وطــــن للثقافــــة وثقافــة للوطــن..

هكذا وعي ثقفن ذاته، لا يمكن أن يكون سوى مشروع
إن الثقافة الوطنية في عالم الكاتب المبدع والمفكر البحريني الجسور عبدالله خليفة جزء من مشروع فكري كبير وواسع يجوس أعماق وآفاق محطات ومنعطفات وتحولات وصراعات واشتباكات حدثت وتنامت وتداخل واحتدمت في أرجاء وأصقاع الفكر العربي والإسلامي القديم والمعاصر.
ولعل الرؤية التقدمية المستقلة الثاقبة والفاحصة والشاخصة لدى كاتبنا الوطني المفكر عبدالله خليفة في هذه الثقافة المشروع، لا تدع مجالاً للحديث عن الرأي الانطباعي أو الحديث عن التجربة الإبداعية بمعزل عن مشروعه الفكري أو الوقوف عند سيرته الذاتية بمعطياتها التقليدية الأفقية الناجزة أو الوقوف دون خوض في مختبراتها النضالية والصراعية الشاقة، إنه يتماهى فيها دون هوادة وكما لو أنه جبل بذاتٍ قُدّت من فكرٍ منذ الصنيعة الأولى لخلايا وعيه.
وهكذا وعي ثقفن ذاته، لا يمكن أن يكون سوى مشروع، وهكذا مشروع لا يمكن أن يكون سوى أنشودة أنغولية تنشد الحرية وتشدو بها.
هو عبدالله خليفة الذي مذ فطنت خلايا ذاكرتنا به وهو المهيأ لحوار ساخن لا يهدأ أواره وهو المعترك في الاشتباكات والمساجلات الفكرية العميقة، هو المسكون بالهم والوطن والحلم والفرح والأمل، هو المنتصر لكرامة الإنسان وكبرياء الفقراء والكادحين والمسحوقين، لا يهادن ولا يساوم ولا يجامل، شامخًا باسقًا كنخيل دلمون، نضرًا وإن كان وحيدًا كزهرة البيلسان، تشتد أغصانه وتخضر كلما كابدته معاناته ومعاناة شعبه ووطنه، يمضي على قلق وهو ينافح عن فكره ورأيه كالرمال المتحركة، فضاؤه الفكري مساحة للجدل والخلق، ووقته زمن غابوي كثيف للإنتاج والإبداع.
منذ استباره أعماق بحر الرواية وهو لا يكف عن البحث عن اللآلئ المفقودة أو ربما عن فردوسه المفقود، عبدالله في سعة البحر وفي لججه وفي أعماقه وفي كل تفاصيل
وتضاعيف وتقاسيم الوطن، في مدنه وقراه، في أساطيره وتراثه، في دهشته الساحرة والمسحورة، في ينابيعه العطشى، في ألحان شتائه الشجية وفي أغانيه المائية والنارية، في نسائه الباذخات وفي نسائه الشامخات الشاهقات.
ما الذي لم يكتبه عبدالله خليفة عن الوطن؟ لا شك أن المخيلة مكتنزة بقصائد لم تنشد بعد، كأقلفه الثمانيني الذي أثار جموح اللغة والفكر في الثالثة بعد الألفين، وكمشاريعه الفكرية التي تنتظر مصداقية شفافية العصر لتنجلي وتتجلى في سماء الفكر العربي.
هو عبدالله الذي ما أن تغيب عن البال شاردة إلا هو واردها، وهو الذي يرى في الفكر والفكر وحده، زاهدًا من عمّده بالكرامات والجوائز والتحافي والتزكيات المرسمنة، هو القاريء للحياة مثلما هو السابر في الفكر، فحياته وفيؤه وظله أصدقاء وعمال بسطاء، ومن فكره يجود ولا يبخل، ومن وحي ورحيق صحبه ومعينه يتجسد رواية أو قصة أو دراسة أو مسرحية أو مقالاً.
الثقافة المشروع لدى عبدالله خليفة وسط هذا المشغل الحياتي الفكري المركب، ليست آنية أو طارئة أو عابرة، هي أزمنة تتداخل ورؤى تتصارع ومطاليب تتمأسس وتاريخ حافل بالمكائد والدسائس والنضال والمواجهات العنيفة الضارية، هي قراءة للراهن والمستقبل، قراءة لم تعقها جدران الزنازين الرطبة وظلامها الموحش الموارب الفاتك، ولم تغوها المغريات.
الثقافة النيرة المتقدمة هي أولى الأولويات الفكرية لدى عبدالله خليفة، فمن يزعم بأن الثقافة آخر الأولويات في مشاريعنا الوطنية، لا يدرك في الشأن السياسي سوى أخماسه وأعشاره، ولنا في نقيضه أسوة بذخائر عبدالله خليفة الفكرية، ولو أحصينا نتاج عبدالله خليفة الفكري والإبداعي كمًا ونوعًا وتميزًا لرأينا ـ عبدالله ـ لا يزال شابًا يافعًا فارعًا يتحدى الزمن وكما لو أنه يشكله كيفما يشاء ووقتما يشاء، إنه يرحل ويغادرنا وفي حوزته من الروايات والقصص القصيرة قيد الطباعة والنشر ما يربو على الخمسة عشر رواية وعشر قصص قصيرة، وذلك بعد أن أصدر ما يربو على السبعة والعشرين رواية وعلى السبعة مجموعات قصصية قصيرة، وعلى الستة كتب في مجال الدراسات النقدية والفكرية.
متى يسترخي عبدالله خليفة وهو الذي ينشد في التياذه للفكر شاغلاً ومنشغلاً أجمل منتجع للاسترخاء؟ أو بعبارة أكثر استرخاء، يبدو أن عبدالله خليفة لا يسترخي إلا حينما يسترخي شاغلاً ومنشغلاً، لذا حين غادرنا، جعلنا مشغولين ومنشغلين بنتاجه الذي صدر والذي لم يصدر بعد..
للثقافة الوطنية جذور وللوطن جذور ولعبدالله خليفة جذور الثقافة والوطن..
عبدالله خليفة فكر للوطن ووطن يفكر في مساحات الوطن الأوسع..
تمضي على رحيله ست سنوات ولا يزال في الوقت متسع لإبداع وفكر لم يصدرا بعد.. متسع لحوار لا ينتهي..
عبدالله خليفة.. وطن للثقافة وثقافة للوطن..

كتب : يوسف الحمدان

الراوي وعلمُ الاجتماعِ الوطني

كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة

تجسد القصةُ أطواراً من التحول الاجتماعي، ولهذا تغدو لها مسارات مختلفة وإنجازات متباينة عبر العصور، وفي البحرين خلال القرن العشرين تنامت هذه القصة متأثرةً بالواقع وتحولاته، وبالتأثيرات الإبداعية العربية والعالمية.
بتشكلِ الفئات الوسطى والعمالية مجسدتين الحياة الحديثة، راح الفرد يعي ذاته المستقلة وسط بناء قبلي قروي تقليدي، تحضنه هذه المؤسسات وتخضعه لسيطرتها وأشكال وجودها، لهذا يصعبُ عليه الانسلاخَ منها إلا عبر نمو الفئات الحديثة، وعبر صناعته لأدوات وعيه المختلفة ومنها أجناس القصة والرواية والمقالة والدراسة والفنون وغيرها.
حين تظهر القصة فهي تظهر في عالم ضبابي فهي ليست قصة ولا رواية، بل شكلٌ هلامي منهما، وهذا يعتمد على طبيعة المُنتج وموقفه الفكري السياسي، فكيف هو موقعه الاجتماعي وما هي أهدافه؟
وهو يعبرُ عن هذا من خلال صنع الشخصيات والأحداث والأجواء ويتوقف تطوره على مدى خلق صلات متنامية مع الواقع، ولهذا فإن صنع الشخصية الإنسانية الفنية هو بؤرة مركزية لهذا كله، فهذا الشخصيات تعبر عن ذاته.
وفي القصة البحرينية في ذلك السديم الأولي فإن الضبابية تغلف كل شيء، فالفئات المتوسطة الصغيرة المنتجة للأدب والفنون مقسمة محدودة، ذات أشكال وعي مضطربة، لم تُظهر مفكرين وباحثين قادرين على تعبيد الطرقَ لها.
ويغدو التعبير القصصي شكلاً أولياً لتفكيرها، وقد قام الكتاب البحرينيون بتجسيد الشخصيات دون أن تكون معبرةً عن ذواتهم، فهم بلا رؤى فكرية واضحة عميقة، ومن هنا فإن(البطل) موجود ولكنه بلا بطولة، فهو كيان هلامي مهزوز يتحطم في خاتمة المطاف.
المؤلفُ سواء كان كاتباً سارداً أو كاتباً راوياً لا يذكر إنه هو هذا السارد أو الراوي، فهو لا علاقة له مباشرة بالبطل، فهو غريب عنه! وهذا الموقف هو نتاج سمعة القصة في ذلك الحين، التي ترويها النساءُ كحزاوٍ، وبيئة العائلة الممتدة لا تُعنى بالفرد وإستقلاله، وتسود فيها قصصٌ حتى التراثية منها وهي بلا كيانات فردية مستقلة.
ولهذا فإن المؤلف العصري في ذلك الوقت يلغي روابطه بالبطل المنبوذ المعروض والذي يشاركه المؤلفُ آلامه من وراء الستار!
إن كلاً من أحمد كمال وعلي سيار وموزة الزائد من البحرين وفهد الدويري وحمد الرجيب من الكويت سيجد نفسه في النتاج وليس في الشخصية المتصاعدة عبر القصص، فهو لا يشكل ذاته الإبداعية عبر شخوص مجسدة له بل عبر شخوص غريبة عنه.
لهذا سيكون المؤلفُ سارداً، يشكل سرداً عارضاً لأحداث وشخوص، وليس راوياً مذكوراً داخل السرد. فالشخصيات غريبة عنه يعرض مآسيها فقط.
(في قصة»جناية أب لأحمد سلمان كمال نجد الشخصية المحورية وهو الابن يرى أمه واخته الصغيرة تنتقلان إلى بيت من بيوت السعف.. بعد أن طلق أبوه أمه)، من كتاب (الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 15.
وهذا الطلاق يكون سبب دمار الابن وتحوله لمتشرد ومريض ثم للص. يقوم المؤلفُ بإرجاع مآسي أبطاله لتفكك العائلة وخرابها الداخلي الناتج عن أشكال الزواج السائدة.
تعرض أغلب قصص المرحلة هذه الظاهرة، وبطبيعة الحال لن يعرض المؤلفُ ذاته أو شكلاً لتجليها في مثل هذه المواد.
عدم ظهور المؤلف كبطل تعبيري هو بسبب فقدان البطولة فالشخصيات ممسوحة إجتماعياً، ولهذا نجد المؤلفين لا يشكلون سيراً قصصية لهم، وبالتالي لا يستطيعون التعبير عن فئاتهم الاجتماعية، فميل هذا الوعي غير موجود، فلا نجد سيرة لأحمد كمال يعرض فيها تجربته، ولا نجده يصور شخصية مثل محمود المردي ويكتب سيرته أو يقوم المردي نفسُهُ بتصوير تجربته السياسية والإعلامية.
إن عرض تجارب الظهور الأدبي الفكري السياسي شبه معدومة، رغم إن البطولة موجودة متقطعة، بين ظهور أدبي إلى تجل سياسي وصراع مع الاستعمار والتخلف.
إن الفئات الاجتماعية السائدة حينئذ لا تشكل ذواتها الطبقية المميزة، وتتذبذب مواقفها ولا تصعد وجوداً سياسياً مميزاً.
لماذا يتبدل وضع الراوي في القصة القصيرة البحرينية ليصبح قريباً من السارد المؤلف لدى محمد الماجد ومحمد عبدالملك؟
في حين أنه لدى أحمد كمال وعلي سيار ليس كذلك، فهو ناءً عنهما فلا يوجد سوى صوتُ المؤلف السارد الكاتب؟
كما قلنا كان حضور المؤلف في قصص الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين يبدو مشيناً، فالقصة تبدو عملاً أدبياً متدنياً، وفي أجوائها (المنحطة) تلك كان ظهور المؤلف أشبه بالعيب!
الحال انقلب لدى الماجد وعبدالملك، صار حضور الماجد في قصصه واسعاً وكذلك تنامى هذا الحضور لدى محمد عبدالملك، ونعزو ذلك لتبدل مكانة القصة وصيرورتها جزءًا حيوياً من الإبداع والمجتمع، وكذلك فإن المؤلفَين صارا على علاقة وثيقة بالصحافة التي كانت تعتمد على الخبر والتحقيق (الريبورتاج) وتصوير الناس.
قصة الخمسينيات الخيالية التقريرية كانت تُزاح لصالح قصة قريبة من الحياة، والحياة كانت في الشارع الملموس، وإذا استقى الماجد قصصه من حياته الشخصية التحولية بدءًا من الرفاع إلى المحرق والمنامة راسماً تجاربه فيها، مسقطاً ذاته وأحزانه عليها، فإن محمد عبدالملك راح يصور يقظة الحارة وشخوصها وصراعها وصعودها لكن من خلال ذاته المراقبة المسجلة لما يدور.
بطبيعة الحال كان الراوي ثيمة فنية ضرورية، وتداخلت شخصية الكاتب السارد بالراوي الموجود في جسم القصة كجزء منها كما يفعل الماجد وكمراقب خارج عنها كما يفعل عبدالملك ثم يدخل فيها في قصصٍ تالية وكجزء عضوي فيها، وهو أمر عنى تطورات إبداعية كبيرة ومشكلات إبداعية كذلك.
هذه الجوانب الرفيعة في تطور القصة القصيرة لم تكن مُراقبة مدروسة في عمليات النقد البحرينية لأسباب تتعلق بمنهجية المؤلفين، فالباحث إبراهيم غلوم في كتابه (تطور القصة القصيرة بين الكويت والبحرين) يركز على الأسباب الاجتماعية التاريخية التي تكونت القصة فيها في كل من البلدين، ثم حين يجيء لتكون القصة القصيرة في البحرين ينقطع عن تلك المقدمات الطويلة ويكتب قراءاته الخاصة عن التجارب، لهذا لا تحوز مسألة مثل الراوي مكانة خاصة.
فيما تجيء الكاتبة (أنيسة السعدون) في كتابها عن الراوي في قصة عبدالملك لتأخذ قصص محمد عبدالملك كإنتاجٍ مطلقٍ خارج التاريخ الاجتماعي الفكري، مركزةً على إسقاط شهادات نقدية عربية وعالمية على جوانب بنائية فنية مهمة من هذه القصص.
مسألة الروي وظهورها وكون محمد عبدالملك جزءًا من حارة يعيشها بكل جوارحه، وهي حارة في غليان اجتماعي سياسي، وثم تجيء مسألة ذوبان تلك الحارة وغياب شخوصها الحية، وبقاء المؤلف فيها وقريباً منها وتسكنه تحولاتها السابقة وتزعجه تحولاتها الراهنة، أمرٌ مهم ومؤثر كبير، وتقوم هاتان اللحظتان على تطورين اجتماعيين سياسيين بحرينيين كبيرين غير مدروسين لدى الباحثين، وهما التطوران اللذان يتركان بصماتهما على البنية الفنية.
تقوم ضرورة بحث الجوانب الفنية المرهفة هذه على تتبع التطور الاجتماعي والفكري للبحرين خلال عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين لكشف التحول الفكري الروحي العام ومشكلات التطور السياسي، فتصويرية المؤلف وبقاؤه ضمن المادة الإبداعية يجعل جزءًا من عمله تسجيلياً لا يكشف قوانين تطور البنية الاجتماعية، التي ينبغي أن يدرسها ويحللها ويكشف عللها، لا أن يلتصق بجزئيات كثيرة فيها، ويبقى فيها.
إن الماجد يبقى في تلك الجزئيات وتصير هي آلامه حتى يذرو نفسه، في حين يبقى محمد عبدالملك معها ويحللها ويربطها بحالات فكرية مركبة شخصية وعامة.
إن بقاء أحمد كمال في منهجية قصصية متجمدة يؤثر على توقف هذه القصة، في حين قام علي سيار بتحول مع انغماره في المجتمع الكويتي وبدّل من تقنيته بعض الشيء، وبقي محمد الماجد في تقنيته الفردانية المغلقة وبدّل محمد عبدالملك من هذه التقنية الراوية.
هذه كله جعل تقنية الروي تعبيراً عن علاقات إبداعية وفكرية وسياسية غائرة موضحة العديد منها في النقد الجديد بالبحرين.

رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة #عبدالله_خليفة

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية

رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة #عبدالله_خليفة

علي الشرقاوي : قصائد الربيع ‏ــ الموجه للأطفال

تذكر أنك ضيف وليس لص

رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة #عبدالله_خليفة

الموت في فينيسيا : توماس مان  كتب : عبدالله خليفة

الأدب الأوروبي والأميركي الحديث هو الذي قاد تحول الوعي في العصور الأخيرة إلى اكتشاف عظمة الإنسان وصراعه مع القوى والمخلفات العتيقة التي تعيقه عن السيطرة الكاملة الحرة على وجوده وتألق روحه.

أسماء كثيرة بارزة في القرن السابق والحالي (العشرين) صنعت هذا الوعي عبر ممارساتها ومجاهداتها الخاصة العميقة، واكتشافها طرق سيطرة الإنسان على العلاقات الظالمة والشر والفساد. ومنها هذا الاسم البارز في أدب القرن العشرين: توماس مان، الذي نشرت له دار الهلال ترجمة رواية باسم (الموت في فينيسيا)، وهو الاسم الأوروبي للبندقية مدينة الجندول، والحقيقة أنها ليست رواية، بل أقصوصة تتكوّن من خمسة فصول. وتعبر الترجمة الجميلة التي قام بها بدر توفيق، عن هذه المعانقة بين الأدب العربي الحديث والأوروبي، حيث الأمانة الدقيقة والعمق والشاعرية في ترجمة الأصل.

كما تعبر من ناحية أخرى عن ضعف وجود توماس مان في أدبنا العربي، وغياب ترجمات أعماله الروائية الكبيرة، واكتفائنا بترجمة الأقاصيص التي سبق أن تُرجمت. فهناك ترجمة أخرى للموت في البندقية، ولكن لا توجد ترجمة «الجبل السحري»، «يوسف وإخوته»، و«المهرج» و«ماريود الساحر» و«الدكتور فوستوس» و«هنري الرابع» و«ال بودنبروك» وغيرها من الأعمال الروائية والقصصية والأبحاث التي كتبها توماس مان بين مولده سنة 1875. ووفاته سنة 1955، بعد حصوله على جائزة نوبل سنة 1929.

وتأتي أقصوصة «الموت في فينيسيا» في بواكير أعمال المؤلف، فقد ظهرت قبل الحرب العالمية الأولى، وفيها يبدأ بنقده الصغير لعالم الطبقة الأرستقراطية البروسية المتحكّم في مصير ألمانيا، هذا البلد العسكري، الذي وحّده بسمارك البروسي بجيشه الحديدي، والذي انطلق في حمى الصناعة والتجارة وغدا من أهم البلدان الأوروبية الرأسمالية من دون أن يمتلك مستعمرات كما هي الحال لدى منافسيه فرنسا وبريطانيا، ففجر حربين كونيتين راح ضحيتهما ملايين الناس.

الحياة في ألمانيا والوعي فيها من أخطر الموضوعات الثقافية الحديثة في العالم، وخاصة في مطالع القرن العشرين، حين ظهرت هذه الأقصوصة للمبدع الألماني الكبير.

ويبدو موضوع الأقصوصة مستهجناً ولا أخلاقياً الى حد كبير، فالبطل السابق ذكره، المؤلف المعروف، والرجل التقليدي، ابن الموظف الكبير، والذي كان أسلافه ضباطا وقضاة «رجالاً أنفقوا حياتهم في خدمة الملك والدولة»، والعقلية الوحيدة المختلفة بينهم جاءت من خلال أم البطل الكاتب وهي ابنة «قائد فرقة موسيقية بوهيمي النزعة»، هذا المؤلف يقع في افتتان مروع بفتى صغير جميل.

وفي هذا التأصيل فإن توماس مان يعطي الجوانب الطبقية و«العرقية» أهمية متساوية، فتبدو المكانة الطبقية الأرستقراطية أساساً للجم النزعات الإنسانية، كما يبدو «الدم» أساسا آخر لإطلاق النزعات الغريزية.

فهل كان العشق المرضي لغوستاف آشنباخ بسبب عدم سيطرة المثل الأخلاقية لطبقته ووجود ثغرة «بوهيمية» في العائلة، أم لسبب نفاقية وابتذال هذه المثل الأخلاقية في صميمها، حيث تُضفى على ذاتها أشكالاً أخلاقية سامية بينما هي في جوهرها وضيعة ومبتذلة؟!

توماس مان لا يقوم بتحليل خلفي موسع لهذه الذهنية وجذورها الفكرية والأخلاقية، بل هو يركز على البطل آشنباخ في قوقعته الفردية، فنجد السرد ينطلق لتتبع حركيته المادية والذهنية في الإعداد للرحلة، ومشاهدة بعض اللقطات العابرة والمهمة. والكاتب لا يراكم هذه المشاهدات اعتباطاً، بل هو يسوقها في تراتبية مقصودة. فإضافة الى اللقطات الهادئة العادية، والتي تعكس جمود العالم الاجتماعي من حوله، فإنه يرى مهرجاً يقوم بحركات خليعة مبتذلة ويكاد يمسه بلسانه الشبق. هذه اللقطة التي دخلت عرضا في سياق الأقصوصة، تعبر عن الازدواجيات المتعددة في حياة طبقة وسطى متجمدة مرائية.

فنزعاتها الجنسية المشبوبة مخفية تحت ستار من الرصانة والنفاق، وحين تتفجر مثل هذه النزعات على شكل مهرج فاضح مبتذل، تدرك القاع الذي تخفيه. كما ان هذه اللقطة العرضية سوف تكون تجسيدا لمسيرة البطل في رحلته القصصية القصيرة. فما كان في البداية على شكل ومضة ساخرة، سيظهر في النهاية على شكل مأساة مؤلمة.

وتغدو الرحلة التي يعتزمها الكاتب وينفذها طريقاً للحرية من زنزانة الحياة البروسية الثقيلة، من أجل إظهار النزعات البوهيمية الوحشية، في قلب هذه الحياة المدعية. اختيار مدينة البندقية للرحلة، ورؤية الصبي الجميل، والانبهار بشكله الملائكي، وقسماته الرائعة، هو تجلٍّ للتناقض الداخلي في الكاتب، حيث الرغبات المحرمة، وكسر الأطر المنافقة للمثالية الأخلاقية المصطنعة، والعودة للغرائز البشعة بدون تزويق جمالي وفكري.

وتتحول هذه العاطفة لدى الكاتب إلى هوس دائم بالفتى، فنجد مشاريعه الكتابية والتأملية وسياحته تتجمد لصالح هذا العشق غير المعقول، ليس فقط لفارق السن الكبير، وإنما لطبيعة العاطفة المريضة.

فكأن كل ذلك البناء الأخلاقي والسياسي البروسي الصارم، مجرد تزويق خارجي، وسرعان ما تظهر النزعات الوحشية المكبوتة.

 أليس ذلك هو ما سيجري في ألمانيا لاحقا، بدخولها الحرب العالمية الأولى ثم ظهور هتلر، كممثل الذروة لهذه الوحشية البوهيمية المعششة في عظام الغرائز البروسية الأرستقراطية؟

 إن توماس مان يضع يده على البذور الأولى للتجليات الصراعية في الوعي الألماني، ولكنه يمسكها بصورة خافتة ومحدودة. وليس ذلك إلا للفردانية الشديدة التي أغرق فيها البطل المحوري، ومحدودية الشبكة الحدثية والشخصانية التي يتحرك فيها.

فالسرد عبارة عن تأمل مستمر للمدينة وللفتى، ومناورات حدثية للاقتراب من الصبي وعدم الانفضاح، ما يغرق البنية المشهدية المتتالية في رتابة، تعوضها بعض الشيء اللغة السردية الشعرية العالية، وتجسيد أشكال الوعي «الرفيعة» للكاتب وتصوراته، ثم تفجير سلسلة الأحداث في النهاية، بدخول مرض الكوليرا القادم من الهند إلى البندقية. ويتحول مرض الكوليرا الى نذير شؤم ليس للبطل فحسب، بل للحضارة الغربية الرأسمالية.

فطيور الموت تحلق، والأوبئة المخيفة تستوطن المدن الجميلة، وتقفز الشواطئ والحانات والشوارع وتظهر الجثث في الساحات وعند المعالم الأثرية الجميلة. ولكن نذير الشؤم يصير فعلاً حقيقياً. فالكاتب الكبير لا يأخذ الإشارات المختلفة التي تنثر أمام شاشة بصره، مأخذ الجد، بل إن الهوى المرضي يستولي عليه، ويجد إشارات مغايرة تنبئ أن الفتى ذاته قد اهتم بهذا العجوز المعذب. إن صور الموت المتفجرة في ختام الأقصوصة هي نذير للحضارة الألمانية وما ستحمله من دمار للبشرية.

رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة #عبدالله_خليفة

مسارات ـ حمدة خميس كتب : عبدالله خليفة

ديوان «مسارات» هو الديوان الثالث للشاعرة حمدة خميس، بعد الديوانين الأولين «اعتذار للطفولة» و«ترانيم»، هذا الديوان الجديد يعكس بداية «مسار» جديد بعد الانقطاع المضني عن الكتابة الذي عاشته الشاعرة، بعد طوفان من الهدير الشعري بدءا من نهاية الستينيات، وهذا الاتجاه المساري الجديد يتشكل باتجاه ما يسمى قصيدة النثر، حيث يجري هنا الإلغاء الواسع لموسيقى الشعر، لتحل آليات الشعر الجمالية المتألقة في قوة الصورة وظلالها.
ما هي أسباب هذا الانقطاع عن شعر التفعيلة، ولماذا هذا البروز الكاسح لقصيدة النثر، حيث الابتعاد عن ذلك النهر الجارف للموسيقى ودورها التفجيري للصورة وللبنية الفنية؟
إن ذلك قد يعود إلى أسباب فنية رؤيوية عميقة، من الصعب الوصول إليها، ولكن حسبنا في هذه الومضة الانطباعية أن نقرأ قصائد النثر هذه، وندخل في تلافيف تضاريسها.
القصيدة هنا هي قطعة صغيرة وامضة، مكثفة، عميقة، ذات إيحاءات شتى.
اللغة متبلورة تبلوراً إشعاعياً في تنمية الصورة/ الحالة باتجاه معين.
فالصوت الشعري، صوت الشاعرة، يدور حول مركز وجودها المتنوع الأحاسيس والظاهرات، المضطرب، القلق، الهادئ، حيث الطبيعة التجلي الآخر لوجودها. فالشاعرة هي شجرة داخل هذه الأرض، ذات علاقة أمومية بالضوء والفراشات والأنهار والأفكار والأطفال، وهؤلاء الصغار هم الامتداد الأخصب للطبيعة في تألقها.
لقد كان أساس وعي الشاعرة في الديوان الأول «اعتذار للطفولة» هو الوعي الوجودي، الذي تحول الى الرومانسي الفاعل المغير للحياة.
ولذا تظل «الأنا» الشعرية هي مركز الدائرة، وتصير ظواهر الوجود والصراع الاجتماعي جزءا من فيضها.
ومن هنا فإن استمرار الرؤية الرومانسية وامتداداتها الواقعية، يكوّن الموتيفات والأشخاص والأشياء.

التوتر الانفعالي


لعل تلك المرحلة الماضية يغلب عليها التوتر الانفعالي الكبير، والحرارة الشديدة، مما يجعل الصورة تنمو في عملية احتراق حادة، أما في هذا الديوان الجديد فالصورة مضغوطة، مبلورة عبر تصور عقلي/ انفعالي هادئ ومتوتر.
إن الوعي العقلي يلعب هنا الدور الأساسي في تشكيل اللوحة المكثفة:
(أيها الحب
أيها اللهب السري
في كيمياء الخليقة، أدر نخبك
وانتشلنا
أيها الحب
يا قصيدة الكائنات الجميلة
املأ شعاب الأرض
وانتشر في الصدور
والأصابع والأجساد
لهباً حميمياً
يشتعل بالطمأنينة والجذل) .


إن الوعي العقلي، العاطفي الهادئ، يشكل المخاطبة الشفافة ويدفعها للنمو المتدرج، بلا صخب أو انفجارات حادة، أو انعطافات نحو التحليل الشعري للظاهرات بشكل موسع، إلى اللغة المختزلة واللغة الوامضة ذات العمق الدلالي.
وهذا ما تفعله الشاعرة حمدة خميس في أغلب قصائدها، حيث التكوين المبلور المشع، والصوت الشعري لا ينسحب من العالم الى ذاته، بل هو يمر بالأشياء، ملتقطا الاشارات الموجزة له.
وبشكل حياتي مرتعش بدفق اليومي، وأحيانا بشكل شعاري فوقي لا يدخل تفاصيل التجربة.
ولأن الشاعرة هي شجرة، أو فراشة، ترتبط بصلة القربى بظاهرات الطبيعة، فإن كافة مظاهر الحياة تبدو جزءا من الأرض والربيع. ولكن مظاهر الحياة، منقسمة، متضادة، بين القتلة والمقتولين، اللصوص والثوار، وليس ثمة إسقاط رومانسي على لوحة الحياة الاجتماعية، لتغييب انقساماتها، والقوى الايجابية مرتبطة بالخصب، وأحيانا بشكل مثالي، وأحيانا بشكل واقعي، أي من خيوط الحياة الاجتماعية.
سنجد تغلغلا عميقاً بالطبيعة، يتجاوز الموقف الرومانسي الكلاسيكي، عبر الجمع بين ما هو كوني وبشري:


(خطوة لخطورة البحر)،
(أودية الحبر والدفاتر)،
(وقلبي مدجج بالصباح)،
(للبيت رائحة الثوم)،
(ولها بهارات الغضب)… الخ.

إن كل الصور تنمو في غابة الأغصان والعصافير، محيلة الانساني إلى طبيعي، والطبيعي الى إنساني، عبر هذا الدفق الروحي المتلون.
إن كافة الأحجار والأزهار تطلع من أصابعها.

الأمومة

رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة #عبدالله_خليفة

ويطول اليوم أكثر من قرن :جنكيز ايتماتوف ـ كتب : عبدالله خليفة

ملامح 1

الروائي البحريني الراحل عبداالله خليفة (1948-2014) هو قامة أدبية وفكرية بارزة، يُلقب بـ “عرّاب الرواية البحرينية”، اشتهر بغزارة إنتاجه في القصة القصيرة والرواية والدراسات النقدية، وتناولت أعماله قضايا اجتماعية وسياسية وتاريخية عميقة بأسلوب يمزج الواقع والخيال، مع التركيز على المهمشين والتراث، وكان له دور في الحراك الثقافي والسياسي، وتعرض للاعتقال بسبب مواقفه.
خصائص تجربته الأدبية والفكرية:
التزام اجتماعي وسياسي: كانت أعماله تعكس هموم الإنسان العربي وقضايا الحرية والديمقراطية، ونقد السلطة، وفصل الدين عن الدولة.
تأثر بالتراث والواقع: مزج في كتاباته بين التراث الشعبي البحريني والواقع الاجتماعي الصعب للمهمشين، متأثرًا ببيئة ما قبل النفط والصراعات الاجتماعية.
أسلوب فريد: تميزت لغته الشعرية البسيطة بالعمق العاطفي، خاصة في تناول ثيمات الحزن على ما يضيع والغيرة على الأصالة.
دور ريادي: ساهم في تأسيس أسرة الأدباء والكتاب بالبحرين، وكرّس الرواية كأداة للنقد والتنوير في المشهد الثقافي العربي.

وعبدالله خليفة، بصفته روائيًا بحرينيًا متميزًا، يُعرف بدمج تجاربه الشخصية والحياتية في كتاباته، مما يُضفي على أعماله طابعًا واقعيًا وعمقًا فكريًا. يُشير النقاد إلى أن خليفة استخدم تجاربه الشخصية كوسيلة للتعبير عن هموم الأرض والوطن والبسطاء. وقد تميزت كتاباته بالجهود الفكرية والبحوث التاريخية والفلسفية، مما يعكس تجربته الغنية والمتنوعة.
من الجدير بالذكر أن خليفة قد عاش تجارب مؤثرة، مثل اعتقاله من سنة 1975 إلى 1981، وهو ما يُعتقد أنه أثر في كتاباته وأسلوبه الأدبي. كما أنه قضى سنوات في القراءة والبحث الذاتي، مما ساهم في تشكيل فهمه ونظرته الأدبية.
تُعد أعماله مرآة للمجتمع البحريني والعربي، تعكس تجاربه وتحدياته بصدق وعمق، وتُظهر كيف يمكن للأدب أن يكون وسيلة للتعبير عن الذات والهوية الثقافية.
عبدالله خليفة، بصفته أحد أبرز الكتاب في الخليج والوطن العربي، تناول في كتاباته مجموعة واسعة من القضايا الهامة التي تعكس تجاربه الشخصية والاجتماعية. من أهم القضايا التي تميزت بها أعماله:
الهوية والانتماء: يستكشف خليفة مفاهيم الهوية والانتماء من خلال شخصياته التي تعيش تجارب متنوعة، معبرًا عن الصراعات الداخلية والخارجية التي تواجهها1.
التاريخ والتراث: يغوص في أعماق التاريخ والتراث البحريني والعربي، مقدمًا رؤية نقدية للأحداث التاريخية وكيفية تأثيرها على الحاضر2.
القضايا الاجتماعية والسياسية: يتطرق إلى القضايا الاجتماعية والسياسية مثل العدالة، الحرية، والتغيير الاجتماعي، مع التركيز على الطبقات المهمشة والفقيرة3.
الصراع الإنساني: يعالج الصراعات الإنسانية والوجودية، مثل البحث عن الذات، الحب، والخسارة، بأسلوب يجمع بين الواقعية والرمزية4.
النضال والمقاومة: يبرز في كتاباته موضوع النضال والمقاومة ضد الظلم والاستبداد، مستلهمًا من تجاربه الشخصية في السجن.
تُظهر هذه القضايا التزام خليفة بالكتابة كوسيلة للتعبير عن القضايا الإنسانية والتحديات التي تواجه المجتمع، وتعكس رؤيته الأدبية العميقة والمتجذرة في الواقع البحريني والعربي.

مسيرته وحياته:
وُلد في المنامة عام 1948، وعمل معلمًا، ونشط سياسيًا مما أدى لاعتقاله من 1975 إلى 1981.
بعد السجن، ركز على الكتابة الصحفية والأدبية، وأصبح رمزًا للفكر المستنير والمناهض للتعصب.
توفي في أكتوبر 2014، تاركًا إرثًا أدبيًا وفكريًا غنيًا.

رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة #عبدالله_خليفة

«الهولة» بين الإنجازات وعذابات التجنيس: كتب ـ عبدالله خليفة

لعل فئة الهولة العربية الخليجية من أكثر الفئات التي عانت بين جذورها وموطنها الأول في فارس وبين انتقالها للمنطقة العربية، على مدى قرون سابقة، فتم التشكك والعزل والقمع لها في موطنها الأول وتم ازدراءها وجعلها في مكانة أدنى وحرمانها من التجنيس سنوات طويلة، في موطنها الجديد.
نتذكر في سنوات سابقة كيف كان هؤلاء الفقراء يُعاملون بقسوةٍ في الأزقة الشعبية، خاصة أصحاب المهن الدنيا، ويُنظر لهم باحتقار، فتـُطلق عليهم ألفاظ تحقيرية مشينة، كأنهم جنس أدنى، ودائماً تتشكلُ الهوة التي يقع فيها هؤلاء مهما حاولوا أن ينتموا إلى المجتمع، فهم دائماً مشكوك فيهم، وأقل إنسانية من غيرهم، سواء واصلوا تقاليدهم الخاصة وألبستهم غير المختلفة مع أهل المنطقة الصحراوية، أو سايروا المجتمع الذي يعيشون فيه تمام المسايرة.
وتغدو ازدواجيتهم بين جذورهم الفارسية التي استفادوا منها معرفة بعض اللهجات الفارسية أو حتى اللغة الفارسية نفسها، وقاموا يتحدثون بها في بيوتهم، وبين حضورهم العربي واتقانهم اللغة العربية، موضع ازدراء كذلك، كأن عليهم أن ينسلخوا تماماً من جذورهم، ويعلنوا مقاطعة أمكنة أجدادهم وتقاليدهم وذكرياتهم.
ويؤدي هذا من ضمن ما يؤديه إلى عدم الاستفادة من هذا التنوع لفئة اغتنت تجربتها بين قوميتين ولغتين عريقتين. ويعبر ذلك أيضاً عن هذه العامية التعصبية المحدودة الوعي والتأثير في المستقبل، ولكنها توسع الفشل واليأس والتخلف في الحاضر.
ورغم كل هذه الصعوبات فإن هذه الفئة لم تسقط في عالم الفشل والتطرف، والتدني الاجتماعي، بل واصلت الصعود في عالم التمايز المذهبي وعالم العداء القومي، وفي عالم الحياة الحقيقية العملية الصعبة، فكثر البارزون والمتفوقون منها في جوانب كثيرة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية بنسبة تفوق نسب الفئات السكانية الأخرى تبعاً لأعدادها.
وهذا التفوق غريب لأنه يُفترض بعد كل هذه الصعوبات الجغرافية والأمراض الاجتماعية أن تنهار ويعمها اليأس وتنتشر بينها حالاتُ السقوط والفشل. وهو أمرٌ لم يُدرسْ في الابحاث الاجتماعية، ولكنني أراه مشابهاً لحال العرب من الأصل الفارسي في صدر الدولة العباسية، حيث نبغ هؤلاء في شتى ميادين المعرفة، وأثروا الثقافة العربية أكثر من العرب.
فهم لا يعطون المال بوفرة منذ صغرهم ولا يُدللون بل ينغمرون ويشقون طرقهم في الحياة بعملهم، فتكثر المواهب وتتوجه لما هو أكبر.
وهو جانبٌ يعود كذلك للأصول الاجتماعية لهؤلاء الذين شقوا صفوفهم وسط الفئات الوسطى الصغيرة، كالخياطين والتجار الصغار والطواشين والموظفين، وإن كان من بينهم جماعة فقيرة ظلتْ تعمل بأيديها من دون تطور، في حين شقت الفئة المتوسطة دروبها نحو الارتقاء فأصبحت مع الطفرة النفطية في مواقع متقدمة من الاقتصاد وإدارة الأعمال.
ورغم الخدمات التي قامتْ بها هذه الفئة وتوجهها للأعمال البناءة وخدمة البلد على مدى هذه العقود، ومن خلال الأفكار الإصلاحية غالباً، فإن بعضَ أفرادِها لم يحصلْ على الجنسية البحرينية إلا بعد طلوع الروح، وبعد عذابات سنين طويلة، احتاج فيها إلى هذه الوثيقة لأعمال ضرورية، لكن عدم وجودها أعاقه عن تلك الأعمال، ولعله تسبب في ضيق العيش وعدم الرقي الاجتماعي.
لا شك أن ثمة أناساً من هذه الفئة مازالوا يعانون غياب وثيقة الجنسية هذه، رغم أنهم تجذروا في هذا المجتمع، وربما كانت حالات فردية أو جماعية، ولكن وجودها النادر منها يعتبر غريباً مذهلاً وغبناً فادحاً، خاصة في هذا الوقت الذي أُعطيت فيه الجنسية لفئات واسعة غير متجذرة في هذا المجتمع ولا تعرف تقاليده، وربما أدى هذا إلى خلل بينها وبين بقية المواطنين، لأن المواطنة تاريخٌ وتجربة طويلة وانتماء عميق.
وإذا خرجنا من هذا النطاق الوطني، إلى الخلل التاريخي الذي تسببت فيه علاقات التوتر بين الجانبين العربي والإيراني والذي انعكس على ملايين من البشر بين ضفتي الخليج فهو أيضاً يبعث على الانزعاج وخيبة الأمل، فمنطقة فارس فيها قوى سكانية كبيرة، تقدرها المصادر الإيرانية الرسمية بأربعمائة ألف إنسان يسكنون فيها، ويقدرها آخرون بشكل أكبر بكثير، ومع ذلك فالعلاقات منقطعة، وهناك شبه عتمة كبيرة على هذه المنطقة، رغم الروابط الأهلية والثقافية التي تشكلت عبر العصور.
وفي الوقت الذي تـُقام فيه العلاقات مع دولٍ بعيدةٍ فإن جمهوراً من المواطنين في دول الخليج العربية يفتقد العلاقة مع جذوره، وأهله، فلا يجرى تبادل ثقافي أو تقام جمعيات أو علاقات.
لا شك أن العلاقات السياسية المتوترة لعبت دوراً في تعطيل الجسور الإنسانية بين المنطقتين، وحدث خوفٌ من تبادل المعرفة والصلات، والذاهب إلى هناك كأنه ذاهب لمحيط من العتمة والظلام، والقادم إلى هنا محفوف بالأسئلة والكشافات.
حتى الجوانب الثقافية كترجمة الأدب والسياحة توارت في الظل، وغدت محجورة أو مشكوكاً في أمرها.
ولكن الأكثر من كل ذلك هو هذا التحسس لفئة من المواطنين وكان هذا التحسس مرضياً بشكل كبير في الماضي ولاتزال آثاره تسحب ذيولها على الوقت الراهن.

الشعبُ والمصيرُ: كتب ـ عبدالله خليفة