لويس أرمسترونغ ــ موسيقى الحياة الوردية

لويس أرمسترونغ

الحياة الوردية

ضمني قريباً منك و ضمني بسرعة

السحر يلقى بسحره عليك

هذه هي الحياة باللون الوردي

عندما تقبلنى، تتنهد السماء

انا ارى الحياة باللون الوردي

عندما تضمني قريباً من قلبك

انا فى عالم منفصل

عالم حيث تتفتح الورود

وعندما تتحدث، الملائكة تغني من الاعلى

ويبدو ان الكلمات اليومية تصبح اغاني حب

اعط قلبك و روحلك ليّ

والحياة ستكون دائماً باللون الوردي

عبدالله خليفة ‏‏‏‏‏‏كاتب وروائي

تطور الأنواع الأدبية العربية

تمثلُ الأنواعُ الأدبيةُ قضايا جوهرية في الأدب، فهي تعبرُ عن قدراتِ شعبٍ أو أمةٍ ما على التطور الثقافي على مدى قرون، فليستْ هي بناءاتٌ شكلانيةٌ ترصفُ الكلام وتجمعُ المعاني في (قوالب) لكنها تعبيرٌ عن قدراتِ المبدعين والنقاد على الحراكِ التحويلي لمجتمعاتهم، أي على مدى تمكنهم من إقامة علاقاتٍ عميقةٍ مع البشر وجذورهم الدينية والثقافية والاجتماعية وتغييرها تبعاً لخُطى التقدم، ومجابهة قوى التخلف والإستغلال والتهميش للناس، وتصعيد القدرات على الحوار والبحث والتجديد.

أي هو التحولُ من هيمنةِ الصوتِ الواحد إلى تعدديةِ الأصوات، ومن سيادةِ الأنا المركزيةِ الاجتماعية إلى تنوع الأفراد وقدرتهم على الحوار والنقد والتغيير.

وإذا كانت صناعةُ الأنواعِ الأدبية تخضعُ للأفعال الحرة للمبدعين فإنها لا تستطيع أن تقفزَ على الظروف الموضوعية للواقع والناس. وهيمنةُ نوعٍ أو وجود كافة الأنواع هي قضيةٌ مركبةٌ من الذاتي والموضوعي، من سيطرةِ قيودٍ تعبيرية قَبْليةٍ ومن مساهماتٍ تحريرية لنزع تلك القيود. من آفاق مرصودة سلفاً نتاج سابقين ومن قدرة المعاصرين على تغييرها تبعاً لتطور الحياة والمساهمة في تغييرها.

والمبدعون يظهرون في شروط سابقة على إبداعهم، إنها تقيدهم وتجعلهم يعيدون إنتاج الماضي الثقافي أو يضيفون عليه بعض الإضافات اليسيرة والمهمة غير التحويلية الواسعة.

ومن هنا فظهور الشعراء في عالم العرب الجاهلي يختلف عن ظروف أخرى تالية حين حدثت نهضة، فسيطرةُ الصحراءِ والحياةِ الرعوية، هي غيرُ ظهورِ المدنِ وميلادِ دولةٍ واسعةٍ تختلطُ فيها الشعوب.

لكن إن تبقى الهياكلُ الإبداعيةُ الجاهلية في عمقِ المدن وتسيطرَ على الإنتاج فهي أيضاً هيمنة قَبْلية قَبَلية مستمرة.

وقد طُرحتْ بقوةٍ مسألةُ قصورِ الأنواعِ الأدبية على نوعٍ واحد بشكلٍ كبيرٍ هو النوع الشعري، ضمور النوعين الآخرين وهم النوع الملحمي والدرامي، وهي قضية ليست تجريدية بل قضية تاريخية وإجتماعية وفكرية طويلة ومعقدة.

يمثل النقدُ الثقافي عموماً قوةَ تفكيرٍ كبيرة غدتْ شيئاً فشيئاً معطلة، وكان يمكن أن ترفدَ الأدبَ والثقافةَ عموماً بطاقاتِها لكي يزدادَ الأدبُ والثقافةُ تأثيراً في الواقع لكن النقد توقف عن هذه العملية الضرورية، فما هي الأسباب؟

كان من الضروري لهذه القضية أن تُحلل بعمق ويُرى على ضوئها تخلفُ وجمودُ الأبنية الاجتماعية- الثقافية العربية، وهذا لا يمكن أن يكون بدون نقد فلسفي له شروط كبرى، أن أي أن يقوم على فلسفة تقرأُ الثقافةَ في ضوء البنى الاجتماعية وسيرورتها التاريخية.

هذا كان يمكن أن يحدث في الثقافة العربية الحديثة ويتم قراءة الأنواع وجمودها في العصر العربي القديم وأسباب تشكلها في العصر الحديث.

يقول ناقدٌ عربيٌ كبيرٌ هو إحسان عباس الذي استفاد كثيراً من (النقد الأمريكي والنقد النفسي لدى فرويد والأسطوري لدى كارل يونغ) يقول بأن الاقتراضَ الشديد من الغرب على هذا النحو (يجعل الدارس يقع في وهم فكري مزدوج: يتكشفُ الأولُ في إغفالِ التاريخ الثقافي العربي، ويتجلى الوهمُ الثاني في جهلِ التاريخ الكوني للآخر).. وهو أمرٌ في رأيهِ يقودُ إلى (التبعية الثقافية أو يفضي إلى المحاكاة الصماء)،1.

يتحسسُ الباحثون العربُ الإشكاليةَ المركبةَ في تبعيةِ ثقافتنا للعصر الوسيط ببنائه الإقطاعي، المستمر حتى الآن، وتبعيتها كذلك لما يُطلق عليه بعضهم (الآخر)، وهذا التعبير تجريدٌ آخر معاكس للماضي، فلا يقولون بأن الآخرَ هو النظام الغربي الرأسمالي.

لكن التعميم على الجهتين يقودُ إلى سلسلةٍ طويلة من الأخطاء، لأن ثقافتنا العربية القديمة مرت بعدةِ أطوار وأبنية، ولكلٍ منها واقعٌ خاص، وكانت تعيشُ تطورات ومراحل كبيرة، فالتعميمُ المنطلقُ منها، خاصة حين يساوونه بـ(الشخصية العربية) أو بـ(الذات العربية)، يقودُ إلى كوارث تحليلية.

فالشعرُ الجاهلي لا يُعرف لماذا صار بهذا الشكل ومن أين جاء وما هي علاقاتهُ بالمكوناتِ الفكريةِ والفنية السابقة، والقرآن لماذا هو بهذه اللغةِ والتراكيب والأخطر ما هو دورهُ في عمليةِ الثقافةِ التحولية، ولماذا استمرتْ القصيدةُ المتناقضةُ البناء التقريرية حتى اليوم؟ ولماذا الغيابُ للبناءِ المسرحي في الثقافة والبناء الدرامي في الشعر وغياب الملحمة؟

دخلَ النقدُ العربي القديمُ في جوانبِ المحدودِ كالصورِ الجزئية والأغراض وأشكال البلاغة، ثم وجدَ نفسَهُ في العصر الحديث أمام مدارس أوربية كبيرة، فلم تسعفهُ أدواتُ النقد العربي القديم، ليس فقط لضخامةِ الإنجازاتِ الغربية التي تشكلتْ خلال قرون النهضة والثورة الصناعية والعصر الحديث، بل لأن واقعَهُ العربي المتعدد راح هو الآخر يتغير ويصارع، فبدأت الآدابُ والفنونُ العربية في الازدهار في واقع متخلف اجتماعياً!

وككلِ نتاجِنا وسياستنا وقع بين دكتاتوريتين؛ دكتاتورية الماضي المبهمة والمتجسدة في البناء الثقافي، وفي دكتاتورية الحداثة الغربية، التي تفرضُ نفسها عبر أنماطٍ سائدةٍ قوية فتشلُ الوعي العربي عن أن يكون وعياً عربياً ديمقراطياً.

وكي نعرف إننا واقعون بين دكتاتوريتين ثقافيتين، يحتاجُ ذلك إلى فحصٍ على مستوى الماضي ومستوى الحاضر، أي القيام بنقدٍ مزودجٍ على ضفتي الزمان والمكان.

حين نقرأ فقط القصيدة الجاهلية سوف نقول لماذا الانحباس في الشكل المضطرب الممزق الانعكاسي المباشر؟ أي لماذا عجز العربُ عن إنتاج شعر أكثر تطوراً من هذا؟

وهو أمرٌ لا يتضحُ إلا في قراءةِ السياق التاريخي، بكون القصيدة العربية الجاهلية هي نتاجُ شعبٍ محبوس ممزق في هذه الصحارى الهائلة المجدبة، وبإدراكِ إن هذا الجنسَ الأدبي (الشعر الجاهلي) هو أرفعُ ما أنتجهُ هذا الشعب بعد انحباسهِ وتقطع صلاتهِ بالشمالِ، السامي، لغةً ومكاناً وتلاقحاً واسعاً، وهو أمرٌ يربطنا بتدهور الأنواع الأدبية والفنية في الشمال (العراق، وسوريا، ومصر)، فلا بد أن نقرأ فضاءَ الآداب والفنون في الحضاراتِ القديمةِ التي عجزتْ عن تنامي التطور فيها، وعن نمو أنواع: الملحمة وبالتالي النقد وغياب المسرح.

وبهذا كان النتاجُ الثقافي العربي الجاهلي هو وليدُ ظروفِ العزلةِ والتخلف المزدوج، فالاستبدادُ الطويلُ الذي أصابَ الحضارات القديمة والذي كانت إحدى سماته تحجر الآداب، انتقلَ بقوةٍ مضاعفةٍ للجاهليين، ومع ذلك قاموا في تلك العزلةِ النسبيةِ بإنتاجٍ ثقافي يعكس ظروفهم ويعكس كذلك حريتهم البدوية.

بين الغنى الثقافي الذي فجرتهُ ثورة الإسلام وبين الأشكالِ الأدبيةِ والفنية المتيبسةِ التي سادت طوال العصر الأموي، ثم تقطعتْ بفعلِ المدنية العباسية النسبية، عواملٌ من الصراع والتداخل، فقد أضفى الفهمُ الدينيُّ المحافظُ على منتجاتِ الثقافةِ المختلفة عواملَ كبيرةً من الكبح.

فقد قام بأسلمة الشعر الجاهلي، محوراً العديد من الأسماء الدينية والأفكار الوثنية، ثم جعلَ المبنى الفضفاض للقصيدة الجاهلية نموذجاً يُحتذى، وجَمدَّ الأنواعَ الأدبية كما كان متبعاً سابقاً، فغدتْ الفنونُ التجسيديةُ محرمةً كذلك.

ثم حين تطورت الآدابُ والفنونُ في العصر العباسي في المدن النهضوية المؤقتة، فإن تغيراتٍ جذريةً في الأنواعِ الأدبية لم تعدْ ممكنة، وإذا حدثتْ تطوراتٌ كما في الرسم وظهور القصة والمقامة واتساع النقد وتشكل الفلسفة، فإنها تغدو محاطةً بدكتاتوريةِ الماضي الثقافية، ودكتاتورية الحاضر الأموي ــ العباسي الجارية.

وهكذا فإن الضرورةَ تتكشفُ هنا، فالعربُ ورثةُ الدكتاتورياتِ المشرقية القديمة، فهم إذ ينقطعون عن نتاجِ الحضاراتِ المشرقية القديمة الغني في زمنِ التطورات الحضارية الخصوبية، ليس بسبب فقدان اللغات القديمة فحسب، بل كذلك رفضاً للتعرف عليها بإعتبارها وثنية، مثلما يكيفون النتاجَ المترجم اليوناني والهندي حسب وعيهم الديني التوحيدي التجريدي وتبعاً لحاجاتهم في هذا المجتمع النهضوي المتوجه للاختناق بفعل دكتاتوريات السلطات والجماعات السياسية ــ المذهبية المختلفة.

إن النقدَ هو الآخر يتعرضُ لهذا الحصارِ فيحافظُ على شكلانيتهِ العامة، بتقزمِ الأنواعِ الأدبية والفنيةِ فيه، ثم يجمدُ تطورَ القصيدةِ بإبقاءِ مبناها العامِ المضطربِ المحدود، الذي لا يغتني إلا بفعلِ نقدهِ للواقع، وتداخلهِ مع الأنواعِ الأخرى كالدراما والقصة، وهو أمرٌ غيرُ ممكنٍ إلا بشكل تعليمي ساذج.

ليست هذه الأنواعُ الثلاثةُ؛ النوعُ القصصيُّ، والنوعُ الدرامي، والنوعُ الشعري، أنواعاً منفصلةً فحسب، بل هي أنواعٌ متداخلةٌ كذلك، فهي تغذي بعضَها البعض، وعدم وجودها في واقع ما، دليل على مشكلات ثقافية وديمقراطية عميقة فيه.

إن عجزَ النقدِ العربي القديم عن كشف ذلك، هو بسببِ ذلك الغياب الديمقراطي في السياسةِ والثقافة ولظهورِ الدول الإقطاعية المركزية أو المنفصلة، وهو أمرٌ قطعتهُ التجربةُ الغربيةُ حين تم الإحتكاكُ بها في بضعةِ عقود، فتم ذلك من خلال السيطرة الأجنبية.

إن النموَ الداخليَّ العربيَّ لم يكن حراً، فلم ينتجْ الأنواعَ السابقةَ الذكر بانفصالِها وتداخلِها المركب، ولم تتحْ تجربتهُ المقموعةُ خلال تلك القرون، التي لم تزدهرْ بالحريةِ الواسعة أن يصنعَ تلك الأنواع بتلاقحِها وتنوعها، ففوجئ وهو ينمو داخلَ الحياة الحديثة الغربية التي دخلتْ حياتَهُ بقوة في عقودِ الليبرالية، أن تاريخـَهُ الثقافي ناقصٌ ومتخلفٌ في أنواعٍ معينة، فراحَ يستكملُ النقص.

ليس العربُ كلُهم منتجين ثقافيين، فالمنتجون هم أفرادٌ وجماعاتٌ من الفئات الوسطى، التي يتيحُ معاشُها أن تشتغلَ في الثقافة، وهي موزعةٌ بين الدكتاتوريتين: دكتاتورية الماضي، ودكتاتورية الحاضر، فالليبرالية العربية لم تتطور وجاءت الحكوماتُ الشمولية فكبحت التطور، لكن بعض نتاجات الثقافة خلق تطوراته الخاصة المعبرة عن حياة الناس وطموحهم للتغيير.

  هناك عباراتٌ هامةٌ لبعضِ النقاد والباحثين العرب حول تطور الأنواع الأدبية العربية تعبرُ عن إشكالياتٍ متعددةٍ تتعلقُ بتطورِ هذه الأنواع في الحياة العربية، وذلك بفهمِ هذه الأنواعِ عبرَ التاريخِ العربي والعالمي.

يقول الدكتور شوقي ضيف:

(إن الغربيين عنوا في بلاغتِهم بدراسةِ الأساليب والفنون الأدبية، بينما لم يكد يعني بهذه الجوانب أسلافنا، إذ صبوا عنايتهم على الكلمة والجملة والصورة)،2.

ويَضيفُ:

(ولو أن شعراءنا نظموا في أساليب جديدة كأسلوب الشعر القصصي أو المسرحي، أو لو أنهم نوعوا في شعرهم الوجداني الغنائي فأخرجوه من صورته الفردية الذاتية إلى صورة موضوعية واسعة صوروا فيها مجتمعاتهم ونفوس من حولهم لاختلفت أساليب الشعر اختلافاً واضحاً)،3.

وهو يعتبرُ بأن المقامات وهو الفن النثري الجديد (سرعان ما تجمد وفقد كل حيوية، إذ حمله أصحابه من صناعة السجع اللفظية ما قضي عليه قضاءً تاماً)،4.

إن تعبيراتٍ مثل (إن الغربيين اعتنوا في كتاباتهم)، (ولو أن شعراءنا)، تعبرُ عن عدمِ قراءةٍ تاريخيةٍ وموضوعية واسعة لأنواع الأدب، فهل كانت الأنواعُ الأدبيةُ المكوَّنةُ عربياً بفعل ذاتي فردي محض، أم كانت لها سببيات أخرى موضوعية كذلك، فتشابكُ الذاتي والموضوعي في نسيج ظلَّ غائباً في كثير من الأحيان.

وكما أن التاريخَ الثقافي العربي بهذه التصوراتِ فقدَ سيرورتَهُ الكامنةَ المشكلةَ له، كذلك فإن التاريخَ الثقافي الغربي غدا هو الآخر نتاجَ إبداعٍ ذاتي صرفٍ لم تتكون له شروطٌ موضوعيةٌ أهلت لتطوراته تلك.

فتغدو السيرورةُ التاريخيةُ الثقافيةُ في الجانبين العربي والغربي، غيرَ معروفةِ المسار، وإن عدمَ رؤيةِ المسارين المختلفين هو ذاته نتاج رؤية واحدة، حيث تنمو الثقافة في هذه الرؤية بدون شروط موضوعية، فيكفي حسن النوايا لكي يُصحَّح المسارَ الخاطئ الذي لم يصل للنموذج.

وتتوجه كتاباتُ الباحثين والنقادِ العربِ إلى تلمسِ هذه السببيات المتوارية، والتي تتحسسُها بعفويةٍ في بادئ الأمر ثم تتحولُ إلى جهودٍ للمقارنة ولتلمسِ ما تحت الظاهرات المرئية.

كان من العبارات الأدبية الغربية، تلك الآراء التي قدمها فيكتور هيجو في مقدمةِ مسرحيةِ كرومويل؛ (وخلاصتها أن الأدبَ قد تقلبَ مع البشرية في ثلاثة أطوار، فالشعر الغنائي كان في العصر البدائي، والملحمي في العصر القديم، والدرامي في العصور الحديثة)، وعلى هذا يكون ثمة مساران متساوقان، حيث الأدب يقطعُ المسار ذاته الذي يقطعهُ المجتمعُ الذي ينشأ فيه. ومن هنا فإن القولَ بخلو الأدب من الشكل الملحمي والدرامي يعني أن المجتمع العربي وقف عند الطور البدائي الأول من أطوار التمدن البشري.

إن مسألةَ أخطاءِ المفاهيم وقراءة التطور الثقافي العالمي سوف لن تغدو في العصر العربي الحديث عربيةً محضة، بل سوف تتشابكُ مع قراءاتٍ نتجت في بلدان أخرى كفرنسا هنا، ومع شاعر وروائي فرنسي كبير هو هيجو، كانت لديه رؤية خاصة ذاتية لتطور الأنواع الأدبية، لكن هذا التصور سوف يُرحّلُ للبلدانِ العربية وينتشرُ بين مثقفيها وسوف يدرسون على ضوءِ تلك الجملِ تطورَ ثقافتهم.

فهيجو في التصور يقدمُ آراءً ذاتيةً غيرَ مدروسةٍ لتاريخ الأدب العالمي، فهو يقدمُ تصوراً للشعر في الواقع وليس الأدب عامة، أي لنوعٍ فيه وليس لكل الأنواع، ثم إنه يؤرخُ لهذا النوعِ بشكلٍ خاطئ كذلك، فالجنسُ الشعري الملحمي هو الأول والسابق، وبعد ذلك تمخضَّ الجنسان الآخران؛ الدرامي والغنائي، لكن في تطور مجتمع خاص هو المجتمع اليوناني، فليس هو تطور الأنواع الأدبية البشرية كلها، وليس هو تطورها في كل بلد أوربي كذلك.

إن مسارات الأنواعِ الأدبية مختلفةٌ متغايرةٌ بين مجتمعٍ وآخر وفي مراحل هذا المجتمع نفسه.

ثم نأتي لكلمات أخرى عامة كذلك هي أن المؤلفين العرب قد (انتهوا جميعاً إلى أن الأدب العربي قد وقف عند الشكل الأول)، فهنا جملة من الأخطاء، فالأمرُ لا يتعلق بـ(الشكل) بل بـ(الجنس الأدبي) أي الشعر وضروبه، وفي حين أن المقصودَ هو (الأنواع الأدبية) وليس الأجناس، أي إن المقصود مناقشة الأنواع كالشعر والقص والمسرح.

وبهذا فإن العبارةَ المنقولةَ عن هيجو المتعلقةَ بتطورِ الأجناسِ الشعريةِ تغدو عربياً مناقشة للأنواع، وتـُعَّمم بشرياً وعربياً، ومن ثم يُقال بأن العربَ وقفوا عند النوع الأول وهو النوع الغنائي ولم يتطور مجتمعهم.

وبطبيعة الوعي الأوربي المركزي السائد فإن ذلك يُربط بطبيعة (العقل الشرقي)، كما حدثَ في مسألةِ قراءةِ الفلسفةِ وتطورِها العربي، وهذا يغدو تتويجاً لغيابِ القراءةِ التاريخية والتي تبدأ من هيجو حسب مناقشة الفقرة السابقة، الذي قدمَ ترتيباً تعميمياً غيرَ دقيق عن الجنس الشعري، وغدا لدى بعض الباحثين العرب تعميماً نوعياً إنسانياً فشملَ الأدبَ العربي بأنواعه والمجتمع كذلك.

انتجَ سليمان البستاني وروحي الخالدي أفكاراً في بدءِ التحديثِ العربي عن الأنواعِ والأشكال الأدبية، فيها ذات الإشكاليات، فالبستاني يقول في مقدمتهِ لترجمةِ الإلياذة بأن: (العرب قسموا الشعر إلى أبواب منها الغزل والمديح والهجاء والرثاء ونحو ذلك، ومثل ذلك موجود في شعر جميع الأمم، ولكن الأفرنج يحصرون أبواب الشعر جميعاً في بابين: الشعر القصصي (إيبك) والشعر الموسيقي (ليريك): ذلك أنه لا بد للشعر من أن يرمي إلى أحد أمرين: إما بسط أحوال العالم بمظاهره البارزة وإما التعبير عن شعائر (مشاعر) النفس الخافية عن الأبصار وإبراز التصورات الكامنة في الصدور.. فالشاعر القصصي بهذا الاعتبار يعبر عن شعائر غيره والشاعر الموسيقي إنما يعبر عن شعائر نفسه)5.

يحددُ سليمان البستاني قضيةَ الأنواع الأدبية في الشعر ويضعهُ في خطين بطريقةِ أما وأما، وهو منهجٌ تقطيعيٌّ منذ البداية، فأما أن يكون الشعر موجهاً للخارج فيغدو قصصياً وأما أن يتوجه للداخل فيغدو موسيقياً، وهذه التفرقة هي قراءةٌ أولى لمسألةِ الأنواع لكنها دخلت في الأجناس، فالشعرُ جنسٌ من ضمن نوع، والقصة جنسٌ من نوع آخر، وحين يقول البستاني بأن الأوربيين عرفوا هذين (النوعين) فهو يتحدث عن المرحلة الإغريقية والمرحلة المعاصرة، فهو يقصد كما نفهم المسألة الآن بأن الجنسين دخلا النوع الشعري، وعبر ذلك تشكل في الرافدِ الأول وهو الملحمة، وفي الرافد الثاني تشكلت القصيدة الغنائية، حيث إختصتْ الملحمةُ بالتعبيرِ الاجتماعي الواسع، وبتجسيدِ الحياة، وليس أنها لم تهتم بالذات والمشاعر، في حين أن الجنسَ الغنائي تخصصَّ في التعبيرِ عن الذات، وهذا لا يعني عدم تواجد الحياة الموضوعية وتأثيراتها فيه.

ولكن الملحمةَ الإغريقيةَ تشكلتْ شعراً، وهي ليست ذاتَ صياغةٍ نثرية، وبطبيعة الحال فإن القصيدةَ الغنائيةَ هي كذلك، ولهذا فإن وصفَ الجنس الغنائيِّ بالموسيقى هو وصفٌ غيرُ متكامل.

ويقولُ شكري عياد: (ويظهر في هذا البحث بأن البستاني ميال إلى القول بأن العرب في جاهليتهم لم يكونوا مختلفين اختلافاً أساسياً عن غيرهم من الأمم القديمة كاليونان والرومان والهنود)،6.

إن ما وصل إلينا لحد الآن من التراث العربي كما قلنا لا يعطينا دليلاً في هذا، ولا يمنع كذلك أن يكون للعرب ملاحم لم تصل إلينا.

ويضيفُ شكري عياد بناءً على قراءتهِ لمقدمةِ البستاني السابقةِ الذكر: (ويذهب أنهم عرفوا القصص أيضاً، ويستدل بأيام العرب مثل قصة حرب البسوس، ولا يستبعد أنها كانت في الأصل ملحمة ففقدت أجزاءً منها وتفرق ما بقي)،7.

هنا يتضحُ بأن البستاني يتوجهُ للملحمةِ وهي المكتوبةُ شعراً بطبيعةِ الحال، ولكنه يصفُ فترةً لم تظهرْ مثل هذه الملاحم فيها، بل ظهرتْ القصائدُ الغنائيةُ (التي يسميها الموسيقية)، وهي سائدةٌ بشكلٍ كلي، وهو الأمر الذي يدعو للتحليل، عبر الحفر في هذه القصائد وكشف إذا ما كان لها علاقة بالملحمة أم لا، وهو ما سنقومُ بهِ لاحقاً.

ثمة إدراك بكون النوعين الشعري والنثري العربيين في بدءِ تكونهما قد تشكلا بلا مساواة كمية، فالشعرُ هائلُ المساحة بينما النثر محدود، ولكننا ليس لدينا سوى ما حفظتهُ الذاكرةُ العربية بعد قرون من تشكل النوعين، ولدينا هذا الترتيب المُقر السائد بكون الشعر الغنائي العربي هو الأسبق وهو الكم الهائل المحفوظ، وفي خضم ذلك يُقال بأن الشعرَ ديوان العرب.

فهل يعني ذلك إن الشعرَ الملحمي لم يكن موجوداً لدى العرب أو أنه كان ثم اختفى؟

وبطبيعة الحال فإن المقاربةَ لتكوّن القبائل العربية وظهور لغاتها الموحدة أصبحت كلاسيكية وتم الاتفاق بشكلٍ عام على أن الشعر الغنائي هذا له من العمر مائتا سنة قبل الإسلام على الأكثر، وأما ما قبل ذلك فمجهول، وهذا الزمان التقريبي هو الزمان التقريبي لتكون التوحد القبائلي الكبير بين قبائل عدنان من جهة، وقبائل قحطان من جهة أخرى، ثم التقارب القبائلي بينها.

وعبرَ هذه اللغاتِ ــ اللهجاتِ ثم عبرَ اللغةِ الواحدة تشكلَّ هذا الشعر والنثر، وبين النوعين وحدةٌ ما، هي سيطرةُ الموسيقى فيهما، وهو الأمرُ الذي لعبَ دوره في عملية الحفظ.

إضافة إلى ذلك فنحن نقرأ النوعين عبر الرواية الدينية الإسلامية، التي حورت بعض الألفاظ وغيرت في الصياغات وربما أخفت ونحت أشياء عدة بسبب عدم تطابق هذه القصائد أو المقطوعات مع العقلية الدينية السائدة، ولكن نحن لسنا بصدد قراءة المنحول أو الصحيح بل قراءة تطور الأنواع بذات المادة المقدمة والمُعترَّف بصحتها العامة، وقد قادت عملياتُ التغييرِ والنحلِ في الشعرِ الجاهلي بعضَ النقادِ القدامي والمعاصرين إلى التشكيك الجزئي فيه كابن سلام الجمحي، وإلى التشكيك العام كما يفعل طه حسين في كتابهِ الشعر الجاهلي ثم في كتاب الأدب الجاهلي .

يقول ابن سلام الجمحي حول الشعر الجاهلي:

(.. جاء الإسلامُ فتشاغلت عنه العربُ وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم ولهتْ عن الشعر وروايتهِ فلما كثرَ الإسلام وجاءتْ الفتوحُ واطمأنتْ العربُ بالأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوانٍ مدونٍ ولا كتابٍ مكتوبٍ وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحفظوا أقل ذلك وذهبَ عليهم منه كثيرٌ وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول وما مدح هو وأهل بيته به صار ذلك إلى بني مروان أو صار منه. قال يونس بن حبيب قال أبو عمرو بن العلاء ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافراً لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثير)،8.

هذه العبارة هي التي ارتكز عليها طه حسين في دحض أغلبية الشعر والنثر الجاهليين، لكن بعد فترة من الفحص قام بها باحثون تم التأكد من صحة الكثير من هذا الشعر، وتم كشف أجزاء منحولة، ولكن الفجوات في بناء القصائد الطوال خاصة وإزالة الجوانب الدينية الوثنية هي قضايا لم تـُحسم بعد.

وبهذا فإن القراءةَ التي نقومُ بها لهذا الشعر والنثر ترتكز على ما اتفق عليه وصحت نسبته إلى الشعراء والقوالين.

إن ضخامةَ الشعر الغنائي أمرٌ لا يستطيع أحدٌ أن يلغيه أو يحوره، وهو الشعر الذي تكون في فضاء هذا التوحد الاجتماعي للقبائل العربية وهي تظهرُ على مسرح التاريخ.

أما ما قبله فمجهول، ولهذا فإن التساؤلات هنا تتوجه هل نستطيع أن نعمم ونقول بأن الثقافة العربية لم تعرف الملاحم الشعرية، وهل يمكن لمثل هذه القبائل التي تشكلت خلال آلاف السنين أن تعبر عنها هذه الفترة الأخيرة فقط التي وقف الوعي الوسيط الديني المحافظ والوعي المعاصر المتعدد الرؤى عندها عاجزين عن الولوج لما ورائها بحثاً موضوعياً؟

كذلك فإنه لا بد من حسم موضوع (العقل العربي) والعقل السامي الذي لا يعرفُ الملاحمَ عبر قراءة التواشج الثقافي مع حضارة وادي الرافدين التي هي حضارة قريبة ومؤثرة على التطور الاجتماعي العربي عامة، فهذه الحضارة الرافدية عرفتْ الملاحمَ الشعرية والقصص ولكن الملاحم ليست هي ملاحم قصصية صراعية جماعية واسعة، بل هي أقربُ للقصةِ الشعرية الفردية المطولةِ كملحمةِ جلجامش، وبهذا فإنها لم تستطع أن تشكلَ ملحميةً واسعةً قادرة على تحليل شبكة من الشخوص وعلى قراءة الواقع بالتالي، وعلى طرح نماذج خصبة منوعة، وقد تمكن الإغريق من خلقها بسبب ترافد الماضي (البربري) الديمقراطي مع ثقافة المدن الحرة التي ترتبتْ على طبيعة الجزر، المتعددة، وعلى نمط التجارة الفردية الواسعة، في حين كانت الثقافة البدائية شبه الديمقراطية في وادي الرافدين والوادي المصري قد تم كتم أنفاسها مع تشكل الدول الاستبدادية الكبيرة.

ومع هذا فإن هذه المخاضات والانجازات للشعوب في منطقة الشمال لم تصل إلى عرب الجزيرة إلا عبر بعض الومضات التي نفثتها الأديان.

________________________

تبعية العلمانيين للدينيين ــ جذورها ونتائجها

تعتبر العلمانية الديمقراطية العربية المعاصرة هي الصيغة السياسية العامة لخلق الهياكل السياسية لتجاوز وضع الأمة العربية التابع للعصور الوسطى التقليدية، حيث غرقت البلدان العربية القديمة في التمزق الطائفي وتكونت فسيفساء سهل ابتلاعها من قبل الدول الغازية المختلفة، سواء كانت الدولة العثمانية باسم الدين أو الدول الغربية باسم الاستعمار.

ويعبر القرن العشرين عن الصعود الكبير  للعلمانية في وجه الشبكات الإقطاعية الطائفية القديمة في شتى جوانب الحياة، فالتعليم الكتاتيبى أخلى المكان للتعليم النظامي، وبالتالي أمكن تغلغل جوانب من العلوم في الوعي الشعبي، مثلما بدأ القضاء على الشعوذة والسحر في العلاج ونشوء شبكة من المستشفيات، وخرجت النساء من البيوت والاعتقال القديم، ودخلن الحياة العملية والإنتاجية، وانتشرت وسائل الثقافة الحديثة من صحف وكتب وأشكال ثقافية معاصرة كالرواية والمسرح والفنون التشكيلية، مما جعل وسائل التأثير الدينية بمحتواها المضاد للتحديث تتراجع إلى خلفية المسرح.

بل أخذت القوى الدينية ذاتها تستعير الأفكار العلمانية الحديثة، وما التنظيمات الدينية سوى أشكال من الاقتباس من النزعات القومية والفاشية الحديثة وقد لبست قوالب من التراث المقطوع عن مضامينه التقدمية العربية القديمة.

وتغلغل شيءٌ من الوعي العلماني في الحياة الاجتماعية، عبر تحرر المرأة وتغيير بعض القوانين المضادة للمساواة، ولكن ذلك لم ينتشر بقوة في الميدان الاجتماعي الأسري العربي، حيث تبقى الأسرة الحصن الأخير للأبوية والتقليدية، وانتشرت قوانين جديدة للأحوال الشخصية تطورت في بلدان إلى الذروة كتونس، لكن الرجعية الدينية بثقلها النكوري والسياسي الكبير عرقلت التطور في هذا الميدان الحساس والهام فتغلبت القوى التقليدية في بلدان أساسية كمصر والعراق فعرقلت تطور الحرية العربية.

صاحب هذا التطور العلماني على المستوى الثقافي والاجتماعي تطور سياسي كبير، حيث تمكنت القوى العلمانية ممثلة في أحزاب الفئات الوسطى من تحقيق انتصارات تحررية كتفجر الثورات في مصر والعراق وسوريا وتونس والمغرب على الاحتلالات الأجنبية في النصف الأول من القرن العشرين.

وقد قاد ذلك كله القوى الاستعمارية لتقوية الشبكات الطائفية وفتح المجال لنموها وتطورها، فبرزت في الثلاثينيات الأحزاب الدينية، وتم تحويل الدين كبعبع لمهاجمة القوى الوطنية والتقدمية العربية، فكانت تقوية الشبكات الطائفية كالوهابية والسنوسية والاخوان وإعادة ضخ الأموال في المؤسسات الطائفية التي أقفرت في سنوات النضال الوطني والقومي التحرري، وتم التركيز على بعث الهياكل النصوصية العتيقة وسجن العقل العربي في تضادات العصور الوسطى، كالتركيز على الحلال والحرام، وعلى نشر الخرافات وإلغاء العلاقات العقلانية والسببية، والهجوم على الأشكال الحديثة في الثقافة كمهاجمة الشعر الحديث، والحداثة بشتى صورها.

وقد أمكن للاستعمار والصهيونية والرجعية العربية من محاصرة العلمانية العربية عبر الهجوم على الاتحاد السوفيتي ومحاصرته ومهاجمة التجارب الوطنية والتحررية في مختلف بقاع الأرض، وقد كان لهذه التجارب مجموعات من الأخطاء سهلت القضاء عليها ثم ساد التفرد الغربي الاستعماري في كل الكرة الأرضية.

ولا شك أن الأنظمة التحررية العربية قد ارتكبت العديد من الأخطاء الكبيرة التي سهلت للقوى الطائفية الرجعية من استلام زمام المبادرة، والانتشار، فقد كانت هذه التجارب الوطنية غير علمانية بشكل جذري، فهي قد رفضت التجارب العلمانية السابقة والتى كانت أكثر جذرية منها في رفض الجماعات الطائفية وأفكارها، واعتمدت الأساليب الدكتاتورية في الحكم، ورفضت مواصلة جهود التنويريين العرب السابقين كطه حسين وسلامة موسى ولويس عوض الخ.. في الثقافة والسنهوري في القانون، وشبلي شميل في نظرية التطور، وجمدت عملية تحرير المرأة، وأوقفت محوالأمية ومقاومة الخرافات والأساطير، وغيبت الحرية الشخصية الفردية وخاصة في المجال العقلي التحرري، ونشرت عقلية القطيع وأحزاب الحكومة المصفقة لكل أمر.

تتضح طبيعة الأحزاب العلمانية التحررية القومية التي انهارت في نضالها العلماني، بعد وصولها لغنائم الحكم، في تجارب مصر والعراق وسوريا بالأخص.

فبينما كان بورقيبة يواصل عملية تحرير المرأة التونسية وخلق شفافية سياسية وفكرية مع الشعب، كانت هذه الأنظمة تغرق في الفساد والرجعية الفكرية، فلا تجد سوى أن تمد أيديها للقوى الطائفية وفكرها العتيق. فكانت تعيد تقوية المؤسسات الدينية بذلك الفهم الطائفي، فنجد مؤسسة مثل الأزهر بدلاً من قيامها بثورة في الفهم العقلاني للإسلام تعيد ضخ القوة في الوعي النصوصي والمحافظ، ولم يكن ثمة نظام قومي تحرري لم يضطلع بمهمة بعث الهياكل الطائفية واستغلالها ضد التقدميين والعلمانيين العرب والمسلمين، عبر تشكيل مؤسسات دينية كبرى والصرف عليها بالملايين.

وإن تتحول هذه القوى القومية إلى جماعات منتفعة شمولية فإنها تواصل اعتقال الجمهور العربي بمختلف أديانه، وعلى الإبقاء على الهياكل الاجتماعية والثقافية المتخلفة، وينعكس هذا على استغلالها للدين في الحياة السياسية بعد أن أفلست في فكرها العلماني المزعوم.

فنجد النظام العراقي والذي كان يفرق في مجموعة من التناقضات يعود لاستغلال آيات القرآن استغلالاً كاريكاتيرياً، أو استخدام المصطلحات والرموز التراثية بصورة تكشف مدى التهلهل في هذا الوعي «العلماني»، ويقوم النظام بعقد مؤتمرات للأحزاب القومية والدينية تردد هذه الآيات فيها، ويتم اعتقال الشعب في زنازين من الأمية والتخلف العلمي والعسكري.

ومع تفاقم أزمات الأنظمة المرتدة عن العلمانية والحرية القومية، فإنها تنقل هذه الأزمة للجماعات التابعة لها، والمتاثرة بها، والتي تنعم بـ«مساعداتها» في بقية الأقطار العربية، فتتدهور الشعارات السطحية العلمانية فيها، ولا تجد مقاومة فكرية عميقة داخلها لهجوم الطائفية على قياداتها وأعضائها. فهذه الجماعات تعاني مثل الأنظمة القومية من غياب الديمقراطية فيها، الأمر الذي يقودها إلى تخلف ثقافي، تكون علاماته تدهور الوعي العلماني داخلها، وتبعيتها السياسية ومن ثم الفكرية للجماعات الطائفية.

فالجماعات العلمانية التي كان يُنتظر تحرر نسائها وأفرادها يعود الوعي الرجعي إلى صفوفها، بعدم تقوية وتنمية الثقافة التقدمية في شتى مجالات الوعي،حيث يتطلب الوعي السياسي إجابات على كثير من الأسئلة المعقدة التي تُطرح في شتى جوانب الحياة الاجتماعية. مثلما يعجز هؤلاء القادة والأفراد عن التطور بوعيهم وأسرهم وكياناتهم في سلم الحداثة.

ولكن إذا كانت الأنظمة البعثية والتيارات القومية تواجه الاستعمار والصهيونية بتلك الأسلحة الفكرية والاجتماعية العتيقة، وتدخل المعارك ضد الاستعمار بتلك الهياكل الرثة من الجيوش والأفكار، فإن الجماعات التابعة لها، والمتأثرة بها، أو الجماعات الدينية التي اصطفت معها، تقوم بالدفاع عنها بذات الأساليب والأفكار وترديد تلك الجمل المنتزعة من التراث الدينى، الأمر الذي يعبر عن سقوط وعى كامل من الأبنية شبه العقلانية والتى تدخل الخرافة من أبوابها الواسعة. أي إن انتهازية القيادات في هذه الانظمة والجماعات بعد أن غرقت في عوالم الشمولية والاستبداد، أخذت الظلامية الفكرية تزحف فى قنواتها السياسية التى تهيمن عليها بالحديد والنار أو بالدجل السياسى، وتتكون العقلية الانتهازية التي تستغل الكتب المقدسة والتراث، لمصالح ومآرب نفعية ولمعارك فاشلة.

إن قواعد هذه الأنظمة أو الجماعات السياسية التي كانت علمانية، والتي تبدأ في الغرق في ثقافة الجهل والتجهيل، والانتهازية والوصولية، تكون مستعدة لجميع الخطوات السياسية المغامرة ولتأييد الأنظمة الفاشية، بعد أن تم الحجر على عقولها.

وعلينا أن نقرأ العلة الأولى في رؤوس هذه الأنظمة والجماعات التي تلاعبت بالدين وحولته إلى مطايا لاستغلالها، مستثمرة كل الجوانب الرديئة من التراث، زاعمة أنها عودة للإسلام.

فمن هناك من العواصم العربية تم التداخل بين الدين والهياكل السياسية الدكتاتورية، وليس التدهور السياسي في هذه الدول والجماعات، سوى انعكاس لانهيار مشروعها النهضوي التحرري، والتحامها بالطبقات الإقطاعية والبيروقراطية القديمة، وبرؤساء القبائل وبزعماء الطوائف والكيانات العتيقة المختلفة. وبالتالي قامت ببعث الموروث الطائفي والمحافظ.

ففي الوقت التي شاركت هذه الرؤوس في سرقة الدم العربي من عروق العاملين فلا مكان للعلمانية والتقدمية لديها.

كانت تقوية القوى الاستعمارية والرجعية العربية والصهيونية للشبكات الطائفية العامل الرئيسى فى صعودها في العقود الأخيرة من القرن العشرين، غير أن الشبكات الطائفية تجاوزت الخط الأحمر غير المسموح بتجاوزه، وتوهمت بقدرتها على وراثة النفوذ والحكم في المنطقة.

إن التشكيلة الإقطاعية/ المذهبية التي كانت تحاول بعثها، كان لا بد أن تؤدي إلى بعث كل الأسس غير الحديثة الميتة، وأن تصعد الشبكات الطائفية بكل اختلافاتها وأحكامها الراجعة إلى ما قبل العصر الحديث، والتي شجع الاستعمار بقاءها في الأنظمة التابعة لكن العلمانيين التابعين لهذا البعث الطائفي، بعد أن فشلوا في البعث القومي، لم يروا سوى الاختلاف والصدام بين هذه الشبكات الطائفية والسلطات والاستعمار.

أي لم يقوموا بقراءة جذور هذه التكوينات الطائفية، وخطورة نموها على الفكر العقلاني والحريات الاجتماعية المختلفة، ولم يروا سوى طابع الاختلاف بينها وبين السلطات والاستعمار، وهكذا قاموا بعزل القضية السياسية عن أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وسمحوا لأنفسهم بالتعاون بل التبعية السياسية للشبكات الطائفية. بدلاً من تشكيل تحالف ديمقراطي علماني إسلامي نهضوي يهزم مشروع البعث الطائفي.

نتائج ذلك كانت خطيرة على حياة المسلمين والمسيحيين العرب وعلى تطور الوعي والحريات لهم، في إيران وجهت السواطير لقطع رؤوس التقدميين والعلماء والوطنيين، والحركات النسائية والديمقراطية المختلفة، وتم إعادة قوانين رجعية، دون أن يحدث تغيير في حياة الجمهور بل عادت الأشكال المتخلفة من حكم الإقطاعيين الطائفي والسياسي.

وقاد تدهور الدولة الديمقراطية والعلمانية في مصر إلى كوارث ومذابح وتم إعادة مصر إلى الوراء على الأصعدة كافة.

لكن العديد من المجموعات العلمانية الانتهازية لم تقطع عملية التبعية للشبكات الطائفية، رغم كل هذه الشواهد والأحداث الفظيعة، وتعود هذه إلى محدودية النظرة السياسية، وقراءتها للقريب دون البعيد، واعتمادها على الحماس الشعبي المتخلف، وهو أمر غير ثابت، وعجزها عن النظر بشكل مركب لعمليات الإصلاح والصراعين السياسى والاجتماعى، وعلى إقامة تحالفات ديمقراطية واسعة، وتشبثها بسيطرتها الشللية، وهذه كلها أمور تؤدي إلى تدهورها السياسي والفكري على المدى البعيد.

ويرجع ذلك ايضا لتخاذل القوى العلمانية الجادة في النضال، وضعف وعيها في قراءة جذور الشبكات الطائفية، وأهمية تفكيكها وتغيير قواعدها الشعبية بخطاب يجمع النضال الإصلاحي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في حزمة واحدة.

فهي كذلك ترى النضال ينحصر في المجال السياسي، وغالبا ما تتخبط بين الاتجاهات الحديثة والطائفية، عاجزة عن شق الطريق الرئيسي للحداثة والنضال الوطني والقومي بمحدودية فهمها لكل هذه الجوانب المترابطة.

كما لا تعارض الدول الطائفية في سماحها بتشكيل الشبكات السياسية الطائفية التي تمثل خطورة على السلامة الوطنية، نظرا لقيام هذه الدول باللعب على الورقة الطائفية واستخدامها في تفكيك صفوف المعارضة ولا تؤدي عملية استخدام هذه الورقة لتفتيت صفوف المعارضة فحسب بل إلى هدم الكيانات الوطنية كما سيحدث في العقود التالية وإلى حدوث مذابح وكوارث كبيرة.

كذلك فإن القوى العلمانية الجادة ليس لديها وعي بموروثها ولا تفرق بين القوى الطائفية السياسية والمذاهب الشعبية الموروثة، بين الشبكات الطائفية المسيسة والإسلام، نظرا لغياب قراءتها لتاريخها الوطني والديني.

تتطلب عملية فك الارتباط بين العلمانيين والطائفيين الكثير من الجهود والصبر السياسي والتثقيف، فعلى العلمانية يتوقف مستقبل العرب والمسلمين في العقود القادمة.

جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة

جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة

[نحو موقف علماني عربي شامل]

يطرح المسار العربي الراهن، بكل ضجيجه الدموي العنيف، وخاصة في منحدراته العميقة المعتمة: عن ذبح للبشر، وتدمير العمران، وتشكيل الجماعات والدول #الطائفية، وصنع الخنادق العربية والإسلامية المتقابلة المسلّحة، ووضع الملايين تحت الإقامة الجبرية في قفص السيد المطلق المتجدد أبداً، ضرورة تشكيل مواقف عربية عميقة وجريئة و#ديمقراطية #علمانية تعيد رؤية #تاريخ #الأمة_العربية بشكل جديد وجذري ليصل النقد والتغيير إلى #جذور_العنف المتكلّس في تاريخنا وأبنيتنا #المادية والروحية. إنه في هذا العصر الذي أدار ظهره للمنحوتات الحجرية المؤبدة للقمع الشامل، تتراءى ضرورة المعرفة الحقيقية، كمحاولة أولية وهامة لوقف مسلسل الدم والانهيار، ولوقف سير العربة العربية نحو هاوية الطائفية والتخلّف.

 

انه الزمن العالمي الذي وضع كل شيء تحت مجهر وتلسكوب العين #الإنسانية الفاحصة، وصنع الوعي ثورات وأجهزة تعيد تشكك النسيج الاجتماعي والجسدي والفكري.

فآن لنا نحن العرب أن ندخل العصر بقوة، وأن نعرّي كل شريط الاعتقال الطويل للشعوب، الذي كان مسلسلات كابوسية لتشويه وتقزيم إرادتنا وأرواحنا، وحبسنا في زنازين الحكم الشامل، الذي لم يدع حلماً من وعينا وجسدنا إلاّ قيّده.

آن لنا أن نقول أيها الحكم الفرعوني الطويل، لقد أتخمنا بجبروتك وتسلطك على نسائنا وأطفالنا وأغانينا وفرحنا، آن لنا أن نعرّيك ونهدمك. ليس في هذا المسرح الأرضي المنكوب سوى الإنسان العربي قمّة المخلوقات، صانع القيود الحديدية والغيبية، وهو الذي يشكلها وينفيها.

لم نعد الآن قادرين، وأشلاء الضحايا تقطر فوق رؤوسنا رعباً وأسئلة، وتصنع المذاهب المفخّخة أنقاض دولة وتعدّنا لحروب أهلية طويلة ومريرة، ان نتجاهل آلاف السنوات من الحكم العنفي الشامل، حيث طبقة صغيرة ترث الامتيازات والخيرات، وتقيم تركيبة اجتماعية متحجّرة، يقف على قمتها السيد الرجل المطلق، وتجعل الحكام آلهة والمحكومين عبيداّ، والذَكَر سيداً ابدياً، والأنثى جارية مولّدة، والملاك الكبار يتوارثون الأرض والبشر.

اتّسم تكوّن الدولة #الإسلامية الأول بالسيطرة على #الطبقات المختلفة عبر #وعي واحد شامل. ولكن ذلك لم يكن لاّ مؤقتاً، حيث راحت التناقضات #الاجتماعية تتفجّر، وخاصة مع #حروب_الردّة ثم #حروب_الفتوح التي أغدقت على #الارستقراطية القرشية والعربية خيرات #البلدان_المفتوحة، وأدى هذا إلى احتدام الصراعات، مرة بقتل الخليفة عمر بن الخطاب ومرة ثانية بقتل عثمان بن عفان، ثم بالحرب مع أو ضد علي بن أبي طالب، ومن هنا توسّعت الخلافات والصراعات الطبقية التي تمؤهت من خلال #الوعي_الديني، الذي تحول إلى #وعي_مذهبي.

لقد حاول عمر بن الخطاب أن يقيم توازناً اجتماعياً، وأن يوزع غنائم البلدان المستغلة بشكلٍ متساوٍ على الفاتحين #العرب، إلاّ ان التناقضات العميقة فجرت الصراعات الدموية وطلعت الأرستقراطية #العربية الباذخة لتشكل ملكاً عضوضاً جيرّ مختلف المفردات #الفكرية والأدوات السياسية لحكمه الطويل.

لقد قام النظام الإقطاعي – العبودي بعد سيطرته على ملكية الأرض والفلاحين، بتفصيل بدلة دينية ــ مذهبية على مقاس امتيازاته ومصالحهم مواصلاً إستلام ملكية البشر، من اسلافه الفراعنة والأكاسرة والقياصرة، محافظاً على التركيبة السياسية الاجتماعية المتحجّرة: سيطرة مطلقة للحكام، سيطرة شاملة للذكور، استغلال لا يرحم للمزارعين والعبيد (1).

لقد انجرّت القوى المعارضة، بحكم شروط الوعي والوجود الاجتماعي إلى استخدام ذات العباءة الدينية في تبرير اختلافها وصراعها مع الحكم الديني والمذهبي المركزي، فابتكرت مذاهبها الأخرى، لتعكس مصالح جهاتها وأممها وجماعاتها، ورغم أنها لوّحت بالعدالة وتحقيق المساواة،وخدمة المناطق والأقاليم المختلفة وحققت إنجازات ملموسة وقتية في سبيل ذلك، إلا أن الأغنياء الكبار والمتسلّطين ما لبثوا أن سيطروا على شبكة إنتاج المذاهب كذلك، وضخّوا السلطة والثروة إلى خزائنهم، فغدت الحروب المذهبية الدامية المستمرة تعبيراً عن حروب اجتماعية يتم إخفاؤها، ولا تجد الأدوات السلمية والقانونية لكي تظهر وتتبلور وتحل.

إن المعارضين العرب بلجوئهم إلى #الدين وتفسيره مذهبياّ خسروا عملية التغيير العميقة الشاملة ودمّروا الدولة التي أرادوا إنقاذها.

لقد غدا الكفاح من أجل العدل والمساواة ملتبساً بالخلاف #الطائفي الفقهي، وصار انفصالياّ، مناطقياً، مما أدّى إلى تمزيق الدولة العربية ــ الإسلامية، وتحطيم بناها الاقتصادية وشبكتها الاتصالية المادية والفكرية.

لم تكتف الطبقات المهيمنة في كل المذاهب المنقسمة المتعادية، وعبر كل الأبنية الاجتماعية في حركتها التاريخية، بأدوات القمع العادية، وعنف الشرطة والجيوش والسجون وفرض الجزية والخراج، بل جعله من المذهب الديني قمعاً وسيطرة، عبر إزاحة ما هو انساني، ومراكمة ما هو شعائري وعبادي شكلي.

لقد تمّ التركيز على ما هو حزين ويائس ومجمّد لانطلاقة الروح والجسد والفرح ونزع علاقات #التضامن و#الكفاح بين العرب، وتغييب لما هو مساواتي بين #الرجل و#المرأة، وبين الأمم، وبجلّ ما هو تراتبي وشوفيني وذكوري مسيطر.

ويحاول المنقبون المعاصرون في مناجم الماضي، أن يروا بعض البصيص في كفاح العرب عبر قراءة بذور النور العقلانية المنتجة في حقول اللاهوت.

لقد حاولت #الأمم_الإسلامية عبر الأوعية المذهبية ان تتحرر، وكانت الفرق الدينية تحاول بأدوات الفكر الديني الخروج من سطوة المذهب المركزي المسيطر، وحاول #الفلاسفة المتنوّرون أن يزحزحوا تلك المركزية الشمولية #المذهبية #الإقطاعية، عبر تخفيف مراكزها ومن أجل تعدّد أقطابها، ومن أجل وعي موضوعي بقوانين المادة والطبيعة، فكان كل هذا النشاط العظيم كفاحاً داخل الممر المعتم، ونضالاً ضد #الأساطير بأدوات أسطورية، وصراعاً ضد الظالمين بحديد قيودهم، وجاء المتصوّفة ليسبحوا في البحر حتى قاعه المعتم، ،فكافحوا العقل المذهبي الرسمي الشمولي الظاهر، بلا #عقلانية #باطنية، فسيفسائية، أسلمت #الوطن_العربي في خاتمة المطاف إلى سلطات #الدراويش والدولة العلية المعلولة.

وعندها بدأ #رجال_الدين النهضويون المسلمون والعرب في #القرن_التاسع_عشر كفاحهم المتصدّي للسيطرة الأجنبية المحدقة وللتخلّف المزمن، جعل كثير منهم الدين مرة أخرى أساساً لعملها السياسى. ومنذ ذلك الحين وُضع الأساس الحديث لمشكلاتنا الراهنة.

إن شعارات #النهضة ومقاومة #الاستبداد والدعوة للحكم البرلماني واصلاح التعليم ونشر المعارف الخ .. كانت خطوات إيجابية في سبيل النهوض العام للأمة العربية غير المستقلة والمتداخلة مع بقية الأمم الإسلامية، ولكن بقيت الشعارات الدينية ــ النهضوية غير مدركة لطبيعة الجسم السياسي الديني المحافظ الكبير الذي راحت تستثير نشاطه، ليغرقها في النهاية بشبكته الطائفية الواسعة، وبجذوره الممتدة قروناً مديدة.

إن الأفكار الحالمة لم تكن على دراية بحجم وعمق التركيبة الاجتماعية السياسية الفكرية المحافظة، والتى راحت تستعيد سطوتها على الحياة العربية، عبر تغذية القرى الاستعمارية لها والتي وجدت فيها أرضية أساسية لتمزيق الأمة العربية والتي تم تفتيتها سياسية وادارياً، وغذيت تنوّعاتها الإقطاعية والعشائرية والمذهبية والمناطقية، وتم ربط اقتصادها المنتج للمواد الخام بالدول المسيطرة وهمّشت قواها الاقتصادية والثقافية التصنيعية. ورفضت قوى علمانية تنويرية صغيرة مسار الانبعاث الديني ــ القومي المتضافر، طارحة استيراد النموذج الحداثي الغربي، ولكن ظلّت طاقاتها العقلية الهامة والمفيدة، معتمدة على تشكيل الإنتاج الثقافي، غير المترابط مع الوعي السياسي وإنتاج الممارسة الثورية(2). ولقد تلاقح هذان الاتجاهان الرئيسيان في بعض الخطوط الصغيرة العابرة. حين استعارات بعض القوى القومية بعض الجوانب #العلمانية، وبشكل محدود. ونظراً لانعزالية الاتجاه الثقافي العلماني عن الممارسة الكفاحية #الوطنية، بدا وكأنه مرتبط بالسلطات الأجنبية، ونموذج لتبعية فكرية للغرب.

إن الاتجاه #القومي الديني في عملية تغلغله بين #الجمهور_العربي، أعتمد النفعية والعفوية، ووجد أن استغلاله لمشاعر المؤمنين، وتنشيطه لبعض المفاهيم الدينية والشعائرية قد وسّع شعبيته، مما أدّى إلى إحجامه عن تعميق الوعي العلماني في صفوفه، وتركيزه على الجانب الديني. ولا شك أن تسييس الإسلام بشكل وطني وقومي قد أدى الى توحيد بعض #الشعوب_العربية ضد #الاستعمار، وعبّر عن #علمانية محدودة، وبيّن أن البعد عن الشبكة الاجتماعية المحافظة، هو بذور لنمو #ديمقراطي هام، ولكنه نمو لم يكتمل، ليس لأن تلك الشبكة ذات قرون من التأهيل في البنى الموضوعية والذهنية للعرب فحسب، بل لأن القوى التحديثية العربية لم تواصل مهماتها العصرية، وعجزت عن تغيير نظم الامتيازات، وكانت هي جزء من القوى المستغلة للجماهير، ووجدت أن من مصلحتها الإبقاء على الوعي المحافظ تثبيتاً لنفوذها.

كما أن القوى الاستعمارية والعربية التابعة واصلت تعميق وتعزيز دور المؤسسات المذهبية، فكانت تركيبة التخلف شرطاً من شروط ديمومة النهب الاجنبى والداخلي.

إن القوى الحديثة النامية حينذاك، بتركيبتها الإقطاعية والبرجوازية المتداخلة، لم يكن من برنامجها إنتاج أدوات نظرية وسياسية لبناء مجتمعات ديمقراطية علمانية. وقد وجدت مصلحة في إبقاء التركيبة القروسطية. مع إجراء إصلاحات اجتماعية وسياسية مهمّة عليها، وكان إغفالها لأفكار #المتنوّرين_العرب العلمانيين، خاصة في مسائل #فصل_الدين_عن_السياسة_و_الدولة، تعبيراً عن وشائجها القرابية مع تلك التركيبة المتخلفة.

أن عجز الطبقات الرأسمالية ـــ الإقطاعية عن قيادة معركة الاستقلال الاقتصادي والسياسي وتحقيق «العدل»، ،قد هيّأ الفرص لبروز القوى الاجتماعية الوسطى والصغيرة للتصدّي لهذه المهمة، ولاستقطاب الحماس وتوظيف المعاناة #الجماهيرية لأجل تشكيل خطوط سياسية نظرية تسريعية وشمولية نتجاوز #الليبرالية والتحديث الديمقراطى.

وإذا كان ذلك لم يتبلور بصورة سريعة عند القوى القومية واليسارية، واحتاج لسنوات أخرى ليتشكل بصورة أحزاب قومية ويسارية شمولية، فان #الأصوليين_الإسلاميين كانوا أسرع في التقاط المنحى الفاشي الذي كان مخيّماً على العالم. إن رفض الأصوليين الإسلاميين لاتجاه الليبرالية الإسلامية الذي تشكل لدى #الأفغاني وكوكبته، والذي شرع لحرية الاختلاف والتعدّد، وأسبقية #العقل على #النص، بدأ يتصاعد ويتبلور لديهم حين رأوا التحديث الرأسمالي يقوم بهدم جوانب من التركيبة #الإقطاعية المسيطرة على المسلمين. ويزعزع بعض أشكال وجودها بمظاهر #الحداثة المنتشرة وعبر الدعوات الرافضة للخلافة وبأفكار #فصل_الدين عن المؤسسات السياسية.

وقد كانت الأشكال المذهبية ــ السياسية تعبير عن التركيبة الاجتماعية التي صار الغرب الرأسمالي نفياً لها، بنموذجه التحويلي للإقطاع المسيحي، وفصله عن للدولة، وبإلغائه للطبقات الإقطاعية المتحكّمة في #ملكية_الأرض والبشر والعقل. ولم يكن الغرب نفياً نظرياً لتلك التركيبة، بل كان تدخّلاً عملياً لوضع حدّ لأكثر أشكالها تطرّفاً كملكية الرقيق والاتجار به والسخرة، وقد وضع تلك الحداثة الجزئية رهن التجسيد الملموس، تمريراً لتغلغل امتيازاته.

وحين تشكّلت ونمت #البرجوازيات_العربية ــ الاقناعية في حضن هذا التحويل التابع، قامت بانجازات نهضوية مهمّة، وكان الإسلام الليبرالي شكلاً لنموها وتجليها، لكن تلك البرجوازيات كانت ضعيفة التكوين الصناعي. ذات جذور إقطاعية واسعة، فدخلت في علاقة تناغم مع البنية المحافظة العتيقة(3). إنها لم تستطع إنجاز المجتمع الليبرالي بشكل شامل. فإن الثنائية الصراعية بين الإقطاع والرأسمالية كانت في عميق وجودها، كانت جزءاً من امتيازاتها وأفكارها. ولقد غدت الحداثة الرأسمالية هى هذه الأحزاب والدساتير والكيانات الجديدة، ولكن الجسم الإقطاعي بقى هو الملكية الواسعة للأرض وللفلاحين وللنساء وللأفكار وللحياة الشعبية. 

كان للتغيير الليبرالي العلماني الواسع يتطلب تحويلاً صناعياً ــ علمياً ــ اجتماعياً، لم تستطع نصف الرأسمالية هذه أن تحققه، أو أن يسمح لها الاستعمار المسيطر أن تحققه.

ومن هنا تزايد التناقض بين التكوين الحديث الليبرالي غير الواقف على قاعدة صناعية ــ اجتماعية قوية، والحياة الشعبية المستغلة وغدا النموذج الليبرالي فاقداً لمعقوليته السياسية مع تزايد الصراع. وقد جاءت الحرب العالمية الثانية لتُسرّع في ذلك، فصارت الأفكار الشمولية الدينية أو فيما بعد القومية ـ واليسارية هي المستقطبة لقطاعات الرأي العام المؤثر.

إن ردود الفعل الأصولية الأولى ضد الحداثة المقتحمة المترافقة مع غزو استعماري، كما تمظهرات في #الوهابية و#السنوسية الخ… ارتدت طابعاً وطنياً مقاوماً، ولكن ذلك المظهر عبّر عن مضمون إقطاعي. يهيمن بقوة على البنى الاجتماعية ويمنع تحديثها إلا في سياق تعزيز سيطرته المتشددة. إن ردود الفعل هذه، والتى كانت في مناطق صحراوية وريفية عربية شديدة التخلّف، عبّرت عن الوعي الاقطاعي المذهبي التقليدي للإسلام، الذي ظلّ مسيطراً بشكل كلّي على الجمهور، مانعاً إياه من أي بصيص حضاري في تلك المناطق المحبوسة بالسيوف والرمال.

لقد أعطى مثل هذا الوعي للإسلام في مراكزه البدوية الحصينة، موديله القمعي والمتخلف إلى الوعي الأصولي المسيّس للإسلام المستيقظ في المدن العربية، والذي أفاق على دوي المارشات العسكرية الفاشية، وحرب الرأسمالية اللاعقلانية الهمجية ضد الرأسمالية الديمقراطية ليأخذ الأزياء الموحدة والطوابير العسكرية وسلطة الدكتاتور المطلق وإرادة القوة، مدمجاً معها سيادة النص الحرفي على التأويل الإنساني، معتبراً المرحلة الإقطاعية العتيقة نموذجه الأمثل.

وستعبر القسمات الأصولية الأولى حينئذ عن المسار المعاكس للعصر الديمقراطى، فعلى هذا ‏الوعى أن يدافع عن تركيبة اجتماعية منهارة، وأن يحتفظ بابنيتها السياسية والاجتماعية والفكرية مع القبول بأجزاء أساسية من العلاقات الرأسمالية الاقتصادية، وإضفاء طابع ديني شكلي على الأجزاء الأخرى.

إن ما أكدته المرحلة #الليبرالية_العربية من سيادة للامة، وقدرة الشعب على اعادة النظر في مجمل البنية الاجتماعية المتوارثة وعصرنة ودمقرطة كافة القوانين والعادات والأفكار العتيقة يتم منعه ايديولوجياً لتقف الأصولية ضد حكم الشعب. ومن أجل استمرار البنية التقليدية في المرحلة الرأسمالية.

لقد تمّ رفع مصالح الأرستقراطية الذكورية المتزمّتة، الاجتماعية والطبقية، إلى مصاف المقدّس والأزلي، والذي لا يجوز لنهضة العرب الجديدة أن تمسها وتعيد النظر بها. إن مرحلة التداخل والتعايش بين النظام التقليدي والنظام الرأسمالي قد وصلت هنا إلى نقطة الافتراق، وتم وضع العصر الحديث، عبر الوهم الأيديولوجي، بشكل مضاد كلياً للمرحلة القديمة والتي ينبغي استعادتها بالقوة(4).

إن أساس المشروع يعتمد على حكم الإرهاب الشامل. وذلك بتحويل هذا الفهم المضاد للعقل وتطوير الحياة. إلى دكتاتورية واسعة كلّية تعتقل الأفراد والجماعات في مختلف تجليات وجودهم الملابسية والديكورية والفكرية. إن هذا الأسلوب الدكتاتوري: يستهدف جعل التركيبة الاجتماعية المحافظة خارج العقل والزمن. متّحدة كلياً بالغيب، ومصانة بعنف شامل.

ومع هذا فسنجد هذه الرؤية نفسها في تناقض مزمن بين إعادة تفسير الدين رأسمالياً، وبين الحفاظ على التركيبة التقليدية. إن التفسير الرأسمالي يقود الى اعادة بلورة بعض المفاهيم بشكل حديث، في حين أن الحفاظ على التركيبة يؤدي إلى العنف والتشدد. إنها لا تستطيع أن تتخلى عن أسسها #الايديولوجية الشمولية #الإقطاعية، لكنها تضطر لرسملة العديد من تصورّاتها، في حين أن بعض القطاعات القاعدية التي استثارها هذا الخطاب العنفي المضاد للحداثة تقوم بإنتاج شعارات أكثر تطرفاً وعداء للحداثة فتصير أكثر عنفاً وإرهاياً.

إن الموديل الحديث من #السلفية الذي أُنتج في #مصر، سيتأثر وينمو بالتطورات المحافظة في بقية الدول العربية والإسلامية. كما انه سيغذّي مناطق أخرى بذات الأيديولوجية الشمولية الدينية وبتناقضاتها المختلفة.

كانت البرجوازيات العربية تعمل بعد انهيار #الدولة_العثمانية واستعمار الدول العربية للخروج من علاقات الإنتاج الإقطاعية المسيطرة في القرون السابقة طالعة من #ملكية_الأرض والعقار نحو المتجر والمصنع، ومن انتاج الناس الديني إلى إنتاج العقل التابع والمؤول للدين.

لقد تنامت شعارات #التحرر_الوطنى وتحققت تعددية سياسية وتشكلت حريات اجتماعية مهمة، لكن النظام التابع ذي البنية الرأسمالية الضعيفة والعلاقات الإقطاعية المتحكمة في أغلبية الأرض الزراعية والمستوى الأكبر من البنية الاجتماعية ــ الذهنية، عجز عن الرسملة والدمقرطة الواسعة للحياة. ولقد تشكّلت قوى قومية ووطنية ضد تلك الأبنية الرأسمالية ووجهت قواها وخططها لإلغاء تلك الأنظمة إلغاءً عسكرياً عنفياً.

لقد اعتمدت القوى القومية والشيوعية على التسريع الكبير للتطور وسلق المراحل، وتجاوز التكوينات الرأسمالية الليبرالية الجنينية التى تشكلت بصعوبة على مدى قرن #النهضة السابق. ولم يكن لدى هذه القوى تصور واضح لطبيعة البنى الاجتماعية المراد تشكيلها معتمدة على بعض المطالب الاجتماعية والسياسية لقطاعات من الجماهير، وعبر تسييس نخب معينة مثقّفة وشعبية، ودفعها في صراع طويل، للإطاحة بالتحالف الرأسمالي الإقطاعي المهيمن. 

إن الرافد القومي من الحركة الاجتماعية العربية اعتمد على توجيه النخب السياسية ــ العسكرية نحو انبعاث الأمة واستعادة نهضتها ووحدتها معتمداً على الترابط بين القومية والدين، باعتباره حلقة أساسية في ذلك النهوض(5). إن الأمة في هذا الوعي تغدو جوهراً مفارقاً للتاريخ، مثلها مثل الأمة لدى #الأصوليين. وهو جوهر غير مرتبط بسيرورة اجتماعية وتاريخية محددة، وعبر تكوينات اجتماعية متناقضة، لم يأخذ هذا الوعي أن القبائل العربية ووحدتها كانت شكلاً جنينياً لتكوّن #الأمة_العربية، وهي وحدة دينية قبائلية تمت بسرعة، واندمجت بعملية فتوح واستيلاء على أراضٍ عربية أخرى تحررت، وعلى أمم مختلفة تعرّبت، وعلى أراضي أمم غير عربية ظلت تابعة.

وعبر هذا التداخل والتناقض بين الأمر قامت الأمة العربية، ولمصلحة الأرستقراطية العربية، بقيادة واستغلال بقية للأمم التابعة التي ولدت وتبنَّت وطوّرت في كفاحها ضد التبعية الإقطاعية العربية المركزية افكاراً ومذاهب مستقلة مضادة للدولة، فظهر الصراع القومي والاجتماعي عبر أشكال دينية، فككت الدولة العربية الواسعة.

إن الأمة العربية باستيلائها على أراضي الأمم الأخرى عبر الدين، أعطت الأمم الاخرى فرص الاستيلاء على أراضيها بنفس الدين. وإذا كانت فتوح الأمة العربية، قد جاءت في أزمنة وأوضاع كان النظام الإقطاعي العالمي في بدء تشكّله، فإن الأمم البدوية الطَرَفية التي استولت على الأرض العربية بعد قرون، جاءت في مرحلة الإنهاك النهائى للنظام الإقطاعي الإسلامي المركزي وفي بدء تحول قسم من البشرية الى العصر الرأسمالي. إذا كانت الأمة العربية قد أسهمت في إثراء تطور الأمم الأخرى غير العربية عبر نقلها الى مراحل أعلى، مثلما استفادت هي من تجربة الأمة الفارسية التى تطورت بالاحتكاك معها، فإن الأمم البدوية قد حافظت على أسوأ أشكال النظام الإقطاعي، عبر تحويله إلى إقطاع عسكري.

ولم تفهم الحركة القومية في بدء تشكلها إن الدولة الشمولية السابقة قد قضت على إمكانية نمو البرجوازية العربية النهضوية إبان العصر العباسي، التى أنهكت وسحقت داخل الأقبية الاقتصادية السياسية الفكرية للنظام القروسطي وأن استعادة الدول العربية الإسلامية القديمة، لا يؤدي إلا لتشكيل نظام استبدادي نصف رأسمالي نصف قطاعي، يعيد إنتاج الهياكل الطائفية و#الدكتاتورية العتيقة الرابضة في البنى الاجتماعية التقليدية التي لم تتمقرط عبر البنية الرأسمالية الليبرالية. إن النزعات القومية بعدم نقدها #العصر_الوسيط نقداً ديمقراطياً علمانياً حاسماً وعميقاً، احتفظت بالتركيبة التقليدية المحافظة، ودمجها في رؤيتها القومية الانبعاثية التى ازدحمت بالمفردات #الرومانتيكية، التي تخفي التناقضات الاجتماعية. في سبيل تشكيلة قومية صلبة وعنيفة. 

إن استلهامات القومية من الوعي الالمانى القومي، تعبّر عن إعادة إنتاج تجربة الأمة الألمانية الممزقة قبل وحدة القرن 19، من خلال الأداة #البسماركية العسكرية. ثم امتداداتها #الهتلرية في القرن العشرين، داخل تجرية الأمة العربية الممزقة، والمُراد توحيدها وتطويرها عبر التسريع العنيف. ويمثل ذلك رفضاً للتطور الرأسمالي الليبرالي، والغاء للتطور الموضوعي للحياة العربية، والقفز عليه بإرادة نخبوية، عبر نشاط الحزب الطليعي الرافض للتضادات الاجتماعية والموحد لها بإرادة شمولية قوية. وقد تجسّد هذا بتوجّهها إلى المؤسسات العسكرية وجعلها القوة المهيمنة على الواقع، فأعادت إنتاج النظام الشمولي بتركيبة جديدة، تتجمع فيها علاقات رأسمالية نامية وعلاقات اقطاعية.

وكما رفضت الاتجاهات القومية المرحلية الرأسمالية الديمقراطية في التطور العربي، ومثلما فعلت الأصولية الدينية برفضها جوانب أساسية من هذه المرحلة، كذلك فإن التيارات الشيوعية قامت بالقفز فوق التشكيلة الرأسمالية. لقد غدت الرأسمالية. في وعي «الماركسية ــ اللينينية» طريقاً مسدوداً يجب تجاوزه، عبر الانتقال إلى #الاشتراكية. لقد كانت #الماركسية العربية تستورد الخطوط العامة للتفكير من خارج الوضع الموضوعي للامة العربية. فلم تتوجّه هذه الأحزاب إلى التعاون الاستراتيجي مع البرجوازيات العربية لأجل تشكيل أنظمة ديمقراطية علمانية، تحقق عملية الثورة الوطنية الديمقراطية، بل قامت بالقفز على الشروط #المادية والذاتية، في كفاح يتسم يحرق المراحل، واعتماد الارادية الثورية الذاتية المليئة بالتضحية غير الصبورة، وكان من جراء هذا إقامة أحزاب شمولية ذكورية، تسيطر فيها إرادات الزعماء المطلقي الصلاحية، وتستغل كافة الشعارات المادية والدينية لتحقيق عملية التسريع الثوري التي نتجه إلى دولة شمولية بالضرورة.

إن الجذر الديني يغور في الشعارات #الشيوعية العربية، عبر تشكيل دعي غيبي مستقبلي، تتحقق فية الجنّة الشيوعية الخالية من الطبقات، في الغد المبهم والكلي غير المنظور للإنسانية، فتتم التضحية بالاجيال الحاضرة ويتم العجز عن حل المشكلات العميقة الراهنة، عبر قفزة تسريعية نحو الغد. ويبدو الطابع الديني في الشعارات الشيوعية كذلك عبر النظرة التقديسية لوطن الاشتراكية الأول وللمكتب الشيوعية، وعدم القدرة على معالجة فصل الدين عن السياسة والدولة.

لقد تحققت نتائج مهمة من هذه التجارب القومية والشيوعية عبر نهوض القوى الشعبية وتشكلت تجارب اجتماعية مهمة؛ إلا أن معاندة الواقع الموضوعي، والقفز على التطور الرأسمالي، دمّرت في النهاية الكثير من المكتسبات الكفاحية التي تحققت على مدى عقود سابقة. إن التجربة القومية والشيوعية في استلهامها التجارب الفاشية أو الشيوعية، ونقل نموذج حكم الحزب الواحد، وفرض قيادته على المجتمع؛ وإبعاد القوى البرجوازية العربية، ساهمت في إشاعة مناخ شمولي، وألغت الجوانب الليبرالية والديمقراطية التي تحققت في الحياة العربية.

لقد تحولت النقابات والجمعيات والثقافة إلى أدوات للحزب الواحد، بدلاً من أن تخدم طبقاتها وفئاتها، وتنمي تطورها العصري. وفي سبيل تحقيق هيمنتها تصارعت الاتجاهات القومية والشيوعية بضراوة في الواقع العربي، من أجل الوصول أو البقاء في الحكم؛ وفي سبيل ذلك ألغت أسس الدولة العصرية. إن الاستخدام النفعي الانتقائي للشعارات القومية والدينية والشيوعية في عجينة شمولية، قد حافظ على البنى التقليدية الأساسية: سيطرة الدولة المطلقة ــ سيطرة الدين التقليدي على الوعي والحياة ــ سيطرة الذكور واضطهاد #النساء ‏ــ سيطرة الأغنياء المتحكّمين في أجهزة الدولة وذهاب الفائض الاقتصادي إليهم ‏ــ سيطرة #القبلية و#العشائرية والطائفية الخ…

إن استمرار بقايا المرحلة الإقطاعية في تجارب #الأحزاب القومية والماركسية؛ بعدم كفاحها من أجل الدمقرطة الشاملة للمجتمعات العربية، وترسيخ التطور الرأسمالي بكافة جوانبه، قد جعلها موضوعياً تواصل إبقاء مجتمع الاستبداد الشرقي، مشكّلة قشرة «تقدمية» فوقية تآكلت هي الأخرى.

بدء من الخمسينيات، من #القرن_العشرين بدأت إجراءات إصلاحية ضد الإقطاع في مجال #الملكية_الزراعية بعدد من الدول العربية والإسلامية، ورغم أنها إصلاحات لتحديد حجم الملكية الكبيرة، ومن أجل إدخال تطور رأسمالي في #الأرياف، إلا أن هذه الإجراءات أثارت #الحركات_الدينية المدافعة عن #الإقطاع؛ وبدأت تعيد تنظيم صفوفها وبرامجها، منتقلة إلى الرد الاستراتيجي الشامل ضد الإصلاحات الرأسمالية على صعيد الملكية وبعض الجوانب الاجتماعية(6). كذلك فإن بعض دول #الجزيرة_العربية لعبت دوراً كبيراً في الدفاع عن النظام الإقطاعي، وللوقوف بوجه التطورات التحولية الإصلاحية.

ورغم أن الزراعة محدودة في منطقة الجزيرة العربية، إلا أن سيطرة الدولة على القطاع البترولي أعطى للأسر الحاكمة إمكانيات مالية كبيرة، وامتدادات واسعة في قطاعات #العقار والتجارة و#رأس_المال_المالي والخدمات. لكن هذا النمو الرأسمالي القاعدي الواسع، غير التصنيعي بدرجة كبيرة، لم يخلخل التركيبة الإقطاعية على مستوى البناء الاجتماعي والأيديولوجي والسياسي، ويلعب «الدين» هنا، المفصّل على مقاس هذه السيطرة؛ دوراً محورياً في إخفاء التناقضات وتوحيد الشعب بالقوة.

كذلك جاءت #حركة_التحرر_العربية حينذاك، لتشكّل تضاداً سياسياً وفكرياً حاداً مع هذه الأنظمة. ورغم التباينات السياسية والاقتصادية والفكرية بين النظم العربية المختلفة وقتذاك، إلا أن ثمة تشابهات هامة بينها، فالدولة كانت استبدادية شمولية في مختلف تجلياتها الوطنية أو التابعة، ويلعب المصدر التشريعي الديني، بدرجات متفاوتة، مرتكزاً أساسياً في تشكيل الوعي العام والحكم. أي أن الدول العربية المختلفة حافظت على بنى إقطاعية قوية في أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد يصل ذلك إلى تحول البلد إلى قلعة يحكمها ملك مطلق، يصادر المجلات والأفكار الجديدة، أو إلى جمهورية تسمح بجوانب من الحداثة لكنها لا تصل إلى العظم الاجتماعي للنظام(7).

ورغم أن التحديث الرأسمالي كان يجري على الجانبين التابع والوطني، إلا أن الرسملة لم تقم بإعادة تشكيل الأبنية الاجتماعية، وبناء صناعة واسعة في هذه الأنظمة، وظل فائض كبير فيها موجه للاستهلاك الترفي ولصناديق النقد الغربية. وكان النمو الرأسمالي يقترب من البنى التقليدية السياسية والاجتماعية، عبر تفكيك #الأسر_الأبوية الكبيرة والقبائل، وتحررت أقسام من نساء المدن، طرحت قضية المساواة المرأة بالرجل في كافة شؤون الحياة، وصارت مسألة تحرير المرأة قضية محورية لإحداث تحول نوعي عميق في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذه الحقبة وصل مشروع رأسمالية الدولة الوطنية إلى الأزمة العميقة، بسبب عدم تجذّر التطور الرأسمالي الشامل وانسداده، وسيطرة الدولة الدكتاتورية على الفائض الاقتصادي وإهداره، وقادت التحوّلات الاقتصادية وهبوط أسعار المواد الخام الزراعية إلى تضخّم المدن المهاجرين الريفيين المقتلعين من أراضيهم وعوالمهم. وتواكب تآكل الأبنية الفكرية والسياسية للجماعات القومية والشيوعية مع وصول نموذج التسريع الشمولي الحداثي إلى مأزقه الاقتصادي والسياسي، وأدت الصراعات الجانبية ‏ والحروب والمغامرات العسكرية أدوارها الأخيرة في تقويض هذه البنى.

وفي هذه الأثناء كان النموذج المحافظ يتصاعد في الحياة السياسية والفكرية العربية، عبر استمرار العلاقات الإقطاعية في #الريف، ونقص قوانين #الإصلاح_الزراعي المطبقة سابقاً، و تصاعد دور بعض دول النفط المحافظة في السياسة العربية، وغذى صرفها الأموال الهائلة على تنامي #الجماعات_الأصولية، وكذلك بسبب تفجر الثورة في #إيران وسيطرة قوى #الإقطاع_الديني على مسارها السياسي، ومساعدة الاستعمار الأمريكي والرجعية الدينية لتسلم قوى الإقطاع المذهبي السلطة في أفغانستان، إن كل ذلك قد جعل عودة المد المحافظ اليميني يغذي الاندفاع الأكثر صوب الماضي، فالتسريع هذه المرة نحو الخلف لا للأمام.

لقد استطاع المد اليميني المحافظ أن يشكّل هجوماً عاماً واسعاً على قوى الحداثة العربية لمنع تنامي عمليات التطور الرأسمالي والديمقراطي في الأبنية الاجتماعية والسياسية. وتعيش أقوى وأغلب قوى هذا اليمين على علاقات ما قبل التطور الرأسمالي، إما باقتطاع مباشر من أرزاق وأموال المؤمنين بها، وإما باستخدام جهاز الدولة لسرقة #المال_العام، وقد يتداخل هذان الأسلوبان في العديد من التجارب والأوضاع. وجاءت هذه الأموال الكثيرة لتدعم الجماعات الدينية، وشركاتها المالية.

لقد تبادلت الرأسمالية المتخلّفة، على مستوى العلاقات الاقتصادية، والإقطاع، على مستوى الحياة الاجتماعية والوعي، تداخلهما ووحدتهما. فسيطرة المصدر الإقطاعي على هذا المال، يجعل المحافظة على ينابيعه، السلطوية والفقهية ضرورة أساسية، لإعادة إنتاجه المستمر. كما إن توسّع السيطرة الدينية على المنتمين لهذه الطوائف التابعة، يغدو مصدر أرباح مستمرة. من هنا يغدو الحفاظ على التركيبة الاجتماعية والسياسية المحافظة ضرورة‏ لاستمرار الاستغلال الموسع للجماهير.

إن تشجيع بعض الأنظمة العربية والإسلامية للجماعات الأصولية، دفع وعي المنطقة للارتداد السريع نحو الماضي، لتطبيق النموذج المثالي «النقي» وأدى إلى إبراز آليات المنظومة الإقطاعية العتيقة، عبر تشكل الفرق المذهبية، وأفكارها التي تواصل التشدد مع تنامي عملية التطور الرأسمالي، وبدء تفكك الدول الوطنية دينياً، وتدفق العنف بكل أشكاله.

تعود بنى العنف العربية المعاصرة بجذورها العميقة إلى تكوينات الدولة الإقطاعية العربية ــ الإسلامية، حيث تم بناء واستمرار الدولة، أو معارضتها، عبر العنف. وإذا كان العرب قد عرفوا العنف على أساس صراع القبائل على الموارد، فإنهم واصلوه عبر أشكال الصراع السياسي في العهد الإسلامي. وتشكّلت سياسة القوى المسيطرة عبر حروب الفتوح، واستثمار غلال وخزائن البلدان المفتوحة، ثم لمواصلة تحصيل الخراج، وجلب العبيد والجواري، ولتحطيم قوى المعارضة الدينية غير المركزية، وللسيطرة على القوى الشعبية.

وقد تم استخدام مختلف وسائل العنف للحفاظ على الامتيازات في الملكية والحكم والاستثمار. فكانت أشكال التعذيب وأدواته كثيرة كالجّلد والرّجم وقطع اليد وقطع الأيدي والأرجل معاً والصلب وقطع الرؤوس والأوصال والسلخ والإعدام حرقاً والتشميس وقرض اللحم وإخراج الروح من دبر وقلع الأظافر والتعذيب الجنسي الخ..(8). لقد استخدمت هذه الوسائل كافة القوى السياسية الحاكمة والمحكومة؛ بحيث إن المناخ العنفي القهري شكّل جذور الحياة السياسية والاجتماعية العربية المعاصرة.

وحين جاء الاستعمار كان عنفاً ساحقاً ضد الحياة العربية، وقام بتشكيل سلطاته عبر العنف، ورد عليه العرب بكفاح وطني وقومي واسع، عبر حروب التحرير والثورات.

وحين تشكلت بعض الأبنية الرأسمالية الملكية الليبرالية قامت بإرساء بعض أسس دولة القانون الحديثة، وتم استبدال أشكال العنف القروسطية البشعة بعقوبات معاصرة وأشكال حديثة. إلا أن هذه الإشكال المتحضّرة نسبياً، لم تستطع أن تعالج جذور العنف والتفاوتات الطبقية الصارخة في البنى الاجتماعية. فالعنف ضد الطبقات الشعبية والنساء والأقليات القومية والمذاهب غير الرسمية استمر بقوة.

وفي فترة صعود التيارات القومية ‏ اليسارية اعتمد العنف كسياسة منظّمة لانتزاع الحكم وتثبيته. كانت القوى القومية سبّاقة في الوثوب إلى الحكم عبر الانقلابات العسكرية، وتشكّلت كإرادة شمولية قهرية ضد المسار الديمقراطي السلمي وقد أُعتمدت لغة الثنائية المطلقة في تبرير هذا العنف. فهناك معسكران: معسكر العملاء، ومعسكر الوطنيين. فمهما كانت بعض الجوانب الديمقراطية في أنظمة التبعية فهي عميلة وشريرة. ومهما كانت الأنظمة العسكرية شمولية وقهرية فهي وطنية طيبة. 

وهذه الثنائية الإطلاقية ستستمر مع الجماعات الشيوعية، حيث المعسكرين المتقابلين: معسكر البروليتاريا، ومعسكر البرجوازية.

ولن يكون ثمة جديد في ثنائية الدينيين المطلقة حيث معسكر المؤمنين يقابل معسكر الكفار.

إن هذا الوعي التضادي، المُشكّل على أساس جذور دينية، حيث التفاوت المطلق بين «الإله» و«الشيطان»، يغدو العالم فيه بلونين لا ثالث لهما، ولا بد أن يسلّم الخصم في الجهة المضادة تسليماً أو يُلغى جسداً.

لقد استخدمت الأنظمة والجماعات الحديثة المختلفة العنف ضد بعضها البعض عبر هذه المناظير الضيقة، ملغية الهوامش البسيطة لعصر النهضة، ومزيحة مفردات دولة القانون، مدمرة بعضها البعض، ومحجمة بنية التحديث الرهيفة العربية.

ولقد وقفت الأصولية فوق هذا #التراث_العربي القديم والمعاصر الحافل بالعنف، وأطلقت أدواته إلى أقصى حد ممكن، وهو عنف يستند في نظرها إلى امتلاكها الحقيقة المطلقة، ولديها النصوص الواضحة التي تدعوها للفعل وتحقيق نموذجها وسيطرتها. فلقد تشكّلت في مناخ جعلت فيه قادة التحول التحرري العربي كفاراً، وصورت فيه كل مسار الأمة البطيء الصعب والطالع من أغلالها القروسطية، ومستنقعات التعذيب والجلد والرجم، باعتباره هو الكارثة، وكوّنت لها نموذجاً خيالياً من الماضي، هو عصر صدر الإسلام، انتفت منه المشكلات والصراعات والمظالم. وهو نموذج تّم تقديسه لقرون طويلة، ومُنع النظر العقلي فيه لدى كل التيارات العربية. فتربّت هذه الجماعات على عنف يومي ضد الحداثة والتطور والديمقراطية، وصار النموذج الماضي معدّاً للتطبيق الحرفي بالقوة في كل مكان. وشجعت الأموال والمناخات المحافظة والارتدادات عن التحديث، هذه الجماعات التي تحوّلت إلى عصابات مسلحة للانقضاض على حاضر ومستقبل الأمة.

لقد كان العنف بتجميع السلاح والإرهاب هو خطوات عادية في سيرورة أي جماعة أصولية. إن الأصولية نظام شامل للعنف. عنف ضد الحداثة. عنف ضد المرأة وتحررها. عنف ضد الفنون. عنف ضد الشعوب وتقدمها. عنف مدمر مجاني. عنف طائفي تعصّبي. عنف لعرقلة المسار التحديثي والانتقال إلى المجتمع الرأسمالي بكل مستوياته.

«11»

فقدت البرجوازية العربية تصف التحديثية، نصف العلمانية، زخمها الاقتصادي والفكري والسياسي، وجاءت قوى اجتماعية بعد الحرب  العالمية الثانية من البرجوازية المتوسطة والصغيرة، لتواصل عملية التجديد بأدواتها العسكرية، وقد انهار عملها التغييري واتضحت الأزمة بقوة في بداية السبعينات. ومنذ ذلك الوقت بدأت القطاعات ما قبل الرأسمالية ودول النفط والفئات البرجوازية الكبيرة القديمة والجديدة، بتشكيل الواقع العربي. أما بقية الأنظمة العسكرية فقد تحوّلت إلى أنظمة ‏استبدادية فاسدة، وبدأت تعاني من مجموعة من  الأزمات العميقة الشاملة، فتراكم العجز المالي بسبب سرقة المال العام، وبتفجر الحروب مع الجيران أو بسبب الصراعات الداخلية.

‏وجاء انهيار #الاتحاد_السوفيتي و#المعسكر_الاشتراكي ليعمّق أزمة هذه الأنظمة، والجماعات المؤيدة أو التابعة لها. فهذه الأنظمة والجماعات لم تستطع أن تستوعب النموذج التحولي الديمقراطي الرأسمالي في دول المعسكر الاشتراكي، لتنتقل إلى رأسمالية ديمقراطية. فأسس الدولة الاقتصادية – الاجتماعية العربية لم تزل بعد أسس نصف إقطاعية ــ نصف رأسمالية. ولم تصل إلى مستوى الدول الاشتراكية السابقة، التي أعادت تشكيل بناها في ظل تسريع رأسمالية الدولة الخاص بها.

وعلى العكس فإن معظم دول رأسمالية الدولة العربية «الوطنية» أوصلت مجتمعاتها إلى إعادة بعث للهياكل التقليدية والطائفية والقبلية، وأدى نمو دول النفط في الجزيرة العربية وخارجها إلى تشجيع نموذج رأسمالية الدولة الشمولية ذات الأجزاء الإقطاعية. وعبّر كل هذا عن عدم قدرة الأمة العربية، بهياكلها الإنتاجية ــ الاجتماعية ‏ــ السياسية ‏ــ‏ الأيديولوجية للانتقال إلى المرحلة الرأسمالية الصرفة.

إن الأنظمة العربية المختلفة بعجزها عن تغيير السوق الوطنية، تغييراً رأسمالياً شاملاً، عبر الإلغاء الشامل الإقطاع سواء في ملكية الأرض أم في ملكية النساء أم في الأفكار والنظم السياسية والحقوقية، هيأت الشروط الموضوعية والذاتية لصعود قوى اليمين المتطرّف بطرق الفاشية، لاستلام السلطات في أغلب الدول العربية.

وفي هذا المناخ التحولي الانهياري، اتضح عجز الأدوات السياسية العربية الوطنية والتقدمية، عن #المراجعة العميقة لأدواتها الفكرية والسياسية، وعدم مقاومتها لمسار الارتداد الرهيب في #الوعي والحياة.   

إنها عبر ميراث الدكتاتورية الضارب في وعيها وعملها، لا توجه الكفاح إلى بؤرة المرحلة وقضيتها المحورية. فالكفاح  ضد الدكتاتورية، مهما كانت مدنية أم دينية، في السلطة أم خارج السلطة، في الحكم أم في المعارضة، هو الكفاح المحوري الذي يُبعد القوى الوطنية العربية عن الانتهازية والانتقائية والعفوية.

إن الكفاح من أجل الديمقراطية، هو كفاح ضد الجماعات الأصولية والسلطات الشمولية معاً، وهو كفاح لتحرير القوى الشعبية من كافة أشكال الهيمنة.

إن الدول الدكتاتورية والجماعات الفاشية وأوهام الشعب وسيطرة الذكور المطلقة على النساء، وتذليل المنظمات السياسية والجماهيرية لمصلحة الأنظمة الدكتاتورية، الخ .. كلها ينبغي أن تُواجَه بنضال ديمقراطي واسع وعميق ومتنوع. إن الكفاح من أجل الديمقراطية هو كفاح من أجل العلمنة كذلك، ففصل الدين عن السياسة المعارضة والحاكمة، هو مقرطة سياسية واجتماعية عميقة، وحين يتم الفصل بين هذين الجانبين يتحوّل الكفاح الديمقراطي إلى شعارات سياسية انتهازية.

«12»

يطرح الواقع العربي الراهن أفقاً عاماً عريضاً لحل المشكلات العميقة المتراكمة عبر الحقب السابقة، وعبر التقارب بين مختلف القوى الليبرالية والديمقراطية، المهدّدة من قبل الأصوليات الدينية، والمجمدة أو المضروبة من قبل الأنظمة الحاكمة. إن الأهداف العامة هي استعادة مطالب التطور الديمقراطي العربي، التي تم القفز عليها عبر مراحل التسريع الأمامية السابقة، أو المواجهة من قبل مشاريع التسريع الماضوية الدموية الراهنة، وهي #تحرير_المرأة، وتحرير الدولة عن الدين، وتحرير الدين من سيطرة الإقطاع، وتشكيل وتعميق الحريات وتجذير المسار الصناعي الوطني والعربي الخ ..

إن الخط الأساسى لهذا المسار العربى المتلوّن حسب مستويات تطور البنى الاجتماعية، هو في تشكيل تحالفات ديمقراطية واسعة، تعزل القوى الدكتاتورية وتهزمها.

إن الدول والجماعات السياسية نصف الدينية والتي تريد مقاومة التيارات المتشددة، الداعية إلى أقصى تطبيق حرفي للدين، وأوسع اعتقال للإنسان، تجابه بالمزيد من المشكلات وفقدان المصداقية، كما تؤدي عملية الاستغلال البرجماتي للدين إلى إعطاء فرصة لمزيد من نمو التيارات الأصولية.

إن السلطات العربية التي تقاوم الجماعات الدينية من خلال الدين، تتجه إلى الحقل الأيديولوجي للجماعات المتطرفة، وتنزلق تحت ذات المظلة الفكرية، عبر تنامي لغة المزايدة حول الدين وتمثيل المؤمنين. إن هذا الإنزلاق من قبل الأنظمة الرأسمالية العربية المتخلفة، يشبه انزلاق الجماعات الحديثة السابقة نحو الشبكة القعرية العميقة للإقطاع؛ ولهذا فإن الأنظمة العربية تقوم بتقويض أساسها الفكري الهش، وحينئذ فإن المعركة تنتقل إلى مسألة السيطرة على الحكم(9).

إن السلطات العربية بتعبيرها عن قوى برجوازية كبيرة أو برجوازية عسكرية بيروقراطية وعن ملاّك الأرض الكبار، تعبّر عن استمرار التركيبة المزدوجة بين الإقطاع والرأسمالية؛ وبين العصر الوسيط والعصر الحديث، فتضع كل قدم في عصر، مواصلة رحلة الانشراخ العربية.

إن هذه الازدواجية هي المدمرة، فلا بد من اقتلاع جذور الإقطاع الاقتصادية والاجتماعية وفصل السياسة عن الدين، وتحرير الدين من الاحتكار الإقطاعي القروسطي له، وتشجيع برجزة الإسلام، والقيام بإصلاحات عميقة في التركيبة الاجتماعية التقليدية، عبر المساواة بين الرجل والمرأة، وجعل الدولة لا دينية، ومساواة كافة المواطنين أمامها.  وإن ذلك لا يتشكّل دون نضال واسع من قبل القوى الحديثة العربية الديمقراطية، وهي تقوم بتجديد نفسها  ديمقراطياً، وعلمانياً وتوجيه القوى الشعبية والبرجوازية الصناعية خاصة، والنساء والمثقفين.

إن إعادة ترتيب الأولويات السياسية والاجتماعية يبقى ضرورياً لمواجهة انتكاسة التطور، فلم يعد أساساً تحرير الشغيلة، بل تحسين ظروفهم وتطورهم الفكري والسياسي، وغدا تحرير المرأة والدين والعقل ركيزة أساسية لإعادة تشكيل البنى. وإن التعاون الواسع بين العمال والبرجوازية الصناعية، سيغدو مهمّاً لتشكيل قوة مشتركة تؤسس رأسمالية حديثة، ولا يجب أن يتوجّه النضال المطلبي وتطوير حياة العمال إلى تجاوز الرأسمالية.

إن توسع الأشكال الطفيلية من #رأس_المال، وتفاقم السياسة الليبرالية الجديدة الموجهة ضد الشغيلة، وتدفق الشركات المتعددة للنجنسية وعمليات القفز فوق الأطر الوطنية والقومية كلها مشكلات كبيرة، ولكنها لا تقود بالضرورة إلى تجاوز للرأسمالية بصيغ متسرعة، بل إن تدعيم رأسماليات عربية صناعية ــ‏ زراعية ‏ــ‏ علمية هو الأمر الذي يضع القواعد المالية لتغيير التراكيب التقليدية المحافظة في المجتمعات. إن الدفاع عن الطبقات الشعبية ومصالحها في الحياة والتقدم،  يترافق مع الكفاح من أجل الديمقراطية والعلمنة. عبر الصراع ضد مختلف تجليات الاستبداد القديمة والحديثة.

خلاصة

حين بدأ أنهيار الدولة العثمانية، وتغلغل الرأسمال والسيطرة الأوروبية، بدأ النظام الإقطاعي العربي المجزأ في الانهيار التدريجي البطيء، عبر مستويات عدة، وعبر مناطق وبلدان وأزمنة متفاوتة. لقد كانت المراكز المدنية الأساسية هي البقع الأولى في هذا الخروج الحديث، ثم تبعتها الأقاليم القريبة في الأرياف والمناطق الصحراوية، التي جاءت كحلقات أخيرة من الانهيار الإقطاعي والنمو الرأسمالي، وعبر فترة زمنية امتدت من أوائل القرن التاسع عشر حتى أواخر القرن العشرين. ولكن الانهيار الكلي على مستوى الملكية وعلى مستوى البنى الاجتماعية والسياسية لم يتم حسمه حتى هذه السنوات الأخيرة من القرن العشرين، ويبدو أنه بحاجة إلى عقود أخرى من القرن الواحد والعشرين.

لقد حدث تباين وتداخل بين بنيتين متصارعتين مختلفتين: بنية تقليدية آفلة لها كل مفرداتها الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية، والتي لم تُخترق إلا في جوانب معينة، وخاصة في الاقتصاد. وقد عبّرت عن هذه البنية الأصوليات الدينية المختلفة وثمة بنية رأسمالية حديثة تنامت عبر جوانب عدة، ولكنها لم تحسم انتصارها الكلي على البنية القديمة. وعبّرت عنها مختلف التيارات السياسية الحديثة.

وكما إن البنية الاجتماعية القديمة راحت تتخلخل وتتساقط أجزاء منها، فإن مفرداتها الفكرية والسياسية راحت تتآكل هي الأخرى، بفعل تيارات التحديث المتتالية، التى تكوّنت كحلقات مرتبطة بنمو الجماعات وصراعاتها، وبتشكل قاعدتها الاقتصادية غير الحاسمة. ومع تعرّض النظام التقليدي للانهيار التدريجي، بدأت قواه بمقاومة واسعة؛ تجسّدت بإحياء وتنشيط الهياكل العبادية والمؤسسات ‏الدينية والقبلية.

وبدأت الاحتجاجات الأولى ضد الإجراءات الاجتماعية الحديثة المتخذة ضد الإقطاع الزراعي والأسري، تتحول إلى منظومة أيديولوجية – سياسية، تختبيء وراء المقولات الدينية المقدسة لدى المؤمنين بها، وتستثيرها بقوة سيطرة على الناس ووقفاً لمسار التحول الديمقراطي ولتحلل سيطرتها على شبكاتها الطائفية ــ البشرية. 

وراح الاختيار الحاسم بين بنية تقليدية وبنية رأسمالية صاعدة يتحول إلى مجابهة عميقة وواسعة ودامية، وكلما ازداد التطور الرأسمالي عمقاً ازدادت نزعات الارتداد والمقاومة، خاصة مع تفاقم المشكلات المترتبة على التطور الرأسمالي الدولتي البيروقراطي الفاسد أو الرأسمالي الفوضوي.

لقد قاد الكفاح ضد الرأسمالية والحداثة إلى عصاب فكري وسياسي، مع تشكّل الحركات الأصولية، التي وضعت التركيبة القديمة المحافظة في مجابهة لا تقبل المساومة ضد التركيبة الحديثة، محوّلة المجابهة إلى حرب أهلية عربية حقيقية أو مضمرة.

أما أشكال التداخل والتلاقح المختلفة التي أيّدتها وكرّستها معظم الاتجاهات السياسية العربية بين الإقطاع والرأسمالية، خاصة مع تعثّر هذه الرأسمالية ومشكلاتها الكثيرة المؤلمة، فقد غدت لا مبدأية ولا أخلاقية ولا عملية. وإن أشكال التلاحقات بين العصرين وبين البنيتين، غير المبدئية والثقافية، قد عرتها الأصولية بقوة شديدة مركزة على تهافتها. جاعلة من هذه المبدئية الارتدادية الظلامية قوة حماسية كبرى، ونشيداً عسكرياً قروسطياً لاحتلال المدن المتذبذبة.

إن ارتباط النمو الرأسمالي بسيطرة الدولة الشمولية سواء كانت وطنية أم تابعة، قد أوقف التطور وعرقله بسبب الفساد وتحجيم الرأسمالية الصناعية، وضرب الحريات المختلفة.  وجاء تصاعد دور بعض دول الخليج العربية، وإيران، عبر رأسمالية الدولة الغنية المحافظة؛ ليعزز الارتداد الماضوي، ثم وصلت الرأسماليات العربية الدولتية غير الديمقراطية والهجينة إلى أزمة واسعة مع بداية التسعينيات.

لقد وجدت الجماعات الأصولية في هذا المناخ المحافظ والمأزوم رأسمالياً وحداثياً. العاجز عن خلق الرأسمالية مع ادعائه الانتساب إليها، القدرة على الادعاء بأنها مؤهلة لإنقاذ الأمة. إن سيطرة الدول على أجزاء مهمة من الاقتصاد، وضعف مستوى البنى الصناعية – العلمية، وسيطرة القطاعات الزراعية والرعوية والحرفية «وهي القاعدة المادية للماضي» وتوجّه الرأسمالية العربية نحو القطاعات المالية والتجارية وإرسال الفوائض المالية الهائلة إلى الغرب واستنزافها بشتي الأشكال، وعبر الأزمات العسكرية والاقتصادية، وتضارب التيارات الحديثة العربية، إن هذا جعل إمكانية تشكيل أنظمة شمولية باسم الدين أمراً فعلياً. إن ذلك يفتح الباب لحمامات دم غزيرة، ويؤدي لانهيارات الوحدات الوطنية وتفجر الحروب المذهبية.

إن المبدأية والتماسك الفكري والأخلاقي غدت أساسية في الصراع ضد التيارات السياسية التى تستغل الدين لأهداف أنانية ومتخلفة؛ ولم يعد من المقبول التلاعب بمشاعر المؤمنين عبر انتهازية وانتقائية المواقف، وبعدم كشف الحقائق الموضوعية عن التاريخ والواقع لهم؛ استخراجاً لعلمانية شعبية كامنة صارعت كثيراً لوقف تقدم الهيمنة الدينية الإقطاعية الشاملة على كل شعرة من جلودهم.

إن تكوين البنى الحديثة الديمقراطية صار هو الخط الاستراتيجي الذي يشكل العمود الفقري لتحالف. علماني عربي واسع النطاق، يستهدف وقف تقدم الشموليات الإرهابية الجديدة، وهزيمتها.

إن وطناً كبيراً ينتظر جهوداً جريئة وكبيرة لكي يطلع من مستنقع الدم المعد بجهل وقسوة. 

إن نظرة نقدية عميقة، علمانية أصبحت ضرورة لإعادة تشكيل وعينا بالتاريخ وبالواقع المعاصر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) (أن.. غياب الملكية الخاصة للأرض، واحتكار الدولة، أي قمتها، لريع الأرض، والاستئثار بالفائض الاقتصادي، ووضع الأسس الراسخة للاستبداد السياسي، ووضع في أيدي الحكام وسائل إضافية للقمع والطغيان) #عبدالله_حنا (النهضة والاستبداد) ص 31، دار الأهالي، دمشق الطبعة الاولى.

– راجع: #سوسيولوجيا_الفكر_العربي #محمود_اسماعيل الجزءان الثاني والثالث.

(2) #رفعت_السعيد (حسن البنّا)، دار الثقافة الجديدة. مصر، ص 13 ـ 50، الطبعة الخامسة.

(3) (ارتفع نصيب الرأسماليين المصريين في الشركات. حيث بلغ في منتصف الثلاثينيات 47% مقابل 53% للأجانب، ونظراً لتخوفهم من إيداع تراكمات أموالهم في المصارف، فقد اتجهوا الى توجيهها لشراء أراض زراعية بالريف)، د. #محمد_حافظ_ذياب: «سيد قطب: الخطاب والأيديولوجيا» ص 26، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الاولى.

(4) المصدر السابق. الفصل الثاني ص  79 – 109.

(5) «الفكر العربي وصراع الأضداد»، د. محمد جابر الأنصاري ص 363- 441، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت. الطبعة الأولى.

(6) «المادية والفكر الديني المعاصر»؛ #فالح_عبدالجبار، ص 192: مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية؛ بيروت.

(7) المرجع السابق ص 210.

(8) «فصول من تاريخ الإسلام السياسي»: #هادي_العلوي، ص 285 مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية بيروت، الطبعة الأولى.

(9) «هم يعارضون المجتمع المدني، هم يواجهون كل ما بنته مصر عبر قرن ونصف القرن من الزمان من دستور وقانون وضعي، وفكر ليبرالي، وحريات وديمقراطية نسعى كي تكتمل، هم ضد العقل والعلم والثقافة وحرية الرأي، هم ضد الفن والأدب والموسيقى، وكل ما أبدع المصريون طوال تاريخهم الحديث» د. رفعت السيد: «الإرهاب إسلام أم تأسلم» ص 262، دار سينا للنشر.

رأس المـــال الحـكومــــي الشـــــــــــــرقي ــ أو أسلوب الإنتاج الكولونيالي

لا شك أن المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل من المساهمين البارزين في تحليل الواقع العربي المعاصر من منطلقات نقدية عميقة وخاصة من رافد الماركسية البنيوية ، التي قام بتطبيقها على الواقع العربي بصورة حرفية ، دون رؤية الاختلاف بين مستوى التطور الغربي ، وتطور البُـنى الاجتماعية العربية .
ونحاول في هذه الموضوعات قراءة آرائه وتحليلاته لندوة جرت في الكويت في السبعينيات من القرن الماضي ، اتخذت لها عنواناً هو (أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي) ، وقد ناقشها في كتابه : (أزمة الحضارة العربية أم أزمات البرجوازيات العربية ؟) .

يفترض مهدي عامل مسبقاً ، ودون دراسات ، بأن المجتمعات العربية هي مجتمعات رأسمالية . فهو يصر على أن ( نمط الإنتاج الرأسمالي المسيطر في البنيات الاجتماعية العربية) ، (9) .

إن هذا يبدو لوعيه شيئاً بديهياً ، صحيح إنه يقول أن ثمة علاقات ما قبل رأسمالية في هذا الإنتاج غير أنها ليست سوى بقايا .

فيقول بوضوح : إن فهم تطور بنية علاقات الإنتاج الرأسمالية مثلاً في البلدان العربية في الوقت الحاضر ، وفهم أزمات هذا التطور يستلزم بالضرورة الانطلاق بالتحليل من هذه البنية بالذات في شكل وجودها القائم في كل من البلدان العربية. ) ، (10) .

وليس ثمة من الضرورة بحث جذور هذه البُنى (مع ظهور الإسلام مثلاً ، أو مع الجاهلية ، أو مع بدء العصر العباسي أو الأموي أو الأندلسي أو عصر الانحطاط الخ . . ، بل هو يبدأ مع بدء التغلغل الإمبريالي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.) ، (11) .

وهو يعترف بأن ثمة (أشكالاً من الإنتاج سابقة على الإنتاج الرأسمالي لا تزال حاضرة في البنيات الاجتماعية العربية) ، غير أنها ليست سائدة فيه ، بل الإنتاج الرأسمالي هو السائد .

ونحن نحاول أن نفهم كيف استطاع الاستعمار أن يجعل من هذه العلاقات سائدة ؟ أي كيف استطاع أن يجعل العلاقات ما قبل الرأسمالية لا تسود بل أن تسود العلاقات الرأسمالية ؟

لا يقوم مهدي عامل ببحث هذه المسألة تاريخياً ، بأن يعطينا أمثلةً عن بلد عربي ومنذ القرن التاسع عشر تحول إلى الرأسمالية ؟ فلا نجد .

ولا أن يقوم بتحديد متى استطاعت البرجوازيات العربية أن تستولي على الحكم وتنشر النظام الرأسمالي الشامل ؟

ومن جهة أخرى فهو يؤكد بأن ( كثيراً من علاقات الإنتاج الاجتماعية ، سواء في الحقل الاقتصادي أم السياسي أم الإيديولوجي ، التي تنتمي إلى أنماط من الإنتاج بالية ، أي بالتحديد ، سابقة على الرأسمالية ، لا تزال قائمة في البنيات الاجتماعية المعاصرة ) ، ( 12 ) .

ينطلق مهدي عامل لتحديد هيمنة الرأسمالية على العالم العربي منذ القرن التاسع عشر بشكل مضاد للقراءة الموضوعية ، وهو يفترض رأسمالية سحرية تتشكل منذ أن تطأ بوارج بريطانيا وفرنسا الشواطئ العربية ، في حين إن الرأسمالية تتعلق بمدى تشكل الرأسمال الخاص في القطاعات الاقتصادية المختلفة ، ومدى انتشار العمل المأجور على بقية أنواع العمل في النظام الاجتماعي .

وتتحددُ سيطرةُ البنيةِ الرأسماليةِ بوصولِ منتجي البضائع إلى سدة الحكم ، وإزاحة ملاك الأرض وإقطاعيي السلطة السياسية ، وسيادة العمل بالأجرة ، وهي كلها أمور لم تتحقق في نهاية القرن التاسع عشر ولا في نهاية القرن العشرين العربيين !

ولكن مهدي عامل يُصادر ببساطة ، قبل أن يبحث ، فهو منذ البدء يقول : ( أزمة البرجوازيات العربية. .) فأفترض إن هذه البرجوازيات قد حكمت وتعفنت في الحكم وهي مأزومة الآن ؟ ! في حين إن البناء الاقتصادي والسياسي لم تتحقق فيه شروط انتصار الرأسمالية !

ولكن ذلك لا يتعلق فقط بالبحث الفكري بل والأخطر بالمهمات السياسية المباشرة ، فيقول بأن :

( المهمة الأساسية لحركة تاريخنا المعاصر بهذا الشكل ، لاتضح لنا أن تحققها يمر بالضرورة عبر عملية معقدة من الصراع الطبقي ضد البرجوازيات العربية المسيطرة . .) ، ( 13 ) .

ولكن كيف يمكن إسقاط أسلوب إنتاج لم يُسد وطبقات لا تحكم ؟

علينا أن نناقش مسألة أسلوب الإنتاج الكولونيالي التي طرحها مهدي عامل ، كي نقوم بتفكيك تفكير هذا المفكر ، وهي التي اعتبرها حجر الزاوية في نظريته حول تطور العالم العربي .

كما رأينا سابقاً ، ( راجع الفقرة حول التاريخ العربي ) إن مهدي عامل يرفض تحليل البنية الاجتماعية العربية الحالية من خلال جذورها ، وهو ينتقد المفكرين العرب المجتمعين في الكويت لمناقشة ( أزمة تطور الحضارة العربية) بسبب قيامهم بالعودة إلى جذور التاريخ العربي ، طالباً الوقوف عند العصر الراهن والنظر إلى الماضي من خلال البنية الاجتماعية الراهنة .

إن مهدي عامل ينظر للبُنى الاجتماعية العربية الراهنة وكأنها صياغة أوربية غربية ، فقد قام الاستعمار الغربي برسملتها ، أي بتحويلها إلى رأسمالية ناجزة ، وهذه الرأسمالية الناجزة يُطلق عليها أسم ( أسلوب الإنتاج الكولونيالي ) ، وبهذا قام مهدي بخطئين كبيرين مزدوجين ، فهو قد قطع السيرورة التاريخية للبُنى العربية الاجتماعية ، أي قام بإزالة طابعها الطبقي التاريخي ، وهي عملية يقوم فيها بالتمرد على القوانين الموضوعية لرؤية المادية التاريخية عن التشكيلات الخمس : المشاعية ، والعبودية ، والإقطاع ، والرأسمالية ، والاشتراكية.

فهو عبر هذه المقولة قد ألغى كون البُنى الاجتماعية العربية بُنى إقطاعية ، فحين لا نبحث ألف سنة من التطور الاقتصادي والاجتماعي السابق ، ونعتقد أن أسلوباً جديداً للإنتاج قد تشكل ، وأسمه الأسلوب الكولونيالي ، في خلال بضع سنين ، وأن علينا أن ننظر للتاريخ من خلال هذا الأسلوب غير المحدد والغامض ، فتتشكلُ لدينا هنا رؤيةٌ سياسية دكتاتورية تحاول أن تفرض نفسها على جسدِ التاريخ الموضوعي ، بمعطيات غير مدروسة .

إن رفضَ تحليل الماضي ، أي رفض بحث التاريخ الإقطاعي للعرب ، يتضافرُ لدى مهدي عامل ، ورفض تحليل الحاضر ، أي قراءة عمليات التداخل بين الإقطاع والرأسمالية ، كأسلوبين للإنتاج موضوعيين في التاريخ العربي الراهن ، ويطالب بمناقشةِ أسلوب إنتاج من اصطلاحاته هو أسلوب الإنتاج الكولونيالي .

ومع هذا فعلينا أن نناقش تسمية أسلوب الإنتاج المقترح ، فمهدي عامل لا يُنكر وجود بقايا نظام تقليدي في هذا الأسلوب الذي انتصرت فيه العلاقات الرأسمالية ، ودون أن يطرح أية أرقام أو معطيات على انتصار العلاقات الرأسمالية الموهومة ، لكنه يعتبر إن العلاقات الرأسمالية المنتصرة في العالم العربي تشكل علاقة تبعية مع العالم الغربي حيث العلاقات الرأسمالية الأقوى ، وهذه الأخيرة الغربية هي التي تقوم داخلها بتقويض أساليب الإنتاج الأخرى ، في حين تعجز الرأسمالية العربية في علاقتها التابعة من تقويض أساليب الإنتاج السابقة داخلها ، وبهذا فإن أسلوبَ الإنتاج الكولونيالي الذي سادت فيه البرجوازياتُ العربيةُ يحتاج إلى ثوراتٍ عمالية لتقويضه والانتقال إلى الاشتراكية .

تتشكلُ هذه العمومياتُ الفكريةُ من منهجٍ مجردٍ يفرضُ قوالبه على الواقع الحي غير المدروس ، فتـُـلغى مسألةُ التشكيلة الإقطاعية بجرة قلم ، ويتم تحويلها إلى تشكيلة أخرى متطورة بقفزة خيالية أخرى هي التشكيلة الرأسمالية الكولونيالية ، ثم تحدث القفزة الأكبر إلى الاشتراكية . . ولا يزال الباحث لم يحلل الإقطاع العربي وسيرورته السابقة والراهنة .

والغريب إنه في كتابه هذا ( أزمة الحضارة العربية . .) يناقش جملةً من المفكرين العرب الذين يقدمون له مادة تحليلية ممتازة ، ولو أنه أبعد فرضياته الإيديولوجية المسبقة ، أو استفاد بعمق من الماركسية البنيوية التي نقل تطبيقاتها لفهم البنية الاجتماعية ، لأمكنه أن يدخل إلى دائرة التاريخ العربي وتشكيلته التي تضاربت أسماؤها لديه . ولكنه حدد منذ البدء هؤلاء الباحثين كمنظرين للبرجوازيات العربية المستولية على الحكم والتي وصلت إلى الأزمة ، وبالتالي يجب نقد وعي هذه الطبقات المسيطرة عبر وعي الطبقات الثورية الخ . .

حين يناقش مهدي عامل الباحث العربي شاكر مصطفى يتجاهل مهدي المادة الفكرية الثمينة التي يقدمها شاكر لتوصيف تطور المجتمعات العربية بقوله :

( إن الاستمرار الاجتماعي الذي تعيشه الشعوب العربية إنما تحكمه عناصر عديدة في مجموعها التركيب العربي القائم . . وأن لامتدادات التاريخ في هذه العناصر المكان الواسع إن لم يكن الأول. . ) وهذه (العناصر الأساسية الباقية عند أربعة جوانب :

أ ــ طرق الإنتاج المادي ب ــ تكوين نظام السلطة ج ــ طبيعة العلاقات الاجتماعية د ــ قيم الفكر التراثية..)، ( 14 ) .

هكذا نرى لدى شاكر مصطفى نظرة تاريخية موضوعية واقتراباً دقيقاً من فهم أسلوب الإنتاج الإقطاعي العربي الإسلامي المستمر عبر ألف سنة ، الذي يتأسس في نظام السلطة والإنتاج معاً ، ثم يتمظهرُ في العلاقات الاجتماعية : الأبوية ، هيمنة الذكور ، اللامساوة الجنسية ، الطائفية الخ . . ثم يصل النظام الإقطاعي إلى المستوى الثقافي : الأمية ، الخرافة الخ . .

إن شاكر مصطفى يمثـل مقاربة علمية ( ماركسية ) من فهم التاريخ ، ولكن ماذا يفعل مهدي عامل بمثـل هذه المقاربة ؟

بدلاً من أن يقوم بفهمها ودرس التاريخ العربي يقوم بالمصادرة السريعة ، فيقول :

( أما أن يكون هذا التاريخ الذي تكونت فيه البنية الاجتماعية للواقع العربي الحاضر ، تاريخاً يرجع إلى ما قبل عشرة قرون خلت ، أي إلى العصر العباسي أو أواخر العصر الأموي ، فهذا ما نختلفُ فيه جذرياً مع الدكتور مصطفى ) ، ( 15 ) .

فهو يحتار كيف أن هذه البنية المزدهرة يوماً ما تصبح هي نفسها سبب التخلف ؟ فيقول بلغته :

( فالبنية هذه ليست في حاضرها ، من حيث هي بنية ، أي كلٌ معقد متماسك ، سوى البذرة التي كانتها في الماضي ، تنامت ، فتنافت وتواصلت في حركة من تماثـل الذات بالذات ، وما الذات هذه إلا الذات العربية نفسها . ) ، ( 16 ) .

إن مهدي عامل الذي ينتقد شاكر مصطفى على أنه صار يفكر بمنهج هيجل الجدلي المثالي ، يعجز عن اكتشاف رؤية الوعي الموضوعي لدى مصطفى شاكر في فهمه للتاريخ العربي ، ويصبح هو هيجلياً مثالياً .

فالبنيةُ العربيةُ الإقطاعية في زمن الإمبراطورية العباسية كانت نظاماً مركزياً ، والإقطاع المتحكم في الخراج الهائل يصرفه على البناء الترفي والثقافة المقربة المفيدة للنظام ، ثم يتحلل هذا الإقطاع المركزي بسبب ثورات الشعوب ، ليجيء نظام الإقطاع اللامركزي ، وتظهر الدول والدويلات الإقطاعية ، وتكرر بشكل أوسع إنجازات ومشكلات النظام السابق ، ثم يتهرأ هذا النظام الإقطاعي الديني العام بتشكيلاته المتعددة ، ليغدو أنظمة وإمارات إقطاعية صغيرة مذهبية الخ . .

إن هذه السيرورة التاريخية تحافظ على قسمات عامة أشار لبعضها شاكر مصطفى في المقطع السابق ذكره ، حيث يغدو الحكام هم المستولون على القسم الأكبر من الثروة العامة ، وتتواشج السلطة والثروة ، ويشركون رجال الدين في السيطرة على العلاقات الاجتماعية ، أي ينقلون العلاقات الإقطاعية إلى البيوت والأحوال الشخصية الخ . .

وإذا لم نقم كما يريد مهدي عامل بقراءة هذه السيرورة التاريخية الاجتماعية التي امتدت خلال ألف سنة ، والتي تتغلغل في أبنيتنا الاجتماعية وقوانينا الوراثية وفي سلطاتنا المطلقة، وفي شعرنا ونثرنا وعاداتنا ولاوعينا ، فكيف نقوم بتغيير هذه البنية التقليدية وتشكيل النهضة ؟ !

إن مهدي عامل يخرق قوانين الوعي على مستوى قراءة الماضي ، وعلى مستوى قراءة الماركسية ، فعبر قراءة الماضي يتجاهل البنية الإقطاعية وسيرورتها الراهنة ، وعلى مستوى الماركسية يقوم باختراع مغامرات سياسية محفوفة بالكوارث ، عبر اختراعه مقولة أسلوب الإنتاج الكولونيالي وتصفية البرجوازيات العربية .

فهو بدلاً من قراءة الماضي ورؤية أسباب عجز البرجوازيات العربية القديمة عن تشكيل النهضة ، والقيام بثورة رأسمالية ، وقراءة أسباب ضعف البرجوازيات العربية الراهنة وعدم قدرتها على تغيير أسلوب الإنتاج الإقطاعي وتشكيل تحالف معها لتغيير التركيبة التقليدية يقوم بوضعها في خانة العدو والقفز ضدها إلى مهمات غير حقيقية ومكلفة كما دلت تجربة الشعب اللبناني .

يمثـل المفكرون الذين تواجدوا في الكويت لمناقشة مسائل النهضة العربية وكيفية إيجادها ، نخبة اشتغلت في حقول الدراسات لزمن طويل ، وبغض النظر عن اجتهاداتها ومدارسها فإنها تعبر عن عقول مهمة تعارض المجتمعات العربية التقليدية من منطلقات مختلفة ، لكن المفكر اللبناني مهدي عامل نظر إليها كخصوم وليس كقوى مساندة للطبقات العاملة العربية في تغيير مجتمعات التخلف ، وبهذا كان يرفض العديد من الآراء المهمة التي تقدمها كما فعل مع مصطفى شاكر .

ويعترض مهدي عامل كذلك على زكي نجيب محمود الذي يمثل المدرسة الوضعية أو التجريبية المنطقية في دعوته لاحكام العقل في النظر إلى الأشياء ، وخاصة في جملته التي قالها بضرورة ( الاحتكام إلى العقل في قبول ما يقبله الناس وفي رفض ما يرفضونه) ، ودعا زكي نجيب العربَ إلى التوجهِ لتمثل الحضارة المتقدمة ، واعتبر إن الاحتكام إلى العقل ميز الحضارات العقلانية ، معطياً نماذج أربعة على حضارات احتكمت إلى العقل وهي :

أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد ، وبغداد في عصر المأمون ، وفلورنسة في القرن الخامس عشر ، وباريس في عصر التنوير في القرن الثامن عشر .

أي إن زكي نجيب يقدم درجات من صعود البرجوازية عبر العصور ، أعطى إنتاجها المادي قدرة على الفهم الموضوعي للطبيعة المجتمع ، على درجات متفاوتة .

ويعترض مهدي عامل على هذه التصنيفات ويقول :

( وهنا تظهر الدلالة الطبقية لهذا المنطق من التفكير : فانتفاء الطابع التاريخي ، أي النسبي ، من شكل العقلانية الخاص بالبنية الاجتماعية الرأسمالية يجعل من هذا الشكل الخاص مطلقاً ، فيظهر ما هو تاريخي – أي ما يحمل فيه ضرورة تخطيه ونفيه – بمظهر ما هو طبيعي – أي يحمل فيه ضرورة تأبده – ويظهر الشكل الطبقي البرجوازي للعقلانية بمظهر العقلانية الإنسانية ، أي بما هو طبيعي ملازم للحضارة كحضارة . .) ، ( 17 ) .

إن فئاتٍ برجوازيةً عربية تعاني من هيمنة تقليدية متخلفة ، وحين تقوم باستعادة لحظات من فعل الفئات المتوسطة عبر التاريخ الماضي إنما تريد شحذ عقلها وإرادتها من أجل تشكيل عالم نهضوي عقلاني عربي ، يمكن حتى للقوى الشعبية فيه أن تناضل بصورة حديثة ، لكن زكي نجيب محمود هنا يفصل العقلانية عن أسلوب الإنتاج ، ولا يرى إن العقلانية في أسلوب إقطاعي ( عباسي ) هو غيره في أسلوب رأسمالي جنيني في أوربا ، وبالتالي كان هذا يحتاج لقراءة العنصر العقلاني في سيرورته التاريخية .

إن النموذج الذي يختاره مهدي عامل في الفصل الرابع من الكتاب السابق الذكر ، هو الشاعر والباحث أدونيس ، الذي صاغ دراسة حول الإمام أبي حامد الغزالي في ذلك المؤتمر مُستنتجاً ــ أي أدونيس ــ بأن الفكر الديني :

[بقواعده وغاياته ، هو الذي يسود المجتمع العربي ، اليوم . ولذلك فإن الإيديولوجية السائدة ، سواء في المدرسة والجامعة والبرامج التربوية ، والصحافة والإذاعة والكتاب ، إنما هي قوة ارتداد نحو الماضي ، وقوة محافظة على الراهن الموروث . . فعلاقات الإنتاج الموروثة . . ما تزال هي السائدة . . والبنية الإيديولوجية التقليدية . . ما تزال كذلك هي السائدة] ، ( 18 ) .

هذا الكلام يقوله أدونيس في سنة 1974 ، وبالتالي استطاع أن يشخص الواقع العربي تشخيصاً مهماً بحيث أننا الآن ( سنة 2005 ) ندرك الفجائع المترتبة على هذه السيادة الماضوية . ولكن اليسار حينذاك لم يكن ير مثل هذا التشخيص ، كرفيقنا الراحل مهدي عامل ، الذي يتصدى لهذه المقولة قائلاً رداً وتحليلاً للرأي السابق :

[1 – الفكر العربي هو نموذجه ، ونموذجه هو الغزالي ، فالفكر العربي إذن هو فكر الغزالي .

2 – الفكر السائد في الماضي هو الفكر السائد في الحاضر .

3 – البنية الإيديولوجية السائدة في الماضي هي البنية الإيديولوجية السائدة في الحاضر.

4 – علاقة الإنتاج المتوارثة – أي السائدة في الماضي – هي علاقات الإنتاج القائمة في الحاضر .

إذن الماضي هو هو الحاضر ، لا شيء تغير. ( خلاصة ). ] ، ( 19 ) .

من الواضح إن مهدي عامل يقوم بتبسيط نظرة أدونيس إلى التاريخ الفكري العربي ، فالغزالي لدى أدونيس هو كل الفكر العربي الديني المحافظ ، ولكن أدونيس يقول إن هذا الفكر المحافظ المذهبي هو الذي ساد ، وإذا طورنا مقولة أدونيس كما توصلنا إليها ، فنقول إن رؤية الغزالي كانت هي ثقافة الإقطاع السائد . ولكن ثقافة الإقطاع المذهبي متعددة ، وحتى تسود قامت بالقضاء على التيارات الدينية المعارضة ، وهذه لها حراك وصراع استمر إلى وقتنا الراهن ، فليس معنى ذلك سكون الخريطة الفكرية الاجتماعية ، بل أن لها ألواناً وتضاريس معقدة . ولكن من الناحية الجوهرية فإن المنظومة العربية الإسلامية لم تخرج عن التشكيلة الإقطاعية ، ومعرفة وتحديد التشكيلة هذه هي الخطأ الجوهري لدى مهدي عامل كما بينا سابقاً ، في حين أن الباحثين المنبثقين من الفئات الوسطى الحديثة كأدونيس وشاكر مصطفى ، يرون أنها مستمرة ، لكنهم لا يعرفون كيف يبلورن ذلك نظرياً .

يضع مهدي عامل بعض ممارسات الفلاسفة العرب كابن رشد في دائرة ما يسميه [بالممارسة الإيديولوجية لما يمكن تسميته بالطبقة الأرستقراطية العربية المسيطرة في المجتمع الاستبدادي في القرون الوسطى.] ، وبغض النظر عن جمله من المفاهيم الخاطئة في هذه العبارة ، فإن مهدي عامل يضع الممارسات النقدية للمفكرين العرب المسلمين السابقين في سياق [مجتمع استبدادي] ، وليس في سياق التشكيلة الإقطاعية المعروفة بداهةً للمادية التاريخية ، ثم يقوم بوضع الحركات والفكر الديني الإسلامي المعاصر في سياق آخر فيقول :

[ أما في الحالة الثانية ، «فالإسلام» موجود بالشكل الذي يتحدد فيه بحقل آخر من الممارسات الإيديولوجية الطبقية ، خاص ببنية اجتماعية مختلفة ، يغلب عليها الطابع الكولونيالي، في انتمائها التاريخي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي .] ، ( 20 ) .

إن هذه البنية الحديثة التي يضع مهدي عامل الوعي الديني السابق فيها ، هي بنية يغلب عليها ( الطابع الكولونيالي وتنتمي تاريخياً إلى نمط الإنتاج الرأسمالي) ، وهي توصيفات نرى كيف أنها بذاتها قلقة مضطربة ، وهو يلجأ إلى كلمة ( كولونيالي) الأجنبية المنتفخة ، لكي يُشعر القارئ بأنها مصطلح غني في حين يمكن القول بأن البنية العربية هي بنية تابعة ، ووجود التبعية لا يخلق تشكيلة جديدة ، أي أنه حين تقوم الرأسمالية المسيطرة غربياً بإلحاق البلدان الفقيرة الإقطاعية في العالم الثالث باقتصادها ، فإن هذه البنية التابعة تظل في تشكيلتها الإقطاعية السابقة ، لأن الاستعمار لا يقوم بثورة اجتماعية فيها بحيث يحولها إلى نموذجه أو نموذج الرأسمالية ، بل يبقيها في بنيتها السابقة ويجري تغييرات سياسية واقتصادية بحيث تقوم بضخ المواد الأولية إليه وتغدو سوقاً لمنتجاته الخ . . لكن عمليات الإلحاق والتغيير الرأسمالية المحدودة تكون في إطار التشكيلة الإقطاعية ، أي أن التشكيلة السابقة لم تتبدل بثورة تبدل البناءين ؛ التحتي بثورة اقتصادية ، والبناء الفوقي بثورة ثقافية ، بل جاءتها عناصر رأسمالية فقامت باستيعابها في قوانين التشكيلة الإقطاعية التقليدية .

إذن عدم فهم مهدي عامل للقضية المحورية وهي قضية التشكيلة يقوده إلى سلسلة من الأخطاء اللاحقة ، حيث ينفي كون الدين أيديولوجية فكرية مسيطرة في الحاضر ، لأنه نفى كون التشكيلة المعاصرة تشكيلة إقطاعية ، وبهذا لم يُدرك المهمات الفكرية والسياسية الأساسية الراهنة ، وهي تغيير التشكيلة وبناءها الفكري التقليدي .

ولهذا يقوم بنقد أدونيس لأنه يقول باستمرار التشكيلة الإقطاعية ووعيها الديني الأساسي ، ( ويجب أن نقول هنا وعيها : المذهبي السياسي ) ، منتقداً إياه بأنه ينقل :

[مركز الثـقل في الممارسة الإيديولوجية للصراع الطبقي ضد البرجوازية المسيطرة ، من صراع ضد إيديولوجية هذه الطبقة ، بمختلف تياراتها ، إلى صراع ضد الشكل الديني أو الطابع الديني من هذه الإيديولوجية..] ، ( 21 ) .

وهنا يواصل مهدي عامل عدم فهمه وخلطه للأمور ، فأدونيس في نقده للشمولية الدينية ينقدها في ظل نظامها التقليدي الإقطاعي ، أي باعتبار الوعي الطائفي المحافظ تجلياً فكرياً واجتماعياً للممارسة الإقطاعية المهيمنة على المسلمين (والمسيحيين) ، وليس باعتبارها نضالاً ضد الشكل الديني ، أي بأنها قضية فك علاقة الدين بالسيطرة السياسية والاجتماعية الإقطاعية الراهنة ، وتشكيل منظومة سياسية حديثة علمانية .

أي أن مهدي عامل يريد تجيـير النقد ضد الدين ، ويجعله بإطلاق ، وليس ضد الوعي السياسي الطائفي المستغل للإسلام في تأبيد البنية الإقطاعية المتخلفة ، وبالتالي يريد توجيه الوعي الفكري ضد البرجوازية العربية الحديثة ، باعتبارها سبب الأزمة والعائق ، أي أنه في النهاية يقوم بالدفاع غير المباشر عن الإقطاع الديني ، أو أنه بالهجوم على البرجوازية الحديثة يفتت الصفوف الموجهة ضد الإقطاع الديني والسياسي .

فلنحلل أكثر التباس المفاهيم والمراحل واستراتيجيات النضال لدى مهدي عامل .

يقول :

[ فالعلاقة هذه التي تمنع تطور الإنتاج الرأسمالي ، في شكله الكولونيالي ، من أن يميل ، في قانونه العام ، إلى القضاء على علاقات الإنتاج السابقة عليه ، في سيطرته بالذات عليها ، هي نفسها العلاقة التي تمنع البرجوازية الكولونيالية ، في ممارسة سيطرتها الإيديولوجية / من القضاء على مختلف الإيديولوجيات السابقة على الإيديولوجية البرجوازية ، في سيطرتها بالذات .. ] ، ( 22 ) .

يعتمد مهدي عامل على منطق ارسطي شكلاني يجرد التاريخ من سيرورته الحقيقية ، ويضعه في قوالب لا تاريخية ، أي لا توجد إلا في وعيه الذي يقع خارج التاريخ الحي .

فهو أولاً قد أثبت انتصار الإنتاج الرأسمالي في العالم العربي ، في القرن التاسع عشر كما سيقول لاحقاً أيضاً ! لكن هذا الانتصار تم في إطار كولونيالي ، ورغم إن البرجوازيات العربية التي انتصرت على أشكال الإنتاج ما قبل الرأسمالية قد انتصرت إلا أنها مع ذلك تحافظ على الأيديولوجيات ما قبل الرأسمالية وهو ذات السبب الذي يجعلها تحافظ على أساليب الإنتاج ما قبل الرأسمالية !

فأولاً حين جاء الاستعمار إلى العالم العربي في القرن التاسع عشر ، كرس الإقطاع والطائفية والأمية ، ولم تستطع الفئات الوسطى ( البرجوازية ) أن تنمو إلا بشق النفس ، وخاصة الفئة الصناعية ، وبقيت الأبنية الاجتماعية تسود فيها عبودية النساء وعدم خروجهن للعمل والإنتاج، وهيمنة الإقطاع الطائفي الخ . .

وبهذا فإن نضالات الفئات الوسطى كانت تتحدد في كل بنية اجتماعية عربية ، حسب تطورها الاقتصادي الاجتماعي ، فإن تنمو فئة وسطى وتقود نضالاً ديمقراطياً كان ذلك يحتاج إلى عقود ، وليس كما يظهر في وعي مهدي عامل ، بشكل أزرار سحرية ، وكأن تشكل علاقات الإنتاج الرأسمالية تتم في الذهن وليس في الواقع الحي . أي أن الرأسمالية تحتاج إلى شروط موضوعية وهي انتشار الصناعة وانتشار العمل بالأجرة وتحرر النساء الخ . .

ولو افترضنا جدلاً بنشؤ الرأسمالية الواسعة في نهاية القرن التاسع عشر ، وهذا محض خيال ، فإن أشكال الوعي الدينية ، المرافقة للتشكيلة الإقطاعية ، لا تنهار بسهولة كبيت من ورق .

إن الوعي الديني المترافق مع التشكيلة الإقطاعية العربية تأسس فوق بنية زراعية / حرفية / رعوية ، وداخل صراعات اجتماعية ( قومية ) ومناطقية ، وقادته الصراعات السياسية الاجتماعية إلى الانقسام المذهبي الكبير في عصر الثورة والمعارضة ، بين التيارات المحافظة والتيارات المعارضة ، بين التيارات الإقطاعية الناجزة وتيارات الفئات الوسطى الفاشلة ، ثم إلى الانقسام المذهبي الكبير الثاني حين انتصرت التيارات والدول المحافظة ، أي الانقسام بين السنة والشيعة .

إن هذه السيرورة الاجتماعية الإيديولوجية المتلونة بمراحلها وآثارها لا يمكن أن تزول آلياً مع الانتصار الموهوم للرأسمالية كما يظن مهدي عامل ، بل إن هذا البناء الفوقي يحتاج إلى قرون لكي تتم زحزحة خطوطه المتكلسة ، ولكن الأمر أعقد من ذلك لأن هذا البناء الفوقي يتأسس تحت بناء قاعدي لم يتغير كثيراً.

وكما أوضح شاكر مصطفى في عبارته الهامة التي اقتطعاها مهدي عامل ورفضها ، بأن النظام الإقطاعي العربي الديني تتداخل فيه مسألتي السلطة والُملكية ، أي تتواشج فيه جوانب من البناءين التحتي والفوقي ، فالمسيطرون على الثروة والملكية العامة والأوقاف الخ . . هم الإقطاعيون السياسيون والدينيون ، وهو أمر يتمظهر مذهبياً في البلدان ذات المذاهب المتنوعة ، ودينياً في الأقطار الإسلامية ذات الاختلاط مع المسيحية ، وهذه الهيمنة الإقطاعية تظهر على شكل مَلكيات استبدادية وهو أمر استمر حتى منتصف القرن العشرين في بعض الدول العربية وليس في أغلبها ، وعلى شكل جمهوريات رئاسية أو ملكيات لم تستطع أن تـُنجز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية المكتملة ، أي في جميع الأقطار العربية الإسلامية حتى الوقت الراهن .

يحكم مهدي عامل على البرجوازيات العربية منذ تشكلها وصراعها ضد الإقطاع والاستعمار ، بحكم سياسي واحد ، فبعد أن شكلها بشكل ناجز في ذهنه فحسب ، وبعد أن شكل الأنظمة الرأسمالية العربية في وعيه فحسب ، غدت متطابقة مع البرجوازية الاستعمارية المسيطرة وبالتالي غدت منذ البدء عدواً .

لهذا فإنه لا يقرأ سيرورتها الفكرية والاجتماعية وبالتالي مراحل تطورها ومن هنا لا يرى فرقاً بين (ما نراه في أيديولوجيتها من مفاهيم «عصرية» ليبرالية ، وما نراه أيضاً في بدء ” تاريخها الإيديولوجي ” من مفاهيم أرادت أن تكون مثيلة مفاهيم الثورة الفرنسية البرجوازية ، كما هو الأمر عند رفاعة الطهطاوي ولطفي السيد وغيرهما ) ، ( 23 ) .

ومهما كانت عدم الدقة في المطابقة بين آراء الثورة الفرنسية وآراء الطهطاوي ولطفي السيد ، فإن عدم رؤية أهمية آراء المنورين العرب في ذلك الكهف الإقطاعي التي كانت ولا تزال الشعوب العربية تحاول الخروج منه ، فذلك يدل على وعي الأرادوية الذاتية ( الثورية ) في إلغائها للقوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي ، مثلما تفعل في مسألة الوعي بالتشكيلة وبالوعي المهيمن فيها ، حيث يلغي مهدي عامل أهمية أفكار البرجوازية النهضوية ويثبت آراء الإقطاع الديني ، فيقول بأن الإيديولوجية الدينية :

( ليست هي الإيديولوجية المسيطرة ، أو التيار الإيديولوجي المسيطر في الإيديولوجية المسيطرة ، أو أيديولوجية البرجوازية الكولونيالية المسيطرة ) ، ( 24 ) .

إذن إنه في عدم وعيه بسيرورة الإقطاع السياسي الديني في الماضي : بقوانين تشكله وصراعاته وظهور الفئات الوسطى بين أشداقه وأسباب انهيارها وغلبته ، فإن مهدي عامل لا يرى قوانين استمراريته وانهياره في العصر الحديث العربي ، وأسباب ضعف الفئات الوسطى ، وصراعها معه ومع الاستعمار.

إن عدم رؤية قوانين البنية الاجتماعية في الماضي ، هي ذاتها تتجلى في عدم رؤية قوانينها في الحاضر ، ويقود ذلك إلى عدم رؤية قوانين التشكيلة الإقطاعية عامة ، خاصة عملية تفكيكها وتغييرها المعاصرة ، وإذا أحلنا آراء مهدي عامل الفكرية العامة إلى الميدان السياسي ، فيعني ذلك تقوية الإقطاع .

فعدم تثمين مقاومات الفئات الوسطى في الماضي والحاضر ، وتشكيل جبهة سياسية تحديثية واسعة ، تراكم الوعي النهضوي وتقود في الخاتمة إلى الثورة أو القطع مع المنظومة الإقطاعية ، واستبدالها بمنظومة حديثة ، يعني تصفية القوى النهضوية وتفكيكها ، وبالتالي تصعيد الإقطاع في مستويات البنية المختلفة .

علينا أن نرى إن ثمة عدم دقة تحليلية للإقطاع المذهبي وتطوره في التاريخ العربي لدى أدونيس كذلك ، أي أن أدونيس لا يرى الجذور الاجتماعية لتشكل الحداثة قديماً وحديثاً ، التي تؤسسها الفئات الوسطى العربية ، ولكنه يقترب من هذا التحديد بشكل أفضل من مهدي عامل، الذي يقول عن ذلك :

( لكن المنطق الذي قاد أدونيس إلى عدم رؤية هذا الطابع الطبقي المميز للصراع الإيديولوجي في واقعنا الراهن ، هو تلك المعادلة الرابعة التي أقامها بين علاقات الإنتاج السائدة في الماضي وعلاقات الإنتاج القائمة في الحاضر. .) ، ويضيف مهدي عامل : ( أما أن تكون هذه العلاقات الموروثة نفسها هي هي العلاقات القائمة حالياً ، فهذا ما لا يمكن للمنطق العلمي أن يقبل به ، برغم وجود الانسجام الداخلي في منطق أدونيس..) ، ( 25 ) .

ومن المؤكد إن الإقطاع العربي الكلاسيكي القائم على ملكية الأرض الزراعية والخراج ، لم يعد شاملاً ، لكن مهدي عامل لم يقم بدرس العلاقات الاقتصادية العربية الحديثة ، وكيف أن ملكية الدولة لوسائل الإنتاج تمثل شكلاً إقطاعياً حين تغدو تابعة بالوارثة لأسرة أو جماعة سياسية ، بدلاً من أن تكون هذه الوسائل بضاعة متداولة ، ولهذا ثمة استمرارية كبيرة بين حقول النفط وحقول الزراعة ، وبين الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تتركها في تقوية الإقطاع الأسري والحزبي الخ . . ونعرض ذلك كمثال عابر فقط ، من أجل أن نرى استمرارية الحياة التقليدية ، وبالتالي فإن الحكم العام الذي يطلقه أدونيس باستمرار الوعي التقليدي وهيمنته لا يجانب الصواب .

إن أدونيس إذن عبر تلك الفقرة التحليلية يقربنا من رؤية البنية الحقيقية للحياة العربية ، فيما يعمل مهدي عامل على إخراجنا من تلك البنية وإدخلانا في بنية موهومة من قراءته ومعايشته للحياة الغربية ، فيريد نقل مهمات الصراع الطبقي فيها، إلى بلدان متخلفة ، تشكو من قلة البرجوازية والعمال والتصنيع ، دون أن يحاول العودة إلى مصادر أدونيس في قراءة المجتمعات العربية ، في كتابه (الثابت والمتحول) خاصة .

في إحدى الفقرات من كتابه ( أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية ؟ ) ، يقر مهدي عامل ضمناً بسيادة العلاقات الإنتاجية والاجتماعية التقليدية وهو يرد على أدونيس فيقول :

( إن وجود هذه العلاقات السابقة في البنية الاجتماعية الكولونيالية لا يعني أنها العلاقات السائدة في هذه البنية ، حتى وإن كانت هي تنتشر على القسم الأعظم من السكان ، كما هي الحال في الهند مثلاً، أو في كثير من البلدان العربية . .) ، ( 26 ) .

إنه يعتبر الإنتاج التابع شكلا تاريخياً محدداً من الإنتاج الرأسمالي ، فمهما كانت الأشكال ما قبل الرأسمالية منتشرة فإن ما يحدد توجه التطور هو النمط الرأسمالي . وبطبيعة الحال لا يمكن أن نأخذ بهذه الجمل إلا عبر تحليل للأبنية الاقتصادية الاجتماعية المحددة في كل بلد ، فرغم أن التطور الرأسمالي هو تطور عالمي عاصف ، إلا أن كل منطقة وبلد لهما خصوصياتهما ، أي أن الأمر يعود لتطور التشكيلات وتاريخها ، وتناقضاتها الداخلية ، فالتشكيلة الإقطاعية العربية الإسلامية ، عبر سيطرة مختلف الدول الاستعمارية على أقطارها المتعددة ، لم تقم هذه الدول الاستعمارية برسملتها بشكل شامل ، وحتى بعد مختلف الثورات الوطنية فإن المسألة الديمقراطية لم تـُحل ، أي أن هذه الأنظمة ظلت على بنياتها الإقطاعية المذهبية ، وظلت الدولة طائفية واللامساواة بين المواطنين سائدة ، وظلت قوى ما قبل رأسمالية تتحكم في الثروة العامة الخ . .

لكن مهدي عامل لا يرى ذلك ، بل يرى إن هذه الأنظمة أنظمة رأسمالية فيجب أن :

( يرفض الدولة البرجوازية ، أي هذا الشكل التاريخي الطبقي المحدد من الدولة، ويرفض علاقات الإنتاج البرجوازية الخ . .) ، ( 27 ) .

كما أن القوى العاملة مدعوة ( لممارسة العنف الثوري ، من حيث هو عنف طبقي ، بأدواتها هي وبمنطقها هي وبنظامها هي ، من أجل القضاء على سبب وجود العنف الذي هو المجتمع الطبقي ) ، ( 28 ) .

إن مهدي عامل لا يقول ذلك في فرنسا والولايات المتحدة ، بل في لبنان وسوريا والعراق والجزيرة العربية ، فبدلاً من معرفة ما يحدده شاكر مصطفى وأدونيس من دولة استبدادية طائفية إقطاعية متخلفة ، يقوم مهدي بصناعة دولة موهومة هي الدولة البرجوازية ، وقد اكتملت علاقات الإنتاج الرأسمالية فيها ، وبين النموذج الواقعي الذي يرفض الدخول فيه وتحليله ، يجر نموذجاً آخر ويريد مجابهته ، وهذا الجر يخلق مهمات سياسية وعسكرية مختلفة ، فهو هنا يريد إزالة البرجوازية بالقوة ، فتتحول هذه الكلمات في يد اليساري اللبناني إلى سلاح ، ويغدو كل الفلاحين المقتلعين من الجنوب والنازحين على المدن والفقراء ، جيش الثورة البروليتارية في مواجهة البرجوازية .

إن مهدي عامل بعد أن حول المجتمع المتخلف الطائفي التابع الجائع إلى المصانع والبرجوازية إلى (مجتمع برجوازي مأزوم بسيطرة هذه البرجوازية ) ، لم تعد المهمة سوى اقتلاع هذه البرجوازية لكي تحل الأزمة ، وهكذا يُفتح الطريق للحرب الأهلية اللبنانية من البوابة النظرية .

لا يعني ذلك بأن توصيفات أدونيس للمجتمع العربي التقليدي متكاملة ولا أن الحلول التي يطرحها لتجاوز أزمة المجتمعات العربية التقليدية ، فهي كذلك تعاني من عدم فهم سيرورة التطور العربي.

إن أدونيس يقول حسب رواية مهدي عامل بأن ( شخصية العربي ، شأن ثقافته ، تتمحور حول الماضي / القديم ) . وأنه في الحضارة العربية (لما انتفى الفرد في الموضوع وتغرب عن ذاته في الجماعة أو الدولة أو السلطة أو النظام … كان الاتباع ، وكان التخلف ، وكان حاضر الإنسان العربي أو ماضيه ) ، ( 29 ) .

نستطيع أن نقول بأن مقاربة أدونيس للتشكيلة الإقطاعية تركز هنا على غياب الوعي الفردي (البرجوازي) ولكنه يجعله مطلقاً ، والمسألة ليست مسألة انتفاء الوعي الفردي فهذا مظهر للبنية الإقطاعية التي جعلت الفئات الوسطى تابعة لها ، ولكنه وهو حين يشير إلى ( تلاشي ) الفرد المبدع أو هيمنة التقليد في الحضارة القديمة ، فهو يشير إلى شيء موضوعي لم يتبينه تمام التبين ، وهو سيطرة الهياكل الإقطاعية العامة الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية ، ولهذا فإن الفردية، وتوسع الفئات الوسطى الحرة ، وبالتالي انتشار الإبداع لم يحدث بصورة جذرية ، وقد تتبعنا ذلك في قراءات سابقة ، وبينا جذور الفئات الوسطى وارتكاز قواها الأساسية على الدولة الإقطاعية . وبهذا فإن الفئات الوسطى العربية في الماضي والحاضر ، لم تستطع أن تتحول إلى طبقات برجوازية كلية ، وهذا بخلاف رؤية مهدي عامل التي تقول بأنها وُلدت كبيرة ناجزة بفعل الأزرار السحرية الغربية ، ولكنها بعد كما يقول أدونيس كذلك لم تستطع حتى الآن أن تزيح الاتباع وتنشر الحرية بشكل شامل !

تلخيصاً وتطويراً لما سبق، يقيّم مهدي عامل تقييماً سلبياً الجوانب التي يتلمسها المفكرون المنبثقون من الفئات الوسطى الحديثة والتي تميل لتشكيل النظام الرأسمالي الحديث بكل قسماته ، فمهدي عامل يقوم بإزاحة لهذا المجتمع التقليدي الحقيقي المرفوض من قبل هؤلاء المفكرين ، ويضع بدلاً منه توصيفات مستقاة من تطور أعلى ، هو تطور البلدان الرأسمالية المتطورة ، ويضع المهمات التي تواجه الطبقات العاملة في هذه البلدان الرأسمالية المتطورة ، والتي تعالج مهمات تاريخية مختلفة ، وبدلاً من تشكيل جبهات موسعة للقوى الحديثة والديمقراطية لإزاحة التشكيلة الإقطاعية الطائفية العربية ، فإن يوجه القوى ضد أحد الأجنحة المهمة في عملية التغيير الديمقراطية ، ولهذا فهو يجعل ممثلي القوى الليبرالية والعقلانية الفكرية في الندوة المذكورة ، كخصوم ألداء وليس كحلفاء في معركة واحدة ضد تشكيلة تجاوزها التاريخ .

وهذا يقوده لعدم تثمين الأحكام الموضوعية التي يطرحها هؤلاء المفكرون والباحثون، وعدم الاستعانة بهذه المواد الفكرية الثمينة لتطويرها عبر المنهج المادي الجدلي، ورؤيتها في سياق التشكيلة الحقيقية.

ولكن مهدي عامل دخل في قراءة التاريخ بذاتية ثورية تـُسقط رغباتها على التاريخ الحقيقي ، بدلاً من اكتشاف تطوره ، فكان ابتكاره لمقولة ( أسلوب الإنتاج الكولونيالي ) بداية لخرقه أساسيات المادية التاريخية ، حول أساليب الإنتاج المحددة والُمكتشفة ، وهذا الخطأ المحوري قاده إلى سلسلة من الأخطاء النظرية في تحليل الجوانب المحددة في تطور التشكيلة الإنتاجية العربية ، السابقة الذكر، فهو قد اعتبر علاقات الإنتاج الرأسمالية مُـنجزة في حياة المجتمعات العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر ، وهذا ما دعاه إلى عدم تثمين حلقات التنوير المتعددة التي قامت بها الفئات المتوسطة العربية ، في الماضي والحاضر ، ثم الدعوة إلى خلق اصطفاف حاد إلى معسكرين رأسمالي تجاوزه التاريخ ، وعمالي يجب انتصاره .

وكان هذا خرقاً للمهمات الحقيقية لقوى الثورة والتغيير العربية التي تواجه تشكيلة متخلفة ، ولكن الخطوط الفكرية التي طرحها مهدي عامل كانت تتضافر ووضع دولي مواتٍ ، مما جعلها في حيز التنفيذ ، ولكن النتائج المترتبة على هذه الخطوط النظرية والسياسية كانت كارثية خاصة على البلدان التي طبقتها بشكل عنيف ، وأهم هذه النتائج إن القوى السياسية ما قبل الرأسمالية ، والمذهبية الاجتماعية ، هي التي استفادت من تناحر القوى الحديثة ، وهي التي برزت إلى السطح والفاعلية ، حيث ساعدتها عوامل أخرى ، مما أوضح بشكل جلي بأن مهمات حركات التغيير العربية لا تزال مواجهة الأبنية التقليدية ، وضرورة عدم التحالف مع هذه القوى التقليدية وابرازها ، رغم السهولة التي تبدو بها عمليات التحالف مع هذه القوى الماضوية ، وضرورة تكريس تحالف الجبهة النهضوية التحديثية الديمقراطية ، حتى لو كانت الصعوبات جمة في طريق تشكيله وتعزيز عناصره الديمقراطية والعلمانية .

لكون التحالف مع القوى التقليدية وتعزيزها هو تقوية للتشكيلة الإقطاعية وسيرورتها الطويلة في الحياة العربية ، لأنها تشكيلة متكاملة ومتجذرة ليس في الحياة السياسية ولكن أيضاً في الحياة الاجتماعية والفكرية.

ونظن لو كان المناضل والمفكر مهدي عامل حياً ، لكان قد راجع الكثير من أفكاره ، التي كان يعززها حينذاك وضع عالمي مختلف .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش ومصادر:

لهذا فإن القول بوجود بنية كولونيالية أمرٌ يفتقد إلى التحليل المادي التاريخي.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=413619

البنية والوعي

اختلف مع العديد من المفكرين حول رؤيتهم لمسار المجتمعات العربية الإسلامية الراهنة، ولاسيما مع المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل في مفهومه عن [ أسلوب الإنتاج الكولونيالي]، الذي أراد أن يجعله توصيفاً لمجتمعات العالم الثالث التي منها مجتمعاتنا.

وقد استفاد مهدي عامل من تطورات الفكر الماركسي في فرنسا، وخاصة تطورات البنيوية الوظيفية على يد غولدمان وآلتوسير، اللذين ركزا على مفهوم [ البنية]، باعتبار كل مجتمع بنية خاصة لها قوانين تشكلها، غير المنفصلة عن قوانين تطور التشكيلة الاجتماعية ـ الاقتصادية التي تضم مجموعة من المجتمعات، والبنية ذات مستويات ثلاثة: اقتصادية وأيديولوجية وسياسية، وهي مستويات متداخلة، كل منها له أهميته التكوينية في مسار البنية، وبهذا ينتهي ذلك الفصل التعسفي بين الاقتصادي والفكري والسياسي.

وقد طبق مهدي عامل هذا المفهوم على مجتمعات العالم الثالث، رافضاً إنها مجتمعات إقطاعية أو رأسمالية، أو فقط مجتمعات تابعة، مقترحاً أسلوباً جديداً للإنتاج هو الأسلوب الكولونيالي، فهي مجتمعات تابعة، غير قادرة على إنتاج بورجوازية وطنية قادرة على تشكيل مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية.

وبطبيعة الحال هذه المقولة تكمل الوعي اللينيني باستباق قيادة البرجوازية وقيام العمال بتشكيل هذه الثورة.ويواصل مهدي عامل ذلك قائلاً بأنها تابعة للرأسمالية الأقوى، وبالتالي لا يمكن أن تقوم بعملية القطع في بنية التبعية.

وفي رأيي فإن مهدي عامل لم ينطلق من درس تطور المجتمعات العربية الإسلامية، أي ما هي أساليب الإنتاج في دول المشرق الذي صار عربياً، وكيف ظهر الإسلام وفي أي بنية وما هي تطورات هذه البنية.

إذا أخذنا مثالاً بسيطاً على مفهوم البنية، فنقول عن سلطة الاحتلال الإنكليزية في الدول العربية في بدايات القرن العشرين، هل كانت سلطة رأسمالية أم إقطاعية؟

إن قانون البنية هنا يقول بأن البنية الاجتماعية لها قوانينها الداخلية، وهي التي تستقبل المؤثرات الخارجية وتعيد تشكيلها داخلياً، فنحن قد نأخذ أداة غربية متقدمة ولكن شروط وجودها في بنيتنا الوطنية تعيد تشكيلها حسب قوانينها، فالتلفزيون المنتج يغدو عندنا أداة ترفيه، وكذلك فإن قائد الاحتلال البريطاني الذي يسجن من يقوم بتعدد الزوجات في إنكلترا حين تدوس أقدامه أرضاً عربية يقبل بهذا التعدد.

وكذلك فإن كافة المنتجات الثقافية والاقتصادية تخضع لإعادة التشكيل داخل البنية، فيغدو المستعمر البريطاني رئيساً لسلطة إقطاعية.وتغدو عمليات التحديث الرأسمالي المحدودة غالباً في بنية إقطاعية مهيمنة.لكن هذا الإقطاع عرف سيرورة خاصة تمثل تطور المجتمعات العربية الإسلامية، التي تغدو فيها المذهبية شكلاً دينياً محافظاً للصراع الاجتماعي.

ولهذا فإن تكون الفئات المتوسطة في مجتمعاتنا هو تكون تابع أولاً للإقطاع، فتبعيتها للإقطاع هو الذي يجعلها تابعةً للإمبريالية. إن عدم تجذر الخطاب الفكري والسياسي للفئات المتوسطة، يعود لهذه التبعية المركبة.

لو أخذنا المجتمع اللبناني كمثال لقرأناه بوصفه مجتمعاً إقطاعياً مذهبياً نموذجياً. فكافة الشرائح التي تبدو قوى برجوازية هي قوى لإقطاعية مذهبية ودينية مختلفة. الحزب الاشتراكي التقدمي هو يافطة للإقطاع الدرزي والمهيمنين فيه، أي أن الشريحة المتوسطة في الطائفة الدرزية لم تستطع أن تغير الإقطاع المهيمن عليها، أي أن تغدو جزءً من طبقة برجوازية قائدة، وهذا يحتاج لشروط اقتصادية، عبر تعاضدها مع الشرائح الوسطى في الطوائف الأخرى، وفكرية عبر إزاحة الوعي الطائفي المهيمن في الفكر السياسي الدرزي وغير الدرزي، وبقراءة نقدية للوعي الدرزي باعتباره إحباطاً للنضال الثوري عند الفلاحين المسلمين في العصر الوسيط وهيمنة للإقطاعيين على إنتاج هذا الوعي والسيطرة على الفلاحين الذي تقسموا وفقدوا قدرتهم على الكفاح الطبقي العام، وهو أمر يُعاد إنتاجه في المجتمع الإقطاعي اللبناني الحديث، عبر مستوى آخر من تطور البنية وتداخلها مع الهيمنة الأجنبية.

ويمكننا أن نأخذ الوعي الفرنسي الملبنن كنموذج يواصل متابعة المسألة على صعيد الوعي، ونرى كيف إن وعي الثورة الفرنسية المستورد إلى لبنان تحول إلى كهنوت، أي أنه لم تستطع أفكار ديدرو وفولتير وجان جاك روسو أن تطيح بسيطرة الكنيسة والملالي على الوعي. فلماذا صار ميخيائيل نعيمة صوفياً؟ ولماذا ترنحت الثورة الرومانتيكية عند جبران خليل جبران؟ ولماذا صار الحزب الشيوعي اللبناني تابعاً لحركة القوى المذهبية عوضاً أن يقود معركة لتشكيل مجتمع حديث لا طائفي؟ أي كيف غدت الماركسية ديناً وعقيدة ؟ أي لماذا لم تستطع الفئات الوسطى والشعبية فيه أن تغدو علمانية؟ أي لماذا ابتعدت أدوات مهدي عامل من الحفر والهدم للمجتمع الإقطاعي اللبناني الطائفي كتشكيلة حقيقية وليس كمجتمع كولونيالي؟

تكمن الإجابات في الحفر المزدوج الماضوي والحديث، عبر دراسات ملموسة في تكوينات المجتمعات وتطوراتها الخاصة، أي تحولها من كيانات داخل الإمبراطورية الإسلامية إلى كيانات وطنية، وكيف تمت التطورات والصراعات القديمة والحديثة، وكيف ومتى حدثت التغيرات في البُنى الإقطاعية في كل بلد بلد، وفي المستويات الثلاثة السابقة الذكر، وهل وصلت هذه التغيرات إلى الخروج من التشكيلة؟

إننا في لحظة تاريخية فكرية كبيرة هي إعادة لصياغة المفاهيم وانقلابها، وتاريخنا كله موضوع للحوار، لأن كتلته الجامدة صارت تعيق أمة كبيرة عن المشي في الكوكب الأرضي.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة

( 9 ) : ( أزمة الحضارة العربية أم أزمات البرجوازيات العربية ؟ ) ص 16 ، ونعتمد على الطبعة السابعة للكتاب الصادرة عن دار الفارابي ببيروت سنة 2002 .

( 10 ) ، ( 11 ) : ( المصدر السابق ، ص 21 ) .

( 12 ) : ( المصدر السابق ، ص 53 ) .

( 13 ) : ( المصدر السابق ، ص 39 ) .

( 14 ) : ( المصدر السابق ، ص 43 ) .

( 15 ) : ( المصدر السابق ، ص 54 ) .

( 16 ) : ( المصدر السابق ، ص 54 ) .

( 17 ) : ( المصدر السابق ، ص 34 ) .

( 18 ) : ( المصدر السابق ، ص 73 ) .

( 19 ) : ( المصدر السابق ، ص 74 ) .

( 20 ) : ( المصدر السابق ، ص 76 – 77 ) .

( 21 ) : ( المصدر السابق ، ص 78 – 79 ) .

( 22 ) : ( المصدر السابق ، ص 81 ) .

( 23 ) : ( المصدر السابق ، ص 82 ) .

( 24 ) : ( المصدر السابق ، ص 82 ) .

( 25 ) : ( المصدر السابق ، ص 85 ) .

( 26 ) : ( المصدر السابق ، ص 87 ) .

( 27 ) : ( المصدر السابق ، ص 104 ) .

( 28 ) : ( المصدر السابق ، ص 105 ) .

( 29 ): ( المصدر السابق ، ص 97 ) .

الثورية الزائفة لمحطة الجزيرة

تقوم محطة #الجزيرة المحافظة الدينية بعرض مؤدلج مثير بغرض خداع الجمهور، ولعدمِ فهمِ مقاصدها في الترويج لولايةِ الفقيهِ المستبد، لأن #الوليَّ_الفقيه لا بد أن يركبَ على آلام الفقراء لكي يصل للعرش المكين.

إن إستغلال وضع الجماهير المعذبة في بلدان وعرضها بطرقٍٍ مثيرة لا يستهدف تغيير حياة الجماهير بشكل عقلاني تحديثي، بل يستهدف غايات سياسية غائرة غامضة.

ولهذا فإن خطوطاً معينة تمضي نحوها هي هدم سلطات في بلدان ذات مذهبية سنية بدرجة أساسية.

إنها لا تناقش ولا تعرض خطورة إستيلاء #حزب_الله على لبنان بشكل عسكري طائفي.

ولا تعرض ما يجري في #سوريا من إستبداد لا مثيل له في العالم!؟

ولا تعرض ما يجري في #إيران من إستبداد ديني ومن ثورة ديمقراطية شعبية مخنوقة بالقمع؟!

هناك تحالفٌ بين #ولاية_الفقيه الشيعية و #ولاية_الفقيه_السنية المنتظر صعودها.

هناك تحالفٌ بين الاستبداد المحافظ في عالم #الشيعة وبين الاستبداد في عالم #السنة الذي لا بد أن يهزمَ #الليبراليةَ و #الديمقراطيةَ و #الحداثة و #العلمانية (الخطيرة على عالم المسلمين النقي).

فكيف تصعد #ولايةُ_الفقيه السنية الاستبدادية بدون مكياج ثوري، وبدون لغة تدغدغ عواطف الشباب والمشاهدين المذهولين من كلمات النضال والثورة والهجوم ضد القمع وصور تحرض على مقاومة الاستبداد، وتكشف بشكل مبهر قمع الشرطة في #مصر مثلاً!

لكن كل هذه أدوات وسيناريوهات مجزأة لمخرجٍ مناور ذكي يجثم في خلف المسرح يريد قيادة الجمهور لانتصار #حماس الطائفية المحافظة على #فتح التحديثية وعلى مشروع التجديد والعلمنة والاستقلال في #فلسطين، بأسم الخيانة والأفراط في الحقوق وما إلى ذلك من حيل تستغل الموقف المعقد للمناضلين.

ولا تعري  #الجزيرة مشروع  #الطائفية في #لبنان وعدم إنتاج دولة تحديثية #علمانية تتجاوز عالم #الطوائف.

لماذا روجت #الجزيرة طويلاً لمشروع (القاعدة) ثم سكتت عنه بعد أن صار مشروع الأرهاب الديني بغيضاً لدى الجمهور العربي والمسلم والإنساني عامة؟

فهناك دائماً أجندة مشروع #ولاية الفقيه (السني هنا)، الشمولي، المحافظ، الذي لا يريد تطور المسلمين نحو #الحداثة.

تجمعَ مشروعا ولاية الفقيه الشيعي الإيراني ومشروع ولاية الفقيه السني المحافظ على أجسام الدول العربية كـ #تونس و #الأردن و #الجزائر و #مصر، فيما كان #السودان الممزق والمدمر لجسمه مُحتَّضناً مشجعاً على البقاء في دولته الدينية الطائفية #الدكتاتورية التي لم تبقِِ شيئاً من فتاتها.

أي دولةٍ ذاتِ مذهبٍ سني معتدل ومنفتح وتنوي الاستمرار في مشروع الحداثة تغدو هدفاً للجزيرة المحافظة، لكنها تُهاجم من جهات أخرى، كوجود الفقر والبطالة وعدم توزيع الثروة بشكل عادل. وإذا أرادت تفجير المشاعر ذكرت الفنادق والمحرمات وما إلى ذلك. إنها قضيةُ حقٍٍ أُريدَ بها باطلٌ.

المجموعةُ التقنيةُ المؤدلجة العاملة لضرب تحديث المسلمين وتقدمهم تم تدريبها على #الميكافيلية الشريرة، كإستخدام الدين والأخلاق في مواضع، وإستخدام الأفكار الاجتماعية #اليسارية في مواضع، وإستخدام حتى الأفكار #العلمانية في مواضع، بقصد إيهام الكثيرين بالوجه الديمقراطي المضيء العصري للمجموعة، وخلق زوايا دينية كبيرة للفقهاء المُنظرين يسودُ فيها التبتلُ والروحانية المقدسة وهي البؤرةُ التوجيهيةُ القيادية، وهو ما فعلهُ المحافظون الإيراينون المستبدون في #إيران وما فعلتهُ #حماس و #حزب_الله وغيرهم في السيطرة على المسلمين وإرجاعهم للوراء وتمزيق صفوف العرب والمسلمين، ولمشروعِ ولايةِ الفقيه المحافظ المستبد.

تحالف المحافظين الإيرانيين والعرب تحققه إمكانياتٌ بترولية كبيرة وبدلاً من أن تُوجه هذه الموارد الهائلة إلى تطوير حياة المجتمعات في المنطقة توجه لمشروعات التسلح والحروب والصراعات وتصعيد دينيين متخلفين في فهم الإسلام والعصر لحكم دول عربية.

#مصر تجد الآن فرصتها من عطف وإهتمام #الجزيرة فقد تنامى فيها مشروعُ الحداثة والشعب يسعى للديمقراطية وحقوقه الضائعة لدى سلطة مستبدة، لكن الجزيرة تسعى لشيء آخر غير ما يريده المصريون، تسعى لسيطرة الولي الفقيه، مستغلة الأحداث والصور والموتيفات الفنية والاجتماعية، لوضعها في سرد خاص بالمؤلف الحماسي #الأخواني يسعى لتشكيل سلطته فوق أنقاض مصر وحداثتها وتطورها.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=246695

قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي

دولةُ قطر لم يكن فيها شيء هام في تاريخها سوى هجرة قبائل وهابية إليها قبل عقود طويلة من إكتشاف النفط، فقامت الأسرةُ الحاكمةُ بتجميد حياة الأهالي ومنعهم من شتى أنواع الحريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فغدت قطر حتى الخمسينيات من أكثر دول الخليج تخلفاً.
تدفق النفطُ وإرتفع مستوى المعيشة ولكن أميرُ قطر السابق إستمر في الهيمنةِ المحافظة على البلد ولم تقدم القبائل أية إمكانية للتطور الاجتماعي الداخلي، بعد تلك العقود الطويلة من غياب المدن والفئات الوسطى والثقافة بأبسط أشكالها.
ووجود البحرين الأصغر منها قربها كان يشكلُ حالةً غريبة من التباين الواسع، فالبحرين ازدهرت إقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً وثقافياً مما شكلَّ غيرةً عميقة لدى الجارة وكذلك لعبتْ النزاعاتُ القديمة دوراً في تأجيج تلك الغيرة، ومما يُروى بأنه بعد تدفق النفط وخاصة الغاز المفجر للثروة والطموحات القطرية حاولت الإدارة القطرية تحريك الجو الثقافي الميت فبحثت عن كُتاب فلم تجد سوى واحد لكن أتضح إنه بحريني يعيش في قطر!
تدفق الثروة مع سكان قليلين محافظين لم تُترك لهم فرص في الانفتاح والتطور، وكانت الحياة التقليدية السابقة قد فرضتْ أجواءَ المحافظة الشديدة فلم يُقبل التغيير ولم توجد قوى إحتجاج أو تساؤل من فئات وسطى أو مثقفين أو متمردين!
ولهذا فإن الانقلاب على الأمير الأب وعزله ونفيه كان بمثابة مغامرة سياسية كبيرة، وكان بمثابة صدمة موجعة للتقاليد القبلية والحالة السياسية الأبوية في دول مجلس التعاون الخليجي!
هذا الزلزال الأسري لم يعبرْ عن ثورةٍ إجتماعية، ولم يكن على طريقة السلطان قابوس في التغيير التدريجي، فكان بمثابة مغامرة فردية لم تملك أية أسس حضارية وتقاليد تغيير وديمقراطية، فكانت لعبة وإستعراضاً فردياً ورغبة جامحة في الظهور ولو على حساب الأب شبه المفجوع المُطارد!
فحتى تشكيل أنساق ديمقراطية جنينية أسرية تبررُ هذا التغيير لم تحدث، وحتى الصبر على النمو الحضاري الحذر لم تحدث وجرى أول إنقلاب في الخليج من قبل الابن على الأب!
المغامرةُ التي حدثتْ وتغيرتْ فيها السلطةُ القطرية لم تأت بتحولٍ نوعي في الدولة التي تفتقدُ إلى الإمكانيات الفكرية والثقافية المهمة إلا من بعض الإبداعات الشخصية لنفر حفر بنفسه في الصخور والرمال غير الغازية بدون مساعدة من أحد!
إن الإمكانيات المادية الهائلة التي نتجت من إنتاج الغاز الذي تفجر بوفرة جعلت من الطاقم السياسي الحاكم يبحث عن طريقة للبروز في عالم الشهرة السياسية الساطعة في المنطقة!
وقد كان إنقلابه وعدم تجذره القبلي المتعقل يجعله فريسة للمغامرات وحب العروض والشهرة والسطوع في المنطقة خاصة إنه أمتلك الثروة النفطية الغازية، لكن كيف يحققُ حلمه وحالةَ الاستعراض الكبرى العربية وربما حتى الكونية وهو في صحراء مجدبة من المواهب؟ ولم يكن هناك سوى التزمت الديني السني المتشدد، ولم يوجد سوى تدخين الحشيش والمخدرات تسلية للشباب، حتى غدت حتى الدوائر الحكومية مخدرة!
وكانت جماعة #الأخوان_المسلمين هي الوحيدة المسموح لها بالتنفس في ذلك الجو الاجتماعي الخانق التي تزيدُ السيطرةَ عليه وتبررُ بلادته ومحرماته الكثيرة.
القبائل الوهابية من جهة والإنقلابيون الحكام المبهورون بذواتهم المتضخمة المنفوخة بغازات نفطية ملأت بشوتهم التي كانت قبل فترة وجيزة مليئة بأتربة الصحراء، إلى درجة البالونات والمناطيد الهائلة التي إرتفعت فوق شبه الجزيرة القطرية ثم فوق المنطقة!
جسمان متعارضان كل منهما لا يتماشى مع الآخر فظلا يعيشان كل منهما في عالم!
فكان لا بد من إستمرار تخدير القبائل بالمنح المالية والبيوت الواسعة والسيارات التي كلها زادتها جدباً في الإنتاج الثقافي!
لكن لا بد من الظهور للإدارة ذات العروض، فلم تقبل تتحول من مثل بعض الدول الخليج التي ركزت على التطوير الثقافي أو التركيز على السياسة والثقافة وتقدم الشعب التدريجي،
فغدت الحالة القطرية حالة فصام بين إدارة تعيش في فضاء، وشعب يعيش في فضاء آخر.
عنصرا الـــ (show) و #الأخوان_المسلمين كيف يلتحمان مع بعض؟
كيف تلتحم لحيةٌ كثةٌ ونصوصيةٌ تقليدية محنطةٌ في عروض تلفزيونية حديثة ومع نسوة متبرجات مغريات لزوم الأغراء في العروض المشوقة؟!
كان عنصر التركيب؛ عنصر لحم هذين المركبين المختلفين، هو في عنصرٍ ثالث هو عنصر الأمبريالية الثقافية البريطانية ذات التاريخ الطويل في العروض الإذاعية والتلفزيونية، (الموضوعية شكلاً المؤدلجة مضموناً) والتي لديها خبرة في كيفية صياغة الخداع والأكاذيب وأنصاف الحقائق، وإعداد المواد حسب سياسة المسيطر السياسي.
إذن كل شيء سوف يخضع لعنصر العرض المبهر المشوق وإستغلال المادة الخبرية حسب المنظور الإيديولوجي للمرحلة المحافظة الأخوانية وجذب الناس إليها عبر تطعيم بعض الحقائق بذلك العرض المؤدلج الخاص، الذي يبث الوعي المحافظ الديني اليميني ويحقق العلو لإدارة البلد ويدخلها في السياسة المناطقية والعربية والعالمية، بدون أن تحتاج لشعب متطور ومثقفين كبار، فالمذيعون والفنيون كثيرون يمكن جلبهم عبر نفس الشبكات الأخوانية والإعلامية الجاسوسية البريطانية والعربية.
قامت الأسرةُ الحاكمةُ في قطر بإنقلابها على الأبِ المؤسس بإلغاء أبسط العادات الإسلامية حيث ينصُ القرآنُ على توقير الأب والأم وعدم قول الأف لهما، وهذا يعني إعتماد الإصلاح المتدرج وتطوير الحياةِ الأسرية والأوطان بشكلٍ عقلاني.
فبعد طعن الأسرة يحلُ كلُ شيء، وتُستباح المحرمات، وتتحللُ الجماعةُ المغامرةُ من الأخلاق، وتبيحُ أي شيء من مغامرات سياسية ومن تلاعب بالأموال العامة وتُدخلُ دولَ الخليج في علاقاتٍ خطرة مع أنظمةٍ وجماعات شمولية إرهابية، وتصيرُ مصلحةُ هذه الجماعة فوق أي عرف وأخلاق وأسس عقلانية وديمقراطية!
وحين تعلمنا المحطةُ بأخلاقِ الإسلام كل يوم يجب أن تعلمَ نفسَها أولاً وتعلمَ الأسرةَ الحاكمة فيها التي إستباحتْ كلَ شيء! أما الساكتون من (علماء الإسلام) على ذلك فهؤلاء من نفس العينة فهم خدم السلاطين المراهقين هذه المرة.
إذن تأسست #قناةُ_الجزيرة على أسسٍ إيديولوجية #إنتهازية مائعة مع غياب نظرة ديمقراطية نابعة من القوى المحلية الوطنية، مثل طبيعة السلطة التي تكونت في قطر حيث الفردية، غير المتجذرة في نمو حضاري ديمقراطي نابع من فئات عليا وسطى تنامت في المجتمع وفرضت مقاييسها التحديثية.
أي أن ظهورها كنخبة فردية متحللة من قوى تقليدية مؤثرة أو شعبية أتاح لها أن تتحرك وسط خيارات دينية محافظة وقومية مضمرة بشكل إنتهازي مغامر قوي، فغدا صعودها بأي طريقة متحللة من الأخلاق والمبادئ ومدعية بها كذلك!
هي ثوريةٌ كاذبةٌ لكن تحاول لصق نفسها بالثورية دون أن تنجح في ذلك للأسباب الموضوعية المذكورة سابقاً، نظراً للمنحى الديني المحافظ القائم على سلطة قبلية سيطرت على موارد دولة غنية بالنفط والغاز، وتحكمت في كيفية توزيع هذه الثروة، دون أن تدخل نفسها في تحويل بلدان الخليج العربية بشكل تنموي نهضوي وديمقراطي مشترك.
من هنا تتشكل سياسة العروض والرغبة في الإبهار ومتابعة الأحداث الساخنة دون موقف نضالي حقيقي، مثل إستخدام الأسماء الكبيرة في الفقه والصحافة القومية، فالنجومية ضرورية وهي تعني القدرة البترولية الغازية على شراءِ الذممِ والأسماء وأدلجتها لصالحِ سياسة العروض.
إن الارتكاز على شخصيتين مثل الشيخ #يوسف_القرضاوي والأستاذ #محمد_حسنين_هيكل، هو شكلٌ لتلك العروضية المؤدلجة الإبهارية دون مضمون كفاحي حقيقي.
فهو إستخدام لشخصياتٍ توقفتْ عن الحفر الديمقراطي الحديث سواءً في الإسلام أو في القومية العربية، فالشيخ القرضاوي يقدمُ آراءً فقيهةً جزئيةً مطلية ببعض الحداثة، لا تجعله مجدداً وذا حَفرٍ عميق في الفقه والتراث الإسلاميين، فهو يكرسُ المذهبيةَ السنية المحافظة، مرتداً حتى عن مؤسسي التنوير الإسلامي كالأفغاني ومحمد عبده، وليست له علاقة بالتجديدات الجارية بقوة في عمليات التجديد في الوعي الإسلامي، يشتغل مثل المحطة لتصعيد قوى الأخوان والشركات المالية الدينية للهيمنة على العالم العربي.
لقد تخثرَ فقيهاً ونظرياً، وهو ما يؤسسهُ عيشهُ في بلدٍ محافظ كقطر، مؤسس لوعي أخواني تقليدي يتحرك للسيطرة على العالم العربي، فلم يعارك حتى التحولات الفكرية والاجتماعية في مصر منبع هذا الشكل الوسطى المتذبذب من الوعي المذهبي المرتبط بفقهِ الإقطاع، وليس بفقهِ الثورةِ الإسلامية المؤسِّسة.
وهذا بسبب العمل مع دولة إقطاعية المضمون مشكلةً لرأسماليةِ دولةٍ شمولية مستغلةٍ لثروة ضخمة بشكل إستبدادي وربطت نفسها بسياسة المغامرات للدول الشمولية والجماعات الأرهابية .
فهنا تتحول التجديدات الثانوية الفقهية للشيخ إلى عرقلة لتطور المسلمين المحتاجين لثورة فكرية ديمقراطية تنأى بالاستخدام المذهبي الذكوري المتسلط للدين، وتخلق مقاربة بينهم وبين الرأسمالية الديمقراطية العالمية في أقل إحتمالاتها الممكنة في المنطقة الخليجية العربية وتعمل على توجيه الثروة والثورة للتغيير العربي الإسلامي التوحيدي. وهذا ما يفعله راهناً بدعوة الناخبين في مصر (يوم21 نوفمبر 2011) بعدم إنتخاب من يشرب الخمرة لأنه فاسق حسب رأيه وهو حكمٌ خطيرٌ يتناقضُ مع قوله بضرورة إنتخاب الأكفأ، وهل يؤدي شرب البيرة إلى تعطيل العقل والفساد السياسي كما تفعل أنت في عاصمة المغامرة؟ ألا يعطل عقلك الديني ما تأخذهُ من أسرةٍ حاكمةٍ لها هذا التاريخ غير المشرف المغامر الخطير على نضال المسلمين ووحدتهم؟!
هذا نموذجٌ لرفعِ الحكم الفقهي الشكلي إلى مصافِ القانون المقدس، وترك التوجيه المقدس في القرآن عن العائلة!
إن تغييبَ الشيخ للمنحى الثوري التأسيسي في #الإسلام هو مواكبةٌ إيديولوجيةٌ للإقطاع الحاكم في قطر، مثله مثل تغييب هيكل لمنحى التجديدات الديمقراطية في #القومية، فهو قد قام بتحويل عمل المناضل الرئيس #جمال_عبدالناصر إلى أسطورة أخرى مثلما عمل القرضاوي بتحويلِ الثورة المحمدية إلى أسطورةٍ وهي حراكٌ تاريخي محددٌ له جوانبه الايجابية والسلبية، بدلاً من أن يقوما بدرسِ أسبابِ الثورتين الاجتماعية وصراع الطبقات فيهما، بتجمدِ الديمقراطية في الثورة الأولى وتحولها إلى إقطاع سياسي، وعجز الناصرية عن التحولِ إلى الديمقراطية نظراً لهيمنة رأسمالية الدولة الشمولية مثل الحالة في قطر التي تخلقُ ثورةً زائفةً باسم الثورة الحقيقية التي ترفض الولوج في أولياتها وتترك مراقبة الثروة للشعب عبر برلمانٍ منتخبٍ بل تقوم بتوزع الثروة على الإعلاميين المُضِّللين وفئات النفاق والاستغلال المختلفة.
إن خطابات الضيفين الدائمين على #الجزيرة الفضائية السَابقي الذكر نموذجين لتجميد الأفكار الثرة للإسلام والقومية وتحنيطها في أشكالٍ متيبسة، لا تقتحمُ الواقعَ، أو الأوضاع العربية المتفجرة، فتضيئها، وترشد خطواتها وتخلق عقلانية في نضالها، بل تقدم فقهاً ووعياً لما يشتيه السلطانُ الشمولي العابثُ بالأموال العامة ومصير العرب والمسلمين!
ومن هنا فتاريخ القرضاوي الأخواني المضاد للناصرية، وتاريخ هيكل المضاد للأخوان، يمكن أن يتلقيا في برامج منفصلة، وكل منهما يبثُ خطابَه بدون إغتناء مشترك، وبدون تجاوز لخطابات شمولية غدت متحجرةً متصحرةً، في عالمٍ يغلي بالتحولات، لأنهما تيبسا عن المضامين الحية للواقع المضاد للعالم الإقطاعي المحافظ المؤسَّس في الإسلام والمؤسَّس في القومية العسكرية الشمولية معاً!
نحن نأخذُ الشيخَ والأستاذَ في التلفزةِ المؤدلجةِ الجزيرية، كجزءٍ من عروضٍ واسعة، يُقصد بها جذب المشاهد والتعكز على الأسماء ثم تسريب مضامين سياسية عبر موادٍ أخرى مضللةٍ هادفةٍ لترسيخ وعي معين، ونشر سياسات خطيرة مضادة لتطور الأمة العربية والمسلمين، علينا متابعة ظهوره وتشكله.
نظراً للخطِ السطحي المذهبي السياسي اليميني الذي نشأتْ به فضائيةُ الجزيرة فإن الموادَ الطافحةَ المثيرة التي ظهرتْ في السنوات الأولى لعمرِها كانت القاعدة وبن لادن وصدام حسين وغزو العراق وغيرها من المواد التي هي بذاتها عروض.
زمنية بن لادن تحدد المنحى الأولي للجزيرة وطاقمها ومستواهم الإعلامي وقدرتهم الفكرية.
إن زمنيةَ صعود بن لادن تتماشى مع الوهابية العريقة في السعودية وقطر، فهي الشكل الجامد الإقطاعي البدوي للاختلاف مع البشر ومع المسلمين أو ضدهم.
هي المعاندة الطفولية للاستعمار، الناتجة من تغلغل الحنبلية في الجزيرة العربية وزيادة جمودها وتصحرها، وتحولها لعصابات ذبح وسرقة وإعتقال للمسلمين في أزمنةٍ سابقة، ثم تدفقت الثروةُ على بعضِ أصحابِها فحولوا الثروة لثورة إرهاب أو عروض إعلامية مبهرة زائفة تشترك في ذبح البشر أو السكوت على إيديولوجية الذبح!
إلتقاء الشكلين من العروض السياسية والإعلامية والإرهابية هو نتاجٌ لذاتِ المذهبية الشكلانية إسلامياً، التي تتحولُ في يد شيوخِ سلطةٍ وشيوخِ دينٍ إلى دكتاتورية سياسية سلمية أو عنيفة، كلٌ في موقعه!
الجانبان هنا يأخذان المذهبَ المحافظ وقد تحول إلى هيمنة طبقية إستغلالية غير ديمقراطية وينتقيان ما شاء لهما الهوى السياسي، أحدهم يحولهُ إلى هجوم بالطائرات على البرجين والثاني يعرض ويبهرُ بهذا الأجرام وينشرهُ في كل مكان!
لم يقم الطاقمُ الإعلامي بدرسٍ مسبقٍ طويل للظاهرات الاجتماعية والسياسية في الإسلام المعاصر، خاصة تاريخ الحنبلية وعلاقاتها بالوهابية، وكيف جاءت وكيف حدث التجميد لتطور الإسلام في العصر الوسيط ولتطور القبائل في الجزيرة العربية وأين ذهبت مداخيل النفط عن تغيير الحياة التقليدية العنفية لهؤلاء!
ولهذا يعمم هذه الصورة الإرهابية الدموية للإسلام كصورة بطولية!
إن الوعي الأخواني المشكل بتسطحٍ لرؤيةِ الإسلام بعينٍ يمينية إستغلالية إنتهازية كليلة النظر سوف يفصل بين ظاهرة بن لادن والواقع المحافظ للجزيرة العربية وأنظمتها الاقطاعية المسيطرة على الثروة النفطية وبين المغامرات الإرهابية لبن لادن.
وسيكون لقاء بن لادن المقاول الاقتصادي النفطي والظواهري المتعلم المصري غير مدروس كلقاء فئات إستغلالية ثرية في الجزيرة العربية للمثقفين والمتعلمين الدينيين والسياسيين العرب وإستخدامهم للأدلجة العصابية المذهبية والقومية، في مرحلةِ التأسيس للخطاب الأخواني بشكله الدموي حينذاك وللخطاب القومي المتجمد بشكله المستمر.
إن المقدم المنبهر بعروضه والقادم من الأخوانية الفلسطينية أو المصرية هو نفسه يدخلُ حمامَ الدم كجزء من نضال قوي، نافخاً في شخصية بن لادن محولاً إياه لبطل خارق، ورمز إسلامي، ويستحيل عليه تقديم قراءات عقلانية لمثل هذه الظواهر، ويتابع كمؤلفِ أرسين لوبين الأحداثَ البوليسية السياسية مفصولة عن المذابح وحمامات الدم التي تجري للبشر، ومن هنا تغدو هروبية بن لادن وإختفائه في إفغانستان واللجؤ إلى الكهوف لا تثير فيه أي شيء من تاريخ الفرق الدينية الإرهابية كالخوارج التي نبذت المدنيةَ والسلم والديمقراطية والحضارة، فلا يستطيع أن يفهم هذا كتحللٍ لجماعات دينية خرجت من الحياة المدنية الحديثة، ومن الطبيعة البشرية، لعالم الحيوان، بل يعرض ذلك كبطولاتٍ ويتابعها في جبال قندهار ورسائل بن لادن المفخخة للبشرية، مشدوهاً مذهولاً (لعظمة هذه البطولات)!
إن الأخواني وقد أُلتقط من حارات #مصر الفقيرة أو من غزة يتم ذلك بمستويات عدة لابناء الفئات الوسطى المتجمدة فكرياً وسياسياً، فيتم إغراقه في غاز قطر، وسواء كان ذلك على مستوى شيخ هام كالقرضاوي أو على مستوى كاتب كبير كهيكل أو كمذيع مثل #أحمد_منصور، أو مثل الظواهري الذي يُحال على الخدمة الحربية في إفغانستان، هم أفراد من فئات وسطى تاهت عن طبقتها البرجوازية، التي لم تستطع أن تقوم بمهمتها النضالية الديمقراطية في بلدها وتؤسس الحداثة، تحليلاً للإسلام بتوجيهه نحو الديمقراطية، أو بتعرية القومية كدكتاتورية، أو كنقدٍ ضد ذروة التدهور عبر الظواهري الذي يصير إرهابياً وخارجاً كلياً من المدنية.
إن الجزيرةَ تغرقُهم بالغازِ الإعلامي المالي، لإنتاجٍ خطابات متطرفة حماسية تجذبُ وتخدعُ الجمهور، ويخطفُ الأضواءَ بطلُ المرحلة بن لادن، الممثل لعجز تلك الفئات عن النضال الديمقراطي الحاسم في بلدانهم، فيتحول على العكس إلى ضرباتٍ كارثية في بلدان العرب والمسلمين، وسلخ لشعوبهم وسرقات لثرواتهم البترولية!
ولكن مقدم (الشو) منبهرٌ ويحولُ هذه الكوارثَ إلى عروضٍ جديدة!
إن المضمون المفقود هو جزءٌ من وعي المسئولين القطريين العاجز عن فهم الديمقراطية وعن تصعيد فئات وسطى متحضرة في بلدهم، فلا يستطيع أن يعرض بالنقد الإعلامي وبالشرح الفكري هذه الظواهر المتداخلة وأسبابها العميقة، ولهذا يظهر بن لادن في الجزيرة كبطلٍ عالمي وليس كظاهرةٍ تدميرية!
تزدادُ العروض الأمريكية في منطقة العالم العربي الإسلامي المتداخلة، وهو ما يؤسسُ مواسمَ طافحةً بالنشاط الدموي أو بالإعلام الجزيري المخضب كذلك من هذه النافورات المتدفقة بالجثثِ والمدنِ المحترقة والسياراتِ المفخخة ونشر رياح الأشلاء ومن ثم الشعوب المهاجرة ومن ثم أخيراً الشعوب الثائرة!
البطل الصحراوي المطرود للكهوف يخلي المكان للبطل المدني الذي لم يتأثر بالمدنية وظل مجرماً.
#صدام_حسين والجزيرة الفضائية لحظة أخرى من غياب الدرس والبحث والتنوير وتسييد اللوثة القومية هذه المرة بدلاً من اللوثة الدينية، وفي اللوثتين منحى الجزيرة التسطيحي الغائر، حيث لم يقدر ضيفاهما المستمران من تحليل الإسلام أو تحليل القومية العربية وإنتاج مادة معرفية تنويرية إنسانية، فتكون مادةُ العرضِ هي ذاتها خاوية رغم الإبهار، ولكنها تجسد كذلك الإفلاس الفكري المتواري.
صدام وأمريكا، ثنائي معروض بإطلاق، مثل ثنائيات الوعي الديني القومي الشمولي، فهنا الحق وهناك الباطل، هنا النور وهناك الظلام، هنا العرب والإسلام والأخيار وهناك أمريكا والغرب والأشرار!
ورغم سحق صدام للعراق وشعبه، فهو يظل بطلاً في هذا الوعي الشمولي المسطح، ومن هنا فإن البطولات العربية الإسلامية غالباً ما تُؤخذ منتقاة من ظروفها الحقيقية وتداخلات التقدم والتخلف، ويُلغى الشريط الذي يحدد منابت رموز الدين الطبقية كقوى إستغلالية تطورية في فترة ما، ثم تتحول إلى أيقونات مقدسة تغدو أدوات للقوى الاستغلالية المتخلفة المفككة الممزقة لبلدان المسلمين والمواطنين عموماً، لكن الوعي الطائفي يُؤخذ كرأس الحربة في هذه العمليات.
إن صدام يُلحق بهذه الرمزية الدينية، فهو سوف يبني دولة عربية نهضوية كبرى ويحقق الانجازات كما فعل الأسلاف العظام! وتُستغل هنا كلمات الفتوح و #العروبة والإسلام بتشنج عاطفي من أجل بلع شفرات الحلاقة المسمومة التي سوف تُدس في حناجر الناس.
في وعي محمد حسنين هيكل الشمولي يغدو الزعيمُ بؤرةً مركزيةً تقوم بلعب دور التحويل ولهذا فإن صدام العراق في تلك اللحظة المأساوية الكارثية في مسلسل الحقيقة يغدو قائد التصدي لأمريكا قائدة سحق #العرب وتقزيم تطورهم القومي التوحدي، ولهذا فهو رغم مذابحه رجل المرحلة الذي لا يوجد رجل آخر مكانه يقوم بهذه المهام الجسام!
هنا تظهر وتتوالى العروضُ الفنيةُ المؤدلجةُ المتممة لهذا الهراء الفكري، فالزعيم يسبحُ في النهر بطلاً وينشرُ جيوشه ويطلق الصواريخ ويجتمع بالساسة وعلماء الدين والأدباء والمثقفين وكلهم يثني على دوره الخلاق التاريخي!
اللحظتان المؤدلجتان الفارغتان من أي وعي عربي إنساني ديمقراطي، وهما لحظة تأييد الدكتاتور، ولحظة التخلي عنه، تظهران تجاه القاعدة وبن لادن، وتجاه صدام حسين معاً.
الوجهان يعبران عن عدم الحفر الموضوعي في المادة السياسية، ففي اللحظة الأولى يتم التهويل للرمز الفردي، وربطه بمقدسات وعظمة الأمة التي هي بلا مراحل ولا طبقات، مجردة معممة متجوهرة حسب إيديولوجية الفئة الطائفية اليمينية صاحبة الرأسمال العولمي الطفيلي أي غير الصناعي والمنتج، فهنا الزعيم الطائفي الذي قاد بعض جماعاتها للكهوف والتخلف والهجمات الأجرامية الاستفزازية، أو الزعيم (القومي) الذي ذبح شعبه وتلاعب بتاريخه وسلمه جثة محروقة للغرب، يغدو رمزاً للأمة وإرادتها، وهي عملية نفخ سياسية دعائية لتحريك الجماعات المؤمنة بهذا الخط وغرزه في الجمهور وإستغلال عواطفه وربطه بهذه الجماعات لعملياتٍ سياسية راهنة وقادمة.
تصير العمليات التي تخرج من فضائية الجزيرة والعمليات التي تخرج من القاعدة الأمريكية الكبرى قرب الجزيرة في قطر نفسها، شكلين لفعلٍ واحد هو تزييف وعي الشعوب العربية والسيطرة عليها وتفتيتها طائفياً.
الغزو للعراق الذي تم بأدوات وعي أمبريالية أمريكية والذي كرسه النظام الدكتاتوري السابق المحبوب للجزيرة في اللحظة الأولى المدحية، تم هذا الغزو لتفكيك العراق وتصعيد القوى المحافظة الطائفية، ولم يشتغل على تكوين برجوازية نهضوية وطنية قائدة في أقل الخيارات المعقولة، وهذا الاشتغال الأمريكي حرباً تلاقى مع إشتغال الجزيرة دعاية وتضليلاً للعراقيين وبقية العرب.
مثلما لعب ذات الفعل على شخصية بن لادن وإفغانستان تضليلاً ثم تفكيكاً للمجتمع الإفغاني وتحطيم بنيته عبر خلق الصدامات بين القومية المذهبية البشتون وبقية القوميات، بين طالبان والحكومة (المركزية).
ومن هنا فإن الإيديولوجية السائدة تحريضاً في الجزيرة وهي الإدعاءات الثورية، هي مجرد لحظة أولى، تُعمم وترمز وتُجرد بدون تحليلات ملموسة معمقة للبُنى الاجتماعية المرصودة، وبدون إحداث مناقشات ديمقراطية حولها من أجل رؤية الطرق بتحولها الديمقراطي، وبتجميع كافة القوى الاجتماعية والتيارات على حلول توحيدية تطويرية.
وكان #السودان نموذجاً آخر لهذا التصعيد الثوري الديني الزائف ثم تم عبره هدم السودان التدريجي عبر الانفصالات والحروب الأهلية.
ولهذا فإن لغة الطبول والاستعراض والمصادمات والتعريض والإدعاءات تستهدف تفجير العواطف وخلق حالات من الإثارة وعدم إعمال العقول وعدم تقارب القوى السياسية العربية الديمقراطية والتقدمية والدينية، ومن أجل نشر التنوير والديمقراطية الوطنية وبقاء الاستقلال.
وكذلك فإن صرف الأموال الهائلة على هذه العمليات الدعائية والسياسية يستهدف تصعيد هذه القوى الطائفية والرأسماليات الطفيلية وقوى الإقطاع الديني، وتوسيع نفوذ المؤسسات المالية القطرية والغربية وهدم القطاعات العامة المنتجة.
بين تأييد وشحن الجمهور العربي والمسلم بفظائع بن لادن وصدام حسين، وبين الترويجِ للثوراتِ العربية خيوطٌ مشركةٌ ولغةٌ إيديولوجية يمينية إنتهازية واحدة.
من يروج لذبح العرب والمسلمين وجرهم لمغامراتٍ خطيرة إجرامية وأنظمة إستبدادية وظلامية لا يمكن أن ينقلبُ بين برنامج وآخر إلى ديمقراطي وثوري!
إن اللغةَ السطحيةَ الراكبةَ فوق الموجات السياسية الطافحة وإستغلال عواطف الجماهير العفوية وتوجيه الأحداث لأغراضٍ ليست من جوهرها النضالي الديمقراطي وحرفها لغاياتٍ أخرى هي غايات القوى الطائفية اليمينية وإقتصاد الشركات المالية القطرية وعملائها، وسائلٌ هي ذات جوهر لم يتغير ولكن تغيرت المنطقة والمرحلة والظروف.
إن من روّجَ للقتلة في الجزيرة وللدكتاتوريين السفاحين هو ذاته من يروج للمناضلين من أجل الديمقراطية!
فلم تحدث أية مراكمات في الوعي ولم تطرح الجزيرة نقداً لظلاميتها ومواكباتها للفاشيتين الدينية والقومية، وبقى منهج الاستغلال النفعي، وركوب الموجات، وفصل الظواهر عن بعضها وعدم درس جذورِها وإستغلال المشاهدين والمشاركين في الأحداث، لتوجيه الأمور لغايات التنظيمات الطائفية.
لا علاقة للجزيرة والرأسمال الإقطاعي الغازي القطري بصراعات البُنى العربية والإسلامية حيث غرقت الرأسمالياتُ الحكومية بمصر وتونس وليبيا وسوريا والعراق والجزائر واليمن والبحرين وإيران وغيرها من البلدان العربية والإسلامية في أزمات إجتماعية عميقة، وغدا صعود الرأسماليات الخاصة التحديثية الديمقراطية وقوى العمال مسألة ملحة لإعادة تجديد البنى المسدودة الآفاق.
هي أزماتٌ بنيويةٌ تطالُ أشكالَ الرأسماليات الحكومية والرأسماليات الخاصة كذلك، لكنها تتمركز وتتعقد في هذا الشكل المتخلف من الرأسمالية في العالم الثالث نظراً لاحتكار السلطات وتجميد هياكل الإنتاج وإبقاء قطاعات سكانية كبيرة كالنساء والفلاحين والفئات الهامشية خارج الإنتاج الحديث.
ومثلما يحدث في إيران عبر تصدير أزمتها إلى الخارج تقوم قطر بذات الأمر، عبر تصدير أزمتها للخارج، وهي أزمة مختلفة عن إيران وبقية الدول، فهنا أزمة قيادة تبحث عن دور نجومي لا تقوم به في بلدها، ولديها تراكمات من فوائض نفطية تريد تحريكها في المنطقة والعالم، وشراء شركات حكومية وخاصة في الدول العربية والأوربية.
إنها أزمة المراهقة السياسية وهي تتجلى في الأسرة الحاكمة أولاً بالقفز على الشرعية، والقفز على دول الخليج المحافظة التي تتطور بشكل بطيء ومتدرج وهي لا تختلف عن نموذج الرأسماليات الحكومية الجامدة والفاسدة نفسه، ومن هنا تنفتح علاقات المغامرة لبعض أفراد الأسرة الحاكمة القطرية على كافة الصعد، بقيام علاقات مع دولٍ مغامرة وإحتلالٍ كإسرائيل وإيران.
فهي سياسةٌ لا ترتكزُ على قوى تحديثية وطنية، بل تهمش حتى الشخصيات الثقافية النادرة في قطر، ومن هنا فإنها لم تستطع أن تقدم نموذجاً ديمقراطياً داخلياً بالسماح بنمو فئات حرة لكون هذه القوى سوف تحد من التفرد المطلق للشخوص القليلة المتفردة في الأسرة الحاكمة.
ولهذا فإن النموذج المغامر يعرض الشعب القطري نفسه للعزلة عن محيطه والتضاد معه، كخفوت المشروعات المشتركة، ولا تختلف ظروف القطريين عن الليبييين في نظام المقبور #القذافي، ولا تمتاز البنية الاقتصادية والسكانية والخدماتية بمميزات متفوقة بأي شكل من الأشكال، في دولة خصصت نفسها للعروض السياسية الرياضية، كإحتضان كأس العالم مع دفع الرشاوي الطائلة في ذلك.
ومن هنا تتجاهل القناةُ بشكلٍ فظٍ مشكلات الشعب القطري وكأنها تبثُ من مكانٍ آخر، كما ترفض الاستعانة بالمثقفين القطريين الشباب الواعدين في هذه الفترة، فتعيش قطر حالة ليبية مشابهة لزمنية العقيد المغرور، وثلته هي نفسها هنا، لكن بدون دم ومجازر هنا إلى حين.
ولهذا فإن الطبيعة المغامرة لسياسة القناة تنتقلُ للمناخ المحلي وتسممهُ، وتحرضُ القطريين بشكلٍ غيرِ مباشر على القيام بمغامرات ضد دولتهم وإستقرارها عبر نشرها مثل هذه الثقافة الخطيرة من جهة وإحتقار الشعب من جهة أخرى!
لهذا نجد عدم الاستعانة بمقدمين محليين، وجلبهم من الخارج من دول عدة، وغالباً ما يتم ذلك بوسائل سياسية خاصة.
ولهذا فالمحطة تخلق إضطرابات كامنة على الصعيد الوطني، كما تنقل مغامراتها للخارج بقصد الصعود في أية أحداث كبرى في المنطقة العربية.
فإذا كانت الدولة التي تنبثق منها هي كذلك رأسمالية حكومية شمولية، ميزتها إمتلاك وفرة من الفائض النقدي، فإنها لا يمكن أن تكون نموذجاً جديداً لدولٍ مأزومةٍ بنفس الموديل!
ولهذا فإنها تنقلُ نموذجَها المحافظَ الطائفي الانتهازي للخارج، وتبحثُ عن نسخٍ سياسيةٍ معجونةٍ بنفسِ الأمراض الطائفية المحافظة مثلها، فتُعّضد هذه النسخ، وتستغلها في خلق مشروعات سياسية وإقصادية مشتركة، فيتوسع الموديل الطائفي اليميني الانتهازي.
ولهذا فإن الأحاديث عن الدعم المالي للأحزاب الدينية إضافة للدعم الإعلامي ليست بعيدة عن الواقع.
فنلاحظ القناة كيف ركبت ظهور الشباب الثوري المنفتح، وعضدت حركاته بشكل واسع، ومدغدغ للمشاعر النضالية وشعارات الحرية، وإستغلتهُ في عالمٍ من البراءة والسذاجة السياسية والتضحية، ثم ساهمت في دعم جماعات الطائفية المتخلفة وعياً سياسياً وإسلاماً، من أجل تصعيد النسخ البدوية الإقطاعية الجزيرية في دولٍ كمصر #تونس و #سوريا و #اليمن و #الجزائر و #المغرب، وقد حدثَ تغلغلٌ كثيفٌ سابق أوتى ثماره المرة على هذه الشعوب.
ومن هنا فإن الرأسماليات الموعودة بها هذه الدول لا تبتعد عن النموذج الأصلي الطفيلي، أي الذي يركز على العمليات المالية والعقارية وشراء حطام القطاعات العامة التي ناضلت من أجل قيامها ووجودها الطبقات العاملة العربية، ولهذا يجب التحذير والنضال ضد خراب هذه الدول العربية التي سُرقتْ ثوراتُها بسبب الأحزاب الطائفية والدعاية الفضائية وخاصة من لدن الجزيرة، لتحطم صناعاتها وزراعاتها وتحقق هجرات عمالها عبر تصعيد مثل هذه الموديلات التي خربتْ بلدانَها أولاً وأضاعت ثرواتها الهائلة على سباق الهجن والسيارات وناطحات السحاب وأزالت الحرفَ والزراعة وجلبت عمالة هائلة بأجور متدنية وأستغلتها في الأعمال غير الإنتاجية بشكل أساسي ولتقزم شعوبها وتبقيها على البداوة وكره العمل اليدوي ولم تنشىء الصناعات المتقدمة ولم تدخل هذه البلدان الثورةَ العلمية التقنية رغم هذه الوفرة.
إنها رسملةٌ جارية مع وعيٍّ محافظ معادٍ للحريات النسائية وتحرر الفلاحين وحريات الثقافة والعقول وللانتاج المتطور ولإبقاء البداوة وعالم الإقطاع، ويريدُ خداعنا بألفاظ ثورية زائفة.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=290773&r=0

الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي

توطئة

تحاول هذه الدراسة أن تطرح شيئاً جديداً على صعيد دراسة القصة القصيرة في البحرين والأدب العربي عموماً، عبر دراسة محور فني معين كجزء من دراسة العالم القصصي، وهذا المحور هو محور الراوي، أي كيف يتحول الكاتب القاص إلى راوٍ، أو مسجل للوقابع والشخوص، وما هي علاقة عملية رويه  بالأجزاء الأخرى من القصة لديه.

لا شك إن وجود الراوي المستمر يعتبر ثيمة فنية ليست في قصص محمد عبد الملك المدروسة هنا فحسب، بل في كل قصة تعتمد على موضوعة التسجيل والأرشفة الاجتماعية، ولا شك إن كثرتها واستمرارها تعبر هي الآخرى عن جوانب دلالية عديدة.

وهذا التعبير قد خص جنساً قصصياً محدداً «وهو القصة القصيرة»، وهو أمرٌ ذو دلالة تعبر عن حداثة نشأة القصة القصيرة في الأدب العربي بالبحرين والجزيرة العربية.

وقد ذكر الناقد المصري أحمد محمد عطية:

«نشر محمد عبدالملك أولى قصصه بعنوان «رحلة الصقور» بجريدة «الأضواء» البحرينية في أخر مارس 1967، ولكنه لم يضمها لمجموعته القصصية الأولى «موت صاحب العربة» أو لأي من مجموعاته التالية»1.

إن ظهور القصة القصيرة الجديدة في البحرين في نهاية الستينيات، يعبر عن البداية الشاقة لهذا الفن في المنطقة، وحتى التاريخ السابق للقصة القصيرة لم يؤد إلى تجذرها ورسوخها كجنس أدبي ذي أهمية كبيرة في عالم الأدب المعاصر.

ومن هنا يغدو محور الراوي وسيطرته ذي دلالة على الصراع بين عملية تجذر هذا الجنس واستقلاله الفني، أو عدم ترسخه وتشابكه مع أنواع أدبية وكتابية أخرى، كالتحقيق الاجتماعي أو التسجيل الثقافي أو الريبورتاج الشخصي.

وتعبر هذه اللحظة الفنية وديمومتها عن هذا التداخل بين المستويين التعبيريين، وهو أمر قد نجده يتكرر في الآداب القصصية التسجيلية، والتي قد تنزل أحياناً إلى كتابة الحوار باللهجات العامية كتعبير «صادق» عن الواقعية، مما يعبر عن حاجة الوعي المبسط هنا في خلق مثل هذه التسجيلية، رغم أن أقساماً من الصحافة قد اختصت بمثل هذه العملية التصويرية. في حين إن الأدب القصصي يتوجه إلى طبقات تعبيرية أكثر تركيباً وعمقاً.

أي أن مسألة الراوي في هذا التاريخ الفني تختلف عن حضورها في سياقات تعبيرية تاريخية أخرى، فلحظتنا التي نرصدها تتشكل في بواكير حركة قصصية، في منطقة بكر بالقصة القصيرة الحديثة، رغم تاريخها السامق في أنوع الأدب الأخرى، ومن هنا تعبر مسألة الراوي عن جوانب من التسجيلية، بل لدى محمد عبدالملك تتشكل كبنية فنية تبدأ من التسجيل المحدود، الذي يتطابق والقضايا الاجتماعية والسياسية المباشرة، وبالجوانب المتجاوزة في القص الحديث2، إلى جوانب عميقة وقضايا نفسية وفكرية مركبة، وهو أمر يوجه مثل هذا المحور إلى أبعاد جديدة.

لكن الدراسة لا تدرس محور الراوي إلا بتداخله وصراعه مع محور آخر؛ هو المحور القريب من القصة الحديثة، فتقوم بعرض موادهما القصصية المختلفة، وتحللهما عبر المجموعات التي أصدرها الكاتب.

وسنجد خلال هذه المجموعات موضوعات كثيرة، ورؤى متعددة فيها، حسب تطور الكاتب واختلاف وجهات نظره، وبالتالي فإن محور الراوي ومحور القصة الفنية يتداخلان وتاريخ البلد المصَّور، فكما أن البلد وضع بتاريخه الثقافي الخاص إمكانية تشكل مثل هذا الأسلوب، فإن هذا الأسلوب يقوم باكتشافه ويتطور هو نفسه عبر التغلغل فيه.

إن الأسلوبين ليسا فنيين بشكل مطلق، كما أن موضوعاتهما وتبدلاتها، ليستا فنية بشكل مطلق، فالأسلوبان مرتبطان بنظرة الكاتب التي هي جزء من الوعي الثقافي والإيديولوجي العام، وهذا الوعي جزء من وعي الفئات الوسطى وحركتها السياسية والاجتماعية في بنية اجتماعية ذات مسار تاريخي خاص بها، وعام مرتبط يتطور الأمة العربية، وكل هذا يتجسد في الأبنية القصصية وأساليبها.

وكما أن الأسلوبين مرتبطان بالإنتاج المادي والثقافي، فلهما أيضاً ارتباط بالقارئ، فدرجة تطور القراء ومستوياتهم تؤثر أيضاً على تطور أو جمود الأساليب الفنية.

وسنقوم في الكتاب النقدي بعرض القصص وموادها، بحيث يتاح القارئ أجواءها وصورها ومواقفها، كما نقوم بتحليلها بشكل ملموس متنام عبر الفصول، بحيث تتكشف له الموضوعات والثيمات والمحاور والدلالات جميعاً.

إن اختيارنا لهذا الكاتب ولهذه القضايا الفنية هي عملية حفر مغايرة للمناهج النقدية التي لا تولي تشكل #المدرسة_الواقعية أهمية كبيرة، نظراً لارتباط هذه المدرسة بقضايا الحرية الاجتماعية وتصوير حياة الناس في ظل أنظمة شمولية، تعمل على تغريب المدارس الأدبية والفنية، أو تسطيحها، بحيث لا يتم تشكل حفر معرفي وفني في هياكلها.

 نشأت #القصة_القصيرة_في_البحرين والخليج العربي في الأربعينيات والخمسينيات حين ظهرت الصحافة التي ارتبطت بدورها بعملية التغيير السياسي والاجتماعي المتشكل ببطء في المنطقة.

لقد كان ظهور القصة القصيرة صعباً رغم تشكلها في الأقطار العربية الأخرى، وحين بدأ كبار المثقفين البحرينيين بالإنتاج الفكري والإبداعي، اختاروا الشعر والمقالة السياسية.

فإبراهيم العريض الذي بدأت ممارسته الإبداعية تتشكل منذ أوائل الثلاثينات، توجه للشعر، والمسرحية والملحمة الشعرية، وفي كل نتاجه الشعري هذا كانت القصة داخلة في نسيجه، دون أن تتجسد بنوعها المستقل.

كذلك برزت في صحافة الخليج النادرة وقتذاك ترجمات من القصص العالمية خاصة في جريدة البحرين «1939 ـ 1945»، وظهرت فيها قصص محلية كانت تتخفى تحت أسماء مستعارة، وكانت قصصاً قليلة.

ويعبر توجه كبار الكتاب للشعر، وتواري قصاصين وراء الأسماء المستعارة، عن القيمة السلبية لفن القصة، رغم وجوده الكثيف في القرآن والكتب الدينية عامة.

لكن عبر تدفق الوعي والنهضة المستمرة في البحرين أخذت مكانة القصة تتسع، ففي مجلة «صوت البحرين» التي ظهرت في أواخر الأربعينيات، ظهرت أسماء حقيقية كرست جزءً من نشاطها كله أو جزءً رئيسياً منه من أجل فن القصة.

كان أبرز الكتاب هما #أحمد_كمال و #علي_سيار اللذان استمرا في إنتاج القصة القصيرة لبضع سنوات، ولكنهما تركاها أيضاً، وكرسا نفسيهما للصحافة، وواصل علي سيار علاقته بالقصة في البحرين عبر جريدة «القافلة» التي كتب فيها قصصاً قصيرة جداً، ثم تركها للمقالة، ليعود إلى القصة القصيرة أثناء وجوده في الكويت، حيث صاغ مجموعته القصصية الوحيدة ونشرها في البحرين سنة 1975 عن دار الغد.

يعود ضعف فن القصة في البحرين والخليج وقتذاك إلى تأخر النهضة عن الدخول إلى الجزيرة العربية، أسوة ببقية الدول العربية، التي بدأت العملية الإبداعية منذ أوائل القرن العشرين بصورة فنية.

كذلك فإن الميراث التقليدي الذكوري السائد نظر إلى فن القصة بصورة متدنية، وحين بدأت المؤثرات الفكرية والفنية بالتوغل في المنطقة فإن قصص المنفلوطي وميلودراما السينما المصرية كانت هي المنتشرة في الذهن الثقافي العام.

ومن هنا كان الوعي الفكري الذي يرفد هذه العملية الإبداعية المتعثرة هو وعي إصلاحي خطابي يركز على إصلاح العائلة، باعتبارها هي بؤرة الإصلاح الاجتماعي المنشود. وهذه العائلة بطبيعة الحال تظهر كنسيج جديد في محيط قبلي، وهذا التضاد والتجاوز هو أقصى ما استطاعت القصة القصيرة طرحه من مضمون اجتماعي. أي أن مفردات الواقع الموضوعية كالشعب والحداثة والطبقات والاستعمار، لم يكن من الممكن وصولها إلى هذا «القالب» التعبيري.

 إن هؤلاء الكتاب القليلين المنبثقين من الفئات الوسطى المتعلمة، كانوا أقرب لـ«الحداثة»، ولهذا لكي يطرحوا خطاباً فنياً «هادفاً» كان لا بد لهم من التوجه لتغيير المجتمع، ولا يمكن في نظرهم تغيير المجتمع دون إصلاح العائلة، التي هي البؤرة في عملية الإصلاح المنشودة، ولهذا كانت العائلة ومشكلاتها هي الموضع الفني السائد.

وبطبيعة الحال كان هذا يترافق وظهور العائلة الصغيرة، المنسلخة من القبيلة، ومن البيوت الكبيرة، وكان هذا شكلاً لتعي الفئات الوسطى وجودها المميز المنسلخ من الحياة التقليدية.

إن المجتمع الإقطاعي المحلي يقوم على هيمنة شكل القبيلة على الحياة الاجتماعية، ولقد كانت القبيلة هي التكوين القرابي المفيد والفاعل في عمليات تشكل المدن والقرى في بدئها، وكانت عمليات الإنتاج في البحر والريف تتم على هذا الأساس العائلي الكبير، ولكن هذا التكون القبلي أصبح معيقاً للتطور مع ظهور المدن ونموها، وتشكل المصالح المتضادة بين البحارة والفلاحين من جهة، والربابنة والطواشين «تجار اللؤلؤ» والشيوخ، من جهة أخرى.

ومع نمو التجارة وظهور التكوينات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، بدأت الفئات الوسطى المدنية في طرح ضرورة التجديد في الحياة، وفي كل مستوى من مستويات البنية الاجتماعية كان هناك شكل من التفكير، وهذه العملية استغرقت عقود الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، حيث بدأت بصورة أدبية وفنية، بطرح الأنواع الفنية والأدبية الحديثة، وتوجت بالتيارات الفكرية والسياسية.

إن النمطين الأساسيين من وعي الفئات الوسطى البحرينية والعربية، فكلها يعكس درجات من منظومة اقتصادية اجتماعية كبرى، هما الوعي التابع للغرب، والوعي التابع للإقطاع السياسي والمذهبي.

ومن هنا كان وعي الفئات البحرينية في ذلك الزمن من تطورها، يطرح الجمع بين الغرب والإسلام، وهو شكل من الوعي النهضوي الأولي الذي كان مصاحباً للنهضة العربية الأولي، عبر الأفغاني ومحمد عبده وكذلك عبر #فرح_أنطون و #سلامة_موسى.

وفي المستوى الإبداعي فإن مثل هذا الوعي لم يستطع سوى أن يشكل بدايات الأنواع الأدبية، وفي الموضوع كان موضوع الأسرة ومشكلاتها هو البارز كما قلنا في القصة القصيرة، وقد أُخذت الأسرة كمفتاح لمعالجة المشكلات، بزحزحة التقليد ولتكوين جمهور فكري للفئات الوسطى المشتغلة بالعمل الفكري والسياسي الجنيني.

لقد ظهرت الأسرة الحديثة كشكل اجتماعي يعكس التطورات الحديثة في الحياة، وكانت هي البديل لهيمنة الإقطاع والعائلة ذات النمط الأبوي، وعبر العائلة الحديثة وقيمها يمكن تغلغل المفاهيم الحديثة من مساواة وتعاون والجمع بين التقاليد الإسلامية «السمحة» والعصر، وكذلك قيم الحب بين الرجل والمرأة، وإنجاب أطفال متعلمين، وبالتالي فتح الباب لقيم النهضة المختلفة.

وتغدو كل الظواهر الاجتماعية المعيقة لوجود مثل هذه الأسرة الحديثة ظواهر سلبية، ابتداءً من الخرافات والدجل إلى المهور المرتفعة واستهتار الأب: الرمز الاجتماعي للأبوية المريضة.

وبطبيعة الحال فإن الوعي القصصي والفني عموماً يأخذ هذه الأسرة كشكل مطلق، خارج البنية الاجتماعية، رغم تحسسه أحياناً لعلائقها، فيغدو إصلاحها هو إصلاح المجتمع وتغييره.

وثمة عشرات التجسيدات لهذا الموضوع، وثمة شكلان أساسيان لها، والأول أن تكون الأسرة في مرحلة الكمون، والثاني أن تكون في لحظة الوجود الحقيقي.

فقد نجد شاباً أرغم على الزواج من أخرى لا يريدهاً فتغدو الحبكة القصصية قائمة على إثبات فشل هذا الإرغام.

أو أن نجد أسرة سعيدة ولكن تنشأ عراقيل تمنع استمرار سعادتها فتهدمها، وتغدو الحبكة إثبات الحصاد الأليم لهذا التفكك الأسري وتحطيم الخلية الأساسية للمجتمع دعامة النهضة.

في قصة «جناية أب» لأحمد سلمان كمال نجد الشخصية الحورية وهو الابن يرى أمه وأخته الصغيرة تنتقلان إلى بيعت من بيوت السعف السائدة وقتذاك، كمساكن للأغلبية العاملة، بعد أن طلق أبوه أمه، ولكن الولد لم يكن يعرف حينئذ معنى الطلاق، ويظل مع أمه وأخته، إلى أن يكبرا، فينتزعهما الأب من أمهما ليجعلهما يعيشان الذل والعذاب في خدمة زوجته الجديدة التي تؤذيهما كثيراً بل أنهما يتحملان المرض وغياب التعليم، من أجل مواصلة العريش، وحين تتوفى أمهما يحرمان حتى من الذهاب إلى جنازتها  وحينئذ يهرب الابن من بيت والده ليتلقفه الشارع. وحين يعمل عملاً شاقا لا يلبث أن بصاب بعاهة تلزمه الفراش فيضطر للاستجداء لكنه يواجه سخرية الناس، وتدفعه كل هذه الظروف الاجتماعية أخيراً إلى السرقة، أما أخته فقد اندفعت نحو «الرذيلة» كي تتمكن من مجابهة قسوة الحياة بمفردها.

وفي قصة «المجنونة» لنفس المؤلف يرغم الأهل المرأة على الزواج من رجل كبير السن لا تحبه، لأنهم أرادوا استغلال الرجل، والأهل عائلة متواضعة الحال، ينتهزون فرصة تقدم الشيخ الثري لخطبة ابنتهم، من أجل الخروج من وضعهم الصعب. ولكن ما أن يقوموا بهذا العمل حتى تتدافع الكوارث عليهم وعلى المرأة بوجه خاص، فقد ذهب جمالها وتصاب بالسأم من هذه الحياة ثم تنجب وتشيخ بصورة مبكرة وفظيعة وتتوفى عنها أمها ثم أبوها ويمرض زوجها فتزداد حياتها مرارة حتى تُصاب بالجنون لتندفع في فورة غضب نحو زوجها فتقتله وتظل هائمة ليرعاها أحد أقربائها وسرعان ما تقتل نفسها كذلك.

إن الكاتب في القصتين لم يختار لحظة محددة من حياة شخصياته، بل قام بسرد تاريخها كله، وهو تاريخ يبدأ من لحظة الطلاق أو الزواج. في القصة الأولى التي تبدأ بالطلاق فإن المآسي العديدة تتدافع على الشخصيات دون أن تدع لها مجالاً للتشكل الفني الموضوعي، فلا تتجذر في مكان أو زمان، كذلك فإن بنيتها النفسية الداخلية لا تتشكل، وتغدو المواقف القصصية مفروضة عليها من الخارج، فتصير تكوينات القصة لا تنمو من بناء موضوعي، بل بإرادة المؤلف.

وتؤكد القصة الثانية ذات الطريقة الفنية، ويُلاحظ هنا التعبير عن مواقع الأحداث بالشكل الميلودرامي العنيف، حيث تصح القصة القصيرة قالباً من الوقائع القاسية المفروضة من الخارج دون أن يكون للشخصيات والبناء واللغة، دور في تكوين مقاومة ما.

ونجد هذه الطريقة التعبيرية لا تنطبق على القصة القصيرة البحرينية بل على الكويتية أيضاً، بسبب مستوى التطور الاجتماعي المتقارب.

فنجد في قصة «ظلام» التي كتبها #فهد_الدويري و #حمد_الرجيب بصورة مشتركة نفس القسمات القصصية البحرينية، فهي تقدم لنا شخصيتين «رجل وامرأة» هاربتين من المجتمع، تجمعهما القصة في مغارة مماثلة لظلمة أعماقهما المنهارة. وندرك بأن المرأة قد مزقت طفلها الوحيد! أشلاء ورمتها انتقاماً من أهلها الذين أرغموها على الزواج من رجل كبير السن لكي يرثوا أمواله عن طريق ذلك الطفل، أما الرجل فهو أيضاً كان هارباً من أهله بعد أن أرادوا تزويجه من امرأة تحقق لهم طموحاتهم في النسب والمال.

نجد هنا تخففاً من سلسلة المصائب والكوارث التي اعتاد أحمد كمال حشدها في كل قصة من قصصه، بل شيئاً من التقنية الفنية التي وحدت شخصيتين في مغارة ذات شعاع رمزي واضح، ولكنها أيضاً اعتمدت على نفس النسق من الميلودراما الحدثية المرعبة خصوصاً في قتل الأم لطفلها.

إن القصة هنا تلغي الحدث الموضوعي وبناء الشخصية ورسم الوسط والنسيج العضوي، معتمدة على توصيل فكرتها الأخلاقية الوعظية بالأحداث والشخوص العنيفة المتقلبة، وعبر لغة زاعقة تترافق ومثل هذا النسيج.

ولم يستمر هؤلاء الكتاب في إنتاج القصة القصيرة بل سرعان ما توقفوا، ولكن مثل هذا النمط القصصي استمر بعد ذلك في النتاج غير الفني للقصة وفي بعض المسرحيات والتمثيليات الإذاعية والتلفزيونية، بل لقد عاد لدى قسم من الشباب في أواخر القرن العشرين الذي لم يتابع تطورات القصة الفنية.

بينما اعتمدت طريقة أحمد كمال على المبالغات الميلودرامية ومشاعر الشخصية المغرقة في الحزن المعتم، فإن علي سيار استند على #ميلودراما أقرب للحياة، وفي أحيان عدة على ملامح تقترب من الواقعية.

وقد تجاوزت مجموعته «السيد» المستوى الذي وصل إليه فن القصة القصيرة وقتذاك، ولكن المجموعة عكست كذلك الحدود التي لم يستطع ذلك الفن تجاوزها.

تبدأ القصة بعد أن يُسجن بطلها الشاب. إنه يجلس في الزنزانة مُسترجعاً شريط حياته القصير بشكل مكثف وسريع، ملتقطاً أهم الحطات فيه، وهذه العملية الاسترجاعية رغم الرسم المسبق لها، إلا أنها أكثر حيوية ومعقولية من كهف الدويري والرجيب، والراوي يزعم في البدء إنه يبدأ شريط الذكريات في عيد الأم، ويصادف ذلك إن يوم عيد الأم هو يوم عيد ميلاده، والقاص يهدف من وراء هذه المصادفات العطف على الطفل السابق، اليتيم حالياً، والمسجون كذلك، والمحروم من الأم ومن العيد ومن الحرية!

تبدأ القصة في استرجاع خيوط «المأساة» من تطليق أبيه لأمه، أي أن تفكك العائلة هو باب المصائب التي ستتوالى بعدئذٍ. إن أباه يستدعي أمه فجأة، ويتضح للابن الصغير إن لهجة أبيه تنذر بالخطر، وفعلاً يحدث الانفصال ويتجه الصبي مع أمه إلى بيت الجدة.

ولا نجد هنا أي تفصيل هام عن الأب، وسرعان ما تنقطع علاقته بولده، ولا نجد هنا أي أثر للنفقة الشرعية الدينية، وتواصل الشخصية سرد حكايتها، فهي تندفع للعمل مساعدة لأمها، التي تشتغل ليل نهار، ويجد الصبي عملاً عند إحدى الأسر الغنية التي تفصله عندما وصل سن السادسة عشرة سنة خوفاً على بناتها، وأخيراً يقع في براثن تاجر يتظاهر بالطيبة وسوء الحال، لكي يحوله إلى مهرب محترف، فيقع في يد الشرطة.

 إن القصة مصاغة بعين الراوي، الذي ليس هو المؤلف، ويتيح ضمير المتكلم جعل الشخصية هي التي تفعل وتعبر، مما يجعلها أقرب للصدق، ولكن هذا الروي البسيط تكرس عبر السرد فقط، ولم يتضفر وأشكال أخرى من التعبير كالحوار. ومع ذلك فهذه درجة من الموضوعية الفنية لم نبلغها سابقاً.

 لقد بدأنا من الأسرة باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع، وكان مرض هذه الخلية هو بسبب   استبداد الرجل/الأب وتطليقه للأم. ويقدم المؤلف صورة مغايرة لاستبداد الرجل، حين يصور كيف عملت المرأة الأم بدأب وتضحية من أجل تنشئة ولدها، ولكنها مع ذلك لم تستطع أن تخلق إنساناً ناضمجاً، ويعود هذا الشرخ أيضاً لـ«عادات» المجتمع، كما حدث للشاب في الأسرة الغنية، وبالتالي كانت هناك مشكلات اجتماعية وراء سقوط الشخصية.

بعد هذا فإن علي سيار حاول أن يتجاوز المستوى الفني للقصة الخمسينية، وقد كتب العديد من القصص ذات البناء الفني الذي يقترب من القصة الحديثة.

فنجد قصة مثل «المعركة» من مجموعة «السيد» تصور شخصية ربان سفينة هو بومحمد، يظل يردد عبارة «بوسعود كذاب.. سفينتي لم تغرق»، طوال سنوات تمتد من 1935 إلى 1964 حيث يموت.

والقاص يتتبع أسباب جنونه في حدث واحد هو بنية القصة، فقد كان بومحمد يتحدى بوسعود الربان الآخر، ويصمم على جلب لؤلؤة أكبر من تلك التى جلبها منافسه، وفجأة يرى سفينة بوسعود قادمة نحوه وتكاد تسبقه، فيعلن الاستنفار في سفينته مؤيداً بحماس بحارته، وينطلق متحدياً الربان الآخر في سباق جنوني، ولم تكن هناك ريح، لذا رفع الربانان الشراعين الكبيرين، ولكن فجأة أيضاً تهب ريح قوية فتندفع السفينتان بعنف. ويصر بومحمد على مواصلة الاندفاع رغم تحذيرات البحارة الذين يشتبكون معه ويكتفونه بعد أن يصر على جنونه، وفي خضم العاصفة والصرع فإن السفينة تغرق. إن موت مجموعة من البحارة وغرق السفينة وفشل تحديه تجعل بومحمد في حالة الجنون الطويلة تلك.

تقوم الحكاية على سرد حدث صغير بشكل متدرج ومشوق، والقاص يدخلنا هذا الحدث بضربات سريعة، رابطاً بين نفسية بومحمد ووصف الطبيعة والسفينة، عبر حالة التهيج والإثارة التي تنتقل من الذات إلى الخارج. وتنتقل عدوى الحالة النفسية إلى الحدث فيظهر الربان المنافس، فيشتعل الحدث القصصي عنفاً وهياجاً.

ويُلاحظ هنا كيف انتقلت القصة هذه إلى وقائع الصراع البحري، متخلية عن الموضوع شبه الوحيد للقصة السائدة، وهو موضوع الأسرة، مجسدة صراعاً اجتماعياً رغم طابعه الفردي الاستثنائي. وإذ يعتمد القاص هنا على وقائع حقيقية، فإن ذلك يعبر عن الطابع الصحفي القصصي الذي راح يكتب به، مما فتح للقصة ميدان الوقائع اليومية والأحداث الحقيقية. وسوف يواصل علي سيار هذه العملية القصصية مطبقاً إياها على التحقيقات والقص السياسي والاجتماعي، دون أن يعتني باللغة الجمالية الفنية القصصية. إن هذه العملية راحت تضع حداً للقص الميلودرامي.

وقد طرحت قصص هذه المرحلة بقوة مسألة «الواقعية»، فكيف نظر أدباء ومثقفو هذه الفترة للقصص وطبيعتها؟

نجد إن أغلب لافتات القصص تدعي الانتساب إلى الواقع فنقرأ من هذه اللافتات:

«قصص من الواقع» أو «من مآسي الحياة» و«من القصص الواقعي».

 ويصر فهد الدويري القاص الكويتي في تلك الفترة على فهمه ذاك للواقعية قائلاً:

«تسألني متى حدثت وقائع هذه القصة؟ حسناً، إني لا أعلم متى حدثت يا سيدي، ولو لم أكن أقتطف ما أقصه عليك من صلب الواقع ولب الحقيقة لحددت لك تاريخها باليوم والشهر والسنة كما يفعل كتاب القصة الذين يختلقون قصصهم اختلاقاً، ويلفقون الوقائع، وتاريخ وقوعها ليوهموا القراء بأنها حقيقة واقعة»‹3›.

يتصور هؤلاء الكتاب إن نقل الوقائع الحرفية من الحياة هي الواقعية، وكلما طابقت الأصل كلما كانت أقرب إلى الصدق والنموذج الخارجي، ورغم أنهم يصيغون هذه الوقائع الحقيقية صياغة تُبعد بها كثيراً حتى عن الأصل الذي يتوخون مطابقته.

إنهم يقومون بتسجيلية معينة لوقائع الحياة، وقد تقطعت صور هذه التسجيلية وحُلقت في معمار ميلودرامي، حافل بالتقرير والنصائح والإرشاد، ولكن هذا المعمار ليس مهماً بقدر ما هو قريب من تسجيل الحالة.

وكانت هذه العملية تمثل شعوراً طاغياً لدى كتاب المرحلة التي حاولت أن تتجاوز الأشكال الرومانتيكية السابقة، فهذه التسجيلية الميلودرامية كانت مفيدة في آنها للدخول في حياة الخليج والجزيرة العربية.

فقسمٌ هام من الشعر الذي كتبه أمثال #إبراهيم_العريض و #أحمد_محمد_الخليفة وغيرهما كان يصف طبيعة مليئة بالجبال والأنهار غير الموجودة في البيئة، ويشكل إنساناً وهمياً، فلا نجد أثراً للعلاقات الاجتماعية الحقيقية في الواقع.‹4›.

هذه الرومانتيكية صنعت أدباً «خيالياً» ومتناقضاً مع ما يراه الكتاب التسجيليون، الذي يدعون إلى تصوير الواقع.

ومن هنا كان التركيز على الحياة #الواقعية وتوجيه الأنظار نحو نقد «الأمراض» الاجتماعية، وكانت هذه الدعوة على سذاجتها أول خطوة لإقامة صلة بالبُنى الاجتماعية. وقد رأينا كيف كانت هذه الأدلجة تتصل بنقد العائلة المفككة وبالتالي وضعت القصة القصيرة على طريق تحليل الحياة الطويل.

كان أولئك الكتاب يصورون أدبهم بأنه الواقعي، في مقابل #الأدب_الخيالي، فالواقعي لديهم في تضاد كلي مع الخيال، وهو يقوم بالتطابق مع الوقائع، رغم إن هذه الوقائع التي يصورونها هي وقائع مفصولة عن السيرورة الاجتماعية وقوانين البنية الاجتماعية، وهي عبارة عن مقولات أخلاقية. يسقطونها على هذه الوقائع.

ومن هنا عجزوا عن مواكبة تطور الحياة والقصة معاً، حيث أن فهمهم ذلك للفصل بين الوقائع والخيال، بين المواد الحقيقية التي تنتجها الحياة، واكتشاف أبعادها المتوارية، بين التصوير الموضوعي والذاتية الجمالية، إن عجزهم ذاك قد ألصقهم بمواد حسية ووقائع جزئية لم يفهموا صلاتها بجذورها وبعوالمها المركبة، كما أن الأدلجة الأخلاقية «المثالية» والنزعة الميلودرامية تحول تلك الوقائع التي تكون حقيقية، إلى أشياء مضادة للحقيقة الفنية.

وكان موقفهم الفني ذاك يتجلى في نوعية الشخوص ومواقفها فهي شخصيات تنهمر عليها الكوارث فتحطمها تحطيماً دون أن تقدر على فعل شيء، مما يعبر عن شخوص غير فنية، مثل كافة المفردات الأخرى كالزمان والمكان والحدث التي يرتكز عليها النوع القصصي.

كان الأمر يتطلب إذن مستوى فنياً وفكرياً جديداً في تحليل الحياة والفن، موقفاً تركيبياً يقوم على رصد الوقائع والظاهرات وعلى اكتشاف خيوطها الدقيقة وفعل الإنسان فيها، وبالتالي تكوين مفردة فنية قصصية مختلفة.

وهذا ما أخذت الحياة الثقافية في عقد الستينيات تستوعبه في الخليج، على أثر الاحتكاك الأعمق بالحياة الإبداعية العربية والعالمية، فظهرت في البحرين موجة قصصية وشعرية مختلفة، يعتبر محمد عبدالملك المرصود في هذا الكتاب، أحد أفرادها.

وإن الانتقال من البنية الفنية السابقة، إلى البنية الحديثة للقصة القصيرة والرواية، كان يحتاج إلى زمن أدبي واجتماعي، ولهذا فإن التداخل بين البنيتين كان ضرورياً، وخروج القصة الفنية المكتملة الناجزة هو أمر غير ممكن، دون الحلقات الوسيطة.

ولهذا فإن الدراسة عن القاص #محمد_عبدالملك تتجه إلى محور أساسي وشامل كذلك، فمحور الراوي يتناول عملية التصوير التسجيلي للحياة وللواقع والنماذج، وهو يعني حرفياً وجود القاص المسجل للحياة وجزئياتها، مما يقود إلى التقاط مظاهر من الحياة، يقترب بها من فن الفوتوغرافيا، ومع تقديرنا لهذا الفن التصويري، لكنها مفردة ضرورية لتوضيح طابع التسجيلية للوقائع، في عمل الراوي، حيث تتطلب عمليات القصة إعادة النظر في هذه الوقائع، واكتشاف خيوط تطور الواقع.

وفي سؤال للقاص محمد عبدالملك عن من هو الراوي الشاهد المستمر في بعض قصصه، فيقول:

«الراوي، في قصصي هو أنا في الواقع من خلال مشاهداتي وأحاسيسي»، ويضيف حول الحارة التي يقوم بتصويرها:

«كنت أعيش في حارة شعبية مليئة بالنماذج الشعبية، وكنت أعرفها تمام المعرفة، أي أعرف تفاصيل حياتها، لذلك كان تأثري بها شديداً، وكانت هذه النماذج متوهجة لأنها كانت موجودة في فترة متوهجة أيضاً، والان أفتقد هذه النماذج..»5.

إن هذه العمليات الفنية المتداخلة بين القص التسجيلي والقص الواقعي ستكون من المحاور الأساسية في هذا الكتاب، والذي يكون أسلوب الراوي وجهه الفني والتعبيري.

من أبرز المهتمين بالجربة القصصية القصيرة في بداياتها الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم الذي درس المجموعات القصصية الأولى لمحمد عبدالملك، وهو يعرض الخطوط العريضة لهذه التجربة قائلاً:

 «لقد اتجه محمد عبدالملك إلى تحليل الظواهر الأساسية في التطور الاجتماعي، فنظر فيه إلى الإنسان باعتباره وحدة متحركة مع ذلك التطور لأنه لا ينفصل عن البيئة وظروفها..» «كما تكون شخصياته نمادج لهذا الظرف، أو الواقع الموضوعي الذي يتمثل في حياتها.»6.

ويدرك الباحث إن مسألة التحليل لدى القاص ترتبط بمشكلات فنية كقوله:

«وينطبق ذلك على تصوير محمد عبدالملك للنماذج البشرية بتفاصيل تصدر غالباً من الواقع الخارجي، حيث نجد أنها كلما اقتربت من الكشف والإفصاح عن براثن المجتمع الرأسمالي أصبحت قيمتها الفنية ألصق وألزم برصانة التصوير الواقعي، وبتجسيد النظرة التقدمية أمام مظاهر الوجود الاجتماعي. بينما حين تبتعد عن ذلك الكشف والإفصاح تتضاءل قيمتها بل إنها تصبح فتوغرافية الإدراك، تمتد لما هو عشوائي وما هو أساسي على حد سواء.. الأمر الذي يباعد بينها وبين عملية الإبداع في فن #القصة_القصيرة.»‹7›.

لقد كتب الباحث #إبراهيم_غلوم هذه الدراسة في بدايات القصة القصيرة الحديثة، ولهذا فإن مفاهيم عديدة لدى الباحث تكون قد تغيرت، ولكن إذا أخذنا بعض هذه المقولات وقمنا بتحليلها فسوف تضيء لنا جانباً من عالم القاص، فقد ارتبطت القصة لدي عبدالملك بكشف هذا الواقع، لكن عبر المفاهيم #الأيديولوجية السائدة في تلك اللحظة المبكرة من الوعي الفني، أي بغلبة مفاهيم الانعكاس، وبتداخل القصة القصيرة وكتابة الريبورتاج والمقالة، ولهذا فإن مفاهيم مثل الواقعية و #الواقعية_الاشتراكية تصبح محل شك وإعادة نظر.

فنستطيع أن نقول إن أعمال عبدالملك في هذه المرحلة تنطبق عليها مواصفات التشكيل الأولي للواقعية، حيث يغلب أحياناً لدى الكاتب «التصوير الخارجي» والذي غالباً ما يرصد الظواهر الاقتصادية والاجتماعية الفاقعة، وكذلك أيضاً مسار الطبقات الفقيرة، ونمو مسار الصرع الاجتماعي والوطني.

إن الواقعية باكتشافها للقوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي والروحي، تغدو عملية عسيرة في قصص تتوجه إلى التصوير الاجتماعي العام المنمط، وفي مجتمع تقليدي، أي يمتاز بهيمنة الإقطاع السياسي والديني، ولهذا فإن أوصافاً مثل المجتمع الرأسمالي والبرجوازي ينبغي أن تؤخذ بحذر شديد8.

ولهذا فإن فاعلية محمد عبدالملك القصصية تندرج في إطار فاعلية الفئات الوسطى ومحاولاتها للصراع ضد المجتمع التقليدي، وهو مجتمع تقليدي تتغلغل فيه علاقات رأسمالية كبيرة دون أن يتحول إلى مجتمع حديث بشكل شامل.

ولهذا فإن القاص وهو يسجل معاناة الطبقات الشعبية يرصد آليات النظام التقليدي التابع وهو يغدو رأسمالياً، فيدمر المهن القديمة المرتبطة بالاقتصاد القديم، اقتصاد الغوص والحرف، ويشكل فئات تجارية مستوردة، وينمو جهاز الدولة المالكة الأكبر لوسائل الإنتاج، شركة البترول خاصة، مما يعطي الإقطاع السياسي الحاكم موارد مالية كبيرة للسيطرة على البنية الاجتماعية، وعدم جعلها ديمقراطية في كافة مستوياتها، ولكون الإقطاع السياسي يهيمن عبر واجهة مذهب ديني، فتتشكل المعارضة عبر واجهة مذهب ديني آخر، مما يعبر عن إشكالية المجتمع التقليدي وأزمة تحوله إلى الرأسمالية الحديثة.

 إن هذا الوعي الفكري المكتشف أخيراً ليس هو الوعي الفكري الذي يظلل التجربة الفنية في بدايتها، حيث كانت تقفز الشعارات الكبيرة، وهو أمر سنجده يتمظهر في القصص ونقد القصص كما لدى الناقد إبراهيم غلوم، ولهذا فإن الناقد يقيم تجربة عبدالملك القصصية في خانة «الواقعية النقدية»، وليس #الواقعية_الاشتراكية، فيقول «ومن خلال ذلك اكتسبت تلك النماذج دلالتها الثورية لأنها وإن لم تبلغ ملتقى التصور الاشتراكي فإنها تؤكد دوماً رغبتها في التغيير والتحرر..»‹9›.

إن التحديدات الحامة للتطور الاجتماعي باعتبار المجتمع رأسمالياً ناجزاً، يتمظهر في الوعي النقدي بعدم دراسة نشوء الواقعية بصورة دقيقة، فتقفز التوصيفات النقدية إلى الأسماء الكبيرة المؤدلجة، في حين إن كلمة «الواقعية» بحاجة ذاتها إلى البحث واكتشاف سماتها في القصص.

ومن هنا فإن الوعي النقدي إبراهيم غلوم يكتشف التضادات الأسلوبية العامة في القصص، من حيث انقسامها إلى قصص تصويرية تسجيلية، وإلى قصص فنية، وكون الأولى ترتبط

غالباً بالعامة، والقصص الأخرى بالمثقفين10، ولكن هذا الانقسام في الشخوص يعكس انقساماً في الأسلوب القصصي، وانقساماً في الرؤية الإبداعية كذلك، وهذا ما نقوم بتحليله في هذه الدراسة.

وترتبط هذه العملية الفنية الداخلية بتطورات اجتماعية وفكرية خارجية، ولهذا فإن السمات «الواقعية» ونموها أو تراخيها سترتبط بعمليات التحليل للحياة وللنماذج، أي بعرض هذه المفردات الفنية في منهج يكشف جذورها أو يغيّب هذه الجذور والفاعلية.

________________________

‹1›: أحمد محمد عطية، كلمات من جزائر اللؤلؤ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988، ص 37.

‹2›: «كما تغص بعض قصص مجموعة عبدالملك الأولى بالسرد التقريري والوصف الخارجي والشخصيات المسطحة، غير أنها تجمع بين واقعية الحدث والتعبير عن الشخصيات المعذبة والمطحونة..»، «كما ترد في بعض قصصه الأولى تعليقات الكاتب المباشرة وتدخل الراوي بالتعقيب على الأحداث أو الحوار..»، «المصدر السابق، ص37».

  ‹3›: إبراهيم عبدالله غلوم، القصة القصيرة في الخليج: الكويت والبحرين، ص 223، منشورات مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة.

‹4›: #علوي_الهاشمي، ما #قالته_النخلة_للبحر، دار الحرية للطباعة، بغداد، ص 352 ــ 354.

 ‹5›: من حوار مسجل مع القاص محمد عبدالملك.

 ‹6›: القصة القصيرة في الخليج العربي، ط 2، 2000، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 594.

    ‹7›: المصدر السابق، ص 597.

‹8›: يقول إبراهيم غلوم عن شخصيات الكاتب: ففي حياتها تنطبع ردود فعل بشعة لقوانين المجتمع البرجوازي..، ص601، المرجع السابق.

 ‹9›: المصدر السابق، ص 618.

 ‹10›: تنقسم دراسة إبراهيم غلوم عن محمد عبدالملك إلى فصلين يعرض أحدهما نمادجه العامة، ويعرض الثاني نماذجه من المثقفين، ولهذا فإن الباحث يقول: أن النماذج التقليدية المجهدة في قصص محمد عبدالملك لا تستوعب موقف البطل الثوري بقدر ما تستوعب موقف الإحتجاج والنقد للواقع فحسب، ص611 .

الفصـل الأول

ملامح عامة لتطور القصة القصيرة في البحرين

   في كتاب إبراهيم عبدالله غلوم «القصة القصيرة في الخليج العربي الكويت والبحرين»، راجع الطبعة الثانية الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2000، هناك ذلك البحث التفصيلي الذي يقدم الكثير من المواد  الاجتماعية والفنية لأي دراسة تعميمية جمالية بشأن بواكير تشكل القصة القصيرة بل والوعي القصصي، الروائي ضمناً.

تتطلب المادة الكبيرة التي يقدمها الكتاب للباحثين القادمين، والشباب خاصة، ليس فقط عدم الرجوع لكل تلك الأكداس من الصحف والمجلات القديمة التي اهترأت أوراقها أو ضاعت، وإلى الكتب والقصص التي توارت واختفت من على الخريطة الأدبية، بل كذلك بضرورة تضفير تلك المادة عبر أبحاث جديدة في ميدان القصة القصيرة، تجمع ما بين الحس الاجتماعي الفني للباحث إبراهيم غلوم والمناهج النقدية الجديدة.  

  المادة القديمة الضخمة التي يقدمها الباحث تقود لا محالة إلى رفدها بالمواد القصصية الكبيرة والواسعة التي تشكلت بعد هذا الكتاب «الموسوعة»، وهى مواد من الاتساع والكثرة بحيث إن الحديث عن بلدين هما الكويت والبحرين كرائدين في عالم القصة في الجزيرة العربية، أصبح متجاوزاً بشكل كبير، كذلك من الضروري إعادة درس تلك الأحكام التي كنا نطلقها بسهولة عن «المدرسة» الأدبية القصصية كالحديث عن رومانسية منجزة وواقعية منجزة، بل وعندما نتخطى المادة المتواضعة بين أيدينا مطلقين عليها أسماء مدارس ذات تاريخ ثقافي وإبداعي عميق.

فمن الضروري إعادة درس تلك المادة مع إبداء كل الحماس الأكاديمى الذي كرسه الباحث إبراهيم غلوم في جمع وعرض ونقد المادة، والدرس ليس درساً يلغي ذلك العرض «البيئى والاجتماعي»، كما يفعل الطلاب الباحثون الجدد حين يغرقون أبحاثهم في مصطلحات مستوردة تواً من أحدث القواميس والمحاضرات الشكلانية في الأدب. فغالبا ما تطفو هذه المصطلحات طفواً على أجساد النصوص، دون أن تشكل أي علاقة حميمية بها، ولهذا فـإن درس كتاب «القصة القصيرة..» المذكور، يعطي القارئ والدارس فرصة لرؤية التحام المنهج بالمادة الاجتماعية والقصصية، دون أن تجور المناهج على المادة الفنية، بل تأتى أغلب الأحكام النقدية من عملية غربلة واسعة للمادة القصصية، وهي تنمو بها وتتعالق معها.

وهنا يشكل هذا الكتاب كيفية صناعة الأبحاث الفدائية في زمن بدء صناعة الأدب والنقد، فوراءه مغامرات سفر وحياة وأكثر من نصف قرن من حياة متوارية عميقة للخليج العربي وهو يتشكل إبداعياً واجتماعياً.

لا شك إن المقدمات الاجتماعية مطولة وكبيرة، فهناك عمليات تتبع للنهضة في البحرين والكويت في شتى مناحي الحياة الاجتماعية والفكرية النهضوية، ومن هنا فإن الكتابات النقدية الجديدة ليست بحاجة إلى مثل هذه العودة للخلفيات، خاصة إن الكتاب يقوم ببناء جسر بين المواد الاجتماعية الأولية والبناء القصصي الأولي، فكل من الطرفين لم يستقل استقلالاً نوعياً بعد، وهو يجسد المرحلة الانتقالية للقصة القصيرة و«الرواية» في تشكلها وتكونها النوعي.

والكتاب يحمل في عظمه الفكري هذه الطبيعة الانتقالية للوعي النقدي وهو يكون أدواته من رحم البحث الاجتماعي، ولكن ضخامة الاجتماعي لا تدعونا إلى إلغائه، ليس في هذا المتن، ولا في المشروعات المنتظرة في درس البُنى القصصية، فتحويل القصص إلى بنى رمزية مقطوعة السياق البشري والاجتماعي، يؤدي إلى الشكل المضاد من عملية الدرس النقدي، أي إلى الانقطاع الكلي للبُنى الفنية عن جذورها.

إن الاجتماعي في الكتاب يأتي على هيئتين: مقدمات لا صلة عضوية لها بالمتن القصصي المدروس، فالحديث عن تطور الصحافة وبدء النضال أجل حرية المرأة، وكيف ظهر التعليم والنوادي والجمعيات الثقافية من ص 71 وحتى 83، والمجلد الكامل عن دور الصحافة المحلية من ص 95  وحتى ص 127، إن هذه كلها لها وشائج اجتماعية بالقصة القصيرة كمؤثرات مسبقة على تشكلها، غير أنها بعدُ لا تمثل شيئاً عضوياً فنياً داخل القصة.

 أي أن هذا هو المستوى الاجتماعي من التطور، وهو يمكن أن يرفد القصة أو يرفد المسرح، أو حتى الوعي السياسي، لكن لا علاقة مباشرة له بالقصة، فكل هذه الظروف تهيئ المناخ لتشكل القصة، غير أنها لا تخلقها.

إن تشكل القصة يأتي من درس عملية الآداب والفنون ونموها، أي كيفية ظهور وتجسد الوعي الإبداعي، وظاهراته، ومميزاته.

وفي تلك البواكير التي يدرسها الكتاب كانت العملية عند الكاتب الواحد غير مضطردة بحيث تتحول القصة القصيرة لديه إلى ظاهرة يمكن أن تمتلك خصائص فنية راسخة خاصة في الجيل الأول التائه الملامح بين أسمائه الحقيقية والمستعارة، ولهذا علينا أن نمحص الأحكام النقدية هنا، كالأحكام الصادرة عن الريادة، وأن نتساءل نقدياً هل هذه قصص حقاً؟

والهيئة الثانية التي يدخل عبرها «الاجتماعي» هي في تحليل القصص من الداخل ورؤية قضاياها الاجتماعية، أي تلك المادة الاجتماعية المباشرة التى تتعالق معها القصة القصيرة كقضايا الأسرة بدرجة أساسية، ولا يعبر ذلك إلا عن جانب الموضوع لا المضمون. أي أن المضمون برتبط بالرؤى الفكرية، وهي التي كان ينبغي أن تكون بؤرة الدرس التمهيدي.

صحيح إن الموضوعات تتشابك الأهداف، فبحث قضايا الأسرة وإعانة الأغنياء للفقراء وأهمية دعم المجتمع للفرد، ترتبط بالوعي الفكري للقصاصين، إلا أن الموضوعات تنتمي إلى مستوى آخر من التحليل النقدي. ومن هنا نكتشف إن تحليل الوعي الفكري/ الفني هو مدخلنا الأقرب إلى القصة.

 فنحن لا نبحث كيف ظهرت عوامل النهضة في الخليج كإنشاء المدارس والصحافة الخ.. بل نقرأ كيف رأت القصة القصيرة هذا العالم بعدستها الفنية اللاصقة في هذه المرحلة؟

ولكن حتى هذا يبقى مدخلاً، لأنه في الميدان الإيديولوجي المحض، فإن قراءة البُنى الفنية الداخلية للقصة القصيرة يتطلب درس هياكلها التعبيرية، أي كيف توجهت إلى هذا المنحى، أي كيف كانت أقرب إلى المواعظ والمقالات، أي أن ندرس كيفية نشوء التصوير، وإزاحته للتقرير.

ونحن نلاحظ لدى إبراهيم غلوم هذا الخط البياني المتجه لظهور القصة، كنوع فني مستقل، ولكن يظل الدرس في جانب تحليل الهياكل الفنية العامة، بموضوعاتها وببعض أشكالها من خلال رؤية معينة، أي أن الهياكل الفنية العامة كانت بحاجة إلى اكتشاف بناها الخاصة، وهي العملية التحليلية التى تقود إلى العلم، أي إلى اكتشاف السببيات والقوانين الداخلية للبُنى.

بطبيعة الحال فإن ضخامة الكتاب ورغبته في الموسوعية والتأريخ الشامل لظاهرة تكون القصة، وضعت المقدمات لمثل هذا الدخول، فكأن إبراهيم غلوم كان فريقاً بحثياً كاملاً يضع للأجيال القارئة والناقدة القادمة الفرشة الأساسية لدرس القصة في البحرين والكويت‹1›.  

يحتاج التاريخ الأدبي المعاصر في البحرين والخليج عموماً إلى مراجعات نقدية عميقة، وكما تابعنا كتاب إبراهيم عبدالله غلوم، فقد رأينا بكارة المتابعة النقدية والتاريخية الواسعة لجنس أدبي واحد هو القصة القصيرة، في بلدين عربيين في الخليج، والكتاب يقدم للباحثين إمكانيات المراجعة والإضافة والتطوير، بعد أن وضع أساساً نقدياً وتجميعياً كبيراً لذلك.

وكما قلنا آنفاً، فإن مراجعة المصطلحات هي بداية العلم النقدي هنا، فكلمات أعلام مثل: #الرومانسية، والواقعية، والواقعية الاشتراكية، هي برسم الدرس والفحص، فهذه المصطلحات الكبيرة تقفز بنا إلى تخوم لم تُبلع، أو ربما هي من قبيل الإسقاطات الإيديولوجية، أو المقارنات غير الدقيقة، فحين يقول الباحث:

«إن القصة الرومانسية القصيرة في الخليج العربي تنهج على يد جيلها الأول نحو الإعلاء من شأن الفرد، فهي عندما تقف مع النماذج البشرية الساقطة لا تتركها من غير أن تردد أحزانها وتبحث عن الدوافع الإنسانية والاجتماعية في سقوطها، والمرأة حين تسقط لا تكون مثاراً للاشمئزاز كما هو معهود. لأنها تفعل ذلك من أجل مجابهة أثقال الحياة وقسوتها تماماً كما تفعل بعض ساقطات نجيب محفوظ ، ومحمود تيمور»‹2›.

وبالفعل فإن القصة القصيرة، بل كل القصة في تاريخها الطويل، تقف مع الفرد وتتابع سقوطه ونهوضه، والباحث بعد قليل من الفقرة السابقة يقدم لنا قصة «طواها النسيان» لموزة الزائد، تكون فيه المرأة ضحية لثري من الأثرياء، يعتدي عليها، فتنجب منه ولداً يطردها من البيت لتعيش مع جدتها، وعندما يكبر ولدها تلازمه عقدة نفسية حول كونه لقيطاً، فلا يستطيع الزواج وينتحر فتكتب أمه رسالة إلى الثري الذي اعتدى عليها منذ سنوات. وحين تصل الرسالة يجهد نفسه كثيراً حتى يتذكر صاحبتها التي طواها النسيان، ويقهقه ساخراً‹3›.

أننا هنا بحاجة أولاً لمعرفة مدى كون هذه القصة قصة قصيرة ، حيث أن النص النقدي ساق موضوع القصة، لا شكلها الفني، فمع تقديرنا الكبير لكون امرأة بحرينية في ذلك الزمان المبكر تكتب أدباً قصصياً، إلا أن العرض لم يدخل بنية القصة التعبيرية، لنرى مدى اقتراب المحاولة من تقنية القصة القصيرة، ولعلها وصلت إلى ذلك ولعلها لم تصل.

تعطينا مادة الموضوع المقدمة في هذا العرض النقدي للباحث، سمات رومانسية حقاً، كشخصية الفرد الضحية المتجهة إلى الانهيار والسقوط، والمعذبة، والحزينة، وهي سمات أدب رومانسى أكيد، وكذلك ثيمة المرأة الساقطة الضحية، وثيمة الرسالة التي ترسل من الضحية إلى الحبيب «الجلاد»، ولنتذكر هنا قصة ستيفان زفايج «والتي اُقتبست عربياً بشكل كبير وحُولت إلى فيلم: رسالة من امرأة مجهولة»، فهذه عاصر رومانسية حقاً، ولكن إلى أي مدى تشكلت أدباً قصصياً، فذلك أمر يرجع للنص الذي عُرض علينا موضوعه فحسب.

ولهذا حين تُقارن مثل هذه الكتابات البحرينية والكويتية المبكرة بأدب نجيب محفوظ ومحمود تيمور، فقط لتشابه الموضوعات، فإن الأمر يحتاج إلى أدلة وحيثيات نصوصية دقيقة.

إن مصطلح الرومانسية مصطلح متقلقل هنا، وغير مُثبت، والباحث نفسه يدرك ذلك فيقول: «ويكشف لنا نهج القصة الرومانسية القصيرة في الخليج العربي في تصويره للمجتمع عن أسلوب ميلودرامي فيه كثير من سمات التكلف والاصطناع للحدث، ولكنه يظل رغم ذلك يحتفظ بإيقاعات حزينة صادقة..»‹4›.

إن التكلف والاصطناع لا يشكلان فقط الحدث بل الشخصية كذلك والموقف، والوسط، لأن الحدث المصطنع، يعني أن الناشئ وهو يحاول تقليد القصة المنتشرة في الأفلام وفي أدب المنفلوطي، يطيح بسمات القصة بعناصرها الموضوعية من حدث وشخوص ووسط، أي أنه يلغي شروط تشكلها، مدفوعاً بمشاعر ساخنة للإصلاح، بدلاً من أن يعي ويكرس أصولها وقوانينها الفنية الخاصة، أي أن الإيديولوجيا والمواقف المسبقة تغيرُ على شروط الفن، فلا تجعله يتكون، ويغرس سماته في التربة الاجتماعية، وبالتالي فإن القصة التي لم، تتشكل كقصة لا تستطيع بطبيعة الحال أن تكون مدرسة أسمها المدرسة الرومانسية أو المدرسة الواقعية، فالأمر يحتاج هنا إلى تراكم للعناصر الفنية لكي تتشكل قصة أولاً، وبدون هذا التراكم يستحيل أن تحدث انعطافة نسميها تكون القصة القصيرة.

ولهذا لا ينبغي أن نستعجل في إطلاق التسميات والمصطلحات، فالأمر هنا أقرب إلى البحث عن القصة القصيرة وليس القصة القصيرة الرومانسية.

وقد يقال هنا بأن ثمة تداخلاً بين القصة والرومانسية، تقوم فيها الرومانسية بإلغاء السمات الموضوعية في الجنس الأدبي، تحيل فيها البُنى القصصية إلى هذيان عاطفى أو تدفقات روحية، كما سيحدث فيما بعد لدى #محمد_الماجد و#فرحان_الفرحان الخ..، ويمكن أن يـُطرح من الأدب العربي الحديث مثال #جبران_خليل_جبران في هذا الصدد.

ومن المواد التي يقدمها كتاب إبراهيم غلوم، ومن متابعة نتاج محمد الماجد، فإن الكاتب الراحل الماجد، كانت تعوزه إمكانية تشكيل قصة قصيرة في الواقع أكثر من أن يكون كاتباً قصصياً رومانسياً، فعناصره القصصية مفككة وغير متراكمة، أى أن شخوصه وأحداثه وأبنيته التعبيرية لا تحصل على مصداقية متنامية تؤهلها للارتقاء إلى فن القصة القصيرة، فهو يُسقط حالته النفسية على البناء الفني فيطيح ببنيته التعبيرية الخاصة المستقلة ومن هنا ليست ثمة مسافة فى تعبيره بين المقالة والقصة، فيعيد النتاج إلى مرحلة ما قبل القص.

وجبران خليل جبران، أو الكاتب العالمي الكبير #فيكتور_هيـجو، رغم مشاعرهما الرومانسية المتقدة، إلا أنهما حين يكتبان قصتيهما الرومانسيتين يصيغانها بشروط القصة، رغم الفروق بينهما، فهيجو يشكل ملاحم رومانتيكية كبرى في الأدب القصصي الحديث، فهما يلتزمان ببناء القصة حينما يكتبان قصة، ورغم أنهما «يسقطان» مشاعرهما على البناء لكن من خلال قوانين الفن، فالقصة تتطلب مثلاً بناء أحداث شخوص وأوساط متداخلة، لكنها لا تشترط أن يكون الحدث غير عنيف أو عير فنتازي أو غير عاطفي متوهج، فهذا الأمر يخضع لرؤية الكاتب وتجربته وأدواته.

هنا كنا بحاجة إلى معرفة تراكم العناصر القصصية في القصة ومدى صراعها مع العناصر اللاقصصية، أي مع العناصر الأيديولوجية والفكرية المسبقة، ومدى الاقتراب من عناصر القصة الفنية، وبالتالى مدى التزام الرومانسية المناطقية، إذا كان ثمة شيء يمكن أن يسمى كذلك، بهذه الصفات الموضوعية للفن القصصي، وبهذا نبعد النقد عن القوالب، ونقترب من التحليل الموضوعي للمادة الحقيقية.

أي أن نبحث هل استطاع قاص رومانسي أن يجمع الجانبين، عبر درس أبنيته الفنية لا موضوعاتها فحسب، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون ردود فعل للأفلام العربية والقصص العاطفية الرائجة؟

ولا بد أن نقرأ ماذا بقى من هذه القصص، أي كيف تكرس في المجموعات القصصية، التي هي تجسيد التراكم الفني عبر الزمن.

يعطينا كتاب الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم مادة أخرى حول تشكل الواقعية في الكويت والبحرين، وقد رأينا سابقاً إن ملامح الرومانسية المفترضة لم تكن قوية بما فيه الكفاية لتقدم لنا أدلة عن تشكل تيار قصصي رومانسي، وقد راحت المشاعر الرومانسية تفرض ذواتها على فن القصة القصيرة الوليد، حيث إن هذه المشاعر في زمن المخاض الأدبي والفكري في المنطقة أطاحت بأسس الفن القصصي، وما يقدمه الكتاب من مواد عن هذه البدايات تثبت أن الرومانسية التي أزهرت في الأدب العربي منذ بداية القرن العشرين، في لبنان ومصر خاصة، جاءت إلى الجزيرة العربية وهي تتحول بشكل «تقليدي/ حديث» في الأبنية الاقتصادية والاجتماعية، وتنمو بشكل مضطرب في ثقافتها وأنواعها الأدبية، لكن الرومانسية العربية في هذه الأثناء كانت قد فقدت زخمها، ولم تعد من أسماء رنانة لديها سوى جبران خليل جبران والمنفلوطي وهما اللذان استمر تأثيرهما إلى وقت لاحق، لكن تداخلت الرومانسية بالقص الحديث لدى #عبدالحليم_عبدالله و#يوسف_السباعي وإ#حسان-عبدالقدوس في مرحلة لاحقة بالنسبة لوعي الخليج والجزيرة العربية.

 ولهذا كانت هذه «الرومانسية» في الأدب العربي في الخليج لم تأخذ حظها من الحضور والتأثير، بل كانت تأثيرات الأفلام العربية «المصرية» أقوى من النصوص الإبداعية، إضافة إلى أن تخلف الجزيرة العربية عن بقية المناطق العربية يرجع لعوامل موضوعية كبيرة كضخامة الصحراء وغياب المدن المؤثرة، وقلة السكان الخ..

ولهذا فإن القصة تأثرت بحبكات الأفلام وما يسود فيها من كثرة الأحداث وضخامتها والتي تتركز عادة على فرد أو أسرة مقطوعي السياق التاريخي والاجتماعي، وكل هذه الأحداث الكبيرة من قتل ومطاردات وتحولات مفاجئة الخ.. تتشكل بصورة خارجية فوق ذوات الشخوص والأمكنة فهي قوالب يصطنعها المؤلفون فوق جسم القصة الهش. ومن حيث الدلالات فإن هذه الأبنية الفنية لا تستكشف أية سببيات اجتماعية موضوعية، أي أنها لم تكن قادرة على تجسيد قوانين القصة وقوانين التطور الاجتماعي. والجانبان ملتحمان، ولهذا حين تبدأ عمليات هذا الاستكشاف المتضافر تقترب القصة من الفن والواقع معاً.

ومن هنا فهي عرضة لتأثرات رومانسية وواقعية وكلاسيكية وميلودرامية دون أن تنتمي لأحدها بشكل كامل، ولا تزال هذه الأرض الفنية الرخوة مستمرة حتى يومنا هذا في بعض الأقسام الكتابية كقصص الشباب والمسلسلات الخ .. فالوعي الإبداعي خاصة في الأوقات الأولى لم يكن مستقلاً وذا بنية مهمة.

 وعندما بدأت تأثيرات الواقعية كانت هذه الأخيرة قد رسخت نفسها في بعض جوانب الأدب العربي وخاصة في مصر والعراق والمشرق «الشمالي» خاصة، وقد تسرب التأثير العراقي الأدبي إلى الكويت، وقد كان رائد الرواية الكويتية إسماعيل فهد إسماعيل ذا خلفية عراقية، وكان الحضور العربي عموماً قوياً في الكويت حينئذٍ. وهذا ما أدى إلى أن تبدأ القصة في الكويت في نفض أرديتها الفضفاضة وتُشكل بناءها التعبيري الخاص والمتميز، ومن هنا نجد إن قصة علي سيار القصيرة تتحول أثناء إقامته في الكويت، كما يقول الباحث نفسه.

ولكن علينا أن نُدقق في مصطلح الواقعية كما دققنا في مصطلح الرومانسية كذلك، أي أن نعثر على سماتها كما تشكلت على الأرض، بدون أبنية إيديولوجية مسبقة. ويقول الباحث بأن «الاقتراب من الواقع ومن مشاكله وهمومه اليومية، قد يحسم الطبيعة الخاصة بالواقعية في القصة القصيرة، بحيث لا يصبح هذا الواقع نابعاً من التجربة الشخصية للكاتب، بل أن يكون عالمه الذي يخلقه، ويقيم سماته من خلال مقدرته في التصوير ومقدرته في الرصد لأبعاد المشكلة الاجتماعية القائمة وتحليل حضورها الموضوعي.»‹5›.

بطبيعة الحال هذا يمثل تعريفاً خاصاً للواقعية، فالواقعية واقعيات متعددة، فالتعريف المقدم سابقاً يمكن أن يكون منطبقاً على ما يُسمى في الوعي النقدي الغربي بـ«الواقعية البرجوازية» أي تلك الكتابات القصصية التي تتركز على معالجة قضايا الطبقات الوسطى غربياً، وهي لدينا كما أتصورها تعالج قضايا الفئات الوسطى، حيث إن هذه الفئات تنشأ في مجتمع تقليدي وتستكشف طرقها داخل أبنية العصور الوسطى المستمرة لدينا، أي هي بعدُ لم تستطع أن تشكل عالمها الحديث المُفترض أو الذي انتهى إليه العالم الحديث، خارجنا.

وهذا جانب مفاهيمي مهم لوضع كيفية تشكل أنواعها الأدبية وممارساتها داخل حقول الأجناس والأنواع، ومن هنا فإن التعريف السابق الذكر، يقترب من ممارسة هذه الفئات ووعيها، حيث يبدأ تفكيرها الفنى بمعالجة قضايا اجتماعية بصور واقعية، فالمثقف العاطفي الحاد يخلي السبيل لمثقف ذي معايشة حقيقية للحياة، وهنا تبدأ «القضايا اليومية» حسب تعبير إبراهيم غلوم في التداول داخل أبنيته القصصية كما يفعل #فاضل_خلف و«علي سيار» في الكويت، مثل قضايا البيروقراطية الحكومية والرشاوى والإفلاس التجاري الخ.. وهي موضوعات لم يكن ممكناً طرحها في الأسلوب العاطفي السابق. إن هذه لا تتطلب فقط حرية فكرية وسياسية معينة بل أيضاً فئات وسطى تحتضن هذه العملية الفنية النقدية، سواء عبر الصحف والأجهزة الحديثة الأخرى، أو عبر التداول.

 وهذه تتطلب من الكاتب التخلي عن الفردانية التي دمرت بعض النتاج السابق أو التالي، والقبول بفردية منفتحة على الوسط الاجتماعي، وهو أمر سيؤدي إلى تطور النثر وأنواعه، باتجاه استكشاف الواقع والناس.

لكن كل هذه تتعلق بالموضوعات والمناخات التي تتشكل بها القصة القصيرة، أما الوعي الفني الواقعي المتجسد فيها فهو يعرض تلك الموضوعات كما يفعل فهد الدويري في قصته «الشيخ والعصفور» حيث الأسلوب يقوم بكشف جانبين متداخلين :

«يتصل الأول باستجلاء مظاهر البيئة المحلية وتسجيلها بصورة حية نابضة، تستمد حيويتها ورصانتها الواقعية عبر اتصالها الوثيق بموقع الشخصية، وإيقاع حياتها ودلالات وجودها. ويتصل الثاني بالتوغل الدقيق في تصوير النموذج البشري والدخول إلى جوانبه الإنسانية من خلال أكثر اللحظات شفافية وخصوصية»‹6›.

إن هذه الجوانب المترابطة: البيئة والإنسان والموقف الصغير المضغوط بكثافة

والذي تغوص فيه بنية دلالالية متوارية، يمكن أن يحدد بعض خصائص الطريقة الواقعية في التمثل الأدبي في القصة القصيرة.

ومصطلح «البيئة» هو ذو دلالات طبيعية أكثر منها دلالات اجتماعية، وهو هنا يعبر في هذه التخوم من نشوء الوعي الفني الواقعي في المنطقة، عن النظرة الغائمة للواقع، مركزاً على أشكاله الطبيعية وصلة الإنسان المُبسطة بها، أي أنه يشير إلى مشكلات الإنسان الاقتصادية خاصة، لكن العرض القصصي القصير هنا سيثبت أقدام الإنسان فوق الأرض الموضوعية بشكل ما.

فـ علي سيار في قصته «سأطردك يا عبدالسلام ..» يشكل موقفاً مكثفاً من خلال قيام وكيل وزارة التربية بالتداعي أمام القارئ، وأسلوب التداعي يتم عبر ضمير المتكلم، الذي يتضح من العنوان، ولكن هذا التداعي مرتب ويتشكل بطريقة حرة، أي ليس عبر أبنية مشهدية، بل أن الراوي هو الذي يشكل اللقطات، وهذا يتيح للراوي أن ينتقي من شريط الزمن ما يريد، مثل قوله «قبل ثمان سنوات كنت أنا وعبدالسلام زميلين في مدرسة واحدة ..»‹7›.

طريقة الروي الحرة هذه تجعل الراوي يعرض العلاقة بينه وبين عبدالسلام وكيف كانا زميلين حميمين في مدرسة رغم فارق العمر بينهما، وكذلك الأحلام التي تراودهما بالانتقال في سلم الوظيفة، ودخوله إلى بيت عبدالسلام وتعرفه على أبنته ورغبته في الزواج منها، إن هذا العرض الواقعي المعروض بطريقة الروي الحرة، سرعان ما ينتهي بمفاجأة انقلابية، فالراوي «يتذكر» بأن وزير التربية هو خاله، فيدعوه عبدالسلام إلى استغلال هذه العلاقة القرابية، وبالفعل يتم ذلك عبر الأم. إن التحول هنا يشبه تحولات القصة السحرية ولكن بجعل «الواسطة» تلعب دور الفانوس السحري بتسريع الأحداث وقلب العلاقات وتكوين الثروات، وهو عنصر ميلودرامي هنا، وبالفعل يتم القصد المسبق ويرتفع الراوي، في حين يستمر عبدالسلام في جهوده المضنية بتشكيل الأجيال، ويتوهج العرض عبر قدوم عبدالسلام إلى الراوي الذي «عطف» عليه ونقله إلى الوزارة، فيبدو كشبح متهدم. لكن موقف التضاد المستمر بين الشخصيتين يستمر بل يتفجر، حين يقرر الراوي وكيل الوزارة طرد صديقه عبدالسلام بسبب مشروع تقشف للوزارة.

ولكن المؤلف يحيل هذا التضاد الخصب بين الشخصيتين والاستثمار الفني الكبير الذي كان يمكن أن يتشكل من ذلك، إلى التركيز على الدلالة الاقتصادية المباشرة، عبر قوله «جريمة أن أطرده من فوق مكتبه لأنه يتقاضى كل شهر تسعين ديناراً من الدولة»‹8›. بدلاً من رؤية الأبعاد الروحية والاجتماعية لمثل هذا الموقف المتضاد والغني.

________________________

‹1›: كتاب تطور القصة القصيرة في البحرين والكويت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط  2، 2001.

‹2›: المصدر السابق، ص 232.

‹3›: المصدر السابق، ص 232، 233.

‹4›: المصدر السابق، ص 234.

5›: المصدر السابق، ص 292.

‹6: المصدر السابق، ص 312.

7›: مجموعة «السيد»، دار الغد ، ط 1، 1976، ص 27.

‹8›: المصدر السابق، ص 34.

كتاب: الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي

مسيرة نوال السعداوي

كان الأب مفتش التعليم والمثقف هو الذي وفر لها التميز، لكنها كانت تحس تجاهه بشكلٍ غريب؛ (كأنما أبي يكره قامتي المرفوعة أو البريق في عيني المتعجل الانطلاق خارج البيت)، (أوراقي ، حياتي، ج1، مكتبة مدبولي)، فهي تحس هنا بكون أبيها يمثل عائقاً أمام حريتها.

لكنه دعمها بالعلم ووقف معها، وهو كغيره جعله المجتمع الأبوي يفضل الذكور، ويريد أن يكون ابنه البكر هو البارز، لكن البنت (نوال) هي التي صعدت وبرزت، بل صارت مكان هذا الأب وتحملت مسئولية الأسرة.

نأوت الذكورية المتسيدة حتى الداعمين لها من بينها، وأحبت من عائلتها النساء الرافضات للخنوع، القريبات من الذكورة الطاغية.

جانبان من شخصيتها متضادان، جانب ديمقراطي تناضل فيه مع بقية الناس للتغيير، فيتحد الرجال والنساء في عمل مشترك، وجانب دكتاتوري في شخصيتها، تريد داخله أن تكون هي الذكر المسيطر.

جانب عقلاني فيه هدوء وتبصر ونضال صبور، وجانب غير عقلاني، عاطفي حاد، تقفز فيه على الظروف والأوضاع الموضوعية، وتريد هدم ما تكرس خلال الآلاف من السنين، حتى لو كان ما تكرس أدياناً ورموزاً وعلاقات متجذرة.

ما وصل إليه الذكور في الحركات السياسية من قيادة ونضال مسلح، تريد اختراقه والاتحاد به، فتتطوع في خلايا عسكرية وتقاتل بشجاعة ولكن بلا نجاح وبلا صعود إلى القيادة البارزة.

الأديان لديها كأنها تآمر ذكوري وليست نتاج عشرات الآلاف من السنين؛(الآلهة الذين حكموا مصر منذ نشؤ العبودية، لم يتنازلوا عن العرش حتى بعد الموت، اكتشفوا العالم الآخر لمجرد الاستمرار في الحكم)، (ج 2، ص 14).

لم تكن الأديان نتاج تآمر أو رغبة حكام، كانت تكوينات فكرية منذ فجر التاريخ، وفكرة اليوم الآخر ظهرت لدى الفقراء الذين حرموا من كل شيء وليست إختراعاً فرعونياً.

ومن هنا تصبح الأديان في وعي نوال السعداوي مؤامرات الرجال، وليست ثورات في زمنها سيطرت عليها قوى الإستغلال وكيفتها حسب مصالحها بعد ذلك.

ومن هنا كانت نوال ضحية الأنظمة الشمولية وهي تصادر سنوات من حياتها وترميها في السجن، وضحية التنظيمات الدينية المتشددة التي ترى كتاباتها الشاتمة لرموزها المقدسة.

مناضلة عنيدة طوال عقود من أجل تحرر النساء والشعوب، وكارهة لتراثها الذي هو في رأيها سجن لهؤلاء النساء وهذه الشعوب.

عاشت حياة التضاد بين الريف الفقير الذي ينتمي له أبوها وجدتها وجدها، الذين لهم جذور حبشية، وبين أمها التي تنتمي للفئة المتوسطة المدنية البيضاء ذات الجذور التركية.

تقول عن العامة (عيونهم مطرقة إلى الأرض، وجوههم شاحبة ممصوصة مثل أقاربي الفلاحين في كفر طحلة).

رغم حضور الأب المحول لحياتها، وهو الأمر الثقافي الذكوري الذي أسسها، تظل مع الأم، التي لم تكن لها مواقف أو تأثير إيجابي محول فيها، لأن الأم ذهبت ضحية الولادات المستمرة والأمراض، فظلت في أعماقها بأنها هي الأصل.

(يندثر اسم الأب في التاريخ مع زوال الدنيا الفانية والنفاق. مهما ارتفع الأب إلى مصاف الإله تظل الأبوة غير مؤكدة وهشة تذروها الريح)، ص 110، ج2.

وتقول أيضاً؛ (إلا أن المنيسي مثل الشهداء لا يموت، يعيش هناك في الدار الآخرة مع الأنبياء)، والمنيسي أحد المقاتلين على جبهة القناة.

هنا في هذه التعبيرات تتحول إلى درويشة وتلغي ما تقوله عن المادية والعقلانية.

تنتمي للثقافة التي صنعها الذكور وتكرهها وتكرههم.

تتذبذب بين موقف نسائي ديمقرطي وموقف نسوي شمولي رافض للذكورة الإيجابية.

تعالج رموز الأديان بعقلانية لحظة ثم تقذفها في أسفل سافلين بعد فقرة أخرى.

تعتبر كل ما يكتبه الأدباء الرجال ضد النساء غير مميزةٍ بين روائي رومانسي وروائي واقعي، روائي يطمس عذابات النساء وآخر يجسدها بعمق وحرارة.

لا شك إن الأوضاع الريفية الرهيبة التي عاشتها، من الفقر وختان النساء وتزويجهن بالقوة واستخدام الضرب العنيف ضدهن،  كلها شكلت لها هذه الخلفية:

(في إحدى عمليات الختان لطفل عمره ثمانية أيام بتر حلاق الصحة رأس القضيب، نزف الطفل، كاد أن يموت لولا أن نقلناه بسرعة إلى الوحدة، تم إيقاف النزيف)، ص 116، ج2.

عاشت مناضلة وطبيبة وسط الريف وكعادتها توحدت بنماذجها المحطمة كمسعودة التي كانت تعيش كابوساً أسرياً بسبب سيطرة زوجها وممارساته الجنسية المرضية، فتحول لها كل ذلك إلى تصور ممسوس تظن فيه أن الشيطان يلاحقها.

لكن نوال اتهمت الشرع بشكل عام بأنه وراء الدفاع عن هؤلاء الأزواج المجرمين، بدلاً من أن تدرس الحالة وتحيلها إلى قضية شرعية ضد الزوج.

وهذا يجعل الكاتبة تتحول إلى موقف عنيف:

(تحصنت بالطب لأبقي مسعودة بعيداً عن زوجها. القانون أقوى من الطب، يستند إلى شرع الله، اصبحتُ كمن تصارع الله والشرع)، ص 145، ج2.

كان من الممكن هنا أن تفضح ممارسات الزوج وتدينه، فموقفه ضد الشرع. لكن المؤلفة في لحظة الحرقة تنتقل من حدث صغير إلى حكم عام هائل، سلبي، يدفعها إلى ذلك الموقف الحاد المتسرع الكامن في ذاتها مع نقيضه العقلاني، وهذا ينتقل في حالات أخرى إلى سب الرموز، والتراث، فتشكل عداوات أخرى وتفتح معارك جديدة بلا قيمة.

لقد أعطت نوال السعداوي الكثير من الكتابات والأبحاث الهامة وناضلت بقوة من أجل تحرير النساء والمجتمعات من غياب المساواة.

عبادةُ الشخوص، وعبادةُ النصوص

فرضت الثقافةُ العربيةُ الدينية التقليدية نفسَها على واقع الشعوب والأمم الإسلامية في العصر الحديث. ولم تستطعْ أن تقيمَ ثقافةً ديمقراطية عقلانية إنسانية بسببِ هيمنةِ الشمولية والذاتية المتطرفة فيها.

القيمُ النضاليةُ للجماعةِ المتساوية الحقوق، المُعليةُ للموضوعية أُزيحت جانباً، وتصاعدَ التكريسُ للأفراد الخارقين المرتفعين فوق الجماعة.

وإذا بدا إن ثمة تقديساً للكائنات النجومية ولرموزِ الحجر والقوى المفارقة اللاطبيعية واللاإنسانية فهو وعي شمولي، يلغي الذاتَ الجماعيةَ الديمقراطية الحرة لزمنِ التأسيس في مقابلِ الخضوعِ للكياناتِ السياسية الاستغلالية البيروقراطية المتحكمة في مصائر الناس.

الذاتيةُ المتطرفةُ وليست الذاتية العقلانية المنتجة المبدعة في ظل العلاقة الديمقراطية بالجماعةِ هي التي فرضتْ نفسَها، ولهذا هي تقزمُ الذواتَ الأخرى، وإذا تمردوا سحقتهم، وإذا أبدعوا قصتْ أجنحةَ الإبداعِ عن الطيران الخلاق وجعلتْ الكائنَ السامي يزحفُ على الأرض من أجل الدراهم.

 تقود هذه الذاتية للاعقلانية، إلى عدم سيرِ السياسة بشكلٍ حكيم، يراعي التطور، ويقرأ المشكلات، وإلى إستنزافِ المواردِ حيث تحيطُ الخزانةُ بشخصِ الآمرِ المسيطر على الموارد، بهذه الذاتِ التي تجعل الوجودَ خاضعاً لها، وليس أن تكون هي خاضعةٌ للقانون وعقلانية توزيع الفوائض، ولهذا فإن النصوصَ الحكيمة تتلاشى فعلياً من التداول العقلي، وتسود النصوصُ التي تقضي على العقلانية، ومن هنا تظهرُ عبادةُ النجوم، حيث تُلحقُ مصائرُ البشرِ بكائناتٍ طبيعيةٍ لا علاقة لها بالمصير البشري، أو لسيادةِ القبور والأشباح والأرواح.

أو بنصوصٍ تفقدُ القدرةَ على النطقِ المباشر، وتُؤدلجُ وتنتشرُ مجلداتٌ لفحصِ جزئياتٍ هامشيةٍ فيها ويُترك الجوهرُ وهو العلاقاتُ الموضوعيةُ الحرة التي شكلها الناسُ المكافحون في الزمن الديمقراطي السابق.

تضخمُ الذات المهيمنة في الواقع العربي المسيطرة على الموارد يقود إلى (تشبيح) المواطنين العرب على مر التاريخ. وإلى إنتشارِ الثقافة الانتهازية، ثقافة النظرة الجزئية المقطوعة السياق عن الكل، حيث يغدو الجزءُ منفصلاً عن كل القضية والمشكلة وتصوير الشخصية، وتقطع السيرورة التاريخية الاجتماعية للقضية والمشاهد والشخوص عن جذورِها ونتائجها، فتتضاءل الذواتُ الحقيقية، أي البشر العاديين المنتجين لتظهر الشخوصُ اللامنتجة سائدةً، ولتنتشر ثقافة القطع والقطيع والتعليق في الفضاء الخارجي حيث تُربط هذه الشخوص الفارغة بالنجوم والكواكب والأرواح الخالدة.

كلما ذُبلَّ النصُ إرتفع صاحبهُ، وكلما خبتْ القصيدةُ إرتفع الممدوح والمادح في هذا الفراغ الاجتماعي المتحلل النازف للثروة، ولكن كما إنتشرت ثقافة الزيف والنفاق فإن كتاباً موضوعين وجدوا وعاشوا قرب التراب والترابيين، وهم ندرة لكن يجمعون الكلمة بالحقيقة، ويرون ما وراء الظواهر، والأشباح، ويحللون المشاهدَ المرئية، ويكشفون العلاقات الحقيقية، ويرون الصلات بين إنتفاخ البالونات وتدهور الاقتصاد، وجفاف الأرض وكثرة الخراج وإنتشار التفاهة في الشخوص والذل والعجز عن الانتاج والخوف وتدمير القوى الداخلية الخلاقة عند الشخوص، فيدرسون العمران الثقافي الحقيقي الذي يضمر لحساب العمران المادي البذخي للأقليات.

وجاء العربُ في العصر الحديث بنفس سمات الماضي، وخلال قرن كامل كانت الثوراتُ من أجل أفراد كبار يتحولون إلى نجوم أخرى معلقة في الترميز المقدس، ويقومون بعرقلة التجديد الذي أدعوا قيادته، ولم يرفعوا الذل عن أعناق الجماهير، بل تركوهم يتسولون ويعيشون بلا ثقافة إنسانية، معلية للذوات، فجاء العسكر والشموليات تتويجاً للنجوم وصارت على الأكتاف وتثقب العقول، وبهذه الثقافة الساحقة للتميز المعلية للذوات الكبرى خاضوا الثورات، فظهرت أعماق الجماهير خالية من الذوات القيادية المبدعة، وإنكشف تاريخ من الانسحاق وحاول الفيضان الجماهيري الذائب الملامح المعدوم البصيرة العقلانية الحديثة أن يتلمس طريقه في الظلام ويصعد أقرب الجلادين إلى أجساده، وينتخب أكثر الحرامية دهاءً، فانتقل من عبادة الشخوص إلى عبادة النصوص، وما زال يتخبط، وهو يحتاج لعقود طويلة لكي يرى والخارج من الكهوف يحتاج إلى تبصر الكهوف التي خرج منها ودخل إليها.