قصة ومسرحية الأطفال عند خلف احمد خلف: تجسد قضايا كبيرة بثيمات فنية بسيطة وواضحة
تتنوع اعمال الكاتب خلف احمد خلف الموجهة الى الأطفال، وقد بدأت قصصا قصيرة مثل، «اللعبة»، و«اجمل من قوس قزح». وتطورت عبر أنواع أدبية أكثر اتساعاً كمسرحيات «العفريت» و«وطن الطائر». و«النحلة والأسد». وتتجه هذه الأعمال القصصية والمسرحية الى مناقشة وبلورة قضايا محورية كبيرة، بأسلوب تصويري درامي، يعتمد البساطة والسهولة، رغم تناوله مشكلات روحية وسياسية هامة. في قصته المبكرتين «اللعبة»، و«اجمل من قوس قزح» سنة 1979، نجد صياغة أولية لقصة طفل مبكر، لم تقع بعد على موضوعاتها الهامة. لكن في قصته نجد الشخصية المحورية هو الطفل المشاكس سلمان الذي يتعلم فن الصداقة مع عصفور، وتتضح السمات الاساسية لفن قصة الطفل عند خلف حيث سلاسة اللغة وبساطتها، والموضوعات القريبة من الحياة اليومية للطفل. وكمثال على ذلك، قصة «الرسالة العجيبة» – مجموعة قصصية للأطفال اصدار مشترك – نجد الشخصية المحورية هي طفل كذلك، اسمه محمد، يصيغ رسالة عجيبة الى والديه. والرسالة هي محور الحدث القصصي. فقد اتفق محمد مع والده على أن يقوم بجمع نصف ثمن أي شيء مفيد يريده من مصروفه اليومي، ليكمل والده النصف الآخر. وحين راى دراجة جميلة ذات ثمن مرتفع، وهو عاجز عن توفير نصف ثمنها من مصروفه، الذي يريد أن يلهو به أيضا، قرر أن يكتب الرسالة. إن توجه الصبى ذي الاثنى عشر عاماً الى كتابة رسالة يذكر فيها أبويه بما انجزه من اعمال بسيطة في البيت، كحمل شقيقه الصغير، وشراء الخبز للبيت ومساعدة أمه في تنظيف المنزل، ويطالب ذويه بأجور محددة على اعماله، هو اقرب الى انفجار. فالرسالة الفكاهية تتحول شظية تصيب العائلة في الصميم. ويرد عليه أبوه برسالة اخرى يذكره فيها بأعمال الوالدين تجاهه، دون أن يطلب مالاً عليها. وهنا يحس الصبي بخطاه. صياغة الحكاية – الحدث، بهذه الصورة، تستهدف التوغل إلى قضايا أخلاقية حاسمة. إنها تنمو فوق جسم الحدث اليرمي العادي، لكنها تتوجه الى اعماقه الدفينة. إن الصبي مدفوع بروح أنانية نفعية يكتب الرسالة العجيبة، متذكراً كل جهد قام به، حتى لو كان تنظيفاً للمنزل في إحدى ساعات الأسبوع، لقد تحولت مصلحته وأناه الى محور للبيت، وللعالم فيما بعد – إذا كبر – وغابت جهود أقرب الناس إليه، وفي سبيل هذه المصلحة الذاتية، يصيغ الرسالة المؤدبة، المهذبة، مستغلا معرفته بأساسيات الحساب، ناسيا أساسيات الأخلاق. إن تحويل الحدث العادي الى حدث أخلاقي هام، لا يتم عبر الارشاد المباشر، بل من خلال جسد الحكاية المتنامي المشوق. ويعتمد الكاتب على لغة سهلة، معبرة، تطور الحدث وترسم الشخصيات بلا تكلف. (فكر محمد كثيراً، ثم توصل إلى فكرة رائعة ، قام من فراشه في منتصف الليل، واخرج ورقة وقلما وبدا يكتب). هذه اللغة السهلة، الدقيقة، تواكب وعي الطفل في هذه المرحلة، لكنها تنزع الى التوغل الى القضايا المتوترة الدرامية، لتعطى دلالاتها التربوية. لقد أخذت هذه اللغة تتوسع درامياً في مسرحيات خلف المقدمة للأطفال. وفي … [فراغ كبير لا يمكن ترميمه المحرر] … العرب، دمشق، سنة 1983 – يعتمد المؤلف ذات البساطة، والاعتماد على الحكاية الواقعية، لكي يتجه إلى القضية الأساسية، الروحية – الفكرية، محور العمل الغني. فالطفل صلاح كان مصابا بملل وسأم في إحدى الليالي، ويود أن يتسلى بأي شيء. إن وجوده من الناحية الفنية التشكيلية سيكون زائداً، فهو أشبه بمتفرج كبقية المتفرجين. أما الشخصية الطفلية المحورية فسوف يظهر لاحقاً. كما أنه لا توجد صلة حدثية – مضمونية، بين الشخصيتين، سنرى ان الاولى هو المتفرج، والاخرى هي «البطل».. كذلك تنبثق شخصيتان ثانويتان تلعبان دورين مختلفين. فالأول هو «الرجل – الطبل»، وهوعبارة عن طبل يدق ويغني طوال الوقت. يضع على عقله قفلا ولا يريد ان يفكر، والرجل الكتاب هو كتاب يمشي مفتوحاً على قصة مصباح علاء الدين. هذه الثنائية بين البطل الأجوف الصائح ابداً، والكتاب المسلي الممتع المفكر، تتحول دراميا الى شخصيتين متصارعتين، إحداهما تظل ساخرة وتدق نفسها وتصيح في كل مقطع، معبرة عن الفراغ، ولكن تعطي العرض المسرحي فكاهة وتسلية. والشخصية الأخرى جادة ومفكرة وتعرض قصة علاء الدين ومصباحه. وتنتزع شخصيتا البطل والكتاب وصراعهما، مهما كان طريفا في بعض المواقع، الحيز الذي كان لابد أن يتكرس لقصة علاء الدين. فتعدد الأبطال الثانويين، كان يزحم البطل المركزي وقضيته التي ستعرض لأشكالية فنية. حين يظهر علاء الدين، نجده خلافاً لصلاح، ابن عائلة فقيرة معدمة يبحث عن حلم لتجاوز عالمه الضيق. لم يكن استمرارية «لصلاح» أو تطويراً ما لشخصيته. لكنه أيضا يثقل بتفاصيل أخرى. كوجوده في المدرسة مع التلاميذ الذين يتحاورون عن مصباح علاء الدين، وهل هو ممكن أم لا، ثم يسألون المدرس المتردد.. (الذي يعكس تردد المؤلف حول موضوع المصباح والعفريت). إن علاء الدين يجد المصباح فعلا، ولكن في الحلم. ويظهر العفريت لكنه عفريت خائب غير قادر على تنفيذ أحلامه، فحين يحضر له ماندة طعام، لا يستقر طعامها في البطن ساعة واحدة، كما تذوب السيارة التي يحضرها بسبب اشعة الشمس المحرقة والساحر يصير قزماً في الحياة العصرية ذات الآلات والاختراعات. هل كان الاتجاه الى موضوع العفريت ناجحاً أم أن الطريقة الواقعية التبسيطية حجعت وصغرت من الموضوع الفنتازي الجميل؟ إن بؤرة المسرحية الدرامية – حدث التقابل بين علاء والساحر- كانت مضغوطة ومخنوقة بكل التفاصيل الواقعية اليومية، ولم تعط حقها من التفجير الفني الإبداعي. كما أن الثيمة الأساسية في الحكاية التراثية، وهي القوى الخارقة الممنوحة للفقير المضطهد، والتي ظهرت في التماعة سريعة في المسرحية، غابت تماماً، لتحل مكانها ثيمة اخرى هى فقدان اهمية السحر في العصر الحديث. وهي تقيم موضوعا مختلفاً عن الذي تشكلت الحكاية على أساسه. إن تعدد الشخصيات الثانوية، وتأخر ظهور الشخصية المركزية، وتيه الموضوع الرئيسي، وعدم غربلة جوهر الحكاية التراثية. يجعل مسرحية «العفريت» تجربة اولى لصياغة مسرحية طفليه متبلورة. وهذا ما حققه خلف أحمد خلف في تجارب مسرحية تالية، تماسك فيها البناء الفني بشخصياته وأحداثه ودلالاته. وهذه الطريقة في التعبير والتجسيد سنجدها بوضوح في مسرحية «النحلة والأسد». في توجيهات المسرحية المخصصة لمؤلف الأغنية المطلوبة في المشهد الأول يريد الكاتب من المؤلف أن تصاغ كلمات الأغنية: [بأسلوب مرح، وببساطة في الصورة، قريبة من مقدرة الطفل حتى يتفاعلوا معها ويشاركوا في انشادها]. وهذا هو أسلوب الكاتب، بساطة في الأسلوب والصورة. والاقتراب من مدركات الأطفال. لكن هذه السهولة لا تعني التسطيح، فمؤلف المسرحية، كما هو خطه في عمله الإبداعي، يتجه الى القضايا الجوهرية الهامة في الحياة. كما لو أن الأطفال مسئولون، مثل الكبار، عن مصائر عالمهم وأمتهم. فخلف يختار هنا قضية شائكة هي مشكلة السلطة وأهمية العمل.. ركز المؤلف هنا بنية المسرحية وأطراف صراعها، حيث بدت مجسدة، واضحة، فاعلة، أمامنا. ليس هناك راو، وتعقيبات تخلخل وتوقف تدفق الحدث الصراعي المنهمر، والموقف واضح، والقاعة جزء من الخشبة. الشخصية الرئيسية الأولى هي الأسد الكسول المسيطر على الغابة، وتبدو مهمته الاساسية هي الأكل والنوم واحتقار عمل الحيوانات. إن الكوميديا جزء من لعبة المؤلف لأحداث التناغم في البنية الفنية. وقد رأينا هذا السياق عبر شخصية الرجل – الطبل في «العفريت». وفي مسرحية «النحلة والأسد» يحول شخصيتي الاسد – الثعلب، الى ثناني كوميدى طريف، عبر استغلال كسل وغباء الأسد، وذكاء وجبن الثعلب، ويشكل ارستقراطية حيوانية كسولة تلتف حول الأسد. وحين يطلب الأسد من الحيوانات الصمت والكف عن الغناء المزعج والناقد لكسله وترفه، يصمت الجميع، ما عدا النحلة التي تبدأ المقاومة ضده. والمسرحية تجسد، منذ البداية، الفريقين المتصارعين، الأسد وجماعته الخاملة من جهة، والنحلة وجماعتها العاملة المنتجة، من جهة أخرى . ويتضح هدف المسرحية منذ بدء الصراع، عبر قول النحلة، إنها تريد الحيوانات: [أن تكون حرة.. وهي التي تعمل وتنفع الناس.. بينما الأسد وجماعة الأشرار.. خاملون.. يعيشون على حساب الآخرين].. وسرعان ما تنتقل النحلة الى المعركة، بلا تردد أو خوف، وتوجه النداءات الملتهبة الى الحيوانات برفض طاعة الأسد، وعدم الكف عن أغنيات العمل. لكن الحيوانات الخائفة تهاب الأسد العملاق، رغم الشكل الكوميدي الذي ظهر به. فلا تصاب النحلة بالإحباط، وتدعو الأسد لمبارزة ثنانية، فيقبل ضاحكاً مستهزئاً. وتتحول المبارزة إلى لعبة طفلية، يستغلها المؤلف لتحويل قاعة العرض الى مباراة مرحة ومشاركة من قبل أطفال الخشبة والقاعة، عبر حساب عدد الضربات الموجهة لكل طرف، وتأييد الطرف العادل. وتدو جزئيات المسرحية الفنية متآلفة بشكل عضوي، بالشخصيات الرئيسية القليلة تتصارع في الحدث المضغوط الفكاهي – النقدي، وتنساب ببساطة اللغة وسهولة الصور الى عمق الفكرة، وتتوافق البهجة التي يخلقها العرض مع الأحداث الايجابية المطروحة. وتتكشف، في هذه المسرحية، أكثر من غيرها المطالب الروحية التى برزت بشكل جنيني، في الأعمال الأولى، فالمشكلات الكلية راحت تزيح القضايا الجزئية الهامشية المحدودة، وصارت القضية المحورية هنا هي الحرية والعمل المنتج، فتركزت وتكثفت البنية الفنية التي كانت مفككة فى «العفريت»، وظهرت شخصيات فعالة مغيرة للواقع. لكن لم تزل الشخصيات منمطة، يغلب عليها العام، فتحوي في أعماقها المشكلات الاجتماعية دون خصوصية ذاتية. إن الوعي التنويري يصل هنا الى مداه في أدب الأطفال البحريني، فتطرح القضايا الجوهرية للتطور، وتغدو هواجس المجتمع الأساسية مجسدة، فتنمو المفردات الفنية من حبكة ـ شخصيات ـ أحداث ـ لغة، عبر ذلك الاستيعاب للواقع، وفي إطار البساطة الواضحة.
تتشكل الجماعاتُ الديمقراطيةُ والماركسية فوق الحماسة واللغة الاستيرادية الفكرية القادمة من مناطق متطورة إلى مناطق أقل تطوراً. مثلما غذت توده اليسارَ البحريني في مرحلةٍ سابقة. لقد تشكلت فوق مهمات التحرر الوطني المهمة والمطروحة بقوة لكن تعاليم لينين أمحتْ الفوارقَ بين مرحلةِ التحرر الوطني وبناء الاشتراكية. لقد أجهضتْ عدةَ أسسٍ جوهريةٍ لنمو التيارات الديمقراطية الحديثة، كالارتكاز على القومية العربية كأداةٍ رئيسية للتحرر الوطني في المنطقة، وعدم تطوير الدين كما هو مُنتجٌ نضالي عقلاني، وألغتْ التحالفَ مع الفئاتِ الوسطى لتشكيل مجتمع رأسمالي ديمقراطي تحديثي علماني المؤسسات السياسية، وتصعيد حضور الطبقات الشعبية في السياسة والتعليم والثقافة وعدم جرها لمغامراتٍ سياسية فوق قدراتها الاجتماعية والفكرية. فما هو مركزي في هذه التيارات هو تصعيد مثقف محوري قيادي يكون على هيئةِ لينين وعبر الاعتمادِ على المقاطع الصغيرة المفتقدة للدراساتِ التي تتحولُ لمنشوراتٍ ملتهبة، وهو ما يؤسسُ ضحالةً في الوعي متجذرة، وتبسيطاً لظاهراتِ النضال، كذلك تتضاءل الديمقراطيةُ وتسودُ البيروقراطيةُ الحزبيةُ بدعوى السرية، لكونها لا تستطيع أن تشكلَ قيادات جماعية ولا هيئات ديمقراطية سواءً من خلال نسيجِها العامي الشمولي، أو من حيث اعتمادها على تنظيماتٍ غيرِ علنيةٍ لا تستطيعُ القيامَ بهذه الأسس الديمقراطية، فيعتمدُ الأمينُ العامُ على نفسه أو على مجموعة صغيرة تفتقدُ على مرور السنين العلاقة بالجمهور وبالنظرية. إرتكازُ الجماعات هذه على (اللينينية) يعبرُ عن الارتكاز على رأسماليةِ دولةٍ أُقيمتْ على أسسِ المغامرةِ والدكتاتورية والانتقائية النظرية، حيث يقومُ الحزبُ بالاعتماد على ذاتهِ من خلالِ شكلٍ تحريضي دائمٍ لتأجيج الثورة، ويرتكزُ على تلك الأسس، فنموذجُ الأمين العام المؤسسِ الروسي سيكونُ متجذراً في الأمين العام المؤسس الوطني، ويجري استخدام التكتيكات نفسها التي ظهرتْ لإنتاجِ الثورة البلشفية هناك. يمكن الانطلاق من البذور الوطنية المحلية من نضالٍ وجماعات لتغلغل الحزب، وتُلغى الدراساتُ الموضوعيةُ للبناءاتِ الاجتماعية في كلِ دولة، حيث ينخرطُ الحزبُ فيما هو يومي نقدي تهييجي، وتُعلى الإرادة الذاتية بشكل نضالي حماسي خلاق حتى تتجاوز القوانين الموضوعية، حيث إن القوانين الموضوعية للتشكيلة الإقطاعية مرفوضة، ويجري دمجها بالتشكيلة الرأسمالية، لتُضربانِ معاً عبر تلك الإرادة العالية المضحية المتآكلة على مدى الزمان الصعب القادم. جوهر اللينينية يعتمدُ على حرق المراحل لتغدو التحالفات غير مدروسةٍ على الأسسِ الموضوعية لصراع وتعاون الطبقات، فالاشتراكيةُ تصيرُ هدفاً غير مرئي، وما التحرر الوطني سوى واجهة له، ويمكن للجبهة القومية في اليمن الجنوبي أن تتحول بين كارثة وأخرى إلى حزبٍ إشتراكي يخوض مغامرات رهيبة فاشلة. لهذا وجدنا أن مُصدّر الفكرةِ حزب توده الإيراني هو بذاته لا يعرف إدارةَ النضال في بلده، ويؤدي لدكتاتوريتين مَلكية ثم طائفية قومية تضعنا جميعاً في المنطقةِ في مرحلة الخطر. مثلما أن الحزب في العراق يعتمد التهييج المتنامي لسحق المَلكية والاستعمار مع غياب التحالفات بين الطبقة العاملة والبرجوازية وتصعيد الديمقراطية بشكل دائب وإصلاحي طويل، ثم نجدُ أنفسَنا في حروبٍ ضارية متتالية حتى يغدو العراق خريطةً فسيفسائية ملتهبة أو محروقة. المجموعاتُ المتعددةُ في هذه البلدان رغم تضاريس شعوبها المختلفة استعملت روشتةً طبيةً واحدة، المكتوب فيها تلك الخطوط العريضة للطبيب السوفيتي ذي الشهادة غير الدقيقة. تغييبُ القوميةِ والإسلام وظروف كل بلد، تعبيرٌ عن عدم أهميتها، فإلارادةُ الثوريةُ تغيرُ الخرائط، ويُحضر اسم البروليتاريا ليختصر كلَّ الظروف، وتندفع الحماسة وتدفع العامة البسيطة الوعي المشحونة بالشعارات والأيديولوجيا المسطحة، لتسود الشوارع، لكن لا تحدث التغييرات على النسق الأصلي المستورد. لكون النسق الأصلي بُني على مغامرةٍ ظهرتْ بسبب كوارث الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة الروسية ومعاناة الجماهير بعد قتل الملايين، فيما الدول الوطنية الجديدة تنمو في ظروف مغايرة. كانت سياساتُ الجبهاتِ الوطنية والتراكم الديمقراطي الطويل الأمد ونشر التحديث، وتطوير أحوال الجمهور ونقله من الأمية والخرافة والفقر هي المطلوبة في هذه المجتمعات المتخلفة التي هي بحاجة إلى تطورات أساسية قبل أن يُزج بها في تحولات عالمية من دون جذور، وهي أمورٌ سوف تواصلها الجماعاتُ الدينية معتمدةً هذه المرة ليس على نموذج مستقبلي من الفضاء بل على نموذجٍ مؤدلج متخيل محافظ من الماضي البعيد، لكن هدم الأسس الموضوعية للتطور الديمقراطي الأولي ساعد هذه القوى الدينية على الصعود متوهمةً أنها هي التي حققت ذلك الخرابَ الاجتماعي السابق الذي تؤدلجه باعتباره انتصارا على قوى الكفر والتغريب. في كلا الجانبين يغيبُ التأسيسُ الموضوعي لتطور البلدان العربية والإسلامية، التعاوني التحالفي الاختلافي لتصعيد قوى النهضة، والتقدم، وفي حين وجد الديمقراطيون والماركسيون أنفسهم بلا جمهور يظن الدينيون أنهم حققوا جمهوراً، وهو ليس بجمهورِ تحولٍ فهو ذات الجمهور السابق ولكن اختلفت أصباغُهُ الخارجية ولكن المضمون الشمولي المحافظ الذكوري الحماسي الشعاري المذهبي الغائر هو نفسه وأن كان الأخير قد برز بحدة. العودةُ إلى مهمات التوحيد والنهضة والتنوير والإصلاحات الجزئية المتصاعدة والعقلانية مهمة لتجنب انهيار مرحلة سابقة وانهيار مرحلة جديدة متجمعتين على رؤوس الناس. ولابد من تعاون كل التيارات الحديثة الماركسية والإسلامية والقومية لكي لا نكررَ أخطاءَ الماضي.
خبتْ علاقاتُ حركةِ النضال الفسطينية بالوطن العربي في العقود الأخيرة، حيث اتجهتْ قيادةُ هذا النضال نحو الارتباط ببعض الأنظمة العربية التي كانت تنحدرُ نحو الشمولية وأزماتها من قمعٍ وحروب داخلية وأخيراً توُجت بثورات عارمة. كانت قيادة النضال الفلسطيني تنقسمُ على نفسها، مثل عجز قيادات الدول العربية عن التطور نحو الديمقراطية، وعدم القدرة على توجيه الأنظمة نحو الرأسمالية الحديثة، فتفاقمتْ أزمةُ الأمةِ العربية في العديد من دولها، وبدا شكلُ الانقسامِ في القمة بين ليبراليةٍ محدودةٍ زائفة وبين مذهبيةٍ دينيةٍ محافظة تعبيراً عن خنقِ الطبقاتِ الوسطى وعن عدمِ إتاحةِ الفرصة لدورها الطليعي. ويحاولُ القادةُ الفلسطينيون الخروجَ من ذلك بشكل تجريبي، ويشكلُ ذلك المصالحُ القريبةُ الرديئة، والظروفُ السياسيةُ والجغرافية، فيعطي البحرُ الأبيضُ المتوسط والقوةُ الديمقراطيةُ الغربية المتجذرةُ فيه فرصةً صغيرةً للعمل من دون قبضات الرأسماليات الحكومية الشرقية الشمولية. لكن لاتزال أموال هذه الرأسماليات هي التي تغذي السياسةَ الفلسطينية، وبالتالي تجبرها على المحافظة. لقد أدى الارتباط بهذه الشموليات إلى تمزق الشعب الفلسطيني، وعدم قدرته على تطوير ديمقراطيته وعلمانيته الداخلية، وعدم مجابهته التحديثية الأممية لإسرائيل، ولهذا أصبح النضالُ الفلسطيني مهجوراً بشكل عربي، وتجري كلُ الفظائع ولا يتحركُ العربُ الذين كانوا في وحدةٍ نضاليةٍ حميمة مع الفلسطينيين. ولهذا يغدو توجههم نحو أوروبا قارة الديمقراطية المؤسِّسة، واستثمار التجربة التركية المتجهة نحو الديمقراطية، بداية لفهم ما يجري في العالم بدلاً من الركون في عصر الدول العربية الوسيط. لكن ذلك يجري كتعبيرهم دائماً بشكل تكتيكي، من أجل تعرية الاضطهاد الإسرائيلي، وهو لا يرتقي بعدُ أن يكون موقفاً أممياً ديمقراطياً، فيتركز على الحصار الذي ينفتح شيئاً فشيئاً خاصة عن طريق مصر. إن التضحيات المذهلة التي قدمها الأتراك والأوربيون عبر السفر في البحر المسموح والممنوع والرحلات الجوية المغلقة والاعتقالات أوجدت شكلاً من التضامن الإنساني الكبير. وبقي المشهد الأوروبي الإنساني مفتوحاً للمزيد من التقدم كلما استخدمت أساليب نضالية سلمية. إن النضال العربي القادم والتطورات المذهلة في الأبنية السياسية الاجتماعية ستترك بصماتها على العمل الفلسطيني كذلك. لكن البؤرة التي ناور عنها الفلسطينيون طويلاً وهي مرتكزهم للتغيير هي البشر الإسرائيليون، هؤلاء الذين عاشوا مكانهم، وأزاحوهم ويشاركونهم في مصيرهم، صراعاً وتعاوناً. بؤرتهم هي هؤلاء، وحين تلغي القوى المسيطرة في إسرائيل موقعاً أنشأه الشباب الفلسطينيون في الفيس بوك يقصّ تاريخَ القضية وانضم إليه أكثر من سبعين ألفا من الناس في الغرب، يؤكد ذلك كيف تؤدي الوسائل الحديثة والعلاقات الانسانية المتطورة الآن دورها في تقزيم التطرف الإسرائيلي وإعادته إلى حجمه الطبيعي. ولو طُبقت هذه الوسائل على الإسرائيليين ذاتهم لوجدنا توسعاً للنضال المشترك ولهزيمة القوى العسكرية والدينية المتطرفة
كأغلبِ الشعوبِ العربية عجزَ الحراكُ الاجتماعي الاقتصادي الفلسطيني عن إنتاجِ طبقة وسطى حديثة حرة، وتجسد الصراعُ الاجتماعي القاصر في دولةٍ مهيمنة ذات شكل سياسي مسيطر، وفي مذهب مُقسِّمٍ ومسيطر على جزء آخر من الشعب قطع جزءًا من الأرض الفلسطينية وكون دولة، فظهر التناقض الاجتماعي الحاد في كيانين حكوميين سياسيين (فتح وحماس)، يُظهران هذا العجز التكويني الطبقي الاقتصادي، ويظهران ضرورة تجاوزه كذلك. الوعي الأول يجري بعباءةِ السياسة الوطنية والآخر بعباءة الدين المتحول إلى مذهب مسيس، ولكن فلسطين تمثل تجربة أكثر ضعفاً من الناحية التكوينية من بقية الدول العربية بسبب تشتت الشعب، ووجوده في مساحات سياسية مختلفة ومتضادة. هنا لا توجد مؤسسات اقتصادية مركزية تاريخية متحكمة كبقية الدول العربية، إلا بشكل جنيني، بل توجد تجربة رأسمالية (حرة) في إسرائيل، حيث يعيشُ جانبٌ من الشعب الفلسطيني وحيث تم تشكيل تجربة السيطرة والاقتلاع الصهيونية. تجربة إسرائيل لا تمثل تجربة رأسمالية حرة، كالعالم الغربي، فهي رأسماليةٌ حكوميةٌ طويلة عبرَ الشركات العامة والمستعمرات، ثم أسستْ دولةً دينية شمولية تجاه السكان العرب وتجاه الحركة العمالية، فظهرتُ الرأسمالية غير حرة تغيبُ عنها الديمقراطية، والعلمانية، فلم تتحول الدولةُ لمجتمعٍ تعددي ديمقراطي علماني، بل ظهرتْ كدولةٍ دينية عنصرية متفاقمة في هذا الطابع مع ضعف الحركات الديمقراطية العلمانية العربية والإسرائيلية على الجانبين. البرجوازية اليهودية ذات تاريخ اقتصادي مالي كبير في إنتاج جيتو (قومي – ديني) ومن هنا هي قادرة على تكوبن ديمقراطية داخل المجتمع الديني لا خارجه عند الشعب المسيطر عليه. ولهذا فإن صعودَ طبقة وسطى حرة منتجة للديمقراطية في المجتمع الفلسطيني مليء بالصعاب، عبر الضعف الاقتصادي والتمزق السياسي والتشتت الاجتماعي، مما يجعل الاقتصاد الفلسطيني الصناعي ضعيفاً. تتنوع الصناعاتُ الفلسطينية الخفيفة فهي صناعاتٌ غذائية وبلاستيكية وخشبية وصناعة لأحجار ورخام وأحذية وجلود وصناعات كيماوية وغيرها. يصل عدد العمال الفلسطينيين في الضفة والقطاع إلى 648 ألف عامل منهم 227 ألف عامل عاطل عن العمل. ويشتغل في إسرائيل عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين، واللاجئون الفلسطينيون في الدول العربية أغلبهم عمال وفقراء وحرفيون خارج الوطن، أي خارج التكوين الاقتصادي الوطني، وقدراته على إنتاج طبقة وسطى. يوضح التكوين الاقتصادي التشتت وغياب المركزية والآلية الحديثة وسيادة الحرفيين والمُهمشين اقتصاديا وهي سماتٌ تترافقُ مع سماتِ الوعي السياسي المُفتَّتِ، ولهذا نلاحظ أن زمنَ التشتت الأكبر وسيادة سياسة المخيمات العسكرية، يتسمُ بطابع السياسة الفوضوية والارهابية، ووجود منحى وطني عقلاني ضئيل يعجزُ عن بلورةِ وتصعيد سمات الديمقراطية والعلمانية والوطنية، ومع تصاعدهِ وقدرتهِ على الحصول على الضفة والقطاع، يبدأ تجسيد وتجذير ذلك بصعوبات جمة. لكن ظهور الانقسام بين فتح وحماس، بين الشكل السياسي للشمولية المهيمنة على السلطة، والشكل المذهبي السياسي للهيمنة على الدولة، يقسم الشعب الذي هو في حالة سيولة وعدم تشكل وتبلور. حالة الانقسام بين السياسي الحكومي الشمولي، والسياسي الديني المعارض الشمولي، هي تعبيرٌ عن عجز الأمة العربية عبر شعوبها عن تشكيل طبقات وسطى تحديثية توحيدية، ويتمظهر ذلك في كل بلد حسب تطوره الاقتصادي الاجتماعي وسيره التاريخي. الآلة العسكرية والشمولية الإسرائيلية تغذي عدم التبلور هذا، فالجنرالات والحاخامات والوعي الديني السياسي اليهودي المتطرف هنا كل ذلك يكرس الانقسام في بُنى الشعب الفلسطيني مثلما يكرس تاريخ الإسرائيليين داخل الجيتو حيث البشر إما يهود وإما أغيار. فاليمين المتطرف ضد عودة اللاجئين وضد الوحدة الفلسطينية، وبالتالي فهو ضد صعود طبقة وسطى فلسطينية حديثة تمثل قيادة التوحيد والحداثة والتقارب مع الإسرائيليين لمجتمعين حرين متساويين يعيشان ويتطوران بتقدم وسلام. أن تفتت جزئيات الطبقة الوسطى المُفترضة المتكونة عبر التشتت والصراع، يتجسدُ في جناحيها السياسيين الكبيرين: فتح وحماس، اللذين يعكسان مصادرها المذهبية، والقراءات المسطحة للإسلام وللتاريخ الوطني – القومي العربي، ويعكسان مستوى الفئات الوسطى ذات الصناعات الخفيفة والتجارة والوكالات والتبرعات والاسهامات عبر الحدود وسيولة المخيمات، وتشابكات علاقاتها مع الأنظمة العربية وإيران وإسرائيل. وحدة الطبقة الوسطى تأتي من الصناعات المتطورة، ومن مجيء العمال اللاجئين ومن التوحد الوطني، ومن التداخل النضالي مع القوى العربية والإسرائيلية الديمقراطية، أي من صعود ثقافة حديثة عقلانية علمانية، توجه الفوائض نحو التقدم، وفتح الأسواق الحرة ونمو الديمقراطية، ولكن هذه الثقافات العربية والإسرائيلية ذات صراعات وفجوات هائلة تحتاجُ إلى فحص عميق لرؤية مدى قدراتها على الإنتقال للحداثة وعبور المجتمعات الدينية المحافظة الاستبدادي .
نخشى دائماً من هذه الجماعات الدينية المتاجرة بالإسلام، فهي لا تكفَ عن التجريبِ في لحم المسلمين، وكل مرة تقوم بطبخة حارقة، ثم لا تتوقف عن الالتفافِ وعن طرحِ طبعةٍ جديدة من الكارثة.
الشعوبُ العربيةُ في البلدان الثائرة اكتوت بـ (علمانية) زائفة، بأنصافِ أنظمةٍ تحديثية، ومن شقوقِ هذه الأنصافِ تتسربُ مياهُ المجاري، وأبقتْ هذه الأنظمة (العلمانية) على حكم القانون وعلى احترام النساء وعلى التحديث الوطني وعلى التصنيع، ثم يتحول كل ذلك إلى علمانية الحزب المتدهور في علميته وعلمانيته وديمقراطيته وتحويله النساء إلى جوارٍ والفلاحين إلى خدمٍ وبوابين في عماراتِ الحرامية المدنيين.
وتحولتْ نصفُ العلمانية هذه إلى اضطهادٍ للقوميات والأديان الأخرى، فالأكرادُ يُضربون بالقنابل على ضفتي نظامي العلمانية الزائفين في سوريا وتركيا، والافريقيون تُحرق غاباتُهم ومنازلُهم في جنوب السودان، والأمازيغ يَحاربون في لغتِهم وتراثهم في الجزائر والمغرب.
هل جاء زمنٌ تتقارب فيه قارتُنا العربية الإسلامية مع الحداثة؟ مع مواثيق أوروبا العلمانية حقاً؟
يريدون دخولَ السوق الأوروبية مع استمرار وضع رؤوس الأكراد تحت أحذية المؤسسات المركزية. يريدون دخولَ السوق وقطف ثمار الحضارة والديمقراطية والإنسانية المتقدمة من دون أن يحترموا شعبهم وتظل الطائرات تغير على المناطق (المتمردة).
هم لهم طبعاتُهم الخاصة من الإسلام، إنها طبعات المحافظين الاستغلاليين، حيث يقوم الإقطاعُ المنزلي بأسرِ النساء، وحيث مكانة المرأة أدنى من الرجل، إنها المخلوق التابع، هنا تتخفى الذكوريةُ الاستبداديةُ وتموهُ نفسَها بالدين.
دائماً يجعلون الدين أو القومية المتعصبة أداتين لتمرير سلطانهم غير المتساوق مع البشرية الحديثة، وللذكور المتسلطين رغبتهم في بقاءِ سلطانِهم على النسوة، ومن هنا تغدو مدنيةُ هارون الرشيد دون مستوى علمانيةِ ملكةِ بريطانيا.
إن مدنيةَ ابنهِ المأمون الذكي المثقف لا تمنعُ من استخدامِ الدين لتعذيبِ علماء الدين، أو طبع تفسير معين وفرضه على الجمهور بالسياط.
إن المخاطرَ التي تنشأُ من الثورات العربية الحديثة أنها تسمح للجمهور غير المثقف بالهيمنة على الأصوات الانتخابية، مع بقاء المنظمات الدينية في تسويق أفكارها المحافظة التقسيمية للمواطنين، وطبع نسخ أقل قيمة من نسخة المأمون، والتسلل للسيطرة على الحياة السياسية الاقتصادية في ظل اقتصاد الانفتاح المالي وشركات المضاربة بمال وقوت المسلمين.
(ديمقراطية حديثة) مع بقاء المنظمات الدينية السياسية تتاجر بالإسلام والمسيحية واليهودية، ومع بساطة فهم العوام للدين والسياسة والحداثة، وقد رفعتهم نشواتٌ نضالية إلى السماء السابعة، ثم ستظهر أنظمة دينية شمولية مقنعة تسلبهم آخر مدخرات العمر، ويحدث لقاءٌ فريد بين ولاية الفقيه الإيرانية وولاية الفقيه المصرية ذات طاقية الإخفاء، وربما السورية كذلك.
احتمال ولكن المؤمنَ لا يُلدغُ من جُحرٍ طائفي مرتين، والعوام ليس هم الجمهور الثوري الحديث بعد، لم يصبحوا بعد المواطنين المثقفين ذوي التجربة السياسية العميقة بعد أن خيّمَ عليهم ظلامُ الأنظمةِ الشمولية طويلاً، هم يَنجرون للخطاباتِ الدينية الحماسية التي تدغدغُ مشاعرهم وتحومُ على رؤوسهم بالرموز لسلب عقولهم وجيوبهم.
النظام السوري نموذج للعلمانية الزائفة كلياً، حيث حكم العصابات العسكرية والمخابراتية يتجلى عن التبعية لولاية الفقيه الإيرانية، أي هو تعبير مشترك عن سحق المثقفين الديمقراطيين والحداثة والفلاحين في الأرياف من أجل عسكر ديني في سوريا كشط علمانيته بسكاكين القمع، وهناك عسكر ديني كرس تخلفه بالحديد والنار. ويظهرُ سنةٌ بسطاء ينشرون شعاراتهم الوطنية الدينية غير مدركين كذلك لسيطرة مذهبية سياسية متصاعدة. فلم يجدوا سوى صلاة الجمعة يفيضون بعدها لنقد النظام، وهكذا كأنهم الهاربون من الرمضاء للنار.
ABDULLA KHALIFA
WRITER AND NOVELIST FROM BAHRAIN
♦ Abdulla Khalifa Al Buflasa (born March 1, 1948 in Gudaibiya, Manama, Bahrain – died October 21, 2014 in Manama, Bahrain) is a Bahraini left-wing novelist and columnist.
♦ Upbringing and Education: Albuflasa was born in 1948 in the Gudaibiya area of the Bahraini capital, Manama. He studied at the Teachers Institute.
♦ Career career: He worked as a teacher after graduating from the Teachers’ Institute.
♦ He joined the ranks of the National Liberation Front – Bahrain in the 1960s and became active in its ranks. He was arrested in 1975 and dismissed from his job and released from prison in 1981.
♦ He wrote short stories and novels since the late 1960s and has various contributions in literary criticism. He also works as a columnist for the Gulf News newspaper.
♦ Member of the Union of Arab Writers in Syria.
♦ Contributed to the conferences of the Arab Writers Union, and the first conference was in 1975 held the Algerian Republic and presented the search for the evolution of the short story in Bahrain I subscribe to it, and participated in the Conference of the Arab Writers ‘ Union in Tunis in 2002, research under the cursed n (The roots of violence in contemporary Arab life), He participated in a conference in the Arab Republic of Egypt in 2003, and a research under the title (Arab intellectual between freedom and tyranny). And many Arab literary conferences.
♦ Since 1981 he has worked in the social and cultural Press in the Bahrain and Gulf newspapers, and has been published in several Arab periodicals.
♦ He wrote articles and political and social studies on the history of Bahrain and the development of the short story.
الديمقراطية شبه مستحيلة في الدول العربية التي تقوم على هيمناتٍ حكومية محافظة وعلى معارضاتٍ متخلفة محافظة، نظراً لوجود الشعوب، وهي أرضية تلك القوى السياسية، في كيانات أغلبها تقليدي، والرأسمالياتُ المُنتجَّة لم تقمْ بأي تغيير عميق للبنى الاقتصادية الاجتماعية. يبدو هذا في طبيعة العمل السياسي الفكري. فمنظماتٌ طائفيةٌ تقودُ نضالاً من أجل الديمقراطية، كيف؟! هذه المنظماتُ مرتبطةٌ بسقف ديني محافظ، ذي مركز معروف، وفي داخل المركز تجري صراعاتٌ حادةٌ بين قوى فئات وسطى شبه ليبرالية والهيمنة الحكومية الشديدة المحافظة المعادية للتحديث وحريات الناس. وقد عجزت تلك الفئاتُ الليبرالية (الإصلاحية) عن خلق مؤسسات ديمقراطية في شعبٍ يُعد بالملايين، وتنامت القوى المحافظة وضربتْ أشكالَ الحريات داخل البلد (إيران)، مثلما ضربَ العسكرُ المصري تجربةَ الديمقراطية في مصر. والجماعاتُ الطائفيةُ لدينا تعيشُ تحت هذه المظلات الفكرية قبل كل شيء، وتعتبرها مرجعيتها (المقدسة)، فكيف يمكن أن تخلقَ ديمقراطيةً أو تساهمَ في تنمية شيء من الديمقراطية وهي غارقة في الرجعية الفكرية – السياسية؟! هي لن تشكلَ ديمقراطيةً بل هي تجذرُ مؤسساتَها الدكتاتورية، وتعمقُ الطائفيةَ والشعاراتَ المحافظة المُنتجة في الريف الإيراني لأرياف المسلمين والعرب: جنوب لبنان، وجنوب العراق، وشرق السعودية، لكي تتغلغل هذه الشعاراتُ المحافظةُ في المدن وتسيطر عليها وتحولها ذيولاً للريف المتخلف بأشكاله القرابية الماضوية وبسجن النساء ومنع تفجر الثقافة الحرة، مثلما فعل الأخوان في مصر لكن إنتاجهم ذهب للسنة. ويتم ذلك عبر التحشيد وإستغلال التجمعات العبادية والدينية وتحويلها إلى أدوات سياسية. نقل هذه البضاعة الشعارية الرجعية لفقراء القرى المأوزمين في معيشتهم يحولهم إلى قوى حربية متفجرة في أجساد مجتمعاتهم، عبر تنمية وتصعيد الغضب وتحويله إلى سياسات طائفية. ولكن هذا الخداع يتم من خلال شعارات (ثورية). ويفترض في الناقدين أو الحذرين أن يطالبوا بنقل هذه الثورة إلى القرية، وتحريرها من الهيمنة الدينية المتخلفة، ومن أسرِ النساء، وبضرورة نشر الثقافة العلمية، وخلق التحديث فيها، إذا كانت هذه الآراء الثورية حقيقةً، فالأَولى بأهلِ المنزل أن يستفيدوا من بضاعتهم (العظيمة) هم قبل الآخرين. هم يحاولون نقل هذه الأشكال الدكتاتورية الخطرة وهي محفوظة من خلال جمهور متدين شديد الإنفعال يغدو كقذيفة بشرية، عبر تصعيده إلى مراحل عليا، وتوسيع الأزمة من منطقة إلى منطقة في البلد، ومن بلد كجنوب العراق إلى العراق ككل، ومن منطقة كجنوب لبنان إلى لبنان ككل، ومن بضعة دول إلى المنطقة العربية الإسلامية عامة مثل قرناؤهم الأخوان لكن في المناطق الصحراوية العربية والريفية ثم هيمنة على المدن. ومن هنا فإن الحديث عن الانتقال للمَلكية الدستورية والبرلمان الكامل الصلاحية يفترض في هذه الجماعات المذهبية أن تنزع صفتَها الطائفية وتغدو وطنيةً، وأن تفصل المذهبَ عن السياسة، وتعمل من خلال شعارات حديثة ديمقراطية، فمن الصعوبة بمكان أن تنتج فكراً، أما البقاء في نفس الأشكال المذهبية السياسية وقيادة الجمهور وتعبئته بهذه الأفكار الرجعية الخطرة على سلامته وسلامة الوطن فهو تصعيد للأزمة من مستوى مناطقي إلى مستوى وطني، ومن مستويات سياسية صغيرة إلى مستويات كبرى. وبحراك هذه الجماعات المذهبية ونشر التعصب والممارسات البدائية يتم جر الجمهور أكثر فأكثر للصراعات الطائفية وللأفكار السطحية في الدين، ونشر التخلف الاجتماعي. ولهذا فإن صعود مثل هذه القوى إلى هيمنة كبيرة على الساحة السياسية وتغلغلها في الحكم يعني تفجير الأزمة بصورة أكثر خطورة. لا بد من إنتقال هذه القوى أولاً للديمقراطية والحداثة والوطنية، لكن ذلك مستحيل كما جرب المسلمون خلال ألف عام سابقة إمكانية تحول المذهبيات السياسية إلى معقولية سياسية بسيطة دون فائدة. فكيف من الممكن تحولها إلى ذلك خلال بضع سنين؟ لكن دورها هو نشر الأزمة التفتيتية في أي مجتمعٍ تشتغلُ فيه، وخاصة حين تكون التكوينات الاجتماعية والسياسية غضةً أو ساذجة فكرياً، وهذا ما حدث حين قامت الجماعات الطائفية بالأضرار بالجماعات التي يفترض أنها حديثة، فتغلغلتْ فيها الطائفيةُ وأنقسم الأعضاءُ حسب مكوناتهم المذهبية، وكل قسم يخشى ويرفض الآخر. أما الجماعات التي تمسكت بليبراليتها ورفضتْ إدخال الطائفية في صفوفها فقد حققتْ إنجازاً، وأرهصتْ بالأزمة ومخاطرها وكانت أكثر طليعية من بقية الجماعات، ووضعت حلولاً عاجلة سريعة قبل إستفحال الأزمة، مما يجعلها لائقة بالمستقبل السياسي، خاصةً مع تناميها في مختلف الفئات الوسطى والعمالية وطرحها برامج محددة للتغيير في شتى جوانب الحياة. أما المذهبية المغايرة المنافسة فهي لا تنتج جديداً لأنها تكررُ نفسَ المشكلة ولكن في جوانب أخرى، وعجزها عن إنتاج أفكار وطنية وإنتشارها في كافة الفئات، مما يخلق منها تورماً آخر وتصاعداً لصراع الطوائف. تطور الأفكار الليبرالية ومساندة القوى الوسطى ذات التأثير للمجموعات التحررية هذه وحل المشكلات الكبيرة للشعب كالأسكان والعمل والأجور والصحة والتعليم، يمكن أن يفتح أفقاً لمجتمعنا يقلل من خطورة الجماعات المذهبية وبرامج الحدة السياسية التي تنتجُها في كل عشر سنوات وما يقاربها.
يمثل النقدُ الثقافي عموماً قوة تفكير كبيرة غدت شيئاً فشيئاً معطلة ، وكان يمكن أن ترفد الأدب والثقافة عموماً بطاقاتها لكي يزداد الأدب والثقافة تأثيراً في الواقع لكن النقد توقف عن هذه العملية الضرورية ، فما هي الأسباب؟ يقول ناقدٌ عربيٌ كبيرٌ هو إحسان عباس الذي استفاد كثيراً من (النقد الأمريكي والنقد النفسي لدى فرويد والأسطوري لدى كارل يونغ) يقول بأن الاقتراضَ الشديد من الغرب على هذا النحو (يجعل الدارس يقع في وهم فكري مزوج : يتكشفُ الأولُ في إغفالِ التاريخ الثقافي العربي ، ويتجلى الوهمُ الثاني في جهلِ التاريخ الكوني للآخر).. وهو أمرٌ في رأيهِ يقودُ إلى (التبعية الثقافية أو يفضي إلى المحاكاة الصماء) ، نقلاً عن سعد البازعي في كتابه استقبال الآخر)، ص 36 ، 37. يتحسسُ الباحثون العرب الإشكالية المركبة في تبعية ثقافتنا للعصر الوسيط ببنائه الإقطاعي المذهبي ، المستمر حتى الآن ، وتبعيتها كذلك لما يُطلق عليه بعضهم (الآخر) ، وهذا التعبير تجريدٌ آخر معاكس للماضي ، فلا يقولون بأن الآخر هو النظام الغربي الرأسمالي المسيطر. لكن التعميم على الجهتين يقودُ إلى سلسلة طويلة من الأخطاء ، لأن ثقافتنا العربية القديمة مرت بعدة أطوار وأبنية ، ولكل منها واقع خاص ، وكانت تعيش تطورات ومراحل كبيرة ، فالتعيمم المنطلق منها ، خاصة حين يساونه بالشخصية العربية أو بالذات العربية ، يقود إلى كوارث تحليلية. فالشعرُ الجاهلي لا يُعرف لماذا صار بهذا الشكل ومن أين جاء وما هي علاقاته بالمكونات الفكرية والفنية السابقة ، والقرآن لماذا هو بهذه اللغة والتراكيب والأخطر ما هو دوره في عملية الثقافة التحولية ، ولماذا استمرت القصيدة المتناقضة البناء التقريرية حتى اليوم؟ ولماذا الغياب للبناء المسرحي في الثقافة والبناء الدرامي في الشعر وغياب الملحمة؟ دخل النقد العربي القديم في جوانب المحدود كالصور الجزئية والأغراض وأشكال البلاغة ، ثم وجد نفسه في العصر الحديث أمام مدارس أوربية كبيرة ، فلم تسعفه أدوات النقد العربي القديم ، ليس فقط لخضامة الإنجازات الغربية التي تشكلت خلال قرون النهضة والثورة الصناعية والعصر الحديث ، بل لأن واقعه العربي المتعدد راح هو الآخر يتغير ويصارع ، فبدأت الآدابُ والفنونُ العربية في الأزدهار في واقع متخلف اجتماعياً! وككل نتاجنا وسياستنا وقع بين دكتاتوريتين ؛ دكتاتورية الماضي المبهمة والمتجسدة في البناء الثقافي ، وفي دكتاتورية الحداثة الغربية ، التي تفرضُ نفسها عبر أنماط سائدة قوية فتشلُ الوعي العربي عن أن يكون وعياً عربياً ديمقراطياً. وكي نعرف أننا واقعين بين دكتاتوريتين ثقافيتين، يحتاجُ ذلك إلى فحصٍ على مستوى الماضي ومستوى الحاضر، أي القيام بنقد مزدوج على ضفتي الزمان والمكان. حين نقرأ فقط القصيدة الجاهلية سوف نقول لماذا الانحباس في الشكل المضطرب الممزق المحدود؟ أي لماذا عجز العربُ عن إنتاج شعر أكثر تطوراً من هذا؟ وهو أمرٌ لا يتضحُ إلا في قراءةِ السياق التاريخي ، بكون القصيدة العربية الجاهلية هي نتاجُ شعبٍ محبوس ممزق في هذه الصحارى الهائلة المجدبة ، وبقراءة إن هذا الجنس الأدبي(الشعر الجاهلي) هو أرفع ما أنتجه هذا الشعب بعد انحباسه وتقطع صلاتهِ بالشمالِ ، السامي، لغة ومكاناً وتلاقحاً واسعاً ، وهو أمرٌ يربطنا بتدهور الأنواع الأدبية والفنية في الشمال (العراق ، وسوريا ، ومصر) ، فنقرأ فضاءَ الآداب والفنون في الحضارات القديمة التي عجزت عن التطور ، وعن تشكيل أنواع : الملحمة والمسرحية وبالتالي النقد. وبهذا كان النتاجُ الثقافي العربي الجاهلي هو وليد ظروف العزلة والتخلف المزدوج ، فالانهيار الحضاري الذي أصاب الحضارات القديمة والذي كان إحدى سماته تحجر الآداب ، انتقل بقوة مضاعفة للجاهليين ، ومع ذلك قاموا في تلك العزلة النسبية بإنتاج ثقافي يعكس ظروفهم ويعكس كذلك حريتهم البدوية. بين الغنى الثقافي الذي فجرتهُ ثورة الإسلام وبين الأشكال الأدبية والفنية المتيبسة التي سادت طوال العصر الأموي ، ثم تقطعت بفعل المدنية العباسية النسبية ، عوامل من الصراع والتداخل ، فقد أضفى الفهمُ الديني المحافظ على منتجات الثقافة المختلفة عوامل كبيرة من الكبح. فقد قام بأسلمة الشعر الجاهلي ، محوراً العديد من الأسماء الدينية والأفكار الوثنية ، ثم جعلَ المبنى الفضفاض للقصيدة الجاهلية نموذجاً يُحتذى ، وجمد الأنواع الأدبية كما كان متبعاً سابقاً ، فغدت الفنون محرمة كذلك. ثم حين تطورت الآداب والفنون في العصر العباسي في المدن النهضوية المؤقتة ، فإن تغيرات جذرية في الأنواع الأدبية لم تعد ممكنة ، وإذا حدثت تطورات كما في الرسم وظهور القصة والمقامة واتساع النقد وتشكل الفلسفة ، فإنها تغدو محاطة بدكتاتورية الماضي الثقافية ، ودكتاتورية الحاضر الأموي – العباسي الجارية. وهكذا فإن الضرورة تتكشفُ هنا، فالعرب ورثة الدكتاتوريات المشرقية القديمة ، فهم إذ ينقطعون عن نتاج الحضارات المشرقية القديمة وراءهم ، بسبب ليس فقدان اللغات القديمة ، بل كذلك رفضاً للتعرف عليها ، كما أنهم يكيفون النتاج المترجم اليوناني والهندي تبعاً لحاجاتهم في هذا المجتمع النهضوي المتوجه للاختناق بفعل دكتاتوريات السلطات والجماعات السياسية – المذهبية المختلفة. وهكذا فإن النقد هو الآخر يتعرض لهذا الحصار فيحافظ على شكلانيته العامة ، بتقزم الأنواع الأدبية والفنية فيه ، ثم يجمدُ تطور القصيدة بإبقاء مبناها العام المضطرب المحدود ، الذي لا يغتني إلا بفعل نقده للواقع ، وتداخله مع الأنواع الأخرى كالدراما والقصة ، وهو أمر غير ممكن إلا بشكل تعليمي ساذج. ليست هذه الأنواع الثلاثة؛ النوع القصصي، النوع الدرامي، النوع الشعري ، أنواعاً منفصلة فحسب ، بل هي أنواع متداخلة كذلك ، فهي تغذي بعضها البعض ، وعدم وجودها في واقع ما ، دليل على مشكلات ديمقراطية عميقة فيه. إن عجز النقد العربي القديم عن كشف ذلك ، هو بسبب ذلك الغياب الديمقراطي في السياسة والثقافة ، وهو أمر أتاحته له التجربة الغربية حين احتك بها ، وهي قادمة من خلال السيطرة الأجنبية. إن النمو الداخلي العربي لم يكن حراً ، فلم ينتجْ الأنواع السابقة الذكر بانفصالها وتداخلها المركب ، ولم تتح تجربته المقموعة خلال تلك القرون ، التي لم تزدهر بالحرية الواسعة أن يصنع تلك الأنواع بتلاقحها وتنوعها ، ففوجئ وهو ينمو داخل الحياة الحديثة الغربية ، أن تاريخه الثقافي ناقصٌ ومتخلفٌ في أنواع معينة ، فراح يستكمل النقص. ليس العرب كلهم منتجون ثقافيون ، بل أفراد وجماعات من الفئات الوسطى ، التي يتيح معاشها أن تشتغل في الثقافة ، وهي موزعة بين الدكتاتوريتين : دكتاتورية الماضي ، ودكتاتورية الحاضر ، لكن الثقافة الباقية الغنية هي منتجة الحرية ، ومن هنا راح نتاج هؤلاء الأفراد الباقي القوي الغني يؤسسُ ذلك.
حين يغدو الفرد باحثاً عن فرديته وتميزه الشخصي ضمن الموضوعية والإنتاج الشخصي الحقيقي وتقدير قوانين الحياة، فإن ذلك يغدو كسباً للجماعة، بعكس ذلك حين يركب الموجات ويتصيد المناسبات ويخدع الآخرين لكي يرتفع ويتسلق. فتغدو تلك فردية مريضة، أي فردانية! وما أصعب التضحية والإنتاج الحقيقي وما أسهل التسلق! أي طفل يقوم بدوافع المنافسة المنزلية بالاستئثار بالحلاوة وإخفائها ومنع إخوته من الوصول إليها، يعتبر ذلك سلوكاً معيباً لكن حين يغدو (قانوناً) عاماً في الحياة الاجتماعية وبين الكبار فإن الكثيرين يشاركون الطفل في السرقة. تقوم الزعاماتُ المغامرة على خطف هذه الحلاوة، التي تدفعها دولٌ تسرقها من شعوبها الفقيرة الجائعة، ولتوضع في أعمال سياسية لا تعود بالخير في نهاية المطاف على الناس بل تسبب لهم الكثير من المشاكل. إن الفردية تظهر من خلال أعمال تضحوية دؤوب، ليس فيها لفت نظر، وتتسم بالصبر والوعي، وتقدم خدمات مهمة للإنسان، وتتقصد عدم الإضرار بهم، كأن يقوم الإنسان بنضال سري طويل مراكماً وعياً دؤوباً بين شعبه، والشعب بعد ذلك يختار سبل العمل التي يراها، فلا يضع المناضل صيغة للموت ويفرضها فقط لأنه لديه سلطة متنفذة. وكالشاعر الذي فقد طريقه لإنتاج الكلمات بين جمهوره وعبر النضال في ظروفه وحياته وخياله، فيزعم الكثير من الادعاءات الشكلانية وينتفخ انتفاخات هائلة، فيقفز على شروط تكونه كشاعر فردي يغزل نسيجه بصبر وعبر معاناة جمهوره، فيحقق فردانية من دون أي مضمون داخلي عميق. وما أسهل الآن من يتصيد أمراض النقص والدونية لدى الأفراد ويحولها إلى أمراض لديهم! فهؤلاء النكرات لم يصدقوا أن أحداً حكومياً اهتم بهم، وسرعان ما ظهروا كشخصيات مهمة ومتنفذة ويُحسب لها حساب وهم ليسوا سوى أفراد عاديين، لكن مكاسب الارتفاع التي حصلت لهم فجأة، وعبر آلات ميكانيكية إدارية، وليس من خلال تطوير مهاراتهم الفردية، أوهمتهم بأنهم صاروا شيئاً ونجوماً في المجتمع وربما العالم! ثم تتحول هذه القفزة بالنوابض الآلية الحكومية وهماً متحكماً فيهم وتمنعهم من العودة إلى نفوسهم الداخلية ومحاكمتها ونقدها وإصلاحها. والأخطر حين تقودهم هذه الأمراض إلى تدمير الآخرين والدخول في مغامرات وتخريب نفوسهم وتنظيماتهم وجماعاتهم وشعوبهم ودولهم فقط من أجل أن يبقوا فى الأعلي ويصبحوا موظفين كباراً، وزعماء مشهورين، وكتاباً عالميين! ما أسهل بيع النفس وما أصعب صناعتها! هل كان أدولف هتلر يمتلك أية مواهب ؟ كان مجرد نقاش سياسي مغمور، وبلطجي، ركز خطبه كلها على كراهية الدول الأخرى وتمجيد العرق الألماني، واستعادة الأراضي القومية الألمانية، التي أُنتزعت في الحرب العالمية الأولى. وقد وجدت فيه الشركات الألمانية الكبرى شخصية قادرة على تحقيق برنامجها في التوسع، فنفخت فيه وحولته إلى أسطورة، وكان ما كان من كوارث الحرب. هكذا يتم اصطياد النكرات وتحويلهم إلى قادة والمخيف أن يتحولوا إلى قادة بلدان ومصائر! لكن هؤلاء النكرات الذين يتم رفعهم على رؤوس الباحثين والعلماء والفنانين والجمهور العامل، سرعان ما يتحولون إلى كوارث للانظمة، والنقاش على مستوى هتلر تحول إلى حمام دم هائل في العالم، وستالين القبضاي الجورجي صار يحكم نصف العالم، وصدام حسين القاتل المأجور حول العراق إلى مستنقع دم.. ويعرف الفردانيون كيف ينتهزون الفرص وكيف يمدحون الحكام ويطبلون ثم ينقلبون عليهم ويمدحون آخرين، والفردانيون يعجزون عن تطوير قدرات العقل والنقد لديهم. لأنها تحتاج إلى صبر طويل واخلاق عالية، وهم لديهم طموحات شخصية مريضة، ومن هنا تموت الثقافة الرفيعة والشخصيات العليا ويتحول المجتمع السياسي إلى سيرك تفوز فيه القوى التي تملك قدرات أكبر في التمويه والتزييف.
في زمن الستينيات واحتدام الصراع للأسف بين التيارات القومية والتقدمية حاول بعض المناضلين الوطنيين البحرينيين تشويه سمعة جبهة التحرير الوطني البحرينية، بأشكال كثيرة باعتبارها مجموعة من(العجم) الطارئين الذين تسللوا إلى البلد، وينفذون سياسة الفرس، أو أنها مطية من موسكو لضرب القومية العربية وانتشارها في منطقة الخليج العربي، وحينذاك لم يظهر المذهبيون الدينيون بأطروحاتهم اليمينية، مستخدمين اسم الإسلام دائماً للانتشار السياسي، حيث كانوا في الحياة العامة السياسية المختلفة دون موقف جهادي، ، فلم يشاركوا في معركة التحرر الوطني الضارية في الشوارع! وقد عرض القوميون الذين هم دائماً في علاقة مناكفة شرسة غير مبررة للتقدميين، حججهم السابقة الذكر على الرئيس جمال عبدالناصر الذي كان أمامه طلب لجبهة التحرير الوطني البحرينية بإقامة مكتب لها في الجمهورية العربية المتحدة وقتذاك، وقد تسابقت القوى القومية المتنوعة تطرح نفسها لهذا التمثيل لحركة التحرر في البحرين. لكن الرئيس جمال عبدالناصر أزاح حجة انتماء جبهة التحرير الوطني البحرينية لإيران، ولعبدالكريم قاسم، ولموسكو، وأعترف بها كأنشط المجموعات المناضلة الحقيقية ضد الاستعمار البريطاني في الخليج ولتحرر شعب البحرين منه! وبطبيعة الحال لم يأت اعتراف الرئيس جمال عبدالناصر بالجبهة من فراغ، وقد قال هو نفسه للجماعات القومية أن هذا التنظيم هو الذي نراه فاعلاً عبر هذه السنوات ولا نرى لكم نشاطاً حقيقياً مثمراً! في تلك السنوات التي تشكلُ فيها المنشوراتُ والمظاهرات والصمود في الشوارع وبدون تخريب مصباح واحد، أمضى الأسلحة الشعبية، كانت الجبهة مستمرةً رغم كل حملات الاعتقال والاضطهاد، وانفلاش التنظيمات الهلامية للجماعات القومية المختلفة، التي تقوم جبهة التحرير وقتذاك بتوجيه النصح لها بضرورة تغيير تكتيكاتها السياسية وعدم اللجؤ للفوضى والعنف وعدم تكوين التنظيمات الواسعة الفاضية، بل من الضروري الاعتماد على النوعية القليلة قوية الإرادة وواسعة الوعي! كانت التنظيمات القومية، وهي ذات فهم مثالي للقومية، تعتبر مثل هذه النصائح والانتقادات بمثابة إعلان حرب عليها، ولهذا وجهت كثيراً من طاقتها لمحاربة التقدميين في البحرين للأسف، بدلاً من أن تركز على الاستعمار. والآن صارت علاقتنا مع المذهبيين الدينيين هي نفس علاقتنا مع القوميين، الذين ورثوا عادات أولئك القوم السابقين وطرقهم في الأداء السياسي المتشنج، بكل أخطائها وأضافوا إليها الطائفية، فخسرنا الكثير على صعيد تفتيت شعبنا، وعلى صعيد عدم تراكم العقلانية السياسية. ولم يكن عبدالناصر غير قومي وغير إسلامي وغير عروبي، فقدم شهادته لتنظيم رآه يزاوج بين هذه القيم الكبرى للأمة وبين عملية التحرر الوطني بظروفها الدقيقة الخاصة بمنطقة الخليج العربي. فكانت شهادة موضوعية من زعيم عظيم! وقد بقي مكتب جبهة التحرير الوطني حتى أغلقه السادات في جملة سياسته! فالقضية ليست بالكم أو بالصراخ أو بدعم الدول الغنية بل هو بصواب الفكرة وعقلانيتها وطرق تنفيذها على الأرض، وعدم خلق خسائر مجانية للناس، وكان شعار الجبهة دائماً أقل الخسائر الممكنة وأكثر النجاحات السياسية! فنرجو قليلاً من الموضوعية وتذكر التاريخ يا سادة!
لم تعتد التيارات التقدمية على وجود تعددية فكرية داخلها، فكان شانها دائما وجود مركزية صارمة، تضع شؤون القيادة داخل مجموعة صغيرة ومن ثم في يد دكتاتور واحد، بحكم تنامي المركزية وسيطرة الزعيم على الاتباع. لكن هذا الأمر لم يعد مقبولاً لدى الوعي التقدمي، الذي انتقل من حالة الشمولية إلى حالة الديمقراطية، بسبب تعقد المسار السياسي الموضوعي، والحاجة فيه إلى رؤى عميقة، وليس فقط إلى إرادة الزعيم وإلى العفوية السياسية والشعارات العاطفية والتحليلات المبسطة الخ .. وتعقد الحالة السياسية بين الشمولية والديمقراطية ليس هو في الجماعة التقدمية بل هو كذلك في النظام السياسي الرسمي الذي لم يعرف بعد الرسو على ميناء الديمقراطية أو البقاء في الشمولية! بل إنها حالة مناطقية عالمية فالنظام السياسي الجديد العالمي شديد الاضطراب، والحديث عن الديمقراطية لم يستقر على كيان سياسي واضح المعالم يطبق بصرامة وبوضوح، وكذلك فإن هذا النظام يعبر عن سيطرة الرأسماليات الغربية واليابانية وليس عن مساواة حقيقية بين الأمم! وأساسُ التضاد والاضطراب يكمنُ في تداخل وصراع القوى الثلاث المناطقية، وعدم فرزها نظاماً مستقراً. فالقوى الحكومية والمحافظة الدينية، وقوى الرأسمالية الليبرالية، وقوى الشغيلة، لم تشكلْ نظاماً مستقراً ومقبولاً لدى الأطراف الثلاثة. إن هذا الصراع والتداخل سوف يستمر لأمد لا أحد يعرف مدى طوله الزمني، لأنه مرتبط بعوامل موضوعية وذاتية معقدة، مثل مدى توجه الرساميل لتغيير البُنى الاقتصادية المتخلفة، ومدى نزوع الأنظمة إلى إعادة تقسيم الثروة، وإعادة تنظيم قوى العمل لصالح العمالة المحلية والعربية، ومدى قبول القوى الاجتماعية لهذه الخريطة المتبدلة الخ.. ومن هنا فإن هذه القوى الثلاث المناطقية تشكلُ تياراتها داخل التجمعات السياسية المختلفة، وهي تتواجد بهذه المساحة أو تلك داخل (كل) القوى السياسية. أي أن القوى الحكومية والدينيين، وقوى الليبرالية، وقوى الشغيلة، موجودة في كل المجموعات السياسية، بهذا الحجم أو ذاك الذي يعكس علاقات القوى السياسية بالطبقات الرئيسية. وعلى مدى وجود هذه التأثيرات يتحدد برنامج هذا الفريق أو ذاك. فخطوط الطبقات هي خطوط موضوعية لا يستطيع التنظيم المرتبط بها أن يتجاوزها، لهذا فإن القوى الحكومية تترابط والقوى الدينية من حيث تعبيرهما عن محتوى اجتماعي وسياسي واحد عريض، رغم ما يبدو من تنافر شكلاني بين الجانبين. لكن الفريقين يعبران عن محتوى سياسي واحد، هو تعبيرهما عن القوى التقليدية في المجتمع. أي أنهما يعبران عن منظومة واحدة. فهذه ملكية سياسية وتلك ملكية دينية. والجانبان يتداخلان. وتركهما وحدهما يعني تفكيك البلد. ولهذا فإن التقدميين الذين يصرون على عدم وجود تأثير ملكي أو ديني داخلهم، يتجاوزن الواقع. فهناك نسبة معينة لهذا التأثير داخلهم، لعدم تفاعلهم مع هذه التأثيرات بطريقة تقدمية ديمقراطية. ومن هنا تتشكل مهام التقدميين تجاه الملكية بتطور حضورها السياسي الديمقراطي الدستوري، أي أن الأمر يتجه للتشديد على تطورها الديمقراطى الدستوري، إلى أقصى إمكانياته، بدلاً من التشديد الحاصل حالياً على وجودها فقط، وكان هذا الوجود هو خاتمة المطاف. وهو أمر سيندرج بعد ذلك في تنامي هذه العملية في دول الخليج، ولما يمكن اعتبار التجربة البحرينية نموذجاً يختزل لدى اخوتنا فى المنطقة فكرياً وسياسياً صراعاتهم وتضييع الوقت التاريخي والوصول إلى ما وصلت إليه التجربة البحرينية في مجالات عدة، وذلك لتماثل الظروف الموضوعية بدلاً من أن يخوضوا المشكلات نفسها. إن موقف التقدميين تجاه الكتلة السياسية – الاجتماعية الرئيسية في هذه الفترة وهي كتلة الحكوميين – الدينيين هي حزمة من الجوانب السياسية المتنوعة، عبر دفع الفريقين بالقبول بنظام اجتماعي موحد، وهي القضية المحورية لنضال التقدميين في المرحلة الراهنة. ولكن النظام الموحد أمامه عقبات ومهمات كبرى. ونحن ننظر أن الفريقين هما من نظام تقليدي واحد، وتعرقله مجموعةٌ من التقاليد والنظم المتخلفة، هي النظم المذهبية السياسية واحتكار السلطة والمرجعية المطلقة في كلا الجانبين، وعبر التخلى عن هذا الاحتكار بشكل تدريجي يمكن لنظام من التعايش أن ينشأ . لكن ذلك يرتبط بمهمات نضالية ملموسة وليس بدعاية مجردة، أي ينبغي الصراع في وجه الجانبين للتخلي عن ذلك الاحتكار! أن نضال التقدميين لتدعيم السلطة الملكية الدستورية يتوجه لتحولها إلى سلطة عامة وطنية، تمثل مجموع المواطنين وتتحول السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية إلى قوى الشعب تدريجياً وعبر الاتفاق والنمو لإرادة المجتمع وسلطاته. كما أن احتكار السلطة لدى المرجعية واحتكار فهم الإسلام لعقل ديني واحد أو ثنائي، فردي شخصي أو ثنائي مذهبي، من شأنه خلق دكتاتورية مذهبية تحل محل المرحلة السياسية التي تم تجاوزها. ولهذا فان نضال التقدميين من أجل ملكية دستورية متطورة، هو أيضاً نضال لديمقراطية الإسلام وفهمه. وهذا الأمر لا يمكن أن يتشكل بين عشية وضحاها بل عبر نضال ثقافي طويل أولاً، تقل فيه الجوانب السياسية المباشرة وتتعاظم فيه عمليات التنوير والتثقيف، لتعي القوى المحافظة أن نشاط الديمقراطيين والتقدميين ليس هو من أجل إزاحتها عن مسرح السلطة والسياسة؛ بقدر ما هو حلحلة وضع تقليدي جامد استمر طويلاً، ولا بد من التنازلات المشتركة والوصول إلى نظام سياسي جديد في المستقبل وهو لا يزال في علم الغيب، بالنسبة إلى إمكانيات المختلفين وإلى مدى الإصلاح الراهن وليس إلى التقدميين الذين يعرفون المدى التاريخي الممكن تنفيذه. وإذا كان ذلك كذلك، فلا يجب أن يضع التقدميون أنفسهم داخل هذه القوة السياسية الرئيسية الراهنة، بل على العكس أن يكونوا خارجها، من أجل حفزها على التطور لنظام مستقبلي أفضل، يتجاوز احتكار السلطة واحتكار الدين، ويشكل ثقافة ديمقراطية في مجالي تداول السلطة، وفي مجال ديمقراطية الإسلام. وإذا كان الحكوميون والمذهبيون يشكلون القوة المحافظة الرئيسية المهيمنة وطنياً وعربياً وإسلامياً، تعبيراً عن نظام تقليدي عاجز عن اللحاق بالمنظومة البشرية، بسبب خياراته الراهنة، فإن التجاوز الموضوعي لهما يكمن في تشكل نظام رأسمالي حر. وهنا تغدو الليبرالية هي حضور الفئات الوسطى ودورها التجاوزي للنظام المحافظ، لكنها عاجزة عن ذلك بحكم عوامل موضوعية تتعلق بضعف المؤسسات الصناعية الخاصة وعدم انتشارها وغياب علاقاتها بالمؤسسات العلمية. وبالتالي يغدو القطاع العام البيروقراطي هو العقبة لهذا النمو، مثلما تغدو المذهبية الشمولية عقبة لتطور العقل الإسلامي الديمقراطي الحديث، وعقبة لتطور الوحدة الوطنية في كل بلد عربي وإسلامي. وفي الجزيرة العربية والخليج هناك عوامل أكثر مضاعفة للتخلف بسبب غياب الطبقة العاملة المحلية الواسعة، وانتشار العمالة الأجنبية المتعددة اللغات. ولهذا فوجود رأسمال وطني واسع، وطبقات عاملة بحرينية وعربية وخليجية واسعة، لا يمكن أن يحدث دون السيطرة الديمقراطية على القطاع العام، وبالتالي السيطرة على تشكل عقل وطني وإسلامي عقلاني، عبر مصادر ثقافة وتعليم حرة. إن مساعدة الليبراليين والإسلاميين التنويريين والتيارات المتقاربة كافة مع الحداثة هي ضرورة موضوعية، لكن هؤلاء يسعون لتشكيل نظام راسمالي حر مطابق لمصالحهم الاقتصادية، التي ليس فيها اعتبار لوضع الشغيلة المواطنين، ومدى انتشارهم وسيطرتهم على سوق العمل. ولهذا إن التوجهات التقدمية تتفق في جوانب مع الليبراليين وتتناقض في جوانب أخرى، وتتفق مع مطالب قواعد الدينيين بانتشار العمالة المحلية. ولهذا لا يمكن للتقدميين أن يتطابقوا مع رؤية الليبراليين المفصلة على مصلحة فئات مالية وخدمية أكثر منها صناعية في الوقت الراهن. ولهذا فإن تعاون التقدميين يتوجه لتدعيم الجناح الصناعي من الفئات الوسطى بشكل خاص، عبر حماية هذا الرأسمال وتطوير محليته وتجذره الوطني عمالة وقيمة. وللفئات الوسطى الغنية برامج متعددة، وتطرح ليبرالية بلا أبعاد وطنية عميقة وبلا تجذر في تقاليد المنطقة وسيرورتها الخاصة، وتجلب موديلات أوروبية جاهزة وشكلانية غالباً . وهناك مثقفون يعملون في هذا الأفق غير أننا لنا أفق آخر. فليس كل طرح حكومي يغدو مقبولاً إلا إذا عبر عن مصلحة الشعب، وكذلك بالنسبة إلى الدينيين والليبراليين، فما يجسد معيار الموقف مدى قدرة هذه الأطروحات المختلفة على تغيير حياة العاملين والصناعيين والتجار الصغار الخ.. أي قدرتها على شق طريق لتعددية حقيقية وليست مظهرية. ونحن لدينا معيار مصلحة الطبقة العاملة البحرينية والعربية كمعيار أساسي لتقييم المواقف السياسية. فليس لدينا معيار ثقافي مجرد! هل يعبرالتقدميون عن طبقة معينة أم عن تحالف طبقي وهل يستطيع تنظيم أن يعبرعن كل الطبقات مثلما يحاول المذهبيون السياسيون والقوميون الحكوميون وغيرهم أن يفعلوا وفي النهاية لا يستطيعون سوى التعبير عن نظام تقليدي فات زمانه، عاجز عن ملاحقة العصر؟ ومن الواضح إن التنظيمات الحديثة لدينا تعبر عن الفئات الوسطى الصغيرة، في حين يعبر التقدميون عن هذه الفئات الوسطى وعن العمال كذلك، بل هم يعبرون عن المذهبيين وعن الحكوميين، لأنهم لم يقوموا يفرز بل ظهروا فجاة بلا تراكم نظري وسياسي! وإذ ينفي المذهبيون السياسيون الليبرالية والقومية والتقدمية، أي كل اتجاهات العصر الحديث طارحين نموذجاً ماضوياً تقليدياً لا يمكن ظهوره إلا عبر تحطيم المجتمع، إذ يعجزون عن فهم الإسلام كحركة توحيدية ويعجزون عن فهم الحداثة كذلك. ومن هنا فهم يضربون الفئات الوسطى التي يصعدون على أكتافها، في حين الاقتراب من التحررية الاجتماعية (الليبرالية) ومن القومية ومن التقدمية، هو الذي يطور الفئات الوسطى باقترابها من حليفها الطبيعي وهو العمال. إن دعم فصائل الديمقراطية الحديثة كافة من إسلاميين توحيديين نهضويين، ومن قوميين وليبراليين، هي من مهمات التقدميين، حين تقوم هذه التيارات بالاقتراب من مصالح الشعب. لكن التقدميين لا يمكن أن يكونوا ليبراليين او مذهبيين سياسيين، لأن الليبرالية تعبير عن مصالح الفئات الوسطى لنمو مشروع رأسمالها الخاص، وهو مشروع في صيغته الراهنة لا يستجيب حتى لمصالح ظهور رأسمالية حرة، لأن مثل هذه الرأسمالية الحرة في وعى التقدميين لها الشروط سابقة الذكر. لكن لا بأس من الحوار مع تجليات الليبرالية الحالية العاجزة عن تجذير ليبراليتها بحكم طبيعة رساميلها القادمة من الدولة، ومعيارها هنا مدى نزولها للنضال من أجل ديمقراطية القطاع العام وبحرنته! مثلما أن المذهبية السياسية مرفوضة لتعبيرها عن تقسيم الشعب والمسلمين. ومن هنا فأي تعاون ينبغي أن يكون موجها في مضمونه العميق لتجاوز هذه المذهبية الانقسامية وليس لتكريسها. اي لإنتاج وعي إسلامي تحديثى. ولهذا فظهور تيارات ومنابر لدى التقدميين ينبغي أن يكون من أجل تعميق الرؤية التقدمية في فهم الليبرالية والإسلام والقومية، وليس لخلق أحزاب عبر هذه المكونات. فلا بأس أن يقترب تقدميون من الليبرالية بشرط ألا يذوبوا فيها، لأن لدينا تجمعات ليبرالية عدة تعيش هي ذاتها انقسامات ومخاضاً فلا داعي لزيادتها. إن هذا كله يعتمد على مدى قدرة التقدميين على التطور الفكري والسياسي، أي تقديم دراسات فكرية وسياسية محلية، وتحليلات معمقة للاقتصاد والسياسة والتعليم والثقافة الخ .. تشكيل هنا منابر تعبر عن جهود التقدميين في تطوير الليبرالية، أي إنه موقف يميني، والمنبر الذي يعكس مصالح العمال، أي هو موقف اليسار، لأن الجماعة في الواقع لم تفرز من هو مع العمال ومن هو مع الفئات الوسطى ومشروعها. وكيف يقام التحالف بين الجانبين. وكلما حدث التعبير النظري والسياسي وعملية الفرز تقدمت عملية الوعي التقدمية.
ABDULLA KHALIFA
WRITER AND NOVELIST FROM BAHRAIN
♦ Abdulla Khalifa Al Buflasa (born March 1, 1948 in Gudaibiya, Manama, Bahrain – died October 21, 2014 in Manama, Bahrain) is a Bahraini left-wing novelist and columnist.
♦ Upbringing and Education: Albuflasa was born in 1948 in the Gudaibiya area of the Bahraini capital, Manama. He studied at the Teachers Institute.
♦ Career career: He worked as a teacher after graduating from the Teachers’ Institute.
♦ He joined the ranks of the National Liberation Front – Bahrain in the 1960s and became active in its ranks. He was arrested in 1975 and dismissed from his job and released from prison in 1981.
♦ He wrote short stories and novels since the late 1960s and has various contributions in literary criticism. He also works as a columnist for the Gulf News newspaper.
♦ Member of the Union of Arab Writers in Syria.
♦ Contributed to the conferences of the Arab Writers Union, and the first conference was in 1975 held the Algerian Republic and presented the search for the evolution of the short story in Bahrain I subscribe to it, and participated in the Conference of the Arab Writers ‘ Union in Tunis in 2002, research under the cursed n (The roots of violence in contemporary Arab life), He participated in a conference in the Arab Republic of Egypt in 2003, and a research under the title (Arab intellectual between freedom and tyranny). And many Arab literary conferences.
♦ Since 1981 he has worked in the social and cultural Press in the Bahrain and Gulf newspapers, and has been published in several Arab periodicals.
♦ He wrote articles and political and social studies on the history of Bahrain and the development of the short story.