أرشيف التصنيف: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

لينين و مغــــــــامرةُ الاشتراكيةِ

مقدمة

لينين في محكمةِ التاريخ
إنتقلتُ في علاقتي بلينين من المحبة إلى العداء، ثم إلى القراءة الموضوعية دون محبة أو عداء، أي إلى قراءة تحليلية أتجنب أن تكون ذاتية.
ظللَّ هذا الرجلُ مرحلةَ شبابنا، وكان معبوداً، وتدمر في تواريخ لاحقة حتى غدا مرفوضاً ملعوناً، لكنه صعد بشكل آخر حين تنامت القراءة الأعمق للتاريخ.
لينين دكتاتور، وكرسَّ نفسه لكي يكون ديكتاتوراً، وهذا لم يخفهِ، لكنه دمجَ دكتاتوريتَهُ الشخصيةَ الحزبية بالطبقة العاملة، بإدخال دكتاتوريته الشخصية الحزبية فيها كما تصور.
العمالُ غير قادرين على المشاركة في السياسة فكيف أن يكونوا قادة دولة كبرى؟!
العمال لكي يكونوا قادة دولة يحتاجون لعشرات السنين وربما لمئات السنين، فكيف يحدث ذلك؟ المثقف التقدمي يتكلمُ نيابةً عن العمال، إنه يختزلهم في شخصه المنتفخ سياسياً بشكل متصاعد تاريخي، أي مع تطور حركته السياسية التي تُصعدُ دكتاتوريتها وديكتاتوريته بين العمال والجمهور وكلما تغلغلت زادت البرامج شموليةً وضخامة في التغيير.
هذه إزاحةٌ من برجوازي صغير لذاتهِ الطبقية الغامضة، المترددة بين الاشتراكية الديمقراطية والاستبداد الشرقي، والعمال يكونون مادة خاماً غير معبرة ولا مهيمنة.
البرجوازية الصغيرة بإحدى فئاتها وهي البلاشفة تتكلم عنها وتتداخل معها، وتصعدُ نفراً منها، كأدواتٍ لها. فالعمالُ لا يعبرون عن أنفسهم بل يُعبرُ عنهم.
هنا حدسٌ تاريخي من لينين، ومقاربة للعالم الشرقي الذي ينتمي إليه، وهو عالمٌ إستبدادي لم يعرف التغيير عبر الورود.
إن التغيير في الشرق يتم عبر القوة ومن ليس لديه قوة لا يستطيع أن يغير، لينين يعيش وضع الشرق الاستبدادي ويتكلم من خلاله، فهو قد عبر منذ البداية عن هدفه الدكتاتوري وطريقه الديكتاتوري، ولم يقل عن الانتخابات الحرة والديمقراطية الغربية، بل قال أنا السلطة وأنا النظام.
الشرقيون في تحولاتهم عبر الماضي إعتمدوا على العنف، ومن لم تحمهِ قبيلةٌ وينهضْ على أكتافِ مقاتليها أو من لم يجد قوة تنضم إليه لا مستقبلَ له في السلطان والتغيير على مدى قرون!
المسيح وغاندي لم يعتمدا على العنف بل على الأفكار والمحبة وفي المضمون حركا الجماهير الشعبية عبر نضالات سلمية عازلة للطبقات الحاكمة بحيث تمكنا من هزيمتها. وقد كان تولستوي الروائي الروسي الكبير هو معلمُ غاندي، لكن لينين في كتابته عن تولستوي لم يأبه بمسألة اللاعنف، وتغاضى عنها، وركزَ على الصراعات الاجتماعية وأن تولستوي المسالم لم يدخلْ الثورةَ في رواياته ولم يحول الفلاحين إلى ثوريين وإنه ركز على مسائل الضمير والأخلاق والتغيير الروحي وكان هذا نقص في رؤيته حسب قراءة لينين. وقد كان تولستوي يهدف بشكل أساسي إلى عدم إدخال العنف في نضالات شخوصه وعوالمه، بل ركز على النضالات السلمية، والمحبة، وعلى(البعث الروحي) وهذه إعتبرها لينين ثغرات في وعي تولستوي وليست ثغرات في وعيه هو!
وبين مسارِ هند غاندي المتحولة من نموذجهِ وبين مسار روسيا العنيف مفارقاتٌ هائلة، فقد وصلتْ الهندُ لنفس مسار روسيا بدون كل تلك المذابح اللينينية والستالينية وبدم مائة مليون قتيل، بل من خلال مغزل وعنزة!
لكن روسيا كانت قائدةً للتحول الشرقي عامة، فبدون روسيا السوفيتية يصعبُ وجود وإنتصار الهند الغاندية.
روسيا قامت بدور القيادة التحررية لعالم الشرق، فإذا كانت اليابان عملت لذاتها الخاصة الأنانية وبكم هائل من الدماء، فروسيا عملت لنفسِها وللشرق والعالم المستعبد، وهي تقدمُ نموذجاً دكتاتورياً مليئاً بالتجاوزات والجرائم!
لم يستطع لينين أن يكون إشتراكياً ديمقراطياً، فالاشتراكية الديمقراطية صالحةٌ للغرب، لدولٍ راحتْ تتطورُ في رأسمالية حديثة خلال خمسة قرون وأكثر، لدولٍ فيها صناديق الاقتراع والحريات الفكرية والسياسية والحب في الشوارع، فيما عاشتْ روسيا في إستبدادٍ مطلق، فلم يعرف الروسُ صناديقَ الانتخاب، ولم يعرفوا النقابات والأحزاب العلنية، فكيف يؤيدون الاشتراكيةَ الديمقراطية؟
في روسيا مائة مليون فلاح أمي فقير حينذاك، فكيف يظهر التنويرُ وتصعدُ الديمقراطيةُ فيها؟!
هنا تنجح الدكتاتورية مثلما نجحت في بلدان أخرى لها نفس السمات كما سوف يتفجر ويتألم القرن العشرون الشرقي!
عمل لينين على تجذير الاشتراكية الدكتاتورية، وهزيمة الاشتراكية الديمقراطية، وعلى تصعيد رأسمالية الدولة وعلى الدولة القومية الروسية.
منذ البداية في(ما العمل) أكدَ ضرورة وجود حزب دكتاتوري، يعمل على إسقاط النظام وإحلال الاشتراكية فيه. وإنقسم الاشتراكيون تبعاً لذلك، بين إشتراكيي التعددية والتغيير التدريجي الديمقراطي وبين الفصيل البلشفي الدكتاتوري الذي يقوم بالتحولات النهضوية بشكلِ دولةٍ جبارة تقع كل الخيوط في يديها.
الشرقيون إلى زمنٍ طويل أقربُ للبلشفية منهم للديمقراطية، لأنهم دكتاتوريون محافظون، وذكوريون إستبداديون، ويريدون التحولات بسرعة ومن خلال (القداسة) التي تحقق التحولات السريعة القافزة المتلاحمة لهم، دون أن يقوموا بتحولات في شخوصهم وعائلاتهم ويغلغلوا الديمقراطية في أوضاعهم ونفوسهم وحياتهم الشخصية.
وقد تمكن لينين بعبقرية من فهم المجتمع ومن وضع برنامجه موضع التطبيق وغيرَّ روسيا والعالم وفي بلد هائل وعالم شرقي نائم، وأمام وفي مواجهة قوى إستعمارية هائلة ذات قدرات عسكرية عالمية مخيفة تدخلت وحاولت الوصول إليه ولكنه هزمها!
سبب إنقلاب لينين على الحكومة الديمقراطية وقتذاك الكثير من المآسي للشعب ولكنه حقق نهضة هائلة.
كان تصعيده للصراع ضد حكومة أتاحت الأحزاب والانتخابات لكونِ برنامجه من البداية ينادي بإبعاد البرجوازية عن السلطة، وحين جاءتْ سنةُ التحولِ في 1917 سّرع من الدعوة لتحقيق مطالب شعبية ملتهبة، وعزلَ البرجوازيةَ عبر التحالف مع الفلاحين، وكان قبلاً لا يؤيد إعطاء الأرض للفلاحين لكنه في خضم الصراع ومن أجل تفكيك الخصوم وضرب بؤرتهم جذب الحزبَ الثوري الشعبي ذا الأغلبية وتبنى برنامجه وأضافه في لعبته السياسية، فحقق البلاشفة الأغلبية لأنفسهم وجاءت الملايين لتأييده، فهذا الإجراء حقق قاعدة هائلة في بلد يحكمهُ على الأرض الفلاحون.
لكن البرنامج البلشفي ليس هو هذا، وهو برنامجٌ عامٌ مجرد في بداياته، ويتوجه نحو ضرب العلاقات الرأسمالية الخاصة بشكل أساسي، بتأميم المصانع، وبهذا فإن البلاشفة أسسوا جيشاً كبيراً ومخابرات قوية، وراحوا يصفون الخصوم الخطرين، ثم ينقلبون على الحلفاء، فالحزبُ الشعبي حاول أن يعري هذه الدكتاتورية التي هي ليست دكتاتورية العمال، بل دكتاتورية البلاشفة، فكانت ضربة الحزب العنيفة حين أعلن بعضٌ بحارتهِ وعماله التمرد وتحول لغبار بشري!
تكوين سلطة بلا جذور، وعبر إجراءات إجتماعية وتشكيل أجهزة عسكرية وإستخباراتية عملاقة، أتاح صد المعارضين والقوى المتدخلة الأجنبية على التراب السوفيتي، وكان المتصور إنها بإمكانياتها العالمية قادرة على سحق هذا النظام الغض المحاصر، لكن تلك الأجهزة وإجراءتها التحولية لمصلحة الغالبية الشعبية، وعمل إنضباط هائل ومصادرة أية حبة قمح زائدة عن إستهلاك الفلاحين، أدت لتماسك النظام وإنتصاره وحدوث قمع رهيب وضحايا ومجاعة.
لكن هذا الرجل صاحب المشروع الدكتاتوري النهضوي مرهف لشعيرات التحول، فحين رأى تجاوز المرحلة السابقة وكم الدمار والتخلف والضحايا، تبدل عن هدفه في إزالة الطبقات، وتحول بنفسه لرئيس نظام رأسمالية الدولة.
ومنذ البداية كان مدركاً لطبيعة النظام الذي يؤسسه، قال في سنة 1918 في اللجنة المركزية: إننا نبني اليوم رأسماليةَ الدولة فعلينا أن نطبق وسائل المراقبة التي تسعملها الطبقاتُ الرأسمالية). وبعد ذلك في 1921 تحول هذا إلى نظام وعادت بعض الطبقات القديمة المالكة، ومضى المجتمع في تطور إقتصادي مع بقاء الأجهزة العسكرية والأمنية المتصاعدة النفوذ، وذابت قوى المعارضة أو أُذيبت، وإنتشرت معسكرات العمل الأجباري والمنافي وتحضرت البلاد لدكتاتورية أسوأ من دكتاتورية لينين.
إن مشروع الاشتراكية في إجراءات لينين قبل موته لم يزل قائماً، ولم تُعرف تصوراته للمستقبل، وماذا كان ينوي لو كان حياً، فهذه القطاعات الاقتصادية العامة والخاصة، وبقاء الملكيات الصغيرة الفلاحية الهائلة، كان لا بد من تغييرها ونشؤ الملكيات العامة والتعاونية في كل الاقتصاد حسب التصور المفترض، وكان المكتب السياسي به قيادات مثقفة كبيرة، وكانت قادرة على متابعة فكره وتطبيقه بمرونة.
لكن الدكتاتورية المؤسَّسة بأجهزتها وبزخمها العامي وجدت في ستالين رمزها، وهو رجل داهية إستطاع الوصول لهذه الأجهزة، وقد حذر لينين المؤتمرَ العام للحزب من خطورة هذا الرجل، وبضرروة تقليص صلاحياته.
هذا الجانب ينقلنا لطبيعة الدكتاتورية التي أسسها، فهي دكتاتورية عنيفة لها أخطاء وتجاوزات كبيرة، لكن تستند على تطور المشروع بشكل ذكي، وقد نوّهَ بقياداتٍ أخرى غير ستالين، ولكن الهيمنة البوليسية صعدت داخل الحزب، وكرست الدكتاتور الأكبر.
وهذا جزء من طبيعة النظام وتاريخه وإمتداداته في العامة، وتصعيد الانتهازيين وطلاب المكاسب، وتحنيط اللغة الجدلية التاريخية تدريجياً وتحولها لقوالب، وشمولية كلية، وهذا يؤدي لغياب الغنى والتنوع وتمركز السلطة أكثر فأكثر.
المشروعُ في النهاية ظهر عبر مضمون المجتمع ومرحليتهِ التاريخية، فرأسمالية الدولة تتوسع على حساب الطبقات المنتجة، فتم عّصر الفلاحين والعمال وإنتزاع رأس المال منهم، وتحويله للصناعات والعلوم وتغدو الدولةُ أكثر فأكثر ذاتَ مضمون رأسمالي داخلي، بشكلٍ إشتراكي زائف، حتى يصل المضمون لتجليه الكامل عبر إعادة البناء، ويقوم بالتخلص من النفقات المكلفة ومن المعسكر الاشتراكي والحركة الشيوعية(الأممية الثالثة)التي تبخرت ومن مساعدات حركات التحرر ويصدرُ السلاحَ السلعة الوحيدة التي تمكن منها ويبحث بكل قوة عن النقد.
كان لينين دكتاتوراً ولكن ليس من خلال رؤية ذاتية، بل من أجل نظام آمن بتشكله عبر إجراءاته، لكن ستالين كان ذاتياً، أسقط شكوكه وكراهيته وتخلفه الفكري على إدارته، فأضاف الكثيرَ من القمع بلا مبرر.
قال أحدُ الرأسماليين المثقفين الروس في أثناء تلك التحولات العاصفة: إن لينين يقوم بإنشاء رأسمالية متطورة وبوسائل دكتاتورية وهو أمرٌ نعجزُ عنه نحن.

الفصل الأول

الدولةُ والدكتاتوريةُ الروسية
يضعُ لينين تعريفَ المفكر فريديريك أنجلز بدايةً لكتابهِ(الدولة والثورة)، الذي يُعرفُ الدولةَ في كتابهِ(الملكية الخاصة والعائلة والدولة)بأنها تنشأ:( لكيلا تقوم هذه المتضادات، هذه الطبقات ذات المصالح الاقتصادية المتنافرة، بالتهام بعضها بعضاً وكذلك المجتمعات في نضال عقيم، لهذا اقتضى الأمر قوة تقف في الظاهر فوق المجتمع، قوة تلطفُ الاصطدامَ وتبقيه ضمن حدود «النظام».(1).
لكن لينين يقولُ شيئاً آخر:
(إن الدولة تنشأ حيث ومتى وبقدرِ ما لا يمكن، موضوعياً، التوفيق بين التناقضات الطبقية. وبالعكس، يبرهن وجود الدولة أن التناقضات الطبقية لا يمكن التوفيق بينها).
وجهتا نظرٍ تبدوان متقاربتين لكن ثمة تشويشاً إيديولوجياً في تعبير لينين.
فحين تتصاعد التبايناتُ الاجتماعيةُ في القَبليةِ على سبيل النشأة التاريخية فإن جهازَ الدولةِ يظهرُ من رؤساء العشائر والمتنفذين ليجعل التناقضات الاجتماعية غير مفجرةٍ للقبيلة، وأن يستمر وجودها الاجتماعي الموحّد، وحين تغدو القبيلةُ متحكمةً في مدينة وتقوم القوى العليا بالحكم فيها وتتفاقم الصراعاتُ الاجتماعيةُ فتظل الدولةُ قامعةً للخارجين عن سيطرتها ولخلق وحدةٍ إجتماعية سياسية.
إن التناقضات الطبقيةَ يمكن الموائمة بينها حسب طبيعة أسلوب الإنتاج ومدى تطوره أو تفسخه، وليس بشكلٍ تجريدي عام كما يصورُهُ لينين.
فإذا كان أسلوبُ الإنتاجِ مستمراً متطوراً فإن الدولةَ المعّبرةَ عنه تبقى مستمرةً وتبدأ الدولةُ في التخلخل والانهيار التدريجي حين يغدو أسلوبُ الإنتاج متناقضاً، وتصطدمُ قوى الإنتاجِ بعلاقاتِ الإنتاج المتخلفة، وعلى قدرةِ الدولةِ والقوى السياسيةِ بفهم هذا التناقضَ الجوهري وإيجاد الحلول له، فإن الدولةَ تبقى وربما تتطور، وربما تدخلُ في تناقضاتٍ مستعصية على الحل كالحالة الروسية.
لا يقومُ لينين بدرسِ أسلوبِ الإنتاج ليضعَ بعد ذلك الجوانبَ الداخليةَ فيه كالدولة والصراع الطبقي ضمن مساره، فيقرأها على ضوء الكل، على ضوءِ التشكيلةِ التاريخية.
(الإيديولوجيون البرجوازيون ولاسيما الإيديولوجيون البرجوازيون الصغار، – المضطرون تحت ضغط الوقائع التاريخية القاطعة، إلى الاعتراف بأن الدولة لا توجد إلاّ حيث توجد التناقضات الطبقية، ويوجد النضال الطبقي، -«يصوّبون» ماركس بشكل يبدو منه أن الدولة هي هيئة للتوفيق بين الطبقات. برأي ماركس، لا يمكن للدولة أن تنشأ وأن تبقى إذا كان التوفيق بين الطبقات أمراً ممكناً. وبرأي الأساتذة والكتاب السياسيين من صغار البرجوازيين والتافهين الضيقي الأفق – الذين لا يتركون سانحة دون أن يستندوا إلى ماركس باستلطاف! – الدولة توفق بالضبط بين الطبقات. برأي ماركس، الدولة هي هيئة للسيادة الطبقية، هيئة لظلم طبقة من قبل طبقة أخرى، هي تكوين «نظام» يمسح هذا الظلم بمسحة القانون ويوطده، ملطفاً اصطدام الطبقات. وبرأي الساسة صغار البرجوازيين، النظام هو بالضبط التوفيق بين الطبقات، لا ظلم طبقة لطبقة أخرى؛ وتلطيف الاصطدام يعني التوفيق، لا حرمان الطبقات المظلومة من وسائل وطرق معينة للنضال من أجل إسقاط الظالمين.)، (2).
يتم الصراع الإيديولوجي هنا بين وجهتي نظر محصورتين في جوانب جزئيةٍ ضيقة، فالدولةُ لدى لينين أداةُ ظلمٍ من طبقة لأخرى، وكلمة ظلم مثالية أخلاقية، ويمكن قراءتها بأن الدولةَ أداةٌ في يد طبقةٍ لإستغلال طبقات أخرى حسب تاريخ التشكيلة، فيمكن لدولةٍ بأن تقوم بالصراع مع الطبقة التي تمثلها، وتطرح إجراءات تحويلية، في الاستثناء التاريخي، ويمكن أن تظل أداتها المعتادة في الحكم في الأحوال العادية.
ما يحددُ التغييرَ والعاديةَ في مسلك الدولة، وما يحددُ الثورةَ هو مدى تطور التناقض في أسلوب الإنتاج. فأسلوبُ إنتاجٍ في بدايتهِ ربما تلجأُ فيه الدولةُ لإجراءاتٍ إيجابية مفيدةٍ للكل الاجتماعي كما يحدث في ظروف الإصلاحات الاقتصادية السياسية. وما يحددُ الانفجارَ هو عجزُ الطبقةِ عن تغيير التناقض المتفاقم في أسلوبِ الإنتاج.
ومن هنا فإن التعبيرات المُستخدمة في هذه الفقرة السابقة أعلاه هي مواقفٌ جزئيةٌ لا تدلُ على أن الثورة لازمة حتمية أو أن الإصلاحات غير ممكنة أو أنها ضرورية، فالأمور هنا خاضعة للمجتمع ودرجات تطوره وتناقضاته وكيفية حلها، من قبل القوى الاجتماعية السياسية المختلفة.
فتعبيرُ لينين بكونِ الدولةِ أداةُ ظلمٍ، أو تعبير الاشتراكيين الديمقراطيين والجماعات الأخرى بأن الدولةَ أداةٌ للتوفيق بين الطبقات، لا يرتكز على قراءة تاريخ التشكيلة وأسلوب الإنتاج.
فالمجتمعُ الروسي القيصري هو مجتمعٌ إقطاعي فيه علاقاتٌ رأسماليةٌ متنامية، لكنه لم يحسم تطوره التحديثي بعد، فعلاقاتُ الإنتاجِ السائدة إقطاعية، وقوى الإنتاج البشرية السائدة وهم الفلاحون، والمادية وهي أدوات الانتاج في الزراعة خاصة تصطدم مع علاقات الإنتاج الإقطاعية المتخلفة.
ولهذا فإن الدولة الروسية هي دولة إقطاعية وينبغي أن تتحول لدولة رأسمالية حديثة وهو الخيار التاريخي، وحين يتوجه من يسميهم لينين بالبرجوازيين الصغار لتصعيد المجتمع الرأسمالي الحديث الديمقراطي وتغيير طابع الدولة يكونون في المسار التاريخي الصحيح، أما ما يقوله بالقفز على ذلك فهي مغامرة تاريخية كبيرة لها نتائج وخيمة.
في محاولتهِ لإقامةِ دكتاتوريته يتلاعبُ لينين بالنصوصِ الماركسية والحيثيات التاريخية، فالدولةُ كقوةٍ تمثل الطبقة السائدة هذا معنى معروف وشائع، ولكن القوى السياسية المعارضة لا تشكل فصائل مسلحة لهدم النظام بدعاوى مختلقة، بل عبر إعتمادها على التطور الديمقراطي والمؤسسات المنتخبة المنبثقة عنه، لكنه يقولُ ذلك ويفعلهِ ليبررَ مغامرته العسكرية الذاتية، أي العائدة لفصيل سياسي مغامر يمثل الرأسمالية الحكومية ويقول أنه ممثل العمال وأنه يقيمُ الاشتراكيةُ لهم.
بالاعتماد على نصوصِ الماركسية القائلة إن الدولةَ جهازٌ يمثلُ الطبقة الحاكمة بشكل عام، لكن يمثله حسب تطور أسلوب الانتاج، لا في التجريد السياسي الاجتماعي، وعندما يقومُ بهذا التمويه وينتقي جملاً ويحشدها في برنامجه المغامر.
فهناك التعكز على كومونة باريس وإنشائها لقوةٍ عسكرية، ولكن هذه القوة تمت لغياب الجيش الفرنسي وللاحتلال الألماني لفرنسا، ولهروب الحكومة الفرنسية إلى فرساي، كما أن هذا الحدث الاستثنائي لا يُلغي في التاريخ الفرنسي العودة للمؤسسات الديمقراطية وإلى حكم الطبقة السائدة البرجوازية والصراع معها والدفاع عن مصالح الأغلبية الشعبية كذلك. لكن لا تستطيع الكومونة أن تقيم نظاماً إشتراكياً فرنسياً متواصلاً.
كذلك يستند لينين إلى دعاوى الفساد وأن الحكومات الغربية الرأسمالية ممتلئة برشاوى الشركات.
(وفي الوقت الحاضر«رقت»الإمبريالية وسيطرة البنوك إلى حد فن خارق هاتين الوسيلتين من وسائل الدفاع عن سلطان الثروة وممارسة هذا السلطان في أية جمهورية ديموقراطية كانت).
إن تلوثَ الدول الغربية وتعبيرها عن الاستعمار والإستغلال هي أمورٌ لا شك فيها، ولكن هناك كذلك مؤسساتٌ تقاومُ وتفضح، عبر وجود برلمانات وصحافة مختلفة الاتجاهات وطبقات شعبية وحق الإضراب والتظاهر وغير ذلك، لكن في مشروع لينين الدكتاتوري فإن كل وسائل الفضح هذه سوف تختفي، والرأسماليةُ الحكوميةُ المزعومة إشتراكيةً ستغدو دكتاتوريةً شموليةً تمنعُ الصحافةَ المتعددة وحقَ الإضراب والانتخابات الديمقراطية وتُصعّد الفاسدين البيروقراطيين كحكامٍ ورأسماليين على مدى عقود حتى ينفجر الأتحاد السوفيتي بتناقضاته المزروعة من عهده!
إن التحالف والتعاون الذي تطرحهُ فصائلٌ سياسيةٌ إجتماعية متعددة من أجل إنشاءِ وتطور جمهورية روسيا الديمقراطية يهزأ به لينين ويرفضه، ويقول بأنه صارت في روسيا خلال الأشهر القليلة من سنة 1917 حيث إنتصرت الثورة الديمقراطية على الإقطاع ظاهرة فساد وهي دليل على فساد الحكومات الناشئة عن هذه الحيثيات السياسية وبالتالي يجب إسقاطها.
إن مقاومةَ الفساد هو شأنٌ نضالي جماهيري عبر تطور البرلمانات والأحزاب والصحافة والرأي العام والنقابات المستقلة، وغيابها هو بقاءٌ للفساد وتجذره في النظام حيث سيعششُ فيه ويخنقهُ مع غياب تلك الأدوات الديمقراطية كما حدث في نظام رأسمالية الدولة الشمولية الذي أقامه لينين.
(ويمكن القول في شهر العسل لقران«الاشتراكيين»، الاشتراكيين-الثوريين والمناشفة، بالبورجوازية ضمن الحكومة الائتلافية- قد عرقل جميع التدابير الموجهة لكبح جماح الرأسماليين وسلبهم ونهبهم للخزينة العامة بالطلبات العسكرية.)، (3).
إن الإختلافات بين القوى السياسية الديمقراطية يجب أن تُحترم وتتطور لتشكيل نظام ديمقراطي وأن تُقاوم ظاهرات الفساد وفقر الناس وان تطور الإصلاحات في الريف وغير هذا من المسائل الملحة لتحقيق الثورة الديمقراطية الوطنية.
لكن لينين كدكتاتور يستغل هذه الوقائع ويفصلها عن مسار أسلوب الإنتاج والتشكيلة، عبر لصقها مع مقتطفات من أنجلز، وقد قرأنا لأنجلز في كراسه(حول المسألة الدستورية في ألمانيا) (4)
نظرةً مختلفةً عما يقولهُ لينين بالاستناد على أنجلز وكتابه(العائلة والمُلكية الخاصة والدولة)، وهو كتابٌ يعالجُ مسائلَ نظرية تاريخية بعيدة، في حين يوضحُ كراسُ المسألةِ الدستوريةِ أوضاعاً أوربية معاصرة، حيث يؤكد أنجلز في مقالته على أهمية دعم البرجوازية وتصعيدها لتشكيل نظام ديمقراطي حديث، بدون غياب الصراع معها.
نظرةُ أنجلز نظرةُ ثوري عالمٍ ونظرة لينين نظرة مغامر سياسي، لا يقوم بالتحليل العميق الواسع للظاهرة، بل يرتكزُ على مقتطفات غالباً ما تكون مطولةً من الكتب الأخرى، ليبررَ موقفه السياسي المفصول عن قراءة التشكيلة التاريخية عبر بضع عبارات وجمل.
فهل يمكن لنظام رأسمالي وليد في روسيا لم تمض عليه سوى بضعة شهور ليتم القفز عليه؟ فهو نظامٌ رأسمالي في قطاعات منه بينما علاقات الانتاج والحياة الاجتماعية إقطاعية سائدة؟
أسلوبُ الإنتاج الإقطاعي لم يتم تغييره، وثمة أسلوب لم يتعمق هو الأسلوب الرأسمالي، ثم يقال بأن هناك تشكيلة تاريخية أخرى هي التشكيلة الإشتراكية يجب أن تُفرض من أدوات السلطة!؟
ومن هنا فإن القوى السياسية الديمقراطية الروسية في تصعيدها للنظام الرأسمالي التدريجي كان ذلك ضرورياً، ثم جاءت المغامرةُ السياسيةُ البلشفية ومن ثم حدثتْ الحربُ الأهلية والتدخلات الأجنبية وسقط ضحايا بمئات الألوف.
إن غياب الرؤية الكلية لتباين مواقع الرأسماليات الغربية عن الدول الشرقية، وعدم قراءة أساليب الإنتاج في كلٍ موقع بين الغرب والشرق، وإعتماد الانتقائية في القراءة وإخضاعها لأدلجةٍ مسبقة لمشروع سياسي شمولي، وقلب الحقائق والمواقف الطبقية للفصائل المختلفة، وتصعيد المغامرات السياسية العسكرية، هذه هي نظرة لينين للعملية السياسية الاجتماعية، التي ستغدو مادةً وراثية لقوى سياسية كثيرة ستدخلُ في صلبِ أعمالها ومناهج عملها فتقودُ النضالَ الديمقراطي لشعوب الشرق إلى سكك خاطئة تفشل لتصعد القوى الطائفية والرجعية والرأسمالية الحكومية الطفيلية في نهاية المطاف .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إشارات:
1-(نقلاً عن الدولة والثورة ص 4).
2- المصدر نفسه، ص 5.
3 – المصدر نفسه ص 8.
4 – حول المسألة الدستورية في ألمانيا، من موقع الحوار المتمدن، كتابات فردريك أنجلز.

الفصل الثاني

الماديةُ والعلومُ

في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يُصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمُهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغربُ برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.

لكنه أيضاً يتوغلُ في مجال العلوم ويواجه تعددَ المدارس والتيارات الفلسفية المثالية العقلانية والمادية التجريبية من أجل إكتساح المادية الجدلية للمسرح الفكري. لكن أية مادية جدلية لديه؟
ظهرتْ في أواخر وأوائل القرن العشرين مدارسٌ وحركاتٌ علمية عديدة لا تنطلق من المادية الجدلية بل من وعي علمي مختبري ومن غوصٍ تجريبي في العقل ومن إستخدام اللغة في تحليل منتجات العلوم الطبيعية.
كانت مدرسة(التجريبية المنطقية) تتوجه نحو دراسة الظاهرات الطبيعية بأشكالٍ جزئية تجريبية، حيث تفصلُ الظاهرةَ العامة عن كلية الطبيعة، وتدرسُ عناصرَ التجربة، لاستخلاص نتائج موثقة.
تعارضُ هذه المدرسةُ أفكاراً ومسلماتٍ إطلاقيةً من أجل أن تموضع الدراسة، وتحللَ الشيءَ أو الظاهرة، ولهذا رفضت مفاهيم مثل(المادة) و(الجوهر) معتبرة إياهما آراءً قديمة غير نقدية.
(إن اللون هو موضوعٌ فيزيائي إذا أخذنا بعين الاعتبار تبعيته لمصدر النور الذي ينيره للألوان الأخرى والحرارة والمكان الخ، ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار تبعيته لشبكية العين فأمامنا موضوع نفساني إحساس).
إن التجريبية المنطقية تقوم بدرس هذين الجانبين المواد والأشياء عبر صلاتها بالأحساس والجهاز العقلي البشري:
(إن الصلة بين الحرارة والنار تخص الفيزياء في حين أن الصلة بين(العناصر) وبين الأعصاب تخصُّ الفيزيولوجيا، ولكن لا هذه الصلة ولا تلك توجد بمفردها بل توجد كلتاهما معاً)، (1).
هذا ما يقوله الفيلسوف الإلماني ماخ في القرن التاسع عشر والذي ينقله لينين في كتابه(المادية والنقد التجريبي).
فيقسم النقدُ التجريبي عمليةَ المعرفةِ المتأتية من العلوم إلى عناصر شيئية، وعناصر تفكيرية.
ويقول مفكر روسي موجزاً هذا(الإحساس مُعطى لنا أصدق من الجوهرية). بمعنى أن المطلقات هي خارج عملية البحث والتحليل للأشياء.
يعبرُ لينين عن إختلافه بطرق هجومية حادة ويقول محدداً وجهة نطره:
(يجب القول إن كثيرين من المثاليين وجميع اللاادريين.. يلقبون الماديين بالميتافيزئيين لإنه يخيل إن الأعتراف بوجود عالم خارجي مستقل عن إدراك الإنسان يعني تخطي حدود التجربة. وسوف نتكلم في حينه عن هذه التعابير وعن خطئها التام من وجهة نظر الماركسية)، (2).
لا يحللُ لينين بدقةٍ مسألةَ وصف الماديين بالميتافيزيقية هنا، ويخلطُ بين(إن الأشياءَ مستقلةٌ عن وعي الإنسان بالمطلق)، وبين أن الأشياءَ ليست مسقلةً عن وعي الإنسان النسبي.
إن إنفصالَ الأشياء والطبيعةِ عن الإنسان هو أمرٌ موضوعي، لا جدالَ فيه، ولكنها ليست مستقلةً عن وعي الإنسان التاريخي حين يتعامل معها ويحللها ويحاولُ إكتشافَها.
وهكذا كان العلماء القدماء لا يفصلون أفكارهم وعقائدهم عن تحليل المواد، في حين وصلت العلوم بين القرنين 19 و20 إلى عمليات متقدمة لفصلِ الوعي الذاتي للباحثِ عن المادةِ المدروسة.
ومن الممكن بهذا أن يقعَ الماديون في عالم الغيبِ الاجتماعي السياسي كما سيحدثُ للينين نفسه.
ومن هنا تتعاظمُ أهميةُ هذه القراءة للاحساس، ولتحول الانطباعات إلى معرفة، والتركيز على التجربة، التي لها أدواتٌ ومستوياتٌ وتطوراتٌ في أجهزتِها والتي تغدو ملغيةً لمعلوماتٍ وآراء سابقة نظراً لهذه الصلة بين المُعطى والتجربة.
لهذا تغدو العلومُ الطبيعيةُ منفصلةً عن الفلسفات والأديان والآراء المسبّقة، وتغدو الفلسفات مستفيدةً من خلاصات هذه العلوم ومستثمرة لها في وجهات نظرها.
من الممكن أن يكون هؤلاء الباحثين مثاليين ودينيين وماديين من مختلف التيارات، بسبب أن نشؤ العلوم في الغرب جاء من وعي مسيحيين ويهود ومؤمنين عامة، وهؤلاء حاولوا الارتقاء بالعلوم وعدم الاصطدام مع أديانهم وحجموا دلالات ونتائج العلوم وربطها بالصراعات الاجتماعية. لكن لينين ينطلق من رؤية حادة لإزالة الأديان والإستغلال بدون وعي علمي حقيقي، فيؤدي لتجربة مغايرة لما يريد.
خذ مثلاً ما يقوله لينين نفسه عن الأثير وعلاقته بالوعي:
(وهذا يعني إنه توجد خارج عنا، بصورة مستقلة عنا وعن إدراكنا، حركة للمادة، مثلاً، موجات الأثير ذات الطول المعين والسرعة المعينة، التي يولدُ في الانسان، بتأثيرِها في شبكة العين، الإحساسُ بهذا اللون أو ذاك)،(3).
إن حركة المادة العامة المجردة هذه صحيحة التأثير غير أن(موجات الأثير) هذه غير موجودة في الطبيعة نفسها، أي أن هذا المصطلح من مفرداتِ مدرسةٍ علمية قديمة تم تجاوزها فلم يعد هناك شيءٌ اسمه موجات الأثير! لقد جرت تجارب علمية في أواخر القرن التاسع عشر أثبتت غياب هذا المُسمى، وبدأت نظرياتٌ علمية جديدة، ولكن مع غياب متابعة لينين:
(لقياس سرعة الموجات الكهرومغناطسية، قام ميكلسون ومورلي بإجراء تجربتهما الشهيرة سنة 1881وقد كانت هذه التجربة من أشهر التجارب في القرن التاسع عشر، والتي أدت إلى ثورة علمية لأن نتائجها كانت تعاكس تماما أفكار الباحثين المؤيدين لفكرة الأثير).
بطبيعة الحال إن العديد من باحثي النقدية التجريبية مثاليون ومحافظون وبينهم باحثون مناضلون في نقد وتحليل العالم الطبيعي والاجتماعي كذلك، لكن التعددية وإستثمار العلوم ونتائجها وتطويرها بالنقد يخلق شبكات تحليل واسعة للحياة في مختلف جوانب المعرفة.
يولي لينين أهميةً كبيرة لرجل الدين باركلي بإعتباره مشابهاً بشكل كلي للعلماء الفزيائيين والمنظرين النقديين التجريبيين، أصحاب هذه الفلسفة الجديدة التي قام لينين بمواجهتها في سنة 1908 في كتابه(المادية والنقد التجريبي).
(إن بريكلي يقول بكل جلاء إن المادة(جوهر لا وجود له)، ص 21.
يعتبر لينين ذلك بمثابة(الهجوم المقدس على المادة)!
إن رجل الدين المثالي هذا في تصوره يماثل أرنست ماخ الباحث من القرن التاسع عشر الفيزيائي المعروف.
لكن ثمة فرق هائل بين القس بيركلي والعالم ماخ!
فمن هو بريكلي هذا؟
(جورج بيركلي(مارس 1685 – 14 يناير 1753)كان فيلسوفًا بريطانياً-إيرلندياً وأسقفا أنجليكانياً يعتبر من أهم مساندي الرؤية الجوهرية في القرن الثامن العشر الميلادي، إدعى بيركلي انه لا يوجد شيء اسمه مادة على الإطلاق وما يراه البشر ويعتبرونه عالمهم المادي لا يعدو أن يكون مجرد فكرة في عقل الله. وهكذا فأن العقل البشري لا يعدو أن يكون بيانا للروح. قلة من فلاسفة اليوم يمتلكون هذه الرؤية المتطرفة، لكن فكرة أن العقل الإنساني، هو جوهر، وهو أكثر علواً ورقياً من مجرد وظائف دماغية، لا تزال مقبولة بشكل واسع. آراء بيركلي هُوجمت، وفي نظر الكثيرين نُسفت)، (4).
إذن بيركلي صاحب رؤية دينية متطرفة ألغى من خلالها العالمَ الموضوعي، وأعتبرهُ مجردَ فكرةٍ إلهية، وهو إمتدادٌ للعصور الوسطى والوعي الكَنسي التقليدي، ولهذا فهو يختلفُ إختلافاً كبيراً عن إرنست ماخ المثالي الذي عاش في القرن التاسع عشر باحثاً:
(ماخ، إرنست (1838 – 1916م)فيزيائي وعالم نفسي نمساوي درسَ حركةَ الأجسام بسرعتها القصوى خلال الغازات، وطوَّر طريقة دقيقة لقياس سرعتها معبرًا عنها بسرعة الصوت. وتعتبر هذه الطريقة مهمة خاصة في مشاكل الطيران الأسرع من الصوت. ظل عمل ماخ مبهماً إلى أن بدأت سرعة المركبة الفضائية تقترب من سرعة الصوت. وبعد ذلك استُخدم مصطلح رقم ماخ مقياساً للسرعة.)، (5).
وهو(يـُذكرُ باسهاماته في الفيزياء مثل رقم ماخ ودراسة موجات الصدم. كفيلسوفٍ للعلوم، فقد كان له تأثير كبير على الإيجابية المنطقية ومن خلال انتقادهِ لنيوتن، الذي مهّد لنسبية أينشتاين).
تتعدد وجهات نظر لينين تجاه ماخ ورؤيته، فيقول(التصور العام للماخيين ضد المادة) ص16،( الأسقف بركلي يساوي الماخيين)، ص35، وأتباعه يحاولون(تمرير المادية خلسة!)، (حاول أن يميل صوب المادية).
إن علماء الطبيعة يقومون بتنحية المُسبقات المختلفة، ومنها الأفكار، والتصورات القديمة عن المكان والزمان والمادة، وقد يقعون في أخطاء فكرية في هذا الهدف، ولكنهم يلجأون لذلك من أجل البحث العلمي، وعملية التنحية تبدو للينين بمثابة خيانة، ومن هنا يقوم ماخ بالبحث الجزئي المتغلغل في الظاهرة المدروسة للوصول إلى معرفتها والسيطرة عليها تقنياً، ثم يقوم بإختراعاته الكبيرة لكن فهمه النظري المادي الجدلي محدود.
(إن افيناريوس ينعتُ بالبحث المطلق ما يعتبرهُ ماخ صلة(العناصر) خارج جسمنا، وينعت بالنسبي ما يعتبره ماخ صلة العناصر التابعة لجسمنا)، (6).
إن افيناريوس هو عالمٌ مماثلٌ لماخ أقتربَ من رؤيته، وهو يعتبر الطبيعة التي هي العناصر خارج الجسم وبالتالي هي مطلقة، ولن تكون هنا في مجال البحث، لكن العناصرَ التي تدخلُ البحثَ هي متأثرة بوعينا ومستوى إدراكنا فهي نسبية.
كانت ثمة ثورةٌ علميةٌ تجري في أوربا من أجل الإطاحة بمفاهيم الفيزياء التقليدية، ومن أجل تصور جديد للمادة والكون، وهو تصورٌ متراوحٌ متذبذب جزئي محدود لدى كل من ماخ وافيناريوس لكنه يظهرُ بصورته الكبيرة المادية الجدلية لدى انشتاين.
إن التجريبية النقدية المرفوضة عند لينين كانت تغيرُ العلومَ، لكنه كان لا يزالُ مع فكرة موجات الأثير، التي قامتْ تجربةُ العالِمين ميكلسون ومورلي بدحضها، سنة 1881 كما ذكرنا آنفاً في حين كتبَ لينين كتابَه سنة 1908، وطبعَهُ مرة أخرى بعد الثورة الروسية دون تغيير في فهمهِ لموجات الأثير، فتلك التجريبية أكدت أهمية دور العلماء الشخصي وتغييرهم لآراء سائدة مُسّبقة، قَبلية.
في مقابل واحدية الحزب المطلقة وهيمنة الدولة المطلقة يجري كذلك جعل المادية الجدلية مهيمنةً كلية، لكن الدكتاتورية هنا مُصّدعة للعلوم الطبيعية والاجتماعية على نحو خاص.
تتكشفُ في المساواة بين بريكلي والماخيين والتجريبيين المنطقيين عدم فهم لينين للتطور الاجتماعي الفكري العلمي ومراحله التاريخية ومسائل الديمقراطية وتعددية الاجتهادات الفكرية والفلسفية، ففيما يعكس بيركلي رؤية دينية صوفية رجعية يقوم علماءٌ من الفئات المتوسطة بتطوير العلوم مجتنبين الدينَ والمادية الجدلية الجامدة وقتذاك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إشارات:
1 -(المادية والنقدية التجريبية) لينين، ص 53، دار التقدم، موسكو.
2 – السابق، ص 64.
3 – السابق، ص 54.
4 – موسوعة ويكيبيديا.
5 – المصدر نفسه.
6 – المادية والنقدية التجريبية، ص 61.

الفصل الثالث

تصور الاشتراكية

تبرزُ دكتاتوريةُ لينين بشكل أكثر وضوحاً في الطرح السياسي، حيث تكمنُ البؤرةُ الرئيسية لعمله الفكري عامة، فرغم إنه ينطلق في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من ظروفِ روسيا المتخلفة في الاقتصاد والحياة السياسية إلا أنه يقارن نفسه بدول رأسمالية أكثر تطوراً كألمانيا وفرنسا، دون أن يعي مستوى التشكيلتين الإقطاعية الروسية المتآكلة والتشكيلة الألمانية والغربية عامة الرأسمالية الصاعدة.

ومسألة تمييز التشكيلات في الماركسية أساسية وهي تشكيلاتٌ مرتْ بها البشريةُ عبر التاريخ؛ المشاعية، والعبودية، والإقطاع، والرأسمالية.
وتتعلق فترتنا المشتركة في دول العالم الثالث بهذه الحلقة الانتقالية بين الإقطاع والرأسمالية، وفيما تشاركنا روسيا في مرحلة الانتقال هذه، فإن ألمانيا المخصص لتجربتِها النقد في هذا الكتيب المُسمى (ما العمل)، بدأتْ تدخلُ الرأسماليةَ بإتساعٍ في ذلك الزمن من أوائل القرن العشرين.
وحين يلغي لينين الفروقَ بين البلدين، ويبدو كما لو أن البلدين يقعان في ذات السياق التاريخي، يبدأ أولُ إنحرافٍ كبير له، وهو الإطاحةُ بقوانين التشكيلات، والدخول في المغامرة السياسية.
سنقرأُ كتابَه لهذه الفترة المحورية وهو(ما العمل؟)، المتعلق بالمهماتِ الكبيرة التنظيمية والفكرية والسياسية للحزب المنقسم وهو الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي.
في هذا الوقت إستطاعت الحركةُ الاشتراكيةُ الديمقراطية الألمانية أن تحققَ تقدماً كبيراً في الانتشار والحصول على تأييد العمال، بعد أن كرس فردريك أنجلز هذا المسار كما أشرنا لذلك في الفصل الأول، وبدأتْ التأثيرَ في الحكم والمشاركة فيه.
فيما كانت الحركةُ الاشتراكية الديمقراطية الروسية في حضيضِ الحياةِ السياسية الاجتماعية في روسيا في بلدٍ متخلفٍ أغلب سكانه من الفلاحين الأميين الفقراء، فكانت حركةً سريةً تعاني الرقابة والاضطهاد.
يوجه لينين الأنظارَ في كتيبهِ السابق الذكر إلى مسائل خلافٍ كبيرة بدأت تطفو في الحياة الفكرية السياسية داخل الحزب، وهو ما يسميه ظهور خطين للحزب ومستمدين من الصراع في الحركة الاشتراكية الديمقراطية العالمية عامة، يقول:
(وقد أعلن برنشتين وأظهر ميليران بما يكفي من الوضوح فحوى الاتجاه” الجديد” الذي يأخذُ من الماركسية” القديمة” الجامدة موقفاً نقدياً. ينبغي للاشتراكية الديمقراطية أن تتحول من حزب للثورة الاجتماعية إلى حزبٍ ديمقراطي للاصلاحات الاجتماعية. هذا المطلب السياسي أحاطهُ برنشتين بمجموعةٍ كبيرة من البراهين والاعتبارات الجديدة. فقد أنكرَ إمكانية دعم الاشتراكية علمياً وإمكان البرهان على ضرورتها وحتميتها من وجهة نظر المفهوم المادي للتاريخ، أنكرَ واقع تزايد البؤس والتحول إلى البروليتاريا وتفاقم التناقضات الرأسمالية، أعلن أن مفهوم(الهدف النهائي) ذاته باطل ورفضَ فكرةَ دكتاتورية البروليتاريا رفضاً قاطعاً، أنكرَ التضاد بين الليبرالية والاشتراكية، أنكرَ نظريةَ الصراع الطبقي وزعم إنها لا تنطبق على مجتمع ديمقراطي صرف يُدار وفق مشيئة الأكثرية)،(1).
إن برنشتين، زعيمَ الحركةِ الاشتراكية الديمقراطية الألمانية التي توجتْ تطوراً سرياً مقموعاً طويلاً في ألمانيا فتحولتْ لحركةٍ شعبية مؤثرة، يتطلعُ إلى المزيد من التطور لها وللحكم وتنفيذ إصلاحات عميقة في ألمانيا التي كانت قيصرية. ولهذا فإن الحركة وقد غدت بهذا التأثير يعمل لتقدمها ويطرح نقاطاً حيوية مهمة للتطور السياسي الاجتماعية، وبعضها نظري محدود الرؤية وحتى خاطئ مثل إنكاره لقدوم الاشتراكية وإزالة الاستغلال الرأسمالي من تاريخ البشرية القادم لغياب فهمه لجدلية التطور البشري وتصاعد الصراع العمالي البرجوازي خلال العقود البشرية التالية، ولكن الهام المفيد التقدمي أن برنشتين لا يريدُ الإطاحةَ بالبرجوازية التي تشارك في الحكم بل يريد توسيع الاصلاحات المخصصة للعمال والشعب عامة، وتعميق المسار التحديثي الديمقراطي، فلماذا يغضب لينين؟
لينين ينطلق من خطةٍ مضادة هي الإطاحة بالنظام القيصري، كهدف رئيسي في الثورة الديمقراطية البرجوازية، ثم يقوم بالإطاحة بالبرجوازية التي شاركته في الثورة على القيصرية، من أجل ثورة إشتراكية، لأن البرجوازية لا تصلح أن تقود وتؤسس نظاماً، فهي طبقة وصلت إلى الموت الاجتماعي.
هنا رؤيتان غير جدليتين بين برنشتاين ولينين، أحدها تجعل وجود البرجوازية أبدي، والثانية لا تستوعب (ضرورة) البرجوازية بشكل نسبي.
لقد إنساقَ لينين إنسياقاً كبيراً مع إرادته الذاتية، وعوضاً أن يدرس بعمق تجربة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني وكيف ناضل خلال عقود عديدة في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ليتحول إلى هذا التأثير الكبير ثم ليطرح مطالب عملية هامة، بدلاً من ذلك إنساق لرؤية سياسية إجتماعية مغامرة والدعوة لقفزاتٍ كبرى في بلد إقطاعي شبه رأسمالي متخلف، وذلك لكي تصعدَ الإرادةُ الدكتاتوريةُ الشخصية والحزبية ويزيل البرجوازية بدون أية قواعد موضوعية راسخة.
ولم تكن هاتان الرؤيتان في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي (البلشفية والمنشفية) تُدرسان في لقاءاتٍ واسعة وفي جدل خصب إجتماعي، بل كانتا تُبحثان بشكل مقالات وكتابات مختلفة متصارعة تغيبُ عنها الأطرُ الديمقراطية والدرسُ الواسع الشعبي العميق وتتحول إلى وجهات نظر حادة ومبتورة وتكّون أتباعاً متحمسين منفعلين خاصة في الجانب البلشفي ليكونوا بعد ذلك أداة الانقلاب السياسي في 1917.
إن لينين عبر طرحه لخطه في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي كان يريد القضاء على البرجوازية والرأسمالية عبر التحالفات الاجتماعية والسياسية في حدود سنوات قصيرة، مما يمثل قفزةً في الفراغ.
رفضه لقوانين التشكيلات وضرورة ترسخ الرأسمالية في بلد ونشؤ الطبقيتن المنتجتين للتطور الحديث البرجوازية والعمال قاده للمغامرات السياسية والعسكرية.
وقد رأي برنشتين زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني السابق الذكر والذي أستشهد به لينين وأعرض عن درس أفكاره بعمق، أن تحقيق الاشتراكية لم يعد هدفاً للحزب بل هدفه هو تطور وضع الطبقات الشعبية وتحقق إصلاحات عميقة لها. وهذا مقبولٌ بالنسبة لزمنه، وليس مقبولاً في مطلق التاريخ! مثلما أن الأخطاء الفكرية والسياسية تشوه التطور النضالي الديقمراطي وتقسم اليسار وتضعفه!
يقول برنشتين ذلك وهو في دولةٍ متطورةٍ قياساً للينين، وقد دخلت البُنيةُ الرأسمالية بقوة وإتساع، لكن لماذا لم يتجه برنشتين لتحقيق الاشتراكية وهو في مثل هذا الوضع؟
إن إعراض برنشتين عن وضع الاشتراكية كهدف نهائي في تلك السنوات هو أمر موضوعي لكنه غير موضوعي في مطلق التاريخ، فهل تعني سيطرة الطبقة العاملة على الحكم ((حينذاك)) إزالة الرأسمالية؟
هنا يرفض لينين جملةَ برنشتين(إن مفهوم “الهدف النهائي” ذاته باطل ورفضَ فكرةَ دكتاتورية البروليتاريا).
يعتبر لينين ذلك إنتهازية يمينية(حقيرة)وما إلى ذلك من تهم حامية، ويغيبُ عنه مرةً أخرى مفهومُ التشكيلة التاريخية، وهي المرحلة التي تسود فيها علاقاتُ إنتاجٍ لقرون.
إنه يريدُ الإطاحةَ بالبرجوازية كطبقةٍ لكن الرأسمالية ليست فقط طبقة، الرأسماليةُ علاقاتُ إنتاجٍ، سواء كان رأس المال للأفراد أو للجماعات أو للدولة، والقضاء على الرأسماليين الأفراد لا يعني القضاء على الرأسمالية!
لأنهم سوف يظهرون مجدداً في مؤسساتِ الدولة وخارجها، وتتحول الدولةُ إلى أكبر رأسمالي، ويتحدد نموها عبر البنية الاجتماعية التي تظهرُ فيها، بمستوى قوى الإنتاج، ومستوى علاقات الانتاج، وعمليات التبادل وطبيعة الأسواق الخ.
حين تصبحُ الدولةُ هي الرأسمالي الأكبر الأوحد لا تستطيع الإفلات من قوانين الرأسمالية والقيمة، وفائض القيمة وتوزيعه، وضرورة الأسواق لتصريف السلع، التي لا بد أن تكون منّوعة متنافسة لكي تتطور وتلبي حاجات المستهلكين. أما أن تَصنعَ سلعةً واحدة مفروضةً سياسياً فهو أمر يؤدي لتآكل وتوقف قوى الإنتاج عن التطور وتدخلُ في صراعٍ مع علاقاتِ الإنتاج الرأسمالية الحكومية.
فتحدث ثورةٌ لكنها ثورة مضادة، ثورةٌ للعودةِ إلى الرأسمالية الحرة!
إن رفض برنشتين لتطبيق الاشتراكية الراهن في زمنه صحيح، ولكن رفضه للصراع الطبقي وتباين الليبرالية والاشتراكية السياسية كتيار معبر عن العمال مسائل أخرى مختلفة وتؤدي للانتهازية.
ذلك المسارُ العائدُ السوفيتي المرصود أعلاه للخلف الذي تحقق فيما بعد يمكن ملاحظته في إصلاحات خروتشوف وليبرمان القاصرة لإعادة السوق التنافسية في زمن الاتحاد السوفيتي، لكن رأسمالية الدولة ظلت مهيمنة كلياً مكلسة لتطور السلع والحياة الاجتماعية السياسية.
هكذا فإن رأس المال العام حين يحكم بشكل(الاشتراكية) يتعرضُ للتآكل والتدهور، ويُعوض ذلك بالتوجه لصناعة السلاح التي تقع تحت يد الدولة كلياً، وقوى الإنتاج تتدهور ويصبح العمال مجمدين ومتخلفين وكسالى ومدمنين.
ليس رأسُ المال سوى نتاج لقوى العمل المتراكمة، التي تأخذ أشكالاً متعددة، وتتطور عبر توسع قوى الإنتاج والأسواق، حتى يعمُّ هذا الأسلوب البشريةَ وتصبح الطرق أمامه مسدودة في مسائل تصريف السلع ووجودها القيمي نفسه، وهذه مسائل للعقود والقرون التالي، أي هي مسائل القادمين.
لكن أن تتحول بلد متقدم أو متخلف إلى الإشتراكية فهو مسار صعب بعيد وقائد مثل برنشتين الألماني الديمقراطي يعيش في حالات جدال مع الدولة والعمال والبرجوازية ويواجه مسائل تطور عملية متصاعدة، فهو غيرُ قائدٍ سياسي مغامر مثل لينين، يعيشُ في مخبأه، ويحاورُ بضعةَ أشخاص، ويصدرُ الأوامرَ ويكّون تنظيماً شمولياً متجهاً للتحريض المستمر والصراع المتصاعد، ولهذا يغدو التحولُ من موقعه الإرادي الذاتي المنتفخ وعبر فهمه المسطح للاشتراكية منفذاً على مدى سنوات قصيرة، فلا داعي لانتشار العلاقات الرأسمالية بعمق في البنية الاجتماعية، ولا داعي لتطور كل هذه الملايين نحو الديمقراطية والتعددية وإنتشار الثقافة الحرة لا المقولبة كما سيحدث فيمكن إختزالُ الظروف كلها بإنقلاب.
توجه روسيا للديمقراطية وتناميها فيها وتحول روسيا التدريجي للرأسمالية والحداثة كان من الممكن أن يجنبها الكثير من المشكلات الخطيرة والكوارث وملايين الضحايا الذين سقطوا في هذه المغامرات، كما أن تحولها الديمقراطي كان سوف يعمم الديمقراطية في البلدان المجاورة ويرسخها فيها.
أما تحولها لرأسماليةِ دولةٍ دكتاتورية فقد تركَ بصماته الكبرى على ألمانيا على سبيل المثال، إستطراداً من بؤرة المسألة المطروحة، فقد إنتقلت تجربةُ السوفيتيات وما سُمي ب(الثورة الحمراء) إلى ألمانيا ذاتها، التي لم تكن الظروفُ مهيأةً فيها للاحتجاجات فقمعها الجيشُ بقسوة، وإنحازت البرجوازية الألمانية للدكتاتورية وصعّدتْ هتلر كأداةٍ لسحق تنامي دعوات الاشتراكية الحمراء!
ووجد هتلر في إفتراس الاتحاد السوفيتي أكبرَ مهمةٍ له، فيما كان ستالين قد ذبحَ الكثيرين كذلك، ورقد عن هذا الخطر، حتى أقتحم هتلر بلاده، لكن الشعوب في الاتحاد السوفيتي دافعتْ عن وطنها بشجاعة منقطعة النظير.
حين إنقلبت الأمور وحكم السوفييت جزءً من ألمانيا صدروا نظامَهم، حتى ثار الناسُ عليه، وراحوا يحطمون تماثيل ماركس!
كوارثٌ تاريخيةٌ كبرى وتحولات تبدأ من كلمات.
نرى هنا سلبيات النظرةِ الواحدية لكل من برنشتاين ولينين، عبر رؤية جانب من ميدالية التاريخ، قد سبتت الاضرار لكل من ألمانيا وروسيا، عبر التركيز عما هو راهن ونسيان السيرورة التاريخية وقوانين التشكيلات، وأدى ذلك لصعود دكتاتورية حادة في روسيا، أضرت بتطور العملية الديمقراطية القارية في أوربا، مثلما أن الانتهازية الاشتراكية في ألمانيا أضعفت تطور الحركة الاشتراكية الديمقراطية في أوربا وبالتالي إنتصرت الدكتاتوريات الرأسمالية: رأسمالية الدولة الشمولية العسكرية في روسيا، والرأسمالية الاحتكارية في ألمانيا(الموحدة)!
إن هذه النظرة بدأت تُنقد من قوى عديدة خاصة القوى الماركسية العربية المراجعة الناقدة للتجربة وبضرورة تصحيحها، (2).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إشارات:
(1): كراس (ما العمل)، فصل الجمود العقائدي وحرية النقد.
(2): إن إحدى أبرز إشكاليات الحركة الشيوعية تبلورت في روسنة النظرية الماركسية التي مارسها لينين أولاً، وإنتقالها كنظرية روسية(أممية) إلى العالم كله باسم الماركسية،(كتاب فهد والحركة الوطنية في العراق، تأليف: كاظم حبيب وزهدي الداوودي، دار الكنوز الأدبية، ص 495).

الفصل الرابع

الاستعمارُ والديمقراطيةُ

الفصل الخامس

نقدُ المغامرةِ التاريخية

الفصل السادس

تراجعُ الخيالِ الاشتراكي

الفصل السابع

أخطاء إعادة البناء

خاتمة

روسيا ومصير تراث لينين

روسيا الاتحادية هي الجسمُ السياسي الذي ورث الاتحاد السوفيتي بعد حله في سنة 1991، وتظلُّ روسيا أكبر بلد مساحةً في العالم، وقد تقلصَّ سكانُها في حدودِ المائة والأربعين مليوناً، ويعبرُ تصديرها عن عدم تحولها خلال العقود السابقة لبلدٍ صناعية متطورة، فهي تصدرُ: النفطَ ومشتقاته، والغاز الطبيعي والخشب والمعادن والمواد الكيمائية والأسلحة والمعدات العسكرية.

عودتُها للكيانِ الروسي القومي المحض لم يُزل كيانَ الاتحادِ السوفيتي فقط بل التجربة (الإشتراكية). ففي أثناء تفكك الاتحاد السوفيتي وما بعده تصاعدت عملياتُ بيع المؤسساتِ العامة للقطاع الخاص، وأُلغي التخطيطُ وقسمٌ كبير من ملكية الدولة. وانتقلت روسيا بسرعة وحدة لاقتصاد السوق فهوت ملايينٌ من السكان في هوة الفقر، وكان معدلُ الفقر 5%1 في العهد السوفيتي فتفاقم إلى 49% في عام 1993، فأنتشر الفساد والأجرام، وتفجرت أزمةٌ إقتصادية وإنخفض الناتج المحلي ل50%.
الانتقالُ الحادُ من رأسمالية دولة شمولية كلية تمنع حتى إصطياد الفقراء للسمك بشكلٍ حر إلى رأسمالية دولة(ليبرالية) فوضوية، يعكس فشل المخاض الطويل في الاتحاد السوفيتي للتحول بين كونه رأسمالية دولة شاملة، إلى رأسمالية دولة شعبية ديمقراطية تحوي نسبة مهمة من الاقتصاد الخاص.
هذه العملياتُ السريعة المفرطة في بيع الأملاك العامة ووجود المشترين الروس أنفسهم، توضحُ الفسادَ المتغلغل لعقود ووجود رأسماليي الباطن الكثيرين، كما تعبرُ عن فقدان العمليات السياسية والفكرية الاشتراكية الديمقراطية طوال سنوات، حيث التصلب الإيديولوجي من جهة والتحلل الإيديولوجي من جهة مضادة. فالحزب السوفيتي لم يفهم العملية التاريخية التي قام بها خلال العقود السابقة، وهو لم يكتشف أساساً طبيعة النظام، الذي تصوره إشتراكياً يتوجه لذوبان الطبقات وإنتصار الطبقة العاملة الكلي على بقية المكونات، لكن أجهزة الدولة كانت تفرخ رأسماليين بالباطن، وهو غير قادر على وقف التحلل الداخلي وغير قادر على السير الديمقراطي للأمام.
ولهذا كان من نتائجِ الانقلاب على آخر رئيس سوفيتي حلُّ الحزبِ والاتحاد السوفيتيين اللذين كانا شكلين فقدا مضمونيهما التقدميين.
يستمر التناقضُ بين رأسماليةِ الدولة القومية الشعبية التي كانت ذات قوة إقتصادية وتماسك نسبي في العلاقات الاقتصادية العامة وحولها الجمهورُ العامل الذي إلتحمّ بمستوى خدماتها المتدنية كذلك، وبين الرأسمالية الخاصة وهي تنمو داخل شبكات الحكم والمجتمع وتحولُ الكثيرَ من الموارد لصالحها وتشكلُ اللاعقلانيةَ الاجتماعية السياسية المفتوحة على الفوضى.
إن الاقتصاد العام المسيطر سابقاً، التفت عليه الشعوبُ السوفيتية عامة، ومثّل تجربة التعاون الأولية لكل إقتصاد قومي متخلف يقفز بسرعة في الحداثة، لكن الاقتصاد العام منخور، والقوى العليا المسيطرة خلال عقود تكونُّ رأسمالَها منه، وتعصرُ العمالَ عبر النظام المشترك.
وهي في التحول الانقلابي الكارثي تُلقي بهذه الجماهير في عرض الشارع، وتتخلى عن كل الميراث النضالي، وتتوجه إلى الحداثة الرأسمالية المبتورة، فتجعل السوقَ متحكماً في الظروف الاقتصادية، والعلاقاتَ البضاعية والنقدية هي القانون لكنها تظل دكتاتوريةً كذلك عبر بقاء جهاز الدولة الصانع للثروات في يدِها وللمزيد من التخلخل الرأسمالي المبرمج لصالح الطبقة المسيطرة ومن يواليها.
أي أن ما كان غير مرئي في العلاقات الاشتراكية الكلية من هيمنة للبرجوازية الصغيرة على المؤسسات وصناعة الأفكار يتفجر وقد تحولت تلك المخلوقات الصغيرة فجأة عمالقةً نهمةً للعملات الصعبة وثمار العمل الشهية.
ولهذا فإن الطبقةَ الحاكمة إنقسمتْ إلى فرعين، وكأنهما العقلُ الاشتراكي الزائف وقد إنفصم إلى عدوين متلاصقين، فهناك أحزابُ السلطةِ التي خرجتْ من أقبيةِ المخابرات والجيش والوزارات والشركات وقد توجهت لليمين ومواصلة إنتاج الرأسمالية الخاصة من أموال الشعب، وهناك الحزب الشيوعي السوفيتي وقد تقزم من خمسين مليون إلى عدة آلاف وصار الحزب الشيوعي الروسي.
فكأن الطبقةَ الحاكمة وهي تتحولُ من منتج للرأسمالية إلى أن تُخرجَ من داخلها المتعفنِ عدواً زائفاً لها كذلك، فهي تعمقُ الرأسماليةَ الخاصة وتحاربها بخلطات الماضي السحرية، وبتواريخ النضالات العارمة السابقة وهي مُحاطة بذات الأطر الإيديولوجية التي أوصلت الناسَ لهذه النتائج الكارثية، أي هي تعمل أيضاً على تعميق النتائج الكارثية مثلما تعمقُ الرأسماليةَ الحكومية المتحولة لخاصةٍ بيروقراطيةٍ والتي ستؤدي لتحطيم أُطر الاتحادِ الروسي كذلك.
عبرت كتلُ الأحزاب والانتخابات في روسيا عن القوى الاجتماعية التي تكونتْ بعد تحول روسيا من رأسماليةِ دولةٍ كلية إلى رأسماليةِ دولةٍ بيروقراطية، وهي الحلقاتُ المتعددةُ التي تقعُ فيها الدولُ الشرقية في عملياتِ نموها من الإقطاع إلى الرأسمالية الحرة، حيث تقوم رأسماليةُ الدولةٍ كجهاز للتحولات الاجتماعية السياسية بيد الطبقة المسيطرة عليه.
وهذا التحول الروسي إلى رأسماليةِ دولة بيروقراطية يوضحُ العجز عن إنتاج الطبقتين السائدتين المتصارعتين المتعاونتين في الرأسمالية الحرة؛ البرجوازية والطبقة العاملة، ويوضح ضعف مستوى القوى المنتجة، وهو أساسٌ يؤثرُ على الأشكالِ السياسية المختلفة بدءً من هيئاتِ الدولة إلى خريطتها السياسية وأحزابها المختلفة وثقافتها السائدة.
ومن هنا فإن الطبقةَ المسيطرة داخل أجهزة الجيش والمخابرات والقطاعات العامة، التي قامتْ بالتخلي عن الاتحاد السوفيتي وأغتنتْ من حطامه، تمثلُ القوة الرئيسية وقد تحددت أخيراً بسيطرة حزب روسيا الموَّحدة وهو حزبُ الرئيس بوتين، المؤسَّّس سنة 2001، وهو الحزب الحاصل على الأغلبية الانتخابية سنة 2003 حين تحكمت هذه المجموعة في المؤسسات السياسية. ويعود ذلك لوفرة المستفيدين من حزب الطبقة الحاكمة، وضخامة أجهزتها ونفوذها المالي.
والحزب هو وريث الطبقة ذاتها في الاتحاد السوفيتي ولهذا فإن رأسماليةَ الدولة المستمرة تحفظُ الهيكلَ العسكري الاقتصادي لروسيا، ويغدو التوحد القومي الروسي هو الرابطة التي تجمع الدولة الكبيرة وتجعل من بقيةِ القوميات خاضعة لها، والتوحد له مؤسسات إقتصادية تمثل القطاع العام أساساً، وبالتالي فإن حزب روسيا الموحدة بجمعه بين السيطرة على الدولة وتقديمه العيش البسيط المستمر للعمال ورفضه التحول لرأسماليةٍ حرة كاملة يحصلُ على شعبية، بسبب أن العمالَ كانوا في ظل دولة أبوية مثلّتْ لهم نموذج الاشتراكية، وأي مقاربة لها تغدو شعبيةً. كما أن حزب روسيا الموّحدة يضمُ النخبَ الغنية الكبرى، فهو لهذا يواصلُ أبويةَ النظام السوفيتي، ويخلق تحالفاً هشاً بين برجوازية بيروقراطية وعمال ضعفاء إنتاجياً وسياسياً وتابعين. ولهذا يرفض التوجه لنموذجية الديمقراطية الغربية وأي تنام للديمقراطية يهدد هذا الكيان الحزبي الحكومي، فهنا تتواصل الهيمنة الروسية الحكومية وسيطرة البرجوازية البيروقراطية هذه الذي تحظى عبر هذا الخداع بالشعبية.
وكما يغدو عيشُ الجماهير الذي استقر طويلاً في إقتصاد الكفاف السوفيتي نموذجياً وحلماً سابقاً، في إطار الدخول الواسع للعلاقات البضاعية النقدية الحارقة، كذلك فإن الأحزابَ تتحددُ بمدى مقاربتِها للحلم السوفيتي بدون كابوسه الشمولي العنفي.
ومن هنا فإن الحزبَ الشيوعي الروسي حظى بأهميةٍ قوية بعد السقوط المروع للنظام السابق، عبر محافظته على الجوانب الإيجابية من ذلك النظام والمرتبطة بعيش الجماهير ومستوى دخولها وحقوقها المهنية المُدّمرة في هياج إقتصاد السوق الأولي.
ولكنه فقد هذه المقاعد بعد سنوات حين تمكن حزبُ روسيا الموحّدة من تثبيت وضع الاقتصاد وتحسين حالة العيش، عبر بيع النفط المتصاعد الأسعار وبيع السلاح على الدول الشمولية الأخرى الصديقة.
وقد ورث الحزبُ الشيوعي الروسي مقرات الحزب الشيوعي السوفيتي وشبكاته المادية كما ورث أيديولوجيته المحنطة. لقد دأب الحزبُ على تصوير نفسه كوريث للمنجزات السوفيتية، وراح يقدم تاريخاً بلا قوة تحليلية نقدية عميقة، فستالين نفسه يظهر كبطلٍ وتُخفف جرائمه لحد كبير، وبالتالي فإن القراءةَ الفردية البطولية للقومية الروسية ونماذجها من القياصرة تحلُّ محلَ المادية التاريخية.
تصعبُ عودةُ الحزب للاشتراكية الديمقراطية وتغيير مسار فكري واسع، لتغدو الاشتراكية إصلاحاتٍ مستمرةً وتبادلية في السلطة ومشاركة الحكم والمعارضة الديمقراطية، أي تغيبُ جدليةُ العلاقة الصراعية التعاونية بين البرجوازية والطبقة العاملة، وتبقى النظرة الواحدية للطبقة، فأما البرجوازية أو العمال، وبهذا فإن بناء الدولة- المجتمع يتعرض للصراع المدمر، للصراع الانشطاري الديني القومي.
ولهذا فأن زعيم الحزب جينادي زوغانوف يقدم لنا تحفاً في(التحليل الماركسي)كتأييده لحزب البعث السوري في حملاته الدموية قائلاً بأن(الحكومة السورية يحق لها الدفاع عن نفسها بكل الوسائل)(في تصريح لوكالة إنترفاكس يوم 23 يوليو)، مشيراً بهذا للأسلحة الكيمائية! ثم يطالب بإعادة التأميمات الكبرى، مما يشير للطرق القديمة وتقوية مركز اليمين الحاكم.
أما الحزب القومي الليبرالي فهو تكوينٌ مساير لقوى الطبقة الرأسمالية البيروقراطية الحاكمة الراهنة أو التي أُطيح بها، ولكن بتطرف عبر كره الأجانب وتصعيد اللغة الحربية. ولهذا فإن اليمين العقلاني يسقط هنا، فيما تحاول بعض الأحزاب اليسارية الصغيرة تكوين لغات سياسية أخرى بصعوبة شديدة وسط الميراث الاستبدادي الروسي الطويل.

24/12/2012

تم

عبـــــــدالله خلـــــــيفة

‏‏‏‏‏‏كاتب وروائي

𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆            

𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙        

21.10.2014 | 1.3.1948

 من مواليد القضيبية – البحرين.

 خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1974.

 اعتقل من سنة 1975 إلى 1981.

 عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثقافية في الصحف البحرينية والخليجية، ونشر في العديد منالدوريات العربية.

 عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا.

 ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهوريةالجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002، ببحث تحت عنوان «جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين. والعديد من المؤتمرات الادبية العربية.

 منذ سنة 1966 مارس عبــدالله خلــيفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبيةوالفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها: مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد.ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة.

ونتاجه الأدبي والفكري يتنوع على النحو التالي:

 القصص القصيرة:

1 – لحن الشتاء «قصص»، 1975.

 «القصص: الغرباء – الملك – هكذا تكلم عبد المولى – الكلاب – اغتيال – حامل البرق – الملاذ – السندباد – لحن الشتاء – الوحل – نجمة الخليج – الطائر – القبر الكبير – الصدى – العين».

2 – الرمل والياسمين «قصص»، 1982.

 «القصص: الفتاة والأمير – علي بابا واللصوص – شجرة الياسمين – العوسج – الوجه – الأرضوالسماء – المصباح – نزهة – الصورة – اللقاء – لعبة الرمل– الأحجار – العرائس – الماء والدخان».

3 – يوم قائظ «قصص»، 1984.

 «القصص: الدرب – أماه… أين أنت – الخروج – الجد – الجزيرة».

4 – سهرة «قصص»، 1994.

 «القصص: السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان  – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».

5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.

 «القصص: طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء – الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».

6 – جنون النخيل «قصص»، 1998.

 «القصص: بعد الانفجار – الموت لأكثر من مرة واحدة! – الأخوان – شهوة الدم – ياقوت – جنون النخيل – النوارس تغادر المدينة – رجب وأمينة – عند التلال – الأم والموت – النفق – ميلاد».

7 – سيد الضريح   «قصص»، 2003.

 «القصص: طائران فوق عرش النار – وراء الجبال – ثنائية القتل المتخفي – البركان – سيد الضريح – وتر في الليل المقطوع – أطياف – رؤيا – محاكمة على بابا – الحارس».

8 – الكسيحُ ينهض «قصص»، 2017.

 «القصص: الشاهدُ.. على اليمين – الكسيحُ ينهض – جزيرة الموتى – مكي الجني – عرضٌ في الظلام – حفار القبور – شراء روح – كابوس – ليلة صوفية – الخنفساء – بائع الموسيقى– الجنة – الطائر الأصفر – موتسعاد – زينب والعصافير – شريفة والأشباح – موزة والزيت – حمامات فوق سطح قلبي – سقوط اللون – الطريق إلى الحج – حادثة تحت المطر – قمرٌ ولصوص وشحاذون – مقامة التلفزيون – موتٌ في سوق مزدحمٍ – نهاياتُأغسطس – المغني والأميرة».

9 – أنطولوجيا الحمير «قصص»،2017.

 «القصص: انطولوجيا الحمير – عمران – على أجنحة الرماد – خيمةٌ في الجوار – ناشرٌ ومنشورٌ– شهوةالأرض – إغلاقُ المتحفِ لدواعي الإصلاح – طائرٌ في الدخان – الحيُّ والميت – الأعزلُ في الشركِ – الرادود – تحقيقٌ – المطرُ يموتُ متسولاً – بدون ساقين – عودة الشيخ لرباه – بيت الرماد – صلاةُ الجائع – في غابات الريف – الحية – العـَلـَم – دموعُ البقرة – في الثلاجة – مقامات الشيخ معيوف».

10 – إنهم يهزون الأرض! «قصص» ، 2017.

 «القصص: رسالةٌ من بـينِ الأظافر – الأسود – عاليةٌ – جلسةٌ سادسةٌ للألمِ – غيابٌ – عودةٌ للمهاجرِ – دائرةُالسعفِ – الضمير – المحارب الذي لم يحارب – الموتُ حُبـَأً – إنهم يهزون الأرض! – حـُلمٌ في الغسق – رحلة الرماد – أعلامٌ على الماء – گبگب الخليج الأخير – المنتمي إلى جبريل – البق – رغيفُ العسلِ والجمر – عوليس أو إدريس – المفازة – قضايا هاشم المختار – أنشودة الصقر – غليانُ المياه».

11 – ضوء المعتزلة «قصص»، 2017.

 «القصص: ضوء المعتزلة – جزرُ الأقمار السوداء – سيرة شهاب – معصومة وجلنار– سارق الأطفال – شظايا- الترابيون».

12 – باب البحر «قصص» دار نينوى للدراسات والنشر 2020.

 «القصص: وراء البحر.. – كل شيء ليس على ما يرام – قمرٌ فوق دمشق – الحب هو الحب – شجرة فيبيت الجيران – المذبحة – إجازة نصف يوم – حادث – البائع والكلب – ماذا تبغين ايتها الكآبة؟ – إمرأة – الربان – إذاأردتَ أن تكونَ حماراً – اللوحة الأخيرة – شاعرُ الصراف الآلي – البيت – حوت – أطروحةٌ – ملكة الشاشة – الغولة – وسواسٌ – مقامة المسرح – إعدام مؤلف – يقظة غريبة».

✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الأول: اللآلئ، القرصان والمدينة، الهيرات، أغنية الماء والنار، 2004.

✾ الأعمال القصصية الكاملة، المجلد الثاني: لحن الشتاء، الرمل والياسمين، يوم قائظ، سهرة، دهشةالساحر، جنون النخيل، سيد الضريح، 2021.

 الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الثالث: مريم لا تعرف الحداد، الضباب، نشيد البحر، الأقلف، الينابيع،2021.

✾ الأعمال التاريخية الكاملة، المجلد الرابع: محمد ثائراً، عمر بن الخطاب شهيداً، عثمان بن عفان شهيداً،يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، رأس الحسين، مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، ضوء المعتزلة، 2021.

✾ الأعمال النقدية الكاملة، المجلد الخامس: تطور الأنواع الأدبية العربية، نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي، عالم قاسم حداد الشعري 2023.

✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد السادس: ساعة ظهور الأرواح، التماثيل، ذهب مع النفط، عنترة يعودُ الى الجزيرة، عقاب قاتل، اغتصاب كوكب، رسائل جمال عبدالناصر السرية، 2023.

✾ الاعمال القصصية الكاملة، المجلد السابع: إنهم يهزون الأرض! ، 2023.

✾ الأعمال النقدية الكاملة، المجلد الثامن: تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية، عبدالله خليفة: عرضٌ ونقدٌ عن أعماله، حوارات نقدية، 2023.

✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد التاسع: ألماس والأبنوس، طريق اللؤلؤ، ثمن الروح، ابنُ السيد، بورتريه قصاب،2023.

✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد العاشر: خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ، الأرض تحت الأنقاض، حورية البحر، هُدهُد سليمان ، شاعرُ الضياء، 2023.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الأول: أفق ـ منشورات: سنوات 2003، 2004.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الثاني: أفق ـ منشورات: سنوات 2005، 2006.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الثالث: أفق ـ منشورات: سنوات 2007، 2008.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الرابع: أفق ـ منشورات: سنوات 2009، 2010.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الخامس: أفق ـ منشورات: سنة 2011.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد السادس: أفق ـ منشورات: سنة 2012.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد السابع: أفق ـ منشورات: سنوات 2013، 2014.

 الأعمال الروائية:

13 – اللآلئ، 1982.

14 – القرصان والمدينة، 1982.

15 – الهيرات، 1983.

16 – أغنية الماء والنار، 1989.

17 – مريم لا تعرف الحداد، 1991.

18 – الضباب، 1994.

19 – نشيد البحر، 1994.

20 – الأقلف، 2002.

21 – ساعة ظهور الأرواح، 2004.

22 – رأس الحسين، 2006.

23– عمر بن الخطاب شهيداً، 2007.

24– التماثيل، 2007.

25 – عثمان بن عفان شهيداً، 2008.

26 – يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، 2008.

27 – محمد ثائراً، 2010.

28 – ذهب مع النفط، 2010.

29 – عنترة يعود الى الجزيرة، 2011.

30 – الينابيع2012.

31 – عقاب قاتل، 2014.

32 – اغتصاب كوكب، 2014.

33 – رسائل جمال عبدالناصر السرية، 2015.

34 – ثمن الروح، 2016.

35 – ألماس والأبنوس، 2016.

36 – ابنُ السيد، 2016.

37 – الأرض تحت الأنقاض، 2017.

38 – حورية البحر، 2017.

39 – طريق اللؤلؤ، 2017.

40 – بورتريه قصاب، 2017.

41 – مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، 2018.

42 – شاعرُ الضياء، 2018.

43 – خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ، 2019.

44 – هُـدهـُـد سـليمـان، 2019.

 الدراسات النقدية والفكرية:

45 – الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي، 2004.

46 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد، في ستمائةصفحة، ويعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية، 2005.

47 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الثالث، وهو يتناول تشكل الفلسفة العربية عند أبرزممثليها من الفارابي حتى ابن رشد 2005.

48 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث، وهو يتناولتكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة،2015.

49 – نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، 2007.

50– تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية، 2008.

51 – صراع الطوائف والطبقات في المشرق العربي وإيران، 2016.

52 – الملعون سيرة وحوارات وما كتب عنه، 2016.

53 – تطور الأنواع الأدبية العربية: دراسة تحليلية للأنواع من الشعر الجاهلي والقرآن حتى الأدب المعاصر، وهي دراسة مكثفة فكرية تكشف علاقة التداخل بين النصوص العربية والصراع الاجتماعي، 2016.

54 – رأس المال الحكومي الشرقي: وهي قراءة جديدة للماركسية، تبحثُ أسلوبَ الإنتاجِ الراهن في الشرق عبر نظرة مختلفة، 2016.

55 – عالم قاسم حداد الشعري، 2019.

56 – عبـدالله خلــيفة: عرضٌ ونقدٌ عن أعماله، 2019.

57 – الكلمة من أجل الإنسان، 2020.

58 – أيديولوجي  2023.

59 – لينين ومغامرة الاشتراكية: وهو كتيب نظري تحليلي لأفكار لينين ولنظريته، 2023.

60 – إضاءة لذاكرة البحرين، 2023.

61 –الكلمة من أجل الإنسان، جزء ثانٍ، 2025.

62 – أدب البحرين ورموزه المضيئة، 2026.

عبــدالله خلــيفة على موقع الحوار المتمدن

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=436071

عدد إجمالي القراءات: 8,373,730    مليون قارئ.

عدد المقالات المنشورة: 1,218.

عبــدالله خلــيفة على بلوجر  Blogger:

https://abdullakhalifaalbuflase.blogspot.com

عبــدالله خلــيفة على الفيسبوك:

https://www.facebook.com/abdullakhalifaalbuflasa

عبــدالله خلــيفة على You Tube:

https://www.youtube.com/@AbdullaKhalifaAlbufla

https://vimeo.com/bdullakhalifa

عبــدالله خلــيفة على مدونة بينترست:

رأس المـــال الحـكومــــي الشـــــــــــــرقي ــ الكتاب الأول

✺ توطئة
✺ الفصل الأول
✺ من تاريخ قوى المال الغربية
✺ إستكمالُ نظريةِ ماركس عن رأسِ المال
✺ الفصل الثاني
✺ الرأسماليات الحكومية الشرقية الكبرى
✺ اليابان تجربة الرأسمالية الخاصة
✺ الرأسمالية الحكومية الروسية
✺ الأجور والسلطة الحكومية الرأسمالية
✺ الرأسمالية الحكومية الصينية
✺ الرأسمالية الحكومية في الهند
✺ الرأسمالية الحكومية في أمريكا اللاتينية
✺ تجربة كوبا
✺ الفصل الثالث
✺ الرأسماليات الحكومية العربية والإسلامية
✺ الرأسمالية الحكومية المصرية
✺ الرأسمالية الحكومية الإيرانية
✺ الرأسماليات الحكومية الخليجية
✺ خلاصات عـــــــــــــــــــــامة
✺ مسارات الرأسماليات الحكومية الشرقية
✺ (إصلاحات) الرأسماليات الحكومية الشرقية
✺ أنماط الرأسماليات الحكومية الشرقية
✺ من يملك الرأسمالية الحكومية؟

توطئة

لم تتح لكارل ماركس فرصة التعرف على رأس المال الشرقي، الذي تطور بعد وفاته، في أواخر القرن التاسع عشر، ولهذا لم تتم دراسة هذا الرأسمال التاريخي المغاير لرأس المال الغربي، فخلافاً للرأسمال الغربي القادم من الإنتاج الشخصي، بدءً من الحرف فالمانيفاكتورة ثم الصناعة الآلية الخ، ظهر الرأسمالُ الشرقيُّ بقوتهِ الكبيرة من الحكومات أساساً.

ولهذا كانت مرحلة الليبرالية العربية وامضة، محدودة التاريخ، لاعتمادها على الرأسمال التجاري بشكلٍ كبير، فجاءتْ مرحلة الرأسمالية الحكومية ورافقتها الأفكارُ القومية والبعثية والماركسية والآن الطائفية.
لتطور أشكال الملكية العامة والخاصة في وسائل الإنتاج وفي نسبهما المتعددة، علاقاتٌ موضوعية، تعتمدُ على تطور هذه الوسائل.
إن تقلصَ الأفكارِ الليبراليةِ يرجعُ لتقلص الملكيات الخاصة لوسائل الإنتاج، والتوزيع، والتمويل، ولهذا رأيناها في المرحلة الحكومية الرأسمالية تذبل، وسواء كان ذلك في روسيا السوفيتية أو الصين الشيوعية أو مصر الناصرية وغيرها من الدول، فالدولُ الشرقية لها قوانينٌ عامة مشتركة، يحاولُ هذا الكتابُ أن يُظهرها.
كما أن الأفكارَ(الاشتراكية)مرتبطة بنمو الملكية الرأسمالية العامة، وهي تذبلُ كذلك مع تقلص هذه الملكية وتوسع الملكية الخاصة.
لن تنتهي الملكية العامة الرأسمالية الكبيرة الحكومية في الشرق إلا بحدوث ثورة كبيرة في قوى الإنتاج، فهذه الدول تسيطر على منابع الثروة كالبترول والغاز والمناجم الكبرى، باسم الشعوب الغافلة، وحتى في عهد الاصلاحات الرأسمالية الخاصة الحكومية في روسيا والصين وبقية دول الشرق التي تقاطرت على هذه العملية واحدة بعد أخرى، فإن الدولَ لم تتركْ هذه الملكية التي تصنع قوى الرأسماليين البيروقراطيين الحكوميين الذين يخرجون من هذه المطابخ الكبرى كقططٍ سمان.
ويجري ذلك أما بالتخلص من قطاعات خاسرة، وتحميل الشعوب فاتورة الفساد، أو عبر المشاركة مع الرساميل الخاصة الوطنية والأجنبية في أرباح مؤسسات قوية، لكن لا يجري ترك الدجاجة التي تبيض ذهباً؛ قطاعات إنتاج المواد الخام الثمينة.
وهذا على مستوى الأفكار يؤدي لشحوب أفكار الوطنية والقومية والاشتراكية.
وفي الدول الطائفية السنية والشيعية فإن المذهبية المحافظة تبقى حجر الزاوية في النظام الإيديولوجي، معبرة عن سياقات خاصة لدول أكثر ترسباً في النظام الإقطاعي.
وفي الوقت الذي تصعدُ فيه القوى البيروقراطية على جثة المجتمع القديم، فإنها لا تستطيع أن تكون ليبرالية ديمقراطية حقيقية، فهي بسيطرتها على أغلبية المال العام وإنتاجه تخشى هذ الديمقراطية، تخشى هروب الدجاجة الذهبية من تحت قبضتها، فتغدو لها تحفظات على هذه الديمقراطية لكونها (لا تتناسب مع تقاليدنا العريقة)، أو بسبب الخشية من الفوضى وغيرها من التبريرات التحكمية.
وتقوم بمزج هذه السلطة التحكمية بكم ما من الشعائر الديمقراطية، لكن التي تجعل حزب السلطة، سواء كان الحزب الشيوعي في الصين أو حزب روسيا بيتنا، أو الحزب الوطني الديمقراطي المصري، أو النخبة من الطائفة السنية المتحكمة في موارد البلد، أو النخبة من الطائفة الشيعية المتحكمة في موارد بلد آخر، أو أن يجري وضع خليط من النخب الطائفية المتعددة في بلد ثالث.
ومهما كانت الصراعات والخلطات فإن النتيجة هي إنشاءُ طبقة مسيطرة على وسائل الإنتاج، تتوزعُ بينها مصادرُ الخيرات العامة، بعضها متنفذ في أغلبية الملكية العامة وبعضها متنفذ في الملكيات الخاصة وبينها تعاون وصراع يتحددان بطبيعة العلاقات بين الطرفين وبحجم السوق ومسائل أخرى كثيرة.
هذه مرحلة رجراجة بين الرأسماليتين العامة البيروقراطية المنتهية ولايتها، وبين الرأسمالية الخاصة التي لم تعط الولاية ولم يحن سعدها الكامل.
هذه المرحلة التي نعيشها الآن والتي تمثل حلقة من حلقات تطور الرأسماليات الشرقية منذ أن كانت جنيناً في رحم الأمبراطوريات الإقطاعية فأنتجت لنا متجراً ومصنعاً صغيراً وبنكاً محلياً متواضعاً، حتى تفتت الأمبراطوريات أو تحولت بشكلٍ آخر محافظة على السوق الهائل كالأمبراطورية الروسية التي صارت أمبراطورية سوفيتية، والأمبراطورية الصينية التي صارت جمهورية الصين الشعبية، وهذا التحول فيهما أدى إلى إنجاز ثورة صناعية كبرى لم تصل بعد لمستوى الثورة الصناعية الغربية، لكن ضخامة السوق كانت معجلاً آخر، وفي حين لم تهدر الصين بضائعها على الجمل الثورية كثيراً استنزفت روسيا نفسها في ذلك.
كان المتفتتون – أي الذين زالت أمبراطوريتهم كالمسلمين – أكثر الخاسرين، فعلينا مراجعة تجربة مفتتة زادتها الأيام تفتتاً، وهي مثلت في النهاية تجربة المذهبيات الإسلامية المشغولة بالحروب الكلامية والحقيقية معاً.
كان بروز الرأسماليات الحكومية بشكل طائفي تعبيراً عن صراعات الماضي الخاوية، وعن الرغبة في إستعادة الأمبراطوريات، وعن ضعف الرأسماليات الحكومية في بلدان محدودة السكان، وعن تخلف هؤلاء السكان الاجتماعي والاقتصادي، وعن عدم وجود طواقم حكومية ذات كفاءة في رؤية مسارات التطور وضعف التعاون بين هذه الإقطار الدينية.

الفصل الأول

من تاريخ قوى المال الغربية

يتحدث العديد من المثقفين العرب عن أزمة الطبقة الوسطى وانهيارها أو صعودها أو غير ذلك في تعميمات ودون أية تحليلات اقتصادية وتاريخية، تجعل عقولهم ومناهجهم تتغلغلُ في البنى الاقتصادية وتفهم ما يجري.

هذا بخلاف علماء الاقتصاد والتاريخ الغربيين الذين كرسوا الكثير من المؤلفات لفحص ذلك، بدءً من آدم سميث وريكاردو حتى ماركس.
ويقدم لنا كارل ماركس وصديقه فريدريك انجلز لوحات تاريخية ومعركة ثقافية ساخرة وعلمية عميقة عن كيف نشوء الطبقة الوسطى وقوى المال عموماً في الغرب، وذلك في كتابهما المشترك:(1).
ويقدم المؤلفان ذلك بصفته تاريخاً للإنسانية الحديثة، ويعتبران ما تشكل ويتشكل في الغرب كأنه تاريخ للشرق كذلك، لكن ما يقصدانه هو تكون الرأسمالية في الغرب، في حين ستكون للشرق رأسماليته المغايرة وذات التاريخ المختلف، ولكن الرؤى الغربية حتى من وجهة اليسار في ذلك الحين تدور في المركزية الأوربية التي سوف تقود للاشتراكية. ويفيدنا ذلك في رؤية النمطين من الرأسمالية، الرأسمالية الغربية الخاصة والرأسمالية الحكومية الشرقية. وكل منهما له سياقه العام المتميز.
يتوجه ماركس في دراستهِ المذهلة عن تاريخ أوربا الاقتصادي إلى كيفية ظهور الإقطاع في العصر الوسيط وكيف برزت المدنُ بعد إنهيارِ الأمبراطورية الرومانية، وهو يمشي على تضاريس الحرف والنقابات الحرفية وكيفية تشكل الرساميل عبر مختلف البلدان، أي إلى الأجسام الاقتصادية لأرباب العمل المختلفين من إيطاليا حتى انجلترا مركز الثورة الصناعية، ويميز بين شرائح كبيرة من هذه القوى: (إن البرجوازية لا تنمو إلا بصورة تدرجية في ذات الوقت مع شروطها الخاصة، وتنشق وفقاً لتقسيم العمل إلى فئات متعددة، وتمتصُ جميعَ الطبقات المالكة التي تصادفها)، (بالقدر الذي تتحول وفقاً له كل الملكية القائمة إلى رأسمال صناعي أو تجاري)، (2)
وماركس حين يعرضُ منتوجات الواقع هذه يتتبعُ جذورَها في التاريخ السابق مثل الحرف، والإقطاع، والنقد الذهبي، والاكتشافات الجغرافية والثقافة، ويمثل ذلك حدوث الشكل الأول الأبتدائي من العولمة الحديثة، لكي يصلَ إلى مكوناتِ التاريخ الاقتصادي الاجتماعية، فمع نمو الرساميل بشكليها الصناعي والتجاري ظهرتْ المصانعُ الأولى؛ (وكانت العاقبة الأولى لتقسيم العمل بين المدن المخلتفة قيام المانيفاكتورات، هذه الفروع للإنتاج التي أفلتت من نظام النقابات الحرفية)،(3) ص66، (واقتصرت على السوق الداخلية)،(وأصبحت المانيفاكتورة ملجأً للفلاحين من النقابات الحرفية التي كانت تستعبدهم أو تدفع لهم أجوراً سيئة). (ومع قيام المانيفاكتورات وُضعت الأممُ المختلفة في علاقات مزاحمة، وانخرطتْ في صراعٍ تجاري، هذا الصراع الذي احتدمَّ بواسطةِ حروبٍ، وحمايةٍ جمركية ، وحظرِ إستيراد).
(وتلقت المانيفاكتورة وحركة الإنتاج بصورةٍ عامة انتفاضة هائلة من جراء امتداد التجارة الذي تحقق مع اكتشاف أمريكا والطريق البحرية إلى جزر الهند الشرقية. إن المنتجات الجديدة المستوردة من هناك، وبصورة خاصة كتل الذهب والفضة التي دخلتْ التداول، قد بدلت تبديلاً كاملاً مركز الطبقات حيال بعضها بعضاً، ووجهتْ صفعة شديدة إلى المُلكية العقارية الإقطاعية وإلى الشغيلة.)، والمقصود بالشغيلة هنا الحرفيين خاصة، (4).
إن قوى الإنتاج الجديدة التي غذتها تطورات العلوم وانتشار المجموعات الكثيفة من المشردين في المدن، والاتساع الهائل للتجارة أدت كلها إلى أن (التجارة والمانيفاكتورة قد خلقت البرجوازية الكبيرة؛ أما في النقابات الحرفية فقد تمركزت البورجوازية الصغيرة التي لم تعدْ سائدة في المدن بعد الآن، بل لم يكن لها بد من الانحناء امام سلطان التجار والمانيفاكتوريين الكبار)، ويحدد ماركس تكوينات القوى الغنية المتعددة بالشكل التالي في الهامش:(البورجوازية الصغيرة – الطبقة المتوسطة – البورجوازية الكبيرة).
أما المرحلة الثانية للتحول فقد بدأت في منتصف القرن السابع عشر حتى نهاية القرن الثامن عشر، التي تتميز باستمرارِ اتساعِ التجارة، وبتطورِ الصناعات المتخصصة كالحرير، وبرفع الحظر عن تصدير الذهب والفضة وبدء النقد الورقي، والمضاربة بالرساميل والأسهم من مختلف الأصناف)، وقد توسع الطلب التجاري بحيث أن قوى الإنتاج المحدودة عجزت عن تلبيته، (وقد عممتْ الصناعة الكبرى المزاحمة وأنشأتْ وسائلَ المواصلات الحديثة وأخضعت التجارة لها، وحولتْ الرأسمالَ بأسرهِ إلى رأسمالٍ صناعي، وانبثقت المدنُ الصناعية العملاقة الحديثة)، (ولقد دمرتْ حيثما تغلغلت الحرفَ اليدوية)، (لقد أكملتْ انتصارَ المدينة التجارية على الريف).
لقد لعبت الملكية الخاصة وقوة العمل المأجور دوريهما في صياغة هذا العالم الاقتصادي، ولم تكن هنا شبكة سياسية تمنع مثل هذا النمو المتداخل الذي بدا فوضوياً، ولكن تضافر الملكية الخاصة والعلوم والمنافسة الاقتصادية أدت إلى تثوير قوى الإنتاج، وعبر ثلاثة قرون من هذه الديناميكية تكون قوى الإنتاج قد تفوقتْ عن كل ما جرى في التاريخ سابقاً.
أما في الشرق فسوف تتعرض الحركة الاقتصادية لتدخل الرساميل الغربية، ثم إلى قيام منظومات سياسية شرقية تقيدُ نموَ الاقتصاد بشكلٍ حكومي، وينجحُ بعضها في أحداث قفزة بفضل أداة الدولة المركزية المُخططة، لكن لا تبلغ درجة تطور الغرب، ثم تتشابك المنظومتان الرأسمالية الغربية الخاصة والرأسمالية الشرقية الحكومية، في صراع عالمي، ثم في توليفة مشتركة راهنة تظل صراعية مفتوحة لاحتمالاتٍ جديدة لا تتوقف.

إستكمالُ نظريةِ ماركس عن رأسِ المال

كانت آراءُ ماركس واسعة عميقة، من جهة الغرب، ومحدودة من جهة الشرق.

جانبان متناقضان يمثلان مستوى الحركة العمالية التقدمية الأوربية بين سنوات 1844 إلى 1882، ويعبران عن حركة العالم المتشكل تحت نقدِ الغربِ وأساطيله.
فكانت الحركة التقدمية العمالية تصحو مشتتة مقموعة ممزقة، غارقة في الأحلام والهذيان الاجتماعي، وفي المعارضة العنيفة، وفي ثوراتِ الشوارع المنطفئة بسرعة، أقطارُها الغربية الثلاث أنجلترا وفرنسا وألمانيا، تصوغ ردودَ الفعلِ الشعبية تجاه ظاهرة الرأسمالية العاصفة التي فجرتْ تحولاتٍ غيرَ مسبوقةٍ في التاريخ البشري.
وكانت أنجلترا وفرنسا هما طليعة هذا الحراك الفكري السياسي، ففيهما بلغت الرأسمالية مستويين كبيرين، خاصة الأولى التي كانت هي الأوسع تطوراً.
ولكن الحركة العمالية كانت غارقة في المشروعات الخيالية الاجتماعية.
شارل فورييه وسان سيمون الشخصيتان الفرنسيتان الاجتماعيتان البارزتان تقدمان مخططات خيالية لكيفية إنقاذ العمال، وكانا ينشران تنظيميهما السياسيين في كل انحاء فرنسا، ويجمعان الأنصارَ والقيادات العمالية في هذه الشبكة الاقتصادية الواسعة من معامل النسيج والمناجم، ويخططان لكي ينقلا العمال إلى جزر ومناطق بعيدة لتأسيس مستعمرات إشتراكية، أو ينتظرُ فورييه الرأسماليين الكرماءَ ليقدموا له معونات لجعل الرأسمالية جنة إجتماعية وظل ينتظر في تلك الساعة التي حددها للقاء أهل الخير طوال سنوات كثيرة حتى مات دون أن يطرق بابه أحدٌ.
وكان برودون الاشتراكي الإنساني يؤسس بنكاً للمعادلات الاجتماعية، من أجل أن يأخذ العمال أنصبتهم من الأرباح وكذلك الرأسماليين، دون ضرر ولا ضرار بين الجانبين المتخاصمين، لتسود العدالة الأبدية هذين الفريقين المتنازعين على الفلوس التافهة.
لكن رجلاً ألمانياً هارباً من ثورة دامية ومطارداً جاء إلى فرنسا وهو مشحون بديالكتيك هيجل المثالي الغيبي، ليعدل هذه الأفكار.
كان عليه أولاً أن يعدل هذا الديالكتيك القادم من الفكرة المطلقة المسيطرة على العالم وتاريخه، وهي التي تكـّون الممالك والجمهوريات والأنظمة وتحددُ طبيعة الأدب في أفريقيا وآسيا، وتكونَ البوذية في الصين.
كان قلبُ هذه الأسطورة ذات المضمون العجيب والمضيء مهمة شاقة كبيرة لرجلٍ مثل ماركس، كان عليه بالتالي أن يقرأ كلَ تواريخ الإنسانية ويحللُ أنظمتـَها، وهو ليس مثل هيجل في موقعه الجامعي ومنزله الباذح في برلين.
وكان العملُ العلمي الذي إشتغل عليه في الجامعة هو تحليلُ الفلسفة الإغريقية، وهو إختيارٌ يدلُ على أوربيته الغارقة حتى العظم.
سنجدُ أن ثقافته الفلسفية والأدبية عن الأغريق هي ضخمة ونافذة إلى علاقات ومضامين دقيقة فيها، يكتب:
(إن ديموقريطس أبعد ما يكون عن رفض العالم، بل كان على النقيض من ذلك عالماً طبيعياً تجريبياً) ،(الذرة بالنسبة إليه، متعارضة مع أبيقور، قد كانتْ مجردَ فرضيةٍ فيزيائية، ذريعة من أجل تفسير الحقائق، تماماً كما هي في التراكيب الخلائطية للكيمياء الجديدة(دالتون وآخرون)، (5) .
هذه فقرة من كتابٍ من كتبِ مرحلة الشباب، الجدالية، مع الكـُتاب الألمان، ويبدو فيها وهو متبحرٌ في الفلسفةِ بضفتيها اليونانية والأوربية الحديثة، وفي قسمٍ صعبٍ هو فلسفة العلوم الطبيعية، والاختصاص الأوربي واضح وعميق فيها، والأهم هو وضعهُ تاريخَ الفلسفة فوق ظروف نشأتِها الموضوعية، محللاً شخوصَ الفلاسفة من حيث الفكرة والشخصية الخاصة كذلك، عبر هذا الجمع الجدلي بين الذات والفكرة والصراع الاجتماعي.
وهو نهجٌ سوف يطورهُ خلالَ صراعاتهِ الفكريةِ المختلفة.
لكنه لم يستطعْ أن يكونَ مثل هيجل وهو المتنقلُ بزوجتهِ وبناته بين بلدٍ وآخر، مطاردٌ من شتى المخافر، وبالكاد يستطيع أن يؤمّن لقمة عيشهِ وبمساعدةِ رفيق كفاحه فريديك أنجلز، وكان عليه أن يقوضَ تلك الأفكار عن الاشتراكية الرائجة في القطرين القائدين لرأسمالية ذلك الزمن، أنجلترا وفرنسا.
إن المصادرَ التي اعتمدَ عليها في قراءاتهِ الاقتصادية لا يمكن عُدها، سلسلة طويلة من المؤلفين في عصور أوربا الغربية النهضوية الرأسمالية، بدءً من سيسموندي الإيطالي وتلميذه شيربوليز وسينيور الأنكليزي وجيمس ميل وجون ويد وآدم سميث وريكاردو وغيرهم كثيرون ).
إن تحليلَ كتب هذه الحشود من الباحثين والمؤرخين الاقتصاديين وضعتْ منهجيتهُ فوق الأرض الاقتصادية الغربية للوصول إلى خلاياها الاقتصادية التكوينية الأولى وهي: البضاعة، ورأس المال، والنقد، وقوة العمل، والآلة وغيرها، أي هي عملية تشريحٍ علمية طويلة في الجسد الاقتصادي الغربي، في تكوينه وتاريخيته.
والتاريخية هنا هي تاريخية غربية، فظهورُ رأسِ المال مأخوذ في مجالهِ الذي يبدأ من العصر الوسيط حتى يتعملق في القرن التاسع عشر، سواءً تمظهرَّ ذلك في الدول الغربية الأوربية أو توسع في أمريكا الشمالية، وقد راحتْ قراءاتهُ تتوسعُ في اقتصادِ أمريكا، وتتنبأ لها بقيادة الاقتصاد الرأسمالي الغربي عامة، وسيتابعُ كذلك انتشارَ العلاقات الرأسمالية دولياً، ليس كما نبتتْ في أقطار العالم الأخرى، بل كما تمظهرتْ بشكلٍ بريطاني، في الهند وهو المثال الوحيد الذي تردد في كتبه عن الشرق الحديث، خاصة بعد استقراره في لندن وتوفر المراجع في مكتبة المتحف البريطاني.
وما يشغلهُ طوالَ سنين الاربعينيات والخمسينيات هو الوضع في المانيا بلده وتحليل البنية الرأسمالية التي سوف تحتاج إلى عقود من أجل الوصول لقوانينها.
وجاءَ اهتمامهُ بألمانيا باعتبارهِ بلده ولهذا تابعهُ بشكلٍ مكثفٍ من أجل حدوث تحول جذري فيه؛(فبينما كانت البورجوازية الفرنسية، وباسطة أضخم ثورة عرفها التاريخ، ترتفع إلى السلطة وتغزو القارة الأوربية، وبينما كانت البورجوازية الانكليزية التي سبق أن تحررتْ سياسياً تثــّور الصناعة، وتخضعُ الهندَ سياسياً، وتخضع بقية العالم تجارياً، لم يذهب البورجوازيون الألمان في عجزهم إلى أبعد من الإرادة الطيبة)، السابق، (6).
إن هذا الهاجسَ الوطني ترتب عليه مناقشات وحوارات عميقة وصاخبة مع العديد من رموز الثقافة الألمانية وخاصة مع ما يُسمى باليسار الهيغلي، الذي طمح في تغيير الفلسفة نحو اليسار لكنه عملياً ظل أسير مثالياتها الغيبية.
الخلاصة هنا هي أن ماركس هو منتج لنظرية اقتصادية أوربية تعكس سيرورة الرأسمالية الغربية عامة، ولها بنية اقتصادية مغايرة للتاريخ السابق وللتاريخ الشرقي.
تدل سنواتُ الأربعينيات والخمسينيات لكارل ماركس وفريدريك انجلز على بحثهما المضني لتفسير جديد للتاريخ، ظلَّ في مادةٍ أوربية غربية خالصة. وقد صدرَ المجلدُ الأول من رأس المال في الستينيات من القرن التاسع عشر.
وترافقَ ذلك مع نضالٍ فكريٍّ مع النخب الألمانية الغارقة في المثاليات والغيبيات والتحليلات الجزئية للتاريخ والمجتمع، والتي بدأت تقرأ تاريخ رأس المال الحديث لكن بمستوياتٍ قديمة.
ومن هنا أخذ هذا الجدالُ سمة المؤلفات ك(بؤس الفلسفة) و(الإيديولوجية الألمانية) و(الأسرة المقدسة)، و(ضد دهرنج)، وهو جدالٌ مليءٌ بالسخرية، والأحكام الجزئية وكثرة الموضوعات ومناقشة الجمل الصغيرة بتوسع، ومناقشة الأفكار الفلسفية النظرية المضادة، وتبيان تهافتها، وهو جدالٌ امتدَّ لفرنسا كذلك مع برودون وسان سيمون وجماعات الاشتراكيات الخيالية.
وفي هذين العقدين بدت لماركس وانجلز إن الثورة العمالية المباشرة هي الفعلُ الوحيدُ الممكن الراهن لتصفية الرأسمالية، بناءً على أثر الغضب المتصاعد في القرن التاسع عشر ولسوءِ أوضاع العمال.
وإذا كانت ألمانيا بلدهما متأخرة في تطورها الصناعي ومحاطة بدولٍ متطورة فلا يمنع ذلك من نشوء الثورة العمالية فيها والتي تزيل البورجوازية:
(ومن البدهي إن الصناعة لا تبلغ ذات المستوى من الأحكام في جميع أقاليم البلد الواحد. ومهما يكن من أمر، فإن هذا لا يؤخر حركة البروليتاريا الطبقية، لأن البروليتاريين الذي خلقتهم الصناعة الكبرى يأخذون زمام القيادة . .)، (وإن البلدان حيث تطورت الصناعة الكبرى تؤثرُ بطريقةٍ مماثلةٍ في البلدان التي تفتقرُ أكثر أو أقل إلى الصناعة، وذلك بقدر ما تنجرف هذه البلدان غير الصناعية بفعل التجارة العمومية في تيار صراع المزاحمة العمومية)، (7).
إن ماركس الألماني الذي تعيشُ بلدُهُ في تخلفٍ صناعي، وبعمال محدودين وبنخب مائعة فكرياً، يريد الثورة العمالية باعتبارها البديل الاشتراكي لرأسمالية متخلفة.
هنا نجدُ الأفكارَ التي استخدمها لينين فيما بعد. وهي الأفكار الماركسية الشبابية التي لم تنضجْ في معمل التحليل المطول. لم يصلْ ماركس لطبيعة الرأسمالية الأوربية بشكل دقيق هنا(أي في المرحلة الشبابية)، كما أنه لا يعرف كثيراً تاريخ العالم، وخاصة الشرق، وهو في هذا المستوى العلمي الأولي، فتبدو له الرأسمالية الظاهرة في أوربا كأنها الرأسمالية العالمية كما سوف تتطور فيما بعد. إنها النسخة الوحيدة المرئية، وحتى فهم التشكيلات وهي التشكيلة المشاعية، فالعبودية، والإقطاعية، ستـُؤخذ من خلال التاريخ الأوربي.
وإذا رجعنا للفقرةِ السابقةِ الذكر المُستشـَّهد به، فنرى إن تيار المزاحمة وانتشار التجارة لا يقودان بالضرورةِ إلى بناءِ أنظمةٍ رأسمالية على الطريقة الغربية، في آسيا وأفريقيا، وهو أمرٌ يلمح إلى أن الرأسمالية تبدو لماركس ذات خصائص واحدة في الغرب والشرق.
إن محدودية فهم الرأسمالية في الاربعينيات الأوربية والحماس وتفجر الثورات كلها تقود إلى إستنتاجات سياسية بزوال الرأسمالية الراهن، وهو أمرٌ يتقلصُ في كتابه (رأس المال) حيث تـُؤخذ على أنها انتشار الصناعات الكبيرة، وهذا يكفي للثورة الاشتراكية وإزالة الأستغلال الرأسمالي، وهي شعارات يُقصد منها كذلك دحر المشروعات الخيالية للاشتراكيين الحالمين. لكنه حتى في راس المال لم يتصور نمطاً آخر من الرأسمالية. فيتوارى تاريخ الشرق المميز عن ماركس كما عن لينين فيما بعد.
ولكن الثورات العمالية كانت تتوجه لتحسين أوضاع العمال رجالاً ونساءً وأطفالاً المعيشية ومكانتهم السياسية حيث يُحرمون من التصويت والدخول للبرلمانات، فكانت هي جزءٌ من عملياتٍ إصلاحية لتغيير مكانة الطبقات العمالية في النظام الرأسمالي الحديث، الذي يجمعُ طبقتيه الرئيسيتين المالكة والعاملة في الإنتاج. وهو أمرٌ صراعي تعاوني غذاه إستعمار هذه الرأسمالية للعالم الشرقي خاصة.
لكن من جهةٍ أخرى فإن ماركس هو كذلك ديمقراطي غربي يدركُ أهمية البورجوازية، وفي مؤلفه رأس المال يواصل الإصلاحية العميقة داخل هذ النظام، ومنذ الشباب يدركُ بعضَ جوانب ذلك؛ (ولقد ظهرت عبارة المجتمع المدني في القرن التاسع عشر، حالما تملصتْ علاقاتُ الملكيةِ من الجماعةِ القديمة والوسيطية. إن المجتمعَ المدنيَّ بصفتهِ هذه لا يتطور إلا مع البورجوازية)، السابق، (8).
لا تبدو لماركس الرأسمالية إلا واحدة، غربية، قامتْ على حراكِ البورجوازية الخاصة، ولم تكن الدولُ إلا مساعدة لصعودِها أو معرقلة لها، مرة من خلال الصراع ومرات من خلال التعاون مع الدول المَلكية خاصة.
لكن ليس من خلالِ مَلكية مطلقة فالملكية المطلقة تعني ضعف تطور الرأسمالية، وماركس يطالبُ من محاورهِ أن يسمي له بلداً(تعهدَ البورجوازية، في شروط متطورة للتجارة والصناعة، وفي مواجهة المزاحمة القوية، بالدفاع عنها إلى مليك مطلق؟)، (9).
تعطينا هذه العبارة، ليس فقط الشروط السياسية لنمو هذه الطبقة القائدة للإنتاج الحديث، بل أيضاً كون هذه التجارة والصناعة خاصتين غير حكوميتين، وكلما تدخلتْ الحكوماتُ المَلكية خاصة عرقلتْ ذلك التطور الرأسمالي في فروع الاقتصاد المختلفة.
كيف يمكن إذن أن تزولَ الرأسمالية؟ هذا سؤالٌ مؤرقٌ تسخنهُ أوضاعُ العاملين وطموحُ الإنسان عامة لإلغاء الإستغلال، فهل تزول الرأسمالية لأسبابٍ أخلاقية؟
يجيب انجلز بعد موت ماركس في مقدمة كتاب الأخير (بؤس الفلسفة)؛ (ونجد بالنسبة لقوانين الاقتصاد البورجوازي أن القسم الأكبر من الإنتاج لا يخص العمال الذين انتجوه. وإذا قلنا الآن:(هذا ليس عدلاً)، (يجب أن لا يكون هكذا). فإنما يصبحُ هذا القول متعلقاً بالأخلاق لا بالاقتصاد. . فماركس لم يُقمْ مطاليبَهُ الشيوعية على هذا الزعم بل أقامها على تقلصِ الإنتاج الرأسمالي المؤكد. هذا التقلص الذي لم يَحُدث أمام عيوننا!)، (10).
إن ظاهرة تقلص الإنتاج بشكلٍ نسبي ممكنة، ولكن التقلصَ بشكلٍ مطلقٍ لا يمكن تصورهُ إلا في عالمٍ تتحولُ كلُ الدولِ فيه إلى منتجةٍ واسعة للسلع فلا تجد كلها أسواقاً، وما دامتْ توجد دولٌ أخرى غير صناعية وفيها أسواق مفتوحة، فإن التقلصَ المطلقَ مستحيل. ولكن حتى التقلص المطلق لا يكفي لإقامة الاشتراكية لكنه يعبر عن الطريق المسدود للرأسمالية، وتلك مسألة أخرى.
وهكذا فإن أوربا الغربية وأمريكا الشمالية التي أوجدت الرأسمالية الخاصة راحت تبحثُ عن أسواق للمواد الخام وأسواق لتصدير البضائع المُصّنعة، وقامتْ بذلك عبر وسائل القهر، لا عبر التبادل الحر، فهي تنتزعُ الموادَ الخام بالقوة وتبيعُ سلعَها بالقوة وتلغي حرفاً قديمة وعالماً اقتصادياً في العالم الشرقي، وهو ما جعلَ البلدانَ المغزوة تنتجُ نمطاً آخر من الرأسمالية هو نمط الرأسماليات الحكومية الشرقية ثم غدتْ كذلك في أمريكا اللاتينية لأنها كحال الشرق.
إذن كان ظهورُ نمطٍ آخر من الرأسمالية قد جاءَ في الشرق كحمايةٍ قومية وتحررية ضد اكتساح الرأسمالية الغربية للعالم.
وفي حين كان أصلُ الرأسمالية الغربية حركاتٍ اجتماعية خاصة تحررية، فإنها قد وصلتْ للسلطة وصارتْ متحكمة في الحكومات، فاستخدمتْ أدوات القوة الرسمية لفرضِ نفوذِها الاقتصادي على الأمم المتقطعة الأوصال والمتخلفة والضعيفة.
وبهذا فإن الرأسماليات التي ظهرتْ في الشرق في مجتمعات إقطاعية متخلفة وجدتْ نفسَها تلتحمُ بأجهزة الحكم منذ البداية. وفي حين وجدَ النموذجُ الخاصُ الغربي الرأسماليُّ مساحة كبيرة من الزمن لنموه تصل إلى أكثر من خمسة قرون، فإن النموذج الرأسمالي الشرقي أختنق في وقت محدود بين مائة أو خمسين سنة، وتحت ضغط مقاومة للسيطرة الخارجية جعلتهُ يحمي أسواقـَهُ الداخلية بأجهزةِ الدول.
ومن جهةٍ أخرى، فإن الرأسماليات الغربية لم يعد ركود الإنتاج فيها وأزماته إلا فترات مرحلية، يعودُ فيها الإنتاجُ أقوى من السابق، بفضلِ توسع الإسواق المستمر وتطور القوى المنتجة، التي التحمت فيها التطبيقات العلمية وثورتها بأدوات الإنتاج.
ويتعلق ازدهار الأسواق بظروف جديدة جيدة للجمهور في بقاع مختلفة، أما الكساد فهو غياب هذه الظروف، لكن الإنتاج الرأسمالي يشتغل على جانبين إستغلال موارد وتدهور حرف وصناعات، وعلى ازدهار معيشة، وهذان جانبان متناقضان.
وبين إعادة إنتاج الداخل وتنمية الأسواق والقوى العاملة والقوى المنتجة عموماً كانت تحدث توسعاتُ هذه الرأسمالية وتطوراتـُها المتسارعة المتزايدة في التقنيات، في حين وجدتْ الرأسمالية الشرقية الحكومية (ذات النمط المُسمى إشتراكي) نفسها في انقطاع عن السوق العالمية وعن تطور القوى المنتجة الكونية.
وتتراوح عمليات التطور في الرأسماليات الشرقية، ففي بعض التجارب الخاصة كاليابان التي حذت حذو الغرب بشروط البناء الاقتصادي نفسه حدثت تطورات هائلة، في حين أن التجارب الحكومية الرأسمالية العامة المتفوقة كروسيا والصين، واجهت إشكاليات هذا النظام، دون أن تستطع الخروج كلياً من إشكالياته، وضاعت دولٌ أخرى في عمليات تجريبية مشوهة غالباً بدون تجذر كمصر وأغلب دول الشرق عامة.
إن العديدَ من القوانين المكتشفة عن السلعة وقوة العمل والتراكم البدائي وأولوية الصناعة الثقيلة وتحرير الريف والنساء من السيطرة الإقطاعية وغيرها، والتي نتجتْ داخل الرأسمالية الخاصة حيث يلعبُ السوقُ الدورَ المركزي، لن تكون مستوعبة في أغلب تجارب الشرق الحكومية الرأسمالية، حيث لا يلعب السوق الدور المركزي دور ضبط فروع الإنتاج، بل ستكونُ لها تطبيقاتٌ مختلفة ومستويات متباينة في الرأسماليات الحكومية التي غدا فيها جهازُ الدولة هو المخطط وصانعُ الحواجز الاقتصادية والحريات الاقتصادية كيفما تريدُ إدارتـُهُ السياسية، وبهيمنة الأجهزة البيروقراطية في تشكيل المصانع وتحديد قوى العمل وتوزيعها، وفي خلق عمليات التراكم والتجديد الإنتاجي، وتحديد القطاعات الاقتصادية وأولوياتها، حسب وجهة نظر كل دولة، وحسب كل مرحلة من تطور قوى الإنتاج، وكذلك تحديد قوى العمل الفكري الذي يعودُ كذلك لسيطرةِ الدول عبر المدارس والمعاهد، ومدى رفده للعمليات الإنتاجية أو إنقطاعهِ عنها.
وهذا لا ينفصلُ كذلك عن تاريخيةِ المجتمع وطبيعةِ تطوره، ومدى حجم ونوع العلاقات ما قبل الرأسمالية كالعبودية والإقطاع، ومدى عرقلتها أو عدم عرقلتها للتطورات الرأسمالية. وكذلك مدى علاقات التبادل بين هذه الدول والعالم الخارجي، ودور هذا التبادل في تطوير أو عدم تطوير الإنتاج.
ولهذا لا بد أن تـُدرس كل دولة أو كل مجموعة دول في الشرق حسب تجربتها، مقارنة بنموذج التشكيلة الرأسمالية الغربية الحديثة.
إن التشكيلة الرأسمالية الاقتصادية – الاجتماعية الغربية تعبيرٌ يُقصدُ منه تعميم الصفات التي جرتْ في كل دولة غربية لنمو الرأسمالية، فرغم تأخر دول وتقدم أخرى، ورغم تبدل الأنظمة السياسية من نظام جمهوري إلى نظام ملكي إلى سيطرة اليسار في بعض المواقع التاريخية، أو عمليات تبادل الحكم بين الليبراليين – الاشتراكيين الديمقراطيين وبين المحافظين، فإن قوانين التشكيلة العامة تبقى هي نفسها كما حددها ماركس في كتابه رأس المال.
ولكن دول الشرق أُقحمتْ في هذه التشكيلة بدون إرادةٍ منها، فقد كانت منساقة في تواريخها الاجتماعية الخاصة، في تشكيلة تتراوح بين العبودية والإقطاع، في مستويات شديدة التباين، كوجود حتى علاقات مشاعية فيها، أو وجود تجارب إقطاعية ازدهرتْ بعلاقاتٍ بضاعيةٍ كبيرة كالدول العربية الإسلامية والصين، ولكن جميعَ هذه الدول وبغض النظر عن تلك المستويات والتقاليد المختلفة وجدتْ نفسها تـُزجُ في عالمٍ تسيطرُ عليه تلك التشكيلة الرأسمالية الغربية، وهي التي تجعلها كذلك أن لا تصيرَ مثلها، وتمنعَ تطابقـَها معها، بل أن تبقى في تكويناتها العامة ما قبل الرأسمالية الحديثة كي تمدَها بالمواد الخام وتفتح أسواقها لها، أو حتى تعطيها رساميل نقدية.
ورغم أن هذه الصيغة استمرتْ لدى العديد من الدول ارتضتْ لنفسِها دور البقرة الحلوب، مادة خاماً وسوقاً ورساميلَ نقدية موجهة للسيد الغرب، إلا أن دولاً أخرى ثارت أو تمردت بشكل مغامر أو عقلاني مخطط، حسب قدرتها على قراءة التشكيلة الرأسمالية الحديثة بقوانينها المُكـّتشفة، ومدى إستقلال أجهزتها السياسية عن الاقتصاد ما قبل الرأسمالي الخاص، وبهذا فإن أنماطاً عدة من الرأسماليات تكونتْ في تجارب الشرق، بعضها المطابق وبعضها المفارق، وبعضها التجريبي الضائع وبعضها المترنح للوراء بسبب الأبنية الاقتصادية – الاجتماعية شديدة التخلف وأجهزة حكوماته وجنونها السياسي.
وبهذا فإن التشكيلة الرأسمالية الحديثة الغربية وهي تسيطر على العالم الآخر كانت تنقلهُ إلى مستواها بسبب الصراع الذي أثارته، وتظهر منافساتـُها ومصارعاتـُها الرأسماليات الشرقية الخاصة والحكومية، في تكوين بشري رأسمالي تختلط فيه الرأسمالية الخاصة والعامة ويغدو أرفع من الرأسمالية التي وقف عندها كارل ماركس واعتقد أنها الطبعة الوحيدة، فقد ظهرتْ طبعة أخرى ورغم أنها سيئة وأقل جودة من النسخة الأولى، لكنها في مجرى الصراع الاقتصادي تـُحسنُ من النسخةِ المشوهةِ، وتستفيدُ من بعضِ جوانبـِها لتحسن عملية النسخ.
إن الطبعة الوحيدة تـُعّممُ، تغدو عولمية، بمستوياتِها المختلفة المتضادة المتداخلة.
وتحسنُ النسخُ الشرقي للرأسمالية الحديثة يؤججُ الصراعَ كذلك، لأن النسخَ تـُفعل أسواقها وتحولُ المزيدَ من المهمشين والمهمشات إلى عمال، وتخفف من تسلط الدول أو تتحكم فيها كلياً، وتقلل من الاعتماد على العمل البسيط اليدوي وتوسع الاعتماد على العمل التقني وتنتقل تدريجياً للثورة الملعوماتية التقنية الرقمية.
وبهذا يغدو الشرق غرباً، ويغدو العالمُ واحداً، وتصل البشرية إلى إختناق اسواقها بالبضائع، فتبحثُ عن صيغ عيش أخرى.

الخلاصة

قدم كارل ماركس مقاربةً اقتصادية لرأسمالية زمنه، وكشفَ قوانيَن نموها وتطورها لحد نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وجاءت الاحتمالاتُ الكبيرة التي تصورها لرأسمالية زمنه، بأن تدهوراً عميقاً سوف يحل بقوى الإنتاج، نظراً لنزول معدل الربح الوسطي، وبالتالي سيؤدي ذلك أما لتدهور الإنتاج أو لتوسع المصروفات القاصمة لظهر كل منتج، وإنه بالتالي فإن المجتمعات الرأسمالية سوف تشهد ظهور معسكرين لا ثالث لهما، معسكر نخب الأغنياء القليلة الباذخة، ومعسكر البروليتاريا المدقعة في الفقر والمتهيأة للثورة. لقد اكتشف سلسلة من قوانين الإنتاج الرأسمالي التي تمثل ثورة معرفية مثل فائض القيمة، وطرق إعادة الإنتاج الخ.
كانت هذه القراءة العميقة لجذور نمو الرأسمالية تمثلُ معجزةً معرفيةً لرجل واحد مضح، كرسَّ أربعين سنةً من سنواته الأخيرة من أجل القراءة والكتابة في بلد لا ينتمي إليه، وفي عائلة فقيرة وبين كثرة أولاد، لم يعتمد سوى على صديق واحد، ولم تكن له لجان أو مؤسسة دراسات خاصة به.
لكن الرأسمالية الغربية لم تقتصر على جذورها وعلى أوضاعها في القرن التاسع عشر، وراحت تتطور كأسلوبُ إنتاجٍ ديناميكي لم يتوقعه ماركس، وظن إنه سيكون محصوراً في أوربا الغربية وأمريكا النامية بقوة وقتذاك.
إن السوق الضيقة التي توقعها ماركس توسعت كثيراً، وشملت قارات العالم كله، وبهذا فإن الأنظمة الغربية حولتْ العالمَ إلى تابع لها، فما عادت القوانينُ المتعلقة ببنيةٍ اقتصادية ضيقة تشمل غرب أوربا بمماثلة لسوق كونية. وبهذا فإن دورَ الربح الوسطي المتآكلِ والمتدني والمضعفِ لقوى الإنتاج، والذي يعبرُ عن مجتمع واحد لا امتداد متوسع له، والمحكوم بآلية اقتصادية غدت ميكانيكية في رؤية ماركس؛ إن هذا الربح المتراجع تلاشى، وظهرت آفاقٌ لا تحدُ من الأرباح!
لقد توسعت الشركاتُ الغربية، ووجدت عالماً فقيراً تابعاً يمدها بالمواد الخام، وأسواقاً كبرى، ووجدت قوى عمل هائلة في الشرق، بأجورٍ شديدة الانحفاض وهذا هيأ لها الانتقال من عالم الثورة التقنية الميكانيكية إلى عالم الثورة المعلوماتية.
فمن المصانع الكبرى والتلوث وثورة الحديد والفولاذ والمدن المكتظة إلى عالم الأجهزة الدقيقة والكومبيوتر وثورات الفيزياء والكيمياء وتصنيع الزراعة والثورة البيولوجية وغزو الفضاء الخ.
ومن بعد الحرب العالمية الثانية توافقت الرأسماليات الغربية على منظومة واحدة، تجعل الصراع بينها سلمياً، تقنياً، وعبر غزو الأسواق الأخرى وهذا يعني مزيداً من التغيير في السلع والتقنية.
إن رأسمالية كارل ماركس القديمة لم تعد تحكمها قوانين الربح الوسطي وعجز القوى الإنتاجية، لكن تحكمها قوانينُ العالم الواحد الذي صار كتلةً اقتصادية واحدة، متعددةَ المستويات؛ غربٌ غنٌّي مسيطرٌ وشرقٌ ناهض، ذو آفاق في الرأسمالية أكثر توسعاً وتقنية وفتوة وأقل تكلفة من رأسمالية الغرب الكهل.
ظهرت قوانينٌ جديدةٌ للرأسماليات الكونية، رأسماليةٌ غربية حرة قديمة وذات مستوى عريق من التقنية والمستوى المعيشي الجيد ومن السيطرة على البيئة، ورأسماليات شرقية متنوعة تسودُ فيها الحكوماتُ المسيطرة والمتحكمة في الإنتاج والتي تقومُ بالتخطيط وبفتحِ الأسواق معاً، وهذا بسبب تأخر نمو هذه الرأسماليات وبضعف وعي الشعوب وتراثها الاجتماعي المحافظ، مما يجعل الصناعة بأجور شديدة الانخفاض وبدون شروط بيئية كبيرة، وهذا أدى كذلك لنقل صناعات كبيرة إلى الدول ذات النمو المتسارع كالصين والهند وشرق وجنوب آسيا.
فنهضت هذه الرأسماليات الشرقية نهوضاً لا سابق له، بسبب اتساع أسواقها وعوز أهلها وضخامة أعدادهم وكبر ساعات العمل فيها، وجلبها للتقنيات الغربية التي تعبتْ فيها الدولُ الغربية، فحصدتْ مكاسباً من التطور العالمي متنوعةً، وبهذا قامت بغزو أسواق المسيطرين السابقين عليها وانتزعت منهم الأرباح في عقر دارهم.
إنها رأسمالياتٌ كونية متعددة الأقطاب، متنوعة المستويات، وهذا لا يمنع من بقاء التناقض الكبير بين مستويات الغرب والشرق.
فرأسمالياتُ الغرب لديها كذلك عمقها التقني ولشعوبها مستويات حضارية أكبر، وهي لا تزال مسيطرةً على ثروات كبيرة من الشرق، خاصةً من المناطق الضعيفة التطور، والتي لا تزال تقدمُ الموادَ الخام وليس في شعوبها تطور صناعي أو تقدم تقني كبيرين.
ولكن العالم كله تشمله رأسماليات متعددة، مُقادة من الغرب، الذي لم تعد تناقضات كارل ماركس الاجتماعية تجري فيه بتلك الصورة المبسطة، ولكنه لم يخرج من ذلك التناقض المحوري بين البرجوازية والبروليتاريا، وهي برجوازية اصبحت ذات سيطرة عالمية، والبروليتاريا لم تعد البروليتاريا الصناعية المدقعة الفقر، بل تطورت مادياً ومعرفياً، وظهرت بروليتاريا جديدة ذات معرفة تقنية، وانتقل عصبُ قوةِ العمل إلى الدماغ بدلاً من التركيز على اليد كما كان سابقاً، فهي بروليتاريا مثقفة تتطلعُ لمستوى معيشة مرتفع، وتجمع في نضالها بين ورقة الانتخاب والأضرابات الاقتصادية المؤثرة، وآفاق تطور هذه الطبقات العاملة كبير، ليس على مستوى العمل الاقتصادي بل كذلك في دورها السياسي، وفي تغييرها لحياة الاستغلال والثقافة المحافظة، ولا يستبعد في العقود التالية أن تحكم عبر أحزاب ووزارات.
أما البروليتاريا الرثة المدقعة فقراً ذات العمل اليدوي فانتقلت إلى الشرق وأمريكا اللاتينية. إن برجوازيات الغرب تنقل مخلفاتها الصناعية إلى الشرق كما تنقل الوظائف الدنيا في مجتمعاتها، أو تستورد العمالة اليدوية المتدنية، فتصاعد التناقض بين الشرق والغرب وغدا كتناقض كبير يحكم العالم، فغدا سكان العالم الثالث كبروليتاريا عالمية متدنية الأجور وتعيش في أوضاع سيئة وبخدمات رثة، وبدت الفروق بين الأجور والظروف على مستوى العالم مخيفة.
وبدت سيطرة الدول دائم العضوية ودول الشرطي العالمي الغربية كجهاز عسكري يؤبد الفروق بين التكوينين المختلفين ولا يبحث هذه الفروق التناقضية الخطيرة ويحلها.
إن التطور الرأسمالي العاصف خلال القرن الجديد سيكون ذا احتمالات خطيرة، وستظهر رأسمالياتٌ شرقية كبرى تريد أسواقاً وموادا متناقصة باستمرار، ولا يستطيع هذا العالم المكتظ بهذه الرأسماليات المتصارعة إلاستمرار إلا عبر تغييره وتشكيل مجتمعات إشتراكية ديمقراطية تنقله إلى تعاون إنساني أرقى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش الفصل الأول:
(1) : (الإيديولوجية الألمانية: كارل ماركس وفريدريك انجلز، دار دمشق ومن ترجمة فؤاد أيوب).
(2) :السابق ص 65.).
(3): (السابق ص 66 ).
(4) (السابق ، ص 68).
(5): (السابق ص139).
(6):(السابق ، ص 197).
(7)(السابق، ص 72)
(8) :(الإيديولوجية ، السابق، ص 85).
(9) : (السابق ، ص 205).
(10)(بؤس الفلسفة، مكتبة ودار الحياة، بيروت، ص 12).

الفصل الثاني

الرأسماليات الحكومية الشرقية الكبرى

لا بد لنا لكي نفهم طبيعة تكوينات الرأسماليات الحكومية الشرقية من مقارنتها بالرأسمالية الخاصة التي تكون تحت ظروف إستثنائية في الشرق وهي التجربة الرأسمالية اليابانية.

اليابان تجربة الرأسمالية الخاصة
حين نقرأ بعض الحيثيات المفيدة التي يقدمها مؤلفون عرب حول مسار التجربة اليابانية، وخاصة كيفية الانتقال من النظام الاقطاعي إلى النظام الرأسمالي، فإنهم يضعونها في إطار المعجزة، الخارجة عن قوانين الانتقال نحو الرأسمالية في الشرق، لكونهم لا يقرأونها ضمن قوانين الانتقال العامة للرأسمالية الشرقية ذات الخصائص المختلفة عن الرأسمالية الغربية.
لقد قفزت اليابان نحو نمط الرأسمالية الغربية الخاصة، خلافاً للرأسماليات المعرقلة بتدخل الدول الشمولية في الشرق. بل وعلى العكس قامت الطبقة الحاكمة اليابانية بتوجيه قوى الأغنياء نحو تلك الرأسمالية الصناعية الخاصة، وهو جانبٌ سياسيٌّ فريد نشأ بسبب صغر اليابان تجاه الدول الكبرى المحاصرة لها والتي تريد التهامها كالولايات المتحدة وروسيا والصين.
لقد عملت الطبقة الحاكمة التي قلصتْ نفسها إلى أسرة صغيرة حاكمة، مزيلة طبقة الإقطاع الكبيرة وموجهة إياها نحو الاستثمارات التجارية والصناعية.
لكن قيادة الأمبراطور لهذه التحولات لم تكن دفعة واحدة بل جرى تذويب الطبقة الإقطاعية على مراحل:
(أطاحت القوى السياسية بالشوجون (قادة الجيوش) وانتقلت مقاليد السلطة للامبراطور من جديد بعد ان كانت في يد مجموعة من نبلاء البلاط استأثروا بها، نظراً لصغر سن الامبراطور مايجي، وقد كان عليهم باعتبارهم قوة جديدة ان يواجهوا المشكلات الملحة وعلى رأسها الزحف الغربي على بلادهم والفساد المالي، لأن مواجهة الاطماع الاوروبية في اليابان تتطلب قاعدة اقتصادية صلبة، بعد ان بدأت السلطة الحاكمة في اليابان في العمل على تعديل النظام الطبقي بما يتلاءم مع الأوضاع الجديدة، حيث قامت باجراء العديد من التعديلات والقوانين التي تنظم الطبقات، تمهيداً لإلغاء النظام الاقطاعي، وكانت البداية عام 1869 حيث وضعت تصنيفاًَ جديداً للطبقات جعلت بمقتضاه ارستقراطية البلاط وحكام المقاطعات طبقة واحدة باسم النبلاء، وقسمت الساموراي الى مستويين، ساموراي كبار، وساموراي صغار. وفي عام 1870 ادخلت الحكومة تعديلات على أوضاع الطبقة العامة فصار من حقها بمقتضى هذه التعديلات اتخاذ ألقاب عائلية، وسمحت لأبنائها في العام التالي بالتزاوج مع ابناء الطبقة العليا. كما سمحت الحكومة للنبلاء والساموراي بالاشتغال بالزراعة والتجارة والحرف. وفي عام 1872 أعادت الحكومة تقسيم القوى الاجتماعية الى ثلاث طبقات، هي النبلاء، والساموراي و«الهيمين»، والأخيرة تضمنت العامة وصغار الساموراي القدامى والمنبوذين وأصبحت جميع الطبقات بعد ذلك ـ نظرياً ـ أمام القانون سواء، وقد اضطرت الحكومة عام 1872 الى ان تسن قانوناً يجرم الاسترقاق ويحرم الاتجار في الرقيق.)، (1)
كان إبعاد الطبقة الإقطاعية الكبيرة العدد عن الدخول الحكومية هاماً لأجل إبعاد أجهزة الدولة عن التبعية لطبقة من الطبقات، أي أن تكون محايدة بشكلٍ نسبي، بين الطبقتين الكبريين، الطبقة الإقطاعية الآفلة، والطبقة الرأسمالية الصاعدة، فقد أدركَ الأمبراطور إن المستقبل للأخيرة وللصناعة وللحداثة، وهو بحاجةٍ للقوى العاملة الحديثة وللعلوم، ولا بد بالتالي من الانفصال عن إرث الماضي الإقطاعي، ومن جعل الصناعة بؤرة الحياة الاقتصادية، ومن تحرير الفلاحين والنساء، وتشابك ذلك المنحى الاقتصادي بالشعور القومي الاستقلالي، بل والاستعماري التوسعي كذلك، والذي تحول فيما بعد إلى عدوانية خارجية.
ولنلاحظ كيف كانت اليابان مربوطة بوشائج متخلفة مع علاقات الإنتاج القديمة، كالعبودية، وعلاقات اجتماعية متخلفة كثيرة، لكن جهاز الدولة المركزي إستقل عن الطبقات القديمة، وحسم الخيار الحضاري باتجاه مماثلة تقدم الغرب في جوهره، وهو التصنيع الواسع.
(وقد أدى إلغاء النظام الطبقي وتطبيق نظام المعاشات واستبدال نظام سندات حكومية به الى تجريد طبقة الساموراي بشكلٍ كامل من امتيازاتها المادية، ورفع عبئاً كبيراً كانت ميزانية الدولة تتحمله كل عام قامت بتوجيهه للتنمية.)، (2).
إن خلق التراكم البدائي في التجربة اليابانية كان على الطريقة السوفيتية، بأن تـُجلب الفوائض المالية من الطبقات المثقلة بالاستهلاك والبذخ أو الموظفة في الزراعة، وأن تصُبَ في الصناعات الثقيلة والخفيفة. لكن بدون أن تنتقل الثروة المُصادَّرة وعمليات التراكم المختلفة من ضرائب وغيرها، لتشكيل رأسمالية حكومية على الطريقة السوفيتية، بل أن تكون لعمليات التوجيه المركزي نحو المجتمع الرأسمالي من خلال قيادة الأمبراطور!
وهنا فروق كبيرة بين هذه القيادة وما جرى في بعض دول الشرق، فكثيراً ما تـُقارن عملية القيادة اليابانية بمصر في عهد إسماعيل باشا خاصة، كما يقول عارض الكتاب: يتحدث الكتاب في فصله الثالث عن حركة التصنيع ونمو الرأسمالية في اليابان، برصدها في عهد مايجي بشكل يذكرنا بحركة التحديث التي حاول اسماعيل باشا في مصر أن يقودها، وبنفس الاسلوب، حيث لجأ كلٌ منهما للاستدانة من بيوت المال الفرنسية والانجليزية لبناء وتحديث بلاده، وكانت القروض أداة كل منهما لاقامة مشاريعه التي رآها مناسبة لنقل بلاده الى مرحلة التطور والتقدم الصناعي التي تعيش أوروبا في ظلها)، (3).
إن عمليات الاستدانة والتثقف من الغرب والقيام بإجراء تغييرات في الريف لم تكن متماثلة مع نظام إسماعيل، لفارق جوهري هو طبيعة الدولة اليابانية في هذا الوقت التي اختارت التوجه نحو الاندماج في المنظومة الرأسمالية العالمية، وأن تكون منها بل من قياداتها، في حين ظل إسماعيل في دائرة النظام الإقطاعي، وتغدو الاستيرادات المجلوبة من الغرب لديه إستيرادات جزئية، تحديثة فوق جسد متخلف تقليدي.
في حين توجهت الطبقة الحاكمة اليابانية في تلك الأسرة الصغيرة الأمبراطورية إلى إزالة الإقطاع بكل تشكيلته وتداخلاته في الحياة الاقتصادية والدراسية، فجمعت التراكمات المالية لتوسيع الصناعات، وجعلت الأرياف مُلحقة بها، ولهذا كانت ثمة عملية قسوة شديدة موجهة للريف، أدت إلى حدوث ثورة فيه، نظراً لهذا الجلب الحاد لفوائضه من أجل الصناعة البؤرة الكلية التي توجه الدولة المداخيل نحوها.
هذا ما مثلَّ لستالين تجربة هامة سوقها فيما تلى تحت شعار الاشتراكية.
وفي حين انتهى عهد إسماعيل وخلافائه من بعده بتراكم الديون ظهرت الفوائضُ النقدية الكبيرة في اليابان!
إذن مثلت تجربة اليابان تجربة نحت نحو الرأسمالية الخاصة خلافاً لتجارب الشرق حيث تسودُ الرأسماليات الحكومية.
إن تحويلَ القطاع العام إلى قائدٍ سياسي للقطاع الخاص، يتطلب أن لا تـُثقل أجهزة الدولة بالعمليات الاقتصادية الواسعة التي تعيقُ دورَ القيادة السياسية للرأسماليةِ الناميةِ في محيطِ التخلف.
لماذا يجب أن تكون الدولة قيادة سياسية وليست اقتصادية، ولماذا لا يجب أن تأخذ دور أرباب العمل، بل وأن تشجعَ أربابَ العمل على الاستقلال عنها، وأن يفجروا طاقات الصناعات الثقيلة والخفيفة بقيادتها التخطيطية وليست الإدراية؟
لأنها تكون مشغولة بتلك القيادة السياسية ذات المهام الجسيمة الواسعة، فلديها مهمات نقل التجارب العلمية الغربية للمصانع، وتغيير مناهج التعليم لتواكب عمليات التغيير الاقتصادي، ولديها العمليات السياسية الخارجية المختلفة من إنشاء الجيوش والتوسع التجاري الخارجي ومجابهة التدخلات وغيرها.
كذلك فإن تدخل الدولة في تملك المصانع والمؤسسات التجارية وغيرها، يفسد عملية النمو الاقتصادي في مرحلة التشكيل الأولى للعلاقات الرأسمالية، فتغدو العمليات الاقتصادية مربوطة بأجهزةِ الحكم ومصالح الموظفين، وبتدخل الوزارات فيما ليس من إختصصها، وليس هو مجالها، ويضع بين أيديها ثروات هائلة ليس من ملكها، فتتسرب إليها وتضيعها.
ولا تتشكل سوقٌ حديثة تقومُ بتطوير البضائع، بل يحدثُ توجيهٌ بيروقراطي من أعلى، يجمد نمو العلاقات الاقتصادية في مخططات بيروقراطية وعمليات فساد واسعة. وفي مثل هذه المراحل التكوينية ليس سوى السوق يلعبُ دور المطور للسلع.
وتتكفل القيادة السياسية من قبل الدولة اليابانية في فرش الأرضية لنمو القطاعات الخاصة والثورة العلمية والتقنية في مجالي الصناعة الثقيلة والخفيفة على التوالي والتداخل في مرحل لاحقة.
كذلك فإن هذا يرتبط بعمليات الحريات في مختلف أشكال الوعي وأشكال الحياة، فالجامعات ومؤسسات البحث العلمي تكون حرة، غير موجهة بخطة حكومية لإعاقة العقول عن البحث المستقل كما تفعل المؤسسات العلمية العربية، ثم يغدو الصراع الطبقي محكوماً بمؤسسات دستورية، لا تجعل العمال مجمدين بدون تطور في مختلف جوانب حياتهم، بل يتابعون تطور الصناعات ويطورن أواضعهم المادية والعلمية.
تقومُ الرأسمالياتُ الحكومية الشرقية بتوجيه التطور الاقتصادي نحو أهداف سياسية واقتصادية مسبقة، بما فيها من صواب وأخطاء، وبما يفهمه رجالها من معرفة اقتصادية، نظرية، وهو أمرٌ مضادٌ لتشكل الأسواق الحرة، وبُنية الرأسمالية الحديثة.
فلم تقم النخبة السياسية المسيطرة في اليابان بفكرة الأخذ الجزئي من الحضارة الغربية، بالاستيراد الانتقائي لأجزاء من تلك البنية الحديثة الصناعية – السياسية – العلمية، فقد درستها وطبقت هيكلها الأساسي على المجتمع، ولم تقل سوف آخذ التقنية وأتوجه للصناعات الخفيفة أو الاستخراجية حتى لا أرهق الأجيال، بل توجهت للصناعات الثقيلة بشكل أساسي لترافقها وتليها بعدئذ الصناعات الخفيفة، وكذلك لم تفصل بين مستويات البنية هذه؛ مستواها السياسي الديمقراطي، وكذلك مستواها الثقافي العلمي التقني بصورة خاصة، لأنه هو المرتبط بالصناعة، أما مسائل الفلسفة والأدب والفنون فهي تـُنتج من خلال الوعي الوطني.
إن نمو الرأسمالية الخاصة اليابانية جرى من خلال السوق، وليس من خلال هيمنة الدول، وهذا أدى إلى حراك رؤوس الأموال باتجاه القطاعات المربحة والمفيدة للتطور الاقتصادي الوطني، وهذا أدى لتطور قوى الإنتاج والعلوم مع تطور السوق.
وقد شجعت الحكومة البيوتات المالية لتتحول إلى شركات كبرى وليس أن تحجم دور تلك البيوتات وتأخذ مكانها، وهو أمرٌ أدى إلى فوضوية السوق وتآكل الفوائض الاقتصادية في أجهزة الدول، وإلى هروب رؤوس الأموال وتشوه البنية.
هذا لا ينفي جملة من التناقضات كأي اقتصاد رأسمالي خاص، فطبيعة التوجهات الحكومية اليابانية التي أشرفت على تصنيع البنية الرأسمالية الحداثية في الأرض اليابانية، قامت بالإسراع بها، تجنباً للسيطرات الأجنبية وخاصة الغربية منها، وكذلك للحصول على المستعمرات والمواد الخام بأسعار رخيصة، وهذا ما أدى إلى سلسلة من التدخلات اليابانية وإنشاء المستعمرات، مما كان له أثر سلبي على طبيعة هذه الرأسمالية التي غدت عسكرية توسعية فجّرت نفسها للحروب وللمحور الفاشي، وكان آخرها الحرب العالمية الثانية التي انتهت بمأساة كبرى على اليابان.
وأعطت التجربة اليابانية حراكاً لدول جنوب وجنوب شرق آسيا التي حذت حذوها فغدت الرأسمالية الخاصة الصناعية أساساً لتقدم نصف قارة آسيا.
إن أساسيات التحديث الغربي تم وضعه هناك، والمبني على الوعي العقلاني العلماني الديمقراطي، وعلى الحريات المختلفة، وتشكلت دساتير ومؤسسات على هذا الأساس، مما وسع بشكل هائل من قدرات المنطقة.
لا ينفي هذا صراع العمال والقوى الشعبية ضد هذه الرأسمالية الخاصة، بل هي قوى مشاركة في مثل هذا البناء، ويمكن أن تصل للسلطة من خلال الأدوات التي وفرتها المؤسسات، لكن لتطرح برنامجاً تطويرياً للاقتصاد لكن من وجهة نظر العمال، أي يتواصل النمو الاقتصادي ذاته الخاص من خلال مصالح المنتجين.
في حين أن الرأسماليات الحكومية تطرح أنظمة شمولية، ولهذا ترفض العلمانية والديمقراطية، ويمكن أن تتحدث بأسم العمال والفقراء، لكن بدون منظماتهم الخاصة المستقلة.
في الرأسمالية الخاصة على قرار النموذج الياباني يحدث نمو التراكم الاقتصادي داخل عمليات الإنتاج، ورغم تقسيم الفوائض الذي يقرره المالكون لا العاملون فإن العاملين يناضلون لأعادة تقسيم هذا الفائض باستمرار.

الرأسمالية الحكومية الروسية

عاشت روسيا خلال القرن التاسع عشر مواجهة مستمرة مع الغرب المتفوق عنها، والغرب المقصود هنا أوربا الغربية وأمريكا الشمالية، وقد نتج التحدي بسبب الطفرة التي قام بها الغرب، من التخلف حتى الصناعة الحديثة، وما استتبع ذلك من تبدل كبير للمجتمعات، ومن انتشار لثقافتها، ومن إستيلائها على مستعمرات كبيرة زادت من تطورها ومكانتها على الصعيد العالمي، بل وجاء هذا الغرب غازياً على خيول نابليون ومدافعه، في حين كانت روسيا تعيش في مرحلتي العبودية والإقطاع المتداخلتين، ففي الوقت الذي كان تنتشر في الغرب الديمقراطية والحداثة، كانت روسيا تناقش تحرير العبيد! كانت أغلبية الفلاحين وهم أغلبية الروس كذلك، مسترقين في قرى شديدة التخلف.

فكانت روسيا تصحو من مجتمع الرقيق على رؤية أكثر العلاقات تطوراً في العالم وقتذاك، وأدى ثقلها السكاني الكبير ومستعمراتها الأكثر تخلفاً منها، إلى إشكاليات في التطور الروسي إلى حد الانفصام، فهي حاضرة في أكبر الأحداث الغربية كهزيمة نابليون ووقف إصلاحات الثورة الفرنسية وراحت تقود المد الرجعي في أوربا وهي في نفس الوقت تتطلع إلى تجاوز أوربا ولعب دور قيادي آخر للإنسانية!
فكانت هناك أفكار وتيارات تنادي بتجاوز الرأسمالية، سواء بشكل أدباء كتولتسوي وديستوفسكي أم بتيارات كالشعبيين والاشتراكيين الثوريين وتنادي بالحفاظ على الإرث المشاعي الذي لا يزال قائماً في بعض المناطق والعلاقات، وهو الأمر الغامض الذي تغلغل في حزب البلاشفة في آخر الأمر، رغم أن حزب البلاشفة قام على الصراع ضد هذه الأفكار أساساً، ونادي بضرورة الدخول العميق في الرأسمالية! ويمكن الرجوع هنا لكتب لينين المتصدي الكبير لأفكار الشعبيين وخاصة في كتاب(تطور الرأسمالية في روسيا).
وحاول بعض القياصرة المصلحين سد الهوة الهائلة بين روسيا والغرب، عبر نقل العاصمة بقرب القارة الأوربية، وبخلق إنفتاح اقتصادي وبقبول المؤثرات الثقافية الفرنسية والألمانية.
لكن ضخامة روسيا ومستعمراتها و تجذر الاقتصاد الإقطاعي وضعف نمو الرأسمالية داخل هذا المجتمع ضعيف التطور الصناعي، جعل من حل تناقضات التخلف الرهيبة مسألة تحتاج لقرون.
كيف تبدل حزب البلاشفة من التصدي للشعبيين والاشتراكيين الثوريين، الرافضين للتطور الرأسمالي، والمنادين بالإبقاء على الجماعية وضرورة تأميم الأرض، إلى أن يتقبل مثل هذه الأفكار؟!
لماذا لم يواصل تأييد التطور الرأسمالي الديمقراطي العلماني والمتدرج؟
فبين الحملات الفكرية ضد أولئك الخصوم (غير العلميين) و(الفوضويين) على حد التعابير البلشفية وقتذاك، إلى تقبل أطروحاتهم ومركستها بصورة عسكرية، لم يمض سوى عقدان.
هل حدثت تغييرات رأسمالية هائلة تستوجب تجاوزها نحو الاشتراكية؟
لم يحدث شيءٌ من هذا القبيل، ولكن حدثت تطورات سياسية كبرى، فقد توسع الاستعمار الغربي، وراحت دوله الكبرى تستحوذ على أقطار الدنيا كلها، وتقوم حروب بينها، وخاصة المجزرة الهائلة، الحرب العالمية الأولى، بل وراحت تتغلغل في روسيا نفسها عبر شركاتها، مهددة ببلع مستعمراتها.
ولم تؤد دعوات لينين بتشكل معارضة قوية ضد الحرب دورها، وانحاز الاشتراكيون الديمقراطيون في كل بلد إلى بلدهم، وأعلن لينين الانفصال عنهم، ونعتهم بأنهم اصبحوا منحازين لبرجوازيات بلدانهم.
في هذه الفترة يمكن رؤية لينين(القومي)، المتواري، الغائر في الثقافة الشعبوية الاشتراكية المنعوتة سابقاً بالتخلف، وهذا التبدل الكبير بين تأييد التطور الديمقراطي للرأسمالية ورفض هذا التطور والقفز عنه، هوة كبيرة.
تم سد هذه الهوة المفاجئة الغريبة بمجموعة من المقولات، أهمها أن(روسيا تمثل الحلقة الرأسمالية الضعيفة التي يمكن كسرها والقفز بها للاشتراكية)، وبظهور الاستعمار الذي هو أعلى مراحل الرأسمالية، مما يعني في هذه المقولة الأخيرة بأن الرأسمالية غدت كونية، وإنه لا داعي لانتشارها الكلي في البلدان المتخلفة.
وكل هذه المقولات تقوم على هواجس قومية بورجوازية لدى لينين، فروسيا أمنا تواجه خطر السيطرة الأجنبية، ولا بد من الحفاظ عليها وعلى مستعمراتها، يغدو لينين هنا رجل التحرر الوطني، الذي سوف يجابه عملية استعباد روسيا، وينقذها بالتوجه الشعبي التحرري التقدمي.
لقد سقطت الأممية الثانية التي كانت ترفع راية الاشتراكية الديمقراطية في رأيه، رغم أنها لم تسقط حقيقة، وسقطت الماركسية المنتجة في الغرب كما يتصور.
هنا مفترق طريق كبير بين الشرق المتخلف الإقطاعي، والرأسمالية الغربية، فالشرق يريد النهضة، والغرب الاستعماري يريد السيطرة عليه، الشرق يبحث عن طرق جديدة للتطور مغايرة للغرب، الذي وصل إلى ذروة التطور الاقتصادي ويريد منع الآخرين من التطور والاستقلال!
قاد لينين عملية إقامة الرأسمالية الحكومية الروسية. لينين هنا أقرب لقائد تحرري شرقي، انزلق تدريجياً من ثقافة الغرب الماركسية الديمقراطية إلى منتوج فكري خليط، يجمع أفكاراً ماركسية إلى أفكار الشعبيين والاشتراكيين الثوريين الروس.
من الماركسية أبقى على بعض المنهجية في معالجة قضايا الغرب، وتجاه الأم روسيا تخلى عن هذه الماركسية، وراح يركب المقولات التي تلائم نهضتها التسريعية وهيكلها السياسي البيروقراطي القومي.
من الماركسية أخذ ضرورة تطبيق الاشتراكية ولكنه جعله في بلد لا يمتلك التجربة الصناعية الكبيرة ولا السكان العمال، وجلب فكرة كارل ماركس بشأن(دكتاتورية البروليتاريا) باعتبارها نظاماً شمولياً وليس فترة إستثنائية لأي دولة شعبية ديمقراطية تواجه نظاماً قديماً شرساً كما رآها ماركس في مذابح كومونة باريس سنة 1870.
إن العودة للنظام الاستبدادي الشرقي هي مسألة شاملة للحركات والأنظمة في الشرق بعد فترة من جلبها أفكاراً ديمقراطية من الغرب، فالبناءُ الشرقي الاستبدادي هو الذي يحددُ تطورَ الأفكار المجلوبة.
إن مصطلح(السوفييت) نشأ من خلال ثورة الجماهير نفسها، وهي تقومُ بخلقِ مجالس شعبية مُنتخبة، تمثيلية للعمال والبحارة، وهذه المجالسُ تكونتْ بفعلِ نضالِ الناس أنفسهم، وصارتْ جهازَ حكم، ديمقراطياً، وكان شعار(كل السلطة للسوفيت)، يعني جعل الحكم في يد هؤلاء الناس، ولو إنه هذا الشكل الانتخابي استمر طوال الفترة اللاحقة لأمكن للقوى الشعبية أن تحد من سلطة الجهاز التنفيذي وتضع حد لتجازوات شرطته السرية خاصة، لكنه تم القضاء على إستقلال السوفيتات، لتـُدمج في النهاية في السلطة التنفيذية. ترافق تحويل السوفيتات لجهاز تابع للسلطة التنفيذية بالقضاء على الأحزاب والصحافة الحرة، وبهذا فقدت الثورة زخمها الشعبي الحر وعيونها المفتوحة.
إن(السوفيتات) تعبيرٌ عن الجهد الخلاق للجمهور وعقليته الديمقراطية، وعَبْرَ كفاحِها ضد القوى المناوئة تمكنتْ من خلق سلطة شعبية مُنتخبة، وغدا (رأسمال الدولة) في ملكيتها العامة، وهذه الفترة تعبر عن الثورة الشعبية التي فجرها البلاشفة، لكنهم لم يتركوها مستقلة، مُراقِبة للسلطة التنفيذية، وأن تجري إنتخاباتها بشكل حر ودوري.
إن أبرز مواقع السلطة التنفيذية كان الجيش الذي بُني من صفر إلى أن وصل إلى ستة ملايين جندي، ثم جهاز المخابرات، فراحت هذه الأجهزة تمثل الهيكل الحقيقي للحكم.
فالرأسمالية الحكومية إذن تشكلتْ والمالكُ الحقيقي (قوى العاملين) يُبعد عن ملكيتهِ، وكان جهدُ هذه القوى في بناء المصانع وتشغيلها ومراكمة الفوائض المالية هو المؤسسُ للصناعة وتطوراتها، لقد كان العمالُ المالكين الرسميين الشكليين لقوى الإنتاج في أغلبيتها، لكن المالكين الحقيقيين كان الموظفون. كانت البيروقراطية هي التي تدير قوى الإنتاج هذه، وتقرر كيفية نموها وإعادة إنتاجها، وكمية توزيع الفوائض والتخطيط لمؤسسات أخرى والعلاقة بينها وبين التعليم والمرافق العامة كلها.
ومثلما يحدثُ في أي ملكية عامة شرقية يبدو الناس هم أصحابها، لكن الملكية الحقيقية تعود للإدارة، وكلما ازدادَ نمو الفوائض وازدهر الإنتاجُ تشبثتْ هذه الإدارة بالملكية.
علينا أن نقرأ شعار(الاشتراكية في بلد واحد) بكونه شعار(الرأسمالية الحكومية في بلد واحد).
لماذا لم يطرح هذا الشعار الأخير بدلاً من كل هذه المناورة الكبيرة؟
لقد كانت شعارات الاشتراكية هي مولدة الزخم والتضحيات الجسيمة لدى الجماهير، فهي مصدقة بأنه في خاتمة جهودها ثمة واحة خضراء تهون في سبلها كل التضحيات، ولهذا فإن حماسَها مشروع، خاصة أن صانعي المشروع يعيشون في مستوى عيشها، في بداية الأمر، ويقومون بنفس تضحيتها، ويصبحُ المشروعُ دينياً ككل المشروعات السياسية في الشرق، فهنا تضحية وهناك جنة، ولكن الجنة أرضية هنا.
إن الإدارة الصارمة العسكرية البوليسية الزاهدة تستنفر معجزات العمل الجماهيري، والذي يقوم بالخوارق العملية حقاً، ففي بضع عقود قليلة يتم إنجاز بناء قوى الإنتاج الكبرى في الصناعات الحديثة. بناء مصانع تنتج وسائل الإنتاج استغرق في الغرب عدة قرون!
هذه الملحمة لا تخلو من أخطاء جسيمة تعبر عن إدخال العسكرة والأرهاب في الاقتصاد، كفرض التعاونيات بالقوة والتأميمات الكلية.
إن رأس المال العام غدا رمزياً من صنع وملكية العمال، لكنه خرج عن هذه الملكية، وانفصل عن هذا الجمهور، فالسوفيتات لم تعد مالكة حقيقية، ولم تعد مراقبة بجدية المُلكية والسلطة والحزب التي اصبحت كتلة واحدة، تقاطر عليها الانتهازيون والاستغلاليون، كما نقول أرى الناس قد ذهبوا لمن عنده الإنتاج والأرباح، ولم تملك أدوات المحاسبة من خلال برلمان حر، ولو إنها فعلت ذلك لكان قد خففت من نتائج الشمولية.
كان لينين مؤسساً لهذه الدكتاتورية، وكان لا بد لفكرة القفزة نحو الاشتراكية أن تصادر أدوات الديمقراطية (البرجوازية)، وهي ثقافة إنسانية واسعة وعميقة من عقلانية ومراعاة حقوق الإنسان، وتعددية حزبية وتعددية داخل الحزب نفسه، وإذا كانت البرجوازية قد ساهمت بها وقادتها في لحظة تاريخية وتخلت عنها في فترات كثيرة، لكنها ثقافة إنسانية من صنع العاملين، ومن دونها تزول الثورة والاشتراكية وكل ذلك، ويظهر الأمبراطور الشرقي في شخصي لينين وستالين، لكن هذا الأمبراطور فقير ومضح!
لقد أثارت التجربة السوفيتية قيادات اليسار في ذلك الحين ومنهم كاوتسكي وروزا لكسمبرغ:
(السيدة روزا لكسمبورغ تقول أن ” نظرية لينين في الدكتاتورية تفترض أن الإشتراكية إنما هي صيغة معدة سلفاً وهي في جيب الحزب الثوري، وجماهير الشعب بأكملها يتحتم أن تأخذ دوراً في ذلك وإلا فإن تحقيق الإشتراكية سيجري بمراسيم تصدر عن دزينة من المنظرين خلف مكاتبهم “، (4).
وتقول أيضاً ؛ (إن التحقيق العملي للنظام الاشتراكي بشكله الاقتصادي والاجتماعي والقضائي إنما هو مسألة غائمة).
بطبيعة الحال كانت هذه الانتقادات تصدر من اليسار الغربي المعجون في عالم الديمقراطية لكن الأمر ينمو بشكل آخر في الشرق.
بدأت الرأسمالية الحكومية بشكلها السوفيتي كنهاية لتاريخ الإستغلال السابق وملحقاته من الأديان والدكتاتوريات واللاعقلانية، والتحمت بأحلام الاشتراكية القاضية على الطبقات وصراعاتها، ومؤدية لعالم بلا طبقات.
إن الرأسمال الشعبي الذي صنعهُ الناسُ بتضحياتهم، لا يزول كلياً حتى في أسوأ لحظات الارتداد، فهو قنطرة غير مباشرة لاشتراكية الحلم تلك، ولكنه في الواقع الراهن الزائل كذلك، قنطرة للرأسمالية الخاصة.
انفصلَّ رأسُ المالِ عن مالكيه لغياب الديمقراطية، وتحولَّ لمالكيهِ الحقيقيين بحكم قبض اليد وهم البيروقراطيون الحكوميون بكلِ تنوعِهم ومراتبهم العليا المتحكمة في مفاتيح الإنتاج.
حين تغدو البيروقراطية حاكمة فإنها تجمد أي نظرية عن الغنى والجدل مع الواقع، سواء على مستوى الرقابة والتشريع، أو على مستوى العلوم الاجتماعية.
وكما تخبو المجالس المنتخبة وتموتُ انتقاداتـُها ورقابتها الصارمة كذلك تفلس النظرية الحكومية، وتغدو الماركسية هنا أداة تبرير لا تحليل، والعمالُ الذين تصوروا الاشتراكية جنة أرضية يصنعونها بدمائهم وعرقهم، يجدون نفس الإدارات الاستغلالية، ونفس الهيئات الكهنوتية، فينفصلون عن النظرية المقولبة كما ينفصلون عن الملكية العامة (المسروقة).
لا يعودون يضحون أو يطورون مهاراتهم، فينتقلون لمستويات أرقى في الإنتاج، بل إنهم يغتربون عن الإنتاج الذي صنعوهُ وصار يسيطر عليهم ويستغلهم، وبينما كانت الماركسية أداة محاربة الاستغلال والاغتراب تغدو أداتهما، فيعود العمال للدين، بعد فشل الجنة الأرضية وتحولها لجحيم!
بعد أن قامتْ الرأسمالية الحكومية الروسية بخلق القواعد الصناعية الكبرى، ومؤسساتِ الطاقةِ العملاقة، وطرق النقل، وقفزت بالثقافة الجماهيرية قفزات هائلة، وكانت أساس هزيمة الغزاة الألمان الذين دمروا الغرب الديمقراطي، ونشرت نموذج التحرر من الاستعمار في العالم، عجزت عن التطور، خاصة بنقل قوى الإنتاج إلى مستوى آخر، فتجمدت سلعها التقنية.
مهماتٌ خارقة في الواقع، تمت بتضحيات أسطورية، وكان لا بد من فك الأغلال السياسية عن قوى الإنتاج، وتمظهر ذلك بنقد تجربة الدكتاتورية عبر خروتشوف، الذي فهم عجز (الاشتراكية) عن التطور بسبب عنف ستالين وجبروته، لكن البيروقراطية عادت وأمسكت السلطة كلية، ثم بدأ الإصلاحيون من داخل الحزب بتفجير الموقف بدلاً من المراجعة الطويلة الدقيقة للأزمة.

رأسمالية الدولة

يقدم لنا (توني كليف) قراءة إقتصادية سياسية عميقة في البناء السوفيتي:

(الرأسمالية بصفة عامة – ورأسمالية الدولة البيروقراطية بصفة خاصة تعنى بخفض النفقات ورفع الكفاءة وليس تلبية الحاجات الإنسانية. إن عقلانيتها ليست عقلانية بالأساس، حيث أنها تغربُ العاملَ، محولةً إياه إلى “شيء”، إلى موضوع متحكم فيه، بدلا من ذات تشكل حياتها وفقا لرغباتها. لهذا السبب يعمد العمال إلى تخريب الإنتاج.
وكما في الزراعة، سعى ورثة ستالين للتعامل مع هذه المشكلة في الصناعة بواسطة الجزرة، ووجدوا أنهم لا ينجحون هكذا، وعادوا جزئيا على الأقل للعصا.
إن إغلاق معسكرات العمل العملاقة بعد وفاة ستالين، قد تلاه إبطال للقوانين التي جعلت العمال عرضة للعقوبات القانونية عند غيابهم أو تأخرهم عن العمل. يقارن كليف هذه التغييرات بما حدث خلال تطور الرأسمالية الغربية: في المراحل الأولى للثورة الصناعية استخدمت كافة أنواع الإكراه “قوانين التشرد، نظام ملاجئ الفقراء” لإجبار الناس على قبول نظام الانضباط في المصنع، ولكن متى صار للنظام الرأسمالي الجديد جذور فان أنواع الإكراه هذه بدأت تعطل إنتاجية العمل، وإستبدلت بأشكال إكراه ذات طابع اقتصادي صرف.
ولكن كانت هناك قيود صارمة على حجم الجزرة التي كان بالإمكان استخدامها لتحفيز العمال لرفع الإنتاجية. في عام 1953 / 1954 وعد أول رئيس وزراء بعد ستالين، مالينكوف، بإنتاج أكبر للسلع الاستهلاكية على حساب وسائل الإنتاج. إلا أن فترة شهر العسل للصناعة الخفيفة لم تدُم طويلاً، ففي إطار التنافس الاقتصادي، والعسكري العالمي، لا يمكن تجنب إخضاع الاستهلاك للتراكم. وما أن حل خريف عام 1954 حتى شنت هجمة، قادها خروتشوف وبولجانين (وزير الدفاع وقتها) وشيبيلوف، ضد “تدليل المستهلكين”، ودعت للعودة إلى المزيد من التركيز على الصناعة الثقيلة. في يناير 1955 أعلن خروتشوف أن:
المهمة الأكثر أهمية، والتي يكرس الحزب كافة جهوده لإنجازها كانت وتظل، تقوية الدولة السوفيتية، وبالتالي الإسراع بتطوير الصناعة الثقيلة.
بعد ذلك بأسبوعين أجبر مالينكوف على الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء. أما نصيب الصناعات الخفيفة والصناعات الغذائية في الاستثمار الصناعي للدولة، والذي تراوح بين 16 و17% في الخطط الخمسية للثلاثينيات، و 3ر12% في النصف الثاني من الأربعينات، فقد انخفض لأقل من ذلك في الخمسينات وأوائل الستينات إلى حوالي 9%.
بدون أي حل للأزمة الزراعية وبدون أية زيادة في الاستثمار في صناعات السلع الاستهلاكية، كان هناك حد للارتفاع الممكن في مستويات معيشة العمال خلال سنوات خروتشوف. وبحلول 1963:
بشكل مطلق، تحسن إنتاج السلع الاستهلاكية. ومع ذلك، فإجمالاً لم تصل النتائج في حالات كثيرة حتى إلى أهداف الخطة الخمسية الأولى فيما يتعلق بنصيب الفرد من الإنتاج، على الرغم من كل التغييرات، إلا أن مستويات المعيشة في روسيا ما زالت أقل كثيراً منها في أوروبا الغربية وأعلى قليلاً فقط منها في روسيا في عام 1928 (قبل عهد الخطط).
هكذا فعلى الرغم من أن الأوضاع كانت أفضل كثيرا بالنسبة للعمال في نهاية فترة خروتشوف، مما كانت عليه في ظل ستالين (يذكر أن مستوى معيشتهم كان قد انخفض في منتصف الثلاثينات إلى حوالي ثلاثة أخماس ما كان عليه في عام 1928)، فان التحسينات لم تكن بأي حال كافية لكي تحدث زيادات هائلة في إنتاجية العمل. هكذا ختم كليف فصله عن العامل الروسي:
إحدى الهموم الرئيسية للقادة الروس اليوم هي كيفية تنمية إنتاجية العامل. لم يسبق أن كان موقف عمالهم بهذه الأهمية بالنسبة للمجتمع.
فمن خلال جهدهم في تحويل العامل إلى ترس في آلة بيروقراطية، يقتلون فيه ما هم في أشد الحاجة إليه، الإنتاجية والقدرة الإبداعية. الاستغلال المرشد والصارم يخلق عقبة رهيبة أمام ارتفاع إنتاجية العمل.)،
يقدم توني قراءة تحليلية من الداخل للبنية الاقتصادية- الاجتماعية، عبر رؤية هيمنة الإدارة المركزية على نشاط العمال، ويبين تناقض الخطط مع مستوى الإمكانيات، ويشير أن خطط خروتشوف فشلت وجاء عهد الركود البريجينفي الذي لم يقدم جهود تغيير.
وعبر فسيفساء النظام المتطاير وتكسير الحوائط وتدمير الروابط السياسية بين القوميات وحرق الحدود، عادت روسيا لتكون الأمة المستقلة وهي التي اعتقلتْ كلَ الأمم حولها وقادتها في تجربة نارية كونية!
كان تفكيك الاتحادات وتغيير المسار السياسي يستهدف من البيروقراطية المتغيرة الآن العودة للرأسمالية وقوانين سلعها، وتبديل طوابع قوى العمل، وتوسيع قوى العمل الذهني بدلاً من سيادة قوة العمل البروليتارية. إن ذلك كان يصدر من مفاتيح السلطة في المخابرات والجيش، التي وجدت في يلستين أداة التحطيم المناسبة وإلغاء التضحيات المالية الاشتراكية الهائلة، للعمالة وللشعوب في الخارج وللمعسكر الاشتراكي، وكان عجز جورباتشوف نموذجاً لعدم تطور الماركسية داخل الحزب، وغياب التحام النظرية بالجمهور وطليعتهُ الجديدة عمالُ التقنيات والصناعات الحديثة، وغياب الديمقراطية الحزبية والسياسية العامة.
ولهذا فإن تفجيرات قد حدثت وليس إعادة بناء طويلة وديمقراطية متدرجة، ومثل يلستين هجوم البيروقراطيين الفاسدين ورجال الأعمال، وكان ذلك لا بد أن يكون شعبياً مؤثراً بسبب تلك المتحجرات الدكتاتورية خلال عقود، وإغلاق العقول والإنتاج عن التطور، ومصادرة الحريات، فكانت القوى البيروقراطية في تحولها نحو الرأسمالية الخاصة تستند على تراث طويل من الأخطاء هي التي صنعته، وتهاجم تلك الإدارات المتعسفة في الزمن السابق وهي امتدادها وثمرتها.
إن نشاط الرأسمالية الحكومية الروسية خلال سبعين سنة سابقة كان يجري تحت بند إزالة الطبقات والإستغلال، وهي أمور لا تتشكل بسبب تغيير الإقطاع وإحلال رأسمالية حكومية، خاصة أن الرأسمالية الحكومية هي شكلٌ متخلفٌ من الرأسمالية الحديثة! فهي رأسمالية تقوم على العنف الإداري، والعنف يشكل مؤسسات كبرى، لكن التطوير الداخلي التقني العميق خاصة للقوى العمالية أبرز أدوات الإنتاج، لا يمكن أن تشكله.
لكن الرأسمالية الخاصة التي أُقيمت كانت كذلك بتجريبية مدمرة، يقول الخبير الروسي الاقتصادي (ستانليسلاف مينشكوف) :
إن(إصلاحيي فترة ما بعد الحقبة السوفييتية انتهجوا العقيدة الكلاسيكية الغربية الجديدة، والتي تقوم على فكرة أنه لكي يعاد هيكلة النظام الاقتصادي الاشتراكي على شكل اقتصاد رأسمالي فإنه يكفي الاستعاضة عن ملكية الدولة بالملكية الخاصة، مع إطلاق قوى السوق على هواها، ولكن التطبيق العشوائي لاقتصاد السوق بعد سنوات طويلة من الأخذ بالاقتصاد الموجه، جعل التحول إلى الرأسمالية أمراً محفوفا بالمخاطر، وتسبب في تضحيات اقتصادية واجتماعية جسيمة، تجسدت على شكلِ تردٍ حاد في الأوضاع المعيشية بالنسبة لمعظم أفراد الطبقة العاملة والمتوسطة الروسية.)، (5).
(من كتابه تشريح الرأسمالية الروسية).
إن نسب الأرباح الهائلة للشركات الروسية أعلى من نظيرتها الغربية، فشركة يوكوس(بلغت أرباحها في عام 2003 نحو 36 % من قيمة مبيعاتها الإجمالية، في حين تصل الشركات الأمريكية إلى 10%)، (6).
وإستناداً على ملكية عامة هائلة اصبحت مرتكزاً للشركات الخاصة، حيث غدا النظام الضريبي وسيلة لإعطاء المال للأغنياء من جيوب الفقراء، فصار نشؤ الرأسمالية بشكلها الخاص الرهيب هذا نتاج التحكم العتيق الطويل للرأسمالية الحكومية.

الأجور والسلطة الحكومية الرأسمالية

رغم تباين مسيرتي الرأسماليات الغربية الخاصة والرأسماليات الحكومية، إلا أن للرأسمالية عموماً طابعاً متماثلاً مهما كان طابعها الاجتماعي المتلون بين هذا البلد أو ذاك، بين هذه المنظومة الغربية الرأسمالية ، الخاصة أو تلك الحكومية الشرقية (الاشتراكية؟).

فللرأسمالية عموماً صفات جوهرية فهناك مالك وعمال وأجور، وتشكيل قيمة لأي سلعة، وإنتاج فائض قيمة، وتحول قوة العمل إلى سلعة، ووجود فترة أولية تـُسمى التراكم البدائي، حيث تـُحضر رساميلٌ ومدخراتٌ لتشكيل صناعات كبرى، يسودُ فيها تخفيض الأجور، ومعروف ما كتبهُ كارل ماركس عنها في الجزء الأول من كتابه رأس المال، كذلك معروفٌ ما كتبه عن الرأسماليات الخاصة الغربية في بدء تشكلها من تطويل ليوم العمل إلى 16 ساعة وأكثر، ومن إستخدام للنساء والأطفال بشروط مجحفة إلى آخر ذلك من ظاهرات قام بدرسها طوال عقود.
كذلك فإن من ظاهرات التشكل الأولي للرأسمالية التركيز على الصناعات الثقيلة ثم نشر المكننة في كل فروع الإنتاج، ثم يأتي التتويج لذلك في مكننة الزراعة.
لكن ما لم يُبحث هو كيفية تشكل الرأسماليات الحكومية الشرقية، وهل استطاعت أن تخرقَ تلك القوانين لتشكيل الرأسمالية الغربية وأن تتجاوزها في تكوين مغاير؟
لقد أهيلت الكثير من المصطلحات والدعايات حول هذه التجارب الشرقية، ولكننا سنرى إنها لم تختلف عن تكوين الرأسمالية الغربية الخاصة، لكن بأشكال مختلفة، وفي ظروف أخرى، اتسمت بالتسريع.
إن الطابعَ السياسي الحكومي المُضفى على الملكية الرأسمالية لا يستطيع إختراق أو تغيير قوانين القيمة وفائض القيمة، بل يؤدي إضفاء الطابع السياسي إلى مشكلات اقتصادية وسياسية على المستوى البعيد، تقومُ بعدها قوانينُ الاقتصاد الرأسمالي بالظهور وبكسر الغلاف السياسي الزائف الذي وُضع فوقها.
إن الدولة تضفي على هذا الإنتاج طابعاً إيديولوجياً بالقول إنه وطني أو قومي أو إشتراكي، لكن هذا لا يضيفُ شيئاً اقتصادياً للسلعة المُنتــّجة.
ويُقصد بالطابع الإيديولوجي عادة خلق حماس لدى المنتحين للتخلي عن بعضٍ من أجورهم، وإعطائها للإدارة، وغالباً ما يتخلى العمال عن بعض أجورهم من أجل القضية القومية أو الاشتراكية ولدعم التطور الاقتصادي بل ويشتغلون بلا أجور في مناسبات تضحوية، ولكن أجورهم هي سلعة مشتراة حسب إعادة تجديد قواهم وتجديد حياة أسرهم، فيما تمضي الفوائض للإدارة الحكومية بدلاً من الرأسمالي الفرد.
إن التجربة الروسية في تشكيل الرأسمالية الحكومية هي من أبرز التجارب في إظهار تماثلها مع الرأسمالية الغربية الخاصة، في الجوانب المشتركة، وهي إستغلال العمال، والعودة لقوانين القيمة والربح ووجود فترة تراكم بدائية أولية وغيرها، عبر واقع تاريخي مختلف، ومن خلال بنية اجتماعية مغايرة.
فحين تأممت المؤسسات الخاصة غدت جزءً من القطاع العام، الذي أمسك بشكل متدرج الاقتصاد، وكان السؤال الاقتصادي الأهم هو كيفية الحصول على الموارد أي الفوائض التي يمكن بها توسعة الإنتاج وتجديده على نحو كبير يلغي التخلف؟
إن القطاع العام المُصَّادر من طبقة البرجوازية قامت بإدارته قوى العمال، فتملكتهُ ونظمتهُ على نحو جديد، لكن قوى العمال الأمية كانت غير عليمة بالإنتاج وتوسعه، وتطويره، في المنشأة وعلى المستوى السوفيتي، فتراجعت الإدارة العمالية التشاركية الديمقراطية، وجاءت الإدارات البيروقراطية، وكان هذا أول دخول من الباب الخلفي للرأسمالية الحكومية:
(أرغم لينين عام 1918 على القول بأن ” الإدارة الفردية هي الأكثر نجاعة” في الصناعة. وبحلول عام 1920، طلب استبدال إدارة اللجان بإدارة الأفراد، رغم اعتراضات اتحاد العمال وأعضاء الحزب، هذا رغم أن لينين نفسه كان ضد البيروقراطية.)، (7).
(كذلك قامت التعاونيات بتشغيل عمال مأجورين مبررة ذلك بتخريجات نظرية، إلى جانب تبرير تفارق الأجور. كان ستالين قد تحدث للمدراء عام 1931 قائلاً:(علينا وضع حد للمساواة البرجوازية الصغيرة. إن التفارقات ضرورية للوصول إلى نجاعة أعلى في مجتمعنا الإشتراكي)، (8).
إن تراكم الفوائض من القطاع العام لم يكن يكفي لإحداث التحولات الجذرية في الصناعة، رغم أن التأميمات مثلت شكلاً من أشكال التراكم البدائي، وامتدت إلى سرقة الأموال الشخصية للملاك وسرقة دور العبادة المسيحية، لكن جاء التراكم البدائي الأوسع عبر مصادرة أموال وأراض أغنياء الريف، وإحداث التجميع التعاوني الزراعي بالقوة، وهذا مكن الدولة من الحصول على موارد كبيرة، لخلق الصناعة الثقيلة.
وإذ قامت تجربة الرأسمالية الحكومية على نهب الأغنياء لكنها لم تـُغني الفقراءَ كذلك، فظلت الأجورُ بمستوى متدنٍ طوال عقود من التجربة السوفيتية، وكان بقاء الإدارة العمالية الديمقراطية يعني الاهتمام بهذه الأجور وبرفعها، وكذلك ببقاء السوفيتيات كشكلٍ ديمقراطي للحكم، وكذلك بقاء وانتشار الثقافة العقلانية والديمقراطية الماركسية، لكن كل هذا مُنع لتصاعد دكتاتورية الإدارات البيروقراطية الحكومية.
كان جعل الجماهير العمالية تعيش في الفقر يتم من خلال اليافطات الحماسية، وكان إبقاء الأجور على هذا المستوى المنخفض يعني حدوث تقدم صناعي كبير، وكذلك يعني صعود الإدارات الحكومية فوق ظروف طبقة مغايرة أفضل حالاً نبسياً وقتذاك لأنها ستنمو بصورة كبيرة فيما بعد، فتنفصل عن العمال، وتكون طبقة رأسمالية داخل أجهزة النظام.
إذا رأينا كيفية تشكيل الرأسماليتين الغربية الخاصة والحكومية الشرقية، فإننا رأينا بشكلٍ خاص نمو الرأسمالية الشرقية ومثالها كان الاتحاد السوفيتي، وكيف أن قوانين الرأسمالية العامة راحتْ تتجسدُ على الأرض، خاصة قانون التراكم البدائي، الذي لعب دوراً في تجميع الفوائض الكبيرة وإنتزاعها من المنتجين لتشكيل التصنيع الواسع، وترافق مع ذلك تحديث الريف ومكننته، وهو شرط هام آخر، لعدم العودة للإقطاع. وهو أمرٌ طبقته التجربة الصينية في زمن وظروف أخرى.
ومهما كانت شعاراتُ الحكم فإن الاقتصاد له سببياته المستقلة في النمو، وتكوين المصانع وخلق شبكة هائلة منها، وتنويع السلع، هذه كلها جوانب تنموية تقدمية، لكن في النهاية تغدو البضائع هي الأساس، وعمليات تسويقها، وتنافسيتها، وقدرتها على اختراق الأسواق المحلية والعالمية.
إن الهياكل البيروقراطية تؤدي إلى تخلف البضائع وتدهورها، فالسكان مضطرون لشراء السلع الرديئة حيث لا تأتيهم سلعٌ خارجية، وتقوم الدولة هنا بسرقة المنتجين والمشترين على حد سواء.
فالعمالُ يصنعون هذه البضائعَ بأجورهِم الهزيلة ثم يشترونها بمبالغ كبيرة، ويُمنع هنا نقد البضاعة السيئة، وكذلك إحتجاجات العمال ضدها وضد الأجور المنخفضة!
هذا يقود إلى إستزافٍ اقتصادي، فالبيروقراطياتُ المعجبة بنظامِها الإنتاجي، تؤبدهُ ببقائِها داخل المؤسسات، وبالرشاوى التي تدفعها للصحافة أو لأعضاء الحزب، وبنظامها السياسي الذي يمنع التكوينات السياسية الأخرى، والتدقيق في العملية الاقتصادية السيئة.
إن تعرض البضائع للتدهور المستمر يتشكلُ من جانب آخر فوق تقسيم عمل دولي معين، أي في ظل شروط الصراع بين الرأسماليتين الخاصة الغربية والحكومية الشرقية، صراعٌ سبقت فيه الأولى الثانية بأشواط طويلة، وعبر شروط المنافسة وبتحكم السوق الحرة وعبر النمو المتدرج لقوى الإنتاج والتقنيات فيها، وعبر إستقلال الثقافة والعلوم عن هيمنة الحكومات.
إن خروج الرأسماليات الحكومية الشرقية من السوق الدولية لا يغدو خروجاً مطلقاً، فهو خروجٌ نسبي مؤقت، بسبب التنمية التسريعية لقوى الصناعة، ولكن ما تتوصل إليه من بضائع مُنتجة داخلها لا يحتك داخل سوقها الوطنية المنفصلة، ولا يتعرض للمنافسات، ولا يتطور عبر السوق، التي تغدو مثل بقية أدوات الاقتصاد كالمصنع والسلعة والإدارة مشكلة بطريقة سياسية فوقية.
هذا يؤدي لتدهور البضائع، ويتوقف تطور المصانع عند بناء المؤسسات الكبرى والبنى التحتية، ثم تتجمدُ العملياتُ الانتاجية، عاجزة عن التطور الرأسي، وتطوير قوى الإنتاج، ويؤدي ذلك لبقاءِ الأجور عند مستوياتها المنخفضة، والتركيز على بيع المواد الخام أو الأسلحة للسوق الخارجية، واتساع التهريب لأسواق هذه الدول، وتغدو المهربات سوقاً إستنزافية وأداة تعرية لجمود التطور التقني في الرأسماليات الحكومية.
وهذا ينعكس على حياة العمال، فمن الحماس للتجارب إلى خبوه، والعودة للدين الذي يمثل مانعة الصواعق في كل العصور، وإلى الأدمان، وعدم ظهور أجيال من عمال شباب ذوي ماهرات عالية وتقنيات رفيعة، واتساع الهوة التقنية والتنافسية بين الرأسمالية الغربية والرأسمالية الحكومية الشرقية.
وتؤدي السياساتُ الجامدة لمزيدٍ من التدهور في الإنتاج، كما تؤدي السياساتُ الذكية والمرنة لتطوراتٍ جيدة على مدى المقاربة مع قوانين إنتاج التشكيلة، ولهذا فإن خروتشوف حاول أن يغير من النظام الجامد على مستوى نقد الماضي، وتحريك الوعي النقدي في السياسة والفكر، مثلما حاول أن يغير الاقتصاد في نواح محدودة، واتجه أغلبها نحو إعادة الاعتبار لبعض قوانين إنتاج البضائع.
(علينا التأكد فيما إذا كان تمويلنا للسد العالي في مصر مربحاً أم لا. لا شك أننا نريد تقوية علاقتنا بأصدقائنا، ولكن هذا مجرد حديث سياسي بحت، حيث يجب أن لا نلقي بنقودنا في الهواء. علينا التأكد بأن المصريين قادرون على الدفع لنا من قطنهم الجيد ومن أرزِّهم)، (9).
(إن خروتشوف هو الأول الذي جعل من تحصيل أعلى معدل للربح هو الهدف الرئيسي للنشاط الإقتصادي، كما استخدم الحساب الرأسمالي “الكلفة – الفائدة” وتعديل الأسعار لتمكين هذه المعايير.)، (10)
ترافق ذلك مع آراء الاقتصادي السوفيتي ليبرمان الذي خفتت من المركزية وأعطت للمؤسسات الاقتصادية استقلالها ووضعت أهمية للسوق. لكن لم يترافق مع ذلك أعطاء الفرصة لظهور المؤسسات الخاصة، وإحداث ديمقراطية سياسية وفكرية، ويرتبط ذلك بسيطرةٍ هائلة للبيروقراطيات، التي رفضتْ خلال عقود المشاركة العمالية في ظل النظام، مما كون رأسمالية سوداء باطشة وعصابية، وهو الأمر الذي خفتتْ منهُ الحكومة الصينية، فأحدثتْ تدرجاً في التحول الاقتصادي.
لقد بدأ التحطيم المتدرج للسوق (السوفيتية) المُسيّسة، وللأدلجة البيروقراطية للماركسية، واصبحت العودة للسوق الدولية محتمة، مثلما العودة لقوانين الإنتاج الرأسمالية، فقال خروتشوف بضرورة (دخول السوق العالمية طبقاً لقانون القيمة الدارج في هذه السوق)، ورغم الردة في عهد بريجنيف إلا أن كوسيجين رئيس الوزراء أكد على ضرورة؛ (توجيه المشروع ليحقق نجاعة أعلى، ويبدو أنه من الأفضل استخدام مؤشر الأسعار).
لكن هذه التحولات الجزئية في نظام الرأسمالية الحكومية السوفيتية لم تعبر كذلك عن فهم طبيعة المنظومة السوفيتية، التي فـُهمت بأنها نظامٌ إشتراكي يعاني من بعض الاختلالات في طريقه نحو الشيوعية في حين إنه نظام رأسمالي حكومي ذو صعوبات كبيرة في التطور وفي فهم العملية الاقتصادية، ويحتاج إلى ديمقراطية عمالية كان قد فقدها في تلك السنوات الثلاثينية خاصة، ولأن العمال المتخلفين تقنياً وفكرياً ومستوى القوى الإنتاجية المتخلفة لا تبني الاشتراكية عامة وربما لو وُجدت كانت قد أصلحت بعض الشيء من الكوارث التي انفجرت في خاتمة المطاف.
اكتشفت الرأسماليتان الغربية الخاصة والشرقية الحكومية وحدتهما المشتركة عبر الصراع والتطور التاريخي المتداخل، وعبر التهام الطبقات العمالية بكل شكل ولون.
وما كان تبايناً شديداً تم رؤية نسبيته، وكونه مرحلياً في العملية التاريخية المشتركة، فليس النمطان سوى مرحلتين من تطور العملية الرأسمالية العالمية، قامت الأولى في ظلِ سيطرتها على المواد الخام والعمال والأسواق الواسعة، بشكلٍ مبكرٍ نظراً لظروفٍ خاصةٍ بالقارة الأوربية والقارة الأمريكية، وكان إنتاجها المتميز المتطور في القرنين 19 و20 هو ثمرة لتلك التراكمات على أصعدةِ قوى العمل والعلوم.
ولم يكن لحاق الرأسماليات الشرقية الحكومية تحت واجهات سياسية، وبدعوى رفض الطريق الغربي، نظراً لجراح الاستعمار وللجذور القومية والدينية المنتهكة من قبل القوة الأولى، سوى شكلٍ آخر للرأسمالية حاول اللحاق بالشكل الأول وتجاوزه والظهور بمظهر المجدد المتميز المختلف.
وكانت الرأسمالياتُ الغربية، التي ضمتْ كذلك رأسماليات خاصة فتية في قارةِ آسيا، قد دخلتْ في حقبةِ النصف الثاني من القرن العشرين عصرَ الثورةِ التقنية والمعلوماتية، وكان هذا العصرُ قد كشفَّ بوضوحٍ قيادة الرأسمالية الغربية – اليابانية للتطورين الاقتصادي والعلمي في العالم، وعجز الرأسماليات الشرقية بسيادات الدول البيروقراطية، عن اللحاق ليس بالمستوى الجديد من تطورها بل وحتى بالمستوى القديم.
ولم تكن هذه سيادة في الفراغ، بل كانت سيادة بضائعية متطورة من نوع جديد، وإستغناء عن الكثير من المواد الخام، وعن الكثير من المصانع القديمة، وهي كلها أمورٌ فجرتْ العديد من أغلفة الأنظمة الشرقية الاستبدادية.
أخذت التطوراتُ الجديدة تغزو المنظومات الشرقية المتعددة المستويات، فتتخلى هذه عن الاقتصاديات القديمة المتكلسة، وتحررُ أقساماً من الاقتصاد، وتسمح بقطاعات خاصة كبيرة، وتقوم بتقليد السلع الغربية المتطورة، خاصة في بلدان الصين وروسيا وجنوب شرق آسيا والهند والبرازيل وغيرها من الدول، وكما هي العادة فقد لعبت قوى العمل دورها في تفجير طاقات هذه الدول، ونقلها لمستويات تطور جديدة.
إن ضعف الأجور وتدنيها لعبَ مرة أخرى دوره في تفجير هذه الطاقات، وفي انتقال الثورة التقنية للدول الآسيوية ذات القوى العمالية الواسعة، والأسواق الكبيرة، وهذا أثرَّ بدورهِ على وضع العمال المتميز في دول الغرب.
قامت العديد من الشركات العالمية بالانتقال لدول مثل الهند تجد فيها حريات اقتصادية واسعة وقوى عمل هائلة ورخيصة ومتقدمة.
إن العملية الرأسمالية المتطورة بوصولها لدول الشرق اطلقت كبيرة فيها، وانتقل جانبٌ كبير من التحديث إلى الشرق، وبهذا حدث تداخلٌ على مستوى جديد بين الرأسماليتين العالميتين، وهو تداخل مباشر وعالمي مختلف، فلم تعد الرأسمالية المتطورة الغربية ذات مكان جغرافي محدد محصور برقعة جغرافية، بل صارت كونية، ولكنها كونية مرتبطة بالأجور وتدنيها، لا برتفاعها وتطورها، إلا إذا اعتبرنا أن العمال في بعض دول الشرق حصلوا على أجور مترفعة قياساً لما تقدمه الرساميل المحلية.
لكن هذا التداخل بين الرأسماليتين العالميتين يمثل حلقة جديدة من التطور التاريخي للمنظومة الرأسمالية المعقدة والمركبة، فنحن هنا أمام رأسمالية ذات مستوى متطور ورأسمالية ذات مستوى متخلف تصطدمان بقوة خلال بضع سنوات، مما ولدت ظاهرات بالغة الحدة والثراء والتنوع والخراب كذلك!
كوكبان يصطدمان ويولدان جسماً ثالثاً، قد يكون مسخاً وقد يكون وليداً جديداً ذا تكوين انتقالي لرأسماليات حكومية ديمقراطية، يلعب فيها العمال دوراً مغايراً مختلفاً عن دور البقرة الحلوب ويشاركون في الحكومات على أساس كونهم ممثلين للطبقات العمالية بشكل حقيقي وليس أدوات للطبقات الاستغلالية المتوارية تحت يافطتهم.
وفيما تزدهر الهند بشركات التقنية المتطورة، فإنها لا تزال تعيش ريفاً إقطاعياً متخلفاً، فيما تغدو الرأسماليات الحكومية على نمط روسيا والصين أكثر قابلية للتطورات الثورية في وسائل الإنتاج العصرية، فيما تتزعزع بعضُ الرأسماليات الغربية الكبرى. يطلق زعيمٌ ألماني من جمهورية ألمانيا الاتحادية على الرأسمالية في بلده بأنها (رأسمالية الجراد!)، ويقول:
(في الآونة الأخيرة بلغ هذا التناول الانتقادي الجديد للرأسمالية ذروته في سلسلة من الهجمات التي شنها زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي فرانتز مونتيفيرينج . فقد اتهم رجال الأعمال الذين ينقلون الإنتاج إلى الدول ذات الأجور المتدنية بأنهم يؤكدون بهذا على فرط جشعهم وافتقارهم إلى الإحساس بالمسئولية الاجتماعية. ثم شبه مديري صناديق الأسهم الدولية بوباء الجراد الذي يحتل الشركات ويستغلها ثم ينتقل إلى غيرها بعد أن يكون قد أتم عمله التخريبي وأجهز عليها.)، (11).
وفيما تقوم الرأسمالياتُ الخاصة بتطور جديد في دول الشرق المنهكة من السيطرات الحكومية، فإن الرأسماليات الخاصة بحاجة للتغييرات الشعبية والحكومية الديمقراطية في الغرب.
مسارات مختلفان، ومركبان، يرسمان حركة تاريخية مختلفة للرأسمالية العالمية، لا تبدو لنا الآن سوى بضع ملامح من تكوناتها.

الرأسمالية الحكومية الصينية

تمثل الصين تجربة تاريخية فريدة وغريبة، فهي خلافاً لما كان يُسمى(الدول الاشتراكية) والتي لم تستطع القيام بقفزة صناعية كبرى بفضل مواردها السلمية، أستطاعت أن تصل لمستويات الدول الكبرى الصناعية في خلال نصف قرن.

يقول أحد المسئولين الصينين:
(قامت الصين بدفع الإصلاح والانفتاح بكل الثبات على مدى الـ25 سنة الماضية، حيث تم بناء نظام اقتصاد السوق الاشتراكي وتكوين اقتصاد الانفتاح، وازدادت القوة الإنتاجية الاجتماعية والقدرة الإجمالية للدولة وتطورت جميع القضايا الاجتماعية على نحو شامل، وتم إنجاز القفزة التاريخية لمعيشة الشعب من حالة الكساء والغذاء إلى مستوى الرغيد بشكل عام. فخلال 25 سنة من عام 1978 إلى عام 2003، حقق الاقتصاد الصيني معدل النمو السنوي %9,4، وزاد كل من اجمالي قيمة الناتج المحلي (1400 مليار دولار) وحجم التجارة الخارجية (851,2 مليار دولار) واحتياطي النقد الأجنبي (403,3 مليار دولار) بـ10 و40 و2400 مضاعفة على ما كانت عليه في عام 1978. وحاليا، يتربع الحجم الإجمالي لاقتصاد الصين المكانة السادسة في العالم ويحتل إجمالي قيمة التصدير والاستيراد المرتبة الرابعة في العالم)، (12).
تشير عبارتا (تكوين السوق الاشتراكي) و(اقتصاد الانفتاح)، إلى الهيكلين اللذين رأيناهما في اقتصاديات الدول الشرقية عموماً، حيث جهاز الدولة الذي سيطر خلال عمليات التنمية والتغيير، وشكل القطاع العام، وكذلك إلى هيكل الاقتصاد الخاص.
لقد حاول ماو تسي تونغ أن يخلق اقتصاداً عاماً كلياً خالياً من الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وأن يقوم بقفزة اقتصادية على هذا الأساس وعارض بقوة ظهور وتوسع الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وكانت الثورة الثقافية التي قادها قد رفعت شعارات القضاء على البرجوازية، اقتصاداً وثقافة، وفي سبيل ذلك اضطهد الكثير من قيادات الحزب، لكن النزوع نحو ظهور البرجوازية كان قوياً في الاقتصاد والسياسة.
(في عام 1979، بدأت الصين تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح، لاكتشاف طريق جديد للتنمية الاشتراكية ودفع التحديث بكل القوة) (من حديث السفير السابق الذكر)، أي أنه في هذه السنة تم حسم خيار التطور الاجتماعي الصيني، واتسع حضور القطاع الخاص جنباً إلى جنب القطاع العام المسيطر.
علينا أن نتجاوز مصطلحات القادة الصينيين ونحن نفسر مثل هذه التحولات الكبرى، فما قامت به الصين عبر ماو كان تشكيلاً لرأسمالية حكومية عامة كلية، وكانت الأجور المنخفضة، والتأميمات، والتعاونيات، وتوسيع الزهد والاكتفاء ب(صحن الأرز)الوحيد لكل صيني، والتي سُميت عبر الطرح السوفيتي ب(إشتراكية الثكنات العسكرية) كان تراكماً رأسمالياً أولياً، والتراكم البدائي قانون كلي عام في التجارب الرأسمالية غرباً وشرقاً، كما رأينا في التجربة الروسية، وهكذا فإن نشؤ الرأسمالية الحكومية كان قوياً، وواسعاً، عبر خلق قوى الإنتاج الكبرى والمؤسسات الاقتصادية الوطنية العامة، ثم توقف عن التطور النوعي نظراً لحبس الملكية الخاصة، وجمود الملكية العامة. أما كيف ظهر قادة صينيون من قيادة الحزب الشيوعي الصيني، وألغوا التجربة الماوية، فهو أمرٌ يظل غامضاً ولم يُطرح في الأدبيات السياسية الصينية بوضوح. لكن كان يظهر في المسار الصيني قوة التوجه القومي في الحزب، والبحث عن حلول للتطور الاقتصادي من خلال ظروف الصينيين، وليس عبر نسخ مستوردة، وكان الحزب يعيش بين الجماهير كالسمكة في البحر كما يقولون، فقام بتجديده الكبير من خلال هذا الاهتمام بمصالح نخب الحزب والدولة والجيش وبمصالح الناس، فزاوج بين القطاعين العام والخاص.
ولا شك أن البرجوازية التي حاربها ماو طويلاً وهجس بها موجودة داخل القطاع العام، وهي التي زاوجت وقادت تشكيل القطاع الخاص الهائل، لكن تظل الحكومة في يد المسئولين(الشيوعيين)!
ولا تستطيع هذه البرجوازية الحكومية – الخاصة، أن تقذف البلد في تجربة رأسمالية على النمط الغربي دفعة واحدة، ومن هنا فهي تتخندق في (الحزب الشيوعي)،الذي يجمع بين الملكيتين، ويرفع من مستوى معيشة الشعب، ويشكل كذلك فئات برجوازية مرفهة.
مذا يحدث للثقافة (الشيوعية) التي كانت تـُحفظ حتى لأطفال المدارس؟ تظهر المصطلحاتُ السابقة الذكر المزودجة تعبيراً عن كل شيء مزودج في الصين، وعن هذا الخيار الثنائي المعقد؛ إنها مصطلحات(اقتصاد السوق الاشتراكي)، و(سياسة الانفتاح).
فيتم تخفيف الحديث إن لم تـُـلغ تماماً الكلمات عن زوال الطبقات، وإزالة البرجوازية، وزوال الأجهزة الحكومية القامعة، وتنتشر ثقافة مزدوجة، ثقافة البرجوازية الحكومية المسيطرة وظلالها من ثقافة رجال الأعمال الغربية، وهناك ثقافة الشعب العادي الخافتة والذائبة في ظل سيطرة الطبقة الحاكمة بفرعيها العام والخاص.
وكما حدث للماركسية في روسيا عبر خفوتها وتحولها إلى نمطية بيروقراطية، يحدث هنا ذلك، مع بقاء (الماوية) كشكلٍ منافس للماركسية الحكومية وقد صارت ليبرالية شمولية.
يجادل بعض الكتاب اليساريين بأن ما تم في روسيا والصين هو تجربة إشتراكية، وأن ما يُسمى بإصلاحات الصين الأخيرة هو هدم لتلك الاشتراكية.
(هُدم الانجاز الاقتصادى التاريخى المتمثل فى الثورة الزراعية الصينية التى لم تحرر مئات الملايين من البشر فى ذلك البلد من أسار العلاقات الاقتصادية الاقطاعية فى منتصف القرن العشرين فحسب، بل نقلتهم فى النهاية الى اعتاب الاشتراكية؛ وكيف تم هذا الهدم بصورة فوضوية تحت دعاوى نظرية تطوير القوى المنتجة تحت ستار تحقيق “اشتراكية ذات خصائص صينية”، ذلك الشعار الذى صار مثاراً لتهكم العمال الصينييين الذين حرّفوه الى شعار ” بل هي رأسمالية ذات خصائص صينية”. فبعد شروع الحزب الشيوعى الصينى فى التحول لبناء الاشتراكية فى الستينات من القرن الماضى كان جوهر الصراع، فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، داخل الحزب والدولة فى الصين هو صراع بين دعاة نظرية تطوير القوى المنتجة كيفما اتفق، والمدافعين بقيادة ماو عن ضرورة التغيير الاجتماعى الجذرى لاحداث ثورة فى القوى المنتجة. كان هذا جوهر الصراع، الا انه ظل، بين الفينة والاخرى، يبرز متستراً بأشكال مختلفة من الخلافات الفكرية والآيديولوجية.) ، (13).
إن تشكيل الرأسمالية الحكومية يبدو بشكل إشتراكي، وقد عملت لبناء ذلك الشعار القوى العمالية والفلاحية بتضحيات جسيمة، ولكن أشكال حكم هذه القوى الشعبية التي ظهرت في بدء الثورة يُلغى لصالح الأجهزة الحكومية، وهي التي تقود عملية الرسملة، مثلما جرى ذلك في التجربة الروسية وأن كانت الصين أقل دموية وأكثر اهتماماً بشعبها وبعدم الخوض في صراعات عالمية ذات خسائر جسيمة، ومثلما جرى ذلك في تجارب التحرر الوطني، والبناءات الوطنية المغلفة بمصلحة الشعب والقومية والدين ثم تكشفت هوياتها الحقيقية.
ولهذا فإن الحديث عن جمهورية الصين الديمقراطية ذات التعددية، لم يستمر طويلاً بل هيمنت اللجان العليا في الحزب الشيوعي الصيني على المجتمع، وتحولت لجنين قيادة الرأسمالية بشكليها العام والخاص.
لقد حدث المسار الديمقراطي بشكل وميض سريع أثناء شعارات مثل(دع مائة زهرة تتفتح)، ولكن نشؤ الملكية العامة والإدارة العامة والحزب الواحد يؤدي إلى الرأسمالية الحكومية البيروقراطية بشكل عادي كما جرى في التجارب ذات التركيزين الاقتصادي والسياسي الحكوميين.
فتنبثق الرأسمالية الخاصة كحل لانسداد الطريقين السياسي، بغياب مشاركة العمال في الحكم ومنظماتهم، وكانسداد اقتصادي بسبب تحجر الملكية العامة.
إذن (دكتاتورية البروليتاريا) في الشرق هي شكلٌ من أشكال نمو التجربة الرأسمالية الحكومية، ولو أنه انبثقت تجربة ديمقراطية شعبية حقيقية وحافظت على النمو الاقتصادي المتصاعد وكذلك على المشاركة الديمقراطية لمختلف القوى الاجتماعية، لحدث الوصول إلى رأسمالية دولة ديمقراطية، وهي شكلٌ أولي لظهور الاشتراكية. لكنها تفتقد هنا عوامل القفزات والتسريع الذي تطلبه كل قومية عملاقة ذات مصادر طبيعية غنية وشعب هائل والتي يقودها حزب واحد دكتاتوري عموماً.
بمعنى أن (رأسمالية الدولة) الديمقراطية لا تصبح مجرد حصالات لظهور الرأسماليين من قنوات الحكم كما يحدث في دول الشرق عموماً، بل تتم مراقبة الدولة وأجهزتها بشكل شعبي، وتظهر رأسمالية خاصة في النور ولكن أملاك الناس العامة يتم الحافظ عليها وتطويرها.
ولكن الدكتاتورية الشخصية لماو والسياسية للحزب والاقتصادية للقطاع العام، جعلت هذا مستحيلاً، وكرست ثقافة سياسية مسطحة ذات لون واحد.
الآن يبقى مسار جمهورية الصين المستقبلي غامضاً، فرغم النتائج الكبيرة في الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية، فإن التطور غير مراقب من قبل الجمهور، والبلد تفتقد إلى الأحزاب والصحافة المختلفة مع الدولة والحريات الديمقراطية بشكل عام.
والإنجازات إذا لم تراقب فإنها تضمرُ بعد سنين وتتحول الفوائض الكبيرة للحصالات الخاصة، وللتبذير.
ويتراكم الفقراء والمعوزون والعاطلون في جانب وتتضخم الملكيات الخاصة للرأسماليين، ثم يحدث صراع كبير حاسم، أما بإستكمال مسيرة رأسمالية الدولة باتجاه ديمقراطي إشتراكي أو يغدو المجتمع رأسمالياً صرفاً، تتفجر فيه صراعات قومية واجتماعية حادة.
وما دامت الدولة قادرة على توفير العمل للأغلبية وهي أغلبية هائلة جداً، فإن الناس سوف تسير وراءها، وإذا وجدت في أجهزة الحزب والدولة قوى تواصل النهج الاشتراكي الديمقرطي فإنه سوف تقلل من الكوارث التي سوف تحدث في حالات الاستقطابات الاجتماعية في بلد واسع وخطير مثل الصين.

الرأسمالية الحكومية في الهند

رغم ضخامة السوق الوطنية الهندية، وكثافة القوى العاملة ذات الأجور الزهيدة، فلم تستطع الهند القيام بتجربة مماثلة للرأسماليات الحكومية في كل من الصين وروسيا، وقاربت تجربتها تجربة بعض الدول العربية كمصر، رغم توجهها لحكم علماني ديمقراطي.

يعود ذلك للطابع المسالم لتجربة حزب المؤتمر والتي كانت تعني تداخلات بين الفئات الوسطى القائدة لهذا الحزب وطبقتي الإقطاعيين الزراعيين والدينيين، وهو أمرٌ ماثل حراك الفئات الوسطى المصرية منذ الوفد حتى الضباط الأحرار، ومن هنا جاء اللقاء في كتلة عدم الانحياز.
لكن مسائل التشابه تعود لقضايا أكثر تعقيداً وبشكل أوسع وبطريقة تلاق غريبة، فقد قام حزب المؤتمر بعد الاستقلال عام 1948، بتأميم صناعات عديدة وأنشاء القطاع العام في العديد من الصناعات، في مشابهة أخرى للتجربة المصرية.
يقول تقرير عن المشكلة الاقتصادية للهند بالرؤية التالية:
(ويرى كثير من الخبراء الهنود والأوروبيين أن هذا النمط التنموي الموجه ظل يعمل بكفاءة طيلة فترة حكم نهرو، حيث نجح في خلق قاعدة صناعية واسعة ومتنوعة، فضلا عن تحقيق قدر كبير من الحرية للاقتصاد الهندي في مواجهة التبعية الخارجية. ويذهب البعض إلى أن الفضل في ذلك يرجع إلى ما كانت تتمتع به النخبة الهندية في ذلك الوقت من رؤية للتحديث، مما ساعدها على التوظيف الأمثل لموارد الدولة المتاحة واستثمارها في القطاع العام الصناعي. ومع هذا تظل نقطة الضعف الأساسية في هذا النمط التنموي في أنه لم يكن مصمماً على افتراض ضرورة التصدير للأسواق الخارجية، استناداً إلى اتساع السوق الداخلي الهندي والوفاء باحتياجاته من السلع والخدمات. وبالتالي فإن بؤرة تركيزه انصبت على تحقيق طفرة إنتاجية كمية وليست نوعية عالية للصناعة الهندية، وهو ما أدى بدوره إلى ضعف قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية.) ، (14).
رغم صوابية هذه النظرة إلا أنها تبقى جزئية، فالقضية أكبر من ضعف القطاع العام الصناعي، فالثورة الصناعية تفترض ثورة في الإنتاج الزراعي وتغلغل المكننة في الريف، وهذا ما لم يحدث، بل تـُرك الريف في تخلفه وبسيادة الإقطاع داخله، وبكل فسيفساء القوميات وهيمنات رجال الدين الكثيرين والسحرة وغيرهم وهذا أمرٌ ينفي الثورةَ العلمية الرديف الثقافي للتصنيع في المدن والأرياف. وبهذا فإن المدنَ الهندية الكبرى تعرضتْ لموجاتِ الهجرة من الريف نحوها وملئها بالعمالة الرثة وببحر من المقتلعين والمهمشين وبمدن الصفيح، فنجد شيئاً من المشابهة هنا كذلك مع الاقتصاد المصري والعديد من إقتصاديات الدول العربية والإسلامية.
وبدلاً من ذلك لجأت الحكومة الهندية إلى عمليات واسعة لاستصلاح الأراضي حققتْ شيئاً من الفوائض الزراعية لسنوات، لكن الإنتاج الزراعي ظل راكداً.
إن فشل القطاع العام الصناعي كان متوقعاً، أولاً بسبب جزريته وسط المحيط الزراعي الحرفي القروي، وثانياً لضعف الموارد التي كانت سوف تأتي من عمليات إصلاح الريف، وثالثاً للفساد والبيروقراطية داخل هذا القطاع.
وبهذا فإن تجربة (الإشتراكية) الهندية استنزفت الموارد وعجزت عن القيام بتحولات جذرية في القطاعات الاقتصادية الكبرى، فحصلت أحزاب اليمين على فرصة لرفع شعارات الخصخصة، وتغيير التحول الاقتصادي بجهات جديدة.
إن الهند وهي تشكل نظاماً إنتخابياً حراً، لم تستطع أن تقوم بإصلاحات شبيه بإصلاحات ستالين وماو، في إستنزاف الريف وإستخراج الفوائض منه، لتوسيع الصناعات الكبرى، ولم يكن ذلك ممكناً عند أقطاب المؤتمر وأساسهم الاجتماعي البرجوازي الوطني، فحاول المؤتمر أن يوازن ويحتفظ بدور الأب السياسي الراعي للطبقات المحافظة، والفقيرة على حد سواء ، وهذا محالٌ إلا في فترةِ توازنٍ اقتصادي مترجرجة بين الطبقات الأساسية، لكن الطبقات الفقيرة تنمو بمعدلات هائلة، والتصدير ضعيف، والصناعات مُستنزفة بيروقراطياً، فكان مجيء اليمين والأحزاب الهندوسية الدينية، والتوجه لتصعيد دور القطاع الخاص، كقيادة للاقتصاد. وقامت هذه بإجراءات الخصخصة الواسعة بدءً من أوائل التسعينيات.
لكن مقاومة القوى البيروقراطية والنقابية العمالية والتقدمية كانت تتصدى لعملية بيع القطاع العام أو إلغاء دوره، وأيدت عملية إزدواجية القطاعين، فتنامت إجراءات الخصخصة والتحولات الانفتاحية:( وقد كان التدرج والحذر هما سمة التحول، وليس أدل على ذلك من أن قطاع التأمين لم يتم تحريره أمام المستثمرين الأجانب إلا في أوائل عام 2000، كما لم يتم التحرير الكامل لسعر صرف الروبية الهندية إلا عام 1993.) ، (15).
إن الفئات البرجوازية التي تشكلت في القطاع العام وجمدته وجمدت الثورة الزراعية تحالفت بعد ذلك مع الفئات البرجوازية الجديدة الصاعدة من الأحزاب الدينية والبرجوازية الكبيرة، ومع القوى اليسارية أيضاً، لمواصلة وتوسيع تغلغل الرساميل الأجنبية، (من قبيل إعطاء حق التملك الكامل للأجانب في مشروعات(الطرق والسياحة والصناعات البترولية وتوليد الطاقة) أو الحق في تملك 49% من قطاع الاتصالات و51% في الصناعات الدوائية، فضلا عن كثير من القطاعات الأخرى التي أصبحت الموافقة عليها بصفة آلية مثل الكيماويات والتعدين والنقل والغزل والنسيج)، (16). وكانت العملية الأكبر والهائلة هي في خلق مراكز البرمجة والمعلوماتية.
لقد تهمشت الرأسمالية الحكومية بعد عقود الجمود، فقاد اليمين المتطرف الهند مرة واليسار مرة، في تناوب اجتماعي اختفى منه حزب الوسط التاريخي مؤسس (الإشتراكية) والرأسمالية الحكومية الهندية!

الرأسمالية الحكومية في أمريكا اللاتينية

تجربة كوبا

تداخل النضال من أجل التحرر الوطني بالنموذج الاشتراكي في كوبا تداخلاً شديداً، فلم يكن التخلص من الدكتاتورية السياسية السابقة يهدف فقط لمجتمع ليبرالي متحرر من السيطرة الأجنبية ومن حكم العسكر والإقطاع. كانت تحمل نموذجاً مبهماً ومضموناً راح ينمو بشكل عسير ومتحول وعنيف.

فكوبا تقع على بعد خطوات من أكبر دولة مهيمنة في العالم، وراحت تتحداها وتشكلُ نموذجاً مغايراً صلباً وذا حماسة ثورية فائقة!
وعلى الرغم من التغييرات الاجتماعية الثورية التي قامت القيادة الكوبية والمؤامرات الأمريكية الخارجية المستعينة باللاجئين إلا أن الحكم لم يتزعزع.
ثم أضيف إلى هذه التدخلات العسكرية تبدل المنظومة(الاشتراكية) وسيرها نحو خطوات تحولية مغايرة، أطلقت التعددية الحزبية والصحافة الحرة وحكم البرلمانات وكوبا رفضت ذلك كله!
وكان غياب الاتحاد السوفيتي سنة 1990 يعني على المستوى الكوبي زوال مساعدة تبلغ عدة مليارات من الدولارات تـُعطى سنوياً لجزيرة (المقاومة والحرية) كما يُطلق عليها!
ولكن غياب هذه المساعدات وتبدل التجارة الجيدة مع سوق الكوميكون (سوق الدول الاشتراكية) لم يقد كذلك إلى زوال حكم الحزب الشيوعي الكوبي ولا إلى انفجار اجتماعي كاسح من الشعب، رغم أن أزمة البلد الاقتصادية بدءً من أولائل التسعينيات كانت قوية مشهودة في المرئيات الإعلامية العالمية بصور الهاربين في القوارب والغارقين في المحيط والواصلين بعسر إلى شواطئ الدولة العدوة من جزيرة الحرية!
تعود صلابة الحكم في كوبا إلى قيامه بإجراءات اجتماعية جذرية، فقد سلم الأراضي الزراعية للفلاحين، وسلم المصانع والمتاجر للعمال، وصار هؤلاء المنتجون مالكين حقيقيين لقوى الإنتاج الرئيسية، ومسئولين عن منجزاتهم، وأي عودة للمنفيين الكوبيين يعني إستعادة هذه الأملاك، وبالتالي إحداث إضطراب مخيف. فجعل الحكم هذه الجماهير على مدى عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات مالكة ومسئولة ومعسكرة بمليشياتها وجيشها ضد أي تدخل أجنبي.
بل هي كانت تقدم خدماتها العسكرية عبر القارات وخاصة في أفريقيا وتساهم في دحر قوى معادية للثورات الوطنية فيها.
هذه الأحزمة الاقتصادية والسياسية والعسكرية مربوطة بأدلجة كفاحية مضحية زاهدة تجعل هذه الجماهير في حالة إستنفار دائم.
هذا الصمود الأسطوري تشكل على مدى العقود بلافتة النظام الاشتراكي، وهي لافتة تشيرُ إلى سير المجتمع الحتمي نحو زوال الطبقات والملكية الخاصة وأجهزة الحكم القسرية وما إلى ذلك من مصطلحات الرؤية (الماركسية – اللينينية) التبشيرية بتحقيق الاشتراكية بدون أدوات الرأسمالية.
إن هذه الرؤية الملتحمة بين الحرية الوطنية والإجراءات الاجتماعية التأميمة والإصلاحية الزراعية، غدت هي فكر الدولة ووجودها، وحياة الناس، وأي استعادة للأرض مثلاً من قبل المالكين القدامى من بين أصحابها المالكين الجدد يعني الحرب الأهلية، وسواء جاء الملاكون القدامى عبر التدخل الأجنبي أم عبر صناديق الاقتراع فإن الأمر واحد.
وتحولت هذه الرؤية والمصالح الشعبية إلى دولة لا تقبل برؤية أخرى وهي على خندق المجابهة المستمرة، فصارت الدولة هي دولة الرأسمالية الحكومية الوطنية، ولكن بعد لم يتحول موظفو الدولة إلى المالك الحقيقي، ويبعدوا الناس عن الفيء العام كما نقول بلغة الفقه الإسلامي.
وهذا الفيء صار تعليماً وعلاجاً مجانين في كل الظروف والمراحل، وهو أمر أدى إلى مزيد من التلاحم بين هذا الشعب الفقير الذي توزع عليه الخيرات العامة المحدودة بشكل متقارب، ولكن هذا لا يعني أن الوزارات لم تبدأ بالانفصال عن الجمهور، وأن الفساد لم يظهر.
ولكن تلك الرؤية المشار إليها سابقاً تصدعت في مركز إنتاجها في روسيا، وأنعكس ذلك ليس بشكل فكري فقط بل بشكل مالي حاد أيضاً، وتلك العقود المحمية بمساعدة الرفيق الأكبر انتهت، والأزمة الاقتصادية وصلت إلى كوبا بعنف.
وفي العقود السابقة وضعتْ كوبا أسسَ قاعدتها الاقتصادية، وتخصصت في إنتاج سكرها ومعدن النيكل والتكنولوجيا الحيوية والصناعة الطبية الالكترونية. وهي كلها لا توفر تطوراً واستقراراً أقتصاديين، ولهذا تنامى العجز وزادت مشكلات الفقر.
فـُطرحت أسئلة كبيرة على التجربة ومدى صحتها، وكيفية تجاوز مشكلاتها، وهل يتم التوجه نحو التجربة الروسية وتحولها أم تستمر كوبا على نفس النظام بدون تغيير أم يحدث الخيار الثالث وهو الخيار الذي أتبعته تجارب مثل فيتنام والصين؟ فكان الاتفاق على الخيار الثالث الذي يواصل تجربة مقاومة الجار الثقيل، وقد طرح سياسيو كوبا ومفكروها آراءً تؤدلج رأسمالية الدولة الوطنية هذه وتقول بأن الماركسية المتبعة لديها ليست جامدة بل تتطور عبر أزمات الواقع وتبدلاته، دون أن تلغي الأساس الاقتصادي الذي صار الهيكل العظمي للدولة، بل تحسنه لمزيد من الانجاز، كما أن الأساس الفكري للحكم وهو الاشتراكية سيظل متبعاً، وأن تفاوت الثروة المتصاعد لن يلغي هدف المجتمع لإزالة الطبقات، وبالتالي لن يسمح للقوى البرجوازية الصاعدة عبر هذه الإصلاحات في الوصول للسلطة. لكن كيف يتم زوال هذه القوى الجديدة المطلوبة اقتصادياً؟ وإلى أين ستوجه نموها؟ وهل سيبقى البلد بعد هذا بلد الحزب الواحد؟ وهل لن يحدث تداخل وتحالف بين القوى البيروقراطية المتحكمة في الأجهزة ومنافعها وبين هذه القوى المالية الجديدة؟
عموماً انطوت صفحة معينة من تاريخ كوبا وانفتحت صفحة جديدة ودخلت الرأسمالية الخاصة للاقتصاد المُسمى إشتراكياً.
ظهرت تغييرات كبيرة في الاقتصاد الكوبي بعد سنوات طويلة من تحكم الدولة في الهيكل الاقتصادي العام. فقد جرت إجراءات مالية واجتماعية كثيرة:
(شملت هذه الاجراءات فتح الباب امام الاستثمارات الاجنبية وتوسيع الشركات ذات الملكية المشتركة (بين الحكومة الكوبية والشركات والاستثمارت الاجنبية) وانتقال هذه من قطاع التصدير والاستيراد الى قطاع التمويل الاستثماري والقطاعات المحلية في الاقتصاد الكوبي. وقد أدت الازمة الاقتصادية الى التعجيل في علمية الاصلاع الاقتصادي الذي شمل العناصر التالية:
على مستوى التجارة الخارجية:

  • انفتاح متزايد على رأس المال الاجنبي وازدياد عدد الاستثمارات المشتركة بين الحكومة الكوبية والشركات الاجنبية وتنشيط الاستثمارات الاجنبية (السياحة الدولية، صناعة الادوية، تطوير البيوتكنولوجيا، انعاش انتاج السكر). وقد لاقت هذه الاجراءات نجاحات كبيرة في معالجة الازمة والتصدي لآثارها المدمرة على المستوى الداخلي، كما شكلت محاولة منتظمة ومثابرة في انعاش الاقتصاد الكوبي وادخاله الى السوق العالمية.
  • ازالة احتكار الدولة للتجارة الخارجية
  • السماح بتداول العملات الاجنبية وتحديداً الدولار الاميركي وافتتاح المزيد من مكاتب صرف العملات الاجنبية تحدد سعر صرف هذه العملات على أساس العرض والطلب. وقد صُرّح للمشاريع الخاصة بالتداول بالدولار وتمويل ذاتها مقابل تحويل جزء من دخلها (بالدولار) الى خزينة الدولة. وتشكل الدولارات التي يرسلها المغتربون الكوبيون في الولايات المتحدة الى ذويهم في كوبا الجزء الاكبر من الدولارات التي غزت السوق الكوبية. إضافة الى ذلك، فقد سمحت الاتفاقيات التي عقدتها الحكومة الكوبية مع الشركات الاجنبية العاملة في كوبا، ان تدفع جزءا من رواتب الموظفين الكوبيين العاملين في هذه الشركات بالدولار.
  • تعديلات في الهيكلية التنظيمية للدولة من اجل ضبط العلاقة في التعامل مع الشركات الثنائية والاستثمارات الاجنبية
  • التعديلات القانونية التي صاحبت هذه التطورات الاقتصادية والتي كان من اهمها التعديل الدستوري في يوليو 1992 والذي اعاد تعريف “الملكية الاشتراكية”، والاقرار بظهور شكل جديد من الملكية، وتحديد الملكية وتغييرات اخرى داخل نظام التخطيط الاقتصادي.)، (17).
    هذه عينة من التحولات الاقتصادية الصناعية والمالية خاصة التي جرت في كوبا، وهناك إجراءات في الزراعة التي تمثل جذور التجربة، فقد تم إلغاء سيطرة الدولة على الأرض، وهذا يعني إن ملكيات الفلاحين التي كانت شكلية أصبحت بيدهم فعلياً وقانونياً كذلك، كما عملت الحكومة على تشجيع التعاونيات الزراعية وهي إجراءات تشير إلى خوف الدولة من تنامي الفئات البرجوازية في الريف، بعد جعل تطور الملكية الخاصة قانونياً وفي وسيلة إنتاج مهمة وكبرى في الجزيرة.
    إن الدولة الاشتراكية المفترضة هنا تقوم بتغذية نمو الطبقات المختلفة، فهذا سوف يقوم بخلق إزدهار للفئات الوسطى، ويوسع أعمالها، وتستفيد الحكومة من ذلك عبر الضرائب المستحدثة، وتنامي خزينتها، وقد عمقت ذلك أيضاً عبر إعطاء إستقلالية للمؤسساتها الاقتصادية، التي غدت حرة، وتتعامل مع السوق بشكل مباشر، وتنمي ماليتها المستقلة، وهو أمرٌ سيؤدي إلى تطوير الإنتاج والتقنية.
    ولا تنعدم في مثل هذا الاقتصاد الخاص المتنامي حالات الفساد والتداخل بين الرأسمالين الحكومي والخاص، في ظل تنامي العمليات الاقتصادية المختلفة.
    وبهذا يتشكلُ مساران اقتصاديان مختلفان، متضادان كذلك، ودرجة التضاد وعمقها تعتمد على إدارة الدولة، وهو شأن تقوم به وزارة التخطيط، وبهذا تكون تكونات الفئات الوسطى المالكة محسوبة، ومستثمرة من أجل تطوير القطاع العام.
    لكن هذا يعتمد على الرقابة الشعبية والحرة، وهو أمر لا يتشكل في مجتمع بلا صحافة حرة وبلا إنتخابات وبرلمان حر، ومن هنا فإن العكس قد يكون هو المتواجد والمستمر، أي أن يقوم القطاع العام بتسريب أمواله إلى القطاع الخاص، وحين يصل القطاع الخاص إلى قوة كبرى فإنه يعيد تشكيل التجربة لصالحه.
    (حقق الاقتصاد الكوبي في الفترة الواقعة بين العام 1994 و1999 معدل نمو سنوي يساوي 4.5 % . وفي العام 1995 كان النمو 6.2 %. وفي العام 2000 وصل النمو الاقتصادي إلى 5.6 %. وفي عام 2001 وصل إلى 3%، ولم ينم الاقتصاد أكثر من ذلك حتى الآن)، (18).
    يشير هذا إلى نمو بطيء ومهم وإلى توقف عن التطور اخيراً، فسيطرة الدولة وحجم الاقتصاد ومواده لا تسمح بأكثر من ذلك، وظلت الخدمات الصحية أفضل خدمات صحية على مستوى العالم، وأكبر عدد من الأطباء قياساً للسكان. ولكن بدأت المجانية الكلية تختفي، وبدأت رسوم على بعض الخدمات.
    إن شعارات مختلفة تنمو في المجتمع الكوبي، فالشعارات الاشتراكية ومؤسساتها تخبو، والشعارات الرأسمالية تتصاعد، ولكن نموذج رأسمالية الدولة الوطنية أنتصر ليس على مستوى كوبا بل على مستوى أمريكا اللاتينية التي بدأت بعض بلدانها بإصلاحات عميقة دون أن تتحول الدولة إلى دكتاتور كما في كوبا، وهو ما يشير كذلك إلى أن القارة اللاتينية سوف تصبح سوقاً موحدة ذات خصائص متقاربة، مستقلة عن الهيمنة الأمريكية الشمالية، وسوف تتغلغل الحريات السياسية والفكرية في كوبا أيضاً، ويتشكل نظام جديد مرتكز كذلك على الماضي الثوري.

بقية تجارب رأسماليات الدول في أمريكا اللاتينية

عبر صعود اليسار في أمريكا اللاتينية وإستلام العديد من الأحزاب القومية الاشتراكية واليسارية الديمقراطية عن تنامي حركة التحرر الوطني والتوحد والإصلاحات الاجتماعية في هذه القارة، وهي كلها معانٍ متداخلة معبرة عن تبدلات في هذه القارة.

فمنذ الانفصال عن الاستعمارين الأسباني والبرتغالي والقارة في عملية ديناميكية لإزالة التكوين الإقطاعي الشديد التخلف والجمود، خاصة في ملكية الأرض، ثم واجهت ككل وبصور مختلفة هيمنة الحكومات الأمريكية الشمالية، التي كرست حكم القوى الإقطاعية والكمبرادور وخصصت القارة لإنتاج المواد الخام، وظهرت في خلال ذلك فئاتٌ وسطى واسعة، راحت تطرح رؤى ليبرالية ويسارية عديدة بهدف التغيير الاجتماعي الذي تحقق بأشكالٍ بطيئة ومتضادة، وظهرت تجاربٌ قومية تحررية على أساسٍ استبدادي غالباً وكانت هي أقوى التجارب وما زالت تتمظهرُ حتى في حكومات اليسار الأخيرة.
عبرتْ هذه المضامينُ الاجتماعية القلقة المتتالية عن هواجس مشتركة لدى(اللاتين) في الاستقلال عن هيمنة القارات الأخرى، وعن تكوين قارة متحررة ذات سمات قومية متقاربة، يجذرُ ذلك الأصولُ العرقية التي يؤسسها الهنودُ الحمر المنتشرة في القارة، والأصول القرابية الاستعمارية لشبه الجزيرة الأيبرية، (الأسبانية – البرتغالية)، وهو ما يؤدي إلى إنشطار اجتماعي بين الفلاحين الهنود والأرقاء السابقين، والأقليات البيضاء، التي تشكل غالبية الفئات الوسطى والحكام غالباً، وما يؤسس ذلك الوحدات الوطنية لدى كل شعب، وبمدى تغلغله في عملية الثورة الديمقراطية وحدوث الإصلاحات في الريف وتطور العمال في المدن، وتنامي الصناعات التحويلية غالباً، وهي كلها أمور تخلق تنام للوعي السياسي الديمقراطي.
لم تستطع أمريكا اللاتينية أن تخلق تجربة (إشتراكية) على غرار روسيا والصين، الدولتين الكبريين، تعيد تشكيل التخلف بصور قاسية وسريعة، إلا في كوبا التي عجزت عن ذلك بسبب صغرها وضعف مواردها الاقتصادية وقلت قواها السكانية، وكونها جزيرة مفصولة عن بحر القارة الواسع.
ومن هنا كانت كوبا تمثل هاجساً سياسياً لكل أمريكا اللاتينية وتحريضاً مستمراً على القفزة الاشتراكية المنتظرة وعلى التحرر الناجز والعداء المطلق للولايات المتحدة الأمريكية.
ومن هنا ظهر الرافدان الأساسيان لحركة التغيير في العقد الأخيرمن القرن الماضي وتصاعد حضورهما في بداية هذا القرن، وجاءا من مصادر فكرية واجتماعية متداخلة مركبة معقدة بطبيعة هذه القارة.
كانت التأسيس اليساري القومي الشمولي من الحركات الأولى في القرن الماضي زمن الخمسينيات، وخاصة الحركة (البيرونية)، التي قامت بخلق تغييرات اجتماعية نقلت البلدان اللاتينية درجة جديدة من الصراع الاجتماعي وغدت نسخة مطبقة في بلدان عدة؛ حيث قامت حكومات لاتينية متعددة بتأميم بعض مصادر الإنتاج الرئيسية، ووزعت بعض دخولها على الجمهور الأكثر فقراً، وخلقت بهذا شعبية حماسية للتغيير.
وتمثل هذه الحركات (الاشتراكية) العسكرية والحكومية بداية لصعود رأسمالية الدولة الوطنية، مرتكزة على قيادات قادمة من الطبقات القديمة المسيطرة وتنحو باتجاه تحويل اجتماعي نهضوي يفكك العلاقات الإقطاعية المتحكمة في النسيج الاقتصادي خاصة، ويدعم هذه السياسة العاملون اليدويون والفلاحون بدرجة خاصة، ومن ثم فهي حركات لا تعتمد على تطور عميق في قوى الإنتاج، مما يقود إلى عجوزات مالية وأرتفاع للأسعار وهبوط للأجور، وبالتالي لا تجد هذه الحكومات العسكرية الشمولية، ذات الجمل الثورية الحماسية، آفاقاً كبيرة للتطور، وتسقط بانقلابات مضادة، ويستولي على الحكم ممثلو الطبقات القديمة وممثلو الفئات الوسطى الموالون لهم. وتنتشر في القارة معادة اليسار والشيوعية وتتوسع هيمنة الولايات المتحدة وتكرس الأنظمة الموالية لها، ويصبح اليسار محاصراً في(كوبا) أو مُسقطاً بشكل دموي في (تشيلي) أو مُطارداً يعمل على حروب العصابات في الغابات الكثيفة بكل مآسيها وكوارثها وإنتصاراتها النادرة.
ومع سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت التيارات اليسارية بالأزدهار، فقد سقطت مسألة المعسكرات الدولية المتصارعة، ولم يعد الجمود الاقتصادي والإقطاع الرث بمقبول حتى على المستوى الأمريكي عامة، كما أن التيارات اليسارية خلال العقود السابقة كانت قد أنتشرت في مراكز العمل والإنتاج، وغدت ذات جماهيرية في مناطق الفقر والهنود، كما توسعت الحريات السياسية التي ساعدت هذه القوى على الأنتشار بصورة أكبر، مع تخلي الكثير منها عن أفكارها القديمة؛ أفكار حرب العصابات، و(الماركسية – اللينينية) ورؤى الدولة الشمولية وبدأ إنتاج فكر ماركسي ديمقراطي يستحضر تجارب أوربا الشرقية والرؤى الديمقراطية الإنسانية الغربية خاصة تجارب الاشتراكية الديمقراطية.
لكن مستوى هذا التمثل مختلف، فقد أبرزت تجارب صعود اليسار الرافدين سابقي الذكر، في مؤسسات الحكم، وعكست نهجين مختلفين في إدارة الاقتصاد وفي العلاقة مع الجمهور وفي تشكيل علاقة دولية ولاتينية.
يعبر مصطلحُ(اللاتين) عموماً عن الجذور الدينية الكاثوليكية، وهو أمرٌ يشيرُ للسيرورة التاريخية المغايرة لأمريكا الشمالية، حيث هناك قاد البروستانت الأنكليز والهولنديين والألمان تكوين القارة، فصعّدوا العلاقات الرأسمالية بقوة، خاصة إنها ليست ذات إرث إقطاعي، وغدت موحدة كذلك، في حين حمل اللاتين تراثاً ضخماً من الإقطاع، في قارةٍ مفككة، لم يذبحوا فيها الهنودَ كما فعلوا في الشمال، وهذه الأنسنة والمعاداة للرأسمالية وتحول الشمال إلى مسيطر ومشكل للرأسمالية، وهياج الوحدة القومية – الأممية اللاتينية، حملَ أرثاً (يسارياً) راح يتمظهرُ في كل مرحلة بأشكال.
عبّر الرافدان السياسيان المهيمنان على حكومات أمريكا اللاتينية اليسارية عن عقليتين مختلفتين، عن يسار قديم لم يتشرب الوعي الديمقراطي، وتيار آخر بدأ يدرك نسبية اليسار ومرحلية حكمه، وموقعه في تنشيط العمليات الاقتصادية الرأسمالية والدفاع كذلك عن مصالح الأغلبية الشعبية.
هذه الجدلية في تكوين هذا اليسار الجديد الحاكم لا تعني انتفاء النواقص، ولا التناقضات الاجتماعية، بين أن يكون حاكما وينشط علاقات إنتاج رأسمالية ويدعم قطاعاً عاماً ويعمل على زيادة الإنتاجية، بدلاً من نثر النقود والمعونات على الفقراء، وهو أمرٌ يثير اقصى اليسار، ويعتبره خيانة فيشكلُ يساراً مصارعاً منافساً!
تمثلت تيارات اليسار الديمقراطي في التجارب التالية:
(حزب العمال الموحد” بزعامة (لولا)، عامل الصلب والمناضل العمالى فى البرازيل، و”الحزب الاشتراكى الديمقراطى” بزعامة ريكاردو لاجوس ثم ميشال باشليه (ناشطة حقوق الإنسان) فى تشيلى، و”الحزب الاشتراكى الديمقراطى” فى أورجواى بزعامة تابارى فازكويز (المقاتل السابق فى حركة توباكوموراس). وهذه الأحزاب تتولى مقاليد السلطة فى بلادها حالياً. كما تشهد نيكاراجوا صعوداً متسارعاً لتحالفات يسارية من هذا النوع وإن كانت مازالت فى المعارضة حتى الآن ومرشحة بقوة لتولى زمام السلطة.)، (19).
إن ظهور هذه الأحزاب الحديثة وتحولها عن اليسار القديم ونشؤها من مناضلي حرب العصابات والمثقفين الاشتراكيين الديمقراطيين وطلوعها من مواقع الإنتاج والأرياف، لم يكن بدون أفكار إشتراكية جديدة ديمقراطية، تلاقحت مع النشاط العمالي، وغدت ذات أشكال ديمقراطية في تكوين مؤسساتها السياسية المعتمدة على غياب المركزية المتصلبة، وتعددية المنابر وتكوين وحدة سياسية عملية مؤثرة في الواقع، أي أنها راحت تعمل على فكر سياسي عملي في خدمة الجمهور وفي العلاقة الديمقراطية معه، وكان وصولها للسلطة ليس إنقطاعاً عن تلك العلاقات الجماهيرية، وعبر خلق تحولات لها، لا تضربُ كذلك قوانين الاقتصاد وترعب الشركات الخاصة، وهي تقدم أيضاً تغييرات يحسها الناس في حياتهم المعيشية، بدون الأدعاءات بالقضاء على الاستغلال.
وهناك اليسار القديم المتمسك بثوابت الصراع المطلق مع الولايات المتحدة، وتكوين تحالفات ضدها، وهو يعبر عن نمط تجارب الرأسماليات الحكومية التي كان مشروعها الأول إزالة الرأسمالية وإلغاء الطبقات والاستغلال، وتجسد ذلك في كوبا، وكما رأينا في موضوع سابق، كيف تجمدت التجربة وتحولت نحو نموذج مغاير، ونضيف هنا بأن التجربة الكوبية هي في قلب تجارب النضال القديمة والجديدة في أمريكا الجنوبية، فتجارب اليسار الجديد ترفض حصارها وتقدم المعونات لها رغم إختلافها الفكري عنها، ورفضها لطريقتها السياسية، في حين أن تجارب مثل التجربة الفنزويلية بقيادة شافيز تعتبرها هي النموذج وتقدم لها مساعدات كبيرة غدت مكان المساعدات السوفيتية السابقة.
يقدم لنا أحد الصحفيين المطلعين على تجارب الصراع بين نمطي اليسار ملاحظات نارية في تصوير هذا الصراع، ويكشف المحور اليساري الصاعد وخصمه الرئيسي، فقد برزت:
(مجموعة ثلاثية جديدة من زعماء أمريكا اللاتينية ـ الرئيس الكولومبي ألفارو أوريبي، والبرازيلي لويز إناسيو لولا داسيلفا، والمكسيكي فيليبي كالديرون ـ العازمين على القضاء على أباطرة المخدرات والحركات العصابية المسببة لزعزعة الاستقرار في أمريكا اللاتينية، فضلاً عن عزل زعيم الدهماء مُـحدث النعمة، الرئيس الفنزويلي هيوغو شافيز.)، (20).
إن السياسات الداخلية المعتمدة على الحكم البرلماني النزيه والقوانين التي تدعم نمو الرأسمالين العام والخاص، وبالتالي تقوم بتطوير الدخول الوطنية، تشكل في السياسة الخارجية سياسة تعاون سلمية غير مؤدلجة وغير مواجهة، بغرض تخفيف عملية التسلح والعسكرة وتوجيه الدخول نحو التنمية بصورة أساسية. وهذه تحتاج إلى علاقات حسنة مع كافة الدول بما فيها حكومات الولايات المتحدة المختلفة.
لكن مثل هذه السياسة تقابل بالرفض من قبل حكومات وتنظيمات يسارية أخرى، لا ترى نفسها إلا في مواقع المجابهة.
هكذا فإن رئيس كولومبيا عليه أن يواجه حرب العصابات التي يقودها (ثوار ماركسيون) وتجار مخدرات، ويتعاون مع الدول الأخرى ليضع حداً لمثل هذه التجاوزات.
(لقد بات محور أوريبي – لولا – كالديرون يشكل نفوذاً جغرافياً استراتيجياً لأن الأمور بدأت في التغيير في كوبا منذ سلَّم فيدل كاسترو الرئاسة رسمياً لأخيه راؤول. وأصبحت أمريكا اللاتينية مهووسة بهذا التحول، ويبدو أن أوريبي وكالديرون ولولا عازمون على عدم ترك الزمام لشافيز)، (21).
إن محور رؤوساء الجمهوريات هؤلاء يعبر عن صعود تلك العقليات الجديدة في اليسار اللاتيني، الديمقراطية في علاقاتها بالجمهور ودرايتها بقوانين التشكيلة الرأسمالية في لحظة صعودها الواسع الراهن وتناقضاتها المعقدة في تلك القارة، بما يعزز نموها ويبدل العلاقات الإقطاعية والأبوية والعشوائية في توزيع الدخول ويحافظ على معيشة الأغلبية، ولكنه في أول الطريق، فما تلبث قوى اليمين الليبرالي أن تمسك بزمام السلطات في وقت مغاير، لكن هذه المرحلة تتوجه للصراع مع اليسار الطفولي والدكتاتوري المتلفع بالرايات القومية والمعاداة الشكلية للرأسمالية.
لعل شافيز رئيس جمهورية فنزويلا يمثل نمط اليسار القديم الفاشل في فهم العصر والتحولات والمسبب للكثير من المشكلات لبلده ولمنطقته.
هناك إحتفاء به في الصحافة العربية السائدة بسبب إهتمامها باللغة الخطابية الانفعالية والفارغة في محاربة الأمبريالية ولبقاء الأنظمة التقليدية الدكتاتورية في منطقتنا، في حين إنها لغة تسبب في فنزويلا وفي أمريكا الجنوبية المتاعب للشعوب.
فبدلاً من مساعدة القيادة الجديدة في كوبا للتخلص من نهج الاعتماد على الغير والدول الأخرى، بإعتمادها على شعبها وإجراء تغييرات عميقة في النظام تبعدها عن هذا التسول التاريخي، يصر شافيز على بقائها بهذه الصورة الجامدة، وعلى غياب الديمقراطية والتعددية وحرية الصحافة، باعتبارها أحد المراكز المناؤة لأمريكا ولهزيمتها، وهو في سبيل ذلك يهدر أموالاً كثيرة ويصّعب وضع شعبه. لكن صعوباتها ومشكلاتها الاقتصادية كبيرة:
(وفي وقت سابق من هذا العام (2008) وافق وزير خارجية المكسيك على إعادة جدولة الدين الذي بلغ 400 مليون دولار أمريكي الذي تخلفت كوبا عن سداده.)، (22).
يجري الباحث المصري عمرو عبدالرحمن، مقارنة عميقة بالأرقام بين نظامي شافيز والنظام المكسيكي بالصورة التالية:
(النظرة السريعة تشير إلى تدهور مؤشرات النمو الاقتصادى والتنمية البشرية منذ مجيئ شافيز للسلطة في 1999 بشكل متواصل. وهو ما يتضح من مقارنة تلك المؤشرات مع نظيرتها فى المكسيك، التى شهدت واحدة من أدنى معدلات النمو فى القارة خلال الفترة ذاتها. فخلال السنوات السبع الماضية نما الاقتصاد المكسيكى بمعدل إجمالى 17.5% بينما لم يحقق الاقتصاد الفنزويلى أى نمو على الإطلاق. وفى الفترة بين 1997 و2003 نما الناتج المحلى الإجمالى المكسيكى بنسبة 9.5% على مدى الفترة، بينما انكمش الاقتصاد الفنزويلى بمعدل 45%. وفى المدة بين 1998 و2005 فقد البيزو المكسيكى 16% من قيمته بينما هبطت قيمة البوليفار الفنزويلى بنسبة 292%. وبين عامى 1998 و2004 تقلص عدد الأسر المكسيكية التى تعيش فى فقر مدقع بنسبة 49% فى حين ازداد عدد الأسر التى تعيش فى فقر مدقع فى فنزويلا فى ذات الفترة بنسبة 4.5%. أما من حيث معدل التضخم، فقد قدر بـ3.3% فى المكسيك فى عام 2005 فى حين بلغ نظيره فى فنزويلا 16% فى نفس العام. ولم تمنع هذه الأزمة المالية المستحكمة شافيز من التوسع فى عقد صفقات السلاح مع كل من روسيا وأسبانيا.).
يتبلور النهجان في كون النهج اليساري الديمقراطي لا يضحى بالحريات الاقتصادية والثقافية والسياسية من أجل التنمية، بل يمزج بينهما في توليفة صعبة، تجعل الحكومات من هذا النوع معرضة لمناورات أقصى اليمين وأقصى اليسار، ومن أجل تحقيق خططها في التنمية تجعل الجمهور مشاركاً ومتحملاً المسئولية وتجعل خططها وأعمالها مكشوفة للبرلمانات والصحافة، ولكن عبر هذا يجب أن تحقق ما وعدت به الناخبين من تطور معيشي ونمو في مداخيل السكان وتقليص للبطالة.
أما حكومات اليسار القديم فهي تفرض سيطرة مغايرة على البرلمان والصحافة، وتعود جذور ذلك للبيرونية وهي النزعة السياسية القومية الشمولية والمعادية كذلك للاستعمار والمؤيدة للتأميمات على غرار التجارب العربية(القومية)، ولم يتورع بيرون عن قمع الجمهور وخاصة العمال والقيام بمجازر.
وهذه النزعة على الطريقة الكوبية لا تقبل بالمعارضات، وتقود في نهاية المطاف إلى العجز الاقتصادي لهذه الأنظمة.
(أما إيفو موراليس فى بوليفيا فهو قادم من خلفية شعبوية قحة تدافع عن زراعة نبات الكوكا السام والذى يستخدم فى إنتاج الكوكايين تحت دعوى الخصوصية الثقافية لشعب الإيمارا الهندى الأحمر!)، (23).
مثل هذه الأنظمة عرفناها في منطقتنا العربية وقادت وتقود لكوارث جمة، لكن عبر شعارات فضفاضة عن القومية ومحاربة الأمبريالية.
لكنها تقوي التبعية باستنزاف المصادر الاقتصادية على السلاح والبيروقراطيات والمساعدات غير المبررة لأنظمة وحركات أخرى إستبدادية مثلها.
تتعدد سياسات اليسار الديمقراطي الحاكم في أمريكا الجنوبية، وأغلبها لا يتصادم مع مؤسسات النقد والأمم المتحدة والشركات الكبرى ويحاول تطوير الاقتصاد وحياة الناس من خلال أدوات أخرى لا تلغي عمل الحكومات الليبرالية السابقة، على غرار سياسة لولا رئيس البرازيل:
(ومع وصوله للسلطة استطاع من خلال هذه السياسات تحقيق فائض سنوى فى الموازنة العامة بالرغم من تباطؤ معدلات نمو الاقتصاد البرازيلى. ومن جهة أخرى، استطاع حزب العمال البرازيلى انتهاج سياسات اجتماعية مبدعة مثل التمويل الاجتماعى للعائلات حسب ارتفاع مستوى تعليم أبنائها وهى المبادرات التى كان حجر الزاوية فيها إدماج مؤسسات المجتمع المدنى. المحصلة كانت قفزة نوعية فى مؤشرات التنمية الاجتماعية مثل التعليم والصحة وخلافه)، (24).
تنوع اليسار الحاكم لو تم بشكل رفاقي يكون أمراً مفيداً، لكن ذلك لا يحدث وتصر وجهات النظر الشمولية فيه على إفشال التجارب الأخرى، ومهاجمتها، مما يقوض سياسات التعاون المشتركة بينها، ويجعل توحد أمريكا الجنوبية على أساس سياسات تقدمية ديمقراطية بحاجة لعقود.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :
(1) توفى المؤلف ولم نعرف من اين استمد المصدر!
(2) انظر الهامش (1) .
(3) انظر الهامش (1) .
(4):( عن مقالة (روزا لكسمبرغ في مواجهة لينين، فؤاد النمري، موقع إيلاف).
(5): (الخبير الروسي الاقتصادي (ستانليسلاف مينشكوف) : فقرة من كتابه تشريح الرأسمالية الروسية).
(6)(المصدر السابق).
(7): (عادل سمارة (السمينار الفكري الذي عُقد في بروكسل حول التجارب الشيوعية سنة 1995).
(8): (السابق).
(9): (السابق).
(10): (السابق )
(11):(فيرنر– سين ، مدير معهد Ifo للبحوث الاقتصادية في ميونخ).
(12): (من كلمة السفير ووسيكه في مؤتمر ” الصعود الصيني” الذي أقامه مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة).
(13):(من مقالة للسيد محمود محمد ياسين، موقع الحوار المتمدن.).
(14):(من (موقع المعرفة، تطورات الاقتصاد الهندي، بقلم عبدالرحمن عبدالعال).
(15):(السابق).
(16):(السابق).
(17) (مسعد عربيد، مستقبل الاشتراكية في كوبا، الحوار المتمدن).
(18):(السابق).
(19):(عمر عبدالرحمن، موقع البوصلة).
(20):( موقع الصحيفة الاقتصادية الإلكترونية).
(21):(السابق).
(22):(السابق).
(23): (موقع البوصلة).
(24) : (السابق).

الفصل الثالث

الرأسماليات الحكومية العربية والإسلامية

الرأسمالية الحكومية المصرية

كانت للتدخلاتِ الحكومية في الاقتصاد جذورٌ موغلة في القدم في مصر، وفي العصرِ الحديثِ ظهرتْ من خلالِ محمد علي، وتتوجتْ في العهد الناصري، الذي شكلَ قطاعاً عاماً كبيراً.

(وكانت أبرز هذه السياسات قانون الإصلاح الزراعي في سبتمبر 1952، والاتجاه إلى التصنيع لاستيعابِ مزيدٍ من العمالة وإنشاء “المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي” أواخر العام نفسه، وبدء الاستثمار الحكومي المباشر من خلاله في شركة الحديد والصلب عام 1954، ثم تأميم قناة السويس عام 1956. ومع تزايد تدخل الدولة بدأ الاتجاه للتخطيط عبر إنشاء لجنة التخطيط القومي عام 1957 بدلاً من مجلس الإنتاج القومي.)، (1).
سيطرة الدولة على القطاع الأكبر من الاقتصاد قادتْ إلى تحولاتٍ اقتصادية واجتماعية كبيرة، وحدثَ نموٌ بمعدلاتٍ متفوقة، (وقد أسفرت تلك المرحلة عن تحقيق معدل نمو بلغ 38% خلال الخطة الخمسية)، (2).
إن توسع قطاعات الدولة كما كان لها دورها في تشكيل البنية الاقتصادية التصنيعية الهامة كان له سلبياته على المدى البعيد كأي قطاع رأسمالي حكومي شمولي، لا تصحبهُ رقابة شعبية ومشاركة للعمال في الإدارة والمراقبة، مثلما تغيّبُ المنظمات السياسية الشعبية والبورجوازية.
يشيرُ الباحثُ المصري عادل غنيم في مؤلفه “رأسمالية الدولة التابعة فى مصر” إلى مأزقِ استراتيجيةِ الاستثمارِ الحكومى الموسعِ فى السوق الرأسمالى. ففى هذا المؤَلف يشيرُ غنيم الى اتجاه البورجوازية المصرية الى التوسع فى الاستثمار الحكومى لصالح مشروعها الدولتى والذى لاقى مساندة من الغالبية الكاسحة من الشعب المصرى نتاج اعتبارات أيديولوجية وسياسية متعددة. ومع تشكلِ بيرواقرطيةٍ متنفذة من رحم هذه المؤسسات تسعى الى الانتقال لصفوف الرأسمالية كان النهب المنظم أو ما يُطلق عليه فى الإعلام سياسات التخسير هو السبيل الوحيد أمام هذه الشريحة للانتقال لصفوف البورجوازية. ويورد غنيم أمثلة شيقة جداً حول وقوف هذه الشرائح بحزم أمام أى محاولة لإصلاح القطاع العام أو حتى ضخ استثمارات جديدة فى منشآته إذ تشكل أى محاولة لإصلاح هذه المنشآت إخلالاً بالشرط الموضوعى لهيمنتها السياسية والأيديولوجية. وفى المقابل لم يكن أمام التحالف الإجتماعى الحاكم فى هذه الحقبة إلا التوسع فى سياسة المنح والاقتراض من الخارج للابقاء على نفس المستوى من الانفاق الإجتماعى فى حين بقي قطاعُ الدولة خرباً ولم تكن استثمارات القطاع الخاص قد نمت الى الحد الكافى الذى يسمح لها بلعب دور محورى فى عملية التنمية. هذا ما أطلق عليه غنيم رأسمالية الدولة التابعة: نظام للهيمنة السياسية والأيديولوجية لبيروقراطية الدولة العسكرية والأمنية القائم على نهب القطاع العام والتوسع فى سياسة المعونات والديون فى ذات الوقت.)، (3).
إن الفئة البورجوازية الصغيرة العسكرية التي استلمت الحكم في الثورة تصاعد نفوذها وثروتها حتى جاء زمنُ الانفتاح لتغدو فئات وسطى كبيرة عمقتْ النموَ الرأسماليَّ الخاص ووسعتهُ إلى حدٍ كبير لكن عن طريق الفساد السياسي.
وهي إذ حافطتْ على القطاع العام في بعضِ الجوانب وخاصة في مؤسساتِ الجيش والأمن والإدارة العامة والقطاعات التصنيعية الكبيرة، فإنها جعلتهُ مصدراً لبقاء السلطة ولضخ الرساميل إليها، عبر مختلف المشروعات الحقيقية أو الزائفة، خاصة في زمن ما بعد عبدالناصر.
يتساءلُ باحثٌ مصري عن دور الأجهزة الحكومية المتدخلة في الاقتصاد بالصورة التالية:
(• بماذا نسمي تآكل 1.2 مليون فدان من الأراضي الزراعية الخصبة والذهاب لاستثمار مليارات الجنيهات لاستصلاح أراضى صحراوية؟!
• بماذا نسمي تراجع الإنتاج المصري من القطن وقصب السكر وانعكاس ذلك علي صناعتى الغزل والنسيج والسكر وكذلك علي احتياجات المصريين من هذه المنتجات؟!
• بماذا نسمي تصفية أصول إنتاجية مملوكة للدولة وبيعها كمعدات خردة وأرض فضاء؟ كما تجاوز عدد المصانع المتوقفة عن الإنتاج من القطاع الخاص 800 مصنع حيث أغلق 400 مصنع بمدينة العاشر من رمضان، و151 مصنع بمدينة السادس من أكتوبر، و170 مصنعا بمدينة برج العرب. وكشفَ تقريرٌ صادرٌ عن جمعية المستثمرين بمدينة السادس من أكتوبر أن 29% من المصانع بالمدينة، أغلقت أبوابها بسبب التمويل و11% بسبب الارتفاع الذي شهدته أسعار الخامات.
• بماذا نسمي إنفاق مليارات الجنيهات على قري سياحية ومشروعات عقارية مثل مدن الأشباح بينما انتشرت العشوائيات لتضم 17‏ مليون شخص يعيشون في‏1109‏ منطقة عشوائية في‏20‏ محافظة.
• ماذا يعنى تهريب أكثر من 200 مليون دولار إلي خارج مصر بينما نتسول استثمارات نقدم لها كل التسهيلات ولا تأتي؟!
• ماذا يعنى دخول بنوك القطاع العام في شراكة مع البنوك الأجنبية طوال الثمانينات والتسعينات ثم بيع حصتها بأبخس الأسعار ؟!) (4).
كانت الرأسمالية الحكومية إذن هي بوابة إنتاج كبيرة للرأسمالية الخاصة، وفي الجانب الأول يتفق ذلك مع ظهور الرأسماليات الحكومية الشرقية، التي سُميت بأنها التجارب الاشتراكية وفي هذا الزمن أعطتْ الجمهورَ بعضَ الحقوق، وهو أمرٌ ضروري لثبيت سيطرتها، وتوسيع شعبيتها، وبطبيعة الحال فإن زمن توسع الرأسمالية الخاصة وتحول الرأسمالية الحكومية قيادة لها ومُشكِلة لإياها يكـّونُ هذا الخيلط المرعبَ بين رأسمالية حكومية فاسدة ورأسمالية خاصة تابعة لها. ولكن تغدو الرأسمالية الخاصة لأرباب العمل المستقلين دائماً محل تهميش أو ضغوط وخسائر بطبيعة الحال.
والرأسمالية الحكومية بهذا تجرُ مخلفات الإقطاع معها هنا، وهي سيطرة الوعي الديني المحافظ، وتخلف النساء واللامساواة بين المواطنين، وتشكيل بورجوازية جبانة ذات ذهنية محافظة تابعة للسلطة، خاصة في الأقسام العليا المتواشجة مع عمالقة القطاع العام. فيما تواصلُ بعضُ الفئاتِ الوسطى المعارضة الديمقراطية.
على المستوى السياسي فإن حزبَ الحكومة يبقى هو حزبُ الحكومة مهما اختلفتْ اليافطاتُ التي يرفعُها كالاتحاد القومي فالاتحاد الاشتراكي فالحزب الوطني، وهذا يختلفُ عما جرى في الرأسمالية الحكومية الروسية حيث انفصل الحزبُ الشيوعي عن جهاز الدولة، وغادرَ إمتيازاتها لكونه يمتلكُ تاريخاً نضالياً عريقاً وقيادات صلبة، في حين تشكلَّ للمافيا حزبُ السلطة الخاص، الذي وصلَ للحكم عبر الانتخابات في زمنٍ قياسي! وهذا يدلُ على قوة العناصر التقدمية في روسيا حتى في جهاز حكم فاسد، في حين لم يحدث ذلك في مصر. وكان آخر إطلالة لهذه العناصر فيما عرُف بالتنظيم الطليعي السري في الاتحاد الاشتراكي، الذي ذهب العديد من أفراده للسجن وذهب هو مع الريح.
وهذه السلطة الحكومية الرأسمالية – العامة – الخاصة – المتضافرة مع بقايا الإقطاع الكبيرة في النظام المصري والنظام العربي الإسلامي عامة، يجعل اليساريين المصريين يتساءلون عن إمكانية الفعل النضالي تجاه مثل هذه البنية المشوهة من كل جانب، هل يجري تغييرها من خلال الحفاظ على بنية الرأسمالية وتطويرها أم يجري نسفها وإحلال رأسمالية (حرة) مكانها ويتم فيها إلغاء القطاع العام كلية؟
هناك العديد من الاختلافات والرؤى المتعددة بهذا الصدد.
لقد أخذت بعضُ قوى اليسار المصري تستوعب العملية المرَكـَّبة في تشكلِ الرأسماليةِ الحكومية الشرقية، فلافتات الاشتراكية الوطنية المؤَّدلجة تظهرُ باعتبارِها مراحل لتطور رأسمالية الدولة، وتجاه وضع ومصير هذه الرأسمالية تتباين الآراء.
إن هذا المصير يتعلق بمدى تطور الرأسمالية الخاصة الليبرالية المستقلة عن شمولية الدولة، وبمدى تقدم وضع الطبقة العاملة، ويتداخل وضعا العمال والبورجوازية الخاصة المستقلة تعاوناً وصراعاً. كذلك يتداخلُ هذا كله بعملياتِ التغيير لرأسمالية الدولة الشمولية باتجاه رأسمالية الدولة الديمقراطية. فلا بد من الحفاظ على الصناعات الكبرى العائدة للملكية العامة ومراقبتها وتغيير طابعها البيروقراطي. إنها عملية مركبة ولكن ثمة اتجاهات سياسية عديدة تأخذها بشكلٍ جزئي، وبعدمِ فهم السيرورة التاريخية العامة لهذا النمط الرأسمالي الشرقي من الرأسمالية العالمية.
ويظلُ حجمُ الطبقة العاملة ودورها هنا أساسياً، وقد تطور الوعي التقدمي المصري هنا كثيراً في رصد تاريخ هذه الطبقة ومستوياتها وأقسامها وعبر الأرقام، منذ زمن بعيد.
(بلغ إجمالي قوة العمل فى مصر في أول يناير من العام الحالي ما يزيد عن‏20‏ مليونا‏ًً، وبلغ عدد المشتغلين في القطاع الحكومي نحو ‏5 ‏ ملايين، ونسبتهم من إجمالى عدد العاملين بأجر غير معرضة للزيادة فى ضوء سياسة تقليص التعيينات بالحكومة.)، (5).
إن تقلص عدد العاملين بأجر داخل الأجهزة الحكومية وتصاعدها في خارج هذه الأجهزة يشيرُ عموماً إلى تراجع هيمنة الرأسمالية الحكومية وتفكك هيمنتها السياسية الاقتصادية، بشكلٍ محدود، وتصاعد دور الرأسمالية الخاصة، ولكن العمال خارج هذه الأجهزة متنوعي الارتباطات بالرأسمالية الخاصة:
(وفي القطاع الخاص داخل المنشئات‏ يبلغ عدد العاملين المُؤّمن عليهم نحو‏5‏ ملايين وفق الإحصائيات الرسمية، ونسبتهم تتزايد مع تصاعد كل من عمليات الخصخصة والاستثمار الخاص. والحقيقة أن الكثير من العمالة المنظمة فى القطاع الخاص غير مؤّمن عليها، ومن ثم لا يتضح حجمها الحقيقى من الإحصائيات الرسمية.).
(وينقسم العاملون بأجر حسب القطاعات التى يعملون بها إلى 50% يعملون فى التجارة والخدمات، و19% يعملون فى الصناعة، و31% يعملون فى الزراعة‏.)، (6). (السابق).
إن تبعثر الطبقة العاملة وضعف تكوينها الصناعي، ووجود حشود تحتية كبيرة لها متقاربة مع (قاع) البروليتاريا، إضافة لهيمنة النقابات الحكومية وسيطرة الوعي الديني المحافظ عليها، وهي أمورٌ كلها تعكس الجذور الريفية لهذه الطبقة و هيمنة الاقتصاد الخدماتي عليها، وغيبة التكوينات النسائية الكبيرة عنها، وبالتالي هامشيتها السياسية.
إنها في مرحلة النضال الديمقراطي العام وطنياً، فهي نقابياً تسعى لتغيير أوضاعها المهنية داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وهو أمرٌ يتجلى في إضرابات بعض قطاعاتها، إنه أمرٌ نقابي عمالي يتضافر مع حركة أرباب العمل للخروج من هيمنة الرأسمالية الحكومية، لتوسع وحريات الرأسمالية الخاصة.
على المستوى السياسي يتجسدُ ذلك في المعارضة المشتركة لحزب الدولة المسيطر خلال نصف قرن، والذي يعكس تلاوين الرأسمالية الحكومية في عدة عهود، كما أن قوة الأخوان المسلمين تعكس هي الأخرى محافظة وتخلف الرأسمالية الخاصة وجذورها الريفية، وكذلك تنامي شرائح منها عبر الفساد السياسي.
وفي حين تتقدم علاقاتُ الرأسمالية الحديثة داخل الريف المصري، حيث يبين ذلك توسع حضور العمال العاملين بأجر، فإن الرأسمالية الخاصة الصناعية ضعيفة.
إن هذه الظاهرات تعكس سببيات عامة مهمة، مثل إن الفساد السياسي يبعثرُ فوائضَ كثيرة خارج عملية التجديد الموسع للصناعات الوطنية والقوى العاملة، مثله مثل المحافظة الاجتماعية والسياسية الدينية التي تعرقلُ انخراطَ النساء في الصناعة، فيما تتقدمُ الأريافُ و(المدن) الريفية في المدن، وتتضخم الأجهزة الحكومية بالأعداد غير العاملة.
إن قوانين الرأسمالية الحكومية الشرقية الصناعية الشاملة على غرار روسيا والصين لم تـُستكملْ في مصر الناصرية، وقوانين الرأسمالية الخاصة المستقلة على غرار اليابان لم تـُستكمل هي الأخرى في زمن ما بعد عبدالناصر.
ولهذا فإن الحديثَ عن مقاربةِ مصر لنمور آسيا في أقصى تصور لحداثة رأسمالية مصرية، أو بمعنى عملية هدم القطاع العام وبالبدء من رأسمالية مستقلة(حرة تماماً)، برنامجٌ غير ممكنٍ بسببِ السيطرة الطويلة المتجذرة لقطاع الدولة، وفكرياً يتجسدُ ذلك بالواحدية الفكرية الدينية اللاعقلانية، فلا بد من الانتقال لرأسمالية الدولة الديمقراطية، على مراحل، وبتوجيه الفوائض الاقتصادية والقوى العاملة للصناعات الحديثة العامة والخاصة المتطورة بشكل رئيسي، وهذا يتطلب محاربة الفسادين الاقتصادي والسياسي الحكوميين، وبتحالفات ديمقراطية تقدمية وليبرالية واسعة لتنفيذ البرنامج التحديثي السابق الذكر.
إن هدمَ القطاعِ العام أو القفزة نحو الحكم الاشتراكي، شعاران كلاهما يعبران عن عدم فهم قوانين التطور الاقتصادية، فالأمرُ يتطلبُ تقوية القطاع العام ومراقبته وإخضاعه للديمقراطية، مثلما يتطلب الأمر التعاون الواسع مع الرأسمالية الخاصة المتوجهة لتحديث المجتمع وتصنيعه وديمقراطيته.
تتم رؤية التطور في مصر لدى بعض وجهات النظر اليسارية في تضاد لا يقبل هذا الجمع:
هل تجري عملية (تعبئة عمال القطاع العام للإبقاء على منشآتهم خاسرة ويتحملوا هم وأبنائهم للجيل الثالث على الأقل خسارتها مع المطالبة البائسة باستقلالية تنظيمهم النقابى فى مواجهة طبقة تعتمد فى سلطتها على هذا القطاع العام نفسه؟ أم القبول بخصخصة هذا القطاع مع النضال من أجل شفافية هذه العملية وضمان حقوق العاملين واستقلالية التنظيم النقابى والتى ستتحول الى مطالب منطقية ومشروعة فى أى ديمقراطية بورجوازية أظن أننا على أعتاب الولوج اليها قريباً؟)، (7).
إن خصخصة هذا القطاع بشكل كلي صعبة كما أنها مضادة للتطور الاستقلالي الوطني الاقتصادي، وهي تلقي البلد في أحضان الشركات الأجنبية، وهذا لا يمنع من النضال من أجل ديمقراطية هذا القطاع، وداخل النضال الديمقراطي الوطني عامة، لكن وجود مرتكزات اقتصادية عامة إستقلالية والسيطرة على فوضى الاقتصاد الخاص، يجعل القوى الشعبية ذات حضور أكبر في (الديمقرطية البورجوزاية القادمة).

الرأسمالية الحكومية الإيرانية

دون تراث ديمقراطي طويل في البلدان الشرقية لا تستطيع ملكية الدولة إلا أن تتحول إلى رأسمالية حكومية شمولية.

هناك الكثير من الآراء والمناقشات حول الثورة الإيرانية وأسباب تحولها لنظام ديني شمولي بدلاً من أن تكون حتى نظاماً ليبرالياً ديمقراطياً.
لقد أسس الشاه دكتاتورية الحكم وقطاع الدولة الاقتصادي الكبير، الذي تغدو فيه ملكية النفط الحكومية أداة السيطرة الكبيرة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن دينامية الثورة تعود للجماهير الشعبية التي شاركت فيها، لكن القوى السياسية الليبرالية واليسارية لم تفهم قوانين الأنظمة الحكومية الرأسمالية في الشرق. فصعودُ الدولة ذات القوة الكلية في المجتمع لا يمكن مقارنته بتطور الصراعات الاجتماعية في الغرب.
لم ينفصل النظام الملكي السابق عن المحافظة الدينية، وتجسيد القومية الفارسية، فجاءَ النظامُ الديني ليكمل ذلك التاريخ.
ورغم منطلقات الحزب البلشفي في روسيا، واختلافها عن أفكار حزب الجمهورية الإيرانية كثيراً، لكن كان تتويج النظامين في توليفة واحدة: هي دكتاتورية الدولة وهيمنتها على القطاع الاقتصادي الأكبر، ثم إنتاج بورجوازية (سوداء) من داخل مؤسسات النظام، وإذا تأخر ظهورها في إيران فإنها سوفَ تظهرُ لاحقاً.
(كان الضعف فى حركة العمال جزئياً نتيجة لعوامل موضوعية، فكان هناك أنقسام داخل الطبقة العاملة بين أولئك العاملين فى القطاع الحديث فى المصانع الكبيرة وهؤلاء العاملين فى القطاعات التقليدية فى الورش الصغيرة (والتى معظمها كانت تـُدار من أصحابها أو أعضاء العائلة). وكانت المناطق التى يسكنها العمالُ غالباً يسودها عددياً القطاعات البائسة من البورجوازية الصغيرة، فقد كان يوجد 750 الف تاجر ومن الطبقة الوسطى، وتجار صغار، فى طهران فى 1980 فى مقابل 400 الف عامل فى المؤسسات الصناعية الكبيرة. وكانت أعداد كبيرة جداً من العمال جديدة على الصناعة ولديهم تراث ضئيل من الصراع الصناعى – 80% منهم كانوا من أصول ريفية وكل عام تغرقُ الاحياءُ بحوالى 330 الف من الفلاحين السابقين، وكان ثلثهم فقط متعلماً ولذلك كان قادراً على قراءة الاعلام اليسارى، برغم أن 80% كانوا يمتلكون جهاز تليفزيونات. وأخيراً كان حجم القمع فى ظل الشاه يعنى أن عدد المناضلين الموجودين فى أماكن العمل كان قليلا جداً، (8).
إن التدفق الريفي للمدن هو عامل مهم في نشر الإيديولوجية الدينية المحافظة لكنه ليس هو السبب المحوري، فالبنية الاجتماعية بنية إقطاعية قديمة، والفهم المذهبي المحافظ هو نتيجة طويلة لسيطرة الإقطاع على إنتاج الإسلام، وهزيمة النزعات الديمقراطية الأولى، ولكن ذلك يتبدى بصورة أكبر مع هيمنة الأجنحة الريفية على عملية الإنتاج هذه، وهي الأشد محافظة، ومن هنا فهذا الفهم موجود في الأحزاب اليمينية وكذلك (اليسارية).
فنظراً لعدم وجود فئات متوسطة إيرانية مستقلة على مدى التاريخ السابق، إلا من لحظات ثقافية صوفية شعبية انتقادية، ومن نزعة تحررية لبعض الشخصيات الفكرية والأدبية، فإن الفهم الإقطاعي المحافظ سيطر على الحياة بكل جوانبها وبتاريخها السابق، وتقوم الدولُ ذات الملكية المركزية بإدامة هذا التراث، في لحظات تشكيل جهاز الدولة وملكياته المختلفة، إلى مستوى معين من تطور قوى الإنتاج، ولهذا وجدنا البلشفية تتصدع في زمن، كما تتصدع الماوية في زمن آخر، فلإيران البيروقراطية الدينية لحظة تصدعها القادمة، من داخل جهازها نفسه.
إن المظلة الدينية التقليدية تظلل الجميع، ولهذا ليس وجود قوى عاملة ثورية كافٍ بحد ذاته، ما لم تكن ثمة قوى رأسمالية خاصة واسعة، وما لم تكن الدولة ليس في يدها معظم الثروة، فإذا كانت كذلك تستحيل الديمقراطية!
لقد قام المحافظون على مدى ألف سنة بتشكيل وعي ديني (إسلامي) مقلوب على رأسه، وقد أقاموا ثقافتهم على رفض توزيع الأملاك الزراعية على القرويين، والهيمنة على خيرات الأملاك العامة، ونشر ثقافة السحر واللاعقل والأحكام الفقهية الجزئية العاكسة لذلك المبنى الاجتماعي، ويُكمَلُ هذا بإضعاف الأسرة الصغيرة الفاعلة المنتجة والثقافة العقلانية الديمقراطية وتأييد الأنظمة المستبدة.
وبهذا فإن الحزب الجمهوري الإيراني كان يواصل هذا الاستبداد، بإدعاءات ثورية، أما النسب الطبقية الاجتماعية المعبرة عن نشؤ أجسامٍ للحداثةِ في العهدين الملكي والجمهوري، فهو نشؤ أغلبه إستيرادي، فهذه الأجسام الصغيرة في بحر الريفيين المقتلعين من قراهم، تعتمدُ على صناعة مستوردة وصناعية نفطية (نخبوية) وصناعة إستهلاكية، وهي تنمو الآن نحو صناعات أكثر تطوراً، وهذا سوف ينعكس على مجريات التطور الاجتماعي القادم.
إن قوة الثقافة المحافظة الإقطاعية كانت تتغلغل في كافة المنشآت السياسية والاجتماعية، بقيادة جهاز الدولة، وهو يقوم عبر سيطرة فئات البورجوازية الصغيرة التي استولتْ على السلطة بعد ركوب الموجة الثورية، كما فعل ذلك الضباط الأحرار في كثير من الأنظمة العربية، وهو توسيعُ قطاعات الاقتصاد الحكومي، وفي إيران فإن إعطاء الأجهزة العسكرية قطاعات اقتصادية يؤدي إلى توسيع الخنق السياسي للقطاعات المدنية، وإلى مخاطر الحروب.
لهذا فقد تم نمو الدكتاتورية الحكومية عبر مراحل وأول مرحلة هي إبعاد اليسار، فقد كان الحضور اليساري الواسع يعرقل تحكم البورجوازية الصغيرة في المنشآت العامة الموجودة من العهد الملكي والمؤمّمة أو الجديدة، فهو يقوي الرقابة وحضور العمال المستقل والانتقادي لهذا التحكم في الثروة العامة.
وكانت مغامراتُ بعضِ فصائل اليسار وعدم فهم الفصائل الأخرى لطبيعة نظام الرأسمالية الحكومية الشمولية، يؤججُ تصاعد نفوذ البورجوازية الصغيرة التي تمتطي سلالمَ النظام، والتي تجدُ في الصعود ثروة ومنافع ونفوذاً متصاعداً، وهي تتحول بهذا إلى بورجوازية أكبر، وذات يوم ستجدُ أن سقفَ النظام باتَ ضيقاً عليها.
ومن ثم كان ضرب الاتجاهات الليبرالية (بني صدر وحزب بازركان وغيرهما )محطة أخرى لنمو الرأسمالية الحكومية، وهو أمرٌ يعبرُ ليس عن ضرب العلاقات الرأسمالية الخاصة في إيران فمهما كانت توجهات الدينيين، فهم لا يقدرون على رفض هذه العلاقات لأنها مؤيدة من قبل الدين، وكان نضال التجار عاملاً مهماً في تصاعد النضال السياسي، ولكنهم يرفضون تمدد الرأسمالية الخاصة وتحولها إلى نظام، وما يترتب على ذلك من نشؤ نظام رأسمالي خاص بأثاثه الديمقراطي وحرياته المختلفة.
كذلك فإن النظام الرأسمالي الخاص يكون تعددياً ومنفتحاً فيغدو مغايراً لمشروع الدولة القومية التوسعية أو ذات الجمهور المذهبي المُفترض المنتمي لها، فهي دولة مذهبية فوق قومية كذلك، فليس ضرب الاتجاه الليبرالي الديمقراطي هو لمجرد مماحكات شخصية وتنافسية بين المتحالفين الدينيين – الليبراليين الذين استولوا على السلطة بتعاونٍ مرحلي، بل لاختلاف المشروعين الرأسماليين، مشروع الرأسمالية الحكومية الدكتاتورية ومشروع الرأسمالية الخاصة.
ورغم أن التكتيكات السياسية لعبت دوراً في تغليب الاتجاه الأول على الثاني لكنه وحتى بدون هذه التكتيكات والمناورات فإن القواعد الاقتصادية الاجتماعية الكبرى للمجتمع تعطي الدينيين الشموليين فرصة هائلة لتشكيل دكتاتوريتهم أكبر من حلفائهم في فترة ثم خصومهم في فترة لاحقة.
ليس لينين أو ماو أو الخوميني، هم الذين شكلوا هذه الرأسماليات الحكومية لكنها الظروف الموضوعية التي جعلتهم، كلٌ في بلده وظروفه يتوجه نحو تصعيد دور الدولة الكبرى، حسب المنظار الإيديولوجي لكلٍ منهم، وهو منظارٌ يعكس تلك الظروف الموضوعية والذاتية.
إن الإجراءات ومسارات تشكيل المجتمع كانت توضح تباين طريقي الدينيين والليبراليين، وفيما كان الليبراليون يسعون لإضعافِ الدولة وتقوية المجتمع المدني، كان الآخرون على الضد منهم، ولكن لنر ما لدي الليبراليين من أدوات لتحقيق نظامهم المفترض.
كان تحالفهم مع الدينيين يتوجه لضرب الحريات التي كان يُـفترض أن يكونوا هم المدافعون عنها بوجه الموجة الدينية الشمولية:
(وافقَ كلٌ من قادة الحزب الجمهورى والليبراليون على فكرة الثورة الثقافية من خلال الفعل المباشر للجماهير الذين حرضوا على التظاهر فى ساحات الجامعات. كان ذلك بالنسبة لليبراليين وسيلة للتخلص من المحرضين اليساريين فى النقابات العامة والمصانع والمناطق الريفية، حتى يمكن اعادة الاستقرار الاقتصادى والسياسى للبلاد.)، (9).
وبتصعيد مثل هذه الأدوات وبإدخال الغوغاء لضرب المثقفين والعمال والجرائد اليسارية، وهي أدواتٌ طالما استخدمتها الرأسماليات الحكومية المستبدة خاصة نظام ماو تسي تونج وغيره، قام الليبراليون بعزل أنفسهم عن الجمهور الطليعي.
وكانت جذورهم الاقتصادية التصنيعية ضعيفة، ولهذا كان يُسمون قوى البازار، كما أن رفاهيتهم الكبيرة ساعدت الدينيين على تصويرهم بالقوى الطفيلية.
كما أن قواعد الدينيين الاجتماعية من جهةٍ أخرى كانت واسعة بسبب الاقتصاد التقليدي العريض؛ قطائع زراعية، وعقارات، وحرف، فكان الجمهور مشكل من غياب الاقتصاد الحديث، وعبر هذا الجمهور المتمسك بالعادات الإسلامية في اللباس والعبادات، في هذا المجتمع، كان التراث الديني التقليدي الشعائري هو السائد، ولكن الدينيين حولوه لفعلٍ سياسي مضادٍ للحريات ولهذا الجمهور الكادح نفسه، ومن أجل تركيز السلطة بين أيديهم، فتجاه التقدميين واليساريين ركزوا على الطبيعة (الألحادية) لفكرهم، وقد ساعدهم هؤلاء أنفسهم نظراً لعدم تشكل النظرة التغييرية من داخل التاريخ الإسلامي وعبر الارتكاز على التراث والواقع الموضوعي الراهن، فـُصورتْ غربتهم عن التراث كفعلٍ معادٍ للإسلام، وليس كنقلٍ ثقافي حضاري هام للشعب الإيراني في وقت لم تكن فيه أدواتٌ فكرية نضالية إيرانية مُنتـَّجة محلياً، خاصة وأن الإسلامَ تم السيطرة عليه من قبل المحافظين وتجييرهِ لخدمةِ السلاطين والشاهنشاهات عبر القرون السابقة، ولكن اليساريين من جهة أخرى، لم تتطور نظراتـُهم مع تصاعد الصراع الاجتماعي، وظلت شعاراتـُهم السياسية مفصولة عن فهم القوى الاجتماعية والإرث وكون الدينيين المحافظين يعبرون عن قوى الأستغلال المتصاعدة في حراكها من الإقطاع الحكومي إلى الرأسمالية الحكومية المرتكزة على تخلف القوى الشعبية الريفية خاصة، لأجل استخدامها في مشروع الرسملة المتصاعد بأجورٍ زهيدة، وبلا حقوق كبيرة، وعبر تخلف ثقافي يتيحُ لتلك القوى القيام بمختلف المشروعات السياسية.
إن إستخدام الإرث كان فعلاً سياسياً مباشراً، فعبر تصوير اليساريين بالملحدين أعداء الإسلام، وتصوير الليبراليين كخدم للغرب، كانت تجري عمليات قمع واسعة لتجسيد ما يصوروهُ الدينيون المحافظون بأنه الأسلام:
(احتلت عصابات حزب الله الجامعات، اصابت وقتلت أعضاء الجماعات السياسية التى كانت تعارض الثورة الثقافية، واحرقتْ الكتب والصحف التى أُعتقد أنها ” غير اسلامية “، وأغلقت الحكومة كل الجامعات والكليات لمدة ثلاثة سنوات تم خلالها اعادة كتابة مناهج الجامعات.)، (9).
إن الهيمنة الدكتاتورية تنتقل من القيادة السياسية إلى الاقتصاد وتستثمر الفوائض النفطية خاصة في توسيع القواعد الاقتصادية والمشروعات وأنظمة التسلح وتوسيع عسكرة المجتمع، وقمع الحريات السياسية ثم الفكرية والاجتماعية، تقوية لذلك البناء الاقتصادي البيروقراطي.
وهكذا فإن الليبرالية يُقضى عليها من الجانبين عبر توسيع الملكية العامة لتغدو هي الهيكل الاقتصادي المسيطر، وبإزالة الحريات والتفكير الحر، وبفرض قالب عام مؤدلج تجري عبره الاحتفالات والمفاسد والمسالخ والحروب.
الماضي أقوى، والاقتصاد التقليدي أوسع، والجماهير أغلبها أمي، وحينئذٍ تأتي عملياتُ الغسل العقلية الجماهيرية لتنمية خط اقتصادي، يوسع مشروعات، لكنه يفسدها عبر التحكم البيروقراطي، وتزداد الصناعات الاستهلاكية بسبب ذلك ولعجز الاقتصاد بهذه التسربات الكثيرة والعسكرة عن خلق الصناعات الثقيلة.
وإذا كان الليبراليون متحالفين متعاونين في ضرب اليسار مع الدينيين فقد حاولت فصائل العمال الدفاع عن أنفسهم ولقمة عيشهم فانتشرت موجة من الأضرابات:
(كان اليسار مسيطراً فى أوساط الطلاب برغم الموجة الاولى من القمع الذى تعرض له فى أغسطس 1979، وكانت مجالس شورى المصانع قد انهكت نتيجة لموجة القمع ذاتها، لكن استمر الكثير منها قائما لعام آخر، وبالطبع لم يكن استعداد العمال للصراع قد انتهى – ففى عام 79-1980 كان هناك 360 اضراباً متنوعاً ” الاعتصام بالمصنع أو احتلاله ” و180 اضراباً فى 80-1981 و82 اضراباً فى 81-1982.)، (10).
لكن نظراً لكون الفصائل اليسارية ماشت الموجة الدينية بقوة في البداية، وأيدت صعود الرأسمالية الحكومية ذات القناع الديني، واعترضت على أشياء جزئية، وانساقت مع موجة العداء المضلل للاستعمار الذي يصطنعهُ النظامُ وسيلة تخديرية للجمهور، ولم تفرق بين جوانب التبعية وبين جوانب الحضارة الغربية الديمقراطية، الضرورية لمنع الاستبداد، وهذا يبين الطبيعة العقلية ليسار ديني محافظ غائر تحت الجلد السياسي، فاليسار نفسه يعيش ظروف الدينيين الاجتماعية العقلية، من حيث العلاقة بالدين والنساء والتاريخ، ولهذا فإن حراكه إضرابي جزئي اقتصادي، أو عسكري أرهابي أو جماهيري نقدي عقلاني مفيد لكنه يُقمع وينتهي.
بقعُ اليسار والليبرالية صغيرة في هكذا مجتمع ديني محافظ، يبدو للجمهور فيه أن الدينيين هم الجذر والأصل والتراث، نظراً لطبيعة الثقافة والمهن والتاريخ القومي.
وككل الرأسماليات الحكومية الشرقية الشمولية فإن الطبقة المسيطرة من العسكريين والموظفين الكبار المتضافرين مع رجال المال والمعبرين عن مصالح هذه الرأسمالية سوف يتوجهون لليبرالية منسوجة على قياس مصالحهم، وإلى خلقِ مجتمع أقل استبداداً، وتخفيف الطابع الديني الشمولي للنظام دون الخروج التام منه، إذا لم تفجرْ الحروبُ والثوراتُ هذا النسيج.
وهكذا فإن خيار الرأسمالية الحكومية الروسية أو الصينية الشاملة قاد إلى نشر العلاقات الرأسمالية الحديثة بصورة جذرية، مثل خيار الرأسماليات الخاصة في اليابان وإستراليا والهند، ومن منطلق آخر، ومن مستوى اقتصادي مختلف.
لكن خيار الرأسماليات الحكومية الدينية في العالم الإسلامي يستندُ إلى واقع قوى إنتاج متخلفة، ذات جذور قروية وبدوية(فتصير قوى شيعية وسنية متصارعة)، ويتم عرقلة تطور العلاقات الرأسمالية والتحديثية في الريف ولقوى الإنتاج البشرية، خاصة النساء، نظراً لتخلف العلاقات الاجتماعية والثقافة، وهو ما يؤدي إلى رأسماليات حكومية ذات تناقضات هيكلية اقتصادية كبيرة، فتتجمدُ الأريافُ والنساءُ والذهنية العقلية عن التطور، ويُعرقلُ التلاقح بين العلوم والصناعات، وتتضخم الأجهزة الإدارية وتتحكم في الأسواق، وتزداد القيودُ الحكومية في كل مجال، مما يوسعُ الفساد من جهة أخرى، ويؤدي بالكثير من الفوائض نحو الغرب أو للبذخ الخاص أو للعسكرة أو إلى جلب العمالة الأجنبية الرخيصة،(في إيران تتضخم العمالة الأفغانية) وهو تعبير عن العجز عن تطوير القوى المنتجة البشرية المحلية. وكل هذا يُصور باعتباره الطريق الإسلامي للثورة أو التطور السياسي الرشيد للدول الإسلامية!
وهذا الطابع المتخلف للرأسماليات الحكومية في العالم الإسلامي يقودُ إلى استمرار العلاقات الإقطاعية السابقةِ بكلِ مخلفاتها من عجزٍ عن توحيد المواطنين، وطبع نسخ مشوهة لاعقلانية للإسلام، وإلى تقسيم الدول إلى أثنيات متصارعة، وإلى الحروب والتدخلات بين الدول الدينية هذه، التي امتلكت الحقائق الكلية واعتبرت نفسها الخادمة الأمينة لتعاليم السماء النقية، وهذا كله يقود لهدر الموارد والدوران الدائم في طاحونة التخلف.

الرأسماليات الحكومية الخليجية

تعتبر ملكيات الدول الخليجية لمصادر الثروات من القضايا الشديدة الغموض، فهي غير مدروسة، ولا توجد مصادر لكشف تجلياتها، ولهذا فإن البحث فيها أشبه بمتاهة، ولكن لا يمنع ذلك من بعض المناوشات التحليلية، بغرض الوصول لأبعادها مستقبلاً، فهي بحاجة إلى أجيال من المحللين لكشف ثروات هائلة لبلدان ومع ذلك تشكو الآن من العجز.

تعطينا المظاهر الخارجية للتناقضات الاقتصادية والتباينات والمشاركات بين القطاعات العامة والخاصة في الخليج فكرة أولية عن مسارين مختلفين إشكاليين يبدوان بشكل غامض، فهنا يجري حديث عن أزمة اقتصادية تعانيها خاصة القطاعات العامة، وتطلب مساعدات وتعاون القطاعات الخاصة، ويظل ذلك محصوراً في الشأن الاقتصادي دون تبلوره في الشأن السياسي. وهذا يشير إلى مشكلات عميقة في البنى الاقتصادية، رغم أسطورية المداخيل التي حازت عليها القطاعات العامة، التي واجهت تصاعد الدين العام، وتفاقم البطالة الأهلية ثم اختلالات النمو الاقتصادي بين الأقاليم والمناطق! فراحت تطلب المعونة من القطاعات الخاصة أو تشركها في مساعدتها عبر آلية القرارات السياسية والاقتصادية.
فرغم سيطرة القطاعات العامة على الاقتصاد خلال العقود السابقة، فإنها توقفت عن التطور، بل يحدث فيها جمودٌ كبير، وسنلاحظ ذلك على صعيد التوظيفات، أي توظيف المواطنين في الأجهزة الحكومية.
(تظهر البيانات الأخيرة المتاحة أن عدد العاملين في الخليج وصل إلى 14 مليون فرد بحلول نهاية 2007، شكلت العمالة الوطنية 18% منهم. وبلغ عدد العاملين في القطاع العام 13% من إجمالي عدد العاملين، 80% منهم عمالة وطنية. وبينما يقدر معدل البطالة بين العمالة الوطنية بنحو 3،6. ووفقا لتقديراتنا الأولية لعام 2008، فقد تكون مؤشرات سوق العمل في الخليج قد أظهرت المزيد من التحسن مع انخفاض معدل البطالة إلى 3.2%. إلا أن تدهور البيئة الاقتصادية للمنطقة في الوقت الحالي مقارنة مع السنوات السابقة، يتوقع أن يقلص تلك النجاحات جزئياً وأن يطرح تحديات جدية. وعلى الرغم من الجهود التي بذلت في السنوات الأخيرة والقوانين المرتبطة بتوظيف العمالة الوطنية، ما زال سوق العمل الخليجي يواجه خللا هيكلياً مقارنة مع نظرائه عالمياً. فعلى سبيل المثال، يشكل عدد المواطنين العاملين في القطاع العام في الخليج نحو 58% من إجمالي العمالة الوطنية، (مقارنة مع 42% فقط في القطاع الخاص). ويعتبر هذا المعدل مرتفعاً، كما أنه يتخطى ذلك في بعض الدول، إذ بلغ نحو 90% في قطر في عام 2007، و86% في الإمارات، و84% في الكويت، بينما بلغ 50% في السعودية. وتشير هذه الأرقام إلى أن قدرة القطاع العام الخليجي على استيعاب العمالة الجديدة قد تكون بلغت حدودها القصوى. وقد أعلنت البحرين بوضوح في ديسمبر الماضي الحد من التوظيف في قطاعها العام)، (11).
تتوجه الأرقام والأبحاث نحو جوانب جزئية وتعتبر ارتفاع البطالة أو إنخفاضها هي مشكلات صغيرة، ولا تعتبرها كمؤشرات على خلل بنيوي في البناء الاقتصادي. فحكومات تملك أغلب الثروات الهائلة لكنها تعجز عن التوظيف، وهي غير قادرة على تغيير بنائها هذا.
ونلاحظ هنا بأن الأبويات الاقتصادية وسيطرة الدول على توظيف العمالة الوطنية يتزايد في دول بعينها، فيما يتقلص في دول أخرى، ويتعلق ذلك بحجم الثروة النفطية وعدد السكان، دون أن تلعب المدخرات الهائلة السابقة والتي لا يعرفُ أحدٌ كيفت تسربت وتنامت في جهاتٍ أخرى، أي دون أن يكون لها دور جدي في التغيرات الاقتصادية الراهنة السلبية، حيث تقلص الحكومات الخليجية توظيف المواطنين، ويتوقف ذلك في البحرين تماماً.
فهناك ثلاثة ترليونات ونصف الترليون كودائع خليجية في العالم من القطاعين العام والخاص، ثم تعجز عن الدور الأبوي الذي قامت له خلال عقود التهمت فيها الدخول. هذا شكلٌ أولي لتوقف مكائن الدول عن دورها الراعي السابق. ولكن في المقابل تتنامى دور القطاعات الخاصة التي لم تستحوذ على كلياً تلك الثروات في المواد الأولية التي احتكرتها الحكومات لكنها عاشت في خيرها كذلك!
تتوجه التحليلات الاقتصادية الخليجية إلى القشور:
( تظهر البيانات أن معدل التوظيف في القطاع الخاص نما بواقع 8.0% في المتوسط سنوياً بين عامي 2003 و2007، بينما بلغ متوسط النمو في القطاع العام نحو 2.8%. وبالتالي، فقد ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في إجمالي معدل التوظيف بخمس نقاط مئوية خلال الفترة نفسها. ويعود هذا الإنجاز الهام إلى البيئة الاقتصادية المؤاتية التي دعمت نمو أنشطة القطاع الخاص. وفي الكويت، تشير احدث البيانات إلى أن معدل توظيف المواطنين في القطاع الخاص نما بواقع 16% في العام الماضي، بينما ارتفع في القطاع العام بنحو 2.9%، ما رفع مساهمة القطاع الخاص في إجمالي معدل توظيف الكويتيين بنقطتين مئويتين إلى 18%. وفي السياق نفسه، تراجع عدد الكويتيين العاطلين عن العمل من 19.9 ألف مواطن في 2007، إلى 16.6 ألف مواطن في العام الماضي. وبالتالي، فإن معدل البطالة تراجع من 6.5% إلى 5.2% في الفترة نفسها. (12) .
إن المصدر لا يوضح لنا سببيات هذا التراجع في القطاعات العامة وصعودها في القطاعات الخاصة، لا بالتحدث عن طبيعة الأملاك العامة هذه؛(مصانع، معامل تكرير، وزارات، جيوش، شرطة الخ). فالأملاك العامة تـُجرد بتعبير (القطاعات العامة)، مثلما يتم تجريد القطاعات الخاصة وفروع إنتاجها وتبادلها وتداولها بالقول بأنها قطاعات خاصة، والأمر له علاقة بالبيانات وطرق التوزيع وغياب الشفافية على مدى عقود في القطاعات العامة.
كما أن بؤرة الأملاك العامة كمعامل التكرير والمصانع لا يتم درس علاقاتها بالمؤسسات المدنية الخالصة، وأحجام الفوائض وطرق تراكمها وتوزيعها بين إعادة الإنتاج، وبين صرفها على المشروعات العامة والوزارات.
لكن التقرير يعطينا بأن قدرة القطاعات العامة على الصمود في معركة التوظيف غير ممكنة، وأنها سوف تتراجع، كما أن البحرين قد أعلنت توقيف التوظيف دون أي تحديد وشفافية في هذا المجال. ويعيد ذلك حسب رأي الخبراء العالميين الذين استعان بهم التقرير إلى عدم القدرة على تطوير قوى العمل البشري الوطني في المنطقة. وهو سبب وحيد مقطوع الصلة كما سوف نرى بعمليات الإنتاج والتراكم، فالتربية والتعليم وإنتاجها لقوة العمل لا تتشكل بشكل مجرد، وبدون خطط مترابطة بين الإنتاج، وقوة العمل الوطنية، وإذا كان الإنتاج غير مُسيطر عليه، خاصة السيطرة على فوائضه وطرق توزيعها وعودتها لإعادة الإنتاج الموسع، فإن التآكل على مستوى الإنتاج المادي، وعدم الفائدة لقوة العمل الوطني، تغدوان مظهرين لمشكلتي: غياب التخطيط وتسرب الفوائض.
وهذا يشير إلى آلية العجز الاقتصادي البنيوي حيث التركيز على النفط ثم على صناعاته أما القدرة على تغيير الخريطة الاقتصادية المتناقضة فهو أمر ليس بقدرة الحكومات كما يبدو، والمقصود بتغيير الخريطة الاقتصادية الاعتماد على قوى العمل المحلية والعربية، وإحداث تحولات صناعية تتناسب مع قوى المنطقة السكانية، وتطوير قدرات شبابها لتلك الصناعات التقنية. لكن القطاعين العام والخاص غير قادرين على ذلك، يدفعهما هاجس الحصول على أكبر الأرباح وتصديرها للخارج للمزيد من الأرباح، أما الشؤون الاجتماعية والاقتصادية الأهلية فهي مضغوطة في ظل الميزانيات المحدودة التقشفية خاصة في بعض الدول الخليجية، فيما يشهد الوضع المالي على ترحيل الأموال من القطاعين العام والخاص للخارج عبر أشكال متعددة، وكذلك عبر العمالة الأجنبية.
إذا كنا قد لاحظنا تجمد الرأسماليات الحكومية الخليجية عن توظيف المواطنين، مما يعكس توقف الدور الأبوي الذي كان يتردد بقوة طوال العقود السابقة، فإن الأعباءَ المالية بدءً من هذا التجمد سوف تـُوضعُ على كواهل القطاعات الخاصة وهي سوف تضعُها على الجمهور العامل:
(في الخليج، شكل الطلب المحلي ما نسبته 70% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2006. وبالنظر إلى مكونات ذلك الطلب، بلغت حصة الاستهلاك الخاص 45%، أي نحو ضعف حجم الاستهلاك الحكومي. بينما شكل الإنفاق الاستثماري للقطاعات الخاصة والحكومية على حد سواء حصة الـ30% المتبقية من الطلب المحلي، وهذا يدل على مدى أهمية الإنفاق الخاص في تحديد إجمالي النمو الاقتصادي.)، (13).
لكن حين تنفق المؤسسات الخاصة ذلك كله من أين تستخرجه؟ إنه من عمل القوة العاملة الأجنبية والمحلية. وحين تقلصُ الحكوماتُ إنفاقـَها سوف تقلصُ القطاعاتُ الخاصة إنفاقـَها تسريحاً للعمال وتقشفاً وتظاهراً أحياناً بطرد المدراء الأجانب ذوي الرواتب العالية المخيفة، لكن ألم يكن هؤلاء متبحبحين طوال السنوات السابقة يديرون ويقدمون الأرقامَ حسب ما تشتهي تلك الإدارات؟!
والفوائض الحقيقية الكبرى نبعتْ من النفط والغاز والمصانع التي رضعت من حليب تلك المؤسسات الواسع غير المراقب. لكن أين ذهبت أغلبية الفوائض؟
لقد قامت السياسات الاقتصادية بشكل عام في دول الخليج على أحتكار القطاعات العامة للثروة الأساسية، ثم تشغيل أعداد واسعة من المواطنين في أجهزة الدول، وترك هوامش محدودة للقطاعات الخاصة في جوانب الاقتصاد التابع للاقتصاديات الحكومية، ومن ثم جلب أ‘داد هائلة من العمال الأجانب.
وكل هذه الجوانب تبدو متباعدةً عن بعضها البعض لكنها مترابطة، فقد أضعفت الدولُ الثرواتِ البشرية والمادية، وقد أشار البنك الدولي لإشكالية دول الخليج هذه عبر تضخم أجهزة الدول بالموظفين، من جهة وضعف التعليم عن إنتاج عمال في مستوى حاجات الأسواق من جهةٍ أخرى، كما قامت القوى العاملة الأجنبية بتحويلات هائلة، فصار الخليج سوقاً عابرة، أكثر منه سوقاً متجذرة تغني الغرب والشرق وتجفف الثروة من داخله، مما لم يجعل القطاعات الحكومية تتطور صناعياً وتقنياً، ولم يدع القطاعات الخاصة تتولى الأمور.
ومع تلك التحويلات الهائلة من المليارات تجد القطاعات العامة نفسها بحاجة إلى سيولة.
ومع ضخامة الأعداد العاملة في الحكومات تجد أنها يمكن أن تتقلص لغياب الإنتاجية، فتضخمها يأتي بشكل سياسي وليس إقتصادياً.
لا نعرف لمن هذه الترليونات في الخارج(ثلاثة ونصف) وكيف تتوزع وكيف تنمو وما هو عوائدها على الدول والشعوب، ولكن الذي نعرفه هو هذا التضاد الكبير بين ما أنتج وما زال يُنتج من ثروة وضخامة الحاجة المحلية الماسة الخليجية لرؤوس الأموال ولتوزيعها على الإنتاج والبشر.
أما الإصلاح الاقتصادي الذي تطرحه هذه الدول فهو إصلاح محدود ولا ينفذ لجوهر الأمور، بل هو ترقيعٌ وابتعاد عن الإصلاحات الاقتصادية الجذرية المنتظرة.
وتتباين دول الخليج في العلاقات بين القطاعات الحكومية والقطاعات الخاصة ففيما هناك لم تستفد كثيراً من القطاعات الحكومية، استفادت القطاعات الخاصة في الكويت والإمارات وقطر من القطاعات الحكومية وأزدهرت على ضفافها :
(ان النمو في كل من قطر والكويت والامارات العربية المتحدة ارتبط بنمو قوي في القطاع غير النفطي، حيث ان نصيب الفرد في النفط والغاز أعلى بكثير منه في بقية بلدان مجلس التعاون الخليجي، وقد كانت هذه الاقتصادات حريصة على تبني سياسات اقتصادية تهدف الى تنويع مصادر دخلها، وفي هذه الاثناء كانت السعودية تحاول تشجيع القطاعات غير النفطية عبر مختلف الوسائل، غير انها تواصل تحقيق نسبة نمو متواضعة نسبيا، حيث يتفوق القطاع النفطي على غير النفطي بهامش ضئيل)، (14).
تواجهنا نفس الأسئلة فلماذا استطاعت هذه الدول أن توسع على القطاعات الخاصة والسكان فيم لم تستطع الدول الأخرى القيام بهذه التطويرات للمعيشة وأزدهار القطاعات الخاصة؟
تعود المسألة إلى ظهور قوى اجتماعية داخل القطاعات العامة الرأسمالية وحازت على ثروات كبيرة منها بفضل احتكارها للمناصب طوال سنوات، وهذا يتبدى في مظاهر كثيرة، مثل الرواتب العالية والدخول غير المنظورة، وتملك الأراضي وبيعها خاصة أراضي الشواطئ وأراضي المدن التجارية، والدخول في الأعمال التجارية وتشكيل الشركات بأسماء تكون غالباً واجهات، والحصول على امتيازات من الأعمال الحكومية المختلفة كمعرفة المخططات وبيع الأراضي، وجلب الفيز الحرة وتوزيع أصحابها في كل مكان، وأعطاء الموظفين الأجانب الكبار رواتب عالية وتسكينهم في مساكن وعمارات خاصة تابعة لموظفي الدول، والحصول على دخول نفطية باطنية الخ..
وأما الميزانيات فهي ميزانيات سياسية وليست ميزانيات حسابية دقيقة، فهي تقوم على تنظيف الأرصدة من أي تلوث ظاهري وتقدمها نظيفة خالية إلا من بعض العجوزات المرتبة.
ولهذا فإن النظرة السطحية تشاهد أملاكاً ومدخرات بتلك المبالغ السابقة الذكر دون أن تكون ناتجة من استثمار عادي، فلا تكفي مئات السنين لتكوين تلك المليارات والترليونات؟!
ومع هذا التباين فإن الدول التي سربت تلك الأموال تطالب القطاعات الخاصة وتطالب المواطنين بتحمل أعباء المرحلة، أو تقوم برفع الرسوم على الخدمات وغيرها من الأساليب.
تتوجه المصطلحات الاقتصادية في الخليج إلى تعابير مثل( ضرورة الشراكة بين القطاعين العام والخاص)، وتنعقد مؤتمراتٌ عدة في شتى العواصم الخليجية لمناقشة التعاون هذا؛ وشهدت العاصمة السعودية الرياض، انطلاق فعاليات الملتقى العلمي الأول بعنوان ” الشراكة والمسؤولية الاجتماعية بين القطاعين العام و الخاص.. الواقع والمأمول”، والذي تنظمه وزارة الشؤون الاجتماعية).
ويهدف اللقاء (إلى إتاحة الفرصة للعاملين في الوزارة والأجهزة الحكومية الأخرى ذات العلاقة وكذا القطاع الخاص والباحثين والأكاديميين والمهتمين بهذا المجال لتبادل الخبرات وطرح الآراء للخروج بتوصيات عملية عن كيفية تحقيق الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص لتحمل المسؤولية الاجتماعية ومواجهة التحديات الجديدة التي تعترض المجتمع ودعم عملية تحقيق أهداف التنمية المستدامة).
وهذا يحدث في الإمارات كذلك (تنظم مجموعة أبوظبي للمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، المنبثقة من مجموعة الإمارات للمسؤولية وغرفة تجارة وصناعة أبوظبي، مؤتمر أبوظبي للمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات بمشاركة مؤسسات الدولة الحكومية والخاصة ونخبة من كبار الباحثين لمناقشة نفس القضية.
والكويت ليست بمعزل عن الجهود الخليجية في هذا المجال ، إذ يستقطب المؤتمر الثالث للمسؤولية الاجتماعية للشركات والمؤسسات، اهتمام العديد من المسؤولين في الشركات العالمية العاملة في مجال بحوث واستشارات وتقارير المسؤولية الاجتماعية.
(وسيناقش هؤلاء الخبراء الازمة الاقتصادية والمالية العالمية وأثرها على المسؤولية الاجتماعية للشركات وكيف يمكن للشركات ان تتفاعل مع هذه الازمة وتخرج منها بأقل خسائر ممكنة خاصة وانه يتوقع ان تستمر هذه الازمة الى نهاية 2010 وهو ما يخلق العديد من التحديات أمام الشركات).
لكن القضية ليست هي المسئولية الاجتماعية وهو عنوان عريض مجرد ولكن إشكاليات الرأسمالية الحكومية في كل بلد، وتوقفها عن دورها المطلق السابق، وحاجتها للقطاعات الخاصة دون أن تتخلى عن دوريها القيادين في السياسة والاقتصاد.
فكأن هذه المؤتمرات تقول لم تكن لدينا مسؤولية اجتماعية وعلينا الآن إيجادها!
والإشكالية لا تخفى وهي المتمثلة بإشكاليات القطاعات الحكومية وصعوبة سيطرتها على ظواهر الاقتصاد. أي أن هذه الأبنية الاقتصادية التي شكلت خلال نصف قرن استنفدت أدوارها لكن دون إعتراف من الدوائر المسئولة، التي تريد مواصلة التحكم في الموارد العامة وتريد في نفس الوقت معونة القطاعات الخاصة.
واعتبرت دراسة قامَ بها بنكُ الإمارات الصناعي في أبريل من العام الماضي بأن ظاهرة التضخم في الخليج وارتفاع تكاليف إقامة المشاريع وزيادة أسعار السلع والخدمات لا تقل أهمية عن مشكلة العجز وارتفاع الديون الحكومية التي تميزت بها سنوات التسعينيات، وقد حددت الدراسة ذلك على أساس سعر برميل النفط عند 100 دولار، وهو الأمر الذي حقق بعض الفوائد لكن الأمور تغيرت في السنوات الأخيرة.
ويحصر البنك دراسته الاقتصادية في الظواهر الخليجية الداخلية، حيث تـُفصل التحويلات المالية الهائلة لهذه الدول للخارج، وهي الأموال التي تآكلت في الغرب(3 تريليون دولار ونصف الترليون)، وكأن ليس لها علاقة بدول الخليج ولا بدعم اقتصادياتها . أما من ناحية قوة العمل فإن قوة العمل الأجنبية تمثل هدراً آخر؛ (إن تدفق العمال الاجانب الى دول مجلس التعاون حيث باتوا يشكلون حوالى 40 في المائة من السكان يمثل ظاهرة فريدة في العالم “فليس هناك أي مكان آخر في العالم الامور فيه على هذا النحو”، الخبير الاقتصادي السعودي إحسان بوحليقة، ويضيف (أصدرت السعودية في سنة 2007 حوالي 1،7 مليون تأشيرة عمل).
أما الدخول الحقيقية فكانت هائلة:
(أسفرت الطفرة النفطية الأخيرة (2002 حتى أواسط عام 2008) عن قدر كبير من الإيرادات لدول مجلس التعاون الخليجي الست، البحرين وعمان والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة والسعودية، قدرت بمعدل سنوي يصل الى 327 مليار دولار في الفترة بين 2002 و2006، أي أكثر من ضعف متوسطها، مقارنة بالسنوات الخمس السابقة، (15).
ولكن تتباين الدخول النفطية وتأثيراتها على كل من دول الخليج فالبحرين وعُمان ليست بمثل جيرانها :
(لكن البحرين وعمان تقدمان صورة مختلفة فقد سجل القطاع النفطي فيهما نسب نمو سلبية على مدى فترة هذه الدراسة، وهو ما يوضح ان البلدان ذات الموارد الضعيفة غير قادرة على الاستفادة من ارتفاع اسعار النفط والثروات الطبيعية، وتعاني البلدان من انحدار سريع في الاحتياطيات النفطية، وضآلة طاقة الانتاج، ويشدد الخبراء النفطيون على حاجة البلدين الى الاستثمار في طرق محسنة لاستخراج النفط، وقد كانت نسبة النمو في البحرين وعمان مدفوعة في صورة اساسية بالقطاعات غير النفطية كالخدمات المالية والبناء. لقد استفاد القطاع غير النفطي بشكل كبير من الانفاق العام الهادف ومن الزيادات الحادة في الانفاق الرأسمالي الموجه الى تحديث البنية الاساسية الصناعية، وتقليص القيود في القطاعات الرئيسة.) ،(16).
وتتجلى سياسة ضبابية الموارد وتقسيمها وهجرتها في مسألة الدين العام، فالدول النفطية الخليجية رغم تلك الإيرادات الكبيرة في خلال السنوات السابقة ازداد دينها العام:
(لذلك فان التوسع في الانفاق العام في الفترة بين عامي 2002 و2008 ارتبط بسياسة عامة اكثر صرامة نسبيا لتقليص الدين العام. وبعد عام 2002، نجحت بلدان مجلس التعاون في السيطرة على الدين العام وتقليصه الى متوسط 20.4 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي في عام 2006، مقارنة مع متوسط 69.9 في المائة في الفترة بين 1998 و2002. وسجلت المملكة العربية السعودية أعلى نسبة دين الى الناتج الاجمالي عام 2006 بلغت 28 في المائة، تبعتها البحرين بنسبة 23.3 في المائة، فيما سجلت الكويت ادنى نسبة 8.5 في المائة.)، (17).
مع تدفق تلك المبالغ في فترة العقد السابق فإن الدين العام وصل إلى هذا المستوى؟! كيف؟
علينا أن نرى مظاهر تطور القطاعات الخاصة لكون بعهضا يعيش على حساب تلك الإيرادات الضائعة، لقد غذت القطاعات العامة القطاعات الخاصة خلال فترة التحول السابقة، ثم وصلت القطاعات العامة للأزمة، دون أن نعرف من المسئول عن هذه الأزمة، القطاعات العامة أم الخاصة وكيف وبكم؟ هذه هي الخلاصة الكبيرة للمسألة، لكن الأرقام ضائعة!
ولهذا حين تطرح مقولات التعاون بين القطاعين العام والخاص لا تتوضح الصورة الضبابية.
تريد الأوساط الحكومية الخليجية الاستفادة من القطاعات الخاصة دون إعادة هيكلة للاقتصاديات العامة، وهي هيكلة لو جرت لأدت إلى عواصف اقتصادية واجتماعية بسبب أن التراكمات الربحية أهدر أغلبها من خلال أداوت التملك والإدارة والتوزيع، ولن تتحمل القطاعات الخاصة ما أضاعته تلك الملكيات الحكومية وأما أن تبيع ما تملكه أو بعضه المغذي الذي لا تريد أن تتخلى عنه، أو تتحمل فواتير الإدارة المتزايدة الصعوبة خلال السنوات القادمة.
وبهذا الحل أو ذاك فإن مناقشة القضية تحتاج إلى مواد تحليلية وشفافية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر :
(1) :(الهيئة العامة للاستعلامات المصرية).
(2): (السابق).
(3) (القطاع العام ليس من الاشتراكية في شيء، عمرو عبالرحمن، موقع البوصلة).
(4): ،(إلهامي الميرغني، مستقبل التطور الرأسمالي في مصر، موقع الحوار المتمدن).
(5): (سامح سعيد عبود، موقع البوصلة).
(6): (السابق)
(7): (موقع البوصلة، عمرو عبدالرحمن).
(8): (الموقع: مركز الدراسات الاشتراكية في مصر).
(9):(السابق).
(10): (السابق).
(11) (النفط نعمة ونقمة معاً، 24 مارس، 2009 إبراهيم سيف، جريدة القبس).
(12): (السابق)
(13): (السابق)
(14):(السابق)
(15):(السابق)
(16):(السابق).
(17): (السابق)

خلاصات عـــــــــــــــــــــامة

مسارات الرأسماليات الحكومية الشرقية

     هناك ثلاثة إختيارات اقتصادية جرت في تواريخ الرأسماليات الحكومية الشرقية نبعت من ميزانِ قوىً اجتماعيةٍ ومن بُنى اقتصادية سابقة، ومن  وجهاتِ نظرٍ سياسية مؤثرة على التطور، وهي قد انبثقتْ من هذه الأوضاع الرئيسية:

 1 – ضعف الإقطاع وقوة البورجوازية.

2 – قوة الإقطاع وضعف البورجوازية.

3 – ضعف الإقطاع وضعف البورجوازية.

تتعلق التجاربُ من الصنف الأول المذكور أعلاه بمسار الشرق، حيث أن التدخلات الغربية في تاريخهِ الانتقالي بين الإقطاع والرأسمالية تحثهُ على التغييرِ والقفزةِ من واقعهِ المتخلفِ السابق نحو التحديث، وكلُ قيادةِ دولةٍ تكونُ لها خططها الاقتصادية، المنبثقة عن تجربتها وظروفها.

ينبثقُ الخيارُ الأولُ وهو ضعفُ الإقطاع وقوة البورجوازية من وجودِ ظروفٍ إستثنائيةٍ قد لا تتكرر في بلدان أخرى، ففي العادة التاريخية للشرق وهو يخرجُ من دياجير الظلمات الزراعية إلى النور الصناعي، أن يكونَ العكس هو الصحيح، أن يكون الإقطاع المسيطر خلال القرون السابقة هو السائد والقوي، وأما البورجوازية فهي ضعيفة تقتصر على المتاجر والصرافين، ولا يدعمها قطاعٌ صناعيٌّ مهم، ولكن في التجربة اليابانية ظهرتْ ظروفٌ مختلفة، بيناها في الحديث عن التجربة الرأسمالية الخاصة اليابانية، جعلتْ من قوة الحكم السياسي طليعة لوعي هذه البورجوازية وتنفيذاً لوجودها المضمر وإتاحة لنموها بكل السبل من خلال تخطيط بعيد المدى يستوعب قوانين التجربة الرأسمالية الغربية الخاصة، رغم أن هذه القيادة تتمثل في حكم الأمبراطور وجماعته، غير أنها تبنت خيار الغرب في البناء الاقتصادي بشكلٍ متكامل.

وتم تكرار تجربة اليابان في جنوب شرق آسيا عبر ما عُرف بتجارب النمور الآسيوية حيث يتاح نمو كبير للرأسماليات الخاصة، وتـُحجم الرأسمالية الحكومية، وهي تكرارٌ للتجربة اليابانية واستفادة من توظيفاتها وتقنياتها، وهذه الاستفادة من الجانبين البنيوي والتقني تعكس عمليات تسارع الرأسماليات الخاصة باعتبارها خط تطوري محوري ومتصاعد في تكوينات الرأسماليات الشرقية.

أما الخيار الثاني وهو (قوة الإقطاع وضعف البورجوازية) فهو خيارُ الكثير من دول آسيا وأفريقيا، خاصة الدول العربية والإسلامية، فهي بسببِ تخلفها الاقتصادي، وسطوات ماكينات الدول القديمة المتنفذة، وضعف قواها السياسية الطليعية الحكومية  المتبصرة لآفاق المستقبل وتبعية القوى الاقتصادية الخاصة لها، فإنها تراوحُ في مسارها بين الإقطاع والحداثة الرأسمالية، بين الأحجام عن مشروعات الصناعات الكبرى وبين البقاء في مشروعات التجارة والعقارات والتمويل.

ويتمظهر ذلك بقوة في تقزم القطاعات الصناعية وعدم قوننة تطورها بشكل صحيح، وضعف نمو التصنيع في الأرياف، وإبعاد قوى بشرية واسعة عن الصناعة، كالنساء والقوى الهامشية والموظفين الحكوميين، وعدم خلق ثورة ثقافية مواكبة للتصنيع، ومحدودية الحريات.

وهذا يقود لهدر الثروات بشكل مستمر وبأشكال متعددة، فمرة نجد التسربات المالية الكبيرة المستمرة من القطاعات العامة إلى القطاعات الخاصة في العتمة السياسية، أو في تهريب الأموال، أو في تكاليف التسلح ونفقات الحروب، أو في البذخ وغير ذلك.

أما الخيار الثالث وهو الخيار المترتب على(ضعف الإقطاع وضعف البورجوازية) فهو يعتمد على لحظات ثورية فريدة من تاريخ أمم عريقة كالأمة الروسية والأمة الصينية، تقومُ فيها قوى الفئات البورجوازية الصغيرة المتحالفة مع العمال بقيادة معركة التصنيع والتحديث.

ونظراً لهذه القوى الشعبية المتجذرة والمتضررة من الأبنية الاقتصادية القديمة فإنها توسع مدى التغيير وتضرب بشدة العلاقات ما قبل الرأسمالية، وتضرب العلاقات الرأسمالية الخاصة كذلك بهذا المستوى أو ذاك بين هذه الدول، مما يؤدي إلى جعل الدول هي المالكة الرأسمالية الكبرى، وهو أمرٌ يعيد تشكيل الرأسمالية الخاصة على مستوى زمني معين، وبأشكال من التعثر والتطور حسب تجربة كل بلد وإختيارات قواه السياسية الحاكمة.

 لكن ظروف ضعف الإقطاع وضعف البورجوزاية والمتجهة لتضخيم القطاعات العامة، لا تنفي التكون الرأسمالي. وتضخمُ القطاعات العامة يعودُ للتصدي لقوى الغزو الخارجي ومن أجل نهضة الأمم الشرقية خاصة في البدايات المُبشرة، لكن في نهاية مطاف بناء البنية التحتية يتوقفُ ويتراجع النمو الإيجابي لتصاعد عوامل الفساد الداخلية، وكون مشروع الرأسمالية الحكومية ليس له مالك معين فيضيعُ بين المالكين المتعددين من موظفين كبار وأحزاب وقوى اجتماعية مثل الأوقاف، وليس له علاقة مباشرة مع المنتجين ومع الجمهور المالك الوطني المُفترض، وبالتالي يصبحُ كماءِ السبيل، يتناقصُ ولا يزيد، يتآكل ولا ينمو. يتعطلُ نموه التقني، وتتراجعُ تطوراتهُ التكنولوجية الحفرية الداخلية، خاصة مع تفكك العلاقات بين المؤسسات الاقتصادية والتعليمية، بين العمال والإدارات، بين المؤسسات الاقتصادية والأسواق، وبهذا فإننا نجدُ القطاعاتِ الحكومية الرأسمالية بعد زمنٍ بأنها هي الخاسرة، تدفعُ أكثر مما تقبض، تتسلفُ وتزدادُ ديونـُها، رغم وفرة المواد الخام والمُصنعة المُباعة.

وهذا على المستويين الاقتصادي والاجتماعي النهائيين يتمظهرُ في تدني الأرباح وتراجع الخدمات، وتصاعد القطاعات الخاصة التي تقومُ على انقاض القطاعات العامة أو على تقزمها، فوزارات الصحة التي أكلتْ الكثيرَ من المالِ العام والأجسادِ وتردتْ خدماتها، تظهرُ إلى جانبها المستشفياتُ والشركاتُ الخاصة الأكثر نجاحاً والأكفأ علاجاً، لكن على ظهور الجمهور الذي يدفعُ باستمرار وبصورةٍ متصاعدةٍ أثمان كافة الفئات البورجوازية التي يتتابعُ ظهورُها في تاريخ الرأسماليتين العامة والخاصة، من جيوبه، مرة كمواطنٍ تابع لحكومات، ومرة كمواطن يشتري خدمات.

وفي الحالتين ينشأ رأسماليون يشكلون طبقة ويجمعون تراكمَ الأرباح مرة باعتبارها رواتب مجزية ورشوات وإكراميات وسرقات، ومرة على أعتبار أنها أرباح خالصة.

أو أن تحدث عمليات الخصخصة حيث تـُباع القطاعات العامة، الخاسرة ليتحملها الجمهور، أو الرابحة ويشتريها الرابحون، وفي كلِ الأحوال يدفعُ الجمهورُ ثمنَ غفلته.

(إصلاحات) الرأسماليات الحكومية الشرقية

بدأت التطورات السياسية في دول الشرق توضح أن الملكيات (العامة) كانت في أغلبها ملكيات حكومية بيروقراطية ولم تكن ملكيات شعبية حقيقية.

ولم يصل وعي الشعوب إلى أن تدخل بقوة لتغيير هذه الملكيات إلا بطرق عفوية.
إن القوى البيروقراطية داخل هذه القطاعات(العامة) هي التي قررت التغيير بناء على عوامل سياسية واقتصادية معقدة. فقد رأت أن مصالحها تتعرض للخطر إذا استمرت هذه الرأسمالية المُدارة من قبلها، مع غياب تفويض الإدارة من قبل الشعوب.
ولهذا كانت(الإصلاحات) هي استمرار لعقليات الهيمنة على الملكيات(العامة) فالدول هي التي تقرر مدى ما تسميه ب(الإصلاحات)، أي ما يُباع من هذه الملكيات وما يبقى تحت الإدارات وبأية طرق تتم عمليات التصفية والإبقاء.
الرأسماليات الحكومية التي تديرها البيروقراطيات تعني أنها ملكيات خاصة لهذه الإدارات التي تحكمت في التصرف بها خلال عقود، وإلى أي حد هي عامة وإلى أي حد هي خاصة، هذا أمر لا يعرف أهل كل بلد تدار فيه مثل هذه العمليات الاقتصادية.
أي أننا أمام طبعة ثانية من الرأسماليات الحكومية الشمولية، التي تقول أن هذه الملكيات هي عامة ولا يمكن بيعها كلها، ولا بد من الاحتفاظ بها كأساس للتنمية(الوطنية). رغم أن هذه الأملاك العامة في حالة خسائر مستمرة.
وللبيروقراطيات طرق تحايل عريقة ولكن أمام تباطؤ تطور هذه الملكيات وخسائرها والأثراء من خلالها لدى هذه البيروقراطيات بحيث غدا هذا الفساد مشكلة وفضيحة داخل أقسام أي طبقة حاكمة.
وهنا تطرح مسألة مهمة هل تغدو الإصلاحات طرق تحايل جديدة على الإصلاحات، أي يظهر شركاء جدد يمدون نفوذهم في الأملاك(العامة)، أم أن العملية جدية في هذا الإصلاح؟
ومن الواضح في البلدان الشرقية عموماً أن الصراع يدور حول فوائض المواد الخام الثمينة، كالبترول والغاز والفوسفات والمناجم وغيرها، وأصرار البيروقراطيات على التحكم في هذه الثروة وتوزيعها بطرق مُلتبسة، وأبعاد الرقابة الدقيقة عنها.
وتترتب على ميوعة توزيع الفوائض وإلتباسها حتى لدى المشرعين نظراً لتحكم الحكومات في تمويه الاتفاقيات الاقتصادية بين الحكومات والشركات المحلية أو العالمية، وكون هذه الاتفاقيات جرت في أزمنة الشمولية وغياب المعلومات لدى الرأي العام، استمرار الاختلالات في البناء الاجتماعي لكل بلد واستمرار الاضطرابات.
ونتيجة لأن إصلاحات الرأسمالية الحكومية الشمولية هي نسخة مستمرة للرأسمالية الحكومية المهيمنة فإن الأحوال تبقى على ما هي عليه أن لم تزدد سؤاً.
أحياناً تغدو الإصلاحات تفكيكاً لدولة كبيرة كالاتحاد السوفيتي، حيث تقوم البيروقراطية الأساسية وهي البيروقراطية الروسية في هذه الحالة بتملك أغلبية الثروة العامة للاتحاد السوفيتي، وهو أمرٌ أدى إلى إنفلاش الاتحاد وتحكم البيروقراطية الروسية بقوة في اقتصاد البلد وزاد هذا من الأثرياء الكبار إلى درجة هائلة!
وفي الصين ظهر أصحاب الملايين فوق عمل شعبي رخيص وهائل.
فكيف يغدو (الإصلاح) زيادة هائلة في الأثراء الفاسد؟
حدث هذا خاصة مع زيادات أسعار النفط، ونرى أن الصراعات بين الكتل الحاكمة، تتفاقم مع هذه الزيادات ومع ظهور وسائل أثراء جديدة. فتظهر قوى سياسة جديدة تقول بأنها تقوم بإصلاحات نظراً للوضع الاقتصادي السيء السابق، في حين أنها تريد وضع اليد على ملكيات الدولة أو أنها تريد توسيع حضورها الاقتصادي.
كذلك فإن أدوات الرقابة على الملكيات(العامة) ضئيلة جداً في هذه الدول ذات الملكيات العامة السائدة، نظراً لغياب البرلمانات والنقابات والصحافة الحرة خلال عقود، وهي إذا ظهرت تكون مقيدة بشكل كبير ومغلولة الأيدي عن الفعل المغير.
فإذا كانت الدول تملك 80% من الشركات الكبرى الإنتاجية المنتجة لفائض القيمة الوطني، وهي بهذا تتحكم في توجيه معظم الدخول، وتشكل الإدارات الحكومية والاقتصادية العامة كيفما تريد، ويغدو أغلب المواطنين وغير المواطنين يشتغلون لديها أو لدى قوى الرأسمال الخاص التي نمت تحت أجنحتها، فإن الديمقراطية والانتخابات والكتل السياسية تغدو من إعدادها للمسرح السياسي.
ولا عجب بهذا أن يستطيع حزب حكومي نبت بين ليلة وضحاها أن يسيطر على الأغلبية البرلمانية. أو أن صيغاً مشابهة تحدث في بلدان أخرى، كلها لا تغيّبُ هذه الحقيقة، بل تلونها حسب أوضاع وتطورات كل بلد.
فإذا استمر الفساد الاقتصادي كيف يمكن أن تجري إصلاحات؟
الخطورة أن تضاف قوى جديدة تشارك في العمليات الاقتصادية الغامضة، فيظهر مستثمرون مفاجئون وشركات وهمية جديدة، وقادة سياسيون كبار يظهرون بين عشية فاسدة وضحاها، وتبرز صحفٌ جديدة ذات إمكانيات هائلة وأصحابها معدمون، وتلعب الأجهزة الحكومية الإعلامية دوراً نشطاً في تصعيد مثل هذه الفقاعات السياسية والثقافية.
وفي خلال هذه الهوجة (الديمقراطية) تكون الأجهزة الحكومية والشركات الخاصة المتداخلة معها قد توغلت في مناطق استثمار جديدة واقتنصت ثروات خيالية، في حين أنها تماحك على الفلوس الصغيرة الموجهة للعاملين.
هل هي طبعة جديدة من الرأسمالية الحكومية الفاسدة الشرقية في حالة توسع، أي أن العملية هي تحسين صورة معينة وإبقاء الجوهر على ما هو عليه؟
هل تتمكن الأدوات الديمقراطية الشاحبة أن تفعل شيئاً مع صراعاتها ونشؤ أحزاب كثيرة وصراعات هذه الأحزاب مع بعضها البعض؟
بل أن بعض الرأسماليات الحكومية تقوم بتحميل العاملين فاتورة ما أفسدته في الاقتصاد وما يجري من تباطؤ في التطور الاقتصادي ومن ميزانيات هزيلة ومن تآكل للملكيات(العامة) بأشكال متعددة كالقيام بخصخصة للوزارات ذات الأهمية الجماهيرية كالكهرباء والبريد والمواصلات العامة والمياه وترك الموارد العامة الغنية تائهة أو غامضة الوضع.
عملية تغيير الطبعة الثانية من الرأسماليات الحكومية الشرقية صعبة ولا شك، ومسألة نمو الحريات الديمقراطية تحتاج لقوى شعبية ومعرفية وسياسية هائلة متعاونة.
لكن كما رأينا في بعض مسارات التطور فإن الإصلاحات والنضالات المختلفة تقود للمقاربة مع الرأسمالية الغربية الخاصة !

أنماط الرأسماليات الحكومية الشرقية

فيما كان سياسيو الشرق في بدايات القرن العشرين يحاولون القفز على الرأسمالية الغربية الخاصة، عبر نماذج مصطنعة، توجه سياسيو الشرق في أواخر هذا القرن إلى احتذاء نموذج الرأسمالية الغربية، لكن لا تزال الكثير من العقبات والآراء ومستويات التطور الموضوعي المتباين تحول دون ذلك.

وعلى أساس تطورات الرأسمالية الشرقية تنشأ ثلاث موديلات:
موديل الهيمنة الرأسمالية الحكومية المطلقة وهو نموذج قام به الاتحاد السوفيتي. ولم تستطعْ الدولُ الأخرى أن تقومَ بمثلهِ لصعوبتهِ وتطلبه مواردَ هائلة وخطورته على التطور الاقتصادي المستقبلي.
موديل هيمنة الرأسمالية الحكومية مع وجود قطاعات خاصة بهذا الاتساع أو ذلك، لكنها لا تمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد، وقد تكون مستقلة وقد تكون قد نشأت من الملكيات العامة بالباطن، وتقابل هذا حكومات دكتاتورية متعددة الأشكال السياسية لكن القبضة على الموارد العامة تكون هي السمة المشتركة.
وأخيراً موديل التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص بقيادة الأول، وهذا يفترضُ وضعاً ديمقراطياً ووطنياً منسجماً، وهو أمرٌ يشكلُ العكس كذلك دون الخروج عن عملية التعاون، أي أن يقوم القطاعُ الخاصُ بقيادة التطور الاقتصادي بدون إلغاء للقطاع العام الصناعي. أي أن هذا النموذج تحكمهُ مقارباتٌ بين القوى الاجتماعية الوطنية المختلفة من أجل تنمية القوى المنتجة المحلية بطرق اقتصادية مختلفة، ويجمعها جامعُ التطور المشترك لقوى الإنتاج. وهذا النموذج تمثله بعض التجارب في دول أمريكا اللاتينية عبر حكومات اليسار.
وفي حالة ثالثة هي حالة الصراع والألغاء فإن الوضع الاقتصادي يتجه للفوضى والاضطراب لغياب إستراتجية اقتصادية وطنية تجمع القوى العمالية والشعبية مع القطاع الخاص في خطة تنموية واحدة مشتركة كحالة مصر مثلاً.
وإذا لم يقمْ أي بلد بتأسيس قواعده الصناعية الكبرى فإن أنماط رأسمالياته الحكومية والخاصة تظل في حالة سيولة اقتصادية وسياسية غير مستقرة على نمط كلبنان على سبيل المثال.
وتمثل رأسماليات الخليج العربي الحكومية حالة مماثلة للموديل الثاني، فالحكوماتُ هي المهيمنة على أغلبية الموارد، وهناك هوامش كبيرة أو صغيرة للقطاع الخاص، مع مشكلات خاصة بالمنطقة، مثل الهدر الكبير للثروة من خلال ظواهر كثيرة: الفساد الحكومي، والعمالة الأجنبية، وتضخم أجهزة الدول، وغياب النساء عن الإنتاج، وضعف التطور العلمي الخ.
تؤدي مقارباتُ الدول الرأسمالية الحكومية للنموذج الغربي الرأسمالي، إلى سلسلة من التطورات والمشكلات الجديدة والصراعات السياسية والاجتماعية والثقافية الحادة.
فالانتقال من الموديل الأول إلى الموديل الثالث لأن الموديل الثاني هو تحصيل حاصل للأول، يعني تغيير بعض القطاعات العامة بيعاً أو إجراء إدارة رقابية شعبية واسعة على الفوائض الاقتصادية الناتجة منها، وتغيير العلاقة السياسية المهيمنة البيروقراطية على الاقتصاد إلى علاقة اقتصادية تعطي السلع وأدوات الإنتاج مساراتها الخاصة الموضوعية، وهذا يقود إلى تبدل أسس النظام ونسف الكثير من علاقاته.
ويعتمد ذلك على كيفية تغيير القوى السياسية للعلاقات الاقتصادية، هل ينشأ ذلك بخطة وطنية وبعلاقات ديمقراطية بين قوى الشعب أم أن حيتان القطاعات العامة تبقى مسيطرة. وإذا استمرت الحيتان فإن ذلك لا يعني تغييراً إلى الموديل الثالث بل هو بقاء في الموديلين السابقين.
وإذا حدث تغيير حقيقي، وتحول الرأسمال الوطني المجسد في شركات حكومية وأموال حكومية، وغدت كلها بيد الإدارة الشعبية، فهذا أمرٌ يغير البناء التحتي، وتتبدل علاقاتُ الإنتاج، ولا تعودُ الدولة هي المالكُ الكلي، وتصير رمزاً للمالكين الحقيقيين سواء كانوا قطاعاً عاماً أم خاصاً.
إن قوى الإنتاج المادية والبشرية التي تتعرض للاستنزاف من قبل الدول المهيمنة الفوقية والمُخطـِّطة كيفما تشاء للاقتصاد، والذي يقود لأشكال كثيرة من الفساد والهدر، تتعرض للتآكل والضعف على مستويات مختلفة كأن تتضخم في جانب وتضعف في جوانب أخرى مهمة، أو أن تذهب الموارد للخارج، أو لبذخ المسئولين. وهي عادة تجعل القوى العاملة في ضنك معيشي مستمر، وفي حالة ضعف علمي، وتضخم عددي كمي، نظراً لطابع الاقتصاد غير المخطط.
حقق النمط الأول خاصة تحولات كبرى في الإنتاج وحقق الثورة الصناعية في ظروف الشرق، لكن مع استمرار الدكتاتورية السياسية فإن الفوائض الاقتصادية وربما حتى الإنجازات الصناعية قد تتعرض للتدهور، بسبب بقاء عمليات الفساد والبيروقراطية، وبالتالي فإن فوائض كبيرة تذهب للخارج، أي أن الهبوط إلى الموديل الثاني ممكن كذلك للموديل الأول، مثلما يحدث في جمهورية روسيا الاتحادية حيث يحدث نزيفٌ ماليُّ نحو الغرب، وتبقى الصناعات ضعيفة، وتبقى الدولة بائعة مواد خام ثمينة وبضائع عسكرية. وهكذا فإن شبح الدولة الاستبدادية يطارد روسيا دائماً.
أما الموديل الثاني فهو جائزٌ أن يرتفعَ إلى مستوى الموديل الأول، إذا حوّلَّ قسماً كبيراً من الفوائض لإعادةِ إنتاجٍ موسعٍ موجهٍ للتحديث الصناعي والتحديث العلمي ولتغيير الـُبنى الاجتماعية والثقافية المتخلفة.
وتقومُ هذه الأنماط على نمو العلاقات الرأسمالية العالمية كذلك، المتناقضة بين الشرق والغرب، أي بسبب انتشار العلاقات الرأسمالية الواسعة في دولِ الشرق، وكذلك بسببِ تأزم العلاقات الرأسمالية في الغرب.
وهذان المظهران المتضادان يعكسان شبابية الأسواق الشرقية ووجود قوى عمل هائلة ورخيصة في بعض الدول الكبيرة، وحدوث انتقالات للرأسمال الغربي نحو هذه الدول، وشيخوخة الرأسمالية في الغرب من حيث تصاعد الأسعار والأجور والبحث عن الأسواق المتقلصة دائماً وتفجير بعض الحروب، (وهذه العملية تشكل إعادة إنتاج موسعة عالمية في بعض الدول الآسيوية الكبرى فيما تدهور بلداناً أخرى إلى درجة الهلاك)، إن هذه الظواهر تطور الرأسمالية في بعض بلدان الشرق، وتقوى حضور العمال والمؤسسات الديمقراطية الأهلية في حياة الدول الغربية.
كما أن الدول الغربية تستدعي عمالة شرقية رخيصة، مثلما تمتص الفوائد النقدية الكبيرة، القادمة من دول النفط.
وهكذا فإن أزمة العقارات الأمريكية مثلاً تعبر عن تصاعد الاقتصاديات الطفيلية، أي تسارع بعض القطاعات المالية خصوصاً لجني أرباح كبيرة بدون أن يواكب ذلك تطور الإنتاج، فتغدو الأزمات المالية الغربية ليس كما كان في الماضي مقصورة على الغرب بل تصبح عالمية، بسبب تشابك موديلات الشرق الاقتصادية مع الرأسماليات الخاصة الغربية. فتغدو الظواهر الطفيلية والأزمات كونية تعرقل الإنتاج العالمي.

من يملك الرأسمالية الحكومية؟

في إحتدام الصراعات الاقتصادية والسياسية في العالم الثالث الذي يحاول الخروج من الطبيعة الهجينة الاقتصادية لأنظمته تبقى الملكية (العامة) محور تلك الصراعات.

غموض الملكية من غموض التطور السياسي، حيث تواصلُ الدولة دورَها الإقطاعي القديم بالهيمنة على الأرض، ثم الموارد، ثم الثقافة.
إن أعمار الملكيات الحكومية تتراوح مع نشؤ نقيضتها الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فهي تغدو حاضنة للجمهور العامل، الذي يجد في الملكية العامة جانباً أفضل من الملكية الخاصة تلك، ومن هنا نشؤ الأبويات الاقتصادية الشرقية التي تتمظهر حيناً بالدولة الوطنية وحيناً بالدولة الاشتراكية، وهو أمر يسرع في بعض الجوانب من اللحاق بالغرب.
تنبثق الملكية العامة من الأدوار العتيقة للدول الشرقية، فنجد أن الأرض هي الملكية الأساسية لانبثاق الرأسمالية الحكومية، لكنها لا تـُؤخذ كبضاعةٍ بشكل كلي، بل كملكية تابعة للحكومة، فهي توزعها أو تصادرها أو تحولها لأملاك (عامة) كيفما تحدثُ السيطرة السياسية.
تساعدها في ذلك الجذور القديمة حيث وجود الملكيات العامة للآبار وللمراعي، وبالتالي الغياب العميق للملكية الخاصة الزراعية، التي ظهرت في بعض الدول الشرقية الكبيرة خلال القرنين الماضيين فقط، كما ظهر ذلك في ما يسمى بإصلاحات محمد علي في مصر.
كانت وجود الملكيات الجماعية للأرض الزراعية في الشرق من أهم أسباب استقرار الزراعة ومحاصيلها، ومن أهم أسباب الجمود الاجتماعي كذلك، فهو شكلٌ يؤبدُ الملكية الإقطاعية حيث لا تقوم الحكومات في المراكز (الوطنية) أو في مركز الخلافة بتغيير نمط الزراعة وتطويره أو تبديل حياة المزارعين، أنها فقط تكتفي ب(الخراج) حتى سمى أحدُ الباحثين هذا النمط الإقطاعي باقتصاد الخراج.
ولهذا حدث في قرون الحداثة العربية الأولى هذا الأقحام للملكية الخاصة في الريف، عبر هيمنة الدول المحلية أو الغربية، وقدمت قوى يسارية عديدة مشروعات تقوم على الاحتفاظ بهذا الشكل التعاوني الإنتاجي في الزراعة، وتطويره لمقتضيات الحداثة.
كان إلحاق الملكية الزراعية بالدولة قد تم بأشكال عديدة إذن، عبر التملك الخاص، أو عبر الاقتصاد الحكومي العام، وهو ما شكل جذور التدهور المستقبلي الكبير للزراعة، خاصة في مواجهة نمور التغلغل المتعددة، وأدى إلى تدهور البيئة الزراعية، وتخفيض أجور العمال للانتقال للمدن، وخلق فوائض سكانية جاهزة للحروب والعمل المنخفض السعر وإستغلال الأرياف والبوادي للهو والصيد.
حولت الدولُ الأرضَ وخاماتها وإنتاجها إلى تابع لها، لأنها كانت الثروة الأساسية في الزمن السابق، لكن مع تغير الثروة وانتقالها للمواد الخام الصناعية، انتقلت سيطرات الدول إليها، وأخذت الأرضُ الزراعية تفقدُ أهميتها المركزية. وهو الأمر الذي ساهم في تدهور مكانة السلع الزراعية وانحدارها، خاصة مع عدم تحديث الأرياف.
هذا قد وضع السيطرة الإقطاعية على التطور الرأسمالي الشرقي المتنامي منذ البداية، فجعل من ملك الأرض سابقاً يملك البترول والحديد والذهب الخ.
تنامت ثرواتُ من يحكم، تبعاً لسيطرته على المواد الخام، ومدى قيمها في السوق العالمية، ومع غياب الديمقراطية فإن الثروات معظمها شكل (الرأسماليات الخاصة)، فإذا كان هناك رقابة شعبية، أو أن الحكم قد انبثق من ثورة، فإن تحجيم الرأسمالية الخاصة داخل الحكومة أمر ممكن، وهو الأمر الذي يوسع الملكية العامة حسب حضور القوى العمالية والاشتراكية داخل النظام، لكن ذلك مؤقت، فقوى الإستغلال أقوى من قوى الشراكة، وغياب الحريات يشجع على الفساد، وما تلبث الملكيات العامة أن تـُنخر ويتحدد ذلك اقتصادياً في الانتقال من زمن الوفرة إلى زمن الاستدانات الحكومية المتعددة ثم يأتي الأفلاسان الاقتصادي والسياسي في نهاية المطاف.
إن الملكيات العامة تغدو مشكلة محورية مع تتابع الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية الحديثة، فيظهرُ الخلافُ على الأملاك الحكومية نفسها، حين تتشق الدولة الكبيرة إلى دول، كما حدث في روسيا ودول الرابطة على ممتلكات الاتحاد السوفيتي السابقة، وكما يجري من خلاف على ممتلكات العراق النفطية، وكما يحدث من سلب علني للقطاعات والأملاك العامة في العديد من الدول. وحين تثور القوميات والطوائف في بعض الدول بسبب الموارد العامة وسؤ توزيع فوائضها إيذاناً أما بفك الارتباط بينها أو بتشكيل وحدة قومية أو وطنية على أسس جديدة.
لكن نقيض الملكية الحكومية هو الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فهذه الملكية المتقزمة خلافاً للملكية العامة تصعدُ وتتوسعُ، فالملكية العامة تتوقفُ عن النمو في لحظةٍ زمنية معينة متعددة الأشكال بين الدول الشرقية، حسب تطوراتها الخاصة، وهذا التوقف هو الذي يصعدُ النقيضُ أي الملكية الخاصة، وكانت الطواقمُ الإدارية وهي تشتغلُ للملكية العامة تفكر في كيفية تنامي أملاكها الخاصة، وعبر الخطط الاقتصادية والإنشاءات الوطنية الباهرة والمفيدة في العديد من الجوانب تزدهرُ الجيوبُ الخاصة، فيتم نقل الفوائض بشكل مستمر من جهة إلى جهة أخرى، حتى تبدو الفوارق متسعة وكبيرة وتزداد بين الضفتين المتباعدتين! كما تتدهور الخدمات الحكومية بشكل دائم وتقام إلى جوانبها الخدمات الخاصة التجارية.
كما يتم هنا الاستفادة من ملكيات الأرض حسب وضع كل دولة، فتـُلحق بالمشروعات الحكومية الخاصة.
لا تتيح تطورات الملكية الخاصة المنبثقة من الملكيات العامة مستويات ديمقراطية كبيرة، فقد اعتمدت الدولُ على الدين كشكل تغيّب بهِ وعي الناس، أو على أي إرث سياسي يستخدم في عمليات تلميع من جهة وإطفاء من جهةٍ أخرى، وهي كلها أفكار تحنيطية للوعي تمنعه من رؤية الواقع، ولهذا فإن الليبرالية تظهر بشكل كسيح، عاجزة عن التحول إلى ميدان السياسة، ونظريات الغرب التقنية الثقافية تتحول إلى سحر آخر.
وليس عجز الليبراليات سوى عجز للملكية الخاصة لوسائل الإنتاج عن الأنتشار والتعمق في مواد الأرض وخاماتها والتوظيف الحديث لبشرها، ولضعف وعي العمال تجاه الملكيات العامة. ومن هنا فإن الإيديولوجيات المستوردة تبقى بلا قواعد مادية تحملها للناس.

26/12/2009

تم

عبـــــــدالله خلـــــــيفة

‏‏‏‏‏‏كاتب وروائي

𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆                        

𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙

21.10.2014 | 1.3.1948

من مواليد القضيبية – البحرين.

خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1974.

اعتقل من سنة 1975 إلى 1981.

◇ عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثقافية في الصحف البحرينية والخليجية، ونشر في العديد من الدوريات العربية.

عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا.

◇ ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002، ببحث تحت عنوان «جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين. والعديد من المؤتمرات الادبية العربية.

◇ منذ سنة 1966 مارس عبــدالله خلــيفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها: مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد. ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة.

ونتاجه الأدبي والفكري يتنوع على النحو التالي:

القصص القصيرة:

1لحن الشتاء «قصص»، دار الغد، المنامة_ البحرين، 1975.

«القصص: الغرباء – الملك – هكذا تكلم عبد المولى – الكلاب – اغتيال – حامل البرق – الملاذ – السندباد – لحن الشتاء – الوحل – نجمة الخليج – الطائر – القبر الكبير – الصدى – العين».

2الرمل والياسمين «قصص»، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1982.

«القصص: الفتاة والأمير – علي بابا واللصوص – شجرة الياسمين – العوسج – الوجه – الأرض والسماء – المصباح – نزهة – الصورة – اللقاء – لعبة الرمل– الأحجار – العرائس – الماء والدخان».

3يوم قائظ «قصص»، دار الفارابي، بيروت، 1984.

«القصص: الدربأماهأين أنت الخروج – الجد – الجزيرة».

4سهرة «قصص»، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1994.

«القصص:السفرسهرة – قبضة تراب – الطوفان  – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».

5دهشة الساحر «قصص»، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، 1997.

«القصص: طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء – الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».

6جنون النخيل «قصص»، دار شرقيات، القاهرة 1998.

«القصص: بعد الانفجار – الموت لأكثر من مرة واحدة! – الأخوان – شهوة الدم – ياقوت – جنون النخيل – النوارس تغادر المدينة –رجب وأمينةعند التلال – الأم والموت – النفق – ميلاد».

7سيد الضريح   «قصص»، وكالة الصحافة العربية، القاهرة، 2003.

«القصص: طائران فوق عرش الناروراء الجبال – ثنائية القتل المتخفي – البركان – سيد الضريح – وتر في الليل المقطوع – أطياف – رؤيا – محاكمة على بابا – الحارس».

8الكسيحُ ينهض «قصص» دار نينوى للدراسات والنشر 2017.

«القصص: الشاهدُ.. على اليمين – الكسيحُ ينهض – جزيرة الموتى – مكي الجني – عرضٌ في الظلام – حفار القبور – شراء روح – كابوسليلة صوفية – الخنفساء – بائع الموسيقى– الجنة – الطائر الأصفر – موت سعاد – زينب والعصافير – شريفة والأشباح – موزة والزيت – حمامات فوق سطح قلبي – سقوط اللون – الطريق إلى الحج – حادثة تحت المطر – قمرٌ ولصوص وشحاذون – مقامة التلفزيون – موتٌ في سوق مزدحمٍ – نهاياتُ أغسطس – المغني والأميرة».

9أنطولوجيا الحمير «قصص» دار نينوى للدراسات والنشر 2017.

«القصص: انطولوجيا الحمير – عمران – على أجنحة الرماد – خيمةٌ في الجوار – ناشرٌ ومنشورٌ– شهوة الأرض – إغلاقُ المتحفِ لدواعي الإصلاح – طائرٌ في الدخان – الحيُّ والميت – الأعزلُ في الشركِ – الرادود – تحقيقٌ – المطرُ يموتُ متسولاً – بدون ساقين – عودة الشيخ لرباه – بيت الرماد – صلاةُ الجائع – في غابات الريف – القائدُ مجنونٌ – الحية – العـَلـَم – دموعُ البقرة – في الثلاجة – مقامات الشيخ معيوف».

10إنهم يهزون الأرض! «قصص» دار نينوى للدراسات والنشر 2017.

«القصص: رسالةٌ من بـينِ الأظافر – الأسود – عاليةٌ – جلسةٌ سادسةٌ للألمِ – غيابٌ – عودةٌ للمهاجرِ – دائرةُ السعفِ – الضمير – المحارب الذي لم يحارب – الموتُ حُبـَأً – إنهم يهزون الأرض! – حـُلمٌ في الغسق – رحلة الرماد – أعلامٌ على الماء – گبگب الخليج الأخير – المنتمي إلى جبريل – البق – رغيفُ العسلِ والجمر – عوليس أو إدريس – المفازة – قضايا هاشم المختار – أنشودة الصقرغليانُ المياه».

11ضوء المعتزلة «قصص» دار نينوى للدراسات والنشر 2017.

«القصص: ضوء المعتزلة – جزرُ الأقمار السوداء – سيرة شهاب – معصومة وجلنار– سارق الأطفال – شظايا – الترابيون».

12باب البحر «قصص» دار نينوى للدراسات والنشر 2020.

«القصص: وراء البحر.. – كل شيء ليس على ما يرام – قمرٌ فوق دمشق – الحب هو الحب – شجرة في بيت الجيران – المذبحة – إجازة نصف يوم – حادث – البائع والكلب – ماذا تبغين ايتها الكآبة؟ – إمرأة – الربان – إذا أردتَ أن تكونَ حماراً – اللوحة الأخيرة – شاعرُ الصراف الآلي – البيت – حوت – أطروحةٌ – ملكة الشاشة – الغولة – وسواسٌ – مقامة المسرح – إعدام مؤلف – يقظة غريبة».

الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الأول: اللآلئ، القرصان والمدينة، الهيرات، أغنية الماء والنار، 2004.

الأعمال القصصية الكاملة، المجلد الثاني: لحن الشتاء، الرمل والياسمين، يوم قائظ، سهرة، دهشة الساحر، جنون النخيل، سيد الضريح، 2021.

الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الثالث: مريم لا تعرف الحداد، الضباب، نشيد البحر، الأقلف، الينابيع، 2021.

الأعمال التاريخية الكاملة، المجلد الرابع: محمد ثائراً، عمر بن الخطاب شهيداً، عثمان بن عفان شهيداً، يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، رأس الحسين، مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، ضوء المعتزلة، 2021.

الأعمال الروائية:

13اللآلئ، 1982.

14القرصان والمدينة، 1982.

15الهيرات، 1983.

16أغنية الماء والنار، 1989.

17مريم لا تعرف الحداد، 1991.

18الضباب، 1994.

19نشيد البحر، 1994.

20الأقلف، 2002.

21ساعة ظهور الأرواح، 2004.

22رأس الحسين، 2006.

23عمر بن الخطاب شهيداً، 2007.

24التماثيل، 2007.

25عثمان بن عفان شهيداً، 2008.

26يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، 2008.

27محمد ثائراً، 2010.

28ذهب مع النفط، 2010.

29عنترة يعود الى الجزيرة، 2011.

30الينابيع, الطبعة الكاملة، 2012.

31عقاب قاتل، 2014.

32اغتصاب كوكب، 2014.

33رسائل جمال عبدالناصر السرية، 2015.

34ثمن الروح، 2016.

35ألماس والأبنوس، 2016.

36ابنُ السيد، 2016.

37الأرض تحت الأنقاض، 2017.

38حورية البحر، 2017.

39طريق اللؤلؤ، 2017.

40بورتريه قصاب، 2017.

41مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، 2018.

42شاعرُ الضياء، 2018.

43خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ، 2019.

44هُـدهـُـد سـليمـان، 2019.

الدراسات النقدية والفكرية:

45 – الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي، 2004.

46الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد، في ستمائة صفحة، ويعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية، 2005.

47الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الثالث، وهو يتناول تشكل الفلسفة العربية عند أبرز ممثليها من الفارابي حتى ابن رشد 2005.

48الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث، وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة، 2015.

49نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، 2007.

50– تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية، 2008.

51صراع الطوائف والطبقات في المشرق العربي وإيران، 2016.

52الملعون سيرة وحوارات وما كتب عنه، 2016.

53تطور الأنواع الأدبية العربية: دراسة تحليلية للأنواع من الشعر الجاهلي والقرآن حتى الأدب المعاصر، وهي دراسة مكثفة فكرية تكشف علاقة التداخل بين النصوص العربية والصراع الاجتماعي، 2016.

54 – الكتاب الأول: رأس المال الحكومي الشرقي: وهي قراءة جديدة للماركسية، تبحثُ أسلوبَ الإنتاجِ الراهن في الشرق عبر نظرة مختلفة، الكتاب الثاني:لينين ومغامرة الاشتراكية: وهو كتيب نظري تحليلي لأفكار لينين ولنظريته، 2016.

55عالم قاسم حداد الشعري، 2019.

56عبـدالله خلــيفة: عرضٌ ونقدٌ عن أعماله، 2019.

57الكلمة من أجل الإنسان، 2020.

عبــدالله خلــيفة على موقع الحوار المتمدن

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=436071

   مليون قارئ. 6,348,633 عدد إجمالي القراءات:

عدد المقالات المنشورة: 1,218.

عبــدالله خلــيفة على ووردبريس:

https://isaalbuflasablog.wordpress.com

https://iakalbuflasa.wordpress.com

عبــدالله خلــيفة على الفيسبوك:

https://www.facebook.com/abdullakhalifaalbuflasa

عبــدالله خلــيفة على You Tube:

https://www.youtube.com/channel/UCdyc68FyFxWEu1nt9I7K46w

عبــدالله خلــيفة على مدونة بينترست:

عبــدالله خلــيفة على مدونة إنستغرام:

https://www.instagram.com/abdulla_khalifa_albuflasa

البريد الالكتروني لـ عيسا خليفة البوفلاسة

isa.albuflasa@gmail.com

isa_albuflasa@yahoo.com

الرموزُ الدينيةُ والأساطير

تأخذ الثقافةُ الشعبية الدينية الإسلاميةُ الراهنة التاريخَ الماضي من خلالِ منظار الأساطير القومية.

الأساطيرُ القوميةُ وليس العقلانية القومية سواءً كانت عربية أم فارسية أم تركية أم هندية  وغيرها، مرحلةٌ من تكونِ القوميات الإسلامية المختلفة في ظلِ الثقافةِ السحرية والدينية، حين يقومُ جهازٌ حكومي مسيطرٌ مركزي قامع بدهسِ أحلام الشعوب ورفض تجلياتها الحرة في مجال السياسة والحقوق فتختلق أساطيرها وتاريخها الخاص في ظل الثقافة الدينية التوحيدية العامة.

أراد العربُ التوحيديون النهضة، وفي المرحلة الراشدية الوامضة، شكلوا بعض الظروف المفيدة بين الحكام والمحكومين، كانت رؤاهم  الدينية وظروفهم تشكلُ ذلك التوهجَ الإنساني النادر، لكن مرحلة التمدد المناطقي الواسع والفتوحات، عادتْ بظروف مختلفة.

نشأت فئاتٌ أكثرُ غنى أُضيفتْ للفئاتِ الغنية التقليدية التي كانت تقوم بذلك عبر قرون.

بني أمية خاصة أكثر الذين إستفادوا من المرحلتين، وأصطفتْ إلى جانبِهم فئاتٌ عديدةٌ من قريش والانصار والفاتحين، وكَثُرت الثروات، وما عاد نهجُ المساواة السابق بقادرٍ على الصمود أمام التمايزات الاجتماعية الحادة.

كان صعودُ بني أمية ثمرة طبييعة لكل هذه التحولات، وكان ثرواتهم التاريخية السابقة، إضافة للثروات التي إنهالت عليهم بعد الفتوحات، قد كوّنتْ كوادرَ سياسيةً وعسكرية مجربة لم يستطع بنو هاشم مجاراتهم في هذه الأعداد.

وإستثمرت بني أمية هذه القدرات وعرفت كيف تقيم التحالفات مع القوى الغنية الصاعدة في قريش وفي الأنصار، وإستمالت دهاة العرب المعروفين.

فلا توجدُ هنا مؤامرةٌ محبوكةٌ منذ فجر التاريخ الإسلامي على بني هاشم، بل هي الصراعاتُ الاجتماعية والسياسية الطبيعية، وصعود نموذج اللامساواة، وحروب الفتوحات التي كونت فئات كبيرة من الأغنياء تحالفت وكونت طبقة عربية بدوية في زمن الأمويين وعربية فارسية متحضرة في زمن العباسيين.

 وبهذا فإن بني أمية جمعتْ خيوطَ السلطان بين يديها لأنها إستثمرتْ التحولات، وهو أمرٌ عارضتهُ قوى كثيرة، عربية وغير عربية، لكن لم تستطع تكوين دولة المساواة الشعبية التي احتاجت ظروفاً سياسية وفكرية كبيرة كانتشار الديمقراطية ومعرفة ظروف الانتخابات والتحالف بين النخب الطليعية التجارية والمثقفة وهذه كلها تحتاج لعصر مختلف كما يبدأ ذلك في عصرنا الراهن الذي تتوفر فيه بعض هذه الشروط الكبيرة.

نموذجُ المساواة دائماً هو نموذج أولي تأسيسي تجميعي، لكن ظروف التاريخ الطبقي هي مختلفةٌ وهي تكرسُ اللامساواة وظهور التمايزات القبلية والقومية والسياسية حتى تظهر ظروفٌ معاصرة تخففُ منها ثم تنفيها. وتتيح الرأسمالية الحديثة ذلك عبر ظهور الطبقتين المتصارعتين المتحالفتين في البناء الديمقراطي: البرجوازية والعمال.

ونموذج اللامساواة الأموي جعل الشعوب المَغزُوة من قبل العرب المسلمين تثورُ وترتد، وتكونُ تاريخَ المذاهب المختلفة مع مذهب العاصمة الحاكمة.

وتتصور الصراعات الاجتماعية الطبيعية مؤامرات من قبل الأمويين ومن قبل العرب ومن قبل السنة والشيعة وبقية الطوائف وهي صراعات إجتماعية.

وفي خلال هذا النزاع الاجتماعي (القومي) نشأتْ أساطيرُ المذاهبِ وتصويرُ التاريخ بما ليس فيه، وإضفاء الصراعات الشعوبية على التاريخ الديني. وتفجير الخلافات ومنع التطورات في كل دولة وعلى مستوى الأمم الإسلامية المختلفة.

ورعم مرور كل هذه القرون لكن العقلية التمزيقية غير التوحيدية مازالت تفعلُ فعلها، وتضعُ المؤامرةَ الكامنةَ الشريرة، ورمزها أبليس، في التاريخ البشري الاجتماعي المحض، فتعيد كلَ شيء للخوارق والغيبيات.

ويمكن هنا تصوير فريقي الصحابة عبر العلاقات بين الكائنات الخيرة أو الشريرة حسب موقع المُصورِ والكاتب، في حين أن التاريخَ له أسبابهُ الواقعية المختلفة، وهو صراعُ العرب والفرسِ والأتراك والهنود، صراعُ الأغنياءِ والفقراء، صراعُ الحكامِ والمحكومين، صراعُ المركزِ المسيطر والأطراف المحكومة، صراع القوميات المتوارية وقتذاك.

هذه الإسقاطاتُ على التاريخِ الإسلامي المبكر تمثلُ تاريخيةَ الثقافة لدى الشعوب الإسلامية وهي تكّونُ نفسَها داخل عباءة هذه الثقافة لكن من خلال الموقع المختلف.

وحين تنتفي أسبابُ الصراع بين العرب والفرس والأتراك وغيرهم من الشعوب الإسلامية، تتضاءلُ هذه القصصُ المكَّونةُ داخل الميثولوجيا الشعبية، والتي يفترضُ أن ترتفعَ عنها النخبُ والقادة السياسيون، ويؤسسوا علاقات مختلفة بين الأمم الإسلامية، ويصنعوا تاريخاً مختلفاً.

لكن بقاء هذه القصص يعبرُ عن إستمرار العلاقات غير الديمقراطية التحديثية بين النخب والشعوب، وضخامة الموروث والعلاقات العنفية والكراهية بين بعض الشعوب الإسلامية المتجاورة، وكذلك عن عدم قدرة النخب بقدراتِها الحالية على إعادة تحديث الشعوب الإسلامية العائشة في هياكل تقليدية متخلفة.

الأديان والماركسية

لا يمكن أن تُفهم الأديان والتراث السابق للبشرية بشكل موضوعي حقيقي إلا من قبل الماركسية. ولكن ليست أي ماركسية، فالماركسية غدت ماركسيات، مثلما أن الإسلام غدا مذاهب وتيارات لا حصر لها.

 فالإسلام بكل أطيافه يظل متوحداً في بنية كلاسيكية لم يستطع المنتجون الفكريون والسياسيون المنتمون إليها تغييرها، وليس للإسلام كدين عريض لكي يبقى سوى أن يتحد بالمستقبل والتطور، في حين أن أغلبية المنتجين السابقين يقودونه إلى الماضي ويمنعون مقلديه من المضي إلى الحداثة، لأنهم لا يفهمون تركيبة الإسلام الماضوية الحقيقية.

 وقد نظر الدينيون في الغرب والمشرق الإسلامي الى الماركسية باعتبارها أداة هدم وإزالة للأديان، خلطاً منهم بين الماركسية الارادية الذاتية وبين الماركسية الموضوعية، بين الماركسية كما تشكلت في دول الشرق الاستبدادية وبين الماركسية كما تنامت في حقول المعرفة الحديثة.

 لقد تشكلت ماركسية القرن التاسع عشر في أوروبا الغربية كتتويج لنزعات التنوير والإلحاد والنضال العمالي ضد الكنيسة وراس المال، بعد أن تم على نحو مهم إبعاد الدين عن العمل السياسي العام، وهي معبرة عن مصالح الطبقة العاملة تحديداً، التي ظلت تعمل من أجلها، فتوجهت للعمل السياسي مشكلة أحزاباً لم تستطع أن تصل إلى السلطة، بحكم أن طبقة رأس المال استطاعت أن تجذر سلطتها في نواحي الحياة كافة.

 كما تشكلت أصولُ الماركسية بين نزعات الحداثة المختلفة، التي اتسمت بطابع معرفي متقارب، هو كون نظراتها كما تعتقد هي النظرات الوحيدة الصائبة، فالعقل لديها هو عقلٌ مطلق، وهو العقلُ المطلقُ الذي انتقل إلى روسيا والصين وغيرهما وصار نظاماً اجتماعياً متوحداً بالعقل الديني. فتغدو أحكامها نهائية، من حيث اعتبار دولتها أبدية، وثورتها مطلقة، ونظرتها باقية على مر الزمن.

 فتشكلت في العالم المتخلف ماركسية أصولية، فهي تعتمد على أصول أبدية، خارج التاريخ، وهي نظرية تاريخية نسبية! ولا يمكن لهذه الماركسية الأصولية أن تختفي من الأحزاب التى آمنت بها، وهي ذاتها جاءت من مرتكزات دينية، كما لا يمكن بسهولة أن تظهر ماركسية تجديدية تاريخية نسبية، فتعتقد أن ما تقدمه من أطروحات وبرامج شيء نسبي وأن برامجها ونظراتها الفكرية هي نسبية كذلك.

يعوق ذلك الوضعُ الاجتماعي الذي تتشكلُ فيه هذه الأفكار، ومستويات الأعضاء القادمين من بيئات فقيرة محدودة التعليم، ومحدودة القراءة. وهكذا حدث للماركسية ما حدث للأديان، من حيث تفككها إلى مذاهب، فتقومُ كلُ دولة ذات نفوذ كبير، وكل حزب كبير، بصياغة ماركسيته المشكلة على مصالح سلطته، لا على تشكيل عقل ديمقراطي جماعي للتنظيم، نسبي في تاريخه، منفصل عن السلطة المطلقة، وسواء كان دولةً أو جماعة أو ديناً . ومن هنا كانت عبادة الأصنام والمناطق والشخصيات والتجارب، لا باعتبارها تجارب تاريخية نسبية يجب ألا تُعبد.

 وهكذا ظهرت الماركسية العربية في تبعية للمراكز الخارجية، إلى أن بدأت تظهر عقولٌ نقديةٌ باحثة، ظلت هي الأخرى تشتغلُ تحت مظلةِ العقل المطلق، عقل الحداثة، لأنها تتصور أن عقلها قادر على إزاحة كل العقول المتخلفة المحيطة، فهو النفي المطلق للدين، والنفي المطلق للاستغلال، والنفي المطلق للقومية.

 وحين ظهرت محدوديةُ العقلِ المطلق الماركسي هذا في تجارب روسيا والصين وكوبا الخ.. غدا الشك موجهاً للتطبيقات وللتدخلات العدائية القادمة من الخارج ضد بنيته النقية، وليس في نقد هذا العقل المطلق نفسه، ولعدم اعترافه بنسبيته ومحدوديته في زخم التاريخ.

 إن الأنظمةَ والجماعات الدكتاتورية التي شكلت إسلاماً دكتاتورياً بعقل مطلق وأبدي كما حدث ذلك في الماركسية، والإسلام والماركسية كفكرين ثوريين من عصرين مختلفين، يحويان بذور التفكير النضالي الإنساني بأدوات تعبيرية ومنهجية مختلفة حسب مستوى العصور، لكن الأنظمة والجماعات الشمولية تسيطرُ على ذلك المضمون وتحوله إلى شكلٍ مفرغٍ من دلالاته الكفاحية.

كان الإسلام والمسيحية واليهودية ثورات في أزمنتها وحسب مواقع ومستويات تطور شعوبها التي ظهرت فيها، وكانت الماركسية نظرية للثورة العمالية فى العصر الحديث، لكنها كذلك تحوي نظرة لرؤية العالم مختلفة نوعياً عن طرائق فهم الأديان للعالم.

 وبسبب ذلك تشكلت صراعات معقدة بين الأديان والماركسية، وأخذ ذلك مجرى الصراع الإلغائي بين الماركسية المطلقة، أي الماركسية الشمولية، وبين الأديان كما جيرتها الأنظمة الشمولية على مر التاريخ.

  إن الأدوات المعرفية والتعبيرية في الأديان هي نتاج تاريخ طويل للبشر، ففكرة الإله الواحد أو فكرة الآلهة المتعددة والأقانيم والأرواح المتحكمة والسماء المسيطرة على الأرض واليوم الآخر والثواب والعقاب الأخروي وغيرها هي أدوات تُفهم على أنحاء مختلفة، ففي حين يفهمها المؤمن بها على أنها أجزاء موضوعية حقيقية من العالم، يفهمها الماركسي على أنها تعبير عميق معقد عن ظروف الشعوب وكفاحاتها المجسدة بالمفاهيم، فاليوم الآخر هو تعبير عن سلطة أخلاقية فوق الزمن، تحاكم المجرمين والاستغلاليين بشكل نهائي وحاسم عما اقترفوه. وبغض النظر عن الغيب والواقع، فإن اليوم الآخر كفكرة حكمت الملايين بضمير أخلاقي وبتفكير في الثواب والعقاب قد هذبت من انحرافاتهم وجرائمهم في وقت ظهرت فيه سلطاتٌ مطلقة تقفز فوق الخير وتتلاعب بالخيرات، وحين تظهر العدمية تجاه الدين فإن غرائز الإنسان تنفلت، ويعتبر نفسه فوق الخير والشر، فلا يؤمن بإله يراقبه، وبضمير يحاسبه، وإذا كانت قوى الاستغلال الشرهة العديمة الضمير لا تؤمن في حقيقة الأمر بإله يراقبها ويحاكمها في خاتمة المطاف، فإن الجمهور يؤمن بذلك، وتدفعه الفكرة إلى التمسك بالأخلاق، بشكل نسبي بين الجماعات والأفراد، حسب مستوى الإيمان بالإله المعبر والمجسد لهذه الأخلاق. وهكذا فإن قوى الاستغلال الدينية والحكومية الشرهة للمال العام والخاص والعدميين التحديثيين الذين يبيعون أنفسهم لمن يدفع، تلتقي كلها في عدم الإيمان بالإله العادل وبالشعب الذي يجب أن يتملك خيراته. إن العدالة الإلهية والديمقراطية الشعبية هما مظهران لمضمون واحد.

 إن الثورة الشعبية الإسلامية الذي ظهرت في ظروف إنسانية معينة، تماثل النضالات الشعبية والعمالية في الزمن العربي الحديث، حيث قوانين التحالف الشعبي بين التجار والعمال لتشكيل دول عربية ديمقراطية مطلوبة، للتخلص من عصر تقليدي تفكيكي متخلف سابق.

 وإذا كانت أقسام من قوى هذه الثورات تؤمن بالغيب وبالتاريخ الماضي بكل ألوانه وتنغمس فيه لدرجة نسيان الحاضر، فإن أقساماً أخرى تندفع بشدة إلى الحاضر، وترفض الماضي.

 لكن شكلي الوعى مختلفان، فالأديان ثمرةٌ لتفكير البشر في ظروفهم ولتغييرها ولكن عبر ركائز غيبية، وتتجسد عبر عبادات ومعاملات، في حين أن الماركسية والآراء الديمقراطية الحديثة وجهات نظر دنيوية منقطعة عن الغيب وما بعد الطبيعة، وتسعى لتغيير حياة البشر كذلك.

 وإذا كانت الماركسية الأصولية توحدت مع منهج الأديان محولة نفسها إلى بناء كلي وسيطرة شاملة، فإن الأديان كما صاغتها قوى الاستغلال عبر مئات السنين السابقة، كانت مثل ذلك، وليس الأمر يعود لبنائي التفكير المختلفين بل للبناء الاجتماعى السياسي الشمولي الذي يحول كل فكرة سواء أكانت دينية أم حديثة إلى شكل للسيطرة المغلقة.

 وهو أمرٌ لا يتبدى في الدول بل في الجماعات والأسر والتكوينات الفكرية والثقافية، فالماعون الفاسد يفسد كل الطبخات. لأنه ماعون يقوم على ذلك العقل المطلق الذي يعتقد انه كل الوعي والوجود والمصير. ومن هنا تتحول الكتب الدينية والسياسية الحديثة إلى كلمة أخيرة للإنسان.

 وتحوّل قوى الاستغلال الحكومية – الدينية الثقافةَ إلى بناء يلغي كل أسئلة الإنسان؛ ويحول حياته وإجاباته ونمط عيشه إلى طقوس لا تخرق، لكن التغيير يشق طريقه سواء عبر كنسية التضامن البولندية العمالية أم عبر أفكار اليسار اللاتيني، فالجمهور يبحث عمّن يدافع عن مصالحه التي تُخنق عبر مؤسسات الإفقار والقمع الشاملة، ثم يدرك الجمهور أن قوى الكنسية غير قادرة على النضال من أجل العمال، كما تدرك شعوب أمريكا اللاتينية ضرورة وجود برجوازية حرة صناعية مستقلة عن هيمنة أمريكا الشمالية بضرورة تصفية إرث الإقطاع في الملكيات الكبيرة الريفية.

 إن الجمهور يتحرك ضمن إرثه الديني ثم يكتشف عبر معاركه الاجتماعية أهمية التركيز على فهم الواقع، ورؤية مشكلات الاقتصاد الحديث، ولكنه كذلك يحتفظ بدينه ويحافظ على صلواته!

 إن الأديان والماركسية والتوجهات الديمقراطية الحديثة عموماً تتعاون على تغيير حياة إنسان هذا العصر، عبر مناهج مختلفة، وتغدو مقاربات متعددة، وعقول نسبية، يحتفظ كل منها بمساراته وفضاءاته الفكرية متعاوناً على ما هو مشترك ومعوق للناس.

البحرين جزيرةُ الحريةِ الغامضةِ في العصر القديم

       

أنظر عبدالله خليفة : إضاءة لذاكرة البحرين

بين البحرين والعراق

في فجر التاريخ حين غدا العراقُ مركزاً حضارياً استطاع أن يؤثر في البقاع المحيطة حوله، ولكن بأدوات الحضارات القديمة غزواً وسيطرة ولعلها صفة تمتد حتى إلى الحضارات الحديثة.
وكان ظرفُ النهر الكبير العملاق أقوى من الصحارى، والهضاب، ودول الينابيع والأنهار الصغيرة، فما بالك حين تكون الحضارة نتاجَ نهرين كبيرين؟
لقد تمكن العراقُ من صنع إمبراطوريات، فيما كانت الدول المحيطة في علم الغيب أو ظهرت وهي مفككة ومبعثرة، ولم تتمكن من الظهور حتى شاخت حضارة العراق القديمة، أو تمزقت داخلياً بفعل الصراعات الاجتماعية غير المحلولة
وكان الرأسان العراقي والفارسي في صدام مستمر منذ ذلك الوقت، فقد جاءت الحضارة الفارسية بعد قرون، ووضعت عاصمتها بقرب رأس العراق القوي، في المدائن، وهيمنت في المشرق كله، ثم جاء العربُ وأعادوا للعراق سيطرته، وبُعدت عاصمة الفرس شمالاً، لكن عاد الفرس من جديد عبر بني بويه وغيرهم، وظلت إشكالية الصدام بين الرأسين الكبيرين لمنطقة شمال الخليج مستمرة ليومنا هذا.
لكن عراقَ الحضارة القديمة والحضارة الوسيطة وجد بلداً صغيراً يتحداه بشكل مستمر، وهو بلد البحرين الذي تعددت أسماؤه وتباينت خرائطهُ ولكن ظل البلد الجنوبي البحري، يظهر مرة على شكل سمكة بحرية تسبح بحرية في الخليج، وأحياناً كريح جنوبية عاصفة.
ولهذا فإن حاكم العراق المتأله البابلي حذر بشدة حاكم البحرين الذي يعيش في جزيرة صغيرة من قوة بطشه، وإنه قادر على غزوه وهو في ملجئه المائي الآمن.
وحدث هذا الغزو وتمت السيطرة، ولكن راحت الجزيرة الصغيرة تغزو الحضارة الكبيرة الغازية، فتحولت إلى مكان مقدس، والبوابة الكبرى لعالم الأموات، وهو عالم شديد القدسية في الحضارات القديمة، وظهرت ديلمون كبلد القبور والتلال، أكبر مقبرة مقدسة، حيث تنزل الأرواح إلى العالم السفلي، وتتطهر هناك.
في أدب العراق القديم كانت الآلهة هي التي تتحكم في المصائر وكانت لها أسماء كثيرة، وقد أُدخل إله ديلمون أنكي، إله الينابيع، في محفل الآلهة النهرية المسيطرة، فتم الأعتراف بالينابيع جنباً لجنب مع الأنهار ـ أي الأقاليم التابعة مع المركز.

(أجاب أدابا آنو:

سيدي، كنتُ أصطاد السمك

وسط البحر

لمنزل (أيا).

لكنه نفخ البحر وجعلهُ عاصفةً

وهبت الريحُ الجنوبية وأغرقتني!

فأُجبرتُ على المبيت في منزل الأسماك)، (من قصة أدابا العراقية القديمة).

في العصر العباسي أتخذ إقليمُ البحرين مواقف متشددة أكثر، وصار قلبَ المعارضة، وما كان ريحاً جنوبية قوية، وسمكاً مستقلاً، غدا حركات سياسية رهيبة في أساليبها، باطشة لا يقل عنفها عن المركز.
وجد الخوارج مساحة هائلة من البصرة حتى عُمان، وظلوا قرناً كاملاً يناوؤن الدولة الأموية، ويقدمون جحافل وقوافل من الموتى، دون كلل أو ملل، حتى أنهكوا الدولة الأموية وصعدَ الضحاكُ آخر زعيم كبير خارجي في هذه الدولة إلى الكوفة واقترب من دمشق، فكانت تلك خاتمة الأمويين ولكن على أيدي آخرين غير منهكين وأكثر تحضراً.
ومع ذلك فإن البحرين لم تتوقف عن دورها المعارض المركزي الذي يتحدى الأمبرطورية قريباً من خاصرتها، ويقترب من مركزها دون نجاح في السيطرة عليه.
ظهر القرامطة ليصارعوا دولة الخلافة قرناً ونصف وجعلوا من أسم البحرين مرعباً يمتزج بالكفر والمشاعية.
وهذا الدور العجيب المناكف المستمر الذي لا يهدأ في الاحتجاج والمعارضة جعل من أسم البحرين ملفتاً، فلماذا دون أقطار العالم الإسلامي الواسعة يبقى هذا الأسم ويتحدى رغم صحراوية المكان وبُعد الزمان؟
لم يقم الباحثون لهذه القضية بحفر كبير.
منذ بداية الدولة الإسلامية صارت الجزيرة العربية مقسمة بين ولدين إحداهما الحجاز وهو الابن المدلل وثانيهما شرق الجزيرة وهو الابن اليتيم الفقير، فأغدق الخلفاء الأمويون الأموال على الأسر الغنية في الحجاز، كما أن موسم الحج أضاف لهم موارد كبيرة أخرى.
وبهذا نفهم حوادث الردة وحروب الخوارج وحقد القرامطة على الحجاج وعلى الأمكنة المقدسة وأخذهم الحجر الأسود وإلقائه في أحد الأمكنة في الإحساء.
لقد كان شرق الجزيرة مصدر القلاقل والثورات نتيجة لسوء توزيع الثروة، ولم تحل الدولة العباسية والدول التي بعدها هذه المعضلة، وحتى في زمننا النفطي الذي أغدق الثروة نجد الكثير من الطرق خاصة الفرعية الكثيرة غير مرصوفة في بلدان نفطية، ونراها معتمة ونخيلها محطم ومحطات تحلية المياه شحيحة.
كانت اضطربات منطقة الخليج عموماً ناتجة عن نشؤ مراكز من خارجها تسيطر عليها، وتنقل ثرواتها إلى مناطق بعيدة وعواصم تعيش برفاهية أو بمشروعات سياسية كونية أو مناطقية، مما جعل مستويات الغنى الفاحش والفقر المدقع تتجاور، وتغدو أداة لسياسات متطرفة أو مغامرة، فيظهر الغازي السفاح جنباً لجنب مع حاكم الدولة الصغيرة المسالم لكن المبعثر للأموال، والذي لا يجعلها تتجذر في بلده والمنطقة فمرة تسرق على هيئة غنيمة حروب أو تضيع في التداولات المالية الغامضة، أو تغدو رشاوى للحركات والدول.
لم تستطع الدول المطلة على الخليج أن تعقد  مؤتمرات تناقش فيه أوضاعها السياسية المحفوفة بالمخاطر رغم كثرة الحروب والمشكلات.
بل أنها لم تعقد مؤتمرات تقرأ تاريخها وتكشف أسباب هذه الخصومات على مدى التاريخ وتفاقمها في الوقت الراهن.
وفي كل مرة يظهر(الرجل المريض) بينها الذي يتم تقاسمه أو جعله يموت.
والبلد الذي كان بينها رمز المركزية وهو العراق صار رمز التشتت وبدايات الدويلات.
لقد تكاثر نموذج حاكم بابل المتأله والذي يريد أن يخضع البلدَ السمكة ويضعها في مقلاته السياسية، والآن تكاثرت الأسماك وكثـُرت مزارعُها وآبارها.

 ✗ العصرُ البرونزي في البحرين

لا يكاد الطالب أن يحصل على فكرة واضحة للبحرين في العصر الديملوني، فهي صورةٌ مشوشةٌ ومرتبطةٌ بعصورٍ تالية وبفتراتٍ مختلفة، لكن من الممكن العثور على صورة ولو تقريبية لذلك الزمن إستناداً إلى المعطيات الأثرية وقد ترك لنا المستكشفون العديدَ من الموادِ الأثريةِ والاستنتاجاتِ المفيدة التي تحتاج إلى بحوث متتالية من أجل إستكمالها وإعطاء صورة مدرسية للطلبة بمختلف المراحل لكي يكون لهم تصور عن تاريخنا الوطني.
تعطينا طبيعةُ المعابدِ والقلاع في الجهة الشمالية من جزيرة البحرين الرئيسية ملاحظةً أساسية بإنها هي البؤرة شبه الوحيدة في هذه الجزيرة في لحظة الظهور التاريخي، ونجد لدينا مادةً وفيرةً من أدوات العمل التي إشتغل بها الصيادون والزراع. فالمعابدُ الشمالية والآثار المختلفة لأدوات العمل والقبور كلها تمثل مجتمعاً متتابعاً من الشمال إلى الجنوب.
(وتشير الاكتشافات إلى القسم الجنوبي من الصحراء قد شهدَ إستيطاناً لمجموعة من الفلاحين، أو مغارسي البساتين. والأدوات الزراعية المستخدمة كقطع الصوان الصغيرة التي شُذبت من نهاياتها وحُفرت جوانبها كأسنان المنشار والتي تآكلتْ اثناء حصد المحاصيل)،(البحرين: البعثات الدنماركية في دلمون القديمة، ب، ف. غلوب، ط 1 سنة 2003).
وحسب الكتاب فإن جميع الأنصال والرؤوس المُكتشَّفة من موقع ورشةِ عملٍ ومن مختلفِ الأنواع تعودُ إلى نفس النوع الذي عُرف بشرياً خلال جميع الحضارات الزراعية المعروفة في بلاد وادي الرافدين ومصر ويُعتبر من (أفضل النبال المُكتشفة في العالم)، ص 28.
ومن شمال جزيرة البحرين حتى منتصفها كان هو المجتمع الدلموني حيث القمة أو البوابة أو الواجهة الشمالية ويظهر المعبد ويمثل القيادة الروحية للمجتمع ثم يأتي وجود السكان فينزل المجتمعُ الزراعي حتى منطقة عالي الحالية، هناك حيث القبور ثم الصحراء.
لقد كان المناخُ معتدلاً والمياه أكثر بكثير مما هي عليه الآن مما يسمح بزراعة واسعة كذلك توفر منتجات البحر وفرةً أخرى من المواد الغذائية والجمالية السلعية خاصة اللؤلؤ.
ووفرة كسارةُ الحصى موادَ البناء(ويمكن العثور عليها على شكل طبقة سمكها متر واحد تحت رمال الصحراء بلون واحد)، (وقد ترسبتْ في قاع البحر لملايين السنين، لكنها خرجتْ عندما وثب قاعُ البحر كدرع هائل فوق سطح الماء)، ص 41.
استمرت القبور ثلاثة آلاف سنة حين تم العثور عليها وإكتشافها مع البعثة الدنماركية في خمسينيات القرن العشرين، وقد كشفتْ بعضَ الأفكارِ عن العبادات، ولكن الهام هو تكوينُ صورةٍ عن هذا المجتمع الدلموني الذي يبدو إضافةً إلى إنتاجه الزراعي وصيده الحيواني، إنه كان مقدساً يحرس أكبر مقبرة في المنطقة، كأنه دليل يقود الموتى إلى أعماق الأرض، حيث تلتقي في تصوراتهم السحرية تلك الأعماق مع منابع النهرين المقدسين (دجلة والفرات).
تعطينا ملحمة #جلجامش صورة أخرى عن هذا التصور حيث يقوم البطل بالتوجه إلى دلمون فيخطفُ الثعبانُ منه الخلود!
إنها مهنة هائلة لهذه المستعمرات السكانية التي تنامت من صيادي بحر وحيوان حتى إستوطنت هذه الأرض وحولتها لمجتمع، فيما الجزر الأخرى خاوية، بسبب خلوها من الزراعة.
وهنا يمكن عبر دراسة تاريخ تلك المرحلة متابعة تكون المعبودات والآثار المختلفة التي توضح طبيعة النمو التاريخي البطيء بين المصدر في الحضارات النهرية الشمالية ومقبرتها المتحولة لمجتمع حضاري منفصل مضى بسياقه الخاص.
وبطبيعة الحال فإن إرتباط المستعمرات السكانية بصناعة الخلود هذه، قد جعلها مرتبطة بالمفردات الأسطورية للحضارات العراقية القديمة، وحين إنهارت تلك الحضارات فإن مقبرة دلمون الهائلة تراكمت عليها الرمال، ويقدم الكتابُ الآنف الذكر دراسةً كاملةً عن القبور وطرق بنائها ولكن ليس ثمة ربطٌ عميقٌ بين ثقافة القبور المُستنتَّجة والمجتمع الدلموني.
ويظهر كذلك في القبور الحالة الاجتماعية للموتى في ذلك الزمن، حيث ثمة قلة متنعمة ذات قبور واسعة وهناك بقية الناس العاديين المتزاحمين.
ويعطي تكونُ الطبقاتِ المتعددة للمعبد في الشمال فكرةً أن القيادة الروحية السياسية للمجتمع لم تتواصل أو لم تصمدْ خلال هذا التاريخ، فهي تتحول وربما تستبدل.
في حين إن التكوينات الاجتماعية والسياسية الأخرى توجهت لأعماق الريف أو الصحراء كبديل عن الوجود المكشوف في الشمال، وتلك لحظات تاريخية أخرى بطبيعة الحال.

  ✗ جزيرةُ الحريةِ الغامضةِ في العصر القديم

لم تستطع البحرين أن تفلتْ تماماً من الإمبراطوريات العبودية في العصر القديم، لكن وجودَها المستقلَ قليلاً هو بحدِ ذاته كان شجاعة.
قوى التصحرِ والحروب ومطاردة المؤمنين لم تصلْ إليها كما تصل للبلدان البرية حيث تتمكنُ الجيوشُ بسهولةٍ نسبية من إقتحام المدن ولديها وسائل الحرق الفتاكة والسلالم الصاعدة لأسوارها وبيوتها.
تقنياتُ الغزو البحري لم تتطورْ كثيراً لحسن الحظ لتطارد الأحرار وراء السواحل المحمية بالأشجار والقلاع.
إستطاع السكان القدامى المستقلون أن يطوروا إنتاجهم الزراعي الذي كان يحميهم أكثر من معابدهم:
(تقع في الخليج ذاته، جزيرةُ(تيلوس) التي تكسو الغابات قسمها المقابل للشرق، الذي يغمرهُ البحر أيضاً أثناء المد. ويحاكي حجم كل شجرة حجم شجرة التين.. وتنمو على هضبة عليا في الجزيرة ذاتها أشجارٌ تحمل الصوف) بحجم السفرجلة(يتفتحُ متى تنضج ويكشفُ عن كراتِ زغبٍ، يُصنعُ منها قماشٌ غالٍ للثياب)، الخليج في العصور القديمة، ص 873.
فاثنياوس الكاتبُ الإغريقي الذي عاشَ في القرن الثاني الميلادي يذكرُ في كتابهِ(مأدبة السفسطائيين):
(تقع إحدى الجزر في الخليج الذي يُعثر فيه على الكثير من اللؤلؤ)، السابق، ص 881.
وليس غريباً أن تكون ولادة الكنعانيين الذين عُرفوا بعد ذلك باسم(الفينقيين) في جزر البحرين وميناء الجبيل، المسمى قديما بيبلوس، في هذه المدن الصغيرة المتنامية وسط الخليج حيث أعطتهم الولادةُ شيئين عظيمين: صناعةَ السفنِ ومغامرات التجارة.
وإذا كانت الولادةُ صغيرةً فإن الشباب سيغدو كبيراً من اليمن والبحر الأحمر حتى شاطئ المتوسط الشرقي ثم الجنوبي.
وليس من الممكن خلال أربعة آلاف سنة الحصول على جسمِ هذا الشعب الكبير المتقطع عبر قارتين وعبر المدن الكثيرة يتركُ فيها معالمَه من المدن التجارية الكبرى، وإختراعه للكتابة المميزة، وأساطيره الثقافية مولِّدة الإنتاج الإغريقي لغةً ومسرحاً.
كتبتْ السيدةُ بنت في بحثِ (جزيرة العرب الجنوبية) (لندن 1900) عن تلال الدفن في البحرين:
(كان الشك الكامل يكتنفُ أصل هذه التلال ومعرفة من بناها لكنه زال الآن، ولم يعدْ أحدٌ يرتابُ بأصلِها الفنيقي، إعتماداً على الإحالات الكلاسيكية وعلى نتيجة عملنا ذاته، وقد إكتشفنا أثناء تقيباتنا، أشياءً أصلها فينقي مميَّز، فلم يعدْ هنالك مجالٌ للشك بأن التلالَ القائمةَ أمامنا كانت مقبرة واسعة لهذا الشعب المهاجر).
أربعةُ وجوهٍ ممكنةٍ في تاريخ البحرين؛ أن تكون موقعاً لحرية وإستقلال الشعب، ثم أن تكون ملجأً للهروب، وأن تكون مقبرة لساكنيها المترحلين يتركون فيها جذورَهم ويعودون إليها، وتغدو مقبرةً مقدسةً كبيرةً للشعوب المماثلة، وأن تكون أخيراً سجناً يُنفى إليه من لا يقبل العيش العادي في الدول المجاورة وفي الإمبراطوريات التي كانت بحاجة ماسة للسجون.
من الصعب أن تتمكن الدولةُ الفرثية أن تصل للجزر رغم إجتياحها للبر الآسيوي في الخليج، أو الدول التي قبلها كالمقدونيين، وحين يحدث ذلك لا تضمن المحمياتُ بقاءها الطويل.
أما الدولةُ الساسانية فإستطاعتْ أن تفيضَ بسيطرتِها على وادي الرفدين بقوة، وجزر البحرين بشكل محدود اسمي.
ولهذا فإن صنمَ أوال هو عبادة المؤمنين الهاربين اللائذين بالجزر من البطش الساساني، فالاسمُ الخاصُ الغريبُ القادم من فعل (وئال: اللجؤ) هذا يحملُ شيئاً من دلالةِ الاحتماء إضافةً لمعناه الديني العام.
الاسمُ ذاتهُ يحملُ معنى المقاومة (الوطنية) والاستقلال.
يتغيرُ اسمُ (مشامهج) الذي هو حسب النصوص البابلية(بندرٌ يُعثرُ فيه على اللآلئ)، فتلفهُ سحابةُ العصرِ الإمبراطوري الروماني بردائهِا الكنسي، ويحرمُ مطران (مشماهج) من ممارسة عمله الديني، وقد إنتقد بطريرك الكنسيةِ الأرمنية الأسقفَ البحريني إبراهيم المشاهمجي، متهماً إياه بخلق التمرد.
أسكن سابور الثاني الملك الساساني: (بعض بني تغلب في البحرين، نعني دارين وسماهيج).
هكذا تأخذ قريةُ سماهيج تاريخَها من قلبِ الإمبراطوريات ومن تراثها لكن صناعتها للسفن والقوارب وغوصها في البحر هو الذي يؤسسُ بقاءها.
تأخذ الأسماءُ ألوانَها من الديانات والقبائل والعصور ولكن قوى الشعوب ودلالات وجودها المستقل تأخذهُ من عملها وتكونها كقوى متوحدةٍ مدافعة عن أرضها وحريتها.

  ✗ تجارةُ دلمون خطوةُ الخروجِ إلى العالم   

إن المدنَ الصغيرةَ النامية في الخليج في أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد، خاصة دلمون، يقودوها وضعُها الجزري المحدودُ للخروج إلى العالم، غير قادرة على البقاء طويلاً في هذه المحارة مع تنامي تطورها الاقتصادي الداخلي وسكانها ومع تنامي التجارة قربها في أهم خطوطِ المبادلات بين الهند والعراق وسوريا.
حتى الآن نحن أمام مادةِ التكونِ الداخلي الأولى في هذه الجزر، ومعرفتنا محدودة ولا نعرف بشكل كبير ما إذا كانت لديها قدرة على تكوين مدن صغيرة تجارية أم مستوطنات صغيرة، وما هي ملامح الاقتصاد وأعداد السكان؟
هذه أسئلةٌ من الصعب الإجابة عليها كلها دفعة واحدة، خاصة إننا نطلُ على دلمون الغامضةِ من خروم إبر، هي هذه المُسماة الأختام الدلمونية.
إنها أجزاءٌ صغيرةٌ تحددُ ملكيةَ الشخصياتِ التجارية بدرجةٍ أساسية، ولها أهدافٌ دينيةٌ وشخصية أخرى، لكن دورها التجاري هو محور وجودها ومنها  تكتشف المعلومات الهامة التي تحدد بها الوضع الاقتصادي.
وعلى هذه الأختام تُحفر رسومٌ متعددة، ومن خلال درس هذه الأختام إستطاع الآثاريون أن يقتربوا من ملامحِ المدنِ الصغيرةِ الناهضةِ التي وصلتْ لمرحلةٍ تجارية تبادلية: داخلية وخارجية، وهو أمرٌ يعني تفكك البُنى القبلية ذات الاقتصاد الطبيعي المنغلق، وتحولها لمبادلات على المستويين المحلي والقاري الآسيوي، وتنوع المستويات الاجتماعية المنبثقة عن تنامي التبادل هذا.
تلك الشفراتُ الحجريةُ الفنية المسماة الأختام، أعطت تلك المعلومات الشحيحة، وقد عكف للحصول عليها ودرسها والحوار حولها باحثون كثيرون، وضعوا الخطوطَ العريضة لذلك المجتمع الصغير الطالعِ من بين الأحجارِ والزرع الضاري والبحر المحاصر.
في مستوطنة قرية سار البحرينية ذات التسمية  الحديثة التي عكف على درسها الآثاريون الغربيون تتواجد البيوتُ الصغيرة المتقاربة، ذات السكان المعتدلي الأعداد، وثمة شارعٌ رئيسي تصطفُ حوله البيوتُ الأكثر تميزاً إجتماعياً، ووُجدت الأختام في العديد من البيوت بدون أن تكون دليلاً على أمور إقتصادية فحسب.
لكن الملاح التجارية باروة:
هناك(طرود أحتوت على أصناف عديدة من المواد الصلبة من أقمشة و”حُصر” وربما مواد غذائية.) و(تظهر علامةُ مُلاكٍ على جرة مطبوعة، بين رقبة وكتف هذه الجرة مما يعني إنها أحتوت سائلاً كالجعة أو ربما نوع من الزيوت معدة للبيع)،(كتاب الأختام الدلمونية المبكرة من سار، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 56).
المفردات التجارية الأخرى عديدة مثل أن الأختام وُجدت بنسبةِ ثلثٍ في بيوت الشوارع الرئيسية المميزة، ولا يُلاحظ وجودُ جهازٍ بيروقراطي وسيطٍ لتداول هذه البضائع، مما يُرجح وجود إنسياب في تدفق السلع من المستوطنة للعالم الخارجي، (كما أن مجموعة صغيرة من الأقراص ربما تم إستخدامها كتعريف أو تصريح من قبل أشخاص خاصين أو رجال أعمال)، ص 75.
(إن بعض السكان كانت لهم نشاطات تتعلق بمنتجات محلية كالجعة والأقمشة والتي تم فيما بعد مقايضتها مع جيرانهم)، (يبدو أن المجتمع في سار كان متساوياً وشبه مستقل).
(يمكن القول أن رجال أعمال مستقلين قد استخدوا هذا النظام البسيط لتمكين مرافقيهم من أداء العمل نيابةً عنهم، فتعطي تلك الأقراص للموزع للاقرار باستلام البضائع أو المؤن، وبالتالي يمكن إستعادة القيمة عند إبراز هذه الأقراص)، ص62.
هذا النظام التجاري التبادلي المكِّون الأساسي للمستوطنة، يظهرُ في مستوطناتٍ أخرى في دلمون، لتغدو البلد جزءً من شريان تجاري عالمي أوله هو منطقة شرق الجزيرة العربية التي لم تكن عربية وقتذاك، وكذلك جزيرة فيلكا، ثم تتكاثر خيوط الاتصالات مع جنوب العراق، ثم سوريا خاصة؛ ويتمكن الباحثون من الربط من خلال أدلةِ الأقراص ورسوماتها؛(وهذا المشهد ذو الجرة الموضوعة على الأرض أكثر شيوعاً في سوريا منها في بلاد الرافدين، ويمكن رؤية نفوذ هذه المنطقة أيضاً في صورة القرد الغريب أو الكائن الذي يشبه النمس على عدد من أختام دلمون المبكرة).
الآثار والكتاب لا يقدم لنا أسباب هذه الصلات القوية بسوريا، لكن نحن نعرفُ بعضَ الخيوط الواهية حول خروج ذلك الشعب الذي أُطلق عليه الشعب البحري والذي سُمي بعد ذلك بالكنعانيين أو الفينقيين حسب مصطلحات الشعوب لتحديدهم، وبعد قرون عديدة وهم يبحرون ويسكنون مرافئ ومناطق الجزيرة العربية الساحلية نحو البحر الأحمر ثم نحو البحر الأبيض المتوسط وتكوين الدويلات المدنية المعروفة على شواطئ البحر الأبيض الشرقية.
 أما اللغة التشكيلية في الأختام المركزة على الكائنات الحيوانية فهي تعكس لغة الوعي التي ترى هذه الحيوانات المقدسة كالثور والحيات وغيرها كثير، ويظهر معها الإنسان التي يتداخل بها ويصطادها ولكن مساحة الأختام الصغيرة الصعبة في الحفر والتشكيل لا تتيح تفسيرات مهمة عن هذه العلاقة بين الكائن البشري الذي يظهر عاماً وسلسلة طويلة من الكائنات من الثور حتى القواقع والسرطانات، وهذا كله إنعكاسٌ بسيط لعلاقة الكائن البحري الزراعي بالمخقلوات المنتشرة التي تحيطُ به.

 ✗ البحرين في العصر الوسيط    

القرامطة: الجذور التاريخية

لا بد لكي نعرف حياة أقليم البحرين في العصر الوسيط وتطوره ، لا بد من إلقاء نظرة موجزة ومكثفة على الظروف العامة لتشكله ، ففي ذلك الحين كان إقليم البحرين الممتد من جنوب البصرة حتى مشارف عُمان ، وفي قلب هذا الإقليم يقع ساحل هجر وجزر أوال ، وما يحيطهما من صحراء وبحر . وهذا الإقليم وحده بين شرق الجزيرة والعالم الذي  يجمع النقيضين وهما بحران من ماء عذب وملح أجاج ، وقد جاء ذلك في القرآن .
 نشأت أسس المعارضة الطويلة في الإقليم بسبب الظروف التي لابست تطور الدولة الإسلامية ، فقد جاء في معاهدة العلاء الحضرمي بأنه :
[هذا ما صالح عليه العلاء الحضرمي أهل البحرين على أن يكفونا العمل ويقاسمونا الثمر] ، ولم تعجب أهل البحرين هذه القسمة فارتدوا مع من ارتدوا عن سيطرة المركز في المدينة ، ولكن جعل الفتوحات الأولى لفارس عن طريق البحرين جعل هذا الإقليم جزءً من عمليات الفتوح الكبرى وآثارها المختلفة ، و في عصر الدولة الأموية تم تجاهل هذا الإقليم تماماً ، حيث غدا جنوب العراق وخاصة البصرة هو مركز التجارة والاستيراد والتصدير ، مما جعل الإقليم مهمشاً على الصعيدين الاقتصادي والسياسي .
[ أما الزراعة فكانت مزدهرة هي الأخرى خصوصاً في ساحل هجر وفي جزيرتي أوال وتاروت، وتحيط بهذه المنطقة بادية كان يسكنها عبد القيس وبكر بن وائل وتيمم قبل الإسلام ، وكان جل اقتصادهم يرتكز على الرعي والغزو أو أعمال القرصنة.] ، (1) .
إن موارد الإقليم مهمة في الزراعة والرعي ولكنها تكاد تكفي للحياة الداخلية ، فقد عُرف هذا الإقليم بالفقر الشديد ، ولكنه كان يرسل الخراج بصورة منتظمة إلى العاصمة دمشق ثم بغداد ، مما جعله يتحول إلى مركز دائم للمعارضة والثورات ، فأنتج الخوارج ثم القرامطة وهما أكبر حركتي معارضة في التاريخ الإسلامي والعالمي القديم .
إن هذا يعود لتأثرات القبائل الفكرية والسياسية البحرينية بموجات المعارضة الكبرى التي كانت تنتجها إيران ، والتي كانت تمر أو تختمر في جنوب العراق، ثم تنمو في إقليم البحرين البعيد عن السيطرة المركزية.
فقد عُرفت قبائل عبد القيس وتميم خاصة بالصلة المستمرة بالسواحل الفارسية ، نظراً لتداخل المصالح والهجرة والانتقال السكاني المتبادل على مر التاريخ ، ولم تكن هذه المنطقة ذات كثافة بشرية كبيرة ، فأثر فيها الفرس وحكموها ردحاً طويلاً من الزمن .
وقد تأثرت قبيلة تميم خاصة بالأفكار الثورية القادمة من فارس ، خاصة أفكار المزدكية والمانوية ، وعبر هذه القبيلة تغلغلت أفكار الزهد عند بعض الشخصيات التاريخية العربية ، لكن هذه القبائل وقد رأت الحكم يتركز في قريش أعلنت التمرد، وطرحت شكلاً شعبياً للحكم رفضت فيه الاحتكار القرشي ، ثم تحولت هذه العملية إلى حركة سياسية كبرى ، انتقلت من العراق إلى موطنها الطبيعي ، ومركز قبائلها وهو إقليم البحرين ، الذي قام بحماية الحركة على مدى قرون في حين كانت الحركة تذوب وتتلاشى في الأقاليم العربية الشمالية . ولعل حركة التمرد الطويلة هذه من الأسباب التي زادت هذا الإقليم فقراً على فقره . وأخذ ينعزل عن حركة التطور الاقتصادي الواسعة في الإمبراطورية الإسلامية حينذاك .
لا نستطيع أن نفعل كما يفعل المؤرخون والباحثون بالتركيز على العوامل الفكرية باعتبارها المحرك الأكبر لبعض سكان إقليم البحرين بالتوجه إلى حركات المعارضة العسكرية الكبرى ، بل نرجعها إلى ظروف الفقر الشديد والشظف والبداوة والحرمان وعزل المنطقة عن التجارة المزدهرة وعن الإصلاح التي جعلت هؤلاء السكان يتعاطفون بسرعة شديدة مع تلك الحركات .
فمن الصعب تصديق الرواية القائلة بأن أبي سعيد بن بهرام الجنابي مؤسس الدولة القرمطية في البحرين بأنه شخص يمثل أفكاراً كبيرة وناضجة، فنحن نجد الرجل يلتقي بحمدان الأشعث ثم يعتنق الأفكار التحولية هذه ويندفع إلى البحرين في ظرف زمني قصير ثم يشكل دولته العتيدة .
ولكن إذا حاولنا تفحص هذه المسألة بدقة ، فسنجد إن أبا سعيد كان شخصاً مغامراً يبحث عن فرصة سياسية  للصعود، وهو بدلاً من أن يتجه لدعوة فكرية طويلة نراه يبحث عن قبائل الغزو والجريمة لكي يضمها إليه:
[وحين توجه أبو سعيد الجنابي بالدعوة إلى العرب أجابه بنو الأضبط من كلاب.. وهؤلاء ليسوا من قبائل البحرين القديمة .. فجمعهم أبو سعيد فضم إليهم رجالاً وساروا فأكثروا من القتل ] ، (2) .
هكذا نجد أبا سعيد وهو يشكل حركته من القبائل المجهولة ومن قطاع الطرق، وكانت أول حركة سياسية عسكرية له هي تدمير مدينة هجر، [ ولم يوفق بالسيطرة عليها إلا بعد أن قطع الماء عنها وفر بعض أهلها في البحر ودخل بعضهم دعوته وخرجوا إليه وبقيت طائفة لم يفروا لعجزهم ولم يدخلوا في دعوته فقتلهم . وأخذ ما في المدينة  وخربها فبقيت خراباً وصارت مدينة البحرين هي #الأحساء] ، (3) .
وفي حين نجد الحركات الثورية والإصلاحية تقوم ببناء المدن وتشكل نهضة مدنية، نرى أبا سعيد يبدأ تاريخه بهدم مدينة عريقة ، عبر تحالفاته مع القبائل الفقيرة والأعراب وتحويلهم إلى قوة عسكرية ضاربة ، وجعله الغزو المدمر علامة لسياسته التخويفية .
بطبيعة الحال هناك تشنيعات كبيرة بحق القرامطة، لكن ثمة خيطاً من الحقيقة في هذه العمليات العسكرية . فالرجل بعد إنشائه مدينة الإحساء طور الحياة الاقتصادية عبر إصلاح المزارع ومساعدة الفقراء المحتاجين وجعل الإحساء عاصمة كهجر السابقة ، وفي رأيي فإن أبا سعيد لم يفعل ذلك إلا ليؤمن الجبهة الداخلية لنظامه العسكري استعداداً لجعل سياسة الغزو المورد الاقتصادي الحقيقي والواسع للدولة .
ولم يكن غزواً يؤدي إلى توسع الدولة ونمو علاقاتها وتطور مدنها وثقافتها ويشكل انقلاباً حضارياً في جسم الدولة العباسية الشائخة والمتعفنة وقتذاك ، بل كان الغزو هجمات على المدن بغرض السلب والنهب ، فحين غزا القرامطة البصرة سنة307 هـ [ نهبوها وقتلوا وسبوا أهلها] ، [وضعوا السيف في أهلها وأحرقوا البلد الجامع ومسجد طلحة وهرب الناس  وألقوا بأنفسهم في الماء فغرق معظمهم] ،(4) .
لا نستطيع أن نفهم هذه العمليات العسكرية بغرض البناء السياسي وإنتاج بديل لنظام قديم أو نعتبرها محاولات لتشكيل نظام في حالة من البحث والمخاض ، فهؤلاء الغزاة لا يحملون فكراً أو علاقات اقتصادية وسياسية جديدة ، إنهم مجموعات من قبائل الغزو والإغارة ، فقد كان بالإمكان حكم البصرة وإعطاء سياسية اقتصادية جديدة ومفيدة للمدينة ، ولكنهم لا يملكون هذا الوعي لقراءة واقع وحياة المدينة ، وبالتالي استبصار مسار الدولة العباسية وتقديم بديل لدولة إقطاعية شائخة . أي لو كان هؤلاء متطورون فكرياً واقتصادياً لوضعوا التاريخ العربي على مسار آخر .
كان البديل سوف يـُنتج لو أنهم حرروا فلاحيهم البحرينيين من الاستغلال والإقطاع ، ولكن نظام السخرة والعبودية واستغلال الفلاحين ظل مستمراً ، فكان هناك [ السادة ] وهي الفئة الحاكمة التي تملك العبيد والخزائن والأراضي والمطاحن ، وبقربها طبقة من الملاكين الخاصين ، وفي القاعدة جمهور الفلاحين والعبيد والبدو .
كان توسع القرامطة في استخدام العبيد تعبيراً عن فقر المنطقة في إنتاج علاقات اقتصادية متطورة وثقافة متطورة ، وكان الاعتماد على القبائل الرعوية المتخلفة يجسد كل ذلك .
تعبر الاختلافات السياسية والفكرية بين الفاطميين والقرامطة عن المدى الكبير  بين المستوى الحضاري والمستوى الرعوي المحدود . وحين يقال بأن القرامطة والفاطميين هم نتاج حركة واحدة هي الإسماعيلية فإن ذلك صحيح بالأجمال ، فنجد إن أساس المغامرات السياسية والعسكرية متشابه في نمو هذه الحركة بفرعيها الفاطمي والقرمطي ، حيث اعتمدت كلتاهما على الأفكار الإمامية الإسماعيلية ، وعلى مغامرين سياسيين يتوجهون إلى مناطق التوتر الاجتماعي والسياسي ، فيدّعون رسالات ويزعمون اتصالاً بالغيب الخ.. ويقومون بتنظيم القبائل الرعوية ودمجها في حركتهم والارتكاز عليها لتشكيل دولة وعبر إعطائها الغنائم .
ولكننا نجد إن مسار الفرعين جد مختلف ، فبينما شكل الفاطميون حضارة وثقافة رفيعة ، وتوسعوا ، وأعطوا مصر ركائز لتطور حضاري عميق تال ٍ، نجد القرامطة بلا إرث ثقافي وبلا تشكيل لنهضة مستمرة ، بل قاموا بإفقار المنطقة وتحويلها إلى منطقة بدوية متخلفة بشكل شامل.
وتعود هذه الأسباب ، بطبيعة الحال لمستوى تطور البلدين الاجتماعي : مصر وإقليم البحرين ، ولكن أيضاً للممارسات السياسية المختلفة للجماعتين ، فقد توجه الفاطميون في غالب حياتهم التاريخية للبناء السياسي والاقتصادي والفكري ، في حين عاش القرامطة أغلب تاريخهم على الغزو والحروب .
وإذا كان للفاطميين مشروعهم السياسي الذي لا يحيدون عنه وهو تشكيل دولة موحدة تضم العالم الإسلامي بأكمله ، في حين إن القرامطة كانوا بلا مشروع ، وكانوا قد اقتربوا من بغداد العاصمة تماماً ، ولكن حولوا المعركة إلى مذابح . والأمر لا يعود لقطع أحد الجسور عليهم ، بل لغياب الجسر الفكري والاقتصادي مع السكان ، وعدم قدرتهم على تشكيل بديل حضاري ، بل أن السكان وجدوا في العباسيين على جبروتهم واستغلالهم نظاماً أكثر حماية للنفس والعرض والوجود عامة . لكن الفاطميين هم كذلك لم يستطيعوا حل التناقضات الاجتماعية التي وعدوا بحلها ، لكنهم حافظوا على العلاقة بين الظاهر والباطن ، بين الأحكام الإسلامية العامة وبين الوعي الغيبي الذي يؤمنون به ، في حين عجز القرامطة عن تشكيل جسر بين الظاهر والباطن ، بين السيرورة الإسلامية العبادية والمعاملاتية وبين أفكارهم .
وإذا قيل بأن الدول التي جاءت بعد القرامطة والفاطميين أزالت آثارهم ومحت سيرتهم من ذاكرات الأجيال ، وهذا صحيح ، ولكنها لم تستطع أن تزيل التاريخ الفاطمي والإسماعيلي، نظراً لكثرة التأليف والإنتاج فيه ، واستمراره التاريخي ولكن القرامطة لم يورثوا شيئاً .
ولهذا لا نجد أبنية لهم أو مؤسسات اقتصادية وعمرانية باقية ، مثلما نجد للديلمونيين مع بُعد الحقب بيننا وبينهم و رغم استمرار القرامطة على مدى أكثر من قرنين .
من المؤكد إن ذلك يعود لطبيعتهم الاجتماعية كجماعة مغامرة سياسية ارتكزت على الرعاة والأعراب المتخلفين ، وكان قرامطة البحرين أفضل حالاً من قرامطة سوريا الذين كانوا أكثر عنفاً ، في حين كانت بداية الحركة على يد حمدان بن قرمط في جنوب العراق أكثر تطوراً ، لكونها تحولت إلى حركة تعاونية فلاحية ، وهذا يعود كذلك إلى المستوى الحضاري العراقي ، قياساً بالجزيرة العربية وهيمنة البداوة عليها .
وفي دراسة موثقة بعنوان [ الفاطميون وقرامطة البحرين]، كتبها و.ماد لونغ، وهو أستاذ العربية في جامعة أكسفورد، ومن المختصين القياديين في الدراسات الإسلامية، وهو مرجع مختص بالحركات الإسلامية في العصور الوسطى كما تعرفه دار النشر، يثبت فيها تباين القرامطة عن الفاطميين، ويفند الصلة بينهما،(5) . 
في هذا البحث نجد إن الارتباطات بين الحركتين هي ارتباطات فكرية في بداية الأمر ، ثم ما لبثت كل حركة أن نمت في منطقتها ، بحيث إن الفاطميين تحركوا ليس على المستوى العسكري فحسب ، ولكن على مستويات المعرفة والعلوم والإنتاج الثقافي عموماً ، فظهر مفكرون وباحثون وفلاسفة ، ثم امتدت الحركة إلى سوريا ، وشمال إيران ، وحين وقعت هذه الحركة في مناطق جبلية وقروية ضيقة ، وكان رمزها قلعة الموت، أصيبت بما أصيبت به الحركة القرمطية في البحرين من ضيق فكري وقصر نظر سياسي ، فاعتمدت الإرهاب  والاغتيال أداة للتغيير .
وعموماً فإن الحركة الإسماعيلية ذاتها لم تطرح برنامجاً اجتماعياً تقدمياً لتطور العرب والمسلمين ، وتجمدت عند المستوى التقليدي للحركات الدينية.
تبدو ضخامة أخطاء القرامطة في كثرة الحروب والموقف من الدين ، والوجهان معبران عن رؤية داخلية مأزومة.
ومنذ أن تكونت بنية اقتصادية في الإقليم والدولة توجه طاقتها نحو الحرب التي اتسعت رقعتها ؛ من شن الهجمات على العراق وسوريا حتى مصر ، ثم السيطرة على طرق الحجيج ، وكل هذه العملية الاستنزافية هي من أجل المال ، نظراً لأن دولة القرامطة كانت ذات موارد محدودة ومشروعاتها العسكرية لا تتوقف .
وفي الحروب لم تكن لها مواقف ثابتة ، فكانت هجماتها الأولى لسلب المدن العراقية الجنوبية ، ولم تطرح على السكان تبديل نظام الحكم ، والعمل من أجل مشروع سياسي جديد ، لأن حكام الدولة لا يمتلكون أي تصورات مهمة.
واضطراب المؤرخين والباحثين بكون حركة القرامطة منبثقة من الاتجاه الإسماعيلي أو الاتجاه الحنفي ، أو إنها جاءت تحت تأثير الثورة البابكية التي انفجرت ضد المأمون ومن بعده من الخلفاء ، فكل هذه المحاولات للبحث عن شخصية فكرية هي غير مجدية لأن الحركة بلا هوية عميقة ، فهي نتاج مجموعة سياسية عامية ، ازدادت عاميتها وأميتها الفكرية مع اندماجها المتواصل مع أعراب الجزيرة ، واعتمادها على أسلوب عيشهم المتكرس بالغزو.
ويبدو غياب المشروع والأمية والعدمية الثقافية من اعتماد العنف وسيلة للبقاء ، وكذلك الهجوم على الدين ، ويبدو الهجوم هنا ليس نقداً أو تحليلاً واكتشافاً لجذور الأديان في المنطقة ، ومعرفة سببياتها وأهدافها ، بل هي عملية إنكار أمية لها ، تتجاهل شعائرها وقراءة أفكارها ، ثم تصبح استهزاءً بها وعنفاً ضد مظاهرها .
إنها أرستقراطية من نوع جديد ، فهي قطع مع التراث بصورة دكتاتورية ، وهي تعالي على المؤمنين ومقدساتهم ، وسيطرة عنفية على حياتهم وتوجيهها نحو الحرب .
ومن هنا نجد الفاطميين أصحاب مشروع فكري وتنظيم توحيدي بينما هؤلاء مجرد قطاع طرق تاريخية ، ولهذا كان لا بد أن يصطدم الفاطميون والقرامطة ، فالقرامطة كان يخربون المشروع السياسي التوحيدي الفاطمي ، ولهذا كان الإسماعيليون مؤمنين إسلاميين ، لهم رؤية خاصة في هذا الإيمان ، أما القرامطة فأناسٌ عدميون لم يستطيعوا أن يشكلوا لهم رؤية خاصة في الإسلام ، لأن تشكيلهم لرؤية إسلامية خاصة يعني تجذرهم في المنطقة واستيعاب تراثها وطرح برنامج ما لتحويلها ، وإقامة علاقة بالمؤمنين ، وحماية أرواحهم وليس هدر دمائهم.
ويبدو إن القرامطة هم أناسٌ من بقايا ومتشردي الحركة البابكية الفرس الذين انتقلوا للضفة العربية بعد فشل مشروعهم في إيران ، ولهذا نجد معظمهم بأسماء فارسية، كأبي سعيد بن بهرام أو دادويه أو حسين الأهوازي الخ ثم واصلت القيادة القرمطية حياة العزلة العميقة عن المحيط العربي مع هيمنتها على الأموال والأرواح.
وقد وقعت جزر أوال مثل بقية إقليم البحرين في قبضة القرامطة ، لكنها لم تكن عاصمة الحكم ، وفي مركز القرار ، فهي ثالثة الأثافي بعد الأحساء والقطيف ، وقليلة هي الإشارات التي نجدها في الكتب القديمة عن جزر أوال ، وأسم أوال هو في الواقع يعبر عن مرحلة من التداخل بين انتهاء العصر القديم والعصر الوسيط . وهناك إشارات محدودة لأسم أوال في هذه الدراما الرهيبة:  
في سنة 361 هـ – 972 م وقعت في أقليم البحرين الذي يسيطر عليه القرامطة ثورة سابور الذي كان أكبر أولاد أبي طاهر الجنابي ، قائد الدولة البارز والراحل ، وسابور وأخوته كانوا قد أبعدوا عن الحكم ، فلم يرض سابور بذلك ، وقام بانقلابه الذي لم ينجح فيه ، فأودع هو وأخوته جزيرة أوال .
وقد وجه المعز حاكم مصر رسالة شديدة اللهجة إلى الحسن الأعصم الحاكم يحتج على وضع أولاد أبي طاهر في السجن بجزيرة أوال ،(6).
لا يعني ذلك إن أوال كانت سجناً فقط ، بل كانت كالقطيف وجزيرة تاروت تجمع بين الزراعة والغوص من أجل اللؤلؤ ، وتقوم بإرسال دخلها إلى الأحساء . ومن هنا كانت كبقية أجزاء الدولة القرمطية توظف أموالها لحروبهم التي تستنزف الموارد القليلة.

من أفكار عبدان

تحت عبارة من هو عبدان يقول المحقق عارف تامر :
[ كل ما نعرفه إن انتساب هذا الداعي للدعوة الإسماعيلية قد تم على يد حمدان بن الأشعث المعروف [ بقرمط ] ومما نعرفه عنه أيضاً انه تزوج ابنة حمدان ، وأنه تثقف في مدرسة الدعوة بسلمية – سورية وكان من ابرز الدعاة وأغزرهم علماً وفلسفة ، ومن الجدير بالذكر انه قــُتل أخيراً على يد ( زكروية بن مهروية ) الذي قاد جيوش القرامطة في الدور الأول وأزاح من أمامه المعارضين ومنهم عبدان ] ،(7) .
تصاغ أفكارُ عبدان في كتابه [ شجرة اليقين ] بأسلوب غامض مكرور ، تختلطُ فيه الفصحى والعامية ، وهو يجمع بين شخوص الغيب من الإله والأنبياء والملائكة والشياطين والأولياء في عجينة غيبية تمتد من السماء إلى أغوار الأرض السحيقة ، جامعة بين النصوص الدينية القرآنية خاصة بتلفيق واسع ، وبين أفكار غريبة وتحولات باطنية للأئمة القادرين على كل شيء .
يبدأ عبدان كتابه بجعل سطوره معبرة عن الحقيقة المطلقة التي لا تعرف سوى أثنين أما مصدق تام فيكون من المؤمنين الداخلين الجنة وأما من المكذبين الأشرار الذين يدخلون النار :


يحيلُ عبدانُ آدمَ ، كما يـُـقال في الوعي الديني المشرقي ، بأنه أبو البشر والأنبياء ، إلى ناطق ، إلى زعيم سياسي قائد ، إلى منتمٍ إلى تلك الجنة السماوية ، ويمكن عبر تأويل معاصر أن نقول بأن تلك الجنة هي أرض الفلاح الُمستلبة ، وأن آدم هو بداية للناطقين باسم تلك الحقيقة الأبدية التي تسير فوق الزمان والمكان ، ولكل ناطق خصمٌ يعاديه وينافسه وخصم آدم هو الشيطان ، والهدف هو الجنة السماوية أو الأرض الزراعية والسياسية المعاصرة .
وتعبرُ هذه الثنائيةُ الصراعيةُ عن قوى الشر والخير المتضادة ، وقد تحولت إلى رموزٍ مجردةٍ ، لا تتبلورُ بمضمون معين ، وهي خاضعةٌ لمنطقِ السارد ، وهو عبدان ، الذي يحيلُ كلَ رموز آدم ، أي كل رموز الخير وهم الأنبياء التالون والأئمة وأصحابهم ومن والاهم ، يحيلهم إلى الإيجابي والخلاق في التاريخ أما عنصر الشر وتجلياته فهم الأسماءُ الشريرةُ التي سيذكرُها لاحقاً ، وهي التي ستـُعاقب في جهنم وهي الرمز المضاد للجنة ، في حين يكون موضع الأخيار هو العودة إلى تلك الجنة ، وهي في الحقيقة تملك الأرض السياسية والسيطرة عليها .
ويكمل عبدان :
[ وقد جاء انه لا بد لكل ناطق من النطقاء السبعة من إبليس يكاشفه ويعاديه ويضل أمته عن الصراط المستقيم ، والدليل على ذلك قصة آدم المكررة سبع مرات في القرآن الكريم ، وقد أراد جلَّ ذكره من تكرارها سبع مرات أن يذكر بأن مثل آدم سبعة نطقاء .. أولهم آدم وآخرهم الناطق ..] ، ( 10 ) .
يجعل عبدان التاريخ البشري متداخلاً والتاريخ الغيبي ، فإضافة إلى صورة الإله المتحكمة في كل شيء التي يشكلها عبدان ، فإن القرآن يمثل الكتاب السري للتعريف بتلك الحركة المتداخلة بين السماء والأرض ، بين الإله والبشر ، ولهذا فإن القرآن في إشاراته الرمزية تلك ، يعرض قصة آدم سبع مرات لا أكثر ولا أقل لتبيان عدد الناطقين الذين سيظهرون للناس ، دون أن يقوم القرآن بعرض ذلك بشكل مباشر !
ولا يرتبط هؤلاء الناطقون السماويون بأي سببية تاريخية أو بأهداف محددة ، فهم يظهرون بتسللهم السباعي فقط ، وكأن هذا التسلسل السباعي هو من يحدد التاريخ الغائب الملامح والأسباب ، ويقوم عبدان هنا بإدخال حركته السياسية في ذلك التسلسل الإلهي الغيبي المفروض على البشر ، فالقائم هو تتويج لسلسلة الأنبياء وختامهم .
ثم يقوم بذكر هؤلاء السبعة ، [ فإبليس آدم هو عزرائيل وشيطانه قابيل ، وإبليس نوح حام ، وقد جاء في الخبر إنه رأى عورة أبيه وهو نائم ، فأطلع على ذلك أخوته كنعان وسام ويافث ، ولم يستره .. والمعنى : إنه كشف عن ما وصل إليه من أبيه من العلم الذي لا ينبغي كشفه إلا لأهله ، وقد نصحه أبوه فلم يرتدع ، وأصر على المعصية ، ولم يتب فاكتسب مقام الإبليسية ، وغرق في الطغيان ..] ، ( 11 ) .

وبعد .. فان من ينظر في آيات كتابنا هذا الدالة على الآفاق والأنفس ويطلب حقائقها ، ويقف على علومها ، ومطابقتها للشرائع والأحكام ، ويتقبلها بالشكر والقبول .. يكون في جملة من أطاعوا الله جل ذكره ..( …) .. وأن كل من ينظر في هذه الآيات الموجودة في الآفاق والأنفس ، والدلالات الباطنة فيها ، ولا يطلب حقائقها وتأويلاتها من أرباب الدين ، وأصحاب اليقين ، فيكون من الأبالسة والشياطين الذين استوجبوا غضب الله وخذلانه وحرمانه ، كقوله تبارك اسمه : ((إذ قلنا للملائكة))،(8) . يحدد عبدان بأن بيانه هو بيان جماعي ينطق هو به لكنه منتشر يحدد تأويله أرباب الدين ، فهناك جماعة هي وحدها القادرة على تحديد الحقيقة وإدخال الناس فيها . (( أسجدوا لآدم )) أي اخضعوا للناطق وناطق كل دور من الأدوار مثل آدم – ومعنى آدم أي انه خلق من أديم الأرض وأديم الأرض هو ظاهرها . (( فسجدوا إلا إبليس )) ، ففسق عن أمر ربه – أي خرج عن أمر الناطق وأصبحت ذريته من ( القشرية ) وهم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها ، وعندما أخبرهم جلّ ذكره فيما ينظر إلى ما خلقه في الآفاق والأنفس من الدلالات والآيات ، لم يتفكروا فيها ، ولم يطلبوا حقائقها . فتبرأ منهم ، وحرمهم من رحمته ورضوانه..

إن صورة الشر لا تكتفي بنموذج  غيبي بل تشكل نموذجاً إنسياً كذلك ، فعزرائيل الملاك المكلف بأخذ الأرواح يتحول عند عبدان إلى رمز للشر ، ولم يجد في فترة آدم سوى قابيل ليلصق به وكالة الشر الأرضي . ثم جعل إبليسَ نوح هو ابنه حام ، كما جاء في قصة التوراة الأسطورية لتفسير الأجناس البشرية وهم : سام وحام ويافث . ويرتكب عبدان خطأً تاريخياً هنا حين يجعل كنعان أخاً منهم ، وهو اسم لشعب سامي من الجزيرة رحل إلى الشام .
وقصة التوراة الساذجة لتفسير تعدد الأجناس البشرية تربطها بظهور عورة نوح وسخرية حام من هذه العورة فتحل لعنة نوح عليه ليكون جنساً بشرياً متصفاً بلون معين . لكن عبدان يجعل القصة ذات بعد رمزي ، فتتحول العورة إلى هدف باطني ، والغطاء يصيرُ ستارة الظاهر التي اندفع حام ليزيحها كاشفاً المستور !  ، ( 12 ) .
إن الأنبياء والشياطين المتصارعين يرتبطون بلوحة مجردة ، تشكلها عملية الصراع بين التبعية للحاكم المطلق الذي هو الإله ، وبين الشيطان الذي يريد تخريب تلك التبعية ، والطرف الأول يدعو لجوانب معينة ويغدو نقيضها هو المعاصي . ثم تغدو هذه الأوامر الإلهية شريعة بعد آدم لدى موسى ثم تصير عند عيسى هي أمر وشريعة الخ..
وكل هذا يجري في فضاء غيبي ، وعبر صراع إلهي شيطاني تتداخل فيه العفاريت والنجوم والكواكب والأرواح في تكوينات غامضة ، وتتجلى بعد ذلك في الحديد الأصم ثم ترتفع درجة في النبات ثم تتجلى أخيراً في الإنسان .
[ إن المعادن موات ليس فيها من الأرواح شيء ، قوامها من التراب والماء والهواء والنار ، وقوام النبات من القوة النامية ، وإنها على أربع مراتب أسفلها وأقلها الحشيش وهو مقابل الأرض وثانيها في الحيوان وهو مقابل الماء ، وثالثها في الأشجار وهي مقابل الهواء ، ورابعها في البهائم والسباع وهي مقابل النار .. ] ،( 13 ).
ويتم ترتيب العالم غير المعدني بشكل رباعي له علاقة بتقسيمات أخوان الصفا ، ويتم إسقاط الحالة الرباعية على الكثير من الظاهرات من خارجها ، وليس بدراستها من الداخل ، ثم إدغامها بتكوين مادي عنصري . وهناك عمليات درس مسبقة للظاهرات الطبيعية ولكن يتم قسرها في المنهج المسبق .
فالروح هنا تتصاعد من العالم النباتي حتى تتمظهر في الحيوان الذي تغدو روحه الحسية ذات أربع مراتب كذلك .
فالمرتبة الأولى للسباع أقل الأرواح والأقرب للتراب . ثم في السمك وهي مقابل الماء ، ثم في الطيور وهي مقابل الهواء ، ورابعها في [ الأطفال والمجانين وبعض القشرية وهي مقابل النار .] .
هذه هي الروح الحسية ، أما الروح الناطقة للبشر فتنقسم كذلك إلى أربع مراتب:
[ أسفلها وأقلها الأطفال وبعض القشرية المهملين وهي مقابل التراب فلذلك قلنا أن التراب دليل على البهائم ، وثانيها في المستجيبين والمأذونين والأجنحة الذين هم جن بالقوة ، وفي أضدادهم القشرية الذي هم شياطين بالقوة ، فلذلك كلفوا بطلب التأويل … وهي مقابلة الماء ، وثالثها في اللواحق ، وفي أضدادهم المرتدين والفلاسفة وفقهاء القشرية الذين هم أبالسة بالقوة ، وهي مقابل الهواء ، ورابعها في الأئمة وفي أضدادهم الشياطين بالفعل وفي مقابل النار ] ، ( 14 ) .
يشكل عبدان هنا تراتبية ميتافيزيقية اجتماعية كما فعل سابقاً ، فالروح الغيبية تتمظهر تدريجياً وهي تصارع العفاريت ، فتغدو أقرب للتراب وهو شكل محايد ويتمظهر ذلك في الأطفال و[القشرية] المهملة وهم أهل السنة هنا ، ويتضح هنا الطابع الطائفي لهذا الوعي ، فتغدو العامة غير الإمامية وغير الباطنية الجوهرية من فصيلة القشور ، كما أن القشرية هذه تكبر في علاقتها بالشياطين لتصل إلى الفلاسفة والفقهاء ، لكن أئمة الباطنية هم التجسيد الأعلى للروح ، ويصارعهم الشياطين المكتملون .
إن ما تشكل بوعي المثقفين المدنيين الإماميين لدى إخوان الصفا يغدو في الحركة القرمطية ، وقد تحولت إلى حركة عامية ، إلى أشكال من الهلوسة والاسقاطات الفجة على الأشياء وحركة الحياة والوعي عبر  منطق شكلاني .

 البحرين في بدء التحديث     

كان مجيء الاستعمار البرتغالي بداية لدخول العصر الحديث إلى منطقة الخليج، حيث عبر عن لحظة المفصل بين العصرالوسيط والعصر الحديث، فعالمياً كان النظام الرأسمالي في طور التشكل، وكانت مرحلته ومعركته التجارية مشتدة بين أجسامه البارزة في أوروبا الغربية، التي انتقل إليها التراكم النقدي والثقافي العالمى.
 إن البرتغال لم تعبر سوى عن مرحلة الاستيلاء على الغنائم والمواد الخام بصورة عسكرية، ولهذا كانت معتمدة على الأساطيل الحربية والقلاع. ولكن البرتغال لفتت الأنظار الغربية إلى أهمية الشرق، خاصة الهند، ثم المناطق القريبة منها. وبانتقال قيادة الرأسمالية إلى بريطانيا تكون مرحلة جديدة من تطور العلاقات الاقتصادية العالمية قد تشكلت، واعتمدت على نمو الصناعة وتصدير البضائع ورأس المال.
 ومن خلال الهيمنة على الهند انتقلت بريطانيا إلى الخليح العربى، عبر مداهنة القوى الرئيسية فيه، كالإمبراطورية العثمانية والدولة الصفوية الفارسية، في حين لم يكن ثمة ممثل للقومية العربية التى كانت لا تزال فاقدةً الملامح الاجتماعية والفكرية.
 وقد اعتمدت بريطانيا في سيطرتها على الخليج على تفتيت علاقاته بالعالم، وعلى تفتيت علاقاته الداخلية، بل على تفتيته الوطنى، بحيث تبقى اجزاؤه المختلفة متضادة. وكانت هذه خطة بعيدة المدى وذات نتائح أقوى وتكاليف أقل.
 ولهذا وجدت جزر أوال نفسعها في مرحلة تاريخية جديدة، تم شيئاً فشيئاً قطع علاقتها بالضفاف الشواطئية الختلفة لها، ضفتا الجزيرة العربية الغربية والجنوبية، وبالتالي قطعها عن جسمها الخليجى العربى.
 فعبر هذا تكون عملية الابتلاع اكثر سهولة وأقل خطورة، وقد اعتمدت بريطانيا في نمو سيطرتها على وضع الاقتصاد المحلى عموماً على مدى فخامة وغلاء المواد الأولية، وكذلك على أحجام الأسواق. ولهذا كانت الهند درة التاج البريطاني، لدورها في تطوير التصنيع الإنجليزي بشكل مركب مواد وسوقاً.
 ومن هنا كانت جزر أوال ذات أهمية محورية نظرا إلى وجود المادة الخام و السلعة الثمينة في ذات الوقت وهى اللؤلؤ، حيث كانت هى مركز إنتاجه في توسطها لمصائده الطبيعية الكبرى.
 واذا نحن نظرنا في ذلك الوقت إلى أية مواد خام أخرى ذات اهمية كبيرة لم نجد في الخليج سوى اللؤلؤ، كذلك لم يكن الخليج سوقاً كبيرة، نظراً إلى ضعف عدد سكانه وتبعثرهم وسوء أحوالهم المعيشية. وكان بالإمكان خلال القرن التاسع عشر تسلم هذه المادة السلعية دون صعوبات، لنشوء الترابط الوثيق بين الهند والخليج، التى عملت بريطانيا على نسجه من خلال تشجيع التجارة مع الهند.
 ونظراً إلى طبيعة المواد الخام وأحجامها في الخليج فلم تكن بريطانيا في القرن التاسع عشر بحاجة إلى وضع اليد على الخليج، كما فعلت في الهند، ولكنها كانت بحاجة إلى ترتيب البيت الخليجى للسيطرة الشاملة القادمة، عبر تفتيته وقطع صلته بالساحل الشرقى لإفريقيا، والقضاء على اشكال التهديدات المسلحة التى يكن أن تنمو فيه، ولهذا كانت قوانين واتفاقيات منع تجارة الرقيق و”االقرصنة” والحروب، وكل ذلك يعنى تقسيم مناطق الخليج، والقضاء على أساطيله الحربية، وتوجيه الحياة الاقتصادية والسياسية لما يفيد التجارة البريطانية، حيث أخذت مصالح دول الخليج ترتبط تلقائيا بأسواق الهند وشرق افريقيا.
 وفي ذلك المستوى من التطور الاقتصادي البريطاني لم يكن ابتلاع دول الخليج مفيداً، لكن التطور البريطاني الداخلى، واتساع الصلات مع دول الخليج، وتفاقم الصراع بين دول أوروبا الغربية حضّر الظروف للانتقال إلى السيطرة المباشرة.
 قادت الظروف العامة لمنطقة الخليج وموقع البحرين في القرن التاسع عشر لتحولها إلى المركز الرئيسي لإنتاج اللؤلؤ. وهذا أدى إلى تبدل طبيعة السكان، فالمستوى الزراعي شبه الكلي، أخذ يعطي المكان لاقتصاد البحر. ومع تدفق عائدات هذا الاقتصاد بدأت القرى الساحلية في التحول إلى مدن. كما راحت القرى تنمو بصورة واسعة، بسبب هذا الترابط والنمو المشتركين. فإنتاج النخيل يقدم الكثير من المواد الأولية للسكان، كالمواد الغذائية والبنائية والاستهلاكية المختلف. وهذا يقود بدوره إلى تطور الزراعة.
 إن عملية تشكل السوق الوطنية، تحدث من ترابط نسيج الحرف المختلفه، فحرفة صناعة السفن تعود بآثارها على حرفة الغوص، وسعف النخيل يصنع بيوت السعف الأكثر انتشاراً وقتذاك، والحدادة والقلافة والنسيج وغيرها تتعاضد لتقديم المواد الأولية للحرف واستهلاك البيوت ولنمو المدن وتضخم اسطول الغوص، الذي تعود عائداته بالتالي على هذه الحرف ومنتجيها بشكل نسبي.
 كان هذا الإنتاج يحتاج إلى أمكنة للتبادل، فالمزارعون لا يبيعون سلعهم مباشرة، وكذلك الحدادون والنساجون الخ… ومن هنا أخذت الأسواق الصغيرة تكتسب نمواً مطرداً، وأخذت الأسواق الريفية تخلي مكانها للاسواق المدنية، بصورة ليست سريعة، وممتدة عبر عقود، وامتازت أسواق المدن القديمة كالمحرق وجدحفص بارتباطها الوثيق بالإنتاجين البحري والزراعي، فقد نشأت من خلال عمليات تبادله وفيضه النقدي .فكانت سوق المحرق تعتمد على جلب المواد المتعلقة بالسفن ومهن البحر المختلفة والاستهلاك، في حين كانت سوق جدحفص مرتبطة بفيض المواد الزراعية والحيوانية الناتجة عن القرى المختلفة.
 كانت أهمية المدينتين انهما تعبران معاً عن إنتاج ما قبل الصناعي والرأسمالى الحديث، وتعبران عن عالم الحرف وتشابكاته المختلف.
 وعمليات التبادل تقوم وتطور الرأسمال النقدي والفئات المرتبطة به، كالطواشين، وهم تجار اللؤلؤ، الذي يحتلون في هذا العصر مكانة محورية في عمليات التبادل، ولهذا أخذت هذه الفئة بالنمو مع ترسخ وتنامي اقتصاد اللؤلؤ، فغدت لها شرائح مختلفة، كالتجار الكبار الذين غدت لهم محلاتهم المحددة في قلب الأسواق، في حين ظهرت شرائح صغيرة تتاجر باللؤلؤ بأشكال كثيرة، سواء بانتظار الغواصين أم بالتوجه إليهم في عرض البحر أو السفر وبيع هذه المادة في الخارج الخ..
 ونظرا إلى تحول البحرين إلى مركز الخليج لإنتاج وتصدير اللؤلؤ فقد أخذت عائلات تجارية من الخليج في القدوم إليها، لتنمو عمليات التبادل على أصعدة مختلفة، حيث أخذ الاستلاك الترفى بالظهور، عبر إنشاء البيوت الكبيرة، كذلك فان الاستهلاك السلعي العادي أخذ بالنمو والتوسع. كذلك فان الإدارة السياسية المحلية أخذت تتحول إلى مصدر للنمو التجاري والسلعي.
 وكل هذا أدى إلى توسع الفئات التجارية، حيث برزت الفئة المرتبطة بإنتاج الغوص، وفئة التجارة العامة، وهناك عمليات تداخل بينهما عبر زمن ازدهار الغوص، لكن في أزمنة تدهوره كان الرأسمال ينتقل بصورة دائبة إلى الفرع الثاني.
 ولم تظهر في هذا الزمن مؤسسات تمويل كبرى، كالمصارف واعتمد الأمرعلى مؤسسات الصرافة الصغرة، ونظراً إلى طابع العصر الوسيط المستمر في الحضور عبر الإنتاج التقليدي، فإنه كان يشارك المسلمين في عمليات التمويل والتسليف هذه المسيحيون واليهود بخبرتهم المميزة في هذا الجانب.
 لكن إلي أي مدى كانت علاقات الإنتاج متداخلة في هذا الزمن؟ فمن المعروف ان علاقات إنتاج الغوص والزراعة، اعتمدت على العلاقات الإقطاعية وبقايا العبودية وكان حجم العلاقات الرأسمالية الحديثة محدوداً.
 ويمكننا اعتبار السفينة قطعة أرض زراعية يقوم النوخذة (وهواللفظ الفارسى البرتغالي المنتشر خليجياً ويعنى: قائد أو ربان البحر) بتقاسم محصولها مع المنتجين وهم على درجات حسب مشاركتهم في العملية الإنتاجية، وهذه المشاركة مزدوجة فمن جهة يأخذ الربان حصة مساوية للمنتج الرئيسى وهو الغواص، كذلك فإن السفينة التى ملكها أو يستأجرها تأخذ هى الأخرى ذات الحصة. في حين يأخذ المنتج المشارك مساعد الغواص [السيب] نصف سهم.
 فلا ترتبط عملية الغوص بالأجور بل بالحصص، فالمحصول يقسم على أسهم، بعد خصم تكاليف الرحلة، فيأخذ الربان سهمين فى حين يأخذ الغواص سهماً واحداً، والمساعد نصف سهم، ولكن العملية لا تتشكل من هذا الوضوح فإن الربان أو التاجر، يقوم بتسليف البحارة، ويكتب مبالغ السلف لديه أو لا يكتبها، مما يجعل البحارة مدينين بصورة دائمة. وهكذا لا يبقى عن الاسترقاق سوى خيوط واهية.
 وفي الماضى الأكثر قسوة كان الغواص ينزل مقيداً كعبد، مما يشير على طبيعة الرق الكاملة حينذاك.
 ان العلاقات البضاعية والنقدية تتوارى لصالح العلاقات الإقطاعية، وبقايا العبودية، مما يضعف من تطور الرأسمالية وتوسع السوق ومن تطور أدوات الإنتاج ودخولها في هذه العملية، وبالتالي تغيب أدوات النضال المعاصرة. كما يضع ذلك الأساس لتخلف الغواصين واميتهم وأمية أولادهم، وبقية عالميهم الاجتماعى والثقافى. ولا تختلف اوضاع الفلاحين عن اوضاع البحارة وربما كانت أسوأ، فهى تعتمد أسلوب الإقطاع المقام على [الضمان] الزراعى، وهو شكل متوارث من التاريخ العربى، مع استمرار علاقات السخرة.
 وفي زمن بداية دخول العتوب إلى الغوص كان الشكل القبلى أساسياً فى الإنتاج: [فترى العائلات تدخل هذه الصناعة بشكل جماعى فرب العائلة ملك السفينة أوعدة سفن يستخدمها للغوص على اللؤلؤ، والاخوة والأبناء وأبناء العمومة والأخوال يعملون جميعاً على ظهر السفينة أو السفن التى تتملكها]، [محمد الرميحى، البترول والتغير الاجتماعى]، نقلا عن فاروق أمين، «دراسة حول واقع الأسرة البحرينية»، ص 011
 هذا الأسلوب العائلى ربما كان معتمداً في الزراعة ايضاً ولكن تطور القرية الأسري له سار خاص، يعود إلى توطن القبائل العربية القديمة جزر أوال كعبدالقيس، ولا تزال قرية [كليب] تحمل ذكرى ذلك. وقد قسمت مدينة المحرق على أساس الأفخاذ القبلية، فلكل فخذ حي خاص، ثم تحول ذلك إلى أحياء مدنية وإلى الاختلاط مع تنامى التقسيمات والتباينات في الدخول وفي مواقع الإنتاج، بحيث أخذ الفقراء يتكدسون فى أحياء متقاربة.
 لكن العلاقات القرابية ظلت مهمة مع بقاء أسلوب الإنتاج التقليدي، وبقاء التجارة على ضغاف هذا العالم. وفيما بعد، وفي زمن القرن العشرين، فإن البحارة سيمثلون مصلحة مشتركة واسعة، ويغدون قوة اجتماعية مختلفة، مما يشير إلى طبيعة التطور الاجتماعى الذي تنامى في عقود الغوص الأخيرة.
 لكن في الجهة المقابلة، فإن معظم ملكيات الغوص من سفن وديون و[أرباح] انتقلت إلى كبار تجار اللؤلؤ، فظهرت بيوتات مالية. عقارية. وغدت هذه فيما بعد أساس تطور الطبقة الوسطى البحرينية، خاصة فى شرائحها الوسطى والصغيرة.
 أما الشريحة الأخرى، والتى نمت من التجارة الخارجية، فإنها لم تكن كببرة فى زمن الغوص، وأخذت تتسع مع الاعتماد المستمر على الاستيراد، وأصبحت مهيمنة بعد أن دب الضعف في الغوص. ولكن هذه التقسيمات بين الفئتين الأساسيتين للطبقة الوسطى لم تكن راسخة، لأن التوظيفات كما قلنا متداخلة بشكل كبير بين الجانبين.
اعتمد اقتصاد البحرين بشكل شعبه كلى على الغوص، ففى سنة 1824 كان حجم ما بيع من اللؤلؤهو320,000 جنيه إسترلينى، أي ما نسبته 97,03,%، بينما بلغت مساهمة القطاعات الأخرى الزراعية والحرفية 1,02%.
 وقد تزايد هذا الدخل في الثلث الأول من القرن العشرين، ليصل إلى ذروته سنة 1930، حيث بلغ: 2,125,000، لكنه وصل في سنة 1936 إلى657,000، وقد أدى هذا إلى تقلص أعداد السفن والبحارة، وبدأت علاقات اجتماعية كاملة بالتبدل.
 عبرت الفترة السابقة للتدهور عن المنظومة الاجتماعية البحرينية الوطنية التقليدية، حيث تشكلت أسس للوحدة الوطنية عبر الاقتصاد التقليدي المفكك، أي من خلال التعاون غير المباشر بين أشكال الاقتصاد التقليدي، كالغوص والزراعة، وعبر التجارة المحدودة، وتداخلات التعاون الاجتماعى المباشرة.
 فرافقت هذه المنظومة الاجتماعية أشكال من الثقافة التقليدية، المعتمدة اساساً على الثقافة الشعبية الشفهية الموروثة والمقداولة، والتى لا يجري فيها تغير كبير، بل إعادة إنتاج بسيطة مثل الحفظ والاستفادة من الأمثال القدمة لتطبيقها على واقع جديد، وثمة قصص مستعادة وإنتاج بسيط للشعر العامى. والتكرار والنمطية هما سمتا الوعى والواقع.
 وهناك إنتاج ثقافي دينى تقليدي عزير يتواصل مع هذه البنية التقليدية، فتغدو الاستعادة المذهبية لأواخر العصر الوسيط هى طريقة الوعى السائدة، نظرا إلى وجود شعب في حالة تبلور وانتقال من منظومة إلى بوادر منظومة لم تتضح بعد على الصعيد الإقليمى. وحتى الآن لم تجر دراسات موثقة حول هذا الإنتاج الفكري، بحيث تتكشف أبعاده الجاثمة وراء نصوصه التقليدية المثقلة بالماضي.
 لكن كان تبدل هذه التركيبة الاجتماعية يعتمد على طبيعة الرأسمالية البريطانية المسيطرة حينذاك، والتى بدأت بالانتقال إلى منظومة جديدة مع انتهاء القرن التاسع عشر، حيث أخذت عملية إرسال الرساميل بالتحول إلى أسلوب هام من أساليبها، فبدأت الشركات والبنوك البريطانية بالتغلغل في الاقتصاد المحلى.
 وقد كانت عمليات الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية تتنامى منذ القرن التاسع عشر، فكان للبريطانيين امتيازات سياسية واقتصادية مثل وضع ضريبة لا تتجاوز الخمسة في المائة على البضائع البريطانية وغير ذلك من الامتيازات السياسية والقضائية. ولكن في بداية القرن العشرين انتقلت البحرين إلى التبعية للاستعمار البريطاني. وفي هذه السنوات قدمت شركات البرق والبريد وجري مكنزي والبنك البريطاني.. الخ، فغدا الاقتصاد المالي يحكمه البنك البريطاني، والتجارة الخارجية بيد جري مكنزي وأخذت السلع الإنجليزية بالانتشار الواسع.
 وقد أدى غياب أي حماية للاقتصاد المحلي إلى أن بدأت شبكة الحرف بالتدهور المستمر، ولهذا وجد صناع السفن و النسيج والمداد والفخار.. الخ انفسهم يفقدون أعمالهم، وبطبيعة الحال تحولت هذه الظاهرة إلى سيل جارف مع انهيار الغوص، ولهذا أخذت البحرين تتحول من مركز اقتصادي إلى هامش اقتصادي.
 ان انهيار النظام التقليدي تم ببطء كما ان تشكل النظام الحديث تم ببطء مماثل، وهذا ما شكل أزمة عميقة للمجتمع، خاصة في عقود الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، وفي السبعينيات فقط بدأ النظام الحديث في إنتاج ثماره.
 وهذا التحول ترك بصماته على مختلف جوانب الحياة المادية والثقافية، بدءاً بنمط العمران، وهو الأقرب إلى البنية الاقتصادية، أو في اشكال الوعى الفكرية وهى أبعدها عن الالتصاق بها. ونجد بيوت الفقراء الأقل تعرضاً للتبدل، فقد ظلت مادة الخوص والجريد المادة الأساسية لها، وحتى الستينيات. في حين بدأت الفئات الوسطى منذ الثلاثينيات استخدام المواد البحرية في تجديد مساكنها.
كان الاختلاف بين المحرق والمنامة هو العلامة الفارقة للتحول بين العصرين الوسيط والحديث، فقد كانت المحرق عاصمة نظام الغوص وأزهى فترات العصر الوسيط البحرينية، حيث البنية المستقلة والمزدهرة نسبياً، لكنها عاصمة غير قادرة على أن تكون عاصمة توحيدية تحديثية للبلد، بسبب طبيعة العلاقات الاقتصادية التقليدية المفككة للشعب، والواقع الجغرافي المحصور والضيق للمدينة، وقد كانت هي الموقع الرئيسي للعمل السياسي المناهض للاحتلال، كذلك فقد قامت السياسة البريطانية على الابتعاد عن كتلة المنتجين البحرينيين المترابطين فيها، ولهذا قامت بتطوير موقع المنامة، التي كانت مصيفاً، وفيها فراغات كبيرة وقتذاك.
 كانت المواقع البنائية محدودة في المنامة، وتحيطها مجموعة من القرى المتباعدة التي تشتغل بمجموعة من الحرف، وقد أدت التطورات الاقتصادية من انهيار نظام الغوص والزراعة والحرف إلى نزوح السكان وبحثهم عن أعمال خلال عقود الانهيار والتحول، فبدأت المنامة تنمو بشكل سريع.
تحول المنامة إلى عاصمة كان ثمرة للاندثار الريفي والحرفي وللتحول إلى سوق، فتصبح المركز السياسي والاقتصادي للمجتمع، وتقوم بالنموعلى حساب الرقعتين الزراعية والبحرية، فغدت مكانتها المتوسطة الجغرافية وسيلة لتوحيد المجتمع، فأصبح الاقتصاد الحديث أساساً أقوى وأوسع للبناء الوطني، ولظهور مجموعات سكانية حديثة.
 وقد تعرضعت الطبقة الوسطى للتبدل بناءً على هذا النمو للاقتصاد الحديث على حساب تلاشي الاقتصاد التقليدي، فاندثرت فئة الطواشين والفئات المرتبطة بالنمط القديم، وأصبح المستوردون هم الفئة البارزة في الطبقة الوسطى، وأصبحت البيوتات المالية المعنية أساساً بالاستيراد في مجتمع الغوص هي الطالعة من خراب العام القديم، أو تلك التي حافظت على التنوع وعلى الاستثمارات العقارية، مما أعطى بناءً اقتصادياً خاصاً للطبقة الوسطى، كانت له تأثيراته على حقول الوعي والسياسة.
 ولهذا كانت الشرائح المرتبطة بالاقتصاد القديم، وهي عائلات الاقتصاد البحري أو الريفي من جهة أخرى وبمستويات متباينة بين المدينة والريف، هي التي واجهت الغزوالاستعماري، لتضرر مصالحها بشكل مباشر، حيث كانت تزاوج بين السيادة الاجتماعية والغوص وتجارة الرقيق والسلاح، وتعتمد على علاقات وأفكار قديمة ولكنها تعبر عن مضمون وطني تقليدي.
 فنجد أن معارضة الثلث الأول من القرن العشرين تتركز في المحرق وبين عائلات الامتيازات ((البحرية))، فهي تعمل على إبقاء النظام القديم  بأساليبه ونظامه السياسي، في حين كان هذا النظام قد تجاوزه العصر، وعملت القوة البريطانية على تغيير بعض جوانبه غير العميقة، دون أن تقوم بتغيير البنية الإقطاعية ــ المذهبية بل حافظت عليها. أي قامت بإلحاقها كنظام تابع بالهند اولاً مع إجراء التحسينات الضرورية لظهور جوانب من الاقتصاد الحديث.
 لكن من خلال هذا الصدام بدأت تتبور خريطة الوعي الوطني المتصاعدة على مدى القرن العشرين، فالتقليديون وهم يواجهون الاستعمار، كانوا يبعثون مختتلف أشكال الوعي: الشعر، والمقالة، والرسائل، وهذا هو المستوى المبكر من هذا الوعي، وفي مرحلة الثلاثينيات مع توسع الحياة الثقافية عبر المدارس، والأندية وصحيفة البحرين، ظهرت أشكال أخرى: المسرحية الشعرية، والقصة القصيرة، والترجمة، والنقد.
 لكن راحت أشكال الوعي المختلفة تعبر عن الفئات الوسطى بشكل متزايد، حيث غدت هي المنتشرة والقادمة من النسيج الوطني عموماً، ولهذا فإنها لم تجد في الأفكار الدينية التقليدية مادة جاهزة للنضال الوطني، فراحت تستوعب الأفكار العربية والإسلامية المبثوثة في الفضاء العربي؛ حيث كان الانبعاث القومي الإسلامي هو الصوت الرائج في المشرق العربي.
 كذلك فإن المؤسسات الدينية . المذهبية لم تكن قاعدة للوحدة الوطنية والعمل المشترك، فأصبح التنوير والنهوض الثقافي أداة للوحدة وللحرية.
 كان نمو الطبقة الوسطى البحرينية يعتمد على نمو ذنيك التوجهين الفكريين المتشكلين من جذور عالم الغوص والتجارة، فالاتجاه السلفي التحديثي، والاتجاه الليبرالي، أخذا يبرزان بصعوبة فيها. ويمكن ملاحظة ان الجسم البارز من المنحى الأول يبرز فى المحرق بصفة خاصة، نظرا إلى حجم تركيبة النمط القديم فيها، وتوجهه الوطني القومي الديني. فى حين ان الجسم الليبرالي الأكبر ظهر فى المنامة، بسبب النمو المتسارع للتجارة والحداثة فيها.
 ولهذا نجد المنتديات ذات الطابع القومي الديني تبرز فى المحرق وتكون مقراً للنادي الأدبي وللمنتدى الإسلامي، فتكون أقرب للتركيبة التقليدية، فى حين كان الجسم الفكري فى المنامة يبحث عن توجهات جديدة لم تتبلور بوضوح. وفى البداية ظهرت نفس التوجهات [المحرقية]،فالتوجه القومي الديني هو الذي وجه النخبة، لكن النمو الليبرالي الأكبر لم يتبلور فى حركة أو اتجاه متأصل، وقد ظهر فى حركة الهيئة لكنه لم يصبح اتجاهاً، بسبب مستوى الطبقة ومحدوديتها التاريخية والاقتصادية، فليست هناك جذور عميقة موضوعية وثقافية راسخة للحداثة.
 لقد استطاعت الاتجاهات الشمولية أن تهيمن على أبرز قطاعاتها، لسهولة وعاطفية شعاراتها، الأقرب إلى الأمية، ومن هنا كان الإنتاجان الفكري والسياسي محدودين قياساً بنظيراتها في الدول العربية، وتجربتها السياسية لا تعطيهما فرصة للتراكم وخلق أجيال من المتشبعين بثقافتها .ولهذا لم ينفرز الاتجاهان الليبرالي والديني، وحين انفرزا بعد عقود، تحول الأول إلى ليبرالية مقلدة للغرب بلا جذور، وصار الآخر متشدداً شكلياً بلا معرفة عميقة بالإسلام.
 وكانت العلاقات مع الضفاف الإيرانية وجنوب العراق تجري كما كانت عبر التاريخ، ولكنها أخذت الآن تنموعبر الحدود الوطنية المعاصرة، فالاتجاهات المزدكية والمانوية الإيرانية والعراقية الضاربة الجذور، تتحول إلى تيارات ماركسية ودينية، وقد برز الاتجاه الماركسي الإيراني عبر حزب توده وامتداده السياسي في تجربة البحرين، منذ حركة مصدق وانهيارها ولجوء مناضلين إيرانيين إلى البحرين. لقد قام هذا الاتجاه بنقل حرفي لتجربته إلى البلد، خاصة إلى القطاع العمالي، في حين كان الاتجاه الديني، المتصف بالتوجه اليميني يتغلغل في شريحة التجار الصغار والموظفين. ومن هنا برزت في المنامة عملية النمو الفكرية والسياسية الأكثر وضوحاً وتبسيطية. ولهذا فإن الاتجاهات الوسطية الأخرى لم تشهد نمواً متواصلاً .
 لكن النقل الحرفي للتجربة الإيرانية سيكون متكرراً فى تجربة البحرين السياسية،  هو أمر يعود إلى تاريخ قديم كما رأينا في التجربة القرمطية، وقد تقاطع بالتجربة النضالية العربية القومية واليسارية، ثم ما لبثا أن تداخلا في فترة لاحقة.
 أن تجربة المنامة الفكرية والسياسية سوف تتسرب بطبيعة الحال إلى المناطق المختلفة، حيث ستجد في المناطق الريفية حاضنتها الأكبر نتيجة للتأزم الاجتماعي الاوسع، وإذا كانت مدينة المحرق لم تشهد مثل ذلك النمو، فالأمر لا يعود إلى الجذور فحسب، بل أيضاً إلى محدودية التداخل والنمو المشترك الغني للمدينتين.
 فالوعي الحديث غير قادر على دراسة جذوره، والقديم متقوقع في تجربته المحدودة، وفيما بعد سيكون للحركة الثقافية قدرة على بدء باوز هذه الثنائية.
 أما الوعيان الفكري والسياسي فهما غير قادرين على تجاوز هذه الثنائية بسبب تلك التجربة الحدودة فى العمل السياسي العلني والجماهيري، وضعف أدوات البحث والاتصال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر  القرامطة :
( 1 ) : ( القرامطة بين الدين والثورة ، حسن بزون ، دار الانتشار العربي ، ص64).
( 2 ) : (  المقريزي ، اتعاظ الحنفا ، نقلاً عن المصدر السابق ، ص67] .
( 3 ) : ( المقريزي ، عن السابق ، ص 68].
( 4 ) : (النجوم الزاهرة ، ج 3 ، ص  ، نقلا ً عن القرامطة بين الدين والثورة ، 197].
( 5 ) : ( الإسماعيليون في العصر الوسيط ، مصدر سابق ) .
( 6 ) : ( المصدر السابق ، ص 55  ) .
( 7 ) : ( كتاب شجرة اليقين ، تأليف الداعي القرمطي عبدان ، تحقيق عارف تامر ، دار الآفاق الجديدة ، ص 6)
( 8 ) : ( المصدر السابق ، ص 10 ) .
( 9 ) : ( المصدر السابق ، ص  10) .
( 10 ) : ( المصدر السابق ، ص 10 ) .
( 11 ) : ( نفس المصدر ونفس الصفحة ) .
( 12 ) : ( القصة في سفر التكوين بالعهد القديم ) .
( 13 ) : ( شجرة اليقين ، ص 73 – 74 ) .
( 14 ) : ( المصدر السابق ، ص 74 ) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القحط في زمن النفطالبحرين جزيرةُ الحريةِ الغامضةِ في العصر القديم البحرين في العصر والوسيطالبحرين في بدء التحديث
فائض القيمة البحرينيالرأسمالية الخاصة في البحرين تحدياتُ العلمانية البحرينيةالطبقة العاملة في البحرينالليبرالية في البحريناليسار في البحرين

 

 

الثقافة والمثقفون البحرينيون

قوة الثقافة وقوة المال

تتجسد قوة الإسلام الأول، قوة التغيير العربي الإنساني، في تحول الثقافة إلى ثقافة تغيير، وهي لم تتحول إلا بسبب دخولها في عقول الناس.
والثقافة حين تصير قوة تغيير كبرى لا بد أن تلتحم بمصالح الجمهور الواسع، لهذا فإن الدعوة السرية المكية المخصصة لتشكيل الكوادر الأساسية، تصيرُ في المرحلة المدنية قيادة جمهور القبائل الواسع المنخرط في العملية التحولية التاريخية.
لكن الثقافة ظلت في هذه المرحلة القصيرة من عمر الزمن قصيرة، رغم إشعاعها الواسع، فهي لم تلتحم بأداة الملكية العامة، إلا في لمحات من عهد عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، ثم هجم عليها الملأ مرة أخرى كما هجم في السابق على الثروة العامة.
قوة الثقافة خطيرة وأعجازية، لكنها تغدو بلا جدوى حين تغدو ثقافة محضة، نخبوية مفارقة للجماعة، ولا تقيم العلاقات الوطيدة مع الجمهور، وحين تتصدى لمهام التغيير فلا بد أن تجعل العامة أداة التحويل لها، لكي يصير الخاصة في علاقة ديمقراطية مستمرة مع العامة.
لقد استطاع الملأ المكي الذي استعاد السيطرة على مقاليد السلطة أن يفكك سلطة الثقافة، عبر سلطة المال.
إن سلطة المال أقوى في كل العصور، وليست سلطة الثقافة سوى لحظة تاريخية أستثنائية ومبهرة بقوتها وإنجازاتها، لأنها تقوم على المشاركة والتضحية والأخوة الإنسانية، لكنها لا تحكم طويلاً، لكونها تبتعد عن العامة، وتهمل الملكية العامة، وتهمل تجنيد العامة وتحويلها إلى أساس للسلطة.
وسلطة المال لا تكتفي بإغراء الذهب والفضة بل هي تريد التحكم كذلك في الثقافة وتدجينها وتحويلها إلى دجاجة من دجاجاتها التي تبيضُ ذهباً!
ومن هنا حين تمكنت من السيطرة على مقاليد الحكم أخضعت الثقافة بشتى ألوانها لتغلغلها ولسيطرتها، فغدت الثقافة مهتمة بمصالحها الذاتية، فصار الفقيهُ مستأجراً، والشاعر مرتزقاً، والعالم تابعاً، والناثرُ كاتب رسائل سلاطنية، والكيمائي يبحثُ عن تحويل المعادن لذهب الحكم، الذي أضاع كل الثروات على شهواته وخدمه..
تفككت عناصر الثقافة المتوحدة في القرآن، فصارت تعادي بعضها بعضاً، مثلما أن المثقفين يتصارعون فيما بينهم، والشاعر يعادي الناثر، والعالم يتجاهل الشاعر، والفقيه يحتقر ثقافة غير المعّممين، وهكذا استطاعت الطبقة الحاكمة التي ركزت السلطة والثروة بين يديها، أن تفكك عناصر الثقافة التي لم تستطع أن تروضها كلها بين يديها!
ولا تستطيع أن تعود الثقافة لمكانتها العالية دون أن تستعيد وهج المراحل الثورية العظيمة السابقة، بأن تعود للناس، وأن تصبح قوة تغيير كبرى.
وقد حدث ذلك في كل ثورة كبيرة، فالثورة الفرنسية التي أسسها المثقفون سرعان ما التهم خيراتها الصناعيون والماليون، وغدت الكتب التي كانت مشاعية وتنويرية، خاضعة للسوق، ولتحكم دور النشر الكبرى، وانقسمت الثقافة إلى ثقافة سوداء خاصة بالجمهور وتعني بالجنس والأبتذال والجريمة الخ ويقرأها الملايين، وثقافة للنخبة غامضة وصعبة، وذات أشكال غير مرتبطة بمعارك العيش، ومغتربة ..
وكما هي قوانين الثقافة والمال، فالثقافة العربية الجديدة في رحلة تغييرها للحياة، لابد أن تعود لتنصهر في معارك الجمهور لتعريب واقعه وتحديثه، فتتوجه للسيطرة على المال العام، لخلق ثورة صناعية علمية، ففيء المسلمين الأول والذي صادرته الأرستقراطية يعود لها الآن عبر السيطرة على القطاع العام، وتوجيهه نحو تطورها المعيشي والثقافي.

الثقافةُ كرأسِ مال

حين إنفصلَ العملُ الفكري عن العمل اليدوي غدتْ الثقافةُ رأسَ مالٍ.
المثقفون في تعبيرِهم عن العمال والحرفيين يضمرون رأسَ مالٍ من خلال هذا التعبير.
فهم يتولون القيادات في الوظائف والمصانع والشركات والأحزاب، فهم يرتفعون على حساب الشغيلة أو يسرقونهم فيما بعد عبر أنظمة رأسمالية الدولة.
ومن هنا فلا يوجد حزب بروليتاري بقيادة مثقفين.
أو دولة إشتراكية بقيادة مثقفين أو برجوازية صغيرة.
هذه الأوهامُ نتاجُ عدمِ معرفةِ المستقبلِ الاشتراكي للإنسانية وكيف يتحقق. فهي كلها أحزابُ برجوازيةٍ صغيرة وما فوقها وما اليها.
حين يقود المثقفون أي دولة أو حزب فهذا يعني أن طبقةً غير العمال هي التي تسّيرُ الدولةَ أو الحزب.
في المستقبلِ حين سيتحولُ العمالُ إلى مثقفين تكون الإشكاليةُ قد رُدمتْ.
وتعني أن تناقضاتَ الوجودِ الاجتماعي في تجسيداتِها الكبرى مثل التناقض بين العمل اليدوي والعمل الفكري، بين الريف والمدينة، بين الثقافة والإنتاج، بين المالكين والأجراء، قد حُلت.
وتكونُ الإنسانيةُ قد وصلتْ إلى مستوياتٍ من الرقي مختلفة كلياً عما نعيشُ فيه.
الحزب البروليتاري بقيادة المثقفين هو حلم أكثر منه واقعا.
والحزب البرجوازي بقيادة مثقفين موظفين ممكن.
هل يقوم أغنياءٌ بالدفاع عن الفقراء وبشكلٍٍ حقيقي مستمر؟! هذه فكرةٌ مثالية نادرة، (رسولية) نابعة من فكر الأديان المثالي. وفي الحياة تتبخر. ولم تستطع الدعوات الدينية مع قداستها الأولى وتضحياتها أن تستمر في العدالة.
لكن يُقال هنا ألا ترى المثقفين يناضلون ويدخلون السجون؟ وهذا أمرٌ صحيح، لكن حين يضحون، ولا يعتبرون الأفكارَ سلعاً، أي لم يُدخلوا في وعيهم أنهم يعيشون مجتمعات رأسمالية تحسبُ المشاعرَ والأفكارَ بالعملة الرخيصة، ولا يزالون في زمنِ الحلم الاشتراكي. أي حين لا يزالون يؤمنون بفكرةِ الإشتراكية الخيالية الراهنة، ويدافعون عن الطبقات الفقيرة بدون مقابل.
ففي العالم الشرقي النامي ليس ثمة ظروفٌ حقيقية للاشتراكية ولكن بعض الناس يناضلون في شروطها المستقبلية التي لم تُوجدْ بعد ويناضلون من أجل طبقات شعبية يشعرون بفقرها وإستغلالها وضرورة تطورها.
لكن علينا أن نقيسَ ذلك بالفترة التاريخية، كم صمد هذا المثقف أو ذاك، كم بقي ينتجُ الفكرَ بشكل تضحوي، ولم يوظفه في تجارة، أو في دسائس سياسية، حينئذ سنجد بعضاً من ذلك، ولكنها نماذج نادرة لا تصلُحُ للقياس العام.
فنحن لا نستطيع أن ندخلَ اللوحاتَ الفنيةَ العبقرية والتماثيل الخالدة والروايات العظيمة في ميزان التجارة. رغم أن الظروفَ الملموسة العابرة تضعُ هذه (السلعَ) في السوق.
ولو كان ذلك الحلمُ واقعياً وممكن التطبيق على العام، فلماذا هذه الخيانات المستمرة من المثقفين ومن تحولاتهم وإنتهازياتهم، وتلاعباتهم بين الطبقات وإستغلال الثقافة للخداع والصعود ثم تشكيلهم بيروقراطيات إستغلالية في الأنظمة التي سُميت إشتراكية أو قومية أو وطنية؟ وها هم يدافعون عن إمتيازاتهم بالمدافع!
الفكرةُ وصناعاتُها وإنتاجُها هي قوةُ عملٍ، وحين يتشكلُ ذلك في مصنعٍ أو إدارةِ مؤسسة، يَخضعُ ذلك للمقاييس الكمية؛ وأهمها طبيعةُ العملِ وتصنيفاته، ويتحددُ الراتبُ أو الأجرُ حسب ذلك مع قياسِ الزمن وكيفية تجديد قوة العمل الفكرية إجتماعياً، حيث أن تجديدَها يتطلبُ مواصفاتٍ غير تلك التي تجري في تجديد قوة العمل اليدوية.
وشقاء المنتجات الفكرية والإبداعية في عالمنا أنها تتشكلُ في سوقٍ غير رأسمالية متطورة.
أما قوةُ العملِ الفكرية حين تَخضعُ للسياسة فهي تخرجُ عن دائرةِ البضاعة العادية، وتدخلُ دائرةَ السلطة.
الثقافةُ السياسيةُ أو الفلسفيةُ أو الاقتصادية أو القانونية حين تدخلُ العملَ السياسي تخضعُ لطبيعةِ الدولةِ المعنية التي تُعلبُ فيها هذه المنتجات، ويحددُ ذلك وضعُ الدولةِ التاريخي، فهل هي ديمقراطيةٌ أم شموليةٌ، أهي على طريقة رأسماليات الشرق الحكومية أم هي ديمقراطية تبادلية للسلطة؟
في رأسمالياتِ الدولِ الشرقية السلعُ الفكريةُ المُسيَّسة تخضعُ لتوجيهاتِ الحكم، ولكيفيةِ صناعتهِ للسيطرة السياسية الاجتماعية، فمثقفٌ يحركُ الرأيَّ العام ويوجهُ الناسَ من خلال جريدة أولى أو تلفزيون، هو غيرُ كاتبِ زاويةٍ مغمور.
في الرأسمالياتِ الديمقراطية تخضع الثقافة إلى السوق وتداولاته، وللشهرة وللقرب أو البعد من قوى السوق العملاقة المؤثرة. فالمثقف يرتفع وينخفض حسب التداول مثله مثل السيارات والثلاجات.

الثقافة والديمقراطية

خرجت الثقافة الحديثة المضادة للتقليدية من المنظمات السرية البحرينية، وكان لهذا الميلاد جوانب إيجابية وسلبية، فقد ربط هذه الثقافة بقضايا الناس وبالصراع السياسي الدائر، ووهج صوتها، وأعطاها زخماً ديمقراطياً، سواء بالانفتاح على الواقع وتاريخه وفلكلوره وبناه التحتية التعبيرية والفكرية المتوارية ، أو بتجاوز الأشكال التعبيرية التقليدية التي كانت تعبرُ عن مواقف متعالية على الجمهور والواقع، فأوجد أشكالاً تعبيرية جديدة غدت مفتوحة على تطورات لاحقة، حسب مدى متابعة دينامكية الواقع والتحولات الفكرية والإبداعية في العالم..
ولا يمكن أخذ العلاقة الجدلية بين الثقافة والواقع، كعلاقة سنوات أو فترة محددة، بل هي تعلو على هذه الانعكاسية المباشرة، ومن هنا فقد كانت الثقافة الإبداعية وهي تنشأ مخلوقة من أصداء بعيدة للحركة الوطنية المحطمة في منتصف الخمسينيات، وقلة هم من عاشوا بشكل واعٍ حركة الهيئة ومطالبها بالديمقراطية، وحين استوت المنظماتُ السرية الوطنية على عرش الحياة، كان صدى حركة الخمسينيات في الأدب الجديد خافتاً، وكان ثمة زخم ثقافي جديد قادم من الدول العربية ومن المعسكر الاشتراكي، وهو كله يكرس ارتباط الثقافة بالصراع السياسي.
وبين الغموض الشديد والوضوح الشديد، وبين التعرية السياسية الحادة وبين الهموم الفردية الخافتة، بين أن يكون الأدب منشوراً وبين أن يكون لعبة، بين أن يكتسب أدواته الخاصة وبين أن يكون تابعاً للسياسة، خاضت الثقافة الجديدة سنوات طويلة من المعارك والمحاولات والتجارب والاستيرادات الخارجية الفظة والتفكير الداخلي العميق، حتى بدت تفرز بعض الوجوه والملامح والنتاجات..
كان الارتباط بالحياة معبراً عن ذلك الهاجس العميق الشعبي المتواري بالصراع ضد الاستبداد في شتى أشكاله، ولم تكن للديمقراطية ملامح سياسية واجتماعية قوية ومحددة، وكان الارتباط الفكري للمنظمات السرية بالحركات والأنظمة (الاشتراكية) يجعل فهم الديمقراطية عسيراً ومضطرباً، فتغدو الديمقراطية متوارية في ظل توجه للثورةِ بأي شكل، والهجوم على الاستغلال الأجنبي والداخلي بطريقةٍ سياسية ساحقة.
من هنا والحركاتُ السرية تعملُ من أجل ديمقراطية غير واضحة المعالم، كانت تكرسُ دكتاتورية كذلك، وكانت تشيعُ مناخاً من أجل الحريات بأدوات الاستبداد، وكانت وهي تؤسس أبنيتها الهرمية، وتخلقُ قواعدَ للتبعية والانضباط والنضال والبيروقراطية السياسية، وتحجيم الفكر..
إن هذه العملية المركبة من التأثير الإيجابي والسلبي، ومن الاستفادة مما هو نضالي وديمقراطي وتجديدي عربي، وبتسربِ ما هو استبدادي وشعارات مسطحة، وهي أمورٌ تتداخل بقوة، وتنسجُ نفسها في الأفكار الأدبية والنتاجات.
ولهذا حين تظهر مؤسسة أدبية تبدأ تلك الجوانب المتعاكسة في البروز، فيظهر استبدادُ جماعةٍ سياسية بأسرة الأدباء، وهو الكيان الثقافي لتلك المنظمات الوطنية السرية، في حين تقاوم هذا الاستبداد منظمة أخرى، توجه الأمورَ نحو إشاعة مناخ تعددي، كما توجه تلك الجماعة الثقافة إلى الربط المباشر بالسياسة وقضاياها وبشعارات منظمتها فتقوم الأخرى بشيء مضاد.
وفي حين إن النتاجات تأخذ مساراً معقداً إلا أن المؤسسات تغدو مكاناً لصراع المنظمات والدول، ويحدث تشابك بين الجانبين وهما النتاج الشخصي ومسار الحركة الثقافية وعلاقاتها بالمؤسسات الكبرى.
يتوجه الأدب إلى تحليل ونقد ركائز الاستبداد في جوانب الحياة المختلفة، ويعتمد ذلك على مدى تطور رؤيته الديمقراطية العميقة المتوارية، ولهذا فإن ارتباط الأدباء والفنانين بمؤسسات استبدادية وتقليدية يعرضهم للتدهور الإبداعي على المستوى البعيد، وقد يأتي هذا على شكل أفكار تبدو مجردة، وقد يأتي على شكل نزعات فنية، وعلى اربتاط إداري، وهي أشياءٌ تتداخل فيها التجربة السياسية والعمل الفني المستقل، والوظيفة والطموحات الشخصية، والتضحية والحياة والموت !
وهكذا أخذت قوى استبدادية قومية وتقليدية بالتدخل الواسع في الحياة الثقافية نفسها وتوظيفها لخدمة تلك الجهات، وكانت عملية محاصرة الثقافة الوطنية الديمقراطية الهشة التي تكونت فيما بعد أوائل الستينيات من القرن الماضي، ذات مظاهر متعددة. فكان إصدار كتاب واحد يعتبر عملية تضحية، فلا سند ولا قراء كثيرون، ومنطقة إصدار هذه الكتب بعيدة، وبالتالي كان دخول هذه الكتب إلى وعي الناس، محدوداً، وإذا كان ذلك أسهل في الشعر حيث يعوض عن خسائره تلك بإقامة الأمسيات، فإن القصة والرواية، تغدو صعوباتها أكبر وأفدح.
ومع ذلك فإن النوعَ القصصي ثابر على التطور، بسبب أن مواجهاته مع الواقع كانت أكبر ومستمرة ومتصاعدة، سواء من النوع القصصي القصير إلى الرواية.. لكن الصعوبات كانت موضوعية، فحركة أدبية وفنية ذات عمر قصير، في بلد صغير، ومحاصَّرة، وبعيدة عن مراكز الإنتاج والسوق العربية.. كان لا يمكن ألا أن تكون في وضع صعب.
والحركة الفنية تغدو مشكلاتها أكبر هنا فهي مرتبطة بمعارض، مشمولة برعاية رسمية، وبأمكنة فندقية بارزة، فغدت أما جزءً من السياحة، أو من الفلكلور السياسي الاحتفالي، فتم أحتواؤها، وتوجيهها أما لالتقاط فوتغرافي مباشر من الواقع، وأما لغموض شكلاني فعجزت عن التعبير العميق عن الواقع والإنسان.
ومن هنا عجزت المعارضة عن الدخول الهام إلى الحياة التشكيلية، في حين كان المسرح واعداً، وظهر من قلب حركة المعارضة في الخمسينيات عبر الأندية، ودخل في لعبة المغامرة السياسية والفنية في أوائل السبعينيات، بالتصدي النقدي لقضايا الفقر والسلطة والسياسة بأشكال حادة، لكن كانت هذه مراهقة الشباب، فسرعان ما راح يتسربُ إلى موضوعات تقليدية، كقضايا الأسر، والزواج مثل المسرحية التي صورت كيف أن الشاري كان يريد شراء بقرة لا خطبة الأبنة كما ظن الأهل! أو راح المسرح يعلجُ قضايا الغوص، ويجسد الأمثال الشعبية البائتة، ثم ظهر مسرحُ الخريجين فجدد في الحياة المسرحية بموضوعاته وقضاياه، ولكن القبضة الدكتاتورية وصلت إلى عنقه فتوجه إلى عروضٍ غامضة، وانسحب من العلاقة مع الجمهور، ثم انفصم بشكلٍ كبير عبر التجريب، وكان البعضُ يريدُ تحويلَ التجريب إلى طاقةٍ نقدية جديدة فتم ذلك بشكل نادر، لكن كانت المسألة المحورية غائبة وهي علاقة هذا المسرح بالديمقراطية وقضايا الجمهور . .
لكن نستطيع أن نقول مع ذلك إن بعض جوانب الأدب كانت تزدهر في السجون، فكان بعضُ الشعر والقص يمر في مرحلة إعادة نظر للعلاقة المباشرة التسطيحية بين الأدب والواقع، ويجدد على ضوء تجارب الحياة وانجازات الصمود وانهيارات السياسة، لكنه مثل هذا الأدب لم يدرسْ بعد العلاقة العميقة بين الديمقراطية والإبداع ويكرسها بشكل واسع راهن وقادم..
وفي الصفحات الثقافية وبتجمعات المعارضة الأدبية راحت أقلامٌ عدة تقومُ بتحليل مختلف قضايا الأدب والفن، فجرى في الصفحات واللقاءات مناقشة التجارب الضعيفة المنعزلة الأدبية والفنية عن زخم الواقع، وانفجرت حوارات ومجابهات حول عروض مسرحية ومعارض وحول ثقافة تعيش حالة من الاحتضار، لكن هذه المجابهات النقدية والكتابات النقدية لم تستطع شفاء ثقافة مريضة متجهة للموت شيئاً فشيئاً.
وإذا كانت بعض التجارب الفردية قد نجت من طوفان التلوث، نتيجة أصرارها على إنتاج مستقل، لكنها لم تستطع أن تخلق حركة ثقافية كما ظنت في البداية، لأن ارتباطها بدكتاتوريات المنطقة كان عائقاً كبيراً في تشكل هذه الحركة، فهذه الدكتاتوريات خربت الثقافة السياسية والأدبية كذلك.
إن تخريب الدكتاتوريات للثقافة كان يعود في جزءٍ منه إلى النظام العراقي السابق. ولقد تشكلت علاقة الثقافة البحرينية بالنظام العراقي عبر عمليات النشر في البداية ثم اتسعت إلى المشاركة في المؤتمرات الأدبية والمهرجانات التي كان النظامُ السابق يغدقُ عليها بكرم حاتمي.
ونظراً لأن النظام العراقي كان يوظف هذه الفعاليات من أجل التوسع السياسي، ومد نفوذه في منظمات ودول المنطقة فقد وظف العديدُ من المثقفين والأدباء والفنانين من أجل هذا التأييد والتفعيل لدوره.
والارتباط بالنظام العراقي بحدِ ذاته يمثل عملية انهيار للوعي الديمقراطي، ليس فقط بالخضوع لإغراءاته المالية التي كانت حركتان سياسية وثقافية معوزتين بحاجة إليها، بل لكونهما فقدتا ملامح الوعي الديمقراطي ولم تؤسساه في ذاتيهما، فكان التاريخ السابق يخلو من هذا التبلور الديمقراطي على مستوى إنتاجِ وعيٍّ فيه، وعلى مستوى تشكيل رموز مجسدة له. كانت القطيعة مطلوبة مع النظام العراقي، أو العلاقة النقدية على الأقل، وبغياب ذلك فإن الحركة الثقافية توجهت للسقوط في مستنقع كبير.
إن هذا السقوط كان علامة كبيرة على التردي الفكري والأخلاقي، وكانت نتائجه فظيعة على مستوى تقزم الحركة الأدبية وتشتتها، وفقدانها للقيم المضيئة السابقة، وتدهور إنتاج الكثيرين فيها، لأنه بدلاً من تجذير قيم الديمقراطية الموعودة غدا تكريس أسوأ قيم الاستبداد، فكان اهتراؤها متمثلاً في تضخم فرداني، وبتحجر النقد، وبعدم مقاومة الشموليات بمختلف ضروبها.
هذا ما كان مغذياً للجماعات الطائفية فيما بعد والتي كانت تنمو في رحم المجتمع، فقد كان نضوب المضمون الديمقراطي العميق للحركة الثقافية؛ اتصالاً بالناس، وتعميقاً للنقد وتكريساً للعقلانية، قد جمد الحركتان السياسية والثقافية الوطنيتان، وأضعف من دورهما، إضافة إلى الظروف الخارجية القاسية ضدهما، فجاءت الجماعات الطائفية كوريثٍ لمختلفِ الجوانب السلبية.
لكن بدلاً من الارتباط بالنظام العراقي السابق حدث ارتباط بأنظمة استبدادية جديدة لا تقل قهراً وهي أشد تخلفاً، فتم وراثة السلبيات دون الإيجابيات، فازداد تدهور الثقافة، ولم تستطع الحداثة الشكلانية الغربية المستوردة أن تعوض عن مثل هذا الفقر الفكري، لأنها خالية من المضمون النقدي والتحليلي للواقع، وغدت مجرد انتهازية وزئبق ثقافي قابل للتمدد في مختلف الجهات السلبية.
لكن الجماعات الطائفية كان لها ضررها على الثقافة الوطنية الحديثة من جوانب أخرى، فقد تحولت إلى قامع للثقافة العصرية بدلاً من أجهزة الدولة السابقة، التي تبعاً لذلك غيرت من مواقفها تجاه الثقافة فأدركت مضمونها الوطني، بخلاف الجماعات المذهبية التي وجهت الجمهور نحو أنماط تقليدية من الثقافة، ولهذا نجد الوعي الشبابي يعود إلى أنماط أدبية تجاوزها الزمن، وإلى استخدام الموروث المذهبي..
وإضافة إلى عواملٍ أخرى ساهم صعودُ الحركات المذهبية السياسية في تجفيف منابع الثقافة، وتقليص جمهورها الحديث، وضعف الفنون الحديثة.
إن احلال ثقافة مذهبية هو مؤشر للتبعية لأنظمة الاستبداد في المنطقة، ولفشل مشروع الثقافة البحرينية الوطنية في تجذير نفسه داخل واقعه، وهو أمر ينعكس في كافة أشكال الثقافة من أدب وفن إلى تعليم الخ..
هناك جوانب مضادة لثقافة التبعية هذه، تتمثل في صمود التجارب الإبداعية الفردية الكبيرة، وفي تعزز أنواع أدبية معينة، وتنامي دور الكتابة السياسية الوطنية، وظهور عمليات مراجعة للفترة السابقة..
لكن تشكيل ثقافة جديدة ديمقراطية يحتاج إلى استعادة القوى الاجتماعية المحلية دورها، وإعادة إنتاج وعيها المحدود والمرتبط بالشموليات، عبر الإضافة إلى ما تم إنجازه من موروث ديمقراطي وطني سابق، وهو أمر يحتاج إلى دراسات في هذا المجال، وصدور أرشيف واسع للكتابات الجيدة في صحافة البحرين على مدى نصف قرن، وقراءة النتاجات الأدبية والفنية التي تاهت في تلك الصحافة أو في المكتبات.

الثقافة والصراع السياسي

مع تفاقم العملية السياسية المفتوحة على اتجاهات متعددة، فإن الثقافة لا بد أن تدخل في هذه العملية السياسية، من خلال ما تشكلت عليه خلال العقود الماضية، فالاتجاهات المذهبية المحافظة استمرت في نشر ثقافتها التقليدية، دون تطور يذكر، أي أن العملية التحولية السياسية لم تحرك مياهَها التحتية الراكدة باتجاه أسئلة الحداثة والتغيير الوطني.
كذلك فإن الثقافة الشكلانية والذاتية التي تشكلت داخل أجواء المصالح والبيروقراطية، استمرت في حداثتها المقطوعة عن معارك التغيير المحلية، غير قادرة على أن تستوعب مشكلات الناس داخل أبنيتها، فتشكل مساران ديني محافظ، وتجديدي شكلاني ذاتي.
فتجد أن صحيفة محافظة مذهبية تساند بقوة ظاهرة ثقافية شكلانية، ليس لشيء سوى لعوامل ذاتية لا علاقة لها بتحليل تلك الظاهرة الثقافية وكشف جوانبها المختلفة.
أو على العكس حين تظهر ثقافة ديمقراطية داخل التراث الإسلامي، فإن المحافظين والشكلانيين على حد سواء، لا يظهرون أي حماسة لمثل هذه الظاهرة، لأن مثل هذه الظاهرة تشكل تعرية من جانبين، تعري المحافظين وتخليهم عن الثقافة الديمقراطية الإسلامية، وانضمامهم للأجهزة، وتعري الشكلانيين التحديثيين وعدم تجذرهم في ثقافتهم العربية الإسلامية وعدم اتخاذ مواقف نضالية في مجتمعاتهم.
وهم إذ يفرغون الثقافة من أبعادها الموضوعية يريدون تحويلها إلى أداة في مشروعاتهم السياسية المتخلفة، مرة بعدم قراءة ضرورات الحرية في التعبير الثقافي المستقل، ومرة أخرى بتجاهل أهمية الاستقلال الثقافي وضرورة فصل الفكر عن التكيتكات السياسية المحدودة والهزيلة.
كذلك تعبر عن شكلانية مشتركة فمسائل الميزانية والصرف الباذخ على أعمال بهذا الشكل المحدود، وتضييع وقت المؤسسات المنتخبة في صراعات جانبية، كلها لا تسترعي الانتباه، بل تسترعي انتباهها جوانب الشكل الخارجي، فما دام يوجد رقص فهذه حداثة، ومادام يوجد رقص فهذا انحلال. رؤيتان متنضادتان متحدتان في العمق.
وهذه جوانب تعبر عن ارتباط التيارات السياسية بأجهزة حكومية متنفذة، أو بمؤسسات دينية متدخلة تريد فرض هيمنة شمولية على المجتمع وعدم قدرتها على تشكيل صوت ديمقراطي وطني مشترك.
إنها لا تستوعب عملية طرح ثقافة ديمقراطية وطنية إسلامية خارج الطوائف فهي مشدودة إلى ثقافتها التقليدية، وتعتبر أن التطرق ذاك لا بد أن يكون عبر رؤاها الطائفية، وإلا كان مروقاً.
إن التحاق المثقفيين الدينيين أو التحديثيين الشكلانيين بالأجهزة المحافظة، يقود إلى شكلنة الثقافة، أي جعلها أشكال، خارجية، وشعارات برانية، ويتحول المثقفون الدينيون والتحديثيون إلى موظفين، ويشتغلون كلٌ من جهته على عدم تحويل الثقافة إلى موقف نضال وطني مشترك يغير الواقع.
لقد ضعفت الثقافة الوطينة الديمقراطية خلال العقود الماضية ولم تتسلح بتحليل الواقع، وباتخاذ مواقف نقدية عميقة منه، فغدت هشة يسودها الطابع الذاتي، فهي استيرادية غربية أو استيرادية نصوصية تراثية جامدة، وهما وجها العملة التابعة.
إعادة تشكيل الثقافة الوطنية الديمقراطية مسألة طويلة، تتطلب انفضاض المثقفين عن القوى الشمولية المختلفة، ومراعاتهم للصدق والمسئولية والحرية والنقد للواقع، دون أن يأبهوا بالقوى الخارجية وبالمكاسب المادية.

الدكتاتورية في الثقافة

حاولت الثقافة الوطنية أن تتصدى للبناء الاجتماعي المختلف المتكلس بالعديد من الأفكار الديمقراطية، لكنها كانت هي ذاتها نتاج ذلك البناء المتكلس.
إن ظهور الشخصيات المتضخمة المهيمنة هو نتاجُ هياكلٍ اجتماعية وسياسية متخلفة، وليس هو فعل فردي محض فقط، ومن هنا كان نضال الثقافة الوطنية الديمقراطية هو نضالٌ داخل صفوفها، التي تعكسُ الكثير من المؤثرات العامة، وهو أمرٌ تجسد في الكثير من الصراعات الثقافية والأدبية لجعل الجدل مع الواقع يلغي الدوران حول الشخوص، وتكون أهمية النصوص لا بسبب منتجيها بل بقدر ما يقترب المنتجون من نقد الواقع ويشكلون حراكاً تحولياً فيه.
ومن هنا عانت هذه الثقافة من هذه الشخصية الفردانية ومن الهجمات البيروقراطية الإدارية ضدها، وهي الهجمات التي تسببت في عرقلة تطور الفنون العامة كالتشكيل والمسرح والدراما التلفزيونية التي خضعت لتلك الشمولية بسبب من كونها فنوناً جماعية تخضع للرقابة بخلاف القصيدة والقصة والرواية التي لها حراكٌ لا يمكن ضبطه والسيطرة عليه!
ومن هنا كانت بذور الديمقراطية في التجمع الأدبي أكثر وأخصب، وقد تطورت هذه البذور من أجل جعل الثقافة تحترم التنوع داخلها، بعد أن جف ضرع الثقافة انفصالاً عن الواقع واهتماماً بالذوات الفردانية في طيرانها للرحيق المادي والعلو.
لكن ذلك لم يكن نفس مسار الإعلام الرسمي وخاصة الإعلام المتخصص في مراقبة الثقافة، والذي عكف على تحنيط وتجفيف منابع نمو الثقافة الوطنية الديمقراطية حتى كان له ذلك مع تضافر الجهود السياسية العامة، فأنتج ظاهرة (الثقافة) الطائفية بكل فسيفسائها.
ولم تكن محاولات الثقافة الإعلامية الرسمية في تجاوز هذا الواقع المتردي، ورفع بعض الشعارات الليبرالية، وتحريك بعض النتاج الثقافي، إلا محاولات تستندُ على جهود فردية مختلفة ومتضاربة، وعبر أشكال نخبوية، واستعراضية، وبإهدار في ميزانية تتجه للتظاهر أكثر ما تحفل بالعمق والناس.
حتى تصاعدت العناصر الذاتية في هذه البنية الرسمية الثقافية التي لا تصب كثيراً في الواقع المحلي، فهي لا تتوجه إلى تطوير العناصر الوطنية الديمقراطية في هذه الثقافة بل تلجأ للاستعراضات والاهتمام بالنجوم المستوردة، أما أن يُنتَج شيءٌ داخلي مؤثر فهو ليس من اهتامها، خاصة إن العناصر التي تشكلُ هذا الواقعَ لم تأتِ من نتاج مهم في الثقافة المحلية، ولم تكابد عناء النصوص واللغة والأفكار، بل جعلت حلبة الثقافة ميدان استعراض وتضخم فرداني، وبهذا يتحول كل ذلك إلى هدر إن لم يكن إلى مشكلات وصراعات حادة، لأن مثل هذا الوعي لم يكن تتويجاً لتطور ثقافي شخصي أو عام، وهي نفسها النجومية التي عرقلت تطور المؤسسات الثقافية الأهلية، كما أنه لم يكن بهدف تغيير شيء سلبي داخل الواقع.
ولهذا فهو نتاج أعمال شخصية تتشكل بطريقة غير ديمقراطية، وبصورة ذاتية، ولا تقيم حواراً مع الزخم الثقافي المتنوع الذي تكون على مدى العقود السابقة.
وهي أمور تشاركها فيه بعضُ المؤسسات الثقافية والسياسية التي ترى في تحجيم دورها وتقليص شخوصها أسباباً إضافية في الصراع معه والتصدي له.
إن الإدارة الثقافية العامة تحتاج لشخصية قيادية منفتحة وديمقراطية، ترى البذورَ الوطنية العقلانية في النتاج الثقافي وفي المؤسسات الأهلية، وتقوم بالحوار معها، وتساعدها على الظهور وزيادة الإنتاج، ومن مواقع التعاون فيما هو مشترك بين الحكومي والأهلي، تاركة لها مساحات الحرية والاختلاف.
إن غياب الشخصية القيادية الثقافية من هذا الموقع القيادي هو العامل الهام في الصراعات المجانية التي تشهدها الساحة الثقافية، وفي تضييع الوقت والمال على المهرجانات والدعوات المحدودة القيمة، وترك ما أهلي يعيش البوار والأهمال!

المنبتون من الثقافة الوطنية

واجهتْ الثقافة الوطنية الديمقراطية تحدياتٌ كثيرة في سبيلِ تشكيل نفسِها، وزرعِ وجودِهِا في الأرض، لهشاشةِ الجذور الثقافية لها، وعدم ترسخ الأنواع الأدبية والفنية، وقد تنامت بذورُهُا مع تنامي الحركة الوطنية الديمقراطية، أي بقدرِ ما تتخلص الحركات السياسية من جمودها وشموليتها، وبقدر ما يقدر المبدعون على تحليل العلاقات الاجتماعية التقليدية ونقدها وتجاوزها.
وقد تنامت الرؤى الشمولية في هذه الثقافة عوضاً عن ضعفها وزوالها، بسببِ تحكم المؤسساتِ العامة البيروقراطية في مصائر الثقافة، وخلخة تماسك المبدعين وحفرهم في الواقع ونقده، وهو الشرط الضروري في تنامي أي إبداع.
وكل هذه المؤثرات لعبت أدوارها في زعزعة الثقافة الوطنية وتقزمها، وتنامي دوران الكتاب والفنانين والمثقفين حول ذواتِهم ينسجون شرانقَ من وهم، ويكرسون أنفسهم وقد انعزلت عن عمليات تحليل الواقع ونقده، سواء عبر عوداتهم لوعي الطوائف وأندماجهم في مشروعاتها السياسية التفكيكية، ومزايداتهم على هذا الوعي أحياناً، عوضاً أن يتغلغلوا إلى نواته الوطنية ويبرزوها وينقدوا تجلياتها الطائفية ويخلقوا التلاحم بين الجمهور.
أو جعلهم ذواتهم هي البؤرُ الوحيدة في الكون الثقافي، فلم يعدْ ثمة وطنٌ ولا جبهاتٌ ثقافية يمكن أن تكرس شيئاً من الوعي الديمقراطي الحقيقي في الجمهور، فجربوا حتى ضاعوا، وانعزلوا عن القراءة وتطوير أدواتهم، أو راحوا يكررون ذواتهم الجامدة بصور شتى، حتى فقدتْ التجاربُ التي يقومون بها أهميتها ودورها، ولم يعد ثمة فارق بين مبدع كرس نفسه لعقود وبين ناشيء، بل قدرَ الناشىءُ أن يبز المعتق عبر أساليب هزيلة وإدعاءت بخلق فن جماهيري وما هو بجماهيري بل تخديري، يعتمد التسلية الفجة.
وهناك مظاهر شتى لذلك فكلها تعبيرٌ عن خلخلة وعي فئات وجدتْ إن مصالحَها هي كلُ شيء، ورنتْ إلى كراسيها وأرصدتها، وباعتْ تاريخاً، وتخلتْ عن تقنياتٍ وأدوات توصيل وحولتْ المنابر الفنية والأدبية إلى تكريس لشخوص وشلل وليس لمراكمة وعي ديمقراطي ثقافي يعيد بناء الثقافة الوطنية الخربة.
وتتشكلُ معطياتٌ جديدة لتجاوز ذلك عبر الدفاع عن مصالح الفنانين والكتاب ومؤسساتهم ونتاجاتهم، وتغيير هذا المستوى المتدني لظروف إنتاجهم الثقافية والشخصية، بشكلٍ جماعي وليس بأشكالٍ فردية، بحيث يتم تغيير جوانب هامة من الوضع الثقافي كدعم مغاير لهذا الدعم الهزيل الراهن، بحيث يزيل دور مؤسسات الثقافة المتسولة، ويضع قانوناً للتفرغ وليس لشراء بعض المبدعين، ويقيم مسارح ومكتبات وثقافة منوعة كبيرة للطفولة، ويحرر التلفزيون من سطوة الشلل، ويجعل للفنانين والأدباء ضماناً اجتماعياً مواكباً لدورهم الوطني، ولا يجعل من المثقفين منبوذين في أرضهم محتفى بغيرهم من كل الأصقاع!
وأن لا يأتي ذلك عبر التسول كذلك بل عبر استخدام الأدوات النضالية المتوفرة من مجالس منتخبة ونقابات، وإذا حدث أن لم تستجب الدوائر البيروقراطية لهذا وفضلت العمل عبر الشلل وتكريس المثقف المهرج والشاعر الشحاذ، والفنان المتعطل من الموهبة، فلتتواصل اللجان المشتركة للمثقفين، وتحفر في الواقع سواء عبر تعضيدها لنواب ديمقراطيين، أو بتصعيد نتاجها وتغيير طابعه الانعزالي غير المفيد وتتعلم مرة أخرى كيف تتكلم مع الناس.

الفئات الوسطى بين الثقافة والسياسة

بدأت البحرين والكويت وغيرهما من دول الخليج بقيادة الفئات الوسطى التجارية الثقافية بقيادة حركة التغيير والتحرر الوطني في المنطقة، للأسباب المماثلة التي حركت الفئات الوسطى العربية، فلم يؤسس الاستعمار البريطاني أجهزة دولة إقتصادية تمنع التجار من الحراك الواسع، بل ركز على تغييب النشاط السياسي، وعدم وجود أسلحة ومنع الرقيق، ومنع السخرة في الزراعة، وهذه الجوانب ساعدتْ على صعود الفئات التجارية وحراكها الذي بدأ فكرياً عبر الأندية والتجمعات الثقافية وصار سياسياً.
هذه العقود أعطت الفئات الوسطى التجارية أفضل نتاجاتها الفكرية والسياسية، لكن لغياب الجذور الاقتصادية والسياسية والاجتماعية العريقة أصيبت الحركات بالمراهقة، وهو أمرٌ لم يقتصر على مدن الخليج الصغيرة بل تعداها إلى البلدان العربية الكبيرة، فإن هذه الموجة الليبرالية العربية التي تشكلتْ في ظل الاستعمار الغربي لم تدم طويلاً، وما لبثت القوى الوطنية التحررية ذات النزعات الشمولية أن تصاعدت، وفي البحرين كان الأمر شبه كارثي في 1956.
انسحب قادة التجار بعد هزيمة الحركة الوطنية في الخمسينيات، وكان أولئك القادة قد انغمسوا في الحركة القومية ذات النزعة الشمولية، والتي لم تتضافر مع التوجهات الليبرالية إلا في مسالك شخصية، مما جعلها حادة عنيفة، غير قادرةٍ على خلقِ تراكم ديمقراطي لا في الثقافة ولا في السياسة.
كان هؤلاء القادة قد جاءوا من الفئات الدنيا من التجار، ولم يظهروا من البيوتات التجارية القديمة، وكان هذا تعبيراً عن سيادة نزعة المغامرة في التجارة والسياسة، فهذه الجذورُ غيرُ القويةِ في الاقتصاد والتي لم تكون ثرواتٍ كبيرة، وجاء دخولـُها للعمل التجاري سريعاً، لم يتحْ لها الزمنُ أن تتجذرَ في فهمِ الليبرالية والديمقراطية على مختلفِ أصعدها، وركبتْ الحماسَ الشعبي الذي أخذها بدوره إلى ما لا تريده، إلى الفلتان السياسي.
ولهذا فقد سادت البيوت التجارية الغارقة في الهموم الاقتصادية المنفصلة كلياً عن السياسة والثقافة، وهو أمرٌ أدى إلى التصحر الفكري وغياب المواقف الاجتماعية والوطنية.
بطبيعة الحال فإن تسربات الصراع الوطني كانت تتسلل من تحت المجاري الخلفية، عبر بعض الأبناء الذين يدخلوا التيارات السياسية المختلفة.
ومهما كانت طبيعة الحركات السياسية التي تتالت بعد ذلك فقد كانت في ذات المناخ الشمولي سواء في القومية أو اليسار، ولم تظهر إمكانيات وقدرات تراكم تجربة ديمقراطية، وهذا قد عبر إلى أي مدى كان رأس المال ضعيفاً، تابعاً للأجهزة، خائفاً منها، ذائباً فيها، منكمشاً عنها، واعتبر بعضه إن وجود الاستعمار ضرورة حيوية، وذهب بعضهم لمعارضة الانسحاب البريطاني من المنطقة.
لقد ساهمت الأجهزة والاتجاهات الشمولية في تشكيل مناخ التصحر السياسي هذا، وزاد الأمرُ سؤاً عندما لم تقدمْ الدولُ العربية بديلاً ديمقراطياً، وحين اقتربتْ نارُها من الخليج شكلتْ نظامين استدعيا القوى الغربية الحربية تحت يافطات شتى وإدعاءات مختلفة قائمة على الهياجين القومي والديني.
وإذا كانت الثروة النفطية قد استدعت تحشد القوى الغربية ونفوذ أجهزتها، فإنها كذلك أعطت لرأس المال المحلي قفزات في وضع التجارة والصناعة والبنوك، وغدا التصحرُ السياسي للتجار مركباً على غيابِ الأفكارِ الوطنية المتجذرة في الأرض، التي صارتْ مجردَ حصالات، لا يُعرف ما وراء وجودها الحديدي من مشكلاتٍ عميقةٍ ومن تضاريسَ سياسيةٍ معقدةٍ متضاربة، وهذا توافقَ مع النزعةِ الأمريكية السائدة بتحرير الاقتصاديات من هيمنة الدول، من أجل تدفق سيولتها عليها، فتبخرت الوطنيات أكثر من السابق.
تكسير النزعة الوطنية له جذورٌ في تربةِ الجزيرة العربية ودولها المتفتتة، القائمة على تاريخ الترحال والظعن وحب الموارد، ومن هنا يقيم كبار التجار فللاً متجمعة أشبه بالمضارب البدوية السابقة، ولها شيخ القبيلة، وبخلاف القبائل العربية فهذه القبائل منقطعة عن محيطها، معتمدة على قوى العمل الأجنبية، تقوم بطرد اللغة العربية من أجوائها وأجيالها بشكل مستمر، فتغدو جزءً من العولمة الغربية الحديثة، في أشكالها الخارجية المبهرة وغياب مضامينها الثقافية والفكرية العميقة.
ولكن هذه المضارب البدوية التجارية ليس لها حتى مجلس منتخب أو قدرة على الحوارات وفهم التاريخ والمستقبل.
وإذا كانت السياسة هي قمة مواقف الإنسان وحضوره في الحياة، فإن السياسة آخر شيء يُشتغل به في هذه المضارب المرفهة.
إن التاجر العادي الكبير عادة هو كائن غير سياسي. كل وجود يتركز في هذا رأس المال وتناميه، وهو رأس مال منقطع عن جذوره وصلاته الاجتماعية، متوحدٌ في الفواتير ونتائجها، مجردُ كمٍ نقدي يجب أن يتنامى بشكل مستمر، ربحه هو وجوده ووطنه.
ومن هنا فإن التاجر الكبير السياسي نادر، وإذا ظهر فهو مع السائد، رغم إنه يفهم السائد بطريقته الخاصة، وبما ينمي التجارة الخاصة.
لكن كيف تحول فجأة هذا التاجر غير السياسي، غير الوطني، إلى رجل مهتم بالسياسة ومعارض؟
تشكلت الخريطة العامة للرأسمالية المتنامية من جانبِ الرأسمالية الحكومية المسيطرة على الموارد الاقتصادية ومن الرأسمالية الخاصة المسيطرة على السوق التجارية، وإذا كان رأسمالُ الخاص غير سياسي، فإن رأس المال الحكومي سياسي تماماً.
ونظراً لسيطرة رأس المال الحكومي وتشكله بسرعة كبيرة حيث وصل إلى إدارة موحدة في شركة، وتنامت فوائضه مشكلة البيروقراطية وذيولها المختلفة الكبيرة المتنامية في التجارة، فإنه ذو اهتمام كبير بالتطورات السياسية والاجتماعية وعدم وصولها لتناقضات حادة، وينبثق لديه برنامج خاص للإصلاحين السياسي والاقتصادي متضافرين برؤية معينة تنطلق من المفهوم الأبوي وغير الحر للاقتصاد. وبالتالي فإنه يحاول توجيه الرساميل نحو تخفيف تلك التناقضات الاجتماعية ضمن إدارته التي هي ذاتها قضية عليها أسئلة كبيرة.
وحين ظهر منديلُ الأمان وصار بإمكان التاجر الصامت أن يتكلم فإنه انطلق من تاريخه الخاص المنزوي، غير السياسي، المهتم بالأرباح فقط، ووجد الوزارات تفرض التغييرات من مواقعها السياسية غير مراعية لأوضاعه، في حين أنها تتوجه لتخفيف التناقضات الاجتماعية، لكن بحيث يتحمل التاجر تكلفة التخفيف و(الإصلاح)!
وأدى صمت التاجر وإنعزاله إلى أنه لا توجد لديه أدوات تأثير وضغط على هذه الإجراءات، وإذا كان قد ربح من صمتهِ فإنه الآن يخسر من ذلك الصمت الطويل، ولعدم تكوين جماعات الضغط الخاصة به، وما كان مفيداً صار مضراً، فطلع على الناس وهو في حيرة يتخبط هنا وهناك، وتقيم الفئات الدنيا فيه تحركات وإحتجاحات لا يهتم بها أحد، وغير مرتبطة بجمعيات وتيارات ذات شأن في المجتمع، نظراً للانعزال عن التيارات وعدم المساهمة فيها، والتقاط فرص العلو للمكاسب الاقتصادية والسياسية بدون إنتاج عميق، ولعدم تشكيل كوادر مدافعة عن عالم التجارة الخاصة وحرية السوق، وإذا دخل بعض هؤلاء عالم السياسة فهو من الباب الحكومي كمجلس الشورى، أو المقاعد السياسية الأخرى.
وعموماً فإن الضعف السياسي للقطاعات الخاصة التجارية والصناعية والمالية هو ظاهرة عامة في دول الشرق، فهي تخلت بنفسها عن السياسة، وحلت تنظيماتها وغرقت في عالم المال المعزول، بحيث إن أي (ملا) في حارة لديه اتباع أكثر من كل مؤسساتها الاقتصادية، وقادر على التأثير في السوق بالمظاهرات أو باعتماد العنف ليكون زعيماً، ولهذا فإن عودة التاجر للوطن من الباب السياسي، تحتاج للكثير من التحولات وإعادة التفكير وتشكيل المؤسسات الاقتصادية بشكل مؤثر وطنياً.

الطائفيةُ وتدهورُ الثقافةِ


هناك علاقاتٌ خفيةٌ بين تفاقم الطائفية وتدهور الثقافة، فقد صعدت فئاتٌ وسطى صغيرة خاصة من البوادي والأرياف والحارات المكتظة، وكانت تتواكبُ مع أزمات إقتصادية في النمط الخراجي الجديد، حيث الأجهزة تنفصل عن الناس، والفئات الوسطى الكبيرة تبحث عن الأسواق بأي شكل في وسط مزاحمات من العمالقة السياسيين الاقتصاديين.
القوى اليسارية والقومية القديمة تفككتْ علاقاتُها بالثقافات العميقة، وكانت أدواتُ التسطيحِ والأدلجة الموظفة للشموليات غيرَ قادرةٍ على الحفر المعرفي الثقافي، ولهذا فإن مواكبتها للأدب والفن التقدميين إضمحلت. ومن هنا عدم قدرتها على التصدي لفهم ظاهرات إبداعية كبيرة، وحماية المراكز الثقافية التقدمية المتداعية في المجلات والصحف ودور النشر والمواقع الإلكترونية، رغم أن عناصر نادرة في الاتجاهات التحديثية واصلت الإنتاج وسط طوفان من الأمية الثقافية ونتاجات العولمة. ودعك من إمكانية أن تقوم هذه المنابر بالتحول لمحطاتٍ ناقلة للكهرباء الثقافية وسط الجماهير، عبر الاحتفاء بالكتب والآداب والفنون والظاهرات الثقافية عامةً كما كانت تفعل في زمن جذورها النضالية التي كانت ذات ظروف شظف وحصار وقلة إمكانيات!
في تحللِ رأسمالياتِ الدول الشرقية تحللٌ للخرائطِ الوطنية، وجسدَ هذا فشللَ نمطٍ بيروقراطي إستغلالي أدى إلى بروزِ الثقافات العتيقة للمذاهب والملل المختلفة تفكيكاً لأقطار ومجتمعات المسلمين والمواطنين عامة، حيث راحت تجرُّ التفسخات التي جرتْ بعد إنهيار الحضارات العربية الإسلامية المختلفة وليس أن تعي ماهية تلك الثقافات العالمية وقتذاك. أي أدى هذا إلى سيادةِ النصوصية والمواد اللاعقلانية والقشورية الدينية والعودة لأزمنة ما سُمي عربياً بعصور الانحطاط. ولن تجد من كتاب المذهبيين السياسيين من يقوم بالحفر المعرفي ولو كان بسيطاً في ظاهرات الحياة والثقافة والتاريخ، بل يكرر ما هو موجود من نصوص يعرفها الجميعُ عن السور والدين والمواعظ.
وقد حدثَ تصدٍّ من بعضِ كبار المثقفين العرب للتفسخ الطائفي الاجتماعي ومحاولاته تصدر المسرح السياسي الاجتماعي، عبر قراءاتٍ كثيرة موسوعية للآداب والفنون والفلسفات القديمة، لكن أغلبها ضخم الحجم ويُصاغ بأدواتٍ منهجية ولغوية فوق مستوى الجمهور العادي، كما أنه لا يحتفي بهذه الجهود في أجهزة الإعلام لمنع التسطيح في فهم التاريخ العربي.
مثلما أن أنظمة الرأسمالية الحكومية لم تقم بأي ثورة ثقافية لمحو الأمية ولتقدم العلاقات بين النساء والرجال ونشر العقلانية والعديد من المهمات الاجتماعية الثقافية، كما أن هذه القراءات العقلانية لا تُسوق عبر أدواتِ الرأسمالياتِ الحكومية المتحللة الراهنة، ولا تحصل على دعم الرأسماليات الخاصة المتصاعدة التي توجهتْ لمطبوعات الربح وفضائيات البث التجاري الساحق ونشر الثقافة السوداء كثقافةِ العنف والجنس والفن الرخيص. وصارت تفاهات هذه(النجوم) مواداً يومية تُنشر في كل مكان ونموذجاً لإحتذاء الأجيال، وترافق ذلك مع نشر السموم والعداء للثقافة والكتب وحصار المكتبات!
ولهذا فإن أميي الثقافاتِ الدينية هم الذين تولوا البثَ الجماهيري، حيث ظهرت هذه الفئاتُ من شقوقِ فسادِ الرأسماليات الأولى، وإحتضان الرأسماليات الخاصة الأخرى، وهي تدبجُ النصوصَ المتعالية من فوق المنابر الشعبية، وقراءاتُها لحقائق التراث العربي الإسلامي الإنساني معدومة، فهي قراءةُ طوائف تمزيقية لا قراءةَ موحِّدين، قراءاتُ يومية وعظية تحريضية ذاتية في شتى الجهات، وتشيعُ الانقسامات والتسطيحَ الفكري أكثر فأكثر. والغريب أن شباب هذه الجماعات لا علاقة لهم بالثقافة العربية الإسلامية وتجد هذا في عدم معرفة الجذور للإسلام والفرق ومشكلات التطور التاريخي للأمم الإسلامية ولا يعرفون الآداب العربية الإسلامية وغزارة إنتاجها بكل تأكيد.
لهذا فإن العلاقات الكبرى العظيمة التي نشأت بين الإسلام والاتجاهات الفكرية السياسية وبين الآداب والفنون، مقطوعةٌ هنا، منسوفةٌ، في ظل أناسٍ يعيشون على المواد الخام الرثة للانهيارات الاجتماعية السابقة، ومن هنا نجد هذا الانفصال العدائي عن الآداب والفنون، فالطائفياتُ مسطحةٌ، أميةٌ، متحفزة، قصيرةُ النظر، تعيشُ على شذراتِ نصوصٍ نارية، وتصّعدُ القوى السياسية الاجتماعية المتعصبة، وتخربُ العلاقات الإسلامية والإنسانية، لكونها بلا فكر ديمقراطي إنساني رحب، وقد غيبتْ التوحيدَ فأُصيبتْ بالأنيما الوطنية القومية.
التراجعُ واسعٌ عن الإرث الإنساني، والتمحور والانغلاق على الذوات الماضوية، يتبعه عداءٌ للأشكال والأنواع الفنية والأدبية، ولروح الحرية والفرح والتوهج، وتغدو النصوص الإبداعية ملغاةً منبوذة، لأنها تحملُ وهجَ الحياة المتنوعة، وعطاءات الإنسانية التعددية العصرية حيث البشرية معمل روحي خلاق مشترك.

إنهيارُ العقلانيةِ في الثقافةِ البحرينية

كان الهجومُ على الواقعية الاشتراكية ملفتاً للنظر لدى بعض أفراد النخب الثقافية في بدايات الحركة الثقافية البحرينية فقد ظهر ذلك كخوف من تنامي العقلانية ومن خلال أدوات تطوراتها الواقعية المحتملة، وبشكل معاد مبالغ فيه، رغم إن هذه الواقعية الاشتراكية لم تكن سوى كتابات حماسية شبابية.
لكن كانت كراهية التجذر في قراءة الواقع، والارتباط الحميم بثقافة الشعب والأمة، وتحويل العقلانية إلى فعل ثقافي، هي ما يغورُ في الاتجاهات المتذبذبة للفئات الوسطى والصغيرة السائدة في عالم الوعي، وخاصة في عالم الثقافة.
هناك ما يبررُ هذا الخوف جزئياً حين كانت الواقعية الاشتراكية قائمةً على نسخ مشوهة للوعي التقدمي، والتي إعتمدت على الدعاية وتقديم أبطال من ورق.
ولكن مع ذلك كان هذا الوعي الوطني الجنيني الذي يرصد ظاهرات بلده أمراً مهماً، في حين كان التخويفُ يستبطنُ موقفاً إجتماعياً سياسياً معادياً لثقافة الشعب نفسه، رغم اليافطات الكبيرة المرفوعة لهذا.
الابتعادُ عن تحليل الواقع، وعدم متابعة التجارب الحقيقية، ورفدها بالخبرة الثقافية البشرية، سوف يسوقُ الألعابَ الأدبية والفنية التي ازدهرت، وخلخلت ثقافة المواقف المسئولة، ويجعل التجريبية الثقافية في القصة القصيرة والقصيدة، والمسرح، والنقد، تعيش حالات من الاضطرابات وعدم تكوين تجربة ثقافية وطنية عميقة، وهذه تتوافق مع وعي سياسي مضطرب يسوق مواقفَ غيرَ عميقة وغير قارئة لقوانين التطور الاجتماعي.
إن الهشاشة، وإضطرابَ الأجناس الأدبية، والأحكام النقدية، وتهافت الدراسات التاريخية، ستكون وعياً نفعياً ذاتياً مستعداً لعملية الانهيار الفكري السياسي في مرحلةِ الطائفية السياسية.
ففي المرحلة الوطنية منذ الستينيات والسبعينيات حين كان ثمة طبقة عاملة بحرينية واسعة، وفئة وسطى نهضوية، وهو ما تجلى في دستور 1973، كانت الارهاصات الأدبية الواقعية والفنية تشير إلى تبلور إبداعي واقعي نقدي، وتنامت هذه حتى في مرحلةِ زوال البرلمان، في تجارب معينةٍ ولزمن معين.
وكان يمكن أن تكون الروايةُ الواقعية تعبيراً عن هذا التنامي العام، لكن بدلاً منها كان المسرحُ التجريبي الذي لم يخلق ثقافةً إبداعية إلا فقاعات من الفوضى والإدعاءات، فكانت ثقافةُ الانكسار تتصاعد: التقوقعُ في القصيدة، وخفوت تطور القصة القصيرة، وإنكسار النقد وتحوله لمقاولات ثقافية شخصية، وسيادة الفوتغرافية في الفن التشكيلي.
كان إنكسارُ العقلانية الوطنية في شتى أشكالها، يتجسدُّ في تصاعدِ لغة المصالح الخاصة: الطب الخاص، التعليم الخاص وغيرهما كثير، فظهر الإبداعُ الخاص!
هي مرحلةُ التقلص من الروابطِ الفكرية المرتبطة بالطبقات، فتغدو المحاولةُ الروائية تجريبيةً داخلية لا تتغلغلُ في تحليل الواقع، ولا يغدو ل(الروائي) مشروع تحليل للواقع، ثم تزداد(الخصوصية) فتصير إرتباطات بالرأسمالية الحكومية.
إن الفئات الوسطى المفكَّكة تكونُ مصالحَها الخاصة، وتشكلُ لغاتٍ مفارقة، فثمة جملٌ يسارية صاخبة، وعلاقاتٌ مصلحية مع الوزارات، فيما يغلبُ التخثرُ الإبداعي في التيارات الأخرى، حيث لا مواقفَ تحليلية، وتسود تذبذباتٌ في إتجاهات عدة، وفي المجموع تتكسر تلك الموجات النقدية الوطنية التي ظهرت من تحليل الغواصين وعمال الجبل والتاريخ الوطني عامة، ولهذا حين تظهر الطائفيةُ السياسيةُ تكون واقفةً على أرضٍ منهارة فكرياً سياسياً، وتغدو البديلَ الزائف للوطنية، مستخدمةً عبارات يسارية صاعقة، ولاعقلانية دينية، وفاشية غائرة تعادي كل تفتح ثقافي وإختلاف.
ولهذا تكون نتائجها مدمرةً على صعيد الأجناس الإبداعية والتنظيمات الأدبية، وتطور الوعي الثقافي الوطني عامة.
ولم تدشن المرحلة الجديدة دعماً للثقافة الوطنية خاصة في السنوات الأخيرة حيث عانت الإصدارات المحلية من أزمة طباعة، وتوجه الكتاب للإصدارات على نفقاتهم الخاصة، مع صعوبات النشر والتوزيع وقلة الاهتمام بالأعمال الأدبية.
تدهورت الثقافة الوطنية عبر التفكك وندرة النتاجات وصعوبات إصدارها وتوزيعها وغياب الاهتمام بها.

بؤرةُ الوهمِ قديماً وحديثاً

بؤرةُ الوهمِ قديماً

تمثل بؤرة الوهم الإيديولوجية ملتقى الآمال الشعبية والطليعية بتوقع التحولات الإيجابية في المجتمع. وفي حقبة ظهور الإسلام كانت الفترة واعدةً مفصلية للتقدم الوحدة والسعادة للناس أجمعين.
إن الدين حين يكون دولةً سياسية تبدو ممثلة للأمة، وهو أمرٌ تحقق في البداية التأسيسية، لكن عبر إجراءات سياسية كانتخاب الحاكم وجعل المُلكية العامة قائدة لكن هذه الإجراءات لم تُقبل كجوهر للدولة، وهو أمر سوف يكرسه الوعي الديني السائد.
إن صيغةَ الدولة الدينية تغلبت على صيغة الدولة المدنية غير الدينية، وضمت الدولة الدينية كل الموروث في ذات الحقبة ورغم أن الجوهر السياسي لها كان معروفاً وسائداً في وعي الأولين، إلا أن التطورات الاجتماعية والسياسية والثقافية طمست ذلك وصارت الدولة الدينية ذات أسس كثيرة خاصة مسائل الإيمان والكفر والأركان الخمسة وجوانب الفقه المختلفة.
لقد تمت تنحية طابع الدولة السياسي الأولي لصالح دولة دينية تُحسم المواقف فيها قضايا الإيمان. صار ذلك هو السياج الذي يؤطر الدولة والمنتمين لها.
إن دولة الديانة المعمّمة المجردة تغلبت على دولة المواطنة اللادينية. فأي دخول قولي في دولة الديانة للحصول على الجنسية فيها، ولهذا أصبحت قضية الإيمان والكفر حاسمة.
إن ذلك سوف يشكل بؤرةَ الوهم الرئيسية عبر قرون، فعبر الوعي السائد سوف يكون ذلك قياماً لجنة أرضية، فما دام الناس ذوي إيمان فالوعد بالتقدم والسعادة والخير للجميع سوف يتحقق كما بشر سائد الدينِ بذلك.
لكن ذلك لم يتحقق. لقد حدثت منجزاتٌ ضخمة؛ توحيد القبائل وقيام دولة كبيرة، وتبدلت وسائل العيش المحدودة للصحراء العربية، وازدهرت مدنٌ جديدة، وإنفتحت آفاقُ البلدان للقبائل المحصورة في الجزيرة العربية.
لقد صُطدم الوعي السائد لدى المثقفين الدينيين من هذا التناقض، فرغم دخول الناس في الدين جماعات وشعوباً إلا أن الكوارث قد تتالت، فقام حكمٌ عضوضٌ، وتفاقمت الصراعات على الحكم ونشبت حروبٌ ضارية وضُربت مكة والكعبة فيها، وتحولت الفتوحات إلى حروب غنائم أثرتْ السلطات وكبار التجار وملاك العبيد منها، وتدنت مكانة النساء والفقراء وشعوب البلدان المتفوحة إلى آخر هذه الظاهرات التي بدت مروعة.
لكن هذه الظاهرات لم تكن بلا أسباب وبلا مقدمات، فقد إضطربت مُلكية الدولة في عهد الخليفة الراشد الثالث، وتفجرت الصراعاتُ على السلطة فيما عُرف بالفتنة الكبرى، وقفز إليها من جنّد أكبر عددٍ من الجند الجزيلة رواتبهم، وتوارى من ضحى وصعد من نافق وأرتشى.
حدث تناقضٌ هائلٌ بين الآمال والواقع، فوقع الوعي الديني في إضطراب مماثل. وإذا كانت النصوصية وعرض البارز من الممارسة الفقهية هو دور الأئمة الأولين مع رفض ممارسة إستبداد الحكام، فقد كان هؤلاء نادرون وإختصاصيون ومن غير الممكن أن تكون ثقافتهم جماهيرية مؤثرة في نفي التناقض بين الحلم والواقع، ولهذا فقد ظهر نمطٌ من الوعي الديني سياسي ومعارض بشكل أكبر.
إن هذا الوعي السياسي واصل طابع الدولة الدينية، فرغم إنه نشأ في الأقاليم المضطهَّدة وبين العامة والمثقفين إلا أنه عبر عن الدولة الشمولية كذلك.
إنه لم يدرس طبيعة التناقض السياسي الاجتماعي بين الحكم الأولي والتالي، وبدأ يقرأ الوضع السياسي من خلال المقولات الدينية، مقولات الإيمان والكفر، لا مقولات المواطنة.
فالدولة راحت تميز الناسَ من خلال هاتين المقولتين، وغدت المعارضة تقوم بذلك أيضاً، وصارت الدولة والمعارضة تشتركان في رؤية واحدة، ولهذا غدت الفرق دينيةً ذات تفاسير مختلفة.
وإذا تجمعت بؤر التيارات في مسألة (مرتكب الكبيرة أهو مؤمن أم كافر؟) فإن ذلك يعني بدايات نسف الدولة الواحدة. فمرتكب الكبيرة لدى لدى فرق الخوارج وبعض الإماميين هو كافر، وهذا الحكم أستمر حتى ظهور فرقة المعتزلة التي قالت هو(في منزلة بين منزلتين)، وإذا كانت المسألة تعني الحكام وكبار المنتفعين بالثروة العامة ومبددينها، فإن ذلك يعني أما العمل داخل المجتمع لتطوير ظروفه، واما تشكيل نظام آخر يهدم النظام الحالي.
لقد ألتقت الفِرقُ في بؤرة وهم إيديولوجية واحدة مثل مظلة النظام الفكرية السياسية، فعبر مسألة ضميرية يتم ليس نفي حرية المواطن بل زعزعة كيان المجتمع. فإذا توجهت الفرق المتشددة لتشكيل دول أخرى، فإن المعتزلة وقعت في شباك الوعي الديني الاستبدادي، عبر إنتاج ثقافة فرقة دينية جديدة، وفيما المكفرون يهدمون الدولة من الخارج فالمعتزلة تهدمها من الداخل، بدلاً من إنتاج ثقافة المواطنة النقدية.

بؤرةُ الوهمِ حديثاً

إذا كان لكل عصرٍ عربي بؤرة وهمه، وقد تجلت بؤرةُ الوهمِ هذه في العصر الوسيط عبر محاولاتِ إنتاجِ مجتمعٍ مثالي ديني تحكمه خلافةٌ دينيةٌ فردية خيرة، لكن كانت الإمبراطورية العربية الدينية في الواقع الحقيقي تتفتت إلى قطعٍ سياسية محترقة متعادية، فالخلافة الخيرة وهم بعد إنهيار أسسها بظهور أسروية إستغلالية وشمولية سياسية، وكانت مساندة بعض المثقفين لها وهمٌ آخر، فلم يعمل هؤلاء على دولة مدنية غير دينية، الخلافة فيها منتخبة، والمُلكية العامة (فيء المسلمين) تُدار بشكل ديمقراطي، والمواطنة تحكم القانون.
تظهر بؤرة الوهم الرئيسية من فرض موديل مستورد أيديولوجي يتسرب من أفواه المتعلمين لقلوب العاملين، فموديل العصر الوسيط القادم من العصر المؤسس السابق، صار شكلانياً بلا مضنونه الحقيقي بعد أن أختفت أسسه وقواعده المادية والسياسية.
في العصر الحديث بدأت بؤرةُ الوهم من إستيراد النموذج الغربي وتركيبه على دول دينية إستبدادية إقطاعية. فبدلاً من الرجوع للوراء وفهم البنية المتكونة في الزمن الوسيط حدثت قفزة للإمام وجاءت لحظتا الموديل الغربي: لحظة الليبرالية ومحاولة صنع نظام ديمقراطي على الأسس الغربية، لكن لم تلتصق العربة العربية الخربة بالنموذج الذي يحتاج لتغيير أسس الدولة الدينية المحافظة المنفصلة عن الأغلبية الشعبية. النموذج الغربي يحتاج كذلك لجمهورٍ غيرِ دكتاتوري، وهو غيرُ موجود. إذن حل التوجه للنموذج الغربي الذي رحل إلى الشرق بدون ديمقراطيته وبشعاراته (الثورية) التحولية، أي النموذج (الاشتراكي).
أزاحت الاشتراكيةُ الليبراليةَ ولكن لم تختلف بؤرة الوهم هنا، فقد وُضعت الشعارات فوق نفس المبنى القديم، وتقوم التحولات الجديدة (الوطنية، الاشتراكية، القومية) بضرب العناصر الديمقراطية الجنينية في البُنى العربية حيث غدت مجموعةً من الأنظمة المختلفة التطور، وتتحول الدولُ والمجموعاتُ السياسية إلى قوى شمولية مسيطرة على نفس ما يَقبضُ عليه الخلفاء الأمويون والعباسيون والعثمانيون، دول دينية يُسيطرُ فيها على المال العام والنساء والرقيق إذا كان لا زال موجوداً.
عناصر الثقافة الغربية إنتشرت ولكن قُمعت وتمتْ أدلجتُها حسب الأنظمة والقوى السياسية الذكورية المحافظة، وحتى الباحثين دخلوا تحت المظلة السياسية الشمولية، فباحثٌ كبيرٌ مثل (هادي العلوي) قدم إسهامات كبيرة في تحليل الإسلام والتراث يعتبرُ النظامُ الماوي الصيني تجربة إشتراكية للقفز من الإقطاع إلى الرأسمالية، في حين أنه نظام رأسمالية دولة عسكرية تنتشر فيه رأسماليةٌ فاسدة حكومية، ولهذا فإن أدوات الباحثين تنفصمُ مثل عقولهم، كما كان الباحث مهدي عامل التقدمي يستورد أدوات بحث منهجية أوربية متطورة هي البنيوية الماركسية، حيث تُحلل المجتمعات حسب بُناها وصراع طبقاتِها في مراحلها التاريخية، لكن بؤرة الوهم الاشتراكية المصنوعة روسياً تعرقلُ نمو الأدوات المنهجية البنيوية، فالعناصرُ الشموليةُ الشرقية المسيطرة تزيح أدوات التحليل الموضوعية ويمكن للقوى الدينية أن تحقق الحريةَ والاشتراكية بفعل النمو الحتمي للتطور في الشرق وقطع التبعية وكون صراع الطبقات فيه لا يُحل إلا بالاشتراكية. بدلاً من هذا الخيال الاستبدادي المتراجع للوراء كانت الأولوية هي في نقد هذا النموذج الديني السياسي الشمولي والحفر في تأسيس الدولة المدنية غير الدينية والمهمات التي توقفت بدءً من الزمن الأموي.
لهذا فإن بُنى التخلف المحافظة العائدة للعصور الوسطى التي لا تُغير تعودُ لتأكيد نفسها بعد كل مرحلة تقفز عن المهمات الحقيقية. فتظهر الدولُ الدينية الطائفية من تحت الأنقاض التحديثية مطالبة بالعودة أكثر للوراء، لكن الأصوات المعارضة التحديثية صارت أكثر الآن وبدأت جملة من الأوهام تتبدد، وغدت الدولة المدنية غير الدينية وعودة الفيء لأصحابه عبر مُلكيات عامة مراقبة، وبداية الرؤى الموضوعية بأن لكل بلد خصائصه وظروفه السياسية والاجتماعية ويحتاج لقراءة تحدد كيفية الخروج من الدولة الدينية وملحقاتها من أحزاب دينية وصراعاتها، وكيف يكون التطور الاقتصادي الاجتماعي الخاص بهذا البلد أو المنطقة، وأن النموذج المستورد من الضروري أن ينكسر لنماذج نابعة من ظروف البلد المعني وأتفقاعت قواه التحديثية الديمقراطية، هي نفسها ظروف العرب والمسلمين التي لم تُغير في شروطها وظروفها السابقة، أي بناء الدولة المدنية وإدارة الثروة العامة بشكل ديمقراطي، وحماية التراث الديني من الاستغلال السياسي، وهي جملة من الشروط المتضافرة مع بعضها البعض التي تنبع من خصائص التطور العربي الإسلامي الإنساني، ولكنها تحتاج لقوى سياسية متشربة بتراثها وزمنها الحديث وتوجه بؤرتها نحو حل مشكلات الناس.
لقد تغلغل الخرابُ في الشعوب والتيارات السياسية والدول فغدت طائفية، وتحللت من بناها الوطنية وأتجهت للحروب، والقوى التي كانت أساس الوعي الطليعي غدت خربةً منقسمة متشرذمةً وهي المعضلة التي لا تجد حلا سوى في تعرية ثقافة الشمولية الدينية ونتائجها عبر التاريخ وإنتاج النظم والقوى المدنية الوطنية.


عبدالله خليفة – بؤرةُ الوهمِ قديماً (ahewar.org)

عبدالله خليفة – بؤرةُ الوهمِ حديثاً (ahewar.org)

عبدالله خليفة ‏‏‏‏‏‏كاتب وروائي

ذاتياتٌ وفتات

نشؤ الفكر الاشتراكي إعتمد على كونه الموضوعي الوحيد، لأنه يكشف أساس الوجود الاجتماعي المتناقض من خلال حياة طبقة لا مصلحة لها في تزييف الواقع وتغييب سببيات الوجود.

وهو شيء عامة صحيح في القرن التاسع عشر حين كان المثقف النقدي الريادي الحر يدرس بعمق الوجود، فالتاريخ بتناقضاته لم يكن يُفهم بشكل موضوعي.

جاء هذا الفكر من أجل أن تزدهر الذاتية العقلانية المتجددة لا أن تتشيأ رأسمالياً وتذوب.

 وكانت الطبقة الرأسمالية ذاتها قد إعتمدت على أن الفردية هي بؤرة المجتمع، الفردية المتفتحة المزدهرة بالحياة والانتاج.

لكن الأفراد صاروا غباراً في الأنظمة، والفلسفات في الغرب المعبرة عن حراك الطبقة الوسطى حاضنة الفردية ركزت على دعم الفردية وحصرها في أناها الأناني أو المنقطع عن الآخرين، منذ أن سخر مؤسس الوجودية كيريغارد من هيغل وعقلانيته الطاوسيية المعلقة في السماء وأساطير المطلق.

 الوجودية وتيارات الحياة ركزت على هذه الفردية المسحوقة حتى توارت هذه الفلسفات وظهرت الفلسفاتُ الوضعيةُ المركزة على الأفكار والدرس خارج الذات المحروقة.

نمو الأنظمة الشمولية الكبرى في القرن العشرين حوّلَ البشر إلى فتاتٍ، إلى كائناتٍ مسحوقة، إلى مجردِ أدواتٍ للمصانع والدوائر وإلى طعامٍ للدول.

الاشتراكية والرأسمالية في القرن العشرين هما مجتمعا الاستعمار الشرقي والغربي.

في (الإشتراكية) الشرقية يتم إبقاء إستعمار الشعوب التي تمت السيطرة عليها كما في مرحلة القيصرية الاستعمارية أو الصينية أو الصربية أو كما سيجري لاحقاً من إنفكاكاتٍ مروعة ، وفي الغرب يتم إستعمار بقية العالم.

رأسماليات الشرق الشمولية في روسيا والصين وإيران وإسرائيل تعني السيطرة على الشعوب والأمم التابعة داخل سيطراتها القديمة.

عالم القرن العشرين هو العالم الذي ساد فيه الاستعمار لكل خلية جغرافية، لم يبق مكانٌ خارجَ السيطرة.

هو العالم الذي تم فيه سحق البشر والهيمنة عليهم في كل مكان.

فلسفات الغرب وراؤه حاولت أن تركز في حقبةٍ كبيرة من كيريغارد حتى سارتر بأن تخلق له مكانة حرة، أن تمنع السيطرات الخارجية الهائلة أن تصل لنفسه وروحه. لكن هذه الحريات كانت صغيرة في ظل آلة الرأسمالية الشاملة التي حسب شهيتها الهائلة للأسواق والرساميل كانت تنتجُ الحروبَ أكثر الظاهرات تدميراً للبشر وفتحاً للأسواق.

الرجلُ الذي وجدَ نفسه خنفساء عند كافكا هو ثنائيةُ الوجود في عالم رأسمالي كابوسي.

العالم الاشتراكي الوطني الذي هو رأسمالية شرقية شمولية سحقَ الشعوبَ بقسوة شديدة كذلك، آلات القوميات العتيقة الإقطاعية الملتهمة للقوميات الأخرى والأديان محت وجود الفرد المستقل.

الاقتصادياتُ المرفوعةُ لمستوى المحارق المقدسةِ إلتهمتْ الملايين بدون أي نأمةٍ ذاتية بارزة، لم تتح لها حتى أن تكون خنفساء كافكاوية.

ثورات التحرر الوطنية كان يمكن أن تشعلَ قناديل للفرديةٍ الخلاقة، لولا أن رأسماليات الدول التي هيمنت على الاقتصاديات واصلت تحويل الإنسان لحشرة، فحروبُ الصراعاتِ الطبقية ضد المختلفين حطمت الكثير من الشُعلِ الذاتية للأفراد فأما أن يزولوا وأما أن يظلوا أصفاراً.

لا تريد الأنظمة الاستغلالية سوى البشر النسخ، البشر الذائبين في السلع، البراغي المستعدة للقتل والتحول لفراشاتٍ صفراء في النصوص الميتة، وبكسرِ آلات الحفر الفكرية، ونشر الأقنعة، والدمى والأساتذة المقطوعي اللسان.

لم تصنع الاشتراكية الوطنية الدينية والدول القومية الكلية ذات الكائنات المحبوسة الملغاة من تواريخها ولغاتها وأحلامها، سوى أن تكون الأشكال الجماعية البوليسية سواءً عبر وعي أو دين كرنفالي إحتفالي يتم فيه إعداد المواطنين للقتل، وللانصهار في رموز الدم، وليكونوا عيوناً تحدقُ في كلِ نأمةِ تغيير من فرد، وتُشهرُ بالمختلفِ الحر، وتعتقلُ الأرحامَ عن الولادات، وتحرق ما يشذ عن النسخ.

القادمون الجدد لمعابد البضائع والرساميل المعبودة يحرقون البخور البشري لترضى بنوك الدم، ويتحول البشرُ لرمال، وذرات في أجهزة، ودخان في الزمن.

القرن العشرون كان زمن توسع وظهور الرأسماليتين الكبريين الغربية والشرقية وحروبهما المتعددة الأشكال، ربما وصل القتلى لمائتي مليون قتيل، هذا كان غباراً بشرياً كلياً، أما إندماجهما وتحولهما لرأسماليةٍ كونية واحدة وفتح آخر قلاع رأسماليات الدول والجماعات الشمولية المغلقة في القرن الواحد والعشرين فأمامه حروب وأسلحة نووية وجرثومية فكم سوف يكون عدد القتلى والبشر مشغولون بالدفاع عن شبكاتها العنكبوتية التي تساقطوا فيها كالذباب؟ (كم وصل عددُ القتلى الآن في سوريا؟).

تظل في الغرب مساحاتٌ كبيرةٌ للفرد لكون ثمة نضالات كبيرة وكثيرة خلال قرون موجهة من أجل الفرد المحدد العياني الملموس، لا الجموع المجردة فقط. لكن في الشرق الأمر مختلف، ثمة تاريخٌ هائل من نفي الأفراد وإزالة الفردية الخصبة وتوسيع الجموع القطعان. وهؤلاء من السهل أن يلغوا ذواتهم ويسحقوا الآخرين.

إنهم مثل بطل المسرحي أبسن (برغونت) الذي يقشرُ بصلةً ولا يصلُ للبِ أبداً، وربما كان الأمر أسوأ في الإنسان المعاصر الذي كلما نزع قشراً إنفجرَّ في وجهه.

المثقفون العاميون

تدهور وعي بعض المثقفين وتحولهم لعاميين لا ينفصل عن ضعف التوجهات التحديثية وإستسلامها لهجوم الدينيين الطائفيين، فسقوط الوعي النقدي العلماني المستقل لا ينفصل عن مظاهر الطائفية العسكرية المتصاعدة وغرق المشرق خاصة في الحروب وفي غياب السياسة القومية والسياسة التقدمية الحازمتين في وجه الخراب.

آراء بعض المثقفين لا تستطيع أن تميزها عن آراء العاميين الغارقين في التخلف والطائفية، فضحالتها واضحة، فالمعسكران الطائفيان السني والشيعي اللذان يقودان المشرق للهلاك سيطرا على المشهد المرعب.

تحللت الثقافةُ من عمقها ووطنيتها، ومن يقاوم الطائفيةَ صار هو نفسه طائفياً، لا يستخدم أدوات التحليل الوطنية الديمقراطية العلمانية، وينأى عن الانزلاق بل يكرسه معلياً جهة أخرى لا تختلف في جوهرها عن الجهة المنقودة.

هذا التدهور كان يُلاحظ منذ سنوات عديدة، فالوعي الديني المحافظ إنتصر على الوعي الوطني وعلى الوعي الديني العقلاني المحدود، فأموال النفط وتشجيع الحركات السياسية الطائفية أغرقت المنطقة وخلقت من الانتهازية حالةً عامة، وتواكبت هذه مع تراجع الجماعات الثقافية والسياسية عن المبدأية والخطوط الوطنية التي كانت قريبة منها.

لهذا فإن الكاتب التحديثي السابق خفتت ملامحه وضاع وجهه في الصراع بين الحداثة والتخلف، بين العلمانية والطائفية، فتخرج الأعمال الفكرية والثقافية في عوالم ضبابية، لا تشتغل على حفريات نقدية إجتماعية وسياسية، ويوضع كاتب مسرحي مهرج لا عمق نقدياً في أعماله ولا تشغله هموم واقعية ووطنية تحولية في مستوى موليير المسرحي الفرنسي الرائد في نقد الشخصيات المريضة إجتماعياً.

حين طفت المصالح الخاصة وأهتم المثقفون بذواتهم ومصالحهم الشخصية وذابت الارتباطات السياسية والفكرية النضالية تساوت القامات الرفيعة والهابطة، ويخرج علينا مثقفون عاشوا في عسل السلطات العربية ليأيدوا الثورات العربية بعد أن أحتموا بأموال المعاش الثرة.

ولهذا فإن الأقزام انتشروا وضيعوا المؤسسات الأدبية والثقافية والسياسية الوطنية بعد أن تم شقها وبيعها مثل بيع القطاعات العامة المفككة.

ولم تجد الأجيالُ الجديدة من تركن إليه وتحتمي بمظلته لكي تدافع عن أوضاعها المادية والثقافية، ولم تعد المطبوعة قيمةً في مضمونها بل في مدى خراب ذمة المؤلف وتخليه عن القيم الوطنية الرفيعة ولهذا لجأت هذه الأجيال الجديدة لمن يُظهرها على المسرح أياً كان وعيه وهدفه، وهذا ليس مبرراً للسقوط ولكنه شرح للتهافت المنتشر.

تدهور وعي بعض المثقفين يحولهم لعاميين، لكنهم عاميون فقدوا الارتباط بالأرض والقيم، عاميون ليس مثل أولئك الذين صنعوا وشاركوا في الثورات العربية الجديدة، بل عاميون منسلخون من قيمها يبحثون عن منافعهم الخاصة، يجعلون الكلمة والكتاب والشريط في خدمة من يدفع.

عاميون تتساقط أوراقهم الفكرية والثقافية والسياسية ويعودون للوراء وليس ثمة سوى البئر الكبيرة، بئر المحافظة والقومية الشوفينية والطائفية العسكرية تستقبلهم ويشتغلون فيها.

كيف يمكن بعد عقود من التجربة أن يتساوى مثقف كبير مع مراهق صغير، وتزول الفوارق والتراكمات والتجارب إذا لم تكن المواقف قد بُليت والشُعل قد إنطفأت والروح المتوهجة قد خبت؟

عبدالله خليفة – المثقفون العاميون (ahewar.org)

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : يحيا في إبداعه الأدبي

فيصل عبدالحسن

كان هدفه جعل الناس يؤمنون بما آمن به

الموت ليس هو فَصْلُ الخِطَابِ في حياة المبدعين، فكم من مبدع عاش لقرون بعد موته الفسيولوجي، ومن هؤلاء الروائي البحريني عبدالله خليفة، الذي وافاه الأجل في 21 أكتوبر 2014. وتصادف ذكراه الثالثة صدور كتاب نقدي عن إبداعه القصصي والروائي بعنوان “عبدالله خليفة .. السرد في زمن الإبداع” بأقلام ثلاثة من النقاد هم: الرشيد بوشعير وفيصل عبدالحسن والباحث صبري مسلم حمادي.

قدم للكتاب الناقد عمر عبدالعزيز، الذي أشار في تقديمه إلى القلق العميق، الذي وضع الكاتب النقاد فيه، حول تجنيس إبداعه. متسائلا هل ما كتب سيرة أم رواية؟

يقول عبدالعزيز ” الاستنتاج المركزي الذي يمكن الوصول إليه من خلال تصفُّح النصوص الإبداعية السردية للراحل عبدالله خليفة، يفتح سؤالاً هاماً حول قلق التجنيس للنصوص السردية، حيث جسَّر المسافة بين المفارقات السردية الناجمة عن خصوصيات الرواية، وأدب السيرة الذاتية والقصة، وصولاً إلى النص المفتوح، وبهذا المعنى اختارالسارد العليم أن يكون شاهداً على تراسل الأنواع الأدبية، توطئة لتراسل أشمل ضمن المنظومة المفاهيمية الكلية النابعة من ثقافة عالمة، وذائقة فنية أفقية“.

قدم للكتاب الناقد عمر عبدالعزيز، الذي أشار في تقديمه إلى القلق العميق، الذي وضع الكاتب النقاد فيه، حول تجنيس إبداعه. متسائلا هل ما كتب سيرة أم رواية؟

الحساسية الجديدة

تناول الناقد بوشعير المنجز الروائي لخليفة من خلال قراءات مختلفة لمنجزه الروائي، منذ رواياته الأولى، كاللآلئ، والقرصان والمدينة، والهيرات، وأغنية الماء والنفط، وامرأة، وحتى ما كتبه في أواخِر حياته، كنشيد البحر، والينابيع، وعقاب قاتل.

ومن خلال قراءاته المتعددة لإبداع الراحل الروائي خرج برأي نقدي قال فيه “إنَّ الرواية عند عبدالله خليفة لم تكن ترفاً أدبيّاً أو جماليّاً دعائيّاً يعلن عن قدرة التربة الخليجية على احتضان وسائل هذا الفن السردي، بقدر ما كانت أداة لا غنى عنها لرصد حركة التاريخ الاجتماعي والفكري، والتعبير عن الهواجس الذاتية، والأزمات الموضوعية، ووعاء لطموحات المبدع المرهف الحساسية، وبحثه الدائب عن القيم الإنسانية، التي تذوب في زحمة التغيرات المحلية والعالمية”.

بينما رأى كاتب هذه السطور أن إبداع خليفة من خلال الحساسية الجديدة في الرواية والقصة العربية، قد شاءت أن تستخدم حياة كاتبها لتكون مادة روائية ممتعة يعيش القارئ فصولها، ويتعرف من خلالها على مفاصل المجتمع وتاريخه وتابوهاته.

ومَن أصدق مِن كاتب يضع على وجهه قناع شخصية روائية، ليعيد تفصيل مجتمعه بكل صدق، وصراحة، وموضوعية من دون خوف، ولا إدانة من قبل المجتمع، الذي يكتب عنه؟ فالكتابة عند خليفة بلسان شخصية خيالية في متن روائي من خيال محض كما يظن البعض، ولكن ما كُتب هو الحقيقة، لما عاشه الكاتب وما رآه وتأثر به.

الحساسية الجديدة في الرواية والقصة العربية، التي شاءت أن تستخدم حياة كاتبها لتكون مادة روائية ممتعة

صحافيون فقراء

ملأ خليفة مجموعتين بهذا النوع من القصص، التي تحكي محكيات من حياة كاتبها، فنجد في مجموعته “سهرة”، التي صدرت عام 1994 و”دهشة الساحر” التي صدرت عام 1997، الكثير من القصص التي تحكي عن معاناة كاتب، وصحافي في بداية طريقه إلى الكتابة والنشر. والكاتب يعيش وسط عائلة بحرينية متوسطة الحال، وعلى عادة هكذا عائلات في الشرق، فإنَّها لا ترى في الأدب وكتابته غير ضياع للوقت والجهد. وأنَّ الابن الموهوب إنْ استمر في هكذا ولع، فهو ضائع لا محالة، وليس أمامه غير طريق الفقر والحاجة، وأنَّه لا طائل سيأتي من وراء حرفة الأدب والكتابة.

تطرق الكتاب إلى هذه الظاهرة التي عانى منها الكاتب الراحل، حيث أن بعض العائلات ترى في نبوغ أولادها في هذا الجانب نقصاً في العقل والمواهب، وكارثة ألمت بها، لأنَّها رُزقت بفرد لا يستطيع أن يقف على رجليه وحده، وسيبقى عالة عليها، وبدلاً من أن يكون عوناً لها في مواجهة الحاجة والفقر، فقد صار مصدر قلق لها، وعاهة دائمة في النسيج العائلي.

الصدام مع المجتمع والعائلة هو ما نلمسه في أغلب قصص المجموعتين لخليفة. ولكن إلى جانب النشاط الفكري والسياسي لأبطال قصصه فإننا نستقرئ من خلالها حياة كاتبها في بواكير شبابه، حين كان ناشطاً سياسياً في سنوات الدراسة الثانوية، وناشطاً فكرياً بعد ذلك في المعهد العالي للمعلمين.

فقصصه: السفر، وسهرة، وقبضة تراب، والطوفان، وغيرها من قصص المجموعتين، كتبها الكاتب من وهج تجربته الشخصية، فهي سرود عن حياة الفقراء من العمال وأصحاب حرفتي الصيد والغوص من الباحثين عن رزقهم في صيد السمك أو اللؤلؤ أو العمل في آبار النفط، كما كتب الراحل عن حياة الصحافيين الفقراء، المتعاونين مع صحف فقيرة لا تكاد تغطي ثمن مطبوعاتها، وتتخذ هيئات تحريرها من الصحافة وسيلة لحسم الصراع السياسي مع خصومها الطبقيين أو من يعادونهم فكرياً وسياسياً.

الرواية عند عبدالله خليفة أداة لرصد حركة التاريخ الاجتماعي والفكري

الروائي ليس واعظا

كتب الناقد صبري مسلم حمادي عن حياة الكاتب عبدالله خليفة وإبداعه الروائي، وربط العلاقة بين مراحل حياة الكاتب، ومراحل تطور كتابته الإبداعية، وتأثيرات عمله السياسي، والفكري على المتن الروائي الذي كتبه، فخليفة من جيل من الكتَّاب وضعوا كل أهدافهم في جعل الناس يؤمنون بما آمنوا به من أفكار فلسفية وسياسية، لكن خليفة لم يقع في هذا المَطَبّ.

وكتب الناقد حمادي في هذا الشأن، فقال “ليس من شأن الروائي الفنان أن يطل بفكره عبر سطور روايته، وبشكل مباشر كي يعظ أو ينصح أو يرسم خارطة طريق للمستقبل، لأنَّه إنْ فعل ذلك، فإنّه يضحي تماماً بالجانب الفني في عمله السردي، الذي قد يتحول إلى جنس كتابي آخر، هو المقال الاجتماعي ذو الهدف الإصلاحي”.

وهو مما لا يخفى على عبدالله خليفة الروائي البحريني ذي الخبرة العريضة في مجال الفن السردي، فقد نأى بفنه عن هذا المَطَبّ الخطير في كل أعماله الروائية والقصصية، ومارس ذلك في عواميده الصحافية، ومقالاته السياسية، ومقابلاته التي لها طابع فكري أو سياسي.

الكتاب النقدي الجديد “عبدالله خليفة.. السرد في زمن الإبداع” جاء بـ450 صفحة من القطع الكبير، وتميز برصانته النقدية وسعة مباحثه، ويمكن عدّه أحد أهم المصادر النقدية عن أدب وفكر عبدالله خليفة، الذي تميز بإبداعه الروائي، وإضافاته المهمة للسرد البحريني والعربي. وقد صدر الكتاب عن دائرة الثقافة بالشارقة ــ 2017.