كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
عاش قسمٌ كبيرٌ من الأدب الغربي في التحللِ الذاتي وليس في تحليل الوجود، وبانقسام الغرب بداية بين المعسكرين الرأسمالي الخاص والرأسمالي العام الشرقي كان هذا على حسابِ الطبقات المنتجة وأدبها النقدي والتقدمي الذي تضاءل في الجانبين. لهذا نجدُ مسرحَ اللامعقول والعبث شكلين من هذا التحلل. ولدينا مثال هام هنا هو مسرحيةُ صمويل بيكيت (في انتظار غودو).
يشكل بيكيت بطليه الأولين الطالعين من الفراغِ التاريخي الاجتماعي؛ فلاديمير واسترجون، في عالمٍ مجرد، يدفعُ بهما في غيابِ تضاريسِ المكان والزمان حيث نرى:
(طريق ريفية. شجرة – مساءً).
ربما كانت الطريقُ الريفيةُ أقرب الى مثل هذا المكان، لكنها خيال من إنتاج المؤلف المدني للدخول في عالم التجريد الفلسفي.
والشخصيات تبدو أقرب الى هذا العالم الريفي الشعبي، حيث الشخوص العامية (المشردة).
فالشخصيتان الأوليان لا تاريخَ وراءهما سوى ومضات عابرة، وحتى اللقاء المنتظر بشخص غودو يقعُ بذات الفراغ.
تصوير مجرد يدور حول الانتظار ولا حيثيات للمنتظرين ولا للرجل الواعد باللقاء، ويغدو اللقاء بهذه الشخصية كشكل ديني، كحلٍ سحري للمشكلات الواقعية الحياتية.
التشرد هنا انفلاتٌ من تضاريس الحداثةِ الغربية، فالشخصيتان خرجتا من عالم الحياة الحديثة: العمل، والأسرة، والطبقة، والانتماء الوطني، والانتماء الطبقي، والحمولة الثقافية.
هذا الخروج إطاحةٌ بالوجود الحضاري الطويل الذي لم يعد له قيمة لهذا المتشرد، للامنتمي والذي وراءه حضارة مهيمنة على العالم.
مرحلةٌ سياسية تمثل ضياع المثقفين في العالم وهي بين فترات الحروب العالمية والصراعات الاجتماعية وبين شكلين من الرأسمالية الغربية والشرقية، فقدا قدرتيهما على الاقتراب من أرواح مثقفي الأنسنة المرهفي الحسِّ مثل بيكيت والمثاليين الذاتيين فلسفياً.
لهذا فإن السخرية من الثقافة الدينية هي الومضات العابرة السريعة في المسرحية وكذلك السخرية من ثقافة التحديث الأخيرة.
فقر وجوع الشخصيتين الأوليين فلاديمير واسترجون تعبيرٌ عن كونهما من خارج السادة كذلك، فهما خارج الحضارة وخارج الغنى، وبحثهما عن غودو هو النداء الغامض للوصول الى شيء ما غير محدد وغير ممكن في هذا الفراغ الاجتماعي الذي يعيشانه.
ومن هنا يغدو حضور الشخصين الآخرين: بوزو ولاكي تحديدا لهما، وتوضيحا لبعض اللوحة الاجتماعية التي يمثلانها وتحريكا دراميا لجمودهما.
فبينما هما مجردان كلياً لكنهما صديقان حميمان، تعاونا في زمن سابق، ففلاديمير أنقذ استرجون من الغرق وعملا معاً.
في حين أن علاقة بوزو ولاكي علاقة مضادة كلياً، فحين يظهر بوزو يظهر وهو يسحبُ لاكي بحبلٍ طويل، ويحملُ الأخيرُ له أغراضَه ويقوم بخدمته، بشكل أكثر من عبدٍ من عبيد الماضي.
بين علاقةِ التجريد وبين علاقةِ التخصيص تتشكلُ حيويةَ المسرحية، كما يتشكل تناقضُ الوجود الاجتماعي العام المجرد.
فبوزو هو الحضور الاستغلالي المهيمن على الحياة، أما غودو فهو رمز للخير أو للمساعدة، فهو يظل حلماً.
بهذا التشخيص العام المجرد يتكون التجسيد الفني والمعنوي الضئيل.
بين التجريد الواسع يظهرُ التجسيم المحدود، فمظاهرُ الأكل لا يمكن أن تزول من الفلسفة المجردة المسرحية، فها هو بوزو يأكل دجاجةً وهي شيء لا يمكنُ تجريده، فيما كان فلاديمير واسترجون يأكلان خيارة وجزراً، وهو تعبيرٌ عن الطبقات بشكل ساخر.
(بوزو الذي يلتهم دجاجته التهاماً، يرمي العظامَ بعد مصها)، ص 59، (استرجون يلاحظ عظام الدجاجة الملقاة على الأرض فيحملق فيها بنهم)، ص 61 من نسخة المسرح العالمي، عدد 270، الكويت.
علاقةُ العبودية الفظة التي يقيمها بوزو تجاه لاكي تستثيرُ بعضَ الأسئلة النقدية الخافتة عند الشخصيتين الأخريين، لكنها استثارة محدودة ودهشة غبية، بل تنقلب بعد قليل إلى مساندة لبوزو في استبداده وتلاعبه بالكائن المربوط من رقبته والمسحوب عبر الأرض!
هي علاقات كاريكاتيرية مسرحياً وفكرياً، نشطتْ المسرحية المجردة الرتيبة ولكن الإنسان المتحلل المقارب للحيوان المتقزم يصعُب أن ينشرَ إضاءة.
المسرحية الشهيرة هي من ذات عالم أدب التحلل حيث تقطيع الزمن والشخوص والمواقف، وعدم حدوث تراكمات وتحولات في الشخصيات والأفكار، وبالتالي فإن تحليلَ الحياة وكشف تياراتها ينعدم، وهو أدبٌ ينتشر عبر دكتاتوريتين في الغرب الرأسمالي من خلال تضخمِ الذاتية وعبر سيطرة المال على النشر، وفي الشرق عبر هيمنة الحكومات، التي تقضمُ عمليات تحليل الحياة والواقع عبر تسييد الأدلجة والتسطيح الثقافي.
عالم عبدالله خليفة الإبداعي مقاربة نقدية تحليلية والضبط الببليوجرافي
لا يقرأون . . ويتعاظمون! : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
البناءُ التحتي القبلي العابرُ للتاريخ ــ كتب: عبدالله خليفة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
عبرتْ القبيلةُ عن الوحدة السكانية الصوانية للجماعات في ظل حياة الرعي. امتدت عبر ألوف السنين مؤكدةً أن الطبيعة الصحراوية هي الأساس، والثابت، بينما الأنهار والزراعة هي نقاطٌ صغيرة، تحيطُ بها الصحراءُ والقبائل.
البقاءُ شبهُ السرمدي للقبيلة جعلَ مبناها مهيمناً، متحركاً، غازياً، فاتحاً، قوقعته الصوانية لا تقبلُ دخول الكائناتِ لتصير لآلئ وأفكاراً جديدة، والمدينة عدوتُهُ وكنزه ومحطة ترحاله ولحظة تفسخه.
يحملُ إليها تماثليَّهُ وأوثانَهُ وقصائدَه فتُحضرُه، وتربطهُ بسلطتها، وتقودُهُ للغنائم والكنوز التي لا تبقى للجميع، بل لقواد القبيلة.
لا تستطيع المدينة عاصمةً بدوية أن تشيعَ الزراعة والحِرف في كل مكان، وأن تحجم الصحراء، وتسيطر على العلم، لأنها لا تحملُ مشروعاً ديمقراطياً في جوفها المنقسم أبداً بين قمةٍ وقاعدة، بين رؤوساء وجمهور يعودُ إلى صحرائهِ يؤسسُّ قبيلة جديدة.
تغدو القبيلةُ بناءً تحتياً جاهزاً عبر التاريخ في صحراء الشرق المترامية، تؤسسُ العبوديةَ المُعمَّمة حيث يغدو الفرعونُ (الملكُ باللغة المصرية القديمة) مالكاً أكبر للعبيد.
قوى الإنتاج هنا هم البشرُ العاملون، في طفولةِ التاريخ، ولكن تحولَ القبيلةِ الحرة لمجموعة عبيد جرى عبر ألوف السنين، وهم عبيدٌ غيرُ مسلسلين بقيود، بل تابعون لكيان فوقي يحركهم كموادٍ لبناءِ قبر هائل، أو ليُقتلوا في الحروب.
لكن القبيلةَ أقوى من ممالك العبودية التي بدت كأنها سرمدية من طول ما أناختْ على أعناق البشر، فخلقت الخلافة.
إمتدادُ الإلهِ على الأرض يُستبدلُ بخليفةِ الله في الأرض، والامتدادُ غير الخلافة، لأنها نتاجُ لحظةٍ ديمقراطية في القبيلة، حين لم تعد القمةُ نائيةً عن القاعدة، والملاكُ أخوة العبيد، ولكن القبيلةَ تضمرُ في كيانها الخلية الأساسية العتيقة، وتغدو تلك لحظةً نموذجية استثنائية، لأن القبيلةَ تقوم بالفتوح وتحوزُ الكنوز، وتنقسمُ ثانية بين القمةِ والقاعدة، وتنفي ماضيها العابرَ لتبقى في حاضرها الدائم المنقسم ككيان قرابي اجتماعي متناقض.
تؤسس المدينةَ الحضارية الدينية كقبيلةٍ مسيطرة، فتبقى القمةُ فيما تتحللُ القاعدة، القمةُ تستأثرُ بالخراج فيما تبحث القاعدةُ عن أعمال صغيرة تقتات بها.
ويزدادُ التناقضُ في المدينةِ القبلية الدينية كلما ضاع الخراجُ في البذخ والمنافع الخاصة، وكلما جاءت القبائلُ المستأجرة للخدمات العسكرية، وتفاقمت مشكلاتُ المعيشةِ والحروب وتكاليف الحياة، وكثيراً ما تغدو كثيراً القبائلُ المُستأجَرة عسكرياً لأن تكون حاكمة فعلياً، فيما تذوب قاعدة القبيلة المؤسسّة بين الأنقاض السكانية والمادية المتساقطة عبر القرون.
المدينةُ الدينية تصيرُ حاراتٍ وقرىً مذهبية، لكن الحارات والقرى تغدو هي الأخرى مساكن مخططةً قَبلياً، ومناطقَ قبائل للزحفِ الرعوي نحو مدن الثروات الضائعة في السراب، وكما تحملُ المدينةُ السياسية القبليةُ جرثومةَ القبيلة، فكذلك تكونُ القريةُ قبيلةً تعيشُ بين الحِرف والزراعة، تحكمها القرابةُ والمذهبيةُ والانقطاعُ عن حركة التاريخ.
البناءُ الرعوي القبلي المؤسسُ يستمرُ في نخر المتتالياتِ العمرانية، لهذا تغدو تناقضاتُ وصراعات المدنِ والقرى هي صراعاتُ القبائلِ في لحظاتٍ متعددة من تطور التاريخ الذي لا يتغيرُ جوهرياً، وصراعاتُ المذاهبِ هي صراعاتُ قرى تعيشُ ما قبل الحداثة، لم تستطع السوقُ أن تدمجها وتوحدها وتخلق منها شعباً.
حين تصير المدينة القبيلةُ أو القريةُ إمبراطوريةً تحكمُ أجزاءَ من العالم لا يتغير الجوهرُ القرابي الطائفي.
وقد تتصادم الإمبراطورياتُ الطائفية لتتحطم وتحترق في أتون التاريخ، لتعود من جديد مدناً صغيرة رثة، وقرى على حدود العالم لم تؤد تراكمات التاريخ الغني كله لتبديل كود الانصهار الذاتي في القبيلة.1
ملامح 5 لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
ملامح 4 لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
الرواية بالنسبة لي أهم جانب كتابي
عبدالله خليفة ــ حاورته: فاطمة المحسن كاتبه وروائية عراقية
✤ الكاتب والروائي عبدالله خليفة لك رصيد اللآلئ وكلماتك جمعت الرمل والياسمين كقرصان تدخل مدينة الحرف وتبعثر إبداعك في يوم قائظ تصدح فيه أغنية الماء والنار كامرأة يلفها الضباب أو هي سهرة لنشيد البحر حين يعانق الينابيع لتتركنا في دهشة الساحر بين هذا الإنتاج
ــ كيف تحدثنا عن تجربتك؟
❈ هي تجربة طويلة توجهت لجوانب عديدة من الكتابة ، سواء في مجال القصة القصيرة ، أو مجال الرواية ، أو مجال الدراسات الأدبية والفكرية .
وفي كل هذه الجوانب المنوعة اهتممت بالإنسان والحياة وفهمها ومشاركة القراء في هذه العملية وتطويرها على مدى السنوات الأربعين السابقة ، وعبر تطوير الأدوات حسب جهدي ونظرتي .
✤ هناك علاقة قوية جمعت الكتاب في جيلكم بالوطن حتى أصبحنا لا نميز السياسي من الكاتب ؟
❈ لا يوجد كتاب لا يشكلون علاقة بالوطن ، في كل الأجيال ، ولكن تتنوع هذه العلاقة بينهم حسب مواقفهم الفكرية ، فهناك كتاب تغدو علاقتهم بالوطن نفعية أو استثمارية وربما هامشية ، وقد يبدأون علاقة نضالية ثم تتبخر مواقفهم ، وتغدو (الأنا) هي التي تظهر كأنا مركزية مهيمنة وينكمش العالمُ من حولهم . وآخرون يظلون مكافحين ، فتغدو السياسة معياراً ووجهاً من وجوه العلاقة بالوطن والمواقف منه ،ولهذا تتنوع ارتباطات الكتاب بالسياسة والأحزاب . والكاتب الذي لا يشكل له موقفاً سياسياً يعني بأنه في حالة غموض اجتماعي .هناك كتاب مواقفهم مائعة لأنهم يقيمون علاقات متضادة بين القوى الاجتماعية ، و ثمة كتاب انحازوا للسلطة وآخرون للقوى الشعبية . فتعبر المواقف الفنية – الفكرية المتداخلة عن جذور ما مختلفة .
✤ أصبحت الثقافة تعني الوطن ، والوطن رديف الثقافة ، كيف تفسر هذا الوضع ؟
❈ الوطن كيانٌ مختلفٌ عن الثقافة ، فهو جسمٌ تاريخي ومادي واجتماعي ، بينما الثقافة هي شكلٌ من أشكال الوعي الإنساني ، ولهذا تكون لدينا ثقافات متعددة ، بعضها يكون تحليلاً وتجسيداً وسيرورة مع الوطن ، وبعضها مغترب عن الوطن ، وبعضها مستغل مستنزف للوطن ، وبعضها قادم من الخارج وطفيلي وبعضها قادم من الخارج وإنساني . . هي مسألة معقدة ومركبة وتحتاج لتحليلات معمقة في كل جانب!
✤ هل دور الكاتب والمبدع تعرية الواقع وتغييره ، وهل نستطيع أن نحدد وظيفة أو هدفاً معيناً وراء الكتابة الإبداعية ؟
❈ (الواقع ) كلمة كبيرة، ومسألة تغييره هذه تحتاج إلى حشود وجهود بشرية متنوعة وتاريخية، أي أن التغيير يتشكلُ عبر أجيال ومراحل، وبالتالي فإن الأدب النضالي يساهم في هذه العملية المركبة الطويلة تاريخياً، بقدرته على أكتشاف هذا الواقع ، واستثمار أدوات فنية متعددة وغنية، وكلما التحم الأدب بالعملية النضالية العامة للناس ، كلما كان أقدر على فهم الواقع ونقده، وخاصة وهو يتوجه لعقول ونفوس البشر ، ويشكل علاقة حميمة باقية معهم ، لأن أدباً كثيراً يكون له دور نقدي ما في مراحل يتساقطُ في مراحل أخرى، وثمة أدب لم يكن له دور في مراحل، يتصاعد دوره في مراحل جديدة، فالعلاقة بين الأدب والواقع والتغيير تخضع لمستويات مركبة من التداخل والتقاطع والتباين .
✤ يرى البعض أن هناك قوالب وأركاناً ثابتة للتعبير تحدد شكل الكتابة الأدبية لا يحق للمبدع أن يكسرها تحت دعوى الإبداع . ما رأيكم في هذا القول؟
❈ هناك أنواع أدبية كبرى كالنوع القصصي، والنوع الشعري ، والنوع الدرامي، وهذه الأنواع لها سمات وخصائص عامة، أكتسبتها عبر القرون، وطنياً وإنسانياً ، وبالتالي فإن المبدع في أي نوعٍ منها لا بد له أن يتجذر في سماتها ويتشرب روحها، وهناك عمليات درس وعلوم لذلك، لكن الإبداع من جهة أخرى لا يتوقف، والإضافاتُ تحدثُ بشكلٍ مستمر من خلال التجارب الأدبية المتنوعة، في كل هذه الأنواع، وتحدث تداخلات وعلائق مشتركة . فالقاص لا يستطيع أن يخرجَ من تشكيلِ الحدث والشخصية لأنهما جوهريان في هذا النوع ، لكن تأتي إضافاته في أسلوبه واختياراته للشخوص والأحداث وزوايا تشكيلها..
✤ هل يمتلك الكاتب العربي اليوم خصوصية في الكتابة بعيداً عن الموروث وتأثيرات الثقافة ؟
❈ الموروث هو جزءٌ من الكتابة ، فاللغة الأدبية كائنٌ تاريخي، وأي لفظ له سيرورة طويلة، وأي نوع له تجربته الخصوصية ، فالكاتب يقفُ عليها حين يبدأ، لكن خصوصية الكتابة عملية راجعة للكاتب نفسه، أي كيف يستفيد ويستثمر الموروث ويطوعه لعصره ولغته الخاصة به، وليس الأمر يتعلقُ بموروثهِ القومي فقط بل الأمر يتعداه للموروث الإنساني الواسع. .
فنحن ورثنا قصة معينة من القدماء لكن على ضوء العصر طوعناها شكلاً ومضموناً لعمليات جديدة .
ويظل التراث القومي معيناً لا ينضب للإبداع والتأثر والتجاوز، مثل الثقافة العالمية كذلك .
✤ للرواية اليوم أهمية جوهرية مؤثرة في زمننا الإبداعي حتى حتى أن البعضَ أطلق عليه زمن الرواية ، فما رأيك في الجيل الجديد والحامل لتصورات مغايرة في الكتابة والنقد الروائي ؟
❈ كلُ نوع أدبي يحملُ أهمية جوهرية ، فلا يوجد نوع مختص بدم أزرق . لقد كان النوع القصصي ذا قيمة كبيرة للبشرية دائماً ، ولكن ما حدث في العصر الحديث أن النوع القصصي تداخل مع وعي جديد ، وعي قراءة الحياة بشكل موضوعي ، فراح يتغلغلُ تحليلياً في مشكلات الإنسان ، عبر أساليب فنية كثيرة ، وعبر بنيته الفنية التي أتاحت له هذا التغلغل ، وهذا الجانب جعل الرواية تغدو شريكة فكر ومتعة ، كما أن النوع القصصي توسع بشكل هائل في الدراما التلفزيونية وفي الفيلم الخ.. وهذا كله جعل إنتاج الرواية يتعاظم بشكل لم يسبق له مثيل .
وحول الجيل الجديد وكتابته للرواية فقد سبق لي أن كتبت عن أعمال الجيل الجديد في مجلة (كلمات) وفي الصحافة العربية، وهو بحث عن الرواية في الجزيرة العربية ، وقد لاحظت أن بعض الشباب يتوجه نحو نسخ التجربة العربية في خارج الجزيرة، والبعض يتوجه للإثارة والكتابة عن موضوعات حساسة دون بناء محكم، والنادر من يتجه للحفر في الواقع وللتعب في صياغة المعمار الفني. لحسن الحظ بعض كتابنا الشباب البحريني صار يتوجه للحياة الشعبية ويغرفُ منها موضوعاته وهذا ما جعل مثل هذه النماذج النادرة للأسف تحقق عملية نمو للرواية المحلية خاصة لدى فريد رمضان وجمال الخياط .
الأول لجأ في روايته الأخيرة (السوافح.. ماء النعيم) إلى بذور البناء الملحمي، حيث نجد اتساع الشبكة الشخوصية التي تتراوح من العراق إلى البحرين، في نسيج متنامٍ يجمع هذه الشخصيات الشعبية ويكشفُ صراعاتها ونفسياتها المتضادة. فريد لديه الأسلوب الواقعي (المحفوظي) الذي يشكل بنية موضوعية وينميها في التضاريس الاجتماعية اليومية ، بينما جمال يتوجه نحو المنولوجات الداخلية للشخصيات ، ويطلق طاقتها على الذكرى والتأمل والصراع، فتأتي التضاريس من دواخل هذه الشخوص المتشظية .
بطبيعة الحال الكاتب يصنعُ بناءه عبر سنوات طويلة، فما لدى الشباب الآن بذور قابلة للنمو في اتجاهات شتى لأن الزمن الكتابي يضيف إليها .
✤ الرواية هي عالمٌ حافلٌ بالصراع والمتناقضات :
فكيف ننظر للسيرة الذاتية من هذا المنظور ؟ وهي التي تمثل مفردة من مفردات عديدة للرواية ؟
ــ وماذا أضافت السيرة للمنجز السردي للرواية ؟
ــ ولماذا يلجأ الكاتب لكتابة التاريخ الذاتي ؟
❈ هذه الأسئلة الفرعية كلها في الواقع تدور في سؤال واحد هو ما علاقة الرواية بالسيرة الشخصية ؟
لا يوجد روائي لا يجعل سيرته مصدراً أساسياً لأعماله الروائية. إننا نجد إن روائياً بحاراً يكتب روايات عن الحيتان وصيدها. نجد روائياً آخر عاش حياة طويلة من التشرد فتغدو العديد من رواياته مشاهد من الترحال ومعاناة أهل القاع. هناك روائيون آخرون يحجبون حيواتهم الشخصية لأنها عادية ليس فيها ما هو مثير روائياً .
فالسيرة مصدر للرواية لكنها ليست رواية، فهي مادة خام ، ومرتبطة بحيثيات الحياة المباشرة اليومية، في حين أن الرواية تنزع للارتفاع عن هذه المباشرة، لأنها غوص إلى الأعمق، ولكن الغوص يعتمد على الأدوات الفكرية – الفنية للكاتب المتداخلة ، فالبعض لا يستطيع أن يرتفع عن سيرته لأنه لا يمتلك قدرة تعميم فنية .
ثمة كتاب كبار نجد أن سيرهم لا تقل قيمة عن رواياتهم، مثلما فعل نيكوس كازانتزاكيس في (تقرير إلى غريكو )، فجمع بين قدرة روائية كبيرة و سيرة ذاتية نارية ، لأن نيكوس عاش حياة فكرية خصبة وتجربة اجتماعية ثرة (وطنية– صوفية)، فتبدو سيرته ورواياته مثل أساطير الإغريق مواطنيه. ويبدو لي هنا أن حياة الروائي غدت أكبر من رواياته التخيلية، فتغدو الحياة أكثر روعة وعمقاً من تلك، ربما بسبب طابع استثنائي فيها وامتلائها بالمغامرات والأحداث الجسام وبطريقة الكاتب الفذة في عرضها .
أما حين تكون حياة الروائي عادية مثل نجيب محفوظ فإنه لا يستطيع أن يكتبها إلا كظلال ونفحات كما فعل في (أصداء السيرة الذاتية).
✤ نهتم كثيراً بقراءة الرواية المترجمة، كما اهتم الغرب بقراءة الأدب العربي القديم ((ألف ليلة وليلة مثلاً))
ــ هل يقرأ الغرب النتاج الأدبي الحالي؟ وهل هناك معوقات لوصول الأدب العربي للغرب؟
❈ إن الغرب يقرأ بعض الأعمال العربية المشهورة وبالتالي لا يستطيع قراءة الرواية العربية الواسعة الضخمة. وهي عادة تــُترجم لعلاقات خاصة أو لدور البلد وأهميته في المنطقة، أي هي نتاج عوامل سياسية غالباً ، لكن الغربلة الفنية تستغرقُ قروناً، وهذا ما حدث حتى للرواية الغربية نفسها في بلدانها ، فلكي تصبح رواية (دون كيشوت) مَعلمَاً روائياً ريادياً احتاجت إلى ثلاثة قرون .
وغالباً ما تأخذ العوامل الثانوية دورها في الاتصال الثقافي بين الأمم، فنجد بعض الروايات تــُترجم بكثرة، نظراً لعدم إطلاع المترجمين على حشود الروايات العربية، أو لأنها تتكلم عن الغرب، ولا يحدث حتى في النقد العربي ذلك التمييز العميق، والنقاد والمترجمون مهتمون بعوامل الوطنية والصداقة والحزبية وغيرها من العوامل الجانبية في الأدب، ولكن الزمن ينفي ويغربل هذه العوامل، وتتوجه عمليات الأصطفاء التاريخي إلى ترشيح أعمال بعينها وتصعدُها عبر الأجيال .
نجد (والتر سكوت) الروائي البريطاني لم تكن روايته التاريخية تمثل في نظر معاصريه سوى مغامرات فجة ، لكن النقاد الكبار وجدوا فيها بعد حقبة طويلة أنها ذات سمات إبداعية عبقرية ! ( راجعي بهذا الصدد كتاب الرواية التاريخية لجورج لوكاش ) .
✤ ما تصورك الشخصي لكتابة الرواية اليوم ؟
❈ غدت الرواية بالنسبة لي أهم جانب كتابي، فهي تعيشُ في البؤرة، وحتى كتابة الأبحاث كانت غالباً للبحث عن جوانب جديدة تحفرُ في الرواية، فقد أردتُ أن أكتبَ روايات عن التاريخ العربي قبل عقد فرحتُ أدرس جوانب من التراث، جعلتني أصنع كتاباً حولها. وحين أنهيت هذا الكتاب المؤلف من أربعة أجزاء توجهت ثانية لتلك الروايات التاريخية ولكن الفرق كبير بين تخطيطات ما قبل الدراسة وما بعدها، فقد وقفتُ على قواعد من فهم موضوعي للأجواء الروائية، فكتبتُ بعدها عن الشهداء الكبار في الإسلام والذين يمثل عصرهم أكثر العصور دراماتيكية ، وعصر الانتقال من الحلم الجماعي إلى التفكك والمآسي ..
هكذا تغدو الرواية مدار الحياة الكتابية . .
✤ ماذا يعني لك كل :
- اليوم العالمي للشعر ؟
- تكريم أسرة الأدباء كل عام بعض أعضائها.
- تكريمك هذا العام.
- نتاج جيل الشباب في الأسرة
- القصة والرواية في البحرين
- لجؤك إلى الكتابة الفلسفية
كلمة أخيرة توجه إلى أسرة الأدباء والكتاب .
❈ – اليوم العالمي للشعر هو تذكير بالجمال والفتنة والدهشة في زمن مضاد، يحاول تكريس القبح ، وهو نوع من المقاومة المتوهجة. .
هو احتفاء بالنتاج وليس اهتماماً شخصياً، لأن ما يهمنا هو تكريس البناء الثقافي الفاعل والمغير للحياة، ويغدو الاحتفاء بالنتاج خلق مشاركة جماهيرية وعمليات نقد وتحليل، وما يمكن أن يثري الحياة الأدبية عامة.
كما قلت لكِ هي عملية اهتمام بالإنتاج الوطني وترسيخه ودعوة المنتجين الثقافيين للمزيد من العمل .
نتاج جيل الشباب هو أعمال جديدة وبحث مختلف في زمن مختلف ، والخوف أن يكرر هذا الجيل الأشكال الخارجية للجيل السابق بدلاً من أن يبحث عن صوته الخاص ، ويحفر في واقعه الذي اختلف عن واقع الأجيال الماضية .
القصة والرواية في البحرين في حالة إنتاج مستمرة ، وثمة نقلة نوعية فيها عن بلدان المنطقة الأخرى ، لأن قضايانا وصراعاتنا أكثر تبلوراً، وغدت عملية إصدار الرواية تتم على مستوى جيلين بل ربما ثلاثة ، مما يعبر عن تجاوز الرواية مرحلة التقطع والندرة وعدم وضوح السمات .
هي كما قلتُ لك هي عملية حفر في جذور الواقع والثقافة ، وهذه ربما حتى تؤدي بالنقد للفلسفة كما اهتممت في كتابي الأخير (نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية) بجوانب الوعي الفلسفي لدى الروائي الراحل، دون أن تتحول الدراسة إلى بحث في المقولات فنحن كروائيين نركز على إبداع الصورة أكثر من البحث في المفاهيم المجردة.
ـــــــــــ
فاطمة المحسن هي كاتبة وناقدة عراقية. كانت عضوة في الحزب الشيوعي العراقي، وعملت محررة بجريدة طريق الشعب التابعة للحزب، واعتقلت أثناء حملات اضطهاد الشيوعيين في عهد صدام حسين، ثم هربت إلى إيران ثم أقامت في لبنان وسوري…
الثورةُ السوريةُ.. بطولةُ شعبٍ: كتب ـ عبدالله خليفة
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
الموت في فينيسيا : توماس مان كتب : عبدالله خليفة
مسارات ـ حمدة خميس كتب : عبدالله خليفة
ويطول اليوم أكثر من قرن :جنكيز ايتماتوف ـ كتب : عبدالله خليفة
«الهولة» بين الإنجازات وعذابات التجنيس: كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
عدم فهم قوانين النضال : كتب ـ عبدالله خليفة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
لماذا استطاعت النبوة ورموزها التحويلية وصلاح الدين الأيوبي تحقيق انتصارات وتحرير المنطقة؟
لماذا فشلت الحركات المذهبية والقومية والماركسية في صنع التحرير؟
ولماذا نجحت النبوة ورموزها وصلاح الدين الأيوبي؟
لقدرتها على فهم التناقض الرئيسي وتجنب الدخول في صراعات ثانوية.
كان الإسلام التأسيسي قد طرح الوحدة ورفض الدخول في صراعات مع ملأ قريش، وحين هـُزم ملأ قريش عبر سلاح التوحيد، تـُرك هذا الملأ في أعماله التجارية والاجتماعية واستفاد منها لتطوير عملية التحرير للبلاد العربية من الاحتلالات المختلفة.
ولماذا كان صلاح الدين أذكى من التنظيمات القومية واليسارية على بعده الكبير عن العصر الحديث وإمكانيته المعرفية والصناعية؟
لحدسه السياسي المرهف بموقع التناقض الرئيسي، الذي يجب أن توجه كل القدرات السكانية والحربية ضده، أي بتوجيه القوى العربية الإسلامية ضد العدو المحتل لفلسطين.
تجميعُ كل القوى وتوحيد الصفوف واستثمار كل الإمكانات القليلة المحدودة في الصفوف العربية المختلفة، وتشكيل حربة منها ضد الغزاة هو سر الإسلام وموجات التحرر الوطنية التي أحدثت نقلة وليس تمزقات وحروباً داخلية وأهلية استنزفت الأجساد والعقول والموارد.
وحتى بعد انتهاء عملية الاستقلال الشكلية المعاصرة فإن الاستعمار لم ينته، والصهيونية ظلت تعربد في الأرض والسماء، فمن الذي ساعدهما بشكل مباشر وغير مباشر؟
أليست هي السياسات العربية المزايدة والتقسيمية؟
لماذا استطاع أولئك البسطاء السلف من الاقتراب من جوهر العملية السياسية المركبة بأدوات وعيهم في زمن شديد التخلف؟
كان التوحيد في بؤرة نشاطهم وتجميع كل الطاقات الممكنة، ومصالح الأغلبية في برنامجهم غير المسيس بالطريقة العصرية، لكنها متوارية تحت الكلمات الدينية البسيطة، وفيما بعد حين تشكلت الطوائف بسبب صراعات اجتماعية وقومية لم تـُفهم ولم تـُؤخذ بعين الاعتبار لدى الأجيال التالية من العرب والمسلمين، فكان الارتكاز على الأغلبية الطوائفية القادرة على إيجاد أكبر توحد في الصفوف العربية الإسلامية المواجهة للحملات الصليبية والاستعمارية فيما بعد.
وفي زمن العلمانية والديمقراطية والعقلانية التي تجلت في قوى الأحزاب النهضوية المستندة كذلك إلى قوى الطوائف المؤيدة لعمليات التحرر حدثت الثورات الوطنية التوحيدية، وتحررت الدول العربية والإسلامية.
لم تكن سمات الحداثة تلك سوى محاولة لعدم بعث الصراعات المذهبية والدينية على حساب التوحد، فالعملية السياسية التحررية وكذلك التنموية تتطلب أكبر رقعة سكانية متآزرة، وهذا لا يمنع الاختلاف الاجتماعي، اختلاف المصالح بين المجموعات الاجتماعية المختلفة، ومراعاة مصالح الأغلبية، والتوفيق بين مطالب التنمية ومطالب الجمهور العريض بالعمل والسكن والتعليم، ولا يمنع أن تكون لها مذاهبها وأديانها الخاصة المقدرة.
لكن الصراعات الاجتماعية لا تكون على حساب مواجهة التناقض الرئيسي، ولا تكون تفجيراً للصفوف الداخلية، على حساب السكوت عن الغزو الخارجي.
لكن الجماعات السياسية التي نشأت بقوة مؤخراً غرقت في تفجير الصراعات الداخلية، ثم تفاجأ في كل لحظة انعطافية بأنها خارج التاريخ، وعاجزة عن رد أي غزو، لأنها كانت مشغولة بسياسات التفريق لا بسياسات التوحيد.
إن منزلقات الصراعات القومية والدينية نفسها التي شلت القوى العربية خلال قرون تستعاد.
من هنا ينبغي أن تبحث مؤتمرات القمة العربية والإسلامية هذه المسائل المحورية، وتتبنى أجندة المعاصرة السياسية الراهنة، لتوحيد العرب والمسلمين على ثوابت النضال العامة.
العلمانيون وتوحيد المسلمين: كتب ـ عبدالله خليفة
العلمانية كتجديد إسلامي: كتب ـ عبدالله خليفة
مسئولية المثقف: كتب ـ عبدالله خليفة
النقدُ الذاتي وليس المراوغة: كتب ـ عبدالله خليفة
التاريخ بين حوارين : كتب ـ عبدالله خليفة
لسانُ الشاعرِ المقطوع : كتب ـ عبدالله خليفة
الأبطال والفرح: كتب ~ عبدالله خليفة
رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة
مسلسلات رمضان : كتب ـ عبدالله خليفة
إعادة تقييم التجربة السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
أسباب تدهور وعينا : كتب ـ عبدالله خليفة
الأم والكتاكيت السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
الثورة والكهنوت: كتب ـ عبدالله خليفة
دولة «الحشاشين»: كتب ـ عبدالله خليفة
المتقدمون وغزو الفضاء: كتب ـ عبدالله خليفة
إصلاح أم ضياع : كتب ـ عبدالله خليفة
التقدميون يتغيرون: كتب ـ عبدالله خليفة
مناضلون بلا قواعد: كتب ـ عبدالله خليفة
توسع الفلسطينيين الإنساني : كتب ـ عبدالله خليفة
فلسطين: الأديان والطبقات : كتب ـ عبدالله خليفة
أمدنيةٌ أم علمانيةٌ؟ : كتب ـ عبدالله خليفة
أية ديمقراطية مرجوة؟! : كتب ـ عبدالله خليفة
النقد وتبعيته المزدوجة : كتب ـ عبدالله خليفة
الفردية والفردانية : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
لا توجد أنظمة فكرية : كتب ـ عبدالله خليفة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
لم توجد أنظمة بوذية ولا مسيحية ولا إسلامية ولا اشتراكية وشيوعية.
وخاصة في زمننا الراهن فإن كل الدول تتجه إلى أشكال من الرأسمالية، أي أن المصالح الخاصة، وسيطرة كبار الأغنياء، هي ملامح العصر الحديث خاصة.
كان في الأديان محاولة لتجنب بعض الأنظمة التي كانت ضرورية، بمعنى أنها كانت حتمية وجزءا من الضرورات الموضوعية للتطور، مثلما حاولت المسيحية أن تكون بديلاً عن العبودية بتكوين مجتمع أبوي.
ومثلما كان حال الإسلام بمحاولة التخفيف من العبودية وتجنب سبيل الإقطاع، من دون أن يحدث ذلك، وأسباب هذا تعود كذلك للظروف الموضوعية، لجذور التاريخ، وسيطرة الدول والأسر على الملكيات العامة.
وكان الطريق الاشتراكي في الشرق هو سيطرة الدول الشمولية على الاقتصاد ليتضح في النهاية بعد ضباب كثيف من الدعاية بروز الرأسماليات الحكومية المتنفذة وطبقاتها السفلى من المافيا.
مثلها مثل الطريق القومي العربي للاشتراكية أو للوحدة والحرية والاشتراكية، ومثلها مثل الطريق الإسلامي، كلها دعوات شمولية استبدادية للسيطرة على الجمهور الفقير خاصة واستخدامه في عمليات سياسية لكي تصعد عائلات خاصة وقيادات سياسية متحكمة.
إن الضحية هو الجمهور الذي ينزلق في صراعات مموهة بلافتات وشعارات وهو الذي يخسر خاصة في عمليات سياسية تتسم بالعنف.
كان الطريق الصحيح للجمهور في العصر الحديث هو أن يتمسك بمصالحه المباشرة، بتأسيس نقاباته وجماعاته التعاونية ودعم العمليات الديمقراطية والتصويت للمرشحين الأقرب إلى مصالحه، والذين يخدمون رزقه وحريته.
لا توجد دولة العائلة والقبيلة والحزب والوطن الواحد والأسرة الواحدة، ودولة المقاومة، ودولة التحرير، توجد دول كبار الأغنياء المسيطرين في كل الدول!
القوى الاجتماعية تعملُ لمصالحها كلٌ في مستواه، وكلُ سمكةٍ لها بحرها الخاص، والطبقات الشعبية الفقيرة المعوزة المحتاجة لكل بنت وولد، ولكل قرش، ما أكثر ما خـُدعت عبر المذهب والدين والقومية والاشتراكية!
كان يطلب منها دائماً التضحيات من مختلف الأنواع، وهي تضحي، ولكن الطالبين يتوجهون لمصالحهم الخاصة، والارتفاع في سلم العيش، ويرسلون أبناءهم لأحسن الجامعات، في حين أن أولاد الفقراء يذهبون للمحارق القومية والدينية!
هذه الأفكار تعلمتها الجماهير العربية في السنوات الأخيرة، ولم تعد تعبأ بالشعارات والمظاهرات، رغم تعاطفها مع المظلومين والمقموعين وضحايا الحروب والاضطهاد، فأي رد على عدوان يأتي بالعمل، وزعماء الدول لا يريدون التضحيات، بل يحملها بعضُهم لبعض المناطق ولبعض المبتلين بقيادات التعصب والرعونة.
لم تمت مشاعر الجمهور القومية والإنسانية والدينية، لكن كذبة الشعارات ومشروعات الأنظمة للمزيد من الاحتفاظ بالسلطات والمتاجرة بالشعارات الدينية والقومية، لم تعد تخدع إلا بعض الشباب قليلي التجرية والمتحمسين من دون تبصر.
لكن الجمهور بدأ يدرك ما هو العمل النقابي، وما هي الإضرابات العقلانية المفيدة، وما هي أهمية المشاركة في الحفاظ على البيئة والصراع ضد التلوث والاستغلال والتسلط على الملكية العامة، فالناس تريد نتائج مباشرة على ظروفها.
والذين يقولون إن صناديق الانتخاب والاقتراع ليس لها فائدة فالجمهور يتبع قياداته، وهذا صحيح ويمكن أن يدوم لسنوات، لكن الجمهور يتعلم مبادئ الديمقراطية التي أخذت عدة قرون في الغرب وبعض الشرق الآن، وهو بلا كوادر موضوعية أمينة تعلمه ما هو الصح وما هو الخطأ، ليست عنده قيادات تذهب لمجالسه وأزقته والشركات التي يعمل فيها لتقول له ما هي فائدة صوته الواحد لقضية تطور عياله!
نفس القوى المهيمنة طوال التاريخ لا تزال تحكم التاريخ، تجند الناس والأميين من أجل مصالحها، تطلق شعارات عامة دينية وقومية غامضة مجردة، لكي تؤجج العاطفة وتعمي العقل، لكي تظل الكراسي لأصحاب الكراسي!
يقولون له إننا نعمل من أجل (النظام الإسلامي)، وهو لا يعرف ما هو النظام الإسلامي، فقد عاش على الشعارات المؤججة لهذا الهدف الغامض، وهو لا يعرف أنهم يقصدون صعودهم السياسي من خلال صوته، فهم المعبرون عن فئات وسطى غنية، ولا يعرفون ما هي ظروف المصنع الصعبة التي يعيش فيها هو، وضنك العيش في منزله المؤجر أو المُباع بأثمان عالية أكثر من قيمته بثلاث أو أربع مرات من قبل (شركة) الإسكان الحكومية أو من الشركات الخاصة، ولم يعانوا في شقق الازدحام والفقر والملابس المعصورة الرطبة على البلكونات، وماذا يعني تدفق العمالة المهاجرة على أجوره وضعف فرص أولاده وبناته، وتكمل الأجهزة الحكومية من جهة أخرى هذا الغموض السياسي، بأن تصبح مطالب الفقراء في عالم الغيب، تذوبها الماكينة المفتتة للمطالب إلى ذرات، ويبتلعها النسيانُ وتـُلغى بدعوى الميزانية والأزمة المالية التي أثرت على الدخل الوطني، كما تقول في خطاب، في حين انها تقول في خطاب آخر إن الاقتصاد الوطني راسخ ومتين!
الإنسان الفقير ينتقل من المؤسسة الدينية ويسمع كلاماً حماسياً ويعتقد ان ذلك سوف يجري في السياسة والبرلمان، وأن هؤلاء أصحاب ذمة، وأنه سوف يعود لبيته فيراه قد تغير، وأن فرصاً جيدة لتعليم ابنائه سوف تظهر، وسوف يصبحون مهندسين وتقنيين، لكنه بعد فترة يجدهم في الشوارع عاطلين، أو متسكعين أو فوضويين!
ولهذا يحتاج الإنسان الفقير غير المعبر سياسياً إلى أناس يعملون من أجل مصلحته، ولهذا عليه أن يحاسب نائبه، ويحضر ندواته، ويسمع ما يقول ولماذا عجز عن تحسين معاشه وظروفه، وأن يبحث عن نائب أفضل في المرة القادمة ويراقبه كذلك، وأن يشارك في النقابات من أجل تغيير أجوره، ويسأل هذه النقابات الصامتة عن هذا السكوت المريب لتغيير أجوره، ويحاسبها ويطالب بتغيير مثل هذه الإدارات العاجزة ولا يهمه اللافتات التي ترفعها بل يهمه ما تقوم به عملياً، أما شيخ الدين فهو لفهم مذهبه وحسن تطبيقه والمشاركة في العبادات العامة.
إذا كان النواب أو رؤساء النقابات والبلديات والجمعيات التعاونية لا ينفذون عمليات تغيير وضعه، وهم الذين تصدوا له، فيجب أن يغيرهم، وأن يرتقي هو نفسه للمشاركة والحضور والمتابعة.
فلنضع جانباً الشعارات العامة والكلام عن القومية والدين والإنسانية في القضايا المعيشية المباشرة، وفي العمل السياسي المتوجه للبرلمان والنقابات، فالكلام الدعائي لا يغني ولا يسمن الأطفال، بل نريد أفعالاً.
انحطاط الغناء.. انحطاط السياسة : كتب ـ عبدالله خليفة
محمد باقر الصدر: كتب ـ عبدالله خليفة
الفلسفة الغربية والنهضة العربية : كتب ـ عبدالله خليفة
وحدة فكر النهضة : كتب ـ عبدالله خليفة
(الطفولية) والنضال المعاصر : كتب ـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
الدينيون واللادينيون : كتب ـ عبدالله خليفة
عبدالرحمن رفيع : كتب ــ عبدالله خليفة
مراحل تطور (البرجوازيات) العربية ــ كتب : عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
الجنة والملكية العامة : كتب ـ عبدالله خليفة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
تشيرُ قصة الجنة إلى الملكية العامة التي ظهرتْ في الشرق في الأزمنةِ القديمة المغلفةِ بالغموض والاستبداد، وقد كانت جنة زراعية، حيث لم تستطعْ الحرفُ والصناعاتُ أن تظهرَ على مسرح التاريخ بشكلٍ مؤثرٍ في مجالِ الوعي والتخييلِ القصصي الناسج للتاريخ ومصائر البشر وقتذاك.
هي ترميزٌ للملكيةِ العامة وما حولها من قوى سياسية مؤثرة، ولأنها ملكية عامة مخصصة للكادحين من البشر الذين زرعوها وسقوها ونظموها، فقد كانت لهم، مخصصة لعيشِهم وحاجاتهم، لم يكن أحدٌ ينازعهم فيها.
في مستوى المادة الواقعية اليومية وقتذاك، كان البستان والمزرعة والحقل هي السائدة من الإنتاج، وهي التي تنشىءُ القصورَ والبيوتَ والامبراطوريات الحاكمة، والتي تسعى لها هذه في ختام الصراعات والحروب.
أما نقيضها (جهنم) فهي الصورة المضادة، المُنتزعة مما كان يجرى من حرق للأشياء الفاسدة المُلقاة من مدينة القدس، وحين تـُحرق تلك الأشياء يكون لها تأثير وأدخنة، وصور في أذهان البشر، عما يجب تطهيره في نفوسهم، وعن الأوبئة والشخصيات الشريرة التي يجب تعذيبها مثلما يجرى للمادة الفاسدة في المدينة حتى تتطهر وتكون أنظف وأنقى.
كانت صورُ الثعبان والحية والشيطان المتسلل للجنة على مستوى التعبير الفني، هي مجموعة من الرموز المتعددة، ومن أهم معانيها قوة الثقافة وقدرتها على إيجاد التحول والتحدي للسلطاتِ المسيطرة على الثروة العامة، سواءً كانت هذه الثروة أشجاراً مولدة للخير والطعام، أو قوى فكرية عامة يغدو فهمها وتفسيرها مادة جديدة للتحول في المجتمع والتاريخ.
هي قوة التحدي وهي تدخلُ في الملكية العامة المُسيطر عليها، فتكشفُ العري الاجتماعي والفساد، وهي محاولة الكادحين للاقتراب من السلطة المسيطرة، وتحديهم لها ومماثلتهم لمكانتها الرفيعة.
إن الكادحين ويمثلهم آدم وحواء هم من مادة الطين والأرض، هم سلالة العاملين، الأرضيين، الذين عاشوا في فترة من التوحد في الجنة، حين كانت لهم، حين كانت جزءًا من ثمار عملهم، وفجأة من دون أن يعلموا لماذا وكيف تصيرُ غريبة عنهم، مضادة لوجودهم، ملغية لرفعتهم نازلة بهم إلى أسفل سافلين؟
وفي كل ملكية عامة سواء كانت بستاناً أو شركات عامة نفطية أو فوسفاتية أو اتصالية، تغدو باسم الكادحين، ومن أجلهم، ولرفعة وتقدم الوطن، ثم تغدو للملاك الخاصين، ويُطرد العاملون منها، بالفصل، أو بالبقاء الرمزي.
الذي يحولُ الوضعَ في الجنة من النعيم إلى البؤس هو الأفكار، هو عملية الاكتشاف، هو قوة تحدي الفقراء للمُلاك ومحاولتهم أن يفهموا ويكشفوا العري الاجتماعي، وألا يكونوا هامشيين أو أن يتم إلغاؤهم بطردٍ وفصلٍ وتغييبٍ عن تاريخ الإنتاج، فهم صناع الجنة لكن تمت إزالة ملكيتهم لها.
إن الأفكارَ بكلِ رموزها من تكوينِ قصص وأشعار وأبحاث هي شجرة الخلود، بما تضفيه على الإنسانية من خير وتقدم، وقد تم تخصيصها في عُرف مُلاك البستان الاستغلاليين لهم من دون غيرهم، وألا يتم الاقتراب منها، وألا يأخذ البشر العاملون الفانون الهامشيون من نورِها وثمارِها، لكي يظلوا فانين وعابرين غير خالدين غير ملتحقين بالعظمة.
المعرفة تعطيهم الخلودَ والبقاء، واستمرارهم في الجهل يبقيهم في التاريخ العابر، والطينُ يبقى طيناً، والجهلة لا يقبسون من الحكمة والمعرفة، ويستمرون جماداً.
تحولهم للألوهية، أي للخلود، يفترض صعودهم للمعرفة، وصناعتهم للتحدي، ولجعلهم البستان ملكية عامة حقيقية، وهذا يرفعهم من مادة الطين، من كونهم مجرد أدوات، ومن كونهم أشياء في صناعة البستان، إلى كونهم مالكين، وإلى كونهم نوراً، وصيرورتهم بشراً من رفعة وسمو وليس فقط وجوداً غائباً متخدراً.
لكن في التاريخ القديم ليس ثمة إمكانية لكي يظل آدم وحواء مالكين لبستانهما، وهما رمزا البشر العاملة، العادية، المتعددة المستويات بين ذكور وإناث، فيسقطان في حركة التاريخ الحقيقية من الملكية إلى البستان، إلى العمل الأبدي فيه، ويترنحان من القمة للسفح، ويعانيان كل المعاناة في العمل المرير والعيش والولادة والبناء.
في وجودهما على أرض ما بعد الجنة، ما بعد الملكية العامة، بداية لتاريخ العمل القسري الكريه وهيمنة الاستغلال وظهور الحكومات وأدوات القمع وكل تاريخ الاضطهاد.
ليس تاريخ الجنة تاريخا خياليا بل هو عصارة لتاريخ البشرية في زمن الملكية العامة، وصدى تصويري ترميزي له، ثم يُستعاد كحلم، ويوظف في الأمثولات والحكايات والقصص الدينية والأنظمة السياسية والنظرات الذكورية الاضطهادية لجنس النساء، ولأفكار الخلود والعقاب والتطوير الأخلاقي للبشر.
انتظر (بحماس) صواريخ إيران على إسرائيل
قراءة في تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة
الدكتور إبراهيم غلوم .. ورؤية خاصة وغريبة عن التجريب المسرحي
أين صواريخ ‹‹حزب الله›› على إسرائيل؟!
إضاءة لذاكرة البحرين
العنفُ مبررٌ ضد الصهيونية
اليهودُ من التراث إلى الواقع
اليهودية كدكتاتورية شرقية
هتلر يحكم إسرائيل
غزة وحماس
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
وعي مرهف بالوحدة : كتب ـ عبدالله خليفة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
مهما اعتمد المذهبيون السياسيون على الجحافل ومهما جاءت من الأرض أو من الفضاء، من الواقع أو من السحر، فإنهم لن يغيروا بوصة من الواقع.
في زمن التدفق الثوري أو المحافظ ومهما جاء من عواصم متعددة، فهو مرهون بزمن النفط، ودخول الحكومات السياسية الشمولية، التي تتراجع في تمثيلها للجمهور أو في تحصيها لفواتير البترول. في زمن الصعود كانت العواطف المتأججة التي تحلم بالتغيير الكاسح، وتستند إلى معرفةٍ مبسطة بالحياة، وهذا كان مثل الموجات السابقة الدينية المحافظة والليبرالية المستوردة، والشيوعية، والقومية والبعث، تنشأ من قوة مركز سواءً كان في موسكو أو القاهرة أو بغداد أو دمشق، ثم يدخل المركزُ في أزمةِ الصرف المالي، كما هو الحال الآن في مراكز الصرف البترولي. والصرف المالي هو القضية الكبيرة فانتبهوا. وكانت البحرين الأولى الكبرى تمتدُ من البصرة حتى عُمان، ولو كانت الآن موجودة لحازت أكبر الآبار في الكرة الأرضية، ولكنه عدم المعرفة والتضحيات المجانية، فانكمشت البحرين الكبرى حتى صارت محارة صغيرة في الخليج. ولكن هل نسمح بذوبان البحرين الصغيرة في المياه المالحة؟ حتى لو حدثت عشر انتفاضات طائفية وألف مظاهرة مذهبية فلن تغير بوصة من الأرض. صراخٌ يذوب في المستحيل وكلام يتبخر وتبقى الأرض ممتنعة.
عودوا إلى الوطن والإسلام الموحد ومحبة أهل البيت.
لدينا بيتٌ صغيرٌ وصارت كلُ حجرة تتصارع مع الحجرة الأخرى. كان البحرينيون الوطنيون الفقراء البسطاء يواجهون اللواري البريطانية، ولن تعرف الدم المسكوب وقتذاك لمن يعود، وأي من يرفع راية مذهبية يُضرب بالحذاء، وكانت الامبراطورية البريطانية لا يغيب عنها الظلام، فكيف يستطيع الشعبُ الصغير أن ينتزع حريته ويحقق استقلاله لو كان وجودكم موجوداً؟ تراجعوا عن هذه المصايد المذهبية السياسية التي سجنتم فيها أنفسكم، عودوا إلى الوطن الواحد. استقيلوا من هذه الزنازين وعودوا للوطن الواحد والشعب الواحد ومحبة البيت.
والبيت صار محارة صغيرة في الخليج تكاد أن تذوب من كثرة الأجانب والغرباء. كانت لنا إمبراطورية لا يغيب عنها الزيت. كانت البحرين امبراطورية فتقلصت واقتصرت على نقطة وعلى مجد قديم، والآن وزيتها قليل وناضب وأسعاره تتدهور، فأي مصير يتنظرنا؟
ليس لكم سوى العودة للوطن، منفيين كنتم خارجه وداخله، ففكوا الارتباط وعانقوا الأهل والوطن كله. المراكز تترنح اليوم أو غداً، والأهل في العراق فك أغلبهم الارتباط، وجعلوا المصلحة العراقية الوطنية فوق كل شيء. والقاعدة ليست أملاً، ولا مستقبلاً، ففي بضع سنين تتلاشى. الحشودُ تتدفق علينا من كل صوب، تذوبنا، وليس لنا سوى كلمتنا الوطنية ووحدتنا، ندافع بها عن رزقنا، وأرضنا، ولن تعرفك المراكز حين تقرر وحين تسقط وحين تتأزم.
لم يبق من البحرين الكبرى سوى قارب صغير يجدف بأشرعة أوال. الماضي انتهى وتاريخ الثورات المذهبية التي تحولت إلى ثورات مضادة للشعوب انتهى، ويكاد. فجدفوا بالزورق صوب البحرين، صوب الوطن، وانسوا التواريخ الطائفية. نحن نكاد أن نتلاشى.
نحن نكاد أن نفقد اللغة العربية. البحرين بمجدها العظيم الممتد في القرآن والتاريخ ذهبت بسبب المغامرات السياسية. نحن نغرق بالسيارات والتلوث والغرباء.
والقوى مشغولة بالطوائف ومعاركها الوهمية، وتقدمُ رجالَ الدين المتخصصين في الفقه ليديروا الصراع حول البترول والأجور والمصانع، والتلوث والضرائب وهم لا يعرفون شيئاً من ذلك. يضيعون علينا عدة سنوات ثمينة حين كانت أسعار النفط مرتفعة ويزيدون الصراع الجانبي حين ينخفض النفط والمشكلة ليست فيهم، فهم نتاج موجة مذهبية، لم تتخصص في اقتصاد وبيئة وعلوم، وعندهم أن رجل الدين يعرف كلَ شيء ويفتي في كل شيء.
وهم يُغرقون الزورق الأخير من قافلة البحرين الأولى والكبيرة التي غرفت من كل مذاهب التمرد. هذا لديه مجداف يقود لليمين. وهذا لديه مجداف يضربُ في اليسار. هذا يتوجه للضفة الشرقية. وذاك يتوجه للضفة الغربية. وينحرفون عن الجهة الأصلية، جهة البحرين، وأهلها، عن البحرين التي تذوب مثل قطعة سكر في الخليج. فلماذا لا تتوحد المجاديف؟ الحلوة التي خطفها قراصنة الشرق والغرب ومركبها يغرق. ارحمونا وتخلوا عن زنزاناتكم الطائفية.
ارحمونا وتذكروا اننا نغرق في الأسعار والبطالة والعمالة الأجنبية السائدة والتجنيس والتخسيس الاقتصادي وازدحام المرور والتلوث وسلاحف الوزارات الحكومية. لكم تاريخكم الكبير في الوطن، به تعرفون، وبه تزدهرون، والمراكز الخارجية لا تعرفكم ثم تتغير كما تغيرت موسكو والقاهرة وبغداد ودمشق. إن العواصم لا تعرف سوى مصالحها.
لا يختلف فريق الحورة عن فريق الحمام. كلاهما اتحدا في الفقر والبحر وحب الوطن. وصار كلاهما آثارا. بسيوف موحدة أزال البحرينيون الاستعمار البرتغالي، وبحجارة صغيرة طرد البحرينيون المتحدون الاستعمار البريطاني. وبدولة وطنية متوحدة نستطيع إقامة مجتمع يتجاوز بإمكانياته العلمية المنطقة الخليجية. ليس ثمة وقت والتأخير يعني التوحد بالشعوب المندثرة.
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
عدم الإيمان والعقلانية : كتب ـ عبدالله خليفة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
يتمثل الإيمان الديني الإسلامي أساساً بالإيمان بقوى الأغلبية من المسلمين العاملين لنهضة حياتهم ولتقدم الأمم الإسلامية.
وكان الإيمانُ توحيداً، على مستوى الألوهة ومستوى البناء السياسي.
وقد قامت القوى المحافظة بتمزيق وحدة صفوف المسلمين، فيما هي ترفعُ لواءَ الإيمان الذي لا تؤمنُ به.
إن كلَ أمةٍ وكلَ مجموعة من الأمم لها نسيجها من الوعي الديني، وتنمو إراداتها السياسية التحديثية داخل هذا النسيج، وبطبيعةِ الحال هناك خيارُ الألحاد، وهو خيارٌ مستقبلي إلغائي للحاضر وللأمكانيات العقلانية التدريجية فيه.
حين يلغي السياسي وربما كان باحثاً وقائداً كبيراً الإيمانَ الديني، فإنه يحلُ ذاته المتضخمة محل الذات الإلهية، سواءَ كانت وجوداً محضاً كما يؤمنُ المؤمنون بها، أم كانت رمزاً تاريخياً لهذه الأمة أو تلك.
ومن هنا رأينا كيف أن العلمانيين والملحدين الأروبيين في نشرهم لمختلف صنوف وعيهم من علوم ومن نظريات، كانت أغلبيتهم تركز على نقد مرجعيات رجال الدين المحافظين، وتدعو لأسس نهضوية جديدة لحياة الأغلبية الشعبية وهي مصدر الإيمان. فكان إنتصارهم وتقدم أفكارهم.
فأي فكر ديني أو إلحادي أو علماني لا يعمل لتطوير حياة الأغلبية الشعبية من العاملين، يتم نفيه من حركة التاريخ، ومن هنا كان الإسلامُ المؤسس هو القائد في تغيير حياة الجمهور الشعبي المتخلف الذي كان يعيشُ في مؤخرة العالم!
وكانت الدول التي جاءت بعده يعتمد وجودها أو تفتتها على مدى حفاظها على ذلك المبدأ.
وهذا من حيث حركة التاريخ العامة، فماذا عن خيار الألحاد؟ إنه لا يختلف عن ذات الخيار الديني، لكنه كنظام يسقط كذلك، فمن حيث حركة التاريخ العامة ينطبق عليه ما سبق، فإذا كان متوجهاً للحفاظ على مصالح الأغلبية من العاملين والمنتجين فإنه مع حركة التاريخ التقدمية، وإذا انحرف وأغدق على الفئات البيروقراطية والعسكرية الحاكمة المتنفذة، فإنه يسقط مثل الأنظمة الأخرى.
حين يتضخم القائد للنظام الديني أو الألحادي أو العلماني أو القومي ويحتكر المنافع لذويه وحزبه، فإن حركة التاريخ تلفظه، وهي تجعله داخلها فقط لأنه قادر على السيطرة المرحلية إلى حين، وحين تتوقف الموارد التي يعتمد عليها تحدث عملية الحراكِ المدمرة، أي التي لم تخضع لضبط اجتماعي عقلاني من قبل الجماهير.
حين يلغي القائدُ الإلحادي المؤسسات الدينية المستقلة والأحزابَ المعارضة له فإنه يريد أن يحلَ محلَ الإرادة الإلهية، بالضبط كما يفعل الحكام الدينيون الفاسدون السابقون، فأختلف الشكل.
وإلغاء الدين هي عملية لرفض التطور الديمقراطي الطويل لأغلبية العاملين، مثلما يكون إحتكاره من قبل بعض رجال الدين المحافظين، أو من بعض المذاهب التي تدعي أنها الوحيدة القادرة على فهم الدين!
وفيما أن القائد الشيوعي يقول بأنه يستند على العلوم الحديثة، يقول الزعيمُ الديني المتنفذ إنه يعتمد على العلوم الشرعية، وكلاهما يعتمد على البطش، وسواء جاء عبر دولة بمؤسسات قمعية حديثة أو عبر مليشيا شعبية مغسولة الوعي.
الألحاد والإيمان الديني المغلق كلاهما إنكار للتطور المتدرج لأكثرية المسلمين، فالملحد العدمي كف عن القراءة ومتابعة تطور أمته، ورؤية سبل تطورها العقلانية المتدرجة والكفاح داخل هذه السبل، وأحل ذاته الشمولية التي تصدر الأوامر من عليائها.
مثله مثل القائد الديني المحافظ المغلق أحل ذاته بذات السبيل، وجعل فكرته الدينية مصدراً للحكم، فعلى الأمة أن تتبع فكرته، وليس أن فكرته تعبر عن مشاكل الناس وتناقضاتهم وتنوعهم وتعدد سبل تطورهم وأن يرهف أسماعه وأبصاره للتحولات المعقدة في حياة أمته لكي لا يجعلها تذوب وتمسخ بل أن تقاوم وتتحدث!
كل من الملحد والديني المغلق والعلماني المستورد يريد الأمة أن تمشي على برنامجه المعد سلفاً، بسبب محدودية بيروقراطيته الحزبية ولجنة جماعته القائدة، والتي يتوهم إنها عرفت التاريخ كله.
وفيما أن الملحد يلغي تراث أمته، فإن الديني المغلق يجمد هذا التراث، وفي كلا الحالتين فإن التراثَ معطل، مرة بسبب رفضه، ومرة بسبب إلغاء تطوره وتاريخيته، ولكن التراث المحافظ موجود ويتحكم في حياة الناس، ويحدد زواجهم وطلاقهم وإرثهم وكيفية موتهم وعلاقاتهم وحكمهم وعقودهم الخ..
والألغاء لا يشل حضوره، والتجميد يزيد من مشاكله، ويقلل من إشعاعه، وبين العدمية والحفظ في الثلج، يعتمد وعي الأمة على العقلانيين الذين يدركون إستحالة الألغاء والتجميد معاً، ويبحثون عن سبل التغيير الممكن، حفاظاً على الإرث وذواب الأمة في الفراغ، وتطويراً لحياة الناس، بما يحقق التقدم والمعيشة الجيدة لأغلبية المنتجين.
بداية المثالية الموضوعية
الأيديولوجيات العربية والعلم
جابر عصفور: الإصلاح وإشكالياته
سر التعويذة
رفعت السعيد والسرد السياسي
زكريا إبراهيم : الاستيراد الفكري
الرأسمالية البدوية
الرأسمالية الصحراوية
تداخل الهتلرية والستالينية
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
انتظر (بحماس) صواريخ إيران على إسرائيل
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
مثل أي مواطن عربي ومسلم ساذج وغبي انتظر صواريخ إيران على إسرائيل.
انتظر بحرقة وشوق وحماسة شديدة وعتيدة هذه الصواريخ المنقذة لشعبنا في غزة، الذي يحترق بالمجازر الإسرائيلية بكل صنوف القتل المتعمد.
سوف تأتي حتماً هذه الصواريخ حتماً وتزول إسرائيل.
لقد اعترف رؤساء وملوك العديد من الدول العربية بأنهم لا يستطيعون التورط في حرب مع إسرائيل، قالوها وأيدوا عمليات السلام المختلفة، وساعدوا منظمة التحرير الفلسطينية بما يستطيعون وآزروا السلطة الفلسطينية بما يقدرون عليه.
من أجل أن تنهض هذه السلطة الفلسطينية وتتقوى ويكون لها في الزمان القادم وهي على الأرض فعل جديد، لا أن ترضى بالاحتلال والهمجية الصهيونية.
منطق بعيد المدى، تعلم من دروس الماضي، وختم على المراهقة السياسية والعنتريات التي لعبت أدوارها المشبوهة في ضرب نضالنا القومي.
لكن هذا هو منطق المتعلم المثقف العربي لكنني حماسي وانتظر الحل السريع الباتر.
وقد أعجبت كثيراً بتصريحات بعض القوى السياسية التي نددت بمواقف الدول العربية، وبأنها مواقف جبانة وتكتفي بدعوات لاجتماعات وبانقاذ للمصابين من الحوادث وأنها مجرد بيانات، فقلت سوف يأتي الرد القوي من العاصمة التي يدينون لها بالولاء والتي تدفع رواتبهم ومكآفاتهم النضالية، وتعقد اجتماعاتهم القومية والإسلامية والعالمية، خاصة وقد تفجرت من بيروت تنديدات بالقيادات العربية وأنها متواطئة مع العدوان، رغم أنها شاحبة ومحدودة، على عكس صخب بيروت المعتاد.
قلتُ: سيأتي الرد من طهران.
سوف تتفجر الأرض من تحت أرجل وجنازير الطغاة المحتلين المجرمين.
سوف يأتي الرد من طهران انتظروا.
كيف لا؟ وقد تركت “حماس” صفوف الدول العربية والتحقت بقيادة طهران، ولا شك أنها رتبت معركة دقيقة مع عاصمة النضال الإسلامي، بعد أن شقت منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية واندفعت في بطولة متفردة شجاعة فهي لا تمتلك حتى طائرة عمودية واحدة، ولا أسطولا، ولا شبكات دفاع جوي، ولا مضادات أرضية، وفي مواجهة أكبر جيش في المنطقة.
قلت: ليس هو انتحار كما يظن الساذجون بل مقاومة بطولية وطنية صغيرة ووراءها قوة عظمى كاسحة.
لكن العمليات الرهيبة الدموية الاجرامية استمرت من دون أن تظهرَ القوى الـمُنتظرة، فقد اعتدنا مظاهرات وصرخات الاطفال والفتيان والنسوان العربيات، لكن الرد القوي الجبار قادم من الرجال الصناديد في إيران.
لقد رحل خالد مشعل إلى هناك وأقام معسكرا رياضيا صاروخيا.
وقد نددت القوى المؤيدة للحلف المقدس الثوري بمواقف الدول العربية المتخاذلة وقلنا: سوف يقلبون الدنيا رأساً على عقب، لكنهم اكتفوا كذلك ببيانات، وتحركت فصائل الجمل الثورية في كل مكان، وحرقت الأرض بالأقوال الصارخة الباطشة بإسرائيل المجرمة.
بدأنا نفكر بجدية في خاتمة المطاف:
الرئيس الإيراني يعقد مؤتمرا صحفيا يدلي فيه ببيانات فلسفية عن طبيعة العدوان الإسرائيلي.
الجماعات الثورية جداً تعقد مظاهرات صغيرة والشعوب العربية خارج التاريخ الفعلي.
الدول التي اتهموها بالجعجعة هي التي نصحت “حماس” كثيراً بعدم سلوك طريق المراهقة السياسية، وأنها لابد أن تعود إلى طريق النضال الحصيف بدلاً من أن تعرض شعبها للخراب، من دون أن يصغي قادتها لذلك، ثم سكتت عن اتهامات هذه الحركة نفسها لهذه الدول العربية الشقيقة لها بالعمالة والتواطؤ لصالح إسرائيل.
خـُدعنا كما خـُدع غيرنا بصرخات الرئيس الإيراني وبأنه قادر على إزالة إسرائيل وربما سبحت حماس بحماستها الكثيفة في دخان هذا الحشيش الثوري، لكن الضحايا يبقون هم الضحايا، والجثث هي ذات الجثث التي تموت بأجندة المراهقين المغامرين.
هم أهلنا يذبحون أمام أعيننا بسبب هذه الجمل وهذه السياسات الرثة.
اكتفى قادة إيران بكلمات بسيطة مثل سنرميهم في البحر، أو نذيقهم ملوحته، تعبيراً عن البأس في القتال، فما أظهروا بأساً.
ولكن كلمات الرئيس السابق قوية (سوف نزيل إسرائيل)، (سوف نلغي إسرائيل)، (إسرائيل ليس لها مكان في الشرق الأوسط)، وخالد مشعل كان يرقص طرباً في طهران، وسكرت حماس على رغوة هذه الجمل وجرّت قسماً كبيراً من شعبها لمذبحة وأي مذبحة!
هم دائماً يفعلون بشعوبنا وبأنفسهم ذلك ويدعون الحصافة والعبقرية في النضال.
كم مرة جربنا ذلك ولم نتعظ ولم نأخذ دروساً؟
كم مرة نـُلدغ من الجحر نفسه ولا نتعظ!
سوينا بالحجر في لبنان ولم نتعظ وزايدنا وادعينا الانتصارات.
والآن سوينا بالأرض في غزة ولانزال نكابر.
متى لهذا الجمهور العربي أن يفهم؟
لا للاحتلال ولا للغزو الإسرائيلي الاجرامي ولا للحماقة السياسية العربية ولا لصواريخ إيران الوهمية ولجماعات المراهقة والتخبط السياسي كذلك.
30 ديسمبر 2008
الأدب الطائفي
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
قراءة في تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة

مركزية الذات الشعرية ومشاكلها
جاءت قصيدة علي الشرقاوي «تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة». بعد فترة من قصيدة محمود درويش «أحمد الزعتر». وهناك شيء من التأثير تركته القصيدة الاولى على قصيدة الشرقاوي اللاحقة، من حيث وجود شخصية محورية تعبر عن تجربة شعب ، أو تجربة أمة ، ومن حيث قيام الشخصية المحورية بفعل ايجابي . داخل بناء القصيدة الدرامي ، كانعكاس لفاعلية اجتماعية – شخصية متصاعدة، عبرت الشخصية – النموذج ، عن مضمونها الأساسي .
وإذا كان محمود درويش ينسحب «تماماً» من حدث القصيدة، تاركا الشخصية تنمو من خلال حوارها الذاتي المتقطع ، المتصاعد، فإن الشرقاوي لا ينسحب من القصيدة ، بل يشارك الشخصية الاخرى ، نشاطها ، بل ان شخصيته هي الشخصية المركزية في القصيدة، وصوته هو الاقوى ، وما المغني ، او شخصية ضاحي بن وليد الا لحظة من لحظات تجلي الشخصية المركزية ، التي هي ذات الشاعر.
فلم تكن شخصية ، ضاحي بن وليد ، تحتمل كل هذه المعرفة الأيدلوجية – السياسية الواسعة التي حملها إياها الشاعر، في حين كانت شخصية محمود درويش شخصية مبتدعة ، فأتاح ذلك إمكانية بنائها، وتطويرها في كافة الجهات، عبر بلورتها للتجربة الفلسطينية . لكن شخصية ضاحي كانت شخصية موسيقية وجدت فعلاً ، وعبرت عن مستوى معين من النشاط وارتبطت بمحدودية الفترة والواقع حينذاك، في حين كانت تجربة أحمد الزعتر متسعة متروكة لكافة الاحتمالات .
من هنا فإن شخصية ضاحي لم تستطع أن تحمل زخم تجربة الشاعر ، وقد بقيت ، من خلال القصيدة ذاتها ، في الحدود التي ظهرت فيها ، في الحياة ، فلم يقم الشاعر باعادة خلق لها ، او توسيعها ، ومن هنا اندفع صوته لاستكمال عملية توسيع التجربة المتنامية في القصيدة ، فغدت حياة ضاحي مجرد محطة لصوت الشاعر ، وليس شخصية كذلك . والفارق كبير هنا بين الصوت والشخصية . فالصوت هو بوح بالرؤية والفكرة ، في حين تظل التجربة الشخصية والملامح النفسية والتفاصيل الحياتية ، منفية من التجسيد الفني . فشخصية ضاحي تبقى في حدود صوته ، أي في حدود الفكرة ، التي استبدلها الشاعر بفكرته، بينما تغيب تجربة ضاحي الشخصية وممارستها اليومية الحميمة .
وهذا ، كما سنرى، يتوافق مع رؤية القصيدة وخطها الفكري . فالقصيدة لا تطرح سوى العام ، وليس الخاص ، تحاور المستوى الاجتماعي – السياسي المجرد ، لكن لا تدخل في تفاصيل الحياة اليومية والتجارب الذاتية ، فلا تمزج بين العام والخاص ، ولو فعلت ذلك لرأينا ضاحي بن وليد حقاً ، أي انسلخت شخصيته من شخصية الشاعر المسيطرة ، وغدت ذات خصوصية مستقلة . ولكن الشاعر الحقها به ، غدت صدى لنفسه ، ولقد اعطاها جوانب معينة هامة ، وهي الغناء والمعاناة ولكن لم نجدها تنمو ، في سياقها المختلف، لتتشكل في تجربتها المميزة .
في حين كان محمود درويش أكثر موضوعية بإعطاء الشخصية المحورية إمكانيات نموها الخاص ، عبر تجربتها..
(« نازلاً من نحلة الجرح، إلى تضاريس البلاد، وكانت السنة انفصال البحر»، «عن مدن الرماد»).
وتبدأ قصيدة الشرفاوي بهذين البيتين :
(منغمر في عسل التعب الطالع من حمى النحلة
منهمر في نسخ المحار الداخل احلام النخلة) .
واذا كان ثمة تشابه عبر تكرار «النحلة» في كلا المقطعين فإنهما ينموان بشكل مختلف، فالمقطع الدرويشي لا يعلن شيئاً عن الحالة الموصوفة ، انه فقط يفرش المسرح ، معيناً الظرف العام، تاركاً «البطل» التفاعلاته الخصبة مع الواقع .
لكن الشرقاوي يفتتح القصيدة بتحديد العالم الذي تدخله الشخصية والشخصية نفسها . فصوت ضاحي – الشاعر يؤكد انه منهمك في مصهر العمل القاسي في حقلي البحر والزرع ، أي في الأرض المقسمة عبر الانتاجين البحري والزراعي فالذات مغمورة بتعب الحياة الملتهب كحمى النحلة ، وهي صاعدة، عبر هذا العناء ، نحو الاحلام البعيدة المترامية في الحقول . أنها في كلا قطاعي الأرض صاعدة ، متألمة، منتعشة، متجهة إلى حلم التغيير ان صوت الشخصية يتوحد منذ البدء بالأرض ، بالإنتاج ، بالتغيير .
وهو يعيد إنتاج هذه اللازمة وتوسيعها في كل بناء القصيدة التالي . فما نمو القصيدة ألا شرح لهذا المعنى الذى كمن منذ البداية .
فتجد ان المقطع السابق يستدعي على الفور : الأرض . فهي تأتي مباشرة بعد المقطع السابق ليبدأ التداعي :
«والرملة» «هذى الألف المقصورة واقفة» في البحر كأن الفجر يحدق في تكوين الطير».
ان المقطع السابق الذى يوحي بالارض، يستدعيها فوراً على شكل خارطة ، فكأنها فجر يحدق في الطير . ويمكن عبر قراءتنا لعدة مقاطع اخرى بان نستنتج طابع القصيدة ونموها المتكرر.
وليست العلاقة في القصيدة إلا علاقة صراع بين الأنا الشعرية ، وصوت الشاعر ، والواقع الخارجي . إن هذا الصراع هو الصراع الأساسي المحوري. وما ضاحي بن وليد ، الا لحظة من لحظات تجلي هذه الأنا الشعرية، التي سرعان ما تتجاوز صوت ضاحي الخاص ، وما موسيقاه ، أو شظاياها ، الا جزء آخر من هذه الذات الشعرية ، التي تنمو وتنساب في كل الجهات وستغدو مدعوة لإحياء المشنوقين والمتلاشين ، فهي الصوت المكثف لإخراج العرب من ظلماتهم وهي الباعثة لحيواتهم الميتة … في مواجهة الفعل التدميري للغرب ، الذي سيؤخذ ، كجوهر آخر ، معاد ومرفوض ، كلية .
ان المقاطع الأولى التي تبدأ بها اللوحة تتكيء بقوة على صوت المغنى القديم، فصوت الأنا الشعرية يتوغل في ذاته ، يبحث عن لحظة الصعود الدرامية، فتمتلئ المقاطع بكلمة . «احاول»:
«احاول عتق الغبن المرهق في الشفتين» ، «احاول ان اجتاز بمهماز الوجد تخوم المابين».
(«واحاول» ، «مجروح وقتي» ، «من فض بكارة صوتي البدوي واعطاها السفلس ؟؟» ، «من لوث بالآلات الغربية موال النرجس» ، «من عقلني ؟»).
إن هذه المحاولات الدائبة للخروج تصطدم بالوقت بالواقع . وتغدو القصيدة تجربة ابداعية تحاول أن تتغلغل في هذا الواقع . وسيكون هذا الواقع واحداً ، حتى لو امتد الى الماضي ، عند بداية القرن ، في زمن ضاحي المغنى ، أو جاء الى الوقت الراهن ، زمن العقد الثامن، حتى لو امتد الى المغرب او عاد الى المشرق ، تجلى في الاغنية القديمة ، أو القصيدة المعاصرة ، انه واقع واحد ثابت ، عام ..
وهذا الواقع هو واقع الغاء الصوت البدوي ، او العربي ، او الشرقي أو «النحن». لهذا هو ليس واقعاً عربياً ، انه واقع غربي ، اجنبي . لأنه ليس بدوياً ، ليس عربياً صميماً . لا يستخدم العود، الآلة العربية الموسيقية ، الاصلية ، بل يستخدم الآلات الغربية . فصار العرب ، حسب هذه الرؤية ، اسرى واقع لا يصنعونه .
كيف إذن سيتشكل الصراع بين الأنا الشعرية والواقع العربي ؟ كيف ستقوم باستعادته ، هي الحرة وهو المستعبد ، هي البدوية وهو الغربي ، هي الانتماء وهو الاستسلام ، هي الاصالة وهو الزيف ؟!
انها تتراجع الى ذاتها. الى تعدد تجليات هذه الذات في حوارها الداخلي ، فيعود صوت الشاعر – المغنى ليحفر في نفسه ، سوف يسترجع اشكال مقاومتها ، حيث كانت الكلمة وسيلة لصعود المقاومة الداخلية ، والانغام البدوية صورة من صور الرعد الخالقة .
أن التغييرات الحاسمة لا تحدث الا في كون الأنا الداخلي ، بينما نرى الواقع الخارجي ، الواقع العربي ، كهفاً واسعاً بلا تغيير:
(«كهف في المشرق» ، «كهف في المغرب» ، «كهف» «ما اضيعه الزمن العربي على النغم الانثى» ، «ما اكثر ادوات النفي !!).
إن هذا الواقع العربي . الممتد من بداية القرن ، الى الآن ، وهذا الجسد العربي الكبير المتواصل المتقطع بين المحيط والخليج ، هو مجرد كهف ، انه الظلمة ، واللا حركة ، بينما يكمن النور في الأنا الشعرية ، فهي الحركة والفعل، وهي التي سنجدها تشتعل بالتغيرات والفاعلية والعطاء .
انها تبحث ، وتدور ، قد تتخثر احياناً ، قد تتمزق ، قد تموت مع الموت ، لكنها تعود للحياة، فهي الحياة ! أن المغنى يعود للحضور، والشاعر يتجسد باستمرار ، ليس في تضاريسهما اليومية ، ليس في فعلهما الحقيقي ، مثل احمد الزعتر وهو يتقلب في العربات المشتعلة بالغربة وفي الزنازن الشقيقة ويولد في معارك المخيمات، بل هما ، أو قل هي الانا الشعرية بؤرة القصيدة وسيدتها المطلقة، في نضالها الثقافي المجرد ، حين تستخدم الريشة لصياغة الكلام الممنوع ، وحين تنشىء طريقاً من بين الظلمات ، يكسر حد الجوع » .
انها الريشة ، أو الكلمة ، وهي تفعل وتخلق. «اراجيحاً للعيد» ، و«زغاريد الاعراس » و«تحول .. قداس الفرحة رمزاً» ، و«تكشف» ، «عمق اللغز» ،.. (ص 191 من كتاب قراءة نقدية في قصيدة حياة للدكتور علوي الهاشمي).
إن الأنا الشعرية بتجلياتها، عبر ضاحي ، عبر الريشة ، أو عبر القصيدة ، تقوم ضمناً باعادة النور والحياة الى الجسد العربي الميت ، تبعثه ، تحييه ، لا بالتوغل بين جموعه وتضاريسه ، تستكشفها، وتقودها في مسارات الأرض، كما فعل أحمد الزعتر ، الذي ظهر كأحمد الشعبي واليومي ، متشكلاً بين الناس ، ومفجراً لطاقاتهم معاً .. لا ، ليس مثل ذلك ، بل عبر نفثها هي للحياة في الجسد العربي الميت – الكهف . انها مصدر الضوء والطاقة والخلق !
إن الوعي الثقافي ، كما تتصور الأنا ، هو أساس خلق العرب وإعادة تكوينهم ، أو بعثهم ، وهو وعي تنفثه الذات، من مصدرها العلوي، ومن هنا فهي ليست بحاجة للدخول الى تفاصيل حيواتهم وعوالمهم المختلفة ، فيكفي انها تراه هكذا ، كهفاً واسعاً ، حتى يكون فعلاً كما تري ..
إذن لا يبقى لهذا الوعي الثقافي النخبوي ، الا ان يلغي الثقافة الغربية ، لكي يبرأ الجسم العربي من العلل والظلام ..
«مبحوح قلبي»، «فحيح الآلات الغربية»، «تحت السقف الديناري المغزول من الآهات على الوتر الصامت علبني»، «من شيأ صوتك يا عود النار ؟) .
فالمواجهة ستجري بين العود والآلات الغربية، بين الثقافة العربية والثقافة الغربية ، بين الشرق والغرب ، بين النحن والآخر، بين عالمين متناقضين لا يلتقيان ورغم أن الثقافة الموسيقية العربية تفاعلت مع الثقافة الموسيقية الغربية واغتنت بها كما اغتنت كافة أشكال الوعي العربي ، إلا أن الأنا الشعرية ، لا ترى ذلك ، وترى التقابل المطلق والتنافر الأبدي بين الشرق والغرب ، بين العود والآلات الغربية !
وتستمر آلية الصراع هذه في العديد من المقاطع التالية ، تعيد تكرار الرؤية ، كهذا المقطع :
(«العود الهجس»، «مثل المخطوطة»، «من يكتشف النغم الانثى»، هذا المغمور كعرق النور بخارطة الحزن العربي»)، ص 193.
فالعود ، كالمخطوطة ، تجليان للثقافة العربية، وهما أساس خلق الفعل للجسد ، هما مولدا النور في خارطة الظلمة العربية . هما اللذان يشكلان الخصب للجسد ، هما الفعل الذكوري (مع مجيء الريشة) لصناعة المولود العربي .
ويوضح ذلك ايضاً بعدها (هل غير العازف في الظلمات هناك نبي ؟) فالظلمات المتكاثفة في الكهف العربي ، لا تزيحها إلا الثقافة العربية النخبوية: صناعة المثقفين المتميزين ، صناعة الأنبياء . وهنا ينفتح باب الثقافة الصوفية المثالية ، بعد أن فقدت القصيدة طريقها في العثور على الحقيقي بين المبدع والناس ، بين الطليعة والشعب . أو قل بان تصور الثقافة باعتبارها صانعة التاريخ بشكل مطلق ، وبان المبدع هو خالق الجسد العربي الجديد ، قد فتح الأبواب ليتحول هذا المبدع الى وعى مقطوع الجذور بالواقع ، ليأتيه الوعي من الخارج ، من السماء ..
عبدالله خليفة الأعمال الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية الكاملة
فلسفة جديدة
طبقات التوحيد وطبقات التفكيك
جمعية التجديد الثقافية
المسيحية وانتصار المثقف الديني
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
-
اشترك
مشترك
ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.
