة المشاكل، ذات شعب مرفوع الرأس، سعيد. وتأثر الحكامُ الحكماء منه وتعلموا وغيروا من حياة شعوبهم. فتحية لزايد وأبنائه وسيرته العطرة لتبقى نموذجاً في الحكم.
الشيخ زايد والآخرون
من أصابع الشيخ زايد تدفقت أنهار الزيت والماء والحدائق والظلال في الصحراء العطشى. إن هذا الرجل الصحراوي القادم من (العين) في مستهل الثلاثينيات، اكتنز بحكمة العرب في خيامهم وبراريهم وبعد نظرهم، أعطته البساطة سعة الصدر، والقصص والشعر والأمثال معاني إنسانية جديدة للسياسة الدولية المثقلة بالحديد والنار. جاء والبخلُ مهيمنٌ على الحكام، والجدبُ والصحراءُ في الأرض والحكم، وكان بعض المتنفذين يريد نقل التجارب العربية الانقلابية والدموية والمتعالية على الشعوب إلى الجزيرة العربية موطن البساطة والألفة. كان النفط يتدفقُ ومعه الثراء والانفصال عن الناس وعن القيم، فصار البعض أباطرة وحولوا خيامهم وأبلهم وقطعانهم إلى قصور فارهة وقلاع مفصولة عن الناس، مليئة بالتايلنديين والبنغال، وصارت بلدانهم مجرد حصالات يجمعون فيها الزيت والنقود والعظام ويضعونها في حصالات غربية وشرقية أوسع. جاء زايد لينشر الخضرة والغابات في الصحراء العربية التي لم تر السدود والأنهار منذ سد مأرب، ومنذ أن سرقت الفئران ذهب النساء، وحولت أهل الجزيرة إلى قوافل للفقر والتسول في الدول الأخرى. كان أهل الحكم لا يتحملون الرأي الآخر، وقد تمرد بعض المثقفين الإماراتيين على الدولة، وكانوا يريدون نقل دبابات البعث والحرس القومى وبيانات أحمد سعيد إلى البدو البسطاء، فاجتمع معهم زايد وقال انشروا يا أولادي أفكاركم بين الناس، وأنا أعطيكم صحيفة تبثون منها آرائكم، فإذا كانت جيدة فسوف تنبتُ في الأرض، وإذا كانت سيئة فستذهب مع سيول المطر والعشب. لكن المثقفين الانقلابيين رفضوا حكمة الفيلسوف البدوي، وأصروا على الانعزال والرفض، فكرت السنون وتبخروا في الهواء ! كان المثقفون الانقلابيون يتطلعون الى أمثال (ناقص)، إلى ذلك الثوري المزعوم المتشدق، واللص في الحقيقة، الذي جاء للحكم وبلاده واحة خضراء، مليئة بآبار النفط والأنهار والحدائق المعلقة، وإلى أمثال هذا من المترفعين والمغرورين الذين جلسوا على الكراسي فزادتهم غروراً وطغياناً، هؤلاء المتشدقون بخدمة الأمة والشعب، الذين لا يسيرون إلا وحولهم الحشود من العسكر والمسدسات معلقة في خصورهم، خائفين مرعوبين من أي عصفور يمر وأي فراشة تحلق! وكانوا يمطرون الناس كل اليوم بالخطب العصماء عن الإنجازات، وتوحيد الأمة، ورفع الشعب إلى الذرى، وهم لا يبقون على مدخرات رياض الأطفال وبراءة الشواطئ ويأكلون الأخضر والجبال والجزر والواحات والصحاري. وكان زايد يعمر الصحراء، وينشر الحدائق والبيوت العامرة والسدود والمدن في العالم العربي والإسلامي، فيعرفه البدوي المنعزل في الصحراء المغربية، وينزعج ثقبُ الأوزون من أصابعه الخضراء. في حين كان (ناقص) يقود شعبه إلى الحرب الأهلية وإلى استخدام القنابل الكيماوية في مأثرة كبيرة للحكام العرب المهتمين بالتنمية الجماعية للإبادة، وتحويل البدو ذوي الكرامة وعزة النفس إلى جلادين، ومخبرين، ثم إلى حرق بيوت هؤلاء البدو والفلاحين وتجفيف العيون والأنهار ونشر المستنقعات وتحويل البلد إلى خرابة كبيرة وحصالة هائلة لجمع أموال الزيت ونشرها على الأقرباء والمنتفعين والفاسدين .. تحولت أبوظبى إلى حديقة كبرى، وجاء الناس من كل أنحاء الدنيا للعمل وامتدت أنابيبها وشرايين الحياة إلى المعوزين، وأخذت النخيل تغطي السماء، في حين كان ناقص يزيل الحدائق ويحول البلد إلى بلد العاهات والفقر والتصحر!
ليس أسهل من الانسحاب من المعركه، فأن يقوم شخص قيادي بالعودة إلى الصمت والعزلة، فهو أمر سهل. وليس أصعب من أن تغير الرموز أدوات نضالها في زمن مختلف، يحتاج إلى عدة جديدة، وعادات جديدة، وتطوير الناس في سكك مختلفة. التغيير في مرحلة الإصلاح أسهل من التغيير في السابق، لأن لديك جهات رسمية واسعة تدعمك، وما عليك سوى أن تجمع الرسمي بالشعبي، البرلماني بالنقابي والتجاري الرأسمالي والصناعي بالعامى.. أي أن تتعلم لغة سياسية جديدة، وأن تحاور من لم تحاوره أبداً، وأن تستبدل عداواتك القديمة، بصداقات جديدة. إن الواقفين على السكك العتيقة، والذي يريدون مواجهات صاخبة، أو الذين يريدون عرقلة الإصلاح المتسارع، سوف لن يجدوا في أيديهم سوى قبض الريح، لأن عجلة التاريخ أقوى من أن نقاومها، فقد قاومها الشاه ولم يبق، وقاومها صدام بأعتى القوى، فشرد جماعته وقتل أهله، وغداً لناظره قريب. غداً ستأتيك الأخبار المذهلة، بحيث سيذهلنا التاريخ أكثر مما أذهلنا. إن خريطة المنطقه كلها معروضة للزلازل، فتمسك بالعروة الوثقى، وبالإصلاح، وبخدمة الناس، وبالنزاهة، فلن يبقى فاسد عاتٍ، وسوف تعرض كل الحسابات للجرد. ولدينا أجهزة سارعت إلى الأصلاح، فلماذا لا تعرف رموزنا المناضلة لغة الصبر وبُعد النظر، وتكوين اللغة العقلانية بين كل أطيافها وألوانها ولهجاتها، من أجل أن تكون هذه صفحه جديدة في تاريخ الوطن؟ لكن الإصلاح والتغيير والتقدم لا يأتي من الهواء بل من نشاط الطلائع وذكائها وعلاقاتها الوثيقة بالناس، وكيف تستطيع أن تقدم المشروعات وتدعم الإيجابي حتى لوقدمه منافسي السياسي، وتعارض السلبى حتى لوقدمه صديقى. لو أن كل عضو في جمعية سياسية التفت إلى واجبة السياسي، الإصلاحي، ودعم المفيد والبناء في المجتمع، بغض النظر عن صاحبة والمستفيد منه، لو أن معارض الوزير في الشارع رأى أفعاله الإيجابية فعليه أن يسارع بتأييده، ويدع الخصومة السياسية جانباً. لا نريد الصراعات الشخصية والعداوات الصغيرة، نريد جبهة واسعة للإصلاح تضم القوى الرسمية والشعبية، نريد التركيز على ما يفيد الناس، وسوف تصغر حينئذٍ دائرة الفساد والعداوة للإصلاح. سيجد الكثيرون أنفسهم بحاجة إلى أن يعرضوا كشوف حساباتهم في الوزارات والشركات، سيجد الكثيرون ان الربح القانوني أفضل بكثير من كسب عداوة القانون والمجتمع والجمعيات السياسية والنقابات. لماذا لا تحاول الرموز إذن تجاوز جمعياتها الصغيرة أو الكبيرة المغلقة بأن تكون رموزاً لجمعيات أخرى؟ لماذا الانحصار في الدوائر الضيقة وعدم توسيع المدار، ولا يتداخل الوطني بالتقدمي، والإسلامي بالعلماني، تداخل الكشف والحوار والمعرفه، لا تداخل الالتفاف؟ إن كسر الدوائر الإيديولوجية المغلقة والبحث عن المشترك الديمقراطي، يمكن أن يكون في اللقاءات ولكن في المجلات المشتركة، في الصحف المشتركة، في المواقع الموحدة والمتعاونة، في الندوات، في مؤتمرات البحث في التاريخ الوطني والقومي، في التعاون النقابي الخ . . لا يستطيع أن يقوم بذلك سوى رموز في مرحلة جديدة، تتوجه لتغيير الماضي، المحدود، وتكسر الجليد الطائفي، والسياسي المترتب عليه، وتنداح في موجات وطنية تعيد صهر الوطن في مرحلة مختلفة. وأن يبداً ذلك في منظمات الشباب أيضاً، بدلاً من أن يكرس الشباب عداوات لا يعرفون عنها شيئاً ولا تخصهم. هل تزول مرحلة القبائل السياسية القديمة والجديدة، وتعد التيارات نفسها لتغيرات اكبر تتطلب أدوات فكريه وسياسية مختلفة ؟
ABDULLA KHALIFA
WRITER AND NOVELIST FROM BAHRAIN
♦ Abdulla Khalifa Al Buflasa (born March 1, 1948 in Gudaibiya, Manama, Bahrain – died October 21, 2014 in Manama, Bahrain) is a Bahraini left-wing novelist and columnist.
♦ Upbringing and Education: Albuflasa was born in 1948 in the Gudaibiya area of the Bahraini capital, Manama. He studied at the Teachers Institute.
♦ Career career: He worked as a teacher after graduating from the Teachers’ Institute.
♦ He joined the ranks of the National Liberation Front – Bahrain in the 1960s and became active in its ranks. He was arrested in 1975 and dismissed from his job and released from prison in 1981.
♦ He wrote short stories and novels since the late 1960s and has various contributions in literary criticism. He also works as a columnist for the Gulf News newspaper.
♦ Member of the Union of Arab Writers in Syria.
♦ Contributed to the conferences of the Arab Writers Union, and the first conference was in 1975 held the Algerian Republic and presented the search for the evolution of the short story in Bahrain I subscribe to it, and participated in the Conference of the Arab Writers ‘ Union in Tunis in 2002, research under the cursed n (The roots of violence in contemporary Arab life), He participated in a conference in the Arab Republic of Egypt in 2003, and a research under the title (Arab intellectual between freedom and tyranny). And many Arab literary conferences.
♦ Since 1981 he has worked in the social and cultural Press in the Bahrain and Gulf newspapers, and has been published in several Arab periodicals.
♦ He wrote articles and political and social studies on the history of Bahrain and the development of the short story.
إن كونَ السلطة — المذهب مصدرُ توزيع الثروة على القوى الاجتماعية المختلفة، يجعلها مستقرةٍ و متوحدةٍ في أزمنة الرخاء ، ولكنها تتزعزع في أزمنة الأزمة، فتعجز السلطةُ السياسيةُ المذهبية عن التحكم في البنية الاجتماعية، نظراً لهذا التركز في السيطرة على المال العام وإهداره بأشكالٍ مختلفة، فيغدو المذهبُ مركزاً لسلطةٍ مضادة، أي أن الجماعةَ السياسيةَ المسيطرة على النظام المذهبي، تُنافسُ من قبل الجماعةِ السياسية المسيطرة على إنتاجِ المذهب، فيظهر الصراعُ وكأنه صراع بين السياسيين الحاكمين التحديثيين والدينيين، ولكنه صراعٌ بين أجنحة الإقطاع المختلفة، بل بين جناحيها الرئيسيين، بين الجناحِ السياسي الحاكم المسيطر على جهاز الدولة والثروة التي يصنعها، وبين الجناح المسيطر على إنتاج المذهب والثروة التي يصنعها، وإذا حدثت سيطرةٌ للجناح المذهبي السياسي، فإنه يعيدُ إنتاجَ نظام الأقطاع المذهبي بسيرورة أخرى.
أما لماذا أمكن حدوث هذا النوع من الصراع؟ فهو يعود لتنامي إعادة نظام الإقطاع المذهبي خلال القرن العشرين، وعجز الدارسين عن معرفة هذا الوضع هو بسبب عجز أدواتهم التحليلية وعدم متابعة التطور للمنطقة خلال القرون السابقة.
والجهل بهذه القضية الهيكلية في الحياة السياسية والاقتصادية يصل حتى إلى المتخصصين في شؤون تفسير الحياة السياسية والاجتماعية، مثل هذه العبارات التالية:
(ومهما كان الحالُ، فإن طبقةٍ صغيرةٍ كانت، ولا تزال تسيطرُ على ثروات البلاد بالتحالفِ مع الشرائح والفئات الحاكمة حتى ليصعب الفصل بينها، فتكادُ أن تشكل طبقةٍ أو عائلةٍ واحدة. ما يمكنُ قولهُ بدقة إن البرجوازية القديمة، وهي التي تشكلتْ من كبار مالكي الأرض والرأسماليين في التجارة والصناعة والمال، تمكنت تاريخياً من السيطرة على الحكم والثروة معاً)، (المجتمع العربي في القرن العشرين، الدكتور حليم بركات، مركز دراسات الوحدة العربية، ط ١، ص٣١٩).
هذا تحليلٌ يكاد يضعُ غموضاً على الظاهرة أكثر مما يحللها، فكيف تكون هناك طبقة مسيطرة ولكنها تتحالف مع الشرائح الحاكمة؟ وتكون هناك برجوازية قديمة وهي من كبار ملاك الأرض؟!
إن أي قوةٍ سياسيةٍ تسيطرُ على جهاز الدولة التقليدي المذهبي تحوله إلى أداةٍ لصناعة الثروة، فتصبح قوةٍ إقطاعيةٍ سياسية مهيمنة، سواءٍ أكان ذلك بلباس الباشوات أم بلباس ضباط الانقلابات، أم بفتوات الجماعات الدينية، فاستخدام السيوف أو استخدام الدبابات، للسيطرة على الدولة يحلقُ الإقطاعَ السياسي، واستخدام القوة للسيطرة على المذهب يخلقُ الإقطاع المذهبي، وهما قد يتآلفان في زمن هو زمن سيطرة جناح فيهما، وقد يتصارعان حين يجد الإقطاع المذهبي نفسَهُ في قوةٍ قادرةٍ على الوثوب للسلطة .
ولكن القوتين معاً تشكلان نظاماً واحداً هو نظام الإقطاع المذهبي، ويخضع توزيعُ الطبقاتِ والفئات لهذا النظام في زمنية بنيوية خاصة من تطور أسلوب الإنتاج، أي لا بد من قراءةِ كل بنيةٍ محددةٍ في زمنيتها، وهذه تحددُ مستوياتِ البنيةِ الداخلية وتأثيراتها المناطقية في المنظومة الإقطاعية المذهبية (الإسلامية) وفي العالم.
(ويقولُ خلدون النقيب إن عصرَ النفط بدأ في الجزيرةِ العربيةِ في الثلاثينيات وخلال عقدين بعد ذلك بدأت تتوضحُ معالمُ الدولة الريعية نتيجة الزيادة الكبيرة في الدخل بشكلِ ضرائبَ ريعيةٍ تحصلُ عليها الأسرُ الحاكمةُ من شركات النفط، وهو ريع خارجي غير مكتسب ولم يتولد من العمليات الإنتاجية للاقتصاد الوطني. ويتبعُ ذلك منطقياً أن الدولة التي تعيشُ أو تعتمدُ في معاشها على الريع الخارجي هي دولة ريعية، ونتجَ من ذلك أن أسهمت التعويضاتُ العامة في خلق اوليغارشية مالية عقارية طائلة الثراء، وفي تحويل قطاع الاستيراد والتصدير إلى أكثر قطاعات الاقتصاد دينامية وكان المستفيد الأعظم منها أفراد الأسر الحاكمة والعائلات التجارية الكبيرة التي تملك مساحات واسعة من الأراضي العقارية (المصدر السابق، ص ٣٢٠ – ٣٢١).
تبدو المُلكية الريعية في رؤية بعض الدارسين ومنهم خلدون النقيب وحليم بركات الذي استشهد بالأول في كتابه (المجتمع العربي في القرن العشرين)، وهو كتاب ضخم في أكثر من ألف صفحة! وكأنها في فراغٍ اجتماعي وتاريخي، ولكن ليست دخولُ النفط ريعاً، ولكنها دخول ناتجةٌ عن الحكم السياسي.
والريع هو دخل ناتج من ملكية الأرض ولهذا فهو إيجار عن ملكية، وأحياناً يتم التوسع في الريع ليصير أي دخل نتاج ملكية عقارية.
ولكن حكومات النفط لا تستأجر النفط، فهي حكومات سياسية، لا تملك النفط قانوناً، بل يملكه الشعب في أي دولة معنية، وأي دخل هو دخل سياسي، وليس دخلاً اقتصادياً، بمعنى إنه نتاج وضع احتكاري للسلطة.
وثمة فرقٌ بين الإقطاع السياسي وبين الإقطاع الاقتصادي، فالإقطاع الاقتصادي هو كملكية الأراضي الزراعية التي ينتجُ عنها إيجار يدفع لصاحب الأرض، ويطلق عليه محلياً الضمان، وهو يجسد الإقطاع الاقتصادي أفضل تمثيل.
أما الإقطاع السياسي وتملك فوائض النفط بصورة حكومية من قبل بعض الجماعات والأسر والحكومات، فهذا كله يتشكل في زمن الاستعمار باتفاق بين الدول الأجنبية المسيطرة والجماعة الحاكمة محلياً، أو بينها وبين المتنقدين أياً كانت ألوانهم، ثم تقومُ الجماعةُ الحاكمةُ المحلية بوضع يدها على هذا المال في زمن الاستقلال، وعبر هذه السيطرة الإقطاعية على جهاز الدولة تنمو المداخيل وتتشكل الطبقاتُ تبعاً لقربها وبعدها عن هذا المال المسيطر عليه، ولهذا تغدو هذه الطبقات والفئات تابعة ومنتجة من قبل الإقطاع السياسي الحاكم.
ولهذا فإن تعبيرات فئات ريعية وقوى ريعية تقود إلى إخفاء الطابع السياسي والاجتماعي لمسألة الإقطاع، وكأن الحكومات التي تؤجر النفط وتستغله دخلاً هي مثل القبائل التي تبيع مياه الآبار على القوافل، وليس أنها مسئولة سياسية عن ملكية عامة لا تعود إليها، وكل تصرف غير قانوني له نتائجه التاريخية. (وكل ما بني على باطل فهو باطل شرعاً وقانوناً).
ولكن تعبير (الريع) ينساق مع النظام الإقطاعي، فكأن بريطانيا تملك فلسطين عندما حولت ملكيتها إلى الجماعات الصهيونية. أو أن ملكيات الأسر للمال العام والثروات الاقتصادية كالمناجم هي ملكية شخصية وليست ملكية عامة لا تعود إليها.
وإضافة على الغموض في هذا التعبير فإنه خادع سياسياً ونضالياً، فمصطلح الريع يجعل مسألة النظام الاجتماعي غامضة، وإذا غابت مسألة النظام الاجتماعي التقليدي و إنه نظام ما قبل رأسمالي فقدنا البوصلة التاريخية في إنتاج نظام بديل وحديث، سواء من قبل السلطات التي تشكل هذا النظام التقليدي أو من قبل قوى المعارضة التي ترتهن بهذه المظلة الاجتماعية – السياسية.
ومن هنا نرى كيف تتحرك تيارات الإقطاع المذهبي في الحقبةِ النفطية، نظراً لظهورِ هذه الدخول الكبيرة فى المناطق الصحراوية ذات المستوى غير المدني، لهذا تغدو الثقافة الإقطاعية المذهبيةُ متفشيةٍ، وهذا لا يعني أن الثقافةَ العربيةَ المدنية السابقة خلت من حضور الإقطاع المذهبي، لكنها كانت متواريةٍ بمساحيق (قومية ووطنية) نظراً لذلك المستوى المدني لكن مع صعودِ المناطق الرعوية والزراعية تم ضخ هذه الثقافة المذهبية السياسية بتنويعاتها في الأقسام العربية الأخرى.
وحسب مذهبية الأسر والجماعات الحاكمة يتم ضخ المادة الدينية، فتعودُ الصراعات المذهبية القديمة، لكن فوق ثروات وعلاقات دولية مختلفة.
ومن هنا نستطيع أن نعرف تنويعات الإقطاع المذهبي في منطقتنا: السني، الشيعي، المسيحي، البربري، المهدي السوداني، الدرزي، الإسماعيلى، الكردي الخ.
ولا تبدل المنطقة إلا معرفة تاريخية واستراتيجية بهذه القضية وعبر إنتاج ثقافة ديمقراطية توحيدية لجمهور المسلمين ومن يشاركهم فى هذه الرقعة الواسعة.
أما كلمات مثل الريع فهي خاطئة اقتصادياً وتغييبية فكرياً. .
عاش قسمٌ كبيرٌ من الأدب الغربي في التحللِ الذاتي وليس في تحليل الوجود، وبانقسام الغرب بداية بين المعسكرين الرأسمالي الخاص والرأسمالي العام الشرقي كان هذا على حسابِ الطبقات المنتجة وأدبها النقدي والتقدمي الذي تضاءل في الجانبين. لهذا نجدُ مسرحَ اللامعقول والعبث شكلين من هذا التحلل. ولدينا مثال هام هنا هو مسرحيةُ صمويل بيكيت (في انتظار غودو). يشكل بيكيت بطليه الأولين الطالعين من الفراغِ التاريخي الاجتماعي؛ فلاديمير واسترجون، في عالمٍ مجرد، يدفعُ بهما في غيابِ تضاريسِ المكان والزمان حيث نرى: (طريق ريفية. شجرة – مساءً). ربما كانت الطريقُ الريفيةُ أقرب الى مثل هذا المكان، لكنها خيال من إنتاج المؤلف المدني للدخول في عالم التجريد الفلسفي. والشخصيات تبدو أقرب الى هذا العالم الريفي الشعبي، حيث الشخوص العامية (المشردة). فالشخصيتان الأوليان لا تاريخَ وراءهما سوى ومضات عابرة، وحتى اللقاء المنتظر بشخص غودو يقعُ بذات الفراغ. تصوير مجرد يدور حول الانتظار ولا حيثيات للمنتظرين ولا للرجل الواعد باللقاء، ويغدو اللقاء بهذه الشخصية كشكل ديني، كحلٍ سحري للمشكلات الواقعية الحياتية. التشرد هنا انفلاتٌ من تضاريس الحداثةِ الغربية، فالشخصيتان خرجتا من عالم الحياة الحديثة: العمل، والأسرة، والطبقة، والانتماء الوطني، والانتماء الطبقي، والحمولة الثقافية. هذا الخروج إطاحةٌ بالوجود الحضاري الطويل الذي لم يعد له قيمة لهذا المتشرد، للامنتمي والذي وراءه حضارة مهيمنة على العالم. مرحلةٌ سياسية تمثل ضياع المثقفين في العالم وهي بين فترات الحروب العالمية والصراعات الاجتماعية وبين شكلين من الرأسمالية الغربية والشرقية، فقدا قدرتيهما على الاقتراب من أرواح مثقفي الأنسنة المرهفي الحسِّ مثل بيكيت والمثاليين الذاتيين فلسفياً. لهذا فإن السخرية من الثقافة الدينية هي الومضات العابرة السريعة في المسرحية وكذلك السخرية من ثقافة التحديث الأخيرة. فقر وجوع الشخصيتين الأوليين فلاديمير واسترجون تعبيرٌ عن كونهما من خارج السادة كذلك، فهما خارج الحضارة وخارج الغنى، وبحثهما عن غودو هو النداء الغامض للوصول الى شيء ما غير محدد وغير ممكن في هذا الفراغ الاجتماعي الذي يعيشانه. ومن هنا يغدو حضور الشخصين الآخرين: بوزو ولاكي تحديدا لهما، وتوضيحا لبعض اللوحة الاجتماعية التي يمثلانها وتحريكا دراميا لجمودهما. فبينما هما مجردان كلياً لكنهما صديقان حميمان، تعاونا في زمن سابق، ففلاديمير أنقذ استرجون من الغرق وعملا معاً. في حين أن علاقة بوزو ولاكي علاقة مضادة كلياً، فحين يظهر بوزو يظهر وهو يسحبُ لاكي بحبلٍ طويل، ويحملُ الأخيرُ له أغراضَه ويقوم بخدمته، بشكل أكثر من عبدٍ من عبيد الماضي. بين علاقةِ التجريد وبين علاقةِ التخصيص تتشكلُ حيويةَ المسرحية، كما يتشكل تناقضُ الوجود الاجتماعي العام المجرد. فبوزو هو الحضور الاستغلالي المهيمن على الحياة، أما غودو فهو رمز للخير أو للمساعدة، فهو يظل حلماً. بهذا التشخيص العام المجرد يتكون التجسيد الفني والمعنوي الضئيل. بين التجريد الواسع يظهرُ التجسيم المحدود، فمظاهرُ الأكل لا يمكن أن تزول من الفلسفة المجردة المسرحية، فها هو بوزو يأكل دجاجةً وهي شيء لا يمكنُ تجريده، فيما كان فلاديمير واسترجون يأكلان خيارة وجزراً، وهو تعبيرٌ عن الطبقات بشكل ساخر. (بوزو الذي يلتهم دجاجته التهاماً، يرمي العظامَ بعد مصها)، ص 59، (استرجون يلاحظ عظام الدجاجة الملقاة على الأرض فيحملق فيها بنهم)، ص 61 من نسخة المسرح العالمي، عدد 270، الكويت. علاقةُ العبودية الفظة التي يقيمها بوزو تجاه لاكي تستثيرُ بعضَ الأسئلة النقدية الخافتة عند الشخصيتين الأخريين، لكنها استثارة محدودة ودهشة غبية، بل تنقلب بعد قليل إلى مساندة لبوزو في استبداده وتلاعبه بالكائن المربوط من رقبته والمسحوب عبر الأرض! هي علاقات كاريكاتيرية مسرحياً وفكرياً، نشطتْ المسرحية المجردة الرتيبة ولكن الإنسان المتحلل المقارب للحيوان المتقزم يصعُب أن ينشرَ إضاءة. المسرحية الشهيرة هي من ذات عالم أدب التحلل حيث تقطيع الزمن والشخوص والمواقف، وعدم حدوث تراكمات وتحولات في الشخصيات والأفكار، وبالتالي فإن تحليلَ الحياة وكشف تياراتها ينعدم، وهو أدبٌ ينتشر عبر دكتاتوريتين في الغرب الرأسمالي من خلال تضخمِ الذاتية وعبر سيطرة المال على النشر، وفي الشرق عبر هيمنة الحكومات، التي تقضمُ عمليات تحليل الحياة والواقع عبر تسييد الأدلجة والتسطيح الثقافي.
عبرتْ القبيلةُ عن الوحدة السكانية الصوانية للجماعات في ظل حياة الرعي. امتدت عبر ألوف السنين مؤكدةً أن الطبيعة الصحراوية هي الأساس، والثابت، بينما الأنهار والزراعة هي نقاطٌ صغيرة، تحيطُ بها الصحراءُ والقبائل. البقاءُ شبهُ السرمدي للقبيلة جعلَ مبناها مهيمناً، متحركاً، غازياً، فاتحاً، قوقعته الصوانية لا تقبلُ دخول الكائناتِ لتصير لآلئ وأفكاراً جديدة، والمدينة عدوتُهُ وكنزه ومحطة ترحاله ولحظة تفسخه. يحملُ إليها تماثليَّهُ وأوثانَهُ وقصائدَه فتُحضرُه، وتربطهُ بسلطتها، وتقودُهُ للغنائم والكنوز التي لا تبقى للجميع، بل لقواد القبيلة. لا تستطيع المدينة عاصمةً بدوية أن تشيعَ الزراعة والحِرف في كل مكان، وأن تحجم الصحراء، وتسيطر على العلم، لأنها لا تحملُ مشروعاً ديمقراطياً في جوفها المنقسم أبداً بين قمةٍ وقاعدة، بين رؤوساء وجمهور يعودُ إلى صحرائهِ يؤسسُّ قبيلة جديدة. تغدو القبيلةُ بناءً تحتياً جاهزاً عبر التاريخ في صحراء الشرق المترامية، تؤسسُ العبوديةَ المُعمَّمة حيث يغدو الفرعونُ (الملكُ باللغة المصرية القديمة) مالكاً أكبر للعبيد. قوى الإنتاج هنا هم البشرُ العاملون، في طفولةِ التاريخ، ولكن تحولَ القبيلةِ الحرة لمجموعة عبيد جرى عبر ألوف السنين، وهم عبيدٌ غيرُ مسلسلين بقيود، بل تابعون لكيان فوقي يحركهم كموادٍ لبناءِ قبر هائل، أو ليُقتلوا في الحروب. لكن القبيلةَ أقوى من ممالك العبودية التي بدت كأنها سرمدية من طول ما أناختْ على أعناق البشر، فخلقت الخلافة. إمتدادُ الإلهِ على الأرض يُستبدلُ بخليفةِ الله في الأرض، والامتدادُ غير الخلافة، لأنها نتاجُ لحظةٍ ديمقراطية في القبيلة، حين لم تعد القمةُ نائيةً عن القاعدة، والملاكُ أخوة العبيد، ولكن القبيلةَ تضمرُ في كيانها الخلية الأساسية العتيقة، وتغدو تلك لحظةً نموذجية استثنائية، لأن القبيلةَ تقوم بالفتوح وتحوزُ الكنوز، وتنقسمُ ثانية بين القمةِ والقاعدة، وتنفي ماضيها العابرَ لتبقى في حاضرها الدائم المنقسم ككيان قرابي اجتماعي متناقض. تؤسس المدينةَ الحضارية الدينية كقبيلةٍ مسيطرة، فتبقى القمةُ فيما تتحللُ القاعدة، القمةُ تستأثرُ بالخراج فيما تبحث القاعدةُ عن أعمال صغيرة تقتات بها. ويزدادُ التناقضُ في المدينةِ القبلية الدينية كلما ضاع الخراجُ في البذخ والمنافع الخاصة، وكلما جاءت القبائلُ المستأجرة للخدمات العسكرية، وتفاقمت مشكلاتُ المعيشةِ والحروب وتكاليف الحياة، وكثيراً ما تغدو كثيراً القبائلُ المُستأجَرة عسكرياً لأن تكون حاكمة فعلياً، فيما تذوب قاعدة القبيلة المؤسسّة بين الأنقاض السكانية والمادية المتساقطة عبر القرون. المدينةُ الدينية تصيرُ حاراتٍ وقرىً مذهبية، لكن الحارات والقرى تغدو هي الأخرى مساكن مخططةً قَبلياً، ومناطقَ قبائل للزحفِ الرعوي نحو مدن الثروات الضائعة في السراب، وكما تحملُ المدينةُ السياسية القبليةُ جرثومةَ القبيلة، فكذلك تكونُ القريةُ قبيلةً تعيشُ بين الحِرف والزراعة، تحكمها القرابةُ والمذهبيةُ والانقطاعُ عن حركة التاريخ. البناءُ الرعوي القبلي المؤسسُ يستمرُ في نخر المتتالياتِ العمرانية، لهذا تغدو تناقضاتُ وصراعات المدنِ والقرى هي صراعاتُ القبائلِ في لحظاتٍ متعددة من تطور التاريخ الذي لا يتغيرُ جوهرياً، وصراعاتُ المذاهبِ هي صراعاتُ قرى تعيشُ ما قبل الحداثة، لم تستطع السوقُ أن تدمجها وتوحدها وتخلق منها شعباً. حين تصير المدينة القبيلةُ أو القريةُ إمبراطوريةً تحكمُ أجزاءَ من العالم لا يتغير الجوهرُ القرابي الطائفي. وقد تتصادم الإمبراطورياتُ الطائفية لتتحطم وتحترق في أتون التاريخ، لتعود من جديد مدناً صغيرة رثة، وقرى على حدود العالم لم تؤد تراكمات التاريخ الغني كله لتبديل كود الانصهار الذاتي في القبيلة.1
عبدالله خليفة ــ حاورته: فاطمة المحسنكاتبه وروائية عراقية
✤ الكاتب والروائي عبدالله خليفة لك رصيد اللآلئ وكلماتك جمعت الرمل والياسمين كقرصان تدخل مدينة الحرف وتبعثر إبداعك في يوم قائظ تصدح فيه أغنية الماء والنار كامرأة يلفها الضباب أو هي سهرة لنشيد البحر حين يعانق الينابيع لتتركنا في دهشة الساحر بين هذا الإنتاج
ــ كيف تحدثنا عن تجربتك؟ ❈ هي تجربة طويلة توجهت لجوانب عديدة من الكتابة ، سواء في مجال القصة القصيرة ، أو مجال الرواية ، أو مجال الدراسات الأدبية والفكرية . وفي كل هذه الجوانب المنوعة اهتممت بالإنسان والحياة وفهمها ومشاركة القراء في هذه العملية وتطويرها على مدى السنوات الأربعين السابقة ، وعبر تطوير الأدوات حسب جهدي ونظرتي .
✤هناك علاقة قوية جمعت الكتاب في جيلكم بالوطن حتى أصبحنا لا نميز السياسي من الكاتب ؟ ❈لا يوجد كتاب لا يشكلون علاقة بالوطن ، في كل الأجيال ، ولكن تتنوع هذه العلاقة بينهم حسب مواقفهم الفكرية ، فهناك كتاب تغدو علاقتهم بالوطن نفعية أو استثمارية وربما هامشية ، وقد يبدأون علاقة نضالية ثم تتبخر مواقفهم ، وتغدو (الأنا) هي التي تظهر كأنا مركزية مهيمنة وينكمش العالمُ من حولهم . وآخرون يظلون مكافحين ، فتغدو السياسة معياراً ووجهاً من وجوه العلاقة بالوطن والمواقف منه ،ولهذا تتنوع ارتباطات الكتاب بالسياسة والأحزاب . والكاتب الذي لا يشكل له موقفاً سياسياً يعني بأنه في حالة غموض اجتماعي .هناك كتاب مواقفهم مائعة لأنهم يقيمون علاقات متضادة بين القوى الاجتماعية ، و ثمة كتاب انحازوا للسلطة وآخرون للقوى الشعبية . فتعبر المواقف الفنية – الفكرية المتداخلة عن جذور ما مختلفة . ✤ أصبحت الثقافة تعني الوطن ، والوطن رديف الثقافة ، كيف تفسر هذا الوضع ؟ ❈ الوطن كيانٌ مختلفٌ عن الثقافة ، فهو جسمٌ تاريخي ومادي واجتماعي ، بينما الثقافة هي شكلٌ من أشكال الوعي الإنساني ، ولهذا تكون لدينا ثقافات متعددة ، بعضها يكون تحليلاً وتجسيداً وسيرورة مع الوطن ، وبعضها مغترب عن الوطن ، وبعضها مستغل مستنزف للوطن ، وبعضها قادم من الخارج وطفيلي وبعضها قادم من الخارج وإنساني . . هي مسألة معقدة ومركبة وتحتاج لتحليلات معمقة في كل جانب! ✤ هل دور الكاتب والمبدع تعرية الواقع وتغييره ، وهل نستطيع أن نحدد وظيفة أو هدفاً معيناً وراء الكتابة الإبداعية ؟ ❈ (الواقع ) كلمة كبيرة، ومسألة تغييره هذه تحتاج إلى حشود وجهود بشرية متنوعة وتاريخية، أي أن التغيير يتشكلُ عبر أجيال ومراحل، وبالتالي فإن الأدب النضالي يساهم في هذه العملية المركبة الطويلة تاريخياً، بقدرته على أكتشاف هذا الواقع ، واستثمار أدوات فنية متعددة وغنية، وكلما التحم الأدب بالعملية النضالية العامة للناس ، كلما كان أقدر على فهم الواقع ونقده، وخاصة وهو يتوجه لعقول ونفوس البشر ، ويشكل علاقة حميمة باقية معهم ، لأن أدباً كثيراً يكون له دور نقدي ما في مراحل يتساقطُ في مراحل أخرى، وثمة أدب لم يكن له دور في مراحل، يتصاعد دوره في مراحل جديدة، فالعلاقة بين الأدب والواقع والتغيير تخضع لمستويات مركبة من التداخل والتقاطع والتباين . ✤ يرى البعض أن هناك قوالب وأركاناً ثابتة للتعبير تحدد شكل الكتابة الأدبية لا يحق للمبدع أن يكسرها تحت دعوى الإبداع . ما رأيكم في هذا القول؟ ❈ هناك أنواع أدبية كبرى كالنوع القصصي، والنوع الشعري ، والنوع الدرامي، وهذه الأنواع لها سمات وخصائص عامة، أكتسبتها عبر القرون، وطنياً وإنسانياً ، وبالتالي فإن المبدع في أي نوعٍ منها لا بد له أن يتجذر في سماتها ويتشرب روحها، وهناك عمليات درس وعلوم لذلك، لكن الإبداع من جهة أخرى لا يتوقف، والإضافاتُ تحدثُ بشكلٍ مستمر من خلال التجارب الأدبية المتنوعة، في كل هذه الأنواع، وتحدث تداخلات وعلائق مشتركة . فالقاص لا يستطيع أن يخرجَ من تشكيلِ الحدث والشخصية لأنهما جوهريان في هذا النوع ، لكن تأتي إضافاته في أسلوبه واختياراته للشخوص والأحداث وزوايا تشكيلها.. ✤ هل يمتلك الكاتب العربي اليوم خصوصية في الكتابة بعيداً عن الموروث وتأثيرات الثقافة ؟ ❈ الموروث هو جزءٌ من الكتابة ، فاللغة الأدبية كائنٌ تاريخي، وأي لفظ له سيرورة طويلة، وأي نوع له تجربته الخصوصية ، فالكاتب يقفُ عليها حين يبدأ، لكن خصوصية الكتابة عملية راجعة للكاتب نفسه، أي كيف يستفيد ويستثمر الموروث ويطوعه لعصره ولغته الخاصة به، وليس الأمر يتعلقُ بموروثهِ القومي فقط بل الأمر يتعداه للموروث الإنساني الواسع. . فنحن ورثنا قصة معينة من القدماء لكن على ضوء العصر طوعناها شكلاً ومضموناً لعمليات جديدة . ويظل التراث القومي معيناً لا ينضب للإبداع والتأثر والتجاوز، مثل الثقافة العالمية كذلك . ✤ للرواية اليوم أهمية جوهرية مؤثرة في زمننا الإبداعي حتى حتى أن البعضَ أطلق عليه زمن الرواية ، فما رأيك في الجيل الجديد والحامل لتصورات مغايرة في الكتابة والنقد الروائي ؟ ❈ كلُ نوع أدبي يحملُ أهمية جوهرية ، فلا يوجد نوع مختص بدم أزرق . لقد كان النوع القصصي ذا قيمة كبيرة للبشرية دائماً ، ولكن ما حدث في العصر الحديث أن النوع القصصي تداخل مع وعي جديد ، وعي قراءة الحياة بشكل موضوعي ، فراح يتغلغلُ تحليلياً في مشكلات الإنسان ، عبر أساليب فنية كثيرة ، وعبر بنيته الفنية التي أتاحت له هذا التغلغل ، وهذا الجانب جعل الرواية تغدو شريكة فكر ومتعة ، كما أن النوع القصصي توسع بشكل هائل في الدراما التلفزيونية وفي الفيلم الخ.. وهذا كله جعل إنتاج الرواية يتعاظم بشكل لم يسبق له مثيل . وحول الجيل الجديد وكتابته للرواية فقد سبق لي أن كتبت عن أعمال الجيل الجديد في مجلة (كلمات) وفي الصحافة العربية، وهو بحث عن الرواية في الجزيرة العربية ، وقد لاحظت أن بعض الشباب يتوجه نحو نسخ التجربة العربية في خارج الجزيرة، والبعض يتوجه للإثارة والكتابة عن موضوعات حساسة دون بناء محكم، والنادر من يتجه للحفر في الواقع وللتعب في صياغة المعمار الفني. لحسن الحظ بعض كتابنا الشباب البحريني صار يتوجه للحياة الشعبية ويغرفُ منها موضوعاته وهذا ما جعل مثل هذه النماذج النادرة للأسف تحقق عملية نمو للرواية المحلية خاصة لدى فريد رمضان وجمال الخياط . الأول لجأ في روايته الأخيرة (السوافح.. ماء النعيم) إلى بذور البناء الملحمي، حيث نجد اتساع الشبكة الشخوصية التي تتراوح من العراق إلى البحرين، في نسيج متنامٍ يجمع هذه الشخصيات الشعبية ويكشفُ صراعاتها ونفسياتها المتضادة. فريد لديه الأسلوب الواقعي (المحفوظي) الذي يشكل بنية موضوعية وينميها في التضاريس الاجتماعية اليومية ، بينما جمال يتوجه نحو المنولوجات الداخلية للشخصيات ، ويطلق طاقتها على الذكرى والتأمل والصراع، فتأتي التضاريس من دواخل هذه الشخوص المتشظية . بطبيعة الحال الكاتب يصنعُ بناءه عبر سنوات طويلة، فما لدى الشباب الآن بذور قابلة للنمو في اتجاهات شتى لأن الزمن الكتابي يضيف إليها . ✤ الرواية هي عالمٌ حافلٌ بالصراع والمتناقضات : فكيف ننظر للسيرة الذاتية من هذا المنظور ؟ وهي التي تمثل مفردة من مفردات عديدة للرواية ؟
ــ وماذا أضافت السيرة للمنجز السردي للرواية ؟
ــ ولماذا يلجأ الكاتب لكتابة التاريخ الذاتي ؟ ❈ هذه الأسئلة الفرعية كلها في الواقع تدور في سؤال واحد هو ما علاقة الرواية بالسيرة الشخصية ؟ لا يوجد روائي لا يجعل سيرته مصدراً أساسياً لأعماله الروائية. إننا نجد إن روائياً بحاراً يكتب روايات عن الحيتان وصيدها. نجد روائياً آخر عاش حياة طويلة من التشرد فتغدو العديد من رواياته مشاهد من الترحال ومعاناة أهل القاع. هناك روائيون آخرون يحجبون حيواتهم الشخصية لأنها عادية ليس فيها ما هو مثير روائياً . فالسيرة مصدر للرواية لكنها ليست رواية، فهي مادة خام ، ومرتبطة بحيثيات الحياة المباشرة اليومية، في حين أن الرواية تنزع للارتفاع عن هذه المباشرة، لأنها غوص إلى الأعمق، ولكن الغوص يعتمد على الأدوات الفكرية – الفنية للكاتب المتداخلة ، فالبعض لا يستطيع أن يرتفع عن سيرته لأنه لا يمتلك قدرة تعميم فنية . ثمة كتاب كبار نجد أن سيرهم لا تقل قيمة عن رواياتهم، مثلما فعل نيكوس كازانتزاكيس في (تقرير إلى غريكو )، فجمع بين قدرة روائية كبيرة و سيرة ذاتية نارية ، لأن نيكوس عاش حياة فكرية خصبة وتجربة اجتماعية ثرة (وطنية– صوفية)، فتبدو سيرته ورواياته مثل أساطير الإغريق مواطنيه. ويبدو لي هنا أن حياة الروائي غدت أكبر من رواياته التخيلية، فتغدو الحياة أكثر روعة وعمقاً من تلك، ربما بسبب طابع استثنائي فيها وامتلائها بالمغامرات والأحداث الجسام وبطريقة الكاتب الفذة في عرضها . أما حين تكون حياة الروائي عادية مثل نجيب محفوظ فإنه لا يستطيع أن يكتبها إلا كظلال ونفحات كما فعل في (أصداء السيرة الذاتية). ✤ نهتم كثيراً بقراءة الرواية المترجمة، كما اهتم الغرب بقراءة الأدب العربي القديم ((ألف ليلة وليلة مثلاً))
ــ هل يقرأ الغرب النتاج الأدبي الحالي؟ وهل هناك معوقات لوصول الأدب العربي للغرب؟ ❈ إن الغرب يقرأ بعض الأعمال العربية المشهورة وبالتالي لا يستطيع قراءة الرواية العربية الواسعة الضخمة. وهي عادة تــُترجم لعلاقات خاصة أو لدور البلد وأهميته في المنطقة، أي هي نتاج عوامل سياسية غالباً ، لكن الغربلة الفنية تستغرقُ قروناً، وهذا ما حدث حتى للرواية الغربية نفسها في بلدانها ، فلكي تصبح رواية (دون كيشوت) مَعلمَاً روائياً ريادياً احتاجت إلى ثلاثة قرون . وغالباً ما تأخذ العوامل الثانوية دورها في الاتصال الثقافي بين الأمم، فنجد بعض الروايات تــُترجم بكثرة، نظراً لعدم إطلاع المترجمين على حشود الروايات العربية، أو لأنها تتكلم عن الغرب، ولا يحدث حتى في النقد العربي ذلك التمييز العميق، والنقاد والمترجمون مهتمون بعوامل الوطنية والصداقة والحزبية وغيرها من العوامل الجانبية في الأدب، ولكن الزمن ينفي ويغربل هذه العوامل، وتتوجه عمليات الأصطفاء التاريخي إلى ترشيح أعمال بعينها وتصعدُها عبر الأجيال . نجد (والتر سكوت) الروائي البريطاني لم تكن روايته التاريخية تمثل في نظر معاصريه سوى مغامرات فجة ، لكن النقاد الكبار وجدوا فيها بعد حقبة طويلة أنها ذات سمات إبداعية عبقرية ! ( راجعي بهذا الصدد كتاب الرواية التاريخية لجورج لوكاش ) . ✤ ما تصورك الشخصي لكتابة الرواية اليوم ؟ ❈ غدت الرواية بالنسبة لي أهم جانب كتابي، فهي تعيشُ في البؤرة، وحتى كتابة الأبحاث كانت غالباً للبحث عن جوانب جديدة تحفرُ في الرواية، فقد أردتُ أن أكتبَ روايات عن التاريخ العربي قبل عقد فرحتُ أدرس جوانب من التراث، جعلتني أصنع كتاباً حولها. وحين أنهيت هذا الكتاب المؤلف من أربعة أجزاء توجهت ثانية لتلك الروايات التاريخية ولكن الفرق كبير بين تخطيطات ما قبل الدراسة وما بعدها، فقد وقفتُ على قواعد من فهم موضوعي للأجواء الروائية، فكتبتُ بعدها عن الشهداء الكبار في الإسلام والذين يمثل عصرهم أكثر العصور دراماتيكية ، وعصر الانتقال من الحلم الجماعي إلى التفكك والمآسي .. هكذا تغدو الرواية مدار الحياة الكتابية . . ✤ ماذا يعني لك كل :
اليوم العالمي للشعر ؟
تكريم أسرة الأدباء كل عام بعض أعضائها.
تكريمك هذا العام.
نتاج جيل الشباب في الأسرة
القصة والرواية في البحرين
لجؤك إلى الكتابة الفلسفية
كلمة أخيرة توجه إلى أسرة الأدباء والكتاب . ❈ – اليوم العالمي للشعر هو تذكير بالجمال والفتنة والدهشة في زمن مضاد، يحاول تكريس القبح ، وهو نوع من المقاومة المتوهجة. .
هو احتفاء بالنتاج وليس اهتماماً شخصياً، لأن ما يهمنا هو تكريس البناء الثقافي الفاعل والمغير للحياة، ويغدو الاحتفاء بالنتاج خلق مشاركة جماهيرية وعمليات نقد وتحليل، وما يمكن أن يثري الحياة الأدبية عامة.
كما قلت لكِ هي عملية اهتمام بالإنتاج الوطني وترسيخه ودعوة المنتجين الثقافيين للمزيد من العمل .
نتاج جيل الشباب هو أعمال جديدة وبحث مختلف في زمن مختلف ، والخوف أن يكرر هذا الجيل الأشكال الخارجية للجيل السابق بدلاً من أن يبحث عن صوته الخاص ، ويحفر في واقعه الذي اختلف عن واقع الأجيال الماضية .
القصة والرواية في البحرين في حالة إنتاج مستمرة ، وثمة نقلة نوعية فيها عن بلدان المنطقة الأخرى ، لأن قضايانا وصراعاتنا أكثر تبلوراً، وغدت عملية إصدار الرواية تتم على مستوى جيلين بل ربما ثلاثة ، مما يعبر عن تجاوز الرواية مرحلة التقطع والندرة وعدم وضوح السمات .
هي كما قلتُ لك هي عملية حفر في جذور الواقع والثقافة ، وهذه ربما حتى تؤدي بالنقد للفلسفة كما اهتممت في كتابي الأخير (نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية) بجوانب الوعي الفلسفي لدى الروائي الراحل، دون أن تتحول الدراسة إلى بحث في المقولات فنحن كروائيين نركز على إبداع الصورة أكثر من البحث في المفاهيم المجردة. ـــــــــــ فاطمة المحسن هي كاتبة وناقدة عراقية. كانت عضوة في الحزب الشيوعي العراقي، وعملت محررة بجريدة طريق الشعب التابعة للحزب، واعتقلت أثناء حملات اضطهاد الشيوعيين في عهد صدام حسين، ثم هربت إلى إيران ثم أقامت في لبنان وسوري…
لماذا استطاعت النبوة ورموزها التحويلية وصلاح الدين الأيوبي تحقيق انتصارات وتحرير المنطقة؟ لماذا فشلت الحركات المذهبية والقومية والماركسية في صنع التحرير؟ ولماذا نجحت النبوة ورموزها وصلاح الدين الأيوبي؟ لقدرتها على فهم التناقض الرئيسي وتجنب الدخول في صراعات ثانوية. كان الإسلام التأسيسي قد طرح الوحدة ورفض الدخول في صراعات مع ملأ قريش، وحين هـُزم ملأ قريش عبر سلاح التوحيد، تـُرك هذا الملأ في أعماله التجارية والاجتماعية واستفاد منها لتطوير عملية التحرير للبلاد العربية من الاحتلالات المختلفة. ولماذا كان صلاح الدين أذكى من التنظيمات القومية واليسارية على بعده الكبير عن العصر الحديث وإمكانيته المعرفية والصناعية؟ لحدسه السياسي المرهف بموقع التناقض الرئيسي، الذي يجب أن توجه كل القدرات السكانية والحربية ضده، أي بتوجيه القوى العربية الإسلامية ضد العدو المحتل لفلسطين. تجميعُ كل القوى وتوحيد الصفوف واستثمار كل الإمكانات القليلة المحدودة في الصفوف العربية المختلفة، وتشكيل حربة منها ضد الغزاة هو سر الإسلام وموجات التحرر الوطنية التي أحدثت نقلة وليس تمزقات وحروباً داخلية وأهلية استنزفت الأجساد والعقول والموارد. وحتى بعد انتهاء عملية الاستقلال الشكلية المعاصرة فإن الاستعمار لم ينته، والصهيونية ظلت تعربد في الأرض والسماء، فمن الذي ساعدهما بشكل مباشر وغير مباشر؟ أليست هي السياسات العربية المزايدة والتقسيمية؟ لماذا استطاع أولئك البسطاء السلف من الاقتراب من جوهر العملية السياسية المركبة بأدوات وعيهم في زمن شديد التخلف؟ كان التوحيد في بؤرة نشاطهم وتجميع كل الطاقات الممكنة، ومصالح الأغلبية في برنامجهم غير المسيس بالطريقة العصرية، لكنها متوارية تحت الكلمات الدينية البسيطة، وفيما بعد حين تشكلت الطوائف بسبب صراعات اجتماعية وقومية لم تـُفهم ولم تـُؤخذ بعين الاعتبار لدى الأجيال التالية من العرب والمسلمين، فكان الارتكاز على الأغلبية الطوائفية القادرة على إيجاد أكبر توحد في الصفوف العربية الإسلامية المواجهة للحملات الصليبية والاستعمارية فيما بعد. وفي زمن العلمانية والديمقراطية والعقلانية التي تجلت في قوى الأحزاب النهضوية المستندة كذلك إلى قوى الطوائف المؤيدة لعمليات التحرر حدثت الثورات الوطنية التوحيدية، وتحررت الدول العربية والإسلامية. لم تكن سمات الحداثة تلك سوى محاولة لعدم بعث الصراعات المذهبية والدينية على حساب التوحد، فالعملية السياسية التحررية وكذلك التنموية تتطلب أكبر رقعة سكانية متآزرة، وهذا لا يمنع الاختلاف الاجتماعي، اختلاف المصالح بين المجموعات الاجتماعية المختلفة، ومراعاة مصالح الأغلبية، والتوفيق بين مطالب التنمية ومطالب الجمهور العريض بالعمل والسكن والتعليم، ولا يمنع أن تكون لها مذاهبها وأديانها الخاصة المقدرة. لكن الصراعات الاجتماعية لا تكون على حساب مواجهة التناقض الرئيسي، ولا تكون تفجيراً للصفوف الداخلية، على حساب السكوت عن الغزو الخارجي. لكن الجماعات السياسية التي نشأت بقوة مؤخراً غرقت في تفجير الصراعات الداخلية، ثم تفاجأ في كل لحظة انعطافية بأنها خارج التاريخ، وعاجزة عن رد أي غزو، لأنها كانت مشغولة بسياسات التفريق لا بسياسات التوحيد. إن منزلقات الصراعات القومية والدينية نفسها التي شلت القوى العربية خلال قرون تستعاد. من هنا ينبغي أن تبحث مؤتمرات القمة العربية والإسلامية هذه المسائل المحورية، وتتبنى أجندة المعاصرة السياسية الراهنة، لتوحيد العرب والمسلمين على ثوابت النضال العامة.
ABDULLA KHALIFA
WRITER AND NOVELIST FROM BAHRAIN
♦ Abdulla Khalifa Al Buflasa (born March 1, 1948 in Gudaibiya, Manama, Bahrain – died October 21, 2014 in Manama, Bahrain) is a Bahraini left-wing novelist and columnist.
♦ Upbringing and Education: Albuflasa was born in 1948 in the Gudaibiya area of the Bahraini capital, Manama. He studied at the Teachers Institute.
♦ Career career: He worked as a teacher after graduating from the Teachers’ Institute.
♦ He joined the ranks of the National Liberation Front – Bahrain in the 1960s and became active in its ranks. He was arrested in 1975 and dismissed from his job and released from prison in 1981.
♦ He wrote short stories and novels since the late 1960s and has various contributions in literary criticism. He also works as a columnist for the Gulf News newspaper.
♦ Member of the Union of Arab Writers in Syria.
♦ Contributed to the conferences of the Arab Writers Union, and the first conference was in 1975 held the Algerian Republic and presented the search for the evolution of the short story in Bahrain I subscribe to it, and participated in the Conference of the Arab Writers ‘ Union in Tunis in 2002, research under the cursed n (The roots of violence in contemporary Arab life), He participated in a conference in the Arab Republic of Egypt in 2003, and a research under the title (Arab intellectual between freedom and tyranny). And many Arab literary conferences.
♦ Since 1981 he has worked in the social and cultural Press in the Bahrain and Gulf newspapers, and has been published in several Arab periodicals.
♦ He wrote articles and political and social studies on the history of Bahrain and the development of the short story.