كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
لم توجد أنظمة بوذية ولا مسيحية ولا إسلامية ولا اشتراكية وشيوعية.
وخاصة في زمننا الراهن فإن كل الدول تتجه إلى أشكال من الرأسمالية، أي أن المصالح الخاصة، وسيطرة كبار الأغنياء، هي ملامح العصر الحديث خاصة.
كان في الأديان محاولة لتجنب بعض الأنظمة التي كانت ضرورية، بمعنى أنها كانت حتمية وجزءا من الضرورات الموضوعية للتطور، مثلما حاولت المسيحية أن تكون بديلاً عن العبودية بتكوين مجتمع أبوي.
ومثلما كان حال الإسلام بمحاولة التخفيف من العبودية وتجنب سبيل الإقطاع، من دون أن يحدث ذلك، وأسباب هذا تعود كذلك للظروف الموضوعية، لجذور التاريخ، وسيطرة الدول والأسر على الملكيات العامة.
وكان الطريق الاشتراكي في الشرق هو سيطرة الدول الشمولية على الاقتصاد ليتضح في النهاية بعد ضباب كثيف من الدعاية بروز الرأسماليات الحكومية المتنفذة وطبقاتها السفلى من المافيا.
مثلها مثل الطريق القومي العربي للاشتراكية أو للوحدة والحرية والاشتراكية، ومثلها مثل الطريق الإسلامي، كلها دعوات شمولية استبدادية للسيطرة على الجمهور الفقير خاصة واستخدامه في عمليات سياسية لكي تصعد عائلات خاصة وقيادات سياسية متحكمة.
إن الضحية هو الجمهور الذي ينزلق في صراعات مموهة بلافتات وشعارات وهو الذي يخسر خاصة في عمليات سياسية تتسم بالعنف.
كان الطريق الصحيح للجمهور في العصر الحديث هو أن يتمسك بمصالحه المباشرة، بتأسيس نقاباته وجماعاته التعاونية ودعم العمليات الديمقراطية والتصويت للمرشحين الأقرب إلى مصالحه، والذين يخدمون رزقه وحريته.
لا توجد دولة العائلة والقبيلة والحزب والوطن الواحد والأسرة الواحدة، ودولة المقاومة، ودولة التحرير، توجد دول كبار الأغنياء المسيطرين في كل الدول!
القوى الاجتماعية تعملُ لمصالحها كلٌ في مستواه، وكلُ سمكةٍ لها بحرها الخاص، والطبقات الشعبية الفقيرة المعوزة المحتاجة لكل بنت وولد، ولكل قرش، ما أكثر ما خـُدعت عبر المذهب والدين والقومية والاشتراكية!
كان يطلب منها دائماً التضحيات من مختلف الأنواع، وهي تضحي، ولكن الطالبين يتوجهون لمصالحهم الخاصة، والارتفاع في سلم العيش، ويرسلون أبناءهم لأحسن الجامعات، في حين أن أولاد الفقراء يذهبون للمحارق القومية والدينية!
هذه الأفكار تعلمتها الجماهير العربية في السنوات الأخيرة، ولم تعد تعبأ بالشعارات والمظاهرات، رغم تعاطفها مع المظلومين والمقموعين وضحايا الحروب والاضطهاد، فأي رد على عدوان يأتي بالعمل، وزعماء الدول لا يريدون التضحيات، بل يحملها بعضُهم لبعض المناطق ولبعض المبتلين بقيادات التعصب والرعونة.
لم تمت مشاعر الجمهور القومية والإنسانية والدينية، لكن كذبة الشعارات ومشروعات الأنظمة للمزيد من الاحتفاظ بالسلطات والمتاجرة بالشعارات الدينية والقومية، لم تعد تخدع إلا بعض الشباب قليلي التجرية والمتحمسين من دون تبصر.
لكن الجمهور بدأ يدرك ما هو العمل النقابي، وما هي الإضرابات العقلانية المفيدة، وما هي أهمية المشاركة في الحفاظ على البيئة والصراع ضد التلوث والاستغلال والتسلط على الملكية العامة، فالناس تريد نتائج مباشرة على ظروفها.
والذين يقولون إن صناديق الانتخاب والاقتراع ليس لها فائدة فالجمهور يتبع قياداته، وهذا صحيح ويمكن أن يدوم لسنوات، لكن الجمهور يتعلم مبادئ الديمقراطية التي أخذت عدة قرون في الغرب وبعض الشرق الآن، وهو بلا كوادر موضوعية أمينة تعلمه ما هو الصح وما هو الخطأ، ليست عنده قيادات تذهب لمجالسه وأزقته والشركات التي يعمل فيها لتقول له ما هي فائدة صوته الواحد لقضية تطور عياله!
نفس القوى المهيمنة طوال التاريخ لا تزال تحكم التاريخ، تجند الناس والأميين من أجل مصالحها، تطلق شعارات عامة دينية وقومية غامضة مجردة، لكي تؤجج العاطفة وتعمي العقل، لكي تظل الكراسي لأصحاب الكراسي!
يقولون له إننا نعمل من أجل (النظام الإسلامي)، وهو لا يعرف ما هو النظام الإسلامي، فقد عاش على الشعارات المؤججة لهذا الهدف الغامض، وهو لا يعرف أنهم يقصدون صعودهم السياسي من خلال صوته، فهم المعبرون عن فئات وسطى غنية، ولا يعرفون ما هي ظروف المصنع الصعبة التي يعيش فيها هو، وضنك العيش في منزله المؤجر أو المُباع بأثمان عالية أكثر من قيمته بثلاث أو أربع مرات من قبل (شركة) الإسكان الحكومية أو من الشركات الخاصة، ولم يعانوا في شقق الازدحام والفقر والملابس المعصورة الرطبة على البلكونات، وماذا يعني تدفق العمالة المهاجرة على أجوره وضعف فرص أولاده وبناته، وتكمل الأجهزة الحكومية من جهة أخرى هذا الغموض السياسي، بأن تصبح مطالب الفقراء في عالم الغيب، تذوبها الماكينة المفتتة للمطالب إلى ذرات، ويبتلعها النسيانُ وتـُلغى بدعوى الميزانية والأزمة المالية التي أثرت على الدخل الوطني، كما تقول في خطاب، في حين انها تقول في خطاب آخر إن الاقتصاد الوطني راسخ ومتين!
الإنسان الفقير ينتقل من المؤسسة الدينية ويسمع كلاماً حماسياً ويعتقد ان ذلك سوف يجري في السياسة والبرلمان، وأن هؤلاء أصحاب ذمة، وأنه سوف يعود لبيته فيراه قد تغير، وأن فرصاً جيدة لتعليم ابنائه سوف تظهر، وسوف يصبحون مهندسين وتقنيين، لكنه بعد فترة يجدهم في الشوارع عاطلين، أو متسكعين أو فوضويين!
ولهذا يحتاج الإنسان الفقير غير المعبر سياسياً إلى أناس يعملون من أجل مصلحته، ولهذا عليه أن يحاسب نائبه، ويحضر ندواته، ويسمع ما يقول ولماذا عجز عن تحسين معاشه وظروفه، وأن يبحث عن نائب أفضل في المرة القادمة ويراقبه كذلك، وأن يشارك في النقابات من أجل تغيير أجوره، ويسأل هذه النقابات الصامتة عن هذا السكوت المريب لتغيير أجوره، ويحاسبها ويطالب بتغيير مثل هذه الإدارات العاجزة ولا يهمه اللافتات التي ترفعها بل يهمه ما تقوم به عملياً، أما شيخ الدين فهو لفهم مذهبه وحسن تطبيقه والمشاركة في العبادات العامة.
إذا كان النواب أو رؤساء النقابات والبلديات والجمعيات التعاونية لا ينفذون عمليات تغيير وضعه، وهم الذين تصدوا له، فيجب أن يغيرهم، وأن يرتقي هو نفسه للمشاركة والحضور والمتابعة.
فلنضع جانباً الشعارات العامة والكلام عن القومية والدين والإنسانية في القضايا المعيشية المباشرة، وفي العمل السياسي المتوجه للبرلمان والنقابات، فالكلام الدعائي لا يغني ولا يسمن الأطفال، بل نريد أفعالاً.
عالم عبدالله خليفة الإبداعي مقاربة نقدية تحليلية والضبط الببليوجرافي
لا يقرأون . . ويتعاظمون! : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
الجنة والملكية العامة : كتب ـ عبدالله خليفة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
تشيرُ قصة الجنة إلى الملكية العامة التي ظهرتْ في الشرق في الأزمنةِ القديمة المغلفةِ بالغموض والاستبداد، وقد كانت جنة زراعية، حيث لم تستطعْ الحرفُ والصناعاتُ أن تظهرَ على مسرح التاريخ بشكلٍ مؤثرٍ في مجالِ الوعي والتخييلِ القصصي الناسج للتاريخ ومصائر البشر وقتذاك.
هي ترميزٌ للملكيةِ العامة وما حولها من قوى سياسية مؤثرة، ولأنها ملكية عامة مخصصة للكادحين من البشر الذين زرعوها وسقوها ونظموها، فقد كانت لهم، مخصصة لعيشِهم وحاجاتهم، لم يكن أحدٌ ينازعهم فيها.
في مستوى المادة الواقعية اليومية وقتذاك، كان البستان والمزرعة والحقل هي السائدة من الإنتاج، وهي التي تنشىءُ القصورَ والبيوتَ والامبراطوريات الحاكمة، والتي تسعى لها هذه في ختام الصراعات والحروب.
أما نقيضها (جهنم) فهي الصورة المضادة، المُنتزعة مما كان يجرى من حرق للأشياء الفاسدة المُلقاة من مدينة القدس، وحين تـُحرق تلك الأشياء يكون لها تأثير وأدخنة، وصور في أذهان البشر، عما يجب تطهيره في نفوسهم، وعن الأوبئة والشخصيات الشريرة التي يجب تعذيبها مثلما يجرى للمادة الفاسدة في المدينة حتى تتطهر وتكون أنظف وأنقى.
كانت صورُ الثعبان والحية والشيطان المتسلل للجنة على مستوى التعبير الفني، هي مجموعة من الرموز المتعددة، ومن أهم معانيها قوة الثقافة وقدرتها على إيجاد التحول والتحدي للسلطاتِ المسيطرة على الثروة العامة، سواءً كانت هذه الثروة أشجاراً مولدة للخير والطعام، أو قوى فكرية عامة يغدو فهمها وتفسيرها مادة جديدة للتحول في المجتمع والتاريخ.
هي قوة التحدي وهي تدخلُ في الملكية العامة المُسيطر عليها، فتكشفُ العري الاجتماعي والفساد، وهي محاولة الكادحين للاقتراب من السلطة المسيطرة، وتحديهم لها ومماثلتهم لمكانتها الرفيعة.
إن الكادحين ويمثلهم آدم وحواء هم من مادة الطين والأرض، هم سلالة العاملين، الأرضيين، الذين عاشوا في فترة من التوحد في الجنة، حين كانت لهم، حين كانت جزءًا من ثمار عملهم، وفجأة من دون أن يعلموا لماذا وكيف تصيرُ غريبة عنهم، مضادة لوجودهم، ملغية لرفعتهم نازلة بهم إلى أسفل سافلين؟
وفي كل ملكية عامة سواء كانت بستاناً أو شركات عامة نفطية أو فوسفاتية أو اتصالية، تغدو باسم الكادحين، ومن أجلهم، ولرفعة وتقدم الوطن، ثم تغدو للملاك الخاصين، ويُطرد العاملون منها، بالفصل، أو بالبقاء الرمزي.
الذي يحولُ الوضعَ في الجنة من النعيم إلى البؤس هو الأفكار، هو عملية الاكتشاف، هو قوة تحدي الفقراء للمُلاك ومحاولتهم أن يفهموا ويكشفوا العري الاجتماعي، وألا يكونوا هامشيين أو أن يتم إلغاؤهم بطردٍ وفصلٍ وتغييبٍ عن تاريخ الإنتاج، فهم صناع الجنة لكن تمت إزالة ملكيتهم لها.
إن الأفكارَ بكلِ رموزها من تكوينِ قصص وأشعار وأبحاث هي شجرة الخلود، بما تضفيه على الإنسانية من خير وتقدم، وقد تم تخصيصها في عُرف مُلاك البستان الاستغلاليين لهم من دون غيرهم، وألا يتم الاقتراب منها، وألا يأخذ البشر العاملون الفانون الهامشيون من نورِها وثمارِها، لكي يظلوا فانين وعابرين غير خالدين غير ملتحقين بالعظمة.
المعرفة تعطيهم الخلودَ والبقاء، واستمرارهم في الجهل يبقيهم في التاريخ العابر، والطينُ يبقى طيناً، والجهلة لا يقبسون من الحكمة والمعرفة، ويستمرون جماداً.
تحولهم للألوهية، أي للخلود، يفترض صعودهم للمعرفة، وصناعتهم للتحدي، ولجعلهم البستان ملكية عامة حقيقية، وهذا يرفعهم من مادة الطين، من كونهم مجرد أدوات، ومن كونهم أشياء في صناعة البستان، إلى كونهم مالكين، وإلى كونهم نوراً، وصيرورتهم بشراً من رفعة وسمو وليس فقط وجوداً غائباً متخدراً.
لكن في التاريخ القديم ليس ثمة إمكانية لكي يظل آدم وحواء مالكين لبستانهما، وهما رمزا البشر العاملة، العادية، المتعددة المستويات بين ذكور وإناث، فيسقطان في حركة التاريخ الحقيقية من الملكية إلى البستان، إلى العمل الأبدي فيه، ويترنحان من القمة للسفح، ويعانيان كل المعاناة في العمل المرير والعيش والولادة والبناء.
في وجودهما على أرض ما بعد الجنة، ما بعد الملكية العامة، بداية لتاريخ العمل القسري الكريه وهيمنة الاستغلال وظهور الحكومات وأدوات القمع وكل تاريخ الاضطهاد.
ليس تاريخ الجنة تاريخا خياليا بل هو عصارة لتاريخ البشرية في زمن الملكية العامة، وصدى تصويري ترميزي له، ثم يُستعاد كحلم، ويوظف في الأمثولات والحكايات والقصص الدينية والأنظمة السياسية والنظرات الذكورية الاضطهادية لجنس النساء، ولأفكار الخلود والعقاب والتطوير الأخلاقي للبشر.
عبـــــــدالله خلـــــــيفة: عرضٌ ونـقـدٌ لأعماله القصصية
isa.albuflasa@gmail.com
وعي مرهف بالوحدة : كتب ـ عبدالله خليفة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
مهما اعتمد المذهبيون السياسيون على الجحافل ومهما جاءت من الأرض أو من الفضاء، من الواقع أو من السحر، فإنهم لن يغيروا بوصة من الواقع.
في زمن التدفق الثوري أو المحافظ ومهما جاء من عواصم متعددة، فهو مرهون بزمن النفط، ودخول الحكومات السياسية الشمولية، التي تتراجع في تمثيلها للجمهور أو في تحصيها لفواتير البترول. في زمن الصعود كانت العواطف المتأججة التي تحلم بالتغيير الكاسح، وتستند إلى معرفةٍ مبسطة بالحياة، وهذا كان مثل الموجات السابقة الدينية المحافظة والليبرالية المستوردة، والشيوعية، والقومية والبعث، تنشأ من قوة مركز سواءً كان في موسكو أو القاهرة أو بغداد أو دمشق، ثم يدخل المركزُ في أزمةِ الصرف المالي، كما هو الحال الآن في مراكز الصرف البترولي. والصرف المالي هو القضية الكبيرة فانتبهوا. وكانت البحرين الأولى الكبرى تمتدُ من البصرة حتى عُمان، ولو كانت الآن موجودة لحازت أكبر الآبار في الكرة الأرضية، ولكنه عدم المعرفة والتضحيات المجانية، فانكمشت البحرين الكبرى حتى صارت محارة صغيرة في الخليج. ولكن هل نسمح بذوبان البحرين الصغيرة في المياه المالحة؟ حتى لو حدثت عشر انتفاضات طائفية وألف مظاهرة مذهبية فلن تغير بوصة من الأرض. صراخٌ يذوب في المستحيل وكلام يتبخر وتبقى الأرض ممتنعة.
عودوا إلى الوطن والإسلام الموحد ومحبة أهل البيت.
لدينا بيتٌ صغيرٌ وصارت كلُ حجرة تتصارع مع الحجرة الأخرى. كان البحرينيون الوطنيون الفقراء البسطاء يواجهون اللواري البريطانية، ولن تعرف الدم المسكوب وقتذاك لمن يعود، وأي من يرفع راية مذهبية يُضرب بالحذاء، وكانت الامبراطورية البريطانية لا يغيب عنها الظلام، فكيف يستطيع الشعبُ الصغير أن ينتزع حريته ويحقق استقلاله لو كان وجودكم موجوداً؟ تراجعوا عن هذه المصايد المذهبية السياسية التي سجنتم فيها أنفسكم، عودوا إلى الوطن الواحد. استقيلوا من هذه الزنازين وعودوا للوطن الواحد والشعب الواحد ومحبة البيت.
والبيت صار محارة صغيرة في الخليج تكاد أن تذوب من كثرة الأجانب والغرباء. كانت لنا إمبراطورية لا يغيب عنها الزيت. كانت البحرين امبراطورية فتقلصت واقتصرت على نقطة وعلى مجد قديم، والآن وزيتها قليل وناضب وأسعاره تتدهور، فأي مصير يتنظرنا؟
ليس لكم سوى العودة للوطن، منفيين كنتم خارجه وداخله، ففكوا الارتباط وعانقوا الأهل والوطن كله. المراكز تترنح اليوم أو غداً، والأهل في العراق فك أغلبهم الارتباط، وجعلوا المصلحة العراقية الوطنية فوق كل شيء. والقاعدة ليست أملاً، ولا مستقبلاً، ففي بضع سنين تتلاشى. الحشودُ تتدفق علينا من كل صوب، تذوبنا، وليس لنا سوى كلمتنا الوطنية ووحدتنا، ندافع بها عن رزقنا، وأرضنا، ولن تعرفك المراكز حين تقرر وحين تسقط وحين تتأزم.
لم يبق من البحرين الكبرى سوى قارب صغير يجدف بأشرعة أوال. الماضي انتهى وتاريخ الثورات المذهبية التي تحولت إلى ثورات مضادة للشعوب انتهى، ويكاد. فجدفوا بالزورق صوب البحرين، صوب الوطن، وانسوا التواريخ الطائفية. نحن نكاد أن نتلاشى.
نحن نكاد أن نفقد اللغة العربية. البحرين بمجدها العظيم الممتد في القرآن والتاريخ ذهبت بسبب المغامرات السياسية. نحن نغرق بالسيارات والتلوث والغرباء.
والقوى مشغولة بالطوائف ومعاركها الوهمية، وتقدمُ رجالَ الدين المتخصصين في الفقه ليديروا الصراع حول البترول والأجور والمصانع، والتلوث والضرائب وهم لا يعرفون شيئاً من ذلك. يضيعون علينا عدة سنوات ثمينة حين كانت أسعار النفط مرتفعة ويزيدون الصراع الجانبي حين ينخفض النفط والمشكلة ليست فيهم، فهم نتاج موجة مذهبية، لم تتخصص في اقتصاد وبيئة وعلوم، وعندهم أن رجل الدين يعرف كلَ شيء ويفتي في كل شيء.
وهم يُغرقون الزورق الأخير من قافلة البحرين الأولى والكبيرة التي غرفت من كل مذاهب التمرد. هذا لديه مجداف يقود لليمين. وهذا لديه مجداف يضربُ في اليسار. هذا يتوجه للضفة الشرقية. وذاك يتوجه للضفة الغربية. وينحرفون عن الجهة الأصلية، جهة البحرين، وأهلها، عن البحرين التي تذوب مثل قطعة سكر في الخليج. فلماذا لا تتوحد المجاديف؟ الحلوة التي خطفها قراصنة الشرق والغرب ومركبها يغرق. ارحمونا وتخلوا عن زنزاناتكم الطائفية.
ارحمونا وتذكروا اننا نغرق في الأسعار والبطالة والعمالة الأجنبية السائدة والتجنيس والتخسيس الاقتصادي وازدحام المرور والتلوث وسلاحف الوزارات الحكومية. لكم تاريخكم الكبير في الوطن، به تعرفون، وبه تزدهرون، والمراكز الخارجية لا تعرفكم ثم تتغير كما تغيرت موسكو والقاهرة وبغداد ودمشق. إن العواصم لا تعرف سوى مصالحها.
لا يختلف فريق الحورة عن فريق الحمام. كلاهما اتحدا في الفقر والبحر وحب الوطن. وصار كلاهما آثارا. بسيوف موحدة أزال البحرينيون الاستعمار البرتغالي، وبحجارة صغيرة طرد البحرينيون المتحدون الاستعمار البريطاني. وبدولة وطنية متوحدة نستطيع إقامة مجتمع يتجاوز بإمكانياته العلمية المنطقة الخليجية. ليس ثمة وقت والتأخير يعني التوحد بالشعوب المندثرة.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
الموت في فينيسيا : توماس مان كتب : عبدالله خليفة
مسارات ـ حمدة خميس كتب : عبدالله خليفة
ويطول اليوم أكثر من قرن :جنكيز ايتماتوف ـ كتب : عبدالله خليفة
«الهولة» بين الإنجازات وعذابات التجنيس: كتب ـ عبدالله خليفة
مثقفو الأكاذيب والتزوير : بقلم ـ عبدالله خليفة
عدم الإيمان والعقلانية : كتب ـ عبدالله خليفة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
يتمثل الإيمان الديني الإسلامي أساساً بالإيمان بقوى الأغلبية من المسلمين العاملين لنهضة حياتهم ولتقدم الأمم الإسلامية.
وكان الإيمانُ توحيداً، على مستوى الألوهة ومستوى البناء السياسي.
وقد قامت القوى المحافظة بتمزيق وحدة صفوف المسلمين، فيما هي ترفعُ لواءَ الإيمان الذي لا تؤمنُ به.
إن كلَ أمةٍ وكلَ مجموعة من الأمم لها نسيجها من الوعي الديني، وتنمو إراداتها السياسية التحديثية داخل هذا النسيج، وبطبيعةِ الحال هناك خيارُ الألحاد، وهو خيارٌ مستقبلي إلغائي للحاضر وللأمكانيات العقلانية التدريجية فيه.
حين يلغي السياسي وربما كان باحثاً وقائداً كبيراً الإيمانَ الديني، فإنه يحلُ ذاته المتضخمة محل الذات الإلهية، سواءَ كانت وجوداً محضاً كما يؤمنُ المؤمنون بها، أم كانت رمزاً تاريخياً لهذه الأمة أو تلك.
ومن هنا رأينا كيف أن العلمانيين والملحدين الأروبيين في نشرهم لمختلف صنوف وعيهم من علوم ومن نظريات، كانت أغلبيتهم تركز على نقد مرجعيات رجال الدين المحافظين، وتدعو لأسس نهضوية جديدة لحياة الأغلبية الشعبية وهي مصدر الإيمان. فكان إنتصارهم وتقدم أفكارهم.
فأي فكر ديني أو إلحادي أو علماني لا يعمل لتطوير حياة الأغلبية الشعبية من العاملين، يتم نفيه من حركة التاريخ، ومن هنا كان الإسلامُ المؤسس هو القائد في تغيير حياة الجمهور الشعبي المتخلف الذي كان يعيشُ في مؤخرة العالم!
وكانت الدول التي جاءت بعده يعتمد وجودها أو تفتتها على مدى حفاظها على ذلك المبدأ.
وهذا من حيث حركة التاريخ العامة، فماذا عن خيار الألحاد؟ إنه لا يختلف عن ذات الخيار الديني، لكنه كنظام يسقط كذلك، فمن حيث حركة التاريخ العامة ينطبق عليه ما سبق، فإذا كان متوجهاً للحفاظ على مصالح الأغلبية من العاملين والمنتجين فإنه مع حركة التاريخ التقدمية، وإذا انحرف وأغدق على الفئات البيروقراطية والعسكرية الحاكمة المتنفذة، فإنه يسقط مثل الأنظمة الأخرى.
حين يتضخم القائد للنظام الديني أو الألحادي أو العلماني أو القومي ويحتكر المنافع لذويه وحزبه، فإن حركة التاريخ تلفظه، وهي تجعله داخلها فقط لأنه قادر على السيطرة المرحلية إلى حين، وحين تتوقف الموارد التي يعتمد عليها تحدث عملية الحراكِ المدمرة، أي التي لم تخضع لضبط اجتماعي عقلاني من قبل الجماهير.
حين يلغي القائدُ الإلحادي المؤسسات الدينية المستقلة والأحزابَ المعارضة له فإنه يريد أن يحلَ محلَ الإرادة الإلهية، بالضبط كما يفعل الحكام الدينيون الفاسدون السابقون، فأختلف الشكل.
وإلغاء الدين هي عملية لرفض التطور الديمقراطي الطويل لأغلبية العاملين، مثلما يكون إحتكاره من قبل بعض رجال الدين المحافظين، أو من بعض المذاهب التي تدعي أنها الوحيدة القادرة على فهم الدين!
وفيما أن القائد الشيوعي يقول بأنه يستند على العلوم الحديثة، يقول الزعيمُ الديني المتنفذ إنه يعتمد على العلوم الشرعية، وكلاهما يعتمد على البطش، وسواء جاء عبر دولة بمؤسسات قمعية حديثة أو عبر مليشيا شعبية مغسولة الوعي.
الألحاد والإيمان الديني المغلق كلاهما إنكار للتطور المتدرج لأكثرية المسلمين، فالملحد العدمي كف عن القراءة ومتابعة تطور أمته، ورؤية سبل تطورها العقلانية المتدرجة والكفاح داخل هذه السبل، وأحل ذاته الشمولية التي تصدر الأوامر من عليائها.
مثله مثل القائد الديني المحافظ المغلق أحل ذاته بذات السبيل، وجعل فكرته الدينية مصدراً للحكم، فعلى الأمة أن تتبع فكرته، وليس أن فكرته تعبر عن مشاكل الناس وتناقضاتهم وتنوعهم وتعدد سبل تطورهم وأن يرهف أسماعه وأبصاره للتحولات المعقدة في حياة أمته لكي لا يجعلها تذوب وتمسخ بل أن تقاوم وتتحدث!
كل من الملحد والديني المغلق والعلماني المستورد يريد الأمة أن تمشي على برنامجه المعد سلفاً، بسبب محدودية بيروقراطيته الحزبية ولجنة جماعته القائدة، والتي يتوهم إنها عرفت التاريخ كله.
وفيما أن الملحد يلغي تراث أمته، فإن الديني المغلق يجمد هذا التراث، وفي كلا الحالتين فإن التراثَ معطل، مرة بسبب رفضه، ومرة بسبب إلغاء تطوره وتاريخيته، ولكن التراث المحافظ موجود ويتحكم في حياة الناس، ويحدد زواجهم وطلاقهم وإرثهم وكيفية موتهم وعلاقاتهم وحكمهم وعقودهم الخ..
والألغاء لا يشل حضوره، والتجميد يزيد من مشاكله، ويقلل من إشعاعه، وبين العدمية والحفظ في الثلج، يعتمد وعي الأمة على العقلانيين الذين يدركون إستحالة الألغاء والتجميد معاً، ويبحثون عن سبل التغيير الممكن، حفاظاً على الإرث وذواب الأمة في الفراغ، وتطويراً لحياة الناس، بما يحقق التقدم والمعيشة الجيدة لأغلبية المنتجين.
النقدُ الذاتي وليس المراوغة: كتب ـ عبدالله خليفة
التاريخ بين حوارين : كتب ـ عبدالله خليفة
لسانُ الشاعرِ المقطوع : كتب ـ عبدالله خليفة
الأبطال والفرح: كتب ~ عبدالله خليفة
رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة
مسلسلات رمضان : كتب ـ عبدالله خليفة
إعادة تقييم التجربة السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
أسباب تدهور وعينا : كتب ـ عبدالله خليفة
الأم والكتاكيت السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
الثورة والكهنوت: كتب ـ عبدالله خليفة
دولة «الحشاشين»: كتب ـ عبدالله خليفة
المتقدمون وغزو الفضاء: كتب ـ عبدالله خليفة
إصلاح أم ضياع : كتب ـ عبدالله خليفة
التقدميون يتغيرون: كتب ـ عبدالله خليفة
مناضلون بلا قواعد: كتب ـ عبدالله خليفة
توسع الفلسطينيين الإنساني : كتب ـ عبدالله خليفة
فلسطين: الأديان والطبقات : كتب ـ عبدالله خليفة
أمدنيةٌ أم علمانيةٌ؟ : كتب ـ عبدالله خليفة
أية ديمقراطية مرجوة؟! : كتب ـ عبدالله خليفة
النقد وتبعيته المزدوجة : كتب ـ عبدالله خليفة
الفردية والفردانية : كتب ـ عبدالله خليفة
شهادة من جمال عبدالناصر: كتب ـ عبدالله خليفة
التقدم في زمن مختلف : كتب ـ عبدالله خليفة
انتظر (بحماس) صواريخ إيران على إسرائيل
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
مثل أي مواطن عربي ومسلم ساذج وغبي انتظر صواريخ إيران على إسرائيل.
انتظر بحرقة وشوق وحماسة شديدة وعتيدة هذه الصواريخ المنقذة لشعبنا في غزة، الذي يحترق بالمجازر الإسرائيلية بكل صنوف القتل المتعمد.
سوف تأتي حتماً هذه الصواريخ حتماً وتزول إسرائيل.
لقد اعترف رؤساء وملوك العديد من الدول العربية بأنهم لا يستطيعون التورط في حرب مع إسرائيل، قالوها وأيدوا عمليات السلام المختلفة، وساعدوا منظمة التحرير الفلسطينية بما يستطيعون وآزروا السلطة الفلسطينية بما يقدرون عليه.
من أجل أن تنهض هذه السلطة الفلسطينية وتتقوى ويكون لها في الزمان القادم وهي على الأرض فعل جديد، لا أن ترضى بالاحتلال والهمجية الصهيونية.
منطق بعيد المدى، تعلم من دروس الماضي، وختم على المراهقة السياسية والعنتريات التي لعبت أدوارها المشبوهة في ضرب نضالنا القومي.
لكن هذا هو منطق المتعلم المثقف العربي لكنني حماسي وانتظر الحل السريع الباتر.
وقد أعجبت كثيراً بتصريحات بعض القوى السياسية التي نددت بمواقف الدول العربية، وبأنها مواقف جبانة وتكتفي بدعوات لاجتماعات وبانقاذ للمصابين من الحوادث وأنها مجرد بيانات، فقلت سوف يأتي الرد القوي من العاصمة التي يدينون لها بالولاء والتي تدفع رواتبهم ومكآفاتهم النضالية، وتعقد اجتماعاتهم القومية والإسلامية والعالمية، خاصة وقد تفجرت من بيروت تنديدات بالقيادات العربية وأنها متواطئة مع العدوان، رغم أنها شاحبة ومحدودة، على عكس صخب بيروت المعتاد.
قلتُ: سيأتي الرد من طهران.
سوف تتفجر الأرض من تحت أرجل وجنازير الطغاة المحتلين المجرمين.
سوف يأتي الرد من طهران انتظروا.
كيف لا؟ وقد تركت “حماس” صفوف الدول العربية والتحقت بقيادة طهران، ولا شك أنها رتبت معركة دقيقة مع عاصمة النضال الإسلامي، بعد أن شقت منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية واندفعت في بطولة متفردة شجاعة فهي لا تمتلك حتى طائرة عمودية واحدة، ولا أسطولا، ولا شبكات دفاع جوي، ولا مضادات أرضية، وفي مواجهة أكبر جيش في المنطقة.
قلت: ليس هو انتحار كما يظن الساذجون بل مقاومة بطولية وطنية صغيرة ووراءها قوة عظمى كاسحة.
لكن العمليات الرهيبة الدموية الاجرامية استمرت من دون أن تظهرَ القوى الـمُنتظرة، فقد اعتدنا مظاهرات وصرخات الاطفال والفتيان والنسوان العربيات، لكن الرد القوي الجبار قادم من الرجال الصناديد في إيران.
لقد رحل خالد مشعل إلى هناك وأقام معسكرا رياضيا صاروخيا.
وقد نددت القوى المؤيدة للحلف المقدس الثوري بمواقف الدول العربية المتخاذلة وقلنا: سوف يقلبون الدنيا رأساً على عقب، لكنهم اكتفوا كذلك ببيانات، وتحركت فصائل الجمل الثورية في كل مكان، وحرقت الأرض بالأقوال الصارخة الباطشة بإسرائيل المجرمة.
بدأنا نفكر بجدية في خاتمة المطاف:
الرئيس الإيراني يعقد مؤتمرا صحفيا يدلي فيه ببيانات فلسفية عن طبيعة العدوان الإسرائيلي.
الجماعات الثورية جداً تعقد مظاهرات صغيرة والشعوب العربية خارج التاريخ الفعلي.
الدول التي اتهموها بالجعجعة هي التي نصحت “حماس” كثيراً بعدم سلوك طريق المراهقة السياسية، وأنها لابد أن تعود إلى طريق النضال الحصيف بدلاً من أن تعرض شعبها للخراب، من دون أن يصغي قادتها لذلك، ثم سكتت عن اتهامات هذه الحركة نفسها لهذه الدول العربية الشقيقة لها بالعمالة والتواطؤ لصالح إسرائيل.
خـُدعنا كما خـُدع غيرنا بصرخات الرئيس الإيراني وبأنه قادر على إزالة إسرائيل وربما سبحت حماس بحماستها الكثيفة في دخان هذا الحشيش الثوري، لكن الضحايا يبقون هم الضحايا، والجثث هي ذات الجثث التي تموت بأجندة المراهقين المغامرين.
هم أهلنا يذبحون أمام أعيننا بسبب هذه الجمل وهذه السياسات الرثة.
اكتفى قادة إيران بكلمات بسيطة مثل سنرميهم في البحر، أو نذيقهم ملوحته، تعبيراً عن البأس في القتال، فما أظهروا بأساً.
ولكن كلمات الرئيس السابق قوية (سوف نزيل إسرائيل)، (سوف نلغي إسرائيل)، (إسرائيل ليس لها مكان في الشرق الأوسط)، وخالد مشعل كان يرقص طرباً في طهران، وسكرت حماس على رغوة هذه الجمل وجرّت قسماً كبيراً من شعبها لمذبحة وأي مذبحة!
هم دائماً يفعلون بشعوبنا وبأنفسهم ذلك ويدعون الحصافة والعبقرية في النضال.
كم مرة جربنا ذلك ولم نتعظ ولم نأخذ دروساً؟
كم مرة نـُلدغ من الجحر نفسه ولا نتعظ!
سوينا بالحجر في لبنان ولم نتعظ وزايدنا وادعينا الانتصارات.
والآن سوينا بالأرض في غزة ولانزال نكابر.
متى لهذا الجمهور العربي أن يفهم؟
لا للاحتلال ولا للغزو الإسرائيلي الاجرامي ولا للحماقة السياسية العربية ولا لصواريخ إيران الوهمية ولجماعات المراهقة والتخبط السياسي كذلك.
30 ديسمبر 2008
(الطفولية) والنضال المعاصر : كتب ـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
الدينيون واللادينيون : كتب ـ عبدالله خليفة
عبدالرحمن رفيع : كتب ــ عبدالله خليفة
مراحل تطور (البرجوازيات) العربية ــ كتب : عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
قراءة في تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة

مركزية الذات الشعرية ومشاكلها
جاءت قصيدة علي الشرقاوي «تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة». بعد فترة من قصيدة محمود درويش «أحمد الزعتر». وهناك شيء من التأثير تركته القصيدة الاولى على قصيدة الشرقاوي اللاحقة، من حيث وجود شخصية محورية تعبر عن تجربة شعب ، أو تجربة أمة ، ومن حيث قيام الشخصية المحورية بفعل ايجابي . داخل بناء القصيدة الدرامي ، كانعكاس لفاعلية اجتماعية – شخصية متصاعدة، عبرت الشخصية – النموذج ، عن مضمونها الأساسي .
وإذا كان محمود درويش ينسحب «تماماً» من حدث القصيدة، تاركا الشخصية تنمو من خلال حوارها الذاتي المتقطع ، المتصاعد، فإن الشرقاوي لا ينسحب من القصيدة ، بل يشارك الشخصية الاخرى ، نشاطها ، بل ان شخصيته هي الشخصية المركزية في القصيدة، وصوته هو الاقوى ، وما المغني ، او شخصية ضاحي بن وليد الا لحظة من لحظات تجلي الشخصية المركزية ، التي هي ذات الشاعر.
فلم تكن شخصية ، ضاحي بن وليد ، تحتمل كل هذه المعرفة الأيدلوجية – السياسية الواسعة التي حملها إياها الشاعر، في حين كانت شخصية محمود درويش شخصية مبتدعة ، فأتاح ذلك إمكانية بنائها، وتطويرها في كافة الجهات، عبر بلورتها للتجربة الفلسطينية . لكن شخصية ضاحي كانت شخصية موسيقية وجدت فعلاً ، وعبرت عن مستوى معين من النشاط وارتبطت بمحدودية الفترة والواقع حينذاك، في حين كانت تجربة أحمد الزعتر متسعة متروكة لكافة الاحتمالات .
من هنا فإن شخصية ضاحي لم تستطع أن تحمل زخم تجربة الشاعر ، وقد بقيت ، من خلال القصيدة ذاتها ، في الحدود التي ظهرت فيها ، في الحياة ، فلم يقم الشاعر باعادة خلق لها ، او توسيعها ، ومن هنا اندفع صوته لاستكمال عملية توسيع التجربة المتنامية في القصيدة ، فغدت حياة ضاحي مجرد محطة لصوت الشاعر ، وليس شخصية كذلك . والفارق كبير هنا بين الصوت والشخصية . فالصوت هو بوح بالرؤية والفكرة ، في حين تظل التجربة الشخصية والملامح النفسية والتفاصيل الحياتية ، منفية من التجسيد الفني . فشخصية ضاحي تبقى في حدود صوته ، أي في حدود الفكرة ، التي استبدلها الشاعر بفكرته، بينما تغيب تجربة ضاحي الشخصية وممارستها اليومية الحميمة .
وهذا ، كما سنرى، يتوافق مع رؤية القصيدة وخطها الفكري . فالقصيدة لا تطرح سوى العام ، وليس الخاص ، تحاور المستوى الاجتماعي – السياسي المجرد ، لكن لا تدخل في تفاصيل الحياة اليومية والتجارب الذاتية ، فلا تمزج بين العام والخاص ، ولو فعلت ذلك لرأينا ضاحي بن وليد حقاً ، أي انسلخت شخصيته من شخصية الشاعر المسيطرة ، وغدت ذات خصوصية مستقلة . ولكن الشاعر الحقها به ، غدت صدى لنفسه ، ولقد اعطاها جوانب معينة هامة ، وهي الغناء والمعاناة ولكن لم نجدها تنمو ، في سياقها المختلف، لتتشكل في تجربتها المميزة .
في حين كان محمود درويش أكثر موضوعية بإعطاء الشخصية المحورية إمكانيات نموها الخاص ، عبر تجربتها..
(« نازلاً من نحلة الجرح، إلى تضاريس البلاد، وكانت السنة انفصال البحر»، «عن مدن الرماد»).
وتبدأ قصيدة الشرفاوي بهذين البيتين :
(منغمر في عسل التعب الطالع من حمى النحلة
منهمر في نسخ المحار الداخل احلام النخلة) .
واذا كان ثمة تشابه عبر تكرار «النحلة» في كلا المقطعين فإنهما ينموان بشكل مختلف، فالمقطع الدرويشي لا يعلن شيئاً عن الحالة الموصوفة ، انه فقط يفرش المسرح ، معيناً الظرف العام، تاركاً «البطل» التفاعلاته الخصبة مع الواقع .
لكن الشرقاوي يفتتح القصيدة بتحديد العالم الذي تدخله الشخصية والشخصية نفسها . فصوت ضاحي – الشاعر يؤكد انه منهمك في مصهر العمل القاسي في حقلي البحر والزرع ، أي في الأرض المقسمة عبر الانتاجين البحري والزراعي فالذات مغمورة بتعب الحياة الملتهب كحمى النحلة ، وهي صاعدة، عبر هذا العناء ، نحو الاحلام البعيدة المترامية في الحقول . أنها في كلا قطاعي الأرض صاعدة ، متألمة، منتعشة، متجهة إلى حلم التغيير ان صوت الشخصية يتوحد منذ البدء بالأرض ، بالإنتاج ، بالتغيير .
وهو يعيد إنتاج هذه اللازمة وتوسيعها في كل بناء القصيدة التالي . فما نمو القصيدة ألا شرح لهذا المعنى الذى كمن منذ البداية .
فتجد ان المقطع السابق يستدعي على الفور : الأرض . فهي تأتي مباشرة بعد المقطع السابق ليبدأ التداعي :
«والرملة» «هذى الألف المقصورة واقفة» في البحر كأن الفجر يحدق في تكوين الطير».
ان المقطع السابق الذى يوحي بالارض، يستدعيها فوراً على شكل خارطة ، فكأنها فجر يحدق في الطير . ويمكن عبر قراءتنا لعدة مقاطع اخرى بان نستنتج طابع القصيدة ونموها المتكرر.
وليست العلاقة في القصيدة إلا علاقة صراع بين الأنا الشعرية ، وصوت الشاعر ، والواقع الخارجي . إن هذا الصراع هو الصراع الأساسي المحوري. وما ضاحي بن وليد ، الا لحظة من لحظات تجلي هذه الأنا الشعرية، التي سرعان ما تتجاوز صوت ضاحي الخاص ، وما موسيقاه ، أو شظاياها ، الا جزء آخر من هذه الذات الشعرية ، التي تنمو وتنساب في كل الجهات وستغدو مدعوة لإحياء المشنوقين والمتلاشين ، فهي الصوت المكثف لإخراج العرب من ظلماتهم وهي الباعثة لحيواتهم الميتة … في مواجهة الفعل التدميري للغرب ، الذي سيؤخذ ، كجوهر آخر ، معاد ومرفوض ، كلية .
ان المقاطع الأولى التي تبدأ بها اللوحة تتكيء بقوة على صوت المغنى القديم، فصوت الأنا الشعرية يتوغل في ذاته ، يبحث عن لحظة الصعود الدرامية، فتمتلئ المقاطع بكلمة . «احاول»:
«احاول عتق الغبن المرهق في الشفتين» ، «احاول ان اجتاز بمهماز الوجد تخوم المابين».
(«واحاول» ، «مجروح وقتي» ، «من فض بكارة صوتي البدوي واعطاها السفلس ؟؟» ، «من لوث بالآلات الغربية موال النرجس» ، «من عقلني ؟»).
إن هذه المحاولات الدائبة للخروج تصطدم بالوقت بالواقع . وتغدو القصيدة تجربة ابداعية تحاول أن تتغلغل في هذا الواقع . وسيكون هذا الواقع واحداً ، حتى لو امتد الى الماضي ، عند بداية القرن ، في زمن ضاحي المغنى ، أو جاء الى الوقت الراهن ، زمن العقد الثامن، حتى لو امتد الى المغرب او عاد الى المشرق ، تجلى في الاغنية القديمة ، أو القصيدة المعاصرة ، انه واقع واحد ثابت ، عام ..
وهذا الواقع هو واقع الغاء الصوت البدوي ، او العربي ، او الشرقي أو «النحن». لهذا هو ليس واقعاً عربياً ، انه واقع غربي ، اجنبي . لأنه ليس بدوياً ، ليس عربياً صميماً . لا يستخدم العود، الآلة العربية الموسيقية ، الاصلية ، بل يستخدم الآلات الغربية . فصار العرب ، حسب هذه الرؤية ، اسرى واقع لا يصنعونه .
كيف إذن سيتشكل الصراع بين الأنا الشعرية والواقع العربي ؟ كيف ستقوم باستعادته ، هي الحرة وهو المستعبد ، هي البدوية وهو الغربي ، هي الانتماء وهو الاستسلام ، هي الاصالة وهو الزيف ؟!
انها تتراجع الى ذاتها. الى تعدد تجليات هذه الذات في حوارها الداخلي ، فيعود صوت الشاعر – المغنى ليحفر في نفسه ، سوف يسترجع اشكال مقاومتها ، حيث كانت الكلمة وسيلة لصعود المقاومة الداخلية ، والانغام البدوية صورة من صور الرعد الخالقة .
أن التغييرات الحاسمة لا تحدث الا في كون الأنا الداخلي ، بينما نرى الواقع الخارجي ، الواقع العربي ، كهفاً واسعاً بلا تغيير:
(«كهف في المشرق» ، «كهف في المغرب» ، «كهف» «ما اضيعه الزمن العربي على النغم الانثى» ، «ما اكثر ادوات النفي !!).
إن هذا الواقع العربي . الممتد من بداية القرن ، الى الآن ، وهذا الجسد العربي الكبير المتواصل المتقطع بين المحيط والخليج ، هو مجرد كهف ، انه الظلمة ، واللا حركة ، بينما يكمن النور في الأنا الشعرية ، فهي الحركة والفعل، وهي التي سنجدها تشتعل بالتغيرات والفاعلية والعطاء .
انها تبحث ، وتدور ، قد تتخثر احياناً ، قد تتمزق ، قد تموت مع الموت ، لكنها تعود للحياة، فهي الحياة ! أن المغنى يعود للحضور، والشاعر يتجسد باستمرار ، ليس في تضاريسهما اليومية ، ليس في فعلهما الحقيقي ، مثل احمد الزعتر وهو يتقلب في العربات المشتعلة بالغربة وفي الزنازن الشقيقة ويولد في معارك المخيمات، بل هما ، أو قل هي الانا الشعرية بؤرة القصيدة وسيدتها المطلقة، في نضالها الثقافي المجرد ، حين تستخدم الريشة لصياغة الكلام الممنوع ، وحين تنشىء طريقاً من بين الظلمات ، يكسر حد الجوع » .
انها الريشة ، أو الكلمة ، وهي تفعل وتخلق. «اراجيحاً للعيد» ، و«زغاريد الاعراس » و«تحول .. قداس الفرحة رمزاً» ، و«تكشف» ، «عمق اللغز» ،.. (ص 191 من كتاب قراءة نقدية في قصيدة حياة للدكتور علوي الهاشمي).
إن الأنا الشعرية بتجلياتها، عبر ضاحي ، عبر الريشة ، أو عبر القصيدة ، تقوم ضمناً باعادة النور والحياة الى الجسد العربي الميت ، تبعثه ، تحييه ، لا بالتوغل بين جموعه وتضاريسه ، تستكشفها، وتقودها في مسارات الأرض، كما فعل أحمد الزعتر ، الذي ظهر كأحمد الشعبي واليومي ، متشكلاً بين الناس ، ومفجراً لطاقاتهم معاً .. لا ، ليس مثل ذلك ، بل عبر نفثها هي للحياة في الجسد العربي الميت – الكهف . انها مصدر الضوء والطاقة والخلق !
إن الوعي الثقافي ، كما تتصور الأنا ، هو أساس خلق العرب وإعادة تكوينهم ، أو بعثهم ، وهو وعي تنفثه الذات، من مصدرها العلوي، ومن هنا فهي ليست بحاجة للدخول الى تفاصيل حيواتهم وعوالمهم المختلفة ، فيكفي انها تراه هكذا ، كهفاً واسعاً ، حتى يكون فعلاً كما تري ..
إذن لا يبقى لهذا الوعي الثقافي النخبوي ، الا ان يلغي الثقافة الغربية ، لكي يبرأ الجسم العربي من العلل والظلام ..
«مبحوح قلبي»، «فحيح الآلات الغربية»، «تحت السقف الديناري المغزول من الآهات على الوتر الصامت علبني»، «من شيأ صوتك يا عود النار ؟) .
فالمواجهة ستجري بين العود والآلات الغربية، بين الثقافة العربية والثقافة الغربية ، بين الشرق والغرب ، بين النحن والآخر، بين عالمين متناقضين لا يلتقيان ورغم أن الثقافة الموسيقية العربية تفاعلت مع الثقافة الموسيقية الغربية واغتنت بها كما اغتنت كافة أشكال الوعي العربي ، إلا أن الأنا الشعرية ، لا ترى ذلك ، وترى التقابل المطلق والتنافر الأبدي بين الشرق والغرب ، بين العود والآلات الغربية !
وتستمر آلية الصراع هذه في العديد من المقاطع التالية ، تعيد تكرار الرؤية ، كهذا المقطع :
(«العود الهجس»، «مثل المخطوطة»، «من يكتشف النغم الانثى»، هذا المغمور كعرق النور بخارطة الحزن العربي»)، ص 193.
فالعود ، كالمخطوطة ، تجليان للثقافة العربية، وهما أساس خلق الفعل للجسد ، هما مولدا النور في خارطة الظلمة العربية . هما اللذان يشكلان الخصب للجسد ، هما الفعل الذكوري (مع مجيء الريشة) لصناعة المولود العربي .
ويوضح ذلك ايضاً بعدها (هل غير العازف في الظلمات هناك نبي ؟) فالظلمات المتكاثفة في الكهف العربي ، لا تزيحها إلا الثقافة العربية النخبوية: صناعة المثقفين المتميزين ، صناعة الأنبياء . وهنا ينفتح باب الثقافة الصوفية المثالية ، بعد أن فقدت القصيدة طريقها في العثور على الحقيقي بين المبدع والناس ، بين الطليعة والشعب . أو قل بان تصور الثقافة باعتبارها صانعة التاريخ بشكل مطلق ، وبان المبدع هو خالق الجسد العربي الجديد ، قد فتح الأبواب ليتحول هذا المبدع الى وعى مقطوع الجذور بالواقع ، ليأتيه الوعي من الخارج ، من السماء ..
انتظر (بحماس) صواريخ إيران على إسرائيل
قراءة في تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة
الدكتور إبراهيم غلوم .. ورؤية خاصة وغريبة عن التجريب المسرحي
أين صواريخ ‹‹حزب الله›› على إسرائيل؟!
إضاءة لذاكرة البحرين
العنفُ مبررٌ ضد الصهيونية
اليهودُ من التراث إلى الواقع
اليهودية كدكتاتورية شرقية
هتلر يحكم إسرائيل
غزة وحماس
isa.albuflasa@gmail.com
الدكتور إبراهيم غلوم .. ورؤية خاصة وغريبة عن التجريب المسرحي
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
تجريب منقطع عن القضايا القومية والنماذج واللغة
للدكتور إبراهيم غلوم مساهمات هامة في الدراسات الأدبية والنقدية والمسرح، واتجاهه لتطويرهما واكتشاف ملامحها الداخلية البعيدة. وأعماله تعتبر منعطفا في سياق دراسة الأدب في الخليج وربطه بالمناهج الحديثة.
لكنه في اتجاهه لخلق اتجاه تنظيري تجريبي في المسرح؛ يبتعد كثيراً عن تلك المنطلقات، بل وحتى عن تجربته المسرحية الوحيدة.
وقد قدم ورقة لرؤيته التنظيرية لهذا المسرح التجريبي في محافل عدة، كان آخرها ندوة أجريت عن المسرح التجريبي في البحرين. وسبق للورقة أن نشرت في جريدة الأيام. كما أنها مطبوعة بشكل خاص لدى مسرح أوال.
يبدأ د.ابراهيم غلوم ورقته «إرث مشترك، حلم جامح: عن التجريب وتداخل الثقافات»؛ بالدعوة الى ممارسة جهد عقلاني منفتح، وتقفز هذه الجملة العقلانية فوق السطور؛ بشكل دائب، داعية دوماً الى الاكتشاف والاستبصار والتفتح العقلي. غير أننا لا نعرف ما هي هذه العقلانية؛ التي تتضاءل باستمرار تحت اندفاع اللاعقلانية.
اللاعقلانية، هذه، تظهر بشكل خجول، وما تلبث ان تتصاعد حتى الذروة.. دعونا نقتطف بعض زهراتها المرة في بدء تجليها .
يقول د.غلوم بأن التاريخ المسرحي الذي يفني التجريبي عمره من أجله هو خبرة بشرية واسعة متداخلة، وهو خيال فيه صور وأفكار (البدائي منها والمتوحش. الإنساني منها والشيطاني، الموضوعي منها والذاتي، البسيط منها والمعقد) ص 1 من الورقة .
ان العقلاني السابق ذكره، يتحول هنا الى اللاعقلاني، فتغدو الأشكال البدائية من الوعى الانسانى: الخرافات والسحر الشيطاني وغيرها من ضروب الوعي القديم في العصور السالفة ــ وهي التي عبرت عن علاقة صراعية بدائية مع الكون والاشياء الغامضة حينئذ ــ هي المرتكزات الاساسية لمسرح عصري يسمى تجربيباً.
ان الدعوة الى العقلانية، راحت تتشكل بصورة مغايرة للعقل، وهنا يشعر د. غلوم بتناقض حاسم وأساسي في دعوته، فيقول إن الانفتاح (لابد أن يبرهن على عقلانيته حتى مع حالات التعلق بفكرة حالمة أو جامحة أو مجنونة حول معنى المسرح) ص 2 .
ان هذا الشعور بالتضاد الحاد بين العقلاني والميتافيزيقي، بين التجريب والظلام، بين روح المختبرات الجسدية الخلاقة والجمود؛ لا يحل، بل يتنامى.
فالتجريب المفتوح الذي يطرحه الباحث لا يلبث ان يتوجه الى خبرات (بعيدة احياناً عن أشكال المسرح كالديانات وثقافة الشعوب البدائية من خرافات وأساطير وتقاليد وطقوس ورقص وغناء .. الخ) ص 2 .
لقد عاد من جديد الوعي البدائي، بصورة أكثر قوة وتفصيلا. فتركز العقلانى فى الخرافي، وصار التجريب مفتوحاً على مخزن وحيد، هو ثقافة الشعوب البدائية، مقطوعة من سياقها الصراعي الخاص، وشرطها التاريخي، مجرجرة إلى وعينا المعاصر. ولكن ماذا سوف نستل للتجريب المسرحي من هذه الثقافة البدائية..؟
ليس ثمة برنامج ملموس، ولكن شذرات من رؤى أخرين. فالمثل «الأكثر دهشة» هو مثال انتونان أرتو (حين ترك لخياله التنبوئي أن يكتشف من مجرد النظر في لوحة تشكيلية لرسام بدائي ما يجب أن يكون عليه المعنى الحقيقي للمسرح) ص 2.
هكذا يغدو التجريب المسرحي متعلقا بنظرة ألقاها أرتو على لوحة فنان يسميه «بدائياً». ولكن مسلسل اعتراف أرتو يكشف أنه ليس فناناً بدائياً بل مسيحياً .. فهو يقول ــ أي أرتوــ بعدئذ حسب مقتطف غلوم (أطلق ذلك الرسام على اللوحة اسم لوط وبناته.. وهذه اللوحة مثال غريب للاستنتاجات الصوفية..) ص 2.
ان العالم البدائي، يختلف عن العصور الوسطى الاقطاعية الدينية؛ ولكن ارتو في خطأه اللغوي ــ التاريخي، واستدلاله للتطور المتنوع للبشرية، في مظهر وحيد هو الوعي الديني ــ الصوفي؛ لن يرى أية فروق مادام هذا الوعي الصوفي، المقطوع الصلة بتكويناته الاجتماعية التاريخية، هو المهيمن سواء كان «بدائياً» أم «مسيحياً اقطاعياً» منقطعاً عن الحياة، متحولاً إلى نفثة سحرية. وعلينا ان نعرف ان هذا الرسام، الذي على التجريب المسرحي أن يبدأ من نفثته، هو قبل عصر التنوير والثورة الصناعية، أي ينبغي إلغاء التيارات التنويرية العقلانية الديمقراطية، والعودة الى ما قبل تشكلها، الى العصور الوسطى، الى الحياة البدائية، الى السحر !
من هذه النفثة السحرية؛ الطقسية، الاسطورية؛ البدائية، الغامضة؛ على التجريب المسرحي أن يبدأ؛ ولم ذلك؟ لم الانحصار في الغيب المقطوع الصلة بالهموم البشرية. بالآمال القومية، بالتغيير؟!
بالنسبة لآرتو ــ في السياق الذي وضعه فيه غلوم ــ وعالمه الراسمالي المهيمن على البشرية؛ النازف منها الدم والعظم، ستغدو هذه التجريبية الصوفية؛ لعبة لمثقفين ليست أمامهم قضايا ساخنة. عزلوا المسرح عن الحياة، وقطعوا شرايينه، واستلوا شرياناً واحداً يغيب كل شيء، وبحثوا في تاريخ البشر الآخرين، عن لحظات غيبية صوفية، تؤكد انغلاقهم الذاتي، كما تؤبد الشعوب الأخرى «البدائية» في لحظاتها الغيبية الصوفية، وبالتالي تستمر لعبة النازف والمنزوف.
ومن هنا يؤكد د.غلوم، على أهمية أن يتحد «العقل التجريبي» العربي مع «العقل التجريبي الأوربي»؛ ولكن ليس التجريبي العلمي، بل الصوفيٍ الغيبي.
ومن هنا كان من البدهي أن يلغي هذا العقل الفروق العرقية والقومية وأن يقف ضد أشكال التمييز العنصري وأن ينتصر لثقافة الشعوب الفقيرة والبدائية.. والا يجد امكانية اكتشاف لغة المسرح الخاصة أو شكله في تكنولوجيا ثقافة الغرب بقدر ما يجدها في ثقافة الشعوب المعزولة) ص 3.
هنا يتحد العقل التجريبي العربي الصوفي؛ المضاد للعقلانية، بالعقل التجريبي «الصوفي الأوربي»؛ في لحظة شيخوخته العقلية ــ الفنية، عائدين الى السحر والبدائية رافضين الاثنين معاً تكنولوجيا الغرب الصناعي المتقدم الديمقراطى، راجعين الى ثقافة الشعوب «المعزولة» لا المنفتحة، البدائية، لا العصرية، هروباً من اسئلة الموقف، وابتعاداً عن دفع ضريبة الفعل الثقافي النقدي.
الانفتاح هو التوجه الى الصوفية، برأي غلوم، والانغلاق هو السير نحو العلم، واذا اردنا ان نؤسس تجريبا إبداعيا مسرحيا، فعلينا أن نفارق عزلتنا «المحلية» و«القومية» وقضايانا المصيرية، لنتحد بتلك الومضة الصوفية عند آرتو في ذلك الوعي الصوفي الإلهامي عند الرسام القروسطي فهناك يوجد الانفتاح والعقل والبشرية المتألفة !
و تتنامى هذه البذرة وضوحا وتناقضا متزايدا، حين تصل بعدئذ الى تجليها الفكري، حين تسفر عن وجهها الايدلوجي، بوضوح. لماذا؟
(لان التجريب انحياز خالص لمعنى المسرح وتنحية مطلقة لاي انحياز ايدلوجي أو عرقي أم اقليمي مسبق). ص 5.
حين يكون التجريب الأوربي انحيازا للصوفية، للوعي البدائي المنقطع عن جذور عصره، سيكون (انحيازا خالصا لمعنى المسرح)، لكن حين يكون التجريب العربي انحيازا لقضايا الامة العربية المستعبدة، المقهورة، المتخلفة، واسئلة لاثارة وعيها وحركتها فسوف يكون انحيازا ايدلوجيا مرفوضا.
فالجمع بين التجريب المسرحي، وإشعال وعي الأمة، هو أمر غير ممكن في عرف د.غلوم، والانفتاح والعقلانية هو في الطلاق بينهما.
إن التجريب هنا يتحول طبقا لسياق الأفكار، الى بوليس صوفي يمنع اي هرطقة اجتماعية نقدية، أو اي شعور قومى، مؤكدا بهذا تحوله الى اداة للحفاظ على العلاقات اللامتكافئة بين غرب متقدم؛ وشرق متخلف عليه أن يبقى دائما في حضن ثقافته البدائية الجميلة!
إذا كان د.إبراهيم غلوم يفصل بين الفكرة والفن، وبين الأيديولوجيا والتجريب المسرحي، فإنه يواصل محاربة «الفكرة» داخل العمل المسرحي ذاته، مَلغِياً أشكال تَجِلْيَهَا ووجودها وتناميها في العرض المسرحي.. أو قل بأن فكرته اللاعقلانية تواصل طرد تجليات العقل في العرض.
فأي فكرة فنية لا تظهر إلا عبر الشخصية، والمعالجات، والأحداث، واللغة، ولا يوجد فن درامي ــ قصصي دون نمذجة وتجسيد.
ولكنه يصر على إلغاء هذه النمذجة عصب الفن الدرامي (والأنماط التي اعنيها هي الأنماط بجوهرها الشامل والذي نراه في طريقة بناء الشخصيات والأفكار والأساليب والمعالجات والحلول التي يقتضيها الأخذ بمنطق الأشياء) ص 6.
وهو يحولها من نمذجة إلى أنماط، بقصد استلال تنوعها وثرائها، وتصويرها في قالب آلى نمطي؛ ليسهل عليه دحرها.
وهو يحول هذه الأنماط ــ النماذج، الى سلطة قامعة للابداع. وليس إلى وسائل لثرائه كما فعل الإبداع منذ القدم حتى العصر الحديث؛ منذ سوفوكليس الى شكسبير الى نجيب سرور وسعدالله ونوس وبريخت الخ ..
وهو يريد التوجه إلى الغاء النمذجة ذاتها، وليس الطابع الآلي في النمط؛ كما يصور الأمر. فيقول عن التجريبيين العرب أمثال سعدالله ونوس ونجيب سرور وسلطة «الأنماط»، (فنجد أنها قد انتزعتهم من مهمة البحث عن جوهر المسرح، وألقت بهم في ضجيع الموضوعات وقضايا الأيديولوجيا،) ص 6.
ان النقد هنا لا يوجه الى الايدلوجيا والموضوعات فحسب، بل الى عصب الفن، وهو تجسيد النماذج – الحالات. فلن تؤدي النمذجة الا الى الارتباط بالواقع، وحياة الأمة ومشكلات المجتمع. لكن «جوهر المسرح» ــ حسب غلوم ــ هو كيان جوهري مفارق للاشياء، سرمدي، غامض؛ غير ملوث بوحل الحياة.
هنا لا يلغي الامة وقضاياها فحسب، بل يلغى الفن المسرحي أيضاً؛ انه يحوله الى رماد وغبار.
تبدأ المسيرة اللاعقلانية من السحر والبدائية والجنون الى الصوفية إلى إلغاء الفكرة والايدلوجيا والغاء الحالات والنماذج والمعالجات. لكنه ايضاً يواصل رحلة الهدم الغريبة هذه حتى يصل الى الغاء اللغة الادبية ذاتها :
(ان سلطة الكلمة في نصوص التجريب المسرحي استجابه طبيعية لسلطة الأيديولوجيا ولارتفاع صوت الخطاب السياسي)، ص 7، ويضيف (ونرى الآن أن إثبات الهوية العربية على المسرح مسألة تتناقض مع فعل التجريب؛ لأن العقل التجريبي يفترض إلغاء حواجز الهوية) ص 8 .
فالتجربب القادم من شطحات الصوفيين الغربيين؛ في عالمهم الامبريالي
المسيطر، مدعو للتسيد المطلق على التجريب العربى. إلغاء قضاياه وانتماءاته الفكرية، إزالة شخصياته وحالاته، إعدام هويته العربية، اشحاب لغته ..
هكذا يغدو «المسرح» فكرة غيبية، خارج التضاريس القومية والاجتماعية،
واللغة الإبداعية، ويتحول الى جوهر صوفي مفارق للمشكلات والنماذج والحالات ..
ولكن حتى هذا الجوهر النهائي الغامض لا نعرف اشكال وجوده الفنية، فما هو برنامج اخراجه وممثله وكيف سيظهر وقد قطع كل شرايينه مع الواقع والأشياء؟
نافذة
التجريب في الفن ليس من المحرمات، ولم يصدر أحد فرمانا بمنعه، ولم يتجرأ مبدع أو فنان، ان يعتبر ذاته خاتمة المطاف، ونهاية الخلق والإبداع.
وكان التاريخ الفني للبشرية يتجه دوماً للابتكار والتقدم، بدءاً من رسوم الصيادين على الكهوف إلى الملاحم الشعرية عند الفرس وأهل الرافدين والاغريق، وحتى الماساة الشكسبيرية وروائع تولستوي ومحفوظ الخ..
لقد كان التقدم الإبداعي هو زهرة تطور الروح البشرية، هو اقصى ما توصل اليه الانسان ليسيطر على عالمه، وذاته، ويعيد خلقهما باتجاه كون أكثر إنسانية وعدالة.
وكانت مسارات التطور في هذا الابداع تعتمد على تطور الوعي، الروح الوثابة لتشكيل العالم، آخذين في عين الاعتبار، مستويات التطور الاجتماعي – الاقتصادي. ومن هذين الجانبين كانت تتشكل تداخلات معقدة. ففي الوقت الذي كان العرب يتجهون فيه للانهيار في العصر الوسيط، كانت نتاجاتهم الإبداعية والثقافية قد وصلت الى الذروة، وفي الوقت الذي يعانون فيه الآن من التخلف، إلا أنهم أكثر إبداعاً في الرواية والقصة والمسرح من أوربا المعاصرة، بل يلحظ بشكل عام، هذا الابداع الأدبي والفني في العالم المتخلف «الثالث» قياساً بالغرب.
وليس ذلك إلا نتيجة للتكلس الروحي في الغرب، والغلبة الهائلة للمصلحة الانانية وبرود العلاقات البشرية، وفي فرنسا يمكن ملاحظة كيف تلاشت الاسماء الكبيرة سارتر، كامي دي بفوار، لتحل حالة من الفتور والانطفاء.
إن تطور الفنون يمكن أن يلحظ بدقة، في ذلك الهاجس المضطرم النابض بضرورة التغيير وتجاوز تخلف وألم الانسان. في الشعور بالتضحية ونكران الذات في الوعي باعادة تشكيل الأشياء الصعبة المؤلمة.
لقد ارتبطت تطورات الفنون دوماً بالوعي ومستويات نضجه. ففي حين تشكلت الاسطورة، الملحمة القديمة، القصة السحرية وغيرها فوق الوعي الأسطوري الخرافي، فان فنون وآداب العصور الوسطى من القصيدة الكلاسيكية. والملحمة والقصة الشعبية فوق الوعي الديني وما يرتبط به من ممارسات واشكال دنيوية.. في حين عرفت آداب وفنون العصور الحديثة هذا التوجه المتعدد الأشكال لقراءة الواقع، وتصاعدت لغة العلم في الأدب.
ويمكن ملاحظة أن تطور الفنون ارتبط كذلك بلحظات التغيير الكبرى في حياة الأمم، فالمرحلة الاولى من تطور البشرية الفني ارتبطت بالحضارات القديمة، مصر، بابل، الإغريق، الصين.
والمرحلة الثانية بالعرب والفرس وحضارة العصر الوسيط، في حين ارتبطت الثالثة بأوربا وهي تنزع أردية الإقطاع وتلبس الحداثة.
ان تطور الابداع لا يقوم على الفراغ، بل على الحاجات الحيوية للأمم في إعادة تشكيل ذاتها، وبناء لحظة حضارية متقدمة توسع حاجات الإنسان وحقوقه. واذا نظرنا بسرعة الى الآداب والفنون العربية في القرن العشرين نجد ذلك الانتقال المدهش من لحظة التعلم الساذجة الى خلق الفنون الخاصة القومية – الانسانية، بأشكالها الحديثة الأوربية، والدخول في لحظة تميز إبداعية واسعة في الرواية والمسرح والقصة القصيرة ، في العقود الأخيرة. ونجد هذه الآداب العربية وهي تتوغل في عوالمها المحلية – القومية، معيدة النظر في أسسها.
ع. خ
isa.albuflasa@gmail.com
عبدالله خليفة رائد الثقافة التنويرية البحرينية
كتب: إسحاق الشيخ يعقوب
الثقافة البحرينية التنويرية على موعد مع تكريم رائدها التنويري الكبير عبدالله خليفة: وفاء لجل اعماله الادبية والفكرية والثقافيّة الذي افنى زهرة حياته فيها بنكران ذات تماهيا جللاً للبحرين وعصب حياتها من الفقراء والمعدمين فيها. فالثقافة كما يراها عبدالله خليفة عليها أن تكون لحركة التاريخ التنويرية وإذا فقدت انحيازها لحركة التاريخ فقدت قيمتها الانسانية واصبحت خاوية بلا معنى في التاريخ. أنسنة الثقافة عند عبدالله خليفة تجدها في ضجيج عطاءاته الفكرية والادبية وفي مجمل انشطته الثقافية والفكرية ناهيك عن تجلياته في صميم رواياته وسياق تحليلاته الثقافية والسياسية فقد اختار طريقه ثقافياً بين اشواك الثقافة ليلتقط ورودها ويلقي بها في أحضان الوطن… هذا البحريني المترع بوطنيته البحرينية صاخب التمرد فالوطنية عند عبدالله خليفة لا تستقيم إلا في التمرد (…) فالثقافة تمرد في البحث عن جمالية الحياة من اجل وطن جميل مترع بوعي التمرد الثقافي على طريق الازدهار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي.
أن تُراث عبدالله خليفة الأدبي والفكري والثقافي والروائي هو بيننا ثقافة تنويرية حرّة تتنفس بها الأجيال البحرينية جيلاً بعد جيل.
إن الثقافة البحرينية التنويرية على موعد في أن نبتهج جميعاً بتكريم الاديب والمفكر التنويري الراحل والغالي عبدالله خليفة.
ان هذا الاحتفاء التكريمي في شخص فقيد الثقافة التنويرية عبدالله خليفة هو احتفاء بالثقافة البحرينية ودورها الريادي التنويري ليس في البحرين وإنما في الخليج والجزيرة العربية: فالثقافة التنويرية في وعي تجلياتها الأممية تضع بصماتها خارج نطاقاتها الانسانيّة أنها في أبدية انسنتها الثقافية الوطنية والأممية وكان الراحل البحريني الكبير عبدالله خليفة يجترح انسنته الثقافية الوطنية في انسنة اممية ثقافية تجترح كل ثقافات الدنيا في سلم دائم وحرية ابدية للانسانية على وجه الارض.
ان الراحل البحريني الكبير عبدالله خليفة هو نسيج وحده وخصوصية ثقافية بحرينية: أعطى الثقافة التنويرية البحرينية ما لم يُعطها أحد غيره وكان ثراً في عطاءاته الفكرية والأدبية والروائية بحيث لم يُجاريه أحد في مملكة البحرين وكان أن دفع بأكثر من خمسين مؤلفا في حركة التأليف والنشر فأثرى ثراء تنويريا مميزاً لم يُماثله في هذا الميدان أحد منا.
وان الوفاء الثقافي لهذا الرجل الفذ والإنسان هو مشاركة الثقافة والمثقفين البحرينيين في تكريمه، حيث تضيء شموع الثقافة ضياءها التنويرية كرماً في تكريمه…

إسحاق الشيخ يعقوب
جابر عصفور: الإصلاح وإشكالياته
سر التعويذة
رفعت السعيد والسرد السياسي
زكريا إبراهيم : الاستيراد الفكري
الرأسمالية البدوية
أين صواريخ ‹‹حزب الله›› على إسرائيل؟!
كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
توقعنا يا سيدي حسن نصر الله أن تكون صواريخك على إسرائيل سحابة هائلة تمطرُ الدولة العدوانية بالنار والدمار.
هذه هي ساعتك، وهذه هي لحظتك التاريخية، وطالما كنتَ تقول إن الدولة العبرية جبانة ولا تتحمل ضربات هائلة تأتيها من الشمال اللبناني والجنوب الفلسطيني، وحمست الفلسطينيين ودعوتهم لجهاد لا يقبل المساومة والتراجع والخيانة.
كنتَ تؤكد – وقد أحببناك لهذا – بأن القضية هي قضية مصيرية عربية إسلامية، ووقوف مشترك، لا يقبل التراجع لضرب الدولة العبرية العابرة إن شاء الله من الأرض العربية، وقد أبليتَ في هذا بلاءً حسناً عظيماً.
ثم جاءت المناسبة الكبيرة ليتحقق هذا الحلم.
غزة محاصرة تـُضربُ من كل الجهات، أمطارٌ من القنابل تنزل عليها وقد صارت هي مطر الشتاء القارس، طائرات تضربُ بدقةٍ متناهية بيوت المناضلين والمجاهدين، ولا شيء يمتنع عن القصف؛ مساجد وكنائس ومنازل، أماكن للمقاومة وأماكن للعيش، وطرق ومؤسسات، والعالم كله يتفرج!
الدولة العبرية الفاشية استباحت الوجود العالمي ومنظمة الأمم المتفرقة، وجامعة الدول العربية للدروس الخصوصية، التي تواصل طلب معونة الشتاء الدولية. كنت يا سيدي سيد المرحلة ودعوت في كل حين بضرب إسرائيل، ورفضت أي تقييد، وصرخت بأعلى صوتك بأن يتجمع الرصاص والصواريخ وسوف يهرب الإسرائيليون. ولكن ذلك لم يحدث!
وربما طلبتَ سراً من الاخوة الحكام السوريين أن يفتحوا جبهة الجولان الباردة خلال ثلاثين سنة، لم تـُطلق منها رصاصة واحدة.
وربما استعجلت صواريخ نجاد ولكنه مشغول بزراعة الطماطم الثورية. تحملتَ كثيراً من غدر الدول ومؤامراتها وخبثها، ثم لم تجد سوى أن تطالب بفتح الممرات بين مصر وغزة.
صرخت ولكنك ابتعدت عن نقد القوى التي هيجت وحمست وأرادت من كل الأطراف أن تجاهد وتتفجر قنابل ومتفجرات وضحايا إلا هي اختارت السلامة وبر الأمان وجمع الدولار والتومان.
كان ضرب أخوتنا الفلسطينيين وذكرى سيد الشهداء الحسين عليه السلام تجري، فأي أمة هذه تحتفل بسيد الشهداء وتنسى الشهادة؟
وفي ذكرى إمام المسلمين المجاهد ضد التسلط كنا بحاجة لتجميع كل القوى حتى لا نكون فرقة ضعيفة صغيرة معزولة وراءها عدو وأمامها عدو ولا سبيل لها لماء الخلاص!
كنا لابد خلال هذه السنوات كلها من تجميع الصفوف الوطنية وعدم الوقوع في شبكات الدول المحتالة، وشعارات الطوائف، حتى لا نقع في مثل موقفنا الراهن أسرى لشبكاتها واحتيالاتها، نطلق الصواريخ بحساب أجندتها.
وثم ندفع أثماناً باهظة عجزاً عن إسلامية التوحيد من أجل طوائفية الدول وايديولوجيات التفريق وحسابات الدول الخاصة.
ولكننا بالعكس نقدر موقفك يا سيدي في عدم اقتحام الموقف العسكري الخطر، فقد أبليت ولا تريد توريط بلدك في حرب غير مستعدة لها ولا هي قادرة على الدخول فيها وحيدة. ووجودك قوة سياسية معاضدة ومنتقدة ومناضلة داخل أجهزة بلدك ومن أجل شعبك أفضل من دخول معركة، يغدو لبنان الخاسر فيها، لأنك إذا حولت بلدك ساحة وطنية إسلامية مسيحية متعاضدة تقدم مثالاً جهادياً أكبر من إطلاق صواريخ. صارت الصواريخ باردة لأن دول الطوائف وحساباتها صارت سائدة. ومثلما تركوك وحيداً تركوا غزة وحيدة. لكن هذه هي الدروس التي نستخلصها من أنظمة بيروقراطية بوليسية تردد كلمات الجهاد والقضاء على إسرائيل حتى إذا جاءت لحظة الحساب بحثت عن مصالحها وتفاوضت من أجل استمرار الجبهات الباردة.
وقد دفع لبنان أثماناً غالية في سبيل القضية القومية التي لم يدفع الآخرون أي ثمن لها باستثناء مصر.
ويغدو الصراخ على الحكومة المصرية هو أحد أشكال النضال المحدودة في هذا الزمن الصعب، لكن مصر وحيدة لا تستطيع أن تفعل شيئاً كبيراً.
لتبقى صواريخ حزب الله باردة وتنتظر فرصة أخرى حين تقدر الحكومات العربية والإسلامية على التقارب، بدلاً من التكالب لمصالحها.
ولتتجمع الشعوب العربية والإسلامية وتدفع ضرائب من الدم، وتنسى طوائفها ومصالحها الضيقة، وتنسى اسطوانة سنة وشيعة.
فليس لبنان دائماً هو الضحية ودافع الضرائب القومية.
لكن يبقى يا سيدي حسن نصرالله أن تقول الحقيقة اليوم أو غداً، حتى تتعلم الأجيال ماذا يجري ولا تنخدع، وتتوحد، وتدع التفرق الديني والطائفي، لتجابه دراكوالات الحكومات المهيمنة على كل شيء.
ولا يكون تحرير الأراضي العربية المحتلة بغير ذلك.
ألم يترك حزب الله وحيداً؟
ألم تترك غزة وحيدة؟
هذه هي نتائج السياسات الطائفية والأحزاب الطائفية.
التوحد وليس مغامرات الجماعات الصغيرة هو السبيل، إن التوحيد لكل الطوائف والقوميات والأديان في هذه المنطقة للقضاء على الاحتلال والاستغلال.
12 يناير 2009
الأدب الطائفي
isa.albuflasa@gmail.com
حزب الله في لبنان
إن البناء الاجتماعي يحدد بشكل عام توجه أي حزب حتى لو كان قادماً من الخارج، فالبناء يعيد تكييف التنظيم حسب طبيعة المجتمع الذي يعمل فيه، رغم أن العديد من الأحزاب تحاول أن تحافظ على بنيتها الجوهرية المستوردة، لكنها لا تستطيع أن تستمر إلى الأبد في عملية التبعية، لأن الأرضَ التي تشتغلُ فيها لها طبيعة مختلفة.
ومن ثم فإن الشكل التنظيمي لحزب الله بين إيران ولبنان كان هو نفسه، وتغدو المرجعية المذهبية والمصادر الفكرية هي نفسها كذلك، وهذا أمر يقود الحزب إلى ازدواجية بين جذوره وبين البناء الذي يشتغل فيه.
وإذا كان قد تشكل في إيران كأداة لدولة شمولية، فإنه في لبنان تشكل كانشقاق من تنظيم بدأ متهادنا وغير قتالي، فصار دوره في إيران قمعياً، وتناميه في المجتمع محدودا بسبب الانفصال بين مؤسسات الدولة الدينية المتعالية وجمهور الشعب.
في حين كان الأمر في لبنان مختلفاً، فليس هو جزء من بنية الدولة القامعة، صحيح انه ارتبط بالتحالف السوري – الإيراني، وكان بعيدا عن عمليات القمع التي وجهت للمعارضة الديمقراطية، لكنه لم يحاول أن يزج بنفسه في مثل هذه العمليات، ولم يعتبر نفسه طرفاً في إضطهاد طائفة لبنانية أو فريق..
إن الموضوعية في التحليل تقودنا إلى التمييز بين جماعة وجماعة في نفس الخط الإيديولوجي، وعدم سلق النتائج والاتهامات.
نعم إن بناء تنظيم بمثل هذا الاسم يحمل دلالات سلبية، لأن الإسلام كيان فكرى مفتوح، وفي أمور الجهاد يتوجه إلى التنظيمات الجبهوية، التي تشمل كل المتضررين من الاحتلال أو الاضطهاد الاجنبي، من دون تفرقة بين مذهب وآخر وبين دين ودين، وبين فكر وفكر، لأنه لا جنسية للضرر ولا ملة للخطر.
في بناء سياسي استبدادي سوف يتحول التنظيم إلى إضافة جديدة واتساع كمي، لكنه في بلد متحضر و(ديمقراطي) سيتأثر بالمناخ، وحين ينخرط في النضال الوطني ستكون مساهمته مهمة بهذا الشأن.
إن إشكالية الفهم التقليدي المسيطر في سوريا وإيران هو الذي لعب دوره في تحجيم التطور الديمقراطي داخل هذين المجتمعين، كما أدى إلى تفجير الصدامات مع القوى الخارجية، التي بدورها استغلت عدم المرونة هذه في جر المجتمعين الإيرانى والسوري إلى المواجهات لتكسيرهما، وهي أمورٌ راحت تتحملها بلدان المنطقة وشعوبها جميعاً.
فإذا كان الحزب منخرطاً في هذه الاستراتيجية تغدو المسألة مركبة ومتعددة الأوجه، فهو يدخل لعبة سياسية أكبر منه، لعبة دول كبيرة، يغدو هو منتصرا في جانب منها، وضحية في جانب آخر.
وإذا كانت القضية نضالية وموجهة لعدو تغدو كذلك محدودة، لأن الدولتين الراعيتين للحزب لا تريدانها شعبية جبهوية ووطنية لبنانية، مثلما أن المعركة ضد القوى الغربية تغدو لديهما ضيقة ومحدودة، وللعجز عن التطور أكثر منه عداءٍ حقيقياً للتبعية.
إنها سياسة تحجم من الاصطفاف الوطني النضالي في لبنان ضد الصهيونية وتحجم كذلك الاصطفاف النضالي للدول العربية ضد التبعية، بأن تجعلها ذات مقاييس مذهبية وطريقة جامدة.
فيفترض في السياسة النضالية أن توسع القوى وتحشد الدول لما هو ممكن، وليس أن تخلق سياسة محاور تعود بالضرر على دول المنطقة أكثر من غيرها.
وفي حين ابتعدت الدولتان الإسلاميتان عن مساندة حزب الله في المعركة كان العدوان ضارياً، وثبت أن الشعب وحده هو الحامي لأي حزب، وهو جذوره وأعماقه.
كما أن القوى اللبنانية وجدت نفسها في خندق واحد، ومن هنا اتجهت التطورات اللاحقة إلى مواقف إيجابية أكثر من حزب الله تجاه التعاون مع الحكومة اللبنانية والترابط مع الشعب وعدم الرد المراهق على سياسة التعسف الإسرائيلية.
وهكذا فإن النضال الوطني رغم جسامة العدوان كان هو أقوى من الجذور الخارجية، والداخل هو الذي يصهر أي حزب على المدى الطويل.
إن عملية الانصهار هي قضية ديمقراطية عميقة تتعلق بمدى تطور الوعي الشعبي اللبناني وانحيازه للوطنية، وذوبان الطوائف، وصعود دور الطبقات الوطنية الأساسية، البرجوازية الوطنية والعمال، ومن دون هذه العوامل الموضوعية فإن الطائفية ستظل هي المحرك الإيديولوجي والسياسي للأحداث، وبالتالي فإن صراع الطوائف سيعود مجدداً برغم الهدنة الحربية.
2006-9-6
الجذور الاجتماعية والفكرية لحزب الله
إذا كان حزب الله قد تشكل في خضم الثورة الإيرانية الشعبية فهذا أمرٌ قاد إلى مجموعة من الظواهر المتشابكة الإيجابية والسلبية، فذلك قد حرك الجمهور الفقير الواسع النطاق الريفي المتدفق على العاصمة وعلى المدن أن يكون له تأثير على ساحة الأحداث وصياغة المستقبل السياسي للجمهورية. فلم يعد التاريخ تصنعه النخب والحكومة المتفردة بالقرارات، بل صار يتشكل كذلك في الأزقة.
ولكن نمو الأحداث كذلك، وتوجه القوى المهيمنة للنظام القديم لتسليم السلطة لرجال الدين، قد جعل ذلك الزخم الشعبي الديمقراطي الثوري يتجمد في سلطة نصوصية محافظة، هي نتاج سيطرة الإقطاع خلال ألف سنة سابقة، مظهرت الوجود الإسلامي في شعائر وتنظيمات اجتماعية لا تصل إلى زخم الثورة الإسلامية التأسيسية، التي أقامت ديمقراطية مباشرة، وأعطت الأرض العامة والدخل للجمهور.
ولم يكن أمام المحافظين الدينيين إلا أن يفرملوا زخم الاندفاع الجماهيري ويؤطروه في مؤسسات يسيطرون عليها، وتحد من حركة الجمهور الحرة.
وهكذا عاشت عملية الارتداد عن الثورة طابعين متضادين، الأول تمظهر في تحول الدولة إلى (الأب) الراعى للجمهور الفقير. فأقامت المؤسسات الراعية له، كمؤسسات الشهداء وجعلت القطاع العام الهائل تابعاً لها، وهو القطاع الذي يجمع في يديه أكبر الثروات. وهو الذي يقدم وظائف كثيرة لجمهور عاطل وزراعي مقتلع من أرضه.
ومن جانب آخر، فإن الدولة كانت راعية كذلك لتجار البازار وقوى الملكية الخاصة المختلفة، وهو القسم الذي كان يتطور باتجاه الحد من هيمنة الدولة على الفضاء الاقتصادي.
وهكذا فإن فقراء حزب الله وجدوا أنفسهم معادين لليبرالية والديمقراطية، وهم أبناء الثورة، حيث ساندوا بقوة تضخم الدولة وسيطرتها وتدخلها في شتى نواحي الحياة، لأنهم في المتواري من لا وعيهم، يرغبون في اشتراكية، لكنها دينية، يهيمن عليها الإقطاع بمظلته الفكرية، حيث تكون الملكيات الأساسية للناس، وبالتالي كانوا يقرأون جميع المسائل بشكل خاطئ تاريخياً.
فالرأسمالية تشق طريقها، وقد قيل للشعبيين الروس في القرن التاسع عشر إن الرأسمالية منتصرة، لكنهم رفضوا ذلك، وقد حقق لهم البلاشفة حلمهم إلى حين، وهكذا فإن أعضاء حزب الله هم هؤلاء الشعبيون لكنهم إيرانيون، ولهم قرناؤهم في كافة البلدان التي تواجه العمليات التمزيقية للرأسمالية، لكنها الضرورية في مجرى التاريخ الراهن، والقليل منهم سوف يتغلغل في مطبخ الحكومة ليكون ثروات، في حين ستقع الأغلبية في حضن العمال.
إن (الاشتراكية) الدينية هذه تُرفد بالتراث الشيعي الإمامي غير المقروء بفكر حديث، والذي غطت على لآلئه أفكار الغيب وقطع جذوره عن الفعل الشعبي الديمقراطي للإمام المؤسس، ذلك الفعل الذي لا يعترف بالقسوة والاصطياد ويتوجه للعدل والكرامة الإنسانية، بشفافية وبحضور الناس الفاعل، ولكن القمع الذي تشكل في عهد الدول غطى على تلك الجمرات المتوارية، فقُدمت أشكالٌ وتنظيمات شعبية تعاضدية بسيطة لكنها لا تجمع بين التعاون والحرية، بين النضال الجماعي والديمقراطية، بين الانتماء للإمام وبين الثورة المعاصرة الحديثة.
وهكذا غدا حزب الله مع نمو سيطرة المحافظين، أصحاب الملايين على الدولة والثروة، باتجاه التخلي عن أحلام الفقراء الذين ظهر من بينهم، وبدلاً من أن يتجاوز هيمنة الدولة الشمولية بدولة يسيطر فيها القطاع العام بشكل ديمقراطى، ارتهن بهذه الدولة الشمولية التى تسرق الفقراء باسم الإسلام وتنمي ثروات البرجوازية الحكومية وتجار البازار باسم النظام (الإسلامي)..
إن عدم انضواء حزب الله تحت مظلة الفكر الديمقراطي هو بسبب تصوره بأن الديمقراطية ليس لها سوى شكل غربي، يترافق مع الاباحية، وأن المسلمين عاجزون عن إنتاج شكل ديمقراطي حقيقي وغير متضاد مع جذورهم ومثلهم الأخلاقية، وهو وهم لا تزيله سوى قدرات القوى الطليعية بالجمع بين الديمقراطية والإسلام، بين الجذور والمعاصرة.
وهو وهم تكرسه قوى المحافظين الخائفين على الأموال التي سرقوها بهذه الدكتاتورية الدينية.
2006-9-2
isa.albuflasa@gmail.com
-
اشترك
مشترك
ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.


