البحرين جزيرةُ الحريةِ الغامضةِ في العصر القديم

       

أنظر عبدالله خليفة : إضافة لذاكرة البحرين

بين البحرين والعراق

في فجر التاريخ حين غدا العراقُ مركزاً حضارياً استطاع أن يؤثر في البقاع المحيطة حوله، ولكن بأدوات الحضارات القديمة غزواً وسيطرة ولعلها صفة تمتد حتى إلى الحضارات الحديثة.

وكان ظرفُ النهر الكبير العملاق أقوى من الصحارى، والهضاب، ودول الينابيع والأنهار الصغيرة، فما بالك حين تكون الحضارة نتاجَ نهرين كبيرين؟

لقد تمكن العراقُ من صنع إمبراطوريات، فيما كانت الدول المحيطة في علم الغيب أو ظهرت وهي مفككة ومبعثرة، ولم تتمكن من الظهور حتى شاخت حضارة العراق القديمة، أو تمزقت داخلياً بفعل الصراعات الاجتماعية غير المحلولة.

وكان الرأسان العراقي والفارسي في صدام مستمر منذ ذلك الوقت، فقد جاءت الحضارة الفارسية بعد قرون، ووضعت عاصمتها بقرب رأس العراق القوي، في المدائن، وهيمنت في المشرق كله، ثم جاء العربُ وأعادوا للعراق سيطرته، وبُعدت عاصمة الفرس شمالاً، لكن عاد الفرس من جديد عبر بني بويه وغيرهم، وظلت إشكالية الصدام بين الرأسين الكبيرين لمنطقة شمال الخليج مستمرة ليومنا هذا.

لكن عراقَ الحضارة القديمة والحضارة الوسيطة وجد بلداً صغيراً يتحداه بشكل مستمر، وهو بلد البحرين الذي تعددت أسماؤه وتباينت خرائطهُ ولكن ظل البلد الجنوبي البحري، يظهر مرة على شكل سمكة بحرية تسبح بحرية في الخليج، وأحياناً كريح جنوبية عاصفة.

ولهذا فإن حاكم العراق المتأله البابلي حذر بشدة حاكم البحرين الذي يعيش في جزيرة صغيرة من قوة بطشه، وإنه قادر على غزوه وهو في ملجئه المائي الآمن.

وحدث هذا الغزو وتمت السيطرة، ولكن راحت الجزيرة الصغيرة تغزو الحضارة الكبيرة الغازية، فتحولت إلى مكان مقدس، والبوابة الكبرى لعالم الأموات، وهو عالم شديد القدسية في الحضارات القديمة، وظهرت ديلمون كبلد القبور والتلال، أكبر مقبرة مقدسة، حيث تنزل الأرواح إلى العالم السفلي، وتتطهر هناك.

في أدب العراق القديم كانت الآلهة هي التي تتحكم في المصائر وكانت لها أسماء كثيرة، وقد أُدخل إله ديلمون أنكي، إله الينابيع، في محفل الآلهة النهرية المسيطرة، فتم الأعتراف بالينابيع جنباً لجنب مع الأنهار ـ أي الأقاليم التابعة مع المركز.

(أجاب أدابا آنو:

سيدي، كنتُ أصطاد السمك

وسط البحر

لمنزل (أيا).

لكنه نفخ البحر وجعلهُ عاصفةً

وهبت الريحُ الجنوبية وأغرقتني!

فأُجبرتُ على المبيت في منزل الأسماك)، (من قصة أدابا العراقية القديمة).

في العصر العباسي أتخذ إقليمُ البحرين مواقف متشددة أكثر، وصار قلبَ المعارضة، وما كان ريحاً جنوبية قوية، وسمكاً مستقلاً، غدا حركات سياسية رهيبة في أساليبها، باطشة لا يقل عنفها عن المركز.

وجد الخوارج مساحة هائلة من البصرة حتى عُمان، وظلوا قرناً كاملاً يناوؤن الدولة الأموية، ويقدمون جحافل وقوافل من الموتى، دون كلل أو ملل، حتى أنهكوا الدولة الأموية وصعدَ الضحاكُ آخر زعيم كبير خارجي في هذه الدولة إلى الكوفة واقترب من دمشق، فكانت تلك خاتمة الأمويين ولكن على أيدي آخرين غير منهكين وأكثر تحضراً.

ومع ذلك فإن البحرين لم تتوقف عن دورها المعارض المركزي الذي يتحدى الأمبرطورية قريباً من خاصرتها، ويقترب من مركزها دون نجاح في السيطرة عليه.

ظهر القرامطة ليصارعوا دولة الخلافة قرناً ونصف وجعلوا من أسم البحرين مرعباً يمتزج بالكفر والمشاعية.

وهذا الدور العجيب المناكف المستمر الذي لا يهدأ في الاحتجاج والمعارضة جعل من أسم البحرين ملفتاً، فلماذا دون أقطار العالم الإسلامي الواسعة يبقى هذا الأسم ويتحدى رغم صحراوية المكان وبُعد الزمان؟

لم يقم الباحثون لهذه القضية بحفر كبير.

منذ بداية الدولة الإسلامية صارت الجزيرة العربية مقسمة بين ولدين إحداهما الحجاز وهو الابن المدلل وثانيهما شرق الجزيرة وهو الابن اليتيم الفقير، فأغدق الخلفاء الأمويون الأموال على الأسر الغنية في الحجاز، كما أن موسم الحج أضاف لهم موارد كبيرة أخرى.

وبهذا نفهم حوادث الردة وحروب الخوارج وحقد القرامطة على الحجاج وعلى الأمكنة المقدسة وأخذهم الحجر الأسود وإلقائه في أحد الأمكنة في الإحساء.

لقد كان شرق الجزيرة مصدر القلاقل والثورات نتيجة لسوء توزيع الثروة، ولم تحل الدولة العباسية والدول التي بعدها هذه المعضلة، وحتى في زمننا النفطي الذي أغدق الثروة نجد الكثير من الطرق خاصة الفرعية الكثيرة غير مرصوفة في بلدان نفطية، ونراها معتمة ونخيلها محطم ومحطات تحلية المياه شحيحة.

كانت اضطربات منطقة الخليج عموماً ناتجة عن نشؤ مراكز من خارجها تسيطر عليها، وتنقل ثرواتها إلى مناطق بعيدة وعواصم تعيش برفاهية أو بمشروعات سياسية كونية أو مناطقية، مما جعل مستويات الغنى الفاحش والفقر المدقع تتجاور، وتغدو أداة لسياسات متطرفة أو مغامرة، فيظهر الغازي السفاح جنباً لجنب مع حاكم الدولة الصغيرة المسالم لكن المبعثر للأموال، والذي لا يجعلها تتجذر في بلده والمنطقة فمرة تسرق على هيئة غنيمة حروب أو تضيع في التداولات المالية الغامضة، أو تغدو رشاوى للحركات والدول.

لم تستطع الدول المطلة على الخليج أن تعقد  مؤتمرات تناقش فيه أوضاعها السياسية المحفوفة بالمخاطر رغم كثرة الحروب والمشكلات.

بل أنها لم تعقد مؤتمرات تقرأ تاريخها وتكشف أسباب هذه الخصومات على مدى التاريخ وتفاقمها في الوقت الراهن.

وفي كل مرة يظهر(الرجل المريض) بينها الذي يتم تقاسمه أو جعله يموت.

والبلد الذي كان بينها رمز المركزية وهو العراق صار رمز التشتت وبدايات الدويلات.

لقد تكاثر نموذج حاكم بابل المتأله والذي يريد أن يخضع البلدَ السمكة ويضعها في مقلاته السياسية، والآن تكاثرت الأسماك وكثـُرت مزارعُها وآبارها.

 ✗ العصرُ البرونزي في البحرين

لا يكاد الطالب أن يحصل على فكرة واضحة للبحرين في العصر الديملوني، فهي صورةٌ مشوشةٌ ومرتبطةٌ بعصورٍ تالية وبفتراتٍ مختلفة، لكن من الممكن العثور على صورة ولو تقريبية لذلك الزمن إستناداً إلى المعطيات الأثرية وقد ترك لنا المستكشفون العديدَ من الموادِ الأثريةِ والاستنتاجاتِ المفيدة التي تحتاج إلى بحوث متتالية من أجل إستكمالها وإعطاء صورة مدرسية للطلبة بمختلف المراحل لكي يكون لهم تصور عن تاريخنا الوطني.

تعطينا طبيعةُ المعابدِ والقلاع في الجهة الشمالية من جزيرة البحرين الرئيسية ملاحظةً أساسية بإنها هي البؤرة شبه الوحيدة في هذه الجزيرة في لحظة الظهور التاريخي، ونجد لدينا مادةً وفيرةً من أدوات العمل التي إشتغل بها الصيادون والزراع. فالمعابدُ الشمالية والآثار المختلفة لأدوات العمل والقبور كلها تمثل مجتمعاً متتابعاً من الشمال إلى الجنوب.

(وتشير الاكتشافات إلى القسم الجنوبي من الصحراء قد شهدَ إستيطاناً لمجموعة من الفلاحين، أو مغارسي البساتين. والأدوات الزراعية المستخدمة كقطع الصوان الصغيرة التي شُذبت من نهاياتها وحُفرت جوانبها كأسنان المنشار والتي تآكلتْ اثناء حصد المحاصيل)،(البحرين: البعثات الدنماركية في دلمون القديمة، ب، ف. غلوب، ط1 سنة 2003).

وحسب الكتاب فإن جميع الأنصال والرؤوس المُكتشَّفة من موقع ورشةِ عملٍ ومن مختلفِ الأنواع تعودُ إلى نفس النوع الذي عُرف بشرياً خلال جميع الحضارات الزراعية المعروفة في بلاد وادي الرافدين ومصر ويُعتبر من (أفضل النبال المُكتشفة في العالم)، ص 28.

ومن شمال جزيرة البحرين حتى منتصفها كان هو المجتمع الدلموني حيث القمة أو البوابة أو الواجهة الشمالية ويظهر المعبد ويمثل القيادة الروحية للمجتمع ثم يأتي وجود السكان فينزل المجتمعُ الزراعي حتى منطقة عالي الحالية، هناك حيث القبور ثم الصحراء.

لقد كان المناخُ معتدلاً والمياه أكثر بكثير مما هي عليه الآن مما يسمح بزراعة واسعة كذلك توفر منتجات البحر وفرةً أخرى من المواد الغذائية والجمالية السلعية خاصة اللؤلؤ.

ووفرة كسارةُ الحصى موادَ البناء(ويمكن العثور عليها على شكل طبقة سمكها متر واحد تحت رمال الصحراء بلون واحد)، (وقد ترسبتْ في قاع البحر لملايين السنين، لكنها خرجتْ عندما وثب قاعُ البحر كدرع هائل فوق سطح الماء)، ص41.

استمرت القبور ثلاثة آلاف سنة حين تم العثور عليها وإكتشافها مع البعثة الدنماركية في خمسينيات القرن العشرين، وقد كشفتْ بعضَ الأفكارِ عن العبادات، ولكن الهام هو تكوينُ صورةٍ عن هذا المجتمع الدلموني الذي يبدو إضافةً إلى إنتاجه الزراعي وصيده الحيواني، إنه كان مقدساً يحرس أكبر مقبرة في المنطقة، كأنه دليل يقود الموتى إلى أعماق الأرض، حيث تلتقي في تصوراتهم السحرية تلك الأعماق مع منابع النهرين المقدسين (دجلة والفرات).

تعطينا ملحمة #جلجامش صورة أخرى عن هذا التصور حيث يقوم البطل بالتوجه إلى دلمون فيخطفُ الثعبانُ منه الخلود!

إنها مهنة هائلة لهذه المستعمرات السكانية التي تنامت من صيادي بحر وحيوان حتى إستوطنت هذه الأرض وحولتها لمجتمع، فيما الجزر الأخرى خاوية، بسبب خلوها من الزراعة.

وهنا يمكن عبر دراسة تاريخ تلك المرحلة متابعة تكون المعبودات والآثار المختلفة التي توضح طبيعة النمو التاريخي البطيء بين المصدر في الحضارات النهرية الشمالية ومقبرتها المتحولة لمجتمع حضاري منفصل مضى بسياقه الخاص.

وبطبيعة الحال فإن إرتباط المستعمرات السكانية بصناعة الخلود هذه، قد جعلها مرتبطة بالمفردات الأسطورية للحضارات العراقية القديمة، وحين إنهارت تلك الحضارات فإن مقبرة دلمون الهائلة تراكمت عليها الرمال، ويقدم الكتابُ الآنف الذكر دراسةً كاملةً عن القبور وطرق بنائها ولكن ليس ثمة ربطٌ عميقٌ بين ثقافة القبور المُستنتَّجة والمجتمع الدلموني.

ويظهر كذلك في القبور الحالة الاجتماعية للموتى في ذلك الزمن، حيث ثمة قلة متنعمة ذات قبور واسعة وهناك بقية الناس العاديين المتزاحمين.

ويعطي تكونُ الطبقاتِ المتعددة للمعبد في الشمال فكرةً أن القيادة الروحية السياسية للمجتمع لم تتواصل أو لم تصمدْ خلال هذا التاريخ، فهي تتحول وربما تستبدل.

في حين إن التكوينات الاجتماعية والسياسية الأخرى توجهت لأعماق الريف أو الصحراء كبديل عن الوجود المكشوف في الشمال، وتلك لحظات تاريخية أخرى بطبيعة الحال.

  ✗ جزيرةُ الحريةِ الغامضةِ في العصر القديم

لم تستطع البحرين أن تفلتْ تماماً من الإمبراطوريات العبودية في العصر القديم، لكن وجودَها المستقلَ قليلاً هو بحدِ ذاته كان شجاعة.

قوى التصحرِ والحروب ومطاردة المؤمنين لم تصلْ إليها كما تصل للبلدان البرية حيث تتمكنُ الجيوشُ بسهولةٍ نسبية من إقتحام المدن ولديها وسائل الحرق الفتاكة والسلالم الصاعدة لأسوارها وبيوتها.

تقنياتُ الغزو البحري لم تتطورْ كثيراً لحسن الحظ لتطارد الأحرار وراء السواحل المحمية بالأشجار والقلاع.

إستطاع السكان القدامى المستقلون أن يطوروا إنتاجهم الزراعي الذي كان يحميهم أكثر من معابدهم:

(تقع في الخليج ذاته، جزيرةُ(تيلوس) التي تكسو الغابات قسمها المقابل للشرق، الذي يغمرهُ البحر أيضاً أثناء المد. ويحاكي حجم كل شجرة حجم شجرة التين.. وتنمو على هضبة عليا في الجزيرة ذاتها أشجارٌ تحمل الصوف) بحجم السفرجلة(يتفتحُ متى تنضج ويكشفُ عن كراتِ زغبٍ، يُصنعُ منها قماشٌ غالٍ للثياب)، الخليج في العصور القديمة، ص 873.

فاثنياوس الكاتبُ الإغريقي الذي عاشَ في القرن الثاني الميلادي يذكرُ في كتابهِ(مأدبة السفسطائيين):

(تقع إحدى الجزر في الخليج الذي يُعثر فيه على الكثير من اللؤلؤ)، السابق، ص 881.

وليس غريباً أن تكون ولادة الكنعانيين الذين عُرفوا بعد ذلك باسم(الفينقيين) في جزر البحرين وميناء الجبيل، المسمى قديما بيبلوس، في هذه المدن الصغيرة المتنامية وسط الخليج حيث أعطتهم الولادةُ شيئين عظيمين: صناعةَ السفنِ ومغامرات التجارة.

وإذا كانت الولادةُ صغيرةً فإن الشباب سيغدو كبيراً من اليمن والبحر الأحمر حتى شاطئ المتوسط الشرقي ثم الجنوبي.

وليس من الممكن خلال أربعة آلاف سنة الحصول على جسمِ هذا الشعب الكبير المتقطع عبر قارتين وعبر المدن الكثيرة يتركُ فيها معالمَه من المدن التجارية الكبرى، وإختراعه للكتابة المميزة، وأساطيره الثقافية مولِّدة الإنتاج الإغريقي لغةً ومسرحاً.

كتبتْ السيدةُ بنت في بحثِ (جزيرة العرب الجنوبية) (لندن 1900) عن تلال الدفن في البحرين:

(كان الشك الكامل يكتنفُ أصل هذه التلال ومعرفة من بناها لكنه زال الآن، ولم يعدْ أحدٌ يرتابُ بأصلِها الفنيقي، إعتماداً على الإحالات الكلاسيكية وعلى نتيجة عملنا ذاته، وقد إكتشفنا أثناء تقيباتنا، أشياءً أصلها فينقي مميَّز، فلم يعدْ هنالك مجالٌ للشك بأن التلالَ القائمةَ أمامنا كانت مقبرة واسعة لهذا الشعب المهاجر).

أربعةُ وجوهٍ ممكنةٍ في تاريخ البحرين؛ أن تكون موقعاً لحرية وإستقلال الشعب، ثم أن تكون ملجأً للهروب، وأن تكون مقبرة لساكنيها المترحلين يتركون فيها جذورَهم ويعودون إليها، وتغدو مقبرةً مقدسةً كبيرةً للشعوب المماثلة، وأن تكون أخيراً سجناً يُنفى إليه من لا يقبل العيش العادي في الدول المجاورة وفي الإمبراطوريات التي كانت بحاجة ماسة للسجون.

من الصعب أن تتمكن الدولةُ الفرثية أن تصل للجزر رغم إجتياحها للبر الآسيوي في الخليج، أو الدول التي قبلها كالمقدونيين، وحين يحدث ذلك لا تضمن المحمياتُ بقاءها الطويل.

أما الدولةُ الساسانية فإستطاعتْ أن تفيضَ بسيطرتِها على وادي الرفدين بقوة، وجزر البحرين بشكل محدود اسمي.

ولهذا فإن صنمَ أوال هو عبادة المؤمنين الهاربين اللائذين بالجزر من البطش الساساني، فالاسمُ الخاصُ الغريبُ القادم من فعل (وئال: اللجؤ) هذا يحملُ شيئاً من دلالةِ الاحتماء إضافةً لمعناه الديني العام.

الاسمُ ذاتهُ يحملُ معنى المقاومة (الوطنية) والاستقلال.

يتغيرُ اسمُ (مشامهج) الذي هو حسب النصوص البابلية(بندرٌ يُعثرُ فيه على اللآلئ)، فتلفهُ سحابةُ العصرِ الإمبراطوري الروماني بردائهِا الكنسي، ويحرمُ مطران (مشماهج) من ممارسة عمله الديني، وقد إنتقد بطريرك الكنسيةِ الأرمنية الأسقفَ البحريني إبراهيم المشاهمجي، متهماً إياه بخلق التمرد.

أسكن سابور الثاني الملك الساساني: (بعض بني تغلب في البحرين، نعني دارين وسماهيج).

هكذا تأخذ قريةُ سماهيج تاريخَها من قلبِ الإمبراطوريات ومن تراثها لكن صناعتها للسفن والقوارب وغوصها في البحر هو الذي يؤسسُ بقاءها.

تأخذ الأسماءُ ألوانَها من الديانات والقبائل والعصور ولكن قوى الشعوب ودلالات وجودها المستقل تأخذهُ من عملها وتكونها كقوى متوحدةٍ مدافعة عن أرضها وحريتها.

  ✗ تجارةُ دلمون خطوةُ الخروجِ إلى العالم   

إن المدنَ الصغيرةَ النامية في الخليج في أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد، خاصة دلمون، يقودوها وضعُها الجزري المحدودُ للخروج إلى العالم، غير قادرة على البقاء طويلاً في هذه المحارة مع تنامي تطورها الاقتصادي الداخلي وسكانها ومع تنامي التجارة قربها في أهم خطوطِ المبادلات بين الهند والعراق وسوريا.

حتى الآن نحن أمام مادةِ التكونِ الداخلي الأولى في هذه الجزر، ومعرفتنا محدودة ولا نعرف بشكل كبير ما إذا كانت لديها قدرة على تكوين مدن صغيرة تجارية أم مستوطنات صغيرة، وما هي ملامح الاقتصاد وأعداد السكان؟

هذه أسئلةٌ من الصعب الإجابة عليها كلها دفعة واحدة، خاصة إننا نطلُ على دلمون الغامضةِ من خروم إبر، هي هذه المُسماة الأختام الدلمونية.

إنها أجزاءٌ صغيرةٌ تحددُ ملكيةَ الشخصياتِ التجارية بدرجةٍ أساسية، ولها أهدافٌ دينيةٌ وشخصية أخرى، لكن دورها التجاري هو محور وجودها ومنها  تكتشف المعلومات الهامة التي تحدد بها الوضع الاقتصادي.

وعلى هذه الأختام تُحفر رسومٌ متعددة، ومن خلال درس هذه الأختام إستطاع الآثاريون أن يقتربوا من ملامحِ المدنِ الصغيرةِ الناهضةِ التي وصلتْ لمرحلةٍ تجارية تبادلية: داخلية وخارجية، وهو أمرٌ يعني تفكك البُنى القبلية ذات الاقتصاد الطبيعي المنغلق، وتحولها لمبادلات على المستويين المحلي والقاري الآسيوي، وتنوع المستويات الاجتماعية المنبثقة عن تنامي التبادل هذا.

تلك الشفراتُ الحجريةُ الفنية المسماة الأختام، أعطت تلك المعلومات الشحيحة، وقد عكف للحصول عليها ودرسها والحوار حولها باحثون كثيرون، وضعوا الخطوطَ العريضة لذلك المجتمع الصغير الطالعِ من بين الأحجارِ والزرع الضاري والبحر المحاصر.

في مستوطنة قرية سار البحرينية ذات التسمية  الحديثة التي عكف على درسها الآثاريون الغربيون تتواجد البيوتُ الصغيرة المتقاربة، ذات السكان المعتدلي الأعداد، وثمة شارعٌ رئيسي تصطفُ حوله البيوتُ الأكثر تميزاً إجتماعياً، ووُجدت الأختام في العديد من البيوت بدون أن تكون دليلاً على أمور إقتصادية فحسب.

لكن الملاح التجارية باروة:

هناك(طرود أحتوت على أصناف عديدة من المواد الصلبة من أقمشة و”حُصر” وربما مواد غذائية.) و(تظهر علامةُ مُلاكٍ على جرة مطبوعة، بين رقبة وكتف هذه الجرة مما يعني إنها أحتوت سائلاً كالجعة أو ربما نوع من الزيوت معدة للبيع)،(كتاب الأختام الدلمونية المبكرة من سار، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 56).

المفردات التجارية الأخرى عديدة مثل أن الأختام وُجدت بنسبةِ ثلثٍ في بيوت الشوارع الرئيسية المميزة، ولا يُلاحظ وجودُ جهازٍ بيروقراطي وسيطٍ لتداول هذه البضائع، مما يُرجح وجود إنسياب في تدفق السلع من المستوطنة للعالم الخارجي، (كما أن مجموعة صغيرة من الأقراص ربما تم إستخدامها كتعريف أو تصريح من قبل أشخاص خاصين أو رجال أعمال)، ص 75.

(إن بعض السكان كانت لهم نشاطات تتعلق بمنتجات محلية كالجعة والأقمشة والتي تم فيما بعد مقايضتها مع جيرانهم)، (يبدو أن المجتمع في سار كان متساوياً وشبه مستقل).

(يمكن القول أن رجال أعمال مستقلين قد استخدوا هذا النظام البسيط لتمكين مرافقيهم من أداء العمل نيابةً عنهم، فتعطي تلك الأقراص للموزع للاقرار باستلام البضائع أو المؤن، وبالتالي يمكن إستعادة القيمة عند إبراز هذه الأقراص)، ص62.

هذا النظام التجاري التبادلي المكِّون الأساسي للمستوطنة، يظهرُ في مستوطناتٍ أخرى في دلمون، لتغدو البلد جزءً من شريان تجاري عالمي أوله هو منطقة شرق الجزيرة العربية التي لم تكن عربية وقتذاك، وكذلك جزيرة فيلكا، ثم تتكاثر خيوط الاتصالات مع جنوب العراق، ثم سوريا خاصة؛ ويتمكن الباحثون من الربط من خلال أدلةِ الأقراص ورسوماتها؛(وهذا المشهد ذو الجرة الموضوعة على الأرض أكثر شيوعاً في سوريا منها في بلاد الرافدين، ويمكن رؤية نفوذ هذه المنطقة أيضاً في صورة القرد الغريب أو الكائن الذي يشبه النمس على عدد من أختام دلمون المبكرة).

الآثار والكتاب لا يقدم لنا أسباب هذه الصلات القوية بسوريا، لكن نحن نعرفُ بعضَ الخيوط الواهية حول خروج ذلك الشعب الذي أُطلق عليه الشعب البحري والذي سُمي بعد ذلك بالكنعانيين أو الفينقيين حسب مصطلحات الشعوب لتحديدهم، وبعد قرون عديدة وهم يبحرون ويسكنون مرافئ ومناطق الجزيرة العربية الساحلية نحو البحر الأحمر ثم نحو البحر الأبيض المتوسط وتكوين الدويلات المدنية المعروفة على شواطئ البحر الأبيض الشرقية.

 أما اللغة التشكيلية في الأختام المركزة على الكائنات الحيوانية فهي تعكس لغة الوعي التي ترى هذه الحيوانات المقدسة كالثور والحيات وغيرها كثير، ويظهر معها الإنسان التي يتداخل بها ويصطادها ولكن مساحة الأختام الصغيرة الصعبة في الحفر والتشكيل لا تتيح تفسيرات مهمة عن هذه العلاقة بين الكائن البشري الذي يظهر عاماً وسلسلة طويلة من الكائنات من الثور حتى القواقع والسرطانات، وهذا كله إنعكاسٌ بسيط لعلاقة الكائن البحري الزراعي بالمخقلوات المنتشرة التي تحيطُ به.

 ✗ البحرين في العصر الوسيط    

القرامطة: الجذور التاريخية

لا بد لكي نعرف حياة أقليم البحرين في العصر الوسيط وتطوره ، لا بد من إلقاء نظرة موجزة ومكثفة على الظروف العامة لتشكله ، ففي ذلك الحين كان إقليم البحرين الممتد من جنوب البصرة حتى مشارف عُمان ، وفي قلب هذا الإقليم يقع ساحل هجر وجزر أوال ، وما يحيطهما من صحراء وبحر . وهذا الإقليم وحده بين شرق الجزيرة والعالم الذي  يجمع النقيضين وهما بحران من ماء عذب وملح أجاج ، وقد جاء ذلك في القرآن .

 نشأت أسس المعارضة الطويلة في الإقليم بسبب الظروف التي لابست تطور الدولة الإسلامية ، فقد جاء في معاهدة العلاء الحضرمي بأنه :

[هذا ما صالح عليه العلاء الحضرمي أهل البحرين على أن يكفونا العمل ويقاسمونا الثمر] ، ولم تعجب أهل البحرين هذه القسمة فارتدوا مع من ارتدوا عن سيطرة المركز في المدينة ، ولكن جعل الفتوحات الأولى لفارس عن طريق البحرين جعل هذا الإقليم جزءً من عمليات الفتوح الكبرى وآثارها المختلفة ، و في عصر الدولة الأموية تم تجاهل هذا الإقليم تماماً ، حيث غدا جنوب العراق وخاصة البصرة هو مركز التجارة والاستيراد والتصدير ، مما جعل الإقليم مهمشاً على الصعيدين الاقتصادي والسياسي .

[ أما الزراعة فكانت مزدهرة هي الأخرى خصوصاً في ساحل هجر وفي جزيرتي أوال وتاروت، وتحيط بهذه المنطقة بادية كان يسكنها عبد القيس وبكر بن وائل وتيمم قبل الإسلام ، وكان جل اقتصادهم يرتكز على الرعي والغزو أو أعمال القرصنة.] ، (1) .

إن موارد الإقليم مهمة في الزراعة والرعي ولكنها تكاد تكفي للحياة الداخلية ، فقد عُرف هذا الإقليم بالفقر الشديد ، ولكنه كان يرسل الخراج بصورة منتظمة إلى العاصمة دمشق ثم بغداد ، مما جعله يتحول إلى مركز دائم للمعارضة والثورات ، فأنتج الخوارج ثم القرامطة وهما أكبر حركتي معارضة في التاريخ الإسلامي والعالمي القديم .

إن هذا يعود لتأثرات القبائل الفكرية والسياسية البحرينية بموجات المعارضة الكبرى التي كانت تنتجها إيران ، والتي كانت تمر أو تختمر في جنوب العراق، ثم تنمو في إقليم البحرين البعيد عن السيطرة المركزية .

فقد عُرفت قبائل عبد القيس وتميم خاصة بالصلة المستمرة بالسواحل الفارسية ، نظراً لتداخل المصالح والهجرة والانتقال السكاني المتبادل على مر التاريخ ، ولم تكن هذه المنطقة ذات كثافة بشرية كبيرة ، فأثر فيها الفرس وحكموها ردحاً طويلاً من الزمن .

وقد تأثرت قبيلة تميم خاصة بالأفكار الثورية القادمة من فارس ، خاصة أفكار المزدكية والمانوية ، وعبر هذه القبيلة تغلغلت أفكار الزهد عند بعض الشخصيات التاريخية العربية ، لكن هذه القبائل وقد رأت الحكم يتركز في قريش أعلنت التمرد، وطرحت شكلاً شعبياً للحكم رفضت فيه الاحتكار القرشي ، ثم تحولت هذه العملية إلى حركة سياسية كبرى ، انتقلت من العراق إلى موطنها الطبيعي ، ومركز قبائلها وهو إقليم البحرين ، الذي قام بحماية الحركة على مدى قرون في حين كانت الحركة تذوب وتتلاشى في الأقاليم العربية الشمالية . ولعل حركة التمرد الطويلة هذه من الأسباب التي زادت هذا الإقليم فقراً على فقره . وأخذ ينعزل عن حركة التطور الاقتصادي الواسعة في الإمبراطورية الإسلامية حينذاك .

لا نستطيع أن نفعل كما يفعل المؤرخون والباحثون بالتركيز على العوامل الفكرية باعتبارها المحرك الأكبر لبعض سكان إقليم البحرين بالتوجه إلى حركات المعارضة العسكرية الكبرى ، بل نرجعها إلى ظروف الفقر الشديد والشظف والبداوة والحرمان وعزل المنطقة عن التجارة المزدهرة وعن الإصلاح التي جعلت هؤلاء السكان يتعاطفون بسرعة شديدة مع تلك الحركات .

فمن الصعب تصديق الرواية القائلة بأن أبي سعيد بن بهرام الجنابي مؤسس الدولة القرمطية في البحرين بأنه شخص يمثل أفكاراً كبيرة وناضجة، فنحن نجد الرجل يلتقي بحمدان الأشعث ثم يعتنق الأفكار التحولية هذه ويندفع إلى البحرين في ظرف زمني قصير ثم يشكل دولته العتيدة .

ولكن إذا حاولنا تفحص هذه المسألة بدقة ، فسنجد إن أبا سعيد كان شخصاً مغامراً يبحث عن فرصة سياسية  للصعود، وهو بدلاً من أن يتجه لدعوة فكرية طويلة نراه يبحث عن قبائل الغزو والجريمة لكي يضمها إليه:

[وحين توجه أبو سعيد الجنابي بالدعوة إلى العرب أجابه بنو الأضبط من كلاب.. وهؤلاء ليسوا من قبائل البحرين القديمة .. فجمعهم أبو سعيد فضم إليهم رجالاً وساروا فأكثروا من القتل ] ، (2) .

هكذا نجد أبا سعيد وهو يشكل حركته من القبائل المجهولة ومن قطاع الطرق، وكانت أول حركة سياسية عسكرية له هي تدمير مدينة هجر، [ ولم يوفق بالسيطرة عليها إلا بعد أن قطع الماء عنها وفر بعض أهلها في البحر ودخل بعضهم دعوته وخرجوا إليه وبقيت طائفة لم يفروا لعجزهم ولم يدخلوا في دعوته فقتلهم . وأخذ ما في المدينة  وخربها فبقيت خراباً وصارت مدينة البحرين هي #الأحساء] ، (3) .

وفي حين نجد الحركات الثورية والإصلاحية تقوم ببناء المدن وتشكل نهضة مدنية، نرى أبا سعيد يبدأ تاريخه بهدم مدينة عريقة ، عبر تحالفاته مع القبائل الفقيرة والأعراب وتحويلهم إلى قوة عسكرية ضاربة ، وجعله الغزو المدمر علامة لسياسته التخويفية .

بطبيعة الحال هناك تشنيعات كبيرة بحق القرامطة، لكن ثمة خيطاً من الحقيقة في هذه العمليات العسكرية . فالرجل بعد إنشائه مدينة الإحساء طور الحياة الاقتصادية عبر إصلاح المزارع ومساعدة الفقراء المحتاجين وجعل الإحساء عاصمة كهجر السابقة ، وفي رأيي فإن أبا سعيد لم يفعل ذلك إلا ليؤمن الجبهة الداخلية لنظامه العسكري استعداداً لجعل سياسة الغزو المورد الاقتصادي الحقيقي والواسع للدولة .

ولم يكن غزواً يؤدي إلى توسع الدولة ونمو علاقاتها وتطور مدنها وثقافتها ويشكل انقلاباً حضارياً في جسم الدولة العباسية الشائخة والمتعفنة وقتذاك ، بل كان الغزو هجمات على المدن بغرض السلب والنهب ، فحين غزا القرامطة البصرة سنة307 هـ [ نهبوها وقتلوا وسبوا أهلها] ، [وضعوا السيف في أهلها وأحرقوا البلد الجامع ومسجد طلحة وهرب الناس  وألقوا بأنفسهم في الماء فغرق معظمهم] ،(4) .

لا نستطيع أن نفهم هذه العمليات العسكرية بغرض البناء السياسي وإنتاج بديل لنظام قديم أو نعتبرها محاولات لتشكيل نظام في حالة من البحث والمخاض ، فهؤلاء الغزاة لا يحملون فكراً أو علاقات اقتصادية وسياسية جديدة ، إنهم مجموعات من قبائل الغزو والإغارة ، فقد كان بالإمكان حكم البصرة وإعطاء سياسية اقتصادية جديدة ومفيدة للمدينة ، ولكنهم لا يملكون هذا الوعي لقراءة واقع وحياة المدينة ، وبالتالي استبصار مسار الدولة العباسية وتقديم بديل لدولة إقطاعية شائخة . أي لو كان هؤلاء متطورون فكرياً واقتصادياً لوضعوا التاريخ العربي على مسار آخر .

كان البديل سوف يـُنتج لو أنهم حرروا فلاحيهم البحرينيين من الاستغلال والإقطاع ، ولكن نظام السخرة والعبودية واستغلال الفلاحين ظل مستمراً ، فكان هناك [ السادة ] وهي الفئة الحاكمة التي تملك العبيد والخزائن والأراضي والمطاحن ، وبقربها طبقة من الملاكين الخاصين ، وفي القاعدة جمهور الفلاحين والعبيد والبدو .

كان توسع #القرامطة في استخدام العبيد تعبيراً عن فقر المنطقة في إنتاج علاقات اقتصادية متطورة وثقافة متطورة ، وكان الاعتماد على القبائل الرعوية المتخلفة يجسد كل ذلك .

تعبر الاختلافات السياسية والفكرية بين الفاطميين والقرامطة عن المدى الكبير  بين المستوى الحضاري والمستوى الرعوي المحدود . وحين يقال بأن القرامطة والفاطميين هم نتاج حركة واحدة هي الإسماعيلية فإن ذلك صحيح بالأجمال ، فنجد إن أساس المغامرات السياسية والعسكرية متشابه في نمو هذه الحركة بفرعيها الفاطمي والقرمطي ، حيث اعتمدت كلتاهما على الأفكار الإمامية الإسماعيلية ، وعلى مغامرين سياسيين يتوجهون إلى مناطق التوتر الاجتماعي والسياسي ، فيدّعون رسالات ويزعمون اتصالاً بالغيب الخ.. ويقومون بتنظيم القبائل الرعوية ودمجها في حركتهم والارتكاز عليها لتشكيل دولة وعبر إعطائها الغنائم .

ولكننا نجد إن مسار الفرعين جد مختلف ، فبينما شكل الفاطميون حضارة وثقافة رفيعة ، وتوسعوا ، وأعطوا مصر ركائز لتطور حضاري عميق تال ٍ، نجد القرامطة بلا إرث ثقافي وبلا تشكيل لنهضة مستمرة ، بل قاموا بإفقار المنطقة وتحويلها إلى منطقة بدوية متخلفة بشكل شامل.

وتعود هذه الأسباب ، بطبيعة الحال لمستوى تطور البلدين الاجتماعي : مصر وإقليم البحرين ، ولكن أيضاً للممارسات السياسية المختلفة للجماعتين ، فقد توجه الفاطميون في غالب حياتهم التاريخية للبناء السياسي والاقتصادي والفكري ، في حين عاش القرامطة أغلب تاريخهم على الغزو والحروب .

وإذا كان للفاطميين مشروعهم السياسي الذي لا يحيدون عنه وهو تشكيل دولة موحدة تضم العالم الإسلامي بأكمله ، في حين إن القرامطة كانوا بلا مشروع ، وكانوا قد اقتربوا من بغداد العاصمة تماماً ، ولكن حولوا المعركة إلى مذابح . والأمر لا يعود لقطع أحد الجسور عليهم ، بل لغياب الجسر الفكري والاقتصادي مع السكان ، وعدم قدرتهم على تشكيل بديل حضاري ، بل أن السكان وجدوا في العباسيين على جبروتهم واستغلالهم نظاماً أكثر حماية للنفس والعرض والوجود عامة . لكن الفاطميين هم كذلك لم يستطيعوا حل التناقضات الاجتماعية التي وعدوا بحلها ، لكنهم حافظوا على العلاقة بين الظاهر والباطن ، بين الأحكام الإسلامية العامة وبين الوعي الغيبي الذي يؤمنون به ، في حين عجز القرامطة عن تشكيل جسر بين الظاهر والباطن ، بين السيرورة الإسلامية العبادية والمعاملاتية وبين أفكارهم .

وإذا قيل بأن الدول التي جاءت بعد القرامطة والفاطميين أزالت آثارهم ومحت سيرتهم من ذاكرات الأجيال ، وهذا صحيح ، ولكنها لم تستطع أن تزيل التاريخ الفاطمي والإسماعيلي، نظراً لكثرة التأليف والإنتاج فيه ، واستمراره التاريخي ولكن القرامطة لم يورثوا شيئاً .

ولهذا لا نجد أبنية لهم أو مؤسسات اقتصادية وعمرانية باقية ، مثلما نجد للديلمونيين مع بُعد الحقب بيننا وبينهم و رغم استمرار القرامطة على مدى أكثر من قرنين .

من المؤكد إن ذلك يعود لطبيعتهم الاجتماعية كجماعة مغامرة سياسية ارتكزت على الرعاة والأعراب المتخلفين ، وكان قرامطة البحرين أفضل حالاً من قرامطة سوريا الذين كانوا أكثر عنفاً ، في حين كانت بداية الحركة على يد حمدان بن قرمط في جنوب العراق أكثر تطوراً ، لكونها تحولت إلى حركة تعاونية فلاحية ، وهذا يعود كذلك إلى المستوى الحضاري العراقي ، قياساً بالجزيرة العربية وهيمنة البداوة عليها .

وفي دراسة موثقة بعنوان [ الفاطميون وقرامطة البحرين]، كتبها و.ماد لونغ، وهو أستاذ العربية في جامعة أكسفورد، ومن المختصين القياديين في الدراسات الإسلامية، وهو مرجع مختص بالحركات الإسلامية في العصور الوسطى كما تعرفه دار النشر، يثبت فيها تباين القرامطة عن الفاطميين، ويفند الصلة بينهما،(5) . 

في هذا البحث نجد إن الارتباطات بين الحركتين هي ارتباطات فكرية في بداية الأمر ، ثم ما لبثت كل حركة أن نمت في منطقتها ، بحيث إن الفاطميين تحركوا ليس على المستوى العسكري فحسب ، ولكن على مستويات المعرفة والعلوم والإنتاج الثقافي عموماً ، فظهر مفكرون وباحثون وفلاسفة ، ثم امتدت الحركة إلى سوريا ، وشمال إيران ، وحين وقعت هذه الحركة في مناطق جبلية وقروية ضيقة ، وكان رمزها قلعة الموت، أصيبت بما أصيبت به الحركة القرمطية في البحرين من ضيق فكري وقصر نظر سياسي ، فاعتمدت الإرهاب  والاغتيال أداة للتغيير .

وعموماً فإن الحركة الإسماعيلية ذاتها لم تطرح برنامجاً اجتماعياً تقدمياً لتطور العرب والمسلمين ، وتجمدت عند المستوى التقليدي للحركات الدينية.

تبدو ضخامة أخطاء القرامطة في كثرة الحروب والموقف من الدين ، والوجهان معبران عن رؤية داخلية مأزومة.

ومنذ أن تكونت بنية اقتصادية في الإقليم والدولة توجه طاقتها نحو الحرب التي اتسعت رقعتها ؛ من شن الهجمات على العراق وسوريا حتى مصر ، ثم السيطرة على طرق الحجيج ، وكل هذه العملية الاستنزافية هي من أجل المال ، نظراً لأن دولة القرامطة كانت ذات موارد محدودة ومشروعاتها العسكرية لا تتوقف .

وفي الحروب لم تكن لها مواقف ثابتة ، فكانت هجماتها الأولى لسلب المدن العراقية الجنوبية ، ولم تطرح على السكان تبديل نظام الحكم ، والعمل من أجل مشروع سياسي جديد ، لأن حكام الدولة لا يمتلكون أي تصورات مهمة .

واضطراب المؤرخين والباحثين بكون حركة القرامطة منبثقة من الاتجاه الإسماعيلي أو الاتجاه الحنفي ، أو إنها جاءت تحت تأثير الثورة البابكية التي انفجرت ضد المأمون ومن بعده من الخلفاء ، فكل هذه المحاولات للبحث عن شخصية فكرية هي غير مجدية لأن الحركة بلا هوية عميقة ، فهي نتاج مجموعة سياسية عامية ، ازدادت عاميتها وأميتها الفكرية مع اندماجها المتواصل مع أعراب الجزيرة ، واعتمادها على أسلوب عيشهم المتكرس بالغزو .

ويبدو غياب المشروع والأمية والعدمية الثقافية من اعتماد العنف وسيلة للبقاء ، وكذلك الهجوم على الدين ، ويبدو الهجوم هنا ليس نقداً أو تحليلاً واكتشافاً لجذور الأديان في المنطقة ، ومعرفة سببياتها وأهدافها ، بل هي عملية إنكار أمية لها ، تتجاهل شعائرها وقراءة أفكارها ، ثم تصبح استهزاءً بها وعنفاً ضد مظاهرها .

إنها أرستقراطية من نوع جديد ، فهي قطع مع التراث بصورة دكتاتورية ، وهي تعالي على المؤمنين ومقدساتهم ، وسيطرة عنفية على حياتهم وتوجيهها نحو الحرب .

ومن هنا نجد الفاطميين أصحاب مشروع فكري وتنظيم توحيدي بينما هؤلاء مجرد قطاع طرق تاريخية ، ولهذا كان لا بد أن يصطدم الفاطميون والقرامطة ، فالقرامطة كان يخربون المشروع السياسي التوحيدي الفاطمي ، ولهذا كان الإسماعيليون مؤمنين إسلاميين ، لهم رؤية خاصة في هذا الإيمان ، أما القرامطة فأناسٌ عدميون لم يستطيعوا أن يشكلوا لهم رؤية خاصة في الإسلام ، لأن تشكيلهم لرؤية إسلامية خاصة يعني تجذرهم في المنطقة واستيعاب تراثها وطرح برنامج ما لتحويلها ، وإقامة علاقة بالمؤمنين ، وحماية أرواحهم وليس هدر دمائهم .

ويبدو إن القرامطة هم أناسٌ من بقايا ومتشردي الحركة البابكية الفرس الذين انتقلوا للضفة العربية بعد فشل مشروعهم في إيران ، ولهذا نجد معظمهم بأسماء فارسية، كأبي سعيد بن بهرام أو دادويه أو حسين الأهوازي الخ ثم واصلت القيادة القرمطية حياة العزلة العميقة عن المحيط العربي مع هيمنتها على الأموال والأرواح .

وقد وقعت جزر أوال مثل بقية إقليم البحرين في قبضة القرامطة ، لكنها لم تكن عاصمة الحكم ، وفي مركز القرار ، فهي ثالثة الأثافي بعد الأحساء والقطيف ، وقليلة هي الإشارات التي نجدها في الكتب القديمة عن جزر أوال ، وأسم أوال هو في الواقع يعبر عن مرحلة من التداخل بين انتهاء العصر القديم والعصر الوسيط . وهناك إشارات محدودة لأسم أوال في هذه الدراما الرهيبة :  

في سنة 361 هـ – 972 م وقعت في أقليم البحرين الذي يسيطر عليه القرامطة ثورة سابور الذي كان أكبر أولاد أبي طاهر الجنابي ، قائد الدولة البارز والراحل ، وسابور وأخوته كانوا قد أبعدوا عن الحكم ، فلم يرض سابور بذلك ، وقام بانقلابه الذي لم ينجح فيه ، فأودع هو وأخوته جزيرة أوال .

وقد وجه المعز حاكم مصر رسالة شديدة اللهجة إلى الحسن الأعصم الحاكم يحتج على وضع أولاد أبي طاهر في السجن بجزيرة أوال ،(6) .

لا يعني ذلك إن أوال كانت سجناً فقط ، بل كانت كالقطيف وجزيرة تاروت تجمع بين الزراعة والغوص من أجل اللؤلؤ ، وتقوم بإرسال دخلها إلى الأحساء . ومن هنا كانت كبقية أجزاء الدولة القرمطية توظف أموالها لحروبهم التي تستنزف الموارد القليلة .

من أفكار عبدان

تحت عبارة من هو عبدان يقول المحقق عارف تامر :

[ كل ما نعرفه إن انتساب هذا الداعي للدعوة الإسماعيلية قد تم على يد حمدان بن الأشعث المعروف [ بقرمط ] ومما نعرفه عنه أيضاً انه تزوج ابنة حمدان ، وأنه تثقف في مدرسة الدعوة بسلمية – سورية وكان من ابرز الدعاة وأغزرهم علماً وفلسفة ، ومن الجدير بالذكر انه قــُتل أخيراً على يد ( زكروية بن مهروية ) الذي قاد جيوش القرامطة في الدور الأول وأزاح من أمامه المعارضين ومنهم عبدان ] ،(7) .

تصاغ أفكارُ عبدان في كتابه [ شجرة اليقين ] بأسلوب غامض مكرور ، تختلطُ فيه الفصحى والعامية ، وهو يجمع بين شخوص الغيب من الإله والأنبياء والملائكة والشياطين والأولياء في عجينة غيبية تمتد من السماء إلى أغوار الأرض السحيقة ، جامعة بين النصوص الدينية القرآنية خاصة بتلفيق واسع ، وبين أفكار غريبة وتحولات باطنية للأئمة القادرين على كل شيء .

يبدأ عبدان كتابه بجعل سطوره معبرة عن الحقيقة المطلقة التي لا تعرف سوى أثنين أما مصدق تام فيكون من المؤمنين الداخلين الجنة وأما من المكذبين الأشرار الذين يدخلون النار :

[  وبعد .. فان من ينظر في آيات كتابنا هذا الدالة على الآفاق والأنفس ويطلب حقائقها ، ويقف على علومها ، ومطابقتها للشرائع والأحكام ، ويتقبلها بالشكر والقبول .. يكون في جملة من أطاعوا الله جل ذكره ..( …) .. وأن كل من ينظر في هذه الآيات الموجودة في الآفاق والأنفس ، والدلالات الباطنة فيها ، ولا يطلب حقائقها وتأويلاتها من أرباب الدين ، وأصحاب اليقين ، فيكون من الأبالسة والشياطين الذين استوجبوا غضب الله وخذلانه وحرمانه ، كقوله تبارك اسمه : ((إذ قلنا للملائكة))،(8) .

يحدد عبدان بأن بيانه هو بيان جماعي ينطق هو به لكنه منتشر يحدد تأويله أرباب الدين ، فهناك جماعة هي وحدها القادرة على تحديد الحقيقة وإدخال الناس فيها .

(( أسجدوا لآدم )) أي اخضعوا للناطق وناطق كل دور من الأدوار مثل آدم – ومعنى آدم أي انه خلق من أديم الأرض وأديم الأرض هو ظاهرها . (( فسجدوا إلا إبليس )) ، ففسق عن أمر ربه – أي خرج عن أمر الناطق وأصبحت ذريته من ( القشرية ) وهم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها ، وعندما أخبرهم جلّ ذكره فيما ينظر إلى ما خلقه في الآفاق والأنفس من الدلالات والآيات ، لم يتفكروا فيها ، ولم يطلبوا حقائقها . فتبرأ منهم ، وحرمهم من رحمته ورضوانه.](9).

يحيلُ عبدانُ آدمَ ، كما يـُـقال في الوعي الديني المشرقي ، بأنه أبو البشر والأنبياء ، إلى ناطق ، إلى زعيم سياسي قائد ، إلى منتمٍ إلى تلك الجنة السماوية ، ويمكن عبر تأويل معاصر أن نقول بأن تلك الجنة هي أرض الفلاح الُمستلبة ، وأن آدم هو بداية للناطقين باسم تلك الحقيقة الأبدية التي تسير فوق الزمان والمكان ، ولكل ناطق خصمٌ يعاديه وينافسه وخصم آدم هو الشيطان ، والهدف هو الجنة السماوية أو الأرض الزراعية والسياسية المعاصرة .

وتعبرُ هذه الثنائيةُ الصراعيةُ عن قوى الشر والخير المتضادة ، وقد تحولت إلى رموزٍ مجردةٍ ، لا تتبلورُ بمضمون معين ، وهي خاضعةٌ لمنطقِ السارد ، وهو عبدان ، الذي يحيلُ كلَ رموز آدم ، أي كل رموز الخير وهم الأنبياء التالون والأئمة وأصحابهم ومن والاهم ، يحيلهم إلى الإيجابي والخلاق في التاريخ أما عنصر الشر وتجلياته فهم الأسماءُ الشريرةُ التي سيذكرُها لاحقاً ، وهي التي ستـُعاقب في جهنم وهي الرمز المضاد للجنة ، في حين يكون موضع الأخيار هو العودة إلى تلك الجنة ، وهي في الحقيقة تملك الأرض السياسية والسيطرة عليها .

ويكمل عبدان :

[ وقد جاء انه لا بد لكل ناطق من النطقاء السبعة من إبليس يكاشفه ويعاديه ويضل أمته عن الصراط المستقيم ، والدليل على ذلك قصة آدم المكررة سبع مرات في القرآن الكريم ، وقد أراد جلَّ ذكره من تكرارها سبع مرات أن يذكر بأن مثل آدم سبعة نطقاء .. أولهم آدم وآخرهم الناطق ..] ، ( 10 ) .

يجعل عبدان التاريخ البشري متداخلاً والتاريخ الغيبي ، فإضافة إلى صورة الإله المتحكمة في كل شيء التي يشكلها عبدان ، فإن القرآن يمثل الكتاب السري للتعريف بتلك الحركة المتداخلة بين السماء والأرض ، بين الإله والبشر ، ولهذا فإن القرآن في إشاراته الرمزية تلك ، يعرض قصة آدم سبع مرات لا أكثر ولا أقل لتبيان عدد الناطقين الذين سيظهرون للناس ، دون أن يقوم القرآن بعرض ذلك بشكل مباشر !

ولا يرتبط هؤلاء الناطقون السماويون بأي سببية تاريخية أو بأهداف محددة ، فهم يظهرون بتسللهم السباعي فقط ، وكأن هذا التسلسل السباعي هو من يحدد التاريخ الغائب الملامح والأسباب ، ويقوم عبدان هنا بإدخال حركته السياسية في ذلك التسلسل الإلهي الغيبي المفروض على البشر ، فالقائم هو تتويج لسلسلة الأنبياء وختامهم .

ثم يقوم بذكر هؤلاء السبعة ، [ فإبليس آدم هو عزرائيل وشيطانه قابيل ، وإبليس نوح حام ، وقد جاء في الخبر إنه رأى عورة أبيه وهو نائم ، فأطلع على ذلك أخوته كنعان وسام ويافث ، ولم يستره .. والمعنى : إنه كشف عن ما وصل إليه من أبيه من العلم الذي لا ينبغي كشفه إلا لأهله ، وقد نصحه أبوه فلم يرتدع ، وأصر على المعصية ، ولم يتب فاكتسب مقام الإبليسية ، وغرق في الطغيان ..] ، ( 11 ) .

إن صورة الشر لا تكتفي بنموذج  غيبي بل تشكل نموذجاً إنسياً كذلك ، فعزرائيل الملاك المكلف بأخذ الأرواح يتحول عند عبدان إلى رمز للشر ، ولم يجد في فترة آدم سوى قابيل ليلصق به وكالة الشر الأرضي . ثم جعل إبليسَ نوح هو ابنه حام ، كما جاء في قصة التوراة الأسطورية لتفسير الأجناس البشرية وهم : سام وحام ويافث . ويرتكب عبدان خطأً تاريخياً هنا حين يجعل كنعان أخاً منهم ، وهو اسم لشعب سامي من الجزيرة رحل إلى الشام .

وقصة التوراة الساذجة لتفسير تعدد الأجناس البشرية تربطها بظهور عورة نوح وسخرية حام من هذه العورة فتحل لعنة نوح عليه ليكون جنساً بشرياً متصفاً بلون معين . لكن عبدان يجعل القصة ذات بعد رمزي ، فتتحول العورة إلى هدف باطني ، والغطاء يصيرُ ستارة الظاهر التي اندفع حام ليزيحها كاشفاً المستور !  ، ( 12 ) .

إن الأنبياء والشياطين المتصارعين يرتبطون بلوحة مجردة ، تشكلها عملية الصراع بين التبعية للحاكم المطلق الذي هو الإله ، وبين الشيطان الذي يريد تخريب تلك التبعية ، والطرف الأول يدعو لجوانب معينة ويغدو نقيضها هو المعاصي . ثم تغدو هذه الأوامر الإلهية شريعة بعد آدم لدى موسى ثم تصير عند عيسى هي أمر وشريعة الخ..

وكل هذا يجري في فضاء غيبي ، وعبر صراع إلهي شيطاني تتداخل فيه العفاريت والنجوم والكواكب والأرواح في تكوينات غامضة ، وتتجلى بعد ذلك في الحديد الأصم ثم ترتفع درجة في النبات ثم تتجلى أخيراً في الإنسان .

[ إن المعادن موات ليس فيها من الأرواح شيء ، قوامها من التراب والماء والهواء والنار ، وقوام النبات من القوة النامية ، وإنها على أربع مراتب أسفلها وأقلها الحشيش وهو مقابل الأرض وثانيها في الحيوان وهو مقابل الماء ، وثالثها في الأشجار وهي مقابل الهواء ، ورابعها في البهائم والسباع وهي مقابل النار .. ] ، ( 13 ) .

ويتم ترتيب العالم غير المعدني بشكل رباعي له علاقة بتقسيمات أخوان الصفا ، ويتم إسقاط الحالة الرباعية على الكثير من الظاهرات من خارجها ، وليس بدراستها من الداخل ، ثم إدغامها بتكوين مادي عنصري . وهناك عمليات درس مسبقة للظاهرات الطبيعية ولكن يتم قسرها في المنهج المسبق .

فالروح هنا تتصاعد من العالم النباتي حتى تتمظهر في الحيوان الذي تغدو روحه الحسية ذات أربع مراتب كذلك .

فالمرتبة الأولى للسباع أقل الأرواح والأقرب للتراب . ثم في السمك وهي مقابل الماء ، ثم في الطيور وهي مقابل الهواء ، ورابعها في [ الأطفال والمجانين وبعض القشرية وهي مقابل النار .] .

هذه هي الروح الحسية ، أما الروح الناطقة للبشر فتنقسم كذلك إلى أربع مراتب:

[ أسفلها وأقلها الأطفال وبعض القشرية المهملين وهي مقابل التراب فلذلك قلنا أن التراب دليل على البهائم ، وثانيها في المستجيبين والمأذونين والأجنحة الذين هم جن بالقوة ، وفي أضدادهم القشرية الذي هم شياطين بالقوة ، فلذلك كلفوا بطلب التأويل … وهي مقابلة الماء ، وثالثها في اللواحق ، وفي أضدادهم المرتدين والفلاسفة وفقهاء القشرية الذين هم أبالسة بالقوة ، وهي مقابل الهواء ، ورابعها في الأئمة وفي أضدادهم الشياطين بالفعل وفي مقابل النار ] ، ( 14 ) .

يشكل عبدان هنا تراتبية ميتافيزيقية اجتماعية كما فعل سابقاً ، فالروح الغيبية تتمظهر تدريجياً وهي تصارع العفاريت ، فتغدو أقرب للتراب وهو شكل محايد ويتمظهر ذلك في الأطفال و[القشرية] المهملة وهم أهل السنة هنا ، ويتضح هنا الطابع الطائفي لهذا الوعي ، فتغدو العامة غير الإمامية وغير الباطنية الجوهرية من فصيلة القشور ، كما أن القشرية هذه تكبر في علاقتها بالشياطين لتصل إلى الفلاسفة والفقهاء ، لكن أئمة الباطنية هم التجسيد الأعلى للروح ، ويصارعهم الشياطين المكتملون .

إن ما تشكل بوعي المثقفين المدنيين الإماميين لدى إخوان الصفا يغدو في الحركة القرمطية ، وقد تحولت إلى حركة عامية ، إلى أشكال من الهلوسة والاسقاطات الفجة على الأشياء وحركة الحياة والوعي عبر  منطق شكلاني .

 البحرين في بدء التحديث     

كان مجيء الاستعمار البرتغالي بداية لدخول العصر الحديث إلى منطقة الخليج، حيث عبر عن لحظة المفصل بين العصرالوسيط والعصر الحديث، فعالمياً كان النظام الرأسمالي في طور التشكل، وكانت مرحلته ومعركته التجارية مشتدة بين أجسامه البارزة في أوروبا الغربية، التي انتقل إليها التراكم النقدي والثقافي العالمى.

 إن البرتغال لم تعبر سوى عن مرحلة الاستيلاء على الغنائم والمواد الخام بصورة عسكرية، ولهذا كانت معتمدة على الأساطيل الحربية والقلاع. ولكن البرتغال لفتت الأنظار الغربية إلى أهمية الشرق، خاصة الهند، ثم المناطق القريبة منها. وبانتقال قيادة الرأسمالية إلى بريطانيا تكون مرحلة جديدة من تطور العلاقات الاقتصادية العالمية قد تشكلت، واعتمدت على نمو الصناعة وتصدير البضائع ورأس المال.

 ومن خلال الهيمنة على الهند انتقلت بريطانيا إلى الخليح العربى، عبر مداهنة القوى الرئيسية فيه، كالإمبراطورية العثمانية والدولة الصفوية الفارسية، في حين لم يكن ثمة ممثل للقومية العربية التى كانت لا تزال فاقدةً الملامح الاجتماعية والفكرية.

 وقد اعتمدت بريطانيا في سيطرتها على الخليج على تفتيت علاقاته بالعالم، وعلى تفتيت علاقاته الداخلية، بل على تفتيته الوطنى، بحيث تبقى اجزاؤه المختلفة متضادة. وكانت هذه خطة بعيدة المدى وذات نتائح أقوى وتكاليف أقل.

 ولهذا وجدت جزر أوال نفسعها في مرحلة تاريخية جديدة، تم شيئاً فشيئاً قطع علاقتها بالضفاف الشواطئية الختلفة لها، ضفتا الجزيرة العربية الغربية والجنوبية، وبالتالي قطعها عن جسمها الخليجى العربى.

 فعبر هذا تكون عملية الابتلاع اكثر سهولة وأقل خطورة، وقد اعتمدت بريطانيا في نمو سيطرتها على وضع الاقتصاد المحلى عموماً على مدى فخامة وغلاء المواد الأولية، وكذلك على أحجام الأسواق. ولهذا كانت الهند درة التاج البريطاني، لدورها في تطوير التصنيع الإنجليزي بشكل مركب مواد وسوقاً.

 ومن هنا كانت جزر أوال ذات أهمية محورية نظرا إلى وجود المادة الخام و السلعة الثمينة في ذات الوقت وهى اللؤلؤ، حيث كانت هى مركز إنتاجه في توسطها لمصائده الطبيعية الكبرى.

 واذا نحن نظرنا في ذلك الوقت إلى أية مواد خام أخرى ذات اهمية كبيرة لم نجد في الخليج سوى اللؤلؤ، كذلك لم يكن الخليج سوقاً كبيرة، نظراً إلى ضعف عدد سكانه وتبعثرهم وسوء أحوالهم المعيشية. وكان بالإمكان خلال القرن التاسع عشر تسلم هذه المادة السلعية دون صعوبات، لنشوء الترابط الوثيق بين الهند والخليج، التى عملت بريطانيا على نسجه من خلال تشجيع التجارة مع الهند.

 ونظراً إلى طبيعة المواد الخام وأحجامها في الخليج فلم تكن بريطانيا في القرن التاسع عشر بحاجة إلى وضع اليد على الخليج، كما فعلت في الهند، ولكنها كانت بحاجة إلى ترتيب البيت الخليجى للسيطرة الشاملة القادمة، عبر تفتيته وقطع صلته بالساحل الشرقى لإفريقيا، والقضاء على اشكال التهديدات المسلحة التى يكن أن تنمو فيه، ولهذا كانت قوانين واتفاقيات منع تجارة الرقيق و”االقرصنة” والحروب، وكل ذلك يعنى تقسيم مناطق الخليج، والقضاء على أساطيله الحربية، وتوجيه الحياة الاقتصادية والسياسية لما يفيد التجارة البريطانية، حيث أخذت مصالح دول الخليج ترتبط تلقائيا بأسواق الهند وشرق افريقيا.

 وفي ذلك المستوى من التطور الاقتصادي البريطاني لم يكن ابتلاع دول الخليج مفيداً، لكن التطور البريطاني الداخلى، واتساع الصلات مع دول الخليج، وتفاقم الصراع بين دول أوروبا الغربية حضّر الظروف للانتقال إلى السيطرة المباشرة.

 قادت الظروف العامة لمنطقة الخليج وموقع البحرين في القرن التاسع عشر لتحولها إلى المركز الرئيسي لإنتاج اللؤلؤ. وهذا أدى إلى تبدل طبيعة السكان، فالمستوى الزراعي شبه الكلي، أخذ يعطي المكان لاقتصاد البحر. ومع تدفق عائدات هذا الاقتصاد بدأت القرى الساحلية في التحول إلى مدن. كما راحت القرى تنمو بصورة واسعة، بسبب هذا الترابط والنمو المشتركين. فإنتاج النخيل يقدم الكثير من المواد الأولية للسكان، كالمواد الغذائية والبنائية والاستهلاكية المختلف. وهذا يقود بدوره إلى تطور الزراعة.

 إن عملية تشكل السوق الوطنية، تحدث من ترابط نسيج الحرف المختلفه، فحرفة صناعة السفن تعود بآثارها على حرفة الغوص، وسعف النخيل يصنع بيوت السعف الأكثر انتشاراً وقتذاك، والحدادة والقلافة والنسيج وغيرها تتعاضد لتقديم المواد الأولية للحرف واستهلاك البيوت ولنمو المدن وتضخم اسطول الغوص، الذي تعود عائداته بالتالي على هذه الحرف ومنتجيها بشكل نسبي.

 كان هذا الإنتاج يحتاج إلى أمكنة للتبادل، فالمزارعون لا يبيعون سلعهم مباشرة، وكذلك الحدادون والنساجون الخ… ومن هنا أخذت الأسواق الصغيرة تكتسب نمواً مطرداً، وأخذت الأسواق الريفية تخلي مكانها للاسواق المدنية، بصورة ليست سريعة، وممتدة عبر عقود، وامتازت أسواق المدن القديمة كالمحرق وجدحفص بارتباطها الوثيق بالإنتاجين البحري والزراعي، فقد نشأت من خلال عمليات تبادله وفيضه النقدي .فكانت سوق المحرق تعتمد على جلب المواد المتعلقة بالسفن ومهن البحر المختلفة والاستهلاك، في حين كانت سوق جدحفص مرتبطة بفيض المواد الزراعية والحيوانية الناتجة عن القرى المختلفة.

 كانت أهمية المدينتين انهما تعبران معاً عن إنتاج ما قبل الصناعي والرأسمالى الحديث، وتعبران عن عالم الحرف وتشابكاته المختلف.

 وعمليات التبادل تقوم وتطور الرأسمال النقدي والفئات المرتبطة به، كالطواشين، وهم تجار اللؤلؤ، الذي يحتلون في هذا العصر مكانة محورية في عمليات التبادل، ولهذا أخذت هذه الفئة بالنمو مع ترسخ وتنامي اقتصاد اللؤلؤ، فغدت لها شرائح مختلفة، كالتجار الكبار الذين غدت لهم محلاتهم المحددة في قلب الأسواق، في حين ظهرت شرائح صغيرة تتاجر باللؤلؤ بأشكال كثيرة، سواء بانتظار الغواصين أم بالتوجه إليهم في عرض البحر أو السفر وبيع هذه المادة في الخارج الخ..

 ونظرا إلى تحول البحرين إلى مركز الخليج لإنتاج وتصدير اللؤلؤ فقد أخذت عائلات تجارية من الخليج في القدوم إليها، لتنمو عمليات التبادل على أصعدة مختلفة، حيث أخذ الاستلاك الترفى بالظهور، عبر إنشاء البيوت الكبيرة، كذلك فان الاستهلاك السلعي العادي أخذ بالنمو والتوسع. كذلك فان الإدارة السياسية المحلية أخذت تتحول إلى مصدر للنمو التجاري والسلعي.

 وكل هذا أدى إلى توسع الفئات التجارية، حيث برزت الفئة المرتبطة بإنتاج الغوص، وفئة التجارة العامة، وهناك عمليات تداخل بينهما عبر زمن ازدهار الغوص، لكن في أزمنة تدهوره كان الرأسمال ينتقل بصورة دائبة إلى الفرع الثاني.

 ولم تظهر في هذا الزمن مؤسسات تمويل كبرى، كالمصارف واعتمد الأمرعلى مؤسسات الصرافة الصغرة، ونظراً إلى طابع العصر الوسيط المستمر في الحضور عبر الإنتاج التقليدي، فإنه كان يشارك المسلمين في عمليات التمويل والتسليف هذه المسيحيون واليهود بخبرتهم المميزة في هذا الجانب.

 لكن إلي أي مدى كانت علاقات الإنتاج متداخلة في هذا الزمن؟ فمن المعروف ان علاقات إنتاج الغوص والزراعة، اعتمدت على العلاقات الإقطاعية وبقايا العبودية وكان حجم العلاقات الرأسمالية الحديثة محدوداً.

 ويمكننا اعتبار السفينة قطعة أرض زراعية يقوم النوخذة (وهواللفظ الفارسى البرتغالي المنتشر خليجياً ويعنى: قائد أو ربان البحر) بتقاسم محصولها مع المنتجين وهم على درجات حسب مشاركتهم في العملية الإنتاجية، وهذه المشاركة مزدوجة فمن جهة يأخذ الربان حصة مساوية للمنتج الرئيسى وهو الغواص، كذلك فإن السفينة التى ملكها أو يستأجرها تأخذ هى الأخرى ذات الحصة. في حين يأخذ المنتج المشارك مساعد الغواص [السيب] نصف سهم.

 فلا ترتبط عملية الغوص بالأجور بل بالحصص، فالمحصول يقسم على أسهم، بعد خصم تكاليف الرحلة، فيأخذ الربان سهمين فى حين يأخذ الغواص سهماً واحداً، والمساعد نصف سهم، ولكن العملية لا تتشكل من هذا الوضوح فإن الربان أو التاجر، يقوم بتسليف البحارة، ويكتب مبالغ السلف لديه أو لا يكتبها، مما يجعل البحارة مدينين بصورة دائمة. وهكذا لا يبقى عن الاسترقاق سوى خيوط واهية.

 وفي الماضى الأكثر قسوة كان الغواص ينزل مقيداً كعبد، مما يشير على طبيعة الرق الكاملة حينذاك.

 ان العلاقات البضاعية والنقدية تتوارى لصالح العلاقات الإقطاعية، وبقايا العبودية، مما يضعف من تطور الرأسمالية وتوسع السوق ومن تطور أدوات الإنتاج ودخولها في هذه العملية، وبالتالي تغيب أدوات النضال المعاصرة. كما يضع ذلك الأساس لتخلف الغواصين واميتهم وأمية أولادهم، وبقية عالميهم الاجتماعى والثقافى. ولا تختلف اوضاع الفلاحين عن اوضاع البحارة وربما كانت أسوأ، فهى تعتمد أسلوب الإقطاع المقام على [الضمان] الزراعى، وهو شكل متوارث من التاريخ العربى، مع استمرار علاقات السخرة.

 وفي زمن بداية دخول العتوب إلى الغوص كان الشكل القبلى أساسياً فى الإنتاج: [فترى العائلات تدخل هذه الصناعة بشكل جماعى فرب العائلة ملك السفينة أوعدة سفن يستخدمها للغوص على اللؤلؤ، والاخوة والأبناء وأبناء العمومة والأخوال يعملون جميعاً على ظهر السفينة أو السفن التى تتملكها]، [محمد الرميحى، البترول والتغير الاجتماعى]، نقلا عن فاروق أمين، «دراسة حول واقع الأسرة البحرينية»، ص 011

 هذا الأسلوب العائلى ربما كان معتمداً في الزراعة ايضاً ولكن تطور القرية الأسري له سار خاص، يعود إلى توطن القبائل العربية القديمة جزر أوال كعبدالقيس، ولا تزال قرية [كليب] تحمل ذكرى ذلك. وقد قسمت مدينة المحرق على أساس الأفخاذ القبلية، فلكل فخذ حي خاص، ثم تحول ذلك إلى أحياء مدنية وإلى الاختلاط مع تنامى التقسيمات والتباينات في الدخول وفي مواقع الإنتاج، بحيث أخذ الفقراء يتكدسون فى أحياء متقاربة.

 لكن العلاقات القرابية ظلت مهمة مع بقاء أسلوب الإنتاج التقليدي، وبقاء التجارة على ضغاف هذا العالم. وفيما بعد، وفي زمن القرن العشرين، فإن البحارة سيمثلون مصلحة مشتركة واسعة، ويغدون قوة اجتماعية مختلفة، مما يشير إلى طبيعة التطور الاجتماعى الذي تنامى في عقود الغوص الأخيرة.

 لكن في الجهة المقابلة، فإن معظم ملكيات الغوص من سفن وديون و[أرباح] انتقلت إلى كبار تجار اللؤلؤ، فظهرت بيوتات مالية. عقارية. وغدت هذه فيما بعد أساس تطور الطبقة الوسطى البحرينية، خاصة فى شرائحها الوسطى والصغيرة.

 أما الشريحة الأخرى، والتى نمت من التجارة الخارجية، فإنها لم تكن كببرة فى زمن الغوص، وأخذت تتسع مع الاعتماد المستمر على الاستيراد، وأصبحت مهيمنة بعد أن دب الضعف في الغوص. ولكن هذه التقسيمات بين الفئتين الأساسيتين للطبقة الوسطى لم تكن راسخة، لأن التوظيفات كما قلنا متداخلة بشكل كبير بين الجانبين.

اعتمد اقتصاد البحرين بشكل شعبه كلى على الغوص، ففى سنة 1824 كان حجم ما بيع من اللؤلؤهو320,000 جنيه إسترلينى، أي ما نسبته 97,03,%، بينما بلغت مساهمة القطاعات الأخرى الزراعية والحرفية 1,02%.

 وقد تزايد هذا الدخل في الثلث الأول من القرن العشرين، ليصل إلى ذروته سنة 1930، حيث بلغ: 2,125,000، لكنه وصل في سنة 1936 إلى657,000، وقد أدى هذا إلى تقلص أعداد السفن والبحارة، وبدأت علاقات اجتماعية كاملة بالتبدل.

 عبرت الفترة السابقة للتدهور عن المنظومة الاجتماعية البحرينية الوطنية التقليدية، حيث تشكلت أسس للوحدة الوطنية عبر الاقتصاد التقليدي المفكك، أي من خلال التعاون غير المباشر بين أشكال الاقتصاد التقليدي، كالغوص والزراعة، وعبر التجارة المحدودة، وتداخلات التعاون الاجتماعى المباشرة.

 فرافقت هذه المنظومة الاجتماعية أشكال من الثقافة التقليدية، المعتمدة اساساً على الثقافة الشعبية الشفهية الموروثة والمقداولة، والتى لا يجري فيها تغير كبير، بل إعادة إنتاج بسيطة مثل الحفظ والاستفادة من الأمثال القدمة لتطبيقها على واقع جديد، وثمة قصص مستعادة وإنتاج بسيط للشعر العامى. والتكرار والنمطية هما سمتا الوعى والواقع.

 وهناك إنتاج ثقافي دينى تقليدي عزير يتواصل مع هذه البنية التقليدية، فتغدو الاستعادة المذهبية لأواخر العصر الوسيط هى طريقة الوعى السائدة، نظرا إلى وجود شعب في حالة تبلور وانتقال من منظومة إلى بوادر منظومة لم تتضح بعد على الصعيد الإقليمى. وحتى الآن لم تجر دراسات موثقة حول هذا الإنتاج الفكري، بحيث تتكشف أبعاده الجاثمة وراء نصوصه التقليدية المثقلة بالماضي.

 لكن كان تبدل هذه التركيبة الاجتماعية يعتمد على طبيعة الرأسمالية البريطانية المسيطرة حينذاك، والتى بدأت بالانتقال إلى منظومة جديدة مع انتهاء القرن التاسع عشر، حيث أخذت عملية إرسال الرساميل بالتحول إلى أسلوب هام من أساليبها، فبدأت الشركات والبنوك البريطانية بالتغلغل في الاقتصاد المحلى.

 وقد كانت عمليات الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية تتنامى منذ القرن التاسع عشر، فكان للبريطانيين امتيازات سياسية واقتصادية مثل وضع ضريبة لا تتجاوز الخمسة في المائة على البضائع البريطانية وغير ذلك من الامتيازات السياسية والقضائية. ولكن في بداية القرن العشرين انتقلت البحرين إلى التبعية للاستعمار البريطاني. وفي هذه السنوات قدمت شركات البرق والبريد وجري مكنزي والبنك البريطاني.. الخ، فغدا الاقتصاد المالي يحكمه البنك البريطاني، والتجارة الخارجية بيد جري مكنزي وأخذت السلع الإنجليزية بالانتشار الواسع.

 وقد أدى غياب أي حماية للاقتصاد المحلي إلى أن بدأت شبكة الحرف بالتدهور المستمر، ولهذا وجد صناع السفن و النسيج والمداد والفخار.. الخ انفسهم يفقدون أعمالهم، وبطبيعة الحال تحولت هذه الظاهرة إلى سيل جارف مع انهيار الغوص، ولهذا أخذت البحرين تتحول من مركز اقتصادي إلى هامش اقتصادي.

 ان انهيار النظام التقليدي تم ببطء كما ان تشكل النظام الحديث تم ببطء مماثل، وهذا ما شكل أزمة عميقة للمجتمع، خاصة في عقود الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، وفي السبعينيات فقط بدأ النظام الحديث في إنتاج ثماره.

 وهذا التحول ترك بصماته على مختلف جوانب الحياة المادية والثقافية، بدءاً بنمط العمران، وهو الأقرب إلى البنية الاقتصادية، أو في اشكال الوعى الفكرية وهى أبعدها عن الالتصاق بها. ونجد بيوت الفقراء الأقل تعرضاً للتبدل، فقد ظلت مادة الخوص والجريد المادة الأساسية لها، وحتى الستينيات. في حين بدأت الفئات الوسطى منذ الثلاثينيات استخدام المواد البحرية في تجديد مساكنها.

كان الاختلاف بين المحرق والمنامة هو العلامة الفارقة للتحول بين العصرين الوسيط والحديث، فقد كانت المحرق عاصمة نظام الغوص وأزهى فترات العصر الوسيط البحرينية، حيث البنية المستقلة والمزدهرة نسبياً، لكنها عاصمة غير قادرة على أن تكون عاصمة توحيدية تحديثية للبلد، بسبب طبيعة العلاقات الاقتصادية التقليدية المفككة للشعب، والواقع الجغرافي المحصور والضيق للمدينة، وقد كانت هي الموقع الرئيسي للعمل السياسي المناهض للاحتلال، كذلك فقد قامت السياسة البريطانية على الابتعاد عن كتلة المنتجين البحرينيين المترابطين فيها، ولهذا قامت بتطوير موقع المنامة، التي كانت مصيفاً، وفيها فراغات كبيرة وقتذاك.

 كانت المواقع البنائية محدودة في المنامة، وتحيطها مجموعة من القرى المتباعدة التي تشتغل بمجموعة من الحرف، وقد أدت التطورات الاقتصادية من انهيار نظام الغوص والزراعة والحرف إلى نزوح السكان وبحثهم عن أعمال خلال عقود الانهيار والتحول، فبدأت المنامة تنمو بشكل سريع.

تحول المنامة إلى عاصمة كان ثمرة للاندثار الريفي والحرفي وللتحول إلى سوق، فتصبح المركز السياسي والاقتصادي للمجتمع، وتقوم بالنموعلى حساب الرقعتين الزراعية والبحرية، فغدت مكانتها المتوسطة الجغرافية وسيلة لتوحيد المجتمع، فأصبح الاقتصاد الحديث أساساً أقوى وأوسع للبناء الوطني، ولظهور مجموعات سكانية حديثة.

 وقد تعرضعت الطبقة الوسطى للتبدل بناءً على هذا النمو للاقتصاد الحديث على حساب تلاشي الاقتصاد التقليدي، فاندثرت فئة الطواشين والفئات المرتبطة بالنمط القديم، وأصبح المستوردون هم الفئة البارزة في الطبقة الوسطى، وأصبحت البيوتات المالية المعنية أساساً بالاستيراد في مجتمع الغوص هي الطالعة من خراب العام القديم، أو تلك التي حافظت على التنوع وعلى الاستثمارات العقارية، مما أعطى بناءً اقتصادياً خاصاً للطبقة الوسطى، كانت له تأثيراته على حقول الوعي والسياسة.

 ولهذا كانت الشرائح المرتبطة بالاقتصاد القديم، وهي عائلات الاقتصاد البحري أو الريفي من جهة أخرى وبمستويات متباينة بين المدينة والريف، هي التي واجهت الغزوالاستعماري، لتضرر مصالحها بشكل مباشر، حيث كانت تزاوج بين السيادة الاجتماعية والغوص وتجارة الرقيق والسلاح، وتعتمد على علاقات وأفكار قديمة ولكنها تعبر عن مضمون وطني تقليدي.

 فنجد أن معارضة الثلث الأول من القرن العشرين تتركز في المحرق وبين عائلات الامتيازات ((البحرية))، فهي تعمل على إبقاء النظام القديم  بأساليبه ونظامه السياسي، في حين كان هذا النظام قد تجاوزه العصر، وعملت القوة البريطانية على تغيير بعض جوانبه غير العميقة، دون أن تقوم بتغيير البنية الإقطاعية ــ المذهبية بل حافظت عليها. أي قامت بإلحاقها كنظام تابع بالهند اولاً مع إجراء التحسينات الضرورية لظهور جوانب من الاقتصاد الحديث.

 لكن من خلال هذا الصدام بدأت تتبور خريطة الوعي الوطني المتصاعدة على مدى القرن العشرين، فالتقليديون وهم يواجهون الاستعمار، كانوا يبعثون مختتلف أشكال الوعي: الشعر، والمقالة، والرسائل، وهذا هو المستوى المبكر من هذا الوعي، وفي مرحلة الثلاثينيات مع توسع الحياة الثقافية عبر المدارس، والأندية وصحيفة البحرين، ظهرت أشكال أخرى: المسرحية الشعرية، والقصة القصيرة، والترجمة، والنقد.

 لكن راحت أشكال الوعي المختلفة تعبر عن الفئات الوسطى بشكل متزايد، حيث غدت هي المنتشرة والقادمة من النسيج الوطني عموماً، ولهذا فإنها لم تجد في الأفكار الدينية التقليدية مادة جاهزة للنضال الوطني، فراحت تستوعب الأفكار العربية والإسلامية المبثوثة في الفضاء العربي؛ حيث كان الانبعاث القومي الإسلامي هو الصوت الرائج في المشرق العربي.

 كذلك فإن المؤسسات الدينية . المذهبية لم تكن قاعدة للوحدة الوطنية والعمل المشترك، فأصبح التنوير والنهوض الثقافي أداة للوحدة وللحرية.

 كان نمو الطبقة الوسطى البحرينية يعتمد على نمو ذنيك التوجهين الفكريين المتشكلين من جذور عالم الغوص والتجارة، فالاتجاه السلفي التحديثي، والاتجاه الليبرالي، أخذا يبرزان بصعوبة فيها. ويمكن ملاحظة ان الجسم البارز من المنحى الأول يبرز فى المحرق بصفة خاصة، نظرا إلى حجم تركيبة النمط القديم فيها، وتوجهه الوطني القومي الديني. فى حين ان الجسم الليبرالي الأكبر ظهر فى المنامة، بسبب النمو المتسارع للتجارة والحداثة فيها.

 ولهذا نجد المنتديات ذات الطابع القومي الديني تبرز فى المحرق وتكون مقراً للنادي الأدبي وللمنتدى الإسلامي، فتكون أقرب للتركيبة التقليدية، فى حين كان الجسم الفكري فى المنامة يبحث عن توجهات جديدة لم تتبلور بوضوح. وفى البداية ظهرت نفس التوجهات [المحرقية]،فالتوجه القومي الديني هو الذي وجه النخبة، لكن النمو الليبرالي الأكبر لم يتبلور فى حركة أو اتجاه متأصل، وقد ظهر فى حركة الهيئة لكنه لم يصبح اتجاهاً، بسبب مستوى الطبقة ومحدوديتها التاريخية والاقتصادية، فليست هناك جذور عميقة موضوعية وثقافية راسخة للحداثة.

 لقد استطاعت الاتجاهات الشمولية أن تهيمن على أبرز قطاعاتها، لسهولة وعاطفية شعاراتها، الأقرب إلى الأمية، ومن هنا كان الإنتاجان الفكري والسياسي محدودين قياساً بنظيراتها في الدول العربية، وتجربتها السياسية لا تعطيهما فرصة للتراكم وخلق أجيال من المتشبعين بثقافتها .ولهذا لم ينفرز الاتجاهان الليبرالي والديني، وحين انفرزا بعد عقود، تحول الأول إلى ليبرالية مقلدة للغرب بلا جذور، وصار الآخر متشدداً شكلياً بلا معرفة عميقة بالإسلام.

 وكانت العلاقات مع الضفاف الإيرانية وجنوب العراق تجري كما كانت عبر التاريخ، ولكنها أخذت الآن تنموعبر الحدود الوطنية المعاصرة، فالاتجاهات المزدكية والمانوية الإيرانية والعراقية الضاربة الجذور، تتحول إلى تيارات ماركسية ودينية، وقد برز الاتجاه الماركسي الإيراني عبر حزب توده وامتداده السياسي في تجربة البحرين، منذ حركة مصدق وانهيارها ولجوء مناضلين إيرانيين إلى البحرين. لقد قام هذا الاتجاه بنقل حرفي لتجربته إلى البلد، خاصة إلى القطاع العمالي، في حين كان الاتجاه الديني، المتصف بالتوجه اليميني يتغلغل في شريحة التجار الصغار والموظفين. ومن هنا برزت في المنامة عملية النمو الفكرية والسياسية الأكثر وضوحاً وتبسيطية. ولهذا فإن الاتجاهات الوسطية الأخرى لم تشهد نمواً متواصلاً .

 لكن النقل الحرفي للتجربة الإيرانية سيكون متكرراً فى تجربة البحرين السياسية،  هو أمر يعود إلى تاريخ قديم كما رأينا في التجربة القرمطية، وقد تقاطع بالتجربة النضالية العربية القومية واليسارية، ثم ما لبثا أن تداخلا في فترة لاحقة.

 أن تجربة المنامة الفكرية والسياسية سوف تتسرب بطبيعة الحال إلى المناطق المختلفة، حيث ستجد في المناطق الريفية حاضنتها الأكبر نتيجة للتأزم الاجتماعي الاوسع، وإذا كانت مدينة المحرق لم تشهد مثل ذلك النمو، فالأمر لا يعود إلى الجذور فحسب، بل أيضاً إلى محدودية التداخل والنمو المشترك الغني للمدينتين.

 فالوعي الحديث غير قادر على دراسة جذوره، والقديم متقوقع في تجربته المحدودة، وفيما بعد سيكون للحركة الثقافية قدرة على بدء باوز هذه الثنائية.

 أما الوعيان الفكري والسياسي فهما غير قادرين على تجاوز هذه الثنائية بسبب تلك التجربة الحدودة فى العمل السياسي العلني والجماهيري، وضعف أدوات البحث والاتصال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر  القرامطة :

( 1 ) : ( القرامطة بين الدين والثورة ، حسن بزون ، دار الانتشار العربي ، ص64).

( 2 ) : (  المقريزي ، اتعاظ الحنفا ، نقلاً عن المصدر السابق ، ص67] .

( 3 ) : ( المقريزي ، عن السابق ، ص 68].

( 4 ) : (النجوم الزاهرة ، ج 3 ، ص  ، نقلا ً عن القرامطة بين الدين والثورة ، 197].

( 5 ) : ( الإسماعيليون في العصر الوسيط ، مصدر سابق ) .

( 6 ) : ( المصدر السابق ، ص 55  ) .

( 7 ) : ( كتاب شجرة اليقين ، تأليف الداعي القرمطي عبدان ، تحقيق عارف تامر ، دار الآفاق الجديدة ، ص 6)

( 8 ) : ( المصدر السابق ، ص 10 ) .

( 9 ) : ( المصدر السابق ، ص  10) .

( 10 ) : ( المصدر السابق ، ص 10 ) .

( 11 ) : ( نفس المصدر ونفس الصفحة ) .

( 12 ) : ( القصة في سفر التكوين بالعهد القديم ) .

( 13 ) : ( شجرة اليقين ، ص 73 – 74 ) .

( 14 ) : ( المصدر السابق ، ص 74 ) .

 

 

 

الثقافة والمثقفون البحرينيون

قوة الثقافة وقوة المال

تتجسد قوة الإسلام الأول، قوة التغيير العربي الإنساني، في تحول الثقافة إلى ثقافة تغيير، وهي لم تتحول إلا بسبب دخولها في عقول الناس.
والثقافة حين تصير قوة تغيير كبرى لا بد أن تلتحم بمصالح الجمهور الواسع، لهذا فإن الدعوة السرية المكية المخصصة لتشكيل الكوادر الأساسية، تصيرُ في المرحلة المدنية قيادة جمهور القبائل الواسع المنخرط في العملية التحولية التاريخية.
لكن الثقافة ظلت في هذه المرحلة القصيرة من عمر الزمن قصيرة، رغم إشعاعها الواسع، فهي لم تلتحم بأداة الملكية العامة، إلا في لمحات من عهد عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، ثم هجم عليها الملأ مرة أخرى كما هجم في السابق على الثروة العامة.
قوة الثقافة خطيرة وأعجازية، لكنها تغدو بلا جدوى حين تغدو ثقافة محضة، نخبوية مفارقة للجماعة، ولا تقيم العلاقات الوطيدة مع الجمهور، وحين تتصدى لمهام التغيير فلا بد أن تجعل العامة أداة التحويل لها، لكي يصير الخاصة في علاقة ديمقراطية مستمرة مع العامة.
لقد استطاع الملأ المكي الذي استعاد السيطرة على مقاليد السلطة أن يفكك سلطة الثقافة، عبر سلطة المال.
إن سلطة المال أقوى في كل العصور، وليست سلطة الثقافة سوى لحظة تاريخية أستثنائية ومبهرة بقوتها وإنجازاتها، لأنها تقوم على المشاركة والتضحية والأخوة الإنسانية، لكنها لا تحكم طويلاً، لكونها تبتعد عن العامة، وتهمل الملكية العامة، وتهمل تجنيد العامة وتحويلها إلى أساس للسلطة.
وسلطة المال لا تكتفي بإغراء الذهب والفضة بل هي تريد التحكم كذلك في الثقافة وتدجينها وتحويلها إلى دجاجة من دجاجاتها التي تبيضُ ذهباً!
ومن هنا حين تمكنت من السيطرة على مقاليد الحكم أخضعت الثقافة بشتى ألوانها لتغلغلها ولسيطرتها، فغدت الثقافة مهتمة بمصالحها الذاتية، فصار الفقيهُ مستأجراً، والشاعر مرتزقاً، والعالم تابعاً، والناثرُ كاتب رسائل سلاطنية، والكيمائي يبحثُ عن تحويل المعادن لذهب الحكم، الذي أضاع كل الثروات على شهواته وخدمه..
تفككت عناصر الثقافة المتوحدة في القرآن، فصارت تعادي بعضها بعضاً، مثلما أن المثقفين يتصارعون فيما بينهم، والشاعر يعادي الناثر، والعالم يتجاهل الشاعر، والفقيه يحتقر ثقافة غير المعّممين، وهكذا استطاعت الطبقة الحاكمة التي ركزت السلطة والثروة بين يديها، أن تفكك عناصر الثقافة التي لم تستطع أن تروضها كلها بين يديها!
ولا تستطيع أن تعود الثقافة لمكانتها العالية دون أن تستعيد وهج المراحل الثورية العظيمة السابقة، بأن تعود للناس، وأن تصبح قوة تغيير كبرى.
وقد حدث ذلك في كل ثورة كبيرة، فالثورة الفرنسية التي أسسها المثقفون سرعان ما التهم خيراتها الصناعيون والماليون، وغدت الكتب التي كانت مشاعية وتنويرية، خاضعة للسوق، ولتحكم دور النشر الكبرى، وانقسمت الثقافة إلى ثقافة سوداء خاصة بالجمهور وتعني بالجنس والأبتذال والجريمة الخ ويقرأها الملايين، وثقافة للنخبة غامضة وصعبة، وذات أشكال غير مرتبطة بمعارك العيش، ومغتربة ..
وكما هي قوانين الثقافة والمال، فالثقافة العربية الجديدة في رحلة تغييرها للحياة، لابد أن تعود لتنصهر في معارك الجمهور لتعريب واقعه وتحديثه، فتتوجه للسيطرة على المال العام، لخلق ثورة صناعية علمية، ففيء المسلمين الأول والذي صادرته الأرستقراطية يعود لها الآن عبر السيطرة على القطاع العام، وتوجيهه نحو تطورها المعيشي والثقافي.

الثقافةُ كرأسِ مال

حين إنفصلَ العملُ الفكري عن العمل اليدوي غدتْ الثقافةُ رأسَ مالٍ.
المثقفون في تعبيرِهم عن العمال والحرفيين يضمرون رأسَ مالٍ من خلال هذا التعبير.
فهم يتولون القيادات في الوظائف والمصانع والشركات والأحزاب، فهم يرتفعون على حساب الشغيلة أو يسرقونهم فيما بعد عبر أنظمة رأسمالية الدولة.
ومن هنا فلا يوجد حزب بروليتاري بقيادة مثقفين.
أو دولة إشتراكية بقيادة مثقفين أو برجوازية صغيرة.
هذه الأوهامُ نتاجُ عدمِ معرفةِ المستقبلِ الاشتراكي للإنسانية وكيف يتحقق. فهي كلها أحزابُ برجوازيةٍ صغيرة وما فوقها وما اليها.
حين يقود المثقفون أي دولة أو حزب فهذا يعني أن طبقةً غير العمال هي التي تسّيرُ الدولةَ أو الحزب.
في المستقبلِ حين سيتحولُ العمالُ إلى مثقفين تكون الإشكاليةُ قد رُدمتْ.
وتعني أن تناقضاتَ الوجودِ الاجتماعي في تجسيداتِها الكبرى مثل التناقض بين العمل اليدوي والعمل الفكري، بين الريف والمدينة، بين الثقافة والإنتاج، بين المالكين والأجراء، قد حُلت.
وتكونُ الإنسانيةُ قد وصلتْ إلى مستوياتٍ من الرقي مختلفة كلياً عما نعيشُ فيه.
الحزب البروليتاري بقيادة المثقفين هو حلم أكثر منه واقعا.
والحزب البرجوازي بقيادة مثقفين موظفين ممكن.
هل يقوم أغنياءٌ بالدفاع عن الفقراء وبشكلٍٍ حقيقي مستمر؟! هذه فكرةٌ مثالية نادرة، (رسولية) نابعة من فكر الأديان المثالي. وفي الحياة تتبخر. ولم تستطع الدعوات الدينية مع قداستها الأولى وتضحياتها أن تستمر في العدالة.
لكن يُقال هنا ألا ترى المثقفين يناضلون ويدخلون السجون؟ وهذا أمرٌ صحيح، لكن حين يضحون، ولا يعتبرون الأفكارَ سلعاً، أي لم يُدخلوا في وعيهم أنهم يعيشون مجتمعات رأسمالية تحسبُ المشاعرَ والأفكارَ بالعملة الرخيصة، ولا يزالون في زمنِ الحلم الاشتراكي. أي حين لا يزالون يؤمنون بفكرةِ الإشتراكية الخيالية الراهنة، ويدافعون عن الطبقات الفقيرة بدون مقابل.
ففي العالم الشرقي النامي ليس ثمة ظروفٌ حقيقية للاشتراكية ولكن بعض الناس يناضلون في شروطها المستقبلية التي لم تُوجدْ بعد ويناضلون من أجل طبقات شعبية يشعرون بفقرها وإستغلالها وضرورة تطورها.
لكن علينا أن نقيسَ ذلك بالفترة التاريخية، كم صمد هذا المثقف أو ذاك، كم بقي ينتجُ الفكرَ بشكل تضحوي، ولم يوظفه في تجارة، أو في دسائس سياسية، حينئذ سنجد بعضاً من ذلك، ولكنها نماذج نادرة لا تصلُحُ للقياس العام.
فنحن لا نستطيع أن ندخلَ اللوحاتَ الفنيةَ العبقرية والتماثيل الخالدة والروايات العظيمة في ميزان التجارة. رغم أن الظروفَ الملموسة العابرة تضعُ هذه (السلعَ) في السوق.
ولو كان ذلك الحلمُ واقعياً وممكن التطبيق على العام، فلماذا هذه الخيانات المستمرة من المثقفين ومن تحولاتهم وإنتهازياتهم، وتلاعباتهم بين الطبقات وإستغلال الثقافة للخداع والصعود ثم تشكيلهم بيروقراطيات إستغلالية في الأنظمة التي سُميت إشتراكية أو قومية أو وطنية؟ وها هم يدافعون عن إمتيازاتهم بالمدافع!
الفكرةُ وصناعاتُها وإنتاجُها هي قوةُ عملٍ، وحين يتشكلُ ذلك في مصنعٍ أو إدارةِ مؤسسة، يَخضعُ ذلك للمقاييس الكمية؛ وأهمها طبيعةُ العملِ وتصنيفاته، ويتحددُ الراتبُ أو الأجرُ حسب ذلك مع قياسِ الزمن وكيفية تجديد قوة العمل الفكرية إجتماعياً، حيث أن تجديدَها يتطلبُ مواصفاتٍ غير تلك التي تجري في تجديد قوة العمل اليدوية.
وشقاء المنتجات الفكرية والإبداعية في عالمنا أنها تتشكلُ في سوقٍ غير رأسمالية متطورة.
أما قوةُ العملِ الفكرية حين تَخضعُ للسياسة فهي تخرجُ عن دائرةِ البضاعة العادية، وتدخلُ دائرةَ السلطة.
الثقافةُ السياسيةُ أو الفلسفيةُ أو الاقتصادية أو القانونية حين تدخلُ العملَ السياسي تخضعُ لطبيعةِ الدولةِ المعنية التي تُعلبُ فيها هذه المنتجات، ويحددُ ذلك وضعُ الدولةِ التاريخي، فهل هي ديمقراطيةٌ أم شموليةٌ، أهي على طريقة رأسماليات الشرق الحكومية أم هي ديمقراطية تبادلية للسلطة؟
في رأسمالياتِ الدولِ الشرقية السلعُ الفكريةُ المُسيَّسة تخضعُ لتوجيهاتِ الحكم، ولكيفيةِ صناعتهِ للسيطرة السياسية الاجتماعية، فمثقفٌ يحركُ الرأيَّ العام ويوجهُ الناسَ من خلال جريدة أولى أو تلفزيون، هو غيرُ كاتبِ زاويةٍ مغمور.
في الرأسمالياتِ الديمقراطية تخضع الثقافة إلى السوق وتداولاته، وللشهرة وللقرب أو البعد من قوى السوق العملاقة المؤثرة. فالمثقف يرتفع وينخفض حسب التداول مثله مثل السيارات والثلاجات.

الثقافة والديمقراطية

خرجت الثقافة الحديثة المضادة للتقليدية من المنظمات السرية البحرينية، وكان لهذا الميلاد جوانب إيجابية وسلبية، فقد ربط هذه الثقافة بقضايا الناس وبالصراع السياسي الدائر، ووهج صوتها، وأعطاها زخماً ديمقراطياً، سواء بالانفتاح على الواقع وتاريخه وفلكلوره وبناه التحتية التعبيرية والفكرية المتوارية ، أو بتجاوز الأشكال التعبيرية التقليدية التي كانت تعبرُ عن مواقف متعالية على الجمهور والواقع، فأوجد أشكالاً تعبيرية جديدة غدت مفتوحة على تطورات لاحقة، حسب مدى متابعة دينامكية الواقع والتحولات الفكرية والإبداعية في العالم..
ولا يمكن أخذ العلاقة الجدلية بين الثقافة والواقع، كعلاقة سنوات أو فترة محددة، بل هي تعلو على هذه الانعكاسية المباشرة، ومن هنا فقد كانت الثقافة الإبداعية وهي تنشأ مخلوقة من أصداء بعيدة للحركة الوطنية المحطمة في منتصف الخمسينيات، وقلة هم من عاشوا بشكل واعٍ حركة الهيئة ومطالبها بالديمقراطية، وحين استوت المنظماتُ السرية الوطنية على عرش الحياة، كان صدى حركة الخمسينيات في الأدب الجديد خافتاً، وكان ثمة زخم ثقافي جديد قادم من الدول العربية ومن المعسكر الاشتراكي، وهو كله يكرس ارتباط الثقافة بالصراع السياسي.
وبين الغموض الشديد والوضوح الشديد، وبين التعرية السياسية الحادة وبين الهموم الفردية الخافتة، بين أن يكون الأدب منشوراً وبين أن يكون لعبة، بين أن يكتسب أدواته الخاصة وبين أن يكون تابعاً للسياسة، خاضت الثقافة الجديدة سنوات طويلة من المعارك والمحاولات والتجارب والاستيرادات الخارجية الفظة والتفكير الداخلي العميق، حتى بدت تفرز بعض الوجوه والملامح والنتاجات..
كان الارتباط بالحياة معبراً عن ذلك الهاجس العميق الشعبي المتواري بالصراع ضد الاستبداد في شتى أشكاله، ولم تكن للديمقراطية ملامح سياسية واجتماعية قوية ومحددة، وكان الارتباط الفكري للمنظمات السرية بالحركات والأنظمة (الاشتراكية) يجعل فهم الديمقراطية عسيراً ومضطرباً، فتغدو الديمقراطية متوارية في ظل توجه للثورةِ بأي شكل، والهجوم على الاستغلال الأجنبي والداخلي بطريقةٍ سياسية ساحقة.
من هنا والحركاتُ السرية تعملُ من أجل ديمقراطية غير واضحة المعالم، كانت تكرسُ دكتاتورية كذلك، وكانت تشيعُ مناخاً من أجل الحريات بأدوات الاستبداد، وكانت وهي تؤسس أبنيتها الهرمية، وتخلقُ قواعدَ للتبعية والانضباط والنضال والبيروقراطية السياسية، وتحجيم الفكر..
إن هذه العملية المركبة من التأثير الإيجابي والسلبي، ومن الاستفادة مما هو نضالي وديمقراطي وتجديدي عربي، وبتسربِ ما هو استبدادي وشعارات مسطحة، وهي أمورٌ تتداخل بقوة، وتنسجُ نفسها في الأفكار الأدبية والنتاجات.
ولهذا حين تظهر مؤسسة أدبية تبدأ تلك الجوانب المتعاكسة في البروز، فيظهر استبدادُ جماعةٍ سياسية بأسرة الأدباء، وهو الكيان الثقافي لتلك المنظمات الوطنية السرية، في حين تقاوم هذا الاستبداد منظمة أخرى، توجه الأمورَ نحو إشاعة مناخ تعددي، كما توجه تلك الجماعة الثقافة إلى الربط المباشر بالسياسة وقضاياها وبشعارات منظمتها فتقوم الأخرى بشيء مضاد.
وفي حين إن النتاجات تأخذ مساراً معقداً إلا أن المؤسسات تغدو مكاناً لصراع المنظمات والدول، ويحدث تشابك بين الجانبين وهما النتاج الشخصي ومسار الحركة الثقافية وعلاقاتها بالمؤسسات الكبرى.
يتوجه الأدب إلى تحليل ونقد ركائز الاستبداد في جوانب الحياة المختلفة، ويعتمد ذلك على مدى تطور رؤيته الديمقراطية العميقة المتوارية، ولهذا فإن ارتباط الأدباء والفنانين بمؤسسات استبدادية وتقليدية يعرضهم للتدهور الإبداعي على المستوى البعيد، وقد يأتي هذا على شكل أفكار تبدو مجردة، وقد يأتي على شكل نزعات فنية، وعلى اربتاط إداري، وهي أشياءٌ تتداخل فيها التجربة السياسية والعمل الفني المستقل، والوظيفة والطموحات الشخصية، والتضحية والحياة والموت !
وهكذا أخذت قوى استبدادية قومية وتقليدية بالتدخل الواسع في الحياة الثقافية نفسها وتوظيفها لخدمة تلك الجهات، وكانت عملية محاصرة الثقافة الوطنية الديمقراطية الهشة التي تكونت فيما بعد أوائل الستينيات من القرن الماضي، ذات مظاهر متعددة. فكان إصدار كتاب واحد يعتبر عملية تضحية، فلا سند ولا قراء كثيرون، ومنطقة إصدار هذه الكتب بعيدة، وبالتالي كان دخول هذه الكتب إلى وعي الناس، محدوداً، وإذا كان ذلك أسهل في الشعر حيث يعوض عن خسائره تلك بإقامة الأمسيات، فإن القصة والرواية، تغدو صعوباتها أكبر وأفدح.
ومع ذلك فإن النوعَ القصصي ثابر على التطور، بسبب أن مواجهاته مع الواقع كانت أكبر ومستمرة ومتصاعدة، سواء من النوع القصصي القصير إلى الرواية.. لكن الصعوبات كانت موضوعية، فحركة أدبية وفنية ذات عمر قصير، في بلد صغير، ومحاصَّرة، وبعيدة عن مراكز الإنتاج والسوق العربية.. كان لا يمكن ألا أن تكون في وضع صعب.
والحركة الفنية تغدو مشكلاتها أكبر هنا فهي مرتبطة بمعارض، مشمولة برعاية رسمية، وبأمكنة فندقية بارزة، فغدت أما جزءً من السياحة، أو من الفلكلور السياسي الاحتفالي، فتم أحتواؤها، وتوجيهها أما لالتقاط فوتغرافي مباشر من الواقع، وأما لغموض شكلاني فعجزت عن التعبير العميق عن الواقع والإنسان.
ومن هنا عجزت المعارضة عن الدخول الهام إلى الحياة التشكيلية، في حين كان المسرح واعداً، وظهر من قلب حركة المعارضة في الخمسينيات عبر الأندية، ودخل في لعبة المغامرة السياسية والفنية في أوائل السبعينيات، بالتصدي النقدي لقضايا الفقر والسلطة والسياسة بأشكال حادة، لكن كانت هذه مراهقة الشباب، فسرعان ما راح يتسربُ إلى موضوعات تقليدية، كقضايا الأسر، والزواج مثل المسرحية التي صورت كيف أن الشاري كان يريد شراء بقرة لا خطبة الأبنة كما ظن الأهل! أو راح المسرح يعلجُ قضايا الغوص، ويجسد الأمثال الشعبية البائتة، ثم ظهر مسرحُ الخريجين فجدد في الحياة المسرحية بموضوعاته وقضاياه، ولكن القبضة الدكتاتورية وصلت إلى عنقه فتوجه إلى عروضٍ غامضة، وانسحب من العلاقة مع الجمهور، ثم انفصم بشكلٍ كبير عبر التجريب، وكان البعضُ يريدُ تحويلَ التجريب إلى طاقةٍ نقدية جديدة فتم ذلك بشكل نادر، لكن كانت المسألة المحورية غائبة وهي علاقة هذا المسرح بالديمقراطية وقضايا الجمهور . .
لكن نستطيع أن نقول مع ذلك إن بعض جوانب الأدب كانت تزدهر في السجون، فكان بعضُ الشعر والقص يمر في مرحلة إعادة نظر للعلاقة المباشرة التسطيحية بين الأدب والواقع، ويجدد على ضوء تجارب الحياة وانجازات الصمود وانهيارات السياسة، لكنه مثل هذا الأدب لم يدرسْ بعد العلاقة العميقة بين الديمقراطية والإبداع ويكرسها بشكل واسع راهن وقادم..
وفي الصفحات الثقافية وبتجمعات المعارضة الأدبية راحت أقلامٌ عدة تقومُ بتحليل مختلف قضايا الأدب والفن، فجرى في الصفحات واللقاءات مناقشة التجارب الضعيفة المنعزلة الأدبية والفنية عن زخم الواقع، وانفجرت حوارات ومجابهات حول عروض مسرحية ومعارض وحول ثقافة تعيش حالة من الاحتضار، لكن هذه المجابهات النقدية والكتابات النقدية لم تستطع شفاء ثقافة مريضة متجهة للموت شيئاً فشيئاً.
وإذا كانت بعض التجارب الفردية قد نجت من طوفان التلوث، نتيجة أصرارها على إنتاج مستقل، لكنها لم تستطع أن تخلق حركة ثقافية كما ظنت في البداية، لأن ارتباطها بدكتاتوريات المنطقة كان عائقاً كبيراً في تشكل هذه الحركة، فهذه الدكتاتوريات خربت الثقافة السياسية والأدبية كذلك.
إن تخريب الدكتاتوريات للثقافة كان يعود في جزءٍ منه إلى النظام العراقي السابق. ولقد تشكلت علاقة الثقافة البحرينية بالنظام العراقي عبر عمليات النشر في البداية ثم اتسعت إلى المشاركة في المؤتمرات الأدبية والمهرجانات التي كان النظامُ السابق يغدقُ عليها بكرم حاتمي.
ونظراً لأن النظام العراقي كان يوظف هذه الفعاليات من أجل التوسع السياسي، ومد نفوذه في منظمات ودول المنطقة فقد وظف العديدُ من المثقفين والأدباء والفنانين من أجل هذا التأييد والتفعيل لدوره.
والارتباط بالنظام العراقي بحدِ ذاته يمثل عملية انهيار للوعي الديمقراطي، ليس فقط بالخضوع لإغراءاته المالية التي كانت حركتان سياسية وثقافية معوزتين بحاجة إليها، بل لكونهما فقدتا ملامح الوعي الديمقراطي ولم تؤسساه في ذاتيهما، فكان التاريخ السابق يخلو من هذا التبلور الديمقراطي على مستوى إنتاجِ وعيٍّ فيه، وعلى مستوى تشكيل رموز مجسدة له. كانت القطيعة مطلوبة مع النظام العراقي، أو العلاقة النقدية على الأقل، وبغياب ذلك فإن الحركة الثقافية توجهت للسقوط في مستنقع كبير.
إن هذا السقوط كان علامة كبيرة على التردي الفكري والأخلاقي، وكانت نتائجه فظيعة على مستوى تقزم الحركة الأدبية وتشتتها، وفقدانها للقيم المضيئة السابقة، وتدهور إنتاج الكثيرين فيها، لأنه بدلاً من تجذير قيم الديمقراطية الموعودة غدا تكريس أسوأ قيم الاستبداد، فكان اهتراؤها متمثلاً في تضخم فرداني، وبتحجر النقد، وبعدم مقاومة الشموليات بمختلف ضروبها.
هذا ما كان مغذياً للجماعات الطائفية فيما بعد والتي كانت تنمو في رحم المجتمع، فقد كان نضوب المضمون الديمقراطي العميق للحركة الثقافية؛ اتصالاً بالناس، وتعميقاً للنقد وتكريساً للعقلانية، قد جمد الحركتان السياسية والثقافية الوطنيتان، وأضعف من دورهما، إضافة إلى الظروف الخارجية القاسية ضدهما، فجاءت الجماعات الطائفية كوريثٍ لمختلفِ الجوانب السلبية.
لكن بدلاً من الارتباط بالنظام العراقي السابق حدث ارتباط بأنظمة استبدادية جديدة لا تقل قهراً وهي أشد تخلفاً، فتم وراثة السلبيات دون الإيجابيات، فازداد تدهور الثقافة، ولم تستطع الحداثة الشكلانية الغربية المستوردة أن تعوض عن مثل هذا الفقر الفكري، لأنها خالية من المضمون النقدي والتحليلي للواقع، وغدت مجرد انتهازية وزئبق ثقافي قابل للتمدد في مختلف الجهات السلبية.
لكن الجماعات الطائفية كان لها ضررها على الثقافة الوطنية الحديثة من جوانب أخرى، فقد تحولت إلى قامع للثقافة العصرية بدلاً من أجهزة الدولة السابقة، التي تبعاً لذلك غيرت من مواقفها تجاه الثقافة فأدركت مضمونها الوطني، بخلاف الجماعات المذهبية التي وجهت الجمهور نحو أنماط تقليدية من الثقافة، ولهذا نجد الوعي الشبابي يعود إلى أنماط أدبية تجاوزها الزمن، وإلى استخدام الموروث المذهبي..
وإضافة إلى عواملٍ أخرى ساهم صعودُ الحركات المذهبية السياسية في تجفيف منابع الثقافة، وتقليص جمهورها الحديث، وضعف الفنون الحديثة.
إن احلال ثقافة مذهبية هو مؤشر للتبعية لأنظمة الاستبداد في المنطقة، ولفشل مشروع الثقافة البحرينية الوطنية في تجذير نفسه داخل واقعه، وهو أمر ينعكس في كافة أشكال الثقافة من أدب وفن إلى تعليم الخ..
هناك جوانب مضادة لثقافة التبعية هذه، تتمثل في صمود التجارب الإبداعية الفردية الكبيرة، وفي تعزز أنواع أدبية معينة، وتنامي دور الكتابة السياسية الوطنية، وظهور عمليات مراجعة للفترة السابقة..
لكن تشكيل ثقافة جديدة ديمقراطية يحتاج إلى استعادة القوى الاجتماعية المحلية دورها، وإعادة إنتاج وعيها المحدود والمرتبط بالشموليات، عبر الإضافة إلى ما تم إنجازه من موروث ديمقراطي وطني سابق، وهو أمر يحتاج إلى دراسات في هذا المجال، وصدور أرشيف واسع للكتابات الجيدة في صحافة البحرين على مدى نصف قرن، وقراءة النتاجات الأدبية والفنية التي تاهت في تلك الصحافة أو في المكتبات.

الثقافة والصراع السياسي

مع تفاقم العملية السياسية المفتوحة على اتجاهات متعددة، فإن الثقافة لا بد أن تدخل في هذه العملية السياسية، من خلال ما تشكلت عليه خلال العقود الماضية، فالاتجاهات المذهبية المحافظة استمرت في نشر ثقافتها التقليدية، دون تطور يذكر، أي أن العملية التحولية السياسية لم تحرك مياهَها التحتية الراكدة باتجاه أسئلة الحداثة والتغيير الوطني.
كذلك فإن الثقافة الشكلانية والذاتية التي تشكلت داخل أجواء المصالح والبيروقراطية، استمرت في حداثتها المقطوعة عن معارك التغيير المحلية، غير قادرة على أن تستوعب مشكلات الناس داخل أبنيتها، فتشكل مساران ديني محافظ، وتجديدي شكلاني ذاتي.
فتجد أن صحيفة محافظة مذهبية تساند بقوة ظاهرة ثقافية شكلانية، ليس لشيء سوى لعوامل ذاتية لا علاقة لها بتحليل تلك الظاهرة الثقافية وكشف جوانبها المختلفة.
أو على العكس حين تظهر ثقافة ديمقراطية داخل التراث الإسلامي، فإن المحافظين والشكلانيين على حد سواء، لا يظهرون أي حماسة لمثل هذه الظاهرة، لأن مثل هذه الظاهرة تشكل تعرية من جانبين، تعري المحافظين وتخليهم عن الثقافة الديمقراطية الإسلامية، وانضمامهم للأجهزة، وتعري الشكلانيين التحديثيين وعدم تجذرهم في ثقافتهم العربية الإسلامية وعدم اتخاذ مواقف نضالية في مجتمعاتهم.
وهم إذ يفرغون الثقافة من أبعادها الموضوعية يريدون تحويلها إلى أداة في مشروعاتهم السياسية المتخلفة، مرة بعدم قراءة ضرورات الحرية في التعبير الثقافي المستقل، ومرة أخرى بتجاهل أهمية الاستقلال الثقافي وضرورة فصل الفكر عن التكيتكات السياسية المحدودة والهزيلة.
كذلك تعبر عن شكلانية مشتركة فمسائل الميزانية والصرف الباذخ على أعمال بهذا الشكل المحدود، وتضييع وقت المؤسسات المنتخبة في صراعات جانبية، كلها لا تسترعي الانتباه، بل تسترعي انتباهها جوانب الشكل الخارجي، فما دام يوجد رقص فهذه حداثة، ومادام يوجد رقص فهذا انحلال. رؤيتان متنضادتان متحدتان في العمق.
وهذه جوانب تعبر عن ارتباط التيارات السياسية بأجهزة حكومية متنفذة، أو بمؤسسات دينية متدخلة تريد فرض هيمنة شمولية على المجتمع وعدم قدرتها على تشكيل صوت ديمقراطي وطني مشترك.
إنها لا تستوعب عملية طرح ثقافة ديمقراطية وطنية إسلامية خارج الطوائف فهي مشدودة إلى ثقافتها التقليدية، وتعتبر أن التطرق ذاك لا بد أن يكون عبر رؤاها الطائفية، وإلا كان مروقاً.
إن التحاق المثقفيين الدينيين أو التحديثيين الشكلانيين بالأجهزة المحافظة، يقود إلى شكلنة الثقافة، أي جعلها أشكال، خارجية، وشعارات برانية، ويتحول المثقفون الدينيون والتحديثيون إلى موظفين، ويشتغلون كلٌ من جهته على عدم تحويل الثقافة إلى موقف نضال وطني مشترك يغير الواقع.
لقد ضعفت الثقافة الوطينة الديمقراطية خلال العقود الماضية ولم تتسلح بتحليل الواقع، وباتخاذ مواقف نقدية عميقة منه، فغدت هشة يسودها الطابع الذاتي، فهي استيرادية غربية أو استيرادية نصوصية تراثية جامدة، وهما وجها العملة التابعة.
إعادة تشكيل الثقافة الوطنية الديمقراطية مسألة طويلة، تتطلب انفضاض المثقفين عن القوى الشمولية المختلفة، ومراعاتهم للصدق والمسئولية والحرية والنقد للواقع، دون أن يأبهوا بالقوى الخارجية وبالمكاسب المادية.

الدكتاتورية في الثقافة

حاولت الثقافة الوطنية أن تتصدى للبناء الاجتماعي المختلف المتكلس بالعديد من الأفكار الديمقراطية، لكنها كانت هي ذاتها نتاج ذلك البناء المتكلس.
إن ظهور الشخصيات المتضخمة المهيمنة هو نتاجُ هياكلٍ اجتماعية وسياسية متخلفة، وليس هو فعل فردي محض فقط، ومن هنا كان نضال الثقافة الوطنية الديمقراطية هو نضالٌ داخل صفوفها، التي تعكسُ الكثير من المؤثرات العامة، وهو أمرٌ تجسد في الكثير من الصراعات الثقافية والأدبية لجعل الجدل مع الواقع يلغي الدوران حول الشخوص، وتكون أهمية النصوص لا بسبب منتجيها بل بقدر ما يقترب المنتجون من نقد الواقع ويشكلون حراكاً تحولياً فيه.
ومن هنا عانت هذه الثقافة من هذه الشخصية الفردانية ومن الهجمات البيروقراطية الإدارية ضدها، وهي الهجمات التي تسببت في عرقلة تطور الفنون العامة كالتشكيل والمسرح والدراما التلفزيونية التي خضعت لتلك الشمولية بسبب من كونها فنوناً جماعية تخضع للرقابة بخلاف القصيدة والقصة والرواية التي لها حراكٌ لا يمكن ضبطه والسيطرة عليه!
ومن هنا كانت بذور الديمقراطية في التجمع الأدبي أكثر وأخصب، وقد تطورت هذه البذور من أجل جعل الثقافة تحترم التنوع داخلها، بعد أن جف ضرع الثقافة انفصالاً عن الواقع واهتماماً بالذوات الفردانية في طيرانها للرحيق المادي والعلو.
لكن ذلك لم يكن نفس مسار الإعلام الرسمي وخاصة الإعلام المتخصص في مراقبة الثقافة، والذي عكف على تحنيط وتجفيف منابع نمو الثقافة الوطنية الديمقراطية حتى كان له ذلك مع تضافر الجهود السياسية العامة، فأنتج ظاهرة (الثقافة) الطائفية بكل فسيفسائها.
ولم تكن محاولات الثقافة الإعلامية الرسمية في تجاوز هذا الواقع المتردي، ورفع بعض الشعارات الليبرالية، وتحريك بعض النتاج الثقافي، إلا محاولات تستندُ على جهود فردية مختلفة ومتضاربة، وعبر أشكال نخبوية، واستعراضية، وبإهدار في ميزانية تتجه للتظاهر أكثر ما تحفل بالعمق والناس.
حتى تصاعدت العناصر الذاتية في هذه البنية الرسمية الثقافية التي لا تصب كثيراً في الواقع المحلي، فهي لا تتوجه إلى تطوير العناصر الوطنية الديمقراطية في هذه الثقافة بل تلجأ للاستعراضات والاهتمام بالنجوم المستوردة، أما أن يُنتَج شيءٌ داخلي مؤثر فهو ليس من اهتامها، خاصة إن العناصر التي تشكلُ هذا الواقعَ لم تأتِ من نتاج مهم في الثقافة المحلية، ولم تكابد عناء النصوص واللغة والأفكار، بل جعلت حلبة الثقافة ميدان استعراض وتضخم فرداني، وبهذا يتحول كل ذلك إلى هدر إن لم يكن إلى مشكلات وصراعات حادة، لأن مثل هذا الوعي لم يكن تتويجاً لتطور ثقافي شخصي أو عام، وهي نفسها النجومية التي عرقلت تطور المؤسسات الثقافية الأهلية، كما أنه لم يكن بهدف تغيير شيء سلبي داخل الواقع.
ولهذا فهو نتاج أعمال شخصية تتشكل بطريقة غير ديمقراطية، وبصورة ذاتية، ولا تقيم حواراً مع الزخم الثقافي المتنوع الذي تكون على مدى العقود السابقة.
وهي أمور تشاركها فيه بعضُ المؤسسات الثقافية والسياسية التي ترى في تحجيم دورها وتقليص شخوصها أسباباً إضافية في الصراع معه والتصدي له.
إن الإدارة الثقافية العامة تحتاج لشخصية قيادية منفتحة وديمقراطية، ترى البذورَ الوطنية العقلانية في النتاج الثقافي وفي المؤسسات الأهلية، وتقوم بالحوار معها، وتساعدها على الظهور وزيادة الإنتاج، ومن مواقع التعاون فيما هو مشترك بين الحكومي والأهلي، تاركة لها مساحات الحرية والاختلاف.
إن غياب الشخصية القيادية الثقافية من هذا الموقع القيادي هو العامل الهام في الصراعات المجانية التي تشهدها الساحة الثقافية، وفي تضييع الوقت والمال على المهرجانات والدعوات المحدودة القيمة، وترك ما أهلي يعيش البوار والأهمال!

المنبتون من الثقافة الوطنية

واجهتْ الثقافة الوطنية الديمقراطية تحدياتٌ كثيرة في سبيلِ تشكيل نفسِها، وزرعِ وجودِهِا في الأرض، لهشاشةِ الجذور الثقافية لها، وعدم ترسخ الأنواع الأدبية والفنية، وقد تنامت بذورُهُا مع تنامي الحركة الوطنية الديمقراطية، أي بقدرِ ما تتخلص الحركات السياسية من جمودها وشموليتها، وبقدر ما يقدر المبدعون على تحليل العلاقات الاجتماعية التقليدية ونقدها وتجاوزها.
وقد تنامت الرؤى الشمولية في هذه الثقافة عوضاً عن ضعفها وزوالها، بسببِ تحكم المؤسساتِ العامة البيروقراطية في مصائر الثقافة، وخلخة تماسك المبدعين وحفرهم في الواقع ونقده، وهو الشرط الضروري في تنامي أي إبداع.
وكل هذه المؤثرات لعبت أدوارها في زعزعة الثقافة الوطنية وتقزمها، وتنامي دوران الكتاب والفنانين والمثقفين حول ذواتِهم ينسجون شرانقَ من وهم، ويكرسون أنفسهم وقد انعزلت عن عمليات تحليل الواقع ونقده، سواء عبر عوداتهم لوعي الطوائف وأندماجهم في مشروعاتها السياسية التفكيكية، ومزايداتهم على هذا الوعي أحياناً، عوضاً أن يتغلغلوا إلى نواته الوطنية ويبرزوها وينقدوا تجلياتها الطائفية ويخلقوا التلاحم بين الجمهور.
أو جعلهم ذواتهم هي البؤرُ الوحيدة في الكون الثقافي، فلم يعدْ ثمة وطنٌ ولا جبهاتٌ ثقافية يمكن أن تكرس شيئاً من الوعي الديمقراطي الحقيقي في الجمهور، فجربوا حتى ضاعوا، وانعزلوا عن القراءة وتطوير أدواتهم، أو راحوا يكررون ذواتهم الجامدة بصور شتى، حتى فقدتْ التجاربُ التي يقومون بها أهميتها ودورها، ولم يعد ثمة فارق بين مبدع كرس نفسه لعقود وبين ناشيء، بل قدرَ الناشىءُ أن يبز المعتق عبر أساليب هزيلة وإدعاءت بخلق فن جماهيري وما هو بجماهيري بل تخديري، يعتمد التسلية الفجة.
وهناك مظاهر شتى لذلك فكلها تعبيرٌ عن خلخلة وعي فئات وجدتْ إن مصالحَها هي كلُ شيء، ورنتْ إلى كراسيها وأرصدتها، وباعتْ تاريخاً، وتخلتْ عن تقنياتٍ وأدوات توصيل وحولتْ المنابر الفنية والأدبية إلى تكريس لشخوص وشلل وليس لمراكمة وعي ديمقراطي ثقافي يعيد بناء الثقافة الوطنية الخربة.
وتتشكلُ معطياتٌ جديدة لتجاوز ذلك عبر الدفاع عن مصالح الفنانين والكتاب ومؤسساتهم ونتاجاتهم، وتغيير هذا المستوى المتدني لظروف إنتاجهم الثقافية والشخصية، بشكلٍ جماعي وليس بأشكالٍ فردية، بحيث يتم تغيير جوانب هامة من الوضع الثقافي كدعم مغاير لهذا الدعم الهزيل الراهن، بحيث يزيل دور مؤسسات الثقافة المتسولة، ويضع قانوناً للتفرغ وليس لشراء بعض المبدعين، ويقيم مسارح ومكتبات وثقافة منوعة كبيرة للطفولة، ويحرر التلفزيون من سطوة الشلل، ويجعل للفنانين والأدباء ضماناً اجتماعياً مواكباً لدورهم الوطني، ولا يجعل من المثقفين منبوذين في أرضهم محتفى بغيرهم من كل الأصقاع!
وأن لا يأتي ذلك عبر التسول كذلك بل عبر استخدام الأدوات النضالية المتوفرة من مجالس منتخبة ونقابات، وإذا حدث أن لم تستجب الدوائر البيروقراطية لهذا وفضلت العمل عبر الشلل وتكريس المثقف المهرج والشاعر الشحاذ، والفنان المتعطل من الموهبة، فلتتواصل اللجان المشتركة للمثقفين، وتحفر في الواقع سواء عبر تعضيدها لنواب ديمقراطيين، أو بتصعيد نتاجها وتغيير طابعه الانعزالي غير المفيد وتتعلم مرة أخرى كيف تتكلم مع الناس.

الفئات الوسطى بين الثقافة والسياسة

بدأت البحرين والكويت وغيرهما من دول الخليج بقيادة الفئات الوسطى التجارية الثقافية بقيادة حركة التغيير والتحرر الوطني في المنطقة، للأسباب المماثلة التي حركت الفئات الوسطى العربية، فلم يؤسس الاستعمار البريطاني أجهزة دولة إقتصادية تمنع التجار من الحراك الواسع، بل ركز على تغييب النشاط السياسي، وعدم وجود أسلحة ومنع الرقيق، ومنع السخرة في الزراعة، وهذه الجوانب ساعدتْ على صعود الفئات التجارية وحراكها الذي بدأ فكرياً عبر الأندية والتجمعات الثقافية وصار سياسياً.
هذه العقود أعطت الفئات الوسطى التجارية أفضل نتاجاتها الفكرية والسياسية، لكن لغياب الجذور الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العريقة أصيبت الحركات بالمراهقة، وهو أمرٌ لم يقتصر على مدن الخليج الصغيرة بل تعداها إلى البلدان العربية الكبيرة، فإن هذه الموجة الليبرالية العربية التي تشكلتْ في ظل الاستعمار الغربي لم تدم طويلاً، وما لبثت القوى الوطنية التحررية ذات النزعات الشمولية أن تصاعدت، وفي البحرين كان الأمر شبه كارثي في 1956.
انسحب قادة التجار بعد هزيمة الحركة الوطنية في الخمسينيات، وكان أولئك القادة قد انغمسوا في الحركة القومية ذات النزعة الشمولية، والتي لم تتضافر مع التوجهات الليبرالية إلا في مسالك شخصية، مما جعلها حادة عنيفة، غير قادرةٍ على خلقِ تراكم ديمقراطي لا في الثقافة ولا في السياسة.
كان هؤلاء القادة قد جاءوا من الفئات الدنيا من التجار، ولم يظهروا من البيوتات التجارية القديمة، وكان هذا تعبيراً عن سيادة نزعة المغامرة في التجارة والسياسة، فهذه الجذورُ غيرُ القويةِ في الاقتصاد والتي لم تكون ثرواتٍ كبيرة، وجاء دخولـُها للعمل التجاري سريعاً، لم يتحْ لها الزمنُ أن تتجذرَ في فهمِ الليبرالية والديمقراطية على مختلفِ أصعدها، وركبتْ الحماسَ الشعبي الذي أخذها بدوره إلى ما لا تريده، إلى الفلتان السياسي.
ولهذا فقد سادت البيوت التجارية الغارقة في الهموم الاقتصادية المنفصلة كلياً عن السياسة والثقافة، وهو أمرٌ أدى إلى التصحر الفكري وغياب المواقف الاجتماعية والوطنية.
بطبيعة الحال فإن تسربات الصراع الوطني كانت تتسلل من تحت المجاري الخلفية، عبر بعض الأبناء الذين يدخلوا التيارات السياسية المختلفة.
ومهما كانت طبيعة الحركات السياسية التي تتالت بعد ذلك فقد كانت في ذات المناخ الشمولي سواء في القومية أو اليسار، ولم تظهر إمكانيات وقدرات تراكم تجربة ديمقراطية، وهذا قد عبر إلى أي مدى كان رأس المال ضعيفاً، تابعاً للأجهزة، خائفاً منها، ذائباً فيها، منكمشاً عنها، واعتبر بعضه إن وجود الاستعمار ضرورة حيوية، وذهب بعضهم لمعارضة الانسحاب البريطاني من المنطقة.
لقد ساهمت الأجهزة والاتجاهات الشمولية في تشكيل مناخ التصحر السياسي هذا، وزاد الأمرُ سؤاً عندما لم تقدمْ الدولُ العربية بديلاً ديمقراطياً، وحين اقتربتْ نارُها من الخليج شكلتْ نظامين استدعيا القوى الغربية الحربية تحت يافطات شتى وإدعاءات مختلفة قائمة على الهياجين القومي والديني.
وإذا كانت الثروة النفطية قد استدعت تحشد القوى الغربية ونفوذ أجهزتها، فإنها كذلك أعطت لرأس المال المحلي قفزات في وضع التجارة والصناعة والبنوك، وغدا التصحرُ السياسي للتجار مركباً على غيابِ الأفكارِ الوطنية المتجذرة في الأرض، التي صارتْ مجردَ حصالات، لا يُعرف ما وراء وجودها الحديدي من مشكلاتٍ عميقةٍ ومن تضاريسَ سياسيةٍ معقدةٍ متضاربة، وهذا توافقَ مع النزعةِ الأمريكية السائدة بتحرير الاقتصاديات من هيمنة الدول، من أجل تدفق سيولتها عليها، فتبخرت الوطنيات أكثر من السابق.
تكسير النزعة الوطنية له جذورٌ في تربةِ الجزيرة العربية ودولها المتفتتة، القائمة على تاريخ الترحال والظعن وحب الموارد، ومن هنا يقيم كبار التجار فللاً متجمعة أشبه بالمضارب البدوية السابقة، ولها شيخ القبيلة، وبخلاف القبائل العربية فهذه القبائل منقطعة عن محيطها، معتمدة على قوى العمل الأجنبية، تقوم بطرد اللغة العربية من أجوائها وأجيالها بشكل مستمر، فتغدو جزءً من العولمة الغربية الحديثة، في أشكالها الخارجية المبهرة وغياب مضامينها الثقافية والفكرية العميقة.
ولكن هذه المضارب البدوية التجارية ليس لها حتى مجلس منتخب أو قدرة على الحوارات وفهم التاريخ والمستقبل.
وإذا كانت السياسة هي قمة مواقف الإنسان وحضوره في الحياة، فإن السياسة آخر شيء يُشتغل به في هذه المضارب المرفهة.
إن التاجر العادي الكبير عادة هو كائن غير سياسي. كل وجود يتركز في هذا رأس المال وتناميه، وهو رأس مال منقطع عن جذوره وصلاته الاجتماعية، متوحدٌ في الفواتير ونتائجها، مجردُ كمٍ نقدي يجب أن يتنامى بشكل مستمر، ربحه هو وجوده ووطنه.
ومن هنا فإن التاجر الكبير السياسي نادر، وإذا ظهر فهو مع السائد، رغم إنه يفهم السائد بطريقته الخاصة، وبما ينمي التجارة الخاصة.
لكن كيف تحول فجأة هذا التاجر غير السياسي، غير الوطني، إلى رجل مهتم بالسياسة ومعارض؟
تشكلت الخريطة العامة للرأسمالية المتنامية من جانبِ الرأسمالية الحكومية المسيطرة على الموارد الاقتصادية ومن الرأسمالية الخاصة المسيطرة على السوق التجارية، وإذا كان رأسمالُ الخاص غير سياسي، فإن رأس المال الحكومي سياسي تماماً.
ونظراً لسيطرة رأس المال الحكومي وتشكله بسرعة كبيرة حيث وصل إلى إدارة موحدة في شركة، وتنامت فوائضه مشكلة البيروقراطية وذيولها المختلفة الكبيرة المتنامية في التجارة، فإنه ذو اهتمام كبير بالتطورات السياسية والاجتماعية وعدم وصولها لتناقضات حادة، وينبثق لديه برنامج خاص للإصلاحين السياسي والاقتصادي متضافرين برؤية معينة تنطلق من المفهوم الأبوي وغير الحر للاقتصاد. وبالتالي فإنه يحاول توجيه الرساميل نحو تخفيف تلك التناقضات الاجتماعية ضمن إدارته التي هي ذاتها قضية عليها أسئلة كبيرة.
وحين ظهر منديلُ الأمان وصار بإمكان التاجر الصامت أن يتكلم فإنه انطلق من تاريخه الخاص المنزوي، غير السياسي، المهتم بالأرباح فقط، ووجد الوزارات تفرض التغييرات من مواقعها السياسية غير مراعية لأوضاعه، في حين أنها تتوجه لتخفيف التناقضات الاجتماعية، لكن بحيث يتحمل التاجر تكلفة التخفيف و(الإصلاح)!
وأدى صمت التاجر وإنعزاله إلى أنه لا توجد لديه أدوات تأثير وضغط على هذه الإجراءات، وإذا كان قد ربح من صمتهِ فإنه الآن يخسر من ذلك الصمت الطويل، ولعدم تكوين جماعات الضغط الخاصة به، وما كان مفيداً صار مضراً، فطلع على الناس وهو في حيرة يتخبط هنا وهناك، وتقيم الفئات الدنيا فيه تحركات وإحتجاحات لا يهتم بها أحد، وغير مرتبطة بجمعيات وتيارات ذات شأن في المجتمع، نظراً للانعزال عن التيارات وعدم المساهمة فيها، والتقاط فرص العلو للمكاسب الاقتصادية والسياسية بدون إنتاج عميق، ولعدم تشكيل كوادر مدافعة عن عالم التجارة الخاصة وحرية السوق، وإذا دخل بعض هؤلاء عالم السياسة فهو من الباب الحكومي كمجلس الشورى، أو المقاعد السياسية الأخرى.
وعموماً فإن الضعف السياسي للقطاعات الخاصة التجارية والصناعية والمالية هو ظاهرة عامة في دول الشرق، فهي تخلت بنفسها عن السياسة، وحلت تنظيماتها وغرقت في عالم المال المعزول، بحيث إن أي (ملا) في حارة لديه اتباع أكثر من كل مؤسساتها الاقتصادية، وقادر على التأثير في السوق بالمظاهرات أو باعتماد العنف ليكون زعيماً، ولهذا فإن عودة التاجر للوطن من الباب السياسي، تحتاج للكثير من التحولات وإعادة التفكير وتشكيل المؤسسات الاقتصادية بشكل مؤثر وطنياً.

الطائفيةُ وتدهورُ الثقافةِ


هناك علاقاتٌ خفيةٌ بين تفاقم الطائفية وتدهور الثقافة، فقد صعدت فئاتٌ وسطى صغيرة خاصة من البوادي والأرياف والحارات المكتظة، وكانت تتواكبُ مع أزمات إقتصادية في النمط الخراجي الجديد، حيث الأجهزة تنفصل عن الناس، والفئات الوسطى الكبيرة تبحث عن الأسواق بأي شكل في وسط مزاحمات من العمالقة السياسيين الاقتصاديين.
القوى اليسارية والقومية القديمة تفككتْ علاقاتُها بالثقافات العميقة، وكانت أدواتُ التسطيحِ والأدلجة الموظفة للشموليات غيرَ قادرةٍ على الحفر المعرفي الثقافي، ولهذا فإن مواكبتها للأدب والفن التقدميين إضمحلت. ومن هنا عدم قدرتها على التصدي لفهم ظاهرات إبداعية كبيرة، وحماية المراكز الثقافية التقدمية المتداعية في المجلات والصحف ودور النشر والمواقع الإلكترونية، رغم أن عناصر نادرة في الاتجاهات التحديثية واصلت الإنتاج وسط طوفان من الأمية الثقافية ونتاجات العولمة. ودعك من إمكانية أن تقوم هذه المنابر بالتحول لمحطاتٍ ناقلة للكهرباء الثقافية وسط الجماهير، عبر الاحتفاء بالكتب والآداب والفنون والظاهرات الثقافية عامةً كما كانت تفعل في زمن جذورها النضالية التي كانت ذات ظروف شظف وحصار وقلة إمكانيات!
في تحللِ رأسمالياتِ الدول الشرقية تحللٌ للخرائطِ الوطنية، وجسدَ هذا فشللَ نمطٍ بيروقراطي إستغلالي أدى إلى بروزِ الثقافات العتيقة للمذاهب والملل المختلفة تفكيكاً لأقطار ومجتمعات المسلمين والمواطنين عامة، حيث راحت تجرُّ التفسخات التي جرتْ بعد إنهيار الحضارات العربية الإسلامية المختلفة وليس أن تعي ماهية تلك الثقافات العالمية وقتذاك. أي أدى هذا إلى سيادةِ النصوصية والمواد اللاعقلانية والقشورية الدينية والعودة لأزمنة ما سُمي عربياً بعصور الانحطاط. ولن تجد من كتاب المذهبيين السياسيين من يقوم بالحفر المعرفي ولو كان بسيطاً في ظاهرات الحياة والثقافة والتاريخ، بل يكرر ما هو موجود من نصوص يعرفها الجميعُ عن السور والدين والمواعظ.
وقد حدثَ تصدٍّ من بعضِ كبار المثقفين العرب للتفسخ الطائفي الاجتماعي ومحاولاته تصدر المسرح السياسي الاجتماعي، عبر قراءاتٍ كثيرة موسوعية للآداب والفنون والفلسفات القديمة، لكن أغلبها ضخم الحجم ويُصاغ بأدواتٍ منهجية ولغوية فوق مستوى الجمهور العادي، كما أنه لا يحتفي بهذه الجهود في أجهزة الإعلام لمنع التسطيح في فهم التاريخ العربي.
مثلما أن أنظمة الرأسمالية الحكومية لم تقم بأي ثورة ثقافية لمحو الأمية ولتقدم العلاقات بين النساء والرجال ونشر العقلانية والعديد من المهمات الاجتماعية الثقافية، كما أن هذه القراءات العقلانية لا تُسوق عبر أدواتِ الرأسمالياتِ الحكومية المتحللة الراهنة، ولا تحصل على دعم الرأسماليات الخاصة المتصاعدة التي توجهتْ لمطبوعات الربح وفضائيات البث التجاري الساحق ونشر الثقافة السوداء كثقافةِ العنف والجنس والفن الرخيص. وصارت تفاهات هذه(النجوم) مواداً يومية تُنشر في كل مكان ونموذجاً لإحتذاء الأجيال، وترافق ذلك مع نشر السموم والعداء للثقافة والكتب وحصار المكتبات!
ولهذا فإن أميي الثقافاتِ الدينية هم الذين تولوا البثَ الجماهيري، حيث ظهرت هذه الفئاتُ من شقوقِ فسادِ الرأسماليات الأولى، وإحتضان الرأسماليات الخاصة الأخرى، وهي تدبجُ النصوصَ المتعالية من فوق المنابر الشعبية، وقراءاتُها لحقائق التراث العربي الإسلامي الإنساني معدومة، فهي قراءةُ طوائف تمزيقية لا قراءةَ موحِّدين، قراءاتُ يومية وعظية تحريضية ذاتية في شتى الجهات، وتشيعُ الانقسامات والتسطيحَ الفكري أكثر فأكثر. والغريب أن شباب هذه الجماعات لا علاقة لهم بالثقافة العربية الإسلامية وتجد هذا في عدم معرفة الجذور للإسلام والفرق ومشكلات التطور التاريخي للأمم الإسلامية ولا يعرفون الآداب العربية الإسلامية وغزارة إنتاجها بكل تأكيد.
لهذا فإن العلاقات الكبرى العظيمة التي نشأت بين الإسلام والاتجاهات الفكرية السياسية وبين الآداب والفنون، مقطوعةٌ هنا، منسوفةٌ، في ظل أناسٍ يعيشون على المواد الخام الرثة للانهيارات الاجتماعية السابقة، ومن هنا نجد هذا الانفصال العدائي عن الآداب والفنون، فالطائفياتُ مسطحةٌ، أميةٌ، متحفزة، قصيرةُ النظر، تعيشُ على شذراتِ نصوصٍ نارية، وتصّعدُ القوى السياسية الاجتماعية المتعصبة، وتخربُ العلاقات الإسلامية والإنسانية، لكونها بلا فكر ديمقراطي إنساني رحب، وقد غيبتْ التوحيدَ فأُصيبتْ بالأنيما الوطنية القومية.
التراجعُ واسعٌ عن الإرث الإنساني، والتمحور والانغلاق على الذوات الماضوية، يتبعه عداءٌ للأشكال والأنواع الفنية والأدبية، ولروح الحرية والفرح والتوهج، وتغدو النصوص الإبداعية ملغاةً منبوذة، لأنها تحملُ وهجَ الحياة المتنوعة، وعطاءات الإنسانية التعددية العصرية حيث البشرية معمل روحي خلاق مشترك.

إنهيارُ العقلانيةِ في الثقافةِ البحرينية

كان الهجومُ على الواقعية الاشتراكية ملفتاً للنظر لدى بعض أفراد النخب الثقافية في بدايات الحركة الثقافية البحرينية فقد ظهر ذلك كخوف من تنامي العقلانية ومن خلال أدوات تطوراتها الواقعية المحتملة، وبشكل معاد مبالغ فيه، رغم إن هذه الواقعية الاشتراكية لم تكن سوى كتابات حماسية شبابية.
لكن كانت كراهية التجذر في قراءة الواقع، والارتباط الحميم بثقافة الشعب والأمة، وتحويل العقلانية إلى فعل ثقافي، هي ما يغورُ في الاتجاهات المتذبذبة للفئات الوسطى والصغيرة السائدة في عالم الوعي، وخاصة في عالم الثقافة.
هناك ما يبررُ هذا الخوف جزئياً حين كانت الواقعية الاشتراكية قائمةً على نسخ مشوهة للوعي التقدمي، والتي إعتمدت على الدعاية وتقديم أبطال من ورق.
ولكن مع ذلك كان هذا الوعي الوطني الجنيني الذي يرصد ظاهرات بلده أمراً مهماً، في حين كان التخويفُ يستبطنُ موقفاً إجتماعياً سياسياً معادياً لثقافة الشعب نفسه، رغم اليافطات الكبيرة المرفوعة لهذا.
الابتعادُ عن تحليل الواقع، وعدم متابعة التجارب الحقيقية، ورفدها بالخبرة الثقافية البشرية، سوف يسوقُ الألعابَ الأدبية والفنية التي ازدهرت، وخلخلت ثقافة المواقف المسئولة، ويجعل التجريبية الثقافية في القصة القصيرة والقصيدة، والمسرح، والنقد، تعيش حالات من الاضطرابات وعدم تكوين تجربة ثقافية وطنية عميقة، وهذه تتوافق مع وعي سياسي مضطرب يسوق مواقفَ غيرَ عميقة وغير قارئة لقوانين التطور الاجتماعي.
إن الهشاشة، وإضطرابَ الأجناس الأدبية، والأحكام النقدية، وتهافت الدراسات التاريخية، ستكون وعياً نفعياً ذاتياً مستعداً لعملية الانهيار الفكري السياسي في مرحلةِ الطائفية السياسية.
ففي المرحلة الوطنية منذ الستينيات والسبعينيات حين كان ثمة طبقة عاملة بحرينية واسعة، وفئة وسطى نهضوية، وهو ما تجلى في دستور 1973، كانت الارهاصات الأدبية الواقعية والفنية تشير إلى تبلور إبداعي واقعي نقدي، وتنامت هذه حتى في مرحلةِ زوال البرلمان، في تجارب معينةٍ ولزمن معين.
وكان يمكن أن تكون الروايةُ الواقعية تعبيراً عن هذا التنامي العام، لكن بدلاً منها كان المسرحُ التجريبي الذي لم يخلق ثقافةً إبداعية إلا فقاعات من الفوضى والإدعاءات، فكانت ثقافةُ الانكسار تتصاعد: التقوقعُ في القصيدة، وخفوت تطور القصة القصيرة، وإنكسار النقد وتحوله لمقاولات ثقافية شخصية، وسيادة الفوتغرافية في الفن التشكيلي.
كان إنكسارُ العقلانية الوطنية في شتى أشكالها، يتجسدُّ في تصاعدِ لغة المصالح الخاصة: الطب الخاص، التعليم الخاص وغيرهما كثير، فظهر الإبداعُ الخاص!
هي مرحلةُ التقلص من الروابطِ الفكرية المرتبطة بالطبقات، فتغدو المحاولةُ الروائية تجريبيةً داخلية لا تتغلغلُ في تحليل الواقع، ولا يغدو ل(الروائي) مشروع تحليل للواقع، ثم تزداد(الخصوصية) فتصير إرتباطات بالرأسمالية الحكومية.
إن الفئات الوسطى المفكَّكة تكونُ مصالحَها الخاصة، وتشكلُ لغاتٍ مفارقة، فثمة جملٌ يسارية صاخبة، وعلاقاتٌ مصلحية مع الوزارات، فيما يغلبُ التخثرُ الإبداعي في التيارات الأخرى، حيث لا مواقفَ تحليلية، وتسود تذبذباتٌ في إتجاهات عدة، وفي المجموع تتكسر تلك الموجات النقدية الوطنية التي ظهرت من تحليل الغواصين وعمال الجبل والتاريخ الوطني عامة، ولهذا حين تظهر الطائفيةُ السياسيةُ تكون واقفةً على أرضٍ منهارة فكرياً سياسياً، وتغدو البديلَ الزائف للوطنية، مستخدمةً عبارات يسارية صاعقة، ولاعقلانية دينية، وفاشية غائرة تعادي كل تفتح ثقافي وإختلاف.
ولهذا تكون نتائجها مدمرةً على صعيد الأجناس الإبداعية والتنظيمات الأدبية، وتطور الوعي الثقافي الوطني عامة.
ولم تدشن المرحلة الجديدة دعماً للثقافة الوطنية خاصة في السنوات الأخيرة حيث عانت الإصدارات المحلية من أزمة طباعة، وتوجه الكتاب للإصدارات على نفقاتهم الخاصة، مع صعوبات النشر والتوزيع وقلة الاهتمام بالأعمال الأدبية.
تدهورت الثقافة الوطنية عبر التفكك وندرة النتاجات وصعوبات إصدارها وتوزيعها وغياب الاهتمام بها.

بؤرةُ الوهمِ قديماً وحديثاً

بؤرةُ الوهمِ قديماً

تمثل بؤرة الوهم الإيديولوجية ملتقى الآمال الشعبية والطليعية بتوقع التحولات الإيجابية في المجتمع. وفي حقبة ظهور الإسلام كانت الفترة واعدةً مفصلية للتقدم الوحدة والسعادة للناس أجمعين.
إن الدين حين يكون دولةً سياسية تبدو ممثلة للأمة، وهو أمرٌ تحقق في البداية التأسيسية، لكن عبر إجراءات سياسية كانتخاب الحاكم وجعل المُلكية العامة قائدة لكن هذه الإجراءات لم تُقبل كجوهر للدولة، وهو أمر سوف يكرسه الوعي الديني السائد.
إن صيغةَ الدولة الدينية تغلبت على صيغة الدولة المدنية غير الدينية، وضمت الدولة الدينية كل الموروث في ذات الحقبة ورغم أن الجوهر السياسي لها كان معروفاً وسائداً في وعي الأولين، إلا أن التطورات الاجتماعية والسياسية والثقافية طمست ذلك وصارت الدولة الدينية ذات أسس كثيرة خاصة مسائل الإيمان والكفر والأركان الخمسة وجوانب الفقه المختلفة.
لقد تمت تنحية طابع الدولة السياسي الأولي لصالح دولة دينية تُحسم المواقف فيها قضايا الإيمان. صار ذلك هو السياج الذي يؤطر الدولة والمنتمين لها.
إن دولة الديانة المعمّمة المجردة تغلبت على دولة المواطنة اللادينية. فأي دخول قولي في دولة الديانة للحصول على الجنسية فيها، ولهذا أصبحت قضية الإيمان والكفر حاسمة.
إن ذلك سوف يشكل بؤرةَ الوهم الرئيسية عبر قرون، فعبر الوعي السائد سوف يكون ذلك قياماً لجنة أرضية، فما دام الناس ذوي إيمان فالوعد بالتقدم والسعادة والخير للجميع سوف يتحقق كما بشر سائد الدينِ بذلك.
لكن ذلك لم يتحقق. لقد حدثت منجزاتٌ ضخمة؛ توحيد القبائل وقيام دولة كبيرة، وتبدلت وسائل العيش المحدودة للصحراء العربية، وازدهرت مدنٌ جديدة، وإنفتحت آفاقُ البلدان للقبائل المحصورة في الجزيرة العربية.
لقد صُطدم الوعي السائد لدى المثقفين الدينيين من هذا التناقض، فرغم دخول الناس في الدين جماعات وشعوباً إلا أن الكوارث قد تتالت، فقام حكمٌ عضوضٌ، وتفاقمت الصراعات على الحكم ونشبت حروبٌ ضارية وضُربت مكة والكعبة فيها، وتحولت الفتوحات إلى حروب غنائم أثرتْ السلطات وكبار التجار وملاك العبيد منها، وتدنت مكانة النساء والفقراء وشعوب البلدان المتفوحة إلى آخر هذه الظاهرات التي بدت مروعة.
لكن هذه الظاهرات لم تكن بلا أسباب وبلا مقدمات، فقد إضطربت مُلكية الدولة في عهد الخليفة الراشد الثالث، وتفجرت الصراعاتُ على السلطة فيما عُرف بالفتنة الكبرى، وقفز إليها من جنّد أكبر عددٍ من الجند الجزيلة رواتبهم، وتوارى من ضحى وصعد من نافق وأرتشى.
حدث تناقضٌ هائلٌ بين الآمال والواقع، فوقع الوعي الديني في إضطراب مماثل. وإذا كانت النصوصية وعرض البارز من الممارسة الفقهية هو دور الأئمة الأولين مع رفض ممارسة إستبداد الحكام، فقد كان هؤلاء نادرون وإختصاصيون ومن غير الممكن أن تكون ثقافتهم جماهيرية مؤثرة في نفي التناقض بين الحلم والواقع، ولهذا فقد ظهر نمطٌ من الوعي الديني سياسي ومعارض بشكل أكبر.
إن هذا الوعي السياسي واصل طابع الدولة الدينية، فرغم إنه نشأ في الأقاليم المضطهَّدة وبين العامة والمثقفين إلا أنه عبر عن الدولة الشمولية كذلك.
إنه لم يدرس طبيعة التناقض السياسي الاجتماعي بين الحكم الأولي والتالي، وبدأ يقرأ الوضع السياسي من خلال المقولات الدينية، مقولات الإيمان والكفر، لا مقولات المواطنة.
فالدولة راحت تميز الناسَ من خلال هاتين المقولتين، وغدت المعارضة تقوم بذلك أيضاً، وصارت الدولة والمعارضة تشتركان في رؤية واحدة، ولهذا غدت الفرق دينيةً ذات تفاسير مختلفة.
وإذا تجمعت بؤر التيارات في مسألة (مرتكب الكبيرة أهو مؤمن أم كافر؟) فإن ذلك يعني بدايات نسف الدولة الواحدة. فمرتكب الكبيرة لدى لدى فرق الخوارج وبعض الإماميين هو كافر، وهذا الحكم أستمر حتى ظهور فرقة المعتزلة التي قالت هو(في منزلة بين منزلتين)، وإذا كانت المسألة تعني الحكام وكبار المنتفعين بالثروة العامة ومبددينها، فإن ذلك يعني أما العمل داخل المجتمع لتطوير ظروفه، واما تشكيل نظام آخر يهدم النظام الحالي.
لقد ألتقت الفِرقُ في بؤرة وهم إيديولوجية واحدة مثل مظلة النظام الفكرية السياسية، فعبر مسألة ضميرية يتم ليس نفي حرية المواطن بل زعزعة كيان المجتمع. فإذا توجهت الفرق المتشددة لتشكيل دول أخرى، فإن المعتزلة وقعت في شباك الوعي الديني الاستبدادي، عبر إنتاج ثقافة فرقة دينية جديدة، وفيما المكفرون يهدمون الدولة من الخارج فالمعتزلة تهدمها من الداخل، بدلاً من إنتاج ثقافة المواطنة النقدية.

بؤرةُ الوهمِ حديثاً

إذا كان لكل عصرٍ عربي بؤرة وهمه، وقد تجلت بؤرةُ الوهمِ هذه في العصر الوسيط عبر محاولاتِ إنتاجِ مجتمعٍ مثالي ديني تحكمه خلافةٌ دينيةٌ فردية خيرة، لكن كانت الإمبراطورية العربية الدينية في الواقع الحقيقي تتفتت إلى قطعٍ سياسية محترقة متعادية، فالخلافة الخيرة وهم بعد إنهيار أسسها بظهور أسروية إستغلالية وشمولية سياسية، وكانت مساندة بعض المثقفين لها وهمٌ آخر، فلم يعمل هؤلاء على دولة مدنية غير دينية، الخلافة فيها منتخبة، والمُلكية العامة (فيء المسلمين) تُدار بشكل ديمقراطي، والمواطنة تحكم القانون.
تظهر بؤرة الوهم الرئيسية من فرض موديل مستورد أيديولوجي يتسرب من أفواه المتعلمين لقلوب العاملين، فموديل العصر الوسيط القادم من العصر المؤسس السابق، صار شكلانياً بلا مضنونه الحقيقي بعد أن أختفت أسسه وقواعده المادية والسياسية.
في العصر الحديث بدأت بؤرةُ الوهم من إستيراد النموذج الغربي وتركيبه على دول دينية إستبدادية إقطاعية. فبدلاً من الرجوع للوراء وفهم البنية المتكونة في الزمن الوسيط حدثت قفزة للإمام وجاءت لحظتا الموديل الغربي: لحظة الليبرالية ومحاولة صنع نظام ديمقراطي على الأسس الغربية، لكن لم تلتصق العربة العربية الخربة بالنموذج الذي يحتاج لتغيير أسس الدولة الدينية المحافظة المنفصلة عن الأغلبية الشعبية. النموذج الغربي يحتاج كذلك لجمهورٍ غيرِ دكتاتوري، وهو غيرُ موجود. إذن حل التوجه للنموذج الغربي الذي رحل إلى الشرق بدون ديمقراطيته وبشعاراته (الثورية) التحولية، أي النموذج (الاشتراكي).
أزاحت الاشتراكيةُ الليبراليةَ ولكن لم تختلف بؤرة الوهم هنا، فقد وُضعت الشعارات فوق نفس المبنى القديم، وتقوم التحولات الجديدة (الوطنية، الاشتراكية، القومية) بضرب العناصر الديمقراطية الجنينية في البُنى العربية حيث غدت مجموعةً من الأنظمة المختلفة التطور، وتتحول الدولُ والمجموعاتُ السياسية إلى قوى شمولية مسيطرة على نفس ما يَقبضُ عليه الخلفاء الأمويون والعباسيون والعثمانيون، دول دينية يُسيطرُ فيها على المال العام والنساء والرقيق إذا كان لا زال موجوداً.
عناصر الثقافة الغربية إنتشرت ولكن قُمعت وتمتْ أدلجتُها حسب الأنظمة والقوى السياسية الذكورية المحافظة، وحتى الباحثين دخلوا تحت المظلة السياسية الشمولية، فباحثٌ كبيرٌ مثل (هادي العلوي) قدم إسهامات كبيرة في تحليل الإسلام والتراث يعتبرُ النظامُ الماوي الصيني تجربة إشتراكية للقفز من الإقطاع إلى الرأسمالية، في حين أنه نظام رأسمالية دولة عسكرية تنتشر فيه رأسماليةٌ فاسدة حكومية، ولهذا فإن أدوات الباحثين تنفصمُ مثل عقولهم، كما كان الباحث مهدي عامل التقدمي يستورد أدوات بحث منهجية أوربية متطورة هي البنيوية الماركسية، حيث تُحلل المجتمعات حسب بُناها وصراع طبقاتِها في مراحلها التاريخية، لكن بؤرة الوهم الاشتراكية المصنوعة روسياً تعرقلُ نمو الأدوات المنهجية البنيوية، فالعناصرُ الشموليةُ الشرقية المسيطرة تزيح أدوات التحليل الموضوعية ويمكن للقوى الدينية أن تحقق الحريةَ والاشتراكية بفعل النمو الحتمي للتطور في الشرق وقطع التبعية وكون صراع الطبقات فيه لا يُحل إلا بالاشتراكية. بدلاً من هذا الخيال الاستبدادي المتراجع للوراء كانت الأولوية هي في نقد هذا النموذج الديني السياسي الشمولي والحفر في تأسيس الدولة المدنية غير الدينية والمهمات التي توقفت بدءً من الزمن الأموي.
لهذا فإن بُنى التخلف المحافظة العائدة للعصور الوسطى التي لا تُغير تعودُ لتأكيد نفسها بعد كل مرحلة تقفز عن المهمات الحقيقية. فتظهر الدولُ الدينية الطائفية من تحت الأنقاض التحديثية مطالبة بالعودة أكثر للوراء، لكن الأصوات المعارضة التحديثية صارت أكثر الآن وبدأت جملة من الأوهام تتبدد، وغدت الدولة المدنية غير الدينية وعودة الفيء لأصحابه عبر مُلكيات عامة مراقبة، وبداية الرؤى الموضوعية بأن لكل بلد خصائصه وظروفه السياسية والاجتماعية ويحتاج لقراءة تحدد كيفية الخروج من الدولة الدينية وملحقاتها من أحزاب دينية وصراعاتها، وكيف يكون التطور الاقتصادي الاجتماعي الخاص بهذا البلد أو المنطقة، وأن النموذج المستورد من الضروري أن ينكسر لنماذج نابعة من ظروف البلد المعني وأتفقاعت قواه التحديثية الديمقراطية، هي نفسها ظروف العرب والمسلمين التي لم تُغير في شروطها وظروفها السابقة، أي بناء الدولة المدنية وإدارة الثروة العامة بشكل ديمقراطي، وحماية التراث الديني من الاستغلال السياسي، وهي جملة من الشروط المتضافرة مع بعضها البعض التي تنبع من خصائص التطور العربي الإسلامي الإنساني، ولكنها تحتاج لقوى سياسية متشربة بتراثها وزمنها الحديث وتوجه بؤرتها نحو حل مشكلات الناس.
لقد تغلغل الخرابُ في الشعوب والتيارات السياسية والدول فغدت طائفية، وتحللت من بناها الوطنية وأتجهت للحروب، والقوى التي كانت أساس الوعي الطليعي غدت خربةً منقسمة متشرذمةً وهي المعضلة التي لا تجد حلا سوى في تعرية ثقافة الشمولية الدينية ونتائجها عبر التاريخ وإنتاج النظم والقوى المدنية الوطنية.


عبدالله خليفة – بؤرةُ الوهمِ قديماً (ahewar.org)

عبدالله خليفة – بؤرةُ الوهمِ حديثاً (ahewar.org)

عبدالله خليفة ‏‏‏‏‏‏كاتب وروائي

ذاتياتٌ وفتات

نشؤ الفكر الاشتراكي إعتمد على كونه الموضوعي الوحيد، لأنه يكشف أساس الوجود الاجتماعي المتناقض من خلال حياة طبقة لا مصلحة لها في تزييف الواقع وتغييب سببيات الوجود.

وهو شيء عامة صحيح في القرن التاسع عشر حين كان المثقف النقدي الريادي الحر يدرس بعمق الوجود، فالتاريخ بتناقضاته لم يكن يُفهم بشكل موضوعي.

جاء هذا الفكر من أجل أن تزدهر الذاتية العقلانية المتجددة لا أن تتشيأ رأسمالياً وتذوب.

 وكانت الطبقة الرأسمالية ذاتها قد إعتمدت على أن الفردية هي بؤرة المجتمع، الفردية المتفتحة المزدهرة بالحياة والانتاج.

لكن الأفراد صاروا غباراً في الأنظمة، والفلسفات في الغرب المعبرة عن حراك الطبقة الوسطى حاضنة الفردية ركزت على دعم الفردية وحصرها في أناها الأناني أو المنقطع عن الآخرين، منذ أن سخر مؤسس الوجودية كيريغارد من هيغل وعقلانيته الطاوسيية المعلقة في السماء وأساطير المطلق.

 الوجودية وتيارات الحياة ركزت على هذه الفردية المسحوقة حتى توارت هذه الفلسفات وظهرت الفلسفاتُ الوضعيةُ المركزة على الأفكار والدرس خارج الذات المحروقة.

نمو الأنظمة الشمولية الكبرى في القرن العشرين حوّلَ البشر إلى فتاتٍ، إلى كائناتٍ مسحوقة، إلى مجردِ أدواتٍ للمصانع والدوائر وإلى طعامٍ للدول.

الاشتراكية والرأسمالية في القرن العشرين هما مجتمعا الاستعمار الشرقي والغربي.

في (الإشتراكية) الشرقية يتم إبقاء إستعمار الشعوب التي تمت السيطرة عليها كما في مرحلة القيصرية الاستعمارية أو الصينية أو الصربية أو كما سيجري لاحقاً من إنفكاكاتٍ مروعة ، وفي الغرب يتم إستعمار بقية العالم.

رأسماليات الشرق الشمولية في روسيا والصين وإيران وإسرائيل تعني السيطرة على الشعوب والأمم التابعة داخل سيطراتها القديمة.

عالم القرن العشرين هو العالم الذي ساد فيه الاستعمار لكل خلية جغرافية، لم يبق مكانٌ خارجَ السيطرة.

هو العالم الذي تم فيه سحق البشر والهيمنة عليهم في كل مكان.

فلسفات الغرب وراؤه حاولت أن تركز في حقبةٍ كبيرة من كيريغارد حتى سارتر بأن تخلق له مكانة حرة، أن تمنع السيطرات الخارجية الهائلة أن تصل لنفسه وروحه. لكن هذه الحريات كانت صغيرة في ظل آلة الرأسمالية الشاملة التي حسب شهيتها الهائلة للأسواق والرساميل كانت تنتجُ الحروبَ أكثر الظاهرات تدميراً للبشر وفتحاً للأسواق.

الرجلُ الذي وجدَ نفسه خنفساء عند كافكا هو ثنائيةُ الوجود في عالم رأسمالي كابوسي.

العالم الاشتراكي الوطني الذي هو رأسمالية شرقية شمولية سحقَ الشعوبَ بقسوة شديدة كذلك، آلات القوميات العتيقة الإقطاعية الملتهمة للقوميات الأخرى والأديان محت وجود الفرد المستقل.

الاقتصادياتُ المرفوعةُ لمستوى المحارق المقدسةِ إلتهمتْ الملايين بدون أي نأمةٍ ذاتية بارزة، لم تتح لها حتى أن تكون خنفساء كافكاوية.

ثورات التحرر الوطنية كان يمكن أن تشعلَ قناديل للفرديةٍ الخلاقة، لولا أن رأسماليات الدول التي هيمنت على الاقتصاديات واصلت تحويل الإنسان لحشرة، فحروبُ الصراعاتِ الطبقية ضد المختلفين حطمت الكثير من الشُعلِ الذاتية للأفراد فأما أن يزولوا وأما أن يظلوا أصفاراً.

لا تريد الأنظمة الاستغلالية سوى البشر النسخ، البشر الذائبين في السلع، البراغي المستعدة للقتل والتحول لفراشاتٍ صفراء في النصوص الميتة، وبكسرِ آلات الحفر الفكرية، ونشر الأقنعة، والدمى والأساتذة المقطوعي اللسان.

لم تصنع الاشتراكية الوطنية الدينية والدول القومية الكلية ذات الكائنات المحبوسة الملغاة من تواريخها ولغاتها وأحلامها، سوى أن تكون الأشكال الجماعية البوليسية سواءً عبر وعي أو دين كرنفالي إحتفالي يتم فيه إعداد المواطنين للقتل، وللانصهار في رموز الدم، وليكونوا عيوناً تحدقُ في كلِ نأمةِ تغيير من فرد، وتُشهرُ بالمختلفِ الحر، وتعتقلُ الأرحامَ عن الولادات، وتحرق ما يشذ عن النسخ.

القادمون الجدد لمعابد البضائع والرساميل المعبودة يحرقون البخور البشري لترضى بنوك الدم، ويتحول البشرُ لرمال، وذرات في أجهزة، ودخان في الزمن.

القرن العشرون كان زمن توسع وظهور الرأسماليتين الكبريين الغربية والشرقية وحروبهما المتعددة الأشكال، ربما وصل القتلى لمائتي مليون قتيل، هذا كان غباراً بشرياً كلياً، أما إندماجهما وتحولهما لرأسماليةٍ كونية واحدة وفتح آخر قلاع رأسماليات الدول والجماعات الشمولية المغلقة في القرن الواحد والعشرين فأمامه حروب وأسلحة نووية وجرثومية فكم سوف يكون عدد القتلى والبشر مشغولون بالدفاع عن شبكاتها العنكبوتية التي تساقطوا فيها كالذباب؟ (كم وصل عددُ القتلى الآن في سوريا؟).

تظل في الغرب مساحاتٌ كبيرةٌ للفرد لكون ثمة نضالات كبيرة وكثيرة خلال قرون موجهة من أجل الفرد المحدد العياني الملموس، لا الجموع المجردة فقط. لكن في الشرق الأمر مختلف، ثمة تاريخٌ هائل من نفي الأفراد وإزالة الفردية الخصبة وتوسيع الجموع القطعان. وهؤلاء من السهل أن يلغوا ذواتهم ويسحقوا الآخرين.

إنهم مثل بطل المسرحي أبسن (برغونت) الذي يقشرُ بصلةً ولا يصلُ للبِ أبداً، وربما كان الأمر أسوأ في الإنسان المعاصر الذي كلما نزع قشراً إنفجرَّ في وجهه.

المثقفون العاميون

تدهور وعي بعض المثقفين وتحولهم لعاميين لا ينفصل عن ضعف التوجهات التحديثية وإستسلامها لهجوم الدينيين الطائفيين، فسقوط الوعي النقدي العلماني المستقل لا ينفصل عن مظاهر الطائفية العسكرية المتصاعدة وغرق المشرق خاصة في الحروب وفي غياب السياسة القومية والسياسة التقدمية الحازمتين في وجه الخراب.

آراء بعض المثقفين لا تستطيع أن تميزها عن آراء العاميين الغارقين في التخلف والطائفية، فضحالتها واضحة، فالمعسكران الطائفيان السني والشيعي اللذان يقودان المشرق للهلاك سيطرا على المشهد المرعب.

تحللت الثقافةُ من عمقها ووطنيتها، ومن يقاوم الطائفيةَ صار هو نفسه طائفياً، لا يستخدم أدوات التحليل الوطنية الديمقراطية العلمانية، وينأى عن الانزلاق بل يكرسه معلياً جهة أخرى لا تختلف في جوهرها عن الجهة المنقودة.

هذا التدهور كان يُلاحظ منذ سنوات عديدة، فالوعي الديني المحافظ إنتصر على الوعي الوطني وعلى الوعي الديني العقلاني المحدود، فأموال النفط وتشجيع الحركات السياسية الطائفية أغرقت المنطقة وخلقت من الانتهازية حالةً عامة، وتواكبت هذه مع تراجع الجماعات الثقافية والسياسية عن المبدأية والخطوط الوطنية التي كانت قريبة منها.

لهذا فإن الكاتب التحديثي السابق خفتت ملامحه وضاع وجهه في الصراع بين الحداثة والتخلف، بين العلمانية والطائفية، فتخرج الأعمال الفكرية والثقافية في عوالم ضبابية، لا تشتغل على حفريات نقدية إجتماعية وسياسية، ويوضع كاتب مسرحي مهرج لا عمق نقدياً في أعماله ولا تشغله هموم واقعية ووطنية تحولية في مستوى موليير المسرحي الفرنسي الرائد في نقد الشخصيات المريضة إجتماعياً.

حين طفت المصالح الخاصة وأهتم المثقفون بذواتهم ومصالحهم الشخصية وذابت الارتباطات السياسية والفكرية النضالية تساوت القامات الرفيعة والهابطة، ويخرج علينا مثقفون عاشوا في عسل السلطات العربية ليأيدوا الثورات العربية بعد أن أحتموا بأموال المعاش الثرة.

ولهذا فإن الأقزام انتشروا وضيعوا المؤسسات الأدبية والثقافية والسياسية الوطنية بعد أن تم شقها وبيعها مثل بيع القطاعات العامة المفككة.

ولم تجد الأجيالُ الجديدة من تركن إليه وتحتمي بمظلته لكي تدافع عن أوضاعها المادية والثقافية، ولم تعد المطبوعة قيمةً في مضمونها بل في مدى خراب ذمة المؤلف وتخليه عن القيم الوطنية الرفيعة ولهذا لجأت هذه الأجيال الجديدة لمن يُظهرها على المسرح أياً كان وعيه وهدفه، وهذا ليس مبرراً للسقوط ولكنه شرح للتهافت المنتشر.

تدهور وعي بعض المثقفين يحولهم لعاميين، لكنهم عاميون فقدوا الارتباط بالأرض والقيم، عاميون ليس مثل أولئك الذين صنعوا وشاركوا في الثورات العربية الجديدة، بل عاميون منسلخون من قيمها يبحثون عن منافعهم الخاصة، يجعلون الكلمة والكتاب والشريط في خدمة من يدفع.

عاميون تتساقط أوراقهم الفكرية والثقافية والسياسية ويعودون للوراء وليس ثمة سوى البئر الكبيرة، بئر المحافظة والقومية الشوفينية والطائفية العسكرية تستقبلهم ويشتغلون فيها.

كيف يمكن بعد عقود من التجربة أن يتساوى مثقف كبير مع مراهق صغير، وتزول الفوارق والتراكمات والتجارب إذا لم تكن المواقف قد بُليت والشُعل قد إنطفأت والروح المتوهجة قد خبت؟

عبدالله خليفة – المثقفون العاميون (ahewar.org)

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : يحيا في إبداعه الأدبي

فيصل عبدالحسن

كان هدفه جعل الناس يؤمنون بما آمن به

الموت ليس هو فَصْلُ الخِطَابِ في حياة المبدعين، فكم من مبدع عاش لقرون بعد موته الفسيولوجي، ومن هؤلاء الروائي البحريني عبدالله خليفة، الذي وافاه الأجل في 21 أكتوبر 2014. وتصادف ذكراه الثالثة صدور كتاب نقدي عن إبداعه القصصي والروائي بعنوان “عبدالله خليفة .. السرد في زمن الإبداع” بأقلام ثلاثة من النقاد هم: الرشيد بوشعير وفيصل عبدالحسن والباحث صبري مسلم حمادي.

قدم للكتاب الناقد عمر عبدالعزيز، الذي أشار في تقديمه إلى القلق العميق، الذي وضع الكاتب النقاد فيه، حول تجنيس إبداعه. متسائلا هل ما كتب سيرة أم رواية؟

يقول عبدالعزيز ” الاستنتاج المركزي الذي يمكن الوصول إليه من خلال تصفُّح النصوص الإبداعية السردية للراحل عبدالله خليفة، يفتح سؤالاً هاماً حول قلق التجنيس للنصوص السردية، حيث جسَّر المسافة بين المفارقات السردية الناجمة عن خصوصيات الرواية، وأدب السيرة الذاتية والقصة، وصولاً إلى النص المفتوح، وبهذا المعنى اختارالسارد العليم أن يكون شاهداً على تراسل الأنواع الأدبية، توطئة لتراسل أشمل ضمن المنظومة المفاهيمية الكلية النابعة من ثقافة عالمة، وذائقة فنية أفقية“.

قدم للكتاب الناقد عمر عبدالعزيز، الذي أشار في تقديمه إلى القلق العميق، الذي وضع الكاتب النقاد فيه، حول تجنيس إبداعه. متسائلا هل ما كتب سيرة أم رواية؟

الحساسية الجديدة

تناول الناقد بوشعير المنجز الروائي لخليفة من خلال قراءات مختلفة لمنجزه الروائي، منذ رواياته الأولى، كاللآلئ، والقرصان والمدينة، والهيرات، وأغنية الماء والنفط، وامرأة، وحتى ما كتبه في أواخِر حياته، كنشيد البحر، والينابيع، وعقاب قاتل.

ومن خلال قراءاته المتعددة لإبداع الراحل الروائي خرج برأي نقدي قال فيه “إنَّ الرواية عند عبدالله خليفة لم تكن ترفاً أدبيّاً أو جماليّاً دعائيّاً يعلن عن قدرة التربة الخليجية على احتضان وسائل هذا الفن السردي، بقدر ما كانت أداة لا غنى عنها لرصد حركة التاريخ الاجتماعي والفكري، والتعبير عن الهواجس الذاتية، والأزمات الموضوعية، ووعاء لطموحات المبدع المرهف الحساسية، وبحثه الدائب عن القيم الإنسانية، التي تذوب في زحمة التغيرات المحلية والعالمية”.

بينما رأى كاتب هذه السطور أن إبداع خليفة من خلال الحساسية الجديدة في الرواية والقصة العربية، قد شاءت أن تستخدم حياة كاتبها لتكون مادة روائية ممتعة يعيش القارئ فصولها، ويتعرف من خلالها على مفاصل المجتمع وتاريخه وتابوهاته.

ومَن أصدق مِن كاتب يضع على وجهه قناع شخصية روائية، ليعيد تفصيل مجتمعه بكل صدق، وصراحة، وموضوعية من دون خوف، ولا إدانة من قبل المجتمع، الذي يكتب عنه؟ فالكتابة عند خليفة بلسان شخصية خيالية في متن روائي من خيال محض كما يظن البعض، ولكن ما كُتب هو الحقيقة، لما عاشه الكاتب وما رآه وتأثر به.

الحساسية الجديدة في الرواية والقصة العربية، التي شاءت أن تستخدم حياة كاتبها لتكون مادة روائية ممتعة

صحافيون فقراء

ملأ خليفة مجموعتين بهذا النوع من القصص، التي تحكي محكيات من حياة كاتبها، فنجد في مجموعته “سهرة”، التي صدرت عام 1994 و”دهشة الساحر” التي صدرت عام 1997، الكثير من القصص التي تحكي عن معاناة كاتب، وصحافي في بداية طريقه إلى الكتابة والنشر. والكاتب يعيش وسط عائلة بحرينية متوسطة الحال، وعلى عادة هكذا عائلات في الشرق، فإنَّها لا ترى في الأدب وكتابته غير ضياع للوقت والجهد. وأنَّ الابن الموهوب إنْ استمر في هكذا ولع، فهو ضائع لا محالة، وليس أمامه غير طريق الفقر والحاجة، وأنَّه لا طائل سيأتي من وراء حرفة الأدب والكتابة.

تطرق الكتاب إلى هذه الظاهرة التي عانى منها الكاتب الراحل، حيث أن بعض العائلات ترى في نبوغ أولادها في هذا الجانب نقصاً في العقل والمواهب، وكارثة ألمت بها، لأنَّها رُزقت بفرد لا يستطيع أن يقف على رجليه وحده، وسيبقى عالة عليها، وبدلاً من أن يكون عوناً لها في مواجهة الحاجة والفقر، فقد صار مصدر قلق لها، وعاهة دائمة في النسيج العائلي.

الصدام مع المجتمع والعائلة هو ما نلمسه في أغلب قصص المجموعتين لخليفة. ولكن إلى جانب النشاط الفكري والسياسي لأبطال قصصه فإننا نستقرئ من خلالها حياة كاتبها في بواكير شبابه، حين كان ناشطاً سياسياً في سنوات الدراسة الثانوية، وناشطاً فكرياً بعد ذلك في المعهد العالي للمعلمين.

فقصصه: السفر، وسهرة، وقبضة تراب، والطوفان، وغيرها من قصص المجموعتين، كتبها الكاتب من وهج تجربته الشخصية، فهي سرود عن حياة الفقراء من العمال وأصحاب حرفتي الصيد والغوص من الباحثين عن رزقهم في صيد السمك أو اللؤلؤ أو العمل في آبار النفط، كما كتب الراحل عن حياة الصحافيين الفقراء، المتعاونين مع صحف فقيرة لا تكاد تغطي ثمن مطبوعاتها، وتتخذ هيئات تحريرها من الصحافة وسيلة لحسم الصراع السياسي مع خصومها الطبقيين أو من يعادونهم فكرياً وسياسياً.

الرواية عند عبدالله خليفة أداة لرصد حركة التاريخ الاجتماعي والفكري

الروائي ليس واعظا

كتب الناقد صبري مسلم حمادي عن حياة الكاتب عبدالله خليفة وإبداعه الروائي، وربط العلاقة بين مراحل حياة الكاتب، ومراحل تطور كتابته الإبداعية، وتأثيرات عمله السياسي، والفكري على المتن الروائي الذي كتبه، فخليفة من جيل من الكتَّاب وضعوا كل أهدافهم في جعل الناس يؤمنون بما آمنوا به من أفكار فلسفية وسياسية، لكن خليفة لم يقع في هذا المَطَبّ.

وكتب الناقد حمادي في هذا الشأن، فقال “ليس من شأن الروائي الفنان أن يطل بفكره عبر سطور روايته، وبشكل مباشر كي يعظ أو ينصح أو يرسم خارطة طريق للمستقبل، لأنَّه إنْ فعل ذلك، فإنّه يضحي تماماً بالجانب الفني في عمله السردي، الذي قد يتحول إلى جنس كتابي آخر، هو المقال الاجتماعي ذو الهدف الإصلاحي”.

وهو مما لا يخفى على عبدالله خليفة الروائي البحريني ذي الخبرة العريضة في مجال الفن السردي، فقد نأى بفنه عن هذا المَطَبّ الخطير في كل أعماله الروائية والقصصية، ومارس ذلك في عواميده الصحافية، ومقالاته السياسية، ومقابلاته التي لها طابع فكري أو سياسي.

الكتاب النقدي الجديد “عبدالله خليفة.. السرد في زمن الإبداع” جاء بـ450 صفحة من القطع الكبير، وتميز برصانته النقدية وسعة مباحثه، ويمكن عدّه أحد أهم المصادر النقدية عن أدب وفكر عبدالله خليفة، الذي تميز بإبداعه الروائي، وإضافاته المهمة للسرد البحريني والعربي. وقد صدر الكتاب عن دائرة الثقافة بالشارقة ــ 2017.

العناصر الفكرية في الشيوعية العربية

تمهيد

تقوم الأفكار الماركسية اللينينية على التجميع المركب بين فلسفتين متضادتين . إن الماركسية فلسفة ديمقراطية على المستوى الفلسفي وعلى المستوى الاجتماعي ، فماركس قام بدراسة قوانين البنية الاجتماعية الرأسمالية وتوصل عبر بحوث مطولة إلى نتائج أوربية هامة ، وحين جسد نتائج هذه الدراسة في العمل السياسي أشار إلى ضرورة العمل النضالي من داخل قوانين هذه البنية واعتبر الاشتراكية تتويجاً لذروة التطور النقني والعلمي والأخلاقي والكفاحي داخل هذه المنظومة .
فيما بعد قام شموليو رأسمالية الدولة في روسيا ، القوميون الروسيون ، كما سيظهرون في المجرى التاريخي لنمو رأسمالية الدولة الشمولية الروسية ، بالجمع بين هذه الماركسية الأوربية مع استبداد الدولة المركزية ، وإنتاج خليط نظري متناقض اسمه ( الماركسية – اللينينية ) .
هناك جانب علمي في الماركسية الأولى هو اكتشاف القوانين والذي عرف باسم المادية الجدلية ، وكذلك فإن المادية التاريخية كانت علماً وهي تقرأ التجربة الأوربية الغربية ، بضخامة المواد والمعلومات التي استندت إليها كما هو واضح من كتاب رأس المال .
إن هذه المادية التاريخية هي علم بتوصلها إلى اكتشاف قوانين التشكيلات التاريخية ، لكن هذه القوانين لم تكن مطبقة على تاريخ الشرق بخصوصيته ، ومن هنا كان نقل التاريخ الأوربي إلى الدول الشرقية ، بتباين مستواها لم يكن سوى نقل ميكانيكي وسياسي غائي للمادية التاريخية .
إن القوانين الأعم للمادية التاريخية المتعلقة بالتشكيلات : المشاعية ، والعبودية، والإقطاع ، والرأسمالية ، والاشتراكية ، لم تؤخذ عند مثقفي الأمم غير الأوربية خاصةً كبديهية مُلزمة ، وتم رفضها لدى العديد من الباحثين .
أي أن نمو الأمم تاريخياً لم يتم التأكد العلمي الكامل منه ، وهو يخضع للبحوث المستمرة . ومن هنا فإن هذه التشكيلات رُئيت من خلال التجربة الأوربية الغربية ، التي توفرت لديها أدوات وقوى البحث الكبرى والديمقراطية الثقافية التي أمكن خلالها الوصول إلى قراءات موضوعية لا يكرسها جهازُ سلطةٍ مستبد .
أي أن الماركسية كنظرية أوربية غربية تشكلت على أرض بحثية ديمقراطية ، أما اللينينية فأمرُها يختلف ، ومع هذا فإن الماركسية يتجلى جانب القصور فيها في طرحها نفسها كنظرية عالمية ، بدون أن تــُرفد بتجارب الأمم غير الأوربية ، وبهذا فإن السيادة الأوربية – الأمريكية على العالم يمكن أن تغدو الماركسية جزءً منها ، وبهذا يصبح اختزال تجارب ومستويات الشعوب غير الأوربية ممكناً ، بفضل هذا التفوق .
إن جرَ الماركسية من إطارها القاري إلى التداول العالمي ، سيعضدهُ ولا شك غيابُ الجامعات العلمية التي تدرسُ الماركسيةَ وتفحصها وتنقدها ، في العالم الثالث ، بحكم اعتبار الماركسية لدى هؤلاء نظرية انقلابية مدمرة مع ارتباطها بالدولة الروسية فيما بعد ، وكذلك لتطورات الماركسيات وتناسخاتها في العالم الثالث التي اتحدت مع الأبنية الشمولية .
إن جذر القضية يقع في أزمة روسيا ودول العالم الثالث في الانتقال السلس إلى الرأسمالية ، ومن هنا لعبت ( اللينينية ) باعتبارها الحلقة الأولى في نشر وأدلجة الماركسية على المدى العالمي .
وكان الجمع بين النظرة الماركسية كنتاج أوربي ديمقراطي شعبي ، وبين الفكر المعارض الروسي ، قد كرسته ثقافة روسيا المتخلفة ، فعبر هذا المحيط الشمولي تم تداول الماركسية وتصوير خيانة أوربا الغربية لها ، وأمانة روسيا في احتضانها .
فروسيا المتخلفة التي تملك بحراً من الفلاحين هي الجديرة بتطبيق النظرية العمالية الحديثة ، في حين أن أوربا التي تملك ذلك البحر العمالي والعلوم لم ترتفع إلى مستوى تطبيق الماركسية وإنجاز الاشتراكية .
وفي سبيل هذا الزعم ابتكر العقل الشمولي الحكومي الروسي مجموعة من الخرافات ( العلمية ) لتبرير هذه القفزة غير العقلانية ولحرق المراحل وقيادة العالم الثالث في هذا السبيل الصعب المكلف .
كان من أولى الخرافات ( العلمية ) التي ابتكرها العقل الشمولي الروسي هي [ نظرية الحلقة الأضعف في مسار التطور الرأسمالي ] . فقد قام هنا بتعميم المسار الروسي باعتباره مساراً رأسمالياً ، في حين أن هذا الوعي الروسي نفسه يضع روسيا في خانة الدول الإقطاعية ، وبين المسارين تضيع روسيا .
فأوربا الغربية حين انتقلت إلى الرأسمالية من الإقطاع احتاجت إلى عشرة قرون ، فبدءً من تفكك الإقطاع وانكسار سطوة البابوية وظهور البروتستانتية ، ثم مجيء عصر النهضة ، ثم عصر الكشوفات الجغرافية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ثم عصر الثورة الصناعية في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، فعصر الثورات الرأسمالية والاستعمار في القرنين التاسع عشر والعشرين الخ . .
أما روسيا فكانت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر متحجرة عند الإقطاعو العبودية وأخذت في القرن العشرين تتململ اجتماعياً لما يمكن أن يُسمى عصر نهضة روسي ، وبهذا فإن ثمة بوناً شاسعاً بين إمكانيات أوربا الغربية وروسيا ، وإذا أمكن لأوربا أن تنتجَ الماركسية ضمن نظريات علمية عدة ، أمكن لروسيا أن تحيل نظرية علمية كالماركسية إلى إيديولوجيا ، بمعنى أن تقوم أجهزةُ الدولة بتبني هذه النظرية العلمية وأن تخنقها .
فكان على روسيا لتستوعب الماركسية أو أية نظرة علمية أخرى أن تتشرب بيئتها الاجتماعية والثقافية الكثير من النظريات والآراء التي تحفرُ في البناء الاجتماعي وتخرجه من التكلس الأبوي والنظام الإقطاعي والأمية الخ . .
بمعنى إن النظريات العلمية في أوربا الغربية هي تتويجٌ طويلٌ لعصر نهضة أبعد النظرات الدينية الشمولية وحفر تعددية دينية ديمقراطية ، وهو أمر على سبيل المثال لم يتحقق حتى اليوم في روسيا ، وتتكرس المسيحية الأرثوذكسية كفكر مسيحي مُغلق ، تتماهى فيه الألوهية وتقديس التماثيل والصور وحكم الكنيسة الهائل . وهو ما تحقق في الماركسية – اللينينية على مستوى تحويل الزعماء إلى أيقونات وأصنام للهيمنة على الشعب المقدس لهم .
وعلى مستوى الديمقراطية فلم يجرب الشعب الروسي الانتخابات كشكل أولي من العملية الديمقراطية ، فهو من الشعوب المتخلفة المتكتلة وراء القيصر والكنيسة ، وكان يحتاج إلى زمن موضوعي لكي يخرج من حالةِ القطيع التاريخي .
لم تقم هذه الرؤية السياسية النخبوية بالحفر في هذه الكتل الشعبية المتخلفة ، وهي الإشكالية الكبرى التي تواجهها نظم العالم الثالث كذلك ، وسيتم الإبقاء على أبويتها الاجتماعية وتدني مكانة المرأة فيها ، وسيطرة المؤسسات الفوقية وضعف وجود الفردية المبدعة الخ . . ، أي على كل الخصائص السلبية التي أنتجتها أنظمة ما قبل الرأسمالية ، الُمجسَّدة في روحية القطيع والجمود والحفظ النصوصي .
لم يحدث هذا الحفر النهضوي والديمقراطي وتفجر الفردية وتفكك الكتل الأبوية الإقطاعية ، وانغمار البلد بتعددية فكرية وفلسفية واشتراك الجمهور في هذه الاتجاهات والانقلابات الفكرية العميقة ، ولهذا فإن المؤسسات السياسية القيصرية القديمة أُستبدلت بسهولة بمؤسسات جديدة ، فحدث تغير في الشكل ولم يتغير المضمون . إن المؤسسات السوفيتية لم تحدث فيها الانتخابات الديمقراطية إلا في توصيل مندوبي الأحزاب ، وسرعان ما رُفضت التعددية الحزبية ، وهيمن طاقمٌ بيروقراطي واحد ، فتم دفن المؤسسة البرلمانية الشعبية والصحافة الحزبية ثم الحرة الخ . .
أي أن البنيةَ المتحولةَ من الإقطاع إلى الرأسمالية شهدت سيطرة المؤسسات الحكومية مجدداً ، فأبقت الكتلَ الجماهيريةَ بدون الدخول في عصور النهضة والتنوير والإصلاح الديني والتغيير الديمقراطي الواسع ، وبالتالي تم الحفاظ على الطابع ( الآسيوي ) للجمهور، ولم يتأورب ، أي لم يتحدث ، ولم يُعط الفرصة ليعرف التنوع والحداثة في الأسرة وتنوع الأفكار وفعالية المؤسسات الشعبية الخ ..

اللينينية
ليس بالضرورة أن تكون الآراء عن النفس صحيحة ومطابقة للواقع الموضوعي ، فالواقع كما قال لينين أكثر تعقيداً وتركيباً ، وهذا ما ينطبق على كل قائد كبير ، وعلى كل مسيرة سياسية كبيرة ، فغالباً ما ينخدع الناس بالظاهر والمرئي ، في حين يكون للتاريخ كلمته الفصل .
لكن كيف تحول لينين من قائد للثورة الاشتراكية العظمى التي وعدت بإزالة الطبقات وإذابة الدولة بأن يصير في خاتمة المطاف مؤسساً لنظام انبثقت عنه رأسمالية المافيا البشعة ؟ !
علينا أن نقرأ بشكل موضوعي مسارات التاريخ المركبة والمعقدة التي قِبل لينين بها نظرياً ورفضها عملياً .
لقد انضم لينين مبكراً إلى الحركة الاشتراكية – الديمقراطية ورفض طريقة الشعبيين الفوضويين في العمل السياسي الإرهابي ، وهم الذين اعتبروا الاغتيالات وسيلة أساسية لعملهم السياسي ، وراهنوا على طبقة الفلاحين كطبقة قائدة للتحول السياسي الديمقراطي في روسيا ، حيث أن هذه الطبقة كانت هي الغالبية من السكان المنتجين ، وهم قد انبثقوا منها ، وهي طبقةٌ مفتتة إنتاجياً ، تخضع لأسلوب إنتاجي عتيق ومتخلف ، وتتراكب فوقها ظلماتُ القرون الوسطى من أمية وخرافة وفقر الخ . .
فلم يكن لهذه الطبقة عبر التاريخ من نضال منظم ، إلا عبر الثورات الفجائية ، لكن العمل السياسي في القرن التاسع عشر الأوربي بدأ يخرج إلى تنظيمات جديدة .
وقد أحست معظمُ الإمبراطوريات الشرقية الإقطاعية كالإمبراطورية العثمانية والروسية والصينية بضرورة الإصلاح ، وهي كلمةٌ تعني الحفاظ على أسس النظام القديم وتطعيمه بعناصر جديدة لا تلغي السابق ، ولهذا قامت الإمبراطوريةُ الروسية بمجموعة إصلاحات منذ الستينيات من القرن التاسع لتجاوز ظاهرات العبودية والتخفيف على الفلاحين الأقنان ، وإتاحة الفرص للنبلاء لكي يتحولوا إلى رأسماليين أو نبلاء حديثين كما فعلت ألمانيا ، وكانت التجربة الألمانية رهن التداول في الإمبراطوريتين التركية والروسية ، إلا أن مستوى تطور الرأسمالية في كلا الإمبراطوريتين لم يكن يسمحُ بهذه النقلة التحديثية وهذا يعود للتركيبةِ السكانية الشعبية المتخلفة ، فكان الريفُ بنمطهِ العائلي واعتماده الكلي على الزراعة المتخلفة لا يسمح بمثل هذه القفزة .
وهكذا كانت روسيا أمام مهمات التطور الديمقراطي كأفق راهن مهم ، وقد أكد الحزب الاشتراكي – الديمقراطي الروسي هذا المسار ، لكن مسألة ( الاشتراكية ) هذه خضعت للتطور السياسي في أوربا الغربية ، باعتبارها قارة القيادة في الصناعة والعلوم والتجربة السياسية .
لقد اعتبرت الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية الغربية مسألة الاشتراكية مسألة تطور تاريخي طويل ، باعتبار أن أسلوبَ الإنتاج الرأسمالي لا يمكن تجاوزه في أوربا بمستوى التطور الاقتصادي الراهن وقتذاك ، وأن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة هي التي سوف توصل ممثلي الطبقات العاملة إلى الحكم من خلال الأدوات البرلمانية ، حيث سيقومون بإصلاحات ديمقراطية ويخضعون لأصوات الناخبين .
لم يكن قادة الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية سوى مثقفين غالباً ، أي لم يكونوا عمالاً ، وكانوا من الفئات الوسطى التي تتأثر باتجاهات الطبقات السفلى والعليا ، ورسوخ رؤاها من أجل تطور الطبقات العاملة ومصالحها التاريخية مسألة تتعلقُ بمستوى هذه القيادات وأفكارها والتزامها بتلك المصالح ومدى ثقافة القوى الشعبية التي تــُصعّد تلك القيادات .
فالقوى العمالية ذاتها تتأثر بمختلف تيارات الفكر والسياسة ، ويمكن أن تتغلغل بينها الانتهازية لمصالح قوى أخرى ، وهذا ممكنٌ بسبب دور الاستعمار في جلب ثروات الأمم المستعمرة ورشوة هذه القوى المختلفة ، كما أظهر لينين في تشريحهِ لهذه الظواهر .
لقد كان لينين يعملُ في خضمِ الحركة الاشتراكية – الديمقراطية الروسية والأوربية عامة ، وقد استقرت هذه الحركة عموماً على فهم معنى الاشتراكية باعتبارها في العصر الراهن هي إصلاحات مختلفة في ظل النظام الرأسمالي الغربي لمصلحة تطور الطبقات العاملة ، حتى تغدو لها المشاركة السياسية الواسعة في النظام لتقوم بإصلاحات جذرية فيه . لكن الأمر لا يصل إلى الثورة والاستيلاء على الحكم بالقوة والتأميم الشامل وضرب الملكية الخاصة الخ ..
وقد استقرت الحالةُ السياسية في الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية الأوربية ، وبما فيها الحزب الاشتراكي – الديمقراطي الروسي ، على هذا الفهم العام للتغيير ، والكلمة الشعارية المكونة من الاصطلاحين ( الاشتراكي والديمقراطي ) معاً ، كانت تشير إلى أن الاشتراكية ديمقراطية وهي تـُخلق من خلال أدوات البرلمان والانتخابات ، أي هي سياسة اشتراكية ضمن النظام الرأسمالي السائد .
إن هذا المصطلح المُركب كان يثير البلبلة ، والحوارات النظرية العميقة كذلك ، فالرأسمالية الغربية ذاتها كانت تنتقلُ من مرحلة إلى مرحلة ، وعمليات إفقار الجمهور وفي العالم الثالث خاصة وإثارة الحروب العالمية وهدر الإنتاج ، كانت تجتاح العالم وتستدعي النظر في هذا الشعار ، فظهر جناحان أساسيان ، جناحٌ يميني يؤكدُ على البقاء ضمن الشعار والاكتفاء بالإصلاحات ، وكان حين يصل للحكم يتمادى في خدمة رجال المال أكثر من خدمة الناس .
أما الجناح اليساري فكان لا يستطيع في ذلك الوقت الوصول للحكم ، فيطرح شعاراته ويجندُ الناسَ ويقود المظاهرات الخ . .
كان العالم في العشر سنوات الأولى من القرن العشرين يمر بأزمة عامة ، فالرأسماليات الكبرى لم تتوصل إلى طريقة في اقتسام غنائم الإمبراطورية العثمانية وبقية المستعمرات وتريد ألمانياً توزيعاً جديداً لهذه المستعمرات ، يراعي التطورات الاقتصادية في البلدان الرأسمالية الكبرى ، وهذا ما جعل الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية متأثرة بشكل كبير بصراع الدول .
وعلى درجات هذه الدول الرأسمالية الكبرى ومدى نجاحها الداخلي في استقطاب الطبقات العاملة ونقابييها ، كان يجري استقرار النظام السياسي، ومن هنا كانت إنجلترا في حالة مختلفة عن ألمانيا المضطربة المتحولة تواً إلى الرأسمالية ، في حين كانت روسيا تعاني أزمة كبرى في عملية الانتقال إلى الرأسمالية .
كان لينين يعترف وليس مثل زعماء الحركة الشيوعية فيما بعد ، بالتشكيلات الخمس لتطور البشرية وهي : المشاعية البدائية ، والعبودية ، والإقطاع ، والرأسمالية ، وأخيراً الاشتراكية . ولهذا كان يحلل روسيا كمجتمع إقطاعي في طور الانتقال إلى الرأسمالية، وإن هذا الانتقال يحتاج إلى ثورة اجتماعية ديمقراطية تقوم بتغيير الأساس السياسي والاقتصادي للمجتمع .
لكن هذه الآراء للتحول خضعت لنمو الدكتاتورية السياسية داخل الحركة الاشتراكية – الديمقراطية . كان لينين يصرُ على وجود حزب ( حديدي ) ، مركزي ، تخضع فيه الأقلية للأكثرية ، والقواعد للقيادات ، ويحطم التكتلات الفكرية السياسية داخله . كان هذا النمط من الحزب الدكتاتوري ليس فقط مقنعاً للنخبة في مواجهة نظام تعسفي ، بل كان كذلك يتحولُ هو نفسه إلى بناءٍ دكتاتوري مماثل لقمعية النظام . لكن الأكثر تأثيراً هو قيام الحزب الدكتاتوري بضم القوى والجماعات الُمجيشة والمنضبطة بشكل عسكري والتي سترفدُ ببشر عاميين مؤدلجين وخاضعين للزعماء .
وفي مثل هذا الحزب ستكون البذرة الأولى للدكتاتورية القادمة ، التي سيظهر منها ستالين ، وسيؤكد ستالين دائماً على رفد الحزب الذي دخل فيه مثقفون لامعون ومفكرون كبار ، بالعامة ( البروليتارية ) أي بأنصاف المتعلمين والمتحمسين لكي يتم القضاء على الفكر النير في الحزب .
وهكذا فإن لينين قام بمواجهة الكتل التي سُميت ( انشقاقية ) و ( انتهازية ) ورفض اطروحات التحول الديمقراطي البعيد المدى ، عبر أحزاب ذات تعددية داخلية وفكر حر ، فحدث الانشقاق في الحركة بين من يسمون ب ( البلاشفة ) و ( المناشفة ) .
مع نمو الدكتاتورية داخل الحركة الاشتراكية – الديمقراطية الروسية أخذ هذا الشعار المزدوج بالانشراخ ، بين الشموليين الاشتراكيين والديمقراطيين الاشتراكيين ، وقد قوت مواقفُ الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية اليمينية وتفريطهم بحقوق العمال والشعوب ، من مواقف الاتجاهات الشمولية ، وقد قوى ذلك من توجه لينين لخرق موضوعة التشكيلات الخمس للبشرية ، فقد كانت أزمة الحرب العالمية الأولى ، وأزمة التحول في روسيا ، ونمو الحزب البلشفي الذي يقوده، تحول الأزمة في روسيا إلى مناخ ثوري مفتوح .
إن خرق لينين لهذه الموضوعة وخروجه عن الماركسية تم تحت غطاء الماركسية ، ولهذه مواد سياسية وفكرية كثيرة ، ملخصها إنه خلط بين مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ، وبين عملية الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية ، فلم تكن روسيا مجتمعاً رأسمالياً لكي يجري الانتقال فيه إلى الاشتراكية ، بل كان مجتمعاً إقطاعياً يحتاج إلى تطور رأسمالي كبير ، كأمرٍ موضوعي بغض النظر عن رغبات السياسيين ، ولكن لينين وجد أن الماركسية ( الموضوعية ) أصبحت تعرقل مشروعاته السياسية التحولية السريعة .
وهكذا أخذَ يفسرُ تفسيرات مختلفة النصوص المعروفة ، فبعد خرق موضوعة التشكيلات الخمس ، وطرح إمكانية الانتقال من الإقطاع مباشرة إلى الاشتراكية ، سيّح عبارات لماركس عن كومونة باريس التي تقول بضرورة وجود [دكتاتورية للبروليتياريا ] أي بضرورة تنفيذ قوانين المجتمع بالقوة ضد المتمردين عليه ، ولكن ماركس يقصد هذه الإجراءات [ الاستثنائية ] التي تقومُ في مجتمعٍ رأسمالي متطور عبر مؤسساته الشرعية والتي أصبحت الطبقات العاملة أغلبية فيها ، في حين كان لينين يضعها في خانة القفز من المجتمع الإقطاعي المتخلف إلى الاشتراكية وبدون تطور رأسمالي وبدون مؤسسات شرعية منبثقة من إرادة الملايين !
وثمة فرقٌ كبير بين إجراءات استثنائية مؤقتة تــُتخذ في ظلِ برلمانات منتخبة وبين إقامة دولة ذات مؤسسات استبدادية تتحكمُ في الطبقات المختلفة ، وبطبيعة الحال لن تكون هذه دكتاتورية العمال في دولة ديمقراطية بل دكتاتورية الأجهزة البيروقراطية العسكرية التي ستقع السلطة في قبضتها !
وهذه الفئات البيروقراطية – السياسية – العسكرية هي جنين الطبقات البرجوازية الحكومية التي ستنقض على السلطة السوفيتية بعد أن وصلت هذه السلطة إلى العجز عن أن تكون مع العمال أو مع البرجوازية . ولكن الفرق بينها وبين الطبقات البرجوازية الحاكمة في الغرب بأن الأخيرة شكلت نظامها عبر الديمقراطية ، فأمكن للعاملين أن يتقدموا فكرياً ونقابياً ، في حين رأسمالية الدولة الروسية حولت العاملين إلى جمهور مدمن ومنهار نفسياً ومُدمر اقتصادياً وكاره للسياسة ولرموز الثورة ( الاشتراكية ) ، إن لم نقل أنه تابع للمافيا !
لقد أصبحت البنيةُ الروسيةُ الاستبدادية تجرُ لينين إلى هياكلها ، وقد حدث ذلك عبر بنية الحزب الشمولية ، وبنية الوعي الشمولي ، وبالتالي فإن الأفكار الاشتراكية – الديمقراطية أخذت تــُجّير لتحولات دكتاتورية عبر مؤسسات الدولة الفوقية وعبر نقض قوانين التطور الاقتصادي الموضوعية ومن خلال الإرادة السياسية النخبوية ، التي أعطاها زخمُ الجماهيرِ الشعبية المتحمسة إمكانيةَ التحليق الخيالي بأنها تستطيع أن تقوم بالقفز فوق التشكيلات التاريخية .
ولهذا يمكن رؤية الجماهير الغفيرة التي كانت تشارك في أحداث التحولات في العشرينيات ثم تنسحب تدريجياً حتى صارت في النهاية هي التي تنقض على مؤسسات الدولة السابقة .
علينا هنا أن نرى أن ثمة تغيرات إيجابية كبرى فيما سُمي ب ( ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى ) ، ونستطيع أن نسميها ثورة روسيا البرجوازية الحكومية التي جمعت العمال والبرجوازية تحت قبضتها الإدارية . إن تلك التغيرات كانت تحول روسيا فعلاً إلى دولة رأسمالية حديثة ، كالإصلاح الزراعي الواسع ، وهو الإصلاح الذي رفضه البلاشفة حين كانوا في المعارضة ، وتبنوا برنامج حزب الفلاحين الشعبيين ، وهو إصلاح ديمقراطي اجتماعي ، ضخم ، جعل حزب البلاشفة ذا جماهيرية كبيرة ، فالتف الناس حول النظام الاجتماعي الذي قدم لهم الأراضي ، وواجهوا جيوش التدخل الأجنبية والقوى الاجتماعية التي أيدتهم .
وهنا لم يتواجد حزب روسي مؤيد للتحولات الاجتماعية الديمقراطية هذه ، وكذلك بأن يعمل لمواجهة دكتاتورية البلاشفة السياسية كذلك .
كذلك فإن إجراءات التصنيع والكهربة ومشروعات التقدم الاجتماعي والثقافي الواسعة كلها تحسب للنظام ، لكن كلها تمت عبر أدوات العنف والشمولية الإدارية ، فأخذت أجهزةُ الدولة القيصرية تتبدل بشكل بلشفي ، وراحت الأجهزة العسكرية والبوليسية تتسع ، وتقلصت الديمقراطية داخل الحزب البلشفي نفسه ، فحيث كان يقرر الأمور اللجنة المركزية اقتصر الأمر بعد ذلك على المكتب السياسي، ثم على الزعيم الأوحد ، الذي ظهر بشكل لينين ثم ستالين . ثم تعرض ( الماركسيون ) داخل الحزب للقمع والقتل .
لقد تحولت الدولة إلى المالك الأكبر لوسائل الإنتاج ، وهكذا فقد فهم لينين أن تملك الدولة لوسائل الإنتاج هو النظام الاشتراكي ، فعبر المصادرة ينشأ النظام الحكومي للملكية فتظهر الاشتراكية .
لكن الرأسمالية ليست هي الأموال فهي بناء اجتماعي واقتصادي وثقافي عميق ، فنشوء المصانع والتقنية ليس هو مسألة مالية وإدارية ، بل مسألة بناء اجتماعي قائم على التطور الموضوعي الداخلي عبر قوانين موجودة في كتاب ( رأس المال ) . ( 1 ) الذي قرأه لينين ولخصه ولكن لم يفهم مقولات الرأسمال كمقولات تاريخية وليس كمقولات تقنية أو سياسية . وهكذا فمع عدم وجود رأسمالية في روسيا كان ينبغي بناءها من أجل بناء الاشتراكية فيما بعد ! أي ترتب على أفكار لينين أن يقوم هو ببناء الرأسمالية ، فصار من قائد للثورة الاشتراكية إلى قائد لبناء الرأسمالية الحكومية الشمولية .
فبعد الكوارث التي ظهرت في روسيا بعد الحرب العالمية الأولى كان عليها أن تدخل حرب التدخل الأجنبية ثم الحرب الأهلية التي راح ضحيتها الملايين . ولكن ليس لتقيم الاشتراكية وتزيل الطبقات وتطفئ مؤسسة الدولة غير الضرورية بل لتتعلم كيف تطور رأس المال وتخرجه من جحوره التي اختبأ فيها ، وتحدث تراكماً رأسمالياً ، فبدأ لينين ما سُمي بالسياسة الاقتصادية الجديدة ( النيب ) منذ 1920 ، لكن هذه العودة للرأسمالية لم تكن عودةً ديمقراطية ، أي أن لينين لم ير أن مشروعه ( الاشتراكي ) فاشل ، وأن عليه أن يعود للرأسمالية الديمقراطية فيسمح للأحزاب ولحرية الصحافة ويشكل دولةً ديمقراطية تقرر فيها الطبقات المختلفة تطوير البلد بالشكل المناسب ، بل واصل استخدام أدوات السلطة السياسية والعسكرية في الحكم ، لكنه أعطى للملكيات الصغيرة والمتوسطة في الزراعة والصناعة والحرف الحق أن تنمو ، بشكل لا تتحول إلى ملكيات كبرى وتتعاون مع قوى سياسية لتغيير النظام ، بل سمح لها بالتطور الاقتصادي الحر المفصول عن التطور السياسي .
راح الحزب البلشفي يعمل لإيجاد الرأسمالية تحت غطاء الاشتراكية الحكومية ، ولا بد للرأسمالية من تراكم أولي ، يسمى التراكم البدائي ، حيث توفر الدولة رؤوس الأموال المنتزعة من الفلاحين من أجل الإنتاج الرأسمالي الموسع ، من هنا عمل خليفة لينين ستالين على تجريد الفلاحين الأغنياء والمتوسطين من مدخراتهم وتشكيل التعاونيات بالقوة ، وسحب فيوض المال للصناعة ، وتمت إجراءات وحشية هائلة هنا ، لا تقل سوءً عن إجراءات التراكم البدائي في أوربا الغربية .
كانت نمو ملكية الدولة الضخمة تتم بالأشكال الإدارية ، فتتحول كافة المؤسسات الحزبية والسياسية والنقابية إلى ذيول للدولة ، وكان الفكر الرأسمالي الحكومي يصير نظرية أسمها ( الماركسية – اللينينية ) حيث يمكن القفز على المرحلة الرأسمالية بمساعدة الدولة الاشتراكية الأم .
ويحدث وهمٌ هنا في الدول الاستبدادية الشرقية بأن بإمكانية الدولة أن تتلاعب في التاريخ وتقفز على المراحل وتحقق المعجزات الاقتصادية ، بسبب أن التخلف يتيح لماكينة الدولة الضخمة أن تقوم بمعدلات تنمية كبيرة ، لكن هذا بشكل مؤقت ، لكن هذا لا يحقق اشتراكية بل رأسمالية حكومية ، ولكي تتحول إلى رأسمالية حرة تحتاج إلى ثورة لوضع حد لهيمنة الهياكل الإدارية – البوليسية . وهنا على الطبقات العاملة مهماتٌ جديدة مركبة باستثمار المرحلة السابقة ونقدها والتعاون مع البرجوازية الصناعية لتغيير مشترك .
والآن لم تكتمل الثورة الديمقراطية في روسيا بعد وتحتاج للتخلص من الجوانب الشمولية من فكر لينين وتبقي إنجازات فكره الديمقراطي والعلمي .
وستلعب هذه ( الماركسية – اللينينية ) دورها في بث الأفكار العلمية وكذلك الأفكار الإيديولوجية ، وعملية الفصل بين هذه العناصر هي مهمة دقيقة وقد ظهر مفكرون عرب كان لديهم هذين العنصرين المتداخلين .

  • عبـــــــدالله خلــــــــيفة : من المجلد الرابع لكتاب
    الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية

شقة راس رمان التي عاش فيها 21 عاماً وتوفى فيها.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : المناضل والأديب والإنسان ــ تقديم المحامي عبدالوهاب أمين

دعْ الإنسانَ حراً

دعْ الإنسانَ حراً

يتصور بعض المتشددين دينياً أن التحديثيين يؤيدون نشر الموبقات والإدمان والدعارة وغيرها من الكبائر، ولهذا يستميتون قتالاً ضدهم.

إنهم لا يتصورون أبداً إن هذه الأعمال كريهة وتُقاوم من قبل هؤلاء المؤيديون للحداثة.

يتصورون التحديث بأنه فتح البوابات لهذا السيل العرم من الشر وإنه القبول بهتك الأعراض ونشر المحرمات!

إن التحديثيين الحقيقيين المناضلين لشعوب عربية وإسلامية حرة متقدمة هم بخلاف ذلك تماماً.

ولهذا تغدو للمحافظين الشعائرَ فيصلاً بين الحق والباطل.

ولهذا تغدو أسهل الحلول لهم هي المنع والبتر والقضاء الشكلي على الموبقات والآثام!

الكائن الإنساني لديهم عجينة صناعية يتم هرسها منذ الطفولة بالعصا والأوامر فإن لم تفلح فبالزنزانات فإن لم ترض الشعوب فبالأحكام العرفية والدساتير المفصلة حسب العصا، وإن لم ترض فبعزلها عن العالم ووضعها في قمقم، ولهذا يقولون أحسن الدواء هو الكي.

العصف بالموبقات هنا مثل عصف عصابات بول بوت بالعناصر الرأسمالية الشريرة، وكانت قد تبعت في ذلك جبابرةً أنزلوا الجيوشَ لسحق العناصر الرأسمالية الاستغلالية ومحوها من الجنان حتى لو تضاءل البشر من على وجه البسيطة!

وكان في التراث العربي الإسلامي كثيرون من إمتشقوا السلاحَ لبتر الخطايا وسحق أصحاب الرذيلة، وكان الخوارجُ والعتاة يرهفون الأسماع لكي يئدوا أي نغمةٍ طربية تخرجُ من وراء جدران بيت، ويقطعوا حناجر من يحتفل ويمرح!

ولكنهم أين ذهبوا؟

التحديثيون الاسلاميون العرب الأوائل كانوا يصنعون المعرفةَ ويعادون الشر والفساد والموبقات، فلا تناقض بين الاثنين بل هما متكاملان لا ينفصمان.

فالرذائلُ تأتي من الفقر والجهل، وحين يفصل الديني المحافظ النصوصي بين تنامي الخير والفضيلة وبين عدم إنتشار الغنى والثقافة بين الفقراء والعاملين، يعلق دعوته في فراغٍ لا تتمسكُ بشيءٍ ولا تقفُ على قاعدة صلبة.

وكأن الخيرَ حسب خطاباته الدائمة في الفراغ الاجتماعي تأتي من الكلام، وكلما أكثر من الكلام أمطرتْ السماءُ فضيلةً!

وكأنه لا صلةَ بين الأجور المنخفضة والمساكن الرثة والأولاد الهائمين على وجهوهم بين الخرائب والإبر، وبين الفضائل المبتغاة الممتنعة عليهم.

وكأنه لا صلةَ بين يُولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهبٍ وهذا الموتُ السريري البيروقراطي وهذا الرفاه الباذخ المُفسد للعقول ولزوال الإراداتِ والمواهب والبحث عن المتع الشريرة!

وكأن الخيرَ يمكن غرسه عبر شاشات التلفاز ومكبرات الخطب، وإنه يمكن إجبار هذا الكائن البشري الحر على أن يتبع روشتةً صادرةً من صيدلية واحدة متنفذة، وأن يَدهس نوازعه الشريرة ويقتل مشاعره وأهواءه المختلفة بالأوامر الصادرة من مركز كلي متحكم.

وهذا محال، فالحريةُ الفردية هي هواء البشر حتى لو أطبقتْ القيودُ على أجسادهم وأرواحهم، ولكن الحرية تتحول خراباً مع غياب الثقافة وعدم تغيير حال المجتمع الفقير المعدم الذي يتفجر بظرفه وينحرف نحو الكثير من المشكلات، كما أن الحرية موجودة بقوة في المجتمع الغني المادي لكن الذي يتلاعب بالأموال ولا يمتلك خططاً إجتماعية لتطوير غناه الروحي.

التحديثيون من يصارع الجانبين وتوجيه الأحول نحو الرفاه المادي والروحي، وهذه لا تأتي بدون معرفة جذور المشكلات و«الخطايا» وأسباب الانحرافات، والطبيب النفسي يصغي للمريض للوصول إلى جذور مرضه، فلماذا لا يعرف المربي الروحي المشكلات الغائرة وراء الأدمان والشرور؟ بل أن يصير جزءً من كتائب المناضلين لتغيير الأكواخ والمستشفيات البيروقراطية الخاسرة غير المعالجة أو المستشفيات الباذحة المعالجة الاستغلالية، والمدارس التي لا تدرس وتربي والمصانع التي تسرح العمال؟

إن التيارات السياسية والفكرية يمكن أن تلعب أدواراً مساندةً لبعضها البعض في التحويل الاجتماعي، فالمدنُ تُختطفُ شيئاً فشيئاً، فنحن جزءٌ تابع في العالم، ولسنا في كوكبٍ خاص مستقل، وبدون تعاون التيارات الدينية العقلانية والتحديثية وعملها معاً ضد ظاهرات الاستبداد والفساد والشر تتجه الظروف والأحداث للمزيد من الكوارث والموبقات!

إن مقاومةَ المحافظين للتحديث والديمقراطية والحرية هو بخلافِ أهدافهم زيادةٌ للشرورِ وتكسيرٌ لإراداتِ العقول للوقوف ضد طوفان الغرب بجانبهِ السلبي ولعدم الاستفادة من جانبه الايجابي، وترك الشباب بلا سلاح يواجهون به الاغترابَ والأدمان والتسطيح والتخريب والعهر وتضييعَ ثروات الأسرِ والأمةِ في ملذاتٍ فارغة وأهواء عابرة وأمراض متجذرة!

دعْ الإنسانَ حراً ومسئولاً عن حريته ودعْ الحياة حرة وقاوم الشرور.

الموقف الجوهري

يمثل الموقف من مساندة الفقراء سياسياً واقتصادياً جوهر المواقف النضالية عبر العصور . فلكون الفقراء والعمال والعبيد والفلاحين يتحملون عبء الإنتاج، ولا يحصلون إلا على النزر اليسير لما يسد رمقهم ويجعلهم يواصلون حمل عجلة الإنتاج الدائرة دوماً، يغدون هم أساس المواقف النضالية الاجتماعية، ومن يقترب من الدفاع عنهم يغدو هو داخل تيارات التغيير والتقدم.

فهكذا كان الأنبياء والأئمة والمناضلون عبر العصور، فهم قوى التغيير والدفاع عن هؤلاء المنتجين، ومن هنا يتلاقى المناضلون عبر العصور رغم اختلاف طرق التفكير، وأنماط الإنتاج، وأشكال التعبير، ومن هنا يصم المتجبرون من يقف مع الفقراء والمعوزين بنعوت التحقير، كقول كطغاة قريش عن المسلمين الأوائل بأنهم كانوا مع الدهماء وأراذل الناس، ومع ذلك وقف المسلمون معهم، فمالوا عن سنن قريش، واقتربوا من المنتجين ودافعوا عنهم ! والآن حين يقف المعارضون المعاصرون مع هؤلاء الفقراء والعمال، وهم لا يختلفون كثيراً عن بلال الحبشي وعمار بن ياسر وصهيب الرومي، يوصمون بما وُصم به المسلمون الأوائل، لأن هؤلاء الواصمون ابتعدوا عن الفقراء وامتلأت جيوبهم، وغيروا مواقفهم .

إن الغنى والفقر عمليات موضوعية في التطور الاقتصادي والاجتماعي، وهي عمليات ضرورية تقود إلى انتقالات كبرى للمجتمع، على صعيد التطور الاجتماعي والثقافي والسياسي، فلا يحدث أن يصير جميع الناس أغنياء، لأن ذلك مستحيل في أساليب الإنتاج القائمة على الملكية الفردية .

ولكن الحركات السياسية غالباً ما تضلل جمهورها زاعمةً أنها سوف تحقق الثروة للجميع، وتحقق العدالة للجميع، وهذه شعارات خيالية في ظل مستويات التطور الاقتصادية السابقة والراهنة. ورغم أن هذه الحركات تتحول من مساندة الفقراء بأسلوبها الخيالي السابق ذكره، فإنها تصر أنها تمثل الفقراء بعد أن راحت تصعد في سلم التطور الاقتصادي، ويتغير دخل أفرادها، ويرتفعون من الفقر إلى الغنى !

فتظل الشعارات اليسارية والنضالية مستمرة في حين تكون مياهٌ أخرى قد جرت في قنوات الحركة، وهكذا فإن الحركات الدينية الإسلامية قد تغيرت لغتها السياسية بعد الفتوح، وتراكم الأموال في أيدي قيادييها، وتحول الحزب الشيوعي السوفيتي إلى مؤسسة حاكمة مالكة لأغلبية الدخل القومي بدلاً من أن يكون المدافع عن العمال، وصار الحزب الشيوعي الصيني منتجاً للمليونيرات، وغدت الأحزاب الليبرالية الغربية غير مدافعة كثيراً عن الحريات بعد تراكم ثروات المستعمرات والعالم الثالث في خزائنها !

وانقسمت الحركات الدينية في العالم الإسلامي إلى أجنحة متضادة فبعضها اغتنى ووصل إلى الثروة، والبعض الآخر ظل مُهمشاً متدني الدخل، فراح يطرح خطابات قتالية لمزيد من الاتباع والثروات . وهكذا فإن ظهور تيارات منتفعة في الأحزاب هو أمر حتمي، وتقود هذه التيارات إلى القبول بمستوى التطور السياسي المتدني، وتتشوش الرؤية على التيارات الأخرى المدافعة عن الفقراء، خاصة إذا تم سد أفواهها بمكاسب ذاتية أو بتجهيل، بحيث تعجز تنظيمياً عن رفع صوتها وتشكيل تيارات مستقلة . والقوى الغنية والانتهازية عادة لا تريد طرح وجهها الاجتماعي بوضوح، ولا تقوم بتحويل استثماراتها عادة التي تشكلت وسط الأحزاب الثورية، مؤكدةً استمرار خطها النضالي، في حين أنها تفقد صلاتها بهذا الخط السياسي المعارض الذي تمثله، وهنا تقوده لأضرار فادحة بدلاً من أن تنسحب وتشكل خطها الخاص .

الهام حرمة أموال الناس

لا يهم بأي شكل تفكر فالمهم ما هو مضمون فكرك. إذا كنت مذهبياً أو علمانياً أو رجلاً أم امرأة، عقائدياً أم متحللاً من العقائد، فالمهم هو أن تكون مع إرادة الناس لكي تكون أموالهم لهم. لايهم إذا كانت المرأة محجبة أم غير محجبة، قارئة أم راقصة، فالمهم أن تناضل من أجل الدفاع عن حقوق الناس وتناضل لتطور الأمانة ورد الحقوق لأصحابها!

لا يهمنا المعمم إذا كان قد فتح عينيه الكبيرتين تجاه قضايا الطلاق والإرث وأغمضهما عن سرقة القطاع العام، وابتلاع الأراضي ودفن المصائد والتهام أموال اليتامى!

لا يتساءل العرب والمسلمون والصائبة واليهود والمسيحيون والمجوس وعبدة النار عن العقائد بل عن الأموال كيف سُرقت والجواري كيف سُلبت والخزائن كيف نـُهبت والمزارع كيف جُففت وحولت إلى قصور والحقول كيف شـُفطت فأزهرت أولاداً وبنات من عصي وجرائم وسرقات في المدن!

لا يتساءل الناس كيف تصلي ولمن تولي وجهك بل كيف يقبل ضميرك أن تصمت على نهب حقوق الناس، وكيف لا ترد الأموال التي سرقتها، ولا تناضل ضد الضرائب الباهظة التي أثقلت كواهل الناس وأكتاف العاملين وحولتهم إلى جذوع نخيل خاوية من الأمانة والصدق فباعوا أنفسهم لمن يدفع..

في كل الأديان والعقائد والملل هناك محاكمة للضمير، لكن الضمائر نامت على وسائد الحرير والبقشيش والعملات والعمولات، فلم يعد المؤمنون يخافون من اليوم الآخر، ولم يعد المناضلون يهابون نقد الخلايا الماركسية النائمة، فابتكر العصر المحاكم وحقوق الإنسان والديمقراطية لكي يجر اللصوص من كل الطبقات والأديان والمذاهب إلى قفص الاتهام، فلم يعد مهماً من تكون بل ماذا تفعل!

لم يعد أحدٌ في العالم السياسي يهتم بأسئلة ما هو دينك ومذهبك وحزبك واتجاهك الفكري، بل بما هو موقفك من المال العام، وكيف يناضل الدينيون من أجل استرجاع المال العام، وكيف يراقب العلمانيون مصادر رزق الناس المنهوبة من قوى اللصوص وقطاع الطرق. لقد كرست المبادئ الشريفة من كل المذاهب والأديان والأفكار المعاصرة التنافس لصالح إعطاء الفقراء والمحرومين أنصبتهم من الدواء، فماذا نفعل بكل مبادئ الحزب التقدمي العظيمة وهو لا يناضل في الحياة العملية من أجل دواء رخيص وتغيير لوضع المستشفيات التجارية الماصة لدم الجرحى والمتألمين، ولوضع المستشفيات الحكومية البيروقراطية التي هي قصور في الهواء بعيدة عن توصيل الإبرة العلاجية للمحتاج من ألم السرطان والقرحة؟

ماذا نفعل بكل مبادئ الدينيين وهي لا تفكر في عذابات المعذبين، ولا تعرف الأزقة الفقيرة إلا في مواعيد الانتخابات وتغيير إدارات الجماعات المتنفذة ؟

والمهم لديها هو مراضاة الأغنياء والمتنفذين والاستفادة منهم، لهذا قل الزهاد فيهم وكثرت الكروش السياسية المنتفخة وصار النضال لتعدد النساء الزوجات هو النضال الأكثر حمية لديهم؟ ومن هنا كثرت خلافات السياسيين وتعددت تياراتهم وجماعاتهم لأنهم لا يفكرون سوى في أنفسهم وامتيازاتهم وكيف يهبرون من لحم الشعب مثل المتسلطين والاستغلاليين!

قال السلف الصالح قديماً: في العمل من أجل الحق والدفاع عن مال الأمة فليتنافس المتنافسون، لكن الواقع كان يقود السياسيين دوماً إلى التنافس على غنائم الحكم والعظام الملقاة من  السلطان!

قانون الإنتاج المطلق

لا يكون الإنتاج الروحي إلا من أجل الناس، وبؤرتهم وقلبهم أصحاب العمل والإنتاج، قوى المعاناة والعطاء.

الفئات المنتجة للثقافة هي فئات وسيطة، لديها بعض الغنى المادي وبعض الغنى الثقافي، وتنمو حسب توجهها للناس، وتضحيتها بغناها الشخصي، لأجل أن تزدهر السعادة والغنى عند الأكثرية المنتجة.

وحتى حين كان المثقف ساحراً في العصور البدائية قبل التاريخ كان يشتغلُ من أجل الصيادين، فيرقص ويغني ويقص من أجل أن يزداد الصيد ويتكاثر الإنتاج ويعم الفرح.

وحين دبت الخلافاتُ بين الناس، وصار العبيدُ والأحرار، والفقراء والأغنياء، ظل قانون الإنتاج الثقافي هو نفسه. هل ينتمي المنتج الثقافي للمنتجين، والمعذبَّين، وللأغلبية المنتجة؟

لكن كان أغلبية المنتجين الثقافيين عبيداً في الروح، يوجهون إنتاجهم لمصلحة الأقلية، وبقي الإنتاج الذي انتمى للناس، وذاب إنتاج النفاق والاستعراض. لقد ظل مكتوباً كذكرى مؤسفة على هدر بعض الناس طاقاتهم من أجل النقود، لا من أجل سموهم الروحي.

أنظرْ يا من غيبت نفسك في طوفان الأشياء كيف أن كلمات التوراة والأنجيل جسدت معاناة أنبياء هربوا من الإستغلال وعسف الدول إلى الصحارى كي ينشئوا دولاً حرة، فتسامت كلماتهم وتواريخهم وتوحدوا مع السعادة العميقة والصلبان والزنزانات.

ولعلك لم تقرأ جيداً القرآن وهو كلماتٌ عن نبي رفض أن يخدم الملأ الاستغلالي وفضلَّ أن يكون مع العبيد والفقراء وغيّرَ التاريخ.

لعلكَ يا منْ غيبتَ نفسك وراء الأشياء تظن إن حمايتك من قبل أصحاب النفوذ سوف تعلي كلماتك الباهتة، أو لأنك مررت بتجربة سجن عاصفة وألم كبيرة سوف يحميك هذا الجبل الطيب من طوفان زحفك نحو المعدن الأصفر، فالناس تعرف استمرار مقاومتك لا تاريخك ذلك وتخليك عن أصلك الطيب.

ومهما جئتَ بأصولٍ حاكمةٍ أو أسرةٍ كريمة أو إنتماء لحزبٍ مناضل قدم الشهداءَ الكثيرين، ومهما كان أقرباؤك وأئمتك من جهابذة في الدين والتاريخ، فإن مقياسك هو شخصك ومدى إنتاجك المضيء ونقدك للأشياء السيئة والظاهرات المخربة للإنتاج وحقوق الأغلبية من العاملين.

لا تقل أسرتي وحزبي وأئمتي وقادتي، بل قل ما هو عملي وموقفي الناقد ودفاعي عن شعبي وكفاحي ضد الأخطاء.

والأديب ليست كلماته بمعزل عن قانون الإنتاج المطلق هذا، الذي يتساوى فيه الأنبياء العظام والشعراء الصعاليك، وهو ميزان الحق، فيظن أنه له فترة يجاهد ويتعذب لكي ينير ثم تأتي له فترة خاصة يتكاسل ويبحث عن المناصب ويغدو رئيس جريدة النفاق.

ميزانك هو كلمتك، مدى تحول قصصك وأشعارك ومسرحياتك ونقدك إلى كشافات تفضح مستنقعات الفساد، لا تقلْ إنني أديب ناشىء أبحث عن سبل التعبير والعيارة، ليشتد عودك وتنضم إلى الحرامية، بل أغمسْ مدادك في معاناة البشر ولا تستجدي الشهرة والمال.

لكن الكثيرين اتخذوا الكلمات مطايا، وهدايا، وضحايا، وقادة الفكر وعباقرة الكلمة غدوا مثالاً سيئاً للنشء، وهذا يحدث كثيراً في التاريخ، عندما تقبضُ الطبقة المسيطرة على الكثير من المال فتستطيع أن ترشو بكثرة، لكن ذلك مؤقت، لأن وفرة المال على هذا النحو لا تدوم، بل تدوم حين تستمع هذه الطبقة للنقاد، وترهفُ جميعُ آذانِها للضربات الكلامية والأدبية والعلمية التي توجه لتبذيرها وفسادها وحينئذ تطور سيطرتها وإنتاجها المشرف على الأفلاس بفضل جوقات النفاق والبذخ.

المال اليوم عندك وغداً عند غيرك ، فتذهب للاستلاف، فلماذا تبيع ماء وجهك وكنت عزيزاً، ولا تحفظ كرامتك وهي من كرامة الأمة والناس؟

لا تقل أصلي وفصلي وحزبي وجماعتي، بل قل هي كلمة الحق أوجهها ضد كل مخطئ ومستغل ومبذر، أرفع بها من يسمو إلى المعالي، وأعصف من خلالها بكل من أهدر ثروة الأمة ونشر الأرهاب وغزا الأخوة والجيران ووسع الاستبداد.

كلمتي هي مع الحق والحقيقة، لا مع الخزائن.

ليست كلمتي مرهونة بمديح النقاد وأن يرضى عني رئيس الجامعة والكلية، فأدبج «الدراسات والأبحاث» كما يشتهي رئيسُ القسم المريض، فأعلي من يرضى عنهم، وأخسفُ الأرضَ بمن يكرههم لكي أحصل على الوظائف والمال، فأي علم هذا الذي يكون ذاتياً وجائراً وغير منصف؟

وكيف تنشأ الحقيقة بين جماعات القول الواحد والصوت الواحد، وجماعات نحن مع الزعيم أينما توجه وكيفما قال؟ وهل تـُدار الأوطان والأحزاب بقول الفرد؟

يتباين الإنتاج الثقافي في كل هذه الأنواع في أشكاله وتعابيره، ويتحد في مضامنيه، وفي عصوره السحيقة والمعاصرة، على بعد المسافات والأشكال والأزمان، فكلمة الحقيقة تشق طرقها بوسائل مختلفة، وهي تنمو من خلال الألم الشعبي، تنور صهر الأشكال ووحدتها وتطورها، وفي الفرح والاسترخاء والغنى ظاهرات مقاربة حين تتصل بذلك الهم الإنساني العميق.

الرهان على القلم

لم تفد الكتاب المراهنة على الحكومات والدينيين، فالكلُ يتاجر بالأوطان والأديان لمصلحة موقوتة، والكل يبيع والبعض مستفيد، والأغلبية خاسرة!

الكل يدعي ولا أثر على الأرض!

ليس للكتاب سوى أقلامهم تنمو قصة ورواية وشعراً ونقداً وثروة للوطن بلا مقابل أو بمقابل ضئيل وغير شفاف!

أعطوا الوطن لكل من يدعي ويبيع، وكل من يزحف على بطنه، ويقبل الأحذية، ويأكل التراب ويلعن الإنسان.

ليس لكم سوى هذا القلم مهما توهمتم التحليق في سماء مجردة، ومهما تباعدتم، وأختلفتم، ليس لكم سوى قطرات من حبر أو من دم.

راهنوا على القلم فهو وحده الباقي

تتحولون إلى عظام وذكريات متعددة التفاسير ولا يبقى سوى قلمكم يقول ما آمنتم به وما ناضلتم لكي يتكرس في الأرض.

ليس لكم سوى أوراق فلا يخلدكم ولدٌ ولا تلد، هذه الحروف التي عانيتم في إنتاجها وتعذبتم في إصدارها هي التي تشرفكم أمام الأجيال المقبلة التي لا تحد ولا تحصى.

فثقوا بالحروف وبالإنسانية المناضلة نحو زمن جديد هو زمنكم، الذي تصيرون فيه ملوكاً متوجين، وحكاماً غير مطلقين، ومربين كباراً للأجيال.

ماذا تفعلون الآن وكيف تمتشقون سلاح الكلمة وتوجهونه للحرامية والمفسدين وتعرون شركات الأستغلال وبنوك النهب العام، ترتفعون في سماء الوطن، وتخلدون في سجلات الأبرار.

القلم ليس له شريك سوى الحقيقة، وليس لطريقه واسطة أو سلطة محابية أو كهنة مطلقين، هو الحربة الموجهة للشر لا تعرف الحلول الوسط أو الشيكات الثمينة.

سلطة القلم سلطة عالمية، تتوحدون مع القلم الأسود والأبيض والأصفر، وكل ألوان الإنسانية المتوحدة في معركة واحدة ضد الحكومات المطلقة وبيع الإنسان كما لو أنه حذاء وضد هذا العداء بين الأمم والأديان والأعراق.

أنتم رموز الإنسانية فلا تنحدروا ولا تساوموا واكتبوا بسلطة الحقيقة وليس بسلطة المال.

توحدوا في هذه المعركة الكونية، وتضامنوا مع اشقائكم المظلومين والمضطهدين في كل قارات الأرض، وضد هذه القوى التي تدهس القصة والقصيدة ولا تحب سوى الإعلان، وأخبار القتل واليأس، ولا تبجل سوى البشاعة.