كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة
بدأ أدب الأطفال في البحرين، كنوع أدبي جديد، عبر انتاج خلف احمد خلف، وعبدالقادر عقيل، اللذين توجها، إلى هذا الجانب الابداعي المتميز، بعد عمل مستمر في كتابة القصة القصيرة، والطويلة، وخاصة عند خلف.
وقد اتجهت القصة القصيرة لدى عبدالقادر عقيل إلى نواح تجريبية وصوفية، مما جعل اللغة القصصية ذات تراكيب إبداعية ليست متألقة، فيما يبدو، مع قصة الطفل البسيطة الواضحة.
وإذا كانت قصة الأطفال عند عبدالقادر عقيل لم تشهد إنتاجا واسعا بعد قصتيه (من سرق قلم ندى ؟) و(من يجيب على سؤال ندى؟)، حيث واصل رحلته في القصة التجريبية وتطعيمها بمناخات صوفية،
فإن خلف أحمد خلف اتجه إلى مسار أخر، هو صياغة مسرحية للأطفال، بعد أن باشر كتابة قصص قصيرة قليلة للطفل.
وكتب إبراهيم سند قصة الطفل بمثابرة مستمرة، بدون أي تجربة قصصية سابقة، وكذلك فعل إبراهيم بشمي، الذي كان قادما من عوالم الصحافة والتحقيق، وإذا كان إبراهيم سند قد حاول أن يرسم مساراً خاماً لنفسه، جامعا بين النقد لظاهرات الحياة، والفنتازيا، مرافقاً البساطة بنحت ممرات غريبة في الحادث اليومي، مستنداً إلى الواقع المحلي بطبيعته وحيواناته وطيوره وبشره، فإن إبراهيم بشمي قد اتجه إلى نقد العادات السيئة، وظاهرات التخلف السائدة، متجها إلى مزيد من التوغل في اعماقها، عبر الأنماط الفنية، والأحداث المكثفة، المرسومة بهدف خلق التوجيه، ولكن الأحداث راحت تتسع في عوالم الماضي، متشحة بثياب التاريخ، متسربله بدلالات الحاضر. لكن سيطرة الهدف التوجيهي في قصصه، وبروز التعليمية الاجتماعية والسياسية، أوصل هذه القصة إلى ضرورة تحويل البنية، وتصوير الشخصية.
ويُلاحظ ان اغلب اعمال الطفل تتجه تدريجيا إلى طرح إشكالات البنية الاجتماعية العميقة، عبر الصعود المستمر من الجزئي إلى الكلي، ومن المحدود إلى الشامل. ويترافق هذا مع تحول طبيعة الأبطال – الشخصيات في القصص، فالبطولة المسندة للحيوانات والنباتات وعناصر الطبيعة، تتراجع لتبرز بطولة البشر، وخاصة من الأطفال والصغار.
وتكتسب اعمال خلف احمد خلف الموجهة للأطفال، دلالات هامة، بحاجة إلى الفحص المستمر، لكونها تعبر عن أبرز سمات أدب الطفل في البحرين .
فقد أظهرت هذه الأعمال أن أسئلة الأدب العامة تظل ملحة كذلك، في هذا النوع الأدبي الخاص، وهو أدب الطفل. فإذا كانت بعض المحاولات في مسرح الطفل البحريني قد استسهلت هذا النوع من الفن، إلى درجة التسطيح والتشويه الكامل، فإن أسئلة عميقة، مؤرقة، ظلت تتنامى في أدب خلف أحمد خلف الطفلي، على مستويي البنية والدلالة .
لقد رأينا كيف استجابت المسرحية لديه لقوانين الدراما، عبر خلق الصراع المتوتر، المتنامي، في تشكيلة متضافرة من الشخصيات والأحداث ، وكيف اهتمت بتجسيدات الفعل الدرامي ونموه، وصاغت المؤثرات الفنية المصاحبة، والكاشفة له، فالبنية الفنية المتوسعة، المتغلغلة في الحدث والشخصية، تحافظ على إيقاعها المكثف، وتضبط كل عناصرها.
وتكمن أساسيات البنية الفنية في خلق الثنائيات المتضادة مثل: الرجل – الطبل/ الرجل – الكتاب، الطائر/ السلطان، النحلة/ الأسد، وتنمو الثنائية المتضادة، عبر جزئيات مساعدة. تدخل في سياق الثنائي المتصارع، وتجعلها حيوية، متلونة، جذابة.
وإذا كانت هذه الثنائية قد غلب عليها التشتت في (العفريت)، فتأجل الصراع الدرامي إلى منتصف المسرحية، فإن الصراع يبرز بسرعة وشدة في (وطن الطائر)، عبر فكاهة موسعة، ولغة تحافظ على بساطتها وجمالها، ثم لا يكون سوى الصراع في النحلة والأسد. الذي يتوسع باتجاه جمهور الصالة.
وعلى مستوى الموضوع، فإن البنية تبتعد تدريجيا عن التجريد، حيث ان ثنائية الساحر/الصبي، أو الرجل – الطبل/ الرجل – الكتاب، تمثل موضوعاً ثقافياً مجرداً، يصلح للصبية الذين يبتعدون عن عوالم الطفولة، في حين أن ثنائية الطائر/ السلطان، تقترب أكثر من المحسوسية والبساطة، محتوية على إشعاع أوسع، ومع هذا، فإن موضوع ثنائية الحرية – الوطن، له صلة وثيقة بعوالم التجريد الفلسفي.
ويغدو موضوع ثنائية النحلة / الأسد، معبراً ببساطة ملموسة، عن قضايا واسعة، وفي قلبه تكمن كل الأسئلة المثارة في عوالم الكبار، لكن هنا تبقى الحكاية ذات الدلالات السياسية، في متناول ذهنية الطفل، وتعبر عن عالمه الخاص.
ولابد هنا من القول، أن هذا النمو، عبر تكثف البنية ودراميتها المتزايدة، يتضافر مع تركيز الموضوع، وتوسع الدلالة.
فمسرحية (العفريت) تحوى اكثر من موضوع محوري، فتتردد الموضوعات والدلالات بين محاور الرجل الطبل/ الرجل الكتاب، والصبي/ العفريت، وصلاح، فلا نعرف، هل المسرحية تتوجه للتعبير عن أهمية الكتاب، أم تتحدث عن ضرورة مساعدة الفقير، أم عن عدم جدوى السحر القديم؟.
في (وطن الطائر) يتركز الموضوع أكثر، ويظهر محور واحد فقط، تدور عليه الحبكة الدرامية، فيغدو نقد الاستبداد والتحكم في حنجرة الطائر/المبدع، أكثر بروزاً وسيطرة من محور الصخرة/ الحرية/ الوطن، بل ان هذين الجانبين يتداخلان معبرين عن حالة واحدة ذات وجهين. ان الثنائية الصراعية تبرز هنا ملغية الجوانب الهامشية، فتتجه البنية الفنية للتبلور.
وتغدو الدلالة أكثر وضوحاً وقوة واتصالاً بالجمهور – اطفال الصالة – حين يصير الموضوع موضوعاً واحداً، وتبدو ثنائية النحلة/ الاسد، مستولية حتى على العنوان، ويغدو التصوير متجهاً بقوة للتعبير عن (المستوى السياسي) للبنية الاجتماعية.
ان التصوير المغتني، يترافق مع تطور مواقف الشخصية (الايجابية – المحورية) في المسرحية. فإذا كان التصوير يتناول في (العفريت) المستوى المعرفي للواقع، مفصولاً عن الصراعات السياسية والفكرية، وإذا كانت الشخصية المحورية، في ذات المسرحية، الصبي (علاء الدين) الفقيرة، سلبية كذلك، مثل الشخصية الثانوية الغنية (صلاح) .
فان التصوير يتسع في (وطن الطائر) مستوعباً المستويين السياسي والفكري، ورغم سلبية المقاومة التي تبديها الشخصية المحورية (الطائر)، إلا أن هذه المقاومة تتسع عبر شخصيات إيجابية ثانوية كالراويين والحكيم. ليغدو التصوير سياسياً قوياً مباشراً في (النحلة والأسد)، ولتتركز القوة في الشخصية الإيجابية المحورية وهي النحلة، ولكن هذه الايجابية لا تتجه للبحث عن وطن اخر، والابتعاد عن المكان المحوري، بل لتغييره نفسه.
ولكن هذا التطور الواسع الذي رأيناه عند خلف أحمد خلف يصل إلى ذروته، وتظهر تناقضاته بوضوح.
لقد رأينا كيف أن مسرحية (النحلة والأسد) تمثل بنية درامية متبلورة وقوية، لكن في إطار التعميمات السياسية.
وكان يمكن للترميزات أن تغدو عميقة وواسعة الدلالة، عبر تنامي الحدث في جوانب جديدة وجريئة، لكن الحدث ظل مبسّطا. ففجأة قررت النحلة أن تقاوم الأسد وتقود الحيوانات في نضال حازم، سرعان ما تكلل بالنجاح، نظراً لغباء الأسد الشديد.
هذا التبسيط يقود إلى تسذيج الواقع الاجتماعي، وتوصيل هذا الواقع المسذج المبسط إلى الطفل. وكانت لدى المؤلف فرص عديدة لتعميق الحدث واغنائه بتفاصيل نفسية وحياتية، لكنه اتجه بسرعة إلى عرض الصراع وتسريعه وحسمه.
هنا تحولت الشخصيات إلى انماط، الى قوالب للفكرة ـ صوت المؤلف، فقد ظهرت النحلة قرية ذكية نبيلة، وظهر الأسد ضعيفا غبيا أحمق. وسرعان ما انتقلت الحيوانات من السلبية إلى الايجابية، ومن الخضوع الكلي للأسد إلى التحرر المطلق منه.
إن التنميط وسيطرة الفكرة العامة وإلغاء الخصوصية والتفرد، تبدو هنا واضحة. ولكن يمكن أن تكون هذه المشكلة، بداية لتطور خاص في مسرح الطفل البحريني.
ان خلف احمد خلف خريج الفلسفة، تسيطر عليه منذ البداية الأفكار العامة، لكنه يصارعها ويجسدها ويؤنسنها، عبر نقاط التحول التي رأيناها.
وهنا بلغت الفكرة العامة ذروة ما، اجتازت التفكك والتناقض المجرد، وتبلورت بوضوح، ولكنها وجدت نفسها عبر صراع عام، لم يغتن بسيرورات وعقد خاصة. فهل ستوامل هذا الطريق نفسه أم ستغتني بأشياء جديدة ؟.
إن إشكالية الأنماط والتعليمية والشخصية/ البوق، تطرح نفسها بقوة على أدب الطفل في البحرين. فقد كان إبراهيم بشمي يركز على توصيل الفكرة النقدية، بغض النظر عن المعلومات، وقراءة الألوان والحيوانات الحقيقية في الطبيعة، مهتماً بتجسيد الايدلوجي التعليمي، أكثر منه بتصوير العالم، وعرض النماذج، فكان خياله قريباً، ومشكلاته واضحة جدا وشخصياته انماطا لمشكلة أو فكرة، دون أن يكسر هذه القولبة، ويغني ويعمق هذه الشخصيات.
وفي حين حاول إبراهيم سند تضفير الحقيقي بالخيالي، وخلق تركيبة واقعية – فنتازيا، بسيطة وعميقة في آن، ذات دلالة تعليمية وجمالية تعبيرية خاصة’ فإنه لم يهتم كثيراً بتجسيد النموذج، هذه الشخصية الترميزية، التي يتضافر فيها العام والخاص، وتغدو حالة معروفة لدى الأطفال، مثل شخصيات ادب الاطفال الشهيرة.
لقد توقف عبدالقادر عقيل عن إنتاج قصة الطفل، وهو الذي كان يقوم بذلك التضفير نفسه بين الواقعي والفنتازيا، النقدي والخيالي، السياسي والسحري. وقد بدأ بشخصيته (ندى)، وبدت ندى نموذجاً صالحاً للتطور، ولكنها ظلت (قالبأ) يصب فيه المؤلف ارشاداته الاجتماعية المضيئة، عبر لغة شعرية جميلة. لقد توقفت ندى عن النمو.
لقد بدا كتاب البحرين ينطلقون من نسبة كبيرة من الخيال، لكنهم راحوا يتجهون نحو الواقعية – المباشرة، مقتربين من التوجيه التعليمي، عبر الاقنعة الحيوانية والنباتية المتعددة.
إن نسبة الخيال تتضاءل كلما ابتعدنا عن عبدالقادر عقيل وإبراهيم سند، وتبدو عملية رفض الخرافة وقصص الفنتازيا متنامية بقوة في النتاج الأخير من أدب الأطفال. وراحت بعض الميول التعليمية المبسطة تفرض نفسها على النتاج، وتقدم الفكرة الاجتماعية في (قالب) مبسط .
إن عدم ولوج أدب الأطفال إلى الحكايات الفنتازيا والخرافية وتطويعها، يعود ربما لهذه النظرة المتجهة إلى تسليط الأضواء على الحياة الواقعية المباشرة. وربما لعدم وجود القدرة الفنية على الممازجة بين الحكاية الخرافية والواقع المعاصر.
لكن لاشك أن الفنتازيا المغرقة، واستخدام الخرافة والقصص الشعبية إستخداما سيئا ومفزعا، هو محذور ينبغي تجنبه، لكن بعدم الوقوع في التبسيطية و التسطيح من جهة اخرى.
ــ✤ـــــــــــــــــ أدب الطفل في البحرين: مسرحية الأطفال عند علي الشرقاي
ـــ✤ـــــــــــــــــ قصة ومسرحية الأطفال عند خلف أحمد خلف
ـــ✤ـــــــــــــــــ وطن الطائر: نموذج معبر لأدب الطفل في البحرين
ـــ✤ـــــــــــــــــ علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
ــ✤ـــــــــــــــــ أدب الطفل في البحرين : قصة الأطفال عند إبراهيم بشمي
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
وطن الطائر: نموذج معبر لأدب الطفل في البحرين
كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

في مسرحية (وطن الطائر)، يطور خلف احمد خلف التقنية الدرامية التي بدأ بتجسيدها في مسرحية (العفريت).
والفكرة الاساسية للمسرحية مأخوذة من قصة للأطفال، غير منشورة، كتبها الشاعر قاسم حداد (انظر الكتاب ص91). والقصة تصور طائراً جميلاً ذا صوت خلاب سجنه ملك، فيرفض الطائر التغريد، ويغريه الملك بطبيعة ساحرة لكنها مسورة، فيواصل الطائر الصمت، حتى يكاد ينفق، فيطلقه الملك ليعرف أي مكان هذا الذي يفضله الطائر على القصر وحديقته، فيجده يغرد فوق صخرة جرداء في المياه.
هذه هي الفكرة المحورية التي اقتبسها خلف، ليبدو شكل تجسدها على الخشبة، هو الاضافة الدرامية للفكرة.
والفكرة، كقصة للأطفال، بسيطة وشاعرية، لكن كيف يمكن أن تتحول إلى دراما غنية بالحركة، والتلون وتباين الشخصيات وصراعاتها؟.
إن بعض الثيمات التي استخدمها خلف في (العفريت)، يواصل استخدامها وتطويرها هنا.. فشخصية الراوي، المتحدث في الحكاية، المعلق عليها. تظهر هنا أيضاً، ولكن بصورة (طفل) و(طفلة)، مرحين، ساخرين من السلطان وقفصه وابنته البلهاء. وإذا كانت بعض مقاطع حضور هذا الراوي المشترك، ضمير المؤلف والأطفال معاً. حيوية، نابضة، فإن بعضها الآخر، زائد وتعليمي ومرهل لجسد المسرحية. كحديثهما الفكري عن الحكيم والحرية ص 122-123.
ان وجود الطفلين، الراوي الواحد المتسق عقلاً، المختلف جنساً، ضمير العمل، يطلق الحركة الدرامية عبر تعليقات ساخرة على السلطان وابنته وحرسه، أو عبر التعليقات الجادة على الحكيم، أو لوصف حركات وأحداث لم تظهر على الخشبة..
إن وجود هذا الراوي هو أول تجسيد درامي للقصة، وهو أول جر للقصة من ميدانها السردي المكثف، الى جسد المسرح الحركي الصراعي التجسيدي، وتنبيضها لوناً، لكن وجود الراوي الثنائي من جهة اخرى، وفي بضع مواقع، يوقف الحركة الدرامية ويثقلها، فيكون أشبه بوجود كاتب القصة في المسرح، أشبه بحضور السرد في الدراما.
وعلى سبيل المثال، اقرأ الفقرة الطويلة في ص 148، حيث يتناوب الطفلان – وهذا التناوب جزء من محاولة الخروج من مأزق الراوي الشارح – مدح الحكيم وحيلته في تحرير الطائر من أسر السلطان وإطلاقه إلى وطنه، إن هذه الفقرة، ليست سوى تمن بالذهاب مع القافلة ومدح الحكيم: (يا له من رجل حكيم – سأكون ابن الحكيم – سأكون ابنة الحكيم – وسنرى هذا الوطن الجميل.. الخ).
أن الأجزاء الخيرة من الصراع، كالطائر والحكيم والصخرة، توصف عن قبل الراوي المشترك بكل صفات الطهر والطيبة، في حين توصف الأجزاء الشريرة من الصراع كالسلطان وفهمان ونبهان والابنة والحراس، بكل صفات الغباء والقبح.
ومن هنا يكن المدح المبالغ فيه للجانب الخير من قبل الراوي، والسخرية الزائدة على الجانب الشرير، تحجيماً لوعى الطفل وتعليمية مباشر، حاول المؤلف أن يتجنبها.
ونجد الروح الدرامية لا تتجسد فحسب عبر وضع الراوي الممتع، وتعليقاته الذكية، بل عبر التنويع والإمتاع والتلون في شخص السلطان وحرس وابنته. ففي القصة القصيرة عند قاسم، لم يكن يوجد سوى الملك بمفرده، في مواجهة الطائر، لكن هنا يتحول السلطان إلى ما يشبه المهرج الخفيف الظل، لكن الباطش السطوة، القاسي.
إن صفات السلطان المتعددة تظهر، تباعاً، من خلال خطاب الراوي، وهو يبدو بحركاته الكثيرة الخرقاء، وطريقة فهمه للأشياء عبر الشكل العجيب، حيوي الظهور، مرح الكلام، لكن في إطار قسوة مستمرة، وصلف، هو جزء من تكوينه.
ويحيط الكاتب السلطان بثلة من البلاهة، تتجسد في شخصيتي الحارسين الاخرقين (فهمان)، و(نبهان)، الذين يغدوان كإضافة مهرج ثنائي، إلى مهرج مركزي هو السلطان، ويغدو استغلال غباء الحارسين، بدءاً من إسميهما الى حركاتهما وتصادمهما المستمر، وذكائهما الذي يتحول الى غباء، إضافة جانب ممتع ومسل وساخر إلى جانب السلطان.
إن الهالة التي تحيط بالطبقة الراقية تتمزق هنا عبر أنماط ملموسة.
ولا يكتفي الكاتب، بهذا التمزيق، لكن يضيف نمطا ثالثا مغايرا، جوانبه السلطان، التي كانت تغدو في الحكاية القديمة، رمزا لكل ما هو نقي وسحري وسري، فتصير هنا ابنة بلهاء مضحكة طيبة، تركب فوق ظهر أبيها وتحوله الى حمار، تستغل وجود نبهان وفهمان الآدمي بديلا عن دميها.
ان فكرة تحطيم الأوهام القديمة الفكرية – الفنية تستولي على مسرح خلف، عبر رفضه لفكرة الساحر القادر على كل شيء في (العفريت) وتمزيق ما هو مدرسي بليد، تحنطه الكتب، لنجد هنا ابنة السلطان تنزل من عليائها الى الواقع، ويرى الصغار اجنحة الحكايات الخيالية القديمة وهي تحترق فوق الارض، وتتكشف هذه الأنسجة المعقدة للثقافة والمجتمع، عبر مفردات الفن (البسيطة) المقدمة للأطفال.
ان حركات ابنة السلطان المتعددة تضيف بهجة وحيوية أخرى على النص القصصي، الذي سُحب الآن، من سكونه السردي الصراعي المكثف، إلى اتساع الشخصيات المتضادة والتعارضات البهيجة – المؤلمة، وتنوعات المواقف والأشياء..
ان القصة القصيرة ببنيتها المضغوطة وشخصيتها شبه الوحيدتين، تتباين مع بنية المسرحية ذات الاتساع غير المطول، والمتبلور في عملية صراع، متنامية، متعددة الوجوه، وإذا كانت القصة تقدم (الشرير) في شخصية، فإنها تقدم (الخير) في شخصية مقابلة، وهو الطائر، لكن في المسرحية تتسع الشخصيات المتقابلة، فكما تعددت وجوه السلطان والحاشية، فقد اتسعت شخصية الطائر لتصير راويين وحكيما يقدم المشورة الذكية الخبيثة ليسجن من قبل السلطان. أن الطائر الذي لا يتكلم في القصة، يفصح عن ذاته، ويتجسد مضمونه عبر شخصيات متعددة في المسرحية.
ولا يكتفي الكاتب بإضفاء توترات درامية – هزلية على المسرحية، بل يستفيد من التقنية المسرحية الصرفة، عبر كتابة ارشاداته عن الديكور والحركة، الأمر الذي يغدو اخراجا اوليا يتواصل عبر نص المسرحية. انه يقسم المسرحية ست لوحات، هي مقاطع المشاهد المتتالية النامية عبر عرض المسرحية، ويكتفي باستخدام [الديكور الرمزي في اللوحات الخمس الأولى] ص 90، حيث أن أجواء المشاهد تتحد في عوالم القصر والحديقة، وهذه أمكنة مسرحة يمكن التحكم فيها، من قبله. لكن اللوحة السادسة [تحتاج إلى تجسيمات عديدة لتقريب وتصوير مغزى المسرحية حول ارتباط الحرية بالوطن.. يمكن الإكثار من المؤثرات البصرية والسمعية في تلك اللوحة].
ان اللوحة السادسة هي لوحة قصصية، وتمثل لحظة الانتقال الحركي الطويل للسلطان والحاشية الى صخرة الطائر البعيدة، وطيران هـذا الطائر اليها، أيضا، مما يجعل التجسيد المسرحي صعبا.
ان اهتمام المؤلف بـ(المغزى) وضرورة تجسيده بالمؤثرات تدل على الرغبة الدقيقة في تحديد نمو المسرحية بالكيفية التي يراها، فهو يخرج المسرحية قبل إخراجها.
وتتضح العملية الاخراجية من سيطرة الكاتب الدقيقة على حركة الشخصيات، وأشكالها وملابسها، وقطع الديكور والمؤثرات. وكمثال نقرأ ما يلي: [الطفل: (يدخل على أطراف أصابعه محاذرا اصدار صوت، يتلفت في حذر تجاه الرجل النائم] و[فهمان ونبهان: يسرعان في التحرك فيتصادمان ويقعان على الارض، يسرع السلطان باتجاههما فينهضان بسرعة ويخرجان صارخين] الخ..
وهناك امثلة كثيرة على التحديد الدقيق لحركة المسرحية، واغلب هذه الإرشادات الإخراجية تستهدف تحديد عملية المسرحية للنص الأدبي. وهذه الإرشادات تدفع باستمرار باتجاه تنبيض اللغة وتجسيدها، واثارة المفارقات الجسدية، الحركية، اللونية، الشخصية، وإبعاد المسرحية عن الطابع التأملي العقلي. والكاتب يفلح في استنطاق النص قبل اخراجه، عبر عشرات الإرشادات التي تبدو عفوية في الصياغة، ومن هنا كانت عروض مسرحياته هي أعمال تنفيذية تنساق وراء الإخراج الضمني فيها.
ويجب أن نتوقف هنا حول (المغزى).
ان الكاتب لا يوضح فقط طريقة نمو التسلسل الدرامي وتجسيداته، بل يصر على المغزى وتحديده، فيقول [.. لتقريب وتصوير مغزى المسرحية حول ارتباط الحرية بالوطن ].
ان جملة الارتباط هذه تبدو غير واضحة، فالحرية مفهوم سياسي واجتماعي خاص، والوطن كيان ملموس، وليس ثمة علاقة مشتركة محسوسة. فهل يزول الوطن عندما يكون مستعبدا؟ أو يظهر الوطن فقط في الحرية؟ وهل يفر الإنسان / الطائر من وطنه إذا كان مكبلا؟ أو أن المواطنة الحقيقية لا تأتي إلا في وطن حر؟
ان المسرحية تهدف الى القول، ببساطة فلسفية، ان الوطن يكمن حيث توجد الحرية. ولكن ألا يقلل هذا من الوطن، ومن الحرية معا؟
واذا جئنا إلى القصة القصيرة، أساس النمو الدرامي، فإن (مغزى) آخر يتبدى هناك، حيث الطائر هو المبدع، الذي لا يستطيع الإبداع – الغناء وهو ملك لأحد. ان الابداع تمازج والحرية ، ويذوبان في سيرورة واحدة.
وتغدو الصخرة الصغيرة في البحر، المجردة من القضبان، هي موقع التغريد والفعل الحر والوطن. ان سياقات القصة الداخلية أكثر عبر هذه الترابطات الوثيقة.
ولكن كان من الصعب ـ على ما يبدو ـ إبراز هذا -المغرى- في مسرحية تقدم للصغار، فكان لابد من التحوير، وتغيير طابع المسرحية، لتغدو الصخرة هي الوطن وهي الحرية، وأن الطائر لا يستطيع أن يحيا (لا ان يغرد فحسب) إلا في وطنه، الذي هو الحرية.
لقد اقتضت طبيعة النوع الأدبي الخاص. وهو مسرح الطفل، تغيير الموضوع، لكنه تحول الى موضوع تجريدي. فنشأ تناقض بين الموضوع وطبيعة النوع الفني، الأمر الذي أدى في الصياغة الى محاولة التغلب المستمر على الطابع التجريدي، بجعله ملموسا، حيا، قريبا، وهذا أغنى تطور بعض الأدوات الفنية، من جانب، وظهور بعض المباشرة، من جانب آخر. لكن (المغزى) ظل مع هذا مراوغا، كقول الطفلة متحدثة عن السلطان [لا يقتنع ابدا ان غناء الطائر هو الحرية.. وليس الحديقة السجن التي أقامها] ص 121، أو قول الطفل [ نعم.. نعم.. الحرية التي غنى لها هذا الطائر اجمل اغنية] ص 123. بعدئذ تصبح الصخرة وسط الماء هي الوطن، الحرية.
وتقيم المسرحية سلسلة من التضادات المطلقة، فهناك: الطائر، الحكيم، الراويان، الصخرة، الغناء، الوطن، الحرية، السعادة، الجمال، الذكاء.. الخ.. في جهة، ومن جهة أخرى هناك السلطان، القصر، السجن، الابنة، فهمان ونبهان، الحراس، الغباء، القبح .. الخ.
ولا يحدث الانتقال من جانب إلى اخر، في الشخصية، ويظل الخطان متضادين، وحين تنتقل الابنة المعتوهة إلى وطن الطائر والخط الآخر، فإنها تفعل ذلك بصورة غير مقنعة فنيا.
ان وجود هذه التضادات في العالم الفني، يجعل الشخصيات منمطة، فالحكيم رمز الحكمة والكفاح، والطائر رمز الحرية، وهكذا بقية شخصيات الخط الأول، يغدو السلطان رمز المحدودية والضحالة، الخ..
ان الية النمطية تتيح توصيل التوجيه والمباشرة، لكنها تجعل العالم الفني أكثر احتياجا للغنى والتعدد.
ـــ✤ـــــــــــــــــ أدب الطفل في البحرين
ــ✤ـــــــــــــــــ أدب الطفل في البحرين: مسرحية الأطفال عند علي الشرقا
ـــ✤ـــــــــــــــــ قصة ومسرحية الأطفال عند خلف أحمد خلف
ـــ✤ـــــــــــــــــ وطن الطائر: نموذج معبر لأدب الطفل في البحرين
ـــ✤ـــــــــــــــــ علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
ــــ✤ـــــــــــــــ أدب الطفل في البحرين : قصة الأطفال عند إبراهيم بشمي
لا يقرأون . . ويتعاظمون! : كتب ـ عبدالله خليفة
ملامح 5 لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
ملامح 4 لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
أدب الطفل في البحرين: مسرحية الأطفال عند علي الشرقاوي
كتب ــ عبـــــــدالله خلـــــــيفة

إذا كان علي الشرقاوي شاعراً ومبدعاً متميزاً . وإذا كان ناجحاً في تأليف أغنية الأطفال. ذات البساطة العميقة. والصور الجميلة المشبعة بظلال الحياة والعمل. والايقاعات السهلة، الراقصة، فإنه في تأليف مسرحية الاطفال يواجه صعوبات عديدة وإشكالات تمنعه من صياغة دراما ناجحة للأطفال.
في مسرحية «الأرانب الطيبة»، يشكل مسرحية من ثلاثة فصول طويلة، تقع في 72 صفحة من القطع المتوسط، الأمر الذي يجعل المسرحية تستغرق عدة ساعات.
وهذا التطويل في البنية الفنية، سببه اشكالات التركيب وتعثر بناء الحكاية.
فالمسرحية تكشف في الفصل الأول من صفحة 3 إلى 25 ، عن مجيء ثعلب الى الغابة والتقائه بأسرة الارانب، فيقرر أن يعيش في ذات المكان، اكلا الأرانب واحداً واحداً، وزاعماً أنه يريد بناء بيت للأرانب، في حين كان يستولى على أرضهم، وكذلك كثيمة فنية ورمزية للاستعمار.
وفي الفصل الثاني نجد أن البيت قد بُنى . وتحول إلى ما يشبه المؤسسة، ومديرها العام هو «الخروف». وهنا تتجه احداث المسرحية الى التيه، وتتراكم اللقطات الجزئية دون بناء فني.
ففي بداية الفصل الثاني نجد عراكاً بين القطة والكلب والخروف في عدة صفحات دون فائدة أو أهمية فنية. بينما يظهر أب الأرانب وامهم بعد عدة صفحات تالية، ونجد أن الصراع بين الثعلب والأرانب لم يعد هو مدار الصراع المسرحي. فقد صارت الفكرة الآن هي سيطرة الثعلب: على كل شيء في الغابة، ويظل مجيء الحيوانات الأخرى كالحروف، الذي أسيء اختياره تماماً كمدير عام! والكلب، والقط، هامشياً وغير مؤثر في الصراع.
وحين يظهر الأب والأم المسئولان عن اسرة الارانب، نجد أن صغيرين من الأسرة قد اختفيا، فيلجأ الأب والأم إلى الذئب – الوزير، عبر مقطع طويل، هو الآخر بين 34 – 40، لكن الثعلب يرشو الذنب – الوزير، فلا يفعل شيئاً لمساعدة الأرانب.
وتدخل الذئب، مثال على طريقة نمو الحبكة، فالذئب يظهر فجأة ويختفي بذات الصورة، دون أن تكون له لمسة درامية خاصة على البناء، ويصير حواره الطويل، على مدى خمس صفحات، اضافة الى ترهليه أخرى.
كذلك كان مجيء الأسد، عبر مقطع طويل، بعد ان استعان به الأب والأم، اضافة ترهليه اخرى. لقد رشاه الثعلب أيضاً وخرج دون ان يترك اثراً.
وفي نهاية المسرحية فإن الأرانب تكتشف ان الثعلب يأكل الصغار ويدفن عظامها كما يفعل بالدجاج والطيور.
أن الحبكة الأساسية جيدة، ولكن تم إدخال عدة محاور. ولقطات جزئية جانبية، وحوارات ثانوية، وشخصيات زائدة، مما أرهق البناء الأساسي، واضعف تشكيله.
فلو أخذنا الفصل الأول، على سبيل التشريح الموضعي، لوجدنا أن ثمة مقدمة يظهر فيها «المخرج» ليلقي خطبة طويلة عن أعماله، ثم يشرح فنه للأطفال قائلا:
[قال البعض عن مسرحياتي انها مخلوطة أي للكبار والصغار وأتصور ان السبب الاساسي في هذه النتيجة هو عدم مشاركتكم وطرح أرائكم بصورة حقيقية حول هذه المسرحية] !
اضافة الى تحول المقدمة الى ترهل أول، فإنها ضد فن المسرح وفن مسرح الطفل خصوصاً، عبر تحولها الى مناقشة فكرية فنية، ليست بمستوى الصغار، كما ان إقحام شخصية المخرج في بدء العرض وخلال المسرحية كلها، كان سلبياً.
وبعد هذه المقدمة، وافتتاح المسرحية عن الفصل الأول، نجد مجموعة من العصافير تتحدث طويلا عن إيقاظ الأرانب، وإذا كانت أغنيتها مناسبة وجميلة كافتتاح مشرق للنهار، فإن الحوار وحبكة الحدث لا أهمية له. فالأغنية وحدها كانت غنية بالتعبير.
وحين تصحو الأرانب، الشخصيات المحورية في العرض، يحدث حوار طويل كذلك حول النهوض الصباحي والرغبة في رؤية الأم وإفساد الحلم وحب الأكل والجزر، وهو حوار مطول بلا توظيف. ولا تبدأ الدراما الا عندما يأتي الثعلب مهدداً إياهم وراغباً في أكلهم !
ولا نجد للأرانب شخصيات محددة، ولا نجد للأب والأم خصائص متميزة، لكن الثعلب يتميز ببعض الخصائص الشخصية العامة الفنية، كحيوان مفتون بالأكل وتاجر طريف متنقل.
ان كل هذه الحوارات المطولة في الصفحات العديدة، كانت فوائدها الفنية قليلة، فقد رسمت لنا موقع الأحداث، ثم أوضحت الشخصيات الرئيسية، وهي الأرنب والثعلب، وكان يمكن تكثيف الحوارات الى اقصى حد ممكن.
ويمكن تلخيص صفات مسرحية الأرانب الطيبة بأنها: الترهل، ضياع المحور الحدثي الأساسي، عدم تنمية الحبكة بصورة فنية دقيقة، والتيه في سراديب جانبية، واخفاق الصراع المتطور النامي.
خذ هذا الحوار كمثال على عدم خلق اللغة الدرامية:
الأرنب الثاني: تصوروا. انني حتى هذه اللحظة لا اعرف ما هو عمل أبي الارنب.
الأرنب الثالث: ولا أمي ايضاً.
الأرنب الأول: لكنهما حدثونا (؟) عن عملهما عدة مرات.
الأرنب الثاني: نسيت.
الأرنب الرابع: ما أكثر ما تنسى.
الأرنب الثالث: هل تعرف انت؟
الأرنب الرابع: نعم. أمي تشتغل في المستشفى.
الأرنب الثاني: لكن ماذا تعمل؟.
الأرنب الرابع: لا اعرف. فقط اعرف انها في المستشفى.
الأرنب الاول: ابي يعمل سائق شاحنة.
الأرنب الثالث: لكن ما هو عمل أمي. هل هي طبيبة ؟ .
الأرنب الأول: لا.
الأرنب الثاني: ممرضة ؟
الأرنب الأول: لا..) الخ..
ورغم طول المقطع، فإنه بلا تأثير أو قيمة فنية، فعمل الأب أو الأم غير المعروف، لا يساهم بأي دور، أو لا يؤدي بالأرانب إلى اكتشاف شيء جديد، أو دخول ميدان عمل، أو المساهمة في حبكة الأحداث الخ..
وخلافاً للمسرحية السابقة، فإن مسرحية «بطوط» المكتوبة سنة 1983، والصادرة سنة 1990، عن وزارة التربية والتعليم، والمعدة عن قصة هانز أندرسن «فرخ البط القبيح»، والتي لم يذكر الكاتب شيئاً عن الأصل الأجنبي اقتباس أو اعداداً، توضح الفروق بين النصوص العالمية في أدب الطفل إنتاجنا المحلي، وبين مسرحية الشرقاوي السابقة «الأرانب الطيبة» المفككة، ضائعة الملامح، وهذه المسرحية الدقيقة، الكثيفة الرؤية، وبسيطة العرض واللغة.
تنمو الحكاية نمواً دقيقاً، وتظهر الشخصية المحورية بطوط، متميزة بضخامتها الجسمية وقبحها، وقوتها، ويسبب هذا التميز حسدا عند الإخوة الآخرين، فيدبرون المؤامرات لطرده وابعاده.
وإذ يعيش البط في سلام وعمل مثمر، فإن القطط تعيش على خطط العدوان وخرق المواثيق، ويصور الشرقاوي هنا الصراع بين المعتدين والمنتجين المسالمين. ويتشكل بطوط الشرقاوي عبر التميز الجسدي الهائل والانتصار في الألعاب والقوة. ويرفض الهروب بعيدا عن وطنه الذي نفاه، بل يقاتل القطط ويتشكل ويعود. ويتشكل بطوط.
ولكن اللوحات العديدة التي اضافها الشرقاوي الى قصة هانز أندرسن كانت باتجاه قوته الجسدية الخارقة، وتشكيل علاقة غرام سريعة وناجحة وضحلة مع البطة الكحيلة.
كذلك بدا انتصاره الفردي الساحق على القطط العدوانية سهلا وسريعا.
ان «فرخ البط القبيح» لهانز اندرسون يتجه اتجاها آخر فبدلا من التسطيح السياسي يحوله إلى نموذج يلتقي بشخصيات عديدة، كلها تضطهده، وتصغر من وجوده، وهو المتميز عميق المشاعر مرهف الحس .
ان فرخ اندرسن يتشكل عبر الغربة والألم والنفي. وهو شخصية نموذجية غنية، ذات تميز جسدي، ونفسي بالدرجة الأولى، فهو قبيح الشكل فقط، لا قوة سوبرمان كفرخ الشرقاوي، وقبحه الشكلي الخارجي يتنافر ويتضاد مع عاطفته المرهفة «الإنسانية»، وحبه للسفر والحرية والبحث والاغتناء الداخلي. كما انه نموذج للمضطهد المكافح الذي يأخذ مساراته الداخلية من نموذج البطل اليتيم الفقير المضطهد في الحكاية السحرية الشعبية.
في حين ركز الشرقاوي على الحركة الخارجية: الالعاب، الطرد من الغابة، العراك مع القطط، صناعة الشباك المصيدة، والانتصار على العدو، حبكة الحب/ الزواج.
وبالتالي فإنه اتجه الى الدلالات الظاهرة المباشرة للقصة الأصلية، ولم يعمقها عبر التركيز على نمو شخصية الفرخ القبيح وانتقالاته وضغوط النماذج الرديئة على شخصه.
لكنه حافظ على دقة الكلمة، وتنمية الحبكة بصورة دقيقة وسريعة، وارتبطت معظم الشخصيات بالمحور الحدثي المتنامي.
ـــ✤ـــــــــــــــــ أدب الطفل في البحرين
ــ✤ـــــــــــــــــ أدب الطفل في البحرين: مسرحية الأطفال عند علي الشرقاوي
ـــ✤ـــــــــــــــــ قصة ومسرحية الأطفال عند خلف أحمد خلف
ـــ✤ـــــــــــــــــ وطن الطائر: نموذج معبر لأدب الطفل في البحرين
ـــ✤ـــــــــــــــــ علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
ــــ✤ـــــــــــــــ أدب الطفل في البحرين : قصة الأطفال عند إبراهيم بشمي
الثورةُ السوريةُ.. بطولةُ شعبٍ: كتب ـ عبدالله خليفة
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
الموت في فينيسيا : توماس مان كتب : عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
أدب الطفل في البحرين : قصة الأطفال عند إبراهيم بشمي
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة

إبراهيم بشمي من أكثر الكتاب البحرينيين انتاجاً لقصة الأطفال، فلديه أكثر من ثمانية إصدارات لقصص الأطفال، وكلها ذات لغة سهلة، مرحة، هادفة، ومنها «العصفور الأعرج»، «سراطين البحر الجبانة»، «الزهرة الزرقاء»، «فرخ البط الخواف»، «جزيرة الطيور»، «النبع المسحور»، «اللؤلؤة السوداء»، «طائر الكيكو».
ويتجه القاص إبراهيم بشمي في كتاباته الموجهة للأطفال، إلى تشكيل حكاية ذات مغزى واضح، وعبر لغة مبسطة، ذات صور وظلال جميلة، وتتركز شخصياته على الحيوانات والطيور، مستهدفاً خلق عبرة.
واغلب قصصه في هذا المنحى التعليمي، وتتجه قصصه ذات الطول الأكبر، إلى توسيع نمط الحكاية وتعميقها، وخلق بنية أكثر تطوراً، تذوب في جزئياتها الإرشادات التربوية والاجتماعية الواضحة المباشرة.
في قصص مثل: سراطين البحر الجبانة، مهرجان الضفادع، فرخ البط الخواف، السلاحف الثرثارة، الاصدقاء، نجد الحكاية المصاغة بغرض التوجيه التعليمي، مستهدفة قضايا جزئية متعددة.
في «مهرجان الضفادع»، نشاهد لوحة صغيرة عن مجموعة من الضفادع، تنهض في عتمة الليل، حيث جميع الكائنات نائمة، وتقوم بالنقيق واللعب.
في البدء يظهر القمر المنير، متذمراً من الغيمة التي حجبته عن الظهور ومشاهدة العالم. وهذه اللقطة الافتتاحية وبطلها القمر سرعان ما تختفي، ليتم التركيز على الضفادع التي قفزت في بركة الماء وراحت تصيح وتغني.
و ليس ثمة حدث خاص بهذه الضفادع سرى اللعب «البريء»، ولكن هذا اللعب والزعيق في منتصف الليل، يزعج الكائنات الأخرى، فها هي السلحفاة تخرج رأسها وتزعق طالبة الهدوء. لكن الضفادع لا تلقي اهتماما لتذمر الآخرين وانزعاجهم، وتواصل اللعب ورش الماء والضحك والقفز. فيتسع الانزعاج من شغبها الليلي، وتتذمر العصافير قائلة: ان لديها أعمالا في الصباح تريد قضاءها، وهي ليست مستعدة للأصغاء الى هذا الضجيج المزعج، كما يصرخ الديك الذي يطالب هو الآخر بالهدوء، لأنه على موعد قبيل طلوع الشمس. ولا يستطيع أن يسكت الضفادع النقاقة سوى حذاء قديم يندفع من يد فلاح ينهض غاضباً من فراشه.
وتتضح بنية القصة التعليمية، من هذا الابتعاد الكلي عن شخوص الضفادع وذواتها وكون النقيق يعبر عن حالة «انسانية»، خاصة بها. ومن التركيز الشديد على الصراع بين الضفادع وبقية الكائنات، حيث تندفع الضفادع إلى اللهو بقوة. وفي كل مقطع، يظهر صوت، يؤكد على أهمية الليل للراحة والاستعداد للعمل. فالضفادع تظهر في مقطع، وتناقضها السلحفاة في مقطع تال، وتظهر بعدئذ العصافير وتصارع الضفادع. ومن ثم الديك، واخيراً الفلاح. وتتضح الغاية التوجيهية التعليمية من هذا التصاعد في المعترضين للضفادع، فكل منها يسعى لغاية هامة عملية في النهار، في حين لا تستهدف الضفادع في ضجيجها ليلاً سوى اللعب وليس الإنتاج.
واذا كانت السلحفاة لم تقل سوى «ألا تنامي؟ اخفضي صوتك المنكر رجاء»، فان العصافير أوضحت الغاية أكثر بقولها: «إن لدينا أعمالا كثيرة في الصباح»، كذلك فعل الديك عندما قال: «أريد النوم قليلاً، حتى أصحو قبل طلوع الشمس».
وتنعزل كافة الجوانب الأخرى من ذوات الضفادع وطبيعة عملها الليلي الخاص بها، والمرتبط بكينونة خاصة، وشخصيات الكائنات الأخرى ونفسياتها المتفردة، ليتركز السرد في تبيان طبيعة الليل وكونه خلق للنوم والاستعداد للعمل، في حين خلق النهار للعمل والإنتاج. وهذه وظيفة بشرية رتبها الناس في ظل ظروف انتاجية طبيعية خاصة، وتحولت هنا إلى توجيه، تجسد في كائنات، ليست لديها هذا الترتيب الخاص. لقد حدثت تناقضات بين المادة القصصية والمادة العلمية، لكن لصالح التوجيه التربوي. ولا تهم الكاتب المطابقة بين المادة القصصية والمادة العلمية، بقدر ما يهمه تسريب توجيهاته الوعظية داخل بنية القصة.
ولكن داخل البنية القصصية تحققت السياقات الناجحة، عبر هذه الفرشة المتعددة للطبيعة والكائنات المختلفة وتنامي الصراع، عبر لغة سردية مرنة، اوصلت الوعي إلى الأهداف المطلوبة.
ومثل هذه البنية تتكرر في قصص اخرى مثل «السلاحف الثرثارة»، حيث نجد الفقرة الأولى تحتوي على مضمون القصة كل: [كانت السلاحف في ذاك الزمان البعيد.. كبيرة الحجم.. مشهورة بالكسل والثرثرة.. والقيل والقال.. ورغم سخرية الحيوانات من ثرثرتها إلا أنها لم تترك هذه العادات السيئة].
في هذه الفقرة الافتتاحية نجد لتضاد واضحاً بين السلاحف وبقية الحيوانات، وهو على سياق التضاد التام بين الضفادع وبقية الكائنات في القصة السابقة. ونجد سبب الاختلاف بيناً واضحاً أيضاً، وهو يتركز في التباين بين السلاحف كحيوانات ثرثارة، وبقية الحيوانات غير الثرثارة.
وتغدو بنية القصة التالية تطبيقاً لهذه الافتتاحية، فسرعان ما يأتي نبأ عاجل بقرب جفاف الوادي، واستعداد الحيوانات المتعددة الكثيرة للرحيل. ماعدا السلاحف التي تسخر من هذه النبوءة. ويأتي عالم الحيوانات الأخرى، المقدم كأمثولة ونموذج، متكاملا من حيث الاستعداد و استكشاف المكان التالي، وتجهيز المؤونة. في حين أن عالم السلاحف، والمقدم كمثل سيء يجب ان لا يحُتذى، ويبدو معادياً لعالم التخطيط والمعرفة ولاهيا في يومه واكله المتواجد الحاضر.
ويبدأ السرد في التركيز على هذا الجانب، فينمو الصراع والاختلاف حول رؤية المستقبل، حين يجادل الهدهدُ السلاحف الصغيرة غير الواعية لما يدور – وهي نموذج للشباب في الأمة – فيقول الهدهد [ألم تعرفوا بعد ان الأمطار لن تسقط في هذا العام وسيعم الوادي الجفاف؟]. وحين لم يعرفوا وقد عاشوا على تربية الجهل من قبل السلاحف الكبيرة، ينتقل الهدهد إلى بؤرة القصة ومضمونها [يبدو أنه حقيقة ما يقال عن جماعة السلاحف بأنها كسولة وثرثارة.. ولا تتعب نفسها بالتفكير بالمستقبل والاستعداد له].
ان الثرثرة تتطابق هنا مع فقدان التخطيط وتضييع الغد، وتبدو السلاحف الكبيرة – العرب، نموذجاً للعادة السيئة هنا، كما كانت الضفادع نموذج العادة السيئة هناك. ولكن العادة السيئة في هذا النموذج أكثر غوراً وأشد خطورة ومرتبطة بكيان الأمة.
ويتضح أكثر طابع المحور الحدثي – القصصي، حين يحدث انشقاق في عالم السلاحف نفسه، بين السلاحف الكبيرة السن، والسلاحف الصغيرة. الأجيال القديمة والأجيال الشابة. ولكن من أين أتى هذا التباين؟ [قالت إحدى السلاحف الثرثارة معلقة على رحيل السلاحف الصغيرة : انها تكرر عبارات جديدة وأفكاراً (؟) غريبة نتيجة اختلاطهم (؟) بالغرباء من الطيور].
وهكذا تغدو السلاحف الصغيرة رمز الأجيال الشابة المتوثبة لتبديل الماضي، وهي نفسها مقدمة امثولة للأطفال ونماذج للاحتذاء. وسرعان ما تتضح الأمثولة. والنهاية الحتمية للتخلف، السلاحف الكبيرة تدخل بياتها الشتوي، فلم تعد تعي ما يدور، فتشققت الأرض من الجفاف، والأعشاب اصفرت ويبست، وجف النبع.. وماتت الاسماك.. وحين انتبهت لم تجد شيئا غير الحرارة.. والزوال.
هكذا تتجه القصة الأمثولة نحو المشكلات الأبعد، والأكثر عمقاً وجذرية. فلم تعد المشكلة صياحاً في الليل وازعاجاً، بل نماذج معتادة على تضييع الزمن وعدم التفكير في المستقبل. وتبدو هذه العادات السيئة نتاجاً لاختيارات وعادات سلوكية بالدرجة الاولى ومن الممكن تبديلها، عبر هذا التباين بين الجيل الهرم والجيل الفتي.
ولا تتناقض هنا المادة القصصية والمادة العلمية. بل تبدو متسقة ومنسجمة. وتتوغل قصص الامثولة أكثر في المشكلة الاجتماعية المعروضة. فهي لا تصبح فقط عادة سيئة، بل فقداناً للقدرة على الصراع ضد الاعداء، و استكانة في مواجهة الأخطار الاجتماعية لا الطبيعية فحسب.
فهذا ما يحدث لـ«السراطين الجبانة». فهذه السراطين كانت تعيش بسعادة ولهو في واديها الجميل في اعماق البحر. ولكن حين جاء الأخطبوط ذو الأذرع الكثيرة و«العيون» الجاحظة غدت مادة شهية له. ورغم قوة أجسادها وذراعها، إلا أنها كانت تستسلم بسهولة للعدو.
ويتضح محتوى القصة – الامثولة في الحوار بين الحلزون والسراطين «إلى أين ترحلين ايتها السراطين الحمراء؟. فتجيب: نبحث عن وطن. يرد الحلزون ملخصا الحكاية: لماذا لا تدافعون عن انفسكم ووطنكم».
لقد طرح الكاتب في البداية العادات الاجتماعية كجذور لتخلف كائناته، ولكن الخلفية السياسية الأبعد، راحت تطرح ذاتها على بُنى القصص، لتغدو معا بنية مجتمع الحيوانات المتخلف – التابع، شكل التجلي لواقع الامة. فتغدو السراطانات امتدادا للضفادع والسلاحف، أو مظاهر متعددة للأمة، الفاقدة للوعي الحضاري المعاصر وقدرة الدفاع عن ذاتها، حتى تعيش قرب الساحل حيث تكثر المجاري والأوساخ، فتبهت أشكالها وتتقزم أحجامها.
في قصة «اللؤلؤة السوداء» المطولة، والصالحة للفتيان، نرى حكاية الامثولة التعليمية، بشكل أكثر اتساعا وتطورا، وببنية متعددة السياقات.
في البدء نقرأ، ذات الافتتاحية القديمة «كان يا ما كان في قديم الزمان، أميرة جميلة تعيش في قصر والدها سلطان بغداد…»، وهو نفس الموتيف القديم، حيث ثمة خلل ما في قصر الخلافة، وفي مركز هذا القصر، حيث الأبنة المدللة مركز الكون القصصي. وفي ذات سياق الموتيف القديم، يسارع السلطان نحو ابنته المكتئبة، مستعداً لعمل أي للقضاء على حزنها.
لكن الكآبة لم تكن لفقد كائن حبيب، أو نتيجة لمرض مزمن. بل لفقدان عقد من اللؤلؤ الأسود الثمين. وهنا يفارق القاص بشمي طابع القصة القديمة المؤثر والعميق، مدخلاً فقدان العقد اللؤلؤي، غير المهم. نظراً لأن أي فتى يدرك مبلغ الثروة الخيالية لسلطان بغداد حيث الامبراطورية ومركزها.. فلا يغدو العقد اللؤلؤي. موقداً لنار الحدث الحكائي المعاصر المنتظر.
ويظهر الموتبف القصصي القديم الثاني، حين يعلن السلطان أن من يجلب العقد سوف يتزوج ابنته. وهنا وقعت بنية الحكاية في اشكالية. فقد كانت الحكاية القديمة منسجمة مع ذاتها، فدعوتها لمساعدة الأميرة والزواج منها، معاً، لا تظهر إلا للجلل الخطير من الأمور. كالمرض المزمن أو الكآبة المستعصية على الأطباء والحكماء. أما فقدان عقد ليس به تميمة ما، أو سر خطير، فليس سبباً معقولاً لان يعلن السلطان تزويج ابنته لمن يعثر عليه. فلا شك أن ابنته اغلى من العقد.
ومهما كان الجدل التبريري الذي جرى بين السلطان ووزيره، حول شكل الدعوة ومصداقيتها، فإن كل المبررات التي طرحها الوزير، غير معقولة. وقد ظهر هذا الارتباك في السياق القصصي نظراً لان الكاتب لم يستفد من البنية القصصية القديمة العميقة الكبيرة.
فالحكاية القديمة كانت تضع الإنسان في بؤرتها القصصية، وليس العثور على اللؤلؤ والذهب مهما كان ثميناً. فشفاء الأميرة وانقاذها هو ما كان يحرك ويلهب السرد والأحداث.
لكن القاص اراد ان يكسر طريقة الحبكة القديمة، وأن يطرح الخطاب الأيديولوجي المعاصر في موادها الممزقة، فيُظهر ان الاغنياء أنانيون وسيئون، وأن الفقراء وحدهم هم من يقومون بالأعمال الباهرة الشجاعة، وهذا هو نموذجهم الكلي القدرة، «عناد»، القادم من مدينة صغيرة في الخليج، الذي يتطوع، لا لكي يسلي الأميرة. بل لينقذ أصحابه الفقراء الغواصين. وحين يجلب اللؤلؤة السوداء يرفض الزواج من ابنة السلطان بل وحتى استلام المكافاة المالية!.
[هذه بطبيعة الحال من أعمال إبراهيم بشمي القديمة، في أواخر السبعينات] لكن رغم المآخذ التكوينية، على هذه القصة، إلا أن الكاتب يتناول هنا مادة تاريخية تراثية، برؤية مختلفة، وعبر شخصيات بشرية، متعددة، وفي مساحة جغرافية متلونة متباينة، بانيا حكاية متنامية مشوقة.
ـــ✤ـــــــــــــــــ أدب الطفل في البحرين
ــ✤ـــــــــــــــــ أدب الطفل في البحرين: مسرحية الأطفال عند علي الشرقا
ـــ✤ـــــــــــــــــ قصة ومسرحية الأطفال عند خلف أحمد خلف
ـــ✤ـــــــــــــــــ وطن الطائر: نموذج معبر لأدب الطفل في البحرين
ـــ✤ـــــــــــــــــ علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
«الهولة» بين الإنجازات وعذابات التجنيس: كتب ـ عبدالله خليفة
مثقفو الأكاذيب والتزوير : بقلم ـ عبدالله خليفة
الطليعيون والتحول إلى الطائفية: كتب ـ عبدالله خليفة
العلمانيون وتوحيد المسلمين: كتب ـ عبدالله خليفة
العلمانية كتجديد إسلامي: كتب ـ عبدالله خليفة
مسئولية المثقف: كتب ـ عبدالله خليفة
النقدُ الذاتي وليس المراوغة: كتب ـ عبدالله خليفة
التاريخ بين حوارين : كتب ـ عبدالله خليفة
لسانُ الشاعرِ المقطوع : كتب ـ عبدالله خليفة
الأبطال والفرح: كتب ~ عبدالله خليفة
رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة
مسلسلات رمضان : كتب ـ عبدالله خليفة
إعادة تقييم التجربة السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
أسباب تدهور وعينا : كتب ـ عبدالله خليفة
الأم والكتاكيت السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
الثورة والكهنوت: كتب ـ عبدالله خليفة
دولة «الحشاشين»: كتب ـ عبدالله خليفة
المتقدمون وغزو الفضاء: كتب ـ عبدالله خليفة
إصلاح أم ضياع : كتب ـ عبدالله خليفة
التقدميون يتغيرون: كتب ـ عبدالله خليفة
مناضلون بلا قواعد: كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
ابن رشد : كتب ــ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة

1
تمهيد
يعبر ابن رشد عن تطور خاص للفلسفة العربية الإسلامية ، فقد عرف المغرب والأندلس تطوراً اجتماعياً مختلفاً في أشكاله ومظاهره عن المشرق ، فالرعاة ، أو المستوى الرعوي كان من نصيب شمال أفريقيا بصورة خاصة ، في حين كانت الأندلس منتجة المدن التي تنمو فيها الحضارة التي لم تكن تخلو منها بعض المدن النادرة في شمال أفريقيا كالقيروان وفاس ومراكش ، إلا أن الرعاة فرضوا مستواهم الحضاري عبر الهجمات المستمرة للبربر ، وكان هذا المستوى مترافقاً وموازياً لصعود دور الرعاة الأتراك وغيرهم في المشرق ، ولهذا كانت النصوصية المسيطرة على الاجتهاد العقلي تتقدم بقوة في شمال أفريقيا والأندلس والمشرق معاً ، ( راجع الفقرة الخاصة بتطور البربر في الفصل الأول ) .
لقد أعطت الحياة الزراعية والتجارية للأندلس إمكانية خاصة لتطور مختلف ، فكانت أجهزة الدولة المركزية لا تجد ذات التاريخ الشمولي المتجذر كما كان الأمر في المشرق ، فقد عرفت المناطق المختلفة في الأندلس حكومات مستقلة وقوى إقطاع لا مركزية ، ومع التطور في المدن كانت الفئات الوسطى تنمو باتساع في مختلف هذه المدن ، مما كان يؤدي في المساحة المحدودة للأندلس إلى تفاعلات ثقافية خصبة وقوية وعبر الجدل المتأخر نسبياً مع الثقافة العربية المركزية .
إن هذه الظروف قد أدت إلى تطور أندلسي متقدم على شمال أفريقيا ، حيث القوى الرعوية الواسعة ، والمساحات الجغرافية الشاسعة ، التي لم تكن تقدم إمكانية لتطور مدني قوي . لكن التطورات السياسية والاجتماعية كانت تدفع القوى الرعوية القبائلية إلى السيطرة على المدن ومنع نموها الحر ، وبالتالي الإندياح على الأندلس وإعادته إلى المستوى الاجتماعي الرعوي بصورة مستمرة ، وبرز ذلك بصورة خاصة في أزمنة المرابطين ثم الموحدين .
لقد قامت القوى الرعوية باستعادة أساليب المشرق في الوصول إلى السلطة ، عبر استغلال المذاهب الدينية البدوية ، وتفصيلها على أجسام القبائل والقادة المتطلعة إلى الوثوب على السلطة .
لقد كان المذهبان الخارجي والمالكي نتاج الجزيرة العربية ، وعبّر المذهب المالكي عن المدن المهيمن عليها من قبل الرعاة ومستواهم الاجتماعي الثقافي ، والتي تنمو فيها فئات وسطى أقل تزمتاً وأكثر انفتاحاً .
فكانت المالكية تتطور في مدن الأندلس خاصةً ، وتزدهر العملية الثقافية بشكل مستمر وتطرد بقوة مع وجود حكام مستنيرين ، استثنائيين ، وتتدهور مع تفاقم الحروب والنزاعات الداخلية القوية المتنامية في الأندلس بسبب تركيبه الإقطاعي اللامركزي العريق ، وهو الأمر الذي يقود إلى حكومات كثيرة متنازعة ، تعيش على حساب تقليص الفئات الوسطى ، فكانت القبائل العسكرية تعيد المجتمع إلى الأمن وإلى المحافظة الاجتماعية الفكرية المتزايدة ، مع كل طبعة من طبعاتها .
إن المالكية كانت تكرس الجانبين ؛ الارتباط بالموروث الصحراوي ، فتعيد إنتاج القبائلية في المدن وتمنع برجزتها بشكل مستمر ، وهذا الجانب يكرس سلطةً نصوصية متشددة ، تقوم القبائل وقادتها كمحمد بن تومرت بأدلجته وتحويله إلى قالب سياسي ديني مطلق .
أما الجانب الآخر الاجتهادي القياسي فهو يتوسع مع الاستقرار ونمو الفئات الوسطى ، والذي يتحول أحياناً إلى ثورات شعبية كذلك كما حدث في الأندلس مراراً .
وهذا الجانب يبرز في الحركة الفقهية المستنيرة وحركة الثقافة والفنون .
إن الصراع [القومي] الذي يتمظهر هنا كذلك بين العرب والبربر ، يتشكل في بيئة بدوية غالبة ، فالعرب الذين جاءوا هم أنفسهم من جذور رعوية وهم قبائليون ، فلا يسمح المستوى الثقافي الاجتماعي إلى العودة للتقاليد الزراعية الأسطورية كما في المشرق ، وأن كان على شكل ومضات خاطفة ، لا تتجذر في الأرض .
إن [القومية] المسيطر عليها سياسياً في البداية وهي البربر ، ليس لدى مثقفيها إمكانية سوى استخدام النصوصية المذهبية ، الذي يحدث بتنويعات مختلفة تكرس طموحات القادة والقبائل .
ولهذا يغدو التطور المتاح لممثلي الفئات الوسطى المتحررة هو استخدام النصوصية باتجاه الانفتاح والحرية في ظل هذا المناخ الثقافي الجامد .
ومن هنا كانت الفلسفة محدودة في ظل هذا المناخ الثقافي والاجتماعي المحاصر في الأندلس كذلك بجغرافيا الجزيرة وصراعها مع المسيحيين التثليثيين ، وهكذا فإن الاستفادة من الثقافة الأسطورية والمسيحية التعددية وغيرها كما حدث في المشرق كان محاصراً من جهة غالبية السكان والعدو الشمالي المتربص .
ومن هنا نشأت الفلسفة في القصور الملكية وبين القضاة والموظفين التابعين لها حيث الوعي السني المتشدد غالباً والمنفتح في بعض الأزمنة . وكان أكبر مشروع فلسفي أندلسي بل وعربي قد قام في ظلال هذا المناخ على يد تعاون مشترك بين الخليفة أبي يعقوب يوسف عبدالمؤمن وابن رشد وابن طفيل.
وهكذا فإن مشروع ابن رشد الفلسفي تشكل بحضانة ملكية مستنيرة ، وعبر فقه مالكي اجتهادي ، وفي فضاء أرسطو أهم العقول الفلسفية في العصر القديم والوسيط .
لا شك أن تشكيل هذا المشروع لم يعتمد على هذه المواد الخام ، بل على جهود ابن رشد في توظيف كافة هذه العناصر ، عبر التركيز على أغنى ما فيها مضمونياً ، أي شد كافة الخيوط على منوال الحرية والعلم الموضوعي لإنتاج نسيج مختلف عن كافة هذه العناصر المبعثرة في الفضاء العربي الإسلامي .
إن كل عنصر ، كالمالكية والأرسطية والتحررية الاجتماعية الأندلسية ، له تاريخه الغني الخاص ، وعملية التركيب بين هذه العناصر التي تعود لأزمنة مختلفة وهياكل اجتماعية متعددة ولحظات صراع متفاوتة ، تعتمد على ذلك النول الذي غزل به ابن رشد هذه العناصر وشكل منها فلسفته المتميزة في العصر الوسيط والحديث ، والتي غدت قمة العقلانية الدينية في العصر الوسيط .
2
الوجود بلا فيض
انحاز ابن رشد لتصور كوني يخلو من الفيض ومن العقول والأجرام العشرة ، ويقسم ابن رشد قوى الوجود إلى ثلاث ، هما في الواقع قوتان:
[فأما الطرف الواحد ، فهو موجود وجُد من شيء ، اعني عن سبب فاعل ومن مادة ، والزمان متقدم عليه ، أعنى على وجوده . وهذه هي حال الأجسام التي يـُدرك تكونها بالحس ، مثل تكون الماء والهواء والأرض والحيوان والنبات وغير ذلك . وهذا الصنف من الموجودات اتفق الجميع من القدماء والأشعريين على تسميتها محدثة . ] ، ( 1 ) .
ونلاحظ إن حركة سيرورة المادة لا المادة نفسها هي موجودة عن سبب فاعل وبطبيعة الحال من مادة ، أي هي تجليات المادة الخام وتحولها إلى ظاهرات مادية ، ويتصور ابن رشد إن [ جميع ] الفلاسفة والأشعريين اتفقوا على كون هذه التمظهرات للمادة هي محدثة ومخلوقة .
إن مسألة العدم هنا تؤخذ بشكل لا ينفي الوجود :
[العدم : هنا بمعنى ((عدم الوجود)) إذ أن الفلاسفة المشائين يقولون : يستحيل صدور شيء من لا شيء . وكان أرسطو قد اعتبر المادة الأولى ( الهيولى ) قديمة وعليها تتعاقب الصور ، والمعتزلة أيضاً متأثرون بهذا الرأي الأرسطوطالي . فالمقصود هنا : مرور من اللاوجود إلى الوجود ، أي من القوة إلى الفعل ( ومن كائن بالقوة إلى كائن بالفعل ) ] ، ( 2 ) .
ويواصل ابن رشد :
[وأما الطرف المقابل لهذا ، فهو موجود لم يكن من شيء ، ولا عن شيء ، ولا تقدمه زمان . وهذا أيضاً اتفق الجميع من الفرقتين على تسميته ( قديماً ) وهذا الموجود مدرك بالبرهان ، وهو الله تبارك وتعالى . هو فاعل الكل وموجده والحافظ له سبحانه وتعالى قدره ] ، ( 3 ) .
إن صورة الله تتحول هنا في هذا النمط من الوعي الديني إلى كونها أزلية ومدركة بعقل ديني مسبق ، وهي موجودة من لا شيء ولا عن شيء ، وفي ذات الوقت هي صانعة للوجود لتلك المادة السيالة المتحولة .
أما القسم الثالث فهو :
[وأما الصنف من الموجود الذي بين الطرفين ، فهو موجود لم يكن من شيء ، ولا تقدمه زمان ، ولكنه موجود عن شيء ، أعني عن فاعل ، وهذا هو العالم بأسره ] ، ( 4 ) .
أي أن المادة الخام للوجود فهي موجودة من لا شيء ولم يتقدمها زمن ، فهي مطلقة أبدية ، ولكنها مُوجَّدة عن [ شيء ] ، عن فاعل . وهنا تبدو العبارة متناقضة ، فكلمة شيء ، وهي تشير إلى مادة ، وكلمة فاعل وهي تشير إلى إله متدخل .
إن كلمة شيء تشير إلى سيرورة الأشياء ونموها الذاتي ، في حين إن كلمة فاعل تشير إلى قيام الوعي الديني بإيجاد محرك أولي أو غير أولي حسب هذه العبارة ، لهذه الأشياء المتحركة المتشكلة وجودياً .
والفقرات الثلاث تشير ككل ، إلى أن الوجود به قوتان أساسيتان هما صورة الله حسب هذا الوعي الديني ، والعالم . أي أن الوعي الديني يقوم بإسقاط علائقه على الوجود المادي ، فتظهر صورة السلطة المتشكلة في المجتمع الإسلامي والديني المشرقي عموماً ، بصورة إله متحكم في سيرورة المادة .
لأن العالم والطبيعة والتاريخ لا تظهر لهذا الوعي بدون دينيته ، بدون رؤيته لخالق يمثل السلطة ، المهيمنة على حركة الأشياء . فهنا يظهر إله مهيمن هو مظهر لوجود سلطة مركزية تمثل سيرورة الأمة أو الأمم الإسلامية ، وكذلك حركة الطبيعة المستقلة الموضوعية .
وهنا يقوم ابن رشد من خلال هذا الوعي بإيجاد مخارج لعلاقة موضوعية معينة ، تحفظ للعالم مادته الخام غير المخلوقة للإله حسب الوعي المادي الفيزيقي ، وتحفظ لبنية المجتمع الدينية تصوره في كون الإله خالق كل شيء ، أي في كون السلطة السياسية الدينية مهيمنة على الوجود الاجتماعي للمجتمع المسلم ، على الفضاء الوجودي للمجتمع الديني .
وإعطاء صورة الله والعالم مكانتيهما المستقلتين في الكينونة الخام المحضة ، المتداخلتين في السيرورة الطبيعية والاجتماعية ، تتشكل في خطاب موجه إلى مجتمع مسلم سني أساساً ، أي أن الخطاب يتضمن حواراً مباشراً مع هذا المجتمع السني المحافظ ، ويتمظهر ذلك في ورود تعبير [ الأشعرية ] وفي المناقشة معها ، واعتبارها طرفاً مع [ الفلاسفة ] .
ونلاحظ هنا كيف أن الأشعرية غدت قوة فكرية كبيرة بخلاف المعتزلة ، حيث تماشت الأشعرية مع الاستبداد الرعوي السياسي والاجتماعي المتصاعد .
وبهذا فإن مسألة العقول العشرة والتعددية الإلهية التي ظهرت في المشرق في سياق الصراع والتداخل مع الوثنية والمسيحية ، لم تعد مهمة في خطاب موجه لعالم متوحد محافظ مذهبياً .
إن الوجود الإلهي الواحد المهيمن على الطبيعة والعالم ، كمظهر لسلطة سنية تصنع سلطة مركزية متشددة ، يقوم ابن رشد بتقدير وجودها ، المستقل الخاص المهيمن ، باعتبارها أساس التكون لبنية إسلامية موحدة ترفض الانقسام على المستوى الجغرافي السياسي ، وعلى مستوى التعددية المذهبية السياسية الحاكمة .
فهي تبلور الوجود [السياسي] بتوحيديتها الصارمة ، لكن ابن رشد يشكل من هذه الهيمنة مساراً تحررياً معيناً للعقل ، عبر جعل المادة ذات وجود مطلق مستقل ، أي أن بنية المجتمع المهيمن عليها سياسياً بشكل سلطة واحدة ، تغدو مستقلة عن التحكم المباشر لتلك الصورة الإلهية المتدخلة في كل شيء .
أي إن للطبيعة والمجتمع قوانين مستقلة ، باعتبار أن المادة الخام غير مخلوقة ، مثلما أن السكان رغم طاعتهم العامة للملك لكنهم أحرار ، كما يفترض ، في صياغة مجتمعهم ، أي أنهم مثلما هم عبيد لله هم كذلك أحرار في صياغة كونهم الاجتماعي . وفي المجتمع يعتمد ذلك على تطور المادة الخام الاجتماعية ؛ طبيعة تطور القوى الاجتماعية المعارضة للاستبداد .
ولهذا فإن ابن رشد يقوم بعزل الوعي الديني المتطرف ، الوعي الفقهي غير الاجتهادي ، التابع كلياً للسلطة ، والتي يصور تبعيتها لها من خلال وعيه الفقهي النصوصي غير الاجتهادي ، وبالتالي فإن الفقيه الأرسطي وهو ابن رشد ، وهو يقوم في الفقه بالبحث عن حرية ومسئولية الفرد المسلم وتحري سببيات ذلك قضائياً ، وتشكيل اجتهاد في فضاء الخضوع العام لسلطة النص المعقلن ، فإنه كذلك يعطي صورة الله الدينية الشائعة تفسيراً موضوعياً مثالياً ، عبر الخضوع لهيمنتها الكلية العامة المجردة ، لكنه يعطي الخاص : الطبيعة والمجتمع سيرورتيهما المتعينتين ، وإمكانيات نشوء العلوم المتعددة في فضاء السببية .
وبهذا فإن الفئات الوسطى تجد الحرية على الجهتين ، جهة حرية الحياة الشخصية ، وجهة حرية الصناعات والعلوم .
وإذا كانت هذه القضايا الكبرى المحورية هي التي تعتبر الفيصل المنهجي في خلق التيار العقلي الديني ، فإن الاستعانة بسلطة النص الديني الأول وهو القرآن ، تكون ضرورية لتجذير هذه الرؤية في سلطة التراث ، وأخذها الشرعية منه .
وإذا كان رأي ابن رشد ذاك ينطبق على الوجود فإنه ينطبق على ملحقاته كالزمان والمكان والحركة الخ ..
[ والكل منهم متفق على وجود هذه الصفات الثلاث للعالم . فان المتكلمين يسلمون أن الزمان غير متقدم عليه ، أو يلزمهم ذلك ، إذ الزمان عندهم شيء مقارن للحركات والأجسام . وهم أيضاً متفقون مع القدماء على أن الزمان المستقبل غير متناهٍ ، و كذلك الوجود المستقبل . ] ، ( 5 ) .
إن سيرورة الزمن اللانهائية مقطوعة لدى المتكلمين بسبب أن رؤيتهم للخلق الإلهي المشكل للوجود في لحظة زمنية محددة ، أي أن النصوصية الدينية تفرض سلطتها هنا على رؤيتها للوجود والزمن واعتبارهما متكونين في لحظة الخلق الإلهي الابتدائية ، ولكن لكون هذه النصوصية الدينية القديمة هي كذلك تعترف بوجود جسم ومادة قديمة ، فهذا حسب رأي ابن رشد يفترض وجود زمن لا متناهٍ .
ومن هنا يستشهد ابن رشد بآيات قرآنية تدلل حتى في رؤيتها للخلق الإلهي بوجود مادة أولية وبالتالي زمن أولي ، يقول :
[وهذا كله مع أن هذه الآراء في العالم ليست على ظاهر الشرع . فإن ظاهر الشرع إذا تــُصُـفح ظهر من الآيات الواردة في الأنباء عن إيجاد العالم أن صورته محدثة بالحقيقة ، وان نفس الوجود والزمان مستمر من الطرفين ، أعني غير منقطع . وذلك أن قوله تعالى : (( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء )) يقتضي بظاهره أن وجوداً قبل هذا الوجود وهو العرش والماء ، وزماناً قبل هذا الزمان ، أعني المقترن بصورة هذا الوجود الذي هو عدد حركة الفلك ] ، ( 6 ) .
يتكون هذا الوعي الاستدلالي من الجمع بين الأرسطية والمذهب المالكي ، ففلسفة أرسطو تأخذ العالم بلا تاريخ ، بلا سيرورة ، فهي فلسفة الوجود المادي المحض بلا جذور التناقضات الداخلية ، فالوجود معطى جاهز يستند على مقولات منطقية / أيديولوجية ؛ الهيولى / الصورة ، الوجود بالفعل ، الوجود بالقوة ، وهذه المقولات لا تأخذ السيرورة الطبيعية الشاملة ، مثلما لا تأخذ السيرورة الاجتماعية ، بحسب المواد المعرفية المتوفرة في العصر القديم .
والمذهب المالكي يأخذ الوجود الإسلامي كمعطى جاهز وناجز ، فابن رشد حين يأخذ الآية القرآنية ((فاعتبروا يا أولي الأبصار )) ، ( 7 ) ، لا يأخذها في سياقها التاريخي ، باعتبارها آية تتحدث عن الصراع مع اليهود ، فالاعتبار والأبصار هنا هو دعوة محددة للعرب بالسيطرة على جزيرتهم عبر الدولة الإسلامية . فهي تتحدث عن الإله الذي أخرج ( الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ) الخ.. ، وبالتالي فإنها تدعو إلى أبصار خاص ، إلى تفعيل إرادة سياسية مستقلة ، أي لها شروطها الاجتماعية والنضالية الخاصة.
ومن الممكن أن يعود ابن رشد إلى السياق الحدثي للآيات وللدعوة الإسلامية ككل ، ولكنه لا يضع البنية الإسلامية في سيرورتها التاريخية ، فهو يحيلها إلى مبادئ ونصوصية فوق التكون التاريخي والمعطى الاجتماعي .
وحين يحيلها إلى مبادئ مجردة يعتبرها عملاً عقلانياً ، فعندما يتحدث عن آيات قرآنية معينة يقرأ دعوتها للعقل وللأبصار بشكل عام ، وبالتالي فهو لا يأخذ تاريخيتها الخاصة ، فهي جزء لديه من عقل كوني مسبق ، وليست جزءً من صراع فكري معين بين الدعوة الدينية في مشروعها السياسي لتشكيل دولة نهضوية متجاوزة لتخلف العرب ، في ظروف بدوية قاسية ، بل هي تتشكل من مبادئ عقلية مجردة ، ففي رأيه أن الشرع :
[قد حث على معرفة الله تعالى (وسائر) موجوداته بالبرهان ، وكان من الأفضل – أو الأمر الضروري – لمن أراد أن يعلم الله تبارك وتعالى ، وسائر الموجودات بالبرهان ، أن يتقدم أولاً فيعلم أنواع البرهان وشروطها ، وبما يخالف القياس البرهاني القياس الجدلي ، والقياس الخطابي ، والقياس المغالطي . ] ، ( 8 ) .
إن الوعي اللاتاريخي للمذهب المالكي والمنطق الأرسطي ، يتحدد فقهياً مذهبياً لدى ابن رشد بغياب تضاريس الإسلام الاجتماعية وسيرورته التاريخية المنبثقة عنها ، فهو يغدو مبادئ فقهية مؤطرة بمنهجية معينة ، ويتحدد منطقياً في أدوات المعرفة الأرسطية ذات التراتبية الخاصة من البرهان نزولاً إلى الجدل والخطابة ، حسب مستوى القراءة في هذا الكتاب ، لأن ابن رشد في تعليقاته على كتاب ( الجمهورية ) لأفلاطون سوف يتجاوز هذا المستوى من القراءة .
ولهذا يغدو الوعي اللاتاريخي هنا في تحويل النظر الإسلامي الصحيح في المنطق الأرسطي الصحيح ، ويصير معيار الحقيقة هو هذا المنطق المجرد . ولهذا فإن المبادئ العقلية الصحيحة في نظره كان يمكن أن تنشأ من الإسلام الأول ، وليست هي مُعطى تاريخي يتشكلُ وينمو عبر تراكم الممارسة النظرية / الاجتماعية ، ومن هنا يغدو تشكلُ الإسلام والتشكلُ الخاطئ للفرق والمدارس الفلسفية نتاجَ سوء نظر كان يمكن التخلص منه منذ البداية :
[نشأت فرق الإسلام حتى كفر بعضهم بعضاً وبدع بعضهم بعضاً ، وبخاصة الفاسدة منها . فأولت المعتزلة آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ، وصرحوا بتأويلهم للجمهور ، وكذلك فعلت الأشعرية ، وان كانت أقل تأويلاً فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن وتباغض وحروب ، ومزقوا الشرع وفرقوا الناس كل التفريق . ] ، ( 9 ).
إن وجود المبادئ العقلية كمعطى مسبق ، جاهز ، في النص القرآني ، وفي فلسفة أرسطو معاً ، يظهرُ في وعي ابن رشد كميزان قادر على حل كافة الخلافات الفكرية ، التي تغدو ممكنة الحل عبر العودة إلى المقياس الذهبي البرهاني ، وذلك لا يتحقق في وعيه إلا عبر عدم إشراك العامة في منازعات القوى العقلية للأمة .
فهذه الاختلافات هي اختلافات منهجية محضة وثقافية عليا ، متى ما حُـلت عبر المنطق انتفت الخلافات في الأمة وانتفت المنازعات والحروب ، وهكذا يضع التاريخ الفكري كتاريخ فكري خالص ، والأمة كتكوين فقهي فكري مجرد ، أساسه الطبقة المهيمنة بجناحيها السياسي / الديني ، فإذا قامت هذه الطبقة بحل إشكالياتها بذلك المنطق وعبر عدم إدخال العامة في منازعاتها تم المحافظة على الوجود الإسلامي المتآلف المنسجم .
هكذا فإن الفقه المالكي والمنهج الأرسطي يندمجان في ضفيرة واحدة تقوم بتجريد البنية من أساسها الاجتماعي ، المتضاد ، ذي السيرورة التاريخية المعقدة ، وتغدو تكويناً عقلياً مسبقاً متجسداً في القرآن والمنطق الأرسطي ، فتتم منطقة القرآن حسب مقولات أرسطو ، أي أن المناطق المتعددة التكوين فيه ، تتماهى والبرهان ، ويحاول أبن رشد أن يجد حلولاً للمشكلات الفكرية والمستويات المعرفية المتعددة فيه عبر التأويل ، ليكون برهاناً عقلياً آخر .
ولأنه لا يأخذ الإسلام كثورة نهضوية تمت في شروط بدوية متخلفة ، وكعمليات سياسية واجتماعية مركبة ، فهو يقوم بتأويل جوانبها الإيمانية المرتبطة بالسياق الفكري المشرقي السياسي الاستبدادي . فالبعث لديه يتحول إلى بعث للعقل الفعال ، أي بعثاً للنفس الكلية ، وبدون صورة الجسد الأولى ، وبصورة جسدية جديدة لأن الصورة الأولى بليت وتم تجديدها !
أي أن سياق الإسلام الفكري وارتباطه بالوعي الديني السابق وجذوره في المنطقة وتضاريسها ، يـُـلغى لصالح البناء الفقهي اللاتاريخي والأداة المنطقية المجردة .
3
الدين والفلسفة
تتويجاً لهذا المحو للجذور الاجتماعية لكلا الظاهرتين : الفلسفة والدين ، عبر أداة منطقية واحدة تتداخل في كلا التكوينين ، يمكن أن يصبح الدين والفلسفة متآخيين ، فيصبح الدين برهانياً مثالياً ، وتغدو الفلسفة دينية عقلية .
ولهذا يقول تعبيره المعروف : [إن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة] .
تغدو الفلسفة والدين من أرومة عائلية واحدة ، ويقود التعبير الجنسي السلالي إلى تصور تماثلي ، بدلاً من أن يضع ابن رشد الشكلين من الوعي في نوعيهما المتميزين وتاريخيهما المختلفين ، لأنه حولهما إلى شكل منطقي واحد مجرد خارج السيرورة التاريخية والدلالة الاجتماعية .
فالدين الذي هو استخدام للصور التاريخية والواقعية والأسطورية والمعبر عن لحظة تطور طفولية للوعي في زمن القبلية غير المفككة سياسياً واجتماعياً ، لا يغدو لديه شكلاً للوعي يخفي التناقضات الاجتماعية ، فيؤسس دولةً يذوب الكل الاجتماعي المتناقض في كيانها ، ومع احتدام التضادات الاجتماعية يصبح هذا الشكل الموحد من الوعي بكل تمثلاته الغيبية واليومية والأسطورية ، مادةً للصراع بين المتصارعين الاجتماعيين ..
ولكون هذا الكل الاجتماعي يعبر من مرحلة الدولة / القبيلة ، أي من مرحلة الوعي الشفاهي الأسطوري، إلى مرحلة الدولة المدينة الإمبراطورية ، وإلى مرحلة الأشكال العليا من الوعي حيث تغدو الفلسفة تتويجاً لهذا التطور الاجتماعي الثقافي الواسع ، فإنه يحتاج إلى عملية تفكيك بين الدين والدولة ، وبين ذلك الشكل من الوعي الغيبي الأسطوري ، وأشكال التفكير العليا التي في ذروتها تقع الفلسفة ، حين تصل إلى رؤية مسار التناقضات الاجتماعية / الفكرية ، وتقوم بتفكيكها وحلها .
أي أنه على صعيد الممارسة الفكرية / السياسية ، فإن الوعي بحاجة إلى اختراق محتوى التطور ذي الشكل الديني ورؤية مضامينه الاجتماعية ، باعتباره ثورة اجتماعية تمت بأدوات فكر غيبي ، وتداخلت مع بــُنى اجتماعية قبلية بدوية .
أي رؤية الثورة الإسلامية التأسيسية وقوانينها ، كثورة للتجار المتوسطين المتحالفين مع العاملين في برنامج نهضوي تاريخي ، يعبر القرآن عن فكره ووقائعه وسجله وكفاحه وتشريعه .
ولكن هنا عبر اعتبار الحكمة أخت الشريعة ، فإن الطبقات الدلالية الغائرة تنتفي ، وتصبح الحكمة والشريعة ذهنيتين مجردتين ، مبعدتين عن جذورهما النضالية ، مُهيمناً على محتواهما في سيرورة سيطرة الطبقات الحاكمة عليهما كمنتوجين ثقافيين يخدمان أغراضهما في شكل اجتماعي ضيق .
فعملية إعادة النظر في الموروث الأسطوري وفصله عن المضمون الكفاحي ، والرؤية الاجتماعية التاريخية للفلسفة والدين ، كلها تنتفي عبر تحول الفلسفة الرشدية إلى منهج برهاني مجرد .
تصبح الفلسفة متدينة ارتدت عباءة الأساطير ، ويصبح الدين أداة سيطرة للطبقة الإقطاعية على المدينة التي لا تتحدث .
أي أن السلطات الغيبية من إله وملائكة وجنة ونار ، التي تعبر عن سلطة كلية أخلاقية ميتافيزيقية ، يعبر تنوعها عن مشاريع سياسية متعددة على الأرض المشرقية ، لا يستطيع المنهج البرهاني المنطقي المجرد من أدوات التحليل التاريخية والاجتماعية أن يتغلغل إلى أغلفتها الكثيفة .
فيحاول أن يعقلن بعض منتوجاتها ، نظراً لأن الفلسفة صارت دينية ، أي صارت جزءً من هذا الوعي الديني ، وصارت نتاجاً لتبعية فئات وسطى للإقطاع السياسي الحاكم ، وليس للإقطاع المذهبي الحاكم في المستوى الفكري والاجتماعي .
ولكن لكي تغدو الفلسفة البرهانية الدينية هي المنتوج الثقافي السائد فإنها لا تستطيع أن تقوم بذلك عبر أدواتها ، عبر تبعيتها للإقطاع السياسي ، فلا بد أن تفكك هذه التبعية ، ولا يحدث ذلك إلا في شروط تاريخية ومعرفية مختلفة ، أي أن تكون فلسفة لا دينية ، بمعنى أن تكون قادرة على التغلغل الاجتماعي والتاريخي في دلالات الثورة المحمدية ، وتغدو كفاحاً للفئات الوسطى في ظروف عصرها الجديدة .
وهي حتى في مستواها ذاك الفكري المجرد وغير الداخل في كشف المضامين المتوارية للنص الديني ، وبدون العلاقة مع الجمهور الفاعل ، أساس الحراك الاجتماعي ، لا بد أن تصطدم مع الإقطاع في مستواه الفقهي الديني ، وهو الحارس على إنتاج النص في ظل شروط التبعية المطلقة للإقطاع .
4
النفس والعقل
رغم أن ابن رشد هو الشارح الأكبر لأرسطو إلا أن ثمة تباينات مهمة بين الرجلين ، [ولم يكتف ابن رشد بشرح أرسطو ، بل كانت له جهوده في التوفيق بين فلسفة أرسطو وعقائد الإسلام مما جعله يختلف عن الأول في كثير من الأمور . ] ، ( 10 ) .
إن بداية التباين تكمن في قول أرسطو عن النفس :
[صورة لجسم طبيعي آلي] أو [استكمال أول لجسم طبيعي آلي] ، (11) .
إن أرسطو بهذا التعريف يقيم ترابطاً عضوياً بين الجسم والنفس ، رغم أن تعبير [صورة ] يتيح دلالة مفتوحة ، تعطي إمكانية لعلاقة خارجية بها ، حيث أن تعبير صورة أقرب للشكل ، التي تأتي إليها المؤثرات الفاعلة من الخارج ، وبهذا تغدو النفس كوة أو مدخلاً لتأثيرات اجتماعية و تأثيرات ميتافيزيقية عليا .
لكن ابن رشد يقدم تعريفاً مختلفاً ، حيث يتصور بأن [النفس جوهرٌ روحيٌ قائم بذاته لا ينقسم بانقسام الجسم ، أو أنها ذات روحية مستقلة تستخدم الجسم كآلةٍ لها ] ، ( 12 ) .
بهذا التعريف أنفصل ابن رشد عن تصور أرسطو المادي ، وتوجه إلى المثالية في مسألة النفس ، حيث غدت النفس جوهراً مستقلاً ، يغدو الجسم مجرد آلة لها ، وليس كياناً ملتحماً بها .
إن أرسطو وابن رشد يشتركان رغم ذلك في كون الصورة والذات الجوهرية مفتوحة للتأثير الخارجي المهيمن ، فحين أن الصورة هي شكل قابل للتطورات المتدفقة سواء من الحياة أو من العقل الفعال ، فإن الذات الجوهرية الروحية عند ابن رشد هي تفاعل دائم مع العقل الفعال الذي هو الروح الإنسانية الجماعية .
لقد وجد ابن رشد [نظرية أرسطو مخالفة من بعض الوجوه لعقائد الإسلام فأراد أن القيام بمحاولة للتوفيق بين المشائية والعقيدة اختلف بها عن أرسطو ، لكنه أدعى من جهة أخرى أن محاولته تلك تقدم شرحاً مقبولاً لأرسطو ] ، ( 13 ) .
إنه في الوقت الذي تعطي فكرة أرسطو ارتباطاً كبيراً بالواقع الخارجي المعاش للفرد ، فإن ابن رشد يربط النفس أكثر بالعالم الروحي الثقافي العام ، وبهذا فإن أرسطو رافضاً فكرة البعث الجسدي والنفسي يجعل النفس تتصل بقوى روحية مفارقة كذلك . وهذا الأمر الأخير هو الذي يشاركه فيه ابن رشد .
ولهذا فإن النفس أو العقل النظري منفصلين عن الجسد ، وبإمكانهما أن يبعثا في عالم آخر ، لكن الصورة ، أو الجسد ، لا يمكن أن تــُبعث لديه لأنها تكون قد بليت ، فتظهر صورةٌ أخرى مماثلة .
وبهذا فإن ابن رشد يقوم بأسلمة فكرة أرسطو عن النفس ، دون أن يتخلى عن كونها مرتبطة بالواقع الخارجي الروحي خاصة ، وبهذا فإن الوعي يكون قد ارتبط بقوى من خارج البنية الاجتماعية التي يتم إنتاجه فيها ، وسنعود لمتابعة نتائج ذلك في فقرات أخرى تالية .
وقسم ابن الرشد النفس إلى خمس قوى هي : النفس النباتية ، والحساسة ، والمتخيلة ، والناطقة ، والنزوعية ، وهي كلها تقوم بعمليات طبيعية وفكرية جزئية عبر ردود فعل متباينة مع الطبيعة والواقع .
ويأخذ ابن رشد بالتقسيم الثلاثي للعقل ، فهناك العقل الهيولاني ، والعقل بالملكة والعقل الفعال ، والهيولاني هو عقل بالقوة ذي استعداد للتلقي ، أما العقل بالملكة فهو العقل في حالة الفعل ، أما العقل الفعال فهو القوة التي تخرج الأفكار الذاتية الداخلية :
[ويصفه ابن رشد بأنه غير هيولاني وليس متصلاً بالبدن إلا بالعرض ، وأنه مفارق ، ويدعم رأيه في المفارقة بقول أرسطو ( إن وجد للنفس أو لجزءٍ منها فعل يخصها أمكن أن تفارق ، وأنه أشرف من العقل الهيولاني ، وأنه موجود بالفعل دائماً وأنه صورة .] ، ( 14 ) .
إن كل القوى النفسية والعقلية المادية وشبه المادية لا تلعب دور إنتاج الوعي لوحدها ، حيث تقوم بذلك عبر التعاون مع العقل الفعال ، فهو لدى ابن رشد قوة محرضة على نمو الأفكار الداخلية ، فهي تتشكل بين الوعي المتولد الداخلي والبناء الثقافي المسبق الذي يمثله العقل الفعال ، الذي يلعب دور المحرض ولكن الخالق كذلك .
من هنا لا تغدو البنية الاجتماعية إلا مستوى ثقافياً ، أما أبعادها الموضوعية الاقتصادية الاجتماعية ، فهي ذائبة في المستوى الثقافي المهيمن على الوجود العقلي المفارق .
لكن ثمة علاقات جدلية داخلية بين كافة عناصر النفس والعقل ، وبينها وبين الواقع الخارجي ، فهي تتفاعل و [ تنقدح ] منتقلةً من الجزئي إلى الكلي ، ( 15 ) .
وبهذا فإن ابن رشد عبر هذا التأسيس لفلسفته جامعاً بين كونٍ موضوعي مخلوق للإله الواحد ، يقوم كذلك بموضعة التاريخ الطبيعي ، أي بجعله موضوعياً ، ذا سببيات وقوانين ، فيتمكن من الجمع بين عملية سبر [الكون] معرفياً وتحرير الإرادة البشرية في مجال السيطرة على المادة الطبيعية.
أي أن المثالية الموضوعية الإسلامية تتمكن لأول مرة من حل إشكاليات الجمع بين فكرة الإله الواحد وموضوعية العلوم في مسار الطبيعة ، وليس في مسار المجتمع .
فالعقل :
[(وهو جزء النفس الناطقة) كما يقول فيلسوفنا ليس هو شيء أكثر من إدراكه الموجودات بأسبابها ، والعقل هو مجموعة النواميس والقوانين التي تسبر الكون ، حكمه بالسببية مستمدٌ من طبيعة الموجودات وبذلك تكون السببية التي في العقل هي سببية الموجودات ، فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل ] ، ( 16 ) .
إن ابن رشد هنا يجمع بين الخلق الإلهي والموضوعية الكونية فالأسباب [التي من خارج تجري على نظام محدود وترتيب منضود بحسب ما قدرها بارئها عليه فذلك هو النظام المحدود الذي في الأسباب الداخلة والخارجة وهو القضاء والقدر الذي كتبه الله تعالى على عباده وعلى الكون بأسره وهو اللوح المحفوظ ] ، ( 17 ) .
إذن ثمة ضرورات موضوعية هي في النهاية من الناموس الإلهي ، ومن هنا يفسر ابن رشد الآيات القرآنية المتعددة الرؤية للفعل الإلهي والفعل البشري ، فإذا كان الإله مهيمناً كلياً على الوجود ، فلا يعني ذلك أن الوجود خال من سببياته الداخلية وقوانينه المستقلة ، فهناك موضوعية كونية ولكن هناك كذلك حرية إنسانية تبحث عن هذه السببيات وتوظفها لصالحها .
إن فكرة هيغل في أن الحرية هي فهم الضرورة يكون ابن رشد قد سبقه إليها بقرون .
إن ابن رشد وهو يلغي وجهة نظر المعتزلة في كون الإله لا دخل له في حرية الفرد ، يرد كذلك على الأشاعرة الذين ألغوا هذه الحرية ، فيقول :
[وأما الأشاعرة فقد راموا أن يأتوا بقولٍ وسط بين القولين : فقالوا إن للإنسان كسباً ، وأن المكسب به والكسب مخلوقان لله تعالى وهذا لا معنى له ، فإنه إذا كان الاكتساب والمكسب مخلوقين لله سبحانه فالعبد مجبور على اكتسابه ] ، ( 18 ) .
إن الجمع إذن بين الموضوعية الكونية والموضوعية الاجتماعية وحرية الإنسان يقوم ابن رشد بتشكيلها ، نافياً وجهات النظر الفقهية / الفكرية المحدودة ، مشكلاً رؤية فلسفية ، تلغي الأشكال الجزئية المتضادة ، وترتفع بها في كل جدلي متجاوَّز .
لكن هذه الحرية المتحققة هي للإنسان في تكوينه الفردي المجرد ، أي أن ابن رشد يجعل نشوء الإسلام هو بشكل إلهي مباشر ، والقرآن تكوين إلهي مباشر ، ومسار الإسلام بذلك الشكل هو مسار إلهي مباشر ، فكيف تتشكل هنا الحرية ؟
إن عدم القدرة على اكتشاف سيرورة التطور الاجتماعي تعود إلى تشكل أدوات المعرفة .
5
الوجود والمعرفة
تنقسم العلوم النظرية التي هي أول تقسيمات العوم لديه ، وتعقبها العلوم العملية ثم المنطقية ، إلى علم كلي وعلم جزئي .
والعمل الكلي [مشترك لجميع الموجودات ويأخذ كليته من طبيعة موضوعه الذي هو الجوهر غير المتحرك الذي هو الموجود الأول ] ، أي أن هذا العلم هو[ النظر في الوجود بإطلاق دون الالتفات إلى أعراض ذلك الوجود لأنها من اختصاص العلوم الأخرى وهي العلوم الجزئية ] ، ( 19 ) .
وينقسم العلم الأول إلى قسمين ، والأول منهما يبحث المعاني العامة لجميع الموجودات مثل الهوية والوحدة والكثرة والقوة والفعل والعلة والمعلول ، في حين يبحث الثاني في الأصول والمبادئ ، أي يقوم بالنظر في العلوم الجزئية المختلفة .
[والقسم الثاني من العلم النظري هو العلم الجزئي ، وهذا العلم ليس من طبيعته النظر في الموجود بما هو موجود ، بل النظر في الأعراض التي تعرض لجزءٍ من أجزاء الموجود ، كأنه منفصل عن الموجود]، ( 20).
إن انقسام العلمين إلى مجرد كلي ، وملموس جزئي ، وعدم وجود التداخل بينهما ، يشير إلى التناقض الأولي الرئيسي بين السماء والأرض ، بين المحرك الذي لا يتحرك وبين المتحركات .
[ومن هنا اكتسى العلم الإلهي ، والذي هو أحد أجزاء الفلسفة الأولى في نظر ابن رشد ، المرتبة الأولى بالشرف على جميع العلوم الأخرى لأنه ينظر إلى الجنس الأشرف ، والأشرف في جميع العلوم هو الله ، وبهذا يعد موضوعه أشرف الموضوعات . وفضلاً عن العلم الإلهي فإن للعلم الكلي موضوعاته الأخرى التي يبحث عنها مثل الوحدة والكثرة ، والقوة والفعل ، والعلة والمعلول وغيرها . فلا غرابة إذاً ، أن جاءت العلوم الجزئية ( الرياضيات والطبيعة ) ، بعد العلم الكلي في الترتيب . ] ، ( 21 ) .
إن التناقض غير الجدلي بين العلم الكلي ، وبين العلوم الجزئية ، هو شكل تجلي للمنهج الميتافيزيقي ، بمعنى غير الديالكتيكي هنا ، الذي هو غير قادر على الجمع بين ظاهرات الوجود في كل موحد .
ويتواصل التناقض بينهما حين ينظر العلم الكلي إلى الموجود بالذات ، وتنظر العلوم الجزئية إليه بالعرض .
ولهذا يقول ابن رشد بأن العلم الكلي [ ينظر في مبادئ الجوهر وهي الأمور المفارقة ويعرف أي وجود وجودها ، ونسبتها إلى مبدئها الأول الذي هو الله ( تبارك وتعالى ) ويعرف الصفات والأفعال التي تخصه . وكذلك ينظر هذا العلم في موضوعات العلوم الجزئية ، ويزيل الأغاليط الواقعة فيها لمن سلف من القدماء ، والمتضمنة في علم المنطق وعلم الطبيعة والعلم الرياضي ] ، ( 22 ) .
يتشكل التضاد بين العلم الكلي والعلوم الجزئية ، بسبب كون الأول خارج مبادئ التغير والحركة والتناقض ، باعتباره وعياً ميتافيزيقياً وغيبياً ، مسقطاً على العلوم الجزئية ، وهو تناقض يعكس التناقض غير المحلول بين صورة الذات الإلهية وبين الطبيعة غير المخلوقة .
وتتشكل كافة مفردات المنهج من هذا التناقض غير المحلول ، فهنا ثنائيات متضادة بشكل مطلق غير قابلة للجمع والتضفير المشترك:
وجود بالقوة / وجود بالفعل ، الحركة / السكون ، الكل / الجزء ، الجوهر السرمدي غير الكائن وغير الفاسد / الجوهر الكائن والفاسد ، الوحدة / الكثرة ، النهائي / اللانهائي ، الوجود / العدم الخ ..
ولهذا فإن ابن رشد يقسم [الجوهر] إلى قسمين متضادين كلياً : [فالجوهر الكائن الفاسد مركب من مادة وصورة ، أما الجوهر السرمدي فهو على خلاف ذلك شيءٌ متبرئ من الهيولى ، فضلاً عن أن الجوهر الكائن الفاسد جوهر محسوس وليس مجرداً ومفارقاً ] ، ( 23 ) .
أي أن العلوم الطبيعية لا تتحرك إلا في منطقة المتحرك المتغير الفاسد ، في حين إن [العلم الإلهي] ينظر في المبادئ العامة على أنها مبادئ جوهر غير متحرك ولا ساكن ، [أي أنه لا يريد فرض مبادئ العلم الطبيعي إلا في منطقة محددة لا تخص الموجود المتحرك بما هو متحرك بل تخصه بعده مطلقاً ، مثل انقسام الموجود إلى ما هو جوهر وعرض ، أو إلى قديم وحديث ، أو إلى واجب وممكن ، أو إلى علة ومعلول ، أو إلى قوة وفعل ، وهي انقسامات عامة تعم الموجود الإلهي والطبيعي أي الموجود غير المتحرك والمتحرك ] ، ( 24 ) .
إن التضادات المطلقة غير المحلولة بين صورة الله التجريدية المفارقة والطبيعة تنعكس على العلوم فتنقسم إلى علم للغيبي وعلم للطبيعي ، لكون تلك الصور المفارقة هي نتاج الوعي وقد تواجدت في الطبيعة وغدت هي خالقتها ، وهو أمر يشكلُ البنى الاجتماعيةَ الإسلامية ، التي تعيدُ إنتاجَ تلك الصور الميتافيزيقية في حضنها الخ..
وهذا كله يعبر عن سيرورة تطور الأمم الإسلامية ، ولكن هذه الصور تنتمي في البحث إلى حقل آخر هو حقل العلوم التاريخية والاجتماعية ، ( 25 ) .
ومن هنا فإن هذه الصور وقد غدت كائناً تجريدياً يمثل السلطة الإسلامية الكلية ، من غير الممكن أن تــُبحث بالعلوم الطبيعية ، ولهذا فإن الفلسفة الدينية عبر ابن رشد هنا تعزل المنطقتين بحاجز معرفي لاهوتي .
فهناك المنطقة السرمدية الجوهرية غير الفاسدة والتي تنطبق عليها مبادئ المنطق الأرسطي ، وهنا المنطقة الجوهرية الفاسدة التي تنطبق عليها مبادئ المنطق الأرسطي ومبادئ العلوم الجزئية .
ومبادئ العلوم الجزئية لا تنطبق على الكائن الأزلي ومنطقته الغيبية السرمدية ، لكون تلك المنطقة خارج الطبيعة ، لكن تلك المبادئ العامة تتحكم كذلك في العلوم الجزئية ، بمعنى أنها تخضعها لمنطقها العام ، أي أنها لا تسمح لها بأن تتحول إلى علم منهجي مغاير إلا في المساحة الطبيعية والاجتماعية .
ومن هنا فإن العلوم الجزئية [لا تنظر في الهوية والجوهر المطلقين] حسب قول ابن رشد ، أي أن وعي ابن رشد يحصر العلوم الطبيعية والرياضية كي لا تتحول إلى منهج عام وأن تظل محكومة بمبادئ المنطق الأرسطي وقد تحولت إلى رؤية دينية عامة .
ومن هنا فإن أقسام العلوم الطبيعية لم يطرأ عليها تغيير من أيام أرسطو مروراً بالفارابي حتى لحظة ابن رشد الراهنة وهي تتناول الأقسام التالية :
1 – السماع الطبيعي ، وتتعلق بالموجودات الطبيعية ولواحقها كالزمان والمكان الخ.. 2 – السماء والعالم 3 – الكون والفساد 4 – الآثار العلوية وهي تدرس الأسطقسات والظواهر الطبيعية 5 – المعادن. 6 – النبات. 7 – الحيوان. 8 – النفس .
وهنا نرى أن العلوم الاجتماعية والتاريخية لم تحصل بعد على موقع هام .
6
التضادات المطلقة للطبيعة
تنقسم الطبيعة عند ابن رشد على الأجسام الطبيعية والأجسام الصناعية الساكنة ، والطبيعية التي تشمل الحيوان والبنات والجماد هي في حركة وسكون، ، وتشكل الحركة مبدأ هذه الطبيعة ، وهي تأتي من داخلها ، وهذه الذاتية الحركية هي سبب الفعل والتغير ، ولا ينطبق ذلك على النفس التي تعيش مع البدن في وحدة خاصة ، ويكون محركها من الخارج ، حيث تنتمي لبنية ثقافية مفارقة .
ولكن ابن رشد إلى أن [الصورة هي أحق بأن تقال على الطبيعة من المادة ، لأن المادة مشتركة بين الموجودات الطبيعية والصناعية ] ، ( 26 ) .
إن الصورة تغدو لديه هي بمثابة [الغاية الأساسية في الطبيعة والموجودات] ، وبالتالي فإن [الطبيعة تساوي الصورة ، أما الهيولى فهي جوهر صفته الاستعداد ، أي القوة مما جعل هذه الغائية إحدى الدعامات الرئيسة في الفلسفة الرشدية ] ، ( 27 ) .
ويعرف ابن الرشد الجسم بأنه الذي له طول وعرض وعمق ، [فالجسم تحديداً عند ابن رشد يكون المنقسم كلاً في الأبعاد الثلاثة ( الطول والعرض والعمق ) ] ، ( 28 ) .
ورغم أن الجسم غير مخلوق لديه كتعبير عن المادة ، إلا أنه لا يقبل الانقسام اللانهائي ، وتغدو المادة متشكلة دائماً لكن الصور هي التي تحدد تكوينها ، كما أنها متناهية ، حيث أن الكون متناهٍ .
ومن هنا يرفض ابن رشد الأفكار الذرية والمادية اليونانية ، لأن المكان هو المتناهي بتناهي الأجسام ، ويقول بأنه لا يوجد خلاء في العالم أو خارجه .
فماديته تقتصر على أن العالم غير مخلوق كمادة محض ، ولكن لأن الصور هي التي تلعب الأهمية القصوى في حركة المادة فإنها تتشكل عبر سببيات من داخلها عبر ثنائية وجود بالقوة يليه وجود بالفعل . كذلك فإن ما قرأناه في كتابه فصل المقال يعبر على إن الإرادة الإلهية واللوح المحفوظ يتدخلان على نحو غامض وغير محدد في هذه الطبيعة .
هنا تتشكل المادية الطبيعية بتناقضات المنهج الأرسطي حيث : العالم ضد الفراغ واللانهائية ، وحيث الجسم لا يقبل إلا الاتصال ، وليس ثمة إمكانية للانفصال داخله ، أي أن ابن رشد لا يجمع النقائض في وحدة تركيبية .
أي أن أساس الحركة في الجسم، أو في الطبيعة ، يأتي من الصور ، فتبدو العلة الصورية هي الأقوى من بقية العلل في تشكيل المادة ، وهو أمر يفتح الباب للتدخلات اللامادية .
ينقسم العلم إلى علم للطبيعة وعلم لما بعد الطبيعة، وفي هذا ذروة أخرى للثنائية المتضادة ، حيث يبدو هنا الخلاصة للتناقض ، فالعلم الطبيعي هو :
[الذي يعطي أسباب الجوهر المتحرك المادي والسبب المحرك ، وأما السبب الصوري والسبب الغائي فليس يقدر على ذلك . مع ملاحظة أن صاحب العلم الإلهي يبين ما هو السبب للجوهر المتحرك الذي هو بهذه الصفة ، ويقصد ابن رشد به السبب الصوري والسبب الغائي ، وذلك عن طريق معرفة أن المبدأ المحرك هو المبدأ للجوهر المحسوس على طريق الصورة والغاية . فمن هذه الجهة يطلب صاحب هذا العلم أسطقسات الجوهر المحسوس وهي التي توجد للموجود بما هو موجود ، وعليه يكون الموجود غير الهيولاني هو جوهر متقدم على الجوهر المحسوس ومبدأ له ، على أنه صورة وغاية . ] ، ( 29 ) .
هكذا تنقسم الطبيعة وما بعد الطبيعة إلى ثنائية تعكس الوعي الديني الرشدي وهو يشكل صورة الإله التي تلعب الدور الأولي الأساسي في دفع الصورة للحركة الوجودية ، ولعلها تدخل على أنحاء أخرى في تشكيل ودفع الصور فيما بعد ، مما يوجد للعالم الطبيعي سببيات من الخارج .
ومن هنا تغدو تسميات ابن رشد هنا لتبرير الوجود الإلهي لا تختلف كثيراً عن التبرير الذي يقدمه ابن سينا ، في تقسيمه الواجب إلى الواجب بذاته وواجب وممكن بغيره ، فتسميته للموجود هي ذاتها وإن كانت بألفاظ أخرى فالواجب الضروري والممكن الحقيقي ، هما كذلك تبرير للصورة الإلهية المفارقة المشكلة للوجود ومن خارجه .
فتسلسل العلل في تصور ابن رشد لا بد أن ينتهي إلى علة ضرورية ليس لها علة . وهنا يبدو قطع اللانهائية إلى نهائية تجسد طابع التفكير الديني الغيبي ، حيث تبدو المادة الخام الأولى مشكلةً بفعل تدخل إلهي ضروري ، وهو أمر رأينا سابقاً كيف تجسد عبر قراءته لبعض آيات قرآنية ، ومن ثم كيف قام ابن رشد بالتضفير بين العلة الصورية وبين القضاء والقدر ، وهي أمور تشير إلى ربط السببية الطبيعية بالصور الإلهية .
إن ابن رشد يقوم هنا بقطع الجوانب المادية للفلسفة اليونانية كتلك الآراء القائلة بوجود المحركات المادية داخل المادة عبر تفسيرها بالذرات وحركتها ، وهي التي تتيح هنا تفسير الطبيعة كما هي ، بدون إضافات غيبية ، وهي الآراء التي تطابقت مع تطور العلوم الحديثة حيث اللانهائية والسببيات الداخلية وحركة المادة المطلقة الخ..
تغدو مثالية ابن رشد متطابقة مع مثالية أرسطو ، التي تشير إلى البحث الموضوعي عن سببيات الطبيعة والمجتمع والفكر مع ترك هامش للوجود الإلهي الغيبي ، وهو أمر مهم كذلك ، لأن المجتمعات الدينية المشرقية / الأوربية تشكلت عبر فكرة الإله المهيمن المعبرة عن سيرورة الدولة المطلقة ، وهذه العملية التركيبية بين الصورة الإلهية والموضوعية الطبيعية هي أقصى ما وصل إليه الفكر ، وأبعد تجليات المثالية الموضوعية ، في منطقة المشرق وأوربا قبل عصر النهضة.
7
في قراءة المجتمع
لم يؤلف ابن رشد كتاباً مباشراً في تحليل المجتمعات في عصره ، لكنه قام بترجمة كتاب الجمهورية لأفلاطون تحت اسم [ تلخيص السياسة لأفلاطون ] ، وبهذا قام بفعل آخر مماثل للفارابي الذي كتب عن المدن الفاضلة ، محاكياً أفلاطون في صناعة مدن خيالية مثالية للبشرية .
إن هذه الصناعة للمدن المثالية تعبر عن المشروعات السياسية لهؤلاء الفلاسفة ، أي أنها تحوي في تصوراتها عن ما يجب أن يكون سياسياً واجتماعياً ، وبالتالي ما يجب أن يــُهدم ويغير من المجتمعات السائدة في عصورهم .
إن الفلاسفة وهم يصيغون هذه المشروعات الفكرية الخيالية ، كانوا على تماس دقيق مع الواقع الذي يعيشونه ويرفضونه ، ومن مواقعهم كأفراد من فئات وسطى ، ليست هي من نسيج الطبقة المسيطرة ، سواء كانت هي ملاك العبيد في أثينا ، أم كانت من الإقطاع السياسي / الديني في عصر ابن رشد ، وبالتالي كان هؤلاء الفلاسفة الأفراد يصيغون مشروعاتهم التحويلية لتشكيل نظام يتماشى مع تصوراتهم النظرية ، وليس مع سيرورة التاريخ الحقيقي بالضرورة ، لكنهم يتصورون أن تصوراتهم تلك هي ما سيحدث أو ما يجب أن يحدث .
ومعنى هذا أن تصوراتهم التحويلية سوف تكون جزءً من رؤيتهم العامة ، فإذا كان أفلاطون ينطلق من الموروث الإغريقي الاجتماعي والأسطوري ، أي من هذه البنية التي وجد نفسه فيها ، وراح بالتالي يفكر بمفرداتها ، فلن يكون ابن رشد بعيداً عن بنيته الاجتماعية الثقافية .
ولكن قيام فيلسوف تالٍ بتناول مادة فيلسوف سابق، وكلاهما عاش في ظروف مختلفة ، يعبر عن وجود مادة فكرية رؤيوية مشتركة ، أو أن هناك عناصر مشتركة بينهما يجري تداولها عبر العصور المختلفة ، كما حدث لقيام ابن رشد باستغلال الرؤية العامة لأرسطو في فلسفته .
إن ابتعاد ابن رشد عن أطروحات أفلاطون الفلسفية وتعددية مثله المفارقة هو أمر يشير إلى رفضه للتعدديات الإلهية وكونها مضادة للمجتمعات الإسلامية التي تكمن عملية نهضتها وتطورها في الوحدة ، أي وحدة أجزائها المفتتة .
ومن هنا يكون رفضه لفلسفة أفلاطون المستقاة من حالة مجتمع إغريقي مفتت ، متماثلاً لتماهيه مع فلسفة أرسطو ، ذات الصياغة التوحيدية للعالم والموضوعية المثالية ، ولكن لا يعني ذلك أيضاً عدم تعاطف ابن رشد مع فلسفة أفلاطون الاجتماعية ، ولكن بشرط أن تتخلص من عباءتها الوثنية الأسطورية وتلبس الثوب الإسلامي التوحيدي .
وفي هذه الشروط الفكرية العامة عكف ابن رشد على تلخيص كتاب الجمهورية لأفلاطون ، والاستفادة منه في تقديم نموذج المدينة الفاضلة عبر رؤية أفلاطونية – رشدية مشتركة ، فابن رشد لم يلخص تلخيصاً بل كان يلخص ويعلق ، فالمادة الأفلاطونية المترجمة خضعت لتعليقات وتداخلات من ابن رشد ، مما جعل التلخيص هو رؤية مشتركة .
وهنا في هذا الكتاب توجد العديد من الفقرات التي هي من ابن رشد نفسه ، وخاصة في المواقع التي يقوم فيها بتوضيح وجهة نظره وفي المواقع التي يقوم فيها بتغيير رأي أفلاطون وتغيير مصطلحاته وتصوراته.
وهي ذات الطريقة التي تعامل فيها ابن رشد مع تراث أرسطو ، ولا نستبعد أن تكون كلمة الخليفة الأندلسي حين كلفه بالترجمة وطلب منه توضيح عبارات أرسطو الغامضة ، أن تكون إشارة لأسلمة التراث الأرسطي – الأفلاطوني العقلي داخل المنظومة العربية الإسلامية ، ( 30 ) .
وتعتمد كما قلنا عناصر التداخل بين المتخيلات الاجتماعية بين أفلاطون وابن رشد ، على مواقف المثقفين المنحدرين من الفئات الوسطى ، المتوجهين لخلق مدينة حديثة تخلو من كل مشكلات عصريهما الكبرى .
وابن رشد نفسه يشير في ثنايا الكتاب إلى ضرورة مراعاة الفروق بين العصور ، ويدرك كون مشروع أفلاطون كان على مقاس المجتمع الإغريقي ومثله ، لكنه يسايره في الهيكل العام لمشروعه ، الذي يعتمد على تشكيل نموذج مدينة ذات أساس إنتاجي وثقافي معين ، فابن رشد كثيراً ما يلجأ إلى تفسير تطورات التاريخ العربي الإسلامي من خلال مفردات أفلاطون ، وأحياناً لا توجد للمفردات اليونانية تجسيدات عربية كمسمى المدينة الديمقراطية عند أفلاطون فيسميها ابن رشد المدينة الجماعية ، وكذلك التقييم السلبي لأفلاطون عن المدينة الرأسمالية التي لم يكن ما يماثلها في التاريخ العربي فيدخلها ابن رشد في كيان مدينة أخرى !
وابن رشد يساير أفلاطون في هذا الأساس العام حيث المدينة المشكلة على أساس برنامج اجتماعي ثقافي خاص .
والمدينة المتصورة هي مدينة لا تاريخية ، بمعنى أنها لم تنبثق من سيرورة التاريخ ، ومن هنا فلا أفلاطون ولا ابن رشد يناقشان قضايا الإنتاج ، أو أساليبه ، أو سيرورة البنى الاجتماعية السابقة والراهنة ، ومن هنا تتشكل عملية فهم المدينة من بضع كلمات من الاقتصاد ، حيث يتم فهم ضرورة التعاون الإنتاجي ، وكون المدينة هي مكان تبادل :
[وإنه لمن المستحيل على الإنسان بمفرده أن يوفر كل متطلبات عيشه .. ] ، ( 31 ) ، لكن تعود عمليات الإنتاج ليس إلى أسلوب موضوعي مستقل ، بل إلى قواه النفسية ، ك [القوة الشهوية فيه ] .
إن الإنسان يحوي قوى نفسية عديدة متضادة ، كالقوة الشهوية والغضبية والتأملية الفكرية ، وبما أن القوة الفكرية هي أسمى وأهم هذه القوى فيجب أن تسود ، فهي تسود في كيان الإنسان الفرد ، فيجب أن تسود في كيان المجتمع كأمر بديهي .
إن الترابية النفسية العقلية الإنسانية تتحول إلى تراتبية سياسية نموذجية .
إن الفلاسفة هنا وهم يرفعون قوة إدراكهم فوق قوى الطبقات الأخرى ، كالحكام والجنود والعاملين ، فإنهم يضعون أنفسهم على رأس السلطة الحاكمة في مدن الخيال النموذجية المقترحة .
وبما أن القوى النفسية الفكرية المتعددة تتوزع على هذه الطبقات الاجتماعية بشكل متفاوت ، لكنها عند الفلاسفة تقترب من التكامل ، وهي تقترب من العقل الفعال والمطلق :
[.. أن العلوم النظرية هي الأشياء التامة المتحررة من المادة ] ، [ولذا نظن أن هذا الكمال له غاية قصوى بسبب قربه من الكمال الأقصى ] ، ( 32 ) .
ومن هنا فإن أفلاطون – ابن رشد يريان ضرورة تجميد الطبقات العاملة في مواقعها الإنتاجية التخصصية ، دون مفارقة وتبدل ، لكون هذا التخصص سيطور إنتاجها .
لكن هذه الطبقات العاملة ستعمل في إنتاج غير خاص ، أي في ملكيات إنتاجية تابعة لحكومة المدينة ، وأي تغيير في وضعها سيعرضها لعقوبات صارمة .
ومن هنا تغدو الملكية الخاصة محرمة ، من خلال قانون المدينة ، ليس فقط في الملكيات الإنتاجية العامة بل في التملك الشخصي ، والذي سوف ينتقل إلى الزواج ، حيث لا زوجة خاصة ، وبطبيعة الحال هنا يفترق ابن رشد مع أفلاطون .
ولم يعد في هذه المدينة النموذجية الحكام المعتادون ، بل أن أفلاطون – ابن رشد يركزان على ما ترجم إلى لفظة [الحراس] ، فهذه القوة الاجتماعية الغامضة ، التي تحرس المدينة وتحكمها ، هي مركز تصورات الكتاب المعرب .
إن أفلاطون – ابن رشد يقترحان سلسلة من التصورات التربوية الطويلة لتشكيل هذه القوة المدافعة الحاكمة الحكيمة ، عبر تثقيفها بالموسيقى والرياضة والعلوم المختلفة والتي لا تعرف الفروق الجنسية أو المذهبية .
وإذ تقوم الفكرة الأساسية على هذه المقولة فإنها تترابط مع الفلسفة المثالية الموضوعية في تقسيم القدرات البشرية ، فتكوين المدينة الإنتاجي السياسي خاضع لذلك التصور المثالي ، بكون القدرات العقلية المتميزة هي في وضع قيادي بشري .
وكل فقرات الكتاب تنصب لتجسيد هذا المبدأ والتدليل عليه .
[والإنسان إنما يبغي من خلال العلوم النظرية أن يقدم المشورة للآخرين . ولا يوجد هناك فرق بينها وبين الصناعات العملية سوى أن هذه الأخيرة هي بمثابة خادمة لها لكي تدرك الأولى غايتها القصوى ، ولذلك فهي تنقاد لها ] ، ( 33 ) .
وكذلك :
[لقد تبين إذن أن حكم الموجود المعقول على الأفعال الإرادية إنما يقوم بتدبير المعقول للمحسوس وفي إعطاء الموجودات بالإرادة المبادئ التي تعتمد عليها في وجودها ] ، ( 34 ) .
إن التراتبية الشهوية الانفعالية العقلية التي تتمظهر في الوجود البشري الفردي المتباين بين النماذج ، تتحول إلى نمط للحكم وصياغة المصير الاجتماعي التاريخي . حيث أن هذه التراتبية تعكس قوى انفعالية فكرية متباينة، فكلما قلت القوى الشهوية والانفعالية وزادت القوى العقلية النظرية كلما كان هذا نموذجياً ، ويؤدي بالإنسان إلى الرقي ، وتتوجه المعادلة إلى أقصى غاياتها بتفضيل نموذج العقل المتأمل الزاهد ، وليس بخلق تركيبة من رغبات الجسد وتطورات العقل ، بين التفاعل مع الجمهور وتطوير الفلسفة ، فتلك الثنائية المتضادة الكلية تتمظهر هنا كذلك .
علينا هنا أن نرى في ذلك تقييماً مهماً غائراً للفئات الوسطى ، وهي الفئات التي يتركز فيها الإنتاج العقلي ، غير أن الفيلسوفين يهملان جذورها ، أي أن فئات التجار والموظفين والحرفيين الميسورين هي التي يظهر من بين أبنائها صناع الثقافة ، فيعملان على تدمير تلك الجذور !
لكن التضاد الكلي المطلق بين العقل والجسد ، بين الفلاسفة والمنتجين ، بين الفكر والمادة ، بين الثقافة والإنتاج ، لا يعثر على حله ، فالفلاسفة لا يقيمون علاقات مع المنتجين والناس ، الذين هم خارج الفكر ، والناس لا يقيمون علاقات مع الفلاسفة الذين هم خارج العمل والإنتاج .
فكيف تتشكل المدينة التي ينفي رأسها يديها؟ وكيف يستطيع الحكام الفلاسفة تطوير الإنتاج وهم على رأس الحكم ؟
إن إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وللحياة الشخصية وللتناسل ، يترتب عليه إلغاء بيع السلع والنقود ، وفئات التجار والمالكين الحرفيين ، وبالتالي يغدو ذلك حلاً نظرياً لإشكاليات الدخول في تحليل الحياة المادية والعلاقة بالمنتجين . ويغدو مصادرة جاهزة من قبل العقل النظري التأملي ، المنقطع عن العلاقة بالإنتاج والعاملين ، لمجمل الإشكاليات التي يثيرها أسلوب الإنتاج .
أي أن أبناء الفئات الوسطى يدمرون هنا جذورهم وينسفون طبقتهم بدلاً من تصعيد دورها .
إن كون أعلى مراتب الفلسفة هو القسم النظري ، وهو القيادة السياسية لعملية التحول المتخيلة هنا ، هو ذاته مصدر الرؤية ، فموقعه موقع تأملي ، ويتطلع إلى العملية التاريخية من خلال مفردات نظرته التي تقوم بخلق التضادات المطلقة بين الأشياء والظاهرات ، فهي لا تستطيع أن تركب جدلياً بين الفلسفة والإنتاج ، مثلما قامت بخلق تضادات كلية مماثلة بين الطبيعة وما بعد الطبيعة ، بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل ، بين العلة الفاعلة والعلة الصورية الخ ..
ولهذا فإن مصدر وعي الفلاسفة المتصدين لحكم المدينة ، ليس كشف العمليات التاريخية وتضادات الإنتاج ، بل هو مصدر ذاتي وعلوي ، ويدخل هذا المصدر في مساحة ضبابية شديدة بسبب مفارقته المفاجئة وعدم تجسيدها ، يقول ابن رشد حول هذه الإرادة التي تقوم بمشروع تغيير وقيادة المدينة :
[فإن الإرادة لها ارتباط بوجود العلاقة التي من خلالها يكون العقل الفعال بمثابة الكمال لنا] ، ويضيف في موقع تالٍ :
[إن هؤلاء الذين يرون أن العلوم النظرية ليست خالدة ، وأن الكمال الأقصى إنما يتم بالإدراك العياني للعقول المفارقة ، يكون الكمال بالنسبة لهؤلاء على قسمين : كمال أول وكمال أخير . الأول إنما يكتسبه بنفسه ، والثاني مما يكتسبه بواسطة ( العقل الفعال ) ..] ، ( 35 ) .
هكذا لا يعود بإمكان الفلاسفة إقامة علاقة تاريخية لصياغة المشروع ، فعبر انقطاعهم عن العلاقة بالإنتاج المادي ، يوجدون مصدراً مفارقاً غيبياً هو العقل الفعال ، الذي يغدو شكلاً غير تاريخي للمعرفة ، بمعنى أنه لا يتضمن الاعتماد على قوى بشرية حقيقية في التاريخ العياني ، من فئات وسطى ومنتجين وقبائل الخ ..، كذلك لا يغدو مصدراً حقيقياً للمعرفة عبر التجريب والممارسة الفعلية ، فيتحول المشروع إلى تأمل نظري وليس إلى مشروع حقيقي .
8
المدينة الفاضلة والمدن الضالة
في التصور الأفلاطوني – الرشدي يتم قطع علاقات السيرورة التاريخية العامة للمدينة الفاضلة والمدن السيئة ، فهي تظهر كتكوينات منتجة من قبل القوى الشهوية واللذية والفكرية التأملية ، فهذه القوى النفسية هي التي تصنع تكوينات المدن ، ومن هنا يحلل أفلاطون شخصية الحاكم الذي يتجسد في كل مدينة ونوازعه النفسية والأخلاقية باعتبارها هي التي جسدت هذا النمط من المدينة .
وللمدينة المستقلة التي تحكمها قوى سياسية واجتماعية جذور في بلاد الإغريق ، فهي ليست تكوينات خيالية محضة ، فقد كان نمو التاريخ اليوناني يعتمد على تشكل المدن وصراعاتها . لكن أفلاطون قام بتجريد هذه المدن من سيرورتها وربطها بالنوازع النفسية والفكرية .
لكنه حدد أربعة أنماط هي : تيماركية ، أوليغاركية ، ديمقراطية ، استبداد (راجع الهامش في المصدر السابق ، ص 176 ) .
وفي هذا التحديد الأفلاطوني تتمثل سيرورة حقيقية للمدن اليونانية ، حيث تهيمن بدايةً مدنُ ملاك الأرض الأغنياء ، التي تتحول في مخاض معقد إلى مدن تحكمها القلة الغنية ، ومن ثم يظهر الشكل الديمقراطي في بعض المدن حيث يصعد دور الفئات الوسطى ، مثلما يوجد النمط الاستبدادي متغلغلاً في الكثير من المدن .
إن أفلاطون لا يرى هذا تطوراً بقدر ما يرى مدى تباعد هذه السيرورة التاريخية عن النموذج المثالي لديه ، فهو لا يقرأ المسار الموضوعي للتطور بل يحاكم التغيرات من خلال مثاله المطلق ، وهو المثال الذي عرضنا بعض ملامحه سابقاً .
وهذه النماذج يقابلها عند ابن رشد ، أو ترجمته لتلك المدن بالترتيب التالي :
1 – المدينة القائمة على المجد والشرف 2 – مدينة حكم القلة . 3 – الحكم الجماعي 4 – الاستبداد .
وإذا كان النموذج المثالي لدى أفلاطون غير موجود في التاريخ العياني ، فإنه موجود لدى ابن رشد في الفترة الإسلامية الأولى ، متمثلاً في حكم النبوة والخلافة الراشدة ، ولا يحدد ابن رشد اجتماعياً أسباب ذلك ، لكننا نلمحها حين يلتفت إلى حكم المرابطين في شمال أفريقيا والأندلس ، محدداً إياها في التماثل مع النص الديني ، وهو أمر يشير إلى تطابق الحكم الرعوي في بدايته مع القبلية الجماهيرية الواسعة . أي كون القادة القبليين يقيمون علاقة مباشرة مع الجمهور وتوزع الخيرات بشكل واسع عليه .
وهذا يتطابق مع الفترة النبوية والراشدية ، ثم يختم ابن رشد هذه الفترة بحكم معاوية ، الذي يظهر لديه وكأنه حكم منقطع عن السيرورة السابقة ، حيث تبدأ فترة [ المدينة القائمة على المجد والشرف ] وعلينا أن نفسر هذه الألقاب بأنها تعني حكم النبالة ، حكم الملوك .
وهو يقيم كأفلاطون الزمن السياسي على حسب القيم الأخلاقية المجردة ، لكن الشرف هنا سيتحدد اجتماعياً بعد ذلك :
[إن نوع الرجال الذين سيحكمون مثل هذه المدن بخصال الشرف والحسب سوف يقترن حكمهم بكل شيءٍ ذي يسار ، وإن أولئك الذين من بينهم وممن شرفهم لا يمكنهم من أن يكونوا أحراراً بإطلاق ، سوف يحكمون كل ما هو جزئي ، وبذلك فهم سادة من جانب وعبيد من جانب آخر ] ، (36 ) .
إن مدينة القلة ومدينة الحكم الجماعي ستكونا لدى ابن رشد نتاجين لتفسخ الفترة الذهبية السابقة ، سواء كانت الفترة النبوية الراشدية ، أو الفترة الأولى النضالية أو الجماعية أو المتوافقة مع الشرع ، التي تقوم بها الجماعة القبلية الجديدة وهي تحكم بتدفق اجتماعي غيبي ، غير محدد علمياً أو برهانياً .
تظهر التحولات التاريخية العربية الإسلامية لدى ابن رشد في الفقرة التالية :
[وإنك لتدرك ما يقوله أفلاطون عن كيفية تحول الحكم الفاضل إلى حكم المجد والشرف ، وتحول الرجل الفاضل إلى رجل المجد والشرف ، وهو أمر يشبه ما حدث للعرب في أول عهدهم حيث اعتادوا على النزوع إلى الحكم الفاضل ، حتى جاء معاوية فتحول حكمهم إلى حكم قائم على المجد والشرف ، وهو ما يشبه الحكم القائم الآن في جزيرتنا ] ، ( 37 ) .
إن التاريخ يتمظهر لدى ابن رشد عبر النماذج الفردية الصانعة له ، مسايراً أفلاطون في ذلك ، فنظراً لوجود الرجال الفضلاء فإن فترة زاهرة عادلة ستتواجد ، وهو أمر يغيب الشروط الموضوعية والذاتية لتكون الرجال الفضلاء والتغيير الإيجابي ، وهو ما يربطه بصفات نفسية غير معروفة المصدر إن لم تكن بعوامل غيبية محضة ، فيصير التاريخ خارج البنى الاجتماعية .
وكما أن الرجل الفاضل هو صانع الزمن العادل ، فإن الرجل الفاسد ينبثق من زمن [دولة المجد والشرف] مشكلاً مدينة اللذة والمال .
[وبالجملة ، فإن تحول رجل المجد والشرف إلى رجل طالب للذات يبدو أمراً واضحاً ، عندما يجد المتعة في المال وغيره من اللذات الأخرى الباقية ] ، [ ولهذا فنحن نرى أن الملوك يصبحون فاسدين ويتحولون إلى أمثال هؤلاء الرجال . ] ، ( 38 ) .
إن وجود المتعة والمال أمورٌ موجودة في زمن الرجال الفضلاء وحكمهم ، فلماذا لم تنقلب أحوالهم إلى أضدادها ؟ كما أن ثمة رجال فضلاء في زمن دول المال والمتعة فلماذا لم يستطيعوا تحويلها إلى النموذج السابق ؟
إن ثمة شروطاً أخرى هي التي تجعل زمناً ما قادراً على إيجاد تقسيم عادل للثروة ، ولكن أفلاطون – ابن رشد يتوقف تحليلهما عند القوى الذاتية المتعددة في الأفراد مصدر الفعل التاريخي .
ويقوم ابن رشد باستكمال دورة المدن مطبقاً إياها هذه المرة على تاريخه المناطقي :
[ويشبه هذا في زماننا المملكة المعروفة بالمرابطين ، حيث أنهم في عهد ملكهم كان دستورهم قائماً على الشرع ، لكنهم فيما بعد تبدلوا في عهد ابنه إلى دستور المجد والشرف وقد مازجته الرغبة في المال . وحدث مع مجيء الحفيد أن تحولوا إلى دستور قائم على اللذة وما يتعلق بها من الأشياء اللذية والترف ، فتفسخ حكمهم وهلكوا . ويعود أمر هلاك ملكهم إلى قيام دستور معارض لهم في زمانهم ، وهو دستور قائم على الشرع . ] ، ( 39 ) .
إذن وجود الصلاح يتطابق مع تنفيذ الشرع حسب المذهب المالكي ذي الجذور الصحراوية المدنية ، لكن التغيير من داخل تغير شخص الحاكم وليس لكون انتقال القوة القبائلية إلى السيطرة على السلطة والثروة وتفسخ قواعدها الاجتماعية القبلية ، نظراً لتلك الهيمنة على الموارد ، وبالتالي فإن التشدد في الأحكام الشرعية كان بغرض منع هذا التفسخ الاجتماعي القبلي ، وإضعاف نمو الفئات الوسطى الحرة الخ..
إن منهجية ابن رشد تقوده إلى الوقوف على سطوح الظاهرات العامة الاجتماعية / السياسية ، لكنه يسدد ضربات نقدية عنيفة للتفكير القدري والغيبي المطلقين ، وللاستبداد مقترباً من قراءة عميقة لهذه الظاهرات الصعبة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الاسلامية من الجزء الثالث
مصادر :
( 1 ) : ( فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ، دار المشرق ، بيروت ط 5 ، ص 41 ) .
( 2 ) : ( المصدر السابق ، نفس الصفحة) .
( 3 ) : ( من تعليقات المقدم البير نصري نادر في الكتاب السابق ، ص 59 ) .
( 4 ) : ( السابق ، نفس الصفحة ) .
( 5 ) : ( السابق ، ص 41 ) .
( 6 ) : ( نفس المصدر ، ص 42 ) .
( 7 م ) ( فصل المقال ، الطبعة السابقة ، ص 28 ، ويقوم المقدم بوضع الآية كاملة في الهامش ).
( 8 ) : ( السابق ، ص 29 ) .
( 9 ) ( السابق ، ص 55 ) .
( 10 ) : ( نظرية ابن رشد في النفس والعقل ، محمود فهمي زيدان ، من كتاب الفيلسوف ابن رشد مفكراً عربياً ، كتاب تذكاري من إصدار المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 1993 ، ص 41 ).
( 11 ) : ( نفس المصدر ، نفس الصفحة . ) .
( 12 ) : ( المصدر السابق ، ص 41 ) .
( 13 ) : ( المصدر السابق ، 45 ) .
( 14 ) : ( المصدر السابق ، ص 46 ) .
( 15 ) : ( إذا تؤمل كيف حصول المعقولات لنا وبخاصة المعقولات التي تلتئم منها المقدمات التجريبية ظهر أننا مضطرون في حصولها لنا إلى أن نحس أولاً ، ثم نتخيل ، وحينئذٍ يمكننا أخذ الكلي ولذا فمن فاتته حاسةٌ ما فاته معقول ما … بل يحتاج ” الإنسان مع قوتي الحس والتخيل ) إلى قوة الحفظ وتكرار ذلك الإحساس مرة بعد مرة حتى ينقدح لنا الكلي ” ، السابق نفسه ، ص 43 ) .
( 16 ) : ( مأخوذ من دراسة [مشكلة الحرية في فلسفة ابن رشد] ، بقلم زينب عفيفي شاكر ، في نفس الكتاب التذكاري عن ابن رشد السابق ، ص 251 ) .
( 17 ) : ( المصدر السابق ، ص 252 والنص مأخوذ من مناهج الأدلة ، ص 226 ) .
( 18 ) : (مناهج الأدلة ص 224 ، نقلاً عن المصدر السابق ، ص 248 ) .
( 19 ) : ( العلوم الطبيعية في فلسفة ابن رشد ، د . حسن مجيد العبيدي ، دار الطليعة ، بيروت ، ط 1 ، 1995 ، ص 16 ) .
( 20 ) : ( المصدر السابق ، ص 17 ) .
( 21 ) : ( السابق ، ص 18 ) .
( 22 ) : ( السابق ، ص 18 ، 19 ) .
( 23 ) : (السابق ، ص 24 ) .
( 24 ) : ( السابق ، ص 24 ).
( 25 ) : ( إن صورة الإله في مرحلة الإسلام التأسيسي (الثوري ) هي صورة ديمقراطية حيث تتفاعل صورة الإله كالحاضر الفاعل في العملية التاريخية، فهي جنباً لجنب مع الناس البسطاء في تغييرهم الوجود السلبي المتخلف ، لكن مع استيلاء قوى الأشراف البدوية على الدولة والفضاء الفكري فهي تعيد تشكيل هذه الصورة باتجاه عزلتها في السماء وحياديتها تجاه الناس وتجاه قضايا التغيير الاجتماعية ، ومن هنا يقوم ممثلو الفلسفات الإمامية الأكثر قرباً من الجمهور الزراعي المشرقي ، باستعادة صور الإله الفيضية المتعددة المستوحاة من المسيحية ، لكن ابن رشد ليس وريث معارك المشرق الخاصة، بل هو نتاج للتطور العقلي المجرد للفلسفة الإسلامية في ظروف مغاربية. ).
( 26 ): ( السابق ، ص30 ، 31 ) .
( 27 ) : ( السابق ، ص 32 ) .
( 28 ) : ( السابق ، ص 37 ) .
( 29 ) : ( السابق ، ص 63 ) .
( 30 ) : ( كانت كافة مشروعات النهضة الفكرية في المشرق والمغرب تعتمد على وجود ملك متنور ، تبلغ فيها الفئات الوسطى أقصى لحظات تطورها ، ويلوح فيها أفق حداثة ، بسبب ضخامة البناء الثقافي المتنور والعقلي ، وهو الذي يجعل بعض الملوك والفلاسفة منساقين إلى الاعتقاد بقدرة هذا البناء الثقافي على حل كافة المعضلات وتحقيق نهضة ، حدث ذلك في أيام كسرى الفارسي ، والمأمون العباسي ، والخليفة الراهن لابن رشد وهو أبو يعقوب يوسف عبد المؤمن . ) .
( 31 ) : (تلخيص السياسة ، ابن رشد ، ط1 ، دار الطليعة ، 1998 ، ص 68 ) .
( 32 ) : ( المصدر السابق ، ص 160 ) .
( 33 ) : ( السابق ، ص 156 ) .
( 34 ) : ( السابق ، ص 157 ) .
( 35 ) : ( السابق ، ص 162 ، 163 ) .
( 36 ) : ( المصدر السابق ، ص 180 ) .
( 37 ) : ( السابق ، ص 198 ) .
( 38 ) : ( السابق ، ص 202 ) .
أمدنيةٌ أم علمانيةٌ؟ : كتب ـ عبدالله خليفة
أية ديمقراطية مرجوة؟! : كتب ـ عبدالله خليفة
النقد وتبعيته المزدوجة : كتب ـ عبدالله خليفة
الفردية والفردانية : كتب ـ عبدالله خليفة
شهادة من جمال عبدالناصر: كتب ـ عبدالله خليفة
التقدم في زمن مختلف : كتب ـ عبدالله خليفة
انحطاط الغناء.. انحطاط السياسة : كتب ـ عبدالله خليفة
محمد باقر الصدر: كتب ـ عبدالله خليفة
الفلسفة الغربية والنهضة العربية : كتب ـ عبدالله خليفة
وحدة فكر النهضة : كتب ـ عبدالله خليفة
(الطفولية) والنضال المعاصر : كتب ـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
الدينيون واللادينيون : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
الرواية بين الإمارات والكويت (1 من 5) : كتب ــ عبدالله خليفة

لم تظهر الرواية في الخليج العربي إلا في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين.
وبشكل محدود وقليل، وقد سبق أن ظهرت روايات نادرة في لحظات متفرقة، متباعدة، مثل رواية «ملائكة الجبل الأخضر» . لعبدالله محمد الطائي وغيرها، إلا أن الظهور الأخير للرواية العربية في منطقة الخليج، كان الأكثر ديمومة وفنية.
ان هذا الظهور المتأخر، والنادر للرواية في الخليج، يعود إلى تأخر النهضة الاجتماعية في المنطقة، وبروزها بشكل خافت، في منتصف القرن، ثم انفجارها في العقود الاخيرة.
وحتى فن القصة القصيرة، الرديف الآخر لفن الرواية، ظهر متاخراً ومحدوداً، ومتقطعاً، ليبدأ تطوره السريع والعميق في ذات الفترة التي بدأت تتشكل فيها بذور الرواية.
إن ارتباط فن الرواية، بعمليات التطور العميقة الحديثة في البُنى الاجتماعية . قد صار أمرا مقررا ومعروفا، منذ أن قيل إن الرواية «ملحمة المجتمع البرجوازي» فمع تصاعد دور الطبقة المتوسطة، وقيامها بتحديث المجتمع، وتغيير بنيته الاقطاعية القديمة، واتجاهها لمركزة المجتمع المشتت، وخلخلة تركيبته المتخلفة وتحديثها، تبدأ الفنون الحديثة، وخاصة الرواية، في تركز أجزائها وبلورة كليتها العضوية، وقدراتها في استيعاب تطورات الواقع وتناقضاته.
وتحدث توجهات عدة في عملية استيعاب الواقع، تبعا للمواقف الاجتماعية المختلفة والرؤى الشخصية ومستويات تطور كل بلد على حدة، و تتضافر تأثيرات فنية مختلفة، عربية وعالمية، في رفد هذه العملية المعقدة .
ويبدو واقع الخليج العربي، بسيطا في تشكيل هذه العملية الاجتماعية الفنية، سواء من حيث حداثة النشاة الروائية، أو في قلة انتاجه في هذا النوع الإبداعي.
فقد بدأت المدن الخليجية مؤخراً، مثل الكويت، المنامة، دبي، ابوظبي، الشارقة، الدمام الخ .. في التحول الى مدن عصرية كبيرة، وراحت بُنى الدول الحديثة تتمركز. وتنمو قطاعاتها الاقتصادية، وتتشكل طبقات حديثة راحت تنتج اشكالاً متعددة من الآداب والفنون .
وكانت الكويت، والبحرين، مسرعتين في هذا التبلور الاجتماعي، ونمو الوعي الفني، نتيجة لبدء استخراج النفط فيهما مبكراً،وبسبب صغر حجم البلدين وتسارع نمو بنيتهما بصورة اكبر من الدول الأخرى، وتشكل طبقة متوسطة منذ العقود الأولى للقرن العشرين.
ثم لحقتهما دولة الإمارات في عملية التطور الاجتماعي، وبصورة سريعة، وشاملة، مما أدى إلى تنامي أشكال الوعي الفني المختلفة في المنطقة. وتواكبت مع هذه التطورات نهضة الانواع النثرية وخاصة القصة القصيرة والمسرحية. فنجد أن بدايات الحركة القصصية القصيرة تلاح منذ الخمسينات، ثم تتدفق في السبعينات، وتتجه في أغلبها الأعم ، إلى التقاط نماذج مطحونة من البيئة وواقع الحياة، وعبر لقطات مكثفة على ظاهرات التحول.
إن اللقطة الجزئية. والحدث الواحد ، والنموذج المسيطر، هي أساسيات القصة القصيرة، وهذا ما يقودها الى التركيز على الموقف الصغير، واللحظة المقطوعة بسياقات التحول الواسعة، وإشكالات المدن الحديثة العميقة، التي لم تعد فقرا ظاهرا أو مشكلات جزئية محدودة فقط .
كما أن الوعي الفني في الخليج، راح منذ مدة طويلة، يشكل المسرحية، وهى البناء الدرامي المطول، عارضاً مجموعة من النماذج والأحداث في توليفة فنية، تستهدف عرض مشكلات المجتمع البارزة.
إن هذا الوعي الفني نفسه هو الذي راح ينعطف بالقصة القصيرة، نحو القصة الطويلة، أو الرواية، في أعمال متناثرة، لكنها تعبر عن ذات الظاهرة التي يصادفها الوعي الفني في اسئلته المقلقة الحائرة عن التطور.
إن بطء تشكل الرواية في الخليج، وندرة اعدادها، يعبر عن هذا النمو البطيء للتطور، والاتساع الهائل للصحراء والبادية، وضآلة المدن في هذا الامتداد الضخم، وغياب فاعلية الطبقات والمؤسسات الحديثة . فنجد أن دولة ضخمة كالمملكة العربية السعودية لم تشهد إلا ثلاث روايات في سنوات متباعدة من القرن العشرين، ثم لم تظهر الرواية في العقود الثلاثة الاخيرة من النهضة المتسارعة والكبيرة فيها. وكما أوضحنا فقد كان عامل التطور الأكبر في الكويت والبحرين، من الأسباب المؤدية لهذا النهوض الروائي فيهما.
أن المدن البحرية الصغيرة، الكثيفة السكان، الواقعة على طريق تجاري دولي، وفي ظل تطور اقتصادي، وثقافي: متسارع ستشهد هي ميلاد ونمو الرواية. وسيكون لهذه النشأة المدينية بصماتها القوية على موضوعاتها واشكالها ومضامينها.
فهذه المدن البحرية التي كانت جزءا أساسياً من نسيج مجتمع الفوضى، ستبدأ هي، قبل غيرها، في الانفلات من شبكة العلاقات الاجتماعية القديمة وبالإحساس بصدمة التطور والحداثة، أي ازمة التحول من نمط من العلاقات إلى نمط آخر. وكان للنمط الاجتماعي، بعلاقاته الأبوية، ونموه في أحضان الطبيعة «البكر» واشكال علاقاته الجماعية التآلفية والحميمة، ذكرى جميلة واصداء في جانب من الوعي الفني. كما سيكون لهذه العلاقات القديمة ذكرى بغيضة، في جانب آخر من الوعي الفني، سيرى سيرورة علاقات الاستغلال بين مجتمع غوص قديم ذي علاقات متخلفة، ومجتمع رأسمالي غريب التكوين، وحاد الميلاد.
وكما نشأ مجتمع الخليج الحديث من وشائج المجتمع القديم، التي ظلت متشبثة بقوة، فيه، فإن الرواية ولدت من عوالم القصة القصيرة، دون أن تستطيع تماما، تكوين بنيتها المتبلورة.
فكل منتجي الرواية هم، اساسا، كتاب قصة قصيرة، راحوا يطوعون البناء القصصي القصير لعمل روائي موسع، كما فعل وليد الرجيب في «بدرية» حيث حشد عدة قصص قصيرة في عمله الأول، وكما تفعل ليلى العثمان ، في توسيع بنية القصة القصيرة وتمديدها لتشمل موضوعات عدة، في حين يظل المحور القصصي واحدا، والشخصيات قليلة، واللغة الفنية مكثفة وموجزة .
إن نمو الرواية من معطف القصة القصيرة، يدل بوضوح على بكارة النسيج الروائي الخليجي، وعدم وجود في خلفية فنية عميقة يستند عليها في تشكيلته المعاصرة . لهذا فإن معظم الروايات هي من النوع القصير، الذي لا يتجاوز المائة والخمسين صفحة، من القطع الصغير، إلا فيما ندر، ورغم ان روايتي علي ابوالريش: «الاعتراف»، و«الزهرة والسيف»، تتجاوزان هذا العدد، إلا أن بنيتهما الفنية تمتاز بالقصر، رغم الطول الظاهري لعدد الصفحات.
فروايتاه الأولى والثانية رغم اتساعهما الكمي، إلا أن العديد من المشاهد القصصية والحوارات التعليقية زائدة، وكان يمكن ضغط بنيتهما الى درجة كبيرة . راجع فصل (حول التقنية والأحداث).
ويمكن ملاحظة الطابع القصصي القصير المختصر، في رواية محمد حسن الحربي كذلك، حيث لا تتجاوز صفحاتها الخمس والثمانين صفحة. وهي تدور حول عدة شخصيات وأحداث، بصورة وامضة، سريعة، فلم تأخذ الشخصيات والأحداث العديدة، حقها من التشبع الفني. ويمكن ملاحظة سمة القصر والكثافة، في روايات خليجية أخرى لم تبحث هنا، كرواية امين صالح «أغنية أ . ص الأولى»، و«الجذوة» لمحمد عبد الملك وغيرهما.
إن سمة القصر والتكثيف ليست سمات شكلية بحته هنا، بل مرتبطة بالتشكيل الإبداعي. فهذا القصر يقود الى عدم تشبع التحليل الفني للواقع. فالشخصيات القليلة والأحداث الصغيرة، لا تقوم بمد شبكتها الواسعة في الحياة، واكتشاف تعدد مستوياتها وصراعاتها وعوالمها الخفية ووجودها النفسي والروحي، بل هي تركز على جوانب صغيرة، كما فعل علي أبوالريش في روايته الأولى، حين ركزت الرواية على واقع الشخصيات الفردي، وانقطع علاقاتها بما هو خارجها، وحين اتجهت الرواية الثانية الى تحليل المدنية المعاصرة، ومقارنتها بعالم البحر فإنها وقفت على ضفاف المدينة وعوالمها .
كما جاءت روايتا «وسمية تخرج من البحر»، و«المرأة والقطة» لليلى العثمان، مركزتين على حدث يعيش على ضفاف المدينة الخليجية المعاصرة. كان الحدث في الرواية الأولى مركزا على الاتجاه نحو، الحر، والغرق في عوالمه القديمة، الشفافة، التي غدت بديلا رومانسيا عن الواقع المعاصر. وكان الحدث في الرواية الثانية توغلاً في مستشفى أعصاب، عبر نموذج معاصر انكسر نتيجة سيطرة العلاقات الأبوية القديمة. فلم تكن العمة المسيطرة في الرواية، إلا البديل العنيف عن أب ضعيف. وهنا يسيطر موتيف الصراع بين الجدب والخصب، كموتيف تجريدي لا يأخذ لحمه ودمه، من نسيج العلاقات الاجتماعية الحية .
ورغم أن هذا الصراع بين الجدب والخصب، القديم والمعاصر، قد سيطر على رواية وليد الرجيب «بدرية» إلا أن الروائي هنا، أعاد تشكيل هذا الموتيف من عصارة الحياة الشعبية ومن مرارة الأشياء المتعددة المتناقضة، فقد قام باكتشاف بنية المدينة الخليجية، وصراعاتها الاجتماعية ، بين البحارة الذين تحولوا إلى عمال، والنواخذة والطواشين، الذين تحولوا إلى رأسماليين وموظفين كبار .
ومن هنا نجد هذه الحيوية التي تتسم بها رواية الرجيب، التى اتسعت مكاناً وزماناً، كسرت دائرة الانحصار في زاوية محدودة، وركضت شخصياتها بين البحر والمعمل والازقة والمدينة المتحولة النامية .
ان رواية وليد الرجيب تقدم صورة واسعة للمدينة، ونسيجها الداخلي، عبر شبكة صراع شخصية وطبقية، كما تصور المهن والعادات والاحتفالات القديمة، بصورة سريعة أيضا ، وكأن «بدرية»، تحاول أن تصف وتعبر عن كل التطور الحاصل في المجتمع الخليجي، عبر ثلاثين سنة، وفي حجم صغير (عدد صفحات الرواية 132 صفحة من القطع الصغير).
ولهذا فأن هذا الاتساع الكبير، وشمولية الرؤية، بين الماضي والحاضر، بين طبقات المجتمع المتناقضة، كان لا بد أن يكون له تأثيره على نوعية الشخصيات والأحداث، فقد غدت هذه منمطة ، تعبر عن العام الاجتماعي بدون الخاص الفردي، رغم محاولات المؤلف إعطاء لمحات شخصية متفردة. مثلما فعل تجاه شخصية بدرية التي صارت رمزا كاملاً لا شخصية حية متناقضة. وقد تمثل التنميط في أحداث الرواية، عبر هذا التناقض والصراع بين بؤرتي البنية الفنية، فهناك بؤرة للبناء الروائي، حيث القصة ذات الحدث الروائي غير القصير، المتسع . وهناك بؤرة التصوير التسجيلي والاحتفالي للحي الشعبي، التي حشدت فيها عدة قصص قصيرة .
وليست الرواية الاماراتية بعيدة عن مسار واشكالات الرواية الكويتية. فلقد نمت الرواية الاماراتية بخطى صاعدة ، ولكن محدودة ومتقطعة. فرواية «شاهندة»، المبكرة عكست سمات قديمة في الرواية العربية ككثرة المغامرات والتحولات المفاجئة والانقلابات الحديثة والشخصية، بحيث ان الرواية لم تستطع أن تصور شخصيتها المحورية، بحيث ان الرواية لم تستطع أن تصور شخصيتها المحورية، من جوانب عميقة، ولم تستطع أن تتابع شبكة الشخصيات العديدة التي ظهرت ثم اختفت، عبر تعاريج وتضاريس الأحداث الغريبة الكثيرة. كذلك فإن المكان بدا متغيراً بسرعة الأحداث، حتى اننا لم نلم بمكان ذى حضور روائي هام.
ولهذا فإن القرية البحرية المصورة – جنين المدينة الخليجية المعاصرة – سرعان ما تذوب أجوائها وتختفى شخصيتها، عبر هذا الطيران المتسارع للأحداث، وإذا كان علي محمد راشد يتابع هذه التقنية القديمة في الرواية الاماراتية والعربية، عبر سيطرة الاحداث السياسية العامة المتسارعة، وفي عدم التوغل داخل نسيج الشخصية والمكان والزمان، فإن روائيين إماراتيين آخرين يبدأون بتجاوز هذا المستوى الفنى.
لقد بدا علي ابوالريش قريباً من هذا المستوى في روايته الأولى، لكنه امتاز بخصائص فنية جديدة ملفتة للنظر، فقد تناغم لديه التحليل الاجتماعي والسيكولوجي للشخصية، عبر لغة سردية – حوارية واسعة – ومتخلخلة إلى كميات الشخصية والحدث.
ان «الاعتراف»، ذات النسيج الميلودرامي، والتي تحتوي على العديد من الخصائص رواية المغامرات والأحداث المفاجئة، قد امتلكت كذلك معماراً جيداً، عبر السيطرة على الحدث المركزي الثاني، لا الأول، وترابط الحدث والشخصيات، رغم تناقض بؤرتي الرواية، حيث كانت البؤرة الاولى تتركز حول انتقام صارم، والثانية حول زواجه وحبه وصداقاته، أن عدم السيطرة على هاتين البؤرتين وعدم اندماجهما معا في نسيج واحد متداخل، أدى إلى عدم وجود صراع ملتهب مفجر لنمو الحدث والشخصية.
لكن روايته الثانية شهدت تطوراً هاماً، حيث سيطرت فيها بؤرة واحدة، هي الصراع في ذات سلطان – البطل المحوري، بين البحر والمدينة، بين الأصالة والمعاصرة، بين الشرق والغرب.
لقد صار سلطان هو النموذج المركزي، الذي تدور حوله كافة جزيئات العمل وأحداثه وأمكنته، وعبرٌ هذا النموذج عن صراعات هامة في الحياة، رغم وقوف الشخصية، أيضا، على ضفاف المدينة، فنحن لا نجد إلا الصراع بين العمالة الأجنبية والمدينة العربية الخليجية، وكأن هذه المدينة تفتقد التناقضات الداخلية، التى تسربت منها العمالة الاجنبية.
لكن وجود بؤرة مركزية صراعية متوترة أدى الى تطور اللغة الروائية عند علي أبوالريش وتناغم السرد والوصف والحوار مع الحالات الداخلية للشخصية ومحور الرواية. رغم أن مساحات التشكيل السردية الوصفية – الحوارية تطول احياناً وتتكرر بلا وظيفة فنية.
وهذا ما يشابه في بعض جوانبه اسلوب علي محمد راشد في روايته التاريخية التسجيلية «ساحل الابطال»، التي تركز على عدم تناقضية المدينة الخليجية، ووحدة صفوفها، مما يشكل لوحة رومانسية خيالية، رغم الطابع الوطني والقومي المضيء لهذا التصور.
ان هذا التوجه الروائي، كما في المثالين السابقين، لا يتغلغل في صراعات المدينة الخليجية ذاتها، وهو يضعها دائما في مواجهة التناقض مع الاجانب، سواء كانوا مستعمرين قساة أو عمالاً فقراء.
لكن ثمة توجه آخر، في الرواية الاماراتية، يمثله محمد الحربي في روايته «أحداث مدينة على الشاطىء»، الذي يصور تناقضات المدينة ذاتها. فنحن نجد المدينة هنا كائنا اجتماعيا وتاريخيا ناميا، وليس شكلاً عمرانياً منجزاً ومادياً محضاً. فالروائي هنا يغوص عبر نماذجه الكثيرة، في هذه البلدة البحرية ــ البدوية المتحولة الى تجمع ضخم. وهو يصيغ عبر السرد الواسع هذه الشبكة من الشخصيات والأحداث.
إن بذور مدرسة فنية أولية تتضح من هذا العرض. فاغلب النماذج المدروسة هناك تتجه الى تصوير الواقع ونقده. ان عرض النماذج المأزومة في القصة القصيرة يقود الى البحث عن الشبكة الواسعة لتشكيل البشر . فليلى العثمان في تجربتها الروائية تقوم برصد نماذج مأزومة، في واقع تسيطر عليه تناقضات مجردة: القديم/ الحديث، البحر/ المدينة، التخلف/ التقدم. فعبدالله البحار القديم لا بلدته البحرية الجميلة الإنسانية، فيقرر أن ينتحر متحداً بنموذجه الجمالي القديم، وحبه. ان هذا الانسحاب الاحتجاجي لا يتوغل في تضاريس الواقع المعاصر، ولكنه يمثل ادانة رومانسية عنيفة ضده.
أما وليد الرجيب في «بدرية»، فإنه يتوغل في عروق الحياة، كاشفاً تناقضاتها الداخلية، وطابعها التاريخي المرحلي، وهنا تتضافر روح شعبية ساخرة واحتفالية، مع منهج تحليلي طبقي، يتعاونان في تشكيل رواية أكثر غوصاً في واقعيتها النقدية. ونلحظ عند علي أبوالريش ما نلحظه لدى ليلى العثمان، من تزاوج بين الواقعية والرومانسية، حيث يتجسد تناقض البحر/ المدينة، الماضي/ الحاضر، التراث/ المعاصرة، في ذات الروايتين «وسمية تخرج من البحر»، و«السيف والزهرة». ولكن علي أبوالريش يتوجه بصورة أكبر، لنشر الحياة، لتصوير الواقع بمظاهره البارزة، وكأنه يبدأ مشروعاً كبيراً لقراءة نقدية ودينية للمدينة المعاصرة.
يشابه محمد حسن الحربي وليد الرجيب في الكويت، في بحثه النقدي التاريخي للواقع، وكشفه لصراعاته الممتدة من الماضي الى الحاضر، عبر لغة هادئة وتشكيلية للعالم. وتبدو رؤيته متخلصة من هذا الذوبان في البحر والماضي، ومتجهة بصورة أكبر، لقراءة تأثير البر والبادية على تكوين المدينة، وهو يوسع الطابع البدوي ويقرأه بصورة مترافقة مع التحليل الاجتماعي النقدي للتطور .
ورغم هذا فلا تزال هذه الرواية الخليجية البكر على ضفاف التحليل العميق الموسع للواقع، لم تتغلغل بعد الى الطبقات التحتية الكثيفة له، وخاصة المستويين الروحي والنفسي، ولا تزال تمشي فوق تضاريسه الاقتصادية والاجتماعية المباشرة .
ونظرا لكل ما سبق، فليس لدينا في النماذج المدروسة، تقنيات ابداعية الجديدة. أى مبتكرة، فهي تتركز على الاستخدام الموسع للسرد، الذي يبدو مكثفا وامضا عند ليلى العثمان، واجتماعيا ومعتمدا على تقارير البحث الاجتماعي عند وليد الرجيب، وواسعاً ومندمجاً بوصف وحوار – بلا فواصل – لدى علي ابوالريش، وواسعاً مسيطراً لدى محمد حسن الحربي. وغالباً ما يكون الحوار والوصف في تبعية شبه مطلقة للسرد. كما أن الاستبطان والحوار الداخلي كبير لدى ليلى العثمان وعلى ابوالريش، حيث يغدو داخل الشخصية، أهم بكثير، من الظاهرات الخارجية والرصد الاجتماعي، في حين أن الحوار الداخلي لا يمثل شيئاً مهماً واساسياً في تقنية وليد الرجيب ومحمد الحربي، حيث يتركز البناء على الخارج، والتطور العام. ولم نجد في رواية «بدرية» إلا حواراً داخلياً وامضاً وصغيراً، في حين أن حوار محمد الحربي الداخلي بدأ مفاجئاً ومنقطعاً عن بنية الرواية .
ان رواية الخليج الحديثة ــ المبكرة، تبدأ خطواتها الاولى في فهم الواقع، وتشكيل بنية متضافرة، ولهذا فإنها لا تستطيع ان تسيطر على أدواتها الفنية تماماً، وهي تبدأ بتشكيل مفرداتها الاساسية اولاً كالسرد وتشكيل الشخصية وبناء المحور الواحد الأساسي للرواية، وتبقى مهمات جمالية اجتماعية كبيرة أمامها، للسيطرة على عالمها الفني.
مراحل تطور (البرجوازيات) العربية ــ كتب : عبدالله خليفة
انتظر (بحماس) صواريخ إيران على إسرائيل
قراءة في تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة
الدكتور إبراهيم غلوم .. ورؤية خاصة وغريبة عن التجريب المسرحي
أين صواريخ ‹‹حزب الله›› على إسرائيل؟!
إضاءة لذاكرة البحرين
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
مبارك الخاطر: الباحث الأمين المسؤول عن بقاء الضوء في الماضي
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
رجل غير جامعي يلعب دور جامعة!
منذ عقود غير بعيدة كان هذا الرجل البسيط المتواضع «مبارك الخاطر»، موظفا شبه مجهول في إدارة المحاكم، يدخل ويخرج حاملا أوراقه ومستنداته التاريخية، دون أن يحفل به أحد لم يذهب الى الجامعة ، واعتمد في ثقافته، على تعلمه واجتهاده الشخصي؛ واكب على المعرفة، وتعمق في ميدان ولعه الخاص. التاريخ البحريني ..
قبله، لم يكن ثمة تاريخ، كان الماضي قطعة سوداء من النسيان وفقدان الذاكرة، كان التلميذ البحريني في المدارس لا يعرف «أحمد الفاتح» أو «الزائد» أو «القرامطة»، كان يعرف فتوحات الاسكندر الاكبر، وكيف قتل يوليوس قيصر.. لكن تاريخ بلده، ومنطقته، أشبه باللغز الذي يطرحه ابوالهول..
وقد انطلق مبارك الخاطر في هذه المنطقة المعتمة الوعرة، اختار ميدان التاريخ؛ الميدان الاحفل بالألغام السياسية والفكرية، وبفقدان المواد والحيثيات والوثائق .
وكان الخاطر على صلة عائلية بأحد البارزين في عملية النهضة الخليجية المعاصرة، وهو عبدالله الزائد. فهذا الرجل هو صاحب علامات فارقة في تاريخ البحرين المعاصر فهو مؤسس لرموز تنويرية ساطعة: النادي الأدبي – سينما البحرين – جريدة البحرين ..
وقد دفعته صلة شخصية الى الاهتمام بهذا الرائد. وفي عملية بحثه ورصده لحياة الزائد، تلمّس خطوط التطور الأولى للبلد، فلم تكن حياة الزائد معزولة عن الأحداث والصراعات والتطورات. التي بدت غير واضحة وجلية؛ لمبارك الخاطر نفسه حينذاك، فقد أمسك حياة هذا المصلح الاجتماعي باعتباره شخصا طيبا وعظيما، وأراد أن يغرس ثمار النهضة والحضارة الجديدة في ربوع وطنه، ومن هنا حاول أن يبرز دوره في تأسيس النادي الأدبي وعلاقاته الشخصية مع الشيخ ابراهيم الخليفة وغيره من مؤسسي حركة النهضة في البحرين إبان الثلث الأول من القرن العشرين.
لقد بدت حياة الزائد في كتابه وكأنها حركة شخص يسعى لتأسيس ناد أدبي ودار سينما وخلق جريدة، ومن هنا حاول ان يدافع عن شخصه، من التهم التي «الصقت» به، الكتاب تحول هنا الى ترجمة لفرد، ودفاع شخصي عن الرجل المتنور .
كان هذا الكتاب الأول بكراً في الدرب الطويل؛ إنه افتتاحية البحث التاريخي الموسع الذي سوف يطل بعد سنوات. ولكن في هذه الافتتاحية، نرى الخصائص التي ستظل ملازمة للمنهج البحثي ــ التاريخي ــ الذى اختطه الخاطر لنفسه.
فهو بحث يتركز حول «شخصية»، هامة لعبت دوراً ايجابياً وتنويرياً في وقتها، ودفعت الحياة الفكرية دفعة قوية الى الامام.
والحيثيات التي ستكشف دور هذه الشخصية تعتمد اعتماداً رئيسياً على «الوثائق» المتوفرة، كرسالة أرسلها الزائد إلى الصحف المصرية، أو قصيدة منشورة، أو رسائل إخوانية، أو أعمال ملموسة محددة .
من هذه الوقائع سوف ينطلق الخاطر لتجلية أفعال «بطله» التاريخي؛ مراوحاً بين ظروف وقته الصعبة، وبدائية الامكانيات وندرة الجهود الخلاقة، وبين سطوع أعماله وجرأة أفعاله وأهميتها..
ولن يغوص الخاطر بعيداً في علاقات هذه الشخصية بالظروف الاجتماعية والفكرية والسياسية، وعلاقات هذه البنية الاجتماعية المحلية بالعالم الخارجي وتياراته وصراعاته، بل سوف يستل خيطاً دقيقاً ومهماً، هو دور البطل في مجتمعه، وأثره على معاصريه ..
وهو، في بحثه الأمين الصادق، سوف يتابع الشخصية في ماضيها وحاضرها. فهي ليست شخصية خارقة، بل ابنة ظروف معينة، وأهم هذه الظروف دوماً، لدى الخاطر، هو دور الأساتذة الأوائل والرواد السابقين .. فكان التاريخ هو تاريخ النابهين والمثقفين والمتنورين. فهم اداة الخصب والتغيير في الحياة .
لقد بدت وكأنها «صدفة». ان الخاطر قد بدأ بالزائد، ولكنه دافع الاخلاص والتقدير للشخصية النابهة السابقة . وهو الذي حرك عجلة البحث في حيوات الشخصيات الأخرى. فقد كان الزائد هو شخصية تالية، جاءت، في التاريخ، بعد قاسم المهزع، وناصر الخيري. لكن الكتابة عن الزائد فجرت البحث عن بقية أجزاء السلسلة .
إن هذا الترتيب، يؤكد، عفوية مخطط البحث في البداية، ثم اتجاهه إلى البرمجة والمنهجية المنظمة، فيما بعد.
وقد جاء كتابا «قاسم المهزع» و«ناصر الخيري»، وكأنهما متناقضان، ومرتبكان، في مادتهما، فالشخصيتان كانتا على طرفي نقيض تماماً، فناصر الخيري من المتنورين؛ الذين اتجهوا الى طرح أسئلة ليبرالية في عصر رهيب التخلف، في حين كان قاسم المهزع، من قضاة الشرع والمتحمسين في محاربة التحرر الليبرالي والأشكال الجينية للتنوير حينذاك، والتي يسمها «بدعا».
فكيف استطاع الخاطر أن يكتب عنهما الاثنين، بحرارة، ويدافع عنهما كليهما؟
في كتابه عن «قاسم المهزع». قفز الخاطر قفزة كبيرة في ميدان البحث التاريخي ، وهو هنا لم يأخذ الشخصية المحورية كشخصية متفردة، خارج ظروف الزمان والمكان، بل رسم لوحة عامة، برزت فيها حياة القاضي كجزء من عملية صراعية واسعة النطاق.
لكن هنا أيضا وصف هذه الشخصية ودافع عن دورها «السلفي»، في مواجهة العصرنة الزاحفة، وكانت مسيرة العصرنة – في ذلك الحين – متوافقة مع التدخل الأجنبي. فبدا كأن الظاهرتين من فعل فاعل واحد، ولهذا كانت مواقف قاسم المهزع المتجهة للتصدي للظاهرتين، معا مبررة في رأي الباحث.
ورغم هذا الطابع الضيق، وسيطرة «الايدلوجي» على «العلمي»، فإن الخاطر، في هذا الكتاب، يندفع خطوة جريئة، عبر ربط دور الحركة الفكرية والسياسية، بالبيئة الاجتماعية ككل، ويرى في عجز المصلحين حينذاك نقصا في روابطهم مع الناس، وعدم رؤيتهم للجوانب المتناقضة لفعل الإصلاح البريطاني وقتذاك.
ولكن يأتي في كتاب «ناصر الخيري». ليدافع عن شخصية تقف في منحى آخر، هو المنحى الليبرالي، الذي تعسف القاضي قاسم المهزع في التصدي له ؛ حتى وصل به الأمر إلى التهديد بجدع انف ناصر الخيري، إذا واصل اسئلته المثيرة في بداية القرن العشرين.
هنا نجد التبحر والتوسع الذي قام به الباحث في عالم القاضي المهزع، لم يواصله في عالم ناصر الخيري، ولعل محدودية المواد المقدمة عن الخيري، وعدم وجود انشطة واسعة له، بخلاف المهزع، هي التي جعلت توغله محدودا، مقتصرا على التعليق حول أسئلته المقدمة إلى جريدة «المنار» واجوبة المنار عليها، ثم تعليق آخر حول احدى رسائله، وحول بحثه الضائع؛ عن تاريخ البحرين، الذي لم ير النور.
ولكن هذا يبين كذلك عدم التوسع في رؤية تنويرية ناصر الخيرى المبتورة، من جراء التعسف السابق ذكره وأجواء التخلف الرهيبة حينذاك.
وهنا يبدو هذا الجمع المتردد بين السلفية والليبرالية، أو قل هي السلفية المطعمة بمشاعر ديمقراطية وانفتاحية، متجها لإبراز النهج السلفي التقليدي عن «القاضي الرئيس» وعدم الحماس للوعي الليبرالي النهضوي، كما اضمحل في سيرة الموظف المترجم «ناصر الخيري». في حين كانت سيرة الزائد تضخيماً للطابع الليبرالي المنفتح الذي وصل الى حدود الذوبان فـ«الغرب».
هناك إذن رؤية سلفية – ليبرالية توجه الخاطر في تحليله للشخصيات «النهضوية»، فهي تحافظ على المقومات العربية الاسلامية، كما هي مفهومة لدى التيار السلفي المتفتح، عبر تنقيحها وتشذيبها بمعطيات الحضارة الغربية المعاصرة «الإيجابية»، وإذا كان الخاطر لم يصغ، فلسفيا، مثل هذه الرؤية فإننا نلمح بعض عناصرها من خلال البحوث التطبيقية، أو لعل هذه الرؤية راحت تتشكل أثناء التنقيب في المادة التاريخية، وتبدو هذه القلقلة والترددات بين السلفية والليبرالية، ليست خاصية للخاطر وحده، بطبيعة الحال فهي سمة أجيال كثيرة في الثقافة العربية.
وقد واصل الخاطر بحوثه وتنقيباته التاريخية، بجهد فردي دؤوب، فاستطاع ان يجهز كتابات للمثقفين البحرينيين في الثلث الأول من هذا القرن، ويتابع تطور المسرحية التاريخية كما تشكلت عند العريض وفي المسرح المدرسي ويكتب بحوثا جزئية حول ظهور المطابع في البحرين الخ …
وهذه الجهود كلها تؤكد استمرار الباحث في تسليط الضوء على التاريخ الذي لم يعد مجهولا، كليا، بفضل هذا الجهد الطليعي ..
المؤرخ البحريني مبارك الخاطر يضيء تاريخ الكويت الثقافي
المسيرة الصعبة للكتب والمكتبات والثقافة في الخليج
يمثل مبارك الخاطر المؤرخ الأكثر دأبا ونشاطا في إضاءة زوايا التاريخ الثقافي المعاصر المعتمة، في البحرين ومنطقة الخليج عموما، لقد كثرت اصداراته في هذا المجال وتركزت على تسليط الأنوار على الحركة الثقافية والاجتماعية البحرينية في النصف الأول من القرن العشرين، حيث مثلت «الثقافة» أحد أهم الأشكال والتجليات لنمو الوعي الوطني بعناصره المختلفة، وقد عبرت كتبه «القاضي الرئيس قاسم المهزع»، و«الكتابات الاولى الحديثة لمثقفي البحرين»، و«نابغة البحرين عبدالله الزائد»، وغيرها عن هذا الرصد التحليلي الطويل، بحيث غدا تاريخ البحرين الاجتماعي الثقافي المجهول بشكل كبير، يتجه نحو الوضوح والتبلور.
وهو في كتابه الحالي الذي نستعرضه هنا (المؤسسات الثقافية الاولى في الكويت)، والصادر عن دار قرطاس للنشر سنة 1997، يتوجه نحو حقل جديد من حقول البحث التاريخي، وهو رصد بدايات الحركة الاجتماعية والثقافية في الكويت.
إن منهج مبارك الخاطر يتمثل في التركيز على بؤر بحثية معينة وكشفها عبر موادها المتوافرة، وغالبا ما تكون هذه المواد فقرات من رسائل وصفحات من جرائد وكتب وشهادات من رجال عاشوا في تلك الفترة المبحوثة.
ومبارك الخاطر لا يكشف الفترة المدروسة عبر وضعها في سياقها التاريخي الموضوعي، معتمدا على دراسة تلك الفترة ومشكلاتها وقواها السياسية والفكرية ووضع المنطقة والعالم، فهو يدخل مباشرة الى اللحظة التاريخية وابطالها، معتمدا على أقوالهم وآرائهم عن انفسهم، مستندا الى رسائلهم في اغلب الاحيان، وفي هذا الكتاب الأخير يعتمد على مقتطفات من كتب صدرت حينئذ، واحيانا تكون هذه المقتطفات المستشهد بها كبيرة، بحيث أننا نرى المؤرخ الخاطر يتطابق مع شخصياته المدروسة.
وغالبا ما تكون هذه الشخصيات سلفية، بخلاف عبدالله الزائد الذي كان خارج هذا النسق الفكري، وهذه السلفية السائدة يقول عنها الخاطر انها «تجديدية»، و«تنويرية»، لكن نعجز عن امساك وتحديد هذه التجديدية وغيرها من الصفات الكبيرة.
الشخصيات السلفية التي رأيناها في الكتب البحرينية هي شخصيات تستعيد مذهبا اسلاميا معينا وتدعو له، كما حدده أئمة سابقون، لكن الشخصيات المعاصرة لا تطرح تجديدا وتحديثا، بل تعتبر ذلك بدعة فضلالة !
هذا المنهج يعيد الخاطر نسجه باختصار على تاريخ الكويت الاجتماعي والثقافي، متوجها مباشرة، وبدون مقدمة تحليلية تضع هذا التاريخ في سياقه ومشكلاته؛ فيتحدث عن ثلاثة انجازات كويتية في مجال النهوض، وهي مؤسسات اهلية موجهة للخدمة الاجتماعية والفكرية وهي «الجمعية الخيرية»، و«النادي الأدبي الكويتي»، و«المكتية الأهلية؛».
تبدو هذه المؤسسات التي كونها الشعب الكويتي، وبالتحديد الطبقة الوسطى وخاصة «التجار»، و«الطواشين» مؤسسات منفصلة عن بعضها البعض، غير معبرة عن تحرك اجتماعي سياسي معين، فالخاطر يبحثها كوحدات مستقلة، وليس كتجليات مختلفة لذلك الصعود الشعبي، الذي يحاول أن يتخطى النسيج التقليدي بتخلفه، والوطن بتبعيته للإنجليز..
ولأنه يركز على أقوال وشهادات واشعار الرجال المؤسسين لهذه الحلقات المتعددة المنفصلة، فنحن لا نعرف البنية الاجتماعية المدروسة، التي تتشكل هذه الحلقات لتغييرها، فلا نعرف لماذا نشأت بهذا الشكل دون غيره، ولماذا تجمدت أو انتهت أو تم الحاقها بمؤسسات النظام الاجتماعي؟!
فالجمعية الخيرية الكويتية كانت أحد التجليات للصراع السياسي الدائر حينذاك بين الدولة العثمانية والإنجليز، ورغم أن الخاطر يخلط بين توجهات العديد من المثقفين المعروفين وقتذاك كجمال الدين الأفغاني والكواكبي ومحمد رشيد رضا، حيث مثلوا نزعات ودرجات فكرية مختلفة، فإنه يصل إلى دعوة محمد رشيد التي حث فيها (المثقفين في الخليج على تكوين جمعيات اسلامية ذات نفع عام لخدمة المسلمين كل في بلاده.. لتعزز هذه الخدمة وقوف الخليجيين أمام المد التبشيري الحديث..).
والواقع، انها ليست فقط جمعيات اسلامية ذات نفع، بل جمعيات سياسية تابعة للأتراك، تستغل العمل الخيري للتجنيد وتكوين القواعد للحركة من أجل أهداف سياسية محضة. لهذا كانت هذه الجمعيات تشكل تحركها بأثارة الخوف من التبشير. وهو كان وجها للتوغل الاستعماري. لكن كان عداؤها المستمر للتحديث والتجديد، خوفا من انسحاب القواعد الاجتماعية المحلية من سيطرتها.
لهذا فلا نستطيع اعتبار هذه الحركة تجديدية؛ إلا بشكل محدود جداً، فهي محافظة بقوة، ولن نجد لها بصمات تغييرية عميقة في البنية الاجتماعية المتخلفة، بل هي ستحافظ عليها، خاصة في مجال الوعي.
أن توجه الجمعية الواضح لمساندة الأتراك، وليس لتكوين قواعد نهضوية محلية، يثبت الطابع السياسي الفوقي والخارجي الذي لم يستطع لهذا أن يمد جذوره في التربة الكويتية.
لقد انتهت الجمعية الخيرية الكويتية، التي كانت مؤسسة اجتماعية سياسية أكثر منها مؤسسة ثقافية.
كان يفترض من الباحث أن يقوم برصد هذا العمل الاجتماعي السياسي، وأن يحلل علاقاته بالجمهور الفقير خصوصا، الذي يقوم بمساعدته وتجنيده، ولماذا لم يتم التوجه إلى تثقيف الجمهور وإصلاح الحياة؟ وهل كانت أدوات الاتجاه السلفي قادرة على ذلك؟
لقد تجمد هذا الاتجاه ولم ينم إلا بفضل مساعدات الإنجليز والقوى المحافظة عموما، لهذا وجدنا الحياة الثقافية والفكرية تحتضن من قبل التيارات الحديثة.
ثم يقوم الباحث بتطبيق ذات المنهج الدراسي في قراءة تكون المكتبة الأهلية الكويتية، التي تم تشكيلها سيئة 1922، فوجدنا مسألة المكتبة كحلقة أخرى مفصولة من التطور الثقافي.
فما هي علاقاتها بالنزعات الفكرية وصلتها بالصراع الوطني والاجتماعي؟
ان الباحث يغرق هنا في التفاصيل الماساوية لهذه المكتبة، التي تشكلت من بضعة آلاف من الكتب، وتنقلت بين الدور والدكاكين حتى تآكلت وانهارت وغدت (لا تتجاوز المائتي كتاب، معظمها مقطع الأوصال بعد ان كانت اكثر من الف وخمسمائة كتاب) ص 65 .
لا نعرف ما هي عناوين هذه الكتب، وخدماتها للمثقفين والحياة الفكرية، وتشكيل الأدب والفن ودورها المعرفي المنتظر..
أن حلقات البحث تتقطع، ولا نرى اللوحة العامة للحياة الاجتماعية الثقافية، ونجد الأعمال الاجتماعية والسياسية تغدو في منهج الخاطر عمالا ثقافية، كما لا نجد المستويات الإبداعية في الأعمال الثقافية.
فنحن في الحلقة الخاصة عن النادي الأدبي الكويتي لا نرى دورا أدبيا لهذا النادي وصلاته بالنزعات الثقافية والفكرية، بل سنقرأ مجموعة من الخطب والاشعار التي القيت بمناسبة تشكيل النادي أو التي نظمها بعض المثقفين الكويتيين، خاصة خالد الفرج.
لكن ما هي علاقة كل هذا بسياق النادي، ووظيفته لإنتاج الأدب والثقافة؟ هل استطاع النادي الادبي ان ينتج أدبا ام هو واجهة اجتماعية سرعان ما ذابت؟ وما هي علاقته بالشعر والقصة والمسرح؟
لا نجد اجابات عن كل هذه الاسئلة، وسوف يقوم الباحث بوضع قصائد كاملة لبعض الشعراء في الكتاب، دون أن تتم قراءة نقدية وأدبية لهذه الأشعار.
ويقوم الباحث باشارات إلى التداخل الاجتماعي والسياسي بين الكويت والبحرين، وتأتي هذه الإشارات مفاجئة، وعرضية، دون ان تتحول الى مقارنة عميقة بين التطور المتقارب والمتباين بين المجتمعين الشقيقين.
فالخاطر يعتبر حلقات التطور وإقامة الأندية الثقافية سياقا واحدا، بسبب هذا المنهج العام الذي لا يدخل في التشكيلات النوعية للظواهر، ويقوم بعزلها، وتجريدها، وتشخيصها (أي جعلها شخصية وفردية). فيبدو التاريخان الثقافي والسياسي البحريني والكويتي واحدا.
عموما فإننا نثمن جهد المؤرخ مبارك الخاطر وأعماله المتصلة في قراءة تاريخنا المعاصر، ونود ان يواصل جهوده بمزيد من العمق والتنويع، كما نتمنى أن يظهر مؤرخون شباب يستطيعون استكمال هذا الجهد، عبر أدوات البحث الجديدة والمعاصرة.
هتلر يحكم إسرائيل
غزة وحماس
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
ابن باجة* : كتب ــ عبدالله خليفة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
تذكر أنك ضيف وليس لص
1 ــ معنى التوحد
في كتابه (تدبير المتوحد) يتوجهُ ابن باجة إلى تعبيرٍ جديدٍ في الفلسفة العربية الإسلامية هو (التدبير) ، ويُقصد به ( ترتيب الأفعال نحو غايةٍ مقصودةٍ ) ، (1 ) وهذا التدبيرُ يتصفُ بالكثرةِ ويُؤخذُ من حيث هو ترتيب ، ويتصفُ بارتباطهِ بالأعمال الكبرى في الحياة ولهذا ( يُقال في ترتيب الأمور الحربية ) ، ( وأشرف الأمور التي يُقال عليها التدبير هو تدبير المدن وتدبير المنزل ) ، (2 ) .
ويتداخلُ تصنيفُ ابن باجة هنا في التدبير مع فلسفتي أفلاطون والفارابي اللذين يذكرهما في الفصل الأول مراراً ، والفلسفتان هما المتعلقتان بالجمهورية أو بالمدن الفاضلة ، ولهذا تأتي ألفاظٌ في هذا الفصل مثل (الصناعة المدنية) و(المدينة الفاضلة) ص 8 ، فتتداخلُ كلمةُ (المنزل) مع المدينة على نحوٍ غامضٍ في تعبيراته التي تمتاز بالتداخل وعدم الوضوح :
(فإن وجوده الأفضل أن يكون مشتركاً ، وكيف صفة اشتراكه ؟ وأما المنزل في غير المدينة الفاضلة ، وهو المدن الأربع التي عدت ، فإن المنزلَ فيها وجوده ناقص وأن فيه أمراً خارجاً عن الطبع ، وأن ذلك المنزل فقط هو الكامل الذي لا يمكن فيه زيادة فلا تعدو ناقصاً ، كالأصبع السادسة ) ، (3) .
من الواضح هنا بأن المنزل هو ( جزءٌ من المدينة ) ص 8 ، وإن ابن باجة يشيرُ إلى رؤية أفلاطون للحياة المنزلية المشتركة ، وللمشاعة الأسرية ، حيث يتمُ إلغاء الملكية الخاصة ، وتتشاركُ المجموعاتُ الأسريةُ في الملكية العامة ، وبهذا فإن تدبير المنزل هو جزءٌ من تدبير المدينة ، وإن المنزل الكامل هو ذو الملكية الجماعية ، ومن هنا نفهم عبارته في هذا السياق الغامض والتي يقولُ فيها : ( إن الزيادة فيه نقصان . وأن سائر المنازل ناقصة بالإضافة إليه ومريضة ، لأن الأحوال التي تباين بها المنزل الفاضل تؤدي إلى هلاك المنزل وبواره ، ولذلك تشبه المرض ) ، (4) .
إن المنزل الاجتماعي الراهن والذي تسودُ فيه الملكية الخاصة واللامساواة هو منزلٌ ليس فاضلاً كما نفهم من نصه ، (فإنه إن خلا منزل من ذلك لم يكن أن يبقى ولا كان منزلاً إلا باشتراك الأسم . فلنترك القولَ فيه ولنعرجَ عنه لمن تفرغ للقول في الأمور الموجودة وقتاً ما .) ، (5) .
ورغم إنه هنا يقولُ بإنه سيدعُ أمر المنزلِ إلا أنه يواصل التعبير عنه بهذا الشكل اللغوي المضطرب ، ويخلصُ إلى القول : (وهو بينٌ أن القول فيه جزءٌ من القول في تدبير الإنسان نفسه) ، (6) .
إن ابن باجة وهو يقطعُ علاقةَ أفكارهِ بأصولها الأفلاطونية لا يوضحُ بأن المقصودَ بها هو نظرة أفلاطون إلى الحياة الأسرية المشاعية ، وأن الأسرة المشاعية هي أساس المدينة الفاضلة التي يتوخى الحديث عنها ، فهي الأساس الأسري والاجتماعي لتكوين مدينة فاضلة انتفت منها الملكيات الخاصة ، وبهذا فهو يعبرُ بالألغاز عن أفكار عبرعنها الفارابي في مدنه الفاضلة سابقة الذكر (7) ، ثم يضطربُ مرة أخرى فيقول : (فمن ها هنا تبين أن القول في تدبير المنزل على ما هو مشهور ، ليس له جدوى ولا هو علم ، بل إن كان فوقتاً ما ، كما يعرض ذلك فيما كتبه البلاغيون في كتب الآداب التي يسمونها نفسانية مثل كتاب كليلة ودمنة ومثل كتاب حكماء العرب ، المشتملة على الوصايا المشورية ) ، .
إنه لا يريدُ أن يعبرَ عن فكرتهِ بوضوح وكون الحياة الأسرية المثالية مرتبطة بإنتاج ملكية مختلفة عن الملكية الخاصة وعن تربية الأطفال السائدة ، فينقضُ نصَـه السابق بكون تدبير المنزل جزءٌ من تدبير النظام الاجتماعي العام ، المراد تشكيله بديلاً عن النظام الفاسد الراهن ، فلا يعرض شيئاً آخر ويتوه في زقاق فكري جانبي ، فلا نعرفُ ما المقصود بإدراج كليلة ودمنة في معرض الحديث عن تدبير المنزل والمدينة ؟
فكليلة ودمنة تتعلقُ بحكايات رمزية ذات هدف إصلاحي يستهدفُ تغيير الدولة والمجتمع من منطلق خاص ، (9) ، لكننا لا نرى تحليلاً يربطُ ما بين وضع الأسرة والمدينة في جمهورية أفلاطون وفي كليلة ودمنة ، حيث يتوجه أفلاطون إلى تشكيل مجتمع مثالي خيالي ، في حين يقومُ ابن المقفع بنقد السلطة المطلقة للأسد – الملك ، وإذا كان كلاهما يتجهان للإصلاح فعلاً فمن منطلقات مختلفة كثيراً ، لكن ابن باجة لا يقومُ في كتابهِ بهذا التحليل ، وهنا نجدُ الثغرات المتعددة التي تــُتركُ بين الأفكار والرموز المحللة والكتب المُستشهد بها .
وسنرى لاحقاً لدى ابن رشد كيف تتم عملية تكميل مشروع ابن باجة هذا ، خاصة من زاوية تحليل جمهورية أفلاطون ، ومقاربتها للمجتمع الإسلامي (10) .
وبعد هذا العرض المأخوذ بتصرفٍ مرتبك من أفلاطون والفارابي ، فابن باجة يتوجه بسرعةٍ شديدة لوصف المدينة الفاضلة بأنها (تختصُ بعدم صناعة الطب وصناعة القضاء) (11) ، دون أن يمهد لعرض طبيعة هذه المدينة الفاضلة إنتاجاً وعلاقات اجتماعية وسياسية ، فيندفع لوصف جوانبها الشديدة المثالية وغير الواقعية وخاصة ما يتعلق بإلغاء علم الطب !
ويعلل ذلك بقوله :
( وذلك أن المحبة بينهم أجمع فلا تشاكس بينهم أصلاً ، فلذلك إذا عري جزءٌ منها من المحبة ووقع التشاكس احتيج إلى وضع العدل واحتيج ضرورة إلى من يقول به ، وهو القاضي ، وأيضاً فإن المدينة الفاضلة أفعالها كلها صواب . . ولذلك لا يتغذى أهلها بالأغذية الضارة . .) ، ( 12) .
إنه وبعد أن عزل الأسس التي أقيمت عليها هذه المدينة الفاضلة يقومُ بعرضِ مزاياها الخيالية ، حيث كمالها غير المبرر يؤدي إلى ظاهرات مثل غياب القضاة والأطباء ، لأنه لا توجد صراعات فيها ، ولا توجد أمراضٌ ويتصور بأن الأمراض كلها ناتجة عن سوء الغذاء ، ومتى ما كان الغذاء صحياً فلا طريق إلى تسلل الأمراض إلى هذه المدينة الكاملة .
وأما المدن الأربع الناقصة فإنه يجري فيها مثل ذلك ، وهنا لا ندري عبر هذا الكتاب ما هي المدن الأربع ، فالمؤلف لم يعرض كما قلنا بتسلسلٍ واضح أفكار المعلمين السابقين الذين يستقي منهما هذه الأفكار .
وهكذا يقارن بشكلٍ متكررٍ ودائم ومتقطع ومتداخل بين هذه المدن الأربع والمدينة الخامسة – النموذج المطلوب ، فالعادات السيئة والشريرة كالكذب والفساد كلها في المدن الأربع ، ويمثل (النوابت) الشكل الاجتماعي الغامض لكل هذه الشرور :
(فبينٌ أن من خواص المدينة الكاملة أن لا يكون فيها نوابت ، إذا قيل هذا الاسم بخصوص ، لأنه لا آراء كاذبة فيها ، ولا بعموم ، فإنه متى كان ، فقد مرضت وانتقضت أمورها وصارت غير كاملة) ، (13) .
ونظراً لسيادة المدن الناقصة فإن التغيير كما يراه ابن باجة يكون عبر تشكل نموذج أفراد هو الذي أطلق عليه اسم كتابه (تدبير المتوحد) فهؤلاء الأفراد يقومون بفعل التدبير المتوحد الذي يشكل تلك (النظافة) الأخلاقية والاجتماعية الطوباوية التي يدعو لها ابن باجة ، ولكن من الممكن أن يكون المتوحد أكثر من فرد ، وأن يكون ثمة متوحدون ، (ما لم يجتمع على رأيهم أمة أو مدينة) ص 13 ، فمن الممكن في رأيه أن ينمو هذا التوحد ويشكل فعلاً جماعياً ، ولكن كيف وهم أفراد متوحدون ؟
(لأنهم ، وإن كانوا في أوطانهم وبين اترابهم وجيرانهم ، غرباء في آرائهم ، قد سافروا بأفكارهم إلى مراتب أخر هي لهم كالأوطان ، إلى سائر ما يقولونه .) ، (14) .
2 ــ النفس والأخلاق
وبخلاف الفلاسفة المشارقة المسلمين الذين يبحثون صورة الذات الإلهية كما يتخيلونها ويتحدثون عن الفيض الغيبي ، فإن ابن باجة كما رأينا في الفصل الأول يتوجه لبحث معنى عنوان كتابه ، متوجهاً إلى الإنسان المفرد ، كي يدعوه إلى نظرة معينة ، هي أن يكون مختلفاً في مدن الشر والفساد ، وفي الفصل الثاني يكملُ هذا البحث متجهاً إلى بحث النفس والأخلاق.
إنه لا يأتي بجديد أثناء عرضِ أصناف النفس ومستوياتها حيث النفس المغذية والمولــِّدة والنامية ، وكذلك لا يأتي بجديد في العلاقات المتداخلة بين الكائنات ، وكون الإنسان هو تتويج الكائنات الحية كما تطرح الفلسفة الدينية عامة ، كذلك فإن رؤيته لكون الزهد والسمو الأخلاقي هو جوهرُ الكائن الإنساني ، هو أيضاً متابعة للفارابي وغيره ، لكنه يقومُ بالتغلغل في جوانب جزئية لهذا السمو ، عبر رؤية التداخل ما بين (البهيمي ) والإنساني ، ويصيرُ المتوحدُ هنا هو القادر على الصعود المستمر من الأفعال البهيمية نحو الكمال الأخلاقي ، لكن لا نجد ذلك الانسحاب من المجتمع والأنزواء ، كما أن الغيبيات الكثيفة حول النفس لا نجدها لدى ابن باجة بل أن المتوحد هو إنسانٌ داخل الحياة الاجتماعية ، أما النفس الكونية والعجائبية لدى الفلاسفة المشارقة فإنها تغدو هنا مجرد نفسٍ إنسانية فردية بسيطة تسعى للارتفاع بأفعالها عن الخسة وعن الأعمال غير الأخلاقية ، جاعلةً هذه الأفعال الخيرة هي بؤرة وجودها .
هنا نلمحُ الفردَ المنتمي للفئات الوسطى وهو يستشعرُ فرديتــَهُ ويرفضُ المدنَ الأربع الرديئة التي نفاها الفارابي ، لكن ابن باجة لا يتحدثُ عنها بوضوح ، ويظلُ ملتفاً بجملٍ غامضة ، داعياً الأفراد المتشابهين (المتوحدين) إلى التماثل الأخلاقي المثالي .
ولا شك أن هذه الدعوة هي بحدِ ذاتها لغةُ تعارضٍ مع الدولةِ منتجةِ الفساد العام ، ولهذا سنلاحظ كيفيةَ تشكل اللغة الفكرية لابن باجة كلغةٍ منولوجيةٍ تلخيصيةٍ تحليلية متقطعة متنامية ، كمحاولةٍ لبلورةِ معنىً نقدي مضطرب .
3 ـــ العقل والصورة
إن ابن باجة يواصلُ تلخيصَ الفلسفة الأرسطية والمشرقية فيتحدثُ في فصل (القول في الصور الروحانية ) عن الروح والنفس اللتين يراهما كتكوينٍ واحدٍ ، ويلخصُ رؤى من سبقوه بقوله :
(والروحاني منسوبٌ إلى الروح . . ويدلون به على الجواهر الساكنة المحركة لسواها ، وهذه ضرورة ليست أجساماً ، بل هي صورٌ لأجسام . .) ، (15) وفي هذا نجدُ استمرارَ رؤية الروح كجوهر ، وليس كعمليات ، ولكن ابن باجة ينعطفُ بالتعبير نحو جانبٍ جديدٍ فهذه الجواهر ليست أجساماً بل صوراً ، أي هي عملياتٌ عقلية داخلية في وعي الإنسان ، وبهذا فإن ابن باجة يفارقُ غيبيات الفلاسفة المشرقيين ويتجاوزُ تشكلَ الروح كما تتمظهرُ في ما وراء الطبيعة وبالشكل اللاعقلاني السائد ، ويحددُ أنواعَ العقول المؤسسة أرسطياً ومشرقياً كالتالي :
(والصورُ الروحانيةُ أصنافٌ . أولها صورُ الأجسام المستديرة ، والصنف الثاني العقل الفعال والعقل المستفاد ، والثالث المعقولات الهيولانية ، والرابع المعاني الموجودة في قوى النقس ، وهي الحس المشترك وفي قوة التخيل وفي قوة التذكر) .
ويكررُ ابنُ باجة ما هو معروف ، ولكنه يعرضُ جانباً منها بصورةٍ جديدة أيضاً ، فالعقل المستفاد هو متممٌ للعقول وللصور المادية في عقل الإنسان ، فهو يتشكلُ عبر تلاقحٍ جدلي بين الأشياء والعمليات وبين الفكرة ، فهو غيرُ منفصلٍ عن مرئيات الواقع ولا عن النمو الفكري الداخلي في الإنسان .
في حين يغدو العقل الفعال هو (الفاعل لها) ص 21 ، أما الصنف الرابع الموجود في قوى النفس والحس المشترك والتخيل (فهو وسط بين المعقولات الهيولانية والصور الروحانية) ، (16) .
يتضحُ هنا كيف أن ابن باجة يعقلن الصورَ والأفكار الروحية الميتافيزيقية ، فيقطعُ الماورائيات الغيبيةَ الكثيفة ، فهو يقولُ عن صورِ الأجسام المستديرة ، وهي الكواكب والنجوم التي تلعبُ دوراً حيوياً في الفلسفة المشرقية : (وأما الصنفُ الأولُ فنحن نعرضُ عنه في هذا القول ، إذ لا مدخل له فيما نريدُ أن نقوله ) ، ص 22 .
إن إزاحة هذا الدور يتم هنا بغموض كذلك ، فهل هو تأجيلٌ للبحث أم إلغاءٌ من التأثير؟
لا نعرف ذلك ، وهو يواصلُ هدمَ غيبيات الفلسفة المشرقية حين يأتي لدور العقل الفعال الذي يأخذُ لديه :
(وإنما نستعملُ في هذا القول الروحاني المطلق ، وهو العقل الفعال وما يُنسبُ إليهِ ، وهو المعقولات . وأسمي في هذا القول هذه المعقولات بالروحانية العامة ، وأسمي ما دونها أي الصور الموجودة في الحس المشترك ، الروحانية الخاصة ، وسيتبينُ بعد ذلك هذا لمَ أخصُ هذا بالخاصة وتلك بالعامة) ، (17).
وإذ لا يهتم ابن باجة بالتشكيل الغيبي للعقل الفعال فهو يهتمُ بتكونه الموضوعي المادي ، فنرى تركاً لمتابعة العقل المفارق وتركيزاً على العقل الأرضي .
فالصورُ الروحانيةُ العامة التي جاءت من العقل الفعال (لها نسبة واحدة خاصة ، وهي نسبتها إلى الإنسان الذي يعقلها . أما الصورُ الروحانية الخاصة فلها نسبتان . إحداهما خاصة ، وهي نسبتها إلى المحسوس ، والأخرى عامة ، وهي نسبتها إلى الحاس المُدرك لها ، مثال ذلك صورة جبل أُحد عند من أحسه . .) ، (18) .
وبعد أن قطع ابنُ باجة العلاقات الغامضة الغيبية بين العقل وما وراء الطبيعة ، فإنه يبحثُ في الفصل الثاني مدى يقينية تلك الصور المعرفية ، ومدى مطابقتها للحقيقة التي تتجسدُ لديه في الواقع .
ولكي تكونُ الصورةُ صادقة فلا بد أن تتجاوزَ ضعفَ الحواس :
(فإن الحسَ قد يكذب . مثالُ ذلك ، حس المحرورين بالأشخاص التي يخاطبونها حسٌ كاذبٌ . وكذا طعم أصناف من المرضى كاذب ، والإنسان بالصور الورحانية المختلطة صادق وكاذب وأفضل الصور الروحانية ما مر بالحس المشترك) ، (19) .
وتمثلُ ذاكرة الحس المشترك الجوانبَ الانعكاسية المباشرة من الطبيعة والمجتمع والأشياء ، ثم تغدو الصورة أقل جسمية في الذاكرة ، ثم تنتفي علاقتها المادية المباشرة في (القوة الناطقة) ، حسب التعبير بالرموز عن الصور .
إن الصورَ تتصاعدُ من الخاص إلى العام : (فإنه كلما وُجدت النسبة الخاصة ففيها جسمية) ، فإذا ارتفعت الجسمية وصارت روحانية محضةً لم يبق إلا نسبتها العامة) .
وإذا كانت الصورُ تتشكلُ عبر الحس السليم فإن ابن باجة يقولُ أيضاً أنها تتشكل عبر الحدس ، ولكن (هذه فلا تكون باختيار إنسان ، ولا له في وجودها أثر يدخلُ في هذا القول . وأيضاً فإنها موجودة في الفرد من الناس في النادر من الزمان ، فلا يتقوم من هذا الصنف من الموجودات صناعة أصلاً ولا نحوه تدبير إنساني ، فلذلك لا مدخل له في هذا القول) ، (20).
فإذا كانت المعرفة الصادقة هي نتاجُ الوعي المباشر والمتصاعد من الحس المشترك إلى اللغة ، فإن الحدس لدى الفيلسوف هو عملية نادرة فردية تتم بشكلٍ غير إرادي ، ولكن هذه الحدوس لدى المحدثين وأصحاب الرؤى: (فهي زائدة على الأمر الطبيعي لكنها مواهب إلهية . وهذه لا يحدث عنها صناعة ، لأنها في الأقل من الناس . بل الأمر الطبيعي هو التوسط ، وهو وجود الظن مختلطاً ، وأفضل هذه الوجودات أن يكون أكثر ظنونه صادقة وأن لا تختلط ، إلا فيما شأنه ذلك ، (21) . فالحدوسُ لا يمكن الاعتماد عليها في بناء نظرة عامة للمعرفة .
تتجهُ نظريةُ المعرفة عند ابن باجة إلى الاعتماد على الحس والمحسوس وتصعيد دورها ، فيقولُ بأن (اليقينية من محمولات الصور الخاصة ، فهي المحمولات التي توجد أشخاصها في الصور الجسمانية ، ولذلك ترك بالحس) ، (22) وهذه العملية المعرفية هي التي تنطلقُ من الحواس التي تتعاونُ مع بعضٍ لتكوين الصور ، ولكنه لا يكتفي بها فقط بل أيضاً يدخل الفكر (وربما احتيج إلى القوة الفكرية كذلك ) ، ص 28 . وكذلك ينشأ القياس من الصور ومن تداخل الوعي ، ص 28.
إذن عبر الحواس والفكر والقياس تتشكلُ المنظومة المعرفية :
(فلذلك إذا اجتمعت القوى الثلاث حضرت الصورة الروحانية ، كأنها محسوسة ، لأنها عند اجتماعها يكونُ الصدقُ ضرورةً ويشاهد العجب من فعلها) ، (23).
إن انفصال الفكر عن الحس قد تتمظهر عنه : (صورٌ غريبة ومحسوساتٌ بالقوة هائلة المنظر وأنفس أحسن كثيراً مما في الوجود) ص 23 ، وعلى هذا النحو من التضخم الصوري – النفسي أدرك الغزالي الأشياءَ ، كما يواصل التحليل ، ثم يصلُ إلى هذه العبارة الخطيرة في الفلسفة العربية الإسلامية :
(ولذلك زعم الصوفية أن إدراك السعادة القصوى قد يكون بلا تعلم ، بل بالتفرغ وبأن لا يخلو طرفة عين عن ذكر المطلق ، ولأنه متى فعل ذلك أجتمعت القوى الثلاث وأمكن ذلك ، وذلك كله ظن ، وفعل ما ظنوا أمر خارج عن الطبع . وهذه الغاية التي ظنوها إذن لو كانت صادقة وغاية للمتوحد ، فإدراكها بالعرض لا بالذات ، ولو أُدركت لما كان منها مدينة ولبقي أشرف أجزاء الإنسان فضلاً لا عمل له ، وكان وجوده باطلاً ، وكان يبطل جميع التعاليم والعلوم الثلاثة التي هي الحكمة النظرية ولا هذه بل والصنائع الظنونية كالنحو وما جانسه ) ، (24) .
عبر (اليقين في محمولات الصور الروحانية بالذات) ، وعبر (الأخبار وتواترها ) (واجتماع القوة الفكرية مع القوة الذاكرة) وأن هذه كلها إذا لم (يتحد مع الحس) : (لم تحضر صورة الشيء كما هو في الوجود) ، ص 30 .
ولكي يغدو متوحد ابن باجة غير متوحد الصوفية عبر هذه النظرية المعرفية التي تكشف العالم الموضوعي ، لا بد له من أخلاقيات مختلفة :
(ونحن إنما نقصدُ فيما نحن بسبيله تدبير المتوحد ، ومن الصور الروحانية الكاذبة يكون الرياء والمكر وقوى أخر شبيهة به ) ، (25) .
تغدو وسائل الكذب والتمويه المتسعملة من قبل القوى المسيطرة فضائل عند المخدوعين بها ، ولهذا فإنهم كما يقول ابن باجة يفضلون معاوية بن أبي سفيان على علي بن أبي طالب ، وفي هذه الانعطافة السياسية الفكرية لدى الفيلسوف تترابط قضايا الوعي الأخلاقي بالبنى الاجتماعية العربية ، حيث كانت كل الرذائل وطرق التفكير المتداخلة معها هي أشكال الوعي والسلوك لدى الأشراف الحاكمين ، في حين تكون لدى المتوحد نقائضها .
فكلما ازدادت الفضائل والمعرفة كلما هيمنت على المتوحد روحانيته لا جسمانيته ، فيغدو التطور الروحي الأخلاقي هو أساس التكوين البشري ، رغم أن ذلك لا ينقطع عن الاهتمام كذلك بالجسد .
والطابع الاجتماعي لدى ابن باجة لعملية تشكل الفضائل والمعرفة واضحة فهؤلاء الجسمانيون المتوقفون عند الحس يتجسدون في هذه الأوصاف :
(التأنق في أنصاف المطاعم والروائح) ، (السُكر ، ولعب الشطرنج ، والصيد للالتذاذ) وبطبيعة الحال فمن يستطيع ذلك هم (الصنف القليل من الناس) .
ولكي يوضح تماماً وجودهم الاجتماعي يقول :
(وهذا الصنف إنما يوجد أكثر في أعقاب ذوي الأحساب . وعلى أمثال هؤلاء ينقطع ثبوت شرف الإنسان . ولذلك إنما ينتقلُ الهولُ عن أجناس الأمم على أيدي هؤلاء) ، (26) .
هذا هو التقييم الفكري – الثقافي لمسيرة هيمنة الأشراف على المعرفة والأخلاق ، فهذه السيطرة تقود إلى فقدان الشرف ، وبطبيعة الحال فإن التدهور (الهول) يتشكلُ عبر هذه السيادة التي تفرغ العرب والمسلمين من ذلك الاهتمام بالمعرفة والسمو بالروح .
ويواصل ابن باجة كشف الطابع الاجتماعي عبر التحديد السياسي لأصحاب الحسب ، فيقول :
(وذلك موجود كثيراً في هذا الزمن الذي كتبنا فيه هذا القول ، وكان في هذه البلاد في سيرة ملوك الطوائف أكثر . وهؤلاء يعرفون بالمتجملين ، وتلقب هذه السيرة بالتجمل ، فلذلك يقال أن التجمل يذهب بالمال ، ويتوسلون به في حوائجهم عن أكابرهم ويهرجون ويمرجون بها) ، (27 ) .
هكذا عبر الزهد والتطلع إلى الجوانب الروحية الرفيعة وترك مباذل المتع ودون إزالة تطلعات الجسد الإنسانية ، يتكشف المثقف التحديثي الطالع من صفوف الفئات الوسطى ، وهو يتوجه للمعرفة ويشكل منهجاً يقوم على (التفكير الاستدلالي والاحتجاج المنطقي ) كما يصف هنري كوربان الفلاسفة اليونان ، وفي مواقع أخرى تلامذتهم العرب المسلمين ، (28)
وهو الآن يتحدث عن الفضائل الأخلاقية والاجتماعية التي سيدها أهلُ الأحساب ، وهو يقرأها بشكلٍ عامٍ تجريدي مثالي ، فهو يواصلُ القولَ عن ذوي الأحساب وأخلاقهم :
(وجميع الآراء المكتوبة والراقية مطبقة على ذم هؤلاء الناس) ، ونلاحظ كلمة (الراقية) تعطينا فصلاً بين نمطين من القوى الاجتماعية ، حيث يغدو أهل الأحساب معبرين عن تدهور اجتماعي ، لا عن رفعة ، وتتجسد عملية التدهور في الوضع المادي المعيشي أولاً عبر الملابس وأحوال المساكن ووضع المأكل والمشرب ، وعبارات ابن باجة هنا عامة غائمة :
(وقليل ما توجد له هاتان مفردتين ، لكنه أكثر من الأول . وإنما عـُدت هذه نبلاً لمواقع الصور الروحانية منها . وعلى أمثال هؤلاء تنقرضُ الدولُ في الأكثر) ، (29) .
وهو يقصدُ هنا بأن الكثير من الناس لديه هذه الصور المعيشية وهي تراها (نبلاً) حيث هي صورة (الرقي) المتعارف عليها ، ونلاحظ هنا الخميرة الفكرية التي ستغدو عند ابن خلدون بؤرة مركزية في تاريخه الاجتماعي .
ومن هذه الصور ما تكون الطبقة الحاكمة به المظاهر ويـُقصد منه الانفعال ، أي التأثير الاجتماعي ، (كلباس السلاح في غير الحرب ومالعبوس وسائر الهيآت النفسانية ، وفي هذا يدخل ما يصنعه الملوك عندما يدخلُ إليهم العامةُ والغرباءُ عنهم كالرسل . .) ، (ومنها ما يقصد الالتذاذ كالشتم والتودد ، والبر ، والهزل داخل في هذا الصنف ، وكثير من الملابس والمساكن التي تيعجب منه) ، (ومنها ما يقصد به الكمال فقط ، وأن عرض فيه بعض هذه فالبعض ، وهي الفضائل الفكرية وهي العلوم والعقل) .
وهو يرى بأن هذه (يـُقصد منها أن تولد في النفس خشوعاً ، فتعقبه الكرامة وسائر الخيرات) ، (30) .
إن كل هذه الجوانب (الأخلاقية) يقصد منها الخضوع ، وتظهر الثقافة الرفيعة في البلاطات هذه كظاهرات جانبية ليست من صلب وظيفتها .
كذلك فإن (العمل الفاضل) جزءٌ من هذه الصورة الأخلاقية المكرسة في عمل النخب والحكومات هذه ، ومعيارها أن تكون للحق والفضيلة ، وهو هنا يستشهد بحديث نبوي حول الهجرة وكذلك حديث (إن الأعمال بالنيات ولكل أمرئٍ ما نوى ) . إن ابن باجة يحول مسار البحث في الأخلاق إلى مسار ديني مثالي ، بدلاً من أن يواصل الحفر في الإرث العربي الإسلامي بالشكل الاجتماعي السابق .
ثم يواصل تعداد الفضائل المشكلة لتطور الروح كالتعليم وصنع المكرمات لذاتها ، ويجعلُ الثقافة الرفيعة تتويجاً لهذه الفضائل : (فقد تلخص أمر المدينة جملةً في العلم المدني ، والروية والبحث والاستدلال وبالجملة الفكرة ، تسعمل في نيل كل واحد منها) ، (31).
4 ـــ السيرة والفكرة
في عرض ابن طفيل لفكر وحياة ابن باجة نقرأ السطور التالية :
( . . ولم يكن فيهم أثقب ذهناً ، ولا أصح نظراً ولا أصدق رويةً ، من أبي بكر بن الصائغ . غير أن شغلته الدنيا حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه ، وبث خفايا حكمته . وأكثر ما يوجد له من التآليف ، إنما هي كاملة ومجزومة من أواخرها ، ككتابه في (النفس) و(تدبير المتوحد) ، (32)
ويضيفُ ابن طفيل انتقادات أخرى لأسلوب ابن باجة المفكك عادة ، ونستطيع أن نضيفَ إليه بأنه أسلوب غامض ومتقطع ومتكرر وهو يغزلُ على معاني أرسطو وكتبه ، ولكنه أيضاً يتوغلُ في قضايا عميقة رابطاً بني الأفكار العامة حو العقل والحياة الاجتماعية ، متجنباً الغيبيات ،محللاً نسيجَ الوعي بشكل فكري ، مقترباً من ربطهِ بشبكة الحياة الاجتماعية ، مبرزاً صوتَ المثقف المعارض لغيبية الصوفية ، (33).
إن كل هذه الجوانب السلبية والإيجابية في أسلوب ووعي ابن باجة تجعله بداية للفلسفة الأرسطية العربية وهي تظهرُ بشكلٍ مدرسي تلخيصي لمنهجية أرسطو ، لكنها تضعُ أساساً للقراءة الموضوعية للطبيعة والمجتمع اللذين غرقا في التبعية لما وراء الطبيعة ، وبهذا فإن تعبير ابن طفيل عن ابن باجة بأنه شغلته الدنيا ، يمكن أن نأخذه كتعبير عن انقطاعٍ مفاجئ لحياته قبل أن تتاح له الفرصة للتعبير ، ويمكن أن نأخذه كشكلٍ تعبيري للصراع بين توجهات ابن باجة العقلانية وتوجهات ابن طفيل الصوفية المنقودة والمرفوضة لدى ابن باجة ، وهذا ما دعاه لنقده بتلك الطريقة .
إن ابن باجة وهو يشكلُ مثل هذا الوعي العقلاني متجاوزاً النصوصية الدينية المحافظة مقدماً للنصوص الدينية رؤية أخرى ناقدة لبذخ أهل الحسب ، وعبر الاستشهادات من القرآن والحديث النبوي ، ورافضاً من جهة أخرى الرؤية الصوفية ، وعبر هذا الحفر في الوسط الاجتماعي المرئي المدروس التي تظهر نوابضه وسببياته من داخله ، لا من الاتصال بالعقل الفعال والفيض من النفس الكلية ، يكونُ قد شكل طريقاً مغايراً لابن طفيل الذي سيعلي من الشطح الصوفي كتتويج للمعرفة ، ويكون قد مهد السبيل لابن رشد كي يعمق هذا المسار الفكري وبشكل واسع ومتين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الاسلامية الجزء الثالث

المصادر :
(1): (تدبير المتوحد ن ابن باجة ، سراس للنشر ، 1994 ، تونس ، ص4).
(2): (المصدر السابق ، ص 6).
(3): (المصدر السابق، ص8).
(4): (المصدر السابق، ص .
(5):(المصدر السابق ، ص 9).
(6):(المصدر السابق، ص9).
(7):(راجع فصل الفارابي في هذا الكتاب ، فقرة المدن الفاضلة).
(8):(تدبير المتوحد، ص 9).
(9) : (اقرأ في ذلك فصل ابن المقفع في الجزء الثاني من هذا المشروع)
(10):(راجع فصل ابن رشد ، في هذا الجزء).
(11)،(12): (تدبير المتوحد ، ص 10).
(13):(المصدر السابق ، ص 12 . وكان تعبير (النوابت) القدحي قد استخدمه الجاحظ ضمن من استخدمه لتتنديد بالجماعات الدينية المتشددة ، راجع : فصل (من أفكار الجاحظ الفكرية والفلسفية) في الجزء الثاني من هذا المشروع، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ، 2005).
(14): (المصدر السابق ، ص 13).
(15): (المصدر السابق ، ص 20).
(16): (المصدر السابق ، ص21).
(17): (المصدر السابق ، ص 22).
(18): (المصدر السابق ، 22 ).
(19): (المصدرالسابق ، ص 24).
(20): المصدر السابق : ص 25) .
(21): (المصدر السابق ، ص 26) .
(22) : (المصدر السابق ، ص 28 ) .
(23) : ( المصدر السابق ، ص23 ).
(24): (المصدر السابق ، ص 29 – 30).
(25): (المصدر السابق ، ص 31 ).
(26) : (المصدر السابق ، ص 40) .
(27) : (المصدر السابق ، ص 42 ) .
(28) : (تاريخ الفلسفة الإسلامية ، مصدر سابق ، ص 322) .
(29) : (تدبير المتوحد ، ص 41).
(30) : ( المصدر السابق ، ص 43 ) .
(31) : ( المصدر السابق ، ص 57 ) .
(32) : (وضعت دار النشر فقرة ابن طفيل في المقدمة).
(33) : (فتنكب ابن باجة عن هذه الاعتبارات ، وبين أغاليط الغزالي ، واعتبر دعوته للتصوف والعزلة خداعاً للناس وتضليلاً ، لأن العالم العلوي ، لا ينفتحُ للمتصوف المتنسك الواهم ، وانما يطل عليه العقل الباحث عن كمال ذاته ، المصدر : أهلا الفلسفة العربية ، مصدر سابق ، ص 653).
بداية المثالية الموضوعية
الأيديولوجيات العربية والعلم
جابر عصفور: الإصلاح وإشكالياته
سر التعويذة
رفعت السعيد والسرد السياسي
زكريا إبراهيم : الاستيراد الفكري
الرأسمالية البدوية
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
الفئات الوسطى : كتب ــ عبدالله خليفة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة

فئات متوسطة أم طبقة؟
عالج العديد من المفكرين والباحثين مسائل التطور العربية التاريخية من بؤرة مركزية غربية، فأطلقوا مصطلح طبقة البرجوازية على الفئات المتوسطة العربية، في حين ان السياق التاريخي والجذور الاقتصادية مختلفة بين هذين التكوينين.
فمهدي عامل المفكر اللبناني الراحل يقول: «برجوازيات عربية» في كتابه «أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية؟»، واصبح مصطلح الطبقة البرجوازية شائعاً لضعف التحليل للمسار العربي الأسلامي، وسهولة نقل المصطلحات الأجنبية على أرض فكرية بكر.
وقد رأينا على مدار دراسات عديدة في هذه الزاوية وغيرها، أن التاريخ العربي الأسلامي لم يشهد طبقة برجوازية، بل شهد فئات برجوازية أو متوسطة، ولم تستطع هذه الفئات أن تتكون كطبقة.
فهي فئات متناثرة غير متبلورة في نسيج اقتصادي قوي، تابعة لقطاعات الدولة، سواء في فئاتها الصغيرة العليا، أم فئاتها المتوسطة، التي غالباً ما تكون تجارية أو إدارية، وكلا الجانبين: الأدارة والتجارة يعيشان بفضل كيس الدولة، ومن هنا كانت مفردات التحديث والاستقلال الفكرية وجوانب الحياة الاجتماعية التحررية محدودة، وصغيرة، وإذا تنامت فإن عصا الدولة كفيلة بإعادتها إلى الحظيرة الإقطاعية. ومن هنا كانت تتعكز كذلك على الفئات المتوسطة العربية من الأديان الأخرى كاليهودية والمسيحية التي كانت لها جوانب اجتماعية أقرب إلى البرجزة من المسلمين.
وفي العصر الحديث لم يختلف الأمر، فالفئات البرجوازية العربية لا تستطيع أن تكون طبقة، فهي فئات متوزعة على التبعية لأوجه الأقطاع المختلفة، بل وصل ذلك إلى تبعية فئة المثقفين برؤاها (الحديثة) للإقطاعين السياسي أو الديني.
إن عدم تشكل رأسمال صناعي خاص قوي في كل بلد عربي على حدة، يقوم بتجميع ولملمة الفئات الوسطى حوله، وبالتالي يقوم بقيادة السوق المحلية، وتغيير البنية الاجتماعية الموروثة، هو الذي لعب دوره في هذا الفراغ التاريخي، وغياب عمليات الانتقال من التشكيلة التقليدية إلى التشكيلة الحديثة.
إن تكون رأسمال صناعي خاص وترافقه مع عمليات ثقافية نهضوية وتحديثية وبالتالي إعادة النظر العميقة في الموروث الدينى التقليدي وتحريره من هيمنة الأقطاعين السياسي والديني، هذا سيجعل الفئات المتوسطة المشتتة الولاء والمبعثرة اجتماعياً وثقافياً تتبلور في تكوين فكري متقارب، يعيد تغيير الحياة الاجتماعية الأسرية والعادات وأنماط الزواج والعلاقات وطرق التفكير..
كان يمكن للرأسمال الخاص المتجذر في البنية الاجتماعية العربية الإسلامية المسيحية أن يشكلها في ضوء العلاقة بالتراث والعصر، أي أن لا تكون ثقافة تابعة أو متخلفة، على السواء، وبالتالي تتشكل لها صلابتها الخاصة في النمو.
إن غياب دور رأس المال العربي الإسلامي المسيحي الخاص في إعادة تصنيع البنية الاجتماعية اقتصادياً وثقافياً، هو نتاج إرث طويل عبر التصاق تكوينه بالقطاع العام، الاستبدادي العريق، ولهذا فإنه في الوقت المعاصر وفي الطريق نحو التصنيع والديمقراطية وإنتاج الحداثة العربية، لا بد من رؤية الفئات المتوسطة كفئات لم تتبلور كطبقة، يفصل بين دورها التاريخي المنتظر في إعادة التشكيل الحديث للمجتمعات العربية، وواقعها الراهن ليس فقط اللبس في المصطلحات، وهذه قضية ثانوية، ولكن اللبس في الدور التاريخي.
إن تحرير القطاعات العامة من الهيمنة السياسية البيروقراطية المستغلة، وإنتاج ثقافة الحداثة، والعمل لتطور أوضاع الجمهور العامل، وتطوير الصناعة والعلوم، إن كل هذه مهمات تترافق وتتعاضد وتتقاطع أحياناً، من أجل تكون مجتمعات عربية غير تقليدية.
تذبذب الفئات الوسطى
تغدو الفئات الوسطى العربية باستمرار هي محط التغير في الحياة السياسية، فهي القادرة دائماً على تغيير المسارين السياسي والاجتماعى، عبر الاتصال والتأثير في القوى العاملة.
لكن الفئات الوسطى، في أغلب البلدان العربية تعاني من أزمة مستفحلة، تبدأ فى المظاهر الفكرية المختلفة، فهناك توجه حاد إما إلى الماضي والتراث وإما إلى الثقافة الغربية، وبهذا يمكن أن نرى في العائلة الواحدة أو في مظاهر الحياة اليومية، أكبر مظاهر التبرج أو أكبر مظاهر التستر.
وتفهم الفئات الوسطى الحداثة أو الدين، باعتبارهما مجموعة من المظاهر واللباس، فتستطيع أن تكون حداثياً عبر الملابس والأكسسوارات وبعض مظاهر الموضة.
في حين أن الماضوي أو الماضوية يعتبر الرجوع إلى الدين والتراث بمجموعة أخرى من الملابس. والأصرار على المظهرية كطريق لتطوير الأمة وتحريرها، شكل من أشكال العصاب النفسي والشلل الفكري.
إن الإصرار على المظهرية والتغلغل الواسع فيها يعطي لمريد الغرب أو التراث راحة نفسية بأنه قام بواجبه واستطاع أن يتوازن، في حين أن هذه المظاهر الشكلية هي محاولات للهروب من الأسئلة الحقيقية للحياة والوعى.
ولهذا نجد بعض مثقفي الأنظمة يعتبر أن بعض الأشكال الهندسية فى العمران المستوحاة من التراث هي رد على التغريب، وكأن بعض مظاهر الأبنية يمكن أن تكون بديلاً عن غياب بناء وطني قومي وإنساني متكامل، يتشكل من مؤسسات اقتصادية وعمرانية وتعليمية وطنية قومية.
ولهذا نجد أن المؤسسات الاقتصادية لهذه الفئات الوسطى مليئة بالقوى العاملة الأجنبية، وخالية من أي انتماء إلى الوطن والعروبة!
يتوهم الشكليون من الفئات الوسطى أنهم عبر بعض المظاهر المقطوعة السياق، يحققون الانتماء العميق للتراث وللفضيلة، ويكفي قطعة لباس تُسدل على الوجه لتجعل الرجوع للدين حقيقة قوية، وليس بالقراءات العميقة للتراث واكتشاف آثار ونتاجات العرب والمسلمين في العلوم الاجتماعية والطبيعية وبناء الصناعات والمدن .
وفى الجانب الآخر فإن الحداثة عند جماعات وسطى أخرى هي في استيراد آخر الأشرطة للمغنين والسينمائيين ولملابسهم ورقصاتهم وأدوات مكياجهم وإكسسواراتهم.
وتتشكل من هذه التضادات أسواق ومصالح، ويقوم المستوردون سواء من التراث أو من الغرب، بإنشاء الدكاكين الملحقة بهذه العمليات الاستيرادية، فتتجاور محلات تصرخ بالأدعية وأخرى تصرخ بأغاني الديسكو، وتتخصص محلات في كتب وترفض كلياً كتباً من نوع آخر، وتتجاور جمعيات إحداها تعيش فى القرن الخامس الهجري وأخرى في القرن الحادي والعشرين، دون أن يسلم أعضاء الجمعيتين على بعضهم بعضا.
إن اعتماد المظاهر الشكلية الخارجية يقود إلى غياب مضمون التراث والعصر معاً، والنظرة الجانبية الوحيدة أسهل من التبصر الواسع، والجمع بين الماضي والحاضر، يتطلب فهم الماضي والحاضر بقوة واتساع.
إن الفئات الوسطى تتركز فيها هذه التناقضات لأنها متذبذبة حضارياً، واقتصادياً، فلديها إمكانيات مالية وثقافية، وتتطلع للوصول إلى مكانة أكبر، غير أن الظروف الاقتصادية الصعبة تطحنها، فتبحث عن حلول لأزماتها في الاستيراد الفكري المظهري.
جذور تناقضات الوسطيين
كما تتناقض آراء فئات وأفراد الفئات الوسطى في الجوانب الحياتية كذلك فإنها تتضاد فى الوعى السياسى. الوعى السياسي هو قمة الوعى المفترض لدى الإنسان، أي حين يجعل من مصالحة الاقتصادية والاجتماعية هدفاً مفهوماً وواضحاً ويقوم بتحقيقه عبر المشاركة في الحياة العامة.
إن أغلبية التيارات السياسية هي من صنع الفئات الوسطى، فهذه هى القوى النشيطة فكرياً واجتماعياً، وهي التي تتحرك في التأثير في القوى الأخرى، سواء كانت في الأعلى أم في الأسفل.
ومع ذلك فإن هذه الحركية الحادة لا تنتج ثمراً مهماً، بسبب الخيارات الفكرية المتباعدة كثيراً. فهنا أقصى المحافظة الدينية وأقصى اليسار. أقصى درجات التمسك الحرفي بالتراث وأقصى درجات رفضه وإعدامه شكلياً.
المحافظ الديني غارق في النصوص الدينية، ويرى العالم من خلالها، وأي شعرة من الخروج عليها هي كارثة تلحق بالناس والعباد، وهو لم يأخذ الإسلام كحركة تغيير اجتماعية كبرى لبشر عاشوا فى ظروف متخلفة وصعبة، لم يأخذ ان الإسلام استطاع أن يشكل جبهة سياسية من أقصى اليمين، من معاوية والزبير وبقية أصحاب الملايين، وحتى المعدمين كعمار بن ياسر وأبي ذر الغفاري.
إن تشكيل مثل هذه الجبهة السياسية العريضة كان بهدف انتقال حضاري ضخم، وللأسف فإن الأزمنة التالية لم تعرف صندوق الانتخاب بين اليمين واليسار الإسلاميين، بل عرفت التخاصم والحروب.
وإذا كان ثمة كلمة ترددت بكثرة لدى المسلمين فهي الوحدة، ومع ذلك فإن العمل السياسي كان يركز على الاختلاف والتنابذ، ولهذا فإن المحافظ الديني المعاصر يكرر شعيرات الاختلاف، ويعجز أن يكون سياسياً بارعاً حديثاً، وبالتالي يخرق ويتجاهل المضمون الأساسي في الإسلام وهو الوحدة.
وهذا ما يفعله اليساري المتطرف وبشكل معاكس، عبر عدم رؤيته للمضامين المتوارية في التيارات المعبرة عن فئات وسطى تبحث عن التقدم والتكامل في حياتها الاقتصادية والثقافية، ولهذا فهو اما أن ينجر وراء الجماعات الدينية، عاجزاً عن تطوير وعيها، وكشف المضامين المتوارية للدين ولمشكلاتها المعاصرة، واما أن يرفضها كليةً، وفي الحالين يعجز عن تشكيل وحدة للناس.
إن تفكيك علاقات الفئات الوسطى بالشمولية، سواء كانت فهماً سلبياً للماضى، أو تبعية للدول الشمولية المختلفة، سيقودنا إلى بلورة وحدتها على أسس فكرية واجتماعية جديدة، بحيث لا تُؤسر فى نموذج ميت، وفي عقد فكرية، تضيع فرصها في النضال المعاصر وتوحيد القوى الوسطى والناس والأمة.
إنه من دون الوحدة وتجميع الصفوف على أسس مواقف عقلانية وديمقراطية للماضي والحاضر، فإن القوى الخارجية والاستغلالية سوف تبلع الجميع.
كانت فترات الوحدة للفئات الوسطى المتعاونة مع الناس هي فترات النهوض فى تاريخ الأمة، بدءاً من الثورة الإسلامية التأسيسية التى جمعت الزبير بن العوام وأبا ذر الغفاري، إلى تحالف المعتزلة والزيدية الذي أطاح بالدولة الأموية، إلى عصر النهضة الحديثة الذي جمع الأفندية والفلاحين في تحرير الأوطان.
الفئات الوسطى والانتهازية
تعجز الفئات الوسطى الوطنية والعربية عن إنتاج رؤية فكرية وسياسة حديثة مستقلة، فهي دائماً مترددة ومتنقلة بين المعسكرات الاجتماعية القوية في أي مرحلة سياسية أو تاريخية.
إن عدم تكوين رؤية ووحدة بين فئاتها، يعود لغياب ثقلها الصناعي والمالي والعلمي المترابط، ولهذا فإن فئاتها تقوم بالتنقل السياسي والفكري المضطرب بين المعسكرات ذات الثقل والجاذبية المالية والسياسية.
وفي كل بلد عربي أو إسلامي ثمة تضاريس متباينة لهذا التقلقل، حسب درجات التطور الاجتماعي والتاريخي لكل بلد، ولحظته السياسية الخاصة.
في البلدان الخارجة تواً من الأوضاع الشمولية فإن اضطراب هذه الفئات يكون شديداً، ومحاولتها للقفز واختصار المرحلة، يكون كبيراً، بخلاف البلدان التي حققت تطوراً ديمقراطياً نسبياً، والتي نرى فيها تكون الجبهات الديمقراطية وخوضها الانتخابات بقوائم موحدة.
وعموماً تقوم سياسات الفئات الوسطى على الانتهازية، فأما أنها تكون مع الدولة المحافظة، بحجة أنها أفضل من الدينيين لأنها حديثة وتمثل التطور، أو تكون مع الدينيين بحجة أنهم يمثلون الشعب.
وغالباً ما تُساق هذه الحجج بسبب المصالح المتداخلة بين هذه الفئات والأطراف السياسية القوية.رغم إن الدول المحافظة والدينيين يمثلان القوى التقليدية، الماقبل رأسمالية، إلا أن الفئات الوسطى بأفرادها ومثقفيها ورموزها تتقلقل بين الجهتين.
قد تؤدي الوظائف أو الارتباط الاقتصادي أو التجاري أو الفوائد الشخصية، من ( فلسفة ) هذه الانتهازية ووضعها في صيغ أخلاقية براقة. وقد وجد بعض الدينيين في الركون للدولة والتبعية لها، مهما كانت سياستها فاسدة، حججاً استقوها أو زوروها من الدين، حيث يقولون إن المرء لا يجب أن يبات دون دولة أو أمام.
وقد كان هذا المبدأ الانتهازي راية عتيقة، حكمت قطاعات من الفئات الوسطى، التي جعلت العيش في مخازن وغنائم الدولة وفتاتها الطريق الوحيد للعيش والصعود.ولون هذا الملالي والتجار والموظفين، وملأ أفواه الشعراء المداحين والمنجمين والمنافقين على مر التاريخ.
وبدلاً من حجج الدينيين التقليديين فإن القوى (الحديثة) لديها مبررات في هذه التبعية التاريخية، وأصبحت تجري وراء القطار ( الميري) الحكومي، وإذا فاتها تمرغت في ترابه وكوارثه أحياناً.
ولعل شيئاً من الخصخصة مفيد هنا لتحرير هذه الفئات من التبعية للقطاع العام، الخاص في جوهر الأمر، في العديد من الأحيان. كذلك فإن تقليص الموظفين والأعداد الهائلة من الموظفين العموميين ستكون على جدول أعمال التاريخ القادم شاءت أم أبت الحكومات العربية المسترخية في ظل هذا التضخم الوظيفي الذي تحوله إلى خضوع سياسي.
عن تضخم المدن وتضخم الأجهزة الوظيفية جزء من هذه الانتهازية التابعة للدولة، حيث يعيش الموظفون والتجار على فتات الدولة، وهو أمر يجري بخلاف تضخم المدن في الدول الرأسمالية، حيث يقوم هذا الأخير على نمو الإنتاج وليس على اساس سرقته كما هو الحال في الدول ما قبل الرأسمالية.
كما أن الفئات الوسطى تعيش على فتات الدولة الاقتصادي فهى تدور فى فلكها الفكرى، ولهذا فمفاهيم الحرية والعلمانية والديمقراطة السياسية لا تنمو لدى هذه الفئات خلال تبعيتها للدولة، فهى تغدو دينية وتابعة وغير قادرة على إنتاج الوعى السياسى المتحرر، بعكس الفئات الوسطى الاوروبية التى نمت من خلال قدرتها الاقتصادية خارج هيمنة الدولة. وهى غالباً ما تأخذ جوانب معزولة من مسائل الحرية السياسية، كالحداثة فى الحياة وبعض القيم الليبرالية المفصولة عن الحرية الشاملة، فى حين نراها تذل نفسها فى خدمة الدولة، فهى حداثية من الخارج، اقطاعية فى الجوهر. ويمكن أن نرى تأثير ذلك فى الإنتاجين الفكرى والفنى اللذين يصدران عن هذه الفئات، حيث يغدوان حداثة شكلانية، ويتوجه الوعى السياسى نحو التيارات الدكتاتورية، بحكم تربيتها السياسية الخاضعة والذليلة.
وفى جانب الفئات الوسطى التابعة للدينيين أو للاقطاع فى قسمه المذهبى، فإنها ترفض التحديث بدعوى الحفاظ على الأصالة والقيم، وخاصة سمات الديمقراطمة والعلمانية المترابطة، لأنها تقوم بتقطيع صلاتها وشبكة الأقطاع الدينى.
إن فئات الموظفين والتجار والمثقفين وجدت فى الصلات المذهبية وحذورها فى الحياة طريقاً للسيطرة على الفقراء، دون إعطاء الفقراء هويتهم الفكرية والاجتماعية المستقلة، وعبر ضباب الوعى الدينى التقليدى يمكن تضييع استقلالية الطبقات العاملة الحديثة.
ومن هنا تغدو الفئات الوسطى التابعة للاقطاع المذهبي غير قادرة على إنتاج المفاهيم الحديثة فى الإسلام، أي على تجاوز إرث السيطرة الاقطاعية الطويل فى التاريخ العربي، حدث كانت فئات وسطى سابقة تمارس ذات التبعية فى الماضى للاقطاع. فيجري تداول مفاهيم قديمة تواصل منع تكون المنظومة الحديثة.
وإذا أضفنا ان تقسيمات الفئات الوسطى ليست فقط للدولة أو للدينيين، بل لتيارات الدولة، إذا كانت منتحة لتيارات الإصلاح والجمود والمحافظة، وكذلك الدينيين حسىب مذاهبهم، ودرحات فهمهم للدين، أي على مستويات تحررهم من التقليد المحافظ.
وكذلك أيضا فإن الانقسامات تتواصل فى التيارات التى تحاول أن تعبر عن الطبقات العاملة، وهى كلها ابنة الفئات الوسطى، وتعبر عنها بدرجات وتتداخل مع القوى الاقطاعية الدينية بدرجات وأشكال معقدة.
إن هذا التضخم فى تيارات الفئات الوسطى وكثرة تلاوينها وخلافاتها، الناتجة من خيوط مصالحها الضيقة، يوضح كم هى مهمات طويلة وثقيلة عملية إنتاج وعي ديمقراطى في هكذا فئات.
وليست فكرة تحاوز المرحلة الرأسمالية لدى بعض التيارات اليسارية سوى شكل من أشكال هذه الانتهازية، حيث عبرها ترفض الأجابة عن سؤال المرحلة بضرورة نقد وتجاوز الأقطاع، فتقوم بالهروب إلى الأمام، مخفية صلتها بهذا بالقوى الإقطاعية/ المذهبية وتداخلاتها معها.
تتجلى انتهازية الفئات الوسطى سياسياً عبر رفض تداول وتطبيق المفردات والشعارات المرفوعة الحديثة، خاصة شعار العلمانية، فهذا الشعار يفكك صلتها بالإقطاعين السياسي والمذهبي، فمع رفعه يجب أن تطرح مختلف المفاهيم الخاصة به، وبالتالي تقوم بإنتاج وعي حديث حقيقي، فتصطدم بالقوى المهيمنة، والتى تستفيد منها، وهى لا تقدر على ذلك بسبب الطبيعة التجارية والإدارية لهذه الفئات الوسطى المتذبذبة. ولهذا تغدو مهمة مركزية في التطور تحرير القطاع الصناعى والاقتصادى الكبير من هيمنة الدول عبر الرقابة البرلمانية أو الإدارة الشعبية أو الخصخصة.
الفئات الوسطى والتبعية المزدوجة
في عجزها عن إنتاج الحداثة والتحول إلى مجتمع ديمقراطي حقيقي، تتوهم الفئات الوسطى العربية بأنها حققت الاكتمال أما عبر الانتماء الكامل للتراث أو عبر الدولة الوطنية، التي لم تتشكل حتى الآن، أو عبر الانتماء للغرب.
هذه الانتماءات الناجزة الموهومة، هي الوعي الأيديولوجي لفئات تابعة لقوى لارأسمالية أو للاستعمار.
وبطبيعة الحال، فإن الفئات الوسطى لا تعبر كجسم اجتماعي موحد، بل من خلال مثقفيها، فهم ألسنتها الناطقة بالوهم الإيديولوجي.
في انتمائها للتراث كقوقعة خارج التاريخ والحقيقة، تقيم اكتمالاً ووجوداً زائفاً، هو مجتمعات الفسيفساء الطائفية القديم المتجاوز عالمياص، ولكل طائفة رموزها وتاريخها الخاص وإرثها، وحين تسقط السلطة الدكتاتورية العربية، تكتشف الطوائف بأنها طوائف وليست شعباً واحداً، وبهذا فإن الدولة الوطنية المزعومة المتكونة قبل عقود كالعراق مثلاً يتضح زيفها.
ليست ثمة دولاً وطنية عربية كما زعموا طوال عقود، بل تكوينات طائفية تجمعت قسراً، وحين يصل الصراع إلى أوجه تكتشف انتماءها للعصور الوسطى لا للعصر الحديث.
حين نقضت الطوائف العربية التاريخ الحديث وأصرت في البقاء فى العصور الوسطى، أي أن تكون دولاً دينية، نفت قدرتها على التحول إلى شعوب واحدة، أي لم ترتض بالاحتكام إلي قوة سياسية وفكرية تصهرها وتحولها إلى أوطان موحدة وشعوباً موحدة.
لن تكون هذه القوة سوى الدولة اللامذهبية، الدولة العلمانية، أي حين ترتفع الفئات الوسطى والعاملة إلى مهماتها التاريخية في الوحدة الوطنية، المؤسسة لدول وطنية لا دينية.
وهكذا فإن كل دولة عربية تصر على إخفاء تناقضاتها الاجتماعية عبر المذاهب، بدلاً من أن تتيح لهذه التناقضات أن تكشف عن وجهها الاجتماعي، المتعدد الطبقات، ستجد نفسها في حالة تفكك تبدأ جنينية حتى تتفاقم ثم تتفجر.
لبنان، الجزائر، السودان، العراق، والبقية تأتي..
تبعية الفئات الوسطى للجهات الماقبل رأسمالية أو للاستعمار، تعبر عن عجزها لاستكمال مفردات الحداثة في: العلمانية، والصناعة، والديمقراطية. أي أن تتحول إلى طبقات برجوازية نهضوية صاهرة للمجتمعات العربية كدول حديثة.
ولا يتشكل ذلك إلا بانفكاكها من التبعيات المختلفة، التبعية للإقطاع حين يكون مذهباً سياسياً محافظاً، وليس للإسلام كثورة نهضوية، أو التبعية للغرب حين يكون استيراداً شكلياً، بضائعياً، وليس كقوى إنتاج مادية وفكرية.
إن التكون النهضوي الذي يتشكل على الجهتين، الماضي والحاضر، أي بتحرير الدين من قوى الاستغلال السياسي الحاكم والمعارض، و بتحرير الحاضر من التبعية للصناعة الخارجية وبيوت المال الغربية.
وهذا لا يتشكل من الدعوات الأخلاقية أو الفكرية، بل من تحرير الصناعة من هيمنة الدول المستبدة، سواء كانت بيروقراطيات مستنزفة للمال العام، أو من غلبة القطاعات الطفيلية. ولهذا فإن لعب القطاع العام دوراً قيادياً لا يتشكل إلا عبر نمو الديمقراطية البرلمانية ومنظمات العمال والبرجوازية المستقلة، كما أن تجذر القطاع الخاص في الصناعة والتقنية الحديثة، لن يحدث إلا بوعي الفئات الوسطى باستقلالها الاقتصادي والسياسي والفكري.
هذه كلها مهمات مترابطة، أي أنها تتطلب قوى جبهوية واسعة، وانتفاحاً فكرياص وسياسياً، على العصر والتراث، وخاصة للتقارب بين الفئات الوسطى والقوى العاملة على درب الحداثة المشترك، وهو درب يتسم بالصراع كذلك، بين القوى المتقاربة، لتباين مصالحها ورؤاها.
ومن هنا يغدو المعيار للعمليات السياسية العربية مدى دور كل لحظة بتقريبنا من المشروع التحديثي، وكيف نستفيد من القوى العالمية والإقليمية والمحلية في تصعيد نموذجنا، ومصالحنا القومية المستقلة؟
الفئات الوسطى والتضاريس الإقليمية
عجزت الفئات الوسطى أن تشكل أوطاناً موحدة، لأنها ارتكزت على بنيان اجتماعي ما قبل حداثي، أو ما قبل رأسمالي، أي يرتكز على العشيرة والطائفة. وهذا ما جعل حدود البلدان غير محمية فكرياً وسياسياً من قبل أهلها، أي إن الارتكاز على القبيلة أو العشيرة أو الطائفة أو القومية المسيطرة أو القومية المنبوذة، يسبق الارتكاز علي الوطن والمواطنين ويعرضهما للدمار.
هنا تتشابك تكوينات تقليدية مع أنظمة يُفترض أنها عصرية، وتقوم هذه الانظمة بالمراوحة، بين نظامين: تقليدي غير مُعلن، وعصري غير متحقق، فيفترض رسمياً أن تكون الدولة إسلامية، فتكون واقعياً مذهبية، ويفترض أن تكون لجميع القوميات، لكن الواقع يقول انها للقومية المسيطرة، ويفترض أن تكون جميع الأراضي تابعة لجميع المواطنين، ولكن هذا لا يحدث على صعيد الخريطة الجغرافية. فتجد الدولة مجموعة من الاقاليم المتنابذة.
ليس هذا سوي نتاج عصرية غير مكتملة، أو قل إن النظام التقليدي لا يزال يجر أذياله فوق العصر الحديث. هنا نجد الفئات الوسطى التي يُفترض فيها أن تناضل لإبجاد النظام الحديث، تابعة لإقسام ومجموعات وأقاليم النظام التقليدي.
فالفئات الوسطى التي استفادت من النظام الدكتاتوري العراقي مثلاً، وتركزت في أجهزة الدولة والتجارة والصناعة الخاصة الخ، تقوم هذه الفئات بالتبعية للنظام الطائفي والعسكري، فتتركز في منطقة جغرافية أساسية هى المنطقة الوسطى، ومن هنا يغيب النضال من اجل المواطنة ومن أجل الوطن الموحد، وكافة أشكال النضال العصري، من تكريس دولة القانون إلى المساواة، ويقوم النظام بإنتاج نقائضها: الطائفية، الإقليمية الجغرافية في القطر الواحد الخ..
ان الفئات الوسطى التي تقود السياسة والثقافة، تغرق في المنظومة التقليدية، إما في المذهبية المعارضة، وإما القومية المنبوذة، وإما العودة للقبيلة وامتداداتها الإقليمية، وبالتالي يتم خرق الوطن من الجهة المضادة، من جهة الفئات الوسطى المعارضة.
إن تدمير البلدان العربية يجري من الجهتين، جهة الدولة الطائفية المسيطرة، أو الدينية، أو القبلية، وبالتالي يؤدي هذا إلى استثارة القوي الأخرى للعودة إلى تضاريسها الاجتماعية التقليدية.
ويعبر هذا عن سيطرة رأسمالية الدولة، التي توضع في خدمة الإقطاع السياسي المسيطر. إن رأسمالية الدولة هي جهاز محايد يمكن أن يُستخدم في شتى الأنظمة، ويوظف لخدمة طبقات متعددة، حسب هيمنتها على هذا الجهاز.
ورأسمالية الدولة حتى لو كانت ثرية فى مثل هذا التضاريس الاجتماعية تقود ذاتها إلى التدهور، لأنها تُستخدم لخدمة شريحة من طائفة، أو منطقة جغرافية بذاتها، أو قومية مهيمنة الخ، مما يؤدي إلى تصدع أساسها الوطني الاجتماعي، فيزول الثراء ويحل الخراب.
ومن هنا فإن الآلية الحديثة بديمقراطيتها وعلمانيتها تضع أساساً اجتماعياً مختلفاً لكذا وطن تسوده الطائفية والقبلية والعنصرية، حيث تصبح الدولة خارج المذاهب والعناصر والقبائل، يحكمها السوق الاقتصادي، ومعادلة الصندوق الانتخابي.
إن العجز من تحقيق وطن حديث، يؤدي إلى امتداد التخلف والتفكك على الاقطار المجاورة،وهكذا تسود الامتدادت القبلية والطائفية والعنصرية، مما يوسع إطار الأزمة من الوطن غير المتوحد إلى البلدان الأخرى والأزمة الوطنية تصبح أزمة إقليمية.
إن أقطاراً مثل العراق وإيران ولبنان الخ.. تقوم بنقل أزمتها الوطنية إلى الخارج، فنودع زمن الحرب الأهلية ونقترب من زمن الأزمة الإقليمية.
وتصبح الأقطار العربية والإسلامية مشروعا لأزمات متتالية نطراً لعدم قدرتها أن تكون دولاً وطنية في البدء.
وخلال سنوات التحولات السابقة لم يظهر مشروع توحيدي للفئات الوسطى ولقوى النهضة للتخلي عن وعي الطوائف والقبائل للانصهار في وعي المواطنة ووعي الشعب.
يقوم المتغربون بالدفاع عن المشروع الغربي لتحديث المنطقه، كما يعمل (القوميون والدينيون الخ..) على إعادة إنتاج المشروع التقليدي، بدعوى الأصاله أو التحرر..
ولهذا نجد البعض يروج لأعلانات الإدارة الأمريكية، كما يهاجم البعض الآخر هذه الأعلانات جمله وتفصيلاً.
في أقصى اليمين في الفئات الوسطى، يتمسك الدينيون المذهبيون على تنوعاتهم بالمشروع التقليدي، كل فيما يخص مصالحه وسيطرته، وهذا في حد ذاته، كارثه. أي أنهم يريدون إعادة إنتاج علاقات القرون الوسطى المتخلفة، ببعض التصليحات الديكورية التي لا تمس الجوهر.
فيما يريد أقصى (اليسار) نسخ التجربة الأمريكية، وإزاله النظام التقليدي القروسطي .
ويمثل العراق الحاله القصوى من الشد والجذب المطبقة على جسد شعب. بين قوى تقليدية تريد الماضي وقوى جديدة لا تمتلك مشروعاً على الأرض.
وعلى الأقل ينبغي للأقطار الأخرى التي لم تنتقل إليها العاصفة بعد أن تشكل من المحورين المتصارعين النقيضين، حالة وسط، جبهة ثوابت قومية ووطنية تمنع التدخلات الأجنبية، ومشروعات التغيير بالدبابات.
لكن جبهه الثوابت القومية والوطنية تتطلب رؤى تحديثية عميقة، ترفضها القوى التقليدية بدرجة أساسية، فمسائل المساواة بين الرجال والنساء، وتغيير القوانين الماضوية تبعاً لذلك، أي تحديث البنية الاجتماعية التقليدية، تعتبرها مسألة حياة أو موت.
وإذا كانت هذه البنية الاجتماعية التقليدية مرتبطة بنظام سياسي متجذر، سواء على صعيد الحكم أو على صعيد المعارضات، وكل هذه مرتبطة بدورها بأنظمة سياسية أخرى، فتغدو المسألة تغيير النظام الأقليمي برمته.
لا يوجد نظام سياسي عربي وإسلامي لا يرتبط بالآخر، ولا تتداخل فيه الطوائف والقبائل، فإذن تغيير أي بلد عربي يؤدي بالضرورة إلى أزمه اقليمية، أي أن طابع الحرب والمعارك في بلد واحد يمكن أن تنتقل إلى بلد آخر، أو مجموعه من البلدان.
كما أن انتصار قوى التغيير في بلد يستتبعه استشراس المقاومة لدى القوى التقليدية فى بلد آخر، أو مجموعة من البلدان ترى في التغيير خطورة على مصالحها وأنظمتها.
إن السلسله متشابكة، لكون العالم العربي والإسلامي يقومان على بنى تقليدية، لم تستطع خلق الوحدات الوطنية داخلها، فهي منظومة واحدة تقوم على أساس اقتصادي / اجتماعي / ديني متقارب.
لهذا فإن الورطة الأمريكية في العراق، إما أن تتوجه إلى هزيمة مشروع التحديث الأمريكي، وإعلان عدم قدرته على التغيير الذي طرحه، واما توسع المشروع ليشمل بلداناً أخرى. وهذا مما سيؤدي إلى المزيد من التورط، وإلى المزيد من المواجهات، وإلى المزيد من التغيرات الدوامة.
فإذا حدث أن انتقلت المواجهة إلى إيران، وقامت الوحدات الجوية الأمريكية بتفتيت أجهزة الأمن والدفاع الأيرانية، وبالتالي فتح الطريق لعملية إنزال سياسي لإصلاحيين من نوع مختلف، فإن العواقب والمشكلات الناجمه تفوق التصور.
وليست عملية المواجهة لمسألة التفتيش على المحطات النووية سوى مقدمات لمثل هذه العمليات السياسية والعسكرية الخطيرة.
مثل التطورات والتغييرات والكوارث التي كان يتم التحذير منها قبل أحداث العراق، من الممكن أن تتواصل في بلدان أخرى، وتغدو المسألة تغييرات إقليمية شاسعة، لن تستطيع القوى السياسيه المحلية بتفككها وبعثرتها الواسعه أن تكون شيئاً فيها.
إن عدم إسراع الأنظمه التقليدية بالأصلاح العميق، وعدم قدرة القوى السياسية والاجتماعيه أن تستقل عنها، وتكون قوة سياسية إصلاحية مؤثرة، سيعرض المنطقة خلال العقود التالية لعمليات جراحية حادة، ولعل القوى هذه تكتشف بلاهة معارضاتها للتحديث.
إن حرب العراق الراهنة هي تجسيد للمواجهات المتوقعة ومستواها (الحضاري)، فالقوى التقليدية تعتزم حرق الأخضر واليابس دفاعاً عن مصالحها، ويغدو العراق لبناناً آخر.
إن عدم قدرة العرب والمسلمين على إنتاج قوى وسط إصلاحية واسعة تحقق الديمقراطيه، وهو أمر يعود للتباعد الفكري والسياسي للفئات الوسطى، يجعل العالم العربي والإسلامي بين مرمى النيران للقوى التقليدية من جهة، والقوى الغربيه من جهة أخرى.
الفئات الوسطى والإيديولوجيا
تعبر الإيديولوجيا عن رؤية الجماعات السياسية والاجتماعية وهي تعمل لبروز أصواتها ومصالحها.
فالتوجهات المتضادة بحدة في العالم العربي والإسلامي، وعدم القدرة على بروز توجه نهضوي وسطي شعبي مؤثر وحاسم في التطور السياسى، يعود لميدانى الاقتصاد والوعي.
وإذا كان الاقتصاد قد بدأ في العقود الأخيرة يضع الأسس لنشوء فئات وسطية مؤثرة، فإن الوعي متخلف كثيراً في هذا المجال.
وهذا ما يمكن بحثه فى مسألة الإيديولوجيا. وقد أوضحنا مراراً تبعية الفئات الوسطى للهياكل الاقتصادية الشمولية في العالم العربي الإسلامي عبر العصور، وأسباب فشلها فى تكوين الحداثة.
لا نستطيع أن نقول بأن الطبقات الشعبية هي التي تصنع التاريخ الإسلامي بشكل مباشر، فما هي إلا أدوات للفئات الوسطى, التي تحركها وتقودها، ففي البدء تصنع بشكل مطول (الأفكار), وفي تتويج الأحداث تصنع الأنظمة.
وفي القرن العشرين مرت الفئات الوسطى بمنظومتين إيديولوجيتين متناقضتين هما: الليبرالية، ثم الاشتراكية.
إن قفز التطور الفكري والسياسي العربي عموماً من الليبرالية إلى الاشتراكية، من الحريات الواسعه الى الأنظمة المركزية, هو بحد ذاته يطرح مدى جدية الهياكل الفكرية والاجتماعية التي انتقلت من النقيض إلى النقيض، وقد تم الأمر في بضعة عقود.
ومن المؤكد بأن الشرائح الاجتماعية التي دخلت الأحزاب والثورات الليبرالية ليست هي تماماً التي شاركت وأسست التجارب الاشتراكية الشمولية فيما بعد، ومن الصعب القبول بأن الذين أسسوا أنظمة البرلمان والدساتير هم الذين شكلوا الدبابات التي احتلت الحياة الاجتماعية فيما بعد.
فرواد النهضة والبرلمان هم غير الضابط الذين تولوا السلطات العربية، لكن من الصعب إقامة حواجز بين الجماهير التي شاركت في العمليات الديمقراطية الأولى وتلك الجماهير التي خرجت مؤيدة الانقلابات العسكرية. كذلك فإن الأحزاب القومية والشيوعية والدينية التى ازدهرت بفضل البرلمانات هي التي أججت النزعات الدكتاتورية التي انصبت على رؤوسها أكثر مما انصبت على الآخرين.
لكن ما هى العناصر الفكرية التي أججت ذلك وساهمت في القضاء على التجارب الديمقراطية الأولى؟
تعود أغلب الاتجاهات الدكتاتورية إلى فئه المثقفين المتحدرين من الفئات الوسطى، وقد أقامت هذه الاتجاهات من هذه الشخوص الدكتاتورية رموزاً وأصناماً معبودة.
ونجد ان أبرز فكرة تقوم عليها هذه الاتجاهات هي فكرة التسريع في التطور، وإحداث القفزات، وهي الأفكار التي فتحت بوابة الانقلابات الحكومية والانقلابات المضادة.
فلدى هذه الرموز سعيراً داخلياً بضرورة نقض التطور وتفجير الحياة السياسية الداخلية، دون أي حساب لعواقب هذه العملية التسريعية.
وهنا نجد ان الزعيم المضطرب نفسياً, والمتعطش للشهرة, والنفوذ، والمحدود فكرياً، هو من يلعب هذه اللعبة ا لانقلابية الأولية، وتجد هذه الأفكا ر صداها في الجماعات الشعبية المأزومة والمحدودة الثقافة, بل الأمية والجاهلة في أغلب الاحيان، وهي التي يستخدمها الانقلابيون فيما بعد، بعد انتصارهم كغوغاء مثيرة للشغب ضد الديمقراطية، كما فعل الانقلابيون في أزمة مارس ١٩٥٤ في مصر, وكما فعل الانقادبيون الجزائريون ضد سلطة أحمد بن بله.
تقوم الاتجاهات الشمولية بتركيز العمل الفكري في الأوساط المأزومة والمتخلفة اجتماعياً وفكرياً، بحيث تتسرب أفكارها المعادية للديمقراطية من الجمهور المعادي للحداثه والديمقراطيه, إلى الجمهور العادي، بحيث يتقبل هذا الترياق المسموم.
وقد فشل العديد من الاتجاهات الديمقراطية العربية في ملاحظة مسألة نمو المعاداة للديمقراطيه هذه، أي كيف يتحول الشعب البسيط الذي هو المقصود بإنجازات الديمقراطية إلى عدو لها؟
تنبع الاتجاهات الشمولية من الفئات الوسطى وكذلك الاتجاهات الديمقراطية المحدودة داخلها.
فالاتجاهات القومية والاشتراكية والدينية تشكلت من أفراد بارزين داخل هذه الفئات الوسطى، لكن لماذا اتجهت للدكتاتورية واعتبرت الليبرالية الديمقراطية هي خصمها الأساسي، فهذه هي الإشكالية التاريخية. وإذا كانت هذه الاتجاهات قد ملكت اغلبية التاريخ السياسي العربي في القرن العشرين، فلماذا هذه الجذور القوية للشمولية؟
لقد رأينا الأغلبية الكاسحة من المفكرين القوميين البارين والاشتراكيين والدينيين كلها تتفق على أمر واحد هو العداء للتشكيلة الرأسمالية ورفض اعتبار الليبرالية مرحلة كاملة من التاريخ. فلماذا كل هذه الاتجاهات تخاف من الليبرالية والديمقراطية؟ ولماذا لم تحاول أن تصبر على استثمار المرحلة الليبرالية وتطويرها وتجذيرها؟ وهل هى مصادفات محضة أن تتفق الأنظمة والحركات الدينية الراهنة على رفض الليبرالية وتشكيل أنظمة وحركات شمولية؟
ولكن هل يعود تقويض المرحلة الليبرالية لهذه ا لاتجاهات المعارضة أم أن هناك اتجاهات محافظة تقوم بتغذية هذه الحركات وتصعيدها؟
من الواضح أن الفئات الوسطى التي تحتضن الاتجاهات الفكرية السياسية العربية عامة هي فئات مرتبطة بحياة تقليدية محافظة فى أغلب الأحيان، فالأعمال الأدارية والتجارية غالباً ما تشكلت في حضن الدول، فهذه الأخيرة هي مضخة الثروات والقادرة على تضخيم أو تحجيم الفئات الوسطى، ومن هنا يكون إنتاجها للأفكار انعكاسا لطبيعتها الاجتماعية، فهي تأخذ الموضات الفكرية من قومية واشتراكية ودينية وتلبسها مضمون حياتها التقليدي، والمضمون هو رؤية دكتاتورية للحياة، فهي لا تقوم بإعادة النظر في الأرث الدينى التقليدي، وتشكل علاقة جديدة بين الرجال والنساء، بين الآباء والأبناء، بين الإدارة والمواطن، بين التراث والعصر، فتظل الحياة الأبوية النكورية الإدارية الفوقية مهيمنة، فالتغيرات التي تمت في الخريطة الفكرية هي تغيرات شكلية لم تستطع أن تزيح البنية الإقطاعية الطويلة. وهذه الإزاحة تحتاج إلى عصر ليبرالي طويل.
ومن هنا تنزع هذه الفئات إلى القفز على المرحلة الليبرالية لأنها تقوم بتكسيرعظامها المحافظة، فالرجل يخاف ان تتساوى معه المرأة، والآباء لا يريدون المساواة مع الأبناء، والإدارة تريد أن تظل مطلقة على المواطن، ومستثمرو التراث لا يريدون ديمقراطية العصر الخ . .
إن البنية التقليدية تقوم بإعادة تكرار ذاتها عبر الأفكار الشمولية المتلونة، فهي تخضع هذه الأفكار القادمة من الغرب لطبيعتها المحافظة، فتكسر مضمونها الديمقراطي إذا كان لها مضمون ديمقراطي، فالماركسيون يستوردون الماركسية الشرقية المحافظة الدينية، ويرفضون ماركسية الغرب الديمقراطية، والقوميون والبعثيون يتتبعون خطى الفاشية والنازيه، ولا يأخذون الحركات الديمقراطية القومية، والدينيون يواصلون خطى الحركات الرجعية القديمة المعادية للإسلام الديمقراطي.
إن الأمر لا يعود لمسئولية الأفكار المستوردة، أو المستفاد منها، بل يعود لتكوين البنية الاجتماعية المحافظة العربية، والتي تجير الأفكار لمضمونها التقليدي ونمط حياتها الأبوي اللاديمقراطي.
وطبيعة الحال هناك فروق فى مستوى هذه الأفكار ومدى انغلاقها الشديد أو انفتاحها، حيث تصل العملية أحياناً إلى شبه انفراج اجتماعي في حين تصل في حركات أخرى إلى إرهاب اجتماعي واسع النطاق.
فقد ركزت الأفكار الاشتراكية الوطنية المختلفة على ازدهار السوق تحت يد الدولة، ووسعت من نطاق الحداثة ولم تتوجه إلى القمع الدموي الواسع كما فعلت الدول الدينية فيما بعد. والتي ركزت على مسائل العبادات والأخلاق مفصولة عن ظروف المواطنين وتطورهم الاقتصادي وحرياتهم فكان أن عجزت عن حماية الأخلاق وحماية الاقتصاد وتطويره.
أدركت الاتجاهات الشمولية العربية عموماً إخفاق طريقتها في العمل السياسي والفكري في العقود السابقة، ما عدا الاتجاهات الدينية التي تصر على استنساخ التجارب الشمولية السابقة بعناد أكبر.
لكن مع أي تجربة ليبرالية وديمقراطية تتكشف العظام الدكتاتورية لهذه التيارات والتى لا تزال راسخة فى الجسم السياسي والاجتماعى. فنجد ما قلناه سابقاً عن الحمى فى تصعيد الصراعات وتفجير الاحداث المصطنعة، ويتضح عدم الصبر وعدم القبول بأن تسير الديمقراطية داخل هذه الأجسام السياسية / الاجتماعية.
فهى تريد الديمقراطية من طرف واحد، بأن تحافظ على جسمها الشمولي والاجتماعي المتخلف، وتمنع التطورات الليبرالية بأن تتغلغل في أعضائها وجماعاتها، فتكون هناك تفسيرات مختلفة ومقلقة بالنسبة لها عن القومية والاشتراكية والدين، فهي تحفظ نسخة واحدة من نظرتها المطلقة، وهذا كله تعبير عن خوفها من تطور الجماعات التي لاتزال تعيش في الحياة التقليدية.
ومن جهة أخري فإنها تريد حل كافة الأزمات الاجتماعية والسياسية الطويلة في النظام السياسي دفعة واحدة، وذلك من أجل أن تكون الديمقراطية ديمقراطية خارجية، اًي أن لا تصل إلى تنظيماتها وتكوينها التقليدي، فلا تقوم بدفع ضريبة الديمقراطية بالتحول إلي الحياة الليبرالية، فتريد ديمقراطية ولكن مع هيمنة الحياة الأبوية الذكورية الاستبدادية، تريد ديمقراطية سياسية فوقية لا تصل إلي البيوت وأحوال النساء وتكوينات الأرث والأوقاف ومناهج المدارس الخ..
أي أن الاتجاهات الشمولية تريد ديمقراطية مفصلة علي مقاسها، فلا تعتبرها عملية صراع حضارية طويلة تقوم هي بالتبدل في أثنائها، فتعيد تشكيل حياتها وعلاقاتها وإرثها، وتنسلخ من وعيها الطائفي السياسي، نحو إسلام حضاري ديمقراطي، بل تريد أن تبقى الطائفية والمحافظة الاجتماعية.
ولا شك أن مثل هذه المخاوف تغذى من قبل أواسط ترى في الديمقراطية الشاملة تغييراً لأساليبها في الاقتصاد والعيش الماضوية، فتتداخل الخيوط بين أقصى اليسار وأقصى اليمين، ولهذا تبدو الليبرالية والديمقراطية مكروهة فجأة ويتسع اللغط على فشلها وأضرارها.
تعتبر هذه الأوساط بأن الليبرالية حلاً سحرياً، وأنها لا بد أن تحافظ على طرق المعيشة والتفكير والعادات الشمولية السابقة، وإلا كانت هذه الليبرالية كارثة.
ومن هنا نجد كيف أن الفترات الديمقراطية تبدو واعدة ومضيئة ثم تتلبس وتنفض الأطراف الشمولية التي ترفض اأن تدفع ضريبة التقدم، مركزة فقط علي بعض الجوانب السياسية الصحيحة ولكن المفصولة عن السياق السياسي العام والتاريخي، وتقوم بتضخيم وشحن هذه الجوانب المنتزعة لتبرير ليس استمرار السير الديمقراطى الطويل والصبور، والذي لا يتشكل إلا من خلال وعي الشعب وإرادته وأصواته، بل تريد أن تقوم الأجهزة الحكومية بعمليات سياسية قيصرية هي شكل واضح لدكتاتورية فوقية.
هنا نرى كيف تتحول الجماعات الشمولية الفاقدة للصبر السياسى وعلى التحول الديمقراطي التدريجي إلى جسور للدكتاتورية، لكون هذه الجماعات لا تؤمن بالشعب أصلاً، لا تؤمن بقدرته علي التغيير من خلال صناديق الاقتراع، ومن خلال شبكة التحولات الديمقراطية المتنامية.
ومن هنا فإن المغامرات والأعمال اللامسئولة ومحاولات القفز على القانون السياسي والاجتماعي تترافق وكراهية الديمقراطية من قبل المحافظين والذين يخشون من نظام شفاف. إن الجانبين يغذيان بعضهما البعض، ولهذا سقطت العمليات الليبرالية والديمقراطية العربية دوماً، لكون الأطراف الشمولية تتوجه لضرب الديمقراطية من مواقع شتى، لكنها تتفق على القفز على هذه المرحلة، وإلى التوجه إلى الهاوية الدكتاتورية بمختلف ألوانها.
تشتت ممثلي الفئات الوسطى
يعبر الصراع السياسي الدائر وطنياً عن تشتت ممثلي الفئات الوسطى، الذين هم الممثلون المكتسحون للناخبين وللناس عموماٌ، وعدم قدرتهم على بلورة خط ديمقراطي عريض ومتماسك، بسبب ولائهم لقوى اجتماعية تقليدية ولأنظمة شمولية.
إن ممثلي هذه الفئات الوسطى الصغيرة : مثقفين، محامين، موظفين، تجارا صغارا الخ…، هم الذين ارتبطوا في زمن ما بتوجهات يسارية، ثم فشلت هذه التوجهات بسبب ارتباطها بأنظمة رأسمالية الدولة الرأسمالية الشمولية التي تآكلت وتحولت إلى إقطاع تقليدي عشائري دموي، فلم يستطع ممثلوها المحليون الاحتفاظ بنسيج سياسي وفكري متماسك، فغدوا قطعاً متعددة.
إن التبعية للإقطاع الديني ترفدها جملةٌ من الأسباب هي عدم قدرة ممثلي الفئة الوسطى هنا على تشكيل وعي ديمقراطي في صفوفها، فتحول الولاء اليساري إلى الارتباط بأنظمة على شاكلة النظام العراقى السابق، وهو أمر يدمرُ أي مفردات ديمقراطية يمكن أن تنشأ في هذا الوسط، الذي كان من الممكن أن يتجه إلى الليبرالية ومفردات الديمقراطية الحديثة، ولكن الارتباط بالمفردات القومية الشمولية ضبب الرؤية، وقاد إلى نمو الفساد السياسي بانقطاع القمة عن تضحيات القاعدة، وتراثها الكفاحي الطويل.
وهو أمر يقودُ إلى المزيد من المغامرات السياسية وتتحول التبعية للإقطاع الديني إلى ما يشبه الانتحار السياسي، من أجل الهروب إلى الأمام وعدم مناقشة هذه التبعية للقوى الشمولية سواء كانت الأنظمة العربية الشمولية أم القوى الدينية المحلية والمناطقية.
أما ما تفعله فئات أخرى من القوى الوسطى، وهو الصراع مع الحكومة من أجل إبراز ذواتها الشخصية، ولتأكيد زعاماتها الخاصة، دون أي رؤية لأبعاد هذه التحركات السياسية الخاصة، على مجمل القوى الديمقراطية المشاركة، فكأنها تريد أن تخطف الأضواء وتستبق قضايا لم يحن أوان إثارتها، في حين إن القضايا الأساسية لم يستكمل طرحها وتجذيرها على الأرض.
وعموماً فإن قوى الفئة الوسطى هذه نمت على أساس التأييد الديني ودعمه، فهي هنا تحاول مساعدة القوى الدينية خارج البرلمان عبر تأزيم الوضع بطرفيه البرلماني والخارجي.
أو أن تقول للشارع الديني أنها تفعل من داخل قنوات النظام ما تعجز عنه القوى الدينية خارج قنوات النظام.
إن تبعية كل قوى الفئات الوسطى هذه للدينيين، وعجزها عن إنتاج خطاب ديمقراطي وطني موحد، يتشكل بصبر وبمرحلية طويلة، ليس هو الشكل الوحيد من التبعية التي تقوم بها هذه الفئات للقوى التقليدية، فهناك الغلاة الذي يروجون بأن الحياة السياسية الراهنة ليس فيها أية مشكلات عميقة، ويدافعون عن الحكومة بصورة أكثر مما تفعل الحكومة.
لكن من جهة أخرى فإن الفئات الوسطى السياسية المستقلة المتعددة لم تستطع أن تشكل خطاً ديمقراطياً موحداً، يقود إلى الاستقرار السياسي ونمو عملية الإصلاح معاً . وهذا بسبب تشتت الخطوط الفكرية التي اعتبرت كأنها سور الصين العظيم.
إن على قوى اليسار الديمقراطي أن تتوحد وتتبلور أولاً، بحيث يكون تقدمها السياسي من خلال برنامجها، وليس بعملية الارتباط بالدينيين، أو النمو تحت مظلتهم، بل عبر طرح البرنامج الديمقراطي التحديثي، المستقل الطليعى المنفتح على كافة قوى المجتمع والذي يمثل الطريق للسير الاجتماعي الممكن.
إن تأثر ممثلي الفئات الوسطى الصغيرة خاصة بالدينيين، هو جانب مستمر وتاريخي في هذه الفئات، عبر التأثر بالغالب والسائد، ونسيان طريق التطور الحقيقي المركب والأكثر صعوبة من عمليات التسلق واستغلال الفرص، وهو طريق لا يستطيع شقه سوى الوعي الحديث .
وحدة الفئات الوسطى
إن عملية الانشقاقات او إقامة التحالفات السياسية تتعلق برؤية هذه القوى والفئات الوسطى، وكيف ولماذا تتشكل هذه العمليات بين الانفصام والاندماج؟
فممثلو الفئات الوسطى، المنتجون للوعي والنشاط السياسي، يتعلق الأمر بمدى قدرتهم على تمثل طبقتهم، الطبقة البرجوازية، بمدى قدرتهم على فهم حركتها التاريخية، ماذا تريد، وأي نظام تريد أن تشكل ؟
وهناك العديد من الالتباسات الإيديولوجية، التي تؤدي إلى عدم قدرة آرائهم السياسية على بلورة ذلك المنحى الاجتماعي، أي تأتي آراؤهم مناقضة لمضامين فئاتهم التي تعجز عن تشكيل ممارسة نضالية لطبقة رهن التشكل.
إن التحاق ممثلي القوميين بالدينيين يعطينا هنا مثالاً على التحاق ممثلي فئات وسطى بالبناء التقليدي، وعدم قدرتهم على إنتاج نظري سياسي يعبر عن مخاض هذه الفئات في التحول إلى طبقة برجوازية ذات تأثير حاسم في البناء السياسي، أي طبقة تعيد إنتاج البناء التقليدي إلى بناء حديث.
والعكس قد يحدث في انتقال دينيين إلى مشروع الفئات الوسطى لإنتاج عالم الحداثة، وهذا يتعلق بقدرة المتحولين كذلك على إنتاج مفاهيم الحداثة، أي على كيفية قراءة الإسلام كثورة نهضوية في عصر علماني.
إن الخارجين والداخلين يعبرون عن تذبذب الفئات الوسطى، وتداخلها بين القوى الاجتماعية التقليدية التي تمنع تشكل نظام حديث كلياً، ولهذا فانها في حيرة أو لبس وغير قادرة على أن تنتج وعياً ديمقراطياً في مسائل النظام الاجتماعي المطلوب مستقبلاً ، أي في المسائل الجذرية للتحولات في عالم اليوم، والذي يتمحور على قضايا الديمقراطية، والحداثة، والعقلانية ، والعلمانية.
لكن ممثلى الفئات الوسطى يصطدمون كل يوم بحدود البنية التقليدية سواء فى قضايا الأسرة وقوانينها، وهي التي تتطلب وصول العلاقات الديمقراطية إلى جذور البناء العائلي، أو بضخامة الملكية العامة الموظفة بشكل تقليدي، أي التي لا يقود فيضها المالي إلى إشاعة وتوسع العلاقات الرأسمالية الإنتاجية.
أو في مجالات الثقافة والإعلام حيث تقوم الثقافة التقليدية كل يوم بإعادة عجلة التاريخ للوراء، وإضعاف تقدم الأمم الإسلامية للسير إلى الأمام، أو بالهجوم الإعلامي للثقافة الغربية السوداء، أي تلك الجوانب من الثقافة الغربية الخرافية والاستهلاكية الباذخة، التي تضعف التطور الوطني والثقافة العقلانية في الدول النامية.
إن إنتاج وعي ديمقراطي عميق للفئات الوسطى يجمع محاور وشبكات متعددة لإنتاج المعرفة، يتطلب الاستقلالية السياسية عن ممثلى الوعى التقليدي، لكون الاستقلالية السياسية تعبر عن جوهر الطبيعة الاجتماعية لأي طبقة من الطبقات.
من هنا يغدو أي انفصال أو اشتراك أو وحدة مرتبطاً بالأهداف البعيدة والعميقة لهذا المخاض الاجتماعي، أي ألا يكون حركة سياسية شكلية، أو خارجية، أو نفعية، بل مرتبطاً بإنتاج فكري عميق.
لكن مسائل الفكر وحفر الاتجاهات تبدو صعبة إن لم تكن مستحيلة في سيادة ممثلي الشعارات السياسية، وغياب المفكرين والكوادر الفكرية المتخصصة في الاتجاهات السياسية.
بل هناك حتى مخاض في الفئات الدينية نفسها لاكتشاف العصر بادوات فكرية جديدة، وتمنع القوى المرتبطة بالمصالح التقليدية من نمو وتحول هذا المخاض باتجاه الاقتراب من ممثلي الفئات الوسطى الآخرين والتعاون معهم بهدف تقوية مواقع هذه الطبقة في التوسع الصناعي والتجاري الخ..
الفئات الوسطى والموضة
تترابط لدى الفئات الوسطى العربية (الإسلامية) المسيحية مسائل المواقف السياسية بالمصلحة وبالدين وبالملابس وبالأشكال البرانية الديكورية.
وكما أن التدين لديها مسألة تتعلق بالموضة الرائجة، فكذلك يغدو لباسها جزءاً من هذه الموضة. ففي زمن الحداثة الشكلانية، حيث قوى الإقطاع الديني منحسرة، وطبول الحداثة الوطنية تدق، ومحلات الخياطة مستفيدة من هذا الانحسار فتقوم بخياطة الملابس الحديثة وأغلبها ينحسر عن السيقان، والشعر مطلق السراح، والمرأة وقتذاك مدعوة للخروج والتطور والاشتراك في السياسة، فإن التدين وقتذاك متسامح، والفئات الوسطى مستفيدة من حالات التحديث والتأميم في مصر وسوريا وغيرها من الدول، حيث كانت شعارات النهضة قوية.
وهذا كان ينعكس على بقية الدول العربية، التي تشارك في النهضة من خلف الأبواب، ومن هنا كانت المنابر السياسة ومحلات الخياطة تشارك في التحديث، الذي لم يكن سوى شعارات فوقية وملابس خارجية تدعي بالحداثة، وتحت الرؤوس تخلف كثيف.
وتغير الموقف حين أخذت الدول النفطية بتراثها البدوي والقروي تهيمن على الساحة السياسية العربية، وهنا برزت قوى الإقطاع السياسي والديني التي كبحت قوى التحديث في الدول العربية الرائدة، وراحت تقاوم فكر النهضة الديمقراطي والتحديثي، ولهذا رفعت لواء التدين المذهبي بمختلف درجاته وبغلواء الخطابات، وارتفعت الذكورية المتصلبة، وتغيرت الأزياء، وتبدلت محلات الخياطة، وازدهرت محلات العباءات النسوية والأحجبة والبشوت والكوفيات.
وراحت هذه الأزياء الجديدة وملحقاتها من شوارب غليظة ولحى تدعي احتكار الإسلام، وهي تضخ شذرات من أموال النفط في جيوبها، وتقيم فئات وسطى مستندة إلى الاقتصاد النفطي بدوره الكبير في صنع السلاح والبنوك والربويات المختلفة وفي دعم إسرائيل والقوى الشمولية المختلفة في العالم، ويترافق مع ذلك نمو في الحنفيات المالية المعبأة بشعارات دينية، لسرقة أموال المودعين الفقراء والبسطاء والفئات الوسطى الصغيرة..
ورغم محاولة غلغلة الموضة الدينية المتشددة داخل المدن العربية، وجعل الملابس تحجبُ جسدَ الإنسان كوسيلة لاعتقال روحه ومنع عقله من البحث والنقد والحرية، إلا أن الحداثة الغربية الشكلانية هجمت هجمة أخرى شديدة، واندفعت أشكال الموضة تغزو العالم العربي مرة أخرى وبقوة أشد، وراحت الأجيال الشابة تثور، واندفعت الأشرطة الصارخة والبنطلونات الشعبية والتسريحات الزاعقة والاسطوانات واشتدت هجمة السينما الأمريكية والسيارات الحديثة المعباة بالغناء..
انقسم الشباب بحدة بين خندقين، وهما المعبران عن الصراع بشفافية أعمارهم، وبسبب الطابع الشكلاني العبادي والحداثي الذي يلائم بكارة تجاربهم، وبسبب عدم القدرة العامة عن التحديث والتدين الحقيقيين.
تقوم حركة الفئات الوسطى على استغلال الموضة السياسية والاجتماعية الرائجة، وتطوير الدخل عبر الخضوع للسائد والقادر ان يدفع، أما المبادئ فهي تأتي لاحقاً، وتتكيف مع من يمسك بحنفية الأموال العامة، ففجأة تتغير حشود من البشر في ملابسها وشعاراتها، وكأنها تتحرك بأزرار آلية، وهي أغلبها من الفئات الوسطى وخاصةً الشباب، المتأثر بعواطف حادة، لكن لا شيء من هذه الأفكار يغوص عميقاً داخل العقول، وهى مجرد فقاعات تطفو على سطوح الرؤوس؛ مثلما تتبهرج الأجسام بالالوان المزهرة أو القاتمة ثم يأكلها دودُ الأنظمة، وهي قد تكلف حيوات ودماء كثيرة، لكنها لا تحرك شيئاً عميقاً في التاريخ، [وأما الزبد فيذهبُ جفاء.. وأما ماينفع الناس فيمكثُ في الأرض].
وحدة الفئات الوسطى
إن الفئات الوسطى هي بؤرة الفعل السياسي للعرب في المجتمعات الراهنة، ويقود التنوع الفكري – السياسي لها إلى تعطل النضال الاجتماعي وتفتيت الصفوف، بدلاً من أن يقود إلى عكس ذلك.
والسبب أن التنوع الفكري هذا يؤخذ كرؤى مطلقة، وليس كأدوات للعمل السياسى، كما أن ارتباط القوى العليا من هذه الفئات الوسطى بأجهزة الحكم ودفاعها عنها بالحق أو بالباطل، من الأمور التي تعرقل عملية التعاون بين هذه الفئات الوسطى وتعبيرها عن مطالب الجمهور فى التغيير.
وكما أدى احتكار الحكم والثروة إلى أزمة الأنظمة العربية الراهنة، فإن حلحلة هذا الاحتكار، كمرحلة أولى من عملية التغيير، يمكن أن تجنب هذه البلدان تحول الصراع إلى حرب أهلية.
إن أيديولوجيي هذه الفئات يطرحون خلفياتهم الفكرية بشكل أحادي استقطابي، فهناك ثنائيات لا تقبل التداخل مثل: الشرق / الغرب، والإسلام/ الحداثة، والحكم الديني/ الحكم العلماني، ومثل هذه المنطلقات تقود إلى تصلب موقفي من شأنه أن يعرقل العملية السياسية، ويضعف التعاون الممكن لتغيير طبيعة السلطات المتكلسة.
ولكن الثنائيات الأخطر تتجلى في تفكيك الروابط الوطنية والقومية والإسلامية، كثنائيات الطوائف والأديان والأصول العرقية الخ…
وغالباً ما يطرح مثل هذا التصلب من يستفيد من الوضع الراهن، داخل الحكومات وداخل الأحزاب على السواء، بحيث يقود ذلك إلى الشرخ الوطني العميق على مستويي حركتين سياسيتين قطبيتين، مثل صراع الحزب الوطني الديمقراطي والإخوان في مصر، وصراع فتح وحماس، أو حين يتجلى ذلك مذهبياً سياسياً (سنة — شيعة) كما في العراق وأقطار أخرى.
وتعبر هذه الثنائيات الاستقطابية عن هزال وسطحية التطور الفكري — السياسي العربي عموماً، وسيطرة السياسيين شبه الأميين على الأحزاب والدول، وعدم سماح هؤلاء بتطور فكري عميق داخل القوى السياسية وبين المثقفين وعلاقاتهم بالجمهور.
ويقوم هذا الاستقطاب الثنائي الكبير بجر قطاعات من الجمهور الذي لم تكن له أي صلة بالصراع الفكري إلى حومة الميدان السياسي، عبر استقواء أجهزة الأنظمة والأحزاب بالجمهور العادي، الذي ينقل كل تبسيطاته وجهله ومصالحه وعداواته إلى العمل السياسي. والأخطر حين تكون هذه الأجهزة والأحزاب لها قوى غير منظمة وغير رسمية، تتدخل في الصراع السياسي، معتمدة على «البلطجية» كما حدث فى مصر، أو على الجماعات المسلحة غير المرخص لها كما فى فلسطين؛ والعراق، ومن شأن ذلك وضع التنظيمين الكبيرين أو وضع الحكومة من جهة، والتنظيم المعارض الكبير من جهة أخرى في مواجهة مسلحة.
ولو كان التنظيم الكبير المعارض يتشكل من عدة أحزاب أو هو جبهة ديمقراطية، لهان الأمر، نظراً لإمكانية التعددية فيه، ولكن حين يكون التنظيم الكبير تنظيماً واحداً، تسيطر عليه رموز متضخمة وغير قابلة للنقد، ورافضة التعاون السياسي مع الحكومة بل هي لا تفعل سوى مواجهتها وإسقاطها، أو تفكيك سلطتها وشل البلد سياسياً واقتصادياً، فإن مثل ذلك يؤلب قطاعات شعبية أخرى على هذا التنظيم المعارض الذي يكون قد نقلهم إلى حالة خطرة، فيعتبر الوضع تحت سيطرة الحكومة أفضل، وهكذا ينتقل الصراع الحاد إلى الشعب نفسه.
ولهذا لا بد من إعطاء البرلمانات المنتخبة فترة زمنية كافية لحلحلة تركز السلطة، من دون أن يعني ذلك تفتتها، وإيجاد أشكال من التعاون بين مختلف الفرقاء، وإجراء عمليات تجديد في السلطة، ونقل اختصاصاتها الاقتصادية إلى المؤسسات المنتخبة والوزارات المستقلة، بحيث تعبر كلها عن تجاوز الاستقطابيات والثنائيات الحادة لخلق نسيج وطني وشبه إجماع على الإصلاح والتقدم.
تقطيع الفئات الوسطى
بدلاً من أن تكون الفئات ونخبها الطليعية قائدة لمرحلة التحول إلى النظام الديمقراطي الحديث، يجري إعادتها إلى الوراء، يجري جعلها تابعة للنظام التقليدي، فتصبح ادوات له، في وقت يفقد هذا النظام مشروعيته ويدخل العرب في مأزق تاريخي!
فالأنظمة التقليدية التي تملك المال العام ترشي ممثلي الفئات الوسطى وتفسد فكرها الحديث، فتروح تتكيف مع جوانبه العتيقة وفكره السياسي المذهبي وأشكال محافظته.
أو تحول هؤلاء الممثلين والمثقفين إلى أبواق في مختلف ميادين الإنتاج الفكري إليها لأنها لا تستطيع أن تنتج فكراً. وهذا إعادة لما جرى في العصور العربية الإقطاعية، حين كان الحكام يحولون إلى ممثلي الفئات الوسطى من أطباء وشعراء وعلماء وغيرهم إلى أدوات للملاط!
وقد بدأ انهيار الأنظمة الملكية العربية السابقة في العقود الأولى من القرن العشرين حين أصرت على أن تحكم بشكل مطلق، وتفصل بدلات سياسية دكتاتورية على مقاس أنظمتها الملكية (البرلمانية) و(الدستورية) فلم تجد الجماهير المقموعة عن الوصول إلى الأصوات الديمقراطية والليبرالية والتقدمية إلا الأشكال السياسية المذهبية تفرغ فيها احتجاجها، فكانت الأزمات وصعود القوى الشمولية وكانت الانقلابات.
وتقوم هذه الأنظمة نفسها بتوسيع الممارسات المذهبية السياسية ورشوة العديد من المفكرين الديمقراطيين والكتاب لكي يتخلوا عن أفكارهم ويغضوا الطرف عن التلاعبات بالثروة العامة، مركزين نقدهم على ظواهر جزئية أوطارحين ليبرالية عرجاء !
ولهذا لا بد من وقف استنساخ التجربة نفسها في الأنظمة الملكية الجديدة، وإعادة عجلات التاريخ للوراء، ولهذا رأينا أوجه الصرف الباذخة لظواهر نفاقية ومهرجانات الكلام المدحي وتشكيل فرق من شعراء الكذب العام!
ويجري تسمين كل منحرف عن خطه السياسي المعارض، ورفعه إلى ذروة السماء، ودفق المال العام في جانب ووقفه عن جوانب أخرى كثيرة.
ويجري الأمر نفسه لدى الجماعات المذهبية السياسية والشمولية المختلفة، فكل من أيد مواقف دول بعينها يتم تلميعه وإظهاره في الساحات الوطنية الخاصة، وعليه أن يسكت عن جملة كبيرة من ممارسات هذه الدول القامعة للحريات، وهو في بلده يطالب بأقصى تجليات الحرية!
فتجد على سبيل المثال أن الفضائيات مختصة بأسماء دون غيرها، وهذه الأسماء تعزف أنغاماً مدفوعا ثمنها.
والحصيلة أن الأنظمة الوطنية والدينية أو الأنظمة الملكية تتقارب فى سياسة واحدة هي رشوة الفكر الحر، وحرفه عن استقلاله، وبالتالى تأجير المنظمات السياسية كما تستأجر فرق الطبالين ومتعهدي الأعراس!
وتضع هذه المنظمات السياسية نظارات مختلفة للرؤية، فبلد تراه وردياً وآخر تراه جحيماً، حسب نوع المتعهد المالي لها، فنظام يقوم بقمع مليون شخص لا تقوم بالاحتجاج عليه، وإذا قمع نظام آخر أربعة أشخاص أثارت هذه المنظمات نفسها ثورة عارمة!
فليس هناك مصداقية منهجية في مثل هذا النظر السياسي بعد أن تم تخدير مجموعات كبيرة بالرشوة العامة، وبتحويل الأحزاب إلى قطعان تحركها ماراشات موسيقية طائفية، وبالوظائف، وبالقفز إلى المجالس المعينة والمنتخبة، ومن شأن كل ذلك أن يفسد الدساتير الديمقراطية المحدودة حتى الآن، ويحرك نوازع الانقلاب على النظم السياسية المستقرة، ويعبئ الشعوب ضدها من قبل المغامرين السياسيين والعسكريين ومن قبل القوى الأجنبية، أو يصيبها بالسلبية تجاه التحولات وتجاه المشاركة والأيمان بالأوطان.
لا طبقة وسطى بدون عمال فاعلين
نحن نحاول هنا الوصول لقوانين التطور الاجتماعي العربي، الذي يتشكلُ فيه حراكٌ سياسي كبير، وتتصاعد على مسارحه المتنوعة الفئات الوسطى، وهي تتذبذب بين الشرق والغرب، بين التراث والحداثة، بين الانتماء لجماهير العاملين وبين الانتماء لأجهزة الدول.
وهي تتحرك تبعاً لمصالحها الفردية والفئوية، فهذه المصالح هي الأكثر تأثيراً في عملها وتحولاتها.
فحين تدفع لها الدولُ، سواءً كانت دولها أو الدول المؤثرة في المنطقة، فهي تتجمد عند المقولات الدينية المحافظة، رافضة التجديد في الوعي الديني، أو تغيير مناهجها في العمل السياسي الوطني.
إن صعودها السياسي هو بفضل تجذر الدول الشمولية الغنية في اقتصاد الشعوب، فهنا يتشكل وعي يميني يرفض الانحياز لليسار، أي للعمال وللنساء، فهما شكلا حضور العاملين والمستغَّـلين في الحياة الاقتصادية.
إن المقولات الدينية تصبح مُبهمة، ويتم الابتعاد عن التاريخ الإسلامي النضالي الحقيقي، ثم الوقوف عند الميراث الذي شكلته الحركات التقليدية في التاريخ الماضي.
إن الفئات الوسطى المشتتة لا تستطيع أن تقود معركة الاستقلال والديمقراطية والتوحيد، ولا يستطيع قيادتها سوى العمال والنساء.
وفي البلدان الأكثر تمزقاً مذهبياً ودينياً كلبنان والعراق والسودان تصبح المسألة أكثر صعوبة، في حين إن البلدان الموحّدة مذهبياً تغدو أكثر قدرة على الاقتراب من ذلك، كالمغرب ومصر.
ولا ننسى العواملَ الموضوعية التي تجعل الفئات الوسطى مشتتة، والعمال ضعفاء سياسياً، وهي المتمثلة في الطور الراهن من الصناعة التحويلية، والاستخراجية، وسيادة الحرف الصغيرة والزراعة.
أي أنه كلما حدث التطور الصناعي الآلي وانتشرت التقنية وتغلغلت النساءُ في المصانع، تغدو ثمة شروط أكبر لتقدم مهمة اليسار في دفع الفئات الوسطى المشتتة المتضاربة نحو أفق المجتمع الديمقراطي.
كذلك لا ننسى المهمات الثقافية في توحيد الفئات الوسطى دينياً، أي بجعلها تساهم في تشكيل ثقافة إسلامية أو مسيحية ديمقراطية، أي ربط الثقافة الخاصة بنا بمسار البشرية المتصاعد نحو التحديث.
إن فاعلية العمال لا ينبغي أن ترتبط بمستوى تكنولوجي بشكل آلي، فهذه الفاعلية النضالية تشكلت حتى في زمن الإقطاع الكلي السيطرة، وهي التي عَبرَتْ بالفئات الوسطى الطليعية في أزمنة التحرر والاستقلال السياسي، إلى ميدان السلطة والمنافسة مع الطبقة القديمة، فبدون تضحيات عمال المصانع والطلبة والنساء ما كان ممكناً حصول العرب على الاستقلال الأولي.
لكن ذلك الذوبان العمالي في أحزاب الاستقلال القومي لا يجب أن يتكرر في أحزاب (الاستقلال) الإسلامي، وهي المتمثلة في المرحلة الراهنة. فهنا تتدفق جماهير الريف البسيطة لتأييد أحزاب الفئات الوسطى الدينية المشتتة والغيبية. إنها جماهير أقل في التطور الفكري من عمال بداية القرن العشرين العربي، لإنه تم إستدراج تراث عصر التقليد في زمن الدول الاستبدادية القديمة واعتباره هو الإسلام وتحريك هذه الجماهير من خلاله.
إن جمهور القرى والحرف المحطمة والتناسل الكثيف وجمهور الشباب الغض ذو خبرة قليلة بمسائل الصراع الاجتماعي، ولكن أصبح هذا الجمهور هو المجدد لنسيج الطبقات العاملة العربية الذي ينبغي تنويره لكي يكون يقظاً في تداخلات القوى الاجتماعية الراهنة.
إن استقلال العمال العرب الفكري هو الشرط الأولي من أجل فاعلية سياسية أكبر، ولدفع الفئات الوسطى لتشكل طبقة وسطى قادرة على صنع الحداثة.
إن العمال المنضبطين والمضحيين والمتنورين هم القادرون على نقد انتهازية وتذبذب الفئات الوسطى ودفعها لتكون جريئة في مواجهة التخلف والاستغلال. ويستطيع العمال أن يقودوا مجرى التحول السياسي إلى هدف أبعد من الحريات السياسية المجردة ومن رأسمالية التبعية.
قيادة الفئات الوسطى لليسار
لايستطيع العمال تكوين صوت سياسي لهم بسبب الظروف الموضوعية والذاتية التي يمرون بها، فأكثر من نصف العمال هم أجانب غير عرب، يصعب التفاهم معهم، وهم عمال مهاجرون أكثر ما يريدون وصولهم إلى لقمة العيش حتى تحت الظروف الأشد قسوة.
كذلك فإن منظمات العمال النقابية والسياسية عانت ظروفاً صعبة طوال عقود لم تستطع عبرها أن تشكل أصواتاً ديمقراطية واسعة الانتشار، وقد ظهرت في السنوات القليلة الماضية دون عدة فكرية كبيرة.
كذلك فإن تكوين العمال تكوين لم يُدرس حتى الآن بشكل علمي، لكن من الملاحظ أن كثيراً من عمال المؤسسات الإنتاجية الصناعية الجديدة هم من العمال الأجانب، في حين أن العمال البحرينيين يتركزون في المؤسسات الإنتاجية التحويلية، وفي قطاعات الحكومة.
إن العمال هم عادة القاعدة الاجتماعية لليسار، ولهذا دون تكون الطبقة العاملة بصورة بحرينية واسعة، ولعبها الدور الإنتاجي الأساسي، فإن هذا التيار يحتاج لسنوات عديدة من أجل الحضور السياسي المؤثر.
إنه بدون تغييرات موضوعية في الاقتصاد والحياة الاجتماعية فلا يمكن تعزز هذا الدور، ولهذا كانت عمليات الصراع الانتخابي تقوم على أعمال فردية في غالب الأحيان، أي على جهود قلة من المتطوعين في حين أن النقابات والجمعيات المهنية لم يكن لها دور في تقوية التيارات الحديثة بل أن حتى الجمعيات السياسية نفسها التي ينتمي لها المرشحون لم ترفدهم بقوة ولم ينزل أصحابها للشارع.
ومن هنا فإن الفئات الوسطى في المستويات الدنيا خاصةً هي التي لعبت الدور الأساسي في العملية السياسية الكبيرة، ويعتمد خطابها على إستخدام المفردات المذهبية وعلى الغموض الاجتماعي، فهي نفسها لا تعرف ماذا تريد مستقبلاً، كما أن ثقافتها الاقتصادية محدودة، لكن ينظم تحت لوائها الكثير من العمال الذين يعتقدون أنها تعبر عنهم.
ولهذا فإن سنوات البرلمان الحالي تمثل مدرسة وخبرة لهم تجاه هذه التيارات ومدى قدرتها على فهم ظروفهم وعلى الدفاع عن مصالحهم.
لا شك إنه من الضروري إسناد النواب المدافعين عن مصالح الجمهور بغض النظر عن توجهاتهم الخاصة، لأن المهم هو تطوير أوضاع الناس، خاصة القوى العاملة الوطنية التي تواجه طوفاناً من المهاجرين المنافسين لها في لقمة عيشها وأجورها وعملها.
لا شك أن تطوير الفئات الوسطى للاقتصاد ودفعه نحو الوطنية والبحرنة وقيادة التعليم نحو المساهمة الكبيرة في تشكيل كوادر الصناعة الحديثة وتقنييها وغير ذلك من المهمات المحورية، هي التي سوف تكسب هذه التيارات المذهبية شعبية بين العمال، كما سوف تزداد خبرتها بالظروف الموضوعية للبلد، وإذا لم تفعل ذلك فإن موجة التأييد لها سوف تنحسر وسيبحث العمال والماس عامة عن البرامج الأقرب لتغيير وإصلاح أحوالهم.
ومهما كانت الأحوال فإن دور العمال البحرينيين سوف يزداد، عبر نمو الجيل الجديد، وعبر غياب دور أي طبقة إنتاجية أخرى في بلد بلا زراعة ولا حرف صغيرة كثيرة فيه، كما سيزداد نمو هذه المدينة الكبرى باتجاه الحداثة أكثر وأكثر، كما أن دوراً جديداً للنقابات قد أطل هو الدور الإصلاحي العملي المتدرج لحل المعضلات المعيشية والاقتصادية والتعليمية للعمال وأبنائهم.
كذلك فإن اليسار لا بد أن ينعطف نحو رؤى جديدة وأن ينتج أفكاره الوطنية المنفتحة على تراث العاملين وأن يشكل توحيداً لهم، وهو التوحيد الذي يمثل النواة الصلبة للوحدة الوطنية.
فتمثل الفترة الحالية لحظة التداخل بين الفئات الوسطى وقيادتها للجمهور وبين عملية جديدة ستفرز قيادات جديدة للعاملين ذوي تكوينات سياسية تتجاوز المرحلة السابقة.
تاريخية الطبقة الوسطى
لا نعثر في كتاب (رأس المال) على تاريخ الطبقة الوسطى، بل نراها مُنجزة مكتمِلة، فيتوجه التأريخ الاجتماعي إلى العمال.
فتاريخية الطبقة الوسطى، عبر تنوع رساميلها، أي عبر تطور بنيتها الداخلية، أمرٌ مفقود، وتغدو مكتملة ناجزة ويُؤخذ ذلك في الكتابات العربية كأمرٍ ثابتٍ، وتنقلُ كعمليةٍ مجهولة إلى المجتمعات الشرقي المختلفة التطور، والتي لها قوانين تطور مغايرة. وبهذا تضيعُ الحقيقة باكتشاف الطبقات الوسطى الغربية، وسيرورتها التاريخية، كما تضيع سيرورة الطبقات الوسطى العربية، لأن ثمة نسخة غربية مستوردة تتكفل بمنع قوى التحليل من العمل والبحث.
إن الرأسمالَ الغربي وجدَ نفسَهُ في مجتمعاتٍ مفتتة، وتشكلَّ في منعزلاتٍ ومدنٍ مستقلة، وهو أمرٌ مكنهُ من التطور المستقل والانتقال عبر الأشكال التقنية المثبتة في كتاب رأس المال وهي: مرحلة الحرف، مرحلة المانيفاكتورة، مرحلة التصنيع والثورة الصناعية، وكلُ مرحلةٍ من هذه أخذت قروناً.
وتوجه كتابُ رأس المال لدرسِ الطابع التقني لرأس المال، فغيبَّ درسُ التكوين لعناصر رأس المال الداخلية، ولنوعية الرساميل وهي: رأس المال التجاري، والصناعي، والمالي، وبالتالي غيبَّ طبيعة العلاقات التاريخية البنيوية بين هذه الرساميل وتلاحقها وعلاقاتها ومساهماتها المختلفة في تكوين رأس المال الكلي.
ولكن نستطيع أن نقولَ بناءً على مصادر أخرى، بأن مرحلة الحرف تضافرت مع رأس المال التجاري كرأسمالٍ غالبٍ، وكانت مرحلة المانيفاتكتورة قد نشأت بعد تضخم الرساميل التجارية وأتجاهها للصناعة، فراح الرأسمال الصناعي يصيرُ الأكبر ويتجاوز الرأسمال التجاري وهنا تتشكلُ الطبقة الوسطى في كل بلد أوربي حسب مستوى تطوره الاقتصادي، ثم تأتي المرحلة البنكية الأكثر تطوراً، فتغدو الطبقات الوسطى قارية فعالمية.
وهذا التوصيف أمرٌ نلمحهُ في المصطلحات حيث يسودُ تعبير (التجار) المرحلة الأولى مما يدلُ على سيطرة البضاعة ثم يظهر تعبير (البرجوازية) الذي تجاوز المصطلح الأول، حيث تصاعدت الصناعة التي هي وحدها التي تصهرُ العناصر المفككة وهي الرساميل المختلفة، والعلوم، والقوى العاملة، حيث تجعل نسبها وتوجهاتها مطابقة لتطور الصناعة، التي هي التعبير المركز هنا عن قوى الإنتاج السائدة.
إذا كان تطور الطبقة الوسطى الأوروبية تجلى بتلك السلاسة الاجتماعية السابقة الذكر، فهذا بسبب شروط تاريخية كبيرة، فقد كانت القارة الأوروبية من دون دول كبرى مالكة للثروة العامة ومحتكرة لها، وهو شرط كبير له جذور عميقة في التاريخ السابق، كذلك لم يكن للصناعة منافس قاري آخر، فالمواد الخام والرساميل راحت تتوجه لأوروبا، وهذا ما جعل التطور الصناعي يتشكل في مدن حرة راحت تغدو عواصم التاريخ الجديد.
لكن هذا أمرٌ مختلف في الشرق بتنوع دوله، فالمرحلة التجارية للرأسمال ظلت مستمرة، مع عجز الرأسمال الصناعي الخاص المتكون من التطور الواسع، لهيمنة الدول، وهي التي تقوم بتبذير المال على البذخ، أو الترحيل الخارجي، فتغدو الصناعة مستنزفة، غير قادرة على تجاوز المرحلة السابقة التجارية، التي تغدو شكلاً آخر للاستنزاف عبر توسعها وتحولها إلى مصدر بذخ وتخريب للإنتاج والتراكم الرأسماليين.
فتغدو الفئات الوسطى فئات، وليست طبقة، فلم تطهر فئة صناعية تقوم بصهر الفئات الأخرى وخاصة الفئة التجارية وجعلها مصدراً سابقاً وتراكمياً لها، فلم تستطع إعادة الأنتاج الصناعى الموسع، وتغيير طبيعة العلوم النظرية والثقافة الذهنية، والعائلة الأبوية، والعقلية السحرية.
وتأتى الرساميل الأعلى وخاصة الرأسمال المالي لتقوم بزيادة تدهور الرأسمال الصناعي، عبر ترحيل المال للخارج، وتوسيع التجارة الاستهلاكية البذخية، مما يؤدي إلى إضعاف الرأسمال الصناعي من كل الوجوه.
فهنا لا تتشكلُ طبقة وسطى، وتظل الفئات الوسطى غير منصهرة في تكوين اقتصادي، فالدول تلعب دور استنزاف الموارد، وتغدو الفئات الوسطى : التجارية – المالية – الصناعية – متضادة متناحرة، تلعب فئتا التمويل (البنوك) والاستهلاك (التجارة) دور خنق واضعاف (الصناعة).
وبالتالي فإن العناصر الاجتماعية لا تستجيب لتحولات إيجابية في البناء، فالعلوم عبر الجامعات لا تغدو على علاقة وثيقة بالبناء الاقتصادي وبالمصانع خاصة، والعمالة يغدو أغلبها غير منتج، فثمة حشود في أجهزة الدول تستنزف المال، وتغدو قوة العمل غير متناسبة وغير موجهة للتطور المطلوب، وتتزايد قوى العمل غير المنتج وتمتلئ المدن بالمهمشين وتفتقر الأرياف وتنهار الصناعات الصغيرة، وهي كلها أمورٌ تؤدي إلى الدوران في حلقة مفرغة.
استطاعت دول معينة كروسيا والصين التغلب على ذلك حين عمدت الدولتان لخلق الصناعة الثقيلة بقوة، واستخدمت الهند قوة العمل الهائلة الرخيصة والحريات.
فئات تحديثية تابعة للتقليد
قال عبدالملك بن مروان للشاعر جرير (لماذا أدخلت في قصيدتك اسم امرأة هي بوزع)، فقد كانت هذه امرأة من العامة، وهو اسم عامي، فهو يرفضُ أن ينزلَ الشاعرُ للعامة، ولكنهُ من جهةٍ أخرى قـَبلَ بقصيدةِ جرير المليئة بالسباب للشعراء وقبائلهم، من أجل أن تحتدم الصراعات بين الناس، فيقوم عبدالملك باستخدام هذه الأشعار في تلهية المواطنين عن ثروتهم الضائعة في خزائنه!
هناك سببياتٌ لتعبيةِ الفئات الوسطى للإقطاع، تعود لمستوى التطور، في الزمنِ الأموي كان الرعي وغنائمُ الفتوح، أسباباً لهامشية الفئات الوسطى تجاه الحكام، ومن هنا أضاعَ جريرٌ موهبته الشعرية، وفي العصر العباسي كانت الزراعة والحرف واتساع التجارة أسباباً لضخامة الفئات الوسطى ولكن على ضخامتها لم تستطع أن تغير مجرى الزمن لأن الأمر يتطلبُ صناعة خاصة، وفي بداية العصر الحديث نشأت الصناعة الخاصة وتقدمت الفئات الوسطى العربية في خطابها السياسي واستقلالها، ولكن جاء العسكرُ بسيطرتهم وقمعوها فحطموا استقلالية عقلها وجرأته، ووسعوا دائرة الخضوع والتسليم وهيمنة السلطات، رغم أنهم وسعوا الصناعة العامة، لكن تخريب الديمقراطية والعقلانية كانت لها خسائر فادحة.
وقد تم استثمارها في الموجة الدينية التي قامت على أنقاض دول العسكر وترافقت مع تصاعد الثروة في دول الجزيرة العربية والعراق وإيران بنفطهم فتوسع الفكرُ المحافظ وتوسعت الأجهزة في لجم تطور الفئات الوسطى عن الاستقلال، وقدمت ثمار مجتمعات متدنية التطور بمنتوجها الاجتماعي الخرافي والتقليدي كنموذج للبلدان العربية الأخرى التي هرسها العسكرُ! فغدت مهرووسة من جانبين ثورة صناعية مُجهضة، وهجوم رساميل نفطية وبيروقراطية وغربية ومدن مكتظة بالمهاجرين الوطنيين من الريف، أو مدمرة بفعل الحروب الأهلية والأجنبية، فأي عقل يظهر؟!
تاهت الصناعة العربية في زمن السيطرة الأمريكية، وتحولت إلى مطاعم أجنبية ومؤسسات تضخ الرساميل نحو الخارج!
إن خلق استقلال للفئات الوسطى عن الإقطاعين الديني والسياسي، لا يعتمد على عوامل فكرية فقط، بل يعتمد أساساً على مستوى تطور الصناعة العربية، وهذا التطور له حقب ومراحل موضوعية، ولكي يحدث الاستقلال للفئات الوسطى لابد أن تحصل الصناعة العامة على تملك وطني ديمقراطي، وأن تتجذر الصناعة الخاصة في تشكيل الثروة المحلية من مواد وبشر.
ولهذا في زمن هيمنة القطاع العام البيروقراطي على الثروة، يقابله الإقطاعُ الديني في هيمنته على الثروة الروحية.
وحين تراوح الفئاتُ الوسطى بالتعبية بين الجانبين يكون زمن هدر الثروتين الاقتصادية والروحية قد تم، خاصة إنها ثروة مواد خام كالنفط والفوسفات في حين أن ثورة التحديث العالمية ستترك الناس بلا تراث.
الذين يقبضون من الإقطاع السياسي يعومون الحداثة ويفرغونها، ولهذا فلدينا عشرات من الشاعر جرير، الذين يمدحون أو يسكتون أو يزورون التطور كلية.
والذين يقبضون من الإقطاع الديني يحنطون التراث، ويؤبدون المذهبية السياسية باعتبارها قمم الأمة المحنطة في المتاحف.
وهو قبضٌ تافه وأمامهم ثروات هائلة من التغيير، ولكن التحنيط يمنعهم من النشاط الخلاق، كما أن ظروفهم أفضل من زمن الدولة الرعوية اللصوصية القديمة، ومع هذا فهم حفظة الشعر العتيق والنثر المسجوع.
نفاجئ بأن الشعب الباكستاني في ظل هيمنة عسكرية طويلة تمكن من خلق حزب الشعب، يجمع التحديث والإسلام والديمقراطية وتقودهُ امرأة، وكذلك الشعب الهندي عبر حزب المؤتمر، في حين عجزت الإقطار العربية عن تكوينِ حزبٍ وطني نهضوي واحدٍ يلمُ كافة الشرائح والطوائف ويوجه الأمة أو الشعب لطريق الديمقراطية والحداثة!
حركية الفئات الوسطى وثبات العمال
يحتاج العمل السياسي الديمقراطي إلى نشاط الفئات الوسطى الديناميكية عادة، المتحركة، الباحثة عن مواقع قدم لها في الأرض الاجتماعية، وكذلك مبدئية العمال وصلابتهم في النضال.
ومن حق أي حركة سياسية أن تعمل في كل أرضها الوطنية وتختار المواقع المناسبة لها، التي تعطيها منتجاً سياسياً أكثر من غيرها، وخاصة تلك المواقع التي لها حضور تاريخي فيها.
كانت الانتخابات السياسية قد تجيرت بشكل طائفي خطر من قبل الهيئات المتنفذة حكومياً وأهلياً، وهو مصير سيئ للجميع مع الاستمرار في تجذيره، ولعدم القدرة على إنتاج ثقافة وطنية حديثة.
عبرت القوى التقليدية المتسيدة على الأرض عن أفكار قديمة، مثلما أن القوى الجديدة عاجزة عن إثبات جدتها.
رغم النشاط الذي تقوم به الفئاتُ الوسطى بطبيعةِ أعمالِها الحرة والوظيفية الحديثة لكنها ترتكز على الجانب التقليدي الفكري، والدعاية والأدلجة ونشاطات المقر.
هل تفكر القوى السياسية بالظروف الاقتصادية الصعبة للجمهور؟
هل تحلل أوضاع المدن التي تشتغل فيها سياسياً وظروفها العمرانية والاقتصادية والصحية والبيئية والمرورية؟
هل تعالج مشكلات العمالة الأجنبية وظروفها السكانية والاجتماعية المخلة بتطور البلد وظروفه؟
ما يتم التركيز فيه هو الخطابات السياسية والتحالفات للوصول إلى المقاعد، فليس ثمة خطط اقتصادية، ولا قدرة على معالجة التطور الاقتصادي الوطني برمته، ووضع الخطط البديلة الشعبية للخطط الحكومية.
فلابد من تلاقي الجمعيات والتيارات السياسية على خطوط عريضة ترتكز على المطالب العامة، وعلى النمو العقلاني للتيارات، وليس على الاستفادة من الحماسة المؤقتة.
يجب طرح مثل هذه الشعارات:
نطالب بمراقبة للشركات العامة وميزانياتها ومداخيلها وكيفية توزيع فوائضها بالصورة المناسبة.
نريد مساندة وإصلاح ومراقبة الشركات والبنوك الكبرى الخاصة لما فيه فائدتها وفائدة الأغلبية العاملة البحرينية.
تغيير أوضاع الخدمات العامة المتراجعة في الصحة والتعليم والبيئة والعمل الخ..
رفع مداخيل الجمهور بالصورة الاقتصادية التالية..
إن القوى الوسطى تتوجه للصراعات فيما بينها لأسباب فكرية لا تهم الجمهور، وبهذا تتصارع طائفياً وسياسياً بشكل غير حضاري، وهو أمرٌ يبدو في الشعارات، وليس ثمة تركيز في الأوضاع الاقتصادية العميقة، لأن دراسة هذه الأوضاع بشكلٍ موضوعي ليس بقدرة أحد التيارات بل تحتاج إلى تعاون جماعي كبير من التيارات المحلية.
التعاون المشترك من قبل القوى السياسية لتقوية الرقابة البرلمانية وجمع المعلومات الواسعة.
والهدف الاقتصادي الاستراتيجي إيجاد تعاون بين القطاعين العام والخاص يستهدف ضبط تطورهما المشترك وتنمية القطاعين ومداخيلهما ورفع مستوى معيشة الناس في ذات الوقت.
إذا وَضعت الفئات الوسطى التي بيدها النشاط السياسي الانتخابي مصالحَ الغالبيةِ العامة من الناس فهي تجذر تياراتها وأفكارها على صعيد حقيقي ومستقبلي بعيد المدى، بدلاً من انتهاز الفرص والوصول إلى الكراسي بغض النظر عن المستقبل واستغلال المشاعر المؤقتة، وهو ما لا يجذر أفكارها مهما كانت.
كما أن من المناسب للقوى العاملة أن تبحث عن مرشحين متجذرين ذوي خطط مستقبلية طويلة، فالاقتصاد يعاني كثيراً، والحكومة تعتمد على ما هو مؤقت، وعلى الإبر البترولية المؤقتة، وتدفق الشركات وفيضها العابر، وحتى الآن لم ينجح الاقتصاد المنوع الذي طـُرحت شعاراتهُ خلالَ عقود طويلة، مما يشير إلى سياسة اقتصادية غير ناجحة على المدى الطويل، سوف تتضح مشكلاتها مع تضاؤل الإنتاج البترولي.
ولم تنجحْ الإبرُ المؤقتة في السنوات الأخيرة والمعالجات القصيرة، والأمور تحتاج إلى تعاون وطني واسع بين قوى الدولة والتجار وأرباب العمل والعمال، تعاون سياسي عميق وليس اتفاقات مؤقتة وعاطفية.
وليس إلى تدفقات عفوية كبيرة تؤدي إلى بعض الدخول وإلى الكثير من الزحام والتضارب وفوضى السوق ونتائجه على ازدحام المواصلات وعلى الخدمات.
كذلك فإن الاندفاع على الموارد المحدودة ليس هو الجانب السليم.
وكذلك التدفق في استخدام الأراضي بأشكال مؤقتة سريعة.
هناك إذًا مشروع حكومي لاستثمار ما هو مباشر وبشكل سريع ومن دون وجود خطط اقتصادية موضوعية مسقبلية بعيدة المدى.
وثمة مشروعات خاصة للنمو الاقتصادي الربحي السريع من دون تعاون ورؤى جماعية ومن دون رؤية لأوضاع الغالبية.
بطبيعة الحال لن يهتم الجمهور العريض بمسائل الخطط المستقبلية وهياكل الاقتصاد وغير ذلك من القضايا المعقدة، بل سوف يطالب بخدمات رخيصة ومكاسب مادية كبيرة، ونواب يحققون له مثل هذه الرفاهية.
وهي أهداف مهمة فهناك دخول كبيرة قادرة على ذلك، وجزء من الرقابة البرلمانية والبلدية والسياسية لابد أن يتوجه لذلك، ولكن هذا لا يكفي من دون رؤية بعيدة المدى، وقوى سياسية ذات إدراك مسقبلي وذات قراءات للاقتصاد وكيفية إصلاحه وشرح ذلك للجمهور لكي تتشكل كوادر مستقبلية فيه تفهم هذه القضايا وتناضل من أجلها.
تيارات وسطى محدودة
لا أعتقد إن المعارضات لدينا سوى أشكال من رأسماليات دنيا محدودة، وبإستخدامها الشعارات الدينية الغالبة تكمن في طبقات باطنية إجتماعية لم تتبلور في فئاتٍ وسطى متقاربةٍ موحدةٍ تعملُ على تطوير البنية الرأسمالية السائدة السياسية شديدة التباين والمستويات.
الشعارات الدينية الكثيفة تعبر عن تخلف أشكال الوعي التجاري والقانوني. إنها شعارات مسلوقة يمكن أن يرددها الكثيرون، لكنها تعكس إستغلالاً للدين، فلماذا يجهد النائب بالتعرف على قضايا الحياة؟
وحتى قوى الفئات الوسطى الحاصلة على تعليم وعلاقات بالسوق الحديث تريد أن تسوق نفسها بتوزيع النقود.
لكن البلد تتطلب علاقة من هذه القوى بقضايا الناس ومعرفة المشكلات وكيفية دعم التطور الإنتاجي للجمهور.
فليست الشعارات السياسية مفصولة عن الوجود الاجتماعي لهذه الجماعات، فبعض التجار يطرح تطوير الحياة السياسية الحديثة لكن كيف؟
إذا لم يقم التجار بدعم تطور الريف وبناء مؤسسات إقتصادية ناهضة به كيف يمكن أن يفهموا الناس؟ والأصوات نتاج علاقة سياسية وليست كرماً.
إذا لم يدعموا العمالة البحرينية ويوسعوا تطورها العلمي التقني ويكثفوا حضورَها في المرافق السياحية والبنوك وغيرها من المؤسسات كيف يحصلون على دعم العمال في الإنتخابات؟
هل يرتقي وعي الفئات الدنيا من الطبقة المتوسطة إلى أنهم ممثلو طبقة في طور النمو والتشكل، أنهم فئات واعدة تجارياً سوف تصعد، وهم ليسوا ممثلي بلديات، ووعيهم السياسي الراهن سيحجزهم على أنهم مندوبو البلديات في مجلس النواب.
لم يقدروا خلال هذه السنوات على القراءة التشريعية السياسية الكفاحية وعلى القراءة الاجتماعية، أي أن يضعوا جانباً مما يكررونه عن الدين، وينظروا للاقتصاد الذي هو في حالات من الارتباك والمستويات غير المنسجمة والتباينات الشديدة في العمالة البحرينية من جهة والعمالة الأجنبية من جهة أخرى، وكيف يمكن تغيير ذلك عبر أدوات التشريع؟
وأن ينظروا للدخول وتحديدها وتوزيعها على الجوانب الرئيسية في الاقتصاد، وأن يكون التقشف في مصاريف الدولة على الجوانب غير المفيدة في تطور الاقتصاد.
المطلوب في الواقع الكتل التي هي أقرب للطبقة الوسطى البحرينية القادمة باتجاه الحداثة والوطنية والحرية، أن يظهرَ نوابٌ أقرب لتقديم مشروعات تضبط وتغير الاقتصاد المشتت الملامح نحو إقتصاد وطني على مستويات البنى الإنتاجية والعمالة. أن تتم عملية ترشيد رأس المال باتجاه التحديث الوطني.
وتنامي العمالة البحرينية جزءٌ هام من تنامي تطور الاقتصاد، فالعمالة الأجنبية بتوسعها الخرافي الراهن غير المنضبط وغير المدقق فيه، عامل هدر إقتصادي كبير.
الفئات الوسطى متباينة أشد التباين في أفكارها، وهذا يعبر عن محدودية الوعي السياسي لديها، فثمة أفكار في أقصى الليبرالية تنادي بحرية المشروع الخاص بشكل كامل، وترفع شعارات مجردة، وثمة الخطابات الدينية التي تجعل من هذه الخطابات ورقة تستر محدوديتها السياسي وعدم فهمها للحياة الاقتصادية الاجتماعية.
منحيان سوف يهيمنان على المجلس القادم كما يبدو، وهما معبران عن أن الفئات الوسطى المسيَّسة فقيرةٌ في إطلاعِها، غير قادرة أن تستبصر ضرورة الاصلاح الاقتصادي العميق: تخفيف بنية الدولة الاقتصادية الخدماتية الإعلامية الخ، من أجل نمو القطاعات الخاصة خاصة في ميادين الإنتاج الحديث، ونمو القوى العمالية البحرينية المتطورة تقنياً، وحل الإشكالات الاجتماعية السكنية والتعليمية والصحية المرافقة لتلك التحولات.
إمكانية صعود تيارات ذات معرفة بهذه القضايا وقادرة على أن تحول مجلس النواب إلى فاعلية مدركة للواقع والظروف والإمكانيات المتاحة للتغيير، متوقفة على الناخبين، فهل هم يتابعون بعمق، وهل سوف يساهمون في تطور البلد؟ أم انهم يعتمدون على ما يقال، وينجرون للدفع الديني ويُسحبون في باصات للبصم على المرشح الفائز مسبقاً؟
لكنهم هم سوف يتحملون مسئولية هذا التصويت، ولن يجدوا أصواتاً جديدة، ولن يعثروا على قوى علمية تبحث في الاقتصاد والعمالة والأجور والأسعار والقوانين.
الكرة الآن في ملعب الناخبين ومدى متابعتهم ومدى مشاركتهم في العملية السياسية.
على طرق تكون الطبقات الوسطى
إن تبدأ الجزر والمدن الصغيرة في الخليج بالسير نحو الديمقراطية هو شيءٌ طبيعي من قبائل وجماعات مارست التجارة طوال قرون.
ولكن الديمقراطية الكاملة المنجزة مسألة طويلة وتاريخية، والعديد من الدول العربية تسير بهذا الاتجاه.
إن تكوينات الفئات الوسطى ضعيفة، ورؤاها محدودة لمستقبلها، والتباينُ الشديدُ في تكويناتِها الفكرية والسياسية هو دليل على ذلك، إنها الآن تستعيدُ المرحلةَ الليبراليةَ المقطوعةَ من قبل المرحلة القومية العسكرية السابقة، وهي إستعادة مبتورة، فهي قفزة عن تلك المرحلة وليس إستكمال لها.
لم ترثها، وتراكم على منجزاتها، بل قفزت عنها.
يتضح ذلك في تكوينات الجماعات القومية والاشتراكية والدينية التي هي حائرةٌ تجاه المرحلة الجديدة المتداخلة بين ما هو قومي ضائع، وليبرالي هش.
الأجواء العربية مستباحة، ودولٌ فقدت إستقلالها الحقيقي، ودول تتجه للتمزق، ودول متشددة تكاد تضيع المنجزات الصغيرة للتاريخ الراهن.
فتغدو المرحلة الديمقراطية الليبرالية الهشة الراهنة بحاجة للتوحد والتعاون بين مختلف الدول وفصائل الحياة السياسية.
أخطر المشكلات في الفصائل والدول السياسية التي تطرح(الديمقراطية) هو إن سلوكها غير تعاوني وتريد الهيمنة على القوى السياسية الأخرى والبلدان المغايرة لسياستها.
تعبر هذه الدول والجماعات عن تغييب قطاعات واسعة من الجماهير العربية والإسلامية عن الحداثة، وعن المشاركة الحرة في الانتخابات، وتريد قولبتها، وتبقي حياتها الاجتماعية العميقة بدون حريات حقيقية.
لا شك أن المرحلة الليبرالية الصاعدة الراهنة تريد صبراً طويلاً من قبل القوى السياسية والجمهور، فإزالة العديد من المخلفات الاجتماعية للعصر السابق تتطلب أولاً تنوراً أي إنتشار ثقافة ديمقراطية، فليست الديمقراطية وجبات سريعة أو حلولاً ضوئية لمشكلات العمال والمزارعين والحرفيين.
الديمقراطية في كل بلد هي قدرة أغلبية النواب على رؤية ما هو ممكن من تغيير وإصلاح، كيف يفرزون ما هو سائد وضروري وما هو تحولات جديدة تغير حياة الناس وتطور الاقتصاد والثقافة.
لكل بلد ضروراته، أي وجود ميزانيات محددة تعكس طبيعة النظام ومصالحه وأمنه، ولكل بلد عمليات التجديد المطلوبة والنابعة من إمكانياته والتي تخرجه من جموده وتوسع تطوره.
وقدرة النواب تكمن في هذا الفرز وقراءة الممكن، وبالتالي تتشكل عملية تعاون بين مختلف الأطراف، لرؤية ما هو مهم لتطور التجارة أو الصناعة، وما هو مهم لتغيير حياة الغالبية الشعبية في عيشها في ظل التطور الوطني العام.
إن توسع التنمية والعيش مرهونة بمراقبة أوضاع الاقتصاد وتغيير جوانب الحياة الاجتماعية والعلاقات مع الخارج المُراقبَة والموضوعة عبر فحصٍ بين البناء الاقتصادي الداخلي والعلاقات التجارية المفتوحة التي قد تستنزف الموارد بدلاً من تنميتها.
بطبيعة الحال سوف تصطدمُ مكوناتُ النواب بين مدافعٍ عن جمهور وبين داعٍ للتجارةِ المفتوحة بدون رقابة، بين من يحمل الحكومات كل الإشكالية ومن يحملُ الشعوبَ وتدني قدراتها العلمية والإنتاجية، بين من يريد برلماناً كلياً ومن يريد حكومات كلية.
هنا تظهر طبيعة الفئات الوسطى المدركة لنظام ديمقراطي تحديثي تعاوني ينشأ مرة أخرى في هذه الليبرالية العالمية الجديدة، والهشاشةُ تكمنُ في عدم المعرفة بين هذه الفئات وعدم التعاون وتشكيل تجربة متكاملة منسقة بين مختلف الأطراف.
هنا تظهر إمكانياتٌ لخلقِ الركائز لأوضاعٍ ديمقراطية متجذرة عبر تنامي الفئات الوسطى والعمالية المنتجة والعلمية الجديدة، عبر معرفة الفوائض الاقتصادية وتوزيعها على التطور الاقتصادي.
ربما كانت برلمانات عامية أو ذات مصلحة عابرة لكن الشعوب تكونُ تجاربَها بالتجريب، وتخرجُ من بين صفوفها مدركين وعلماء وقادة، يقرأون سببيات التطور الغائرة، ويوجهونها عبر كافة جوانب العمل السياسي.
تحسن حياة الجمهور المعيشية هو فيصل لهذه التجارب، فهو ذروة المعرفة السياسية الحصيفة، دون إخلال بالتطور وركائزه، بل يأتي ذلك عبر تنامي هذا التطور الاقتصادي، أي عبر القوانين الحقيقية للاقتصاد والسيطرة عليها، وليس عبر نثر النقود بأشكال إحسانية.
أي كيف تزداد العمالة المتطورة الرفيعة والأجور الفعلية وتُضبط الأسعار الذاتية غير المعبرة عن قوانين القيمة.
تحتاج البرلمانات خاصة في هذه المراحل الأولية إلى تعاون مختلف القوى السياسية والاجتماعية.
تكونُ الفئاتِ والثقافات
بما أن التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية الراهنة العسيرة التطور في طور الانتقال من المجتمع التقليدي للرأسمالية الحرة، وتقعُ في الوسطِ الرافعةُ الاقتصاديةُ السياسية وهي أجهزةُ الدول، فإن حراكَ الفئات والثقافات مهم جداً لخلقِِ هذه الولادات العسيرة.
على مدى طليعيةِ ومستقبلية قادةِ الدول والأجهزة والأحزاب يعتمدُ تحقيق هذه القفزة.
إمبراطورُ اليابان وأسرتهُ في القرن التاسع عشر إختارا الدخول في التشكيلة الرأسمالية(الحرة)، أي المعتمدة على قوانين السوق لإدارة الاقتصاد، مع قيام الدولة بدورِ القابلةِ الموَّلدةِ للجنين الحديث من بطنِ المجتمع القديم.
ولكن الدولة اليابانية غدتْ عفريتاً قُبيل الحرب العالمية الثانية وخلالها فجاءتْ الضرباتُ لتشكلَ ولادةً دمويةً كارثية، لكن تم فيها قطع حبل السُرة بين القديم والجديد في اليابان. فلا يوجد حلٌ وسط بين دولة رأسمالية حرة ودولة مستبدة.
في روسيا إختار اليسارُ مصطلحاً لحزبهم وهو الحزب الاشتراكي – الديمقراطي الروسي، وكان يعني إختيار الطريق الديمقراطي الغربي لميلاد روسيا الحديث، لكن فصيلاً منهم عصفَ بهذا الطريق، ولا تزال روسيا بعد كوارثِها وتحولاتها تتطلعُ لميلادِ رأسمالية حرة بعد أن بلعتْ الدولةُ المجتمعَ!
القادةُ الكبارُ في الدول الشرقية هم الذين يمسكون ببؤر التطور، وبمدى قدراتهم على تبصر الواقع والمستقبل: نهرو إضطرب كثيراً وهو يحورُ رؤيةَ غاندي الديمقراطية إلى إشتراكية، ولكن تراث الشعب الهندي الديمقراطي التنوعي التعددي أعاده لمسار السكة الهندية الأصيلة فحققت الهند ثورتها الصناعية.
قد يختار القادةُ العودةَ للوراء وهم يظنون إنهم يقفزون، هذا يعتمد على مدى ديمقراطية الفئة الحاكمة وثقافتها بقوانين التطور الاقتصادي، ولا بد من إنسحابها التدريجي من تملك وسائل الإنتاج، بوضع أسس ديمقراطية لمراقبة هذه الوسائل وتوزيع فوائضها، وبمدى مساهمة القوى السياسية الطليعية في دعم هذا الخيار، وبعدم خلق إضطرابات إقتصادية فوضوية وقفزات خيالية وإعتماد تنامي الموارد والاحتفاظ بوسائل الإنتاج الكبرى ملكيةً عامة، وفتح الطرق للقوى الخاصة لزيادة الإنتاج، وتوسيع ملكياتها.
أما زيادة التبذير وتوسيع القوى الاستهلاكية، ونقل الفوائض للخارج، وحدوث تآكل تاريخي لرأس المال الوطني فهو ليس الطريق.
أي أن أحجام الفئات المنتجة والفئات المستهلكة يجب أن تكون من نصيبِ الفئات الأولى، مثلما أن وسائل الإنتاج (أ) تكون هي الأكبر والقائدة لوسائل الإنتاج(ب) في نضال صناعي علمي لعقود.
وركائزها قواعد تصنيعية جبارة وقوى تحديث علمية ثقافية وتنامي للعمالة الماهرة.
دولُ الخليج تجري فيها الأمور بالعكس، وسائل الهدر أكبر والإستهلاك أعظم والقواعد الإنتاجية الحديثة لا تتطور بالسرعة الكافية وبالنوعية المتقدمة:
يحدث نزيفٌ على مستوى الإستهلاك، على مستوى ضخامة العمالة الأجنبية، على مستوى خروج الرساميل والفوائض، على مستوى التضخم الإداري، على مستوى بقاء القطاعات التقليدية.
الإمكانياتُ الماليةُ تلعب دور طاقية الإخفاء فوق رأس الاقتصاد.
أن قوى السياسة – الثقافة لا بد أن تكون قريبةً من فهم كيفية الحراك التاريخي في أي مجتمع، وبدايةً لا يوجد فهمٌ للمسار التاريخي لدى التيارات السياسية، و حتى كبار القادة في تاريخ الشرق تاهوا في ذلك بين أحلامهم الكبيرة والواقع الحقيقي، بين إسقاطات الأماني وسقوط المشروعات المتخيلة.
ومن هنا يأتي درس الواقع بحقائقه وحل مشكلاته بحيث توجد نظرة عامة مبنية على حقائق البشرية في القرن العشرين وبداية القرن.
الغرب يريد تبعية توظيفية للرساميل الخليجية في ترسانته المالية، فيقتصر على تحليل السطح وإستثماره، في حين أن الخليج يحتاج لأن يغير أعماقه، أن يتصنع، وأن تزدهر القوى الاختصاصية فيه خاصة المهن الثورية في العالم الراهن: تقنية المعلومات وصناعاتها.
الغرب يدعو لهدم القطاعات القيادية في الإنتاج الوطني لبلدان العالم الثالث، لهذا يقتصر على الحديث عن الحريات المجردة، والحريات ضرورية في ظل نظرات وطنية قيادية للتطوير الإنتاجي.
وكل بلد خليجي لا يستطيع أن يقوم بالثورة النصاعية العلمية لوحده، فتكامل المجموعة هو شرط آخر لهذه الثورة.
والواضح أن الثروة النفطية سوف تضيع قبل أن يتحققَ شيءٌ من ذلك، وسوف تبقى لنا (الخردة)، أي بقايا المنجزات الاقتصادية، مع الكثير من المشكلات، كالهياكل الإدراية الهائلة، وعدم تطور القوى الثقافية باتجاه الثورة التقنية، وضخامة الاستهلاك الخ.
أي أن المجتمعات الخليجية هي الأكثر بعداً عن فهم العمليات الاقتصادية التحولية في العالم.
حلفاءُ الطبقةِ الوسطى بين الحضورِ والغياب
جسدت التحركاتُ العربيةُ في العام 2011 مستويات حضور الطبقة الوسطى في كل بنية إجتماعية.
كان القطران مصر وتونس أقرب لتشكيل هذه الطبقة، ونشر مفردات الحداثة والحرية في طبقاتِ الشعب العادية، فيما وجودُ هذه الطبقةِ ملتبسٌ في كلِ من الأقطار الأخرى، وإلتباسُها منوعٌ.
في اليمن الوجود ذاته شبه غائب. فيجري الحراك الشعبي العامي المضحي الجريء دون قوتها الاقتصادية السياسية. في سوريا أغلبها منتجٌ من داخل النظام الشمولي نفسه، ويتجسد في بقاء المدينتين الكبريتين حلب ودمشق خارج الحراك. في العراق والبحرين الانقسامُ الطائفي شلَّ المجموعات السكانية من فئات وسطى وعمال عن أي تغيير ديمقراطي مهم، والبَلدَان بصددِ ترميمِ ذاتيهما بدون قراءة عميقة.
حين نقرأ تجربة مجموعة المنظمات البحرينية التي تكونت من خلال التأثر بالأنظمة الشمولية العالمية والعربية سندركُ طبيعةَ قوى البرجوازية الصغيرة في تذبذبها.
إن أي جماعة بصدد إنتاج وعي ديمقراطي لا بد لها من التخلص من أثواب الماضي الشمولية القديمة، ولكن على مدى سنوات التحول السياسي الراهن دأبتْ هذه الجماعات على التغني بتاريخها الشمولي.
بالنسبة للماركسية – اللينينية أُعتبرتْ مرجعاً لا ينفد ولا يزالُ صحيحاً، وهذا يرجعنا للعودة دائماً إلى نظام رأسمالي حكومي شمولي، لم ينتج تجربةً ديمقراطيةً حتى الآن.
أي أن مرجعية الجماعات المؤيدة لهذا الوعي لم تستطع نقد هذا المصدر وإنبثاث مفرداته في التجربة المحلية، وبالتالي فإن الحديث عن(الرأسمالية الديمقراطية العلمانية) والتوجه نحوها يعتبرُ خطراً ومرفوضاً في هذا الوعي، الذي تجمد في تجربة قديمة شمولية.
لو أن هذا النقد قد حدث وتمت معالجة التجربة والتاريخ فإن التوجه الحداثي يغدو هو المرجعية، دون تفريط في الدفاع عن مصالح الأغلبية الشعبية وتطورها في المستقبل، وبالتالي يتشكل خطٌ آخر بعيد النظر يجمعُ كافةَ قوى وعناصر الديمقراطية الاجتماعية والسياسية.
وليست التنويعاتُ الأخرى من فصائل البرجوازية الصغيرة سوى أشكالٍ أخرى من التجاربِ الرأسمالية الحكومية في العراق وسوريا، حيث البعث وإستعادة كيان الأمة، وهو كلامٌ تجريديٌّ تعميمي، ولكنه يعني أن تقومَ دكتاتوريةٌ حزبيةٌ بهذا البعث، في قطر من الأقطار، فتتماهي الدكتاتوريةُ الحزبيةُ مع دكتاتوريةِ الدولة والطبقات العليا، بدلاً من وجود دولة ديمقراطية ينمو فيها وعي الشعب وعناصره السياسية المتعددة ونمط معيشته من خلال مؤسسات ديمقراطية.
أي أن هذا الوعي الشمولي حين مضى في التجربة البحرينية الأخيرة راح يستعيدُ مفرداته وهي تتحطمُ أمام عينيه في تجربتي العراق وسوريا وغيرهما وقبلهما مصر، دون أن يقدرَ على مراجعة هذه المفردات، لكونه غيرَ مخولٍ بنقدها وإعادة تغييرها، بل يكون ذلك من قبل منظمات قومية خارج القطر البحريني.
والمنظماتُ الدينيةُ لا تختلفُ عن هذا الجوهر الاجتماعي السياسي، حيث هي تقومُ على البعثِ الديني، فتتماهى كذلك مع الدولِ الشموليةِ الحاضنةِ لمذاهبها، في أي مرحلةٍ تكونُ هذه الدولُ المذهبية الشمولية وبتحولاتها وكيفية تجسد سلطاتها وتوزيع مواردها.
فهي كذلك تستورد نمطاً شمولياً خارجياً، ولهذا كله لم تقم هذه الجماعات بتنمية عناصر ديمقراطية حتى لو كانت صغيرة وتزرعها وتتوحد مع صانعي هذه البذور في القوى الاجتماعية الأخرى.
إن عدم مقاربة تيارات البرجوازية الصغيرة للطبقة الوسطى وإحتمالات تطورها يشكلُ التسرعَ والقفزَ على التاريخ الموضوعي، ويشكلُ أساسَ المغامرات السياسية.
إن العناصر الفكرية للماركسية والقومية والإسلام والنهضة ليست ضارة، ولكن المسألة تتحددُ بنزع الطابع الشمولي منها، فلا بد للمسلم أن يقرأَ التنوعَ وحريةَ الجمهور في بداية الإسلام وينقدَ الدولَ والجماعات الشمولية التفتيتية لأمم المسلمين التي نشأتْ بعد ذلك، مثلما يفعلُ الماركسي تجاه التجارب الاشتراكية الدكتاتورية، والبعثي تجاه التجارب القومية الاشتراكية. إن هذه العناصر مهمة ولكن داخل تجربة ديمقراطية وداخل التراب الوطني.
كان رفض هذه القوى للتعاون مع القوى التجارية والاقتصادية، على أساس إن هذه غير معارضة وغير قوية في معارضتها بسبب الاستعجال المستمر والذاتية وعدم معرفة التاريخ العالمي والتاريخ الوطني.
وهو نفس السياق القديم، بدلاً من وضع السياق الحديثرهن التطبيق، أي كيف يتم التعاون بين القوى السياسية الاجتماعية الوطنية كلها لمحاربة البطالة والفقر والفساد والاستبداد بالنساء وأزمة الريف المعيشية والتلوث وغيرها من المشكلات بصورة واسعة.
بل إختارت طريق المجابهة وفرض التحول من خلال خلفياتها وبرامجها الصراعية، أرادت البرجوازية الصغيرة بفئاتها المختلفة أن تكون بديلاً للطبقة الوسطى.
فئاتٌ وسطى عقلانية جديدة
لم تستطعْ منظماتُ البرجوازية الصغيرة البحرينية خلال ربع القرن السابق إيجاد شيءٍ تحولي جديد. القوى التحديثيةُ تآكلتْ ولم تعد لديها حتى قوى بشرية كافية للعلاقة مع الجمهور، لكن الأسبابَ العميقةَ تعودُ للأفكارِ المُجمَّدة خلال حقبةٍ طويلةٍ تمتدُ لنصف قرن.
العلاقةُ المفيدةُ والجيدةُ مع العمال لم تعدْ للسابق، وأغلبيةُ العمال غدت ريفية أو أجنبية، ولها مسارات مختلفة، وظهر حراكٌ ايديولوجي مضطرب.
خلال النصف الثاني من القرن العشرين لم تُعدْ القوى السياسيةُ النظرَ في الايديولوجيا السائدة، وهو النمطُ الآسيويلا الشمولي من الماركسية. فلم تكن لديها قدراتٌ فكريةٌ لفهم ذلك فما بالك بنقده، وحين حدث التحول في الاتحاد السوفيتي أُعتبرَ كارثةً وليس كشفاً لحقائق عميقةٍ كانت مجهولة.
وحتى هذه النسخة المسطحة من الماركسية الشمولية لم تكن حتى مُستوعبة قواعدياً، وكانت الخلافات بين الفصائل تتركز في نهج نضالي أكثر مرونة ونهج مغامر؛ نهج يبحث عن سببيات التغيير في الداخل وينمو عليها، لكنه ركز التغيير في العمال، ورفض دور البرجوازية بمختلف شرائحها لتقود عملية تغيير وطني ديمقراطية بالتعاون مع العمال.
مع التآكل لقوى المعارضة اليسارية لم تعد ثمة من فروق جوهرية بين نهج متعقل ونهج مغامر، صار النهجان مغامرين.
وهذا أمرٌ شائع في قوى السياسة اليمينية عادة حيث تتآكلُ الشعاراتُ المتباينة ويظهرُ الجوهرُ الطبقي المتواري، إنها سياساتٌ يمينية ولكن تبدو بشكل يساري.
إن منظومة (المعسكر الاشتراكي) لم تكن سوى سيطرة قوى بيروقراطية استغلالية تتجهُ لليمين بشكلٍ مستمر، وتلغي مصالحَ العمال عبر العقود، حتى رأينا الشكلَ السوفيتي أو الصيني الماوي وكيف يغدوان معبرين عن برجوازيتين حكوميتين فاسدتين بلا أدنى مكياج.
عمليات التصاق برجوازيتنا الصغيرة وفئاتها بالمنظومات الاستبدادية العربية والعالمية، تمت من خلال عدم الاستقلال وعدم بقاء الوعي النقدي حاضراً، ومن خلال سيطرةِ الشعارات، وهو ما تفعلهُ الآن البرجوازيةُ الصغيرة الريفية المذهبية تجاه النظام الإيراني وربط أفكاره بعملية التغيير الداخلية.
المعسكرُ الاشتراكي والعسكرُ القومي العربي والعسكر (الإسلامي) دولٌ يمينية بشعارات يسارية غير حقيقية، لكنها تخترقُ القانونَ الطبقي وتحيلُ البرجوازيات الصغيرة لقوى برجوازية فاسدة، على المستوى العالمي وعلى المستوى القومي.
على المستوى القومي العربي يتذيلُ هذا الوعي حتى يتآكل وينهار ويخترقهُ الوعي الديني البرجوازي الصغيرُ المغامرُ المماثلُ ويكون بديلاً وإستمراريةً له. على المستويين الإيراني والبحريني يبدو الفارق بين الأصل والانعكاس واضحاً، الأصلُ يتحلل، والانعكاسُ لا يفهمُ الأصلَ وتناقضاته وفساده.
هذا كله أدى إلى غيابِ الفكرِ التأصيلي الماركسي الوطني العميق، أي لم يحدثْ إنتاجٌ فكري للتجربة البحرينية وتُقرأ المساراتُ المختلفة وتكون الرؤية المستقبلية حاضرة في الراهن، وغيابُ ذلك هو أيضاً من سببياتِ الخسائر في الأعضاء ومن أسبابِ التآكل في البُنى التنظيمية، ومن استمراية التجربة المذهبية في الفشل والخسائر ومنع التوحد.
عدم التطور الفكري السياسي من جهة وتبدل المنظمات السياسية العالمية، أي ظهور الطابع الطبقي للمعسكر الاشتراكي كرأسمالياتٍ حكومية غير ديمقراطية، والاضطراب حيال هذا الظهور وعدم اتخاذ موقف ديمقراطي عميق، والعودة لجذور الماركسية الديمقراطية، والانفصال عن النسخة اللينينية والنسخة الماوية، المشوهتين للمنابع الحقيقية، هذا كله أوجد الميوعة السياسية النظرية والسماح باستمرار عقلية البرجوازية الصغيرة المتذبذبة الانتهازية.
الآن نعيشُ لحظةً جديدةً وبحاجةٍ لدعمِ فئاتٍ وسطى مختلفة، مقاربةٍ للديمقراطية رافضةٍ لاستغلال المذهبية في الصراع السياسي، وهذا يعتمدُ على ما تقدمهُ للجمهور العمالي والفقير من تحولات اقتصادية واجتماعية. مجيءُ فئاتٍ وسطى وتطويرها للبرلمان باتجاه الوحدة الوطنية وباتجاه الدفاع عن مصالح الأغلبية الشعبية، مسألةٌ مهمةٌ لابدَّ من تطويرِها ودعمها ونقدها، واثرائها في السنوات القادمة عبر تغيير وضع العمال وجذب العمال الريفيين للديمقراطية والوطنية والعلمانية.
الفئاتُ الوسطى في حراكِها التداولي
الفئاتُ الوسطى الراهنةُ كأجنةٍ للطبقاتِ الوسطى العربيةِ القادمة هي في حراكٍ متسارعٍ مضطربٍ متعددِ الايقاعات والتداخلات، لأنها ذاتُ رساميل مالية، وأهلية في بلدانها، وذات صلات وثيقة ببعض الدول العربية الإسلامية والعالمية.
وكما يتشكل الإسلامُ المعاصرُ من نشاطٍ في العديد من الدول العربية والإسلامية عبرَ الدعوةِ والفقه وليس من خلال الفلسفة والعلوم، فكذلك يتشكل حاضرُ الفئاتِ الوسطى من رأس المال المالي.
مستوياتُ الدعوةِ الفقهية تتقاربُ ومستوياتُ الرساميل، ومن هنا غلبةَ البنوكِ على المصانع، وهي كذلك غلبةٌ للتفسيرات الفقهية الجزئية على التفسيراتِ الكلية الفلسفية، وهي حراكٌ آني متذبذب بين الماضي والحاضر، بين الشرق والغرب، بين النص والعقل، بين التقليدية والمعاصرة.
وكما أن الواقع هو تفككٌ للأسواق العربية هو كذلك تفكك للوعي وعدم قدرته على رؤية كافة العمليات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
التفككُ الرئيسي هو تفككُ الرأسماليةِ في كل بلد، عبر وجهيها العام والخاص، فالرأسمالياتُ الحكومياتُ سعتْ لتشكيلِ رأسماليات كلية من داخلها، ونقض تشكلها من خارجها، لكنها لم تستطع، لأن الرأسمالَ داخلها تآكل، وعجزَ عن الإحاطة بجميع حقول الاقتصاد وبُنى المقاولات والصناعات والبنوك الخاصة والتجارة، كما أنه تقلص بشكلٍ مستمر، وقد حاولت تجاربٌ إزالةِ الرأسمالية الخاصة كلياً في مرحلةٍ فتعثرَ الاقتصادُ، وهُزم في مثل هذا الواقع في حروبٍ وإحتاج ثانية لرأس المال الخاص والأجنبي، وتفجرت تناقضاتٌ إجتماعية داخلية لم يُحسبْ حسابها السياسي في تجارب أخرى، وهي كلها مظاهرٌ للتعبير عن أزمةِ الرأسماليات الحكومية العاجزة عن التحكم في قوانين الرأسمالية المعتمدة على حرية السوق والديمقراطية والعلمانية.
محاولات الرأسمال العام لنقض الرأسماليات الخاصة كنظام متكامل جاءت على أساس إيديولوجي حداثي مستورد؛ قومي، وشيوعي، وبعثي، وطائفي تحديثي شكلي، وأطروحاته هي هدم الماضي والتراث والتخلف، عبر القفز عليه، فلم تستطع.
الآن ثمة عودةٌ للتراث، وللرأسمال الخاص، ولمشكلاتِ البُنى العربية العتيقة مجدداً من مواقع إيديولوجية مختلفة بتطرفٍ حيناً وبإعتدالٍ حيناً آخر، لكنها ترفضُ كذلك قوانينَ الرأسمالية.
الفئات المعارضة الدينية القائدة للتحولات الراهنة هي نابعةٌ من أوساطٍ غير حكومية تتبادل المعرفةَ والفقه والدعايات السياسية فوق الحدود الوطنية، ففي كلِ دولةٍ هناك مشروعاتٌ تاريخية متباينة ومن الممكن أن تغذي تطوراتٍ في بلدان أخرى، مثلما هو رأس المال الديني عابر للحدود والدول والأزمان، ولكون طبيعة هذه الرساميل مالية تجارية.(راجع بهذا الصدد ما كتبه الأستاذ خليل علي حيدر عن خيرت الشاطر مرشح رئاسة الجمهورية في مصر وعلاقته بالبنوك وحركة الأخوان المسلمين معاً، الأيام 13 أبريل 2012)
إن دولةً سلفيةً ونصفَ ليبرالية من الممكن أن تغذي حركةً دينية ليبرالية في بلد آخر، والجسمان يرتبطان بطبيعة الأجسام الدينية المتراوحة بين الإقطاع والرأسمالية.
هذا يحدث أغلبه في بلدان الثورات ما عدا ليبيا التي هي جسمٌ جزيري خليجي في شمال أفريقيا.
ففي بلدان الثورات لعبتْ القطاعاتُ الخاصة بقياداتها الدينية دور تفكيك الرأسماليات الحكومية الشمولية بأفكارها السياسية، عائدة للماضي، مناوئةً للغرب بشكل من الأشكال.
ففيما كانت التجارب القومية واليسارية تهدف للقفز نحو الغرب، أي أن تقفز للمستقبل والحداثة، فإن التجارب الدينية الراهنة تقفز إلى الماضي، إلى الإقطاع، حسب تلونات ودرجات الفئات المؤثرة.
عند الأخوان والسلف تنشدُّ الحركةُ التاريخية نحو الماضي.
عند الليبرالية والأخوان تنشد الحركة للحاضر وللرأسمالية.
غياب الطبقة الوسطى غير الموجودة التي يتشكلُ قلبُها من الصناعات، يجعل الحركة متذبذبة، الطبقة الوسطى المتجذرة في الصناعة وذات العلاقة الوطيدة بالعاملين التحديثيين، تجعل الحركة السياسية التاريخية قوية، أكثر رسوخاً، لا تندفع للماضي بحدة، ولا تقفز نحو المستقبل برعونة.
لكن علاقات أنظمة الثورات والتحولات بالعالم المحافظ كبيرة سواء من داخلها أو خارجها، من داخلها بوجود بُنى إجتماعية وإقتصادية ما قبل رأسمالية، ومن خارجها عبر العلاقات مع دول الجزيرة العربية حيث لا تزال جذور المحافظة قوية، ومن هنا فإن شركات الأموال والبنوك والعقارات والمصانع الصغيرة المتداخلة عاشت بين مستهلكين ومنتجين ومدخرين يعيشون تقاليد ما قبل الحداثة، وتداخلت هذه مع العلاقات الاقتصادية الحديثة. حداثيون شكلاً يعيشون في الماضي وماضيون يعيشون في الحداثة.
إن كبريات التجارب التحولية تتباين بين مصر والعراق على سبيل المثال، ففيما تتأثر مصر بالسعودية يتأثر العراقُ بإيران، أي أن رأسماليات الدول المذهبية لا تزال تلعب دوراً مهماً في التأثير على دول التحول(الثوري)أي الدول المتجهة لسيادة المُلكية الخاصة في الإنتاج، ويتجسد هذا في المذهبية السياسية التي هي شكلٌ إيديولوجي للحيرة السياسية، وعدم الحسم التاريخي في إختيار طريق الحداثة، والتردد بين الماضي والحاضر، بين الإقطاع والرأسمالية، بين الشمولية والديمقراطية العلمانية، والتي هي ذات سببٍ موضوعي هي فقدانُ الطبقات الوسطى وحين تتشكل يتبدلُ البناءُ الفوقي.
فئاتٌ صغيرة تابعة
في البلدان المنقسمة طائفياً وقومياً كالعراق والبحرين ولبنان لعبت الفئات البرجوازية الصغيرة في الحراك السياسي مفجرة الألفاظ الثورية الهائلة لكن دون قدرة على تحريك طوبة واحدة للتوحيد الوطني والتقدم الاجتماعي.
لكن حراكها الحقيقي مدعاة للمراقبة لما يثيره من كوميديا سياسية ومشكلات اجتماعية وسياسية خطيرة معاً.
إن الصراع العربي الإيراني، المتمظهر صراعاً طائفياً، والمعبر عن سبل مختلفة بين رأسمالية دول في طريقها لليبرالية ورأسمالية دولة إيرانية شمولية عسكرية، يرسم جداراً صلداً بين الجانبين.
الطبقات الوطنية الصناعية من برجوازية وعمال غير موجودة بقوة وإتساع اجتماعي سياسي مؤثر، فيما بلدان عربية أخرى قد قاربت ذلك وتضع أقدامها على بدء مسيرات الحداثة الديمقراطية العلمانية.
ولهذا فإن مناظر البرجوازيين الصغار وهم يتقافزون على حبال الثورة الشعبية الكاسحة ويهددون بزوال دول هي عجيبة فيما بلدانهم تغرق في أزمات الانقسام والانهيار.
هم بين الإقطاعين السياسي والمذهبي، حين يرون مصلحة في الأول تقاربوا معه، وحين يجدون منافع في الثاني جلجلوا بشعاراته.
لكنهم في كل التيارات هم مع منافع الرأسمالية بدرجة أساسية. محامٍ أو طبيب سيجد أن زبائنه هم من طائفة ما فيلقي مرساته السياسية في بحرها، وسوف يتحدث عن شقائها وعذاباتها وفقرها بشكل جزئي، قاطعاً هيمنة قوى معينة عليها، وعدم كشف اللوحة العامة للمسألة، ولأن هذه الجماعة غير قادرة على أن تكون مستقلة سياسياً، وأن تحفر في واقعها وتخلق تراكمات ديمقراطية حسب ظروفه وتوحد شعبه.
وسوف يظل هذا المحامي أو الطبيب أو الاقتصادي يكرر هذه المحفوظات ربع قرن، وتجد أنه قطع علاقته بالثقافة السياسية الحديثة الديمقراطية وغرق أكثر فأكثر في ثقافة ما قبل الحداثة، وتقطعت أدواتُهُ الفكرية عن التحليل، فهنا لا فرق بين قومي وماركسي وليبرالي فقد تقطعت أدوات هذه المدارس الخصبة عن تحليل الأرض، وتحول صاحبها لفقاعة سياسية يطير في سماء المصلحة الذاتية.
والجانب الآخر لا يختلف كثيراً عن هذا حيث سيجد فرصاً أكبر في العيش، إذا كان مع الحزب الحاكم أو الدولة المذهبية، فسوف تكون ليبراليته أو ماركسيته أو قوميته أو مذهبيته على قياس المصلحة، ينفخ في جهة معينة من النار، ويستفيد من رأس المال، فيؤسس شركة أو يؤجر بناية فيكَون رأسَ مال صغير أو كبير حسب قدراته وعلاقاته.
وتتقابل الفئات الصغيرة في الصراخ وتوجيه الضربات وفي الانفعالات اليومية الصاخبة وكأنها تعيش نضالاً عظيماً، موجهة أصابع الاتهام بالخيانة دائماً للطرف الآخر.
البرجوازيات الكبيرة في هذه الدول والمماثلة لها رفعتْ يدَها عن السياسة والإنتاج الفكري السياسي العميق، وربما حتى تغرق السفنُ العربية والإيرانية في بحار السياسية المتلاطمة، فإذا وصلت لنفس مستوى البرجوازية الكبيرة السورية التي حين حاوطتها بحار الدماء وحاصرها الإفلاس رفعت أصواتها!
فعل المصالح الخاصة القصيرة الرؤية هي التي تتحكم في هذه القوى الاجتماعية، أي المصالح المباشرة المحدودة غالباً، والتي يكون العمل من خلالها وتأجيج الاختلاف بغير الأسس الموضوعية هادماً لهذه المصالح بل مُفجراً للعيش ومدمراً للبناء الاقتصادي الذي يحوي الجميع.
ضيق الأفق في رأس المال يقود لضيق الأفق في الجملة السياسية، الرأسماليات الحكومية التي تسيطر على الأسواق بشكل عام لا تتيح للبرجوازيين الصغار والعمال فرص العيش الواسعة وإمكانيات الدخول في التجارة والصناعة والزراعة، ولا تعرف كيفية السيطرة على الأبنية الاقتصادية الاجتماعية بحيث يتم الاستفادة من الفوائض المالية الكبيرة لتغيير عيش هذه الفئات ونقلها لمستويات اقتصادية أرفع.
والفئات الصغيرة نظراً لتدهور وعيها الفكري السياسي خلال ربع القرن الأخير من ظهور التحول في إيران تقوم بشق المنظمات اليسارية والقومية والليبرالية، عبر مناهجها الجزئية في التحليل والتركيز على جانب من اللوحة وطمس الجوانب الأخرى، حتى يتجه الأمر لشق الدول والبلدان.
عمليات وحدتها تغدو صعبة نظراً لهذه المناهج المربوطة بمصالح ذاتية قصيرة النظر، وتتحول لطائفيةٍ مقيتة تحجبها بالألفاظ الثورية المجلجلة عساها تخدع نفسها والآخرين.
إن قوانين الحداثة تغير هذه الأزمات، فتبادل السلطات يوزع الثروات على الطبقات، والعلمانية تفكك الارتباط بين المذاهب والدول والأحزاب لتغدو معبرة عن توجهات المواطنين المختلفة المتصارعة المتوحدة في الكل الوطني.
والعقلانية تقرأ التراث بأشكال نقدية وتضع الخطط والبرامج الحقيقية المتقدمة على الأرض.
لكن هذا يتطلب قبل كل شيء الوطنية وصدور الأفعال الفكرية والسياسية من أرض البلد.
من الفئاتِ الوسطى إلى الطبقةِ الوسطى
إن التطورَ العربي لا ينسخُ التجربةَ الغربية في الحراك الاجتماعي السياسي، مثل حال الأمة العربية المتكونة من أقطارٍ متعددةٍ ذات بُنى ومسارات مختلفة، وفي خضمٍّ تحولي مشترك متداخل، متقطع.
ولهذا فإن بعضَ الدول العربية تصلُ تجربتُها لمستوى أكبر من الأخريات، دون أن تكتملَ شروط التحول الديمقراطية، المعتمدة على ظهورِ طبقات وسطى صناعية ذات تجذر جماهيري.
الفئاتُ الوسطى في هذه الدول متعددةُ الأصولِ الاقتصادية الاجتماعية، من فئاتٍ مالية، وتجارية، وعقارية، ولا تخضعُ الفوائضُ لقانونٍ واحد، ولا تتوجه معظمها للصناعة الوطنية، بل للخارج، ولإعادةِ توسعةِ المؤسسات العقارية والخدماتية، والمالية وغيرها.
هذا يشكلُ تفككاً في بنية الفئات الوسطى، وضعفاً في البناء الاقتصادي الاجتماعي، فلا توجد الفئةُ القائدة القادرة على إعادة بناء المجتمع المتخلف، من حيث تجاوز مستوى صناعة المواد الخام، ومن حيث جذب أغلبيةِ السكان للتصنيع، وتغييرِ الزراعة الراكدة وأدوات إنتاجها وظروفها الاجتماعية المتخلفة.
لقيام الفئة الوسطى الصناعية بالقيادة الاقتصادية ثم السياسية شروطٌ موضوعيةٌ وذاتيةٌ عديدة، من أهمها بدايات توافر المجتمع الديمقراطي، من حيث الاقتراب من تبادلية السلطة، وقدرة الجماهير على التصويت للقوى القادرة على تغيير الانتاج لمصالحها ومصالح تطور المجتمع، وظهور ثقافة تحديثية سياسية واجتماعية تجعلُ المصانعَ مراكزَ التحول والتجمع والصهر للسكان من تخلف التعليم واللامساواة بين جنسي الرجال والإناث وتطوير الأطفال في تعلم مهني حديث.
تلعب المصانعُ هنا دورَ الثورة الصناعية الاجتماعية الغربية في ظروف مختلفة.
مقاربة بعض البلدان العربية للتحول التحديثي النوعي يعتمد على قيادات الفئات الوسطى والعمال في فهم ضرورات التحول المشتركة، ومقاربتها للتحالف التحديثي، وجعل رأس المال الصناعي رأسَ المال الوطني الرئيسي، الذي يقوم بإعادةِ إنتاجٍ اقتصادية سياسية ثقافية كبرى، وينقل قوى الانتاج إلى مستوى جديد.
ليس لكون الرأسمال الصناعي هو مطور المواد الخام الموجودة في البلد، أو المجلوبة من الخارج فقط بل لكونه كذلك قادرا على بسط العيش الجيد للجمهور وتطوره في بلدها، فلا يتآكل مثل هذا الرأسمال في الخارج، أو يضيع في الاستهلاك الترفي.
الثقافةُ الاقتصادية الحديثة تتطلبُ تطورَ الثقافة السياسية وفهم مختلف شرائح الفئات الوسطى والعمال الضرورات التاريخية في صهرِ فئات السكان المختلفة في ملحمةِ التنمية العربية الكبرى وتغييب الشرائح الهامشية وحثالات البروليتاريا المتسولة للعيش، وتغلغل أشكال الثقافة الحديثة بين الأميين والمُغيّبين.
ولصعوبة توافر رأس المال المتجه إلى المخاطر فالمشاركة في السلطة وسن قوانين جديدة للتطور الاقتصادي تجمع بين تنمية الصناعة وبقاء الحريات الاقتصادية المتنوعة، وتغيير طابع التعليم(الأدبي) النظري لتعليم مهني علمي متقدم، تغدو التحالفاتُ السياسية البرجوازية العمالية، بين الفئات الوسطى والشرائح العمالية، مهمةً وجوهريةً في العملية الديمقراطية، وللحصول على الأصوات وتنفيذ برامج التحول الصعب الذي لن تأتي ثماره بسرعة.
ولهذا فإنه على المستوى القومي يمكن لهذه الأقطار المتقدمة في هذه العملية والأقطار التي لم تنضج فيها هذه الشروطُ التحولية بعد أن تجلب منها الرساميل والمساعدات لتلافي النقص الداخلي.
كما أن هذه العملية تتم في البناء المشترك للأمة العربية بمستوياتِ دولِها المتعددة في التطور الاجتماعي السياسي، حيث تقدم تلك الأقطار المتقدمة النموذج التحولي المطلوب، وتستفيد الأخريات من تجربتها وتتقدم العمليات السياسية الاقتصادية الفكرية المنوعة في تلاقح منوع مشترك.
ومما يعرقل من هذا التطور صراع الفئات المختلفة على قطف الثمار والتسلط، وهي الظروف الذاتية التي تؤدي إلى هدر جانب من الثروة المادية والزمن، كما أن الصراع بين البرجوازية الصناعية الصاعدة تاريخياً يصطدم بأوضاع العمال الصعبة وكل منها له شروطه المختلفة في العيش والعمل، ويمكن أن يؤدي الصراع الذاتي هنا إلى تصدع جبهة الحداثة السياسية، واستغلال القوى المحافظة ذلك، كما أن هيمنة القطاع العام وتقزيم القطاع الخاص وبروز المؤسسات البيروقراطية والعسكرية والدينية يمكن أن تؤدي إلى العرقلة أيضاً.
رموزٌ معتمةٌ لفئةٍ وسطى
كان التيارُ القومي نشيداً حماسياً واعداً، كان يخطفُ قلوبَ الطلبة والصبايا من تُربِ الذلِ والأمية والحبو على التراب، كان يحولهم لطيور مقاتلة في السماء العربية، فماذا حدث؟
هل لأن بعض العائلات الميسورة تؤجرُ بيوتَها القديمة لوزارة التربية والتعليم، والتي كانت تشابه موقعا لو ظهر فيها جان جاك روسو لم يستطع كتابةَ مذكراته؟
لم يكلف أحدٌ من تلك العائلات نفسه قراءة ودراسة هذه المدارس والكتابة عنها، كان يمكن أن يحفر في اكتشاف عالم التعليم النصوصي، ويشكل كتاباتٍ نقديةً تتابعُ مجرى التعليم ومشكلاته، وتشكل ثقافة تعليمية ديمقراطية موازية، وكان الأمر يحتاج لسماع أصوات الصغار اللاعبين فوق السطوح وقرب السيارات.
لهذا فإن الطبيب لا يغادر مستشفاه، وينحصر بين الجدران والمرضى، لا يتوجه للصيدليات ليكشفَ أسعارَ الأدوية، ليكتبَ عنها، وليناضل من أجل أدويةٍ رخيصة، وعلاج مجاني فيدور على القرى والأحياء ليعرف هل يذهب العجزة والمتسولون إلى الغرف الطبية؟
لم نرَ طبيباً شعبياً، ولهذا فإن الطبيبَ القومي لا يحتكُّ بالجماهير، يعيشُ في قلعته البيروقراطية، لا يخرقُ نسيجَ الواقعَ الصدئ بمشارط التحليل.
نظراتهُ القومية وليدة القلعة، والمدرسةُ الحكومية المؤجرة والعائلةُ ترتفع دخلاً.
لم نرَ مهندساً يعمل لبيوت الفقراء، والمهندسُ البارزُ يصنعُ بيوتاً حكومية تُباعُ بثلاثةِ أضعافِ ثمنها ثم ينهار البناءُ ليقوم المالكُ ببنائهِ مرةً أخرى حسب ذوقه الجميل وأمانته الخاصة القوية.
المهندسُ الزراعي لم يظهر لأن الزراعةَ ماتت منذ عقود، وكمْ مِن درّس الزراعةَ، ولكن لم يتجول في القرى، ولم يكتب عن مسلسل انهيار الأرض الزراعية، وكيف تُباع لتتحول لفلل غناء، والمساحات الصحراوية واسعة متعطشة لقطرة مطر.
فكيف تريدُهُ أن يكتبَ عن الضمان والإقطاع ويسندُ زنودَ الريفيين بصياغةِ روايةٍ كالأرض؟
وليمضي بينهم يقيمَ ثقافةَ إصلاحٍ زراعي ممكنة، تجعل قطعَ الأرضَ المتشظية تتماسكُ ولا تُباع أو تطيرُ في الهواء أو يأكلها التصحر؟
الإصلاح الزراعي هام، هو حجر الزاوية للتحالف بين الفئات الوسطى المدنية وجمهور الأرض الذائب.
لو كان ذلك قد حصل ما خرجَ العاطلُ الزراعي من بين الأعشاب الصحراوية، ليقيمَ مدرسةَ الخرافة في رأسه، ويحرقُ الأرضَ بدلاً من أن يستثمرها.
المجنونُ القروي وليدُ البخيلِ الغني المدني.
لهذا فإن تكاثرَ أشباهِ المتهورين في أرض محروقة ممكن، فالمدرسةُ التي أنتحرَ فيها جان جاك روسو عرفت صمودَ موسوليني بين زنزاناتها.
الطبيبُ القومي لا يذهب للحارات الشعبية ويرى أمراضَ ضغط الأسعار وإنخفاض الأجور، والاحتباس الحراري في الغرف، وتجمعات العاملين تحت الأرض الدنيا للعيش، وعلاجاتها لديه روشتة واحدة ووصفة سحرية تدعو لمجيءِ المنقذِ المخلص من الجيش، ومن المكائن الحكومية القوية، فالشعوبُ كوماتُ ترابٍ قابلةٍ للصياغات النارية المختلفة كما هي من زمن حمورابي، وربما كان حمورابي هذا أفضل لأن ليس لديه الأفران الحرارية لشيّ البشر.
انهارت المدرسةُ على رؤوس الطلبة والشعوب، والمنقذ القومي يعيش في ذاته المتضخمة منفصلا عن العالم، سجين حالة انفصام كلية، يتداخل فقط مع الذوات المتضخمة والأنظمة الشمولية التي تفاقم حضورها مع تحول الشعوب أكثر فأكثر إلى تراب بل حتى إلى رماد!
الآلات المالية والأنظمة فوق البشرية لم تعد تجعل من القومية سوى فراغ وسراب، الكائنات القومية العربية ذابت في قوميات أكبر قوة ونفوذاً، تلاشت القومية العربية في الطائفية والحكومات الرأسمالية الكبرى، ولهذا فإن الخطابات القومية تغدو أقرب للهذيان مؤكدة الانفصال المريع عن الواقع.
فئاتٌ وسطى متصارعةٌ عبر التاريخ
كيف تحطم الفئاتُ الوسطى مستقبلَها عبر الصراعات الاجتماعية السياسية الفوضوية سواءً في الحاضر أم الماضي؟
لماذا تعجز عن إنتاج نظامٍ حداثي مستقبلي مماثل لما يجري في العصر الحديث؟
لماذا عجز البرجوازيات العربية عن تشكيل نظام رأسمالي متقدم يعيد تشكيل كل بلد عربي؟
في الماضي تتقوقع كلُ فئةٍ في محارتها الفكرية وتتآكل، القَدريون يركزون على القَدر والصراع الحاد ضد كل من يؤمن به، دون قدرة على قراءة السببيات التي تسيطر على حركة الواقع، ويوسع المعتزلةُ الوعي بالسببية، دون أي توسع في فهم المذاهب الأخرى وظروف الناس، فيما تنعزل الفئاتُ السنية كلٌ منها في فهم طريقة وحيدة من الفقه، فهناك إجتهادٌ مخصوصٌ محدودٌ في فئةٍ وهناك إجتهادٌ أوسع في فئةٍ أخرى، وهناك تقلبٌ في مستوى الاجتهاد في فئةٍ ثالثة وهناك رفضٌ للاجتهاد في فئةٍ رابعة ويجري فيها الاعتمادُ الكلي على النصوص، وهناك لا إجتهاد ولا إعتماد على النصوص بل الاعتماد على نصوصٍ مروية من الجماعات الخاصة.
تقوقعتْ الأحكامُ حول الاجتهاد وإنتاجِ أحكامٍ من النصوص القديمةِ للحالات الاجتماعية الجديدة التي ليس فيها نص.
أهذا هو المدى الذي يستطيع أن يطير فيه العقلُ بحثاً عن التقدم والحرية والتغيير؟
المدى الذي كان ينتجُ التغييرَ هو رؤية الإرث الإسلامي كإرثٍ ثوري أنتجَّ حداثةً وجمعَ التجار والعاملين لتشكيل مجتمعٍ حداثي بمستوى الزمن، فما يتعارض مع ذلك التحول يُعادُ تفسيره ورؤيته في ضوء جديد.
الانحباس في النصوص داخل نظام يهيمنُّ عليه أغنياءُ الأرض الزراعية والحكم السياسي المطلق، الذين رموا الفتاتَ للفئاتِ الوسطى لتتعاركَ حوله، وهي فئاتُ الفقهاء والأدباء والعلماء والفلاسفة وغيرهم، جعلها تتآكل وتجمد وراحت تصارع النصوصَ التحديثية المحدودة لدى المعتزلة والباحثين وتقمعها، فهي كانت تدمرُ العقلَ النصوصي الاجتهادي الديني المحدود داخلها وتحطمُ العقلانيةَ الضئيلةَ التي نشأت لدى الفئات التحديثية التي لا يتمحور كلُ كيانها على المذهبية الدينية.
تحطيمُ الأنوار أمتدّ للعلماء والحِرف بحكم تعميم الجهل ورفض السببية وقوانين المجتمع والوجود، وتجميدُ الحِرف بحكمِ إنقطاعِ العلوم عنها وبحكمِ جمود معلمي الحِرف هدمَ بواكيرَ الصناعة!
هكذا قامت الفئاتُ الوسطى بالصراع ضد بعضها البعض، وكسرت القناديلَ التي يحملها كلٌ منها، لتعمَّ الظلمات وتتفكك الوحدات السياسية العربية الإسلامية.
ويكرر المعاصرون من الفئات الوسطى صراعَ التآكل والفوضى، وحبس العلوم عن الصناعة، وتجميد المُلكيات الخاصة عن الثورة التقنية، والثورة الاجتماعية الديمقراطية، وصرف العقول عن الاجتهاد.
العسكر والإخوان والجهاديون وولاة الفقيه والطائفيون والقَبليون أشكالٌ من الفئات العليا والوسطى المتداخلة الآن، يجمدون النصوصَ الفقهية، ويتوجه كلٌ منهم لجهة تضاريسية مختلفة ومتضادة، ويحاربون التحديثَ الشامل كلهم، فتتفاقم الصراعاتُ الاجتماعيةُ للقواقع السياسية هذه عبر تمترس كلُ فئةٍ في شكلِ إقتصادها وإجتماعها الضيق، مناوئةً الأخريات متجهةً لهدم وجودها، بدلاً من إعتبار أنفسها نويات للاقتصاد الحديث المتداخل المتعاون.
الصراعات المستمرة لا تؤدي فقط للتآكل السياسي الاجتماعي بل للتآكل البشري والمادي وتصاعد العنف والتخريب ولهدم هذه القواقع نفسها حيث تفوقت على الفئات القديمة بتفجير الحروب الأهلية مما يعبرُ عن مدى أخطر من التعصب والعدمية التاريخية والتضخمات الذاتية غير المعقولة.
مراحل الفئات الوسطى
عقب أحد القراء على مقالة سابقة لي فذكر:
(صحيح أن البرجوازية كطبقة لعبت دورا مهما في هزيمة الإقطاع والكنيسة، ولكن من قبيل الغبن والجحود أن نتجاهل الدور العظيم الذي لعبه عصر الأنوار السابق للبرجوازية بعدة قرون. الديمقراطية ما كان لها أن تنتصر لو لم يمهد الأنواريون الأرضية لها من خلال بث الثقة في إمكانية الإنسان في تقرير مصيره بدون أية إرادة غيبية والوقوف في وجه اللا تسامح الديني والحكم المطلق، بالإضافة طبعا إلى الفتوحات العلمية التي شككت في (حقائق) الكنيسة. وكلها قام بها رجال شجعان، لا علاقة لهم بالبرجوازية، بل إن بعضهم خرجوا من رحم الأرستقراطية الإقطاعية والكنيسة بالذات (كوبرنيكوس، جيوردانو برونو، ليونار دي فينشي).
لهذا يجب أن نولي أهمية أكبر للتوعية وتحرير الأبدان قبل تحرير العقول وتجاوز العقلية اليسارية التي لا تزال تصر على أولوية العامل المادي الاقتصادي الذي لا يصدقه الفرز الحاصل في مجتمعاتنا هذه الأيام، حيث إننا نجد العمال والبرجوازيين منقسمين على أنفسهم بين مؤيد لقوى دينية معادية لمصلحتهم وبين معاد لها حتى استولى الإسلاميون على النقابات العمالية بخطاب يدعو إلى تآخي الذئب والخروف تحياتي) موقع الحوار المتمدن.
لم يكن العلماء والفنانون الغربيون في فترات التحول من القرن السادس عشر حتى القرن الثامن عشر سوى فئات من الطبقة الوسطى التي لم تتكون بعد، فتكون الطبقات الوسطى في مجموع الدول الغربية عمليات مركبة متدرجة، إن هؤلاء المثقفين يسهمون في تكون الرأسمال الفكري الثقافي، إنهم معزولون عن الانتاج المادي لكنه يجذبهم إليه حيث يغدو مصدر المعيشة الرئيسية، فتتطور تخصصاتهم بحسب تطور الانتاج، يغدو رأس المال صاهراً لهم، وهو يستغل ويجذب العمال اليدويين مثل العمال الذهنيين، ويحيلهم لبروليتاريا ذات ياقات سوداء وبيضاء.
يقوم المثقفون بتحرير الثقافة من أسر العصور الوسطى، وتغيير العلاقات الاجتماعية، وحين تتفجر الثورة الصناعية تكون هذه القوى قد غدت القوى الرئيسية للتحول الاجتماعي.
إنها عملية تاريخية طويلة، وأنسنة المتنورين لا تعني عدم علاقاتهم بتطور الانتاج الرأسمالي الذي ينمو بشكل تاريخي مرحلي ولا تعني عدم معارضة الاستغلال فيه، مثلما فعل ماركس بتحليل رأس المال ونقده، فغذى تطوره وبين آفاقه، ويلعب المثقفون العلمانيون الديمقراطيون دورهم الرئيسي في نقد الثقافة الإقطاعية وتحرير العقول وخلق التنوير وهي الأمور التي تحرر النساء من العبودية المنزلية والمدارس من الكهنوت والثقافة من الظلامية وهي عمليات مركبة في تطور البنى الرأسمالية لكل بلد.
تحول الفئات الوسطى إلى طبقات وسطى يجري حين تسيطر على الانتاج الصناعي وتكرس فوائضه لإعادة الانتاج الموسعة في المجتمع.
إن العلماء والفنانين هم الفئات الوسطى الصغيرة كانوا ملحقين بالقصور ثم استقلوا وقادوا ثقافة النهضة والحرية!
غموضُ خطابِ (الطبقة) الوسطى البحرينية
لا شك أن الاتجاهات المذهبية السنية أقرب للوسطية وخاصة الحنفية والمالكية والشافعية، لكن هذه التقسيمات الفقهية لم تعدْ موجودةً بوضوح فيما يتجسد التباينُ بين اتجاهين فهناك الاتجاه الاقرب للحداثة وهو الإخوان المسلمون والاتجاه التقليدي السلفي.
وعُرفَ عن هذه الاتجاهات الارتباط بالدول الخليجية المحافظة وسياساتها ولم تنتج ليبراليةً مهمة، في حين ظهرتْ الليبراليةُ في الاتجاهاتِ القومية الأولى حين كانت فئات تجارية حرة في زمن الاستعمار البريطاني، ثم توقف نمو الليبرالية فيها مع تداخلها بأنظمةِ الرأسماليات الحكومية العربية والبحرينية، التي سحبتْ الأبسطةَ من تحت الاتجاهات الليبرالية والديمقراطية مما أدى إلى تصاعدِ الاتجاهاتِ المذهبية السياسية التي راحت تعبرُ عن الدول الإسلامية الكبيرة وخاصة السعودية وإيران، حيث توافقت هاتان الدولتان في زمنٍ ثم تصاعدَ التباينُ بينهما مما ولّدَ انقساماً بين الحركات المذهبية السياسية وانقسامات في الحركات السياسية المختلفة البحرينية والخليجية عامة.
ولهذا فإن آراءَ الجماعات المذهبية السنية لم تكن مؤثرةً في تطور الحركة الديمقراطية البحرينية، وكانت تؤيدُ المواقف المحافظة، ومع خفوت دور الحركات الوطنية اليسارية، وتصاعد دور القوى المذهبية السياسية، اكتسبتْ الحركاتُ السياسيةُ الشيعية طابعَ المعارضة بديلاً عن دور المنظمات الوطنية السابقة، لكن مع الارتباط بالسياقين الحكومي والمعارض الدينيين الإيرانيين.
هذا جعل من دور الجماعات السنية السياسية ملتبساً أكثر ولم تستطع تجاوزَ الدور الرأسمالي الحكومي الشامل، عبرَ تصعيدِ دور الفئاتِ الوسطى والعمالية نحو الاستقلال السياسي والنمو الديمقراطي.
تكونت قواعدُ الجماعاتِ السنيةِ من البرجوازية الصغيرة في الغالب مع تناميها في الفئاتِ الأكثر غنىً وفي المناطق المدنية، فيما جاءتْ أغلبيةُ قواعد الجماعاتِ الشيعية من العمال والبرجوازية الصغيرة وفي المناطق القروية الغالبة.
يغلبُ على الجماعاتِ المذهبية المختلفة الارتباط بالنظام التقليدي، من هيمنة الدول والذكور المطلقة والقراءة المحافظة المحدودة للمراجع الإسلامية، وهذه مشتركة أساسية بين هذا الجماعات التي تولدتْ مع تحول الحضارة الإسلامية نحو التقليد والجمود وعدم تحولها للرأسمالية الديمقراطية، أما الاختلافات الفقهية فهي جزئية لا تدخلُ في المضمون العميق لها، وجاءَ الصراعُ في المنطقة بسببِ الصراع القومي العربي الفارسي أكثر منه تبايناً فقهياً. ومع حل هذا الصراع يمكن أن تتطور الأوضاع السياسية باتجاه الديمقراطية بصورة أعمق، لكن لا يمنع هذا من القيام بنضالات في هذا السبيل.
ولهذا فإن غيابَ التوحيد الاسلامي وبروز الصراع بين اتجاه ليبرالي لدول مجلس التعاون لم يتبلور بعد ولم ينضج في صعود طبقات وسطى قوية، وبين النظام العسكري الإيراني عبر رأسمالية دولة شمولية حادة، أدى إلى تعثرِ مشروعاتِ النهضة الديمقراطية العميقة في كل هذه الدول.
الاتجاهان السياسيان العربي والإيراني المختلفان في مسائل جوهرية كالموقف من دول الغرب والديمقراطية والحداثة، انعكسا في الاتجاهين المذهبيين السياسيين الرئيسين، حيث مالت المذهبياتُ السنيةُ نحو مقاربةِ الليبرالية فيما توجهت الجماعاتُ الشيعيةُ نحو الشمولية والتجاور مع القوى اليسارية والقومية المتشددة.
لا شك أن أوضاعَ الفئاتِ الوسطى الصغيرة والمتوسطة التي تكوّنُ مجملَ الفئات السنية والتي تعطيها ظروفَ عيشٍ أفضل، وبتقارب مع المؤسسات الحكومية، تراوحتْ مواقفُها السياسية بين المحافظة والانفتاح، ولم تستطع أن تطرح مشروعاً وطنياً ديمقراطياً جامعاً.
ولهذا حين ظهرتْ في السياسة بشكلٍ جماهيري لم يكن لهذا الشكل جذوره في الشارع ولم يُعدْ اللحمةَ الوطنية الفاعلة.
الفئات الوسطى والبيوتات التجارية المتقاربة مع الدولة والجماعات السنية لم تعضد كثيراً مشروع الليبرالية والديمقراطية، وظلت متخندقة في مصالحها وهذا إحدى البؤر الكبرى في ضعف مشروع الديمقراطية وتكون الطبقة الوسطى.
نجد أن أغلبية العمال الأجانب يعملون لدى هذه الفئات التجارية والمالية الكبيرة:
بحسب تصريح لوزير العمل الأسبق سنة 2010، بلغت نسبة العمال كالتالي: (وصل عدد العاملين البحرينيين في القطاعين العام والخاص إلى 150 ألفاً، ولدينا 450 ألف عامل أجنبي).
(وبحسب إحصائيات رسمية استحوذت العمالة الأجنبية على نسبة تتراوح بين 85 و95 في المائة سنوياً من إجمالي الوظائف التي يولدُها القطاعُ الخاصُ من 2006 حتى 2010)، جريدة الوسط، 7 ديسمبر، .2011
هذه البنية العمالية الأجنبية تجعل من حضور العمال البحرينيين ودعمهم لليبرالية والديمقراطية محدوداً، في حين تستطيع الاتجاهات المغامرة أن تستميلهم عبر تصعيد خطابات الانقسام وغياب أي تحول اجتماعي سياسي على الأرض.
ويأتي نشر البروليتاريا الأجنبية الدنيا عاملاً آخر في إيجاد فرص أقل أمام العمال البحرينيين:
(أما الوظائف التي تقل عن 50 ديناراً، فتركزت في قطاع الإنشاءات بأكثر من 20 ألف وظيفة، وقطاع تجارة الجملة والسلع الشخصية بأكثر من 11 ألف وظيفة، وكذلك قطاع الصناعات التحويلية بأكثر من 11 ألف وظيفة، يليها قطاع الفنادق بنحو 4 آلاف وظيفة.)، المصدر السابق.
هذا إذا تغاضينا عن الذين لا يتسلمون أجوراً ويعيشون على الخدمة ويُنشرون بشكل فوضوي في الأسواق والشوارع.
هذه الظروف وغيرها تكوّن انقسامات في البناء الاقتصادي الاجتماعي ولها تأثيراتها الكبيرة في الوعي السياسي. الانقسامُ السياسي بين المسلمين في المنطقةِ العربية الإيرانية، والانقسامُ بين التيارين السني والشيعي السياسيين البحرينيين، متداخلان.
لقد رأينا الخلافَ بين الدولتين الكبيرتين السعودية وإيران ينعكسُ على تباينات الحركات المذهبية السياسية، لكن لهذا التباين سببيات بحرينية داخلية، وله علاقةٌ بنمو الرأسمالية وانقسامها بين الرأسمالية الحكومية والرأسمالية الخاصة.
لقد رأينا ضخامةَ أرقام العاملين الأجانب في القطاع الخاص، وهي أرقامٌ متصاعدة كذلك في السنوات الأخيرة. فالقطاع العام كان ينمو عبر احتكاره أغلبية الثروة وتوزيعها، وله خطط في الصناعة ومختلف جوانب الحياة، وعبر عقود القرن العشرين كانت الحرفُ والزراعة تنهار، وتوجه أغلبيةُ العاملين للأعمال الجديدة، عبر استيعابهم حكومياً إلى أن حدثَ التشبع وبدأت البطالة والفيض السكاني الريفي خاصة يبحثان عن علاجات وظيفية، حدتْ منها عمليةُ التشبع الحكومية، ونوعيتا المهن البسيطة والمعارف وكذلك التضخم العائلي.
لكن الرأسمالية الخاصة كانت بمحدودية علاقاتها بالموارد الرئيسية في البلد تتجه لجلب العمال الأجانب بشكلٍ واسع، وغدت التجارة بالقوى العاملة الأجنبية عمليات متعددة، وعبر التداخل بين الرأسماليتين العامة والخاصة، من دون شفافية كافية.
إن عدم ضبط تطور الرأسمالية بشكليها العام والخاص، وعدم تشكل طبقة قيادة ديمقراطية حرة بينهما، تقوم بتوزيع الموارد حسب خطط هيكلية اقتصادية اجتماعية، وعدم وجود برلمان يلعب دور القيادة لعمليات التطور الاقتصادية السياسية المتداخلة، أو مع وجوده ونقص دوره المحوري، فإن هذه العفوية التي تغدو تناقضاً وارتباكاً في العمليات الاجتماعية العامة وفي السوق خاصة، تجعل من الوعي السياسي بمظاهره المذهبية السياسية غيرَ واعٍ بمثلِ هذه التطورات والتأثير الايجابي العقلاني عليها.
إن الاتجاهات المذهبيةَ السياسية هي بذاتِها أشكالٌ من هذا الاضطراب بين الدول الإسلامية لعدم وجود معايير ديمقراطية نهضوية توحيدية بينها، مما يدفعها للصراعات المضرة بها جميعاً، ويظهر هذا في التطرف وعدم عقلانية الأهداف السياسية المطروحة أو عدم عمقها الكافي ومقاربة المعايير العالمية، ولغياب المقاربة والتعاون البناء وإزاحة الخلافات عبر العمل المشترك.
إن الشرائح الوسطى والعليا المتعددة المنقسمة، تضربُ بعضَها بعضا في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالتوازن في استخدام العمالة الأجنبية، وتصعيد دور الرأسمالية الخاصة وإعطاؤها حريات وأعمالاً في البناء الاقتصادي الحكومي، وتشغيلها هي نفسها للمواطنين بأشكال واسعة، وتطور التعليم التقني العلمي، وتطور دور البرلمان كقائدٍ للعمليات السياسية الاقتصادية، هذه وغيرها من الأهداف لا تتناقض ويمكن حدوث مقاربة وتضافر بينها.
هذا ينعكس بالضرورة على الوعي السياسي، الذي يقود العمليات المُفترضة، ويتقدمها بدلاً من أن يكون ضحيةً لعدم فهمها أو أن يضعَ العصيّ في عجلاتها.
إن الجماعات المذهبية السياسية التي هي أغلبيةُ الوعي السياسي، حيث تملك القسمَ الأوسع من الجمهور وتتحكم في مساره، يشكلُ انقسامُها تعبيراً عن انقسام الناس وانقسام الفئات الوسطى المؤثرة في هؤلاء الناس بقوة وعدم قدرتهم على العمل المشترك لتغيير الواقع.
إن وضعَ الأفكار الدينية المُبسطة في قيادة الوعي السياسي هي بداية أسباب التفكك، لأن هذه المذهبية هي تعبير عن انقسام عتيق ومرتبط بهيكل اقتصادي تجاوزه الزمن كثيراً، كما تعود للماضي المحافظ حين عجز المسلمون عن التوجه للحداثة وتصارعوا قومياً من خلال المذاهب، لكن البدء من مقولات الحرية والديمقراطية والعقلانية والوطنية والتخطيط الاقتصادي ووحدة الشعب وتعاون الطبقة الوسطى والعمال وتصعيد طبقة وسطى وطنية متلاحمة، هذه الأفكار الأساسية وغيرها هي الأسسُ التي ينبغي أن تُوضع بدايةً في تشكيل الجماعات السياسية.
بطبيعة الحال إن هذا التحول المطلوب لا يخص فقط الشعب البحريني لكن يخص الشعوب المجاورة وقياداتها كذلك، لأن أعمالَها السياسية القائمة على المذهبيات وشعاراتها الفوقية المبسطة، وعدم الدخول الواسع العام في الليبرالية والديمقراطية يعوق هذا التحول الديمقراطي في الخليج وإيران.
لكن من الممكن القيام بأعمال ومهمات ضمن الممكن تمهد وتسهم في التحول الديمقراطي الواسع القادم، وخاصة فيما يتعلق بتطور العمال المواطنين وتطور ظروفهم العملية والمعيشية والقضاء على مزاحمة العمالة الأجنبية الدنيا وتدني أجورها، وتوسع استخدام النساء في مختلف أشكال العمل، مثلما أن الفئات الوسطى بحاجة إلى إشراكها في مشروعات البنية التحتية وتطور الاقتصاد والمجتمع عامة.
من أجل بناء دولة حديثة ديمقراطية لابد من القطع مع التوظيفات المذهبية في السياسة وبناء الأحزاب والدولة، والتحرر من العلاقات الأثنية والعشائرية والمذهبية، التي ستؤثر في بناء الفئات الوسطى والعمالية وخاصة تجاه الوطنية والحداثة، وهذا التبدل سوف يتيح لها تطوير البنائين الاقتصادي والسياسي. إن قوانين الديمقراطية والعلمنة لا بد أن تأخذ طريقها للتطبيق وهي ضمانة لتوحيد الفئات الوسطى وتغيير طابع المنطقة المتوجه عبر الطوائف وسياساتها وصراعاتها إلى كوارث كبرى.
وإذا كانت الفئات الوسطى لا تنتج هذه المعرفة وتحيلها للتطبيق فمن سيقوم بذلك؟
عبـــــــدالله خلــــــــيفة الأعمال الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية الكاملة في 10 مجلدات
الأدب الطائفي
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
شخصياتٌ لا مبادئ ـــ كتب : عبدالله خليفة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
تتفتق وتتشظى التنظيماتُ السياسيةُ في اللحظات الاجتماعية العسيرة على الشعوب، ليس لتزرع تطوراً جديداً نوعياً، بل لتعبر عن طموح قادتها، ورغباتهم في تملك التنظيمات والزعامات!
تتشابه هذه اللحظات والتشظي بما حدث لتنظيمات الخوارج وغيرها في العصر الوسيط حيث راح زعماء الفرق يؤكدون ذواتهم الفردية الحادة وكلٌ منهم له طموح يقومُ بشق التنظيم ويؤكد تباينه الفكري المميز عن صاحبه الذي كان وهو لا يحمل شيئاً من ذلك.
فعرف المسلمون وقتذاك آلاف الفرق السياسية والدينية بحيث كان هذا نذيراً بالانهيار العام.
القوى ما قبل الرأسمالية غير قادرة على الصعود للعصر الحديث، وغير قادرة على الانحياز للطبقات الحديثة، التي لها رؤى وبرامج تاريخية، وهي حالات الشرق خاصة الذي يعيش مخاضات الانتقال.
الخطوط العريضة التي صنعها الغرب والتي تبلورت في الخطوط الاشتراكية والرأسمالية المتعددة، قبلها كان ثمة مخاض طويل للفوضويين والقوميين وأصحاب العنف والنخب المغالية بفرديتها وللروحانيات ذات الشطط، لكنها كلها ذابت عبر قرون التطور وتبلور المجتمعات وظهور الاصطفاف الاجتماعي بين البرجوازية والعمال.
هنا نجدُ استمراريةَ عقليات القرون الوسطى وقيام كل نخبة بصنع تنظيم، معبرةً عن طابع الاقتصاد غير المتبلور، وتضخم الفئات البرجوازية الصغيرة والحرفيين والموظفين، وعدم وجود صناعات مركزية خاصة كبرى.
حين يقوم أي تنظيم من هذه التنظيمات الذاتية غير الموضوعية لن نجدَ فلسفةً وراء هذه العملية الانشقاقية، والفلسفةُ الجديدةُ هي المبرر الموضوعي لنشوء تنظيم مختلف، بمعنى انه قامَ بذلك لأنه يعبرُ عن رؤيةٍ جديدة للوجود والمجتمع، وعن صعودِ طبقة مختلفة أو تكوين اجتماعي مهم في الحياة له أسس في الاقتصاد والحياة الاجتماعية.
الانشقاقُ وهو فعل تفتيتي للناس، وإذا كان بلا رؤية فكرية معبرة عن غليان اجتماعي ذي تراكم معرفي سياسي طويل مُبرر يكونُ نقيضهُ تمزيقاً مدمراً.
هنا تكون طموحات الأفراد واختلافاتهم ورغباتهم في الصعود والظهور والحصول على مغانم ما، هي أساسُ الانشقاق، وبالتالي فإنها تزيد المجتمع اضطراباً وتوسع الخلافات غير الموضوعية بين جماعاته وأفراده.
وغالباً ما يحدث ذلك في التنظيمات الدينية التي لم يكن لها أساسٌ شرعي من البداية، حيث قامت خلافاً لرؤيةِ الإسلام التوحيدية التجميعية الشاملة السياسية للمسلمين، التي لم يكن غيرها سوى تفتيت، وقد بدأتهُ المذاهبُ الكبرى المتحولة من فقهٍ شرعي متنوع مطلوب في فهم العبادات والمعاملات، إلى قفزة سياسية تفكيكية للجموع من قبل المسيسة المنتفعة، وعبر تكوين الفسيفساء التي بدأتْ من كبريات الفرق حتى ذراتها الصغيرة الذائبة في الغبار السياسي للتاريخ.
وكانت هذه العمليات تعبر عن اقتصادات مفككة، تزداد اهتراءً وذوباناً في المناطقية والمحليات الضيقة، ويمكن ملاحظة المفارقة المأساوية الكبرى بين ضخامة دعوة التوحيد وتشكيلها الامبراطورية وعقليات الفرق والطموحات المريضة لقادتها، وتشكيلها ذلك الغبار الاجتماعي السياسي!
وفي هذا العصر راحت الأمم تبني الاقتصادات الكبرى وتجمع الملايين وتحتاج إلى أحزاب كبرى تعبرُ عنها، وتقرر سياساتها التحويلية، وسياسات التوحيد العالمية تتصاعد بشكل خطر ينذرُ الدولَ الصغيرة التي تقل عن ثلاثين مليونا بالخروج من الخريطة الجغرافية السياسية العالمية.
هذه توحيديةٌ معبرةٌ عن وعي الصناعة، وتلك تفكيكية معبرة عن عقلياتِ الدكاكين.
نجدُ ملامحَ الأحزاب الرأسمالية تأخذُ بُعداً كونياً حين تتجمع أحزاب اليمين الغربية معبرةً عن سياسات وتحتدم بينها الخلافات تعبيراً عن صراعات الأسواق والأمم ولكنها تضع خطوطاً عريضة لدول كبرى، تماماً كما تفعل الأحزابُ الاشتراكية لكن من مواقع اجتماعية أخرى، ولمصالح قوى العمال والمنتجين والرأسماليات الوطنية المطحونة من صراعات العمالقة.
ولهذا نجدُ في بلداننا بعد زمنٍ يسير من تشكل الجماعات السياسية ان عددها زاد عن أعداد أحزاب الدول المتقدمة وهي لا تضم سوى بضع عشرات من الأفراد، وتغيبُ عنها أي رؤى فلسفية سياسية، والعديد من قادتها يريد البروز ولا يقدر على تغيير أي شيء في الواقع، ودع عنك أن يكون قادراً على تغيير الظروف المادية للجمهور.
كما أن هذا دليل على التضخم الذاتي، وعدم وجود دراسات جدية للأوضاع العامة وتشكيل رؤى نقدية تحويلية خاصة بأصحابها.
ثمة فرق هائل بين الفقاعات السياسية وبين التنظيمات التي تتجذر في الأرض والناس وتطرح سياسة تحويلية يلتف الجمهور حولها وتأخذ طريقها للتنفيذ، وتصعيد مجتمع المالكين والعاملين المتصارعين بشكل حضاري.
عبدالله خليفة الأعمال الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية الكاملة
فلسفة جديدة
طبقات التوحيد وطبقات التفكيك
جمعية التجديد الثقافية
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
-
اشترك
مشترك
ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.

