قطعوا لسانَ الشاعر اليمني فتحسستُ لساني، وخفتُ أن يكونَ قد قُطع. هل بقي شارعٌ لم يتكلمْ ويصرخ في اليمن؟ كلُ الجبالِ والأزقةِ والحارات والشجر ضجتْ بالكلام، ووصلت الميادينُ إلى الكواكبِ والنجوم، فلماذا هذه القطعة الصغيرة من اللحم تُزال؟ يقولون ان قطع اللسان كان مؤامرة لكي تُتهم أحزابُ الحريةِ بأنها قاطعة ألسنة للشعراء الصارخين بها. كم من الألسنةِ قُطعتْ. كم من الألسنةِ اجتُثتْ وهي لاتزالُ تثرثرُ بالكلام. أيكونُ كلُ هذا الكلامِ هراء؟ وحين يجيءُ شاعرٌ فيعبرُ عن رؤية أو حلم يغدو أخطر من الفضائيات التي تروعُ الناسَ بضجيج الكلام؟ كم من الناس يصرخُ بلا لسان. وكم من إنسانٍ يهذي بلا معان. كم من الألسنة قُطعتْ منذ زمان طويل ودُفنتْ في الأرض أو حُفظتْ في المتاحف، أو عُلقتْ لتيبسَ في الشمس وتأكلها الغربان؟ هناك ألسنةٌ تتكلم لتعيش. هناك ألسنةٌ تتكلم لتوقف عيش الآخرين. هناك ألسنةٌ تتكلم ليحل الصمت. هناك ألسنة تظهر فجأة وتختفي فجأة، فلا هي جاءتْ من أرضٍ معرفيةٍ خصبة، ولا هي ثبتتْ على موقف، ولا هي معنية بتطور وطن أو قضية، موجودة في الحلق لترقصَ بين الأحزاب والطبقات والمصالح. هناك ألسنةٌ صامتةٌ لعقود، لم تعدْ لها قضية، اللسانُ صدأ في الحنجرة التي كانت صاخبة بنار الكلام، وقذفتْ الأصنامَ بأسنان المعاول، ومفجرات الحياة، فتعطلتْ الألسنة، وتاهتْ في دروب التجارة، وشراء الأقنعة، وغدا كل حرفٍ يوزن بهدية، أو سفرة هنية، أو دعوة مالية، أو طبعة فاخرة، إنها استراحة المحارب الذي لم يحارب وصدأت أسلحته في المخزن. ولسان الشاعر المحبوس كالسيف الذي لم يَخرجْ من غمدهِ، ألا ترى أن الكثيرَ من الشعراءِ صار يتبعهم النخاسون والصرافون والباعة، يبيعونهم ليعلقوا رثاثَ الكلامِ في الواجهاتِ المضيئة؟ فإذا وُلد شاعرٌ أهتزتْ الأمةُ وشعرتْ بأنها حية، بعد أن بِيعتْ في سوق النخاسة، فلسانهُ ليس حصانهُ بل هو روحُ الشعبِ وكرامة أرضهِ ونقاء سمائه من الطائرات المغيرة والدخيلة ومن دخان التلوث الروحي الذي تنشرهُ في الفضاءِ لكي لا يظهر أولادٌ وبناتٌ يصرخون باسم الحرية. لماذا أمةُ الشعراءِ التي بزتْ الأممَ بالأسواق التي تجثمُ تحت نعالِ الشاعر، وتُضربُ له أفخر الخيام، وتُعلق قلائدُهُ على أقدس مكان، تبحثُ عن شاعر الحقيقة والقضية بالبندقية والكبريت الأحمر؟ فإذا وُلد زغردتْ الدروبُ والنساءُ زغرداتٍ تصلُ إلى عنان السماء، وشعرَ الرجالُ بالفخر، فقد صارَ للناسِ لسان! وحتى في زمان القصور التي تشتري الشعرَ بأوزان الذهب كان ثمة شعراء ملأوا المدن والصحارى بكلام لا يشترى حتى بكنوز الأرض، وهو شعر يغسلُ قدمَ عامل، وينظفُ جرح شهيد، ويعلي مكانة العقل. فتأكدْ من وجودِ لسانكَ فقد يكون قد قُطع، وأنت نائم، أو ربما استبدلت قطعة أرض به، أو شيكا مؤجلا يُصرفُ عند موتك، أو ضاع منك في أنديةٍ أو في جمعياتِ نضالِ الثرثرةِ، أو استلفهُ نائبٌ ولم يرجعهُ حتى الآن، أو أخذتهُ نائبةٌ مصيبةٌ سياسية منك، أو تجمدَ في حلقك بعد سنوات الصمت، أو بَلعتهُ في زحام الأكل، أو هرب من رقادك الأبدي نحو الوجود والحياة!
مصائرُ الأبطالِ السابقين المأساوية مجلبة دائمة للأحزان، وهي الحالةُ العاديةُ الضحلة، لكنها مناسبة أعظم للدرسِ العقلاني، وبقراءة تضحيات الأوائل والفرح بمجزاتهم. نحتفلُ معاً بالبطل الغائب فيما البعض يكدسُ الأموالَ في خزائنكَ وتملأ زرائبكَ بالخرافِ والعجول، وانا لا أملكُ ثمنَ الفطور؟! نبكي معاً، فيما أنت ترسلُ أبناءك للدرس في الخارج، وانا يجهلُ ابنائي الثقافةَ في المدارس العامة الأمية؟ نصطفُ معاً للصلاة ثم لا تتخلى عن ديونك وتقودني للسجن؟! نتمذهب ثم يكون لكَ الذهب وأنا لي الفقر؟ شكلَّ البابواتُ ثقافةَ المأساة، ومنذ شهيد السماء جعلوا من البكاءِ نهراً يصبُ الأموالَ في خزائنهم، ونهضتْ روما البابوية وإمتدت قطائعها وبساتينها على لحومِ الفلاحين المعجونةِ بالسياطِ والضرائب. ومن قبل منذ أزوريس وأدونيس كان البكاءُ صناعةً إستغلالية متطورة، وكان جلدُ الذاتِ تطهيراً زائفاً، وهو الذي أشادَ الإهرامات الكبرى لجثثِ الحكمِ الإنانية، وبنى الحصالات العظمى من عظام العبيد! المأتميةُ المستمرةُ تعبرُ عن بطولةٍ عظيمةٍ قديمةٍ وعن عجزٍ سياسي راهن. الأبطالُ القدامى الذين تعاونوا أو خُذلوا في معركةِ التغيير، تتم إستعادتهم من قبلِ قوى فاشلةٍ في النضالِ الراهن، تدافعُ عن الفقراء وتجلدهم وتستغلهم، وتؤخرهم، خوفاً من أن يتطوروا أو يتحرروا منها! عندما تقتربُ الجموعُ البشريةُ من القطعان المُعَّدة للذبح تختفي كلُ قدراتِها، تبكي بوجعٍ آلامَها النازفةَ عند الأضرحة، وفي الشوارع الخاذلة للعدالة وللوطن، وعند الحصالات التي جمعتْ دمها، والدوائر التي إستنزفتها. تتمسكُ بالرموز التضحوية، التي بهرتْ الدنيا، ثم تضعُ دراهمَها القليلة الأخيرة لدى تجار الأضرحة والدموع وتشعرُ بلحظةِ سعادةٍ وتطهيرٍ في مسرحِ جلدِ الذاتِ وتغييب العقول! تغدو المأتميةُ علامةَ فشلٍ سياسي راهن. السياسيون الفاشلون وحدهم الذين يجتمعون بإستمرارِ لندبِ تاريخ النضال، ولتذكر الشهداء في منولوجات لا تتوقف عن العظماء الغائبين، للشعورِ بلحظاتٍ من الصفاءِ الروحي الزائف المخدر حين ينسى العمالُ أجورَهم غير المدفوعة، وبطالاتهم المتسعة، ويتخفف الأغنياءُ والمتسلقون من الشعور بالذنب لامتصاصِهم خيراتِ المجتمع في جيوبِهم وأرصدتهم، فيتبرعون بعدة دموع من أجل النضال المشترك. لكنهم ليس لديهم أجندة نضال حقيقية على الأرض، يتكئون على الشهداء لكي يخففوا من حركةِ أقدامِهم في حاراتِ البؤس، ومن إقامةِ علاقاتٍ مع خلايا التغيير وتطوير الكتل البائسة من الشباب التي تحلقُ في فضاءِ الموتِ بالإبرِ والدخان. يطيرون من خلالِ الشهداءِ وسيولِ البكاء وأمطارِ التطهر ويسكتون ضمائر تضجُ بالأسئلة ويشيعون الحياةَ في ثقافةٍ صفراء تذبل ولا تستقيل وتتحول إلى مشانق وحظائر جنون. تجارُ الدموعِ والكراسي يستمرون في تجميعِ الأموال، فيما يستمرُ الفقراءُ في تجميعِ العللِ والبؤس، لكنهم يواصلون البكاء والتشبث بالقبورِ والأضرحة والتماثيل والصور ويقبلون أرجلَ البابوات، أو يلحدون أو يهذون بالمسكرات يطيحون بعقولهم، أو يظهر منهم من يناضل ويراكم ثقافة النور، والإعتزاز بالأبطال السابقين وإحترامهم، والنضال الجديد المختلف، الحافر في المعرفة والأسئلة والخرائط الاجتماعية وتجميع الصفوف وحشد القوى للتغيير. لقد شبعتْ الشعوبُ من الدموع! شبعتْ من ثقافةِ السلاسلِ والسيوف والسياط! شبعتْ من فنونِ البكاء وتاقتْ للأفراح وتغيير العشش والحارات الضيقة الخالية من النور، ومن بيوتها المصائد الأنفاق، ومن خرائبها، تريدُ الأعراسَ وقد ذبلتْ الفتياتُ بلا زواج، وأكتهل الفتيانُ قبل أوانهم، وتلوثت الشوارع بالكيمياء السرطانية، فالموت كثيف كثير، والبكاء عميم واسع! فلتزغردْ النساءُ حين يظهر الشهداء من أجل القضايا! لتحتفي الجموعُ وترقصُ من أخبار النضال وسكب الدم من أجل الأوطان! لتوزع الورد والشراب والأغاني! لتصدح الألحان في ذكرى الشجعان الغابرين! لنحى ذكريات المناضلين بمزيد من النضال والفرح! ولنقطع التجارات بالدين والسياسة وبالأوطان.
مع غياب التيارات العقلانية الوطنية الديمقراطية انفتح الباب للفوضويين والانتهازيين للسيطرة على الساحة العقلية المعطلة للجمهور. انتشار الوعي الديمقراطي توارى بسبب هذا الكم من الفوضويين والمسعورين سياسياً والحمقى فكرياً، فهؤلاء كانت مهمتهم الحقيقيةخلال سنوات عديدة سابقة هي تخريب ساحة النضال، ففي أيام العمل السري كان تجنيد الأعضاء ودفعهم في معارك غير متكافئة، وجر الشباب لأعمال تفوق فهمهم، وكان شعارهم(اعترفْ وأخرجْ من السجن) مما صحر القواعد وغيّب المناضلين والتراكم الديمقراطي والتماسك النضالي والصلابة السياسية والأفق الفكري المنفتح. أعتمد هؤلاء على لغة الصراخ والانفعال الشديد مما جعل سياسة الحماقة هذه تولد(قادة) فوضويين عنفيين كل قدراتهم تكمن في الصراخ وعدم فهم الواقع والمستقبل، مما أدى إلى انتشار مدرسة الحماقة هذه خاصة في الجيل التالي الذي أجدب يسارياً ووطنياً ووسع من الدينيين الطائفيين الذين أوصلوا هذه الحالة للذروة، وقسموا المجتمع، وهدموا الفكر والتطور. ما زال هؤلاء المغامرون الفوضويون يحكمون الصفوف الأولى في الجماعات السياسية، ويكرسون نهج الحماقة حتى بعد أن أُصيب الجيل الأول بالخيبات والاختفاء والهزائم. هذا صّحر الواقع السياسي من الوعي، ومن رؤية المستقبل والانضباط العقلاني السياسي، وجعل الجملة الحادة الصاخبة، واستعمال الأيدي والألفاظ البذيئة والادعاءات السياسية المراهقة حتى في البرلمان بديلاً عن العقلانية والتراكم السياسي الطويل وتكوين الجماعات المعتدلة المتنفذة ذات المشاريع السياسية وفهم مشكلات الجمهور والبلد والمساهمة في حلها. هذا مكن الانتهازيين من جهة أخرى من فرش نفوذهم في الواقع السياسي المريض، فهؤلاء لا يملكون أي وعي وأي رغبة في إصلاح المجتمع بقدر ما يسعون لتكوين مصالحهم الخاصة وتكوين شلل الفساد العامة الخاصة. وقد حصلوا على فرصهم مع غياب العقلانيين والوطنيين المخلصين بعيدي النظر وأصحاب البرامج والثقافة السياسية العميقة فعطلوا البرلمان والصحافة والوعي عامة. وهكذا بدلاً من دحر الفوضويين واستخدام ما في خطاباتهم من نواة عقلانية وفرزها عن الفوضى والصخب والعنف الذاتي، يقومون برفض كلَ شيء وعدم طرح البديل وعدم التعبير عن مشكلات الناس والمجتمع، مصورين أنفسهم بأنهم دعاة العقل وليس قوى الفساد السفلى المشاركة القارضة للمال العام. تقوم الفوضوية والانتهازية بدور متكامل مشترك وهو منع الوعي السياسي الناضج من التكون ومن تشكل قوى الإصلاح الشعبية، وتحولها لتيارات مؤثرة. وبهذا يفقد الجمهور أمل التغيير، وينتشر فيه اليأس ويفرز ذلك قوى التطرف والعنف والجريمة. بدون النقد وتكوين البديل الإعلامي وطرح النماذج السياسية المركبة الجامعة للنقد والمسئولية التعبيرية والحكمة العملية، فإن هذه النماذج المخربة للعمل السياسي الوطني سوف تنتشر وتمنع التطور مستفيدة من الفوضوية والمراهقة السياسية.
واقعية الرعب يتوجه الوعي الفكري وخاصة الجنس الأدبي منه لعلاقة مركبة معقدة مع الواقع. فقد تشكلتْ مستوياتٌ وتراكماتٌ خلقتْ عوازلَ كبيرةً بين الفرد والحياة في الغرب. إن الإنسان الغربي يعيش في ذاته، وفي ذاته الواسعة وهي الأسرة، وعلاقته بالمجتمع المباشرة تأتي عبر العمل. وتبينُ لنا الروايةُ الغربيةُ خاصةً هذه المركبات بين الفرد والأسرة والمجتمع، وغالباً ما يعيش الراوي في خدعةٍ هائلة كبطلِ رواية ميشائيل كروغر الألماني في رواية(الكوميديا التورينية) فهو مؤلفٌ روائيٌّ مزيفٌ يكتشفُ صاحبُ وصيتهِ عمليات نصبهِ على القراء من خلال درس مواد التركة الأدبية المسروقة التي خلفها. أما رواية (رجل في الظلام) لبول أوستر الأمريكي فهي أكثر وضوحاً في تجسيدِ عزلةِ المواطن الغربي العادي عن الواقع العام، وفي حين كانت روايةُ الألماني مرحةً واقعية، فإن أعمالَ بول أوستر تتميزُ بالكابوسية المركبة، فالراوي المحوري، وهو رجلٌ تجاوزَ السبعين عاماً، يعيشُ حياةً مريرة في أواخر عمره، فيكتب روايةً يختلقُ فيها شخصيات (حقيقية) تشعلُ حرباً في الولايات المتحدة، حيث تنقسمُ الولايات اللامتحدة مرةً ثانية بين الشمال الذي يريد الحرية، والإنفصال، بينما الجنوب بقيادة الرئيس بوش يعلنُ الحربَ ويشنها على الشمال! وهذه الرواية المتخيلة ذات الحرب الطاحنة المزعومة التي يؤلفها الرجلُ المبدعُ الكهل، تتمردُ شخصياتُه عليه، وتريدُ قتله لأنه ورطها في حرب وتصفيات، فتغدو عملية قتله هي المنقذ لها وللبلد! إنها نوعٌ من الفنتازيا التي لا يكملها المؤلفُ نفسه، لكن بعد أن قطعَ ثلاثةَ أرباع الرواية (232 صفحة، دار الآداب)، وهذه العمليةُ المركبةُ من فنتازيا وواقع تلفت النظر النقدي والمؤلف غزير في إنتاج هذا النوع من الأدب الكابوسي وهو من مواليد 1946. الجانبُ الأولُ في الرواية يجسدُ لنا شخصيات هامشية؛ قتلة محترفون بدرجة خاصة، وهي الشخصيات التي تمثل الحياة السياسية، وتعيشُ في عملياتِها وخططِها الدموية أو في يومياتها العادية التي يمثلُ العنفُ روتينَها، معطيةً وجهَ الحياة الأمريكية السطحية، في حين أن الشخصيات الأخرى كشخصيةِ المؤلفِ وعائلتهِ من زوجةٍ وابنةٍ وحفيدةٍ، فتمثلُ حياة الطبقة الوسطى التي تعيشُ قضايا الحب والعواطف والصراعات الفكرية والنفسية العميقة في قواقعها. وهذا الجانبُ الشخصي الأخيرُ لا يأتي سوى في الثلث الأخير من الرواية بعد أن تغلغلَ ببعضِ العروقِ في القسم الأول، ولا توجدُ مشكلةٌ متجذرةٌ تمثل إشكالية أو بؤرة كبرى لقضاياها، بقدرِ ما تمثل مشكلاتِ أسرةٍ حدثتْ فيها كوارثٌ شخصيةٌ وغدت مآسي. إنها مشكلةُ عملِ الزوجة العازفة المغنية التي تنتقلُ لمدنٍ عديدة، فيعيشُ زوجُها في فراغٍ عاطفي يملأه بخيانةٍ مدمرةٍ لحياتهِ الزوجية ولنفسيته، التي تنزلقُ في الإدمان الكحولي، حتى تتقطع أعمالُهُ الإبداعية، وهو يكتبُ قصصَ الجريمة، ويعلنُ التمردَ في قصص الجريمة هذه ذات الأفق المسدود، ويتوارى ماضيه الديمقراطي عبر هذا الجمود التعبيري. هو نوعٌ من عجزٍ إجتماعي للطبقةِ الوسطى، وما ظهور أقصى اليمين عبر أمثولة بوش إلا شكل لهذا التدهور في قيمها، وسببه عزلتها عن السياسة والتأثير. إننا في القسم الأخير نعرفُ هذه الجذور للتدهور؛ فراقُ الرجل لزوجته، عودتهما مرة أخرى، إنتاجهما أسرة مفككة، متغربة، تحاول إعادة صلاتها بالحياة عبر الفنون، لكن الذروة هي مجيء حبيب للحفيدة، وهو شابٌ مرحٌ طموح، يبترُ مسيرتَهُ الواعدةَ هذه من أجلِ أن يذهبَ للعراق، وكان رافضاً للحرب بشدة، لكنه يريد أن يستثمرها الآن وبشكل شخصي جنوني. فيكون في ذلك نهايته. مصير الشاب أشبه بالثمرة المرة لتناقضات عميقة في الحياة. إن منظر الرجل المقيد والمُصَّور بالفيديو والذي يتمُ قطع رأسه ببلطة، ثم تنغرز السكين في العينين كذلك! هو منظرٌ مألوف في المشرق، لكنه كارثي في غرف هذه العائلات في مدينة نيويورك. إن مجموعة كبيرة من الظاهرات والجذور الإجتماعية والحيوات ساهمت في أشكال العجز هذه، لكنها مقطوعة السياق عبر هذا النثر الروائي، والتي تصور بلغة شفافة جميلة، ممتعة، متغربة، كابوسية. عدم قدرة المؤلف على تحليل تناقضات الحياة الأمريكية عبر لجؤه للرواية داخل الرواية ، أي لهذه الشكلانية الفنية، جعله في النهاية يلجأ للابهار أو لما نسميه الميلودراما، عبر قطع رأس الشاب الأمريكي في العراق وجعل الرواية تصرخ بالدم.
عمرو بن العاص متلفزاً أصبحت المسلسلات العربية مُغرمة بالتاريخ العربي الإسلامي، وهكذا قفزت إلينا مجموعة من الشخصيات التاريخية الشهيرة في الفتوحات وفي الحكم، والأدب، وأصبح التاريخ العربي حياً يشاركنا حياتنا اليومية، سواء كانت هذه الشخصية دموية لا تصلح لموائد الطعام كشخصية الحجاج بن يوسف الثقفي، أو الخيام العالم الشاعر المحب، أو عمرو بن العاص القائد العسكري والسياسي الداهية. وإذ نتكلم هنا عن الدلالات السياسية لمسلسل عمرو بن العاص، فلا بد من رؤية طريقة التنفيذ الفنية ومدى تناغمها مع هذه الشخصية التي عاشت ملاحم التغيير السياسي والعسكري في المنطقة؛ فقد اقترب الأخراج من تنفيذ جوانب من هذه الملحمية، عبر استعانته بأجواء مقاربة، وبالحشود العسكرية والجماهيرية الواسعة، وباقتراب النص من الحياة التاريخية بشيء من الموضوعية. ومن الواضح أن كاتب المسلسل حاول أن يقدم صورة زاهية عن عمرو بن العاص، كما لو أن عمراً قد كتب مذكراته السياسية، فهي ليست حفراً في شخصيته بقدر ما هي تقديم لوحات كبرى لإنجازاته السياسية والعسكرية. ولكنه منذ زمن الجاهلية قدم وقائع حياة عمرو بشكل قريب من الوقائع الحقيقية، ولكنه لم يفسر سبب تأخر إسلامه مثلاً، فعمرو بن العاص كان من قادة قريش، وكان هؤلاء القادة لم يتبصروا بنتائج وتطورات الحركة الإسلامية، أي لم يتوقعوا أفاقها التاريخية، وتحويلاتها الكبرى للمنطقة، وتشبثوا بمصالح قريس الضيقة ورؤية الملأ الأرستقراطي المحدودة، وكانت مكة مركزاً عبادياً ومركزاً اقتصادياً على ضوء ذلك. ولهذا فإن مسألة تحول عمرو بن العاص تعود لإدراكه لفشل المنظومة الجاهلية في التعبير عن مصالح قريش، وقد تبصر ذلك حين رأى الحركة الإسلامية تتحول من حركة سياسية صغيرة إلى ثورة شعبية، ينخرط فيها عشرات الألوف في المدينة، وقبل ذلك حين كان يطارد المهاجرين المسلمين في الحبشة أو يشارك في الغزوات محاربة للمسلمين. وهنا فى مسألة الهجرة للحبشة فإن المسلسل يتجاوز حقائق التاريخ البسيطة ويلجأ للأسطورة التي تخللت بعض مواقع المسلسل، فقد جعل نجاشي الحبشة مسلماً يردد آيات القرآن ويدعو عمرو بن العاص للإسلام! لكن عمراً حين وجد ذلك الالتفاف الشعبي وتقوقع مركز الملأ وعزلته السياسية، فقد هاجر إلى المدينة مع خالد بن الوليد، وبهذا فإن كوادر قريش العسكرية والسياسية كانت تلتحق بالمسلمين، واثبة نحو مراكز سياسية وقيادية في النظام الجديد المنتصر لا محالة مع توازن القوى المختل لغير صالح ملأ قريش. وهكذا راح المسلمون يعتمدون على هذه الكوادر، ذات الخبرة بسبب كونها سخصيات تجارية وعسكرية معاً، وأكثر ثقافة من الكثير منهم. ولم تكن أموال قريش تذهب هباءً. وهكذا كان عمرو بن العاص يضع يده مع الحركة الغالبة القوية، وكان ذا حس سياسي مرهف، يدرك متى تتغير الامور، ومع اعتماد المسلمين على شخصيات كهذه استطاعوا ان يحكموا الجزيرة العربية٠ فهؤلاء كانوا يعرفون القبائل والجغرافيا الطبيعية، ويستطيعون مجاراة تكتيكاتها العسكرية المعتمدة على الكر والفر والخدع بل والتغلب عليها. ولهذا وجدنا عمروا وهو يحكم عُمان بمجموعة صغيرة وعبر تكتيكات سياسية وحربية ذكية، ثم ينقل طريقته العسكرية والسياسية إلى الفتوحات في الشمال العربي، متوحداً مع صديقه خالد بن الوليد، فيتم قهر الرومان وإخراجهم من سوريا وقد وضّح المسلسل كيف كان عمرو قائداً عسكرياً ماهراً، غير مؤمن بالمواقع العسكرية الثابتة الجامدة، بل يقوم بتغيير مواقع الجيش وقطاعاته الصغيرة السريعة، ونقلها إلى نقاط جديدة غير متوقعة، وهي أمور لم تكن ممكنة، دون الجيش العربي الوليد الخفيف، المعتمد على القبائل العربية سريعة الحركة والخفيفة التسليح والشجاعة وذات المعنويات العالية. ولم يكن أمامها شيء لتخسره سوى جوع الصحراء وفقرها الشديد. وهناك جوانب رومانسية أدخلها المسلسل في حبكته التاريخية، ولا ندري مدي صحتها وتطابقها مع الوقائع التاريخية الحقيقية. فقد أوجد لعمرو بن العاص حبيبة مصرية قبطية، عشقته أول ما رأته زائراً لمصر ولبيت أبيها القبطي المتضامن مع الحركة الدينية القبطية المعارضة لحكم الرومان. ثم استمر هذا الحب في قلبها المتوهج على الرغم من بعد الحبيب وسنوات الزمن المتدفقة، بل على الرغم من إغراء كبير الحرس الرومانى لها، وإرغامها على الزواج منه. وقد استمرت حبكة الغرام هذه طويلاً بل تتوجت بتضحية هذه الغادة الجميلة بنفسها دفاعاً عن عمرو بن العاص من سيف الروماني الغادر! هذه التوليفة الغرامية ضمن الحبكة التاريخية الموضوعية كانت من أجل إدخال النزعة الرومانسية الشديدة العاطفية، ولجعل هذه المرأة رمزاً لمصر المسيحية وهي تفدي نفسها للقائد العربي المسلم. والأمور التاريخية لم تجر على هذا النحو، بل كان تقدم العروبة والإسلام بطيئاً في مصر، وووجه بمقاومة شديدة، ولكن الإخاء العربى المصري تشكل فى النضال الذي جري معاً ضد الاستغلال الأرستقراطي العربي والروماني والقبطي معاً، ولذلك التآزر بين العامة من الفريقين العربي والقبطي. ولكن العامة والنظرة الموضوعية العميقة الى التاريخ لم تكونا من اهتمامات المؤلف، وبدلاً من ذلك تم تقديم هذه القصة الرومانسية تعويضاً عن تحليل علمي غائب. كانت انتصارات عمرو بن العاص فى مصر وليدة خططه العسكرية والسياسية الماهرة، فقد قام بعزل الرومان سياسياً وعسكرياً، عبر جذب العامة المصريين، والتركيز على المتطرفين الرومان، وجذب المعتدلين وإحداث انشقاق بين المعسكرين، وهكذا وجد في (المقوقس) أداته السياسية لبلبلة صفوف أعدائه، وتقليل الخسائر في صفوف العرب المقاتلين القلة في بحر بشري، ثم القيام بحملات عسكرية بطيئة ودقيقة راحت تراكم إنجازاته وقواه العسكرية حتى المعركة النهائية في الإسكندرية. وقد مثل عبدالله بن أبي السرح النهج المضاد لنهج عمرو بن العاص المتسامح والمنفتح، فقد اعتمد هذا على القسوة واستغلال الشعب المصري إلى أقصى درجة، مما أدى إلى عودة الرومان وسيطرتهم على مناطق واسعة من مصر. هناك مساحات كثيرة من المسلسل بحاجة إلى التدقيق التاريخى، فهى لقطات أشبه بالسحر والبهلوانية الفردية، مثل تنكر عمرو بى العاص وتلبسه شخصيات شحاذين وقساوسة من أجل خداع الخصوم ومن أجل الانتصار في المعارك، وهي أمور لا يمكن أن يقوم بها قائد عسكري لجيش صغير مقطوع الصلة بقواعده البعيدة. وكان من الممكن حذف هذه اللقطات والتركيز على تكتيكات المعارك الحربية ووقائعها التي جاءت مختزلة، ومحدودة، بسبب اختصار التكاليف المادية للمسلسل. بل جاءت المعارك متشابهة ومعتمدة على مبارزات فردية في حين كانت معارك عمرو معارك فتوح واسعة، وتكتيكات مدهشة في الفن العسكري، استطاع بها هزيمة الجيش الروماني الثقيل الجامد. كذلك جاءت مواقف عمرو بن العاص من أحداث الثورة على عثمان شخصية، وقد أدرك بثاقب نظره أن الأمور قد مالت إلى الكفة الأموية التي انحاز إليها. هذه الفترة لم تحصل من المسلسل سوي على بضعة مشاهد، نظراً الى أنه أراد تقديم صورة مشرقة ووردية لبطله التاريخي، بدلاً من أن تكون نظرة موضوعية متكاملة. وقد قام المسلسل بالقفز على هذه الفترة الكالحة ربما من سيرة عمرو بن العاص، حيث صار مهتما بالحكم الفردي وغنائم السلطة، فقد تحالف مع معاوية بن أبي سفيان الرجل القوي الصاعد في الإمبراطورية الإسلامية وقتذاك، وكان لهذا التحالف ثمنه الأخلاقي غير المبهر. وعموماً فإن مثل هذه المسلسلات التاريخية الكبيرة المنفذة بتمثيل رائع وباقتراب كبير من الفترة الحقيقية، تغني الوعي العربي الحديث من أجل رؤية تاريخه بشكل دقيق وموضوعي.
المسلسلات والفساد استطاعت مصر وسوريا أن تكون دائماً في مقدمة المنتجين الفكريين والفنيين، وهذا يتجسد في شهر رمضان عبر المسلسلات التي كانت حصتا البلدين كبيرتين . ولكن إذا كان فنانو مصر أقرب على مناقشة قضية الفساد والديمقراطية كقضيتين حاسمتين في التطور السياسي العربي الراهن، فإن فناني سوريا كانوا أقل إنتاجاً في هذا الجانب، حيث لم تزل بعدُ مظلةُ الشمولية تغطي السماءَ السورية بشكل واسع، ولهذا فإن الفنانين السوريين ما زالوا يختبئون تحت عباءات التاريخ الملفعة بالألغاز والأسرار، يجمعون النقود والمخاوف. أما فنانو الجزيرة العربية والخليج فإنهم يغطون في نومهم، ولا يدرون ماذا يدور في العالم، فلنصبر عليهم سنوات أخرى. لا شك أن المسلسلين المصريين الكبيرين وهما (محمود المصري) و (عباس الأبيض في اليوم الأسود) هما من أجمل المسلسلات التي عرضت خلال هذا الشهر، وقد كان المسلسل الأول في الذروة بسبب معالجته الفنية والفكرية المترابطة، فهو مسلسل درامي ساخن ومن بطولة محمود عبدالعزيز، ويعبر عن حياة تاجر نشط ومثابر من أجل تطوير حياته الشخصية والغنية، المليئة بالمال والحب والخسائر المالية والمثابرة والصمود، والمواجهة لعصابات الحكم الفاسدة على ضفتي البحر الأبيض المتوسط، فى مصر واليونان معاً. إن قيمة هذا المسلسل هو أنه يطور المتعة الفنية والتشويق جنباً لجنب مع الأثارة الدرامية والتحليل السياسي، والبطولة الفردية للتاجر والصناعي تتضافر مع مساندة أهله، وبقية أهل الحي، في مواجهة دائمة مع عصابات الدولة، على اختلاف فتراتها السياسية، وتكمن قوة المسلسل في هذا التمحور حول بطولة التاجر الذكي والشجاع، والذي يعيش فترات غنية حافلة، فهو يملك الملايين ثم يعيش الفاقة بأسوأ ما فيها، ولكنه ما أن يهزم حتى ينهضن مجدداً وهو يصارع حيتان السلطة والثروة. لكن البطولة الفردية لا تنفصل عن البطولة الجماعية فهناك العديد من الأبطال الشعبيين المساندين لهذه العملية الواسعة من النضال لتغيير ظروف العوز والانسحاق. يركز المسلسل على العقبات التي يضعها موظفون فاسدون وأغنياء متنفذون ذوو علاقات وثيقة، ضد هذا التاجر الصاعد، والذي يستفيد هو الآخر من فرص التجارة والسوق. ورغم كل الكوارث التي سببها هؤلاء الفاسدون على ضفتي البحر المتوسط، في مصر واليونان له، فإنه يتغلب عليهم. إن هذا التغلب هو الحلقات المتصاعدة المثيرة والصراعات المتشابكة، تجارة ودسائس وحباً وانهيارات، مما يجعل المسلسل متكاملاً في صياغاته وبحبكة الأحداث المتوجهة لفضح الفساد، وتجسيد رؤية الناس البسطاء في تغلبهم على قوى الاستغلال داخل وخارج أجهزة الدولة. كما أن المسلسل بتصويره خارج الاستديو وفي المدن المتعددة والبحر، يجعل مستواه الفني متقدماً و ممتعاً. في حين يأتي مسلسل (عباس الأبيض في اليوم الأسود) ليعالج قضايا الفساد من جهة أخرى، حيث يعود عباس الدميري إلى مصر بعد غربة مضنية طويلة في العراق، حيث عاش أسوأ فترة من حياته في سجن الطاغية السابق، وكانت تهمته هى السخرية من النظام في فصل الدراسة حيث يقوم بالتعليم، وهنا يفتعل المسلسل حكايةً غريبة حيث يعثر عباس الدميري على جثة مروض الأسود (لطفي الجنايني) والذي تم اغتياله، فيأخذ جواز سفره، وينتحل شخصيته، ولكن لطفي الجنايني مطلوب هو الآخر للنظام! بعودته إلى مصر يجد عباس أن زوجته تتنكر له، وقد حازت على ثروته، وأعطتها لابنها المدلل، ليبعثرها على أصدقائه ونسائه، فكان عليه أن يثبت شخصيته ويكشف تاريخه الحقيقي، مثلما يعرض تاريخ مصر المليء بالمقاومة. تقوم حكايات المسلسل على فضح قضايا الفساد الاجتماعي، التي تغلغلت وسط الناس، وجعلتهم يندفعون للمال بأي وسيلة!
الثقافة والفساد لم تستطع الثقافة أن تتجنب الفساد، خاصة الثقافة التي تشتغل في الأجهزة الحكومية المتنفذة التي تدفع مبالغ كبيرة للمشتغلين بإنتاج مختلف الأعمال الفنية وخاصة المسلسلات. وعبر احتكار مجموعات معينة لهذا الإنتاج فإن إمكانية جيدة ومضيئة غدت معدومة، حيث تقدم الأعمال والأفكار المسلوقة التافهة، التي تعبر عن تقاسم الكعكة والمنافع المادية، أما الشركات الخاصة فإذا أرادت أن تقدم شيئاً فمن خلال شبكة الفساد هذه. والقضية هنا ليست قضية فكر جيد أو سيء، أو قضية تراث ومعاصرة، قضية وطن أو ثقافة أو مصير، بل القضية هي قضية الفلوس! في مصر استطاعت الشركاتُ الخاصة أن تقيم شبكة واسعة من العلاقات والزبائن، لكنها احترمت نفسها، وقدمت أعمالاً مذهلة جميلة، يعتز المشاهدُ بأن يرى إن مثل هذه المسلسلات يمكن أن تنتج وتوزع، وهي مسلسلات تناقش قضايا الإنسان والمصير والمجتمع بعمق ونقد مرير وممتع، بشكل يحترم عقل المشاهد وهي لها تاريخ كبير من الممكن أن تصنع أي شيء وأن تتعكز على الأسماء الكبيرة في التلفزيون والسينما ولكنها تريد أن تكرس ثقافة ذات جذور وأن تحترم الأذواق والعقول وتساهم بكلمة في تغيير مجتمعها، ولاحترام الإنسان وملاحقة الفساد وفضحه! ولا شك إن الرموز من فنانين كبار ومؤلفين كبار يدركون إن التفاهة في الإنتاج الفني يمكن أن تلعب دوراً هائلاً في الإساءة لسمعتهم، ومن الممكن أن يكسب الإنسان بشرف وبسمو، وليس بانحطاط وابتذال! كما أنه على العكس فالإنتاج المضيء يوسع من شهرتهم ومن أرباحهم، بسبب أن ثمة مثقفين كبار يقفون وراء مثل هذه الأعمال، ويقدمون أعمالهم بتنافس كبير مع آخرين في سوق واسعة حرة، دون أن يفرضوا احتكاراً سياسياً على المسلسلات التلفزيونية ويعتمدوا على عصاباتهم من أجل احتكار السوق وفرض التخلف الفني على الناس، لا يؤدي سوى أن تصير المسلسلات تبث على الهواء الفارغ من العيون والآذان! ولكن جماعات الفساد الثقافية اهتبلت هذه الفرص في زمن فقدنا فيه المراقبة على الزائف وكرسنا أنفسنا لمراقبة الجاد وقمعه وإزالته من الخريطة الثقافية، وحولنا الثقافة إلى مستنقع من المستنقعات التي تنمو فيها كل أنواع الحشرات السامة، وتلعب الواسطة وهدر المال العام أدوارها في تسمين البعض والقضاء على الفنون والآداب. حين نرى مسلسلات مثل (الدالي) نخجل أن نشاهد هذه الأعمال في منطقة الخليج التي تفتقد أي حرارة والتصاق بقضايا الإنسان وهذه المنطقة التي أشبعت بالحروب والتدخلات الأجنبية والتلوث والاستغلال، فنقول هل هؤلاء الفنانون يعيشون بيننا أم هم ينتمون إلى جنسية أخرى وأخذوا جوازات مزورة، ولا يريدون سوى القبض على الفلوس والهروب بعيداً؟ إذا كنتَ تريد أن تعلم الكاتب كيف يشعر أو يحس بوطن أو تقدم للفنان كالتوجاً ليعرف كيف يعبر عن نفسه فمعنى ذلك أنك تعيش في خرابة!
فاروق والنحاس يعبر مسلسل (الملك فاروق) عن رؤية موضوعية لتاريخ مصر الحديث، من خلال شخصية محورية هي الملك فاروق، من دون أن يغفل الشخصيات الكبيرة فى هذا الزمن، ودورها، ويقوم بتجسيدها بطريقة مكثفة دقيقة. وهذه الموضوعية لا تتناقض مع العرض الفني المشوق، فهناك مساحات للشخصيات والأحداث وخلفياتها وتنمو الصراعات بينها، سواء كانت على المستوى الداخلي أم الخارجي، من خلال حبكة واسعة، تصور هذه الشخصيات في أمكنتها الكثيرة المختلفة، كالقصور والشقق والشوارع والحدائق والشواطئ، وسواء كانت في الماضي أم الحاضر، وسواء كانت أحاديث داخلية بين أصدقاء وعائلات أم بين هيئات حزبية وجماعات مختلفة، عبر الحفاظ على الطابع التاريخي من ديكورات وأكسسوارات لهذا العصر، بما يرفع من القيمة الفنية لتكون سجلاً تاريخياً عميقاً. تعلق جوهر المسلسل بالصراع بين النزعة الدكتاتورية لدى الملك فاروق، والنزعة الديمقراطية لدى مصطفى النحاس قائد حزب الوفد البارز في هذه الفترة. وقد اسهمت تربية الملك فاروق من والده المتسلط الذي غرز عقداً عديدة في نفسه في هذا المسار للملك الشاب في أول عهده، وكان هذا تعبيراً لم يتبينهُ المسلسل بدقة في الجذور التاريخية للعائلة المالكة المنحدرة من الضابط العثماني محمد علي، التي لم تتكرس فيها تقاليد حداثية عريقة إلا من بعض الجوانب المحدودة، فظلت النزعة الدكتاتورية قوية داخلها، وتجلت في الملك فاروق، الذي راح يكبر في حاشية جاهلة، هي مجموعة من العوام الايطاليين المهرجين، ثم يسيطر عليه حسنين باشا مربيه ورئيس الديوان الملكي. فيما كان مصطفى النحاس وليد تجربة أخرى هي تجربة العمل الديمقراطي؛ والقيادة الوطنية، ونرى كيف كانت قيادته مهمومة بقضايا الناس، والعالم، متابعة لشؤونه بحيوية، في حين كان الملك فاروق يعيش حياة ذاتية مسرفة فى انانيتها، من دون ان يقدر على متابعة دراسته العسكرية، أو يتعمق في دراسة سياسية ما، وجاء للحكم على إثر موت مفاجئ لوالده المعقد والمتعصب، وكان الاستعمار البريطاني والقصر قد تعاونا على تقزيم حزب الأغلبية الشعبية التحديثي الديمقراطي وهو الوفد، وإبعاده عن الحكم وجلب حكومات الأقليات المختلفة. إن الرجلين الملك من جهة والنحاس من جهة أخرى مَثلا مُثلا أخلاقية وسياسية متضادة، ففي حين كان الملك فاروق يبحث عن تسلياته ووريث للعرش والسهر في حياة ناضبة من العمق والاهتمامات الفكرية والسياسية، كان النحاس يرى فى صراعات مستمرة ضد المسئولين الشموليين الذين تعينهم السلطة، وفي توجيه قادة الحزب نحو الالتزام بقيم الديمقراطية، ثم في الاصطدام مع النازية الألمانية التي راحت تزحفاً على العالم ومن ضمنها مصر التي كان الإيطاليون في ليبيا يتحركون منها لغزو مصر. وهنا كانت ذروة المسلسل، فالملك يتوجه لإقامة علاقات سرية مع الألمان، عبر شخصيات عائلية، ويقدم لهم معلومات ثمينة عن الجيش البريطاني وعن بلده، ويتوقع بين لحظة وأخرى أن يدخل الألمان، وهو في حالة نشوة من انتصارات الألمان الساحقة فى أوروبا. وكان ذلك يوافق هواه، فهو قد ضاق ذرعاً بالديمقراطية المصرية، ومن صعود ممثلى القوى الشعبية وهيمنتهم على الحكم، ثم في توجه الإنجليز نحو دعم حرب الوفد وجعله يحكم بقوة، حيث أدركوا أن استقرار الجبهة الداخلية المصرية لابد أن يتم من خلال حزب ذي شعبية كاسحة. كان تصوير كل هذه الأحداث يتم بلقطات مختزلة، فليس فيها ثرثرة، بل تجسد ما هو هام ودقيق، لينتقل الضوء نحو لقطة أخرى في هذه الشبكة الواسعة من السياسيين وعائلة الملك المتصارعة دوماً، ومن الخدم والأصدقاء، ومن صراعات الأحزاب الكثيرة، وانقساماتها، بحيث تمت تغطية هذه الشبكة كلها، من دون نسيان بؤرتها وهو الملك، الذي تكون له علاقاته ونفسياته المتقلبة الكثيرة، بحيث أننا وجدنا هذه الدقة في فهم العصر وظروفه السياسية وملابسه وشوارعه وحالته السياسية والفكرية. ومن الواضح بهذا أن المسلسل أُعد جيداً وصُرف عليه الكثير، ولم يقدم رواية شخصية دعائية عن شخص بل كان هدفه تصوير. هذه الحقبة بلغة جمالية شعرية واقعية درامية. وهناك حشودٌ من الثيمات الفنية الجانبية كحياة الملكة الأم التي كانت لها حياتها الخاصة وصراعاتها، وكان هناك صراعات شخصيات الوفد الرئيسية وكيف تحولت الصداقة بين النحاس ومكرم عبيد إلى عداوة وانقسام، بسبب توجه مكرم الشخصي وحلموحه في الزعامة القائمة على الانتفاخ الذاتي. والمسلسل في كل هذه الالتفاتات لم يترك الخيط الدقيق الجامع لكل هذه الفسيفساء الشخصية والحدثية، عارضاً الجميع كما هم ظهروا في التاريخ.
«الدالي» أو الرأسمالي الشريف قدم مسلسل (الدالي) نموذج الرأسمالي العابر للزمن، والنموذج القادر على التعايش مع كل الحقب السياسية من دون أن يُلغي أخلاقه ومبادئه. هي مسألة شبه خارقة، لأن قوانين التطور ترفض ذلك، وتحدد أن الثروة نتاج توزيع السلطة في مجتمع تقليدي، لكن ثمة مجتمعات استطاعت نماذجٌ من الفئاتِ الوسطى أن تقاومَ هذه القوانين، وتكون ثروتها من دون عكاكيز السلطة. وهذا الاختراقُ يتم بإرادةٍ فولاذية، تجمعُ رأسَ المال، وتبقى في ذات الوقت نظيفة، وقد تكونت قصة المسلسل فوق هذا الهيكل الحدثي، وقاوم (سعد الدالي) فقرَهُ المدقعَ وهو ابنُ الريف، وكون تجارته في المدن الصغيرة، لكن نمو رأس المال لم يكن رحلة سهلة، فقد تكالبت عليهِ قوىً خارقة من السوق ومن السلطة، وهو يروي هذه الأحداث عبر مشاهد مؤثرة، درامية، متقطعة، تـُسردُ في مرحلةِ قمةِ ثروة الرجل وتكوينه إمبراطورية. ولهذا فإن هذه المشهديات (الماضوية) تتقاطعُ والحاضر في زمن السادات، حيث تـُعرض مشروعات غربية لاختراق الاقتصاد المصري والتهام أراضٍ مهمة، لكن سعد الدالي وقد صار وزيراً يعترضُ على مثل هذا البيع، واستسهال التراب الوطني، مما يدخلهُ في صراعٍ ضارٍ مع المافيا العالمية الغربية، فيتعرض لمحاولة اغتيال يذهب فيها ابنه الأكبر، مما تكون له آثاره الرهيبة في جسمه وذاكرته ورؤيته للعمل الاقتصادي ~ السياسي. وهذا المشهد الافتتاحي للمسلسل هو مفتاح فهمه، ففي بلاد مخترقة يتمُ اختراق كل شيء، بما فيها العائلة والصداقة، وتغدو حرب المصالح حرباً على القيم كذلك. ويتعاون الرأسمالي الكبير في لحظة عجزه وتشقق جسمه، مع الصحفي اليساري، الذي كان يهاجم صاحب المجموعة الاقتصادية الكبرى المتنفذة، ولكن خلال هذه الأزمة العنيفة تتشكل علاقة بين اليميني واليساري، نظراً لاكتشاف الصحفي ان الانتماءات الاجتماعية المتضادة بينها كذلك خطوط مشتركة، وعمل كفاحي للتصدي للمافيات ولاختراقات الوطن والثروة. إن هذا الخط المحوري لا يتعارض مع تعدد الخطوط الجانبية في المسلسل، حيث هناك قصصٌ عديدة تصبُ في المجرى الرئيسي، كقصص الشركاء في المجموعة الذين ينحازُ بعضهم للمافيا وللفساد في الدولة، أو قصص الجيل الشاب ومشكلاته أثناء صراع الحيتان. يتشكل المسلسل فنياً من إثارة حدثية مستمرة ومتصاعدة تتوجه إلى تجسيد الأمكنة الحقيقية، داخلياً وخارجياً، ومن حوار مكثف، يكشف الشخصيات والأحداث، ويلعب فيه البطل الرئيس الفنان نور الشريف بؤرة المسلسل في معاناته واكتشافاته وصراعاته التي لا تتوقف. وكما ان المسلسل يطرحُ فرضية البطل الاستثنائي، البطل النادر، كذلك فإنه يطرح قضية التحالف بين اليمين الوطني المنتج واليسار غير الملوث، حيث تساند الكلمة المؤسسات الوطنية في عملها للإنتاج والتجذر في سوقها، لكن في وسط مليء بالدسائس والمفاجآت، لكن الكلمة نفسها محاصرة ومحاربة، والعدو يكمن في الداخل أكثر منه في الخارج. إن البطل الاستثنائي الذي يخبئ رأس المال في زمن المصادرات وجبروت الدولة، يعطينا مثلاً خارقاً لم يتحقق، لكنه حلم اجتماعي مثالي يصلح لخلق تحالف جديد بين رأس المال والمعرفة، وهو تحالف لا بد منه لعبور مرحلة التخلف على مستوى رأس المال الشره والطفيلي وعلى مستوى وعي اليسار.
أسمهان.. فراشةٌ تطيرُ نحو النار! من أجمل المسلسلات التي عُرضت في شهر رمضان هو المسلسل الذي جسدَّ بلغةٍ فنيةٍ شعرية مأساةَ المغنية الجميلة، شجية الصوت؛ أسمهان. عبّرتْ هذه الحكايةُ العنيفةُ عن ظروفِ فرعٍ من عائلة الأطرش السورية الدرزية وهي تندفعُ من منطقة السويداء بسوريا لتقع داميةً فوق ضلوعها في أحد أحياء القاهرة المكتظة والفقيرة. من منطقة تتسم بمحافظة شديدة وقسوة في التقاليد إلى المدينة التي تندفع بقوة رهيبة نحو الحداثة! الأمُ الأميرةُ المرأةُ القوية الإرادة (علياء) تهربُ من هذا الجبل الموحش في زمن الصراع المسلح مع الاستعمار الفرنسي حيث يلعب الدروز دور المقاومة الوطنية المسلحة، وتأخذ في لحظات وامضة من ارستقراطية الأمراء شيئاً من التفتح والتعلم الموسيقي الذي تكرسهُ في ولديها فريد الأطرش وآمال الأطرش، بعد قلاقل وهجرة مروعة في سفينة تتقلقل مضطربة مترنحة في عرض البحر نحو بيروت وهي حاملٌ وتلد في هذه السفينة أبنتها الجميلة ذات الصوت الأخاذ آمال! إن الدروز هم أكثر الطوائف الإسلامية ابتعاداً عن العبادات والذين يعلون المرأة علواً كبيراً، فلا يتزوج الرجلُ إلا واحدةً، ولهم آراء خاصة غريبة صوفية في الدين، ومع هذا فإن العادات المتخلفة المحافظة تدمغُ العائلةَ وتلاحقُها حتى وهي تـُقذف بقطارٍ عتيقٍ في أمعاء القاهرة الغليظة. انقطعتْ أموالُ الزوجِ الأمير، واشتعلتْ المعاركُ في الجبلِ والشام، ووجدت الأمُ الفذةُ كيف تخلقُ من صغيريها عبقريتين في الموسيقى والغناء العربيين حتى يومنا هذا، ولم تـُجد مكآفاتُ الأعراس والأفراح التي تغني فيها إلا بإطعام وتربية الصغار الثلاثة، حيث ثمة أخ أكبر كان عاطلاً عن المواهب والأعمال وظل شوكةً مسمومة في ضلوع وقلوب هذه العائلة وهو المُسمى فؤاد، رغم حبه الشديد لأخته! كيف استطاعتْ هذه الأم ذات الصوت العذب، والرهافة الموسيقية، والصمود الاجتماعي أن تبقى في هذه الحارة المكتظة، وأن لا تقطع دروس الصغيرين؟ هذا ما لا يجسدهُ المسلسلُ إلا بومضاتٍ خاطفة، مركزاً على الأبناء الثلاثة، وخاصة الفتاة أسمهان، التي راحتْ تصعدُ بصورةٍ غير عادية وباندفاع لا يعرف سوى الصخب العاطفي والحرائق المشتعلة في كل لحظة. كانت ذاتُ نفسيةٍ محمومة متضخمة أعطاها الإرثُ البيولوجي الجسدي جمالاً سحرياً، وصوتاً رقيقاً حزيناً ذا طبقات متسعة، متفجرة، فهي أقرب للملاك وقد تجسد أنثى، وهي الطفلة البريئة الرقيقة وقد صارت نجمة! أخذتها المدينةُ المتفتحةُ المزدهرة بمراكزِ الغناء، وبقوى الصحافة الغنية والرخيصة كذلك، وبجمهورِها المتعلم والأرستقراطي وأحياناً العامي المبتذل، إلى أجواءِ الصعود السريع الخاطف المبهر! كان صعودُها أسرع من صعود أخيها المطرب والموسيقار الكبير فريد الأطرش، فالأخيرُ التزمَّ عالماً آخر، هو عالم الواقعية الغنائية النامية ببطء وبتعلم مستمر وبانتشار حذر ومتصاعد، ودون الاعتماد على جنسه بل على تنمية موهبته ودرسه، رغم أنه أنغرس في صالات عامية أقرب للابتذال، لكنها صالات كانت تغذي الأسرة بالمعاش، وتوسع من علاقاته، وبهذا انقسم غناؤه بين أغنيات شعبية فيها بعض المرح والتفاؤل واللغة الراقصة، وبين غناء حزين مغمور في اليأس والشجن كان فيه يعبر عن شخصيته المنقسمة بين المرح والأكتئاب، بين حب الرقص والغوص في بحار الدموع! أما أخته أسمهان فلم تعرف هذا الدأب البطيء والنحت في الصخر، والغناء الواقعي، بل كانت طائراً عابراً منذوراً للشهادة، لا تعرف المشي البطيء على الأرض بل تركض نحو اللهب في نداءات محمومة، وتصعد نحو الأضواء المبهرة، تسحرُ الرجالَ بجمالها وبصوتها، فيفتحون لها الأبواب، وكلما رأتْ الطرقَ ممهدةً أسرعت باقتناص الفرص، وكلما وجدتْ منزلةً كبيرة لم تتردد في قذف نفسها بين أحضانها. كان زواجها الأول من أمير الجبل الدرزي نفسه عودةً مذهلة إلى الماضي وقيودهِ وتقاليدهِ السجنية، ولم تتردد في قبول عرضه للزواج، والرجوع إلى الأسر، فهو دفعة كبيرة نحو عرش السماء، وبدت تسمية الأميرة محققة لكن بين الصخور والحراس، فخرج العصفور من القفص، وعاد إلى ليالي القاهرة المشتعلة، وكانت الفرص قليلة لكنها تنمو، فواصلت قفز سباق الحواجز الاجتماعية والفنية بلا كلل وبلا درس وتثقيف، بل واسترخت إرادتها بين التدخين والشرب والسهر، وهي علاماتُ الانطفاءِ والتصحر الداخلي، ومع هذا واصلت مغامراتها حتى الذروة العليا أي إلى مهمات السياسة العالمية العسكرية الكبرى! كان أخوها فؤاد الأطرش يمثل الذكورة الشرقية المستبدة العاطلة، فهو أميرٌ في الجبل ومتسول في مصر، وقد تحول إلى شرطي لا يتورع عن استخدام قبضاته في حفر التلال والأخاديد في وجه أخته الرقيقة، مدعياً حمايتها حتى راح يسرقها بشكل منظم، في حين لم يمتلك الأخ الآخر فريد الحسم تجاه هذه الرعونة، فشرشر جسدُ أسمهان دماً وعذاباً وكوابيساً بين الصالات والحفلات والشواطئ. كانت النهاية فظيعة، فالحلمُ المتكررُ بالغرق صار حقيقة، والولادةُ التي كانت في البحر صارت موتاً في الترعة، وبين البحر الأبيض والترع النيلية مسافة كبرى، شكلتها المطربة الرائعة بالقفز فوق الأشياء، والمنطق، والعقل والحياة، ففجأة تنزلق إلى قنوات المخابرات البريطانية وتتصدى لمهمة إدخال قوات بريطانية لسوريا للقضاء على حكم قوات حكومة فيشي الفرنسية الموالية لهتلر، مستثمرة علاقاتها بزوجها السابق الأمير حسن، ومعرفتها ببعض العائلات المتنفذة، دون أن تقبل نصائح الصحفي المصري الكبير والحكيم محمد التابعي، الذي وجهها نحو الأنغراس في عالم الغناء والأفلام، لا عالم الجاسوسية والسياسة الحربية، لكن المرأة المأخوذة بذاتها المتضخمة، المنفعلة بحدة أبدية، العائشة في ضباب الرومانسية الغنائية، الشجية المليئة بالدموع، والتي لم تكن تدرس السياسة أو التاريخ، أسرعت بتنفيذ المهمة، فأدخلت نفسها بين القوى المتوحشة وحققت كابوسها بالغرق. لكن مهمتها بإدخال قوات فرنسا الحرة وبريطانيا جعلت سوريا تقضي على قوات حكومة فيشي وتمنع السرطان الفاشي من التمدد وبحصول سوريا على الاستقلال بعد الحرب، فسجلت أسمهان ذكرها في التاريخ كذلك. كانت ثمة سرعة مخيفة في ركضها نحو اللهب، وحصلتْ على بضع سنوات قليلة لكي تغني، فكانت تلك السنوات القليلة التي وضعت سحرها الغنائي في الأسطوانات والأشرطة السينمائية هي تاريخها الجميل، هي ما بقي للعرب والإنسانية من هذا الصوت الأخاذ، ومن هذه النفس المليئة بحزن أسطوري سيظل يتردد في جنبات المسارح الفنية التاريخية وفي أعماق الإنسان.
المسلسلات والصراعات عبرت المسلسلاتُ المعروضة في شهر رمضان عن طبيعة الحياة العربية التقليدية المحدودة، وسيطرة القوى الشمولية المتخلفة على عقولها، حيث تعجز العقول الإبداعية العربية بضخامتها واتساعها عن خلق شيء مشترك سوى مشترك المسلسلات الذي تتحد فيه، وتحدق عيون الملايين به، غير قادرةٍ على خلق شيء إبداعي آخر ذي قيمة، وعند العرب نتاج قصصي وروائي هائل! في البداية لا بد أن نرى تلك القسمة بين الإنتاج المصري والإنتاج السوري اللذين تقاسما صنع هذه المسلسلات، بتفوق واضح للمسلسلات السورية في العدد ولكنها كانت ضعيفة في الرؤى الفكرية. ومهما كانت أفكار هذه المسلسلات للدولتين المتسيدتين على عرش الإنتاج، إلا أنهما كانتا متفوقتين في الإبداع الأدائي وكثرة الموهوبين من الفنانين في مختلف جوانب الإنتاج التلفزيوني هذا. كانت المساحة المصرية للديمقراطية الأوسع تتيح عرض صراعات اجتماعية واسعة بدون خوف من الرقيب، ولهذا توجهت لقضايا سياسية واجتماعية ساخنة، فمسلسلات مثل (ناصر) و(الدالي) و(شرف فتح الباب)، و(في أيدٍ أمينة)، و(بعد الفراق) وغيرها، عرضت قضايا مفصلية في الحياة السياسية والاجتماعية العربية، فمسلسل الدالي بجزئه الثاني واصل الحفر في العائلة الرأسمالية الكبيرة، عائلة الدالي، وما تواجهه من هجوم أجنبي غربي لابتلاع مؤسساتها، ومن صراعات داخلية عائلية مختلفة وكثيرة، ويلعب الأب سعد الدالي الذي جسده الفنان الكبير نور الشريف، دور القيادة القوية في حسم هذه الصراعات لصالح العائلة والوطن. ويتمكن بذكائه وشجاعته وقوة شركاته من ضرب الخصوم الكثيرين الذين هاجموا أو حتى توغلوا داخل نسيج هذه العائلة. ولكنه يتجاوز القانون أحياناً ويصارع ورثة صديقه الراحل ثم يسلم بأمر القضاء، ولكنه يرتكب بعض الجرائم تجاه الشخص الذي تقدم للزواج من أرملة ابنه ويعرضه لتعذيب غير إنساني، ويعترف بأنه كان وحشاً. ومع هذا كله يقاوم من خلال شركاته بشكل وطني. يطرح المسلسلُ أسئلةً عديدة حول رؤية الفنان نور الشريف الذي تجاوز هنا التعبير عن الغلابة والفقراء كما عُرف عنه ليطرح قضايا الرأسمالية الوطنية وليعرض الارستقراطية وعالم النخبة المرفهة، ولكن ذلك تم بشكل موضوعي، فلم يجعل نفسه وطبقته كاملةً نقية، بل عرض إنجازاتها وأخطائها وصراعاتها والأهم من ذلك دورها في بناء الإنتاج صناعة وثقافةً. كذلك كان العرض الفني مبهراً، معتمداً على التشويق المتصاعد، وعرض شبكة واسعة من الشخصيات والأحداث في مواقعها، الملونة، المتعددة الأمكنة سواءً في مصر أم أوربا، ويتجسدُ الأداءُ بشكلٍ متقن موجز كاشفاً تحولات الشخصيات نفسياً واجتماعياً. وكان مسلسل (شرف فتح الباب) الذي قام ببطولته الممثل الكبير يحيى الفخراني، هو الآخر يتسمُ بدراميةٍ عالية، ويدورُ حول قصةِ موظفٍ تقوم شركتهُ العامة بطردهِ معطيةً إياه بدلاً مالياً هزيلاً، في حين كان يصرفُ على عائلةٍ مكونة من خمسة أفراد. فيجدُ أن السرقةَ من هذه الشركة الحكومية التي سرقتهُ هو أفضل حلٍ لتحقيق العدالة! ويتمكن بالتعاون مع رئيسه في العمل من اختلاس مليونين من الجنيهات هي حصته من العملية ويقوم بوضعها في برميل المياه فوق سطح العمارة، بمساعدة أحد الشغيلة الذي يشك في هذا التخزين الغريب، ثم يكتشف السر مع تقديم شرف فتح الباب للمحاكمة. وبدا كأن المسلسل قد وصل إلى طريق مسدود بوضع شرف الباب في السجن، ولكن المؤلفَ يخرجهُ بريئاً بعد ضبط رئيسه في عملية فساد كبرى. ليقوم شرف الباب بإظهار النقود بشكل سري من الخزان المائي، ولكن عائلته التي اعتبرته مثال الأمانة والشرف تشم رائحة فساد داخلية خطيرة، فتتصاعد مقاومتها حتى تحرق النقود وليودع شرف الباب مرة أخرى في السجن ويظهر ثانية وقد صار متسولاً مجنوناً. والمسلسل يقوم بفبركة ميلودرامية ليظهر أخلاقية العائلة في حين إن الواقع أقسى من ذلك. لكن المسلسل ذا الطابع الديني عكس خوف الناس من انتشار الفساد المالي ومن سوء القطاعات العامة وإداراتها ومن معاناة الفقراء الذين لا تتغير معيشتهم سوى باللحاق بركب الفساد. في حين كان المسلسلان الآخران (في أيدٍ أمنية) و(بعد الفراق) فأقل من السايقين كثيراً، ولم يطرحا القضايا الاجتماعية بعمق. أما المسلسلات السورية فهي تعجز عن نقد الواقع السوري وما يجري فيه من فساد، فتلجأ إلى الهروب نحو التاريخ، فكانت أغلب المسلسلات السورية تاريخية، كمسلسل (ابوجعفرالمنصور) و(المرابطون والأندلس) و(عنترة) وغيرها أما المسلسلات المعاصرة فيغلب عليها الطابع الرومانسي الأدبي كمسلسل (رائحة المطر) الذي توجه لعرض أدبي جمالي للأحداث والشخصيات بطريقة بطيئة ليس فيها علاقات وطيدة قوية بالحياة وصراعاتها، في حين كان مسلسل (فسحة سماوية) أكثر ارتباطاً بالحياة من خلال عرض نماذج شعبية تسكن في فندق صغير مشترك، العديد منه يقاوم الرشوة في جهاز الدولة دون أن يفلح في صنع شيء، لكنهم يعيشون حيواتهم الصعبة المتنوعة ويناضلون بما يستطيعون عليه. المسلسل يتشكل بطريقة درامية متوترة متصاعدة بعكس الجمود في مسلسل (..المطر) المكون من قصص قصيرة منفصلة. وكمثال على المسلسلات السورية التاريخية فإن مسلسل (أبوجعفر المنصور) هو قمة هذه المسلسلات، فهو ضخم، حيث أن الإنتاج قطري، وتشترك فيه مجموعات كبيرة من الممثلين، ويسجل جملة حروب وصراعات سياسية في نهاية الدولة الأموية وظهور الدولة العباسية. ويتوجه المسلسل للتسجيل المطول لأحداث تمتد من زمن عمر بن عبدالعزيز مروراً بهشام بن عبدالملك وغيرهما من خلفاء بني أمية، حتى يستقر عند مروان بن محمد آخر خلفاء الدولة، ويتابع نشأة ابي جعفر المنصور منذ أن كان فتى حتى شب وصار رجلاً، ويعرض الأحداث في فارس وصراعات أبي مسلم الخراساني ونصر بن سيار وغيرهما من قادة إقليم خراسان وغير هذا كثير من الصراعات الجانبية والقصص العرضية، فكأن المؤلف ~ المخرج يقدمان كتاباً مدرسياً عن الفترة المذكورة بكل صغائرها، لا أن يقدما مسلسلاً فنياً يعرضُ بشكلٍ عميق لشخصية المنصور المركبة، وتناقضاته الكثيرة، من بخله الشديد وعنفه وشدته على أئمة العصر، وترفيعه للتافهين والقادة الباطشين وتنكرهِ للقائد المضحي في سبيل الدولة أبا مسلم الخراساني، إلى حدة ذكائه السياسي، وبنائه الدقيق للدولة. لقد أخذ أبوجعفر المنصور بضع حلقات أيام نضجه في حين كانت أغلب الحلقات تدور عن غيره! ويعبر ذلك عن عدم وجود تحليل عميق لتاريخ نشوء الدولة العباسية ولشخصية المنصور الهامة في هذا المسلسل الضخم. أما مسلسل (ناصر) الذي عُرض في قناة مصرية وحيدة فهو يصور حياة الرئيس جمال عبدالناصر وقيادته للثورة، وهو مسلسلٌ ضخم مشوق ودرامي حقيقي وبدون تزويق سياسي، يعتمد على التسجيل عائلياً وسياسياً، ويفتقد إلى معالجة جديدة لقضية تلك الفترة. ورغم أهمية المسلسل ولكن المحطات الفضائية العربية تآمرت على منعه!
الأقدار في المسلسلات الرمضانية يتدهور الوعي العربي في المرحلة الراهنة لغياب قوى وطنية معتمدة على قطاعات عامة مؤثرة، وتجيء عملية تدهور القطاعات العامة مع تصاعد القطاعات الخاصة المشغولة بمصالحها الذاتية، فتضيع عمليات فهم الواقع خاصة على المستوى الجماهيري. ومن هنا تتشابك تأثيراتُ القوى الدينية الفاقدة القراءات الموضوعية للواقع مع تنامي الجماعات السحرية والانتهازية الاقتصادية، فتتغلب في المسلسلات الرمضانية مفرداتُ السحر والشعوذة والقدرية، ويصير بطلُ مسلسل «تاجر السعادة» الأعمى المرح الساخر المناضل من أجل الجمهور وتجميع قواه ضد المستغلين إلى أن يكون مشعوذاً دجالاً، والتحول يتم رغم بطئه فإنه بلا مقدمات عميقة، فالمسألة لا تعتمد على عمق بقدر ما تعتمد على حشو الحلقات، فالرجل الكفيف يتمتع بقدرات خارقة، وينتقل ببساطة من فن إلى آخر، ثم يجد المسلسل أنه لا فائدة من هذا العرض البسيط الذي وصل إلى طريق مسدود، فيحيله إلى ساحر متمكن يقرأ الكف والفنجان ويستطيع خداع الجمهور عامة. وهناك جانب مسل وثقافي ممتع في المسلسل حيث تغرف زوجة الكفيف الأولى الكثير من الأناشيد والأمثال والقصص الشعبية بأسلوب فكاهي، لكن المسلسل لا بناءَ جديا عميقا فيه. وهو يقدم معلومات مشوهة عن «علم الكف» ، وكيف أن القدر الإنساني مرسوم من الخارج سواءً في خطوط اليد أم في الأبراج، ويدعم ذلك بفكاهات تحاول إدخال مثل هذه الخرافات في العقول. نجد في المسلسلات صور الشوارع العربية التي تتفاقم فيها المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، فالجماهير الفقيرة المنهكة في كل مكان، رغم قيام الحبكات الدرامية بعزل صور الشخصيات والأحداث عن عمق هذه المشكلات والقضايا، فالمسلسل كغيره لا يعتمد على شخوص تقاوم أو تفعل شيئاً مؤثراً. تعتمد المسلسلات على حكايات ضحلة، هي نفسها حكايات الغرام، وصراعات العائلة، فهناك دائماً قصة حب تحولُ بينها عواملٌ داخل الأسرة كالأب المسيطر الريفي في مسلسل “أفراح ابليس”، والصراع في المسلسل لا يعدو أن يكون صراعاً بين عائلتين كبيرتين في الريف على ملكية أرض ويتجسد الصراع في علاقات الزواج غير الموفقة التي تدوم حلقاتها ويومياتها الباردة طويلاً، ولكن ليس ثمة أي تغلغل في قضايا الريف الذي هو موقع المسلسل بل لا يكاد الريف أن يظهر. والعودة للعلاقات العائلية والزوجية والبقاء عند هذا المستوى هي عودة لأفلام الأربعينيات والخمسينيات، ولكن تلك كانت عبر تمثيل قوي وقصص درامية، أما هنا في هذه المسلسلات فمجرد إحداث تمطيط من أجل الوصول إلى عدد ليالي الشهر، فنجد أن أسباب الخلافات ذاتية، كوجود شخصية شريرة في العائلة الأخرى يغذي دوماً أسباب الصراع، من دون أن يتحول أو حتى يغير ملابسه الفضفاضة. وقد اعتمدت المسلسلات السورية الاجتماعية على مثل هذه العروض الشخصية والجزئية الخالية من أي صراع اجتماعي. وهذا ما يجري في مسلسلات مصرية أخرى مثل «ما ليش غيرك»، وفي هذا المسلسل (تتفجر) الأحداث في البداية بسبب قتل شاب يعمل في المزرعة لمالكها بشكل مصادفة فجة، فالشاب يعرضُ عليه في الحقل انه يريد الزواج من ابنته فرفضه بشدة وضربه فما كان من الشاب سوى أن قتله، ولكن هذه الفجاجة في البناء الدرامي اُعتمدت أساساً لتطور الأحداث التالية التي لم يكن فيها سوى حس الانتقام والتلاعب به، ثم علاقات الزواج المتداخلة. ليس ثمة وقائع موضوعية، وتصرفات قائمة على نضال وتحد من القوى الشعبية، أو بناءات على شخصيات نموذجية تعطي أمثولات كبرى، بل تسود الاعتباطية والمصادفات والنماذج الانتهازية التي تـُبنى من دون أي أساس. يتغير المكافح ويصير مشعوذاً في غمضة عين تاريخية، والعامل يصيرُ قاتلاً، والمحامي المدني في «ابن الأرندلي» يتلاعب بالبيضة والحجر، بل بمجموعة من النساء والثروات التي تبلغ الملايين، وفي أزقة اجتماعية مجدبة، لا تنتج قيمة بعد كل هذه البهلوانيات المرحة والمقالب والمساخر. صحيح ان الأداء هنا قوي وحيوي، لكنه يقوم فوق حالات اجتماعية اعتباطية. ويصبح المحامي قناص الثروات مزواجاً ونحن نتابع زيجاته وتهريجه بانتظار دلالات ما عميقة من دون فائدة. وفيما يكون إنتاج القطاع الخاص بهذا الاحتفاء بالسحر والدجل والمصادفات والأقدار تعبيراً عن غياب أي مشروع نهضوي، بل هو البحث عن الربح الموحل، يعرضُ القطاعُ العامُ المصري بالتعاون مع القطاع الخاص، مسلسلاً قيماً هو «صراع الجواسيس» ، يؤكد فيه قيم التخطيط والعلم والنضال. فهنا يغدو الصراع ضد جهاز الموساد الإسرائيلي ليس قدريا بل هو جزء من انتشال شاب مصري مهاجر من الشبكة التي وقع فيها، والتي تضافرت وقتذاك مع احتلال سيناء والهجمات الوحشية على العمق المصري مثل قتل العمال وضرب مدن القناة، وتتحول كل حلقة إلى سفر وتصوير في بلدان أوروبا التي جرت فيها عملية الصراع هذه، وبناء شخصيات دقيقة وأحداث متنامية متوترة، ويقوم المعمار الفني على شخصية فتاة «سامية فهمي» هي ابنة لعائلة وطنية ذات جذور ثقافية صلبة، تنخدع بشخصية الحبيب المتهافت الذي يصير جاسوساً، فتصارع أشلاءها وحبها وحياتها من أجل أن تـُفشل هذا الاختراق. لقطاتٌ دقيقة جمالية، وشخصياتٌ مرسومة بعمق، وأداء متطور، وضمن عقلية موضوعية وطنية تسيطر على واقعها.
الصراعات في مسلسلات رمضان القاهرة هي المدينةُ الأكبرُ للتحديثِ العربي، ولعرضِ المشكلاتِ الكبرى التي تضجُ بها الأمةُ المُتقطِّعةُ المجزأة، ويغدو شهر رمضان هو الشهر الذي تُنتجُ فيه أكثرُ المسلسلاتِ الدرامية، وهي الشكلُ الروائيُّ المجسدُ المتقطع الممتعُ والمثير والضاجُ بمشكلاتِ الناس وبمستوياتِ التفكير الفني السائدة. البطلُ الرئيسيُّ ليس هو الإنسان، إنه المال، الذي يتشكلُ من التداخل المستمر بين عرضِ السلعِ المبهر الحر، وعرضِ الإنسانِ المقيد المُقزَّم الممسوخ. البطلُ الرئيسي يظهرُ على شكلِ دعاياتٍ للهواتف النقالة، ويظهر ممثلون يرقصون ويغنون مادحين بإبتهالات غنائية راقصة دقائقَ الهواتف الممنوحة لهم فترتفعُ أجسامُهم لذرى السموات، وتتحول البطاقاتُ لمطرٍ ينهمرُ بالبَركة، وتمتلئُ الشاشةُ ببشرٍ ممغنطين مشعوذين، يرقصون فرحاً تحت ذلك المطر المنهمر لحد أن يصيروا ذائبين في ملكوت الهواتف، وتأتي سلعٌ أخرى ترقصُ وتتلاكم على هيئة بطاريات، والسلع التصنيعية الأمريكية واليابانية مثل الأجهزة والسيارات والمكيفات وغيرها، تعرضُ نفسها بأشكالٍ إنسانية كريمة، وتتحول إلى كائنات رفيقة مقدسة تقدم كل شيء المتعة والتوصيل وقطع المسافات بأسعار متدنية جديدة لها شروط غامضة! وهذه الإعلاناتُ تتقطعُ وتظهرُ محدودة في أثناء نوم الصائمين خاصة في الظهيرة ثم تتدفق بشكلٍ هائلٍ في المساء، وتجورُ بشدة على اللقطات الدرامية التي تتقطع، وتحتلُ الموقعَ الرئيسي على خشبة المسرح. وتُقدم بأشكالٍ متطورةٍ من فنتازيا مشهدية حيث يغدو الهاتف النقال متحكماً في الكرة الأرضية، ويحولُ البشرَ إلى نملٍ في خدمته، ومعه بقية السلع الغذائية والاستعمالية المختلفة من صابون وعطور، والممثلون يقدمون مشهديات مسرحية جادة تقديسية لهذه السلع، وبشكل صلواتي يومي، فشركة الهاتف ليس كمثلها شيء، عادلة، رحيمة، كل دقيقة لديها محسوبة، وكل التجار الآخرون خادعون في بيعهم للسلع، لا يعدلون في قيمها مثلما تعدل هي! الإعلانات التلفزيونية غدت فناً تأثيرياً لا يقلُ أهميةً عن الدراما التلفزيونية التابعة له، فهناك مشاهد تُعدُ بدقةٍ، وبتأثيرٍ كبير، يشاركُ فيها ممثلون محترفون، وفي دقائقٍ قليلةٍ ينتقلُ المتفرجُ إلى حب السلعة، والإيمان بتاريخها المكافح من أجل البشر وسعادتهم ونظافتهم. ثم حين يظهر البطل الإنسان في المسلسلات الذي يفترض أن يكون عملاقاً نجدهُ متقزماً، أما هو مجنونٌ تائهٌ في الشوارع، يصفر أو يجري باحثاً عن زوجته الميتة كما في مسلسل(بره الدنيا)، أو زعيم ديني يريد إعادة الناس للوراء، ويتكبد في هذا الكثير من العناء وينشر الكوارث(الجماعة). أو إنه بطلٌ يستعدُ إيما إستعداد لأخذ الثأر من الذين قتلوا أباه وعذبوا أمه ويعدُ نفسَهُ ويجهزُ عدتَه، ولكنه يسقط في حادث مروري قدري، وحين يصحو من هذا الحادث المؤلم وقد ضُرب رأسهُ ضربةً عنيفة يعيش مع الأسرة التي خَططَ لاغتيال رئيسها، ثم يتدفقُ بالشعر والكلام العميق(موعد مع الوحوش). الشعبُ كمٌ متناثرٌ مثل النمل وذرات التراب وجماعات القطط، منحشرٌ في غيران الحصى وحُفر البيوت، يركضُ وراء لقمة العيش المغموسة بالذل والهوان وأكبر رد فعل له كلمات دينية مجردة تهاجمُ أشياء غير مترابطة وكائنات غيبية ولا تعرف العدو من الصديق، مستمرةً في تكرارها التاريخي، تركز على الفضيلة ومهاجمة الفنون وأهلها يتسللون للغناء التغريبي الصارخ، وإلى مسلسلات التلفزيون المليئة بالموضة والحب الرومانسي التركي وجيرانها يتاجرون بالفضيلةِ والعائلة والقطن المتناثرِ قرب المزابل، كما في مسلسل (الحارة(. المال الكاسح والإنسان المُقزَّم، البطلُ الرئيسي والبطلُ الثانوي، ويظهر بخاصة الدولار فهو الذي يهدمُ الأسرَ الغنية الكبيرة المستحوذة على المال والسلطة ويشردها بسبب صراعاتها على النفوذ والصفقات، وهو الذي يتغلغلُ في الحارة على هيئةِ الخليجي الغني ويلتقطُ البنات من قعر القفة الشعبية، ويقدمُ أموالاً بالعملةِ المحليةِ تُحولُ في أثناء الجلسات العائلية الشرائية نفسها إلى معادلها بالعملة الصعبة. المال في (الحارة) يمسخ البشر، العائلة التي إنكسرتْ ساق عاملها المنتج المعيل تبيعُ أغراضَها قليلاً قليلاً حتى تتحول الزوجة إلى شحاذة محجبة الجسم كلياً تخفي عارها الاجتماعي، لكنها تتمكن بفضل أموال المحسنين من شراءِ الثلاجة والتلفزيون المحرم عند جارها العامل لنشر الإيمان الشيخ المتطوع غير الرسمي من قبل وزارة الأوقاف، والذي هو بدوره ينجرُ شيئاً فشيئاً للشركةِ الدينية التي تسّوقُ الأشرطةَ والبرامجَ الدينية وتدفع(له بشكل كويس) كما يقول. رأسُ المالِ هنا حبيباتٌ صغيرة تتوغلُ بشظفٍ وعسر وبإمتهان واسع، والحارة في حالاتِ تآكلٍ مستمرة، لا توجد فيها نماذج فاعلة، بل منهارة، لكن البسطاء يقاومون بمستويات تفكيرهم وبتبعيتهم للقدر– الدولار. فيما الحي الارستقراطي الغني الممتلئ بالأرقام المدوية عن الملايين هو كذلك ينهار كما سنلاحظ فيما بعد، فلماذا كل هذا؟ لا تستطيع أغلبُ المسلسلاتِ أن تقدمَ حكايات عميقةً مترابطة تغوصُ في تحليلِ المجتمعات والبشر، فهي تقدمُ قصصاً متشظيةً مفتتةَ الأوصال، تعبرُ بها عن مواقفِها المهلهة من الصراعات الاجتماعية العربية الحادة، وضعف النسج الفني هو دليل على ضعف الرؤى الفكرية الاجتماعية، وعدم قدرة المؤلفين على ضبط الإيقاعات النقدية التحليلية مع تصوير وبناء الأحداث والشخصيات وقراءة المجتمعات. البطلُ المجنونُ والضائع يمكنه حتى بأمراضهِ أن يقدمَ شخصيةً تنفذُ إلى مشكلاتِ الواقع، لكن المجنون في مسلسل (بره الدنيا) لا يقدم شخصيةً عميقة لا في عقلها وحقلها ولا في هوسها في شوارع المدينة. ولعلنا هنا نقرأُ كيفيةَ تذويبِ الرأسماليةِ المتخلفةِ العربية للفلاحين المنتجين، عبرَ مظاهرٍ لا يقصدُها المسلسلُ ولا يركزُ على تحليلِها الفني، بل تبدو منه كأنها شظايا، فنجدُ الفلاحَ العقيم الشابَ يهوى زوجتَهُ بشكلٍ رومانسي جميل ويجتمعان في الحقل الذي يملكه وتنهمر عليهما موسيقى الحب الحزينة فهو عقيمٌ وهي مصابةٌ بالسرطان، في توليفةٍ كارثية ميلودرامية حادة، في حين يتوجه الذئبُ البشري السمسارُ إلى إنتزاع الحقل وشرائه وبيعه. المؤلفُ حّولَ الفلاحين إلى هشيم بشري، فيغدو الجنون هو إحتجاجهم الضائع، فسرعان ما يتهاوى البطلُ بعد موت زوجته، ويجن قريبهُ كذلك بسببِ صدمة مرور، والصدمات المختلفة تنقل الفلاحَين إلى شوارع المدينة ليعرقلا المرور حيناً أو ليبحثا عن الخلاص، خاصة لدى المجنون البطل الفلاح الذي يجدُ طفلةً صغيرةً فاتنةَ الوجهِ والصوتِ والذكاء، تنقذهُ من الضياع، فالحقلُ الرومانسي يُستبدل بحقل الطفولة البشري. الشرُ والاستغلال الاجتماعيان يصيران فرداً شريراً في المدينة، يقوم بمؤامرات ضد البطل وعائلته، وهو أمرٌ يبينُ حدودَ الفهم الرومانسي الميلودرامي وعدم قدرته على تحليل الواقع عبر النماذج البشرية والحكايات. الحكاية الذائبة الخيوط تقدم في مسلسلات عدة، في (العار) نستعيد مرة أخرى الفيلم نفسه الذي قُدم قبل سنوات بنفس الأسم وهو أمرٌ يؤكدٌ أن كتابَ السيناريو لا يقرأون، ويريدون أي قصة يحولونها لمسلسل، خاصة إذا كانتْ مهلهلةً مسليةً لا تفزعُ الرقابات العربية الكثيرة. فالعار المسلسل تمطط وتحول إلى مشاهد كثيرة بين البكاء والعويل وبين الرقص وأغاني الحانات ليقنعنا بأن تاجراً في آخر عمره يتاجر بالمخدارت ومات فجأة لكي يجعل من أولاده وابنته وزوجتيه أدوات لمواقف مصطنعة فاترة مدعية الصراع بين الخير والشر، في حين أن هذه الملايين يسيلُ لها اللعاب، وهي توضع في قبو مظلم لكي يأخذ منها أي أخ عدة ملايين كما يشاء ثم أن المال الحرام كما يقول المسلسل ليس فيه بركة وهكذا فإن هذا المال يضيع بينما المال الذي فيه بركة ينمو ويزدهر حتى لو كان من مدبغة رثة! كما أن أغلب الأخوة أغبياء لا يحسنون حتى تحريك المال، وهكذا يقوم المسلسل بعرض مثل هذه المواقف الساذجة. أما (موعد مع الوحوش) فلم نر وحوشاً، بل رأينا السذاجةَ في الحبكة الدرامية، صحيح إن فيه بعض المهارة التشويقية، ولكن اللقاء مع رئيس العصابة (الفنان عزت العلايلي) حدث بعد أن فقدَ البطلُ وعيه، كما أشرنا لذلك سابقاً، وتمطط المسلسل عبر دخول البطل في العائلة التي هي عائلته نفسه، حيث أن أمه هي زوجة رئيس العصابة، والنائب المحترم في البرلمان، وراح يشتغل معها ويستعيد وعيه. وجود الحشيش والمخدرات وبيعها ظاهرة قوية في المسلسلات المصرية، ويبدو أن الريف قد بارت سلعه وغدت هذه السلع ذات أهمية كبيرة، وتداخلت العصابات مع السلطات كما في مسلسل. تقوم الحبكاتُ على قصصٍ صغيرة غيرِ عميقةِ الدلالة، تتيح للكاتب والمخرج مختلف أنواع التلاعب، من تطويل غير بنائي، وخلق مشهديات كثيرة جزئية لا علاقة عميقة لها بالمحور، كمشاهد المطاردات والصراعات محاولة لخلق إثارات مفتعلة، وخلق أجواء من (الفرفشة) عبر الحانات والمراقص وعرض أجساد النساء، والحبكات تلك ليست ذات صراعات عميقة إجتماعية واسعة، فعائلة هبطت عليها ملايين فجأة، أو شخص تكالبت عليه المصائب والأمراض، أو شخص فقد ذاكرته ومطلوب منه مصارعة عصابة. حبكات ضعيفة غير معقولة يزداد فيها الضعف. الحارة الفقيرة بمسلسل بنفس الأسم تعرض لوحات تصويرية إجتماعية هامة، ففيها حشد من الشخصيات البسيطة التي تعاني بأشكال شتى، وهذا النمط هو النمط الأخير الجيد من المسلسلات المعبرة عن مشكلات الجمهور، وهنا هو مسلسل جماهيري لا يستعين بأساليب فنية متقدمة، بل يعرض الحياة بتسجيلية محضة، ولكن حتى التسجيلية الصادقة أفضل من القصص المفبركة، الممططة. والمدهش في مسلسل(الحارة) هو الصدق في عرض البيوت والشقق الصغيرة، والأدوات اليومية للناس، والنماذج التي تعاني بقسوة أو تُستغِّل بقسوة، وتُعرضُ بتكثيف، ويتم الانتقال لنموذج آخر ولقطات أخرى، وتعود الكاميرا للشخصية أو العائلة وتُعرض حياتها من جديد وقد حدث تطورٌ فيها، وهكذا تتخلقُ دوائرٌ من الحياة والصور لعالم كامل واسع، فنجد رجل الدين الطيب الذي يدعو للخير والصلاح بأساليبِ الدعاةِ الساذجة، وهو يقومُ بإضطهادِ عائلتهِ ومنعها من تنفسِ هواءِ الحرية، ثم يتم إصطياد رجل الدين الساذج هذا في محطة تلفزيونية سياسية دينية ليرتفع عن حارة الفقراء المعذبين التي ينتمي إليها ولم يعرف مشاكلها الحقيقية ولم يدافع عنها. قلنا بأن مسلسلات رمضان المصرية خاصة هي الشاشةُ الكبيرةُ التي يظهرُ فيها الوعي العربي الفني كحصيلةٍ للحريةِ وإقتصادِ السوقِ المتسعِ الآن، ولمواقفِ الفنانين المتعددين من قضايا التغيير. وأغلبُ هؤلاء الفنانين والكتاب مواقفهم من قضايا التحول في الأمة العربية محدودة، ضائعة، فتتجسدُ عبرَ حبكاتٍ مليودرامية، مسلية، ومحدودة الأبعاد، ولهذا فإن الكثيرَ من المسلسلات لم تبلور موقفاً عميقاً، درامياً، فهي تبدأ بصراعاتٍ مثيرة في البداية ثم ما تلبث أن تتلاشى وتندسَ في أزقةٍ جانبية من المواقف البوليسية والمعارك بالقبضات الحادة، وتظهر الرسائل والأوراق الخطيرة والسموم والمخدرات والإغاني المسلية غير الموظفة في الحبكة وغيرها من البهاراتِ الفنيةِ التي تعكس خواء الموقف الفكري للمؤلف ومن جسدَ نصَه، فمثل مسلسل(ريش ناعم) للمخرج (خيري بشارة) يبدأ بتوترٍ درامي رائع، واللقطاتُ مذهلةٌ في إبعادِها الجمالية، حيث أن المواقفَ تنمو بصراعية شخصية حادة، والشخصيات تتجسدُ بإختزالٍ متصاعد مشحون تواكبه موسيقى باطنية مثل النار التحتية، ولقطاتها حادةٌ لا تتوقفُ عن شدِّ أعصابِ المتفرج، فالطبقةُ الثريةُ التي تعيشُ في عالمٍ مخملي، تجسدها الابنة البطلة الجارية وراء سراب الحب، تتصارعُ على المال والشركات، التي تبقى لغزاً للمشاهد، فالصراع أشبه بلعبة الكراسي، فثمة شاب يستولي على قلب البطلة رمز ريش النعام هذا، وتحملُ منه ثم يفرُ عنها وهما في غنى لندن ورفاهيتها الخرافية، ثم يريدُ العودةَ إليها، فيما الآباء يتصارعون ويقتل الأبُ الأبَ الآخر، وتغدو الشركات ضحايا الصراعات العائلية ورأس المال يهدرُ على الإغتيالات والفرار الاجتماعي. ينسحبُ المسلسلُ من الصراع الطبقي، ويجرهُ إلى حاراتٍ ضيقةٍ مسدودة، وتبقى الأنفاسُ معلقةً بمن يثبتُ براءة الأب من الفساد المالي عبر الأدلة لكنه يموت بالسكتة، فيغدو المسلسلُ حلقاتٍ تجري نحو الورق الجنائي في الصعيد، وكأن المسلسل يهرب من الصراع الطبقي إلى الجغرافيا الوطنية، وإلى الحبكات الجانبية الضيقة، محولاً الشخصيات إلى فقراء يُسحقون بفقر مدقع وبديون، والأغنياء إلى شخصيات بلا وعي ولا فكر، فيغدو الصراع شخصياً لا دلالات عميقة فيه. وبهذا دائماً يعوض الفنانون النقصَ في الرؤية عبر الحركة الجانبية، وعبر لغة المغامرات حيث الأوراق تحسم الصراع الجزئي، لكنها لا تكشف تناقضات الطبقة المتسيدة على القصور والشركات، وتقزمها في شخوص صغيرة ترجع لحضن العائلة الصغيرة وفيه خاتمة المطاف. مثلما يتحول مسلسلُ (ملكة في المنفى) إلى تاريخِ عائلةٍ تذوبُ بمشكلاتها في الخارج، ويبقى الذهب الذي يتسرب إلى أيدي منتهزي الفرص وخزانة الغرب، وتغدو الملكةُ الأم شهيدة الأفلاس، ولحماقة الملك الذي رفضَ الليبرالية والديمقراطية وصارعَ أمه بشكلٍ شخصي نظراً لتزويجها أخته من شخصيةٍ مسيحية وإنتهازية مغامرة، فتقلصتْ القضيةُ في العائلة الصغيرة المَلكية هذه المرة والتي طُحنتْ في الحداثة الأمريكية. في حلقات (ماما في القسم) نرى مسلسلاً طريفاً أشبه بفن الكاريكاتير يحملُ السخريةَ وتكوينَ الأبعاد المضخَّمة في الشخصيات، ويدورُ حول المربية فوزية السباعي التي جسدتْ شخصية دونكيشوت نسائي يقومُ بمغامراتٍ مضحكة لإثباتِ مقولاتهِ المصيبة في التربية وقد تشكلتْ المرأةُ بسلوكٍ حاد يقودُ لنتائج معاكسة، ففرَ منها ابناؤها الثلاثة، ورفعوا عليها قضايا، وجاءَ معلمٌ آخر يمثلهُ الفنانُ الكبيرُ محمود ياسين يفخر كثيراً بتاريخه التربوي الذي أنتج الموظفين المختلسين والعائلات المفككة، وهو مصرٌ على إعادةِ اللحمة الأسرية والأخلاق الحميدة للمجتمع، فيشنفُ الآذانَ بخطاباته، فهو دونكيشوت تعليمي كذلك. لكن البنيةَ الدراميةَ الصراعيةَ الفكاهيةَ النقدية المُقامة على صراعِ فوزية ضد الشر والفساد متناقضة، فهي لا تتوغلُ في تلك الصراعات، وتحولها إلى مواد عائلية جانبية، وتحشو فوقها العديد من الأغاني الساخرة والصراعات الجانبية، ولم يستطعْ المؤلفُ تطويرَ الشخصيتين المناضلتين التربويتين هاتين اللتين تنهال عليهما الشخصياتُ الجانبيةُ والمواقفُ الجزئية المحدودة القيمة الفنية، وخلطَ بين جديةِ مواقف فوزية وصوابها وبين الحدةِ المبالغ فيها، والعصبيةِ النارية. وكان تمثيلُ سميرة أحمد ومحمود ياسين قمة في الأداء ومدرسة لمن يريد أن يتعلم فن التمثيل. من أهم مسلسلات رمضان حسب تصوري مسلسل(الجماعة) وهو للكاتب وحيد حامد الذي يمتلكُ تاريخاً غنياً في السينما الجادة وتشريح الحياة المصرية بأسلوبٍ واقعي درامي، ومن هنا نجدُ هذا الرسوخَ في اللوحاتِ المصَّورة وكأنها فنٌ تشكيلي، وتتنامي اللقطات الباحثة المتغلغلة في تاريخِ جماعةِ الأخوان المسلمين، منذ الفَرشةِ الأولى المعاصرة حتى تتنامى وتتجذر في تاريخ ما قبل ثلاثة أرباع القرن السابقة، مزاوجةً بينها وبين الزمنِ الراهنِ في توليفةٍ تغلبَ فيها الماضي على الحاضر، ويصيرُ الحاضرُ فيها تعليقاً وبدايةً للماضي. الصراعاتُ المشهديةُ الأولى تلقي بنا في أجواءِ جامعةٍ مصرية وبين زجاجات ودماء الطلبة، فقد خُلقت معسكرات ضارية بين الجيل الجديد، الدمُ يتدفقُ فيها، وتنعطفُ اللقطاتُ نحو الأسئلةِ الفكرية والسياسية؛ فلماذا يجري ذلك؟ سؤال التكفير وكون الجماعة هي صوت السياسة الدينية المتفردة، ويظهرُ من بين الجيل الجديد نائبٌ عام هو نائبٌ ربما لهذه الأجيالِ التي لا تدري بالتاريخ السياسي القريب، ويقومُ بتجسيد الأسئلة ودفعها نحو معامل البحث والتحليل؛ فنرى وجوهَ المتهمين من هذه الخلايا السرية للجماعة، متعددة غريبة عن الزمان والمكان، تهذي بالقرآن، تقيمُ حواجزَ حادةً بينها وبين الآخرين، تستغلُ كلَ ما هو مقدسٌ ودنيوي لخلقِ الحزبِ المسيطر، لكن النائبَ العام الشاب، وهو الحيلةُ البشريةُ التي إستخدمَها وحيد حامد لكشف المستور، لا تقنعهُ الإجاباتُ البسيطةُ السريعةُ ويتغلغلُ في هذا التاريخ عبرَ المراجع البشرية، ويلتقي بقاض ذي عضوية سابقة في الجماعة، ولكنه إنفصل عنها، مما يعني إمتلاكهُ المادة والموضوعية، وهو الذي لم يجد جماعةً أخرى تدافعُ عن الناس حقاً كما يقول. الحلقاتُ التمهيديةُ تسيرُ نحوَ قلب المسلسل وبؤرة الصراع، فتتمحور حول شخصية مؤسس جماعة الأخوان حسن البنا، وتتكشفُ الحلقاتُ كلُها على أنها تاريخ لهذه الشخصية المحورية، وتعبر كمية المراجع المساندة لكتابة سيناريو المسلسل عن ضخامةِ وموضوعيةِ البحث الذي شكلهُ الكاتب، وعن دقته، حيث لم يترك لا طفولة لم يجسدها ولا شباباً لم يتابع الخطو فيه، مستلاً الأبعاد الفكرية السياسية العامة، حيث نجد حسن البنا منذ طفولته يجنح للسيطرة، والتفوق، وتوظيف الدين لأعماله، حيث أن المنطقة نفسها التي ظهر فيها ذات تأثير ريفي ديني مشبع برياحِ المنطقة السعودية الدينية، وهو أمرٌ يتجسدُ بعد ذلك عبر العلاقة برشيد رضا صاحب جريدة المنار وبالعلاقة مع الملك عبدالعزيز آل سعود. يقطعُ المسلسلُ بطبيعةِ فنه الدرامي تاريخيةَ مثل هذه الحركات وهي بالآلاف في عمليات توظيفها للإسلام سياسياً في التاريخ العربي الإسلامي، ولم تكن هذه عبقرية فذة كما يتصور. فالمرجعياتُ الماضويةُ جاهزةٌ ولا تحتاجُ سوى للديكور المعاصر. لكن المسلسل يتتبع هذا الحراكَ السياسي في كثرةِ شخوصهِ وفي تعددِ أحداثه، مُسجلاً كلَ شعرةٍ فيها، وكأن المشاهدين معنيين بكلِ هذه التفاصيل الميتة في التاريخ، ولكنه أرادَ أن يكون المسلسل حدثاً مصرياً مُثبَتاً بالأدلة في مواجهة عواصف منتظرة، فهو يرجعُ لمن كان نائب المرشد وهو إنسانٌ نجارٌ بسيط وكيف ظهرتْ لفظةُ المرشد الخ. ثم يتابعُ نموَّ الجماعةِ وتغلغلَها في القطر المصري وخاصةً في الأريافِ وهي القواعد ثم للمدن، وهنا تنقطعُ اللحظاتُ التمهيدية وحلقاتُ النائبِ العام وهو البطل الثانوي عن ظهور المرشد وإحتلاله للمسرح الفني، وهو البطلُ الرئيسي الذي يُخرجُ لنا ألعابَهُ الدينية والسياسية والعسكرية، تبعاً لنمو الجماعة في شرايين الشعب، ونظراً لصعود هيمنته الشخصية عليها، وإحتياج السياسة لقوةٍ لم تتكفِ بالسواعد بل تنامتْ للسلاح، حتى وصلته طموحاته الشخصية ومحاولة القفز على المسرح السياسي المصري المكون بنضال وحداثة طويلة مستخدماً الإسلامَ وكراهيةَ الدكتاتوريات في النظام للديمقراطية، ثم رغبته الفردية الجامحة في العلو على الجميع، إلى أن يصفي شخصيته وتنظيمه. وحيد حامد المهيمن على فضاء المسلسل قرّبَ البناءَ لديكوراتِ العصر، بكلِ أدواتهِ وأثاثه وسياراته، وأزيائه، محركاً اللوحات في زمنيةِ الماضي برهافةٍ شاعرية، وواقعيةٍ دقيقة كذلك، مصَّعداً المواقفَ الدرامية عبر الحراك السياسي، فلا خلفيات أخرى، وأدتْ الشخصياتُ الفعلَ التاريخي برصانة، وبإقتدار، وخاصة الممثل الجديد الذي لعبَ دور حسن البنا، حيث نرى التلون وإستغلال كافة تفاصيل الوجه والجسم والحركة لتشكيل المواقف المختلفة وتصعيد زخمها الانفعالي وتوتير الأجواء بمعانيها وأفكارها. حشودٌ من الطاقات الشبابية تم إستخدامها في هذا المسلسل الواقعي– التاريخي المزودج، وحشود من الأكسسورات الكثيرة والأبنية في أمكنةٍ شديدةِ التباين، من أجلِ الوصولِ لتجسيد هذا الصراع السياسي الذي يتخذُ صبغة الدين، مما أبقى المسلسل على ثيمةِ العرضِ التاريخي التحليلي السياسي، ولدلالةِ إستخدامِ الدين من أجلِ هيمنةِ شخصٍ ثم تغدو هيمنة جماعة، ثم يصيرُ الشخصُ المؤسسُ متجاوَّزاً، ولكن يبقى رمزاً مُنظـَّفاً في ذهنيةِ إتباعهِ عن كلِ ملوثاتِ التاريخ الحقيقي، ومُعلقاً في فضاءٍ سياسي مقدس. إنتهى المسلسلُ بشكلٍ غير طبيعي، ففجأة عرفنا إنه جزءٌ أول ويتبعه ثان، ولم يُقتل حسن البنا حسب التاريخ بل تأجل ذلك وبدا الإرتباك ظاهراً في النهاية خاصة مع إنهمار الإعلانات، ويبدو أن وحيد حامد وجد مادةً دسمةً وإهتماماً كبيراً وهذا ظاهر في بروز المسلسل في مصر باعتبارهِ المسلسل الأول جماهيرياً وأدبياً وهما أمران قلما يتفقان. وهناك مسلسلاتٌ كثيرة لم نُشر إليها وهي مهمة مثل كليوبترا وحكايات كايرو والسائرون نياماً وإختفاء سعيد مهران وغيرها فهي عديدة.
ABDULLA KHALIFA
WRITER AND NOVELIST FROM BAHRAIN
♦ Abdulla Khalifa Al Buflasa (born March 1, 1948 in Gudaibiya, Manama, Bahrain – died October 21, 2014 in Manama, Bahrain) is a Bahraini left-wing novelist and columnist.
♦ Upbringing and Education: Albuflasa was born in 1948 in the Gudaibiya area of the Bahraini capital, Manama. He studied at the Teachers Institute.
♦ Career career: He worked as a teacher after graduating from the Teachers’ Institute.
♦ He joined the ranks of the National Liberation Front – Bahrain in the 1960s and became active in its ranks. He was arrested in 1975 and dismissed from his job and released from prison in 1981.
♦ He wrote short stories and novels since the late 1960s and has various contributions in literary criticism. He also works as a columnist for the Gulf News newspaper.
♦ Member of the Union of Arab Writers in Syria.
♦ Contributed to the conferences of the Arab Writers Union, and the first conference was in 1975 held the Algerian Republic and presented the search for the evolution of the short story in Bahrain I subscribe to it, and participated in the Conference of the Arab Writers ‘ Union in Tunis in 2002, research under the cursed n (The roots of violence in contemporary Arab life), He participated in a conference in the Arab Republic of Egypt in 2003, and a research under the title (Arab intellectual between freedom and tyranny). And many Arab literary conferences.
♦ Since 1981 he has worked in the social and cultural Press in the Bahrain and Gulf newspapers, and has been published in several Arab periodicals.
♦ He wrote articles and political and social studies on the history of Bahrain and the development of the short story.
يجري السكوت على الماضي إلا من إنجازاته، وهذا أمر مشترك لكل القوى الاجتماعية والسياسية. يحبذون نشر تاريخ مضيء زاهي الألوان، والكل مع هذا يدرك أن ثمة أخطاءَ جسيمة، وتقديم الصورة الزاهية قد يصل حتى إلى التشويه وعرض صور كاريكارتيرية عن تاريخ المجتمع والقوى المختلفة. وهذا ما يدفع إلى أن كل إنسان يقدم صورة وردية عن نفسه، حتى لوكان بعيداً جداً عن هذه الصورة البطولية المتألقة الزائفة. وبطبيعة الحال لا يصحح أحدٌ هذه الصورة، ولكن لماذا وقعنا ونستمر في هذه الكوابيس إذا كان الجميع أبطالاً؟ تستمر هذه القوى السياسية بنشر الصور الوردية لأن هذه الصور تعكس التوحد الزائف، وإخفاء الأخطاء الكبيرة في تاريخها وتداخل المخطئين والسيئين والحرامية والانتهازيين بأبطال العمل الحقيقي التائهين والضائعين والصلبين في هذا العزف المشترك للفرقة الحماسية الوطنية. صخب الفرقة وحماسها الذي يصم الآذان يتناقض مع بعض العيون الزائغة وفلتات اللسان عن سوء بعض البقع الكبرى في الماضي، وهذا الجمود السياسي في كل شيء وعن كل شيء حقيقي، ليستمر الماضي كما كان الماضي، المسرح نفسه والأبطال أنفسهم، والمأساة نفسها! الجمع السياسي أو التيار أو سلطة التجمع وما شئت من أسماء لا تريد تبصراً نقدياً للماضي، وألسنة أحوالها دعونا من الماضي، والحاضر أهم والمستقبل أجدى. إنه رجل مريض مأزوم يعيش عقداً ولكنه خائف من الذهاب للطبيب المعالج. فيكفي بهذه الوحدة الموهومة التي يعيش فيها مع نفسه في بضع لحظات من اليوم المعيشي، يكفي أن يتوهم الصلابة والبقاء والصحة، وإنه ليس منقسماً ولا منفصماً، بل هو بطل كبير! يقوم بكتابة صفحات كثيرة عن نفسه وإنه قاوم وكافح المردة والشياطين وقاد المظلومين وفعل وفعل ما لم يفعله أحد. لكن الواقع الذي يعرفه آخرون بأنه ليس في هذه المكانة العالية، وأنه رجل له إيجابياته وله أخطاؤه، لكن الصورة الموضوعية هذه إما أن تـُزال تماماً ولا يستطيع أحدٌ أن ينطق بها، وإما أنها تصير مهموسة ومنتشرة في أمكنة كثيرة ولكن لا تصل إلى أسماع البطل! في بعض القوى السياسية هناك رفض للتمادي في هذه الصورة البطولية الزائفة خاصة إذا قاد (البطل) الجماعة إلى كوارث، فيصبح الانقسام هنا ضرورياً، لكن الانقسام لا يصل إلى محاكمات فكرية في الماضي والحاضر، وكيف أن التيار أو القوة الاجتماعية الكبيرة تشكلا في ظل الحماس البطولي وعبر الكثير من الادعاءات والتباهي بالحزب أو بالقبيلة أو بالطائفة المنصورة. فقد كانت الدنيا ظلاماً حتى ظهرت القبيلة ~ الحزب ~ الطائفة ~ الجماعة النورانية، ورفعت الشمسَ المنيرة فوق المسرح المعتم، وحينذاك بدأ التاريخ! من الممكن في هذا التاريخ أن تـُستحضر أسماء وتواريخ دقيقة، وتـُجلب وثائق وحيثيات، وتنهمر ذكرياتٌ عاطفية مريرة مليئة بالدموع والشجن والفرح الوامض، ولكن كل هذا من أجل صورة البطل الخالد؛ الحزب، الجماعة، الطائفة، القبيلة، وكيف صارت في هذا العلو. إن حالة الأمية الثقافية والفقر النظري هي من حماس جماهيري شعبي بسيط للحفاظ على مصالح تائهة في خضم العولمة والتحولات الرهيبة التي جعلت الغرباء والأجانب والفضائيات والاقتصاد البذخي والاقتصاد الشمولي تهيمن، وجعلت كلها الناس الغلابة مثل أعواد في نهر جارٍ جارف، يتمسكون بأي شيء من أجل البقاء في العيش. وحتى المصالح القوية لا بد لها من صورة موهومة بطولية، ولكن إلى أي حد هي قوية؟ وفي غمضة برميل نفطي وانتباهته تتدحرج قوى وعوالم. يستبدلون بالرمضاء النار، فهم بحاجة الى البطل لكي يحفظ وحدتهم الموهومة الراهنة، ويدافع عن حقوقهم، أو امتيازاتهم غير الصامدة للتاريخ. ولهذا حين تحدث العروضُ التاريخية الزائفة وتـُوضع أدلة ناقصة، وتواريخ مبتورة، هي كلها بغرض أن (تاريخنا) كان هو التاريخ البطولي الذي صنع المجد الراهن. أو يجري عرض انتقادي بسيط لتاريخ الجماعة المنصورة فلو أنها واصلت نهجها لتوصلت إلى انتصار كامل. كان أغلب هذا التاريخ للجماعة ~ للحزب ~ أخطاء فادحة، ولكن هذه الأخطاء الرهيبة تم محوها من الشريط الملون الزاهي، الذي تواكبهُ الموسيقى الحماسية المخدرة للعقول! ويذهب المخدرون لمواقع النزاع والحرب التقليدية وخنادق التباهي بالأمجاد ليواصلوا حروب داحس والغبراء التي تزيد الطين الوطني بلة أجنبية وسرقات عولمية وتناثر الثروة الشعبية شرقاً وغرباً. لا يستطيع كلٌ من هذه القوى الاجتماعية أن يقرأ التاريخ الحقيقي، فالصور الزائفة لها حراسها وعلاماتها التجارية وإعلامها وفضائياتها وفرقها الغنائية. لا تستطيع أن تغير شيئاً جوهرياً في أحوالها، تصير متحجرات، أما النقد السياسي فلا يستطيع أن يخترقها، وإذا طاف في جوقة الدراويش فهو ضائع ويبتر بقوة. لا توجد حريات عميقة ونظرات مستقبلية بعيدة المدى فليس ثمة كوادر شبابية جديدة يُسمح لها بالنشوء الحر، حتى لو كانت تريد مصلحة الجماعة ~ الطبقة، فلا يتم تشجيعها من قبل الديناصورات السياسية على الإبداع السياسي إلا إذا كان تطبيلاً. المراكز المهيمنة في كل هذه الكتل الكبيرة والصغيرة تعيش على الأكل اليومي وما دامت الخزائن معمرة بالملايين أو أن البطون شبعى بالخبز، أو أن الأموال تتدفق على أقطاب الفئات الوسطى، فلا شيء يدعو للنظر في المستقبل وكشف تاريخ الجماعة المليء بالأخطاء أو رؤية الطوابق السفلى للوزارات. من هنا فإن الأبطال هم المسيطرون على المسرح المتداعي، وتجد العديد من المسوخ فرصة فريدة لكي تتحدث عن عظمتها.
لا يتعلق تدهور الوعي الذي يتجسد في الآداب والفنون وفي الثقافة وفي الوعي السياسي بانتشار الأنانية والانتهازية فقط، بل كمعادل لهذا الانتشار تضاؤل الوعي المادي الجدلي، وهو وعي الحفر في الحقيقة، في كشف تناقضات الأفراد والفئات والمجتمعات. حين تلاحظ اللحظات التاريخية بازدهار المجتمعات، بدءً من الثورة الفرنسية والثورة الروسية والصينية وثورات التحرر الوطني تجد إن مثقفيها البارزين الذين وضعوا بصماتهم على التطور السياسي العاصف، الذي غير مجرى بلدانهم والعالم، فعلوا هذا حين اقتربوا من الوعي المادي الجدلي، حين وجهوا ابصارهم لتناقضات الواقع والثقافة السائدة، متخلين عن أوهامهم الفردية والطبقية، مزيحين هذه الغلالة من الأفكار الُمسبَّقة، ومن الأوهام. وقد انتهت تلك الموجة من الوعي التقدمي الذي ساد القرن التاسع عشر والعشرين في أوربا وآسيا، وهدم الأمبرطوريات الاستعمارية، بسبب من شعارية هذا الفكر وتبسيطه في العديد من المحاور، فقد وقف عند هدم المجتمعات التقليدية وكان أمراً بسيطاً قياساً لبناء المستقبل الذي أُخذ بأفكار نقصها ذلك الفكر الجدلي، لقد تصورت إنها تبني مجتمعات تنتهي فيها التناقضات، والتناقضات لا تنتهي، وتصورت دولةً تزيل الطبقات، والدولة ذاتها جهاز قمع، وتصورت أنها تنهي الرأسمالية في الوقت الذي تقوم بتشكيلها عبر نفس جهاز الدولة. فهي لم تكن تفهم التناقضات التي تشكلها. وانظر كيف كان حال وعينا في الخمسينيات والستينيات مزدهراً بحركات التغيير في السياسة والثقافة، ثم كيف تدهور مع الموجات الدينية، فصارت ثقافتـُنا العامة ضحلةً. إن الموجات الدينية الجماهيرية هذه تعتمد على وعي طفولي ساذج، فهي لا تفهم تعقيدات المجتمعات المعاصرة، وتناقضاتها الطبقية والثقافية، وهي تضعُ فوقها أفكاراً خيالية غيبية، وهذا نتاج قيادات مثقفيها المحافظين الذين يخافون الحركة النضالية الشعبية، فيقسمون الشعوب إلى طوائف ويقسمون العائلات إلى رجال ونساء، ويقسمون الثقافة إلى غيب وواقع. وهم يعيدون ثقافة ضعيفة الاتصال بالعلوم الطبيعية والاجتماعية، ثقافة كانت تعتمد على معلوماتٍ تقدمُها الِحرفُ والأشغالُ اليدوية، في حين انتقل العالمُ منذ قرون لثقافة تعتمد على التصنيع. إدخالهم الدين في السياسة ليس نتاج التقوى بل الأنانية، فهم عاجزون عن التطور العلمي، وعن الشجاعة في تحليل المجتمعات وتناقضاتها الحقيقية، فالتناقض بين العمل ورأس المال، التناقض بين الطبقة الغنية والطبقات الفقيرة، التناقضات بين الشعوب والاستعمار، التناقضات بين الثقافة العلمية والثقافة الخرافية، التناقضات بين ثقافة الغرب المتقدمة وثقافة الشرق الهزيلة، كل هذه التناقضات المحورية في العالم لا يقيمون بتحليلها، مثل النشطاء في مجال الثقافة والإنتاج الفكري. إن الإنسان المتفاعل مع الأحداث يذهب لخطبة رجل الدين ليسمع كلاماً عاطفياً وفيه إثارة غيبية غير محددة، فرجل الدين لا يحلل استغلال الشركات والبنوك، ولا العلاقات الاقتصادية الدولية التي تأخذ بخناق هذا المواطن المتألم، لأنه ربما صاحب علاقات بهذه القوى المادية، فيركز على العلاقات الروحية الغامضة. خطابُ رجل الدين هنا خطابٌ أناني. وخطابُ رجل الدين هذا سلسلة من خطابات مثقفي التقوى هؤلاء الذين لا يريدون إثارة الشركات والوزارات ويكشفون الأسعار والأجور والتلوث والاستغلال، محلقين في عالم من التخيل الخاص والتجارة بالرموز المقدسة لأصحابها. ويقول الفنانُ لماذا أرسمُ آلامَ الإنسان وهل يمكن أن تـُعرض في معرض؟ بطبيعة الحال سيقف القائمون على المعرض دونها. ومن سيشتريها؟ ويمكنني أن أرسم ألواناً وأشياء تجريدية أو صوراً فوتغرافية جميلة للصحراء والجمال والنخيل وهي تـُشترى. ويقول الكاتب لا استطيع أن أقوم بتحليلات وتحقيقات ومسرحيات وأفلام تكشفُ جشعَ الأغنياء والحكومات وأعري العائلات المحترمة لاكتفي بمسرحيات ضاحكة تخفف عن الناس أحزانهم، ومسلسلات تتكلم عن قضايا صغيرة عائلية وخاصة مسألة الطلاق، فكم يؤدي الطلاق إلى كوارث! يعيش المنتجون للأفكار والثقافة السائدة في عالم من الكذب الواسع، وهم نتيجةً لجلهلهم بالدين ولعمومية مقولاته، يستعينون به لكي يستروا تنازلاتهم لقوى الاستغلال، فإذا سرق المثقف قال سأذهب للحج لا لشيء سوى أن يخفي ما قام به، وهذا تدهورٌ غاصَ فيه الآن المثقفُ عوضاً أن يكشف السرقات العامة، ويذهب للحج، فتغدو المظاهر العبادية جزءً من عالم الاستغلال، ويتوسع الأمر في ظل تحويل ذلك إلى عملية تلاعب سياسية واسعة بالدين، وكون التزام المرشح بالعبادات هو ضمان لصحة انتخابه ولصحة العمليات السياسة الوطنية! ويعمق الجمهورُ الجاهلُ هذه الحالة، فبدلاً من أن يطلب من السياسي المرشح شهادةً عن نضاله ضد الاستغلال ولرفع حياة الجمهور المعيشية، يطالبه بكشف حساب لعدد صلواته! فالجمهور يزيد أوضاعه سوءً، فإضافة للاستغلال الحكومي على كاهله يظهرُ استغلالُ النواب. إذن الوعي المادي الجدلي، الوعي بالتناقضات الطبقية والاقتصادية عامةً وتحليلها وكشفها، ومعرفة الوسائل السياسية المرافقة لهذا الوعي والمتوجهة لتنظيم الجمهور لكي يناضل لحلها، هو العاملُ الفكري المرافقُ لنمو الشعوب نحو الحرية والتقدم، فهو وعيٌّ يحددُ المشكلات الرئيسية ويوجه الإرادةَ البشرية نحو حلها. فتنظيمُ الشعب الصيني الذي يبلغ أكثر من مليار يعتمد على نخبة صغيرة وجهته نحو حل مشكلاته الحقيقية في الواقع، وليس في الخيال الديني أو الرومانسي أو الذاتي الأناني. إن مشكلاته هي في ضعف المصانع والتجارة والعلوم الخ.. وتأتي الحلولُ محددةً، وبعد ذلك من يؤمن بماو فليؤمن ومن يؤمن ببوذا فليؤمن، فساحة الواقع لها مكانتها ومناهجها وساحة الغيب لها مناهجها. خلقت الشعوبُ بهذه المادية الجدلية ثورات نهضوية كبرى انتقلت بها من خنادق المتخلفين إلى فضاء المتقدمين.
تتعامل الأنظمة الشرقية خاصة مع قوى المعارضة وكأنها كتاكيت صغيرة لابد أن تـُحضن حتى تكبر. إن الطابع الأبوي يتبدى في (القصَقصَة) المستمرة لأجنحة هذه الكتاكيت حتى لا تطير وتعرض نفسها للأخطار! ومن هنا يجري ربط هذه الكتاكيت بالوزارات الأمومية كالشؤون الاجتماعية أو العمل، فالطابع الأبوي الحنون متوار، فيجب ألا تـُخدش الجماعات السياسية الطفولية بكونها قاصرة وتحتاج إلى رضاعات مالية تصنع لها بعض الريش واللحم لكي ترابط عند أمها الحنون ولا تطير. وكلما ازداد عدد الكتاكيت كان ذلك أفضل من أجل أن تلوذ بالأرض وتتصارع على الحبوب. إلى ماذا يرجع هذا الرسوخ للثقافة الشمولية في الشرق عند الدول والجماعات السياسية والشعوب؟ إن الدجاجة الكبيرة، الدولة، تمتلك مخازن الحبوب، لقرون طويلة، وكونت العادات والثقافة عند الشعوب لكي تتخصص هذه في التقاط الحبوب من الأرض حيث تـُلقى عليها، فترى الجمهور الشعبي وقد عاش طوال حياته يكره السياسة، وهي الثقافة التي تجعله يرفع رأسه لفوق، ويبحث عن سبل العمل المستقلة، فينحو في حياته ليس لالتقاط الحبوب بل لزرعها وصناعتها أو لانتزاعها من المخازن المغلقة. وراء الكتاكيت السياسية يجثم الشعب مصدر السلطة الضائعة، الذي تخصص في ألا تكون له سلطة، بل أن تتسلط عليه الدول والحكومات والهيئات المختلفة والأقدار، وأن يُسجن في الأعمال اليدوية الصغيرة الشاقة المحدودة، أو في الأعمال الذهنية الجزئية، فيفقد كل قدرات العقل على التحليق الحر، فتأتي كل ثقافات التسلية والغيبيات لكي ينتظر ويقنع بعيشه الصغير، وبزنزانته السياسية الاجتماعية العظيمة، فيكره التجديد في أي شيء، ويكره البدع، والعلوم الجديدة، وتغيير العادات وتعرية الزعماء السياسيين ونقد الأفكار السياسية الخاطئة أساس عبوديته وعدم طيرانه. وما دامت الشعوب نائمة ومقيدة في شموليتها العريقة، وسلبيتها، وثقافة التقاط الحبوب من الأرض وكره السياسة والتجديد، فما تنتجه من تيارات سياسية لا يخرج عن قوى شمولية لا تستطيع أن تتجاوز شعوبها الشمولية، بل تغدو إعادة إنتاج لما هي عليه وتكرار لما سبق، وألحانا متعددة لذات النغمة الأساسية، فهي دجاجات أخريات تريد أن تحل محل الدولة. وهكذا فإن الشرق لا يشهد تجارب ديمقراطية لأن نسيجه الاجتماعي الحكومي والشعبي لا يعرف ما هي الديمقراطية أصلاً. فليست الديمقراطية الشرقية سوى تسويات وصراعات داخل حلبة الشمولية والاستبداد، فهنا تتوزع معسكرات الاستبداد بهذه الدرجة أو تلك من تمثل بعض المصالح العامة والشعبية، ولكنها في العمق تعضُ على كراسيها أشد العض، وتتمسك بامتيازاتها الموروثة أشد التمسك. فعلينا ألا نـُصاب بلوثات عقلية بأن ما يجري هو ديمقراطية، وهي لوثات تحدث من كثرة ترديد هذه المفردة نظراً لعمليات غسل الدماغ التي تجري يومياً. لا شك إن الديمقراطية قادمة للشرق لا محالة، ولكنها ذات قوانين اقتصادية تتمثل في ظهور طبقة حرة ولديها وسائل إنتاج قوية قادرة على الوقوف في وجه الدول المحتكرة لوسائل الإنتاج والعيش والإعلام. وفي الطريق إلى ذلك لابد من ثقافة ديمقراطية تتغلغل بين الشعوب، إلى الجمهور الأمي القليل التعلم، وللجمهور المثقف الذي يعيش على مخلفات الثقافة العبودية، وأن يعي بأن ثمة قوانين واحدة لتطور البشرية وأن الديمقراطيات الشرقية هي استبداديات جديدة بأزياء مستوردة شكلية من الغرب، فهي لم تذهب لجوهر تجربة الغرب الديمقراطية، بل استعارت الصبغة الخارجية للجسم وتخلت عن العمق، الذي يعني شعوباً ديمقراطية خرجت عن سيطرة الدول والأديان وتقوم بإيجاد سياسة تعبر عن مصالح طبقاتها الأساسية وليس عن شلل الحكم والزعماء. وإذا كانت شعوب الشرق تمر الآن بمرحلة انتقالية نحو الديمقراطية فلا بد من ألا يكون مخزن الحبوب تابعاً للحكم، وأن تحدث عمليات تدرج بين إشاعة المنافع الاقتصادية للطبقات الفقيرة والانتقال للديمقراطية ولانتشار الوعي لا الدجل الانتخابي، فإذا كانت الديمقراطية هي إعادة توزيع جديدة للثروة للطبقات الغنية والحاكمة فتكون هي الفوضى وليس الديمقراطية!
كانت مرحلة التحولات الإسلامية في المدينة مختلفة عن الصراع في مكة، فهنا كان الصراع مركباً، فثمة دينان سماويان في هذه البقعة، وكان الدينان هما كذلك من مرجعيات الإسلام. ولكن الإسلام كان يتجذر في بيئة عربية، وهو يمثل كذلك ذروة تطور الحنفية، وهي الشكل من الدين الذي تأسس في الجزيرة العربية ونما عبر العلاقة مع خصوصياتها، في حين كان الدينان الآخران (اليهودية والمسيحية). لقد كان ميراث الدينين السابقين اللذين يتجليان في الذاكرة الشعبية بأنهما توحيديان مضيئان، ولكن مسيرة الإسلام في المدينة خاصة اصطدمت بهما، وبأحدهما على وجه الخصوص وهو الدين اليهودي كما تجلى عند العرب اليهود البدو. كانت ثمة فترة من المهادنة والاحترام المتبادل غير أن الصراع كان لا بد أن يقع، بسبب أن كل جماعة كانت تمثل سلطة، لكن السلطة الحقيقية كانت لدى قبيلتي الأوس والخزرج اللتين رضيتا بالإسلام قيادة ليس للمدينة فحسب بل للعرب جميعاً، وبهذا كان لابد للعرب المسلمين حديثاً من بسط نفوذهم على المدينة والاصطدام بالجماعة اليهودية. كانت هناك فترة للتفاهم والحوار وتشكيل وحدة بالعودة إلى مبادئ الأنبياء السابقين المؤسسين، لكن هذه المحاولة لم تنجح، فأخذ المشروع العربي الإسلامي يصارع على جهتين عدو خارجي يتمثل في وثنيي مكة ويهود الداخل المتعاونين لإجهاض المشروع. وكان الأساس الصراعي بأن الدينين الآخرين يمثلان ثورتين في الماضي، حين كان الأنبياء يقاتلون سلطات باغية، حينذاك لم تتأسس هيئات كهنوتية في الدينين تستحوذ على خيرات الناس، أو تعاضد الحكومات، وكان الإسلام في هذه اللحظة التاريخية التأسيسية في حالة ثورة. إن وجود هيئات كهنوتية متسلطة وراءها ثروات كبيرة كان يمنع من تحقيق وحدة دينية كان يطرحها الإسلام: [قُل يا أهلَ الكتابِ تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبُدَ إلا اللهَ ولا نشركَ بهِ شيئاً ولا يتخذَ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللهِ فإن تولوا فقـُولـُوا اشهدوا بأنا مسلمون]، (آل عمران، 64). كان الإسلام حركة شعبية متنامية بلا تلك السلطات، وهو لا يوجه كراهية عنصرية للدينين فقط لأنهما دينان، بل للأسباب المذكورة أعلاه، ولهذا فإن الآيات في هذه السورة وفي سور مدنية عديدة، تشير إلى رجال الدين البسطاء من هذين الدينين الذين تعاطفوا مع الحركة كآية 113 في السورة نفسها. ومن هنا ولأجل الممارسة الديمقراطية ولعدم خلق كهنوت ترفض الآية (79) في ذات السورة مبدأ الكهنوتية، وخلق جهات متسلطة على الناس باسم الدين وهدفها الثروة لا الثورة وترى بأن (الكتاب والحكم والنبوة) ليست أدوات لخلق عبودية وتحكم وتسلط، بل هي الطرقُ للدرسِ والعلوم. إنهما موقفان تاريخيان مختلفان، يعبران عن مصير أمم، والمنجزات الإيجابية التي استثمرها الإسلام التأسيسي توقفت على جوانب اجتماعية متعددة، مؤقتة كالديمقراطية الشعبية العفوية، وتعدد الزوجات ورفض الربا، وهي جوانب كانت مرافقة لتطور اجتماعي معين، وحين ذهبت الجوانبُ الإيجابية بعد الفتوح نشأت حكوماتُ الأقلية والكهنوت، وركزت على ما هو سلبيٌ وتركت الجوانبَ الإيجابية، وهو ما شكل مصائر مختلفة لهذه الأديان والأمم عبر مسار التاريخ التالي، فصغر العائلة وتوظيف الفائدة المالية للنمو الاقتصادي التي كانت ميزات الدينين الآخرين الإيجابية والمرفوضة عند العرب بسبب خروجهم المتأخر من (الجاهلية) قد خلقت فيما بعد ثورة ديمقراطية وحضارية في الغرب بعد تطورات تاريخية طويلة. في حين ان المسلمين على العكس ركزوا في سلبيات البداوة واحتفظوا بها، ووضعوا عليها ديكورات دينية نظراً للتخلف السائد واستمراره وتركوا الجذوة. لم يستطع أهلُ الكتاب مجاراة العرب في عملية الثورة التي نبعت من ظروفهم ومن مستوى تطورهم المتخلف والحر كذلك، لكن أهلَ الكتاب عملوا قروناً طويلة، بعضهم كدس الرساميل والبعض الآخر اشتغل على التقنية والعلوم وقد ساندتهم البنية الاجتماعية الأسرية الصغيرة فحققوا ثورة جديدة.
اعتمدت إستراتيجية حسن الصباح زعيم الإسماعيليين في إيران في قرون غابرة على خلق فرق الإغتيالات، وإرسال المنفذين إلى عواصم المدن العربية من أجل قتل وتصفية الزعماء الذين يعارضون سياسته، والذين يقفون أمام بسط نفوذه.
وتعبر سيطرة سياسة الإغتيال عن تراجع الحركة الإسماعيلية عن النضال الديمقراطي الشعبي، الذي كانت تعتمد عليه حين كان لديها زخم جماهيري ما، وتحولها إلى حركة مغامرة لم يعد الناس يثقون بطرقها وأهدافها.
لكن الحركة كانت مصرة، ومع نفاذ المخزون الشعبي من المؤيدين لها راحت تعتمد على العنف، وعلى إغراء بعض الناس بامتيازات تعلو فوق القانون الديني نفسه التي ارتكزت عليه، بحيث أنها استخدمت الحشيش لتخدير منفذي الاغتيالات وجعلهم يعيشون لحظات تخدير عالية فيتجرأون على القيام بتلك العمليات الوحشية..
ربما كان ذلك من الأساطير التي نـُسجت حول الحركة وأعمالها الغريبة الجريئة، لكن التخدير كان موجوداً بشكل معنوي، كما تفعل الحركات والدول الإرهابية بتخدير أفرادها عبر شرائط غسل الدماغ.
إن الدول الشمولية الشرقية المعاصرة لا تحتاج إلى استخدام الحشيش كي تصنع إرهابيين، فقد تكفل بذلك تطور الوعي الجماهيري الاستبدادي الذي تشكل خلال العقود الأخيرة، والذي احتضنه الاستعمار الغربي والدول المحافظة، والذي لم يضطهد الغرباء فحسب بل مارس قمعه على أهل بيته في بدء الأمر.
فقد توفرت للدول الاستبدادية جماعات جاهزة للقيام بعمليات التصفيات الجسدية للمعارضين، وخاصة حين يصل لهذه السلطات زعماء فاقدين للتجربة السياسية الطويلة، وجاءوا عبر المؤامرات الحزبية والعائلية.
تشكلت هذه الجماعات في أقبية الدول وفي السجون وعبر التعذيب والاعترافات وإنقلاب الأدوار من مناضلين إلى جواسيس، حيث تقوم أجهزة الاستخبارات بسحق آدمية الإنسان، ثم تنقله إلى أجواء خلابة من الامتيازات و(الحشيش) التخديري الإمتاعي، وتسجل عليه مثل هذه اللحظات في إعترافات وشيكات وأفلام، بحيث يكون طوع أمرها في القيام بأي عمليات قذرة مطلوبة لكي يحتفظ بشرفه النضالي الزائف!
إن السيطرة القمعية الطويلة على هذه المجموعات وتحطيمها وإذلالها، يتيحُ تكوين مجموعات فاقدة للذمة، مخدرة، خاصة إنها بدأت أعمالها (البطولية) بالمغامرة والجريمة، فصار من السهولة بمكان توجيهها إلى قتل رئيس وزراء معاد، أو قادة سياسيين ناقدين ويشكلون حجر عثرة أمام حسن الصباح الحديث في قلعة آلموت المحصنة القوية وسط الحرس الجمهوري وفرق الجيش وقوى الاستخبارات!
حسن الصباح الحديث ليس زاهداً، ولا هو مؤمن بقضية جدية، كما كان سلفه، بل هو ابن ذوات، وإنسان مدلل، وجد نفسه بدون تراث ديمقراطي، وفي عائلة فاسدة سياسياً لديها مليارات عليها أن تحافظ عليها بأية صورة، وهو لم يكن لديه وقت لكي يمارس السياسة وسط قوى الشعب، مثل أجداده الميامين، فجاءت له الثروة والسلطة على طبق من ذهب، وتعلم من هذه الأجهزة أن الكفاح يتم عبر المدفع، وإن الاغتيالات أسرع طريقة لإجبار الخصوم على الخضوع!
فكان اتصاله بالقوى السوداء الموجودة في الأقبية والدهاليز الغامضة، وكان تراثه يدعوه لخلط العسل بالسم، وهي طريقة تراثية تاريخية مهذبة، لكنه فضل استخدام الألغام والسيارات المفخخة والطرود البشرية الملغمة، نظراً لاختلاطه بتلك الأوساط المتوحشة، ونظراً لرخص الإنسان وغلاء العسل والحشيش عنده!
إن اعتماد سياسة المغامرات والانعزال عن الجمهور وعن التراث السلفي الإنساني والتراث التحديثي الديمقراطي، هي كلها مظاهر لأزمة واحدة، وهي تقود حسن الصباح الجديد إلى العزلة أكثر فأكثر، ويلعب السلفيون المعتمدون الإصلاح دوراً رئيسياً هنا، لأنهم رفضوا طرق الحشاشين في الوصول للسلطة وفي استخدام العنف متجهين أحياناً للتطرف في ذلك، حيث يعتبرون التحديث بمختلف فرقه هو الذي صعد حسن الصباح الجديد، الذي لم ير سوى العنف القابلة المولدة لكل حزب سلطوي يقبع فوق صدور الناس ولكن ذلك ليس صحيحاً فصعود حسن الصباح الجديد هو ثمرة لتعثر الإصلاح والديمقراطية في هذه الأنظمة!