كيف تأثرت أعمال عبدالله خليفة بالسياق الثقافي والسياسي في البحرين؟ أعمال عبدالله خليفة تأثرت بشكل كبير بالسياق الثقافي والسياسي في البحرين، حيث جسدت تحولاته الاجتماعية والاقتصادية، خاصة بعد اكتشاف النفط. في رواياته، ركّز على توثيق الحياة الشعبية، مسلطًا الضوء على معاناة الفئات المهمشة مثل الغواصين والفلاحين، مما يعكس واقع البحرين في فترات مختلفة. كما تناول القضايا الإيديولوجية، حيث قدم نقدًا اجتماعيًا وسياسيًا عميقًا عبر شخصياته، مما جعل أعماله تحمل طابعًا فكريًا واضحًا. أسلوبه السردي كان مزيجًا من الواقعية والسخرية، مما أضفى على كتاباته طابعًا مميزًا وساهم في جعلها أكثر تأثيرًا في الأدب البحريني. بالإضافة إلى ذلك، لعب دورًا في توجيه الجيل الجديد من الكتّاب، حيث فتح المجال أمامهم لاستكشاف القضايا الثقافية والاجتماعية من منظور جديد.
كيف تأثرت كتاباته بالتغيرات السياسية في البحرين؟ عبدالله خليفة تأثر بشكل كبير بالتغيرات السياسية في البحرين، حيث كانت كتاباته تعكس التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها البلاد. في حوار أجراه عام 2011، تحدث عن الحراك الاجتماعي والسياسي في البحرين ودور القوى التقدمية في مواجهة التحديات السياسية. كما ناقش تأثير الاحتجاجات والمطالب الشعبية على المشهد الثقافي والفكري، مشيرًا إلى أن الأدب يمكن أن يكون وسيلة للتعبير عن الطموحات السياسية والتغييرات الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، كان خليفة ناقدًا بارعًا للواقع البحريني، حيث تناول في كتاباته إشكالية النقد والوعي الاجتماعي، مسلطًا الضوء على التحديات التي تواجه المثقفين في تحليل البُنى الاجتماعية والسياسية. أسلوبه الأدبي كان يمزج بين التوثيق التاريخي والرؤية النقدية، مما جعله أحد أبرز الأدباء الذين استخدموا الأدب كأداة لفهم الواقع السياسي.
ما هي المواضيع الرئيسية في رواياته؟ روايات عبدالله خليفة تتناول مجموعة من المواضيع العميقة التي تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي في البحرين والمنطقة العربية. من أبرز هذه المواضيع: الهوية والصراع الاجتماعي: يعكس خليفة في أعماله التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها البحرين، مسلطًا الضوء على الصراعات الطبقية والتغيرات السياسية. التاريخ والواقع: يستخدم السرد الروائي كوسيلة لفهم التاريخ البحريني والعربي، حيث يدمج الأحداث التاريخية مع الشخصيات الخيالية لإبراز تأثير الماضي على الحاضر. الحرية والنضال السياسي: نظرًا لانتمائه للحركات السياسية، تناول في رواياته قضايا الحرية والنضال ضد الظلم، مما جعل أعماله تحمل طابعًا نقديًا قويًا. البيئة والمكان: المكان في رواياته ليس مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر أساسي يعكس التغيرات الاجتماعية والثقافية، كما هو موضح في دراسة تحليلية عن المكان في أعماله هنا. الجانب الفلسفي والإنساني: طرح تساؤلات حول الإنسان والمجتمع، مستخدمًا أسلوبًا سرديًا يعكس عمقًا فكريًا وفلسفيًا.
كيف أثر عبدالله خليفة على الأدب البحريني الحديث؟ عبدالله خليفة كان أحد أبرز الروائيين والكتاب البحرينيين الذين تركوا بصمة واضحة في الأدب البحريني الحديث. من خلال أعماله الروائية والنقدية، ساهم في تطوير السرد الأدبي البحريني، حيث تناول في كتاباته قضايا اجتماعية وسياسية بأسلوب واقعي وتحليلي عميق. تميزت رواياته مثل الينابيع وأغنية الماء والنار، بتقديم سرد غني يعكس التحولات الاجتماعية والاقتصادية في البحرين، مما جعلها مرجعًا هامًا لفهم تاريخ المنطقة من منظور أدبي. كما كان له دور في تعزيز الفكر النقدي من خلال مقالاته ودراساته التي تناولت الأدب العربي الحديث.
إلى جانب ذلك، كان خليفة ناشطًا ثقافيًا، حيث شارك في الحراك الأدبي البحريني وساهم في تشكيل رؤية جديدة للأدب المحلي، مما ألهم العديد من الكتاب الشباب.
ما هي السمات المميزة لأسلوب عبدالله خليفة في الكتابة؟ أسلوب عبدالله خليفة في الكتابة يتميز بعدة سمات جعلته أحد أبرز الروائيين البحرينيين. من بين هذه السمات: الواقعية العميقة: كان خليفة يستخدم أسلوبًا سرديًا يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي في البحرين، حيث تناول قضايا مثل التحولات الاقتصادية والصراعات الطبقية بأسلوب تحليلي دقيق. التاريخ والسرد: دمج في رواياته بين السرد الأدبي والتاريخ، مما جعل أعماله مرجعًا لفهم التحولات التي شهدتها البحرين عبر العقود. البعد الفلسفي: لم يكن مجرد كاتب يروي الأحداث، بل كان يطرح تساؤلات فلسفية حول الإنسان والمجتمع، مما أضفى على أعماله عمقًا فكريًا. التقنيات السردية المتطورة: استخدم خليفة تقنيات سردية حديثة، مثل تعدد الأصوات والرواية غير الخطية، مما جعل أعماله أكثر تميزًا في الأدب العربي الحديث.
الكاتب البحريني عبدالله خليفة (1948ــ 2014) يُعد بحق أحد أهم الروائيين في أدب القصة القصيرة والرواية الحديثتين في الوطن العربي، فقد تابعت إبداعه القصصي والروائي منذ ستة عشر عاماً، وكتبت ونشرت الدراسات والقراءات عن أغلب ما إبدعه في مجال القصة والرواية في المجلات الثقافية العربية المُحكمة، كمجلتي نزوى والبحرين الثقافيتين الفصليتين، وفي الصحافة الثقافية اليومية والأسبوعية، وربطتني به صداقة أدبية وزمالة عمل في ثقافية جريدة أخبار الخليج البحرينية، التي يشرف على صفحتيها الأسبوعية وإلى يوم وفاته يرحمه الله تعالى في يوم 21 أكتوبر 2014. هذه التجربة القرائية في إبداعه هي حصيلة صداقة أديبين، اضعها في هذا البحث بين يدي القارئ المتخصص والقارئ العادي، لمعرفة لماذا ازدوجت المقاييس في تقنيات الفن القصصي والروائي لدى هذا المبدع، وعدنا من جديد نقرأ روايات هي في الحقيقة قريبة جداً من تقنيات كتابة السيرة بل هي تلبس لبوسها في احيان كثيرة مع المحافظة على قناع هنا، وهناك لشخصياتها، بدافع حياء كاتبها العربي من إشارة النقد لهذه الحياة المسرودة في المتن القصصي أو الروائي، وليس سراً، فقد اُستل هذا القناع من تقنيات وآليات العمل الروائي. تجربة عبدالله خليفة في الكتابة الأدبية، كنموذج لهذا الضرب من الكتابة الجديدة، هي أظهار إيجابيات التقنيات التي استخدمها الكاتب، وسلبياتها على مجمل تجربة الكاتب الإبداعية، متوخياً أن تكون دراستي منتمية إلى حقل الدراسات الثقافية أكثر مما هي منتمية إلى حقل البحوث الأكاديمية التقليدية، والأطروحات الجامعية الصارمة، لإبراز تجربة الكاتب كمؤشر دال على التغييرات الكبرى التي اصابت أدبنا الروائي والقصصي، خصوصاً بما يتعلق ببحثي عن مزايا الكتابة الجديدة، وصعوبات كتابتها، والنماذج المطروحة في القصة القصيرة والرواية، التي كتبها هذا الكاتب، ونجحت في استيعاب هذه التحولات الكبرى في الأدب الغربي، والتي درست تقنياتها ومادتها دراسة معمقة في العديد من مقالاتي المنشورة طوال ثلاثين عاماً من نشاطي الثقافي والأدبي المتخصص. وكان بحثي ليس بعيداً عن حياة كتابها وسيرهم الذاتية، وما عاشوه من تجارب حياتية مختلفة، فالكتابة الجديدة لا تختلف كثيراً عن حياة كتابها، وما عاشوه من تجارب بل أنها في بعض الأحيان هي حيواتهم، مسجلة سطراً بسطر وكلمة بكلمة، وكأنما تقرأ سجلاً لاعترافاتهم بما عاشوه من تجارب سياسية، واجتماعية في فترة إحباطهم، وفشلهم أو بعد نجاحهم، وفي بعض الاحيان تقترب صفحات تلك الكتابات الأدبية -قصصية وروائية- جداً من تفصيلات المدونات اليومية لأي مثقف أنتظم في تدوين ما يحصل في حياته يومياً، إلى درجة أنهم اضطروا لفتح الأدراج عن رسائلهم الغرامية، التي كتبوها لحبيباتهم في فترة من فترات حياتهم ونشروا رسائل حميمية تلقوها من اصدقائهم و أهلهم، وكما كتبت عن ذلك في نماذج قصصية وروائية كثيرة أجنبية وعربية. فقد امتلأت قصص مجموعتين قصصيتين لعبدالله خليفة بهذا النوع من القصص التي تحكي محكيات من حياة كاتبها، فنجد في مجموعته «سهرة» التي صدرت عام 1994 و«دهشة الساحر» التي صدرت عام 1997 الكثير من القصص التي تحكي عن المعاناة. كتابة للتغيير وهذا ما نلمسه في الكثير من قصص المجموعتين للكاتب عبدالله خليفة إلى جانب النشاط الفكري والسياسي لأبطال قصص أخرى نستقرئ منها حياة كاتبها في بواكير شبابه حين كان ناشطاً فكرياً في سنوات الدراسة الثانوية، وناشطاً سياسياً فيما بعد في المعهد العالي للمعلمين.(1). فقصص مثل: السفر، سهرة، قبضة تراب، الطوفان، وغيرها من قصص المجموعتين كما سنرى في فصول لاحقة من الكتاب كتبها الكاتب من وهج تجربته الشخصية، فهي سرود عن حياة الفقراء من العمال واصحاب حرفتي الصيد والغوص من الباحثين عن رزقهم في صيد السمك أو الِلؤلؤ أوعمال حفر آبار النفط المياومين، والصحفيين المتعاونين مع الصحف الفقيرة، التي لا تكاد أن تغطي ثمن مطبوعاتها، وتتخذ هيئات تحريرها من الصحافة وسيلة لحسم الصراع السياسي مع خصومها الطبقيين أو من يعادونهم فكرياً وسياسياً. القصة لدى هذا الكاتب كما الرواية والمقال السياسي، وكل هذا النتاج الأدبي والفكري لبس لبوس الحياة الشخصية لكاتبها، وحكت القصص والروايات عن همومه الفكرية والسياسية والأجتماعية، وكل هذه الهموم لم تكن معزولة كما سنرى عن هموم المواطن العادي، ولا عن تطلعاته في البحرين والوطن العربي عامة، صحيح أن الفقراء والمحتاجين الذين كتب عنهم عبدالله خليفة لا يقرأون ما كتب عنهم، وهو يعرف هذا، فهو يكتب عنهم وليس لهم، أنه يكتب على أمل التغيير لاحوالهم والتخفيف عن معاناتهم من قبل الحكومات واصحاب الشأن السياسي، ألتزاماً منه بما يفرضه عليه واجب الوفاء لأهله، ومن عاش معهم وعانى معهم وبسبيلهم طوال سنوات عمره، والناقد يجد في «المسرود» وهو نتاج اللحمة بين حياة الكاتب والمكتوب عنه، وهذا المسرود الذي بين أيدينا هو خير حقل لدراسة كتابات الحساسية الجديدة في الأدب العربي في مجالي القصة والرواية. أن الروايات التي نشرها الكاتب عبدالله خليفة كالينابيع، الأقلف، ذهب مع النفط، عنترة يعود إلى الجزيرة، عقاب قاتل، اغتصاب كوكب، ساعة ظهور الأرواح، محمد ثائراً، علي بن أبي طالب شهيداً، وغيرها من الروايات والمجموعات القصصية حبلى بموضوعات جديدة على القارىء شكلاً ومضموناً، فقد ضمن رواياته معرفة فلسفية واقتصادية وسياسية ونفسية وميثولوجية، وتاريخية، ومعرفة السارد في هذه الروايات مساوية لمعرفة الكاتب، فالسارد تبعاً لهذا لديه قضية فكرية وسياسية، وجمالية يريد توصيلها إلينا عبر ــ فن كلي ــ هو فن الرواية كما هو معروف هذا الفن النصي نقدياً والرواية من كُلِيَاتَهْا تجمع بين اعطافها جميع فنون القول، وهي خير مبحث لمن اراد البحث في حياة كاتبها والمجتمع الذي كتبت عنه وله، هذا في المضمون، أما في الشكل، فكتابات عبدالله خليفة الروائية والقصصية جمعت بين الأساليب التقريرية والبلاغية الجمالية القائمة على الاستعارة والمجاز، والإيقاع، والرمز والإشارة، ولذلك فكتابات هذه الكاتب المهم حملت للمتابع ما يحتاجه للكتابة عن هذه التجارب الأدبية، وكاتبها، وفرز ما احرزته من نجاحات أو اخفاقات لتطوير الأدب القصصي والروائي البحريني والخليجي والعربي عامة شكلاً ومضموناً. نجيب محفوظ لقد قرأ عبدالله خليفة اعمال نجيب محفوظ قراءات تمثلية*، فقد وضع نصب عينيه تجربة هذا الكاتب الكبير في الكتابة والحياة، ونجد ذلك واضحاً في كتابه الذي نشره عن إبداع نجيب محفوظ واستخلص منه حقائق كثيرة عن الإبداع لدى هذا الكاتب المصري، فكتب عنه قائلاً: «أن انتقال نجيب محفوظ من التاريخية إلى المرحلة الاجتماعية كان من دواعي التطور المديني والاجتماعي، الذي طرأ على الحياة في مصر، وذلك التنوع في الحياة، الذي حاول محفوظ أن يتابعه عبر لوحات وقصص متتابعة تبدو كل واحدة من هذه القصص مستقلة بذاتها. «وكتب عن رواية «بداية ونهاية»، معتمداً على التحليل الجزئي وتشكيل التعميمات الواردة في الرواية .. ومستنتجاً الإسقاطات السياسية على الرواية. فقال: «الإسقاط السياسي من حزب الفئات الوسطى المصرية على الرواية والشخصية، تعبير عن عجز حيثياتها الفنية من إنتاج تصور ديمقراطي نضالي من داخلها، لكون الشخصيات تابعة للإقطاع سلباً وإيجاباً.»(2). وحرص عبدالله خليفة على تفكيك شخصيات الرواية متتبعاً مصائرهم، ومحدداً الثغرات الفنية الموجودة في حيواتهم، وذلك من خلال حالات النكوص في بنية الثائر الفردي، الذي يريد تغيير المجتمع وفق إرادته وفهمه الشخصي للدوافع الذاتية للمحيطين به. وفهمه القاصر لبنية وتحرك المجتمع من حوله، وقد اختار الروائي عبدالله خليفة في رواياته كالينابيع، وساعة ظهور الأرواح، وذهب مع النفط تقنيات لم يستخدمها نجيب محفوظ في سروده الواقعية، فقد حدثنا عبدالله خليفة عن الماء العذب، كما جاء في روايات وقصص الواقعية السحرية، لماركيز وأستورياس وبورخس، فالماء في البحرين قديماً كان يستخرج من قاع البحر المالح، وهذه المفارقة الواقعية نجدها أيضاً في الواقع، كما تشير كتب التاريخ عن البحرين، فقد جاء أن « الكثير من الأشخاص أكدوا للمؤرخ نيبور الذي يروي عنه من سجلوا تاريخ البحرين وجود ينابيع مياه عذبة (كواكب) على عمق قامتين ونصف قامة في البحر(القامة تساوي 6 اقدام لقياس العمق) على بعد مسافة قصيرة من الشاطئ، وان الصيادين دائما يغوصون إلى ذلك العمق لملء جرارهم»(3) وتناول عبدالله خليفة بالدراسة في احد فصول كتابه، البناء الفلسفي والفني في عمل نجيب محفوظ الملحمي «أولاد حارتنا» الذي كان سبباً في أن ينال نجيب محفوظ في التسعينات طعنة سكين في رقبته من احد المتطرفين الإسلاميين منعته من الكتابة لفترة طويلة، وكان سبب كل الإشكالات التي حدثت مع هذه الرواية هو تجسيد الكاتب الأنبياء على نبينا وآله وعليهم أفضل الصلوات والسلام في شخصيات روائية، وكذلك كونها «تتحدث عن قصص الأديان السماوية في المنطقة»..(4). عودة عنترة روايات عبدالله خليفة التي امتلأت بالكثير مما اعتنقه أبطاله من الفكر الديني المتشدد، وما واجههم به من أبطال لا يؤمنون بالفكر الديني كحل لمشاكل الناس، كما في روايته الأخيرة «عقاب قاتل» وقد تقبل المجتمع البحريني المتسامح الكثير من طروحات الروائي الفكرية للروائي عبدالله خليفة بتفهم عميق، وأريحية قل مثيلها في المجتمعات العربية والإسلامية، والمجتمع البحريني، كما تشير كتب التاريخ مجتمع منفتح على الأفكار، وكل جديد بحكم استقباله للأجانب من كافة بقاع الأرض وصهرهم في عاداته وتقاليده، وقد ثبت تاريخياً عن بدايات تنظيم شؤون الأجانب في البحرين» فخلال عام 1956 أصدرت الحكومة البحرانية إعلانين (أمرين) يتعلقان بالأجانب القاطنين في البحرين الإعلان الأول يدعو جميع اصحاب الفنادق و(الخانات) بتزويد الشرطة، وسلطات الجوازات كل شهر بتفاصيل الأشخاص المقيمين، لديهم وجنسياتهم إما الإعلان الثاني، فكان يمنع أي أجنبي من فتح دكان أو محل تجاري قبل الحصول على ترخيص من الحكومة بذلك.»(5). وكذلك فإن البحراني له قابلية كبيرة على التسامح والعيش بسلام ومحبة مع جيرانه، لذالك فهو من القديم مجتمع قليل الجرائم ويشير تاريخ البحرين إلى هذه الحقيقة، ففي عام كامل هو عام 1966 لم تقترف فيه سوى ثماني جرائم قتل، واحد عشر محاولة قتل و41 جريمة عقاقير خطرة و298 جريمة مسكرات، في الوقت الذي كانت تسجل في دول العالم في ذلك الوقت نسبة لعدد السكان مئات جرائم القتل، ومثلها في أبواب اقتراف الجرائم الأخرى، ويسجل عن احوال المحاكم البحرينية أنها في عامي 1929 و1930 نظرت خلال سنتي 1929 و1930 في عدد من القضايا التي كشفت عن حالة مزرية جداً للأمور، فالكثير من النساء والأطفال، تمت سرقتهم وخداعهم على يد أشخاص من المفترض إن يكونوا حارسين لمصالحهم، وراعين لأملاكهم، وفي حالات عديدة كان المواطنون على علم بالحقائق، لكن لا احد منهم اعتبر من واجبه إخبار المحكمة بها ولم يكن الأشخاص المسروقين غير قادرين على الشكوىّ»(6).
ويؤشر عبدالله خليفة تقاطعات رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ مع التوراة، والعمل الترميزي الذي تبناه محفوظ في سرده الروائي ص93. وتناول أيضاً بالدراسة المستفيضة لشخصية المنتمي المأزوم في رواية «السمان والخريف»منتهياً إلى نتيجة مفادها: أن»هذه الرواية هي استمرار لأسلوب نجيب محفوظ الجديد، الرواية-القصيدة»(7) والتي تتناول فترة سقوط حكومة الوفد بسبب إلغائها معاهدة 1936 وتشجيعها للعمل الفدائي ضد المحتل الانجليزي. وضغط الانجليز على الملك فاروق بعد مؤامرة حريق القاهرة المعروفة، بإسقاط الوزارة الوفدية، وتناول الكاتب البناء الفلسفي في رواية «الطريق» مستنتجاً من دراسته لهذه الرواية «أن اعمال محفوظ الأولى التي تظهر أهمية الأب تتحول إلى التجريد العام في هذه الرواية. «فلم يعد الأب أباً لعائلة بل لسلطة كلية حانية غائبة.»(8) وتناول بالتحليل البناء الفلسفي في رواية «الشحاذ» فغدا المنللوج الداخلي في هذه الرواية، قصيدة طويلة ظاهرة في المتن، وفي تكامل مع منطق الأحداث».(9) حسبما وجد عبدالله خليفة، واتبعه فيما بعد فيما كتب من روايات بعد نشره لروايته «عودة عنترة إلى الجزيرة» كرواية «الأقلف»، و«عقاب قاتل» و«اغتصاب كوكب». رباعية الأسكندرية وتناول «ملحمة الحرافيش» لمحفوظ واستنتج منها أنه «كلما كبرت رؤية الكاتب ازدهرت اصابعه بالضوء»(10) وهذا اكتشاف كبير سيبني عليه عبدالله خليفة أغلب رواياته، فهو يضع لشخصياته رؤى اجتماعية وفلسفية واخلاقية يمكن تعميمها على الكثيرين، وبالتالي فإن الكثيرين في المجتمع يصلحون كأبطال في روايات عبدالله خليفة، فتوحد نجيب محفوظ مع الألم الشعبي بعد أن تخلى عن ملابسه الأجنبية الفضفاضة، والارستقراطية الضيقة بارتدائه الملابس الشعبية والجلوس مع الناس البسطاء في المقاهي وفي التجمعات السكانية في احياء الثقاهرة القديمة. واعتبر الكاتب في احد فصول كتابه: «أن نجيب محفوظ في «ميرامار» قد عاد إلى النقد الاجتماعي، الذي بدأه في مرحلة مبكرة من كتاباته الروائية، وشبهها «برباعية الإسكندرية» للورنس داريل، من حيث تعددية الأصوات»(11) واحداثها التي تجري في المدينة نفسها. وتناول تحول نجيب محفوظ إلى التاريخ عبر كتابه «أمام العرش» الذي صدر عام 1983 والذي حاكم بشكل قصصي حواري حكام مصر (12). وتناول رواية «حضرة المحترم» لمحفوظ دارساً شخصية البطل المأزوم اجتماعياً، وفي رواية»العائش في الحقيقة» التي اعتبرها «عودة من محفوظ للرواية التاريخية» أنه يعود إلى أصله الفكري الأول « توظيف التاريخ في بنية العمل الروائي بهيئة حدوثة حقيقية»(13). وعندما تناول رواية «الباقي من الزمن ساعة» لمحفوظ، فأنه وجد أن الرواية هي رواية تسجيل، وكذلك هي عبارة عن رواية تقريرية «مطولة عن عائلة «حامد برهان» منذ سنة 1919» وحتى تاريخ كتابة الرواية. (14). رحلة عبدالله خليفة مع نجيب محفوظ الفكرية في إبداع الأخير الروائي والقصصي، كانت نقلة ضرورية للكاتب عبدالله خليفة نقلته قريباً من عوالم صاحب النوبل، ورسم ذلك العملاق لعبدالله خليفة خارطة طريق لإعادة رسم اللوحة، التي رسمها الكاتب المصري للواقع المصري، والتي من الممكن أن يرسمها بطريقة مشابهة كاتب عربي آخر ببصماته الخاصة وطريقته وتقنياته ليحكي للأجيال الحالية والقادمة تاريخ بلد كالبحرين . القارة الكبيرة رصد الروائي عبدالله خليفة في روايته الينابيع(15) التي صدرت في طبعة كاملة، ومنقحة قبل وفاته بشهور قليلة تاريخ البحرين ابتداء من القرن الثامن عشر، والتاسع عشر وانتهاء بأيام الهاتف النقال الحالية، وجعل خليفة بطله محمد العوّاد مدخلاً لعصر التنوير، وبداية لتاريخ التدخل الأوربي المباشر في شؤون المنطقة العربية ومنها البحرين. ومن البديهيات المعروفة أن كل بلد في العالم بحاجة ماسة إلى ملحمة أدبية، فكرية، فلسفية، وحكائية تؤرخ تكوينه السياسي، وتكوين شرائحه الأجتماعية، ونضوجه، وتسجل ماضيه الإنساني خلال قرن أو اكثر. المادة التاريخية التي صنع منها الروائي عبدالله خليفة روايته الينابيع مادة غزيرة جداً، فقد بذل الكاتب جهداً كبيراً في لملمتها، لإعطائها صيغة قصصية، خبرية، تفيد في رسم صورة كاملة لمشهد البحرين في العقود الستة الماضية، وهي العقود التي يمكن الرجوع إليها من خلال توثيقها السابق بالصورة، والأسماء نقلاً عن جرائد، ومجلات، وسجلات قديمة للحكومة، في وقت كانت هناك قلة في توفر وسائل التسجيل كالصحافة ( ومثلما يرد في كتاب احد مؤرخي البحرين أن الجريدة الوحيدة في البحرين كانت جريدة الأضواء الأسبوعية عام 1965) كما أن التصوير والتسجيل الصوتي كانا قليليين، وكذلك الإذاعي (تحدث المؤرخ ذاته عن إدخال أول آلة كاتبة لمرسلة ــ تلبرنتر- تابعة لوكالة أنباء»رويتر» في البحرين عام 1966 وبذلك اصبح بمقدور إذاعة البحرين تقديم آخر الأنباء، وقد سبقت إذاعات خليجية أخرى في نشراتها الإخبارية، كذلك وسعت فيما بعد مكتبتها السمعية، فصار عدد أشرطتها الغنائية حوالي 500 أغنية جديدة من أغاني البحرين والخليج).»(16). وإذا لم يكن هناك ما يلبي هذه الحاجة الضرورية لأدب بلد ما، فالبلد سيبحث عمن يؤرخ له، ويبقى ينتظر ولادة المبدع المطلوب ونبوغه لأنجاز هذا العمل الأدبي، فالبلدان الحية بحاجة ماسة لمن يسجل ذاكرتها الإنسانية في كل مراحلها التاريخية. فنجد في عصرنا الحديث الكثير من هذه النماذج الأدبية الكبيرة إبداعياً، التي آخت بين فن الرواية الحديثة، كما كتبها المحدثون في هذا الصنف الأدبي، والملحمة التي كتبت في اللغات الأخرى شعراً منذ قديم الزمان. ومن النماذج العربية نقرأ ثلاثية محمد ديب في الجزائر «الدار الكبيرة، الحريق، النول»، وأولاد حارتنا في مصر، لنجيب محفوظ، ومن العراق رباعية النخلة والجيران، وخمسة أصوات، والمخاض، والقربان، لغائب طعمة فرمان. ومن السودان خماسية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال، عرس الزين، مريود، ضو البيت، ودومة ود حامد، وغيرها من التجارب الروائية الرائدة في الوطن العربي والعالم. اللؤلؤ المزيف رواية الينابيع للروائي عبدالله خليفة رواية متشعبة الموضوعات، غنية بالفلكلور البحريني والخليجي، وهي أيضاً تنهل من التاريخ السياسي للبحرين، وتقرأ اجتماعياً واقتصادياً التحولات الديموغرافية في البلاد عبر امتلاك الأراضي ووسائل الثروة والسلطة. ويعود بنا في هذه الرواية إلى تاريخ البحرين في سنة 1856 م ليستفد في روايته مما تُرجم من سجلات الحكومة البريطانية في بومباي في تلك السنة، وما حددته سجلاتها عن الجغرافية السياسية للبحرين، فأوردت أرقاماً لعدد سفن الغوص في البحرين، فذكر صاحب كتاب نكهة الماضي: « يقدر عدد سفن الغوص 1400 سفينة كبيرة الحجم و300 متوسطة الحجم و400 صغيرة» وحددت تلك السجلات دخل البحرين، فأوردت «تبلغ إيرادات الجزيرة 100 ألف تومان سنويا ويصل إيراد اللؤلؤ إلى 100 ألف تومان أيضا» ومعنى هذا أن البحرين كانت تعيش على ما تصدره من اللؤلؤ، ولؤلؤ البحرين كما جاء في الكتاب» رغم انه ليس شديد البياض كلؤلؤ سيلان واليابان إلا إنه أكبر حجماً، وشكله أكثر انتظاماً، ويميل لونه إلى الصفرة، لكنه يمتاز بأنه يحتفظ بلونه الذهبي بينما يفقد اللؤلؤ الأكثر بياضاً الكثير من لمعانه، لدى حفظه في الدول الحارة على وجه الخصوص»(17). ابتداء من امتلاك سفن البحث عن اللؤلؤ، في زمن ازدهار هذه التجارة في البحرين ودول الخليج العربي، وحتى أفولها بسبب اللؤلؤ المزيف الذي جاء من اليابان، وانتشر في أسواق الزينة، وأفقد اللؤلؤ الحقيقي سوقه وقيمته الأولى. وكذلك أرخت الرواية لظهور ثروة النفط والغاز في البحرين، مما مهد لتحولات سياسية واجتماعية هامة في المجتمع البحريني. أدت بدورها إلى تغييرات اجتماعية جذرية في بنيات المجتمع وطرائق معيشته، وصاحبتها تطورات في الشخصية الخليجية غيرت سلوكه، وتطلعاته نحو العالم ونظرته للتقدم العلمي، وطبيعة الحياة وتقدمها في المجتمعات الأكثر تطوراً وغنىً، ويرد في مقطع مؤثر من الرواية فقرات نصية عن اكتشاف أول بئر نفط « الذي نعته الروائي في روايته بالماء الأسود، وأفرد له جزءاً كبيراً من السرد الروائي. « المهندسون والموظفون يعانقون بعضهم البعض، ويهتفون، وتصيح الآلات المعدنية مرسلة لغتها العجيبة عبر الفضاء، ويجمع الأوروبيون كرات من المارد الأسود الممزق المتناثر على التربة، ويجرون بها نحو مكاتبهم» ص 199 وباكتشاف النفط تمّد أعمدة الكهرباء لأول مرة في شوارع المنامة، ويدهش اهلها من رؤية أضواء المصابيح الكهربائية. أزمنة وأمكنة وابتداء من الجزء الأول في الرواية المعنون بـ«الصوت» والجزء الثاني «الماء الأسود» يهيىء الروائي، للجزء الأخير من الرواية «الفيضان»، بسرد التحولات الكبرى في حياة أهل البحرين. وذلك من خلال شخصية محمد العوّاد، الذي يتمرد على سلطة الأب والعائلة، ويقرر أن يصبح مغنياً في عصر يعتبر أهله الغناء عاراً، ومثلبة، وفي العادة لا تتشرف أية عائلة معروفة في البلاد بأنتماء المغني إليها في ذلك الزمن القبلي. فيعيش حياته مبعداً عن كنف العائلة منبوذاً من جنتهم، باحثاً في أنغام عوده عن بحرين جديدة تتناغم مع تطلعاته الفنية، وحلمه الدائم بلقاء حبيبته ميّ، التي يحيل بينها وبينه، وضعها الطبقي الجديد بزواجها من متنفذ غني، فتحيل بينها وبينه أسوار وأسوار. ولكن بالرغم من هذه الأسوار العالية إلا ان صوته من خلال أغنياته، التي يغنيها في الأعراس، والحفلات تصل إلى سمع هذه الحبيبة الحلم. لقد امتدت احداث الرواية «الملحمة» إلى أمكنة عديدة كالمنامة والمحرق، وبومبى ودلهي ودمشق، وشملت أزمنة عديدة ابتداء من زمن القحط بسبب تغير نمط الأقتصاد على نحو مفاجىء في البحرين بفقدان اللؤلؤ لسوقه، واسعاره الحقيقية. ومجييء الميجر البريطاني بيلي وتبشيره للناس بإنهم «لن يكونوا عبيداً بعد الآن» ص 31 إلى فترة الرخاء والعمران بأكتشاف النفط . كائنات حقيقية وتتضمن الرواية مشاهد أدبية وصفية قل مثيلها في الأدب الروائي العربي، اتسمت بالشعرية الخالصة، وقد بناها الروائي بحذق الفنان وتأني المفكر وحرفية النقاش الماهر، والشاعر الملهم مؤسساً على الصور الشعرية، وليس على الحدث الدرامي المتنامي في السرد مبانيه التخيلية، ولا أدري كم من الوقت والجهد استغرقت كل صفحة من النثر الجيد في هذه الرواية من مبدعها ؟ كما أن تأملات أبطال الراوية العميقة والصادقة تشي بأنهم كائنات حقيقية، أخذ عنهم الكاتب كل ما تفوهوا به أو فكروا به، وما صادفهم من حوادث ومصاعب وكوارث، وقدمهم للقارىء بمشاهد ساخنة، كأنما حدثت قبل وقت قصير لا قبل مائة سنة أو أكثر. ذلك ما نشعره على توالي الصفحات وعلى امتداد 400 صفحة من القطع الكبير عن عشق محمد العوّاد المستحيل لميّ التي اقترنت بأحد المتنفذين، وعلاقته الموازية بأنثى أخرى، والتي كانت مجرد علاقة حسية «علاقته بفيّ» التي حملت منه سفاحاً. ورفض الأقتران بها مبرراً ذلك الرفض بقوله الساخر « أنا فنان احلم أن اصعد إلى النجوم لا لأعيش بين بول الصغار!! « ص65 بالرغم من حب فيّ له، لكنها اضطرت للزواج من النواخذة الكهل سعيد المناعي درءاً للفضيحة ص71. العربي الكادح أن وراء رواية «الينابيع» هماً وطنياً عميقاً يتلخص بسؤال الهوية، والبحث عن حلول لمعايشة التحولات الكبرى التي تمر بالعالم، وتفرض شروطها الموضوعية على أهل البلاد، وحاكميهم لمواكبة التقدم، وبناء مجتمع العدل والرفاهية والمستقبل الأفضل للأجيال القادمة. والينابيع تذكر بواقعية مكسيم غوركي الأشتراكية في روايته الأم، وروايات تورجنيف، فهي تنسج نسيجها من الطبقات الكادحة في المجتمع البحريني، فتنقل لنا حياة الصيادين، وأقنان الأرض، وعمال النفط المياومين والمشردين وفناني الهامش. وتحاول الرواية من خلال ذلك بناء النموذج العربي للكادح، الذي يراوح بين مفاهيمه البرجوازية المتوسطة، والقيم الطبقية، التي استقاها في الكثير من عاداته وتصرفاته بشكل مغلوط عن الفكر الأشتراكي العالمي. فنرى تذبذب محمد العوّاد الفكري حين يدخل قصر معذبه، وسارق حبيبته ميّ، فيرى القصر متلألئاً بالأنوار وحشود العباءات والثياب البيض والخيول، التي ملأت الساحات وبنادق العرضة حين راح اصحابها يطلقون النار على المساء الهابط بقوة فوق الشطآن المقبوضة الروح» ص 174. فنسمعه يردد في منللوج ما ينم على ندمه على ماضيه، فهو حين تأتيه الفرصة لدخول بيت احد المتنفذين يشعر بالمهانة ويتذكر «كيف كان يُجر إلى القلعة ويوضع في زنزانة مع اللصوص والقتلة، وكيف كان يهان من قبل أي شرطي جلف، لأنه غنى كلمات عن الحرية، التي سرعان ما تخلى عنها اصحابها» ص 183. جمعة بن العبد أن الحكي السردي في الرواية ينفتح على عوالم تخيليية متشعبة، ويحمل في مضامينه المختلفة دعوات للتعايش بين الثقافات والديانات، ونبذ التطرف، والأستغلال الطبقي، والجهل والتخلف. إذ بالرغم من أن الدعوة للتحديث في المجتمع البحريني الناشئ بدرت من أجانب كالميجر البريطاني بيلي، وسكرتيره جون سميث « الذي ادعى أنه عالم آثار دنماركي جاء ليبحث في آثار ديلمون وتاريخها ..» ص 104. الذي يعجب بأهل البلاد وتقاليدهم، ويعتبر أن حياتهم أفضل بكثير من حياة الغربيين فيقول عنهم» انهم يتصرفون ببساطة مذهلة، يجلسون على الأرض وتندفع أيديهم في الأرز يكورونه ويقذفونه في أفواههم، ويحكون القصص والأشعار طوال الليل عند الشطآن، وفي الساحات الرملية. وتسمع أصوات مضاجعاتهم من وراء السعف الرقيق، وكل إنسان يسلم على الآخر الغريب ويصادقه في دقائق، ويدعوه إلى أكله، فيقبل الآخر دون خجل» ص 186. وعادات زوجته مارجريت، « المدمنة على قراءة مسرحيات شكسبير ومارلو وقصص ديكنز وبلزاك وتولستوي والمهتمة بأساطير الشرق» ص 185 إلا ان سرعان ما يتلقف بعض أبناء البحرين هذه الدعوة ويدعون إليها. ومن هؤلاء جمعة بن العبد الذي « يفخر بالحرية في بلاد الميجر الأجنبية» ص38 والذي يتلقف دعوة المستر بيلي للتحرر من ديون المرابين والتجار الذين كانوا يستعبدون الناس بديونهم التي لا تنتهي بسبب الربا، وعدم ايفاء رحلات صيد اللؤلؤ بسداد الديون المتراكمة على الصيادين والفقراء العاملين في صيد اللؤلؤ. يقول مستر بيلي للناس «ستحصلون على كل شيء . لن تكونوا عبيداً بعد الآن . ألقوا بهذه الأوراق الحقيرة التي سجلوا فيها الزوّر والديون والقيود» ص31 . حب الكاتب لبلاده ولا يكتفي الروائي بايراد مبادرة هذا الانجليزي بل يسرد ممارساته الحداثية داخل مجتمع البحرين البدائي قبل اكثر من قرن، فهو يمارس فعلاً حداثياً لم يسبقه إليه احد في البلاد حين يدخل للبلاد السيارة إلى البحرين لأول مرة، فتحدث ردة فعل عنيفة عند أغلب الناس، الذي اعتادوا على الجمل والفرس والعربة، التي تجرها الخيول، والحمير في تنقلاتهم. فيقول الروائي واصفاً تلك الدهشة وعدم تصديق الناس لما يرونه حين « يدخل الميجر بيلي السيارة أول مرة إلى البلاد فيندهش الناس لرؤيا هذا الكائن المعدني الذي يسير من دون حيوانات تجره، كأنما الجان تحركه من دون أن يراها أحد» ص67، ويسرد مسيرة مستر بيلي، الغرائبية في مجتمع أمي بدأ ينهض ببطء من كبوة التخلف والفقر وحتى نهايته المفجعة» عندما اصيب بطلق ناري من مجهول فيما بعد. رواية الينابيع لعبدالله خليفة عمل روائي كبير رسم مسارات إنسانية لعشرات الأبطال من الناس العاديين من البحرين عاشوا حياتهم في قاع المجتمع، وآخرين في اعلى قمة المجتمع، والرواية تؤثر كثيراً في القارئ، الذي لم يعرف عن البحرين من قبل كثيراً وتجعله يفكر، ويعيد التفكير في الكثير من مسلماته السابقة عن بلاد صغيرة جغرافياً، بنفوسها القليلة نسبة للبلدان الأخرى، لكنه سيجدها في رواية الينابيع بلاداً كبيرة جداً وأكبر بكثير من قارة بأهلها وتاريخها، وحب كاتب الرواية لها. الخاتمة الكتابة عن عالم المبدع البحريني عبدالله خليفة الروائي والقصصي، مهمة عسيرة، لكنها في الوقت ذاته زاخرة بالمعرفة، وهي معرفة ليس محددة بعالم القص وحده بل هي أيضاً إطلالة على المجتمع البحريني في ستينات القرن الماضي وسبعيناته وثمانيناته وتسعيناته من خلال النماذج الواقعية التي طرحها الروائي البحريني عبدالله خليفة في خمس مجموعات قصصية، وعشرات الروايات. واعماله الأدبية في هذين اللونين تُعتبر في النقد الأدبي من أهم الروايات والقصص في السرد البحريني والخليجي عموماً، وبأعماله الأدبية المتعددة استطاع أن يحدد شكل وموضوعات تطور هذا اللون الأدبي في مجمل الحركة الأدبية البحرينية والعربية خلال عقدين من الزمان. ان الكتابة النقدية التي اتبعها الكاتب عبدالله خليفة في كتابه النقدي» الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي»(18) وضع تجارب غيره في كتابة القصة القصيرة ضمن مفهوم نقدي محدد يتعلق بمهمة الراوي، وهذه المهمة قديمة جداً، ولها أصولها في مفاهيم النقد العربي القديم، لكن الباحث تابعها في قصص محمد عبد الملك بشكل حداثي، ونقل لنا من خلال تسمية «الراوي» ما جاء في النص النقدي الحديث باسم السارد، وما يرويه من حكايات بالمسرود وهي في الوقت ذاته دراسة ميدانية استفاد منها خليفة في تطوير أساليبه في السرد الروائي.
وقد كانت تجربة القاص محمد عبد الملك محط متابعة الروائي عبدالله خليفة منذ نشره أولى قصصه التي كانت بعنوان «رحلة الصقور» التي نشرها في جريدة الأضواء البحرينية في أواخر مارس من عام 1967 ولكن هذه القصة الستينية لم يضمها المؤلف عبد الملك إلى مجموعته الأولى التي صدرت بعنوان « موت صاحب العربة» ولا في مجموعاته الأربع التالية، مما أكد لعبدالله خليفة أنها تجربة أولى في الكتابة القصصية، للقاص، وأنه في قصص مجموعته الأولى تجاوز تلك القصة بقصص أكثر نضجاً منها، واعتبر عبدالله خليفة في كتابه «إن ظهور القصة القصيرة الجديدة في البحرين في نهاية الستينات عبر عن البداية الشاقة لهذا الفن في المنطقة»(19). ومن جهة أخرى فقد تابع عبدالله خليفة كتابة الرواية لدى روائي مصري متميز هو نجيب محفوظ، ودرس دراسة ميدانية عميقة جميع اعماله في الرواية، ومن خلال تلك الدراسة المعمقة أصدر كتاباً نقدياً مهماً لعبدالله خليفة بعنوان «نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية»(20). لقد اعتبر عبدالله خليفة أن بعض قصص المجموعة الأولى لمحمد عبد الملك اهتمت كثيراً بالوصف الخارجي والسرد التقريري، وجمعت بين واقعية الحدث والتعبير عن الشخصيات المعذبة، والمطحونة كما جاء في الهامش ص6، واعطى غائية بحثه بقوله « أن اختيارنا لهذا الكاتب ولهذه القضايا الفنية هي عملية حفر مغايرة للمناهج النقدية، التي لا تولي تشكل المدرسة الواقعية أهمية كبيرة»(21)، فالباحث في المجاميع القصصية تناول القص الواقعي بالنقد بأسس نقدية أدبية مستوحاة من النظرية أشتراكية ورؤيتها للأدب والثقافة أو ماسماه النقاد في السبعينات من القرن الماضي ب» الواقعية النقدية « التي تأثرت كثيراً بتبني طروحات اليسار في النقد الأدبي، لما يتطلبه الواقع العربي، الذي لايتطابق مع التقسيمات، التي عرفها المجتمع الرأسمالي من تمايز في الطبقات، بل تداخلت الفئات الاجتماعية. وهذا المبحث أخذ من عبدالله خليفة صفحات كثيرة في الفصل الأول من الكتاب، وضع فيه أوليات تاريخية لبزوغ هذا الفن الأدبي في الأدب البحريني، الذي يعتبر الأدب في تلك السنوات هو الشعر وروايته ونقده، وقد أشار إلى تجربة « إبراهيم العريض» كشاعر وكاتب مسرحية وملحمة شعرية (22) وذكر أيضاً أن الصحافة البحرينية نشرت عدداً من القصص القصيرة بأسماء رمزية أو نشرت تلك القصص غفلاً من الأسماء، لأن الكثيرين في المجتمع كانوا ينظرون لمن يكتب هذا اللون من الكتابة الأدبية بنظرة الأستخفاف، وعبر عبدالله خليفة عن تلك النظرة بقوله « أن الميراث التقليدي الذكوري السائد نظر إلى فن القصة بصورة متدنية»(23). وبالرغم من النتيجة الواقعية التي توصل إليها عبدالله خليفة في دراسته لواقع القصة البحرينية إلا أنه ظل مؤمناً بقدرات القاص الموهوب على فرض نفسه على هذه النظرة القاصرة للقاص والروائي في المجتمع البحريني في ستينات القرن الماضي. وتناول عبدالله خليفة كذلك بدايات ناضجة في تجارب قصاصين أوائل في البحرين في الخمسينات، كأحمد كمال، علي سيار، أحمد سلمان كمال، وأحمد كمال علي، ووصف قصصهم بأن بعضها كان يتضمن «مبالغات ميلودرامية»(24) ولم يكتف بما لديه من مجموعات قصصية للقاص بل كان يستشهد بحوارات أجراها مع القاص محمد عبدالملك وكلما غمضت عليه قضية من قضايا البحث، فكان يضع إجابة القاص، ويشكل منها مادة لإجابات رآها مهمة لأنارة موضوع بحثه ــ فن الرواي ــ لدى هذا القاص للوصول إلى نتائج، حول هوية الراوي، متسائلاً إن كان الراوي في القصص المعروضة للبحث هو القاص نفسه ؟ لكنه كان يستشكل ذلك بقوله أن بعض القصص كتبت بضمير المخاطب، أو بضمير المتحدث« نا» أو بشخص الطفل الذي رأى الواقعة، ليرويها بعد ذلك القاص بلسان الراوي العليم (25). وتضمن كتابه النقدي ذاك ثمانية فصول وتوطئة وخاتمة، ففي الفصل الثاني تناول ملامح عامة لتطور القصة في البحرين(26) وابتداء من الفصل الثالث، وحتى الفصل الثامن تناول بالدراسة خمس مجموعات قصصية للقاص محمد عبد الملك هي، «موت صاحب العربة»(27)،«نحن نحب الشمس»(28) «ثقوب في رئة المدينة» (29). واسنتتج من خلال دراسته لهذه المجموعات، ان أسلوب الراوي يتطور مع التطورات الاجتماعية، التي تحدث في البحرين، منذ التحولات الأقتصادية الكبرى، التي حدثت باكتشاف البترول كمحرك اقتصادي بارز في المملكة، ونمو الطابع الأستهلاكي عند الناس، واحتكاكهم بقوميات أخرى من خلال السفر أو من خلال العمالة الوافدة، مما جعلت القاص يطور أساليب القص، لكنه بقي يجسد الواقعية في قصصه في أغلب مجموعاته القصصية، التي تنتصر للإنسان وقضاياه لتحقيق احلامه. أن كتابة نقد النقد من أصعب الكتابات في النقد الأدبي العربي، لما يتطلبه هذا الضرب من الكتابة من مقدرة على معرفة بالمنقود معرفة كلية، وبأصول النقد وأساليبه ومدارسه وما آلت إليه آخر مدارسه الحديثة، ولذلك فقد بذل القاص والروائي عبدالله خليفة جهوداً كبيرة في ميدان غير ميدانه الحقيقي، فهو قاص وروائي، وكاتب مقال رأي صحفي، لكنه أنبرى لدراسة نصوص غيره ليصل إلى النموذج الخلاق، أو إلى النموذج الذي يختاره لبناء عالمه الروائي والقصصي الخاص به، الذي ينم عن موقف فكري وابداعي في ذات الوقت، فعبدالله خليفة كان مفكراً وصاحب رأي وقد وضع إبداعه الأدبي في خدمة عبدالله خليفة المفكر والمؤمن بالناس لتغيير الحياة نحو الأحسن وجعل حياة الناس أكثر سعادة وكتب أدباً خالداً تعتز به الأجيال القادمة وتأخذ العبرة مما جاء فيه، وتطور أساليبها في الحياة وتذوق الجمال، وجعل الحياة أكثر غنائية بالثقافة والأدب والفنون. —————————– هوامش ومصادر (1) عبدالله خليفة.. الروائي المنحاز لمعذبي الأرض/ مقال لعلي الشرقاوي في جريدة الوطن البحرينية في 27 سبتمبر 2014. ** نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية/عبدالله خليفة/الدار العربية للعلوم ناشرون-منشورات الاختلاف/الجزائر العاصمة-الجزائر/ط1 2007 ..216 صفحة قطع متوسط. (2) المصدر السابق ص71 وص52 وص59. (3) ص46» نكهة الماضي « المؤلف مهدي عبدالله / الكتاب صادر عن وزارة الإعلام في البحرين/المطبعة الحكومية-2007 عدد الصفحات 159 من القطع الكبير. (4) ص85 «نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية/عبدالله خليفة/الدار العربية للعلوم ناشرون-منشورات الاختلاف/الجزائر العاصمة-الجزائر/ط1 2007 ..216 صفحة قطع متوسط» (5) ص33 « نكهة الماضي « المؤلف مهدي عبدالله / الكتاب صادر عن وزارة الإعلام في البحرين/المطبعة الحكومية-2007 عدد الصفحات 159 من القطع الكبير. (6) ص38 المصدر السابق. (7) ص106 نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية/عبدالله خليفة/الدار العربية للعلوم ناشرون-منشورات الاختلاف/الجزائر العاصمة-الجزائر/ط1 2007 ..216 صفحة قطع متوسط. (8) المصدر السابق ص 120 (9) المصدر السابق ص 136 (10) المصدر السابق ص141 (11) المصدر السابق ص151 (12) المصدر السابق ص164 (13) المصدر السابق ص185 (14) المصدر السابق ص195 (15) صدرت رواية الينابيع عن دار الأنتشار العربي / بيروت / لبنان/ ط1 عام 2012 عدد الصفحات من القطع الكبير 400 صفحة. (16) ص43» نكهة الماضي « المؤلف مهدي عبدالله / الكتاب صادر عن وزارة الإعلام في البحرين/المطبعة الحكومية-2007 عدد الصفحات 159 من القطع الكبير. (17) ص43 و ص29 المصدر السابق (18) ص 5 “الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي”/ المؤلف: عبدالله خليفة، صدرعن المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت ــ لبنان. (19) ص 6 المصدر السابق. (20) نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية/عبدالله خليفة/الدار العربية للعلوم ناشرون-منشورات الاختلاف/الجزائر العاصمة- الجزائر/ط1 2007 . (21) ص7 “الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي”/ المؤلف: عبدالله خليفة، صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت ــ لبنان. (22) ص 11 المصدر السابق. (23) ص12 المصدر السابق. (24) ص17 المصدر السابق. (25) ص 26 المصدر السابق. (26) ص29 المصدر السابق. (27) ص45 المصدر السابق. (28) ص99 المصدر السابق. (29) ص139، « السياج « ص163 و» رأس العروسة « ص187 المصدر السابق.
ـــ✤ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كيف أثر عبدالله خليفة في الأدب البحريني؟ عبدالله خليفة كانت له تأثيرات عميقة على الأدب البحريني من خلال أعماله الروائية التي توثق قضايا الهوية والثقافة والمعضلات الاجتماعية. إسهامات عبدالله خليفة الأدبية التوثيق الثقافي: عبدالله خليفة جسد في أعماله الأدبية تاريخ البحرين وحياتها الاجتماعية، حيث وثق تطور المجتمع البحريني من خلال روايته «الينابيع»، التي تتحدث عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية بعد اكتشاف النفط . تجسيد هموم الطبقات الشعبية: عكست رواياته تجارب الفئات المهمشة في المجتمع، حيث حاول تسليط الضوء على معاناتهم والتحديات التي تواجههم، مثل الغوص والعيش في ظروف اقتصادية صعبة. تناول المواضيع الإيديولوجية: نظرًا لارتباطه بالقضايا الاجتماعية والعدالة، تخصص في كتابة الرواية الإيديولوجية، حيث قدم نقدًا اجتماعيًا وسياسيًا عميقًا من خلال شخصيات رواياته. أسلوب الكتابة الساخر: استخدم خليفة أسلوبًا سرديًا يجمع بين الواقعية والسخرية، مما جعل أعماله قادرة على تناول مواضيع ثقيلة بأسلوب مفعم بالحياة. توجيه الجيل الجديد من الكتاب: ترك خليفة إرثًا يساعد في تشكيل أدب البحرين الحديث، وفتح الأبواب أمام كتاب جدد لاستكشاف القضايا الثقافية والاجتماعية.
ـــ✤ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعض من أعماله البارزة الينابيع: رواية تتناول التحولات الاجتماعية والاقتصادية في البحرين خلال القرن العشرين. الهيرات وأغنية الماء والنار: أعمال تسلط الضوء على طبيعة الحياة في البحرين والضغوط الاجتماعية التي تواجه الأفراد. لقد كان عبدالله خليفة شخصية محورية في الأدب البحريني، حيث استطاع بموهبته وكلماته أن يعبر عن الهموم والأحلام والتاريخ الثقافي لبلاده، مما جعله يترك أثرًا لا يُنسى في ذاكرة الأدب البحريني والعربي. أبرز الشخصيات في روايات عبدالله خليفة تتميز روايات عبدالله خليفة بشخصيات غنية تمثل تعقيدات الواقع الاجتماعي والسياسي، حيث تعكس قضايا الفقراء والمهمشين في المجتمع البحريني. الشخصيات الرئيسية الشخصيات المهمشة: في روايات مثل «اللآلئ» و«الينابيع»، يُبرز خليفة شخصيات من الفئات الشعبية، مثل الفلاحين والغوّاصين، الذين يكافحون من أجل لقمة العيش، مما يسلط الضوء على قضايا الفقر والحرمان. الشخصيات الاشتراكية: ينسج خليفة شخصيات تعكس التوترات الاجتماعية والصراعات بين الطبقات، حيث تسلط الضوء على النضال من أجل العدالة والمساواة، مما يعكس تصورا اشتراكيا في الأدب. شخصيات تاريخية: في رواياته التاريخية مثل «رأس الحسين» و«عمر بن الخطاب شهيدا»، يستند خليفة إلى شخصيات تاريخية بارزة، مما يجعله يستكشف مواضيع الهوية والتاريخ، بالإضافة إلى استخراج الدروس من الصراعات الماضية. شخصية «يحيى» في رواية (الأقلف): يمثل البطل مثالا على الضياع والاغتراب، حيث ينقل تجاربه مع الظلم والعيش تحت ضغط اجتماعي شديد، مما يعكس واقع الفئات المعذبة في المجتمع. شخصيات الصراع الاجتماعي: من خلال شخصيات مثل «يوسف» و«درويش»، في «ساعة ظهور الأرواح» يُظهر خليفة أبعاد الاستغلال والتهميش الذي يعيشه الإنسان، مما يبرز القضايا الاجتماعية ضمن إطار سردي يجسد التوترات بين الإنسان والسلطة. العلاقة بالبحر: يبدو أن البحر له دور ملحوظ في العديد من رواياته، حيث تُمارس العديد من الشخصيات أعمالهم، مثل الغوص، مما يعكس نمط الحياة والمخاطر التي تواجههم. التأثير الخارجي: تظهر تأثيرات القوى الخارجية، مثل الاستعمار، في تشكيل شخصيات الروايات ومسارات قضاياها، مما يعكس ديناميكيات تاريخية وثقافية غنية. الخلاصة: تتميز روايات عبدالله خليفة بتقديم شخصيات معقدة تعكس عمق التجارب الإنسانية والأبعاد الاجتماعية والنفسية، الوحدة والتنساء كمواضيع أساسية تتردد عبر أعماله. يعتبر خليفة من أبرز الكتاب الذين أثروا الفكر الأدبي والروائي في البحرين، حيث يبرز قضايا إنسانية عميقة من خلال شخصياته متنوعة الخلفيات والأزمات.
ـــ✤ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كيف تعكس رواياته قضايا الفقر؟ تعكس روايات عبدالله خليفة قضايا الفقر من خلال تصوير معاناة الفئات المهمشة وشخصيات تجسد آلام الكادحين والصراعات الاجتماعية التي يواجهونها. تصوير الفئات المهمشة روايات عبدالله خليفة، بما في ذلك «أغنية الماء والنار» و«الينابيع»، تسلط الضوء على معاناة الشخصيات التي تعيش في ظروف فقر قاسية. يتناول خليفة تفاصيل الحياة اليومية لهذه الشخصيات، حيث يتعرضون للحرمان والشقاء في بيوت بسيطة، كما يظهر وضعهم الاجتماعي المتدني وأمالهم في التغيير. تصف الشخصيات مثل الغواصين والفلاحين تعلقهم بالأمل رغم الظروف المعيشية الصعبة. الهموم والأحلام الإبداع الأدبي لخليفة يدور حول تأمل هموم وأحلام الفقراء. يفتح عالماً يتنقل فيه بين الحياة الفقيرة في البيئة الحضرية والريفية، حيث يُظهر كفاح شخصياته لتحقيق العيش الكريم ومواجهة الظروف الاقتصادية القاسية. تتعدى رواياته التركيز على الفقر المادي، لتشمل أيضاً الفقر الروحي والمعنوي الذي يعيشه الأفراد. التأثير السياسي والاجتماعي خليفة لا يتناول الفقر كمشكلة فردية فقط، بل يربطها بالتغيرات الاجتماعية والسياسية. تتناول رواياته قضايا الطبقية والتبعية، حيث يُظهر كيف أن الفقر يمس قيم الهوية والانتماء في المجتمع. يستند إلى تجاربه الشخصية، مثل الاعتقال والمعاناة في السجن، مما يضيف عمقًا إنسانيًا لأعماله الأدبية ويعكس قلقه حول الوضع الاجتماعي والسياسي. قوة الكلمة وتأثيرها من خلال كتاباته، يستخدم عبدالله خليفة الكلمة كأداة للتغيير الاجتماعي. يسعى إلى استخدام رواياته لنشر الوعي حول قضايا الفقر والظلم، حيث يلهم القارئ للتفكير في التحديات التي تواجه الفئات المهمشة. يُعتبر خليفة صوتاً للحق، يدعو إلى العدالة والمساواة، مما يجعل أعماله تتجاوز مجرد السرد إلى حراك اجتماعي حقيقي. من خلال هذه العناصر، تُشكل روايات عبدالله خليفة مرآة تعكس الحدود الدقيقة بين الفقر والأمل، والعجز والصمود، مما يجعله واحدًا من أبرز الكتاب الذين يتناولون مسائل الفقر بشكل إنساني وإبداعي عميق.
ـــ✤ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كيف تعكس روايات خليفة الهوية الاجتماعية؟ تتجلى الهوية الاجتماعية في روايات عبدالله خليفة من خلال تصويره الدقيق للأزمات الفردية والجماعية، مما يعكس التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تواجه المجتمع البحريني. تحليل الهوية الاجتماعية في روايات خليفة تتسم روايات عبدالله خليفة بالعمق الاجتماعي، حيث تقدم صورة واقعية لحياة الفئات المهمشة والمحرومة. تسلط الضوء على معاناة الأفراد في بيئات قاسية من خلال شخصيات مثل الفلاحين والغواصين، مما يظهر تشابك الهوية الشخصية مع الهوية الاجتماعية. فمثلاً، في روايته الينابيع، يتم استعراض التحولات الاجتماعية الناتجة عن اكتشاف النفط، وكيف أن هذا الاكتشاف يعيد تشكيل العلاقة بين الأفراد ومكانتهم في المجتمع، مما يعكس الجدليات الطبقية المتباينة. الاهتمامات الاجتماعية والسياسية يُظهر خليفة في رواياته الصراع بين القيم التقليدية والتحديث، من خلال شخصيات تواجه مشكلات اجتماعية مثل الفقر والتمييز الطبقي. يتطرق إلى تأثير الاستعمار على الهوية البحرينية وكيف يتفاعل الأفراد مع سياقاتهم الاجتماعية والسياسية، كما هو موضح في روايته الأقلف، حيث ينقل تجارب الكادحين الذين يعيشون تحت وطأة مجتمع متخلف وتعسفي. الكفاح من أجل الهوية من خلال شخصياته، يعكس عبدالله خليفة صراع الأفراد للعثور على هويتهم بين القوى المتنافسة – مثل الاستعمار والتقاليد – مما يجعل رواياته تتردد بصدى قضايا العصر الحديث. إن تلك الشخصيات ليست فقط أدوات سردية، بل تمثل الاجتماعية والثقافية. اللغة والأسلوب يستخدم خليفة لغة قريبة من الواقع الشعبي، مما يساعد القارئ على التفاعل مع الأحداث بشكل أعمق ويجعل الأدب أكثر صلة بالزمان والمكان. تتداخل الأساليب الأدبية التقليدية مع الإبداعية، مما يسهل فهم تجارب الشخصيات ومعاناتها. تأثير أدب عبدالله خليفة يمكن النظر إلى روايات خليفة كجزء من الجهد الأوسع لفهم وتوثيق التجربة البحرينية. تعكس أعماله معاناة الإنسان البحريني وتطلعاته، مما يساهم في تشكيل الهوية الاجتماعية الثقافية من خلال تسليط الضوء على قضاياه الملحة وتطلعاته نحو العدالة والحرية. من خلال هذه الديناميكيات، ينجح عبدالله خليفة في تجسيد الهوية الاجتماعية البحرينية في رواياته، مما يجعله أحد الروايين البارزين في الأدب العربي المعاصر.
ـــ✤ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كيف تعكس روايات خليفة التغيرات الاجتماعية؟ تجسد روايات عبدالله خليفة التحولات الاجتماعية في المجتمع البحريني من خلال إبراز القضايا الإنسانية والمعضلات السياسية والثقافية. تمثل روايات عبدالله خليفة، أحد أبرز الكتّاب البحرينيين، مرآة تعكس التغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع في البحرين. من خلال سرد شخصيات معقدة وأحداث تتناول الصراعات الاجتماعية والاقتصادية، يتناول خليفة مجموعة من الموضوعات التي تعكس تفاعلات المجتمعات التقليدية والحديثة. إليك بعض المحاور الرئيسية: التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية: تتناول روايات خليفة كيفية تأثير التحولات الاقتصادية، مثل اكتشاف النفط، على الحياة اليومية للناس. تظهر رواياته كيف انتقل المجتمع من الاعتماد على صيد اللؤلؤ إلى الاعتماد على النفط، وهذا يتجلى بوضوح في روايتيه «طريق اللؤلؤ» و«ذهب مع النفط»، حيث يستعرض التحديات التي يواجهها الفلاحون والعمال في ظل هذا التحول. الشخصيات الإنسانية: تعتبر الشخصيات في روايات عبدالله خليفة تجسيدًا للصراعات الداخلية والخارجية التي يواجهها الافراد في المجتمع. تظهر شخصياته، مثل الشخصيات الموسومة بالعجز بنقاط قوتها وضعفها، مما يساعد على تسليط الضوء على قضايا مثل الفقر والشعور بالضياع. على سبيل المثال، في رواية «الأقلف»، يتم تقديم شخصية «يحيى» الذي يعبر عن أزمة الهوية والانتماء، مما يجسد التحولات الاجتماعية التي عاشها المجتمع. الدين والسياسة: تمثل السياسة وتأثيرها على المجتمع جزءًا مهمًا من أعمال خليفة. تُظهر رواياته كيف تؤثر الأبعاد السياسية على الأفراد وعلاقاتهم، مما يعكس تجارب الصراع بين السلطة وثقافات المجتمع. في رواية «القرصان والمدينة»، يتناول خليفة خيانة الثورة وكيف يُسلم أهل البلاد لأعداءهم، مما يعكس حالة من الاضطراب وعدم الثقة في المجتمع. الإبداع الأدبي كمؤشر تطور: تُظهر أسلوب الكتابة عند عبدالله خليفة كيفية تفاعل الأدب مع الواقع. إذ يستند على أساليب سردية متجددة وموضوعات تعكس الحياة اليومية، ليعكس كذلك تجارب شعوبهم، مما يسهم في بناء وعي اجتماعي وثقافي. يعبّر خليفة عن هذا في تعقيباته النقدية، حيث يشدد على أهمية الأدب كوسيلة لفهم تحولات المجتمع. باختصار، تعكس روايات عبدالله خليفة الجوانب المختلفة للتغيرات الاجتماعية من خلال رسم شخصيات معقدة وتناول المواضيع الهامة التي تلامس أوضاع المجتمع البحريني، مما يجعل أعماله مصدرًا مهمًا لفهم الديناميكيات الاجتماعية والثقافية في البحرين.
عبدالله خليفة كاتب ومفكر سياسي بارز، تميز بمساهماته الفكرية في الشأن السياسي البحريني والعربي، حيث ناقش قضايا حقوق الإنسان، الديمقراطية، والحراك الاجتماعي. نبذة عن عبدالله خليفة عبدالله خليفة هو كاتب وناشط سياسي بحريني يُعتبر من أبرز المفكرين في مجال النقد الاجتماعي والسياسي. كتب العديد من المقالات التي تعكس رؤيته النقدية تجاه الأنظمة السياسية القائمة، وكذلك تناول العديد من القضايا الملحة المتعلقة بالحقوق المدنية والحريات. عُرف بمناصرة قضايا الطبقات المهمشة والمضطهدة وتأثير الفقر والاستعمار على المجتمعات. مقالاته وأفكاره الرئيسية الدين والسياسة: كتب عبدالله خليفة مقالات تناقش فصل الدين عن السياسة، مُنتقدًا هيمنة الفكر المتشدد ومفهوم ولاية الفقيه. فقد دافع عن ضرورة تحسين الخطاب السياسي ليعكس الشأن الانساني بعيدًا عن التعصب الديني. الحراك الاجتماعي: تناول الحراك المطلبي في البحرين، مُشيراً إلى أهمية الإصلاح السياسي والتغييرات الاجتماعية في مواجهة القمع. في حوار مع وسائل الإعلام، قدم تقييمه للتطورات السياسية في البحرين ودور القوى اليسارية في معالجة القضايا الاجتماعية. التحليل الماركسي: يُعتبر عبدالله خليفة من المدافعين عن التحليل الماركسي، حيث انتقد الأساليب التقليدية في قراءات التاريخ والسياسة، مشددًا على أهمية فهم الصراع الطبقي ودور اليسار في الدفع نحو العدالة الاجتماعية. قضايا النساء وحقوق الإنسان: كانت له مقالات تتناول قضايا المرأة وحقوقها في المجتمع البحريني، مما يعكس التزامه بقضايا الحق والحرية. تناول أيضًا كيف أن التمييز والظلم القائم في المجتمع يتطلب حوارًا حقيقياً لتجاوز الأزمات. تأثيره وإرثه استمر عبدالله خليفة في التعبير عن أفكاره عبر الكتابة والمشاركة في النقاشات السياسية حتى وفاته، حيث ترك إرثًا فكرًا يميز الثقافة البحرينية المعاصرة. مقالاته تمثل صوتًا قويًا لمواجهة الظلم وتعزيز الحقوق، مما يجعله رمزًا من رموز التنوير والنضال في العالم العربي. خلاصة بالرغم من أن مقالات عبدالله خليفة مقموعة، إلا أن أسم عبدالله خليفة وأفكاره السياسية تبقى حاضرة في السياق البحريني، مبرزًا تأثيره كمفكر نقدي أمضى حياته في خدمة القضايا الاجتماعية والسياسية.
يعتمد أي تيار سياسي على قادته وقواعده عبر المراحل المختلفة، ودور هؤلاء في فهم البُنية الاجتماعية التي يعيشون فيها، ومراكمة آرائهم وملاحظاتهم وانتقاداتهم، وكثيراً ما تلعب المرحلة التأسيسية دورها المحوري في ترسيخ مفاهيم معينة، تغدو مرتبطة ارتباطاً بالتيار وتطوراته اللاحقة. يترك البعضُ بصماتهِ على التيار بدايةً واستمراراً إلى حين، فالتيار كالقطار ثمة أناسٌ ينزلون وأناسٌ يصعدون، في البلدان النامية وفي منطقتنا فإن المؤسسين والمؤثرين غالباً ما ينقطعون عن الاستمرار أو الإضافة، لتخلف الواقع وللعقوبات والتحديات التي يواجهونها، ولعودتهم إلى الحياة العادية. إن طبيعةَ التأسيس وشروطه الكبيرة الحادة غالباً ما توهنُ هذه القدرات، وخاصة مع الاستمرار، فهي شروطٌ تطرح قفزةً لطبقةٍ من ظروفها الصعبة ولتقوم بصراعات مع قوى أخرى متنفذة، وإجراء عمليات تغيير تعني جمهوراً واسعاً. الواقع المحافظ الشمولي ينتج تيارات شمولية غاضبة منتقدة، فتوهنها كذلك عملياتُ التنظيم التي تقوم بها والقمع وصعوبة جر البسطاء إلى تلك الأهداف الصعبة. الحراك الذي كان ينبغي أن يتكون عبر مراحل تأخذه في سنوات محدودة من دون أن تدرس البنية بعمق معتمدة على أفكار سياسية تبسيطية، كما هو الأمر في العالم الثالث، ولهذا فإن حشوداً من الانفجارات الاجتماعية تتبخر. في منطقتنا تقترب حياة السياسي في العمل السري والعقوبات بحدود عقد أو عقدين، وسرعان ما يترهل، وينقطع عن القراءة ودراسة البنية الاجتماعية، وتتحول المعرفة الأولية إلى نصوصٍ عامةٍ مجردة وشعارات، وينقطع عن التيار، لهذا لم يعد يضيف شيئاً، ولهذا تغدو حياته خاصة به. وقد فقدت التيارات في الأنظمة الشمولية قدرتها على التطور والحفر في الواقع، وتغدو الانقطاعات وتحول المناضلين (الخارقين) إلى أناس عاديين جزءًا طبيعياً من حياة اجتماعية متصحرة تقود المجتمع إلى الانهيار الماضوي التدريجي لعدم قدرته على التجدد. لهذا يجد نفسه في أشكال حكومية اقتصادية مُنضبة للثروة الاقتصادية والمعرفية. التيارات الشمولية غير قادرة على الحفر المعرفي الواسع العميق، وغالباً ما تنتج أصناماً ومعبودات، لكون الأعضاء المنتمين الجدد لا يكسرون الشعارات المعلبة، ووجودُ المثقفين الأحرار ووجهات النظر المتعددة تصير غير مقبولة، مثلما تتعلبُ الدولُ في كيانات متحجرة، فيحدث الصدام في العالم الثالث بين قوى ناضبة من الحياة. غياب التنوع الاقتصادي وصراعه عبر السوق والفكر والبرلمان، هو غياب للتيارات الحية، لانطلاق شرارات المعرفة، وعجلات القطارات المتوجهة للتغيير والمستقبل. فالناس قد لا تنزل من القطارات فحسب بل تحرقها. إذا بدأ التيار من غياب التنوع فهو يضيقُ عبر الزمن ويرى جماعته تنزل في محطات كثيرة، وهو يتذكرهم ويعدد أعمالَهم السابقة وينساهم لأنه لا يضيف شيئاً مختلفاً مضاداً لسيرهم، ولا يحفر في جوانب مغايرة، ويتغنى بالمتماثل والشعارات المردَّدة دائماً، فالجماعة بدأت من شخص وبقيت في شخص مجرد. ويبدو المحتفى بهم كأنهم نفس الذات. حين يكف التيار عن الصدام الداخلي، وعن ظهور أقطاب متضادة، يعجز عن توليد كهرباء سياسية، وعن التعبير عن الحراك الطبقي، ويمرض في صراعه الطائفي العشائري المناطقي، ويكثر المنسحبون وتُفسر الانهيارات والانشقاقات بمؤامرات خارجية. لهذا يصبح المنقطعون، والمبتعدون خلال السنوات، والذين قاموا بأعمال وامضة خلال تلك السنين، والقتلى، هزات من الذكرى الشاحبة، واشتغالات سريعة في بطالة سياسية طويلة، لغياب مذكراتهم الصدامية، ومقالاتهم النقدية للجماعات، ولعدم تحريكم للمناخ المتحجر، وتغيير سير الجدول الناضب، ولهذا يأخذون معنى تقديسياً شكلانياً، بدلاً من إيقاظ الجماعات من سباتها، وكتابة دراسات تهز غفلتها الطبقية، وانسحابها من دائرة الصراع إلى دائرة الغياب.
مصائرُ الأبطالِ السابقين المأساوية مجلبة دائمة للأحزان، وهي الحالةُ العاديةُ الضحلة، لكنها مناسبة أعظم للدرسِ العقلاني، وبقراءة تضحيات الأوائل والفرح بمجزاتهم. نحتفلُ معاً بالبطل الغائب فيما البعض يكدسُ الأموالَ في خزائنكَ وتملأ زرائبكَ بالخرافِ والعجول، وانا لا أملكُ ثمنَ الفطور؟! نبكي معاً، فيما أنت ترسلُ أبناءك للدرس في الخارج، وانا يجهلُ ابنائي الثقافةَ في المدارس العامة الأمية؟ نصطفُ معاً للصلاة ثم لا تتخلى عن ديونك وتقودني للسجن؟! نتمذهب ثم يكون لكَ الذهب وأنا لي الفقر؟ شكلَّ البابواتُ ثقافةَ المأساة، ومنذ شهيد السماء جعلوا من البكاءِ نهراً يصبُ الأموالَ في خزائنهم، ونهضتْ روما البابوية وإمتدت قطائعها وبساتينها على لحومِ الفلاحين المعجونةِ بالسياطِ والضرائب. ومن قبل منذ أزوريس وأدونيس كان البكاءُ صناعةً إستغلالية متطورة، وكان جلدُ الذاتِ تطهيراً زائفاً، وهو الذي أشادَ الإهرامات الكبرى لجثثِ الحكمِ الإنانية، وبنى الحصالات العظمى من عظام العبيد! المأتميةُ المستمرةُ تعبرُ عن بطولةٍ عظيمةٍ قديمةٍ وعن عجزٍ سياسي راهن. الأبطالُ القدامى الذين تعاونوا أو خُذلوا في معركةِ التغيير، تتم إستعادتهم من قبلِ قوى فاشلةٍ في النضالِ الراهن، تدافعُ عن الفقراء وتجلدهم وتستغلهم، وتؤخرهم، خوفاً من أن يتطوروا أو يتحرروا منها! عندما تقتربُ الجموعُ البشريةُ من القطعان المُعَّدة للذبح تختفي كلُ قدراتِها، تبكي بوجعٍ آلامَها النازفةَ عند الأضرحة، وفي الشوارع الخاذلة للعدالة وللوطن، وعند الحصالات التي جمعتْ دمها، والدوائر التي إستنزفتها. تتمسكُ بالرموز التضحوية، التي بهرتْ الدنيا، ثم تضعُ دراهمَها القليلة الأخيرة لدى تجار الأضرحة والدموع وتشعرُ بلحظةِ سعادةٍ وتطهيرٍ في مسرحِ جلدِ الذاتِ وتغييب العقول! تغدو المأتميةُ علامةَ فشلٍ سياسي راهن. السياسيون الفاشلون وحدهم الذين يجتمعون بإستمرارِ لندبِ تاريخ النضال، ولتذكر الشهداء في منولوجات لا تتوقف عن العظماء الغائبين، للشعورِ بلحظاتٍ من الصفاءِ الروحي الزائف المخدر حين ينسى العمالُ أجورَهم غير المدفوعة، وبطالاتهم المتسعة، ويتخفف الأغنياءُ والمتسلقون من الشعور بالذنب لامتصاصِهم خيراتِ المجتمع في جيوبِهم وأرصدتهم، فيتبرعون بعدة دموع من أجل النضال المشترك. لكنهم ليس لديهم أجندة نضال حقيقية على الأرض، يتكئون على الشهداء لكي يخففوا من حركةِ أقدامِهم في حاراتِ البؤس، ومن إقامةِ علاقاتٍ مع خلايا التغيير وتطوير الكتل البائسة من الشباب التي تحلقُ في فضاءِ الموتِ بالإبرِ والدخان. يطيرون من خلالِ الشهداءِ وسيولِ البكاء وأمطارِ التطهر ويسكتون ضمائر تضجُ بالأسئلة ويشيعون الحياةَ في ثقافةٍ صفراء تذبل ولا تستقيل وتتحول إلى مشانق وحظائر جنون. تجارُ الدموعِ والكراسي يستمرون في تجميعِ الأموال، فيما يستمرُ الفقراءُ في تجميعِ العللِ والبؤس، لكنهم يواصلون البكاء والتشبث بالقبورِ والأضرحة والتماثيل والصور ويقبلون أرجلَ البابوات، أو يلحدون أو يهذون بالمسكرات يطيحون بعقولهم، أو يظهر منهم من يناضل ويراكم ثقافة النور، والإعتزاز بالأبطال السابقين وإحترامهم، والنضال الجديد المختلف، الحافر في المعرفة والأسئلة والخرائط الاجتماعية وتجميع الصفوف وحشد القوى للتغيير. لقد شبعتْ الشعوبُ من الدموع! شبعتْ من ثقافةِ السلاسلِ والسيوف والسياط! شبعتْ من فنونِ البكاء وتاقتْ للأفراح وتغيير العشش والحارات الضيقة الخالية من النور، ومن بيوتها المصائد الأنفاق، ومن خرائبها، تريدُ الأعراسَ وقد ذبلتْ الفتياتُ بلا زواج، وأكتهل الفتيانُ قبل أوانهم، وتلوثت الشوارع بالكيمياء السرطانية، فالموت كثيف كثير، والبكاء عميم واسع! فلتزغردْ النساءُ حين يظهر الشهداء من أجل القضايا! لتحتفي الجموعُ وترقصُ من أخبار النضال وسكب الدم من أجل الأوطان! لتوزع الورد والشراب والأغاني! لتصدح الألحان في ذكرى الشجعان الغابرين! لنحى ذكريات المناضلين بمزيد من النضال والفرح! ولنقطع التجارات بالدين والسياسة وبالأوطان.
كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة 9/8/2011 الشعب السوري الجبار بتضحياته الجسيمة العظيمة يجب أن يُدعم بكلِ قوةٍ من قبل العالم المتفرج على ذبحه عبر آلة قتل النظام الشرسة. وحسناً تحركت كلماتٌ واحتجاجات بعضِ الدول العربية وتصاعدتْ لغةُ الرفض العالمية. لكن موضوعنا هنا شيءٌ آخر، وهو يتعلق بمشكلاتِ تطورِ الثورة نفسها، ومن المؤكد أن الجماهيرَ الشعبيةَ العادية هي قوةُ التضحيةِ الكبرى، وهي تتدفقُ في الشوارعِ بلحمِها الممزق، وبوعيها البسيط تصنعُ الحشودَ والكلمات والشعارات. هذه لحظاتٌ مفصليةٌ تاريخيةٌ خطيرةُ يجب درس شعيراتِها، ونحن أمام لحظة تصادم وافتراق بين نظام زَعم الحداثة والعلمانية، وبين جماهير القرى والبوادي ومدن الكادحين الريفية والمدنية، وكلٌ منهما له وعيهُ الخاص، فالجماهيرُ لم تندمج بذلك الوعي التحديثي المبتور الناقص، حيث لا حداثةَ من دون ديمقراطية، كما أنه لا ديمقراطيةَ من دون حداثة. وتصادمُ الجماهيرِ الشعبيةِ والنظام يجب ألا يغيبَ عنه، إيجابياتُ النظامِ الحداثي البعثي الشمولي هذا، كما يجب ألا تغيب سلبياتُ الجماهير ومستوى وعيها الراهن. النظام الدكتاتوري الوحشي الراهن كانت له إيجابيات، لقد طوّرَ الحداثةَ والإصلاحَ الزراعي وأقام قطاعاً عاماً كبيراً وشكَّل بؤرةً قوميةً تحديثية نضالية في المنطقة، لكن القبضةَ الأمنيةَ العسكريةَ دهورتهُ وجعلتهُ يتآكل وقزمّتْ طبقتَهُ الحاكمةَ في بضعة لصوص كبار وفي عائلة. فيجب ألا تكون الثورةُ نَسفاً ودَماراً بل تكملةً وإضافةً وتجاوزاً للسلبيات. الرائعُ هنا هو عظمةُ الجماهير الشعبيةِ وهي تتمسكُ بالنضال السلمي، فيما هي تُذبح! لكنها تخوضُ النضالَ من عاميتها ومن ريفها ومن باديتها، وأي مثقف حتى لو كان مغنياً تُشق حنجرته ويُلقى في السماد البشري. ومن هنا فهي تناضلُ عبرَ وعيها الديني المُسيّسِ البسيط، لكن هذا الوعي الديني خطرٌ على الثورة ونجاحها، لأنه وعي لم يستطع أن يفهمَ الأوضاعَ الدقيقة، وتشكلَ من خلالِ جملٍ سياسية باترة خطرة. مثل شعار(يَله أرحلْ يا بشار، الله معنا يا ثوار)، فهو يجعل الثورةَ ذات هدف شخصي، موجهة لفرد، وتقوم الجماهير هنا باحتكار للدين، وتجعل من نفسها في صف إلهي فيما تجعل الخصم في موقف شيطاني أو إلحادي! هذا المستوى تجاوزه الوعي السوري المثقف، ولغة الجمهور النقدية الشخصية تجعل الفئات المثقفة والتجارية الواسعة خاصة في المدن الكبرى تُحجم عن تأييد الثورة لما ترى فيها من خطورة على التعددية والتقدم. ويتوجه الجمهور كذلك لإسقاط (البعثية)، وهو تعميمٌ آخر لحزب كبير، مؤثر في الجيش والحياة السياسية الاقتصادية العامة، والجمهور بلا قوى عسكرية مساندة، فيريدُ إلغاءَ رئيس دولة وحزب وكأنه ينسخُ التجربةَ المصرية التي لها مسار آخر، والجيش هناك ذو علاقة بالغرب تسليحاً وتدريباً وتأثيراً، فيما الجيش السوري مشبع بدكتاتورية حزبية طويلة، من هنا فإن شعارات ديمقراطية أكثر مقاربة تغدو ضرورية، شعارات تركز في إزالة الدكتاتورية، وقيام مجتمع ديمقراطي وطني متقدم، من دون الهجوم على الحزب، تاركة سبل تنفيذ ذلك من قبل جهات عدة تتكاثر أفضل مما تنحصر وتتآكل مع عظم التضحيات وطول المواجهة. ولهذا فإن شعار (إسقاط النظام) يقف هو الآخر صعباً إن لم يكن مستحيلاً، كما أنه يعبر عن تصادم قوتي التحديث الشمولي والجمهور العامي، من دون حل وسط، فإمكانية السقوط صعبة، وما بعد السقوط غامض ومحفوف بالمخاطر. ويعبر ذلك عن قوة العامة وتضحياتها الجسيمة في الأرياف خاصة، لكنها لا تستطيع أن تتقدمَ إلى المستقبل من دون (الطبقة) الوسطى المدنية المؤثرة في الدولة والجيش والأمن والاقتصاد، وهو أمرٌ يتضحُ في إحجام المدينتين الكبريين دمشق وحلب عن المشاركة في الثورة باندفاع واسع مؤثر. إن الشعارات تعبر عن وعي شعبي ديني عادي لم يتغلغل لفهم الصعاب الكبرى التي تواجهه والمستقبل المنتظر من خلال كلماته ونضاله. إن غيابَ الاستراتجية السياسية هو من مسئولية المثقفين الفاعلين في الأحداث، الذين يعيش كثيرٌ منهم في حالة عداء كلية للتجربة الحكومية الراهنة، بدلاً من رؤيتها كمرحلة، وكنظام ذي إنجازات مهمة، ينبغي تجاوز سلبياتها في مسائل الحكم الشمولي، والعنف، وهو أمرٌ سيكون رسالة للكثير من قوى الفئات المتوسطة المدنية والعسكرية للالتحاق بالثورة وإخراج سوريا من مذابحها الراهنة، والانتقال لمرحلة جديدة مكملة ومطورة للسابق، مع عقاب القوى المفسدة والمنتهكة لحقوق الإنسان. وكانت هذه المشكلة من نصيب الثورة المصرية كذلك التي دخلت التحول نفسه بشكل عفوي من دون استراتيجية سياسية تجاه النظام ومؤسساته الاقتصادية والسياسية ودستوره وقوانينه، فدخلت في تجريب وغموض تصادمي طويل وأوجدتْ أعداءً لم يكونوا أعداء ودخلت في صراعات جانبية تاركة النظام الاقتصادي يتعثر ويفقد الناس أرزاقهم.
أفتحوا له الدروبَ، هذا المناضل قادمٌ من الأرض وعشق التراب، نثرَ دمَهُ للجماهير، وضحى بزهرة شبابه من أجل الشعب!
في الغربةِ وإغراء السفارات والدولارات، تاهت خطواته، وخلطَ بين اليمين واليسار، بين الدين والخرافات السياسية، وكلما زاد العَرقُ الشامي في السهرات ضاعتْ القضية!
تعلم عبدالخالق محجوب الماركسيةَ من جماعات مصرية، وعاد إلى بلاده وذهب لعمال السكك الحديدية، إنتقى نفراً واعياً محدوداً وقادهم في معمعمان نضال طويل، وطلع منهم الشفيعُ الشيخ قائداً للعمال وتحكم في شرايين الحديد والوعي السوداني، وبينما كانت الجماعاتُ الماركسية المصرية تذوي في المعتقلات وبعدها في الحانات، كانت الجماعات الماركسية السودانية تصنع الثورات!
كلما زادت الروحانية في الفنادق وقطعت الزجاجاتُ العلاقات بالأرض، خفت عقولُ الاجتماعات وسحبت شروطً الجماعات المناضلة، وصارت التنظيمات خليطاً وطارت عن مصالح الناس الأرضية الراسخة.
تتكون الجماعاتُ المناضلة من الحكمة والمعاناة الجسورة، يظهر العضو تتويجاً لنفي الصدف والجهل والفوضى، والمصالح الذاتية، وأوضاع الاستغلال القاهرة، يضع حياته في خدمة نضال الأغلبية الشعبية، وعندما تبرزُ تلك المصالحُ الذاتيةُ المتورمةُ في إطار سياسي يضربُ الجمهورَ بأسنانه، يتنحى، ويعود للعادية ومجرى الحياة اليومية الذي تضعف فيه التضحيات من أجل الغير، وتنتشر فيه الأنانية كميكروب فتاك.
لا تستطيع أن تصنع حزباً بخمسين شخصاً مجهولين، بل لا بد أن تبحث عن عقول إكتنزت فيها التضحياتُ الكبار، عن شخوص صارعتْ وسجلت مواقفَها في كل حين وراحت تعري الأخطاءَ وتكشفُ مسارَ الشعوب الصحيح!
عندما تجمعُ نثارَ وبقايا الطوفان وتحشد شخوصاً إنقطعت عن التضحية، ولم تفرق بين الجريمة والغنيمة، وعاشت في الوزارات والشركات مسدودة العيون، وإنقطعتْ علاقاتُها بالمعرفة الجدلية وكشف تناقضات الحياة والأنظمة، أو إختبأت بعد السجون، فلن يكون الجمعُ حزباً مناضلاً بل صنيعة لشمولي ما، أو راغب في الزعامة، أو دعاية لكائنٍ تلاشت نضاليتُه وقدم طلباً للتقاعد السياسي وأخذ مكافأة نهاية الخدمة، أو صار إطاراً يبحث عن مواد خام لصعوده نحو مصالح جديدة أو سقف عال مريح من الحضور.
يتصلب المثقفُ العضوي في سوريا زمن الغربة في ماركسية لينينية كصخرِ قاسيون، ويعود للخليج فيفقد بعض وزنه الثوري في الكويت، وتبدأ الماركسيةُ في الخلخلة الصحراوية خاصة بعد هجوم الطوس الديناري، وفي قطر يتأكد له أهمية الإخوان ودورهم البناء في الاستثمار.
حين أنشأ المهدي بن بركة المناضل المغربي في ستينيات القرن الماضي جماعةً صغيرةً من الرياضيين والعاملين أخذهم في تجارب طويلة كفاحية ساعدوا فيها الفلاحين وتدربوا طويلاً على كشف ملامح الكادحين، وفقدوا فيها كلَ شحمهم المدني وغدوا نواةً لتنظيم القوى الشعبية التنظيم الذي كان رائداً بين القوى السياسية.
حين يتحدثون عن المثقف العضوي تنهمرُ علينا مصطلحات غربية فيتعكزون على الأسماء الكبيرة، قال ماركس وقال هيجل، وقال غرامشي، ولكن أين ما قالوه في أزقة بلدانهم وخرائط العذاب لشعوبهم؟
حين ينساق المثقف مع فئات الشعب المتخلفة، ولا يناضل لأجل حقوقها وتطورها ومعاشها، ويصارع خرافاتها وعنفها وجهلها، يتجاوزه الشعبُ لأن قوى جديدة تظهر وتنزعُ الورقَ الأصفر من شجرة الشعب الخضراء الأبدية، فالشعب يبقى ويتجدد ويلفظ الأعشاب السامة أما المنساقون وراء جهله وفوضاه فيذبلون مع بقاياه وأوهامه.
حُوصر وذبل المثقف العضوي ولكن المثقف الديناري إستمر في الحضور يقدم خدماته للقوى التقليدية السياسية والدينية، حسب إتجاه الرياح، وغدا أكثر إتساعاً وحضوراً ومراكماً للأوراق الصفراء لتسد مجاري المطر والتنوير والتغيير، ذا رهافة شديدة لشعيرات المنافع، فكان ذبول الأحزاب الديمقراطية والتقدمية في العالم العربي مريعاً لعدم تصاعد الثقافة التحويلية وغرسها في كل خلايا الشعوب، حتى غدا المثقف الديناري مطلوباً في أمكنة كثيرة وليطمس حقيقة التحولات ويصنع طاهرات ذاتية ويزيف التاريخ عن تضحيات الناس الجسام!
حالة كابوسيه للعالم تتكرر في اعمال القصاصين العرب من المحيط الى الخليج وتكتسب في كل بلد سمة خصوصية. تدخل في حالات تحول غير بشرية. وحيث تتشوه صورة العالم وتنقلب راسا على عقب في اعمال الجيل الجديد من القصاصين ويتأسس الكابوس في الواقع لا في الحلم ويتخذ صورة الاحتجاج البارد على التحول الوحشي في شكل الحياة. اما الكابوس في قصص عبدالله خليفة فهو بوليسي الملامح مختزل الى مفردات شاسعة تدخل في سياق القصة ببراعة، وتصبح جزءا من نسيجها الحي، تضيء جنبات الحياة الصاخبة وتتبدى جزءا اصيلا من الصراع الضاري في كل تفصيلاتها.. الصراع الذي لا يهدأ ابدا. من مجموعته «لحن الشتاء» سوف نلاحظ ان اختياره لعناوين قصصه التي تحمل هذه الاسماء « ا لغرباء » «الكلاب» «اغتيال»، «الملاذ»، «الصدى»، «الوحل»، «لحن الشتاء»، «القبر الكبير».. هو اخيار واع للغاية يحمل في ذاته رأيا وخلاصة.. في مواجهته مجموعة اخرى من الاسماء تحمل بدورها رأيا وخلاصة «حامل البرق»، « نجمة الخليج »، «السندباد»، « الطائر ».. ولم تكن عناوين هذه القصص لتستوقفنا طويلا لولا ان صميم بنائها يقوم على ذلك التركيز التلغرافي الذي… يتبع ⇦ ⇦ ⇦
■ القصة العربية في الخليج: تجريبية الاحتمال في قصص «دهشة الساحر» ■ تشخيص البياض في سواد قصص «جنون النخيل» لا تخفى عن قارئ أهمية أعمال المبدع عبدالله خليفة، المعروف بتلك البنية السردية الناتجة عن عناصر متنوعة، وعوامل متعددة، تتمتع بثيمة موضوعية محورها الحياة والتاريخ والزمان والمكان والحالة النفسية للشخوص، وثيمة فنية تحوّل هذه الذاكرة الذاتية والبحرينية والعربية إلى جماليات تعتمد أدوات ومعايير مختلفة، أبرزها (المونولوج)، و(الحلم)، وهارمونية الإيقاع السردي، وتقاطعها مع الحكائي، ثم انحيازها للاختزال، والوصف الخلاق، وشعرية الدلالة والبنية. عبدالله خليفة عانى الكثير على صعيد حياته الشخصية، والسيرية، تلك التي يتسرب بعضها من لا وعيه إلى نصوصه، ليرصد العديد من الحالات والشخوص والتحولا … يتبع ⇦ ⇦ ⇦
عبدالله خليفة قاص وروائي من البحرين، أصدر منذ العام 1975 حتى الآن عشرات القصص، وبين أيدينا الآن كتاباه الأخيران الصادران عن المركز الثقافي العربي – بيروت، وهما (سهرة) مجموعة قصصية، و(نشيد البحر) رواية. وفيما يلي مقاربة لقصص (سهرة). تتضمن هذه المجموعة القصصية عشر قصص ترصد سعي الإنسان العادي، المحروم، أو(الرجل الصغير) إلى تحقيق حلمه بالنزوة والحياة اللذيذة. ينشئ القاص، وهو يلتقط لحظة مهمة من حياة كل شخصية من شخصيات قصصه، شريطاً سردياً ينتهي إلى خيبة تكاد تعلن أن الطريق الذي يختارهُ لتحقيق الحلم مسدود سواءً في ذلك، الخارج من السجن، في قصة سفر، أو السكير في قصة (سهرة) البحار الكهل في قصة ( الطوفان ) أو الفتيان المغامران في قصة (الأضواء)، أو المتسكعا … يتبع ⇦ ⇦ ⇦
يرصد القاص والروائي عبدالله خليفة، من مجموعته القصصية «دهشة الساحر» التغير الذي عرفه المجتمع البحريني والعربي بعامة، في الحقبة الأخيرة التي طغى فيها المال المحصل بسهولة وسرعة، وحكم نظام العلاقات المجتمعية، ويتبين، في معظم القصص، ظاهرة تمثل ابرز معالم هذا التغير، تتمثل في تقلص مساحات الجمال واختفائها وتمدد مساحات القبح وطغيانها في الطبيعة والانسان واشيائهما. ففي قصة « طريق النبع » تبدو جزيرة النبي صالح في مشهدين، تتلألأ في اولهما، في غلالة من الضوء الأخضر، يجد فيها الطفل النحيل المتألم دواءه، وتنزوي في ثانيهما قاحلة موحلة “كأنها منخفض لمومس عجوز” يجثم فيها الكهل طفل الامس النحيل، ولا يسعفه جسمه الضخم وكرشه المتهدل لينحني ويلتقط حفنة ماء، فيتذكر رحلته الأولى … يتبع ⇦ ⇦ ⇦
الواقع المنهار، والعلاقات الهامشية، وحياة الناس التي تتحول بسرعة إلى قهوة مُرّةُ المذاق، لا يستسيغها اصحابها ولا الآخرون، ووحدهم من يبنون على مآسي الناس ثرواتهم يرفلون بالفرح والحياة المتخمة، والحلم بالمستقبل. شخصيات قصص عبـــــــدالله خلــــــــيفة الآخيرة مركبة من حيوات صحفيين وكتاب مجهضة احلامهم، كبروا وهم يتجرعون الفقر والبؤس ويتذكرون أيام السجن، وقد غدوا نفوساً ميتة وأكثر موتاً من ” نفوس” الكاتب الروسي نيقولاي غوغول في روايته الخالدة «نفوس ميتة» في مجتمع ــ علاقاته هشة ــ يلهث أفراده وراء الكماليات والبحث عن الحقوق الضائعة، والمعاناة اليومية. نساؤه جميلات وذكيات أذابت سنوات العنوسة، والعمل الوظيفي الروتيني جمالهن وذكائهن، وجعلتهن يستعدن أيامهن الماضية، ناحبات وباكيات على مكاتب الوظائف … يتبع ⇦ ⇦ ⇦
يطل علينا (شريف) بطل قصة (الخنفساء)، من مكان جلوسه، وهو ينظر إلى الحياة التي عاشها نظرة مودع لهذه الحياة المقززة: (يجلس شريف في حنجرة احد الأزقة الجانبية، باديا كتمثال نصفي للانتظار والصبر والدهاء، جالسا فوق صندوق فواكه فارغ، حاشرا ساقيه داخله، مشعلا سيجارة لا تكاد تنطفئ، محدقا في الشارع المضيء بعين، وفي الزقاق بالعين الأخرى). وهذا الشريف يذكرنا ببطل آخر لقصة أخيرة، حملها متن مجموعة (دهشة الساحر) للكاتب نفسه، صدرت عام 1997 اسمها (نجمة الصباح)، ونجمة الصباح، في القصة، هو اسم الجريدة التي يعمل فيها بطل القصة الذي يجرده الكاتب حتى من اسمه كإشارة ذكية على الانسحاق التام: (اثنتان وثلاثون سنة وأنا اعمل في جريدة ‘نجمة الصباح’. كان مكانها في البدء شقة صغيرة وسط السوق. كانت نوافذ الغرف … يتبع ⇦ ⇦ ⇦
في مجموعة سيد الضريح للقاص البحريني عبدالله خليفة نلمس نسقاً حكائياً في أكثر من قصة من قصص المجموعة، ومن ذلك قصة ( محاكمة علي بابا ) وإن سعت هذه القصة إلى استثمار نقيضين هما الحكاية العريقة الضاربة في أعماق الفن القصصي عامة من جانب ومن الجانب الآخر التقنية السينمائية القائمة على (دايولوج) يطغى على القصة ويقرب صياغتها من الصياغة القصصية، يرد على لسان المذيع الذي يسترسل في حديثه فلا ننكر عليه ذلك (هل تصدقون ذلك أيها السادة؟ إنني أصور لكم المشاهد لحظة بلحظة، ولكن الكاميرا لا تستطيع أن تندس وتلاحق (الجيب) المغطى بالقضبان، المندفع، والرجل الكهل يخفي ملامحه بغترته التي غدت صفراء ذابلة، أين كان منها ذلك التاج المتلألئ وحشود الحرس شاكية السلاح والسيارات السوداء الطويلة التي تمرق … يتبع ⇦ ⇦ ⇦
بقلم زينب جلولي * المركز الجامعي بشار معهد اللغة العربية وآدابها ـ الجزائر الفصل الثالث التطبيقي قصة « سيد الضريح » من المجموعة التي تحمل نفس العنوان لــ عبدالله خليفة: يعالج القاص عبدالله خليفة في هذه القصة مسألة اختفاء سيد الضريح ، والذي خرج من قبره لأنه ما عاد يحتمل ما يجري من مظاهر وطقوس مثيرة للاستغراب والاشمئزاز، فيجد خارج هذا الضريح حياة مغايرة لتلك التي يعرفها والتي عاشها في الضريح، ومن ثم تبدأ مهمة البحث عن هذا الكهل التي تتولاها السلطة في البلد، ولكن هذا الكهل هو مجهول الملامح. والصفات التي وُجدت في اللوحة التي صورها الرسام ، والصفات تنطبق على العديد من الأشخاص، وقد اهتمت السلطة بإلقاء القبض عليه لأنه في نظرهم خارج عن القانون ، ذلك لأنه خرج من مقره دون إشعار… والملفت للغرابة أن نفس الظاهرة تحدث في أضرحة أخر … يتبع ⇦ ⇦ ⇦
عبدالله خليفة كاتب بارز تجاوزت تجربته القصصية دائرة القطرية، ليصبح صوتا مسموعا ومميزا بين كتاب القصة العربية ، فرصيده الأدبي تجاوز العشرة كتب بين قصص قصيرة وروايات طويلة، وتقف هذه الدراسة عند مجموعته القصصية «سهرة» لعلها تلقي بعض الضوء أو تفتح نفقا نلج منه إلى عالمه القصصي بما يتسم من فرادة التجربة وإحكام البناء السردي وشعريته . تضم مجموعة «سهرة» عشرة قصص هي على التوالي: السفر ــ سهرة ــ قبضة تراب ــ الطوفان ــ الأضواء ــ ليلة رأس السنة ــ خميس ــ هذا الجسد لك ــ هذا الجسد لي ــ أنا وأمي ــ الرمل والحجر. وإذا كانت القصة والمسرحية تقدمان الرجال والنساء في مواجهة بعضهم البعض بصورة تبدو شديدة القرب مما هي عليه الحياة الفعلية، وتلك هي الميزة الكبرى للأدب على سائر فروع المعرفة الأخرى ، فإن عبدالله خليفة في هذه القصص لا يجعلنا نقترب من شخوصه فحسب، بل إنه يسمو بهذا الواقع ليصل إلى مرحلة الأسطورة، وهذا راجع إلى قوة الخيال لديه من ناحية، وإلى الاعتماد على رؤية سردية ـ سواء كانت ذاتية أو موضوعية ـ تتلاءم وبناء الأحداث والشخوص القائمة بها، ففي قصة « السفر » يتخذ الراوي … يتبع ⇦ ⇦ ⇦
اليسار هو الجماعات السياسية المناضلة من أجل الطبقات الشعبية لأحداث تغييرات إيجابية وتقدمية لمصلحتها.
واليسار العربي خلال نهاية القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين مثل كل زمنه السابق متعدد الفصائل، في بنى اجتماعية عربية مختلفة التطور.
فوجود اليسار في بُنى مثل مصر وسوريا وتونس مختلف عن بُنى الجزيرة العربية الأقل تطوراً إجتماعياً سياسياً. لأن التشكيلات الطبقية في تلك الدول أكثر تبلوراً، والفئات الوسطى أكبر نضجاً.
وإذا شخصنا إيديولوجيات اليسار خلال تلك الفترة الطويلة سنجد أن معظم تلك الأيدلوجيات إتخذت سمة الماركسية – اللينينية وبعضها توجه للاتجاهات القومية المُطّعَمة بالفكر الماركسي.
وبطبيعة الحال فإن التلاوين والتجارب كثيرة في اليسار العربي وقراءة اليسار العربي بشكل مجرد واسع ولمختلف البلدان يضيعُ الحقائق ويحتاج لفترة طويلة جداً. لكن من الممكن أن نلخص مشكلات اليسار في: عجز رؤيته الفكرية عن التطور في حين يتجه الواقعان المحلي والعالمي لتجاوزها، وقيامه بمغامرات نضالية مدمرة تؤدي لضعف موقفه سواءً كان في السلطة أم خارجها، أو قيامه بتحالفات تذوب شخصيته. وهذه سماتٌ عامة لا بد لها من تحليل ملم بظرف تجربة معينة.
فاسمحوا لي أن أتخذ بلدي (البحرين) كنموذج لمشكلات اليسار العربي لأنها تجربة قريبة ويمكننا جميعاً أن نساهم في مناقشتها.
لقد تولد نشؤ الوعي الاشتراكي في بلدنا خلال النصف الثاني من القرن العشرين بسبب نضالات البحارة والعمال والفلاحين وهو الظرفُ الموضوعي الذي إستقبلَ بذورَ الأفكار الجديدة، وبسبب الإمدادات والمساعدات الفكرية النضالية من الفصائل التقدمية في المنطقة، وكان مناخُ الماركسية اللينينية مهيمناً، حيث بدأ عاصفاً في البلدان المتحررة القائدة لعمليات التنمية والتقدم وكنس أشكال الاستعمار.
إن مناخ البلدان والشعوب الشرقية ومنها بلدنا ذات الوعي التقليدي لم يُتح للمجموعات الوطنية التقدمية مقاربة الجوانب الفكرية والسياسية الديمقراطية المتقدمة، وبالأدوات البسيطة كانت تكافح وتجمع حشوداً من الشباب والعمال وتدفعهم في النضال الوطني الديمقراطي.
ولهذا فإن وعيَّ (هيئة الاتحاد الوطني) الديمقراطي الوطني التي ظهرت في الخمسينيات لم يتطور ولم يبق، وبقاءُ التنظيمات السرية الوطنية كان معبراً عن صعوبة نشؤ تنظيمات نضالية ديمقراطية وقتذاك، وأهمية تصعيد هذه المنظمات السرية القادرة على البقاء وسط العسف الواسع لتوحيدِ صفوف الشعب ودفعه مجدداً للنضال وللتحرر والتقدم.
وكان نقلُ الماركسية اللينينية مهماً حينذاك بسبب وجود المنظومة (الاشتراكية) المعبرة عن زخم شعوب الشرق القومي التحرري، ولكن الدفع باتجاه الاشتراكية وصراع الطبقات الداخلية كان غير مفيد كثيراً في تطور النضال الوطني الديمقراطي البحريني وقتذاك.
فقد تم التركيز على تحرك العمال والطلبة وشحنها باتجاه (ماركسي لينيني) بحيث لم تستطع المنظماتُ الوطنية تجميع القوى الاجتماعية المختلفة خاصة الفئات الوسطى والغنية المتضررة هي الأخرى من الهيمنة الاستعمارية والإقطاعية الطائفية ولم يفتح هذا للجميع أفقَ النظام الديمقراطي العلماني الذي يمكن أن تمارسَ فيه تطوراتِها ومصالحَها وأعمالها المشتركة.
وغيابُ هذا كان من شأنهِ تضييقُ القواعد الاجتماعية لليسار، بحيث أن المظاهرات الكبيرة في عهد الهيئة والانتفاضة الوطنية في 1965 لم يعد من الممكن ظهورها مرة أخرى.
ولم تنتبه قيادةُ جبهة التحرير الوطني خاصةً لهذه التحولات، فعلى صعيد دول الشرق الكبرى ذاتها أخذتْ المشروعاتُ الاشتراكيةُ الحكومية تصطدمُ بغيابِ الديمقراطية، وتلكؤ الإنتاج المتطور وبتضخم المشروعات والانفاق العسكريين.
وكان التوجه للاصلاحات الديمقراطية الرأسمالية على صعيد دول الشرق مهماً، ولكن وجهة النظر السائدة لم تصل إلى أخذ هذه الجوانب الموضوعية بعين الاعتبار، فحدثت خسائرٌ كبرى لحركةِ اليسار ولحركةِ الطبقة العاملة العالمية في الشرق، وكان هذا يجري على صعيدي المركز في الاتحاد السوفيتي والبحرين، حيث أن العديدَ من كوادر الجبهة نشأت في ذلك المناخ أو عاشت على أدبياته.
عدم إستباق هذا المنعطف الخطير وإعادة النظر في الماركسية اللينينية لم يكن بإمكان مستويات قوى الوعي المحلية وحتى الروسية أن تتلافاه في ذلك الحين، ولهذا فقد ساهم ذلك بقوةٍ في التصدع الداخلي العميق لكيان جبهة التحرير الوطني على المدى الطويل خاصة مع العسف الشديد التي واجهته.
لقد أعطت تلك الماركسية التقليدية في حينها أدوات التحليل الطبقية وأشكال النضال السرية الدقيقة وأوجدت علاقات بين المناضلين والقوى الشعبية، وساهمت في تحريك التناقضات ضد المستعمرين والإستغلال، لكن هذه الأدوات في مرحلة تالية تكلست فغدت عائقاً.
إن اسم الجبهة يعبر عن مستوى غير موجود عملياً، فليس ثمة جبهة بل تنظيمٌ صغيرٌ واحد، كما أن شكل الكفاح كان يقتصرُ على النضال السلمي، ولم تؤدِ الانزلاقاتُ العنفية سوى للأضرار.
وبهذا كان يُفترضُ تطوير الاستراتجية والاعتماد على مقاربة قوى العمال والفئات الوسطى والغنية، وتحويل اسم التنظيم ليتلائم مع المرحلة.
كان التنظيمُ بحاجةٍ خاصة قبل الاستقلال إلى توسيع التحالفات الاجتماعية والاعتماد على تصعيد نضالات الديمقراطية والليبرالية والتداخل مع العمال والفئات الوسطى لإيجاد جوانب مشتركة.
ولهذا فإن قوى الإقطاع المذهبي الحاكم والطائفي المختلف أو المتفق مع النظام (سنةً وشيعةً) هي التي إستثمرتْ المرحلةَ والنظامَ وزمنَ الاستقلال لصالحها فيما كانت قواعد اليسار تتآكل.
وإذا كانت فترة المجلس الوطني هي ذروة نضال الجبهة والديمقراطية في البلد فقد كانت هي كذلك التي أدت بإنحسارها إلى بداية التراجع.
لم تستمرْ فترةُ المجلسِ الوطني كثيراً وكانت الطبقةُ الحاكمة ضيقة الصدر به، وفبركتْ حالةً أمنية وسياسية عنيفةً وحادة قادت البلدَ لمشكلات كبيرة عميقة لا زلنا غير قادرين على الخروج من آثارها.
إن التنظيمَ في زخم مرحلةِ الاستقلال وإقامةِ التجربة البرلمانية الأولى ولملمةِ صفوفهِ بين الداخل والخارج، لم يكن بإمكانه فكرياً وسياسياً قراءة المرحلة وتحليل تجربته وإعادة النظر في رؤيته وبرامجه.
وجاءت مرحلةُ إلغاء البرلمان لتدفعه إلى الاختناق أكثر من حيث تقطع علاقاته بالناس، ومن جهة عدم إستطاعته قراءة التحولات الجديدة فكان الاستمرار في الخط السابق مكلفاً حيث تفاقمت الضرباتُ على التنظيم الوحيد الباقي في الساحة وقتذاك.
وإذا كانت مرحلةُ الميثاق والتحولات السياسية الجديدة قد أتاحت فرصاً أكبر، وظهرت الأشكالُ العلنية للقوى السياسية المختلفة، فإن التنظيمَ لم يقم بمراجعةٍ عميقة لتجربته، خاصة جذورها الفكرية والسياسية، بتجاوز الماركسية اللينينية وطرح خط فكري جديد يقوم بخلق تعاون بين الفئات الوسطى والعمالية التحديثية العلمانية كبديل عن تفاقم الجماعات الطائفية السياسية المختلفة، والتي شلتْ عملياً نضالَ الشعب.
عبرت المرحلةُ الجديدةُ عن تمزق القوى العفوية المنتمية السابقة التي تجمعت بعد مرحلة العسف الطويلة، والتي لم تستطع مراجعة المرحلة التأسيسية وما تلاها، فلم تظهر كوادرٌ ذاتُ رؤيةٍ ماركسية ديمقراطية متماسكة.
إن غياب رؤية ماركسية ديمقراطية متجذرةٍ في تحليل المجتمع ومتفقةٍ على أسس تطور النظرية في العالم، وبقائها كشعارات ومعلومات محدودة، وضعف الكادر النظري المفكر وتبعثر العناصر العمالية، كل هذا جعل من التجميع السياسي لهؤلاء الأفراد تجميعاً كمياً غير فاعل في الواقع.
إن عدم وضوح طبيعة هذه الماركسية المتبناة، وعدم الاعتراف بفشل الصيغ الشمولية في المعسكر الاشتراكي السابق، وعدم قدرة العديد من أفراد الصف الأول من التنظيم على النقد والمراجعة والعودة مجدداً للماركسية بصورةٍ خلاقةٍ ديمقراطية تلفظُ الجوانبَ الشمولية جعل من الجماعة المتجمعة بشكل عفوي غير قادرة على الصمود بوجه الاختراقات الطائفية المحافظة.
كان الانشداد القوي للقوى الطائفية السياسية تعبيراً عن ذلك الضعف الفكري السياسي حتى وصلت الأزمةُ لنفس الأشكال العلنية السياسية التنظيمية وفقدتْ قدرتها حتى على التأثير في جمهور النخبة المؤيد للجماعة.
ترون هنا نموذجاً واحداً من اليسار العربي، في منطقة شبه الجزيرة حيث تتعايش الطائفتان الشيعية والسنية، والمنطقةُ بأسرها تتصارع بين إيران والسعودية فلا يمكن لأي قوى سياسية أن تُحدث تغييراً لأن التغييرات تقوم بها الشعوبُ وليست الطوائف.
تقدير التاريخ المضيء #المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!
لا تريد قواعد اليسار والقوى التحديثية الديمقراطية سوى إحترام تاريخ اليسار ونضالاته وتضحياته.
علينا أن نكون في منتهى الحذر والحرص في هذه السنوات الدقيقة، التي تتبدل فيها ألعاب السياسة، وتهيمن فيها القوى الحكومية والدينية على مسرح السياسة بما يفيدها ويقوي مواقفها في صراع لا آفاق فيه، ولا يعزز تطور بلدنا.
مرحلة تحتاج منا إلى ضبط أعصاب سياسية ورؤية المستقبل، ولا أن تستهين بعض القيادات بمستوى هذه القواعد، التي ضحت طوال عقود، وهي ليست سوى ممثلة بسيطة لأجيال من المناضلين منذ أن تكونت الحياة السياسية الحديثة في البحرين.
لقد تم تغيير اسماء المنظمات وأشكال وجودها ولم يعترض أحد، ثقة بالعائدين والحضور الفضفاض، أملاً في تطور نضالي مستقل عن الجهتين الحكومية والدينية.
وسكتت هذه القواعد عن أشياء عديدة من تحالفات غير ممثلة لتاريخه ومن تفرد ومن فوائد شخصية وغيرها.
ما تطلبه هذه الأصوات هو فقط إحترام تاريخ هذا اليسار وعدم التلاعب به، وأن ينأى بنفسه عن المجريين الحكومي والديني، وأن يشقَ طريقه بإستقلال، وبنمو إنتاجه الفكري إستعادة لتاريخهِ بشكلٍ نقدي، وأن يعيدَ نتاجاته وأعماله الفكرية، وأن ينظر لها كتاريخ ليس كله إنجازات وبطولات ففيه أخطاء، ويجب درسه بتمعن وموضوعية.
إننا أكبر من أن ندخل في لعب سياسي وتوظيف أنفسنا لخدمة هذا الطرف أو ذاك، أو لكي نحصل من هذا الطرف أو ذاك على مقعد، وليست علاقتنا النضالية سوى مع هذا الشعب، تبصيراً بطرقِ الحياةِ المستقبلية التي لا يعرفُ دروبَها الصعبة مع هؤلاء، ويتضررُ أشد التضرر بمفاجآتها وهواتها العميقة.
وأن نحافظ على صوتنا في قول كلمة الحق، لا نسمح لأحدٍ أن يشتريه من أجل مقعد في مجلس شورى أو في برلمان!
إن تجمدَ أبصار اليسار هو عمى للوطن كله، لأن اليسارَ لا يسعى للكراسي والأرباح، بل يسعى لتطور الوطن وخدمة الشعب بدون مصلحة وبدون الرغبة في الحصول على النفوذ والإمتيازات كما يفعل غيره!
حين يعطونك مالاً أو أشياء مادية وكراسي في البرلمان الذي تعجز عنه في ديمقراطية متكاملة، إنما يريدون إخراسَ صوتك، وأن تبلع لسانك عن نقد الأخطاء، ويجب أن تكون مثل هذه الحقوق المادية الثمينة عن طريق البرلمان أو عن طريق جهاتٍ مستقلة مسؤولة عن إصلاح وطني شامل، ترضي عنها مختلف الجهات المتضررة من التاريخ السابق بشرط أن تكون هي نفسها غير مُضرةٍ لآخرين محطمة لوجودهم البشري ولمصالحهم المادية.
أما أن تُرضى أنت فقط دون المواطنين فمعناه إنك مميز مستقل فوق القانون وفوق الشعب!
وتكون قد دخلت في مصيدةِ السكوت وعدم القدرة على النقد، فدعْ غيركَ يواصلُ الطريقَ ما دامت أنت عجزت عنه!
في هذا الزمن لا يستطيع اليسارُ أن يكون لنفسهِ سياسةً ممكنة التنفيذ وواضحة المعالم، فهذه تحتاج لسنوات طويلة قادمة، حين تتسع قواعده، وتنضج رؤيته، وتتجذر قواعد الديمقراطية في صفوفه وفي المجتمع.
وأي مرشح للمجلس النيابي من اليسار عليه أن يشير لمثل هذه الصعوبات، وكونه مجرد جندي في ظروف صعبة مع كتل لها برامج غامضة، مشحونة بالمواقف المذهبية اليمينية، التي تمزقُ البلدَ، ومع وزارات حكومية صعبة تجمد أعمال البرلمان، وإن اليسار يعمل في ظروف إستثنائية بين كل هذه الفرق وذلك من أجل أن يعرف الناس الحقيقة وأن لا يُعودوا بوعود كاذبة. فلنحقق قواعد صلبة منذ الآن!
أما الصمت على أخطاء الفريقين الحكومي والديني فهو مضر بمستقبل اليسار، ودون أن تكون لنا الجرأة في توضيح كل هذه المشكلات، وكسب الأنصار الجدد، وتوسيع رقعة اليسار، فيكون الأمر مضيعة للوقت والسير على خطى الآخرين في كسب الأموال!
والأمر ليس كذلك مغامرات ومهاجمات للحكومة وطفولية، بل كسب مواقع حقيقية وخلق إصلاحات، بالتعاون مع الكتل الأخرى، دون الإنزلاق لمواقفها المذهبية.
اليسارُ المتكلس #المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!
تداخل اليسار في الشرق مع ولادات الرأسماليات الحكومية الشرقية فيها. كانت هذه لحظة لقاء معقدة وتركيبية، وذات إشكاليات متعددة، تضافرَ فيها اليسارُ الغربي مع الشمولية الشرقية، والرغبة في القفزة النهضوية مع الاستبداد، وتسريعُ الحداثةِ مع هياكل اقتصادية متخلفة جامدة، وتم جلب أحدث الأفكار التقدمية لوعي شعوب دينية تعيش في قرون سابقة!
أسرعت قوى سياسية في تنميط موديل سياسي يساري نهضوي رأت فيه الشفرة الموجزة والمتكاملة وجعلت من الدكتاتورية طريقة سياسية لحل كل هذه الإشكاليات.
تداخل الموديل التاريخي العابر مع إطلاقيات مقدسة وأنه يؤدي إلى زوال الرأسمالية في العالم ككل، وتوجه لإزالة الأديان والقوميات (الشوفينية) وإحلال لغة قومية لشعوب أخرى.
الطريق الرأسمالي الحكومي الشرقي عامة وصل إلى طريق مسدود، وعادت الرأسمالية السوداء والفوضوية وعاد الدين المحافظ ليتبوأ مكانة مقدسة، وعجزت اللغة القومية أن تكون لغة عالمية للشعوب التي عادت إلى لغاتها وتقاليدها العتيقة!
أخذ اليسار الشمولي ينهار وينعزل، ولا يقدم إجابات عن الأسئلة المعقدة والمركبة للشعوب الشرقية، واستمرت أصواتٌ يسارية قليلة ونادرة في مثل هذا الزحام بين يسار شمولي متآكل تاريخياً وقوى رأسمالية بيروقراطية امتلأت بالفساد ونهج العصابات. بين قوى شعبية عاملة يئست أو تجمد وعيها واضطربت أفكارها بين يسار شمولي وعد بالجنة، وبين جنان رأسمالية في الغرب تهفو إليها!
كان نجاح اليسار الشمولي في تصعيد التنمية الهائلة لهذه البلدان وبين إخفاقات الديمقراطية والتطور الاجتماعي المتكامل، بين خلق نهضة كبرى لا أحد قادر على إنكارها، وبين دهس الشعوب ورفض حرياتها وتعبيرها عن ذواتها، تناقضات ضخمة استعصت على الحل التاريخي الملموس في ظرف زمني قصير قياساً لعمر الحضارات!
وكان غياب التطور المتكامل الجامع بين النهضة الصناعية والتحديث والديمقراطية، له ثمن فادح، في قفزة القوى الدكتاتورية الحكومية العسكرية والاستخباراتية إلى سدة الحكم، وفي تدمير الكثير من إنجازات القطاعات العامة، وتصعيد مليونيرات من الأقبية السرية للبيروقراطية، وفي انهيار المؤسسات العامة للثقافة ودعم الدول للمفكرين والمبدعين.
كان السؤال الخطير هو: لماذا عجزتْ هذه التجاربُ العالمية الهائلة عن إنتاجِ يسارٍ يجمعُ بين التنمية والديمقراطية، بين تقدير الأديان ونقد جوانبها المحافظة السلبية، بين قيادة القوى الاشتراكية المفترضة واحترام المؤسسات الديمقراطية التي تكونت في بدء الثورات؟
ولماذا تم مجاملة القوى الحاكمة وعدم نقدها وتسلق قنواتها السياسية؟
كانت هزيمة الاشتراكية الديمقراطية التعددية وسيطرة النموذج (الشيوعي) كارثة في تطور شعوب الشرق، رغم أنه كان في خلال عقود نموذج الحلم المسقبلي.
لا بد من بحث نتائج هذه العملية الآن، بعد سنوات من الصراع بين الموديلات السياسية المختلفة، وخاصة بين اليسار الشمولي واليسار الديمقراطي، ماذا حدث؟ وما هي نتائج الانهيار، وهل ظهر يسار ديمقراطي يجمع بين التنمية والديمقراطية؟ بين احترام الأديان والتقاليد وشق الطريق لصعود قوى الكادحين؟
ماذا تقول الأحزاب الشيوعية عن تجاربها؟ وهل ظهرت أحزاب اشتراكية ديمقراطية؟ وما هي أوجه الاختلاف بينها؟ وهل ثمة صيغ متقاربة ومتداخلة؟
ليست العوامل الذاتية هي التي صنعت الشيوعية والاشتراكية البيروقراطية الاستبدادية بل العوامل الموضوعية. إن الشرق بملايينه المتخلفة الفقيرة ومحدودية الثقافة التنويرية والديمقراطية فيها هو الذي خلق الأساس الموضوعي لتلك الاتجاهات، وإن لم تأتِ منها جاءت من الاتجاهات الدينية والقومية الشمولية، فهذه كلها تلوينات ودرجات من فهم الضرورة المركبة، المعقدة، لولادات الأمم الشرقية في العصر الحديث، ومدى قدرة أشكال الوعي على النفاذ إلى هذه الكتل الأمية الهائلة من الجماهير.
ولهذا فإن العوامل الذاتية من أحزاب وأفكار وتشكيلات وثقافة تتعرض لهذه العوالم الموضوعية وجبروتها وتخضع أغلبيتها لها، أي أن الأحزاب الطليعية تخضع للجماهير المتخلفة وحاجاتها ومطالبها ومستوياتها.
تحدث التبدلات والانشقاقات تبعاً لخضوع الحزب الطليعي لتخلف الجمهور، وصحيح أن الحزب البلشفي هو حزب طليعي، لكن انشقاقه عن الاشتراكية الديمقراطية تعبير عن هذا الخضوع للتخلف العام عن انتقال العامية والحدة العاطفية وعدم الصبر إلى صفوفه، عن توجهه للتسريع وحرق المراحل في غطاء كثيف من الدخان عن الانتقال الى الشيوعية.
في روسيا كانت ثمة إمكانية لنمو الاشتراكية الديمقراطية، فقد كانت بلداً أكثر تطوراً من أغلبية دول الشرق، كان فيها مثقفون كثيرون وتقاليد تنويرية ومدن قيادية في التطور الرأسمالي الصناعي، لكن الاشتراكية الديمقراطية فيها لم تجد قيادة نشطة وعميقة التفكير، فهي لم تجمع بين المهمات الديمقراطية من برلمانية وحرية سياسية والقيام بمهمات ديمقراطية اجتماعية كالمطالبة بإصلاحٍ زراعي وبتحرير النساء وبالعلمانية وغيرها من المهمات التي تتضافر بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية.
إن (اللينينية) باعتبارها الشكل الاستبدادي من الاشتراكية الديمقراطية تتخلى هنا عن (الديمقراطية)، تنتقلُ الى الدكتاتورية، تجد في ثيمة دكتاتورية البروليتاريا نظاماً، ترفض التعددية الحزبية، وحرية الصحافة، تنتقل الى نظام بيروقراطي بوليسي في خاتمة المطاف.
ولكنها – وهي في فرضها دكتاتورية سياسية – تحقق إنجازات الحرية الاجتماعية: توزيع الأراضي، تقدم النساء، تطوير الشغيلة الخ..
هي في هذا تتجاوز إمكانيات المرحلة، تقفز الى الثورة الاشتراكية التي لم يحن أوانُها بعد، لم تركز على الثورة الديمقراطية، وتجذرها في الأرض، تستجيب لحاجات الأكل والملبس والعمل، تخلق إمكانيات كبيرة لهذا كله، لكنها تخلق نظاماً استبدادياً، تتصاعد فيه قوى الشرطة السرية وإدارات الجيش والموظفين الكبار، وتغدو هي الطبقة الحاكمة بديلاً عن العمال الحكام المفترضين.
الجمهور الذي يجد لقمة العيش متوافرة يؤيدها، لكنه بعد سنوات يجد أن مصيره قد ضاع منه، إن الأسياد عادوا من جديد تحت ألبسة أخرى، والحشود الحزبية التي تقاتل وتدافع عن الوطن بتضحيات جسام، والعمال المكافحون لنشر المصانع، هؤلاء يتراجعون الى خلف المسرح السياسي، يظهر الأمناء العامون للحزب المتحجرون القادمون من الأقبية السرية، نفحة الأمين العام الساخرة الانتقادية الشعبية ترفض على غرار خروتشوف اليسار الانتهازي المحب للمناصب والتسطيح النظري واللافتات الشعارية والمغيب للتحليلات العميقة، والمتداخل مع الفساد، هو الذي يصعد ويسيطر على السياسة الرسمية.
مثل هذا اليسار يقتل الفكر التقدمي الانتقادي الديمقراطي، يحافظ على الكليشيهات، ينمط الأحزاب الشيوعية الأخرى في مثل هذه الحقول المحدودة.
إذن قامت الدكتاتورية الشرقية الحكومية ونمطها المتواكب هنا مع الاشتراكية الاستبدادية، بقتل العناصر الديمقراطية في الفكر، عبر هذا التنميط.
أزمة اليسار #المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!
تتردد كلمة أزمة اليسار وغياب اليسار في الكثير من المقالات، تعبيراً عن فقدان لقوى مهمة معبرة عن أغلبية الشعب.
كان اليسار نتاج صيغ مستوردة وكان عالمياً يشتغل لإنتاج رأسماليات حكومية، أُضفيت عليها شعارات إشتراكية، والتحمت هذه الشعارات بالمطلق، أي رئيت وكأنها أبدية، مما جعلها نسخاً من الأديان.
وقد كانت الأديان في بدايتها ثورات معبرة عن أغلبية الناس، وهي الخميرة الأساسية، التي تم دفنها في الأشكال العبادية المفارقة لتطور الناس وتقدمهم، وغدت الأديان معبرة عن الأقليات الإستغلالية فركزت على الأشكال كأدوات سيطرة على الجمهور.
ولهذا حين حاول اليسار أن يعبر عن الإغلبية الشعبية كان يواصل سيرورة الأديان، في تلك الثورات، لكن اليسار في العالم العربي لم يتواصل مع تاريخه العربي، بل استورد يساريته من الخارج، وهي عملية ضرورية في جانب الأدوات النظرية التحليلية لأنها نتاج تطور العلوم التي هي خبرة بشرية عالمية، والتي كان ينبغي أن تتوجه لكشف تطور المجتمعات العربية، وهي غير ضرورية بل مضرة حين تغدو جلب قوالب وتركيبها على تطور الشرق المختلف عن الغرب.
في التجارب (الاشتراكية) التي تحولت إلى أديان حديثة، نجد العمل الهام الذي إستغرق سنوات على تطوير حياة الأغلبية، لكن من خلال هيمنة حكومات مطلقة، وحينئذٍ يغدو الفكر (الاشتراكي) دينياً ويصبح شيئاً فشيئاً معبراً عن الأقلية الاستغلالية، لأن البيروقراطيات تنفصل عن الناس وتحول جزءً مهماً من الفائض الاقتصادي لمصلحتها.
فالوعي (الاشتراكي) هنا يكرس شمولية الشرق؛ وهي سلطة مطلقة أبدية، وإدعاء بامتلاك الحقيقة والقضاء النهائي على الشرور، وتحويل الزعماء الموتى إلى مزارات ومعبودين، حتى يتم دفن الفكر النقدي العقلاني معهم.
هذا الوعي الديني هو الذي هيمن على اليسار العربي، فتم نقل إشتراكية دينية بيروقراطية ذات نصوص شبيهة بالكتاب المقدس، الذي لا يمسه سوى المطهرون، وهي في ذات تنكر تراثها الديني، وليس الأشكال التقليدية فقط بل كذلك المضمون الثوري المتواري في بداياتها.
لكنها تنزلق نحو الأشكال التقليدية، فالمقدس المحافظ موجود في لا وعيها في أكثر الأحيان، خاصة أن الكثير من مناضليها هم من الفقراء والعمال. فالأشكال التقليدية أكثر حضوراً في الحياة اليومية، كما أن الاشتراكية ليست عند الأغلبية سوى شعارات.
بسبب المواجهات بين الرأسماليات الحكومية الشرقية التي تصورت نفسها نهاية للتاريخ، وبين الغرب، حدث انتصار للرأسماليات الغربية الأعرق وكذلك حدث تطور آخر في الرأسماليات الحكومية الشرقية، فكشفت عن وجهها الرأسمالي، وتجاوزت إختناقها التقني الانتاجي، وقاربت الديمقراطية الغربية في جوانب شكلية.
وبهذا فقد اليسار العربي سنده العالمي، وأعتبر ذلك نتاج خيانة للاشتراكية أو لتغلغل الجواسيس، وغير هذا من السببيات المسقطة بشكل ذاتي، فأصيب بصدمة دينية، عُوضتْ في جوانب منها بالرجوع إلى الدين المحافظ، الدين كما صاغتهُ قوى الإستغلال، وكان الرجوع للمحافظة والأشكال العبادية والطقوس وغيرها من المظهريات، جزءً من تدهور طويل في هذا الوعي (اليساري).
وإذا كانت بعضُ القواعد انهارت وذابت في المظهريات الدينية الطافحة، فإن جزءً من القيادات تمرس بالأشكال الانتهازية، والمصلحة الذاتية، والميوعة الفكرية، والتوجه مع الغالب أي مع الأطراف الدينية المحافظة بتنوع تياراتها وزئبقية مواقفها وتوجهها نحو الانضمام إلى قوى الإستغلال السائدة.
إن الطبيعة الدينية في هذا اليسار تعتمد على قواعد شعبية لم تتجذر في المعرفة العلمية، فليست الأفكار اليسارية – كما يُفترض – شعارات وإنما نظرية متغلغلة في كافة العلوم خاصة الاجتماعية منها.
وأغلبية العمال ليس لديها وقت للقراءة المعمقة إن لم يكن ليس لديها وقت للقراءة أصلاً، ولهذا هي تعيد سير آبائها الذين بعد أن ينتهوا من العمل يتوجهون للترفيه أو إلى دور العبادة يشحنون أدمغتم بالخطب المنبرية، ثم مع الأيام تضعف صلاتهم هناك بأعماق الدين وهنا بأعماق اليسار وجذوره التاريخية.
وتصبح المظهريات العامة الدينية واليسارية بينهما مشتركة؛ البكاء على الشهداء، وعمليات الشحن الموسمية للرمزية المعبودة، وتسلل الطائفية عبر تنحية رموز وتعظيم رموز دينية، تنحية النساء عن التنظيم والقيادة، وغير هذا من الجوانب التي تغدو في الشباب أكثر بروزاً وهي التي لم تشهد النضال اليساري في عنفوانه.
يساعد على ذلك نوعيات التنظيمات اليسارية خاصة التي صارت أندية وشللاً، وفقدت مضمونها الجوهري وهو الالتحام بالواقع والجمهور والصراع معهما، من أجل تحليل واقع الأغلبية وتطوير مساهمتها في التغيير.
وإذا كانت لا تدرس الواقع، ولا تعتمد على القراءة والإنتاج المعرفي التحليلي للحياة، ولا على جهود أعضائها تقرأ الواقع وتصارعه، فإنها تغدو مذبذبة، انفعالية، عفوية، تتبع تيارات الواقع ولا تقودها.
ولأن الواقع يتمثل في صراعات الطائفيين المسيطرة فإن حركة (اليسار) تصير بينها، استفادة منها، وميلاً إلى بعضها، ونقد أخرى، لأنها تكون قد إنزلقت بينها وصارت جزءً منها.
صارت العفوية أساس عملها وهي التي تتيح نمو الانتهازية في صفوفها.
في إطار تحليله لأزمة اليسار يقول إحد الكتاب العرب:
عندما إنضم ابناء جيلي لمعسكر الفكر الماركسي المتمثل اساساً بأحزابه الشيوعية، كنا نتفجر بالطاقات الفكرية والنضالية، والثقة التي لا تتزعزع بصحة نهجنا، وبأننا قادرون، رغم ضعفنا الواضح في مناطق ما من العالم، على تحقيق ما كان يبدو مستحيلاً، بالانتصار على الاعداء الطبقيين والانضمام الى العالم الحضاري المتنور، عالم العدالة الاجتماعية والحرية البعيد عن الاستغلال، الا وهو العالم الاشتراكي. وكنا مؤمنين بنهجنا متعصبين له بشكل مطلق. ولكن اتضح فيما بعد ان ما كان يبدو قريب التحقيق اصبح مستحيلاً، وأقرب الى معجزات السيد المسيح وكنا قد تجاوزنا جيل الحماسة والاندفاع، وبدأنا ننظر للقضايا الفكرية والاجتماعية بواقعية ومنطق مختلفين عن أساليب التلقين الحزبية التي واصلت (والمرعب انها لم تتغير حتى اليوم) التمسك بنفس النهج والتصرف وكأن ما جرى في النظرية والتطبيق مجرد خطأ مطبعي سيجري تجاوزه وتعود الثوابت الايمانيه الى مكانها الطبيعي. فالحديث ليس عن نظرية أو فلسفة تتعارك مع الواقع الفكري والاجتماعي، انما عن دين له كهنته وبطاركته ونصوصه المقدسة بل وله حرمته الدينيه. وكأن المعسكر الاشتراكي لم ينته، ونموذجه الاشتراكي هو النموذج الوحيد القادر على انقاذ البشريه… رغم ما تبين من فساد بعد الانهيار المدوي، ومن انحرافات، وتجاوزات للفكر العظيم لمؤسس الماركسيه- كارل ماركس، قزمت فلسفته وحولتها الى ستالينية ضيقه الافق مارست أبشع اشكال القهر والاستبداد ضد شعوب الإتحاد السوفياتي والمجموعة الخاضعة لها في اوروبا الشرقية.).
حتى في إطار نقد الفكر اليساري وتجربته تتواصل عقلية الفكر الديني المحافظ، فمصطلحات مثل (عالم العدالة والحرية البعيد عن الاستغلال)، تعيدنا إلى ذلك الوعي فهي تصويرٌ للمجتمع السوفيتي كمجتمع ديني، كجنة أرضية، انحرفت إلى النار بسبب شخص كافر هو ستالين، لم يمش على صراط الإمام الأكبر ماركس.
وهناك جوانب في الفقرة السابقة المستشهد بها حقيقية، لكن الفقرة لم تقترب من فهم أساليب الإنتاج، وهي الفكرة الرئيسية لفهم الماركسية، فـ:(عالم العدالة والحرية البعيد عن الإستغلال) كلامٌ خيالي، وهو كلام مقصود به القفز على التشكيلة الرأسمالية، وهو ما كان المطب الرئيسي لمنظومة ما يُسمى بـ: (الماركسية – اللينينية) التي تمظهرت في مؤسسات الأحزاب الشيوعية، والتي اعتبرت هذه التشكيلة غير ضرورية، ويمكن القفز فوقها للذهاب إلى الاشتراكية مباشرة، وهي تعبر عن عقلية مغامرة غير علمية، لهذا كانت في العمق وعياً دينياً، وفي الظاهر إلحاد عدمي، يعتقد بإمكانية الطيران فوق السببيات الاقتصادية، وصناعة الواقع كما يهوى ويتحول إلى دين يسحق الأديان.
لكنه كان يصنع الرأسمالية الحكومية الدكتاتورية، فليست المسألة مسألة (رغم ما تبين من فساد بعد الانهيار المدوي)، بل الأمر أخطر وأكبر من ذلك، إنها عملية صنع المنظومة الحكومية الشمولية تلك، أي الأمر يعود لتكوين دكتاتوري في العلاقات الاجتماعية والسياسية الشرقية الضاربة الجذور في الاستبداد. فاستيراد الروس للماركسية كان إستيراداً بعقلية دكتاتورية تمظهرت بقوة في الحزب البلشفي، وكان المناشفة، المنادين بالديمقراطية أقرب للماركسية! وهكذا كان لينين صانعاً لهذه الدكتاتورية الرأسمالية الحكومية، منذ بداية تنظيم البلاشفة في الخلايا الأولى!
ولهذا كانت الرأسمالية الحكومية الدكتاتورية هي الممكن الوحيد لدى مثل هذه المؤسسات السياسية، وليس هذا ببعيد عن القوميين العرب والبعثيين والطائفيين الحالييين، فمهما كانت مصادر نقلهم للأفكار، فهم في النهاية يعملون لقيام رأسماليات حكومية دكتاتورية، فهذا له جذور في تاريخهم السابق لا يقوموا سوى بقولبتها على الحاضر. لا يختلف في هذا لينين عن الخميني عن عبدالناصر عن هوشي منه عن كاسترو عن صدام الخ..
وهي علاقات تجعل (اليساريين) يرون في الطائفيين أخوتهم في النضال!
كان إنشاء قطاع عام أساسي في روسيا وتشجيع القطاعات الخاصة المنتجة و تطوير الريف وتحديثه بشكل تدريجي والسماح بتعدد الأحزاب والحريات العامة والانتخابات الحرة كان أفضل للتجربة الروسية، وهو ما صار وامضاً في السياسة الاقتصادية الجديدة في العشرينيات من القرن العشرين في الاتحاد السوفيتي، التي لم يحولها لينين إلى منظومة مصراً على النظام الحكومي الدكتاتوري، فـُنسفت هذه العناصر الديمقراطية مع تصاعد الدكتاتورية بشكل شامل.
وإطاحة ستالين بأعضاء المكتب السياسي الآخرين وقتل أغلبهم ليست مسألة عبقرية شخصية، بل هي نتاج تصاعد البيروقراطية الحكومية وتصاعد الأجهزة السرية البوليسية والعسكرية التي وقعت خيوطها بين يديه!
ثم عممت هذه التجربة على البلدان والأحزاب الأخرى باعتبارها إشتراكية!، وقد هيجت هذه السياسة الصراعات الدولية الكبرى وبررت صعود الفاشيات في أوربا الغربية.
لم يقم اليسار العربي بنقد تجربته النضالية الدكتاتورية إلا بأشكال عمومية ومجردة ولم يدرسها بشكل نقدي من خلال تاريخه الخاص، لأسباب فكرية بدرجة خاصة فهو الماركسي لا يعي الماركسية، إلا باعتبارها قوالب شرقية استبدادية، وعبادة لقادة، وأبوية وطنية وعالمية.
هو جزء من جماعة تسودها الأبوية وغالبية عمالية تكره الرأسمالية بسبب عيشها في مصانع وشركات وتحن لإزالة الاستغلال، وهي تعاني من ظروفها هذه ولا تستطيع أن تغير مهنها، ولا تدرس الثقافة السياسية كذلك، وبالتالي يكون لها وعي مناهض بشكل عفوي للرأسمالية، وتمضي غريزياً للشعارات الاشتراكية، دون فهم عميق لها.
ومقاومة الاستغلال الرأسمالي وتحسين ظروف العمال وأجورهم أمور هامة جوهرية، ولكن مسألة إقامة نظام سياسي إشتراكي شيء مختلف.
وغالباً ما لا يفهم حتى قادة العمال هذين الأمرين، نتيجة لذلك الوعي، خاصة في دول تعيش نظاماً تقليدياً، متخلفاً، كما أن (الماركسية – اللينينية) التي تمتْ صناعتها في دول الرأسماليات الحكومية كرست مثل هذه الأمية الفكرية.
ولهذا فإن واقعاً معقداً كالذي نشهده حالياً لا تستطيع مثل هذه اليافطات الشعارية أن تحلله وتفهمه، وتتأخذ تجاهه موقفاً نقدياً يؤدي إلى تقدم حياة الغالبية من الجمهور.
لقد خلقت الطائفيات مثل هذه المواقف الملتبسة، وتؤدي العفويات السياسية والانتهازية والمعارضة الغريزية، أدوارها في تأييد الأحزاب اليسارية للطائفية الشيعية أكثر من الطائفية السنية، خاصة في بلدان المشرق ما عدا مصر وفلسطين والأردن، التي لها سمات مذهبية ودينية أخرى، فالكثير من قواعد الأحزاب اليسارية تأتي من العمال والفقراء، المشحونين بالدعاية الطائفية، ولا تتمكن مداركهم من فرزها وتحليلها، وحياتهم اليومية تجري بين هوائها، ولهذا يؤيدونها دون إدراك لمخاطرها.
والسياسات الطائفية لكافة دول المشرق مرفوضة، ولكن الأخطر فيها حين ترتبط بمشروعات توسع، وعسكرة، وتقمع شعوبها في الداخل، ولهذا فإن عدم نقد مثل هذه السياسات في الأحزاب (اليسارية) هو بحد ذاته مبعث قلق كبير، ولعل أسبابه تكمن في مجاملة طائفتها، وأعضائها المنتمين إليها، وحينئذ تكون السياسة (اليسارية) قد وصلت إلى الكارثة.
كما أن الطائفيات السنية لا تخلو من سلبيات كبيرة كذلك، فالعسكرة وسياسة الأجهزة العسكرية والبوليسية وإرسال الرساميل للعيش في الخارج، وعدم المساواة في المناطق وبين المواطنين للدخل الوطني، هي وغيرها سلبيات يجب نقدها بقوة من قبل الأحزاب اليسارية، لكن في هذه الفترة الحالية تكون سياسة المحافظين الدكتاتوريين في إيران هي الأكثر خطورة على حياة المنطقة.
مثلما تتوج خطأً السياسة الطائفية السنية في تأييد القاعدة وداعش.
تحدث المجاملات والتغاضي عن ذلك البلد وتلك الطائفة فيقال أن ذلك لحساسية الموقف! وليس ذلك سوى للحفاظ على مظهر هش للتنظييم اليساري، الذي تقاعد مبكراً من اليسار، لكنه يخدع نفسه بمظهريات، وعبر أعضاء لا يقرأون، ولا يزاولون نشاطاً سياسياً تحويلياً للواقع.
بطبيعة الحال يمكن لمواجهة الجمهور المتخلف والمتعصب أن تجرى وسائل الارشاد بطرق حذرة، وعبر التمييز بين رموز التراث والأنظمة التي تتاجر بها، لكن الحقائق يجب أن تقال، وأن تترسخ في وعي هذا الجمهور، فالتناقضات داخل الطوائف والأنظمة الشمولية تحتدم، وسيكون لها في المستقبل مظاهر حادة تصل بالقوة حتى إلى عقول أكثر الناس تخلفاً عن متابعة الأحداث وفهم الواقع.
ولو كان اليسار ذا مواقف نقدية من الظاهرة السوفيتية والصينية والناصرية والبعثية واليمنية الجنوبية وغيرها، لكان قد طور عقلانيته، وكان أكثر بقاء واتساعاً، وقلل من كوارث الأنظمة والحركات الطائفية، ولكن ذلك لم يحصل، وهو لا يحصل الآن تجاه الأنظمة التي ورثت السابقين، مما يدل على ضعف تنامي تلك العناصر النقدية العقلانية، وهيمنة العفوية المؤيدة للدكتاتوريات الجديدة، ومجاملة المتخلفين، والاستفادة منهم لمصالح عابرة، بدلاً من تبصيرهم بوعورة الطريق، وعرض تجربتهم هم كيساريين بلسبياتها وإيجابياتها، فالجميعُ نتاجُ نسيجٍ واحد شرقي شمولي طائفي، لا بد من التعاون لتغييره.
تجديد الخطاب الوطني
لم يكن الخطاب الفكري لهيئة الاتحاد الوطني في سنوات الخمسينيات بقادر على تشكيل وعي وطني متجذر ومتماسك، بسبب المقدمات الفكرية المحدودة لحركة الهيئة.
فهى لم تقم على فلسفة علمانية متجذرة، فكانت الآراء السياسية فيها تقوم على شعارات مأخوذة من حركتين سياسيتين عربيتين شموليتين لم تترسخا فكرياً في منطقة الخليج، وهما الحركة الدينية والحركة القومية العربية، وكذلك على أفكار مجزأة ومحدودة من الليبرالية.
كانت هذه الشعارات لم تتحول إلى رؤية عميقة، ولهذا نجد كتاب الخمسينيات سياسيين بدرجة أساسية، ولم يستطيعوا أن ينّظروا إلي الحركة الوطنية المتصاعدة باتساع كبير، ولكن الاتساع الذي لا يضبطه نهج فكري عميق ويتسم بالفوضوية والعفوية المذهلة في ساعة والمنهارة فى سنين !
كان هدف الحركة الوطنية هو تجاوز الطائفية التي أشعلها الاستعمار والقوى المحافظة بهدف تمزيق حركة النهضة والتحرر المحلية، ومن هنا صبت كافة الأفكار السياسية في مسألة الوحدة الوطنية، فكان الهدف العملي المباشر هو غاية الفكر السياسي الانفعالي واليومي.
فإذا طُرحت مسألة الطوائف طُرح الإسلام كبديل جاهز، دون وعي لتاريخية هذا الإسلام وجذوره الاجتماعية والتاريخية، بل كما تم تشكيله لدى الإقطاع الديني على مر القرون السابقة، ومن هنا ظهرت هيئة الاتحاد مشكلة بتناصف بين السنة والشيعة (خمسين من كل طائفة لتشكيل عدد أعضاء الهيئة)، كأسرع حل سياسي لقضية مركبة ومعقدة فكرياً وسياسياً، وقد تصور المكرسون لهذا التنظيم الفضفاض أن تقسيماً بهذا الشكل كافٍ للقضاء على الطائفية السياسية، وتوحيد الناس في حركة سياسية قوية.
وهو أمر كان يعكس المستوى الفكري السياسي في ذاك الوقت الذي أدى خدمة جليلة، إلا أن مسائل العفوية والارتجال لا يمكن أن تشكل حركة باقية .
إن الحركة السياسية الوطنية بقيادة هيئة الاتحاد قد قامت بتسييس وطني للجمهور والنخب السياسية التي التحمت و بدأت تكوين الحركة السياسية الحديثة، يساعدها التيار القومي والتقدمي العالمي الجارف وقتذاك.
لقد تم مؤقتاً عزل الطائفية السياسية ولم تعد لها قدرة على تشكيل حركات سياسية بين الجمهور، وقد وصل التفاؤل حده لدى بعض الأصوات السياسية بتصورها (الانتهاء التام والقضاء المبرم على الطائفية السياسية).
يمكننا أن نعيد أسباب هذا الانطفاء الغريب والسريع للطائفية السياسية كذلك بكون الفئات الوسطى من طائفة السنة لم تنخرط بقوة في ذلك الوقت في أجهزة الدولة باتساع كما جرى الأمر بعد ذلك، وكان حرمان هذه الفئات من التوظيف الواسع ومن المشاركة في الدخول، قد جعلها تصطف وطنياً وتجاهد من أجل الوطن وتحرره .
في حين كانت أغلبية طائفة الشيعة المشكلة من العمال والموظفين الصغار لها مصلحة كبيرة في نمو النضال الوطني، لكن حصائل الاستقلال جاءت بأشكال مختلفة من التوظيف وتطور العمالة، فغدت أغلبية كبيرة من موظفي الدولة ذات لون سني، وهو أمر ترتب على أساس استمرار التمييز الطائفي .
أي أن الشعارات الهادفة للتذويب الطائفي ونشوء دولة وطنية خالصة لم تحدث، ورغم ذلك فمع وجود تيارات يسارية وطنية قوية على الساحة وقتذاك لم تكن المشكلة محسوسة أو مهمة لدى الجمهور والنخب السياسية كذلك، فلم يكن مهماً من يكون عاطلاً، سواء كان بحرينياً قبلياً أو من أصل فارسي، أو شيعياً فلم تكن المسألة المذهبية وحتى القومية مطروحة على بساط البحث بعد هذا التدفق السياسي الوطني من قبل هيئة الاتحاد واليسار البحريني.
لنقل إن الخطاب الذي بثته هيئة الاتحاد الوطني بصيغته الوطنية العامة المجردة، قد تم دعمه من قبل خطاب اليسار الذي لم يفرق بين القوى الدينية، وناضل من أجل جميع المواطنين، ويمكن ملاحظة أن هذا كان من جانب دولة الاستقلال كذلك التي لم تفرق بين المواطنين على أساس المذهب، ثم مع تفاقم النزاعات المذهبية تغير الحال.
وصار الآن من الصعب أن نأخذ خطاب هيئة الاتحاد الوطني العاطفي الذي يغيّب الجذور باعتباره قادراً على تشكيل وحدة وطنية من نوع صلب، بعد أن كشف الزمن أن الوحدة الوطنية بالمناصفة السياسية التي طرحتها الهيئة، غير قادرة على الصمود تاريخياً.
كذلك فإن الوحدة الوطنية على طريقة اليسار لم تستطع الصمود داخل تشكيلات اليسار، حين فقد اليسار مقوماته الفكرية والعلمانية وصار مُلحقاً بالحركة المذهبية عاجزاً هو نفسه عن حماية المنجزات الوطنية.
إن هذا كله يجعلنا كذلك لا نجعل المرحلة الطائفية السياسية الراهنة أنها خاتمة المطاف، بقدر ما نعتبرها مقدمةً لكوارث قادمة، أو لتحولات إيجابية .
وإذا كانت المرحلة الوطنية ذات الوحدة الهشة المشكلة على أساس عاطفي أو فكري نخبوي؛ قادت إلى مرحلة الطائفية السياسية الفاقعة الراهنة، فذلك يعنى ضرورة وجود تركيب، أو عملية نفي لكلتا المرحلتين السابقتين، فى وحدة أعلى تجمع ما أمكن منجزات الفقرتين.
أي أننا بحاجة إلى أن تتشكل الطبقات بألوانها الفكرية المختلفة، وأن تبقى المذهبيات الدينية تمارس عقائدها وشرائعها دون تدخل في الصراع السياسي .
إن المذهبيين الحاليين يعتقدون أن الوضع الطائفي الراهن هو لمصلحتهم، غير عابئين بالتاريخ الوطني السابق، رافضين تحليل التاريخ والحاضر لاستخلاص الدروس، سواء بخطورة الفسيفساء الطائفية ودورها في تمييع الموقف السياسي، وإضعاف جميع القوى السياسية، وجعل الدولة أو المعارضة الطائفية، هما سيدتا الموقف .
وهذا أمر في غاية الخطورة، لأنه سوف يمحو منجزات التاريخين السابق والراهن، إذا كان للتاريخ السياسي المذهبي الحالي منجزات .
ويبدو أنه لا التثقيف ولا دروس التاريخ كافيان لأعطاء ضوء أحمر، لمن جعلوا من الطائفية «سوبرماركت» سياسياً، ويبدو كذلك أن المزيد من التفتت والانشقاقات في القوى الراهنة هو وحده المطروح على الجمعيات السياسية، التي ستجد نفسها في تفتت مستمر، لأنها غير قادرة على النمو الصحي الداخلي العميق داخلها، ولا قادرة على النمو الصحي خارجها، بالوحدة مع قوى أخرى، من خارج نسيجها الضيق. وتشير الانشقاقات الواضحة والمتوارية إلى عجز الوعي السياسي الراهن بمجموعه عن أبسط حركة سياسية قامت بها هيئة الاتحاد الوطني وهي (الوحدة)، وتجاوز النعرات الطائفية والايديولوجية التي هي الغطاء الذي يتمطهر به بعض الأفراد لاحتكار العمل السياسى وقيادته في الجمعيات.
فحقيقة لا توجد قوى من طائفة أو طبقة أو فئة وكل الأمر هو هيمنة أفراد على أطياف سياسية فارغة من القوى الثقافية والفكرية، ويتمترس هؤلاء الأفراد وراء تلك القوالب لأخفاء الفراغ الفكري في جمعياتهم، مما يدفع أناساً آخرين للقيام بمثل ما قاموا به، لأن الأمر لا يحتاج إلا إلى بضعة أفراد لتشكيل جمعية أخرى وهكذا دواليك من حركة الاميبا السياسية، التي هي حركة توالد انشقاقية لا حركة نمو للنوع السياسي.
ويعود الأمر مجدداً لغياب الفكر، وانتشار الضحالة والأمية السياسية والاجتماعية؛ وهي أمور سوف تجعل الجمعيات في حالة من العجز عن الارتفاع حتى إلى مستوى هيئة الاتحاد الوطني بروحها العفوية، التي مثلت رغم كل سلبياتها لحظة التضحية والارتقاء إلى مستوى المسئولية الوطنية الكبيرة، وعدم الاهتمام بالمصالح الشخصية والفئوية التي تظلل الجمعيات الطائفية الراهنة وتوابعها من العلمانية الخائرة الخاوية.
الإصلاح الحزبي
لم يتغير البناء السياسي المذهبي عن العقود السابقة، وهو البناء الناتج عن صعود مراكز إنتاج المذهبية السياسية في الجزيرة العربية وإيران، فهذه المراكز أضعفت المركز العربي الديمقراطي النهضوي الذي كان سائداً منذ بداية القرن العشرين والذي أنتج الحركات القومية والوطنية والاجتماعية المختلفة.
ولأن إنتاج المذهبية السياسية في الجزيرة العربية وإيران يقوم على الصراع السني – الشيعي، فإنه من الممكن أن يتفاقم بقوة خلال السنوات القادمة.
ويؤكد ذلك ما يجري في العراق، وكون الأطراف الفاعلة المختلفة لم تحول التجربة إلى تجربة تعايش عربية إسلامية، بل أُعتبر العراق ساحة اقتتال بين المذهبيتين الرئيسيتين مما أدى إلى حرق الخريطة العراقية.
إن الصراع كان صراعاً بين دول اتخذ من المذاهب والجماعات المذهبية واجهة له، وتعرض الأبرياء والسكان لمخاطره.
ولم تنعطف التجربة السياسية لدينا إلى تجاوز نوعي لمثل هذه الشبكات، فهي أقل منها تجذراً في مثل هذا التاريخ المذهبي السياسي، ولكنها ابتعدت عن لغة التعصب في السنوات القليلة الماضية، غير أن الأسس السياسية لها ظلت كما هي.
أي أن المعسكرين المذهبيين السياسيين ظلا هما كما هما، بدون تغييرات جوهرية، سوى من عمليات إعادة تنظيم، أو تفتت أو تكوينات جديدة صغيرة لا تضيف شيئاً جوهرياً.
ولهذا فإن الذين يتحدثون عن أحزاب من هذا التكوين فكأنهم يتحدثون عن تعميق هذه المظاهر، ونقلها إلى مستوى جديد من التأزيم.
لا بد أن نترك تقليد الدول الأخرى وأن نعتبرها نموذجاً بل أن نعتبر ظروفنا ومشكلاتنا هي الأساس في عملية التطوير السياسي.
فنحن بحاجة إلى إصلاح هذه الجمعيات نفسها قبل الانتقال لمرحلة أعلى، بأن تتطور فكرياً وسياسياً وتستند على أسس اجتماعية وطنية في بنائها السياسي، وأن ترتفع عن التمثيل الطائفي، وهذا لا يمنع من تمثلها للجمهور الشعبي بمختلف قضاياه، والتمسك بمطالب التغيير الاجتماعي.
إن طبيعة الاستعجال في العالم النامي هي نتاج لضعف التطور الفكري لدى الجمهور الذي يريد كل شيء جاهزاً من قبل الحزبيين ويضغط عليهم في الاجتماعات من أجل تنفيذ مطالبه في المعيشة، ويتوجه بعضُ الحزبيين إلى المغالاة أو إلى عدم درس الواقع، وطرح مطالب بعيدة، مثل إنشاء الأحزاب وكأن الأحزاب بحد ذاتها أداة سحرية تزيل تخلف الجمهور وجمود السلطات في التغيير، في حين أنها لا تعبر سوى عن أشكال جديدة لنفس الجماعات.
نحن نحتاج إلى تراكم فكري وإلى تراكم سياسي اجتماعي، يجري فيه تغيير الكوادر التي تشكلت في الزمن الماضي بعقده وبمستوياته المعرفية المحدودة، وإلى أن تنفتح الجمعية على أبناء المنطقة والبلد وجذبهم إلى عضويتها، بأن تترك الأساس المذهبي الديني الذي قامت عليه، تاركة إياه للجمعية الدينية وللمشايخ، أما هي فتتحول إلى جمعية سياسية محضة، يدور فيها العمل حول السياسة وقضاياها.
إنها فترة مرحلية ضرورية تقوم فيها الجمعيات بإعادة تشكيل نفسها، وتغيير نظام العضوية السري المعتمد، وهذا لا يحدث إلا من الجهتين المذهبيتين.
وإذا لم يحدث شيء مختلف في السنوات القادمة فهذا يعني إننا سون نجر إلى صراعات المنطقة المتواصلة والمتسعة!
فلنقم بذلك منذ الآن ونخفف من الطابع المذهبي ونحول الجمعيات إلى كيانات وطنية، مركزة على الشأن السياسي.
انهيار وعي #المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!
لم يكن الأمر مفاجئاً فانهيار الوعي الديمقراطي والوطني الحديث العقلاني لدى الأغلبية الكاسحة من النخب، أخذ يمزق المضامين الداخلية المتوارية للعقود السابقة.
إن العداء للعقل واليسار كانا أمرين مترابطين متداخلين، لدى المجموعات (المثقفة) القادمة من بحر الأمية والتشنجات العصبوية (القومية) و(الدينية)، ومن جرى تكريس النماذج المجوفة الخالية من الغور التحليلي ومن الفكر (الأمعات)، وتصعيد الشلل وبالتالي تكريس الأخلاقية الفاسدة.
مع تجوف (الزعيم) من أي وعي عميق، بسبب تشتت حياته اليومية، وعدم تجذره في حياة شعبه وفي تراث الفكر التقدمي والديمقراطي، خلق هذا التسييس الانتهازي ذا اللغة اليومية، العفوية، المرافقة لأنانية الذات الحزبية الشللية.
وهذا سبيل من سبل تسرب سياسة القوى الاستغلالية تجاه مجموعات تكرست لمجابهة الفساد وبيع البشر بأرخص الأثمان، لكنها راحت تشاركُ بها، أما لقطعها أي قضية سياسية عن (الكل) المترابط لها، فهي لا ترى سوى خيط وحيد وتقوم بالنفخ فيه، وهذا النفخ لا ينشأ من أدوات التحليل الموضوعية، بل من عصبية الذات وتشنجها وأمراضها النفسية الذاتية، فقدراتها الفكرية لم تتطور بل تردت، ولم تقم بالحفر المعرفي في السنوات السابقة، ولكن تعملق الذات الفارغ لم يزل موجوداً، بل متورماً أكثر فأكثر بسبب تهافت هذه الذات نحو المكاسب الرخيصة، وهو أمر يقود الذات السياسية إلى المزيد من الاهتراء الداخلي.
أو السبب الآخر ويتمظهر في عقلانية باردة تحسب مصالحها الذاتية وكيف سوف تكسب من هذه القضية بغض النظر، ما إذا كانت هذه القضية المنفوخ فيها، قضية أساسية ونضالية تستحق المواجهة، أم لا.
وهذا المنحيان لانتهازية الفئات الوسطى، هو أمر غائر في تكوينها بين اليسار واليمين، فهو يغدو في اليسار مزايدة تشنجية ذاتية، ويصير في اليمين مزايدة باردة، وسواء تجلى ذلك في مذهبية سياسية، تسحبُ قاموس الإسلام وتحشره في كينونتها المريضة، المتخلفة، أم تجلى في شيوعية متيبسة، قطعت جسور التحليل والتنظيم والمستقبل، لأجل دبيب حركتها المصلحية الذاتية، أو في قومية مرتبطة بهياكل الاستبداد أينما تجلت.
وهكذا حين تقوم الفئاتُ الوسطى وقد قطعتْ جسورَ علاقاتها الجوهرية بالطبقات العاملة، ونضالها الذي يصححُ من صواب خطواتها، ويفرملُ من انتهازيتها، فصعدت فوق تنظيمات هلامية هي تتويجٌ لخلل عقود وليس بوابة لبناء أصيل قادم، تتحول إلى فسيفساء أميبية جرثومية تفرخُ ذواتها بسرعةٍ كبيرة، تبعاً لحرارة المصالح وتوقعات السوق السياسية.
يغدو ضرب علمانية الحركة الوطنية وتوحيدها أبسط من كراسات الاعتراف، والركض نحو تنظيمات طائفية أسرع من بناء وعي جديد تأسيسي نقدي بعد عقود من الاختفاء والأنطفاء. ويجري ذلك عبر لغة صاخبة، انفعالية، تضعُ الأوراقَ الكثيفة على عريها النقدي، وخوائها الوطني، وتدهورها نحو اللاعقلانية، مضخمة من مقاومة، أو من مذهبية، أو من نظام تقليدي متيبس، ساترة ذلك الدبيب الجرثومي المتحلل في مستنقع التدهور العام.
إن كل شيء يتأسس على المصلحة، مصلحة الزعيم الفارغ من الرؤية، ومن الثقافة، وهو الذي يفرخُ بالشكل الأميبي الجرثومي، اعضاءً على شاكلته، أو منافسين على شاكلته، لأن كل عضو هو خلية وحيدة، غير قادرة على تشكيل بناء، أو تأسيس ثقافة ووعي..
إنها تنقل أمراضَها للطبقات الشعبية، وتحول من خرابها الخاصَ خراباً عاماً، ثملا يبقى سواء الانضواء تحت لواء المستفيدين، والفاسدين، لأن من أفسدوا المبادئ ليس ثمة من يقف في وجههم من كائنات؛ سواء حزب متماسك أم ضمير تمت رشوته، أم أدب وفن تم تخريبهما، أم عقل فقد بوصلة التحليل الموضوعي والنزيه، واللاشخصي، وغدا سمسرة سياسية..
أسباب تدهور وعينا
لا يتعلق تدهور الوعي الذي يتجسد في الآداب والفنون وفي الثقافة وفي الوعي السياسي بانتشار الأنانية والانتهازية فقط، بل كمعادل لهذا الانتشار تضاؤل الوعي المادي الجدلي، وهو وعي الحفر في الحقيقة، في كشف تناقضات الأفراد والفئات والمجتمعات.
حين تلاحظ اللحظات التاريخية بازدهار المجتمعات، بدءً من الثورة الفرنسية والثورة الروسية والصينية وثورات التحرر الوطني تجد إن مثقفيها البارزين الذين وضعوا بصماتهم على التطور السياسي العاصف، الذي غير مجرى بلدانهم والعالم، فعلوا هذا حين اقتربوا من الوعي المادي الجدلي، حين وجهوا ابصارهم لتناقضات الواقع والثقافة السائدة، متخلين عن أوهامهم الفردية والطبقية، مزيحين هذه الغلالة من الأفكار الُمسبَّقة، ومن الأوهام.
وقد انتهت تلك الموجة من الوعي التقدمي الذي ساد القرن التاسع عشر والعشرين في أوربا وآسيا، وهدم الإمبراطوريات الاستعمارية، بسبب من شعارية هذا الفكر وتبسيطه في العديد من المحاور، فقد وقف عند هدم المجتمعات التقليدية وكان أمراً بسيطاً قياساً لبناء المستقبل الذي أُخذ بأفكار نقصها ذلك الفكر الجدلي، لقد تصورت إنها تبني مجتمعات تنتهي فيها التناقضات، والتناقضات لا تنتهي، وتصورت دولةً تزيل الطبقات، والدولة ذاتها جهاز قمع، وتصورت أنها تنهي الرأسمالية في الوقت الذي تقوم بتشكيلها عبر نفس جهاز الدولة. فهي لم تكن تفهم التناقضات التي تشكلها.
وانظر كيف كان حال وعينا في الخمسينيات والستينيات مزدهراً بحركات التغيير في السياسة والثقافة، ثم كيف تدهور مع الموجات الدينية، فصارت ثقافتـُنا العامة ضحلةً.
إن الموجات الدينية الجماهيرية هذه تعتمد على وعي طفولي ساذج، فهي لا تفهم تعقيدات المجتمعات المعاصرة، وتناقضاتها الطبقية والثقافية، وهي تضعُ فوقها أفكاراً خيالية غيبية، وهذا نتاج قيادات مثقفيها المحافظين الذين يخافون الحركة النضالية الشعبية، فيقسمون الشعوب إلى طوائف ويقسمون العائلات إلى رجال ونساء، ويقسمون الثقافة إلى غيب وواقع.
وهم يعيدون ثقافة ضعيفة الاتصال بالعلوم الطبيعية والاجتماعية، ثقافة كانت تعتمد على معلوماتٍ تقدمُها الِحرفُ والأشغالُ اليدوية، في حين انتقل العالمُ منذ قرون لثقافة تعتمد على التصنيع.
إدخالهم الدين في السياسة ليس نتاج التقوى بل الأنانية، فهم عاجزون عن التطور العلمي، وعن الشجاعة في تحليل المجتمعات وتناقضاتها الحقيقية، فالتناقض بين العمل ورأس المال، التناقض بين الطبقة الغنية والطبقات الفقيرة، التناقضات بين الشعوب والاستعمار، التناقضات بين الثقافة العلمية والثقافة الخرافية، التناقضات بين ثقافة الغرب المتقدمة وثقافة الشرق الهزيلة، كل هذه التناقضات المحورية في العالم لا يقيمون بتحليلها، مثل النشطاء في مجال الثقافة والإنتاج الفكري.
إن الإنسان المتفاعل مع الأحداث يذهب لخطبة رجل الدين ليسمع كلاماً عاطفياً وفيه إثارة غيبية غير محددة، فرجل الدين لا يحلل استغلال الشركات والبنوك، ولا العلاقات الاقتصادية الدولية التي تأخذ بخناق هذا المواطن المتألم، لأنه ربما صاحب علاقات بهذه القوى المادية، فيركز على العلاقات الروحية الغامضة. خطابُ رجل الدين هنا خطابٌ أناني. وخطابُ رجل الدين هذا سلسلة من خطابات مثقفي التقوى هؤلاء الذين لا يريدون إثارة الشركات والوزارات ويكشفون الأسعار والأجور والتلوث والاستغلال، محلقين في عالم من التخيل الخاص والتجارة بالرموز المقدسة لأصحابها.
ويقول الفنانُ لماذا أرسمُ آلامَ الإنسان وهل يمكن أن تـُعرض في معرض؟ بطبيعة الحال سيقف القائمون على المعرض دونها. ومن سيشتريها؟ ويمكنني أن أرسم ألواناً وأشياء تجريدية أو صوراً فوتغرافية جميلة للصحراء والجمال والنخيل وهي تـُشترى.
ويقول الكاتب لا استطيع أن أقوم بتحليلات وتحقيقات ومسرحيات وأفلام تكشفُ جشعَ الأغنياء والحكومات وأعري العائلات المحترمة لا كتفي بمسرحيات ضاحكة تخفف عن الناس أحزانهم، ومسلسلات تتكلم عن قضايا صغيرة عائلية وخاصة مسألة الطلاق، فكم يؤدي الطلاق إلى كوارث!
يعيش المنتجون للأفكار والثقافة السائدة في عالم من الكذب الواسع، وهم نتيجةً لجلهلهم بالدين ولعمومية مقولاته، يستعينون به لكي يستروا تنازلاتهم لقوى الاستغلال، فإذا سرق المثقف قال سأذهب للحج لا لشيء سوى أن يخفي ما قام به، وهذا تدهورٌ غاصَ فيه الآن المثقفُ عوضاً أن يكشف السرقات العامة، ويذهب للحج، فتغدو المظاهر العبادية جزءً من عالم الاستغلال، ويتوسع الأمر في ظل تحويل ذلك إلى عملية تلاعب سياسية واسعة بالدين، وكون التزام المرشح بالعبادات هو ضمان لصحة انتخابه ولصحة العمليات السياسة الوطنية!
ويعمق الجمهورُ الجاهلُ هذه الحالة، فبدلاً من أن يطلب من السياسي المرشح شهادةً عن نضاله ضد الاستغلال ولرفع حياة الجمهور المعيشية، يطالبه بكشف حساب لعدد صلواته! فالجمهور يزيد أوضاعه سوءً، فإضافة للاستغلال الحكومي على كاهله يظهرُ استغلالُ النواب.
إذن الوعي المادي الجدلي، الوعي بالتناقضات الطبقية والاقتصادية عامةً وتحليلها وكشفها، ومعرفة الوسائل السياسية المرافقة لهذا الوعي والمتوجهة لتنظيم الجمهور لكي يناضل لحلها، هو العاملُ الفكري المرافقُ لنمو الشعوب نحو الحرية والتقدم، فهو وعيٌّ يحددُ المشكلات الرئيسية ويوجه الإرادةَ البشرية نحو حلها. فتنظيمُ الشعب الصيني الذي يبلغ أكثر من مليار يعتمد على نخبة صغيرة وجهته نحو حل مشكلاته الحقيقية في الواقع، وليس في الخيال الديني أو الرومانسي أو الذاتي الأناني. إن مشكلاته هي في ضعف المصانع والتجارة والعلوم الخ.. وتأتي الحلولُ محددةً، وبعد ذلك من يؤمن بماو فليؤمن ومن يؤمن ببوذا فليؤمن، فساحة الواقع لها مكانتها ومناهجها وساحة الغيب لها مناهجها.
خلقت الشعوبُ بهذه المادية الجدلية ثورات نهضوية كبرى انتقلت بها من خنادق المتخلفين إلى فضاء المتقدمين.
تآكلُ الماركسيةِ في البحرين #المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!
كان الشكلُ الأولي لتآكلِ الماركسية في البحرين شيعياً. فالانقسامُ الفارسي العربي الذي كان يحفرُ على مدى قرون بين الضفتين الشرقية والغربية للخليج، بين الطائفتين الشيعية والسنية، ظهرَ مُجدداً وبقوة عبر ولاية الفقيه. كانت ولايةُ الفقيهِ شكلاً متخلفاً للقومية الفارسية وهي تظهرُ مجدداً من خلال عباءة الدين وهذا ما جعل الفئاتُ الريفيةُ المحافظة المتخلفة سياسياً واجتماعياً تقودُ العملية التحولية الجديدة، وكان الشكلُ الديني هو بالضرورة عودةٌ إلى الوراء، إلى زمنية الإقطاع، والصراعات المذهبية بين الدول الإسلامية وتجميد تطور المجتمع الإيراني الحر.
وهكذا فإن تسربَ ولاية الفقيه في حركاتٍ مختلفةٍ بحرينية منذ الثمانينيات من القرن العشرين كانت تصطدمُ بالمحافظة السياسية المذهبية السنية بالضرورة. حيث ليس في داخلها مضمون ديمقراطي وطني، وليس في قدرتها الانفتاح وتكوين شيء مستقبلي توحيدي بما أنها ماضٍ، وأوجاعٌ قديمة تُستعاد، ومظاهر طائفية اجتماعية تُسترجع، وأوراقٌ صفراء تُنشر، وأساطير تُقرأ ثانية، وأشكال عبادية تغدو روابطَ سياسية.
ليس في إمكان مثل هذه العودة أن تتلاقح مع طوائف إسلامية أخرى، إلا عبر خضوعها لها، وليس في إمكانها أن تنتج ديمقراطيةً وتحديثاً، ولهذا تقيمُ حواجزَ وتصعد حزازات ومخاوف لدى الطوائف الأخرى.
ولهذا فإن تسييس هذه الولاية أو هذه العودة لأقسام الطائفة السياسية للعصور العتيقة لا تنفعُ فيها طلاءاتٌ سياسية فوقية.
وحين تقبلُ المنظماتُ الوطنيةُ البحرينية في المنفى أولاً هذه العودة وتدخلها في البيتِ الوطني وتعملُ معها، يبدأ مسلسلُ انهيارِ الإيديولوجيات التحديثيةِ المبحرنة خلال عقود.
إن ولايةَ الفقيه تبدأ في تحطيم مشروع إيران التحديثي العلماني الديمقراطي الداخلي أولاً ولا تقبلُ بالتالي تأثيرات تحديثيةً وعلاقات أخويةً في السياسة الخارجية، تصبحُ السياسةُ الداخلية والخارجيةُ وجهين لعملة الدكتاتورية الطائفية، ومن يدور في فلكها يغدو جزءًا منها، ومظهراً من تجلياتها بالضرورة.
وهكذا غدت الأعمالُ المشتركة مع المنظمات الطائفية السياسية من الاتجاه الشيعي هدماً لداخل المنظمات الوطنية، التي كانت في حالةِ تآكل على مدى طويل.
إن الجيلَ الأول التحديثي من المنظمات الوطنية البحرينية يغلبُ عليه الانتماءُ القومي العلماني التنويري عامة، وكان انتماء أهم قياداتها إلى الطائفة السنية، وإلى المناطق المدنية، جزءًا من القيادة التحديثية لمشروع البحرين التحولي العميق الذي تقلقل بعد ذلك.
لكن هذا الجيل يتآكل نظرياً وسياسياً، ويعجزُ عن فهم الماركسية وتطويرها خاصة، والجيل التالي الأكثر فهماً لها يتآكلُ عملياً، والتطورُ النوعي الواسع للأعضاء لا يحدث، وتصبحُ القواعدُ شيعية أكثر فأكثر. لأن الزخم الجماهيري يتوجه نحوها، لهذا تغدو قياداتُ الانقسام والانتماء لولاية الفقيه تتويجاً لهذا التحلل.
لكن لماذا يصير زمن الانفتاح والوعود الديمقراطية زمن الطائفية السياسية المتصاعدة؟!
كانت إعادة تشكيل الجماعات وخاصة الجماعة الماركسية عفوياً وتجميعاً للعضوية غير الرسمية وغير المتطورة على مدى سنوات، ولكل من كانت له صلة، رغم تقطع الصلات وذوبان السمات النضالية خلال سنوات الابتعاد وعدم تطبيق الشعارات والبرنامج السياسي.
لم تكن الإعادةُ في بدء الانفتاح بحثاً عن العضوية المميزة والشخصيات النوعية القليلة ولكن المعبرة عن التجربة التراكمية النضالية لعقود، بل للتجميع العشوائي، ولهذا فإن هذه العضويةَ الهشةَ الواسعة، ما كان لها أن تصمد أمام الاختراقات السياسية الطائفية المنتشرة بقوة.
في هذه الفترة كان الاختراقُ الطائفي الشيعي السياسي هو الأول. فبعد فتح الباب له من قبل قياداتِ الجيل الأول وعدم فهمه وحصاره، تسربت مفاهيمُهُ إلى دواخل الجماعات التحديثية، ولكن كانت المشاركة في الدورة الأولى للبرلمان البحريني من قبل اليسار ورفض المقاطعة دليل على بقاء حسٍّ سياسي مميز كان لا يزال وقتئذ، كما أن مشروع دولة ولاية الفقيه البحريني لم يكتمل بعد، حتى تفجر في (الربيع العربي).
وقد بين ذلك عدم القدرة على خرق جدران الجماعة المغلقة لتشكيل مجتمع ديمقراطي وطني. الأمر الذي انعكس على تمزق الجماعة الماركسية طائفياً وتمايزها شيعياً وسنياً.
والشكل السني تصاعد هو الآخر بعد هذه السيطرة، تعبيراً عن تحلل واسع للجماعة ليقوم بنفس الآلية تحت إطار مذهبه. وسوف يعتمد على مقاربة الدولة ومؤسساتها، والتداخل مع الجماعات الطائفية السنية، وغالباً ما يجري طرح الحداثة والسمات الحضارية هنا لكنها غير مكتملة فشرطُ العلمانية المحوري يُرفضُ بقوة، ولهذا نجد اتحاداً نقابياً شيعياً في مواجهة اتحاد نقابي سني.
ويُفترض عدم تمزيق حتى الروابط الهشة بين الجماعة، وإعادة النظر في كل هذا التاريخ، وعدم القيام بنفس الطائفية السياسية بشكل سني هذه المرة، وإعادة اللحمة وكتابة دراسات حول مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، وإثراء الوعي الوطني والإعلاء من سمات الحداثة وخاصة العلمانية والديمقراطية والوطنية.
⍣⍣⍣
اليسار معيار
هل يكره الحكام والدينيون والاستغلاليون عموماً اليسار لأنه غير مؤمن أو كافر أو ملحد، لا!
بل لأنه يكشف سرقاتهم. ليكن اليسار ما يكون، وليروج ما شاء، ولكن حين يناضل ضد استغلالهم للعامة، ولطشهم أموال الدولة والمؤمنين، حينذاك يصبح كافراً شريرا!
ولهذا فمهما حسن اليسار إسلامه أو مسيحيته أو صابيئته، فإنه سيكون متهماً. لأنه لا يكف عن المطالبة بعودة أموال المحرومين والمستغلين إلى أصحابها.
الملالي في القسم الريفي يخشون اليسار لأنه يطالب بعودة تقويم الإمام علي بن أبي طالب للثروة، فتعالوا نعود إلى وصايا الإمام ونهجه وكيف تخلى عن الثروة حين صار حاكماً، وكيف أنتم زادت ثرواتكم ونهبتم الجمهور حين توليتم أموره؟
وأبسط حل للتناقض والكشف هنا هو القول بأن هؤلاء مخربون ومعادون للإسلام.
أما الملالي في القسم المدني فإنهم لن يذكروا تقشف وصوفية عمر بن الخطاب حين صار مسئولاً سياسياً، فهم يحبون جمع المال حباً جماً، ولهذا فإن أي إبعاد للمناصب الدينية والسياسية عن استغلال الجمهور، ستكون علمانية آثمة، وليس عودة للنهج العمري!
لماذا يرتبط الإيمان باستغلال الجمهور وجمع الثروات بواسطة الفتاوى والتجارة بالدين، بدلاً من فتح المتاجر والوكالات والمزارع والمصانع، وسوف يكون هذا حلالاً طيباً؟
ولماذا إذا قام اليسار بكشف ذلك جعلوه إلحاداً وكفراً، وقد قام الصحابة بمثل ذلك، فتكسبوا بالتجارة وليس بتجارة الدين؟
هل قرأت أن سلمان الفارسي أفتى من أجل أسهم في بنك، أو بسبب طمع في أرض، أو من أجل التسري وأخذ درهم واحد من الناس؟ أو أن عمرو بن العاص كسب أمواله من غير التجارة؟
وقد منع عمر بن الخطاب الصحابة من الخروج من الحجاز لافتتان الناس بهم واستغلال ذلك أثناء الفتوح ورضوا بذلك وهم الصحابة!
ادعوا إلى سبيل ربك بالحكمة وليس بالاستغلال. وإذا ربحت فعن طريق مشروع، وليس من خلال المنصب الديني أو السياسي أو الفكري.
إن التجارة بالدين حرام، ولكنهم يعرفون الحرام في أمكنة أخرى غير هذه.
إنهم يركضون للخراب أكثر من غيرهم، استغلال بشع للمؤمنين لكي يصلوا إلى السلطات، ويقيمون المظاهرات العارمة لأنها فرصتهم للوثوب الى الغنائم، وآخرون يرسلون المتفجرات إلى كل بقعة توجد فيها حياة، وجهل الحشود يدفعها لتفجير خرائط وبلدان لأن الحماس أعشى عيونهم في ليل الدكتاتوريات الطويل.
حشودٌ تتجه لمجازر، أسلحةٌ في كل مكان، ترويعُ الآمنين وأقطارٌ تتحول بين ليلة وضحاها إلى أنقاض وخرائب.
كلها نتائج التجارة بالدين والأوطان. فهل يعقلون؟
مقاولو المذاهب مصرون على نشر الاحتفالات الدموية في كل قطر، ومتعهدو الحزن والفجائع فرحين بالجهل الشعبي، وانطلاق الخراف من الحظائر نحو مسلخها الموعودة.
بذلات الجنرالات والضباط الأحرار الأشرار تُستبدل بأردية الكهنوت. وما أدراك ما الكهنوت؟ قطارات سريعة للموت.
انتبه لأطفالك لكي لا يرجعوا بالديناميت تحت سريرك.
ضربوا اليسار والعقلانية والديمقراطية لأنها لم تكسر مصباحاً واحداً.
وانطلقت حمى نشر الطوائف، وهم سعداء لأنهم يضربون الشعوب بعضها ببعض، وليس لأنهم يحرقون البلدان .
يريدون تصفية ثاراتهم القديمة وتغيير سجل دام منذ أكثر من ألف سنة ثم سوف ينتبهون للعالم الحديث، لكي يصنعوا دراجة أو ربما نعوشاً آلية توجه بالريموت كنترول.
خائفون على قطعة قماش والأرض كلها مباعة والنساء رقيق والرجال عبيد؟!
اليسار والميراث الديني
من الآراء التي تمخضت خلال الحوارات حول الثقافة العربية الإسلامية ضرورة نشر الآراء الديمقراطية الجديدة حول تاريخنا وتراثنا مع الجماعات الدينية والليبرالية لمزيد من تعميق هذه الآراء ونشرها وتصويبها.
وهو قولٌ وجيه وضروري ولكن الأمر يحتاج إلى خطوة أكثر ضرورة وهي تثقيف اليسار نفسه بهذه الآراء، فتكاد الجماعات اليسارية أن تكون منخلعة من فهم إرثها العربي الإسلامي، وقبل أن يذهب المرء للحوار مع الجيران من الضروري أن يرتب بيته الداخلي.
والصورة السائدة عن الإرث في الماضي تكاد أن تكون مشتركة في كل التيارات باختلاف توجهاتها، ما عدا الاتجاهات المتطرفة التكفيرية التي لا تتزحزح عن شعرة من نصوصيتها.
وهذه الصورة المشتركة هي العموميات المذهبية السياسية، أما الحفر تحت هذه الصورة المشركة، فهو أمر صعب. وهي ثوابت كرستها عدة قرون سابقة، وهى تتجذر في عادات شعبية واسعة، وطرق تفكير منمطة أشبه بالصخور!
ونجد أنه حتى المجددين في الفكر الديني لا يحظون بأهمية تذكر في صفوف طوائفهم، مما يؤكد صعوبة اختراق المؤسسات الدينية التقليدية، التي عاشت على طرق تفكير مقننة عبر المذاهب الرسمية المتواشجة مع الأنظمة السياسية الشمولية في المنطقة.
بل انه حتى الأنظمة التقليدية وهي تحاول بعض الإصلاح الطفيف في الأنظمة الدينية التقليدية التي عفى عليها الزمن تواجه بمقاومة شرسة داخل بلدانها، في حين تقود السيطرة المتزمتة في أنظمة أخرى، وكذلك تفاقم العمليات الإرهابية والمذابح، بعض الجمهور إلى الكفر بكل شيء!
ولهذا فإن الأزمة الفكرية/السياسية في العالم الديني التقليدي مستفحلة بكل ضراوتها . في حين أن المجددين في الفكر الديني نفسه والمعزولين عن تيارات التأثير، هم أنفسهم يعجزون عن الوصول إلى سر هذه الأزمات، نظراً لرفضهم وجهات النظر المادية الجدلية والتاريخية والمدارس الجديدة في الفكر والتحليل!
وهكذا فإن اليسار يواجه ضحالة فكرية تراثية في صفوفه، ويواجه أزمة فكرية دينية في الحياة العامة، معتبراً المسائل الفكرية الرفيعة وقضايا الجذور التاريخية للفكر والأديان، مسائل ترفيهية ومضيعة للوقت الثمين المكرس للشعارات!
ولهذا لا يصبر أعضاء الجماعات اليسارية والليبرالية على قراءة المسائل التراثية، ويريدون فقط مناقشة المسائل اليومية، والتركيز على سطوح الظواهر، تدفعهم في ذلك الرغبة في تأجيج التطور والإسراع بحل المشكلات، دون أن يتحقق لهم شيء من ذلك فييئسون!
لأن حل المشكلات الجماهيرية لا يتم دون وجود جبهات سياسية واسعة تضم أوسع القطاعات الشعبية، وهو أمر لا يتحقق في وجود انقسام مذهبي سياسي واسع وتفكك فكري، ومن هنا يحتاج الأمر إلى ركائز فكرية مشتركة واسعة بين الناس، وبين الكتل الاجتماعية المختلفة، وهذه الركائز تعتمد على فكر النهضة والجذور الإسلامية والأفكار التقدمية المعاصرة معاً!
وهذه ليست خلطة طعام سريعة، بل هي رؤى منفتحة عند الجماعات السياسية الفكرية المؤثرة، تدفعها للقسمات المشتركة في الإسلام والفكر التقدمي الحديث، وقد تجاوز الاثنان الأشكال الشمولية وتخلصا من شبكات السيطرة، سواء على مستوى سيطرة الدول القديمة العربية وشكلنتها للإسلام، أم على مستوى الدول التقدمية المعاصرة وشكلنتها للفكر التقدمي وتحويله إلى شبكة للهيمنة الأدارية.
وفي الفكرين تتوارى الأجهزة الشمولية ويتجسد تحنيط النضال والوحدة الكفاحية الديمقراطية المعاصرة تتطلب نقدهما على مستوى الحاضر أو الماضي، وعلى مستوى الدين أو على مستوى السياسة !
اليسارُ والطائفيةُ #المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!
انقسامُ (اليسار) إلى قوى تابعةٍ للطوائف بدأ مع تبدل نفوذ رأسماليتي الدولة الشموليتين الروسية والإيرانية، فالأولى بشكل الاتحاد السوفيتي كانت تتفككُ وتعود للحجم القومي من دون أن تتبدل جوهرياً باعتبارها جمهورية روسيا الاتحادية.
والثانية كانت تصعدُ وتصير قوةً إقليمية، مستعيدةً دورَ الاتحاد السوفيتي بشكلٍ ديني رجعي.
وكان يُلاحظ إن بؤرةَ التلاقي والتداخل لبعض القوى العربية المهاجرة أو المتعاونة مع نظام البعث السوري مثلت بدايات التبعية والتأثر بما يُنتج من تحللٍ في اليسارين السوري واللبناني.
تأثيراتُ النظام السوري الشمولي المأزوم الخفي في تفاعلاته كانت واضحة على الحزبين الشيوعيين في سوريا ولبنان حيث اصطفا مع رأسمالية الدولة السورية الشمولية.
كان الموقفُ المهترئ المتحلل من الاتحاد السوفيتي الذي تكشف بشكل مستمر عن طبيعته المماثلة لرأسمالية الدولة الشمولية المؤسِّسة، يكمن في بقاء اللافتات الزائفة عن الدولة الاشتراكية القيادية، والطبقة العاملة الحاكمة وما إلى ذلك من خرافاتٍ سياسية.
وقد انتقل هذا التأثير المؤدلج الزائف إلى تقييم النظام السوري بشكل مماثل، وإن لم تكن الطبقة العاملة قيادة فيه، ولم تكن هنا المسألة الطائفية تلعبُ دوراً محورياً، فالفئات البرجوازية الصغيرة المستنفعة من النظام السوري كانت متعددة المشارب.
ثم جاء النفوذ الإيراني ليردد شعارات أخرى بشكل المقاومة والتصدي للاستكبار، وكلها كانت تعبيراً عن عدم قدرة بعض النظم الشمولية الشرقية في التقدم نحو الديمقراطية ووجود هيمنات قومية بشكل ديني.
لكن في حالة إيران كانت المسألة أكثر خطورة وعودة لعالم الطوائف وتفكيك عرى الأمم العربية والإسلامية.
مع سقوط الاتحاد السوفيتي والصعود الإيراني ونر الطائفية السياسية بدت الطائفية فاقعة في الحزب الشيوعي اللبناني، الأمر الذي أدى للانشقاق وتكون يسار ديمقراطي لم تظهر فاعليته بقوة.
في البحرين كان الحراك الطائفي المتأثر بولاية الفقيه والنفوذ الإيراني فاقعاً هو الآخر. وهنا لم تستطع القوى الصغيرة الباقية من القوى التحديثية خاصة في المهجر من تكوين رأي عميق نقدي تجاه التغلغل الطائفي في النظام السوري والنظام اللبناني.
لقد أخذها الحراكُ الطائفي السياسي وأصدرت بيانات مؤيدة له. وقد تصورت القوى السياسية البحرينية عامة أن التجمعات الشيعية السياسية قادرة على الاشتراك ضمن الحركة الوطنية العامة وقطع علاقاتها بالمركز الإيراني، ولكن مرت سنوات عديدة دون أن يلوح ذلك في الأفق وعجزت عن الاستقلال مثلها مثل حكومة المالكي وحزب الله اللبناني.
واستمرت عزلة التكوينات الشيعية السياسية عن التقارب والذوبان في التكوينات الوطنية، واستمر مشروعها الطائفي السياسي الخاص، كإعادةِ إنتاجٍ لما جرى في إيران، أو لإنتاجِ نسخةٍ معدلة منه لا تلغي الهيمنة الكبيرة على المجتمع والدولة، وتجلى ذلك خاصة في سنة الربيع العربي 2011.
وعلى مدى هذه الفترة فإن القوى التحديثية ذات الانتماء للطائفتين الاجتماعيتين المختلفتين السنة والشيعة ظلت موحَّدة في ظل شعارات عامة وطنية أخذت تتحلل على مدى سنوات.
كانت الأفكار التابعة للرأسماليات الحكومية الشرقية هي ذاتها شمولية عجزت خلال عقود عن خلق تحالف طبقي بين العمال والبرجوازية يخفف ويُحجم تأثيرات ما قبل الرأسمالية السياسية والاجتماعية والفكرية.
وكانت رأسمالية الدولة في البحرين قد أدت لمثل هذه التأثيرات والاستقطابية خاصة مع توسع الدعاية الإيرانية ونفوذها.
القوى التحديثية المتضائلة عبر العقود السابقة لم تقاوم الشموليات داخلها ولم تعرف مسار العالم في الشرق خاصة، وشكلت صوراً مؤدلجة مغايرة للتطور الموضوعي.
ولهذا فإن المغامرة السياسية الشيعية التي جرّت قسماً من السكان قد كشفت عن هويتها الطائفية وخطرها على السلم في الوطن ومنطقة الخليج، لما كان سوف تسببه من مشكلات خطيرة.
ولهذا فإن انقسامات الجماعات التحديثية إلى طائفيتيها السنية والشيعية لم يكن غريباً ومذهلاً.
كان المجتمع قد انقسم فانقسمت الكتلُ السياسية التي لم يعد أي فكر فيها فقد فقدتْ فكرَها العلماني القومي والماركسية كوعي ديمقراطي وغدا بعضُ الأفراد الخالين من العمق الفكري والتجربة الديمقراطية يقودونها للانقسام الطائفي المريع معبرين عن شمولية ذيلية للطائفيين.
كان دخولُ القوى التحديثية في الطائفية السياسية نتاجَ تحللٍ طويل للمفاهيم التي لم تعدْ قادرةً على فهم التحولات في الأنظمة المختلفة في المنطقة وفي الشرق عامة.
كان وهمُ الاشتراكية ووهمُ مقاومة الاستكبار وصدأ أدوات التحليل للماركسية الشمولية الشرقية وأدلجة ولاية الفقيه بشكلٍ فاشي كلها تتلاقى في اضطرابٍ فكري سياسي.
كان تغيير البحرين ديمقراطياً يتطلب تحويل رأسمالية الدولة الشمولية لرأسمالية حرة، أي قدرة البرلمان المنتخب على جعل القطاع العام شعبياً ديمقراطياً، والقيام بسلسلةٍ من الإصلاحات السياسية والاقتصادية.
لكن هذا يتعارض مع هيمنة رأسماليات الدول في المنطقة حيث هي النمطُ السائد سواء في السعودية وإيران والعراق أو غيرها.
الدخول في الرأسمالية الحرة يتطلبُ سنوات طويلة في مجموع هذه الدول وفي المنطقة عامة، وبطبيعة الحال فإن هذا التصور لا يخطرُ على بالِ الجماعات السياسية البحرينية وخاصة العائشة على أفكار اليسار القديم.
إن هذا الانتقال للرأسمالية الحرة، هو عملياتٌ تاريخية اجتماعية سياسية معقدة، تكشف تفاوت التطور العالمي بين شرقنا والغرب، وفي منطقتنا فإن الانتقالَ لذلك يتطلب تضافر عمليات التحول الاقتصادية السياسية في هذه البلدان معاً أو بشكلٍ متضافر متقارب، وهي بلدانٌ تأخر فيها هذا التطور، وتعيشُ أوضاعاً شبه بدوية وقروية.
لهذا فإن العمليات السياسية الديمقراطية تحتاج للتدرج والمواكبة بين هذه البلدان، والقفزات المغامرة أو التصميمات الشكلية المفروضة من الخارج لا تؤدي سوى لعرقلة التطور الديمقراطي الحقيقي.
والبحرين تعيشُ في مواجهة مع جار شرس يستغل بعض القوى الأهلية لخلق مسار موال له، ومن هنا يغدو التطور التدريجي فيها مهماً، مع العمل للدفاع عن مختلف الطبقات الشعبية وتطوير ظروفها وتحويل رأسمالية الدولة لرأسماليةٍ وطنية ديمقراطية. وتحولها لحرةٍ يستلزمُ تحولات أكثر تطوراً في الحياة السياسية والاجتماعية على الصعيدين الداخلي والمناطقي.
ولهذا فإن هذا المسارَ المفترض الموضوعي المستند لخبرة التطور العالمية، لا يمكن أن يُفهم من قبل قوى تكلستْ فكرياً، فتغدو لها المغامرة وإعادة إنتاج النموذج الإيراني أو السوفيتي أو الصيني أو العراقي هو الطريق الصائب.
نماذجُ رأسمالياتِ الدول الإيرانية والسوفيتية والصينية والعراقية، تعطينا الآن هيمنة نموذجَ ولاية الفقيه السائد المسيطر وذيوله من التنظيمات الأخرى ذات التجارب اليسارية والقومية السابقة التي تسايره وترفض نقده وتجاوزه.
تماهتْ هنا لدى هذه المجموعات الفوارقُ بعد التحلل الفكري الطويل، وتوحدت في هيمنةِ الشمولية الكبيرة الطائفية ذات الجمهور الريفي الذي يريد فرض نموذجه السياسي.
فقدت الرأسماليات الحكومية العسكرية السابقة الذكر تبايناتها الكبيرة وغدت نسخة متشابهة حيث القوى تتحد في عمليات مضادة للديمقراطية والعلمانية ويجري الصراع حول الطوائف.
ولهذا فإن الجماعات المنشقة عن هذه الهيمنات المختلفة من الطائفة السنية في البحرين، استشعرت الخطرَ من هذه المغامرة على النظام العام وعلى مكانة طائفتها، ولما لم يكن ثمة حوارات ديمقراطية وقراءات طويلة مسبقة للواقع وللتاريخ الفكري لهذه الجماعات ومرجعياتها، وهيمنة طرف على آخر، فالأسهل هو الانشقاق والتفتيت.
بطبيعة الحال فإن الجماعة المحورية المخططة للمغامرة استغلتْ الغبشَ السياسي في المنطقة وخلطت الأوراق، ولكن هذه الأعمال كلها أضعفت قوى الحداثة والديمقراطية عامة.
الفئات المنشقة ساهمت في إضعاف قوى التحديث ولم تصبر لتغيير البُنى السياسية من الداخل، فتحولت هي الأخرى لكيانات طائفية سياسية منشقة، وكانت تعيش نفس التصورات الشمولية ولم تساهم في التحويل الديمقراطي.
ومن دون تعاون القوى الوسطى والعمال الديمقراطية الوطنية يصعب تجاوز مأزق الانشقاق الطائفي ولكن هذا يتطلب نقدها وتجاوزها للشعارات والتنظيمات الطائفية وتعاونها معاً من أجل حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للجمهور، وتغيير طريقة عيشه ومطالبه في تغيير الأجور والبحرنة ومراقبة المال العام وغيرها من قضايا محورية.
تدهور وعي المجموعات المعارضة يعودُ إلى تدهور حركاتها السياسية على مدى نصف قرن.
لقد كانت الماركسية أداةً تحليلية نقدية موضوعية ديمقراطية معبرة عن مصالح القوى العاملة كما تشكلت في الغرب، لكنها تحولت في رأسماليات الدول في الاتحاد السوفيتي والصين وغيرهما من هذه المنظومة إلى أفكار متكلسةٍ يمينيةٍ معبرةٍ عن استغلال القوى البيروقراطية الحاكمة حتى دهورت مصالح العمال والقوى الشعبية عامة في بلدانها وفي بلدان العالم الثالث.
عملياتُ نقلِها التي تمتْ حافظتْ على النهج العام نفسه المكرس سلطوياً بشكلٍ عالمي مزدوج (روسيا والصين)، الذي واجه العمليات الموضوعية في تطور بلدان العالم الثالث ذات المستويات المحدودة في التطور الاجتماعي، بخطط متطرفة وبقفزات عن المستوى الاجتماعي الحقيقي، عبر استيراد الموديل الخارجي وفرضه على الظروف.
وتشكل ذلك عبر عدم الالتفات إلى ضرورات التحالف بين العمال والفئات الوسطى لتشكيل منظومات سياسية ديمقراطية، فذلك التردد في العالم الثالث بين نموذج الديمقراطية الغربية ونموذج رأسمالية الدولة الشمولية، انتهى بسيطرة نموذج روسيا أو الصين.
في منطقتنا كانت الأحزاب الشيوعية والقومية المتطرفة حواضن لهذا النموذج، ومن هنا كانت جبهة التحرير الوطني في البحرين متأثرة في بدء تشكيلها بأفكار حزب توده التي جاءت من تجربة تكرّس وتكلس فيها نموذجُ روسيا السياسي، وإذ عكفتْ على تطويرِ حركة التحرر الوطني الديمقراطية، لم تهتم كثيراً بتصعيد التحالف التحديثي بين العمال والفئات الوسطى، بحيث صعدت وحدها من دون حلفاء اجتماعيين كثار، ولهذا ذهبت التضحياتُ الكبيرة من دون ذلك التراكم الديمقراطي الوطني الواسع، مثلها مثل النموذج الصيني المتمثل في الجبهة الشعبية، الذي خاضَ مغامرات أكثر فداحة.
كان هذا التصعيدُ استنزافياً، وأخذ النموذجان الشموليان في روسيا والصين يُظهران تآكلهما في المركز والأطراف.
النموذجُ المشوهُ للماركسيةِ في كل من روسيا والصين يظهرُ في شخصية الحزبيّ المركزية، الشخصية المسطحة، التي تخلو من أبعادٍ عميقةٍ لفهم الفكر التقدمي والإنساني عامة، وهي الشخصية العاطفية المرددة للشعارات، المضحية والمنهارة مع السنين، والعائدة للتكوين الحقيقي التي ظهرت منه وهو التُربُ الطائفيةُ المختلفة.
إن الماركسية كمنهجٍ للتحليل صدأتْ في المصدرين الروسي والصيني، وتحولتْ إلى نصوصيةٍ جامدة وانتهازية، ووضعت خطوطاً عامة للتغيير عبر المواجهة الدائمة للبرجوازية والمتوجهة للمعارك والثورات بشكل مغامر واستنزافي للقواعد الحزبية.
لهذا فإن الشخصيةَ الحزبية المناضلة تعبتْ فكراً وتسطحتْ أكثر، وعادتْ لواقعِها المتخلف، وغدتْ ذكوريةً استبدادية، ولم تصعد علاقةً مختلفة مع النساء والفئات الوسطى والثقافة، وغابتْ التحليلاتُ والتنظيرات والرؤى المختلفة المغتنية بالصراع والتنوع، والمتوحدة في العمل ذي الاستشراف المستقبلي.
لهذا لا عجبَ أن تلتقي مع القوى الطائفية المستوردة لولاية الفقيه، حيث إن هذه اختصرتْ طريقَ التنوع والنضال العميق والتعب الكفاحي الوطني وجلبتْ ثمرةَ رأسمالية الدولة الإيرانية الشمولية وأرادتْ تحويل البحرين كنموذج آخر لها، ولم تستطع بطبيعة الرؤية أن تواصل النضالَ الوطني الديمقراطي التوحيدي، الذي بذرتهُ تلك المنظماتُ السابقة ولم تواصلهُ وتطورهُ بنقدِ فكرِها وتاريخها، بل كان الموديلُ الإيراني الذي شقَّ صفوفَ الشعب، وإعادة لرؤية محافظة متخلفة سبق أن تجاوزها الشعب في مرحلة سابقة.
ومن هنا كان الحراك الطائفي الجماهيري المنفوخ بهواء المغامرات وقلة التبصر، جاذباً للنماذج المنهارة في حركة اليسار السابق المتحول للسطحية والشمولية، والذاتية.
كانت هذه أقل كلفة من التعمق في تاريخها ونقده وتطويره، وخاصة انها الموعودة بالقفز إلى الكراسي ولا تهم طبيعة هذه الكراسي سواء كان يقدمها النصُ الروسي أو الصيني الشموليان أم النصُ الإيراني.
عجزت هذه النماذج عن مقاربة الديمقراطية والليبرالية ولهذا هي في أزمة داخلية عميقة، وكذلك فإن المتأثرين بها عاشوا من دون تطوير ذات القسمات التحديثية ولهذا فإن النموذج الشمولي الطائفي الأخير يعبر عن هذا التآكل التاريخي.
حين يغدو اليساري طائفياً #المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!
إن الواقع هو الذي يوجه الأفكار، لهذا فإن إنقسامَ الاشتراكية بين إشتراكيةٍ غربية ديمقراطية وإشتراكية شرقية إستبدادية، هو وليدُ التباين في تطورِ الحياة الاقتصادية الاجتماعية في كل من الجانبين.
فالأفكار تخضع لطبيعة الواقع، واليساري الشرقي حين يعيش في بيئةٍ تقليدية تقومُ هذه البيئة بتغييره تبعاً لظروفها وتبعاً لصمود موقف اليساري تجاه هذه البيئة وتقاليدها وأفكارها ومقاربته للعناصر الاستثنائية النضالية في تاريخها.
يعود ذلك للمجتمع وما إذا إستطاع أن يطور أفكاره النهضوية الديمقراطية أم لا؟ وما هو موقف الدولة من تطوير أو تحجيم هذه الأفكار؟
إن الفئات الوسطى الصغيرة تتذبذب بين التيارات، ويحدد تطورها هذا الواقع الذي تعيش فيه، وحين لا يستطيع هذا الواقع والقوى المتنفذة تطوير العناصر الديمقراطية الصغيرة في المجتمع، ويغدو صراع المصالح المادية غير عقلاني وتتكرس المُلكيات والغنى في جهة ويتكرس الفقرُ والعوز في جهة أخرى، تضطربُ المقاييسُ وتعود الفئاتُ الوسطى الصغيرة بحكم تذبذبها وإهتمامها المحوري بمصالحها، إلى ما قبل الحداثة، وإلى تقاليدها وإرتباطها بطوائفها، فما تكرسَّ من تحديثٍ بسيط ومواقف مع الطبقات الشعبية أو الطبقة الوسطى ينهار، وتصبح أفكارُ الطائفة هي التي تستولي على العقول، وهي ليست أفكاراً عميقة بل ممارسات عبادية في الغالب تعكس الطوائف وتاريخها وسياساتها في العالم الإسلامي.
وأفكار الطوائف السياسية تعكس تذبذب حياة الشرقيين بين الإقطاع والرأسمالية، ومراوحتهم وعدم قدرتهم على التحول من نمط قديم إلى نمط حديث، ويتصلب ذلك في مواقف الدول الكبيرة التي أُقيمت على هذه الأسس التقليدية والتي تتحول لسياسات مؤثرة.
وهذا هو ذاته جرى حين توجهت الطوائف السنية للارتباط بالدول التقليدية بدءً من الأموية فالعباسية، وإرتباط الطوائف الشيعية بالدولة الفارسية، وتعمقت الاختلافاتُ والصراعات، ولم يُتح لدولةٍ نهضويةٍ ديمقراطية أن تظهر وتغير تلك العناصر الاجتماعية السياسية.
ولهذا فإن اليساري يتأثر بمدى صمود العناصر الوطنية التوحيدية في حزبه أولاً، وإذا ما حدث إختراق وتدهور لوعيها، ورجوعها لهيمنةِ القوى التقليدية التي تفاقم حضورُها نظراً لعدم قدرة مجتمعه على تطوير وإنضاج التحول الديمقراطي.
وهذا يظهرُ في تاريخيةِ الأزمة، ومحطاتُها هي في ظهور الأزمة بدءً من التاريخ العالمي (الاشتراكية) والمناطقي (الدول القومية والدينية الاستبدادية)، وأخيراً في البلد المعني، وهل قاوم الحزبُ المعبرُ المفترض عن التوجه اليساري الدكتاتورياتَ سواءً تجلت في المعسكر الاشتراكي أو في الدول القومية والطائفية المحافظة التي نشأت على أنقاض ذلك أو في تطور بلده.
وهذا يظهر في مواقف قياديه وعناصره البارزة وأدبياته، ومدى تصديهم للاختراق الطائفي عبر نضالهم وإرتباطهم بالعلوم وبالمعرفة العميقة، وهو إرتباط ضعيف محدود في بُنى هذه الأحزاب، وكذلك في مدى صمود العناصر الأخيرة وهل تحللتْ وذابت بين الجماعات والعناصر الطائفية والمحافظة، ولم تؤسسْ شيئاً ديمقراطياً معمّقاً بأدواتِ التحليل الاشتراكية الديمقراطية؟
وفي بيئةٍ شعبيةٍ أميةٍ وبتغلغلِ الأحزاب في بسطاء عاشوا على الشعارات وعلى سطوح الأديان والمذاهب والفلسفات، فإن الأمور تتجه مع الغالب العالمي أو الإقليمي المؤثر العاطفي وبإستخدام المظاهر العبادية والتي تغدو حادة مؤثرة عبر التوجهات غير العقلانية المليئة بالعواطف الحادة، حيث جرى على مدى قرون خداع الفقراء وإستغلالهم وإستخدامهم في المناورات والصراعات بين الأمم والطبقات والطوائف.
إن العناصر الاشتراكية الديمقراطية التي قَدمت من الغرب غدت شمولية في الشرق، والعناصر النهضوية المذهبية الإسلامية في الماضي تجمدتْ وغدتْ مناصرةً للشموليات الطائفية وصعدتْ معها بنفسِ إرثها وتخلفها في العصر الحديث، وهذه العناصر الشرقية من الحاضر غير المتطور وغير الديمقراطية ألتقت مع العناصر الماضوية الطائفية التي لم تتوهج بالأفكار الديمقراطية الإنسانية فغدت خليطاً مضطرباً.
غدت غير عقلانية على مستوى الماضي وعلى مستوى الحاضر، فكان يُفترض أن تغذي الوعي النقدي والاستنارة، فغذت العصبيةَ والحدة وصار لها نفس طريقة القوى التقليدية في إستغلالِ البسطاء بالشعائر والجمل المخطوفة من التراث والادعاءات عن النضال، ولم تتعاون مع قوى الوسط والعمال في تكوين تحالفات تحديثية ديمقراطية تصعد عناصر الاستنارة والنهوض.
توحدُ العناصر المحافظةِ من إستعلاءٍ على البسطاء ووضع النساء في مؤخرة الحياة وهيمنة الأشكال السياسية والإدارية المتعالية هو الإرث الذي بقى وجمعَ المتنافرين شكلاً المتحدين مضموناً.
الموقف المطلوب هو نقد كافة الدول والاتجاهات في إخطائها وعدم الأنتقاء والتمييز بينها حسب قربها القومي أو المذهبي أو الاجتماعي، بحيث تغدو مواقف الاشتراكيين الديمقراطيين متسقة، تؤيد كافة الشعوب والاتجاهات الديمقراطية وترفض الحركات الطائفية والقومية المتعصبة لأن الموقف من الناس هو ذاته في كل البلدان حسب أوضاعها.
ظهرت خلافاتٌ عميقةٌ على صعيد وعي اليسار المحلي للمسائل المحورية في التطور السياسي، وهي جزءٌ من الصراعاتِ الفكرية والسياسية لليسار في العالم العربي حول المواقف من الدين، والاشتراكية، والرأسمالية، والغرب، أي على فهم قضايا التشكيلات الكبرى في حياة البشرية خاصةً تداخل وتباين تشكيلات الإقطاع والرأسمالية والاشتراكية، وكيف تجسد ذلك في التاريخ العربي الإسلامي، وفي الزمنِ الراهن والإشكاليات التي حدثتْ عبرَ الصراعِ بين القومياتِ الرئيسية في المنطقة.
لقد كانت هيمنتْ الجماعاتُ الطائفيةُ السياسية على الجمهور المتخلف الوعي عاملاً رئيسياً في إرباكِ الجماعاتِ اليسارية التي كانت تتخذ رؤى شبه واضحة (لكنها جامدة نصوصية)، أي غير جدلية تركيبية في المرحلة السابقة، وتكونت في حضن رأسمالياتِ الدول الشمولية (الإشتراكية) والقومية.
وهذا الحضن كما لعب دوراً في تصعيدِ دور القطاعات العامة والتحرر والنهضة الشرقية العالمية لعب دوراً في صنع رؤى فكرية سياسية محدودة جامدة، راحتْ تتهاوى جوانبٌ كبيرة منها بسببِ عدم النقد وغياب الديمقراطية على مستويات الدول الاشتراكية والأحزاب.
وبالتالي جاءت التحولاتُ في أشكال الدول الرأسمالية الحكومية (الإشتراكية) وتصاعد الدول والحركات الدينية (الإسلامية) لتعرض إتجاهات اليسار لمخاضٍ عسير.
وكلُ بلدٍ عربي أو إسلامي دخلتْ فيه المؤثراتُ المناطقيةُ والدولية حسب بنيتهِ الاجتماعية وصراعاتها وتطوراتها، وإنعكست المؤثراتُ على وعي قوى اليسار المختلفة، وجاءت الرياحُ لتضربَ قوى صلبة أو هشة، ففي التنظيماتِ ذاتها تواريخٌ لما هو وطني عالمي، ولما هو مواقفٌ اجتماعية صلبةٌ إنغرستْ فيها، أو لأخطاء تصاعدتْ في أجسامها، فنشأت مواقفٌ عقلانية تتصف بالتجريبية غالباً، وأما مواقف مغامرة خطرة.
وكان حالتنا في البحرين سيئة بشكل كبير، فهشاشةُ اليسارِ بينة، وتبعيتهُ للقوى الطائفية اليمينية كانت قد تكونت منذ التسعينيات، وكانت القوى الطائفيةُ السياسيةُ لا تخفي تبعيتها للمشروع الدكتاتوري الإيراني بتلاوينه التي برز منها مشروعُ الحكم خاصة، وقامت الجماعات في البحرين بمغامرات خطرة على كل صعيد.
لهذا كان تتبريراتُ هذه القوى (اليسارية) لكل الأخطاء التي تسميها وسائل النضال من حرائق وتخريب مدعاة للفزع السياسي، فقد إنهارت البنيةُ العقلانيةُ الوطنية المكِّونة لهذا الجنين اليساري، وتسوقُ دائماً الشعارات بشكلٍ نفعي، مفصولٍ عن أية قراءات تحليلية للواقع وللقوى السياسية الاجتماعية في البلد والمنطقة، ولمضامين هذه المواقف وعلاقاتها، عبر فصم علاقات القوى الطائفية البحرينية بشبكاتها في الخارج، والمنظومات الإيديولوجية التي تشتركُ فيها، وقطع العلاقات بين ما حدث في إيران من نشؤ دكتاتورية رجعية ومولوداتها الشبحية التي تغلغلتْ في بعض السكان البحرينيين وإستغلت معاناتهم وحركتْ غرائزهم ووجهتهم للفوضى وفرض أجندتها السياسية المتقلبة غير المحددة الثابتة، مثلما أتضح أخطار تلك الدكتاتورية بشكل خطير في المنطقة والعالم.
وجاء عهدُ التغييراتِ السياسية في البحرين في أوائل القرن الواحد والعشرين وفتحَ السجونَ وأطلق سراح كلَ هؤلاء الذين قاموا بتلك الأفعال السابقة الذكر، وظهرت التنظيماتُ السريةُ علنية، وغدت لديها منشوراتها وشاركت في الانتخابات وغير ذلك من مظاهر العملية السياسية المتعددة وكل هذا في غضون عقد.
أجبرتْ التغييراتُ السياسيةُ العديدَ من القوى السياسية على تبدل أفكارها الفوقية، وتوجه بعض القادة السياسيين للتعبير عن أفكار إصلاحية ولتنمية العملية السياسية والابتعاد عن أفكار المغامرة السابقة.
لكن هذه التغييرات في لغةِ الخطابات السياسية لم تكن عميقة، ولم تتوجه لقراءةِ إشكاليةِ الماركسية كما حدثت في العقود السابقة، وكيف يمكن إنتاج رؤى تحولية ديمقراطية جديدة منها على صعيد التشكيلات وفرز العلاقات بين الإقطاع والرأسمالية خاصة، وإعادة النظر فيما سُمي بالتجارب الإشتراكية، وإتخاذ مواقف جديدة من التنظيماتِ التي نشأتْ في المنظومة الإقطاعية العربية الإسلامية، وهي كلها أمورٌ من الصعب القيام بها على مستوى القيادات الخطابية السابقة، التي غرقتْ في بحر التغييرات وأعمالها الإدارية وإعادة تأسيس الجماعات.
حتى على مستوى المهمات الفكرية العميقة لم يكن ثمة وقت لها لو كانت هناك الأدوات التحليلية، لأن القوى الطائفية السياسية والجماعات المغامرة التي إلتصقت بها لم تتركْ للبلدِ فرصةً للتنفس السياسي، نازلة بقوة ومرة أخرى للشوارع مزايدةٍ على التغييرات ورافعة سقفها لأعلى، بشكلٍ مثير مستفز وبشكل يومي وعبر إستخدام الشباب الريفي الذي ليس له تجارب سياسية وإجتماعية عميقة خاصة!
لا شك إن المشكلات والقضايا التي يُنتظر حلها في بلدنا البحرين كثيرة، وقد تحركت عجلةُ التغيير وتساهم قوى جديدة بشكل مستمر في هذه العملية، لكن من جهة أخرى فإن الأوضاع الاقتصادية معقولة، وينتظر زيادة تغييرها بشكلٍ مضطرد، ونحتاج لعقليات سياسية تحليلية تحدد المشكلات وسبل إصلاحها، لمراكمة تحولات جديدة. فالحديثُ عن الأخطاء بشكلٍ أيديولوجي مؤدلج عام غير مفيد، بل ومضر، فأخطاء مثل ضعف الخدمات الطبية العامة ينبغي تحديدها بشكل واضح وكيفية تطويرها، بدلاً من الجمل العامة عن التدهور والخراب فيها!، أو تلك العبارات العامة عن سرقة الشواطئ فيجب تحديد ذلك والبرهنة عليه قانونياً والعمل لتغييره عبر السبل الديمقراطية المشروعة. فلا أحد يقبل بالأخطاء ولكن بأي شكل نناضل ضدها؟!
لم تشتغل قوى المعارضة على عملية التراكم الديمقراطية بواقعية، وقد جعلتنا طرقها نخسرُ الكثيرَ على مدى السنوات السابقة رغم إنها سنوات تحولات هامة لشعبنا!
وكما قلنا فإن القوى الاجتماعية السياسية الريفية هي إحدى المشكلات الرئيسية لهذه المعارضة بسبب تخلف وعيها، ومحاولاتها للقفزات وفرض نفسها بالقوة، ويبقى اليمين المذهبي المحافظ القائد لها، ذا مواقف غامضة يتبدل مع تحولات السياسات الإيرانية، ففي الزمنُ الإصلاحي المشترك لرفسنجاني وخاتمي نشأت إمكانيات للمشاركة في العملية السياسية التحولية في البحرين، ولكن مع تصاعد قوى التطرف الإيرانية عبر الحرس الثوري توجهت العملية للصدام المتصاعد والمغامرات الخطرة على مستوى بلدنا الذي أُتخد كحقل تجارب رهيبة.
هناك خطوطٌ متداخلة غريبة غامضة ترى في المشترك السياسي والتناغم الشمولي، إن البحر الإيراني السياسي يلقي بظلالهِ على الجزر البحرينية بقوة، ويتم تشغيل عوامٌ للحدة السياسية ولأجندات معينة أساسها الصدام.
ولم يكن مشروعُ الدولة التحولي في البحرين بغافل عن ذلك، وعرضه للتحولات وفتحه البرلمان والنقابات والجماعات السياسية هو جزء لخلق علاقات بحرينية سياسية جديدة، كان يمكن تطويرها بشكل ديمقراطي برلماني صبور، وبشكل إصلاحات إقتصادية بشكل إجتماعي باحث جدي عن الأخطاء وتغييرها، ولكن القوى المناوئة للتحول الديمقراطي الوطني المشترك كانت تجد لها أسباباً للمزايدة وإستغلال أشياء عديدة للتفجير، بحيث كنا نركض من إطفاء حريق لإطفاء حريق آخر!
وكما أوضحنا فإن (اليسار) في البحرين كان في حالة إعادة تأثيث لوجوده السياسي، خاصة الفريق المعتدل ولكن الفريقَ المغامرَ أسرع لمواصلةِ تأجيجِ المعارك السياسية مع ذات القوى المذهبية.
حالاتُ المزايدةِ لم تكن تَخفى على أحد، ولكن تبقى الأسباب متعددة وبعضها مجهول حتى يكشفهُ المستقبل، والأهم الواضح فيها هو رغبة هذا اليسار الصغير المحدود في علاقته بالناس أن ينتفخَ سياسياً، وأن يأخذ مساحةً لم تعدْ له، بسبب دورهِ في هدم التشكيلات السياسية الوطنية عبر مغامراتٍ سابقة، ولعدم إنتاج أي ثقافة ديمقراطية عقلانية تتغلغلُ في صفوفه أو في صفوف الناس، ومن هنا كانت شعاراته الحادة وإستعراضاته وإستغلاله لنفس الشباب الريفي قليل الوعي والتجربة السياسية وشحنه بالانفعالات الحادة.
المزايدة والجملة الثورية المنتفخة بالغرور كانت هي أهم واجهة له في السياسة، وكانت له دراسات وثقافة مهمة ومناضلون عديدون ولكنه لم يركز عليها ويطورها، فالصبر السياسي لديه محدود.
فكانت المقاطعة الحادة بمظاهراتها وصخبها ثم كانت المشاركة بغياب الكراسي فيها، في حين أن القوى المذهبية السياسية هي التي أتيحت لها ملء الساحة دون أن تغير بوصة من واقع الجماهير العطشى، فكان ذلك مؤثراً على جذور اليسار المغامر اليابسة وشحنه بإنفعالات جديدة ظهرت في المغامرة الأخيرة هذا العام.
لم يعد ثمة يسار متماسك مؤثر في الحقيقة، فقد نضبت قوى البرجوازية الصغيرة اليسارية، ولم تنشأ برجوازية تحديثية ديمقراطية، وملأت القوى الدينيةُ الساحةَ وهي قوى ليست تحديثية، وذات جذور ماضوية، فلم تستطع توحيد الشعب أو توحيد السياسات الوطنية، وتطوير الإصلاح ولهذا ليس ثمة سوى الصبر السياسي ومراكمة التحولات الديمقراطية وتحفيز قوى الحداثة وعلى درس الظروف والقضايا ومشكلات الجمهور وعرضها وتنمية وعي ديمقراطي مستنير، وخاصة في تصعيد دور الشباب والنساء وإصلاح الريف من مشكلاته المزمنة.
اليسار الذي كان حقيقياً لم تكن قيادته في مستوى المهمات المركبة للمرحلة الراهنة، ويكفي لتاريخها إنها أنشأت القوى السياسية ومشت في مرحلة طويلة صعبة كلها أزمات، ولكنها لم تورث قيادات شابة في مستوى المهام المركبة للمرحلة، وهذه القيادات لم تطور وعيها بأدوات التحليل الجديدة في الماركسية والقومية والحداثة.
فوقفتْ صماءَ تجاه المرحلة التسعينية وما جرى فيها من أخطاء سياسية وفكرية، وكان هذا واضحاً في مواقفها من المعسكر (الإشتراكي) وعدم صعودها لمستوى الأحزاب اليسارية التي إعادت النظر في هذا المعسكر، أو تأييدها الصامت لـ(لليسار)المتخاذل المتواطئ مع الطائفية في لبنان وسوريا على سبيل المثال.
غيابُ هذه العقليةِ القوية التحليلية الناقدة للإرث الإستبدادي في اليسار، تظهرُ في حالةِ جمودٍ سياسية في وعي هذا (اليسار)، ففي الزمن التحولي الأول لاحظنا محاولة التميز عن اليسار المغامر، لكن هذه المحاولة لم تتصاعد ولم تتوجه لتطوير قوى اليسار عامة بل توجهت للمظاهر الخارجية بدلاً من الدرس والدخول في الناس، ثم إنزلقتْ لنفس موقف اليسار المغامر وخطأه الفادح الذي توج دوره السلبي، لكون المواقف الفكرية لمشروع اليسار العقلاني المُجهَّض غير متبلورة على أصعدة كثيرة فجاءت المواقفُ السياسيةُ تصطفُ في خاتمة المطاف مع المغامرين الطائفيين والقوميين.
اليسارُ مصطلحٌ غربي، يعبرُ عن التيارات داخل أروقة البرلمانات، ثم تحول إلى مصطلحٍ يعبرُ عن الاتجاهات الاجتماعية السياسية عالمياً. وبهذا فإن اليسار كقوى إجتماعية ضاغطة من أجل التغييرات لمصالح الأكثرية الشعبية يمكن أن يضم قوى متعددة حسب البُنى الاجتماعية وحراك قواها المنتجة في كل فترة تاريخية.
ولهذا فإن يسارنا يفترضُ أن يرتبطَ بتحولاتِ القوى المنتجة، وقد كانت في سنوات (50- 80) من القرن العشرين قد تشكلت قوى عاملة يدوية وطنية غالبة وتكون يسارنُا الوطني بالتناغم معها وعمل بكفاءة ضمن الحدود المتاحة له، وأوصلَ البلدَ للحظاتٍ تاريخية معروفة.
وهذه القوى العاملة تغيرت تغيراً كبيراً منذ ذلك الحين، وأدت التدفقات المالية الكبيرة على البُنية الاجتماعية لتغدو الطبقة العاملة بحرينية- أجنبية، بدون تناسب، وتظل رغم هذا التداخل الصعب والتغييرات الكبيرة بها قادرة على أن تطور نفسها وأن تساهم في التحول الوطني، ولم يتح لليسار في التحولات الديمقراطية أن يواصل تنفيذَ إستراتجيته الأولية البسيطة التي طرحها في بدء زمن التغييرات، بأن يشارك في عملية التحولات الإصلاحية بسبب إعتماده على الخطابات السياسية من مقره، ولم يكن هذا الطابع الفكري كافياً، فقد كان إرتباطه بالعمال ودرس أحوالهم ومساعدة تطوره الاقتصادي الاجتماعي الثقافي هو جوهر دوره المنتظر.
هذه العملية لم تحدث بشكل كبير، وأثرت الأحداثُ السياسية والصراعات الكلامية في جر هذا اليسار إلى صف اليسار المغامر والجماعات الطائفية المرتبطة بالتحركات الأجنبية في بعض المواقع الخطرة.
ضخامةُ البنية الاجتماعية للعمال المواطنين والأجانب التي لم يعد أي جسم سياسي قادر على التأثير العقلاني النقابي السياسي عليها ككل، وصعوبة التأثير فيها بأشكالٍ ديمقراطية، أتاحت للقوى السياسية غير العمالية والمرتبطة بفئاتٍ وسطى نخبوية أن تهيمن على الحركة النقابية. في حين أن أقساماً من العمال الأجانب حصلوا على قيادات مؤثرة عقلانية ناضلت معهم بشكل قانوني لتحسين أحوال بعض القطاعات ونجحت في ذلك.
إن تداخلَ اليسارِ المغامر والقوى المذهبية السياسية مزيجٌ معبرٌ عن النفعيةِ الذاتية وإلغاء مصالح الطبقة العاملة وتطوير أوضاعها، وقد كسرَ ذلك التأثيرَ القوي لليسار العقلاني في السبعينيات من القرن الماضي حين تحدث التحركاتُ النقابية والسياسية بشكلٍ مبرمج وبدون عنف وتخريب.
في حين أن الوقت الراهن يوضح تأثير القوتين السياسيتين السابقتي الذكر في حرفِ نضال العمال، عبر ربطهِ بمغامراتهما السياسية الخطيرة على الوطن والمنطقة.
هنا نجدُ الفئاتَ العماليةَ المكَّونةَ بشكلٍ كبير من قوى الريف ليست لديها أي تجربة نقابية وأي عمق سياسي، وتعيشُ في حالاتٍ من القلق الاجتماعي والتأزم المعيشي والتخلف التعليمي، وهي التي يَسهُل إصطيادها من قبل قوى البرجوازية الصغيرة اليسارية والدينية اليمينية المتطرفة، ولهذا نجدُ الهروبَ الواسع من حلِ مشكلات العمال الاقتصادية والعملية والتركيز على الصخب السياسي، فبالإضافة إلى تطلب ذلك درساً لمشكلات العمال وصبراً على متابعة أوضاعهم المختلفة وطول نَفسٍ في تغييرها، فإن جماعات الجمل الثورية غير الواقعية، لا يمكن أن يعملوا مع الطبقة العاملة بشكل حقيقي مستمر، وهم مشغولون بتفجير النظام أو بالقفز على الحياة السياسية المنفتحة.
مساران لا يلتقيان؛ طبقةٌ عاملةٌ تحتاجُ لحل مشكلاتها العملية والمعيشية، تُجمدُّ مطالبها، وتُرحلُ نحو المغامرات السياسية. فتبقى المشكلاتُ الجوهريةُ والعاديةُ للعمال البحرينيين خاصة كما هي، فيما تزدادُ مشكلاتُهم عبر المغامرات السياسية وما يحدثُ فيها من خسائر إقتصاديةٍ وإغلاق مؤسسات وتدهور لأجورٍ وغلاء.
وهذا ليس تحاملاً على أخوتنا وأخواتنا في الهيئات السياسية والنقابية بقدر ما هو رصد لما جرى ويجري، وكون خلفياتهما السياسية المتشنجة لعبت دوراً كبيراً في عرقلةِ تطور حياة العمال كما في عرقلة تطور الشعب ككل.
لقد رصدنا تلك الخلفيات المتشنجة في مجالات سياسية ولكن هنا يتوضحُ تأثيرَها على حياة العمال، أي على طبقةٍ مؤثرة في تطور وعي اليسار بدرجة خاصة، فهي حاضنته الكبيرة.
ولكن كيف يكون الدينيون حاضنين لهموم العمال وللوعي اليساري معاً؟ هذا ممكن إذا تخلوا عن الرغبة في الهيمنة على المجتمع وسوقهِ لما يريدون من مخططاتٍ جاهزة ولا تطور وضع العمال، ومن أهداف سياسية غير منبثقة من علاقاتهم الاجتماعية الوطنية ويفرضونها بالقوة، وكأنهم يريدون نقل نموذجهم الريفي إلى المدن، حيث يقومون بنشرِ دكتاتورية كبيرة على القرى والنساء والعقول والحريات.
مثل هذا الوعي لا يتماشى مع حياة الطبقة العاملة، الطبقة الحديثة، المرتبطة بأكثر العلاقات الاجتماعية إنسانية، كما أنه موقف إستعلائي لا يدرس حياة الشغيلة ويطورها في ظروفها الحقيقية، بل لديه موديله الجاهز عليها، يجرُهَا إلى الشوارع والسجون والغازات والرصاص والمقابر ليحقق دولة الهيمنة المذهبية غير المتوافقة مع مصالح الكادحين. أهذا نموذج يعملُ من أجله العمال؟!
إذن لا بد من نقد الذات المتعالية والتواضع في طرح البرامج، وتطوير حياة الناس الحقيقية لا الوهمية، ومشاركة بقية القوى السياسية والاجتماعية في العمل المشترك لحل مشكلات البلد وليس لجلب مشكلات للبلد.
إن تحالفَ المذهبيين السياسيين اليمينيين واليسار المغامر هو تحالفٌ غيرُ مبدأي، فلا يستندُ على أسس فكرية وسياسية موضوعية مشتركة معبرة عن أهداف شعبية حقيقية، فالأولون يمثلون اليمين المتطرف والآخرون يمثلون اليسار المتطرف، فكيف يمكن ترتيب مبادئ سياسية موحَّدة بين الأثنين؟
نقول (اليمين المتطرف) لكونهم لا يستندون على قوى إجتماعية من الطبقة الوسطى، فالتكوينُ الأصلي ضائعٌ في ملامح مستوردة محافظة إيرانية، لم تُغربلْ وتُنقد وتتشكلْ بحرينياً على أساس إجتماعي واضح عقلاني من تاريخنا الوطني.
وهو الأمرُ الذي يجرُّ هذا التكوينَ المحلي لبرنامج يميني متطرفٍ تفرضهُ الأجنداتُ الإيرانيةُ المبحرةُ في محيطٍ عاصف، عبرَ علاقةِ ولاية الفقيه وحكم العسكر المتصاعد.
ومن هنا فهذا التحالفُ يمثلُ عصاباً إجتماعياً سياسياً، أي هو جنونٌ سياسي لا يتعقلن سياسياً، وبالتالي يبقى السؤالُ ما هو الحل؟ ليس ثمة سوى هزيمته السياسية، والهزيمةُ ذاتُ شروطٍ مناطقية عالمية ومحلية متداخلة، أي هي نتاجُ أعمالٍ تجري على صعيد المنطقة وعلى صعيد بلدنا. ثمة أشياء خارجنا لا نستطيع أن نغيرها وثمة أشياء داخلية نستطيعُ أن نؤثرَ فيها.
إن التحولَ الداخلي يتطلبُ صعودَ قوى الحداثة الوطنية وخاصة قوى الطبقة الوسطى والعمال. ودون نمو هاتين القوتين على الصعيد السياسي الاجتماعي لا يمكن أن يتم تفكيك الجنون السياسي، وإرجاعه إلى حيثيثاتٍ إقتصاديةٍ وإجتماعية وفكرية محددة، يمكن درسها وتغييرها.
إن تصدعَ اليسار البحريني هو شيءٌ واضح، ولكنه لم يمت، ولهذا يبقى مهماً في إعادة نموه بشكلٍ جديد يعيدُ وعياً ديمقراطياً في العمال، ولحمةً وطنية وثقافةً حداثية عقلانية، ويغدو مُراقِباً لجنوح التحولات الرأسمالية نحو الأهداف الذاتية المحضة.
إن الطبقة الوسطى يغدو تطورها محورياً، وأساس صعود الديمقراطية المستقبلية المتكاملة، ولكن الاقتصاد الحر مطلوب والهيمنات مرفوضة، فكيف تتشكل الدوافع الداخلية في الطبقة من أجل أن تجعل الاقتصاد الوطني وطنياً بشكل متصاعد؟ إنها ترفضُ القيودَ على إستيراد العمال الأجانب، وكلُ رأسمالي يشتغلُ في نطاقه الخاص، لا يدري باللوحة العامة، أي بالمشكلات والأخطار والظروف المتباينة، فكل ما يهمه هو نمو أرباحه، فكيف سيساهم في العملية الديمقراطية الوطنية المتصاعدة وهي أساس نمو متجره ليكون مصنعاً، وأساس نمو البحرين لتكون مدينة حرة كبرى مستقلة في إتحاد إقتصادي عربي خليجي عالمي؟ إنه فقط مشغول بحسابه اليومي وأرباحه الصغيرة، فلا بد له من كيان سياسي معبر عن هذا التحول لبرجوزاية وطنية خليجية عربية لها سوق عملاق.
أي تطور حديث لا بد له من هذا الجدل بين عمال وطنيين وطبقة وسطى وطنية يتعاونان على مشروع مشترك، يختلفان في بعض الجوانب، لكنهما يتحدان في الحفاظ على الخريطة الوطنية.
إن وجودَ مرضٍ واسعِ الانتشار دليل على غياب الصحة السياسية الاجتماعية، وإذا كان التطرف في المذهبية واليسار شائعاً، فهذا لغيابِ يمين وطني يستثمر بشكل عقلاني، ويسار ديمقراطي يحللُ وينقد ويتجاوز أمراض الطفولة اليسارية.
إن الجمهور الذي يؤيد التطرف هو جمهور ضائع إجتماعياً، وهو من جذورِ فلاحين مُقتَّلعين من تاريخهم الريفي المتماسك، وهو شباب طموح ضعيف الإمكانيات التقنية والفكرية، وهو نساء محرومات في البيوت لا يجدن فرص التفتح والأعمال وغير هذا من فئات تجمع الأحباطُ والجمود وقلة الوعي فيها.
إن كسب هذا الجمهور وتوعية الشباب المتحمس الفاقد للوعي السياسي العميق، يمكن أن تقوم به القوتان السياسيتان الاجتماعيتان السابقتا الذكر، كلٌ في موقعه، حيث تتبلوران على صعيد تنظيم للطبقة الوسطى على طريقة الوفد المصري الليبرالي العلماني الديمقراطي، وعلى صعيد نمو يسار ديمقراطي يعيدُ النظرَ في الشموليات المختلفة التي أُسرَ في أيديولوجياتها، وبهذا يقومان بتفكيك العقد العصابية الاجتماعية السياسية للمرض الطفولي في كل من المدينة والقرية، وهذا يتطلب زمناً سياسياً طويلاً لكن بعض خطواته الآنية ممكنة واتضحت في تصاعد عمل فئات وسطى للاستقلال الفكري السياسي التحديثي والتوحيد وتصعيد الرقابة البرلمانية وفي ديمقراطية النقابات وغير ذلك من مهام، لكن الطريق طويل.
والأمور تغدو أخطر مع التقاعس والجمود فثمة خلايا فاشية قد تنمو من هذا العصاب الاجتماعي وهي تتلاقح عبر الإعصار الإيراني وما فيه من كوارث وحروب على صعيد المنطقة.
من اليسارِ المتطرفِ إلى اليمين المتطرف #المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!
في حراك الفئات الرأسمالية الصغيرة تذبذباتٌ واسعة من اليسار المتطرف إلى اليمن المتطرف، ومن الحلم السوفيتي إلى الكابوس الطائفي، ومن ثورة السلاح حتى الجثوم تحت العباءات الإقطاعية، إنها تتحرك عبر عبارات مجلجلة، فيها خيوط حقيقية وفيها غبار طبقي كثيف يعشي العيون عن السير في الدروب الدقيقة.
ولهذا ففي التحالف اليساري الديني عودةٌ أولى للوراء، وعدم صمود منهجية التحليل الموضوعي، والطفو على سطوح الجمهور المتخلف غير الواعي، مثلما يأتي الكاتب الريفي ليؤيد تداخل الأنواع الأدبية صارخاً مؤيداً الشكلانية تدفعه الشحناتُ العاطفية غير القادر على السيطرة عليها مثلما غير القادر على السيطرة على مادته الكتابية والواقع والتغلغل فيهما بدلاً من التوهان بين الأجناس الشعرية والنثرية.
في حضور الشكلانية حينذاك هزة فكرية وفنية لخلخلة مرحلة متجمدة للكتابة البحرينية، لكنها ليست كلها دقيقة، فالأنواعُ يجب أن تتشرب من الأرض وتطورها الاجتماعي الإنساني وتداخلها عبر هذا التغلغل والدراية بالأدب والفن.
مثلما أن السياسة البحرينية في أواخر السبعينيات فقدت أدواتَها التحليلية وبدأت تطفو على نثار اجتماعي تسودُهُ فئاتٌ وسطى كثيرة باحثة عن المال السريع والشهرة، وكلما تقزمت تنطعت. الأدواتُ التحليلية القديمة تكلست ولم تعد قادرةً على فهم سير المجتمع. وتبقى شعارات متيبسة أكثر فأكثر وبدلاً من صناعة التطور للإمام تساهم في العودة للخلف.
اليسار المتطرف يعبر عن حالات مدنية مشوشة اجتماعياً، فيها فئات للسير المعتدل أو القفزة للسلاح، لكنْ كلاهما يلتقي مع نضوب القواعد والبحث، والتوحد يحدث بطريقة نضوب جماعية، فليس ثمة فكرٌ جديد. يعيش مثل هذا اليسار العاطفي على تفاقم غربة فيجد بعض العامة المشحونين بذات الطريقة القديمة فيقلص الاختلافات الموضوعية، ويبحث عن مشترك زائف، فيهدم النظريات وتواريخ الأديان والبنى.
مثلما أن الكاتب الريفي يريد هدم الأشكال المتكلسة وتفجير الأدب والفنون، وليس لديه صبرٌ للكتابة والدراسة، من هنا تزدهر فيه وفي غيره مقولاتُ الدين حيث القوى الميتافيزيقية قادرة على صناعة المعجزات، وتبقى منطقةٌ سريةٌ للأبطال الخارقين الذين يُمذهبون؛ يحتفظون من جهة بطابعهم المحافظ ومن جهة يحتفظون بطابعهم (الثوري)، وكما أن المراحل التاريخية يُطاح بها، فإن التشكيلات الموضوعية لا يُعترف بها، وفي سحرِ الشرق تتمازج الأرواح.
وفيما بطولاتُ الجماهير الشعبية في القارات التابعة المتخلفة تُجيرُ للرأسماليات الحكومية بعد عقود من التضحيات، فإن الإدارات السياسية والفكرية والثقافية تتذبذب بقوة نحو اليمين الجديد الغامض الصاعد حسب أسعار اللحظة والمواقع.
والتطورات المتراجعة تحدث حسب البُنى الاجتماعية للدول والمناطق، ففي منطقة الخليج والجزيرة العربية وإيران حدثت هزاتٌ أخرى بسبب ارتفاع أسعار النفط، فدارت رؤوسُ الفئات الوسطى والعمالية، ومعها التيارات السياسية، فتقزمت بعضها وتعملقت أخرى.
لم تستطع هذه المنطقة التي لم تكن فيها مقارباتٌ مهمة للفئات الوسطى والعمالية التحديثية الديمقراطية أن تكرس عقلانيةً سياسية وصعوداً متدرجاً في مسار التطور الاجتماعي السياسي.
إن صعود اليمين المتطرف بأشكاله المذهبية الطائفية يتم بسرعة تحت معاول الانهيارات في جدران التضحيات العمالية والشعبية، وحيث لم تكن أُطر ديمقراطية فإن الإدارات القوية تثبت نفسها وهي في فضاء الشموليات الباذخ أو في خلايا الفقر الصاعدة أو المترنحة من الضربات العاصفة.
ومن يمتلك جمهوراً متخلفاً ولديه المال والنفوذ يصعد، وهو يؤثث سيطراته على هذه المواد الأولية والبشرية المُباعة في الأسواق، ولهذا فإن اليمين المتطرف يملأ الحقبة؛ روسيا الثورية تبيعُ السلاحَ للفاشين القتلة، والمناهج السحرية واللاعقلانية والمنفعية تُبث في الفضاءات، والانتقال من اليسار المتطرف إلى اليمين المتطرف حيث ليست ثمة قواعدٌ للتفكير الموضوعي مؤسسة، ولا هيئات منتخبة تكدس خبرةً رقابية وملفات كبرى عن الشؤون والمشكلات الوطنية، وإذا ظهرت فجأة فروعٌ صغيرة في براري القحط السياسي فإنها تريدُ القفزةَ الكبرى نحو تحقيق الغموض السياسي مثلما هي كتابة الكاتب الريفي. تريد تحقيق كل شيء، ولا تأبه بالبلدان وحدودها والطوائف وتواريخها، والمراحل السياسية وكيفية عبورها والتضحيات الشعبية وكيف التقليل منها وعدم التلاعب بها مرة أخرى وأخرى.
ثمة خلطةٌ شعرية سريالية تُكتبُ بدم الشعوب، وإنجازاتها هي المشي للوراء بحكم السيور التي ربطتها بجملها من الكتب الصفراء، والمراحل القديمة المستعادة بقوة الجهل.