بعد الحرب العالمية الأولى جرت تغيرات كبيرة في العالم العربي والإسلامي فقد زالت الإمبراطوريات التي تظلل المسلمين أو أغلبيتهم في وحدة سياسية حقيقية أو رمزية، وفي 1924 قامت الحكومة التركية بإلغاء الخلافة وأعلنت قيام دولة علمانية تحولت بعد سنة إلى جمهورية علمانية.
في ذات السنة نفسها كتب مثقفٌ أزهري وقاض شرعي بإحدى المحاكم المصرية كتاباً حول الخلافة الإسلامية واسم المثقف هو علي عبدالرازق، وبدأت عاصفةٌ سياسية وفكرية حول الخلافة والعلمانية.
كتب محمد رشيد رضا في صحيفة المنار:
[ لقد كانت الخلافة والسلطنة فتنة للناس في المسلمين كما كانت حكومة الملوك فتنة لهم في سائر الأمم والملل. وكانت هذه المسألة نائمة فأيقظتها الأحداثُ الطارئة في هذه الأيام، إذ أسقط الترك دولة آل عثمان، وأسسوا على أنقاضها فيهم دولة جمهورية بشكل جديد، من أصوله أنهم لا يقبلون أن يكون في حكومتهم الجديدة سلطة لفرد من الأفراد لا باسم الخليفة ولا باسم سلطان، وأنهم فصلوا بين الدين والسياسة فصلاً تاماً ]، (28).
لكن إسقاط السلطنة العثمانية لم يهز مصر مثل كتاب علي عبدالرازق، فهذا القاضي الشرعي قام بعرض رؤية تمثل انقلاباً كبيراً في فهم الإسلام، حيث أنكر وجود أصول شرعية لدولة دينية في الإسلام، مدللاً على ذلك عبر القرآن والسنة.
وقد فهم علي عبدالرازق ظهور الإسلام بأنه [ دعوة سامية أرسلها الله لخير هذا العالم كله، شرقيه، وغربيه، عربيه وأعجميه، رجاله ونسائه، أغنيائه وفقرائه.. ]، وإن هذا الدين الُمرسل لديه كان بغرضِ جمع ما اسماه الأمم العربية: [ هذه الأمم المتنافرة اجتمعت كلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، حول دعوة الإسلام، تحت لوائه ] لكن تلك الوحدة في رأيه: [ ليست سياسية بأي وجه من الوجوه. ولا كان فيها معنى من معاني الدولة والحكومة، بل لم تعد أبداً أن تكون وحدة دينية خالصة من شوائب السياسة. وحدة الإيمان والمذهب الديني، لا وحدة الدولة ومذاهب المـُـلك ]، (29).
يفصلُ علي عبدالرازق هنا فصلاً كلياً بين ظهور الإسلام كدين وبين ظهوره كدولة، وهو فصلٌ قد يكون مرجواً في زمن مستقبلي تحديثي عميق، ولكنه بأي حال من الأحوال لم يكن موجوداً في ذلك الزمن الأولي، أي أن علي عبدالرازق أسقط رغبته الذاتية على الواقع الموضوعي، وعبر هذا الإسقاط الذاتي كان عليه أن يتعسفَ التاريخَ والوقائع وثقافة الوعي السائد حينئذٍ.
فإن يكون الإسلام دعوة دينية خالصة لا تربطها بعمليات الصراع السياسي العربي وبتكوين دولة للعرب براية الدين، هو أمر يبترُ التاريخَ الحقيقي بغض النظر عن سلامة الدعوة لتكوين دولة لا دينية معاصرة.
يواصل علي عبدالرازق عرضَ فكرته:
[ يدلك على هذا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فما عرفنا انه تعرض لشيءٍ من سياسة تلك الأمم، ولا غير شيئاً من أساليب الحكم عندهم، ولا مما كان لكل قبيلة منهم من نظام إداري أو قضائي، ولا حاول أن يمس ما كان بين تلك الأمم بعضها مع بعض، ولا ما كان بينها وبين غيرها من صلات اجتماعية أو اقتصادية الخ…]، (30).
إن عبارة علي عبدالرازق تقومُ بعمليةٍ تعميميةٍ كبيرة، فكأن الباحث هنا ليست لديه أية وقائع عن تشكل الإسلام، فهذه الدعوةُ الدينية الخالصة التي لم تتشابك بمعاركٍ سياسيةٍ عربية وعالمية هي غير موجودة في التاريخ، فقد ارتبطت الدعوة بتغيير وضع العرب السياسي المشتت، وبتشكيل دولة كبيرة، ثم بتغيير الأنظمة السياسية المسيطرة على المنطقة، وهذا كله استدعى تشريعات على مختلف الأصعدة.
وصحيح ما يقوله [ بل ترك لهم عليه السلام كل تلك الشئون، وقال لهم أنتم أعلم بها ] ولكن هذا ينطبق على تدابير الإنتاج وصناعة الأشياء والعلوم وليس على النظم السياسية!
يقع خطاب علي عبدالرازق في تناقض كبير لا يعرف كيف يقوم بحله، وذلك يتبدى في العبارتين التاليتين:
[ ربما أمكن أن يقال، أن تلك القواعد والآداب والشرائع، التي جاء بها النبي عليه السلام، للأمم العربية ولغير العربية أيضاً، كانت كثيرة، وكان فيها ما يمس إلى حد كبير أكثر مظاهر الحياة في الأمم، فكان فيها بعض أنظمة للعقوبات، وللجيش، والجهاد، والبيع والمداينة والرهن، ولآداب الجلوس والمشي والحديث..].
ثم يقول مناقضاً ذلك:
[ ولكنك إذا تأملت، وجدت إن كل ما شرعه الإسلام، وأخذ به النبي المسلمين، من أنظمة وقواعد وآداب، لم يكن في شيء كثير ولا قليل من أساليب الحكم السياسي، ولا من أنظمة الدولة المدنية..]، (31).
توضح هاتان العبارتان المأزق الفكري السياسي الذي ألم بفكرة علي عبدالرازق، ففي الأولى يقول بأن ثمة نظاماً سياسياً شاملاً، يبدأ من العقوبات حتى مظاهر الحياة اليومية شكله الإسلام، ثم يقول في العبارة الثانية بأن ذلك ليس نظاماً سياسياً.
لكننا نستطيع أن نفهم سبب التناقض بأن لدى علي عبدالرازق مفهوم معين للدولة السياسية، لا يصرح به هنا، ولكننا نرى أنه النظم الغربية الحديثة التي يؤمن بها علي عبدالرازق، باعتبارها هي النظم السياسية الصحيحة والسليمة، ويتضح ذلك في تعبير (الدولة المدنية)، فهذا تعبيرٌ عصري جُلب مع العلاقة بالحداثة الغربية.
وهو إذ يؤمن بالإسلام إيماناً عميقاً، ولكنه يؤمن كذلك بالدولة العصرية المدنية، وبضرورة أن تكون دولة لا دينية، فإنه يقوم بالالتفاف على التاريخ الموضوعي وحقائقه التاريخية، بالقول بأن ما جاء به الإسلام لا يتضمن تشكيل دولة دينية:
[ إن كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات، وآداب وعقوبات، فإنما هو شرعٌ ديني خالص لله تعالى، ولمصلحة البشر الدينية لا غير ].
إن الرؤية الغائرة وراء هذه العبارات المتضادة هي رؤية لا تاريخية، فهي لا تفهم تشكل الإسلام كصراع لتكوين دولة لقبائل مشتتة، متخلفة، كما أن أنها لا تفهم – أي هذه الرؤية – الأفكار الدينية وسواها كتعبير عن وعي سياسي متداخل بالمقولات الدينية المختلفة، التي لم يكن بالإمكان أن لا تكون سياسية، وأن لا تتداخل مع الدين معاً، فتلك ضرورة الزمان والمكان، والمستوى التاريخي للعرب وللمسلمين وقتذاك.
إن الفكرة إذن لدى علي عبدالرازق ليست ذات جذور تاريخية، وذات بعد اجتماعي موضوعي، فتغدو خاضعة للإرادة الفردية الخالصة، سواء تشكل ذلك عبر وعي نبوي قديم، أم عبر إرادة علمانية حديثة.
فالدين مجرد دعوة أخلاقية ولا تتضمن هدفاً سياسياً لديه، وكأن بالإمكان أن تتشكل دعوة أخلاقية خارج الصراع الاجتماعي والسياسي، وكأن الدعوة الأخلاقية النبوية بتحطيم الأصنام ليست هي أيضاً تحطيم للسلطات القبائلية الكثيرة، وكأن المفهوم الإسلامي التوحيدي ليس هو أيضاً تشكيل سلطة مركزية في المدينة.
إن قيام علي عبدالرازق بتفكيك الصلة بين الديني والسياسي، يتشكل إذن عبر وعي ذرائعي برجماتي، هو وعي معاصر، يُسقط عملية تفكيك الديني عن السياسي، لهدفٍ راهن، هو تفكيك الصلة بين الدين والدولة.
ولكن هذا التفكيك وقطع الصلة بين الديني والسياسي، في العصر النبوي والراشدي، تناقضه السيرة والقرآن والأحداث، فهنا لا بد أن يقوم الباحث علي عبدالرازق بتعسف في تفسير كل تلك المصادر الإسلامية.
إن هذا العرض الحقيقي لما جرى في التاريخ، يستبدله علي عبدالرازق بعرض وهمي، فلا يتمكن من مناقشة المسائل المحورية التي ترتبت على مثل هذا الوضع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ انظر عبــدالله خـلــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
إسماعيل مظهر
في مقالته (أسلوب الفكر العلمي: نشوءه وتطوره في مصر خلال نصف قرن)، يعرض الباحث إسماعيل مظهر وجهة نظره في النهضة العربية الإسلامية في المنطقة عامة ومصر خاصة، وهو يوجه نقداً شديداً إلى المصلح المعروف جمال الدين الأفغاني فيقول:
(تعلم السيد جمال الدين الأفغاني منتحياً الأساليب العملية العتيقة التي عكف عليها العربُ منذ القرون الوسطى، فهو بذلك صورةٌ مصغرة أو مكبرة لعصر من العصور البائدة في تاريخ الفكر الإنساني. وهو بنزعته السياسية أشبه الأشياء في عصره بالحفريات التي تعيشُ بيننا بجثمانها وأن رجعت بتاريخها إلى أبعد العصور إيغالاً من أحشاء الزمن).
وينتقل إسماعيل مظهر من النقد العنيف للأفغاني إلى النقد العنيف لكل ما أنتجه العربُ فهو في رأيه غير جدير بالحياة فيقول:
(ذاعت بينهم مذاهبٌ فلسفية نقلها المترجمون)، (ولكنك لا تجد عندهم مدارس فلسفية يــُنسبُ إليهم ابتكارها. فليس لهم مدرسة تــُعزى إلى الفارابي أو ابن رشد أو ابن سينا مثلاً).
(هذه العقليةُ بذاتها هي التي ورثها السيد الأفغاني عن العرب. عقليةٌ وقفت عند حد الأسلوب الغيبي لم تتعده وتنكبت كل سبيل كان من الممكن أن يسلم بها إلى الأسلوب اليقيني.)،.
يقيمُ إسماعيل مظهر تعميماً فكرياً كبيراً، عبر جملٍ صغيرةٍ تختزلُ قروناً من التطور والإبداعات والمساهمات النقدية، فكلُ ثقافةِ العرب والمسلمين خضعت لفكر معين يسميه الفكر الغيبي، ولم تعرف ما يسميه كذلك (الفكر اليقيني)، وكلا التسميتان ترجعان إلى مصطلحات أوربية مأخوذة من مدرسة معينة، يقول إسماعيل مظهر:
(إذا كان ناموس جاذبية الثقل أعظم استكشاف وصل إليه العقلُ البشري في عالم الكون والفساد، فإن قانون (الدرجات الثلاث) الذي كشف عنه الفيلسوف الكبير (أوغست كونت) لأكبر اكتشاف وصل إليه العقل البشري في الطبيعة الإنسانية. وإن متابعتنا لشرح هذا القانون لهي النواة التي تدورُ حولها أبحاثنا).
يجعلُ إسماعيل مظهر بؤرةَ التطور النهضوي في ابتكارِ النظريات العلمية فهو يبتدئ التاريخ الأوربي بنظرية الجاذبية، ثم بالوضعية الاجتماعية، والمصطلحات التي يستخدمها هي مصطلحاتٌ مستعارةٌ من هذه المدرسة الأوربية الأخيرة التي قسمت التاريخَ الإنساني بشكلِ مراحل معرفية، فهو يعتبر بأن هناك (قانون ضروري يخضع له العقل)، ولهذا فإن كلَ مدركاتنا وفروع معرفتنا وتجاربنا التاريخية لا بد أن تمر بالمراحل الثلاث:
(الأولى اللاهوتية أو التصويرية التخيلية، والثانية الميتافيزيقية الغيبية، أو المجردة، والثالثة اليقينية الإثباتية أو الواقعة).
ويقومُ بتفسيرِ تعدد هذه المراحل بشكل يعود للعقل نفسه، فيقول:
(.. أن العقل الإنساني فيه بطبيعته كفاءة لأن ينتحي ثلاثَ طرق مختلفة للتأمل من حقائق الأشياء وطبيعته في كل من تلك الطرق تختلف عن الأخرى تمام الاختلاف، بل لا نبالغ إذا قلنا أنها تتضاد تمام التضاد)، (أما الأسلوب الأول فخطوة ضرورية يبدأ بها العقل في سبيل تفهم الحقائق أو البحث عن مصادرها، وأما الأسلوب الثالث فهو يمثل العقل في آخر حالات ارتكازه على الحقائق البارزة الملموسة. وليس الأسلوب الثاني إلا خطوة انتقالية تتوسط بين الأسلوبين).
يقومُ إسماعيل مظهر عبر هذا المنهجِ بإدخالِ العرب والمسلمين في المرحلة الثانية من منهجه طبقاً للمخطط التاريخي المعرفي الذي قال به أوجست كونت، وهو مخطط لأنه يشمل الإنسانية جمعاء، فيضع لها مراحلَ معينةً، كذلك فإنه مخططٌ معرفي لكونه يتعلقُ ب [العقل]، وبطرقِ التفكير التي سادت حسب قوله هذه المراحل، ووسمت كلَ مرحلةٍ بطابعٍ خاص من التفكير الذي يختلف عن سابقه.
إن العقلَ هنا منفصلٌ عن بنائه الاجتماعي الذي تكون فيه، بل أن العقلَ هو الذي يشكلُ المرحلةَ والتاريخ والبناء الاجتماعي.
إن العقل المجرد تتشكلُ فيه قوى ونزعاتٌ تحددُ هذا التطور وكأن العقلَ يتطور من داخله، كقوةٍ غيبية مفارقة، فهو يبدأ مرحلةً ولكننا لا نعرف كيف ولماذا يتحول عنها وينتقل إلى المرحلة الأعلى منها.
إن العقل في الدرجة اللاهوتية (يبحثُ في طبيعةِ الأشياء وحقائقها، وفي الأسباب الأولى والعلل الكاملة، يبحثُ في الأصل والماهية والقصد من كل الأشياء التي تقع تحت الحس. وعلى الجملة يبحثُ في (المعرفة المطلقة) وهناك يفرض أو يسلم بأن كل الظواهر الطبيعية ترجع إلى الفعل المباشر الصادر عن كائنات تختفي وراء الطبيعة المرئية).
يقومُ هنا بتجريدِ الأفكارِ السحرية البدائية المتعددة عند ظهور الإنسانية الأول ويصفها بأنها [عقل] يبحث في [ الأسباب والعلل الكاملة ] في حين إن الوعي البدائي السحري كان يسقطُ مشاعره وانفعالاته على الطبيعة، فتصبح الظاهرات الطبيعية حيةً تعكس ذاته، ولهذا فإنه لا يبحث عن العلل الكاملة أو يبحث في طبيعة الأشياء، وهذه المرحلة الأرواحية تتمظهرُ بعدئذٍ في الأرواح الخيرة والأرواح الشريرة، وتتحول بعدها إلى كائنات [ تختفي وراء الطبيعة المرئية ] حقاً وكما يقول.
وإسماعيل مظهر هنا لا يبحثُ هذه الظاهرات الفكرية بشكلٍ متكامل مع البُنى الاجتماعية البدائية التي ينشأُ فيها هذا الوعي، ومن هنا يقومُ بعملياتِ سلقٍ للتطورات الفكرية، ولا يقرأ عمليات توزعها الجغرافي، أو تناقضاتها الداخلية، أو حتى تداخلاتها مع المرحليةِ الدينية على تنوعاتِ هذه الأخيرة، وصلة ذلك كله بالتطورات الاقتصادية والاجتماعية، ففي حين تبقى مناطق جغرافية كأفريقيا مستمرةً في المرحلة الأرواحية لضعف تطور قوى الإنتاج، تتوجه مناطقٌ أخرى إلى مستوى أرقى بسببِ تطورات البنى الاجتماعية – الاقتصادية.
فالعقلُ هذه المفردةُ الفكريةُ ليست مُشكَّلةً بمثل هذا التجريدِ الغيبي، فهي تعبرُ عن مجملِ العملياتِ الفكريةِ – الفنية التي تجري لجمهور معين لزمن معين، فإذا كانت تعبرُ عن العملياتِ الفكريةِ الباحثة عن سببياتِ الظاهرات الطبيعية والاجتماعية، فإن السببيات هنا مُـغلفةٌ بعمليات الإسقاطات الطفولية لهذا الوعي على الأشياء وعلى العمليات الفكرية، فالآلهة مثلاً تتجسدُ كقبيلةٍ سماوية، تحكمُ الوجودَ وبإمكانيات خارقة، وهي بهذا تعبرُ عن عجز القبيلة الأرضية وطلبها للمساعدة من هذه القوى الماروائية.
لكن ذلك لا يزول إلا بتطور القبيلة الأرضية واستقرارها الزراعي والمدني الخ.. فعملياتُ الاستقرار والصراع الاجتماعي والسياسي تعيدُ تشكيلَ هذه المادةِ الفكرية السحريةِ باتجاهاتٍ يبلورها ذلك التطور المعقد في التمدن وعبر التأثيرات الأجنبية والصراعات السياسية والحربية والتجارة الخ..
فالعقلُ ليس هو العصا التي تسوق الماشية البشرية نحو المراعي الخضراء، بل هو عملياتٌ فكريةٌ مركبة معقدة، يتداخلُ فيها اللاعقلُ والعقل، أي المراحل السحرية والمراحل التالية الدينية والعلمية والموضوعية، فكلمة العقل ليست سوى تجريد يمثل عمليات اكتشاف الوجود الموضوعية..
ومن هنا فإن إسماعيل مظهر يقومُ بإحضارِ لوحةٍ تقنيةٍ أوربية، ويقومُ بتركيبها على الجسمِ العربي الإسلامي المسيحي المدد فوق طاولة التشريح، فهو يرى بأن هذا الجسم قد عبر المرحلة اللاهوتية السحرية ولكنه لا يزال في المرحلة الميتافيزيقية الغيبية، ولكنه بعد لم ينتقل إلى المرحلة الثالثة اليقينية فإذن لا بد من قطع هذا الجزء من الجسم وإدخاله إلى المرحلة الثالثة.
وإذا كان هذا صحيحاً فليس ثمة دراسة لهذا الجسم، أي لا توجد قراءة للمرحلتين السابقتين وكيف تجسدتا وتداخلتا وأسباب تشكلهما وبقائهما الخ..
فهو ينطلق من تكامل ونظافة المرحلة الثالثة التي تشكلت أوربياً لكي يضع شعاراتها فوق الجسد العربي – الإسلامي – المسيحي، القديم والحديث، دون أن يقومَ بقراءة عبر هذه الشعارات نفسها لذلك الجسد بأن يبين متى وكيف بدأت المرحلة السحرية ومتى وكيف بدأت المرحلة الدينية، أي أن يدرسَ الحضارات القديمة في المنطقة ثم الوسيطة، وبالتالي يصلُ إلى الأسباب التي أعاقت هذه المرحلة الدينية الأخيرة من الانتقال إلى المرحلة [اليقينية]، أي إلى المرحلة الرأسمالية المعاصرة لزمنه.
إن مصطلح [ اليقينية ] سيُعرف عند تيارات أخرى لاحقة بأسماء أخرى تقلل من طابعه الغيبي الميتافيزيقي ليغدو أقرب إلى الرؤية التقنية المستعارة من الثقافة الغربية، فيصيرُ التحليلُ اللغوي التجريبي، أو البنيوية، وغير ذلك من تسميات، تنقلُ آخر منجزات التقنية الفكرية الغربية، وتضعها في أدوات بحثها.
وإذا كان إسماعيل مظهر يمر بسرعة شديدة على خمسة قرون من التحولات النهضوية العربية بتضاداتها المختلفة، فإنه يقف وقوفاً مماثلاً عند نهضة مصر الحديثة، دامغاً إياها بالعقم.
فهو يصف ثورة 1919 المصرية بأنها [ لم تمس من الحياة الكامنة في الأمة شيئاً ] وهو يقصد هنا إزالة طابع الوعي الديني المهيمن، فهو يقارنها بالثورة الفرنسية الكبرى التي قامت على جهود الموسوعيين والفلاسفة الاجتماعيين (بل على مجهود سلسلة من العظماء، تعهدوا الفكر الكامن في طبقات الأمة المنتقاة منذ عهد ديكارت بتلك الفكرات الثابتة التي يذهب أثرها إلى أبعد غور من أغوار الحياة الخفية في نفس الأفراد والجماعات) .
تغدو المقارنة بين مصر المحتلة من قبل السيطرة الإقطاعية التركية التي كرست البناء التقليدي المتخلف لعدة قرون، ثم لم تفلح إقطاعية أسرة محمد علي في تغييرها بشكل كبير، ثم جاء الاحتلالُ البريطاني وكرس البناء الإقطاعي وجعله تابعاً، وبين فرنسا المنسلخة عبر عدة قرون من السيطرة الإقطاعية والتي شكلت رأسمالية صناعية متجذرة في أرضها، تصبح هذه المقارنة لا تاريخية، ومطالبة مظهر بأن يعيدَ المثقفون المصريون التاريخ النهضوي الفرنسي بشروط وضعهم الخاص، أمراً غير ممكنٍ، وبهذا فهو يفصل مراحل أوغست كونت التي تشكلت في تلك البيئة الفرنسية المتطورة عقلياً، عن تاريخها الخاص فهي تتويجٌ فكري بحثي لنهضوية فرنسا وأوربا في تحليل التاريخ الفكري السحري والديني السابق لتجاوزه، ونقل مثل هذه الأداة البحثية إلى وسطٍ آخر متخلف، لم تكن له الشروط الاجتماعية والمعرفية من معامل وجامعات ونخب ثقافية واسعة وجمهور كبير متعلم، هو زراعة لنبتة في شروط مغايرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ انظر عبــدالله خـلــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.
لا يقرأون . . ويتعاظمون! : كتب ـ عبدالله خليفة
ملامح 5 لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
ملامح 4 لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
جمال الدين الأفغاني
كانت التحديات المختلفة التي تحيط بالإمبراطورية العثمانية قد دفعت الخلافة إلى اختيار الاتجاه الإصلاحي بين التيارات الدينية السائدة، فقد كان هناك الاتجاه الصوفي والاتجاه الوهابي.
لقد كانت الاتجاهات الصوفية هي السائدة طوال حقبة الانحطاط، وهي تماثل الاتجاهات العبادية الشكلية التي كانت تجاورها، حيث عبرتا معاً عن الركود الاجتماعي وإعطاء تميز ديني ما للمسلمين.
وقد رأينا هذه الاتجاهات الصوفية في كل مكان مجسدة في [ الطرق ] المختلفة تقوم بالمقاومة الوطنية والثورات في وجه الغزاة. وفي عاصمة الخلافة العثمانية كانت هذه الطرق تحظى بمكانة هامة.
فقد عمل السلطان عبدالحميد على تشجيع اتجاه الوحدة السياسية بين الولايات العثمانية، حيث غدت المركزية هي الأداة السياسية المطلوبة لتجميع أجزاء الإمبراطورية المفتتة والمُهدّدة من قبل الدول الغربية الصاعدة على المسرح العالمي.
[وعلى هذا اعتمدت الدعوة «إلى الوحدة الإسلامية» اللغة العربية واستعانت، لتحقيق فكرتها، برعايا من أصل عربي. فكان أحمد فارس الشدياق أول من أُستخدموا لهذه الغاية، وذلك في عهد عبدالعزيز. ثم جمع عبدالحميد عدداً من نظراء الشدياق، وعدداً من المشايخ العرب، معظمهم من اتباع الطرق الصوفية، تنافسوا في تمجيد دعوته..]، (1).
إن الطابع الصوفي الطرائقي بأشكاله المعرفية والاجتماعية يعبر عن التفتت السياسي، وعن الجمع بين الأشكال العبادية وأنواع الخرافة والعمليات السحرية، وهو ما كان متطابقاً مع الوعي الجماهيري السائد لما قبل النهضة.
ومن هنا كانت حنبلية العصر السابق والتي تنامت عبر ابن تيمية تهجر المدن الخاضعة للسلطة العثمانية وللطرق الصوفية متجهة نحو الصحراء العربية، وقد وجدت في الوهابية شكلاً مناطقياً أخذت تنمو من خلاله، لرفض هذه الطرقَ الصوفية المهيمنة وطرق العبادات الإسلامية المتوحدة بعبادة القبور والأولياء، ومن أجل أهداف شيوخ القبائل والدينيين التي تطابقت أهدافهم السياسية التوحيدية التوسعية في الجزيرة العربية وطموح رجال الدين هؤلاء الذين يسعون لهيمنة خطابهم التوحيدي القسري الحنبلي.
وكانت فارس تقدم نموذجاً إسلامياً مغايراً، حيث تمكنت الإثناء عشرية من تشكيل وحدة قومية فارسية عبر هذا المذهب التعددي الإلهي غير المركزي وبتحويل الطرائق الصوفية الشيعية إلى تيار جماهيري وطني محرر لإيران من هيمنة المغول والأتراك.
وفي توظيف السلطنة العثمانية للصوفية فقد كانت تتوجه للسائد وهو أمر كان يضاد توجههاتها السياسية الجديدة المستهدفة للتحديث والمركزية السياسية. ومن هنا فقد كانت بحاجة إلى شكل ديني مختلف يجمعُ بين المذاهب السنية التي تم تحنيطها عبر الإقطاع المركزي السابق، وبين أشكالٍ من التحديث تقوي الهيكل السياسي العثماني المسيطر.
وكان الصدام غير المباشر والمباشر الذي أخذ يتصاعدُ بين العالم الإسلامي وأوربا قد ولدَّ المشاعرَ والأفكار بالتصدي لهذا التفاوت الحضاري الكبير بين المسلمين والأوربيين، فظهر أكثر من داعيةٍ للتغيير الداخلي في الدول الإسلامية، وقد تعددت الرؤى.
كان من أبرز هؤلاء الدعاة جمال الدين الأفغاني وهو الذي تبلورت فيه هذه اللحظة التجديدية المقاومة فهو قد عبر عن:
[ فكرة الوحدة الإسلامية) الثورية هذه. وذلك الخليط من الشعور الديني والوطني والراديكالية الأوربية ]، (2).
لقد كان الإقطاع الديني المهيمن خلال القرون السابقة، قد استند إلى شبكاته المذهبية في كل بلدٍ ومنطقة، فكان الإقطاع المذهبي المتحالف مع شتى السلطات السياسية في هذه البلدان والمناطق، يرتكزُ على تلك القشور من العبادات المنسلخة من صيرورة الإسلام كحركةِ تغييرٍ نهضوية سابقة، فقام رجال الدين بالتحالف مع الحكام والسلاطين والشيوخ في بقع العالم الإسلامي بتجميد التطور.
ولهذا كان صعود جمال الدين الأفغاني ثم محمد عبده معه، يتشكلُ من خارج هذه الشبكات السياسية – المذهبية، ومن هنا حين كانت مذهبية جمال الدين الأفغاني متواريةً ومغيّبة، فإذا قيل إنه كان شيعياً فإنه لم يظهر بذلك، وراح يطرح [ الإسلام العام ]، أي هذا الإسلام اللامذهبي. فغدا ذا أصل شيعي وفكر سني.
هنا تعبيرٌ غامضٌ وحالةٌ فردية استثنائية للصعود فوق شبكات المذاهب السياسية، وتكوين رؤية إصلاحية نهضوية خارجها وترتكز على عمومياتها، لأن بؤرة هذا الخطاب هو [التوحيد].
كما تقوم على رؤية فردية تخترق الموضوعي على صعيد تكون المذاهب، وعلى صعيد الفعل السياسي، ولهذا تتسم أفعالها بالمغامرة على الصعيدين. ومن هنا لن يكون لها نبتٌ محدد في أي بنية إقطاعية – مذهبية. في حين أن التلامذة سيبدأون من الشعارات العامة فقط، لتتكشف الإشكالية التاريخية لها.
إن العودة إلى فترة الإسلام الأولى تعتمدُ على الخطاب العام، وهذا الدمج بين عمومية الإسلام والإصلاح السياسي والاجتماعي هو ما كان تريدهُ الإمبراطورية العثمانية والباب العالي، ولم يكن جمال الدين كفردٍ مفتقدٍ لأي جماعة دينية وسياسية قادراً على العمل المناطقي الطويل، نظراً لاصطدامه الدائم مع السلطات الشمولية المتخلفة.
وبهذا فإن الاثنين جمال الدين والباب العالي وجدا إن ثمة مصلحة من تعاونهما، جمال الدين يقوم باستثمار حاجة الإمبراطورية للإصلاح عبر خلق أشكال تحديثية مختلفة، تحدُ من هيمنة الخلافة الشمولية وتتيحُ للمسلمين في شتى بقاعهم ظروفاً جديدة تطور من حياتهم وتقاوم الغزاة.
والباب العالي وجد في جمال الدين أداةً لاستقطاب رجال الدين والمصلحين والمثقفين إلى قيادته وتوظيفها لمزيدٍ من الهيمنة على الأقطار شبه المفككة.
ولهذا فإن الجانبين كانا لا يتفقان إلا وقتاً قليلاً، فالباب العالي يخضعُ بشكلٍ دائم للغزو الغربي المتصاعد ولشروطه ولتغلغل تجاره وشركاته، في حين كان جمال الدين يدعو لمقاومة ذلك، ولنشر المجالس المنتخبة والمدارس والمصانع والعلوم.
كان جمال الدين يعتمد على الوسائل النخبوية والأعمال الفردية والمغامرة وحتى الوسائل الإرهابية لتخويف وردع الحكام، ثم أخذ يتوجه إلى الأشكال التثقيفية السياسية المباشرة عبر الصحافة.
كانت شعاراته الرئيسية هي:
مواجهة [خطر التدخل الأوربي والحاجة إلى الوحدة الوطنية لمقاومته، والسعي إلى وحدة أوسع للشعوب الإسلامية، والمطالبة بدستور يحدُ من سلطة الحاكم]، (3).
والفكرة الرئيسية التي سيطرت على وعيه هي فكرة فهم الإسلام بشكل صحيح من قبل المسلمين، وتأتي في أولوياتها بعث خلافة العصور الأولى الموحدة، ولكن إذا لم تتحقق مثل هذه الوحدة السياسية فعبر التطور الإسلامي النهضوي لكل بلد، والحاكم في هذا البلد لا بد أن يعترف بسيادة الشريعة، وأنه لا بد من الثورة على كل حاكم يحيد عن هذه الشريعة، ولا يتصور الأفغاني وجود تناقض بين العقل البشري والشريعة الإسلامية، وتكمن شعلة الإسلام لديه في النبوة والفلاسفة:
[فهو يقر بأنه من الممكن قيام دولة فاضلة على أساس العقل البشري كما يمكن قيامها على أساس الشريعة الإلهية. وقد أعرب عن هذا، بتعابير تذكر بالفلاسفة، في تلك المحاضرة التي أدت إلى مغادرته اسطنبول. إذ قال إن الجسم الاجتماعي لا يحيا بدون روح، وأن روح هذا الجسم هي الملكة النبوية أو الملكة الفلسفية.. أما الأولى فهي هبة من الله.. بينما الثانية تنال بالتفكير والدرس ]، (4).
إن هذه الفكرة المستوحاة من الفارابي وابن سينا، تومئ إلى منظومة التفكير الدينية النهضوية القديمة لدى الفلاسفة العرب والمسلمين، والتي جعلت فكر النبوة فكراً تصويرياً وفكر الفلاسفة فكراً مفاهيمياً، وكلاهما معبران عن الرسالة الإسلامية العامة الإلهية، ولهذا فإن جمال الدين يشكلُ عقليةً اجتهادية عامة مسيسة للوقائع العصرية الجديدة، دون أن يصل إلى الوعي الديمقراطي الحديث بفصل الدين عن السياسة، أي أن مفاهيمه هي تصعيد للإقطاع السياسي الديني السابق في خطوطه العريضة، وهذا ما سيؤدي أن تكون نتائج الحركة الكبرى خاضعةً لإعادة تشكيل هذا الإقطاع القديم بصورةٍ يستفيدُ بها من التحديث الأوربي، دون أن يماثله في جوهريته.
بعضُ نقاط رؤيته تظهرُ في هذا المقطع:
[.. أن ما وحد الأمةُ في الماضي إنما هو مؤسسةُ الخلافة السياسية وجماعة العلماء المحافظين على العقيدة الصحيحة. لكن الخلافةَ انفصلتْ عن العلماء في عهد العباسيين، ثم زالت عملياً من الوجود فيما بعد، وقام مقامها دولٌ مستقلة، وبقي العلماءُ عنصر الوحدة الوحيد، وغدوا روح الأمة وقلب الشعب المحمدي. ولكنهم، مع مرور الزمن، انقسموا هم أيضاً على أنفسهم حول المعتقدات وانحرفوا جميعاً، ما عدا القليل منهم، عن الحقيقة إلى الضلال. ]، (5).
إن هذه الأفكار التعميمية عن [ أمة واحدة ]، تحيل المسلمين بأممهم المتعددة المتصارعة، وشعوبهم المختلفة، إلى كيان تجريدي عام واحد، وقد مثلته سابقاً عملية التوحيد القسرية الراشدية – الأموية – العباسية من خلال المركز الشمولي في العواصم المسيطرة، وبهذا يتطابق وعي الأفغاني مع الوعي السني الشكلي، ويعيد وعيه إلى الوعي السائد لدى بعض الفقهاء في العصر الأموي أو العباسي، وبهذا فهو كفردٍ من الفئات الوسطى التي ظهرت في بداية العصر الحديث يعيدُ وعيه إلى هيكل النظام الإقطاعي المركزي السابق، فيحقق تبعية فئة وسطى لذلك الإقطاع الذي يغدو هدفاً للحاضر، ومن هنا فهو حين يردد فكرةً من أفكار فلاسفة المسلمين السابقين، الذين ماثلوا الفلسفة بالنبوة فهو يفكر من داخل ذلك المناخ، وبالتالي فهو غير قادر أن يتماثل مع نهضة البرجوازية الغربية المعاصرة التي أزاحت الإقطاع، رغم إنه يطالب بالاستفادة من إنجازاتها.
أي أنه يعيد إنتاج مواقف الفئات الوسطى التحديثية التابعة للإقطاع في العصر السابق، والتي لم تستطع أن تقود الجماهير المسلمة في عمليات تحول جذرية. وهو إذ يصطدم بالأفكار الأوربية العلمانية الفاصلة بين الدين والسياسة،لا يستطيع أن يتفهمها، ليس بسبب غياب تجديده الفكري بل لأن هذا التجديد الفكري خاضعٍ لعصر سابق.
إن هذا الإصلاح يمثل تطوراً للمنظومة الإقطاعية المركزية النهضوية السابقة التي ضعفت ثم انهارت، والتي تكونُ عودةُ العالم الإسلامي إليها إنجازاً، ولكنها عودة مستحيلة، ليس فقط لزوالها، بل لأن العالم دخل تشكيلةٍ جديدة هي الرأسمالية الحديثة.
في المناقشة مع رينان تتضحُ جوانبٌ أخرى من وعيه، فرينان يعتقدُ بأن الفكر العربي السابق [ من عمل مفكرين غير مسلمين عانوا ثورة نفسية داخلية على دينهم. وإذ قاومهم اللاهوتيون والحكامُ معاً، لم يتمكنوا من التأثير في المؤسسات الإسلامية. وقد بقيت هذه المقاومةُ محدودةً طالما كانت السلطة في أيدي العرب والفرس، لكنها انتصرت انتصاراً تاماً عندما تسلم البرابرة، أي الأتراك في الشرق والبربر في الغرب، قيادة الأمة ]، (6).
يتضمن رأي رينان تعميمات خاطئة عديدة عبر تحويل الفلاسفة العرب إلى كيان واحد متجوهر، ثم في رؤيتهم كغير مسلمين وهو زعم يتطابق مع تكفير المحافظين المتطرفين المسلمين. ولكن إسلام الفلاسفة كان مختلفاً عن ما هو سائد. كان تحديثياً. وهو أمر لا يعتقد رينان إنه ممكن [ للعقل الشرقي ].
وتصدي جمال الدين لهذا الأفكار جاء من منطلقات خاصة، فهو قد اعتبر عملية ظهور الأديان كعمليةٍ تجريدية فهي قد ظهرت حيث [ لم يكن بإمكان الإنسان أن يميز بعقله بين الخير والشر ولا بإمكان ضميره المعذب أن يجد الراحة في ذاته. فجاء الدين يفتح له آفاق الأمل، فارتمى في أحضانه. لكنه اضطر، لجهله أسباب الأحداث المحيطة به وأسرار الموجودات، أن يأخذ بإرشادات رؤساء الدين.. المفروضة عليه باسم العلي، دون أن يتمكن من تمحيص نفعها أو ضررها ]، (7).
يفهم جمال الدين الأفغاني ظهور الأديان السماوية بشكل رومانسي تجريدي، فكأنها حاجة فردية، وليست تطوراً فكرياً اجتماعياً موضوعياً له عدة آلاف من السنين، وإنها كانت ثورات ضد أنظمة العصر الاستبدادي القديم الشامل، فهو حين يقطعُ مسارها التاريخي سيستعصي عليه أن يفهمَ سببياتها العميقة، وهذا النقصُ المعرفي يترافقُ مع توظيفٍ إيديولوجي حماسي وعملي وآني.
إن توظيف الدول الاستبدادية للدينين المسيحي والإسلامي هو أمر مفهوم لدى جمال الدين، ووجود حقبة ثورية ووجود حقبة محافظة هو أمر مفهوم لديه كذلك، ولهذا يواصل القول: [ أما في المرحلة التالية فقد تحرر الناس من القيود المفروضة على عقولهم وأعادوا الدين إلى نصابه الصحيح، كما جرى في المسيحية في عهد الإصلاح. ولما كان الإسلام أفتى من المسيحية بعدة قرون، فهو لا يزال ينتظر (إصلاحه) ويترقب قيام لوثر جديد فيه ]، (8).
هذه العبارة الهامة الدقيقة في جانب معرفة الحقب الدينية، ينقصها الفهمُ الموضوعي الذي يضعها في سلسلة التطور التاريخي، فوجود [ النصاب الصحيح ] للدين هو جوهرة فكرية للدين بمعنى أنه يوجد جوهر ديني نقي خارج التاريخ، وليس أن الدين في الحقب التأسيسية يحوي أفكاراً مهمةً تعكس مصالح الأغلبية ويجري بعد ذلك التخلي عنها، لكن مصالح أغلبية المؤمنين تتغير عبر العصور، ولهذا فإن عصرَ الانتقال من زمنِ الإمبراطورية العثمانية للتحديثِ يحتاجُ إلى وعي مصالح هذه الأغلبية الإسلامية، ولهذا فإن العودة لــ[النصاب الصحيح] وإنتاج إصلاح إسلامي على غرار البروتستانتية هو جانب مهم، ولكن فكرة نقل البروتستانتية الأوربية للشرق الإسلامي ستعبرُ عن فكرة نقل المخترعات الأوربية الجاهزة إلى الشرق، وهذا ممكن في حالة الآلات لا في حالة النماذج الاجتماعية التاريخية التي هي إبداع ثوري وشعبي بالدرجة الأولى.
فالبروتستانتية لها شروطها الأوربية الخاصة، فتحتاج إلى تقدم صناعي وثقافي كبير، في حين كانت الإمبراطورية العثمانية الإقطاعية تجابه مهماتٍ تاريخيةً مختلفة. علينا أن نضع وعي السيد جمال الدين كوعي متقدم هنا إذا تذكرنا حملته الأولى على الدهرية وهي عبارة عن شتائم للتنوير وعدم فهم كبير للمسار التحديثي الأوربي: [ الأضاليل التي بثها هذان الدهريان فولتير وروسو هي التي أضرمت نار الثورة الفرنساوية المشهورة ثم فرقت بعد ذلك أهواء الأمة، وأفسدت أخلاق الكثير من أبنائها فاختلفت في المشارب وتباينت المذاهب وأوغلوا في سبل الخلاف زمناً يتبعه زمن حتى تباين تصدعهم..]، [نقلاً عن عاطف العراقي، العقل والتنوير، ص 158 ].
وهكذا فإن جمال الدين هو في موقف متناقض تاريخياً بشكل كبير، فهو سياسياً يناضل للحفاظ على وحدة الإمبراطورية العثمانية المتجهة للتفسخ السياسي، في حين كان يدعو فكرياً للإصلاح، والإصلاح يعني تجاوز هذه الإمبراطورية وقيام دول الشعوب المتحررة.
إن الوحدة الإسلامية بالشكل العثماني تعني الحفاظ على هذا السجن الكبير للشعوب وعلى الرابطة الدينية التقليدية، ومقاومة الظهور الحديث للشعوب والأمم بالشكل القومي وبالتالي عدم تصعيد الوعي الديمقراطي الحديث.
كانت هذه هي المهمة [ البروتستانتية ] الراهنة الممكنة، أي تشجيع البؤر الديمقراطية في كل بلد إسلامي، والحفر الفكري والاجتماعي داخل هذه البؤر لتتحول إلى حركات شعبية قادرة على المواجهة للتدخل الأجنبي وعلى القيام بعمليات تحويلية ديمقراطية داخلية معاً.
كان السيد جمال الدين بحاجة إلى قراءة الصراعات الاجتماعية والسياسية والثورات في ظل الإسلام، لمعرفة أسباب فشلها السابق، وكيفية تجاوز أخطائها في الوقت الراهن، لكن جمال الدين لم يكن من محبي الكتابة وتشكيل حفريات معرفية، ولهذا سيظل مثل إشارات المرور المزروعة في نهاية القرن التاسع عشر للدلالة على الطريق الذي ينبغي سلوكه وهو طريق غير متوجه إلى أوربا، بل للعودة إلى العصر الذهبي للإسلام وتكرار التجربة الإقطاعية التحديثية، وهو أقصى ما يمكن أن يصل إليه وعي ديني اعتمد مثل هذه المرتكزات.
إن العملية الشرعية الإصلاحية المتكونة هنا تعبر عن المضمون الداخلي لهذا المنهج، فهناك أحكام دينية لتغيير وضع المرأة وتغيير التعليم ولكن لا يوجد توجه لإلغاء العبودية ولتحرير الفلاحين، وهي أخطر الدروس غير المستوعبة للعديد من القرون السابقة.
ولا يمكن أن نفهم البروتستانتية دون حرب الفلاحين في ألمانيا، وبدون إضعاف الإقطاع المركزي لا تتشكل بروتستانتية، ولكن عمل السيد جمال الدين يتوجه لتقوية هذه المركزية.
ومن هنا فبروتستانتية السيد جمال الدين تظل هنا كذلك غير متفحصة لشروط تكون البروتستانتية الأوربية، وقد أتيحت لجمال الدين أن يقترب من أهم البؤر لهذه العملية التاريخية وهي البؤرة المصرية.
لقد عاش جمال الدين في مصر بضع سنوات هي من أهم لحظات التفاعل مع واقع محدد، وقد استطاع أن يجمع حوله نخبة صارت هي النخبةُ التي قادت مصر في النصف الأول من القرن العشرين، نخبةٌ جمعت فئات وسطى متداخلة مع قوى الإقطاع. لقد وجه هذه النخبة لتقوم بعلاقات فكرية وثقافية مع الجمهور داعية لشعارات النهضة الإسلامية والاقتباس المفيد من الغرب. كان شعاره الجبهوي مفيداً لوحدة الشعب المصري وهو: [حسن المعاملة وإحكام الألفة بينكم وبين أبناء أوطانكم وجيرانكم من أرباب الأديان المختلفة]، وهذا كان أساس تكون الوعي اللاديني السياسي داخل هذه النخبة، لكن مع احتفاظ الإسلام بسيادته السياسية، فذلك الوعي اللاديني السياسي هو أشبه ببرجماتية سياسية توافق الحداثة وتوافق الإقطاع الديني السياسي ومنظومته السائدة، وتتيح للفئات الوسطى القيام بحركة وطنية، لا تصل إلى مفهوم الدولة العصرية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ انظر عبــدالله خـلــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.
الثورةُ السوريةُ.. بطولةُ شعبٍ: كتب ـ عبدالله خليفة
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
الموت في فينيسيا : توماس مان كتب : عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
巴林文学大家—阿卜杜拉•哈利法作品 ماجستير الأدب البحريني – آثار عبدالله خليفة
巴林,一个由33座小岛组成的阿拉伯国家,是迪尔蒙文明的发源地,也是美索不达米亚文明的见证者。公元628年巴林成为最早皈依伊斯兰教的地区之一,1783年阿勒哈利法家族建立王朝并统治至今,19世纪后期成为英国的保护国,1971年宣布独立。长达几千年的历史中,巴林人充分利用自然资源,发展了采珠业,20世纪30年代开发了海湾地区第一口油井,通过“黑金”彻底改变了面貌,巴林成为中东地区最自由的经济体,全球旅游和投资热门地。
巴林发展经济的忧患意识,对历史的保护意识深深地影响了每一代人。他们在顺境中不忘反思历史,居安思危,在逆境中不断迎难而上,拼搏斗争,在文学史上留下了光辉灿烂的篇章。已故著名作家阿卜杜拉·哈利法就是一个极好的证明。
阿卜杜拉·哈利法(1948年至2014年),巴林小说家,思想家,“海湾新闻报”作家,巴林文学家作家之家成员,故事小说协会成员,被认为是阿拉伯“海洋文学”最重要的代表。
20世纪60年代末哈利法开始创作短篇故事和小说,同时加入了巴林民族解放战线并活跃于前线,1970年他毕业于巴林高级师范学院并留校任教。从1975年出版第一本故事集“冬日旋律”起,哈利法一生共出版了11部短篇故事集,30部小说,10部思想批判研究著作,如“沙与茉莉花”“闷热的一天”,“海盗与城市”“水火之歌“”珍珠路“,”穆尔太齐赖派之光“,”瘸子起身了“,”美人鱼“,”驴子本体论“等,丰富了巴林,海湾乃至阿拉伯国家文学宝库,为阿拉伯文化批判做出了卓越贡献。
哈利法高度关注阿拉伯统一问题,坚信它可以通过非强制整合的方式得以实现,因为阿拉伯民族在历史上有着特殊的形成过程,不同于东西方其它民族。阿拉伯帝国时期便通过融合实现了多样化的统一。他注重讨论民族和宗教思想,他认为它们与阿拉伯主义,宗教,语言或国家战略利益并不冲突,而要革新分析思考方式,以改变目前的弱势,结束分裂局面。
哈利法指出,“现代阿拉伯文化已经成为了一种有力的声音,追求自由的力量。以往外国殖民主义,落后,地方剥削势力使得阿拉伯人处于无知,文盲,顽固和分裂的状态。发挥它独特的历史作用,让文字成为奋起精神的火炬,我们必须要从恐惧中解放出来,语言必须要贴近民心。”他认为所有宗教,流派或哲学只是在民族生活和文明进步过程中人民忍受痛苦的表现而已,坚信束缚人和思想的形式主义终将消灭,他用阿拉伯重要历史人物事迹加以解释说明。哈利法的文学创作始终与海湾和阿拉伯的现实紧密相关,珍珠和石油作为国家象征在他的笔下反复出现。
البحرين دولة عربية مكونة من 33 جزيرة صغيرة، وهي مهد حضارة دلمون وشاهدة على حضارة بلاد ما بين النهرين. وفي عام 628 م أصبحت البحرين من أوائل المناطق التي اعتنقت الإسلام، وفي عام 1783 أسست عائلة آل خليفة سلالة وحكم حتى يومنا هذا، وفي أواخر القرن التاسع عشر أصبحت محمية بريطانية وأعلنت استقلالها في عام 1971. على مدى آلاف السنين من التاريخ، استفاد البحرينيون من الموارد الطبيعية بشكل كامل لتطوير صناعة اللؤلؤ، ففي ثلاثينيات القرن العشرين، طوروا أول بئر نفط في الخليج، فغيروا مظهرها بالكامل من خلال “الذهب الأسود” وجعلوا البحرين الدولة الأكثر حرية في الشرق الأوسط اقتصاديًا، ومقصدًا سياحيًا واستثماريًا عالميًا.
إن إحساس البحرين بالحاجة الملحة إلى تطوير اقتصادها ووعيها بالحماية التاريخية قد أثر بعمق على كل جيل. إنهم لا ينسون أبدًا التفكير في التاريخ في الأوقات الجيدة، والاستعداد للخطر في أوقات السلم، والاستمرار في مواجهة الصعوبات في الشدائد، والقتال بقوة، وترك فصل مجيد في تاريخ الأدب. ويعد الكاتب الشهير الراحل عبد الله خليفة مثالا ممتازا على ذلك.
عبدالله خليفة (1948-2014)، روائي ومفكر بحريني، كاتب في “أخبار الخليج”، عضو بيت الكتاب البحريني، عضو رابطة الرواية القصصية، يعتبر “الأدب البحري” العربي أهم ممثليه.
وفي أواخر الستينيات بدأ خليفة بكتابة القصص القصيرة والروايات، وفي الوقت نفسه انضم إلى جبهة التحرير الوطني البحرينية ونشط في الخطوط الأمامية، وفي عام 1970 تخرج من كلية البحرين العليا للمعلمين وبقي في المدرسة. لتعليم. منذ نشر مجموعته القصصية الأولى “لحن الشتاء” عام 1975، أصدر خليفة ما مجموعه 12 مجموعة قصصية، و30 رواية، و10 أعمال نقدية أيديولوجية، مثل “الرمل والياسمين” و”يوم قائظ”. ، “القراصنة والمدينة”، “أغنية الماء والنار”، “طريق اللؤلؤ”، “ضوء المعتزلة”، “الكسيحُ ينهض”، “حورية البحر”، “أنطولوجيا الحمير”، إلخ. التي أثرت البحرين والخليج وحتى أصبحت كنزًا من الأدب في الدول العربية وكانت لها مساهمات بارزة في نقد الثقافة العربية.
ويولي خليفة قضية الوحدة العربية اهتماما كبيرا، ويعتقد اعتقادا راسخا أنه يمكن تحقيقها من خلال التكامل غير القسري، لأن الأمة العربية لها عملية تكوين خاصة في التاريخ، تختلف عن غيرها من الأمم في الشرق والغرب. خلال الإمبراطورية العربية، تم توحيد التنوع من خلال التكامل. ركز على مناقشة الأفكار القومية والدينية، ورأى أنها لا تتعارض مع العروبة أو الدين أو اللغة أو المصالح الاستراتيجية الوطنية، ولكن لا بد من ابتكار طريقة التفكير التحليلي من أجل تغيير الضعف الحالي وإنهاء الوضع من الانقسام.
وأشار خليفة إلى أن “الثقافة العربية الحديثة أصبحت صوتا قويا وقوة من أجل الحرية. ففي الماضي، ترك الاستعمار الأجنبي والتخلف وقوى الاستغلال المحلية العرب في حالة من الجهل والأمية والعناد والانقسام. إفساح المجال كاملا” إلى دورها التاريخي الفريد، “فلتصبح الكلمات شعلة الروح. يجب أن نتحرر من الخوف، ويجب أن تكون اللغة قريبة من قلوب الناس.” ويعتقد أن جميع الأديان والمدارس والفلسفات هي مجرد مظاهر للمعاناة هذا كل ما يعانيه الشعب في مسيرة الحياة الوطنية والتقدم الحضاري، هذا كل ما في الأمر، إيمانا راسخا بأن الشكلية التي تقيد الناس والأفكار ستزول في نهاية المطاف، وأوضح ذلك بأفعال الشخصيات التاريخية العربية الهامة. لطالما ارتبط إبداع خليفة الأدبي ارتباطًا وثيقًا بواقع الخليج والجزيرة العربية، حيث يظهر اللؤلؤ والنفط كرموز وطنية مرارًا وتكرارًا في كتاباته.
عن ترجمة غوغل

«الهولة» بين الإنجازات وعذابات التجنيس: كتب ـ عبدالله خليفة
مثقفو الأكاذيب والتزوير : بقلم ـ عبدالله خليفة
الطليعيون والتحول إلى الطائفية: كتب ـ عبدالله خليفة
العلمانيون وتوحيد المسلمين: كتب ـ عبدالله خليفة
العلمانية كتجديد إسلامي: كتب ـ عبدالله خليفة
مسئولية المثقف: كتب ـ عبدالله خليفة
النقدُ الذاتي وليس المراوغة: كتب ـ عبدالله خليفة
التاريخ بين حوارين : كتب ـ عبدالله خليفة
لسانُ الشاعرِ المقطوع : كتب ـ عبدالله خليفة
الأبطال والفرح: كتب ~ عبدالله خليفة
رجل في الظلام ـ بول أوستر: كتب ـ عبدالله خليفة
مسلسلات رمضان : كتب ـ عبدالله خليفة
إعادة تقييم التجربة السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
أسباب تدهور وعينا : كتب ـ عبدالله خليفة
الأم والكتاكيت السياسية : كتب ـ عبدالله خليفة
الثورة والكهنوت: كتب ـ عبدالله خليفة
دولة «الحشاشين»: كتب ـ عبدالله خليفة
المتقدمون وغزو الفضاء: كتب ـ عبدالله خليفة
إصلاح أم ضياع : كتب ـ عبدالله خليفة
التقدميون يتغيرون: كتب ـ عبدالله خليفة
مناضلون بلا قواعد: كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
تحولات الرمز في شعر قاسم حداد
محمد البنكي ومحاولة لتفسير جديد
كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة
عقدت اسرة الأدباء والكتاب ندوة تحدث فيها محمد البنكي عن التجربة الشعرية الشاملة لقاسم حداد، وقد ركز على موضوع «تحول الرمز» في تجربة الشاعر. مستخدما بعض أدوات التحليل البنيوي .
وقد انطلق الدارس من تحليل الرموز والكلمات الأكثر تكراراً في تجربة قاسم ؛ واضعا إياها في جداول احصائية، كرموز: الرؤية ، الماء ، الموت ، الطفولة ، الأرض ، البحر ؛ الدم الحلم ..
وقد وجد ان رمز «المرأة» هو الاكثر حضورا واستمراراً ، خصوصا بعد ديوان «القيامة» ، وقد حاول أن يفسر تجربة قاسم حداد من خلال هذا الرمز .
[ إذ أن استهدافنا الحاضر هو التأكيد على دور المرأة كرمز يخترق تجربة قاسم حداد ويصوغ تحولاتها].
وفي سبيل جعل الرمز، مفتاحا أساسيا لفهم العالم الشعري يستعين محمد البنكي بالكثير من الاستشهادات والصيغ، ولكن من اهمها وما فهمة من أراء سوسير، وهو احد اقطاب البنيوية اللغوية، فيقول:
[ منذ اللحظة التي اكتشف سوسير اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول متيحا للدال حرية تأسيس مدلوله لم يعد ممكنا التراجع عن هذا التحرر؛ الذي يرفع قيود الظرف المعجمي والبيئي كمتحكم مطلق يقرر الدال ويصوغ مدلوله].
تحرير النص
في هذا الاستشهاد يتضح طبيعة المنهج الذى يستعين به البنكي لتفسير شعر حداد ، فالقصد هو تحرير نص حداد من مواصفات البيئة والظروف والتجربة التاريخية ، التي تشكل النص في بوتقتها ، أي قطعة من سياقه الاجتماعي ، ودراسته كبنية فنية منفصلة تمام الانفصال عن البيئة الاجتماعية التي ظهرت فيها.
إن اللغة الشعرية، مثلها مثل أي نوع لغوي ، حتى في تصور سوسير [نظام إشارات تعبر عن الأفكار فهي لذلك تقارن بنظام كتابة الألفباء الصامتة والطقوس الرمزية والصيغ السياسية والإشارات البنيوية في الأدب]. روبرت شولز اتحاد الكتاب العرب . دمشق ص 28.
فلا يمكن للنظام اللغوي الشعري؛ ان يفهم خارج الأفكار وبالتالي خارج سياقاته الاجتماعية – الأيديولوجية .
ولكن الدارس يتعمد فصل اللغة كنظام اشاري وتعبيري ، عن الأفكار وتاريخها ، وعن البنية الاجتماعية ، وبالتالي عن الصراعات والحياة بألوانها الحقيقية .
ولهذا فإنه ؛ بعد أن يفصل اللغة الشعرية عن سياقها التطوري ، التاريخي ؛ يفسرها منذ منتصفها ، منذ كتابة قاسم حداد لديوان «القيامة» ، لا أن يتتبع التجربة الشعرية في نموماً العضوي ، في ملموسيتها ، في نصوصها المحددة ، وتعاقب واختلاف النصوص.
وحين يأتي للرموز يعددها كمياً ؛ ويهتم بالرموز الأكثر تكراراً ، ولا يدرس تطور منظومة الرموز في نموها المتدرج ؛ فهي تعبير عن منظومة الأفكار ، وتتابعها ، وتناقضها ، وصراعها، وتبدلها.
كما أن هذه الرموز ، ككل البنية الفنية ، مرتبطة في نهاية السياق بعملية التحول الفكري ــ الاجتماعي . فرمز «النار» ــ ولا يأتي ذكره ــ ورد عشرات المرات في الدواوين الثلاثة الاولى، مع مشتقاته، ثم اختفى في الدواوين التالية ليستبدل برمز مركزي آخر هو «الماء» . وجاءت الدواوين التالية : القيامة – قلب الحب – انتماءات .. كمرحلة وسط تمثل لحظة صعود فنية كبيرة ، ثم تعقبها المرحلة الأخيرة، الأكثر توغلاً في الذات ، وهذه التبدلات تقوم على علاقة خاصة بين الشاعر والواقع.
الشاعر والواقع
إن الدارس بقطعه هذه العلاقة بين الشاعر والواقع ، يستهدف عدة عمليات فكرية . فهذا القطع يتيح دخول التفسير الأيديولوجي للشعر. لا التفسير العلمي . فالتفسير الأيديولوجي يقود الى اسقاطات فنية خاصة ؛ ويأخذ مناطق معينة من التجربة الشعرية فاصلاً إياها عن مناطق اخرى ؛ ويركز على رموز معينة ظهرت في الفترة الأخيرة ، ليمددها على طول التجربة ؛ ويبتعد عن دراسة بنية الدواوين الاولى ، ذات الرؤية السياسية المباشرة، المرتبطة بشكل ملموس بقضايا محددة .
هذه الرؤية النقدية تتيح تغيير الأدوار في الشعر ، فيتحول الشعر إلى نثر ؛ والنثر الى شعر ؛ المرحلة الشعرية الأخيرة تتحول الى كل الشعر . هنا يدخل التفسير الأيديولوجي للشعر او التبرير الفكري للنص الأدبي ؛ لا النقد التشريحي ، الباحث عن السلبي والايجابي ، المعتم والمضيء . النثري والشعري الخ ..
وهذا ما يجعل النقد ليس فتحا للنص ، أو نصاً آخر موازياً ، بل ملحقا وتابعا ومبرراً للنص الشعري .
وفي سبيل ذلك يجري حشد الاستشهادات وأقوال النقاد البنيويين ، بما لا يقوي عملية البحث الموضوعية ، بقدر ما يثقلها ويرهلها بحشود الأسماء .
الدارس محمد البنكي من الأسماء التى تشق طريقها في الدراسة الأدبية ، وبحثه رغم ملاحظاتنا عليه ، يبشر بباحث أدبي مجتهد وعميق .
أمدنيةٌ أم علمانيةٌ؟ : كتب ـ عبدالله خليفة
أية ديمقراطية مرجوة؟! : كتب ـ عبدالله خليفة
النقد وتبعيته المزدوجة : كتب ـ عبدالله خليفة
الفردية والفردانية : كتب ـ عبدالله خليفة
شهادة من جمال عبدالناصر: كتب ـ عبدالله خليفة
التقدم في زمن مختلف : كتب ـ عبدالله خليفة
انحطاط الغناء.. انحطاط السياسة : كتب ـ عبدالله خليفة
محمد باقر الصدر: كتب ـ عبدالله خليفة
الفلسفة الغربية والنهضة العربية : كتب ـ عبدالله خليفة
وحدة فكر النهضة : كتب ـ عبدالله خليفة
(الطفولية) والنضال المعاصر : كتب ـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة
الدينيون واللادينيون : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
اليسار والميراث الديني
من الآراء التي تمخضت خلال الحوارات حول الثقافة العربية الإسلامية ضرورة نشر الآراء الديمقراطية الجديدة حول تاريخنا وتراثنا مع الجماعات الدينية والليبرالية لمزيد من تعميق هذه الآراء ونشرها وتصويبها.
وهو قولٌ وجيه وضروري ولكن الأمر يحتاج إلى خطوة أكثر ضرورة وهي تثقيف اليسار نفسه بهذه الآراء، فتكاد الجماعات اليسارية أن تكون منخلعة من فهم إرثها العربي الإسلامي، وقبل أن يذهب المرء للحوار مع الجيران من الضروري أن يرتب بيته الداخلى.
والصورة السائدة عن الإرث في الماضي تكاد أن تكون مشتركة في كل التيارات باختلاف توجهاتها، ما عدا الاتجاهات المتطرفة التكفيرية التي لا تتزحزح عن شعرة من نصوصيتها.
وهذه الصورة المشتركة هي العموميات المذهبية السياسية، أما الحفر تحت هذه الصورة المشركة، فهو أمر صعب. وهي ثوابت كرستها عدة قرون سابقة، وهى تتجذر في عادات شعبية واسعة، وطرق تفكير منمطة أشبه بالصخور!
ونجد أنه حتى المجددين في الفكر الديني لا يحظون بأهمية تذكر في صفوف طوائفهم، مما يؤكد صعوبة اختراق المؤسسات الدينية التقليدية، التى عاشت على طرق تفكير مقننة عبر المذاهب الرسمية المتواشجة مع الأنظمة السياسية الشمولية في المنطقة.
بل انه حتى الأنظمة التقليدية وهي تحاول بعض الإصلاح الطفيف فى الأنظمة الدينية التقليدية التى عفى عليها الزمن تواجه بمقاومة شرسة داخل بلدانها، في حين تقود السيطرة المتزمتة في أنظمة أخرى، وكذلك تفاقم العمليات الإرهابية والمذابح، بعض الجمهور إلى الكفر بكل شيء!
ولهذا فإن الأزمة الفكرية/السياسية في العالم الديني التقليدي مستفحلة بكل ضراوتها . في حين أن المجددين في الفكر الديني نفسه والمعزولين عن تيارات التأثير، هم أنفسهم يعجزون عن الوصول إلى سر هذه الأزمات، نظراً لرفضهم وجهات النظر المادية الجدلية والتاريخية والمدارس الجديدة في الفكر والتحليل!
وهكذا فإن اليسار يواجه ضحالة فكرية تراثية في صفوفه، ويواجه أزمة فكرية دينية في الحياة العامة، معتبراً المسائل الفكرية الرفيعة وقضايا الجذور التاريخية للفكر والأديان، مسائل ترفيهية ومضيعة للوقت الثمين المكرس للشعارات!
ولهذا لا يصبر أعضاء الجماعات اليسارية والليبرالية على قراءة المسائل التراثية، ويريدون فقط مناقشة المسائل اليومية، والتركيز على سطوح الظواهر، تدفعهم في ذلك الرغبة في تأجيج التطور والإسراع بحل المشكلات، دون أن يتحقق لهم شيء من ذلك فييئسون!
لأن حل المشكلات الجماهيرية لا يتم دون وجود جبهات سياسية واسعة تضم أوسع القطاعات الشعبية، وهو أمر لا يتحقق في وجود انقسام مذهبي سياسي واسع وتفكك فكري، ومن هنا يحتاج الأمر إلى ركائز فكرية مشتركة واسعة بين الناس، وبين الكتل الاجتماعية المختلفة، وهذه الركائز تعتمد على فكر النهضة والجذور الإسلامية والأفكار التقدمية المعاصرة معاً!
وهذه ليست خلطة طعام سريعة، بل هي رؤى منفتحة عند الجماعات السياسية الفكرية المؤثرة، تدفعها للقسمات المشتركة في الإسلام والفكر التقدمي الحديث، وقد تجاوز الاثنان الأشكال الشمولية وتخلصا من شبكات السيطرة، سواء على مستوى سيطرة الدول القديمة العربية وشكلنتها للإسلام، أم على مستوى الدول التقدمية المعاصرة وشكلنتها للفكر التقدمي وتحويله إلى شبكة للهيمنة الأدارية.
وفي الفكرين تتوارى الأجهزة الشمولية ويتجسد تحنيط النضال والوحدة الكفاحية الديمقراطية المعاصرة تتطلب نقدهما على مستوى الحاضر أو الماضي، وعلى مستوى الدين أو على مستوى السياسة !
مراحل تطور (البرجوازيات) العربية ــ كتب : عبدالله خليفة
انتظر (بحماس) صواريخ إيران على إسرائيل
قراءة في تقاسيم ضاحي بن وليد الجديدة
الدكتور إبراهيم غلوم .. ورؤية خاصة وغريبة عن التجريب المسرحي
أين صواريخ ‹‹حزب الله›› على إسرائيل؟!
إضاءة لذاكرة البحرين
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
التضحوي والاستغلالي
البشر نمطان إما إنسان يضحي وإما إنسان يستغل. تجد النمطين في الحزب الواحد وفي الطائفة وفي العائلة الواحدة وربما في مراحل وتقلبات الإنسان الواحد!
وفى التيارات السياسية المعاصرة فإن الكثيرين يرتفعون على أكتاف التضحية وعمل الآخرين لكي يحصلوا على مكانة اجتماعية مريحة، فيتحدثون عن شعارات عامة وجمل مطاطة، لكي يواصلوا استغلال ماضيهم، أو جماعتهم السياسية التي ارتقوا على سلالمها نحو الثروة والمناصب والشهرة!
وهم في هذه الحالة لا يتحدثون عن أوضاع الاستغلال الراهنة، وحينئذٍ فإن المضحي في عقولهم تكون شعلته قد انطفأت وظهر المستريح والمتمدد فوق الامتيازات ومكاسب النضال!
في كل جماعة سياسية، فى كل عائلة، في كل دولة، في كل شركة، يكون هناك دائماً من يستغل مسار الجماعة، ويستطيع أن يجامل ويداهن ويكذب من أجل أن يرتفع، ولتذهب الجماعة والعائلة إلى الدمار والمهم أن تبقى مصالحه وأرباحه وارتفاعاته فوق الظهور والجهد!
وقد استطاع الاستغلاليون دائماً أن يرتفعوا فانتصر معاوية على علي بن أبي طالب وأنتصر يزيد على الحسين، وانتصر بنو العباس والإفلاس والغنى والجور والفجور على الشهداء والمعتزلة والصوفية، وانتصرت الإمبريالية على حركات التحرر الوطني وعلى انظمة رأسمالية الدولة المسماة اشتراكية، وانتصر البيض على الحمر، وتغلب الرأسمال على قوى العمل، لأن الفقراء والمضحين والتقدميين والديمقراطيين دائماً مفككين، لا تستطيع شعاراتهم وكلماتهم النضالية أن توحد الجمهور وتفعل كل طاقاته وجماعاته!
وسيواصل الاستغلاليون انتصاراتهم في المدى القريب، لأن لهم في كل حزب وفريق ودولة ودكان أعوان، وفي كل إنسان لهم مكان، لأن لحظات الخور والضعف والانتهازية والنجومية، كثيرة في كل نفس، ولكن في كل مكان وفي كل عائلة وقبيلة وحزب وطائفة، ثمة أناس شرفاء مضحون مناضلون، حتى لو على قلامه ظفر من شيء!
وهذا النضال والتضحية قد يكون من خلال دين أو مذهب أو فكرة جديدة أو حتى في صدق فردي وإيمان ذاتي بالخير وبالقانون، فطرائق التضحية و«الحق» متعددة ومصالح الناس من الممكن أن تتحقق بطرق مختلفة، ولكن هؤلاء المضحين مشتتون متنباذون، لأنهم لا يدركون جوهر القضية، وعمق ترابطهم، ويركزون على الأشكال التي تتجلى لهم فيها الحقيقة، فقد تتجلى بشكل ديني أو تحديثي، أو فردى، وكلٌ يراها من خلال تقاليده ومستوى معرفته.
لكنهم في المحصلة لا يتحدون في حين أن قوى الاستغلال تنمو وتتطور بقدرتها على تفكيك قوى النضال والخير والتقدم، وتقوم بدق الأسافين بحيث تتمكن هي من السيطرة على المختلفين المتنابذين، وهكذا تمكن الأشرار والمستغلون عبر التاريخ من الاستفادة من تشتت قوى المعارضة والمقاومة، وكرسوا أنظمتهم وسيطرتهم.
ونرى في المرحلة الراهنة كيف استطاع الغربيون العسكريون الغزاة تفريق المسلمين والعرب إلى قوى شتى، متنابذة، دون أن يهتم الفريق المتحمس المغالي بردم الهوة بينه وبين أهل منطقته، أو أن تتجمع الطاقات العربية في شيء؟
أو ترى العديد من قوى المعارضة في البلدان العربية تتفتت في روافد كلها تصب في خاتمة المطاف لخدمة الحكومات التي تعارضها!
هذا يتطلب قادة على مستوى تاريخي، يرتفعون عن السفاسف وعن الوقوع في المصائد التي تنصبها قوى الاستغلال، ويرون ما يفيد الناس ويطور من أوضاعهم، ويوحد صفوفهم، مهما كانت الكلمة التي يطلقها هذا الحزب أو ذاك، فالمهم هي الدعوة لا الداعي، وكلمة الحقيقة من أي لسان قيلت!
هتلر يحكم إسرائيل
غزة وحماس
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
القراءة والزنزانة
يعيشُ الناسُ في الزنزانة ويتصورون أنهم أحرار، لكنهم ليسوا كذلك، لأنهم لا يقرأون الكتب.
إن غياب القراءة هو غياب الإنتاج، والعجز عن تطوير قوى الإنسان وإمكانياته الداخلية ومواهبه. ولكن من الممكن كذلك أن تكون القراءة فعلاً غيرَ مجدٍ، إذا لم ترتبط بالإنتاج، كالمثل الذي ضربه الإنجيلُ عن الحمار الذي يحمل الكتب الكثيرة (الأسفار) ولكن لم ير سطراً داخلها.
فالقراءة ليست خاتمة المطاف، ولكنها بداية الفعل، وهي التي تؤسس عملية التراكم للإنتاج الفكري والصناعي العام، ولهذا فإن قراءة الصحف وحدها لا تسمى قراءة، لأنها قراءة للخبر والرأي السريع والانطباع، وهي أمر لا يكون وحده رأياً، ولا يشكل وعياً، بل يكون ردود فعل سريعة ومتابعة خبرية.
تعني قراءة الكتاب القدرة على الجلوس في مكان لساعات، وبالتالي الصبر والانضباط وتحريك خلايا العقل باتجاه موضوعٍ واحد، أي خلق تركيز فكري وتوغل والاتجاه نحو التحليل وتجاوز الانطباعات وخلق رأي.
ولهذا تراهم في الدول المتخلفة التي لم تتشكل فيها معركة الكتاب الحضارية، يسحبون الكتاب من الأسواق، والمطار والميادين العامة وملتقيات السياح وأمكنة الآثار ومن المقاهي والفنادق، ليظل الناس عمياناً، غير مبصرين في زنازينهم الواسعة، معشيين عن أنظمتهم وأجورهم وتاريخهم وطبقاتهم وجذورهم وتياراتهم الفكرية والسياسية!
ولهذا لا ينظمون لقاءات واجتماعات وندوات لتدارس الكتب وتجذير فعلها في حياة الجمهور، لتغدو عادة القراءة مرادفة للذين يضيعون أوقاتهم وأموالهم وعقولهم في أشياء لا تنتج فائدة وتحرف العقول عن مكانتها الفارغة السامية.
لهذا يغيبون الكتب الكبيرة الثورية في تاريخ البشرية عن أن تكون فعلاً معرفياً في الجامعات، وهي كتب مثل (رأس المال) و(أصل الأنواع) و(الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية) و(تفسير الأحلام) ويوجهون الطلبة إلى كتب الموضة الفكرية التي هي مثل ملابس الفصول المتقلبة.
في السابق لعبت الكتب الدينية الكبيرة دور فتح الأبواب للثورات، وغدت المجتمعات (كتابية) بمعنى أنها كتاب معين، مما يشير إلى دور الثقافة في الانعطاف بالمجتمعات من حال إلى آخر، والآن لم يتغير الوضع، فالمجتمعات التي بلا كتاب لا تزال أمية حقيقية، في حين لدى الغرب تعددية الكتب، فضربت عادة القراءة في أحشاء الجموع، بحيث يغدو من لا يقرأ الكتب أشبه بحيوان.
من هنا عبرت الكتب الدينية في الزمن القديم عن دورها في تشكيل اهتمام واسع بالكتاب، فبعد ظهورها خلق تيارات اجتماعية وقرائية حولها وحول مختلف الظاهرات وشكلت فئات المثقفين المتعددين، ولكن ما ان انتهى «زخم» التحولات حتى توقف الاهتمام بالكتاب، وتضاءلت فئات المتعلمين.
وجاءت الثورات الغربية عبر الكتاب بدءا من عصر التنوير الذي لعبت فيه كتب التنويريين كفولتير وجان جاك روسو دور نشر الشعارات الديمقراطية عن أوسع الفئات. ومن هنا كانت طبعات الصحف اليومية في عصر التنوير الأوروبي تطبع بمئات الألوف من النسخ يومياً، وهي التي كانت تحوي مسلسلات الروايات ومسلسلات الكتب الفكرية الكبيرة، في حين لا تستطيع صحفنا العربية الكبرى في الوقت الراهن أن تقترب من هذه الأرقام.
لا تحارب حكوماتنا العربية الجهل وبعد الناس عن الكتاب، ولا تقيم محطات فضائية لنشر الكتاب، بل تحتفي بموت الكتاب لدى العرب من أجل أن يزدادوا بعداً عن توجيع أدمغتهم.
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
المنبتون من الثقافة الوطنية
واجهتْ الثقافة الوطنية الديمقراطية تحدياتٌ كثيرة في سبيلِ تشكيل نفسِها، وزرعِ وجودِهِا في الأرض، لهشاشةِ الجذور الثقافية لها، وعدم ترسخ الأنواع الأدبية والفنية، وقد تنامت بذورُهُا مع تنامي الحركة الوطنية الديمقراطية، أي بقدرِ ما تتخلص الحركات السياسية من جمودها وشموليتها، وبقدر ما يقدر المبدعون على تحليل العلاقات الاجتماعية التقليدية ونقدها وتجاوزها.
وقد تنامت الرؤى الشمولية في هذه الثقافة عوضاً عن ضعفها وزوالها، بسببِ تحكم المؤسساتِ العامة البيروقراطية في مصائر الثقافة، وخلخة تماسك المبدعين وحفرهم في الواقع ونقده، وهو الشرط الضروري في تنامي أي إبداع.
وكل هذه المؤثرات لعبت أدوارها في زعزعة الثقافة الوطنية وتقزمها، وتنامي دوران الكتاب والفنانين والمثقفين حول ذواتِهم ينسجون شرانقَ من وهم، ويكرسون أنفسهم وقد انعزلت عن عمليات تحليل الواقع ونقده، سواء عبر عوداتهم لوعي الطوائف وأندماجهم في مشروعاتها السياسية التفكيكية، ومزايداتهم على هذا الوعي أحياناً، عوضاً أن يتغلغلوا إلى نواته الوطنية ويبرزوها وينقدوا تجلياتها الطائفية ويخلقوا التلاحم بين الجمهور.
أو جعلهم ذواتهم هي البؤرُ الوحيدة في الكون الثقافي، فلم يعدْ ثمة وطنٌ ولا جبهاتٌ ثقافية يمكن أن تكرس شيئاً من الوعي الديمقراطي الحقيقي في الجمهور، فجربوا حتى ضاعوا، وانعزلوا عن القراءة وتطوير أدواتهم، أو راحوا يكررون ذواتهم الجامدة بصور شتى، حتى فقدتْ التجاربُ التي يقومون بها أهميتها ودورها، ولم يعد ثمة فارق بين مبدع كرس نفسه لعقود وبين ناشيء، بل قدرَ الناشىءُ أن يبز المعتق عبر أساليب هزيلة وإدعاءت بخلق فن جماهيري وما هو بجماهيري بل تخديري، يعتمد التسلية الفجة.
وهناك مظاهر شتى لذلك فكلها تعبيرٌ عن خلخلة وعي فئات وجدتْ إن مصالحَها هي كلُ شيء، ورنتْ إلى كراسيها وأرصدتها، وباعتْ تاريخاً، وتخلتْ عن تقنياتٍ وأدوات توصيل وحولتْ المنابر الفنية والأدبية إلى تكريس لشخوص وشلل وليس لمراكمة وعي ديمقراطي ثقافي يعيد بناء الثقافة الوطنية الخربة.
وتتشكلُ معطياتٌ جديدة لتجاوز ذلك عبر الدفاع عن مصالح الفنانين والكتاب ومؤسساتهم ونتاجاتهم، وتغيير هذا المستوى المتدني لظروف إنتاجهم الثقافية والشخصية، بشكلٍ جماعي وليس بأشكالٍ فردية، بحيث يتم تغيير جوانب هامة من الوضع الثقافي كدعم مغاير لهذا الدعم الهزيل الراهن، بحيث يزيل دور مؤسسات الثقافة المتسولة، ويضع قانوناً للتفرغ وليس لشراء بعض المبدعين، ويقيم مسارح ومكتبات وثقافة منوعة كبيرة للطفولة، ويحرر التلفزيون من سطوة الشلل، ويجعل للفنانين والأدباء ضماناً اجتماعياً مواكباً لدورهم الوطني، ولا يجعل من المثقفين منبوذين في أرضهم محتفى بغيرهم من كل الأصقاع!
وأن لا يأتي ذلك عبر التسول كذلك بل عبر استخدام الأدوات النضالية المتوفرة من مجالس منتخبة ونقابات، وإذا حدث أن لم تستجب الدوائر البيروقراطية لهذا وفضلت العمل عبر الشلل وتكريس المثقف المهرج والشاعر الشحاذ، والفنان المتعطل من الموهبة، فلتتواصل اللجان المشتركة للمثقفين، وتحفر في الواقع سواء عبر تعضيدها لنواب ديمقراطيين، أو بتصعيد نتاجها وتغيير طابعه الانعزالي غير المفيد وتتعلم مرة أخرى كيف تتكلم مع الناس.
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
اليسار البحريني يخسر «عفيفه الأخضر»
مني اليسار البحريني اليوم الثلاثاء 21 أكتوبر/تشرين أول 2014 بخسارة فادحة. فلقد غيّب الموت بصورة مفاجئة وغادرة، الكاتب والأديب عبدالله خليفة. أقول خسارة لأن اليسار البحريني لم يفرز من بين صفوفه مناضلا دؤوبا لا يعرف الكلل ولا الملل، ولا السكينة والهدوء كما عبدالله خليفة. فهو لم يعترف يوما بالسكون وبمستقرات الأشياء ونواميس الحياة الرتيبة. فلم تكن صفات وخصال فقيدنا الراحل على وفاق دائم مع تلك الأشياء “الساكنة” وبديهياتها. فمن طبعه العنيد اكتسب شهرته غير المتوجة، أو المعبر عنها، باعتباره كاتبا وأديبا جسورا في تعبيره عن مصالح البروليتاريا البحرينية.
في دأبه غير المنقطع لابتداع مقاربات نضالية تُغلِّب الطابع الوطني والأممي والانساني للصراع الاجتماعي على مغالبات العصبيات الطائفية والعرقية والمذهبية والقبلية والجهوية، لم يتردد هذا “المشاكس” المصر دوما على مقارعة النمط الفكري والاجتماعي السائد، في توجيه معاول الهدم للبنى التقليدية السائدة وعرض مقارباته الحداثية الجريئة البديلة؛ فكان أن جلب على نفسه، دون مبالاة من أحد، خصومات الأعداء والأصدقاء معا.
في استدارته الفكرية الجسورة للتراث، لم يتردد عبدالله خليفة في نبش هذا التراث وتفكيكه وإعادة تركيبه على منوال أنماط الحداثة التي كانت تؤرقه، وعلى نحو ما أظهرته مطارحاته الفكرية الضاربة جذورها في عمق المذهب الحداثي، والذي حوَّله الى العَلَم الثقافي الأبرز في الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية البحرينية، في دفاعه اللحوح عن نمط الحياة المُؤسِّس له.
لقد كانت سيرة الراحل قريبة من سيرة المناضل اليساري التونسي الراحل العفيف الأخضر.. في جسارته، وفي دأبه المستمر على مشاكسة السائد، ونقده، ومصارعته، وتشريحه، وهدمه لإعادة بنائه حداثيا.
وداعا أيها الصديق العزيز، وداعا أيها القلم الجسور، لقد أبكيتنا برحيلك، المدوي بمفاجأته.
«هذه المرثية كُتبت في يوم رحيل الفقيد الغالي والصديق الصدوق، الأديب والكاتب عبدالله خليفة»
المنامة – مملكة البحرين
الثلاثاء 22 أكتوبر/تشرين أول 2014
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
-
اشترك
مشترك
ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.

