استطاعت الأمم الغربية والروسية، أن تحتكر مشروعات الفضاء الكونية، وهذا أمرٌ يمثل تفوقها الصناعي، ومضت بعض الأمم الشرقية كالأمة اليابانية والصينية في اللحاق بهؤلاء المتفوقين لما أنجزوه خلال قرن من تنظيم شامل ومتقدم لمجتمعاتهم.
وأصبحت خارطة الفضاء القريب، وهو المجموعة الشمسية تتضح بصورة أكثر دقة، بسبب بعث العديد من الأقمار الصناعية وأجهزة التصوير وبفضل الرحلات الفضائية للقمر وللفضاء الخارجي عموماً.
وإذا كانت الكواكب السيارة حول الشمس قد تم تفكيك مناخاتها الداخلية وموادها العامة، فإن القرن الماضي يعتبر هو زمن كشف الأقمار الكثيرة الدائرة حول هذه الكواكب المقاربة للأرض أو العملاقة كزحل والمشتري.
وقد غدت مشروعات الفضاء القادمة مركزة على غزو القمر وقمري المريخ والمريخ نفسه، باعتبار هذه الأجسام الأقرب للأرض كما أنه أصبح ممكناً أن تحوي بعض العناصر الأساسية للعيش البشري كالماء والهواء.
لقد تم كشف معلومات كبيرة حول هذه الأقمار، والتي من الممكن أن يغدو بعضها قاعدة للتقدم في المجموعة الشمسية، وترينا المحطات الفضائية العلمية سيناريوهات عديدة للعيش البشري الذي لا بد له أن يتأقلم مع كل قمر وكوكب. لقد غدت هذه العملية تجري بشكل تصويري وداخل مواد كل كوكب وقمر، حيث أن كل واحد منها يمتاز بمناخ مختلف وبتكوين من المواد الخاصة، فبعضها يمتلئ بغاز وآخر بجليد وثالث بمواد كيماوية أخرى وأحد الأقمار يحتوي بحراً أكبر من محيطاتنا، ولم تــُكتشف الحياه فيه بعد، كما أن آخر ذا مواد بركانية متفجرة.
كما يكتشف دور المشتري ككوكب هائل يمتص الكويكبات والأجسام الشاردة الهاجمة على نظامنا الشمسي.
وهكذا فإن تنوعاً مدهشاً يحتوي مجموعتنا الشمسية الصغيرة جداً في الكون الفسيح!
وتجري صراعات بين الأمم المتقدمة على السيطرة على الأرض وعلى التقدم المتفرد في الفضاء، كما يدور تعاون محدود بينها وهو ما يمثل وحدة البشرية الحتمية في مواجهة الخروج الأولي من الأرض نحو جيراننا الأقرب!
ومن الملاحظ تقدم الولايات المتحدة في هذا الصعود الكوني، حيث يعطي تقدمها الصناعي الكبير هذا التوسع في الفضاء، وهي لديها سيناريوهات لاحتلال بعض المواقع المتقدمة في المجموعة الشمسية، نظراً لأن كل دولة لا تستطيع سوى أن تخطط لبرامجها الكونية، واضعة بعض الموارد التي تنبع من قدراتها الاقتصادية ومن استقرار نظامها السياسي.
فيما أن الدول المتقدمة الأخرى أقل قوة اقتصادية وأكثر عرضة للصراعات، فتحتاج لأغلب مواردها في العمل الأرضي، فيما يمثل الجهد الكوني إضاعة للموارد الأرضية لمشروعات طموحة لا مردود آني لها.
وهكذا كلما أزدادت قاعدة الأمة الاقتصادية تصنيعاً وعلماً كلما ارتفعت قامتها نحو أعالي السماء فتناطح ليس السحاب بل الأقمار والأجسام العملاقة في المجموعة والتي ليست سوى ذرة من مجرة هي الأخرى حبة فاصولياء بين المجرات!
إن الجماعة البشرية تطل الآن بشكل تقني على المجرات الأقرب، وأمامها سديم ضخم شبه مجهول، ولا شك أن ثمة حضارات نائية عنا، وإمكانيات مجهولة منا، ولكن يحدد ذلك عمر الكون الراهن، حيث أن الكون له عمر ويتجدد عبر مليارات السنين، وهذا العمر يشير بالنسبة للمجموعة الشمسية أنها ذات عمر معين في حين تسبقها مجرات أخرى بالعمر، وهي ذات إمكانيات كبيرة للتنوع وللحياة!
وحتى في الأرض فإن أزمنة الدول والحضارات مختلفة، ففي حين يشرف بعضها على الخروج من الكوكب، يظل بعضها يتصارع حول الطين الأرض البدائي، غير قادر على تطوير إمكانياته.
إن الخمسين سنة القادمة ستكون حاسمة لمشروعات الفضاء، وحتى بمواد الطاقة الراهنة فإن زراعة الإنسان في القمر والمريخ تغدو ممكنة، فتبدأ أولى الخطوات التحرر من الجاذبية الأرضية ومن الحبس على هذا الكوكب الذي أستمر ملايين السنين!
لا يقرأون . . ويتعاظمون! : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
إصلاح أم ضياع : كتب ـ عبدالله خليفة
ينخرط العاملون السياسيون في عملية الصراعات الاجتماعية المتفاقمة الجارية في الوطن العربي بلا رؤية، تدفعهم العفوية والتجريب والقضايا الجزئية، لا يعرفون ما هو الدرب المعقد الذي يتدحرجون فيه.
إن كلمة (الإصلاح) الخادعة هذه تسبب العديد من الإشكاليات، فهل ما يجري هو إصلاح أم صراعات على السلطات في كل بلد عربي، بهذا الشكل أو ذاك؟
إن ما يجري هو صراعات على السلطة، فالفريق الجديد فى السلطة يحاول أن يسحب شيئاً من سلطة الفريق القديم، وقد يكون الفريق الجديد داخل الطبقة المهيمنة وقد يكون خارجها، لكن الفريق الجديد، من كان، سواء داخل الطبقة الحاكمة أم خارجها، ليس لديه شيء جديد في الواقع، فهو اجترار للنظام التقليدي نفسه، وهي كلها صراعات داخل التشكيلة، والتجريبُ يقوم على لحوم الشعوب.
إن الأخوان هم خارج الطبقة الحاكمة، ويعبرون عن فئات وسطى، لكن الأيديولوجية المذهبية التقليدية، لا تجعلهم قادرين على التعبير عن هذه الفئات التي ينتمون إليها لأنهم لا يؤمنون بأنهم معبرون عن فئات وقوى اجتماعية محددة، فيصيرون مشابهين للطبقة الحاكمة نفسها، بقالب ايديولوجي مختلف، لكن الجوهر الاجتماعي هو نفسه، فالبيروقراطية الحاكمة عبر نصف قرن ستعيد تكييفهم إذا لم يتشكل وعي حديث بينهم ينفصلون به عنها.
وإذا تمظهر ذلك في صراع فتح وحماس، أم في مجموعة من الطوائف ضد الدولة في لبنان، أم في التجليات كافة التي تجري في البلدان العربية والإسلامية، فهو كله تعبير عن طبقة تقليدية مهيمنة وغياب النقيض، سواء في برجوازية صناعية ذات فكر نهضوي منتشر شعبياً، أم في طبقة عاملة.
إن الفئات الوسطى التي تصارع الطبقة التقليدية ليس لديها نظرة ديمقراطية واسعة الانتشار شعبياً، ولهذا حين تدخل إلى السلطة، أو يدخل بعضها، فإنها تقوم باحداث أزمة في مؤسسات الدولة بدلاً من أن تتجاوز الأزمات الطاحنة.
إنها تقوم بتشكيل فوضى عبر تفكيك جهاز الدولة وشله عن العمل، وبالتالى يفتح ذلك الطريق لصراعات داخلية محمومة أو حرب أهلية.
كذلك فإن الطبقةَ السائدة ذاتها تنقسمُ في العديد من البلدان نظراً إلى هذه الأزمة البنيوية، فبعضها يجنح نحو اساليب جديدة في إدارة الأزمة، والبعض الآخر يحرنُ الأسلوب القديم.
وهذا قد يُضاف إلى أزمة الفئات الوسطى المشلولة في فكرها والمنقسمة، فتتداخل المشكلة وتغدو مركبة. لأن جزءاً من الطبقة الحاكمة يستعينُ بقوى من الفئات الوسطى، في حين يستعين جزءٌ آخر بتكوينات أخرى، وهذا يوسعُ دائرةَ الأزمة في البناء الوطني ككل وبدلاً من أن تكون بين الحكام تغدو بين الحكام والمحكومين.
والعملية ليست إرادية ذاتية محضة، بل هي كذلك أزمة بناء اقتصادي لم تختمر فيه إمكانيات التحول الحقيقي، أي لم تظهر طبقةٌ قادرة على تجاوز النظام التقليدي.
لقد ظهرت في أوروبا الغربية كلمة (الإصلاح) بعد العصر الوسيط، وعبرت عن حروب دينية، أي عن صراع قوى إقطاعية لم تبلورْ نظاماً حديثاً بعد، لكن بعد تفجر الثورة الصناعية ظهرت مصطلحات أخرى عبرت عن العصر الحديث، ولهذا فإن المتصارعين التقليديين العرب باستعمالهم كلمة الإصلاح، يعبرون عن هذا المستوى. فالمصطلحُ يشيرُ إلى تغييراتٍ في نظام اقطاعي، وليس دخولاً في النظام الحديث.
وبطبيعة الحال فإن مستوى التطور العربي مختلفٌ من بلد إلى آخر، لكن أساسيات البناء هي نفسيا، لهذا نجدُ الأزمة تتمظهرُ في كل بلدٍ عربي عبر تجربته الخاصة وتقاليده السياسية.
إن (فتح) رفضت أن تحسم خيارها الاجتماعي بين البرجوازية والعمال، وشكلت وعياً وطنياً ضبابياً تجريدياً ، عبّر في الحقيقة عن هيمنة كوادر بيروقراطية على الجمهور العامل، وأثناء النضال الوطني كانت التناقضات بين هذه الكوادر وقوى الناس مغيَّبة، يخفيها الحماسُ والمشاعر الفياضة ويضحى فيها الفقراءُ لصعود تلك الكوادر، وقد شكلت فتح وعياً غيبياً دينياً وبرجتاتية سياسية يومية، أي انها تعتمد على المظلة الفكرية ذاتها للناس المقموعين الذين يعيشون في النظام التقليدي وعاجزين عن فهم مصالحهم وبلورتها، حتى إذا وصلت فتح إلى السلطة، ظهر التناقض الطبقي بين البرجوازية والعمال، واتخذ مساراً معقداً.
لم تقم فتح أو أي منظمة عربية سائدة بإنتاج وعي علمي، وإذا كانت قد شكلت برجماتية سياسية مفيدة لكن ركائز الوعي الديني التقليدي والقومي العتيق لم تتغير، وهي باعتبارها كوادر برجوازية راحت تستغل الجمهور الفقير، وتجسد ذلك سياسياً بقضايا الفساد، ولهذا فإن هزيمتها في الانتخابات ليست موجهة لبرجماتية التفاوض، بل للفساد أي لاستغلالها الموارد والمناصب، ولم تفهم (حماس) الموقف، فعارضت ما هو جيد ومقبول شعبياً وهو سياسية التفاوض القائمة على الاعتراف الضمني بوجود دولتين، لكن الشعب انتخبها لمعارضتها الفساد فقط، ولهذا دفعتها هذه السياسة إلى تفجير الوضع برمته بدلاً من (إصلاحه) فتوجهت لهدم ما هو جيد وغابت عما هو سلبي داخلي، ولهذا بدلاً من رفع أجور العمال توقفت هذه الأجور كلياً!
إن حماس هي امتداد لفتح، فهما قوتان لم تنتقلا إلى الحداثة السياسية، أي أنهما تزيفان انتماءهما الاجتماعيين، فلا تعلنان موقفهما الطبقي، بالانتماء إلى البرجوازية أو العمال، مثلما فعلت فتح بغطائها الديني القومي الضبابي، واستعملته لتصعيد الكوادر البرجوازية في هيكلها التنظيمي وجسمها يقوم على تضحيات العمال والفقراء، وتواصل حماس ذات السياسة ولكن من خلال غطاء ثقافي مذهبي يميني، وفي خلال هذا الدخان المذهبي تصعدُ كوادرُها للسيطرة على جهاز السلطة. ولكن بدلاً من برجماتية فتح في السياسة طرحت جمود الموقف القومي الديني القديم الذي لم يستفد من تلك البراجماتية. فأضافت سوء سياستها الخارجية إلى هلامية موقفها الاجتماعي الداخلي، فنقلت البلد إلى أزمة مركبة على صعيدي السياسيتين الداخلية والخارجية، فقطعت شرايين (السلطة) بالحياة الدولية ذات الأسس الحضارية التامة، نظراً إلى ذلك الموقف المذهبي اليميني.
إن هذا الغطاء المذهبي هو لتسلل كوادر برجوازية أخرى للسيطرة على عمل العمال، فهو غطاء ضبابي يستعمل مصطلحات (إسلامية) عامة غامضة، من أجل إزالة الوعي الطبقي من الجمهور بمختلف انتماءاته الاجتماعية، لأن الجمهور الفقير سوف يسأل حماس عن مواقفها وكيفية توزيع الثروة وخطوات (الإصلاح) على الأرض، وهذا يقودإلى تفتيت الكيان السياسي الهلامي لها، الذي لم يحسم خياراته الاجتماعية وموقفه من الحداثة والعقلانية والعلمانية والديمقراطية، أي من توزيع الفائض الاقتصادي على الفقراء، فتصير أزمة حماس امتداداً لأزمة فتح، أي هي أزمة الفئات الوسطى العاجزة عن التشكل الطبقي، واختيار طريق التطور. ولكن بدلاً من أزمة تنظيم واحد تغدو أزمة تنظيمين ثم أكثر لتصبح عاصفة وطنية ثم إقليمية.
فبدلاً من عرين الأسد العراقي الذي ارتمت على فيض أمواله فتح، تظهر خزائن البعث السوري وإيران، وبدلاً من القومية المهترئة بفعل المخابرات تظهر دول الطوائف، ولهذا تغدو السياسة (الإسلامية) هنا برجماتية تقوم بها الكوادر البرجوازية لاحتلال الكراسي، وهو أمر يفجر الوضع السياسي الوطني الفلسطيني ويفجر الوضع في المنطقة.
إن المتاجرة بالوطن تُستبدل بالمتاجرة بالمذاهب، وقشور الشعارات الوطنية تضاف إلى قشور الشعارات المذهبية، ومن هنا لا تتخذ حماس موقفاً من نضال المسلمين النهضوي الطبقي الأساسي، أي من نضال عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب لتشكيل دولة شعبية، فلا فرق لديها بين هذا وسياسة ملأ قريش، وهو أمر يتشكل في فقه العبادات المفصول عن الملكية العامة و الانحياز للطبقات الشعبية.
وما يحدث في فلسطين يحدث في مصر، والعراق، واليمن، والجزائر الخ، فالبناء ذاته، فالحزب الوطني وريث الامتيازات، ومظلة الوطن المسروق، يجابه حزب الاخوان، دون أن يمتلك الأخير سياسة تنفي نوعياً سياسة الحزب الوطني، بل هي تنقل الأزمة إلى مستويات جديدة من البناء، وبدلاً من تقديم حلول للنظام المأزوم يتم تفجير المعارك في الشوارع. أي بدلاً من الوقوف مع الفلاحين وتقديم مشروعات لتوزيع الأرض عليهم، وبدلاً من دعم حياة العمال ودعم تنمية البرجوازية الصناعية، يتم التوجه نحو قضايا فرعية تفجر الحياة السياسية.
إن الحزب المعارض هنا لابد أن يكشف وجهه الطبقي لأنه في موقع القرار الأن، ولابد أن ينحاز، لكنه لا يكشف مثل هذا الوجه، بل يتعمد الغموض، وجر الحياة السياسية نحو جوانب تأزيمية.
ويجد المذهبيون السياسيون عموماً أنفسهم في مازق تاريخي فإذا أرادوا (الإصلاح) لابد أن ينحازوا إلى العمال والفلاحين، وهذا الانحياز يفجر التنظيم من الداخل. لأنهم سيكونون بين البرجوازية أو العمال، ولهذا لن يغدوا أغلبية برلمانية في أي يوم. ولأجل الحفاظ على هذا الموقف الغامض المتذبذب، وتأييد الجمهور معاً، لابد من افتعال معارك جانبية.
يقوم (الإصلاح) العربي الجديد في حمى الأصلاح الغربي، أي هو نتاج السياسة الأمريكية، التي تشكلها المؤسسات الاقتصادية الأمريكية الكبرى لتوسيع الأسواق، وهي مرحلة عولمية في الكوكب الأرضي، تعيش فيها المؤسسات السياسية الجديدة التي جرى (إصلاحها) على البناء القديم نفسه، فلا تعترف البرجوازية الأمريكية وهي تسوق مشروعاتها السياسية بتاريخها السياسي النهضوي السابق، أي أن تعالج أولاً مسألة الأنظمة التقليدية بدلاً من القفز نحو مرحلة عليا غير ممهد لها. فهذا يخلق الاضطراب على الأصعدة كافة، وهم يعترفون بظهور مرحلة فوضى، لكنها فوضى ستكون في الخريطة العربية الإسلامية.
فالقوى العربية التقليدية سواء التي تحكم أجهزة الدول أو التي تتحكم في عقول الجمهور ستتصارع على السلطات، دون أن تمتلك كلها برنامجاً تحديثياً. والنتيجة كما رأينا هي انتقال الفوضى من بلد إلى آخر. ويعتقد المسئولون الأمريكيون أنهم قادرون على ضبط وتوجيه هذه العملية. لكن كما رأينا من التجارب أن الفوضى تحل في أي بلد مع تطبيق وصفة (الإصلاح) هذه، ولكن حين تتعمم هذه العملية وتتشابك التجارب وتتداخل الصراعات الوطنية والإقليمية فإن الفوضى ستكون عامة.
إن القوى التقليدية العربية والإسلامية التي دُفعت إلى لتغيرات لا تملك قواعد اقتصادية موضوعية للانتقال إلى الحداثة والديمقراطية، أي لم تظهر برجوازيات صناعية تقود الجمهور المشتت المتخلف، وتشكل ثقافة نهضوية ديمقراطية، وهو أمر تمنعه القوى الحاكمة التي تتصرف في الملكية العامة بفساد، بل تظهر قوى تقليدية مضادة للدول تعود بالمسار إلى الوراء، وتحدث فوضى اجتماعية.
وهو أمر يتوافق كذلك مع الشركات الأمريكية الكبرى التي تريد الأسواق والمواد الخام، وتعارض وجود برجوازيات صناعية عربية قوية بطبيعة الحال.
وإذا كانت القوى التقليدية العربية كلها تعبر عن عوالم الأغنياء الكبار المسيطرين، المتصارعين، لكن كل هذه القوى كذلك تزعم أنها تعبر عن العمال والفقراء ايضاً! وهي ترفض التخلي عن هذه المتاجرة بالأوطان والأديان.
وهكذا يغدو (الإصلاح الأمريكي) عمليات تجريبية، وانتقائية، وانتهازية، وهو أمر عائد إلى الجذور الاجتماعية لهذه القوى السياسية الأمريكية الحاكمة، فهي لا تستطيع أن تكرس إلا مصالحها، ولكن إذا كان لنا خيط مفيد من هذه السياسة فلا ضرر من الاستفادة منه ومعارضة جوانبه المحدودة.
إن التغيير لا يكون إلا بجهد القوى السياسية والاجتماعية العربية والإسلامية، عبر الانسحاب من التمثيل المذهبي إلى التمثيل الطبقي، ومن الهويات ما فوق الوطنية إلى الهويات الوطنية، ومن ضرورة تشكيل تحالفات نهضوية ديمقراطية تتوجه لدعم الرأسمال الصناعي سواء أكان قطاعاً عاماً أم صناعات خاصة، وتحسين حياة المنتجين، وأن تقف القوى الاجتماعية حسب مضمون طبقي محدد، وهو لا يمنع التعاون المشترك.
وهذه السياسة المتدرجة تستهدف السيطرة على المال العام وتوجيهه لتطوير القوى المنتجة وتغيير ظروف الناس، ومن هنا لا بد من البرنامج التعاوني التحويلي داخل البرلمانات لمثل هذه السياسة، وهذه تحتاج في الواقع إلى سنوات كثيرة بل عقود.
إن تشكل سياسة ذات توجهات اجتماعية مختلفة هو أمر جوهري، ولكن لابد من رموز وقوى تنحاز الى الأغلبية العاملة والفقيرة، وتجذب قوى عديدة لخط تحول يطور الملكية العامة باتجاه الناس، دون أن يحجر على الحريات الاقتصادية والسياسية.
isa.albuflasa@gmail.com
التقدميون يتغيرون: كتب ـ عبدالله خليفة
هناك أناسٌ يريدون من التقدميين البحرينيين أو العرب بشكل عام، إلا يتغيروا وأن يبقوا في مواقفهم القديمة مؤيدين للاشتراكية السوفيتية وغيرها من الصيغ، ليثبتوا لدى هؤلاء نزاهتهم وصدقهم التاريخي!
ولكن قد جرت عمليات تاريخية كبرى فى القرن الماضي جعلت الكثير من مفاهيم التحول السياسي تتبدل كثيراً، فقد اتضحت محدودية الفهم للاشتراكية، الذي صاغته تجربة التنمية المتخلفة في البلدان الشرقية، واستحالة تشكيل تجارب اشتراكية في بلدان ضعيفة التطور، وقواها الإنتاجية شديدة التخلف، ومع ذلك فتجارب (رأسماليات الدول المركزية) التى جرت في روسيا والصين وأوربا الشرقية، قامت بعمل تاريخي مذهل، فعبر نصف قرن تمكنت من إحداث تقدم هائل، ولكن أداة الدولة التي تقوم بمثل هذه التحولات الكبيرة، لها أخطاء خطيرة كذلك في غياب الديمقراطية وأحداث بيروقراطية معيقة للتنمية المستمرة وفاسدة!
وهكذا جرى تعديل لفهم الاشتراكية وليس التخلي النهائي عنها، وتناضل الأحزاب التقدمية في العديد من البلدان الشرقية للجمع بين الديمقراطية وبين توجيه ملكية الدولة إلى خدمة الجمهور العامل والشعب عموماً، مع تشجيع القطاعات الخاصة على خدمة خطط التنمية.
ولهذا لا تغدو الاشتراكية ملغاةٍ ولكن مضمرة، ومحددة في عملية تاريخية طويلة، تخضع مراحل تحقيقها لإرادة الناخبين وتطور الاقتصاد الوطني في كل بلد، وكذلك تخضع للتعاون والصراع مع القطاعات الرأسمالية التي تشارك في السلطة أو تنتزعها كلية من أيدي أحزاب اليسار، وتقدم برامجها الخاصة برؤيتها، وهكذا يقوم اليسار واليمين بإدارة دفة الدولة كل حسب توجهه ووصوله إلى البرلمان، والشعب يحكم على أداء كلٍ منهما، ولهذا يقوم كل منهما بتطوير قواعد الإنتاج، والاقتصاد، من منطلقاته الاجتماعية ولخدمة القوى الاجتماعية الأقرب إليه، وفى هذا عملية ديناميكية تراكم ما هو إيجابي، ولكن التناقض موجود بين اتجاه يركز على الوقوف مع رأس المال واتجاه يقف مع ملكية الدولة العامة وخدمة أغلبية الجمهور العامل!
وحتى الآن الدول العربية تعجز عن تشكيل مثل هذه التجربة لكونها تعيش مرحلة ما قبل رأسمالية لم تتخلص من عوائقها، ولهذا حين يناضل اليساريون والتقدميون مع نمو الرأسمالية في الدول العربية التقليدية، ليس ذلك تناقضاً مع توجهم العام، ولكن مثل هذا النضال وتحقق دول رأسمالية حديثة وعلمانية وديمقراطية، هو الذي يقربهم من المستوى العالمي المتطور، مستوى الصراع الحضاري والسلمي بين اليمين واليسار!
ولهذا فإن برامج الثورة الروسية في تشكيل تجربة اشتراكية عظمى مزيلة للرأسمالية، عنى عملياً بغض النظر عن الأقوال، تشكيل رأسمالية ولكن بأدوات حكومية شاملة، ومثل هذه الرأسمالية كانت أقرب للطبقات الشعبية، بسبب جعلها التحول المزيل للإقطاع والتخلف، لخدمة هذه الطبقات في التعليم والسكن وغيرها من الخدمات، كما يجعل قدراتها على مقاومة الاستغلال أكبر.
ومع ذلك فقوانين الرأسمالية كنظام عالمي واحدة، فالرأسماليون الذين طردوا عادوا من خلال أجهزة الدولة التى فسدت بسبب احتكار السلطة، وظهروا بشكل أسواً من رأسماليي الغرب، لأن الرأسمالية الغربية تمت عبر عدة قرون من التطور الاجتماعي المتدرج والشامل، وهكذا استطاعت قوى الإنتاج أن تنمو بشكل هائل واقوى من الرأسمالية الحكومية الشرقية، وأن تسبقها وتدمر حواجزها الاقتصادية وتخترق أسواقها!
ولهذا نحن أمام تجارب تاريخية كبرى لا تفيد فيها الأكليشيهات والمعلبات المنتهية الصلاحية، ولابد أن تستفيد النظرية التقدمية العربية من تجارب الشعوب، وتقدم مقاربات أكثر دقة وفهماً لواقعها وللعالم، وهذا أمر ينعكس على تبدل مواقفها من قضايا كثيرة كالتحالفات والثقافة والدين والسلطة الخ..
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
الموت في فينيسيا : توماس مان كتب : عبدالله خليفة
مسارات ـ حمدة خميس كتب : عبدالله خليفة
ويطول اليوم أكثر من قرن :جنكيز ايتماتوف ـ كتب : عبدالله خليفة
«الهولة» بين الإنجازات وعذابات التجنيس: كتب ـ عبدالله خليفة
مثقفو الأكاذيب والتزوير : بقلم ـ عبدالله خليفة
الطليعيون والتحول إلى الطائفية: كتب ـ عبدالله خليفة
العلمانيون وتوحيد المسلمين: كتب ـ عبدالله خليفة
قصة ومسرحية الأطفال عند خلف أحمد خلف : كتب ـ عبدالله خليفة

قصة ومسرحية الأطفال عند خلف احمد خلف:
تجسد قضايا كبيرة بثيمات فنية بسيطة وواضحة

تتنوع اعمال الكاتب خلف احمد خلف الموجهة الى الأطفال، وقد بدأت قصصا قصيرة مثل، «اللعبة»، و«اجمل من قوس قزح». وتطورت عبر أنواع أدبية أكثر اتساعاً كمسرحيات «العفريت» و«وطن الطائر». و«النحلة والأسد». وتتجه هذه الأعمال القصصية والمسرحية الى مناقشة وبلورة قضايا محورية كبيرة، بأسلوب تصويري درامي، يعتمد البساطة والسهولة، رغم تناوله مشكلات روحية وسياسية هامة.
في قصته المبكرتين «اللعبة»، و«اجمل من قوس قزح» سنة 1979، نجد صياغة أولية لقصة طفل مبكر، لم تقع بعد على موضوعاتها الهامة. لكن في قصته نجد الشخصية المحورية هو الطفل المشاكس سلمان الذي يتعلم فن الصداقة مع عصفور، وتتضح السمات الاساسية لفن قصة الطفل عند خلف حيث سلاسة اللغة وبساطتها، والموضوعات القريبة من الحياة اليومية للطفل.
وكمثال على ذلك، قصة «الرسالة العجيبة» – مجموعة قصصية للأطفال اصدار مشترك – نجد الشخصية المحورية هي طفل كذلك، اسمه محمد، يصيغ رسالة عجيبة الى والديه. والرسالة هي محور الحدث القصصي. فقد اتفق محمد مع والده على أن يقوم بجمع نصف ثمن أي شيء مفيد يريده من مصروفه اليومي، ليكمل والده النصف الآخر. وحين راى دراجة جميلة ذات ثمن مرتفع، وهو عاجز عن توفير نصف ثمنها من مصروفه، الذي يريد أن يلهو به أيضا، قرر أن يكتب الرسالة.
إن توجه الصبى ذي الاثنى عشر عاماً الى كتابة رسالة يذكر فيها أبويه بما انجزه من اعمال بسيطة في البيت، كحمل شقيقه الصغير، وشراء الخبز للبيت ومساعدة أمه في تنظيف المنزل، ويطالب ذويه بأجور محددة على اعماله، هو اقرب الى انفجار. فالرسالة الفكاهية تتحول شظية تصيب العائلة في الصميم. ويرد عليه أبوه برسالة اخرى يذكره فيها بأعمال الوالدين تجاهه، دون أن يطلب مالاً عليها. وهنا يحس الصبي بخطاه.
صياغة الحكاية – الحدث، بهذه الصورة، تستهدف التوغل إلى قضايا أخلاقية حاسمة. إنها تنمو فوق جسم الحدث اليرمي العادي، لكنها تتوجه الى اعماقه الدفينة. إن الصبي مدفوع بروح أنانية نفعية يكتب الرسالة العجيبة، متذكراً كل جهد قام به، حتى لو كان تنظيفاً للمنزل في إحدى ساعات الأسبوع، لقد تحولت مصلحته وأناه الى محور للبيت، وللعالم فيما بعد – إذا كبر – وغابت جهود أقرب الناس إليه، وفي سبيل هذه المصلحة الذاتية، يصيغ الرسالة المؤدبة، المهذبة، مستغلا معرفته بأساسيات الحساب، ناسيا أساسيات الأخلاق.
إن تحويل الحدث العادي الى حدث أخلاقي هام، لا يتم عبر الارشاد المباشر، بل من خلال جسد الحكاية المتنامي المشوق.
ويعتمد الكاتب على لغة سهلة، معبرة، تطور الحدث وترسم الشخصيات بلا تكلف. (فكر محمد كثيراً، ثم توصل إلى فكرة رائعة ، قام من فراشه في منتصف الليل، واخرج ورقة وقلما وبدا يكتب).
هذه اللغة السهلة، الدقيقة، تواكب وعي الطفل في هذه المرحلة، لكنها تنزع الى التوغل الى القضايا المتوترة الدرامية، لتعطى دلالاتها التربوية.
لقد أخذت هذه اللغة تتوسع درامياً في مسرحيات خلف المقدمة للأطفال. وفي …
[فراغ كبير لا يمكن ترميمه المحرر]
… العرب، دمشق، سنة 1983 – يعتمد المؤلف ذات البساطة، والاعتماد على الحكاية الواقعية، لكي يتجه إلى القضية الأساسية، الروحية – الفكرية، محور العمل الغني.
فالطفل صلاح كان مصابا بملل وسأم في إحدى الليالي، ويود أن يتسلى بأي شيء. إن وجوده من الناحية الفنية التشكيلية سيكون زائداً، فهو أشبه بمتفرج كبقية المتفرجين. أما الشخصية الطفلية المحورية فسوف يظهر لاحقاً.
كما أنه لا توجد صلة حدثية – مضمونية، بين الشخصيتين، سنرى ان الاولى هو المتفرج، والاخرى هي «البطل»..
كذلك تنبثق شخصيتان ثانويتان تلعبان دورين مختلفين. فالأول هو «الرجل – الطبل»، وهوعبارة عن طبل يدق ويغني طوال الوقت. يضع على عقله قفلا ولا يريد ان يفكر، والرجل الكتاب هو كتاب يمشي مفتوحاً على قصة مصباح علاء الدين.
هذه الثنائية بين البطل الأجوف الصائح ابداً، والكتاب المسلي الممتع المفكر، تتحول دراميا الى شخصيتين متصارعتين، إحداهما تظل ساخرة وتدق نفسها وتصيح في كل مقطع، معبرة عن الفراغ، ولكن تعطي العرض المسرحي فكاهة وتسلية. والشخصية الأخرى جادة ومفكرة وتعرض قصة علاء الدين ومصباحه.
وتنتزع شخصيتا البطل والكتاب وصراعهما، مهما كان طريفا في بعض المواقع، الحيز الذي كان لابد أن يتكرس لقصة علاء الدين. فتعدد الأبطال الثانويين، كان يزحم البطل المركزي وقضيته التي ستعرض لأشكالية فنية.
حين يظهر علاء الدين، نجده خلافاً لصلاح، ابن عائلة فقيرة معدمة يبحث عن حلم لتجاوز عالمه الضيق. لم يكن استمرارية «لصلاح» أو تطويراً ما لشخصيته. لكنه أيضا يثقل بتفاصيل أخرى. كوجوده في المدرسة مع التلاميذ الذين يتحاورون عن مصباح علاء الدين، وهل هو ممكن أم لا، ثم يسألون المدرس المتردد.. (الذي يعكس تردد المؤلف حول موضوع المصباح والعفريت).
إن علاء الدين يجد المصباح فعلا، ولكن في الحلم. ويظهر العفريت لكنه عفريت خائب غير قادر على تنفيذ أحلامه، فحين يحضر له ماندة طعام، لا يستقر طعامها في البطن ساعة واحدة، كما تذوب السيارة التي يحضرها بسبب اشعة الشمس المحرقة والساحر يصير قزماً في الحياة العصرية ذات الآلات والاختراعات.
هل كان الاتجاه الى موضوع العفريت ناجحاً أم أن الطريقة الواقعية التبسيطية حجعت وصغرت من الموضوع الفنتازي الجميل؟
إن بؤرة المسرحية الدرامية – حدث التقابل بين علاء والساحر- كانت مضغوطة ومخنوقة بكل التفاصيل الواقعية اليومية، ولم تعط حقها من التفجير الفني الإبداعي.
كما أن الثيمة الأساسية في الحكاية التراثية، وهي القوى الخارقة الممنوحة للفقير المضطهد، والتي ظهرت في التماعة سريعة في المسرحية، غابت تماماً، لتحل مكانها ثيمة اخرى هى فقدان اهمية السحر في العصر الحديث. وهي تقيم موضوعا مختلفاً عن الذي تشكلت الحكاية على أساسه.
إن تعدد الشخصيات الثانوية، وتأخر ظهور الشخصية المركزية، وتيه الموضوع الرئيسي، وعدم غربلة جوهر الحكاية التراثية. يجعل مسرحية «العفريت» تجربة اولى لصياغة مسرحية طفليه متبلورة.
وهذا ما حققه خلف أحمد خلف في تجارب مسرحية تالية، تماسك فيها البناء الفني بشخصياته وأحداثه ودلالاته.
وهذه الطريقة في التعبير والتجسيد سنجدها بوضوح في مسرحية «النحلة والأسد».
في توجيهات المسرحية المخصصة لمؤلف الأغنية المطلوبة في المشهد الأول يريد الكاتب من المؤلف أن تصاغ كلمات الأغنية:
[بأسلوب مرح، وببساطة في الصورة، قريبة من مقدرة الطفل حتى يتفاعلوا معها ويشاركوا في انشادها].
وهذا هو أسلوب الكاتب، بساطة في الأسلوب والصورة. والاقتراب من مدركات الأطفال. لكن هذه السهولة لا تعني التسطيح، فمؤلف المسرحية، كما هو خطه في عمله الإبداعي، يتجه الى القضايا الجوهرية الهامة في الحياة. كما لو أن الأطفال مسئولون، مثل الكبار، عن مصائر عالمهم وأمتهم. فخلف يختار هنا قضية شائكة هي مشكلة السلطة وأهمية العمل..
ركز المؤلف هنا بنية المسرحية وأطراف صراعها، حيث بدت مجسدة، واضحة، فاعلة، أمامنا. ليس هناك راو، وتعقيبات تخلخل وتوقف تدفق الحدث الصراعي المنهمر، والموقف واضح، والقاعة جزء من الخشبة.
الشخصية الرئيسية الأولى هي الأسد الكسول المسيطر على الغابة، وتبدو مهمته الاساسية هي الأكل والنوم واحتقار عمل الحيوانات.
إن الكوميديا جزء من لعبة المؤلف لأحداث التناغم في البنية الفنية. وقد رأينا هذا السياق عبر شخصية الرجل – الطبل في «العفريت». وفي مسرحية «النحلة والأسد» يحول شخصيتي الاسد – الثعلب، الى ثناني كوميدى طريف، عبر استغلال كسل وغباء الأسد، وذكاء وجبن الثعلب، ويشكل ارستقراطية حيوانية كسولة تلتف حول الأسد.
وحين يطلب الأسد من الحيوانات الصمت والكف عن الغناء المزعج والناقد لكسله وترفه، يصمت الجميع، ما عدا النحلة التي تبدأ المقاومة ضده.
والمسرحية تجسد، منذ البداية، الفريقين المتصارعين، الأسد وجماعته الخاملة من جهة، والنحلة وجماعتها العاملة المنتجة، من جهة أخرى .
ويتضح هدف المسرحية منذ بدء الصراع، عبر قول النحلة، إنها تريد الحيوانات:
[أن تكون حرة.. وهي التي تعمل وتنفع الناس.. بينما الأسد وجماعة الأشرار.. خاملون.. يعيشون على حساب الآخرين]..
وسرعان ما تنتقل النحلة الى المعركة، بلا تردد أو خوف، وتوجه النداءات الملتهبة الى الحيوانات برفض طاعة الأسد، وعدم الكف عن أغنيات العمل. لكن الحيوانات الخائفة تهاب الأسد العملاق، رغم الشكل الكوميدي الذي ظهر به. فلا تصاب النحلة بالإحباط، وتدعو الأسد لمبارزة ثنانية، فيقبل ضاحكاً مستهزئاً. وتتحول المبارزة إلى لعبة طفلية، يستغلها المؤلف لتحويل قاعة العرض الى مباراة مرحة ومشاركة من قبل أطفال الخشبة والقاعة، عبر حساب عدد الضربات الموجهة لكل طرف، وتأييد الطرف العادل.
وتدو جزئيات المسرحية الفنية متآلفة بشكل عضوي، بالشخصيات الرئيسية القليلة تتصارع في الحدث المضغوط الفكاهي – النقدي، وتنساب ببساطة اللغة وسهولة الصور الى عمق الفكرة، وتتوافق البهجة التي يخلقها العرض مع الأحداث الايجابية المطروحة.
وتتكشف، في هذه المسرحية، أكثر من غيرها المطالب الروحية التى برزت بشكل جنيني، في الأعمال الأولى، فالمشكلات الكلية راحت تزيح القضايا الجزئية الهامشية المحدودة، وصارت القضية المحورية هنا هي الحرية والعمل المنتج، فتركزت وتكثفت البنية الفنية التي كانت مفككة فى «العفريت»، وظهرت شخصيات فعالة مغيرة للواقع. لكن لم تزل الشخصيات منمطة، يغلب عليها العام، فتحوي في أعماقها المشكلات الاجتماعية دون خصوصية ذاتية.
إن الوعي التنويري يصل هنا الى مداه في أدب الأطفال البحريني، فتطرح القضايا الجوهرية للتطور، وتغدو هواجس المجتمع الأساسية مجسدة، فتنمو المفردات الفنية من حبكة ـ شخصيات ـ أحداث ـ لغة، عبر ذلك الاستيعاب للواقع، وفي إطار البساطة الواضحة.
isa.albuflasa@gmail.com
مناضلون بلا قواعد: كتب ـ عبدالله خليفة
تتشكل الجماعاتُ الديمقراطيةُ والماركسية فوق الحماسة واللغة الاستيرادية الفكرية القادمة من مناطق متطورة إلى مناطق أقل تطوراً. مثلما غذت توده اليسارَ البحريني في مرحلةٍ سابقة.
لقد تشكلت فوق مهمات التحرر الوطني المهمة والمطروحة بقوة لكن تعاليم لينين أمحتْ الفوارقَ بين مرحلةِ التحرر الوطني وبناء الاشتراكية.
لقد أجهضتْ عدةَ أسسٍ جوهريةٍ لنمو التيارات الديمقراطية الحديثة، كالارتكاز على القومية العربية كأداةٍ رئيسية للتحرر الوطني في المنطقة، وعدم تطوير الدين كما هو مُنتجٌ نضالي عقلاني، وألغتْ التحالفَ مع الفئاتِ الوسطى لتشكيل مجتمع رأسمالي ديمقراطي تحديثي علماني المؤسسات السياسية، وتصعيد حضور الطبقات الشعبية في السياسة والتعليم والثقافة وعدم جرها لمغامراتٍ سياسية فوق قدراتها الاجتماعية والفكرية.
فما هو مركزي في هذه التيارات هو تصعيد مثقف محوري قيادي يكون على هيئةِ لينين وعبر الاعتمادِ على المقاطع الصغيرة المفتقدة للدراساتِ التي تتحولُ لمنشوراتٍ ملتهبة، وهو ما يؤسسُ ضحالةً في الوعي متجذرة، وتبسيطاً لظاهراتِ النضال، كذلك تتضاءل الديمقراطيةُ وتسودُ البيروقراطيةُ الحزبيةُ بدعوى السرية، لكونها لا تستطيع أن تشكلَ قيادات جماعية ولا هيئات ديمقراطية سواءً من خلال نسيجِها العامي الشمولي، أو من حيث اعتمادها على تنظيماتٍ غيرِ علنيةٍ لا تستطيعُ القيامَ بهذه الأسس الديمقراطية، فيعتمدُ الأمينُ العامُ على نفسه أو على مجموعة صغيرة تفتقدُ على مرور السنين العلاقة بالجمهور وبالنظرية.
إرتكازُ الجماعات هذه على (اللينينية) يعبرُ عن الارتكاز على رأسماليةِ دولةٍ أُقيمتْ على أسسِ المغامرةِ والدكتاتورية والانتقائية النظرية، حيث يقومُ الحزبُ بالاعتماد على ذاتهِ من خلالِ شكلٍ تحريضي دائمٍ لتأجيج الثورة، ويرتكزُ على تلك الأسس، فنموذجُ الأمين العام المؤسسِ الروسي سيكونُ متجذراً في الأمين العام المؤسس الوطني، ويجري استخدام التكتيكات نفسها التي ظهرتْ لإنتاجِ الثورة البلشفية هناك.
يمكن الانطلاق من البذور الوطنية المحلية من نضالٍ وجماعات لتغلغل الحزب، وتُلغى الدراساتُ الموضوعيةُ للبناءاتِ الاجتماعية في كلِ دولة، حيث ينخرطُ الحزبُ فيما هو يومي نقدي تهييجي، وتُعلى الإرادة الذاتية بشكل نضالي حماسي خلاق حتى تتجاوز القوانين الموضوعية، حيث إن القوانين الموضوعية للتشكيلة الإقطاعية مرفوضة، ويجري دمجها بالتشكيلة الرأسمالية، لتُضربانِ معاً عبر تلك الإرادة العالية المضحية المتآكلة على مدى الزمان الصعب القادم.
جوهر اللينينية يعتمدُ على حرق المراحل لتغدو التحالفات غير مدروسةٍ على الأسسِ الموضوعية لصراع وتعاون الطبقات، فالاشتراكيةُ تصيرُ هدفاً غير مرئي، وما التحرر الوطني سوى واجهة له، ويمكن للجبهة القومية في اليمن الجنوبي أن تتحول بين كارثة وأخرى إلى حزبٍ إشتراكي يخوض مغامرات رهيبة فاشلة.
لهذا وجدنا أن مُصدّر الفكرةِ حزب توده الإيراني هو بذاته لا يعرف إدارةَ النضال في بلده، ويؤدي لدكتاتوريتين مَلكية ثم طائفية قومية تضعنا جميعاً في المنطقةِ في مرحلة الخطر.
مثلما أن الحزب في العراق يعتمد التهييج المتنامي لسحق المَلكية والاستعمار مع غياب التحالفات بين الطبقة العاملة والبرجوازية وتصعيد الديمقراطية بشكل دائب وإصلاحي طويل، ثم نجدُ أنفسَنا في حروبٍ ضارية متتالية حتى يغدو العراق خريطةً فسيفسائية ملتهبة أو محروقة.
المجموعاتُ المتعددةُ في هذه البلدان رغم تضاريس شعوبها المختلفة استعملت روشتةً طبيةً واحدة، المكتوب فيها تلك الخطوط العريضة للطبيب السوفيتي ذي الشهادة غير الدقيقة.
تغييبُ القوميةِ والإسلام وظروف كل بلد، تعبيرٌ عن عدم أهميتها، فإلارادةُ الثوريةُ تغيرُ الخرائط، ويُحضر اسم البروليتاريا ليختصر كلَّ الظروف، وتندفع الحماسة وتدفع العامة البسيطة الوعي المشحونة بالشعارات والأيديولوجيا المسطحة، لتسود الشوارع، لكن لا تحدث التغييرات على النسق الأصلي المستورد. لكون النسق الأصلي بُني على مغامرةٍ ظهرتْ بسبب كوارث الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة الروسية ومعاناة الجماهير بعد قتل الملايين، فيما الدول الوطنية الجديدة تنمو في ظروف مغايرة.
كانت سياساتُ الجبهاتِ الوطنية والتراكم الديمقراطي الطويل الأمد ونشر التحديث، وتطوير أحوال الجمهور ونقله من الأمية والخرافة والفقر هي المطلوبة في هذه المجتمعات المتخلفة التي هي بحاجة إلى تطورات أساسية قبل أن يُزج بها في تحولات عالمية من دون جذور، وهي أمورٌ سوف تواصلها الجماعاتُ الدينية معتمدةً هذه المرة ليس على نموذج مستقبلي من الفضاء بل على نموذجٍ مؤدلج متخيل محافظ من الماضي البعيد، لكن هدم الأسس الموضوعية للتطور الديمقراطي الأولي ساعد هذه القوى الدينية على الصعود متوهمةً أنها هي التي حققت ذلك الخرابَ الاجتماعي السابق الذي تؤدلجه باعتباره انتصارا على قوى الكفر والتغريب.
في كلا الجانبين يغيبُ التأسيسُ الموضوعي لتطور البلدان العربية والإسلامية، التعاوني التحالفي الاختلافي لتصعيد قوى النهضة، والتقدم، وفي حين وجد الديمقراطيون والماركسيون أنفسهم بلا جمهور يظن الدينيون أنهم حققوا جمهوراً، وهو ليس بجمهورِ تحولٍ فهو ذات الجمهور السابق ولكن اختلفت أصباغُهُ الخارجية ولكن المضمون الشمولي المحافظ الذكوري الحماسي الشعاري المذهبي الغائر هو نفسه وأن كان الأخير قد برز بحدة.
العودةُ إلى مهمات التوحيد والنهضة والتنوير والإصلاحات الجزئية المتصاعدة والعقلانية مهمة لتجنب انهيار مرحلة سابقة وانهيار مرحلة جديدة متجمعتين على رؤوس الناس. ولابد من تعاون كل التيارات الحديثة الماركسية والإسلامية والقومية لكي لا نكررَ أخطاءَ الماضي.
isa.albuflasa@gmail.com
توسع الفلسطينيين الإنساني : كتب ـ عبدالله خليفة
خبتْ علاقاتُ حركةِ النضال الفسطينية بالوطن العربي في العقود الأخيرة، حيث اتجهتْ قيادةُ هذا النضال نحو الارتباط ببعض الأنظمة العربية التي كانت تنحدرُ نحو الشمولية وأزماتها من قمعٍ وحروب داخلية وأخيراً توُجت بثورات عارمة.
كانت قيادة النضال الفلسطيني تنقسمُ على نفسها، مثل عجز قيادات الدول العربية عن التطور نحو الديمقراطية، وعدم القدرة على توجيه الأنظمة نحو الرأسمالية الحديثة، فتفاقمتْ أزمةُ الأمةِ العربية في العديد من دولها، وبدا شكلُ الانقسامِ في القمة بين ليبراليةٍ محدودةٍ زائفة وبين مذهبيةٍ دينيةٍ محافظة تعبيراً عن خنقِ الطبقاتِ الوسطى وعن عدمِ إتاحةِ الفرصة لدورها الطليعي.
ويحاولُ القادةُ الفلسطينيون الخروجَ من ذلك بشكل تجريبي، ويشكلُ ذلك المصالحُ القريبةُ الرديئة، والظروفُ السياسيةُ والجغرافية، فيعطي البحرُ الأبيضُ المتوسط والقوةُ الديمقراطيةُ الغربية المتجذرةُ فيه فرصةً صغيرةً للعمل من دون قبضات الرأسماليات الحكومية الشرقية الشمولية. لكن لاتزال أموال هذه الرأسماليات هي التي تغذي السياسةَ الفلسطينية، وبالتالي تجبرها على المحافظة.
لقد أدى الارتباط بهذه الشموليات إلى تمزق الشعب الفلسطيني، وعدم قدرته على تطوير ديمقراطيته وعلمانيته الداخلية، وعدم مجابهته التحديثية الأممية لإسرائيل، ولهذا أصبح النضالُ الفلسطيني مهجوراً بشكل عربي، وتجري كلُ الفظائع ولا يتحركُ العربُ الذين كانوا في وحدةٍ نضاليةٍ حميمة مع الفلسطينيين.
ولهذا يغدو توجههم نحو أوروبا قارة الديمقراطية المؤسِّسة، واستثمار التجربة التركية المتجهة نحو الديمقراطية، بداية لفهم ما يجري في العالم بدلاً من الركون في عصر الدول العربية الوسيط.
لكن ذلك يجري كتعبيرهم دائماً بشكل تكتيكي، من أجل تعرية الاضطهاد الإسرائيلي، وهو لا يرتقي بعدُ أن يكون موقفاً أممياً ديمقراطياً، فيتركز على الحصار الذي ينفتح شيئاً فشيئاً خاصة عن طريق مصر.
إن التضحيات المذهلة التي قدمها الأتراك والأوربيون عبر السفر في البحر المسموح والممنوع والرحلات الجوية المغلقة والاعتقالات أوجدت شكلاً من التضامن الإنساني الكبير. وبقي المشهد الأوروبي الإنساني مفتوحاً للمزيد من التقدم كلما استخدمت أساليب نضالية سلمية.
إن النضال العربي القادم والتطورات المذهلة في الأبنية السياسية الاجتماعية ستترك بصماتها على العمل الفلسطيني كذلك.
لكن البؤرة التي ناور عنها الفلسطينيون طويلاً وهي مرتكزهم للتغيير هي البشر الإسرائيليون، هؤلاء الذين عاشوا مكانهم، وأزاحوهم ويشاركونهم في مصيرهم، صراعاً وتعاوناً.
بؤرتهم هي هؤلاء، وحين تلغي القوى المسيطرة في إسرائيل موقعاً أنشأه الشباب الفلسطينيون في الفيس بوك يقصّ تاريخَ القضية وانضم إليه أكثر من سبعين ألفا من الناس في الغرب، يؤكد ذلك كيف تؤدي الوسائل الحديثة والعلاقات الانسانية المتطورة الآن دورها في تقزيم التطرف الإسرائيلي وإعادته إلى حجمه الطبيعي.
ولو طُبقت هذه الوسائل على الإسرائيليين ذاتهم لوجدنا توسعاً للنضال المشترك ولهزيمة القوى العسكرية والدينية المتطرفة
isa.albuflasa@gmail.com
فلسطين: الأديان والطبقات : كتب ـ عبدالله خليفة
كأغلبِ الشعوبِ العربية عجزَ الحراكُ الاجتماعي الاقتصادي الفلسطيني عن إنتاجِ طبقة وسطى حديثة حرة، وتجسد الصراعُ الاجتماعي القاصر في دولةٍ مهيمنة ذات شكل سياسي مسيطر، وفي مذهب مُقسِّمٍ ومسيطر على جزء آخر من الشعب قطع جزءًا من الأرض الفلسطينية وكون دولة، فظهر التناقض الاجتماعي الحاد في كيانين حكوميين سياسيين (فتح وحماس)، يُظهران هذا العجز التكويني الطبقي الاقتصادي، ويظهران ضرورة تجاوزه كذلك.
الوعي الأول يجري بعباءةِ السياسة الوطنية والآخر بعباءة الدين المتحول إلى مذهب مسيس، ولكن فلسطين تمثل تجربة أكثر ضعفاً من الناحية التكوينية من بقية الدول العربية بسبب تشتت الشعب، ووجوده في مساحات سياسية مختلفة ومتضادة.
هنا لا توجد مؤسسات اقتصادية مركزية تاريخية متحكمة كبقية الدول العربية، إلا بشكل جنيني، بل توجد تجربة رأسمالية (حرة) في إسرائيل، حيث يعيشُ جانبٌ من الشعب الفلسطيني وحيث تم تشكيل تجربة السيطرة والاقتلاع الصهيونية.
تجربة إسرائيل لا تمثل تجربة رأسمالية حرة، كالعالم الغربي، فهي رأسماليةٌ حكوميةٌ طويلة عبرَ الشركات العامة والمستعمرات، ثم أسستْ دولةً دينية شمولية تجاه السكان العرب وتجاه الحركة العمالية، فظهرتُ الرأسمالية غير حرة تغيبُ عنها الديمقراطية، والعلمانية، فلم تتحول الدولةُ لمجتمعٍ تعددي ديمقراطي علماني، بل ظهرتْ كدولةٍ دينية عنصرية متفاقمة في هذا الطابع مع ضعف الحركات الديمقراطية العلمانية العربية والإسرائيلية على الجانبين. البرجوازية اليهودية ذات تاريخ اقتصادي مالي كبير في إنتاج جيتو (قومي – ديني) ومن هنا هي قادرة على تكوبن ديمقراطية داخل المجتمع الديني لا خارجه عند الشعب المسيطر عليه.
ولهذا فإن صعودَ طبقة وسطى حرة منتجة للديمقراطية في المجتمع الفلسطيني مليء بالصعاب، عبر الضعف الاقتصادي والتمزق السياسي والتشتت الاجتماعي، مما يجعل الاقتصاد الفلسطيني الصناعي ضعيفاً.
تتنوع الصناعاتُ الفلسطينية الخفيفة فهي صناعاتٌ غذائية وبلاستيكية وخشبية وصناعة لأحجار ورخام وأحذية وجلود وصناعات كيماوية وغيرها.
يصل عدد العمال الفلسطينيين في الضفة والقطاع إلى 648 ألف عامل منهم 227 ألف عامل عاطل عن العمل.
ويشتغل في إسرائيل عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين، واللاجئون الفلسطينيون في الدول العربية أغلبهم عمال وفقراء وحرفيون خارج الوطن، أي خارج التكوين الاقتصادي الوطني، وقدراته على إنتاج طبقة وسطى.
يوضح التكوين الاقتصادي التشتت وغياب المركزية والآلية الحديثة وسيادة الحرفيين والمُهمشين اقتصاديا وهي سماتٌ تترافقُ مع سماتِ الوعي السياسي المُفتَّتِ، ولهذا نلاحظ أن زمنَ التشتت الأكبر وسيادة سياسة المخيمات العسكرية، يتسمُ بطابع السياسة الفوضوية والارهابية، ووجود منحى وطني عقلاني ضئيل يعجزُ عن بلورةِ وتصعيد سمات الديمقراطية والعلمانية والوطنية، ومع تصاعدهِ وقدرتهِ على الحصول على الضفة والقطاع، يبدأ تجسيد وتجذير ذلك بصعوبات جمة.
لكن ظهور الانقسام بين فتح وحماس، بين الشكل السياسي للشمولية المهيمنة على السلطة، والشكل المذهبي السياسي للهيمنة على الدولة، يقسم الشعب الذي هو في حالة سيولة وعدم تشكل وتبلور.
حالة الانقسام بين السياسي الحكومي الشمولي، والسياسي الديني المعارض الشمولي، هي تعبيرٌ عن عجز الأمة العربية عبر شعوبها عن تشكيل طبقات وسطى تحديثية توحيدية، ويتمظهر ذلك في كل بلد حسب تطوره الاقتصادي الاجتماعي وسيره التاريخي.
الآلة العسكرية والشمولية الإسرائيلية تغذي عدم التبلور هذا، فالجنرالات والحاخامات والوعي الديني السياسي اليهودي المتطرف هنا كل ذلك يكرس الانقسام في بُنى الشعب الفلسطيني مثلما يكرس تاريخ الإسرائيليين داخل الجيتو حيث البشر إما يهود وإما أغيار.
فاليمين المتطرف ضد عودة اللاجئين وضد الوحدة الفلسطينية، وبالتالي فهو ضد صعود طبقة وسطى فلسطينية حديثة تمثل قيادة التوحيد والحداثة والتقارب مع الإسرائيليين لمجتمعين حرين متساويين يعيشان ويتطوران بتقدم وسلام.
أن تفتت جزئيات الطبقة الوسطى المُفترضة المتكونة عبر التشتت والصراع، يتجسدُ في جناحيها السياسيين الكبيرين: فتح وحماس، اللذين يعكسان مصادرها المذهبية، والقراءات المسطحة للإسلام وللتاريخ الوطني – القومي العربي، ويعكسان مستوى الفئات الوسطى ذات الصناعات الخفيفة والتجارة والوكالات والتبرعات والاسهامات عبر الحدود وسيولة المخيمات، وتشابكات علاقاتها مع الأنظمة العربية وإيران وإسرائيل.
وحدة الطبقة الوسطى تأتي من الصناعات المتطورة، ومن مجيء العمال اللاجئين ومن التوحد الوطني، ومن التداخل النضالي مع القوى العربية والإسرائيلية الديمقراطية، أي من صعود ثقافة حديثة عقلانية علمانية، توجه الفوائض نحو التقدم، وفتح الأسواق الحرة ونمو الديمقراطية، ولكن هذه الثقافات العربية والإسرائيلية ذات صراعات وفجوات هائلة تحتاجُ إلى فحص عميق لرؤية مدى قدراتها على الإنتقال للحداثة وعبور المجتمعات الدينية المحافظة الاستبدادي .
isa.albuflasa@gmail.com
أمدنيةٌ أم علمانيةٌ؟ : كتب ـ عبدالله خليفة
نخشى دائماً من هذه الجماعات الدينية المتاجرة بالإسلام، فهي لا تكفَ عن التجريبِ في لحم المسلمين، وكل مرة تقوم بطبخة حارقة، ثم لا تتوقف عن الالتفافِ وعن طرحِ طبعةٍ جديدة من الكارثة.
الشعوبُ العربيةُ في البلدان الثائرة اكتوت بـ (علمانية) زائفة، بأنصافِ أنظمةٍ تحديثية، ومن شقوقِ هذه الأنصافِ تتسربُ مياهُ المجاري، وأبقتْ هذه الأنظمة (العلمانية) على حكم القانون وعلى احترام النساء وعلى التحديث الوطني وعلى التصنيع، ثم يتحول كل ذلك إلى علمانية الحزب المتدهور في علميته وعلمانيته وديمقراطيته وتحويله النساء إلى جوارٍ والفلاحين إلى خدمٍ وبوابين في عماراتِ الحرامية المدنيين.
وتحولتْ نصفُ العلمانية هذه إلى اضطهادٍ للقوميات والأديان الأخرى، فالأكرادُ يُضربون بالقنابل على ضفتي نظامي العلمانية الزائفين في سوريا وتركيا، والافريقيون تُحرق غاباتُهم ومنازلُهم في جنوب السودان، والأمازيغ يَحاربون في لغتِهم وتراثهم في الجزائر والمغرب.
هل جاء زمنٌ تتقارب فيه قارتُنا العربية الإسلامية مع الحداثة؟ مع مواثيق أوروبا العلمانية حقاً؟
يريدون دخولَ السوق الأوروبية مع استمرار وضع رؤوس الأكراد تحت أحذية المؤسسات المركزية. يريدون دخولَ السوق وقطف ثمار الحضارة والديمقراطية والإنسانية المتقدمة من دون أن يحترموا شعبهم وتظل الطائرات تغير على المناطق (المتمردة).
هم لهم طبعاتُهم الخاصة من الإسلام، إنها طبعات المحافظين الاستغلاليين، حيث يقوم الإقطاعُ المنزلي بأسرِ النساء، وحيث مكانة المرأة أدنى من الرجل، إنها المخلوق التابع، هنا تتخفى الذكوريةُ الاستبداديةُ وتموهُ نفسَها بالدين.
دائماً يجعلون الدين أو القومية المتعصبة أداتين لتمرير سلطانهم غير المتساوق مع البشرية الحديثة، وللذكور المتسلطين رغبتهم في بقاءِ سلطانِهم على النسوة، ومن هنا تغدو مدنيةُ هارون الرشيد دون مستوى علمانيةِ ملكةِ بريطانيا.
إن مدنيةَ ابنهِ المأمون الذكي المثقف لا تمنعُ من استخدامِ الدين لتعذيبِ علماء الدين، أو طبع تفسير معين وفرضه على الجمهور بالسياط.
إن المخاطرَ التي تنشأُ من الثورات العربية الحديثة أنها تسمح للجمهور غير المثقف بالهيمنة على الأصوات الانتخابية، مع بقاء المنظمات الدينية في تسويق أفكارها المحافظة التقسيمية للمواطنين، وطبع نسخ أقل قيمة من نسخة المأمون، والتسلل للسيطرة على الحياة السياسية الاقتصادية في ظل اقتصاد الانفتاح المالي وشركات المضاربة بمال وقوت المسلمين.
(ديمقراطية حديثة) مع بقاء المنظمات الدينية السياسية تتاجر بالإسلام والمسيحية واليهودية، ومع بساطة فهم العوام للدين والسياسة والحداثة، وقد رفعتهم نشواتٌ نضالية إلى السماء السابعة، ثم ستظهر أنظمة دينية شمولية مقنعة تسلبهم آخر مدخرات العمر، ويحدث لقاءٌ فريد بين ولاية الفقيه الإيرانية وولاية الفقيه المصرية ذات طاقية الإخفاء، وربما السورية كذلك.
احتمال ولكن المؤمنَ لا يُلدغُ من جُحرٍ طائفي مرتين، والعوام ليس هم الجمهور الثوري الحديث بعد، لم يصبحوا بعد المواطنين المثقفين ذوي التجربة السياسية العميقة بعد أن خيّمَ عليهم ظلامُ الأنظمةِ الشمولية طويلاً، هم يَنجرون للخطاباتِ الدينية الحماسية التي تدغدغُ مشاعرهم وتحومُ على رؤوسهم بالرموز لسلب عقولهم وجيوبهم.
النظام السوري نموذج للعلمانية الزائفة كلياً، حيث حكم العصابات العسكرية والمخابراتية يتجلى عن التبعية لولاية الفقيه الإيرانية، أي هو تعبير مشترك عن سحق المثقفين الديمقراطيين والحداثة والفلاحين في الأرياف من أجل عسكر ديني في سوريا كشط علمانيته بسكاكين القمع، وهناك عسكر ديني كرس تخلفه بالحديد والنار. ويظهرُ سنةٌ بسطاء ينشرون شعاراتهم الوطنية الدينية غير مدركين كذلك لسيطرة مذهبية سياسية متصاعدة. فلم يجدوا سوى صلاة الجمعة يفيضون بعدها لنقد النظام، وهكذا كأنهم الهاربون من الرمضاء للنار.
رفعت السعيد والسرد السياسي
زكريا إبراهيم : الاستيراد الفكري
الرأسمالية البدوية
أية ديمقراطية مرجوة؟! : كتب ـ عبدالله خليفة
الديمقراطية شبه مستحيلة في الدول العربية التي تقوم على هيمناتٍ حكومية محافظة وعلى معارضاتٍ متخلفة محافظة، نظراً لوجود الشعوب، وهي أرضية تلك القوى السياسية، في كيانات أغلبها تقليدي، والرأسمالياتُ المُنتجَّة لم تقمْ بأي تغيير عميق للبنى الاقتصادية الاجتماعية.
يبدو هذا في طبيعة العمل السياسي الفكري. فمنظماتٌ طائفيةٌ تقودُ نضالاً من أجل الديمقراطية، كيف؟!
هذه المنظماتُ مرتبطةٌ بسقف ديني محافظ، ذي مركز معروف، وفي داخل المركز تجري صراعاتٌ حادةٌ بين قوى فئات وسطى شبه ليبرالية والهيمنة الحكومية الشديدة المحافظة المعادية للتحديث وحريات الناس.
وقد عجزت تلك الفئاتُ الليبرالية (الإصلاحية) عن خلق مؤسسات ديمقراطية في شعبٍ يُعد بالملايين، وتنامت القوى المحافظة وضربتْ أشكالَ الحريات داخل البلد (إيران)، مثلما ضربَ العسكرُ المصري تجربةَ الديمقراطية في مصر.
والجماعاتُ الطائفيةُ لدينا تعيشُ تحت هذه المظلات الفكرية قبل كل شيء، وتعتبرها مرجعيتها (المقدسة)، فكيف يمكن أن تخلقَ ديمقراطيةً أو تساهمَ في تنمية شيء من الديمقراطية وهي غارقة في الرجعية الفكرية – السياسية؟!
هي لن تشكلَ ديمقراطيةً بل هي تجذرُ مؤسساتَها الدكتاتورية، وتعمقُ الطائفيةَ والشعاراتَ المحافظة المُنتجة في الريف الإيراني لأرياف المسلمين والعرب: جنوب لبنان، وجنوب العراق، وشرق السعودية، لكي تتغلغل هذه الشعاراتُ المحافظةُ في المدن وتسيطر عليها وتحولها ذيولاً للريف المتخلف بأشكاله القرابية الماضوية وبسجن النساء ومنع تفجر الثقافة الحرة، مثلما فعل الأخوان في مصر لكن إنتاجهم ذهب للسنة.
ويتم ذلك عبر التحشيد وإستغلال التجمعات العبادية والدينية وتحويلها إلى أدوات سياسية.
نقل هذه البضاعة الشعارية الرجعية لفقراء القرى المأوزمين في معيشتهم يحولهم إلى قوى حربية متفجرة في أجساد مجتمعاتهم، عبر تنمية وتصعيد الغضب وتحويله إلى سياسات طائفية.
ولكن هذا الخداع يتم من خلال شعارات (ثورية).
ويفترض في الناقدين أو الحذرين أن يطالبوا بنقل هذه الثورة إلى القرية، وتحريرها من الهيمنة الدينية المتخلفة، ومن أسرِ النساء، وبضرورة نشر الثقافة العلمية، وخلق التحديث فيها، إذا كانت هذه الآراء الثورية حقيقةً، فالأَولى بأهلِ المنزل أن يستفيدوا من بضاعتهم (العظيمة) هم قبل الآخرين.
هم يحاولون نقل هذه الأشكال الدكتاتورية الخطرة وهي محفوظة من خلال جمهور متدين شديد الإنفعال يغدو كقذيفة بشرية، عبر تصعيده إلى مراحل عليا، وتوسيع الأزمة من منطقة إلى منطقة في البلد، ومن بلد كجنوب العراق إلى العراق ككل، ومن منطقة كجنوب لبنان إلى لبنان ككل، ومن بضعة دول إلى المنطقة العربية الإسلامية عامة مثل قرناؤهم الأخوان لكن في المناطق الصحراوية العربية والريفية ثم هيمنة على المدن.
ومن هنا فإن الحديث عن الانتقال للمَلكية الدستورية والبرلمان الكامل الصلاحية يفترض في هذه الجماعات المذهبية أن تنزع صفتَها الطائفية وتغدو وطنيةً، وأن تفصل المذهبَ عن السياسة، وتعمل من خلال شعارات حديثة ديمقراطية، فمن الصعوبة بمكان أن تنتج فكراً، أما البقاء في نفس الأشكال المذهبية السياسية وقيادة الجمهور وتعبئته بهذه الأفكار الرجعية الخطرة على سلامته وسلامة الوطن فهو تصعيد للأزمة من مستوى مناطقي إلى مستوى وطني، ومن مستويات سياسية صغيرة إلى مستويات كبرى.
وبحراك هذه الجماعات المذهبية ونشر التعصب والممارسات البدائية يتم جر الجمهور أكثر فأكثر للصراعات الطائفية وللأفكار السطحية في الدين، ونشر التخلف الاجتماعي.
ولهذا فإن صعود مثل هذه القوى إلى هيمنة كبيرة على الساحة السياسية وتغلغلها في الحكم يعني تفجير الأزمة بصورة أكثر خطورة.
لا بد من إنتقال هذه القوى أولاً للديمقراطية والحداثة والوطنية، لكن ذلك مستحيل كما جرب المسلمون خلال ألف عام سابقة إمكانية تحول المذهبيات السياسية إلى معقولية سياسية بسيطة دون فائدة. فكيف من الممكن تحولها إلى ذلك خلال بضع سنين؟
لكن دورها هو نشر الأزمة التفتيتية في أي مجتمعٍ تشتغلُ فيه، وخاصة حين تكون التكوينات الاجتماعية والسياسية غضةً أو ساذجة فكرياً، وهذا ما حدث حين قامت الجماعات الطائفية بالأضرار بالجماعات التي يفترض أنها حديثة، فتغلغلتْ فيها الطائفيةُ وأنقسم الأعضاءُ حسب مكوناتهم المذهبية، وكل قسم يخشى ويرفض الآخر.
أما الجماعات التي تمسكت بليبراليتها ورفضتْ إدخال الطائفية في صفوفها فقد حققتْ إنجازاً، وأرهصتْ بالأزمة ومخاطرها وكانت أكثر طليعية من بقية الجماعات، ووضعت حلولاً عاجلة سريعة قبل إستفحال الأزمة، مما يجعلها لائقة بالمستقبل السياسي، خاصةً مع تناميها في مختلف الفئات الوسطى والعمالية وطرحها برامج محددة للتغيير في شتى جوانب الحياة.
أما المذهبية المغايرة المنافسة فهي لا تنتج جديداً لأنها تكررُ نفسَ المشكلة ولكن في جوانب أخرى، وعجزها عن إنتاج أفكار وطنية وإنتشارها في كافة الفئات، مما يخلق منها تورماً آخر وتصاعداً لصراع الطوائف.
تطور الأفكار الليبرالية ومساندة القوى الوسطى ذات التأثير للمجموعات التحررية هذه وحل المشكلات الكبيرة للشعب كالأسكان والعمل والأجور والصحة والتعليم، يمكن أن يفتح أفقاً لمجتمعنا يقلل من خطورة الجماعات المذهبية وبرامج الحدة السياسية التي تنتجُها في كل عشر سنوات وما يقاربها.
الأدب الطائفي
عبدالله خليفة الأعمال الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية الكاملة
فلسفة جديدة
طبقات التوحيد وطبقات التفكيك
isa.albuflasa@gmail.com
النقد وتبعيته المزدوجة : كتب ـ عبدالله خليفة
يمثل النقدُ الثقافي عموماً قوة تفكير كبيرة غدت شيئاً فشيئاً معطلة ، وكان يمكن أن ترفد الأدب والثقافة عموماً بطاقاتها لكي يزداد الأدب والثقافة تأثيراً في الواقع لكن النقد توقف عن هذه العملية الضرورية ، فما هي الأسباب؟
يقول ناقدٌ عربيٌ كبيرٌ هو إحسان عباس الذي استفاد كثيراً من (النقد الأمريكي والنقد النفسي لدى فرويد والأسطوري لدى كارل يونغ) يقول بأن الاقتراضَ الشديد من الغرب على هذا النحو (يجعل الدارس يقع في وهم فكري مزوج : يتكشفُ الأولُ في إغفالِ التاريخ الثقافي العربي ، ويتجلى الوهمُ الثاني في جهلِ التاريخ الكوني للآخر).. وهو أمرٌ في رأيهِ يقودُ إلى (التبعية الثقافية أو يفضي إلى المحاكاة الصماء) ، نقلاً عن سعد البازعي في كتابه استقبال الآخر)، ص 36 ، 37.
يتحسسُ الباحثون العرب الإشكالية المركبة في تبعية ثقافتنا للعصر الوسيط ببنائه الإقطاعي المذهبي ، المستمر حتى الآن ، وتبعيتها كذلك لما يُطلق عليه بعضهم (الآخر) ، وهذا التعبير تجريدٌ آخر معاكس للماضي ، فلا يقولون بأن الآخر هو النظام الغربي الرأسمالي المسيطر.
لكن التعميم على الجهتين يقودُ إلى سلسلة طويلة من الأخطاء ، لأن ثقافتنا العربية القديمة مرت بعدة أطوار وأبنية ، ولكل منها واقع خاص ، وكانت تعيش تطورات ومراحل كبيرة ، فالتعيمم المنطلق منها ، خاصة حين يساونه بالشخصية العربية أو بالذات العربية ، يقود إلى كوارث تحليلية.
فالشعرُ الجاهلي لا يُعرف لماذا صار بهذا الشكل ومن أين جاء وما هي علاقاته بالمكونات الفكرية والفنية السابقة ، والقرآن لماذا هو بهذه اللغة والتراكيب والأخطر ما هو دوره في عملية الثقافة التحولية ، ولماذا استمرت القصيدة المتناقضة البناء التقريرية حتى اليوم؟ ولماذا الغياب للبناء المسرحي في الثقافة والبناء الدرامي في الشعر وغياب الملحمة؟
دخل النقد العربي القديم في جوانب المحدود كالصور الجزئية والأغراض وأشكال البلاغة ، ثم وجد نفسه في العصر الحديث أمام مدارس أوربية كبيرة ، فلم تسعفه أدوات النقد العربي القديم ، ليس فقط لخضامة الإنجازات الغربية التي تشكلت خلال قرون النهضة والثورة الصناعية والعصر الحديث ، بل لأن واقعه العربي المتعدد راح هو الآخر يتغير ويصارع ، فبدأت الآدابُ والفنونُ العربية في الأزدهار في واقع متخلف اجتماعياً!
وككل نتاجنا وسياستنا وقع بين دكتاتوريتين ؛ دكتاتورية الماضي المبهمة والمتجسدة في البناء الثقافي ، وفي دكتاتورية الحداثة الغربية ، التي تفرضُ نفسها عبر أنماط سائدة قوية فتشلُ الوعي العربي عن أن يكون وعياً عربياً ديمقراطياً.
وكي نعرف أننا واقعين بين دكتاتوريتين ثقافيتين، يحتاجُ ذلك إلى فحصٍ على مستوى الماضي ومستوى الحاضر، أي القيام بنقد مزدوج على ضفتي الزمان والمكان.
حين نقرأ فقط القصيدة الجاهلية سوف نقول لماذا الانحباس في الشكل المضطرب الممزق المحدود؟ أي لماذا عجز العربُ عن إنتاج شعر أكثر تطوراً من هذا؟
وهو أمرٌ لا يتضحُ إلا في قراءةِ السياق التاريخي ، بكون القصيدة العربية الجاهلية هي نتاجُ شعبٍ محبوس ممزق في هذه الصحارى الهائلة المجدبة ، وبقراءة إن هذا الجنس الأدبي(الشعر الجاهلي) هو أرفع ما أنتجه هذا الشعب بعد انحباسه وتقطع صلاتهِ بالشمالِ ، السامي، لغة ومكاناً وتلاقحاً واسعاً ، وهو أمرٌ يربطنا بتدهور الأنواع الأدبية والفنية في الشمال (العراق ، وسوريا ، ومصر) ، فنقرأ فضاءَ الآداب والفنون في الحضارات القديمة التي عجزت عن التطور ، وعن تشكيل أنواع : الملحمة والمسرحية وبالتالي النقد.
وبهذا كان النتاجُ الثقافي العربي الجاهلي هو وليد ظروف العزلة والتخلف المزدوج ، فالانهيار الحضاري الذي أصاب الحضارات القديمة والذي كان إحدى سماته تحجر الآداب ، انتقل بقوة مضاعفة للجاهليين ، ومع ذلك قاموا في تلك العزلة النسبية بإنتاج ثقافي يعكس ظروفهم ويعكس كذلك حريتهم البدوية.
بين الغنى الثقافي الذي فجرتهُ ثورة الإسلام وبين الأشكال الأدبية والفنية المتيبسة التي سادت طوال العصر الأموي ، ثم تقطعت بفعل المدنية العباسية النسبية ، عوامل من الصراع والتداخل ، فقد أضفى الفهمُ الديني المحافظ على منتجات الثقافة المختلفة عوامل كبيرة من الكبح.
فقد قام بأسلمة الشعر الجاهلي ، محوراً العديد من الأسماء الدينية والأفكار الوثنية ، ثم جعلَ المبنى الفضفاض للقصيدة الجاهلية نموذجاً يُحتذى ، وجمد الأنواع الأدبية كما كان متبعاً سابقاً ، فغدت الفنون محرمة كذلك.
ثم حين تطورت الآداب والفنون في العصر العباسي في المدن النهضوية المؤقتة ، فإن تغيرات جذرية في الأنواع الأدبية لم تعد ممكنة ، وإذا حدثت تطورات كما في الرسم وظهور القصة والمقامة واتساع النقد وتشكل الفلسفة ، فإنها تغدو محاطة بدكتاتورية الماضي الثقافية ، ودكتاتورية الحاضر الأموي – العباسي الجارية.
وهكذا فإن الضرورة تتكشفُ هنا، فالعرب ورثة الدكتاتوريات المشرقية القديمة ، فهم إذ ينقطعون عن نتاج الحضارات المشرقية القديمة وراءهم ، بسبب ليس فقدان اللغات القديمة ، بل كذلك رفضاً للتعرف عليها ، كما أنهم يكيفون النتاج المترجم اليوناني والهندي تبعاً لحاجاتهم في هذا المجتمع النهضوي المتوجه للاختناق بفعل دكتاتوريات السلطات والجماعات السياسية – المذهبية المختلفة.
وهكذا فإن النقد هو الآخر يتعرض لهذا الحصار فيحافظ على شكلانيته العامة ، بتقزم الأنواع الأدبية والفنية فيه ، ثم يجمدُ تطور القصيدة بإبقاء مبناها العام المضطرب المحدود ، الذي لا يغتني إلا بفعل نقده للواقع ، وتداخله مع الأنواع الأخرى كالدراما والقصة ، وهو أمر غير ممكن إلا بشكل تعليمي ساذج.
ليست هذه الأنواع الثلاثة؛ النوع القصصي، النوع الدرامي، النوع الشعري ، أنواعاً منفصلة فحسب ، بل هي أنواع متداخلة كذلك ، فهي تغذي بعضها البعض ، وعدم وجودها في واقع ما ، دليل على مشكلات ديمقراطية عميقة فيه.
إن عجز النقد العربي القديم عن كشف ذلك ، هو بسبب ذلك الغياب الديمقراطي في السياسة والثقافة ، وهو أمر أتاحته له التجربة الغربية حين احتك بها ، وهي قادمة من خلال السيطرة الأجنبية.
إن النمو الداخلي العربي لم يكن حراً ، فلم ينتجْ الأنواع السابقة الذكر بانفصالها وتداخلها المركب ، ولم تتح تجربته المقموعة خلال تلك القرون ، التي لم تزدهر بالحرية الواسعة أن يصنع تلك الأنواع بتلاقحها وتنوعها ، ففوجئ وهو ينمو داخل الحياة الحديثة الغربية ، أن تاريخه الثقافي ناقصٌ ومتخلفٌ في أنواع معينة ، فراح يستكمل النقص.
ليس العرب كلهم منتجون ثقافيون ، بل أفراد وجماعات من الفئات الوسطى ، التي يتيح معاشها أن تشتغل في الثقافة ، وهي موزعة بين الدكتاتوريتين : دكتاتورية الماضي ، ودكتاتورية الحاضر ، لكن الثقافة الباقية الغنية هي منتجة الحرية ، ومن هنا راح نتاج هؤلاء الأفراد الباقي القوي الغني يؤسسُ ذلك.
isa.albuflasa@gmail.com
-
اشترك
مشترك
ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.
