تعتمد الزعامةُ الديمقراطية المتطورة على تطور الشعب وميزاته، فهي نتاجُ الخصائص الذاتية للفرد ومستوى تطور شعبه معاً. وليست هذه الصلابة والأفق السياسي المفتوح والتضحية سوى خصائص تشكلت في مجتمع متطور مختلف عن الكثير من البلدان الإفريقية. وضع المهاجرون الهولنديون الذين يُطلق عليهم محلياً اسم (البوير) الأساسَ الصناعي الحضاري لتقدم هذا الجزء الجنوبي من إفريقيا، الذي اختاروه لطبيعته المعتدلة ولبعده عن العمق الإفريقي ولكنوزه وإطلاله على المحيطين الهندي والأطلسي. احتاج المهاجرون الأوربيون إلى عقود طويلة لكي يتلاءموا ويغيروا هذه الطبيعة الخام لإفريقيا حيث الثروة الزراعية والحيوانية تحتاج إلى جهود طويلة من أجل تطورها، وقد تداخل المستعمرون الهولنديون والإنكليز في عملية السيطرة على هذا الجزء ودارت بينهم حربان، وأَخضعتْ إنجلترا هذه المستعمرة الأوروبية الإفريقية المتداخلة المشاكسة، وحين سيطر عليها البوير تماماً كرسوا نظاماً عنصرياً في منتصف القرن العشرين، مما دلَّ على جذورهم العنصرية الفكرية السياسية، التي أرادت إقامة حواجز غير ممكنة بينهم وبين الشعوب السوداء. لقد تقدمت القبائلُ الإفريقية تدريجياً في جسم البوير السياسي الجغرافي، مقدمةً قوةَ العمل الرئيسية في المهن الصعبة الرثة في البدايات النهضوية، وحين تحول البوير إلى الطبقة الصناعية المالية الحاكمة في غالبية فروعها فإن قوى السكان الإفريقية تحولت إلى الطبقة العاملة الصناعية التي تشتغل في المصانع ومناجم الذهب والماس. لقد تحولت جنوب إفريقيا إلى أكثر البلدان تقدماً في إفريقيا وغدت أكبر منتج للذهب والماس وغدت أكبر قوة مصنِّعة للسيارات والسلع المعمرة الأخرى وتحولت دول إفريقيا إلى الزبائن الرئيسيين لها. هذه الأعمال الإفريقية الشاقة وهذه الأسواق المفتوحة كانت تتناقض مع البناء السياسي الذي أقامه الإفريقيون الجنوبيون البيض العنصري، حيث لم يُسمح للسود إلا بأعمال محددة ومُنعوا حق المشاركة السياسية وحق المُلكية، إضافة إلى عدم مساواتهم مع البيض في تقاضي الأجور وعزلهم في مناطق ومساكن خاصة، فحكمَ أربعةُ ملايين أبيض بقية السكان البالغة تسعة وعشرين مليوناً. ولكن القوى التقدمية وخاصة جماعة الحزب الشيوعي لجنوب إفريقيا الذي أسسه المثقفون الأوروبيون في بداية القرن العشرين لعبت دوراً طويلاً في التصدي للسياسة العنصرية، والتحضير للتحول الديمقراطي ولالتحام شعب جنوب إفريقيا في شعب واحد. وحين فرض البوير العنصريون سياسة الفصل العنصري تحرك الإفريقيون خاصة للكفاح المسلح ضد النظام، فتحولوا إلى فصيل مختلف عن بقية القوى التقدمية وخاصة البيضاء التي تؤيد النضال السلمي الطويل. وكان الزعيم مانديلا من هذه القوى الشعبية ذات الجذور الإفريقية ولكن الكفاح المسلح الذي خيض لم يكن هو المحول للتغيير، فعلى أثر سجن مانديلا الطويل تحول هذا إلى رمز وطني وعالمي فتجمعت قوى السود والبيض ضد النظام الذي غدا متجاوَزاً من قبل التطور في القارة الإفريقية خاصة والعالم. إن ضخامة الطبقة العاملة الجنوب إفريقية ونضالاتها الإضرابية والسياسية صدّعت النظام، وأزّمته، ولم يجد سوى التحول الديمقراطي وإعادة لحمة الشعب، فكان التغيير ذا فائدة كبيرة للطبقة المالكة الرأسمالية البيضاء، كما عكس رغبة الدول الغربية في التغيير السلمي الذي يحافظ على أكبر رأسمالية متطورة في القارة بدلاً من تسليمها لليسار الإفريقي وهروب الأقلية البيضاء. التغيير أضفى تحولاً سياسياً على البلد ولكن التغييرات الاقتصادية والاجتماعية لصالح الأغلبية الشعبية مشت ببطء، فغدا التحول العميق يتطلب انصهاراً أكبر للسود والبيض في بنية اجتماعية واحدة. أسَّس مانديلا التحولَ الديمقراطي الوطني العام، وتحتاج التحولات العميقة في أوضاع الشعب العامل في غالبيته السوداء إلى نضال أكثر تطوراً وزعماء اشتراكيين ديمقراطيين ذوي صلات بمختلف طبقات الشعب.
مانديلا والصراعُ الاجتماعي في جنوبِ إفريقيا
انتمى نيلسون مانديلا إلى عضوية الحزب الشيوعي لجنوب إفريقيا وإلى عضوية لجنته المركزية، ولهذا فقد ثمّن الحزبُ دورَه المذكور ودوره في تأسيس وقيادة حزب المؤتمر الإفريقي قائد الثورة السياسية ثم المسلحة ضد نظام الفصل العنصري. لكن سياسة النضال العسكري التي انتهت بالفشل وحجَّمت دور الجماهير الشعبية في النضال عكست اختلافات وصراعات عميقة في تطور دولة جنوب إفريقيا وقد رثى الحزب مانديلا بالقول: «لكن المصالحة الوطنية بالنسبة إليه لم تكن أبداً تعني تجنب التعامل مع التفاوتات الطبقية وغيرها من التفاوتات الاجتماعية في مجتمعنا، كما يريد البعض إيهامنا في الوقت الحاضر. فقد كانت المصالحة الوطنية بالنسبة إلى مانديلا منبراً للعمل من اجل تحقيق هدف بناء مجتمع المساواة في جنوب إفريقيا، مجتمع متحرر من وباء العنصرية والنظام الأبوي والتفاوتات الفاضحة. كما أن المصالحة الوطنية الحقّة لن تتحقق أبداً في مجتمع لا يزال يتميز بالفجوة المتسعة من اللامساواة والاستغلال الرأسمالي». لقد عكس البيان تناقضات عميقة في وعي اليسار وفي مجمل التطور الاجتماعي الجنوب إفريقي. فقد ظهر مجتمعان في هذا التطور، الأول هو مجتمع البيض، الذي سيطر على الزراعة واستخدم السكان السود في تكوين الريع، كما استولى على مُلكية التعدين في الماس ثم الذهب ثم صناعات التعدين المختلفة، وأسس بهذا رأسمالية بيضاء قوية متطورة، يرفض بعض قادة اليسار الإفريقي اعتبارها حتى في مستوى رأسمالية البرازيل. استيلاء الإفريقيين البيض على المدن ومنع الاندماج بين البيض والسود، وتشكيل تلك الرأسمالية المتطورة أدى إلى تدليل الفئات الغنية البيضاء ومعهم شرائح الهنود، حيث سادت الامتيازات بينهم، وبحسب إحصائيات البنك الدولي يحصل أفقر الفقراء السود وهم 40% على أقل من 4% من الدخل الوطني، بينما يحوز 10% من أغنى أغنياء البيض على 51% من الدخل الوطني. هذا الوضع وجه قيادة المؤتمر الوطني الإفريقي إلى شنّ الكفاح المسلح بدءًا من أوائل الستينيات، وغدا مانديلا رئيساً للجناح العسكري في قيادة المؤتمر، وفي 1962 تم اعتقاله، وفي عام 1964 تم الحكم عليه لتخطيطه لعمل مسلح بالسجن لمدى الحياة. العملُ المسلح حوصر من قبل الدول الإفريقية العميلة للبيض ولم تستطع المجموعاتُ المسلحة أن تتغلغل في جنوب إفريقيا، وتعرض بعضها للتصفيات، كما أن انقطاع هذه المنظمات العسكرية عن السكان قاد التنظيم ككل إلى المغامرة والانفصال عن الزخم الشعبي، ولهذا فإن سجن مانديلا الطويل كان وجهاً لضعف هذا النضال وهزيمته في النهاية. وكان قادة الحزب يذهبون إلى فيتنام ويرون التجربة هناك ولكن بدون توظيف لها. ولكن الصفقة المحلية والغربية لإنقاذ النظام في ظل أزمته التالية، خلقت نظامين متناقضين في الدولة التي أزالت التفرقةَ العنصرية وتحولت إلى دولة ديمقراطية. فقد بقيت الأقليةُ البيضاء الطبقةَ الحاكمة في مجال الاقتصاد، فيما غدت قيادة المؤتمر الوطني الإفريقي قيادة سياسية تتأثر بالاقتصاد الرأسمالي الأبيض ونفوذه، وكانت إمكانيات الطبقة العاملة السوداء ومؤيدوها من العمال البيض لا تسمح بالتأثير الواسع على النظام الاقتصادي القوي. وهكذا عبّر انفصال مانديلا عن القيادة إلى غياب الدرس العميق لكيفية استثمار زمنية الحرب المسلحة في التطور السياسي الاجتماعي للأغلبية العاملة والفئات الوسطى المؤيدة، والتي لم تستطع أن تكون حتى طبقة وسطى من الملونين. ومثلّت صراعاتُ القادة وتبدلاتهم في قيادة المؤتمر الإفريقي بتهم الفساد طبيعة الازدواجية في المجتمع، مثلما جاءت مشكلاتُ عائلة مانديلا وصراعاتها، معبرة كلها عن غياب التراكم الديمقراطي والعلمي في قيادات السود، وعدم قدرتهم على تكوين قيادة جامعة بيضاء وسوداء لجنوب إفريقيا الموحّدة الديمقراطية. وبقيت جنوبُ إفريقيا ذات أغلبية فقيرة وأقاليم غنية مرفهة وأقاليم معوزة، وهي تتوجه نحو صراع ثنائي عميق انشطاري يؤسسه اقتصادٌ رأسمالي متطور في أقاليم المدن الكبرى واقتصاد ريفي متخلف في البقية من جغرافيا الدولة. ويعتمد قادة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي على مقولة بناء رأسمالية دولة يقودها السود سياسياً واقتصادياً تربط قواهم في العاصمة بالأرياف، ولهذا يقوم أحدُ قادتهم البارزين بمدح الاقتصاد الصيني ونموذجه، وخاصة مع تحول الصين إلى أكبر مستورد لجنوب إفريقيا.
للشاعر أحمد الشملان تجربة طويلة مع الشعر، وقد تقطعت وتلونت عبر السنين، وفي ديوانيه الاثنين (زنابق العشق)، و(الاخضر الباقي) بعض شواهد وثمار هذه التجربة الطويلة المضنية، ولعل الديوان الأول (زنابق العشق) أكبر الشواهد على معاناته وصبره في خلق الشعر، وقد كتب الديوان في ظروف خاصة، تجعل من كتابة الشعر عملية صعبة مضنية، ولكن متأنية ومعمقة، بخلاف الديوان الثاني (الأخضر الباقي)، حيث تتسم القصائد بالقصر والومضة السريعة ويعكس لحظات حياتية متبدلة. في الديوان الأول نجد مطولات، يمكن أن تمثل قصائد مهمة في تجربة الشعر البحريني الحديث مثل (المخاض) و(زنابق العشق) و(افياء الشنفري)، وخصوصاً القصيدة الأخيرة، ذات النفس الملحمي، التي تتجه لتكوين صوت تاريخي – معاصر، وتلبس قناعاً تراثياً تشاهد فيه الوقت الراهن، عبر تحولات معقدة، وتلونات خصبة. الديوان الأول يمثل خبرة طويلة وتجارب متعددة متلونة، وككل التجارب يحوي الإيجابي والسلبي، عناصر الشعر والنثر، التلقائية الشعرية والنحت الأيديولوجي. ونحن سنحاول هنا ان نلقى بعض الملاحظات السريعة على جوانب رئيسية في الديوان الأول، مستعرضين قصيدة واحدة، بشكل ملموس. في قصيدة (المخاض) ص 64، نقرأ قصيدة بضميرين، ضمير (النحن)، ضمير المرأة، الحبيبة، الأرض، التغيير والتحول أيضا. ضمير النحن، ضمير الشاعر، هو المخاطب للمرأة الحبيبة، المتغرب عنها، المشكل لها، وهي المرأة الرحم، الأرض، القابلة للتشكل والولادة، بنتاج الفعل الذكوري، التغييري، القادم. هذان الصوتان ينفصلان، يتغربان، يتوحدان، في توليفة شخصية – جماعية، يتوحد فيها العام والخاص، الطبيعي والاجتماعي، السياسي والعاطفي. في البدء يقول (كاشفينا/ قادمون نفضح السر/ وجرحنا منفطر/ غابات حزن/ ومروج/ ومدينة/ رفعت استارها تنادينا/ عناقيد النساء في النوافذ / ترتشينا). فإنه يجسد اللحظة الأولى للعلاقة بين صوت الشاعر، الجماعة، وصوت المرأة – الوطن – الأرض. إن الشاعر قادم لقول مثير، لفضح الأسرار، التي هي جراح المدينة الحزينة ومروجها.. فهو لا يأتي لرشف قبلة فحسب، بل لفعل تغييري عام، أو قل إن فعل الحب الشخصي، وفعل التغيير العام، يتوحدان في فعل واحد هو الخصب، المقابل المضاد لحياة الموت والحزن والجفاف. فكل اشياء المدينة واحزانها وبطون النسوة، تنادي فعل الخصب الذكوري، التغييري القادم. وهذه اللغة الشعرية تستفيد من أجواء القصيدة التموزية، ذات النسق المعروف، بامتداداته الاسطورية والية وعيه الخاصة. وتبدو اللغة الشعرية، في المقطع المذكور، مترددة، بين التعبير الأول، والتعبير الأخير. حيث هو في الأول (كاشفينا)، مما يعطي المرأة، الارض، كل الفعل والبرح والحقيقة، في حين يبدو التعبير الأخير (ترتشينا) قلقاً، ولا أعرف كيف تمت الصياغة هنا، لأن الفعل أصله (أرشت) فينا، بمعنى امتدت العناقيد فينا، فصرنا منها وامتداداً لها. إن الشاعر – على ما يبدو – يعد صياغة الفعل صياغة خاصة به، لكنها صياغة قلقلت المعنى، في حين أنها كانت حرية أن تفجره. لكن حسب تدفق المعنى، تناسقت الكلمة الأولى والأخيرة، فغدت مكاشفة المرأة الوطن، أساسية في خلق فعل الكلام – العمل القادم، فامتدت الذكورة في الانوثة خصباً، وعناقيد، وافراحاً، وصار الفعل التغييري تبديلاً للحزن والموت. وإننا نجد هنا المسافة الديمقراطية بين الرجل والمرأة، بين التغيير والوطن، حيث لا يمتلك قطب السيادة، بل يتداخل القطبان، ويلتحمان عبر عملية تأثير متعددة الجهات. لكن هذا التوحد الجماعي سرعان ما ينفصل، فتغدو المرأة ـ الرمز إنسانة ما، ويغدو الصوت الجماعي، صوت الشاعر نفسه، يبدأ (الخاص)، رحلته المتفردة، فبعد أن كانت المرأة طيفاً، أو كاهنة. وهذا هو نسق القصيدة التموزية، قصيدة البعث الأسطوري في نموها. وبعدها يتوحد الشاعر بالشقائق والحرائق، ويتدثر بالماء، و يُبعث نبياً، وتتوحد أشلاؤه بالمرأة، تربة تنبت اشجاراً وينابيع، وهي تمر بما يشبه دورته التموزية الاسطورية، فتصير بين الحواريين – تلاميذ المسيح – وتدخل الموت، حين سكن يونس، وتغمر الأفلاك، تعود في نهاية المقطع، لتتحدث بصوتها الخاص، بلغتها الأنثوية، لا كرمز أسطوري يطرف بعوالم غريبة كامرأة: (زغرد النهدان قبل التاسعة / وعلى حفيف العاشرة/ ترملت). هذا النزول الحاد للأرض، للأشياء اليومية، للمرأة بعمرها، وتكوين جسدها، فيه مغايرة للعنصر الاسطوري التموزي، أنه حكي لليومي، أنها التفاتات لشعر الحياة، لا لشعر الأسطورة. لكن الشاعر لا يتوغل أيضاً في الصوت النسائي، ليمنحه سماته الخاصة، نوافذه، ثيابه الذابلة، حاراته الحزينة، فسرعان ما تعود المرأة الى التحول رمزاً، الى شكل الأرض والتاريخ، ويعود هو بدوره الى رمز الخصب، المفارق، البعيد، الناضح غربة وحزناً، المتحول اشكالاً وظاهرات طبيعية وكونية واجتماعية. إن هذا التردد الخاص والعام، رغم اشكاليته، يمنح الرمز المجرد أنسنه وظاهرات ملموسة ويغنيه عبر التلون وإضفاء المشاعر، لكن تراكم التردد ونموه الكمي، لا يخصب القصيدة بتحولات جديدة، بل يؤدي إلى إطالتها وتشتتها. فالصوت النسائي، على سبيل المثال، يتنهد، ثم يوقظ الشمس، ويهاجر ليمنعها من الغروب، ويمنحها التوهج، لتمنحه الشمس بدورها الحمرة، من أجل نمر وبقاء الشاعر، الطفل، الصوت المتواجد داخل رحم الأرض، لكي يدفأ، ويقرأ التشريق والتغريب، وكذلك انعطافات الفصول، وليضع النقطة حيث تعدو الفاصلة.. هذه العملية الفلسفية الفكرية التراكمية تصير عقلانية، تحكمها أدوات النثر من ربط ووصل وتحليل. في حين كانت العلاقة واعدة وثرة، عبر ادوات الشعر التي ظهرت في البداية، مكثفة، مشعة. ويستمر الشاعر في (نثر) هذه العلاقة الفكرية، عبر صور متعددة، تحكمها أدوات الربط النثري والعقلنة، لكنه يتخلى في أحيان عديدة، عن هذا الطابع العقلي النثري، ليصور العلاقة بشفافية عاطفية غنية، كالمقطع التالي: (وحيدة رأيتها/ واقفة على جدار الغمام/ توزع الضوء البنفسجي طحينا). ان الشاعر حين يستجيب لتدفقه الانفعالي، وينسحب من مناخات القصيدة التموزية، وتتدفق الصور المعبرة، المنتزعة من ظاهرات الحياة اليومية والمعاناة الحقيقية، ينمي العملية الشعرية الابداعية، وهو يفعل ذلك مراراً، حين يدع الصوت النسائي يعبر عن هواجسه الشخصية، ومرارة الانتظار، أو حين يكمل الصوت الرجولي، اللوحة من الجانب الآخر، عبر عذاب الغربة والنفي والبرد والجوع والحب، حينئذ تنمو اللوحة الشعرية. ولكن حين يحول هذه العلاقة الشخصية الحميمة الغنية بدلالاتها وذاتها، ويريد (ربطها) بعوالم أخرى، فيسيطر عليه هاجس رسم اللوحة السياسية، يبدأ (النثر) في الاستيلاء على عالم الشعر. حين يقول (قفي نتكئ/ صخرتين بلا قرار/ لنبذر العصافير جفونا/ تبدد البكاء)، يشكل الشعر، رغم انه بعد لم يطلق ذات الداخلية، بهواجسها وضعفها وقوتها، ولا تزال صورة القوة الحديدية والعطاء اللامحدود تظلل اللوحة، ولكن عندما يقول (هاجرت أمنعها الغروب/ أمنحها التوهج/ فتمنحني حمرة للذي بالرحم لكي يدفأ)، فالصورة ذاتها منتفاة، وغير شعرية، وتأنى كثرة أفعال الربط وروح التحليل والتفسير، لتبعدها عن روح الشعر. وجرد الحالة الشعرية القوية، ووجود الحالة النثرية العقلية، جزء من تراكم بنيتين شعريين متناقضين. الأولى نتاج بنية الشعر الحياتي، التي تنبع من ظاهرات الواقع الحقيقية، من هواجس الشاعر واحلامه والامه، وتضاريس الحياة التي يصارعها ويحولها. والثانية هي بنية الشعر الاسطوري ومناخاته الفكرية العقلانية، ثم امتداداته السياسية في عملية التبشير الأيديولوجي. في بنية الشعر الأولى ينمو الشعر ببساطته وتألقه، ويندفع من مسام الصوت الشعري، وهذه البنية لم تتطور بشكل واسع في القصيدة نظراً لخنق الأيديولوجي للشعري. وفي البنية الثانية يصعد الشعر نحو عالم الاسطورة والربط السياسي.. مما يقلل من تنامي البنية الاولى. لنأخذ المقطع الأخير في القصيدة لنرى هذا الصراع بين البيتين: (زنابق هنا / وهنا زنابق / لقحيها بالرياح.. بالبحر/ بأطلال النخيل/ وغداً عند الصقيع/ يأتيها المخاض/ فتأخذ شكل أحلام البكارة / شكل اقمار السهر/ قبل السفر/ لتنداح الإشارة) ص 85. فألم الأرض، وعذاب الحبيبة، يتشكل عبر بذور هنا وهناك، لتغدو في خاتمة المطاف ربيعاً وانفجاراً. ويبدو التسلسل العقلي المنطقي واضحاً، والمقدمات تأتي بعدها النتائج الحتمية.. هذه العملية تمثل ادلجة فكرية وتضعف تنامي الشعر المليء بالعواطف الحارة والتحولات والنماذج لا القوالب. وحتى في هذا المقطع التقريري تبدو امكانية الشاعر قوية في الصياغة وابتكار الصورة وخلق الإيقاع الموسيقي، ولكنها لم تأت (عفوية)، وهو يمتلك العديد من النماذج والمقاطع والقصائد – القوية المعبرة، ولا نستطيع في هذه اللمحة القصيرة أن نتجول فيه كلها.
على خُطى الشعر العامي الساخر ودعابة بيرم التونسي الجارحة الفكهة، توغل الشاعر عبدالرحمن رفيع في عالم فريد، خاص، بسيط وعميق، شفاف ولاذع. استطاع به أن يكون شاعراً متميزاً. واتجاه عبدالرحمن رفيع لشعر السخرية المرُة، والنقد الضاحك المؤلم، هو طريق شقه منذ سنوات بعيدة، وتمرس فيه وأبدع، ولكن هذا الدرب لم يرض عنه النقد والأدب الجامد، في حين استقبله الجمهور بترحاب كبير . لم هذه المفارقة الغريبة ان يكون رفيع مطروداً من دائرة النقد والضوء الادبي، ومحبوباً لدى السامع والقارئ ؟ ليست اشعار رفيع ساذجة ومسطحة، ولا مقعرة ومفتعلة، بل هي لغة البساطة الشعبية التي لا يستطيع أي فنان أن يصل إليها إلا بشق النفس. لماذا استطاعت هذه اللغة أن تكون معروفة وشائعة لدى رجل الشارع؟ ما هو السر وراء هذا التغلغل والبقاء في الذاكرة العامة ؟ في قصيدة عبدالرحمن رفيع، هناك عادة حكاية، قصة ما، تنبثق منذ أول كلمة لتتنامى في معمار خاص، ويتيح هذا البناء القصصي، للشاعر، تكوين مشهد مرئي حي أمام عين المتلقي. وبفضل هذا المعمار والبناء، تنتقل حرارة ووهج الحكاية إلى ذات المتابع. وضربات عبدالرحمن رفيع بفرشاته الشعرية – القصصية دقيقة وسريعة وموحية. وهي تبني بلا توقف هذا المعمار الحدثي القصصي بلا إبطاء او تعثر. في قصيدة (الايسي العظيم) – راجع ديوان (بحر وعيون) دار ذات السلاسل ص 69 – نرى هذا التكنيك السريع المعبر: [إخواني وأهلي يشتكون/ حرّ شديد ما يهون/ حبه ورا حبه العرق، ينزل او يدخل في العيون/ قلت: اشتريلهم مروحة/ تنفعهم في ليل وضحه] . انه منذ الكلمة الأولى يدخلنا أجواء الحكاية، ويصور أحوال الشخصيات، بلمحة سريعة، وبصور دقيقة مكثفة. فالحر حبات من العرق تنهمر وتتوغل بملوحتها في العيون، وعبر هذا الرسم المصور دخلنا اجواء العائلة الفقيرة المعدمة، حيث المكيف الجديد حلم من الاحلام. والراوي/ الشاعر، يصور رحلته نحو هذا الشراء للمكيف المستعمل، وكل لقطة من لقطات نمو الحكاية هي لفتة ساخرة، وضحكة نازفة، ونقد عميق وفكه للمجتمع. [صبريت على الجوع والقهر/ والعيشة ويل/ لين ما جمعت جم نوط خضر/ وقالوا لي سيل/ واتوكليت]. هكذا تتنامى الحكاية وسط دغل الحياة الصعبة، وتظهر لعبة المفارقات بين البطل الفقير والسوق المليء بالمال والبضائع. وحين يشتري الراوي المكيف، يتحول هذا إلى بطل له سماته وشخصيته الضخمة المنتفخة ولكن الفارغة والمعطلة!. فقد أحضر المكيف الضخم إلى الحي الفقير، وتجمهر الناس حوله، وكان ثقيلا، حمله خمسة رجال، وكادوا يسقطون على السلم، ثم اتضح ان المكيف ليس سوى حديد خردة لا ينفع بشيء!. فن خلق الحكاية بأجوائها المصورة الملموسة، وبومضات من اللغة هو ما يشد القارئ إلى شعر رفيع . لكن هذه الحكاية لا تتجسد عبر طريقة جافة، بل من خلال النكتة والمفارقات. فحتى أثناء وصف السوق الذي يندفع فيه الراوي، نلمح هذه النكتة السريعة [سوق المنامة سوق عجيب / اتلاقى فيه ما تشتهى/ بس خرخش المخبه وييب/ كل المحلات تعشقك/ ان كان في مخباك الحبيب!]. إن من ملامح تجربة رفيع هذا التصوير الدائم لعالم المال والأغنياء فالسوق والنواخذة وتجار الأسهم دائما حاضرون متجسدون، ضيقو الأفق، بخلاء، نهمون، مندفعون إلى الثروة. ولكن في هذه القصيدة (الايسي العظيم)، ليس ظهور السوق، سوى أمر عابر. ولكن يشكل تضاداً مع عالم الراوي الفقير الباحث عن مكيف مستعمل. وتنامى الحكاية يتم عبر صراع فكاهي وساخر، فالراوي يتصارع مع هذا المكيف الضخم، ويحلم ببرودته الساحرة، ثم يصاب بالخيبة لفواتيره وتصليحاته وموته!. إن النكتة هي في الموضوع ذاته ولكن هذا الموضوع العادي يحمل قضية عميقة، حيث يتبدى الصراع بين الإنسان البسيط والظروف الصعبة حوله. فليس المكيف سوى تجل لهذه الظروف. وتركيز الأمر عليه، هو اللغة الساخرة، القادرة على التغلغل في الشعب، وكشف حياته الصعبة. واللغة التي يعتمدها الشاعر هي لغة الحديث اليومي، ومن هنا جاءت جملتها المنسابة، بلا افتعال، وصورها المأخوذة من مجريات الحياة، ومن هنا تغييرها للقصيدة الكلاسيكية المقفاة، مع الحفاظ على وحدة التفعيلة، والتزاوج بموسيقى خارجية، وقافية مرنة ومطواعة لتشكيل الحدث القصصي – الشعري. وتتداخل نزعتان في شعر رفيع، أولاهما رومانسية عذبة، رقيقة شفافة، تعبر عن حس الشاعر العميق، وشعوره بغربة كبيرة في هذا العالم الحديدي الغريب. ان الماضي، يلح إلحاحاً شديداً على الشاعر. ومن هنا هذه الصيغة اللغوية المتكررة، أو هذا الاستفهام الفاجع بتغير الزمن: (تذكرين؟)، وهذه المفردات والصور الدائمة عن السفن واللؤلؤ والبحر وبيوت السعف والنوافذ الخشبية والحارات القديمة. [أحن للجبهة السمره/ أحن للوزه والبسره/ أحن للصوت واليا مال والشيلات/ والسمره]. إن الوطن، كثيراً ما ظهر لديه، كرمز يعيش في الماضي، متوحداً مع ركائز البحرين القديمة، والتي تتعرض لرياح العصر العاصفة. ومن هنا يوجه بصره إلى ذلك الماضي الجميل المندثر، بحرقة. وهو يدرك أن هذه التغيرات الحادة الفاجعة، وعلاقات الغربة المتفاقمة، وروح المال القاطعة للحم الإنساني. وهذه هي النزعة الثانية، إنها النزعة النقدية الإنسانية، التي تطور الوعي الرومانسي، إلى تغلغل سافر في العلاقات البضاعية المتفاقمة. ولا يوجد في شعرنا من استطاع أن يتغلغل في الحياة الرأسمالية الحديثة ويعبر عن نتائجها الروحية كما في شعر رفيع. عبر بساطة ساحرة و لغة شعبية فكاهية. [وشب الفريج طابوق / والناس عنه اتفرقت / ودش السكيك السوق/ والآدمي مثل التنك / يحلى ويصير سكراب / بيعوني في سوق الحراج!]. إن رومانسية رفيع لا تقف عند الحلم بالماضي، بل تقرأ تضاريس الحاضر وأضلاعه الحديدية الحادة.
رحل الكاتب القصصي الكبير يحيى حقي عن عمر بلغ 87 عاماً، كتب فيه العديد من أعمدة القصة العربية، مثل «قنديل أم هاشم» و«صح النوم» و«عنتر وجولييت» «أم العواجز» إضافة إلى عشرات الدراسات النقدية والفكرية واللوحات. ونحن سوف نقوم هنا باستعراض جانب من مجموعته القصصية «عنتر وجولييت» وملمح خاص منها، هو كيفية بنائه للقصة القصيرة، و أين تصل رؤيته وأبعادها. إن أهمية يحيى حقي الأدبية الكبيرة تكمن في صياغته قصة قصيرة بالغة الروعة والجمال، فيها كثافة تعبيرية ودلالية عميقة، وتكاد أن تكون كل قصة قصيرة هامة كتبها أن تكون رواية مكثفة. ستجد فيها عناية فائقة باللغة، بسلاسة الجملة، وكأن اللغة مجرى مندفع بهدوء وفخامة، وثمة جهد جبار لترويض هذه الأداة اللغوية، وجعلها تبدو عادية، غير مفتعلة، ومع هذا فهي أخاذة جميلة ويحاول يحيى حقي، في أحيان كثيرة، أن يطوع اللغة العامية، أن يبحث عن مفرداتها الجميلة، القريبة من الفصحى، ليدخلها في سرده. تماماً مثلما يفعل في بنائه القصصي، معطياً أوردته الداخلية العميقة، للناس لأبناء الحارات، فترى صورهم وحيواتهم ومعاناتهم داخل نسيجه اللغوي – المضمونى، فهي قصة عميقة التشكيل، في ذروة جدالية، وهي أيضاً بسيطة التركيب، تمشي حية على الأرض، مفعمة بعطور الأمكنة وظلال الأشياء. ثم هي أيضاً مزيج غريب وفريد من التراجيديا والكوميديا، تتداخل فيها المأساة الحادة والضحكة المجلجلة، دون أن تتحول إلى ميلودراما مفتعلة، تدهش سخرياتها اللاذعة داخل أقبية الحزن. فيحيى حقي هو «ابن البلد» الذي مهما نهل من علوم أوروبا وفنونها المختلفة، جزء من الحارة الشعبية، لا يحطم قناديلها القديمة المقدسة، بل هو يضيئها بزيت الحداثة، تعال معي إلى أهم ملامح قصص «عنتر وجولييت»(١) لنأخذ الخط الداخلي المتنامي بينها. قصة (السلم اللولبي) ص 35 -37، تدور حول شخصيتين، الأولى هي (السلم اللولبي) نفسه والثانية هي (فرغلي صبي المكوجي) وإدغام المؤلف لهاتين الشخصيتين الجامدة والحية، في توليفة قصصية حديثة واحدة، يعبر عن هذه الجدلية العميقة بين الإنسان والمكان، الذات والعالم. وهو حين يبدأ وصف شخصيته الأولى، السلالم، نحس بهذه الأحجار الجامدة، وهي تتحول إلى مخلوقات حية، ولكنها شرسة، تفترس هؤلاء البسطاء الصاعدين إلى العمارة من زواياها الخلفية. إن المؤلف يسوق عشرات التشبيهات لوصف هذه السلالم التي تذكر الراوي بـ(تفنن محاكم التفتيش الإسبانية في ابتداع أمكر وسائل التعذيب الوحشي وأخسها) وحين يتابع خطى الخدم والباعة وتجار الروبابيكيا وصبيان البقال والمكوجي (أنهم احفاد العمال بناة الأهرام). هكذا تتحول السلالم إلى لوحة طبقية ساخرة، مؤلمة. فسلالم مقدمة العمارة الأنيقة، النظيفة، هي من نصيب سكان العمارة وأصحابهم، أما سراديب محاكم التفتيش فهي من نصيب أولئك العمال. وتناغم الوصف ودخوله إلى تفاصيل المكان، ليس مقدمة تقريرية بل هو متابعة لبطله الثاني (فرغلي صبى المكوجى) الذي يركض دوماً، طوال النهار. على هذه السلالم الخلفية، التفتيشية. والكاتب يتوغل في أعماق الصبي فرغلي، عبر هذا الوصف الدقيق الفكه لحركاته وملابسه وهيئته فأغلب مقاسات ملابسه كبيرة عليه، إنها مأخوذة من الزبائن الذين تخلوا عنها. وهو أيضاً عميد أسرة ريفية يرسل إليها معظم أجره. هكذا نرى أسلوب يحيى حقي وهو يتوغل إلى البناء والشخصية، متابعاً تفاصيل دقيقة مذهلة في تكوينها الخارجي — الداخلي. وهو سوف يدهشنا بقراءته لجغرافية المكان والذات الإنسانية وعلاقاتها الصراعية والتآلفية. بعدئذ يدخل المؤلف إلى الحدث. بعد هذه الفرشة السريعة للمكان والبطل. فقد غافل (فرغلي) البواب ذات يوم وأراد أن يكسر عالم السلالم الطبقي التقسيمي الحديدي، وتوجه من السلالم العادية وليس الخلفية، وحين فتح باب الشقة اندفع إليه (ركس) كلب السيدة وعضه. كان هذا عقابه على اختراقه الناموس! إن هذا الحدث الصغير سوف يفجر كل جزئيات الموقف القصصي. فسوف نرى فرغلي قبل حدوثه، وهو يلاحظ (ركس) من باب المطبخ، كما أن للسيدة صاحبة الشقة خلفية خاصة، فلديها صديقة صاحبة كلب مماثل عض صبياً آخر، فعانت من شكوى أهله للبوليس. لهذا حاولت السيدة عبر سياسة ماكرة، أن تهدئ فرغلي وتلغي ثورته وحقه، فأعطته «نصف ريال» وشكولاته، وكانت حنونة أيضاً بفعلها العفوي، حتى ظن أنها من الممكن أن تعطيه نصف ريال آخر. خاصة بعد أن أصيب بحمى، وجثم في الغرفة الجماعية، وهناك، في مرضه، أشتاق إلى دكان الكواء، وتذكر حتى الملابس التي يحملها وتعطيه إنطباعات غريبة عن البشر. لقد رفضت السيدة أن تعطيه نصف ريال، لتعوض أجره الناقص، فصرخ في نهاية القصة (أيه يا خويا الناس دول.. ما يحنوش على الواحد إلا إذا الكلب عضه). هكذا يغوص يحيى حقي في حياتنا، عبر نموذجين متداخلين، لنشاهد لحمنا الداخلي، التركيبة الاجتماعية المتناقضة اللاإنسانية، بشفافية ساخرة حزينة. إن القصة تقام فوق سلسلة من التضادات الاجتماعية المختلفة، فأهم تضاد هو بين فرغلي والسيدة وكلبها. فحين يعيش فرغلي من عمله ويصرف على عائلته، ويعيش أسوأ من كلب، فإن (ركس) يعيش حياة باذخة. ولكن هذا التناقض لا يتحول إلى صراع فردي، بل هو يتعمم ويتنمذج في تركيبة واسعة. إن التضاد بين فرغلي / السيدة، يكشف عن التضاد الأوسع بين الناس، الشعب، والطبقة الوسطى. فثمة من يلقون ملابسهم المستعملة، ومن يلبسونها، من يحضرون من العزب والقرى ومن يستخدمونهم في المدينة. إنها تضادات متعددة، الصبي / السيدة، الناس/ الأغنياء، السلالم الخلفية / السلم اللولبي، القرى / المدينة، العاملون / المستغلون، إلخ.. إن هذا الصراع مراقب دائماً من قبل الكاتب، وهو يصدر المشاهد الامامية والبارزة منه. فالقصة القصيرة لا تتيح مثل الرواية، التوغل في هذه التضادات. ويحيى حقي عموماً يقف على ضفة هذه التضادات، ولهذا فإن بنيته القصصية دائماً قصيرة، في حين أن نجيب محفوظ، يتوغل بعيداً في تجليات هذه التضادات. ولذا كان روائياً. وإذا كانت القصة تقوم فوق تضادات متصارعة، تكشف عن بنية غير إنسانية عامة، فإن الأسلوب القصصي يقوم على الجمع بين التضادات الأسلوبية ويدمجها في بنية فنية راقية. فنجد التضاد واضحاً بين الفصحى، العامية، البساطة / العمق. الروح/ الشعبية/ الرؤية الحداثية إلخ.. إن اللغة أحياناً تتغلغل بين فصحى جميلة شعري،. و عامية حاراتية بسيطة، لكن الكاتب بضفر بين الجانبين للغة، فتجد أن نمو السرد البليغ، على تضاد حاد مع الحوار العامي، الذي يتحول إلى لغة جميلة. إنه هنا قنديل أم هاشم الذي ينتزع الموروث والحياتي ليوظفه في بنائية جمالية عربية صاعدة. إنه التحديث اللغوي وإعادة خلق اللغة من عنصريها المتضادين، المتحدين أداء ووظيفة وسيرورة تاريخية. وهكذا أيضاً تتحول بساطة العرض والحدث ومرافقة الراوي الظاهرة للشخصيات العامية، إلى دخول في أعماق التجربة، ورؤية ذلك التضارب العميق بين الشعب العامل والبرجوازية وتجاوزه في إنسانية شفافة وإيماءات وليس عبر التغلغل التصويري الموسع كما فعل نجيب محفوظ. وفي قصة (سوسو) ص 38 – 50، نجد تقنية عالية، ونذهل لقدرة القصة القصيرة هنا، أن تحمل كل هذه الترميزات. وأن تتحول كذلك إلى قصة ممتعة رائعة. هنا نجد ذلك النمط الأخر من القص. حين تتوجه القصة لا للتعرية الاجتماعية. بل للوصول إلى تحليل للنماذج الروحية – النفسية – أي أن القصة، هنا ترتفع عن القاعدة الاجتماعية التحتية، لتتوغل إلى صميم الظاهرات الروحية، التي هي موضوع الأدب الإنساني العملاق. يكثف الكاتب اللحظة القصصية هنا، مكاناً وزماناً، فهي ليست سوى مكالمة من صديق محسن، الذي هو راوي القصة، يدعوه لحضور حفلة عيد ميلاد ابنه الصغير (سوسو) ذي الأربع سنوات، المريض بالداء المغولي. وبين الذهاب للحفلة، وسقوط الابن المحتفى به من فوق الشرفة، يكمن زمن القصة وحدثها وأمكنتها المتعددة الكثيرة. إن الراوي محسن يعيش في هذه اللحظة، حواراً داخلياً مطولاً، يعري فيه حياته كلها، دون أن يظهر هذا العرى الكامل له. إن أعجوبة القصة تكمن في هذا العرض / التعرية. إن ذلك يحدث عبر تصادم النموذجين الرئيسيين في القصة: محسن الراوي، الموسوس. العاجز، ابن المرفهين، الذي ولد من أب شيخ وأم تقضي معظم أيامها في المستشفى، وبسيوني ابن الريف الفقير، الضحوك الانبساطي، الذي يقبل على الحياة بقوة وحب. يتزوج ابنة عمه (زينب) الهيكل العظمي، فيحوله إلى حياة مدهشة. إن الراوي، وهو في سبيل إعداد هدية لـ«سوسو» يكشف هذا التضاد العميق الواسع، بينه وبين بسيوني. 1 — صور هذا التضاد، تبدأ منذ أيام الدراسة حتى زواج بسيوني، وتتوغل في شتى ظاهرات حياتهما الشخصية. نجد الراوي شكاكاً، يبحث عن أغلى الأدوية في الصيدليات، يصاب بالذعر من أي ممارسة جنسية، يعجز عن القيام بأي علاقة مع امرأة، في حين كان بسيوني يجلجل ضاحكاً من هذه الممارسات ومن مغازلاته الكثيرة، وتتهافت عليه النساء الغنيات، لكنه لا يقبل سوى زينب ابنة عمه، لعل هذا هو سبب مصيبة طفله المغولي. ولكن رغم هذه المصيبة فإن الطفل يتحول إلى مركز لفرح الأسرة واغتباطها، مما يجعل الراوي مذهولاً. نموذجان متضادان، الأول مخنوق بداخله المريض، لم تستطع طاقات طبقته أن تطلق قدراته، والثاني منطلق، لم تستطع محدودية طبقته، أن تكبح انطلاقات ذاته الحيوية. وحين يسمي بسيوني ولده المغولي (محسن) تيمناً باسم صديقه. كان هذا ترميزا واضحاً للعلاقة بينهما.. وحين يتردد محسن في شراء هدية عيد الميلاد. بين الدراجة و(الطاحونة الضخمة التي تضاء بالكهرباء وتدور أذرعتها على لحن راقص ينبعث من داخلها) فإنه يختار الطاحونة الفارغة ذات الدوران الداخلي. أو يختار ذاته الطاحنة، لا الدراجة العملية التي يمكن أن تساعد المغولي على الحركة. أو تساعده هو على المشي الاجتماعي الحقيقي. وحين ينقذف الطفل من الطابق الرابع. في حركة مباغته من الأب الذي لا يعرف أن ابنه في صدر محسن. يكون الراوي قد حكم على ذاته بالدمار. هكذا تقوم تقنية القصة القصيرة هنا، على موضوعية الراوي في التعبير عن حياة الآخرين، ليعري حياته، عبر بنية دقيقة من الترابط النموذجي. التناقضي والمسيطر. عليه في حبكة، مشوقة، ساخرة. حزينة. مع بث مجموعة من الرموز. لتعميق البنية مثل (سوسو) الطفل والراوي معا. و(الدراجة)، (الطاحونة)، (الشرفة والسقوط). 2 – (سوسو) يمثل المعادل الموضوعي لازمة الراوي.. وهو يناقش وينفي نفسه حين يعرض الطفل. انظر كيف يراه. (ماذا يدور داخل هذه الجمجمة، أي يد مجهولة تكتم عوائها؟ هذا الجسم المتحرك يمثل عندي خنق جبار لقوة جبارة) الخ.. !ن يحيى حقي يدخل هنا الطبقات السفلى من الوعي. معرياً نموذجه. بلا تقرير أو منولوج غامض. حاسماً بين كثافة لغة تشيخوف، ومشرط، دستويفسكي، بين موضوعية القص و«حياديته» الباردة والتوغل العميق المعري، إن القصة تصف البطل من خلال اللابطل، الصحة من خلال المرض. النضال من خلال العجز. جدلية رائعة ورهافة في اللغة والتعبير. في قصة «عنتر وجولييت» التي سميت المجموعة باسمها، نشاهد أوسع تقنية لإبراز التناقض الاجتماعي، وأوسع عرض لذلك التضاد، الذي رأيناه سابقاً، في قصة (السلم اللولبي) اي تضاد صبي المكوجي فرغلي والسيدة، الشعب والطبقة الوسطى، الفقراء والأغنياء، وعبر ذات الموضوع. القصة أشبه بالقصيدة، ليس في طريقة رصف الجمل فحسب، بل في هذه الشفافية الشعرية للغة، وبهاء الصورة، وكثرة التضادات المدهشة، وبراعة الاستعارات، وجمال الوصف الدقيق. لنأخذ فقط هذه الجملة التي تبدأ بها القصة: (هو مسكن فقير، أمامه نصف سطح، تشقه – كأوتار العود – حبال الغسيل). فمنذ البدء، نجد هذا الاقتحام السريع للمكان، عبر كثافة الصورة، في ثلاث جمل متساوية، ثم تتحول الجملة الثالثة إلى صورة شعرية، كصور (الشعر اليومي)، الذي بدأت القصيدة العربية الجديدة تكشفه. هكذا تمضي جمل السرد، وصف للمكان والشخصيات، وسرد لحركتها وانفعالاتها وأقوالها، من خلال عين الراوي /الكاتب، بذات الكثافة الصورية الشعرية. الحكاية من عائلة تسكن هذا البيت، وتشكل النقيض الأول. إن هذه العائلة المعوزة تعيش عالماً صعباً، لكنه حر، فليس ثمة حجاب أمام السماء أو الروح. الأطفال كبار والكبار أطفال. و«الحواديت» ليست عن الجن، بل من الحياة ذاتها. أبواب الشقة مفتوحة للأهل والجيران كوكب الام تثرثر مع الجارة الإيطالية والزميلة الغنية، يجلسون على الأرض ويثرثرون، النوافذ مفتوحة ورتاج الباب مخلوع فماذا سيجد اللص في مسكن كهذا؟ ثم هناك عنتر!! إنه كلب الأسرة. لقد صار لفقراء يحيى حقي لأول مرة كلب، لكنه على شاكلتهم حر، شفاف، إنساني، لا يطيع أحداً يحب الخلوة وعزة النفس، يكره اللعب معه. هنا نجد «الشعب» الأسرة الفقيرة الإنسانية، المفتوحة للهواء والكلام (حيث لا سيد ولا مسود، ص 115) تعيش ضنكاً، ولكنه ضنك عام (لا يتغلغل في الراوي فيكشف تجلياته المعقدة) لكن هذا الضنك لا يتحول إلى جنة، على طريقة «ما أحلاها عيشة الفلاح» ويشكل الكلب «عنتر» المعادل الموضوعي لهذه الحياة، لهذا القطب التناقضي، فهو مشرد، فقير، حر، إنساني، شجاع.. وفي مقابل هذه الحجرة المليئة بالأولاد. فوق سطح العمارة. هناك فيلا (إجلال هانم) النقيض الاجتماعي الواضح لتلك الغرفة وعالمها الحر. فهنا نجد إجلال هانم، وهي تسيطر سيطرة مطلقة دكتاتورية، حادة وعنيفة على الفيلا. صرخات حادة على الخدم، ذوي الأسماء المختارة المناسبة للصراخ المنغم. وحيث الزوج المستعبد، وفقدان الأولاد. لقد طور المؤلف سمات السيدة. صاحبة الكلب، التي رأيناها سابقاً. لكنها تتحول من سيدة شقة !لى سيدة فيلا. وتطورت علاقاتها السلطوية والاجتماعية فارتفعت من ذلك التنميط العام جدا إلى نموذج أكثر حيوية وعمقاً. ولهذه الأسرة ترميزها المختلف، أو معادلها الموضوعي المغاير، وهو هنا كلبة اسمها «جولييت». فإذا كان «عنتر» هو وجه الفقراء، العبيد. الشجعان، فإنه هنا في «جولييت» الأغنياء. الأجانب. التسلط، العقم. ولكن الكلبة جولييت ليست متل سيدتها، صحيح أن جولييت ذات شعر حرير وذهب، وعيونها وفمها تمسح بمنديل، وإذا مرضت يزورها طبيب. تعالج بالحقن الغالية، وتؤتى لنا الهدايا. تعرف كثيراً من الألعاب. الا أنها أيضا تعيش عذاب سيطرة السيدة، وتتوقع الكوارث دائماً وتصاب بالكآبة نظراً لهذه الرعود المفاجئة من السيدة. إن تصادم الأسرتين: الفقيرة والغنية. لا يأتي عبر طريق مباشر. بل من خلال علاقة غير مباشرة، أي حين يقع الرمزان، الكلب والكلبة، في سيارة البوليس المرعبة. إن هذه اللقطة الحديثة التصادمية الغريبة، تعيد ترتيب كل جزئيات القصة. ففجأة نجد أنفسنا أمام صراع اجتماعي. فجولييت التي تقع عدة ساعات في الحبس. تقام الدنيا على اختفائها. وتشتعل أسلاك التليفون بين الفيلا والمسؤولين والضباط، بينما يجثم عنتر في مكانه معتقلا، دون أن تتمكن السيدة كوكب، من جمع ثمن الغرامة وتركض في الشوارع هائجة دامعة. يحيى حقي يوسع هنا دائرة الصراع بين القطبين المختلفين عبر بؤرة جانبية، إنسانية ورومانتيكية، وهو يصور تنامي الصراع واتساع شبكته وتباين عوالمه الروحية. إن هذه القصة القصيرة تحول أن تقوم بما تؤديه الرواية، لكن لماذا تتوقف مثل هذه القصة القصيرة الساخرة، الناقدة، المحبة للشعب، عن التحول إلى روايات تتغلغل في تحليل تناقضات المجتمع؟ ولماذا لم يتوسع كشف صراع الشعب الطبقة الوسطى، وهو أساس تناقضات الحضارة الحديثة، ويتجلى بمستوياته المختلفة، العميقة؟ هل يعود ذلك إلى الوقوف المستمر للكاتب على شاطئ السؤال، عبر الاكتفاء بتلميحات وظلال (قام بتوسيعها في صح النوم) بدلاً من المشرط الحاد الذي أمسكه نجيب محفوظ، حيث أتسعت أدواته في عرضه، وتعدد بؤر الكشف وآليات الإبداع التي حصل عليها نظراً لهذا الموقف؟(2). يخيل إلي أن استمرار يحيى حقي في القصة القصيرة، والإكثار من اللقطات الجزئية، والنقد الجانبي، ثم تحول القصص إلى «لوحات» كل ذلك كان يشير إلى أهمية العبور إلى بحر تحليل التناقضات ومستوياتها المختلفة، وامتداداتها التاريخية والترميزية. لكن هذا لا يقلل أبداً من عظمة يحيى حقي القصصية ومواقفه، الذي يقول عنه المفكر محمود أمين العالم (.. فيحيى حقي هو ابن ثورة 1919، وهو امتدادها الفكري والأدبي والفني المتجاوز لها في الوقت نفسه، ألم ينتقد هذه الثورة لأنها لم تتحول إلى ثورة اجتماعية) (3). ـــــــــــــــــــــــــــ المصادر (1) عنتر وجولييت. الهيئة المصرية العامة للكتاب. طبعة 1986، – مصر. (2) راجع موقفه السياسي — الإبداعي عن الحقبة الناصرية في كتاب (المثقف العربي والسلطة) – تأليف سماح إدريس – وهو بحث في روايات التجربة الناصرية. دار الآداب 1992، بيروت. (3) مجلة ابداع — العدد الأول يناير 1993، – مقالة (يحيى حقي… ناقداً). (4) فجر القصة المصرية مع ست دراسات أخرى عن نفس المرحلة – يحيى حقي – الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1987، – مصر.
بدأ أدب الأطفال في البحرين، كنوع أدبي جديد، عبر انتاج خلف احمد خلف، وعبدالقادر عقيل، اللذين توجها، إلى هذا الجانب الابداعي المتميز، بعد عمل مستمر في كتابة القصة القصيرة، والطويلة، وخاصة عند خلف. وقد اتجهت القصة القصيرة لدى عبدالقادر عقيل إلى نواح تجريبية وصوفية، مما جعل اللغة القصصية ذات تراكيب إبداعية ليست متألقة، فيما يبدو، مع قصة الطفل البسيطة الواضحة. وإذا كانت قصة الأطفال عند عبدالقادر عقيل لم تشهد إنتاجا واسعا بعد قصتيه (من سرق قلم ندى ؟) و(من يجيب على سؤال ندى؟)، حيث واصل رحلته في القصة التجريبية وتطعيمها بمناخات صوفية، فإن خلف أحمد خلف اتجه إلى مسار أخر، هو صياغة مسرحية للأطفال، بعد أن باشر كتابة قصص قصيرة قليلة للطفل. وكتب إبراهيم سند قصة الطفل بمثابرة مستمرة، بدون أي تجربة قصصية سابقة، وكذلك فعل إبراهيم بشمي، الذي كان قادما من عوالم الصحافة والتحقيق، وإذا كان إبراهيم سند قد حاول أن يرسم مساراً خاماً لنفسه، جامعا بين النقد لظاهرات الحياة، والفنتازيا، مرافقاً البساطة بنحت ممرات غريبة في الحادث اليومي، مستنداً إلى الواقع المحلي بطبيعته وحيواناته وطيوره وبشره، فإن إبراهيم بشمي قد اتجه إلى نقد العادات السيئة، وظاهرات التخلف السائدة، متجها إلى مزيد من التوغل في اعماقها، عبر الأنماط الفنية، والأحداث المكثفة، المرسومة بهدف خلق التوجيه، ولكن الأحداث راحت تتسع في عوالم الماضي، متشحة بثياب التاريخ، متسربله بدلالات الحاضر. لكن سيطرة الهدف التوجيهي في قصصه، وبروز التعليمية الاجتماعية والسياسية، أوصل هذه القصة إلى ضرورة تحويل البنية، وتصوير الشخصية. ويُلاحظ ان اغلب اعمال الطفل تتجه تدريجيا إلى طرح إشكالات البنية الاجتماعية العميقة، عبر الصعود المستمر من الجزئي إلى الكلي، ومن المحدود إلى الشامل. ويترافق هذا مع تحول طبيعة الأبطال – الشخصيات في القصص، فالبطولة المسندة للحيوانات والنباتات وعناصر الطبيعة، تتراجع لتبرز بطولة البشر، وخاصة من الأطفال والصغار. وتكتسب اعمال خلف احمد خلف الموجهة للأطفال، دلالات هامة، بحاجة إلى الفحص المستمر، لكونها تعبر عن أبرز سمات أدب الطفل في البحرين . فقد أظهرت هذه الأعمال أن أسئلة الأدب العامة تظل ملحة كذلك، في هذا النوع الأدبي الخاص، وهو أدب الطفل. فإذا كانت بعض المحاولات في مسرح الطفل البحريني قد استسهلت هذا النوع من الفن، إلى درجة التسطيح والتشويه الكامل، فإن أسئلة عميقة، مؤرقة، ظلت تتنامى في أدب خلف أحمد خلف الطفلي، على مستويي البنية والدلالة . لقد رأينا كيف استجابت المسرحية لديه لقوانين الدراما، عبر خلق الصراع المتوتر، المتنامي، في تشكيلة متضافرة من الشخصيات والأحداث ، وكيف اهتمت بتجسيدات الفعل الدرامي ونموه، وصاغت المؤثرات الفنية المصاحبة، والكاشفة له، فالبنية الفنية المتوسعة، المتغلغلة في الحدث والشخصية، تحافظ على إيقاعها المكثف، وتضبط كل عناصرها. وتكمن أساسيات البنية الفنية في خلق الثنائيات المتضادة مثل: الرجل – الطبل/ الرجل – الكتاب، الطائر/ السلطان، النحلة/ الأسد، وتنمو الثنائية المتضادة، عبر جزئيات مساعدة. تدخل في سياق الثنائي المتصارع، وتجعلها حيوية، متلونة، جذابة. وإذا كانت هذه الثنائية قد غلب عليها التشتت في (العفريت)، فتأجل الصراع الدرامي إلى منتصف المسرحية، فإن الصراع يبرز بسرعة وشدة في (وطن الطائر)، عبر فكاهة موسعة، ولغة تحافظ على بساطتها وجمالها، ثم لا يكون سوى الصراع في النحلة والأسد. الذي يتوسع باتجاه جمهور الصالة. وعلى مستوى الموضوع، فإن البنية تبتعد تدريجيا عن التجريد، حيث ان ثنائية الساحر/الصبي، أو الرجل – الطبل/ الرجل – الكتاب، تمثل موضوعاً ثقافياً مجرداً، يصلح للصبية الذين يبتعدون عن عوالم الطفولة، في حين أن ثنائية الطائر/ السلطان، تقترب أكثر من المحسوسية والبساطة، محتوية على إشعاع أوسع، ومع هذا، فإن موضوع ثنائية الحرية – الوطن، له صلة وثيقة بعوالم التجريد الفلسفي. ويغدو موضوع ثنائية النحلة / الأسد، معبراً ببساطة ملموسة، عن قضايا واسعة، وفي قلبه تكمن كل الأسئلة المثارة في عوالم الكبار، لكن هنا تبقى الحكاية ذات الدلالات السياسية، في متناول ذهنية الطفل، وتعبر عن عالمه الخاص. ولابد هنا من القول، أن هذا النمو، عبر تكثف البنية ودراميتها المتزايدة، يتضافر مع تركيز الموضوع، وتوسع الدلالة. فمسرحية (العفريت) تحوى اكثر من موضوع محوري، فتتردد الموضوعات والدلالات بين محاور الرجل الطبل/ الرجل الكتاب، والصبي/ العفريت، وصلاح، فلا نعرف، هل المسرحية تتوجه للتعبير عن أهمية الكتاب، أم تتحدث عن ضرورة مساعدة الفقير، أم عن عدم جدوى السحر القديم؟. في (وطن الطائر) يتركز الموضوع أكثر، ويظهر محور واحد فقط، تدور عليه الحبكة الدرامية، فيغدو نقد الاستبداد والتحكم في حنجرة الطائر/المبدع، أكثر بروزاً وسيطرة من محور الصخرة/ الحرية/ الوطن، بل ان هذين الجانبين يتداخلان معبرين عن حالة واحدة ذات وجهين. ان الثنائية الصراعية تبرز هنا ملغية الجوانب الهامشية، فتتجه البنية الفنية للتبلور. وتغدو الدلالة أكثر وضوحاً وقوة واتصالاً بالجمهور – اطفال الصالة – حين يصير الموضوع موضوعاً واحداً، وتبدو ثنائية النحلة/ الاسد، مستولية حتى على العنوان، ويغدو التصوير متجهاً بقوة للتعبير عن (المستوى السياسي) للبنية الاجتماعية. ان التصوير المغتني، يترافق مع تطور مواقف الشخصية (الايجابية – المحورية) في المسرحية. فإذا كان التصوير يتناول في (العفريت) المستوى المعرفي للواقع، مفصولاً عن الصراعات السياسية والفكرية، وإذا كانت الشخصية المحورية، في ذات المسرحية، الصبي (علاء الدين) الفقيرة، سلبية كذلك، مثل الشخصية الثانوية الغنية (صلاح) . فان التصوير يتسع في (وطن الطائر) مستوعباً المستويين السياسي والفكري، ورغم سلبية المقاومة التي تبديها الشخصية المحورية (الطائر)، إلا أن هذه المقاومة تتسع عبر شخصيات إيجابية ثانوية كالراويين والحكيم. ليغدو التصوير سياسياً قوياً مباشراً في (النحلة والأسد)، ولتتركز القوة في الشخصية الإيجابية المحورية وهي النحلة، ولكن هذه الايجابية لا تتجه للبحث عن وطن اخر، والابتعاد عن المكان المحوري، بل لتغييره نفسه. ولكن هذا التطور الواسع الذي رأيناه عند خلف أحمد خلف يصل إلى ذروته، وتظهر تناقضاته بوضوح. لقد رأينا كيف أن مسرحية (النحلة والأسد) تمثل بنية درامية متبلورة وقوية، لكن في إطار التعميمات السياسية. وكان يمكن للترميزات أن تغدو عميقة وواسعة الدلالة، عبر تنامي الحدث في جوانب جديدة وجريئة، لكن الحدث ظل مبسّطا. ففجأة قررت النحلة أن تقاوم الأسد وتقود الحيوانات في نضال حازم، سرعان ما تكلل بالنجاح، نظراً لغباء الأسد الشديد. هذا التبسيط يقود إلى تسذيج الواقع الاجتماعي، وتوصيل هذا الواقع المسذج المبسط إلى الطفل. وكانت لدى المؤلف فرص عديدة لتعميق الحدث واغنائه بتفاصيل نفسية وحياتية، لكنه اتجه بسرعة إلى عرض الصراع وتسريعه وحسمه. هنا تحولت الشخصيات إلى انماط، الى قوالب للفكرة ـ صوت المؤلف، فقد ظهرت النحلة قرية ذكية نبيلة، وظهر الأسد ضعيفا غبيا أحمق. وسرعان ما انتقلت الحيوانات من السلبية إلى الايجابية، ومن الخضوع الكلي للأسد إلى التحرر المطلق منه. إن التنميط وسيطرة الفكرة العامة وإلغاء الخصوصية والتفرد، تبدو هنا واضحة. ولكن يمكن أن تكون هذه المشكلة، بداية لتطور خاص في مسرح الطفل البحريني. ان خلف احمد خلف خريج الفلسفة، تسيطر عليه منذ البداية الأفكار العامة، لكنه يصارعها ويجسدها ويؤنسنها، عبر نقاط التحول التي رأيناها. وهنا بلغت الفكرة العامة ذروة ما، اجتازت التفكك والتناقض المجرد، وتبلورت بوضوح، ولكنها وجدت نفسها عبر صراع عام، لم يغتن بسيرورات وعقد خاصة. فهل ستوامل هذا الطريق نفسه أم ستغتني بأشياء جديدة ؟. إن إشكالية الأنماط والتعليمية والشخصية/ البوق، تطرح نفسها بقوة على أدب الطفل في البحرين. فقد كان إبراهيم بشمي يركز على توصيل الفكرة النقدية، بغض النظر عن المعلومات، وقراءة الألوان والحيوانات الحقيقية في الطبيعة، مهتماً بتجسيد الايدلوجي التعليمي، أكثر منه بتصوير العالم، وعرض النماذج، فكان خياله قريباً، ومشكلاته واضحة جدا وشخصياته انماطا لمشكلة أو فكرة، دون أن يكسر هذه القولبة، ويغني ويعمق هذه الشخصيات. وفي حين حاول إبراهيم سند تضفير الحقيقي بالخيالي، وخلق تركيبة واقعية – فنتازيا، بسيطة وعميقة في آن، ذات دلالة تعليمية وجمالية تعبيرية خاصة’ فإنه لم يهتم كثيراً بتجسيد النموذج، هذه الشخصية الترميزية، التي يتضافر فيها العام والخاص، وتغدو حالة معروفة لدى الأطفال، مثل شخصيات ادب الاطفال الشهيرة. لقد توقف عبدالقادر عقيل عن إنتاج قصة الطفل، وهو الذي كان يقوم بذلك التضفير نفسه بين الواقعي والفنتازيا، النقدي والخيالي، السياسي والسحري. وقد بدأ بشخصيته (ندى)، وبدت ندى نموذجاً صالحاً للتطور، ولكنها ظلت (قالبأ) يصب فيه المؤلف ارشاداته الاجتماعية المضيئة، عبر لغة شعرية جميلة. لقد توقفت ندى عن النمو. لقد بدا كتاب البحرين ينطلقون من نسبة كبيرة من الخيال، لكنهم راحوا يتجهون نحو الواقعية – المباشرة، مقتربين من التوجيه التعليمي، عبر الاقنعة الحيوانية والنباتية المتعددة. إن نسبة الخيال تتضاءل كلما ابتعدنا عن عبدالقادر عقيل وإبراهيم سند، وتبدو عملية رفض الخرافة وقصص الفنتازيا متنامية بقوة في النتاج الأخير من أدب الأطفال. وراحت بعض الميول التعليمية المبسطة تفرض نفسها على النتاج، وتقدم الفكرة الاجتماعية في (قالب) مبسط . إن عدم ولوج أدب الأطفال إلى الحكايات الفنتازيا والخرافية وتطويعها، يعود ربما لهذه النظرة المتجهة إلى تسليط الأضواء على الحياة الواقعية المباشرة. وربما لعدم وجود القدرة الفنية على الممازجة بين الحكاية الخرافية والواقع المعاصر. لكن لاشك أن الفنتازيا المغرقة، واستخدام الخرافة والقصص الشعبية إستخداما سيئا ومفزعا، هو محذور ينبغي تجنبه، لكن بعدم الوقوع في التبسيطية و التسطيح من جهة اخرى.
ABDULLA KHALIFA
WRITER AND NOVELIST FROM BAHRAIN
♦ Abdulla Khalifa Al Buflasa (born March 1, 1948 in Gudaibiya, Manama, Bahrain – died October 21, 2014 in Manama, Bahrain) is a Bahraini left-wing novelist and columnist.
♦ Upbringing and Education: Albuflasa was born in 1948 in the Gudaibiya area of the Bahraini capital, Manama. He studied at the Teachers Institute.
♦ Career career: He worked as a teacher after graduating from the Teachers’ Institute.
♦ He joined the ranks of the National Liberation Front – Bahrain in the 1960s and became active in its ranks. He was arrested in 1975 and dismissed from his job and released from prison in 1981.
♦ He wrote short stories and novels since the late 1960s and has various contributions in literary criticism. He also works as a columnist for the Gulf News newspaper.
♦ Member of the Union of Arab Writers in Syria.
♦ Contributed to the conferences of the Arab Writers Union, and the first conference was in 1975 held the Algerian Republic and presented the search for the evolution of the short story in Bahrain I subscribe to it, and participated in the Conference of the Arab Writers ‘ Union in Tunis in 2002, research under the cursed n (The roots of violence in contemporary Arab life), He participated in a conference in the Arab Republic of Egypt in 2003, and a research under the title (Arab intellectual between freedom and tyranny). And many Arab literary conferences.
♦ Since 1981 he has worked in the social and cultural Press in the Bahrain and Gulf newspapers, and has been published in several Arab periodicals.
♦ He wrote articles and political and social studies on the history of Bahrain and the development of the short story.
في مسرحية (وطن الطائر)، يطور خلف احمد خلف التقنية الدرامية التي بدأ بتجسيدها في مسرحية (العفريت). والفكرة الاساسية للمسرحية مأخوذة من قصة للأطفال، غير منشورة، كتبها الشاعر قاسم حداد (انظر الكتاب ص91). والقصة تصور طائراً جميلاً ذا صوت خلاب سجنه ملك، فيرفض الطائر التغريد، ويغريه الملك بطبيعة ساحرة لكنها مسورة، فيواصل الطائر الصمت، حتى يكاد ينفق، فيطلقه الملك ليعرف أي مكان هذا الذي يفضله الطائر على القصر وحديقته، فيجده يغرد فوق صخرة جرداء في المياه. هذه هي الفكرة المحورية التي اقتبسها خلف، ليبدو شكل تجسدها على الخشبة، هو الاضافة الدرامية للفكرة. والفكرة، كقصة للأطفال، بسيطة وشاعرية، لكن كيف يمكن أن تتحول إلى دراما غنية بالحركة، والتلون وتباين الشخصيات وصراعاتها؟. إن بعض الثيمات التي استخدمها خلف في (العفريت)، يواصل استخدامها وتطويرها هنا.. فشخصية الراوي، المتحدث في الحكاية، المعلق عليها. تظهر هنا أيضاً، ولكن بصورة (طفل) و(طفلة)، مرحين، ساخرين من السلطان وقفصه وابنته البلهاء. وإذا كانت بعض مقاطع حضور هذا الراوي المشترك، ضمير المؤلف والأطفال معاً. حيوية، نابضة، فإن بعضها الآخر، زائد وتعليمي ومرهل لجسد المسرحية. كحديثهما الفكري عن الحكيم والحرية ص 122-123. ان وجود الطفلين، الراوي الواحد المتسق عقلاً، المختلف جنساً، ضمير العمل، يطلق الحركة الدرامية عبر تعليقات ساخرة على السلطان وابنته وحرسه، أو عبر التعليقات الجادة على الحكيم، أو لوصف حركات وأحداث لم تظهر على الخشبة.. إن وجود هذا الراوي هو أول تجسيد درامي للقصة، وهو أول جر للقصة من ميدانها السردي المكثف، الى جسد المسرح الحركي الصراعي التجسيدي، وتنبيضها لوناً، لكن وجود الراوي الثنائي من جهة اخرى، وفي بضع مواقع، يوقف الحركة الدرامية ويثقلها، فيكون أشبه بوجود كاتب القصة في المسرح، أشبه بحضور السرد في الدراما. وعلى سبيل المثال، اقرأ الفقرة الطويلة في ص 148، حيث يتناوب الطفلان – وهذا التناوب جزء من محاولة الخروج من مأزق الراوي الشارح – مدح الحكيم وحيلته في تحرير الطائر من أسر السلطان وإطلاقه إلى وطنه، إن هذه الفقرة، ليست سوى تمن بالذهاب مع القافلة ومدح الحكيم: (يا له من رجل حكيم – سأكون ابن الحكيم – سأكون ابنة الحكيم – وسنرى هذا الوطن الجميل.. الخ). أن الأجزاء الخيرة من الصراع، كالطائر والحكيم والصخرة، توصف عن قبل الراوي المشترك بكل صفات الطهر والطيبة، في حين توصف الأجزاء الشريرة من الصراع كالسلطان وفهمان ونبهان والابنة والحراس، بكل صفات الغباء والقبح. ومن هنا يكن المدح المبالغ فيه للجانب الخير من قبل الراوي، والسخرية الزائدة على الجانب الشرير، تحجيماً لوعى الطفل وتعليمية مباشر، حاول المؤلف أن يتجنبها. ونجد الروح الدرامية لا تتجسد فحسب عبر وضع الراوي الممتع، وتعليقاته الذكية، بل عبر التنويع والإمتاع والتلون في شخص السلطان وحرس وابنته. ففي القصة القصيرة عند قاسم، لم يكن يوجد سوى الملك بمفرده، في مواجهة الطائر، لكن هنا يتحول السلطان إلى ما يشبه المهرج الخفيف الظل، لكن الباطش السطوة، القاسي. إن صفات السلطان المتعددة تظهر، تباعاً، من خلال خطاب الراوي، وهو يبدو بحركاته الكثيرة الخرقاء، وطريقة فهمه للأشياء عبر الشكل العجيب، حيوي الظهور، مرح الكلام، لكن في إطار قسوة مستمرة، وصلف، هو جزء من تكوينه. ويحيط الكاتب السلطان بثلة من البلاهة، تتجسد في شخصيتي الحارسين الاخرقين (فهمان)، و(نبهان)، الذين يغدوان كإضافة مهرج ثنائي، إلى مهرج مركزي هو السلطان، ويغدو استغلال غباء الحارسين، بدءاً من إسميهما الى حركاتهما وتصادمهما المستمر، وذكائهما الذي يتحول الى غباء، إضافة جانب ممتع ومسل وساخر إلى جانب السلطان. إن الهالة التي تحيط بالطبقة الراقية تتمزق هنا عبر أنماط ملموسة. ولا يكتفي الكاتب، بهذا التمزيق، لكن يضيف نمطا ثالثا مغايرا، جوانبه السلطان، التي كانت تغدو في الحكاية القديمة، رمزا لكل ما هو نقي وسحري وسري، فتصير هنا ابنة بلهاء مضحكة طيبة، تركب فوق ظهر أبيها وتحوله الى حمار، تستغل وجود نبهان وفهمان الآدمي بديلا عن دميها. ان فكرة تحطيم الأوهام القديمة الفكرية – الفنية تستولي على مسرح خلف، عبر رفضه لفكرة الساحر القادر على كل شيء في (العفريت) وتمزيق ما هو مدرسي بليد، تحنطه الكتب، لنجد هنا ابنة السلطان تنزل من عليائها الى الواقع، ويرى الصغار اجنحة الحكايات الخيالية القديمة وهي تحترق فوق الارض، وتتكشف هذه الأنسجة المعقدة للثقافة والمجتمع، عبر مفردات الفن (البسيطة) المقدمة للأطفال. ان حركات ابنة السلطان المتعددة تضيف بهجة وحيوية أخرى على النص القصصي، الذي سُحب الآن، من سكونه السردي الصراعي المكثف، إلى اتساع الشخصيات المتضادة والتعارضات البهيجة – المؤلمة، وتنوعات المواقف والأشياء.. ان القصة القصيرة ببنيتها المضغوطة وشخصيتها شبه الوحيدتين، تتباين مع بنية المسرحية ذات الاتساع غير المطول، والمتبلور في عملية صراع، متنامية، متعددة الوجوه، وإذا كانت القصة تقدم (الشرير) في شخصية، فإنها تقدم (الخير) في شخصية مقابلة، وهو الطائر، لكن في المسرحية تتسع الشخصيات المتقابلة، فكما تعددت وجوه السلطان والحاشية، فقد اتسعت شخصية الطائر لتصير راويين وحكيما يقدم المشورة الذكية الخبيثة ليسجن من قبل السلطان. أن الطائر الذي لا يتكلم في القصة، يفصح عن ذاته، ويتجسد مضمونه عبر شخصيات متعددة في المسرحية. ولا يكتفي الكاتب بإضفاء توترات درامية – هزلية على المسرحية، بل يستفيد من التقنية المسرحية الصرفة، عبر كتابة ارشاداته عن الديكور والحركة، الأمر الذي يغدو اخراجا اوليا يتواصل عبر نص المسرحية. انه يقسم المسرحية ست لوحات، هي مقاطع المشاهد المتتالية النامية عبر عرض المسرحية، ويكتفي باستخدام [الديكور الرمزي في اللوحات الخمس الأولى] ص 90، حيث أن أجواء المشاهد تتحد في عوالم القصر والحديقة، وهذه أمكنة مسرحة يمكن التحكم فيها، من قبله. لكن اللوحة السادسة [تحتاج إلى تجسيمات عديدة لتقريب وتصوير مغزى المسرحية حول ارتباط الحرية بالوطن.. يمكن الإكثار من المؤثرات البصرية والسمعية في تلك اللوحة]. ان اللوحة السادسة هي لوحة قصصية، وتمثل لحظة الانتقال الحركي الطويل للسلطان والحاشية الى صخرة الطائر البعيدة، وطيران هـذا الطائر اليها، أيضا، مما يجعل التجسيد المسرحي صعبا. ان اهتمام المؤلف بـ(المغزى) وضرورة تجسيده بالمؤثرات تدل على الرغبة الدقيقة في تحديد نمو المسرحية بالكيفية التي يراها، فهو يخرج المسرحية قبل إخراجها. وتتضح العملية الاخراجية من سيطرة الكاتب الدقيقة على حركة الشخصيات، وأشكالها وملابسها، وقطع الديكور والمؤثرات. وكمثال نقرأ ما يلي: [الطفل: (يدخل على أطراف أصابعه محاذرا اصدار صوت، يتلفت في حذر تجاه الرجل النائم] و[فهمان ونبهان: يسرعان في التحرك فيتصادمان ويقعان على الارض، يسرع السلطان باتجاههما فينهضان بسرعة ويخرجان صارخين] الخ.. وهناك امثلة كثيرة على التحديد الدقيق لحركة المسرحية، واغلب هذه الإرشادات الإخراجية تستهدف تحديد عملية المسرحية للنص الأدبي. وهذه الإرشادات تدفع باستمرار باتجاه تنبيض اللغة وتجسيدها، واثارة المفارقات الجسدية، الحركية، اللونية، الشخصية، وإبعاد المسرحية عن الطابع التأملي العقلي. والكاتب يفلح في استنطاق النص قبل اخراجه، عبر عشرات الإرشادات التي تبدو عفوية في الصياغة، ومن هنا كانت عروض مسرحياته هي أعمال تنفيذية تنساق وراء الإخراج الضمني فيها. ويجب أن نتوقف هنا حول (المغزى). ان الكاتب لا يوضح فقط طريقة نمو التسلسل الدرامي وتجسيداته، بل يصر على المغزى وتحديده، فيقول [.. لتقريب وتصوير مغزى المسرحية حول ارتباط الحرية بالوطن ]. ان جملة الارتباط هذه تبدو غير واضحة، فالحرية مفهوم سياسي واجتماعي خاص، والوطن كيان ملموس، وليس ثمة علاقة مشتركة محسوسة. فهل يزول الوطن عندما يكون مستعبدا؟ أو يظهر الوطن فقط في الحرية؟ وهل يفر الإنسان / الطائر من وطنه إذا كان مكبلا؟ أو أن المواطنة الحقيقية لا تأتي إلا في وطن حر؟ ان المسرحية تهدف الى القول، ببساطة فلسفية، ان الوطن يكمن حيث توجد الحرية. ولكن ألا يقلل هذا من الوطن، ومن الحرية معا؟ واذا جئنا إلى القصة القصيرة، أساس النمو الدرامي، فإن (مغزى) آخر يتبدى هناك، حيث الطائر هو المبدع، الذي لا يستطيع الإبداع – الغناء وهو ملك لأحد. ان الابداع تمازج والحرية ، ويذوبان في سيرورة واحدة. وتغدو الصخرة الصغيرة في البحر، المجردة من القضبان، هي موقع التغريد والفعل الحر والوطن. ان سياقات القصة الداخلية أكثر عبر هذه الترابطات الوثيقة. ولكن كان من الصعب ـ على ما يبدو ـ إبراز هذا -المغرى- في مسرحية تقدم للصغار، فكان لابد من التحوير، وتغيير طابع المسرحية، لتغدو الصخرة هي الوطن وهي الحرية، وأن الطائر لا يستطيع أن يحيا (لا ان يغرد فحسب) إلا في وطنه، الذي هو الحرية. لقد اقتضت طبيعة النوع الأدبي الخاص. وهو مسرح الطفل، تغيير الموضوع، لكنه تحول الى موضوع تجريدي. فنشأ تناقض بين الموضوع وطبيعة النوع الفني، الأمر الذي أدى في الصياغة الى محاولة التغلب المستمر على الطابع التجريدي، بجعله ملموسا، حيا، قريبا، وهذا أغنى تطور بعض الأدوات الفنية، من جانب، وظهور بعض المباشرة، من جانب آخر. لكن (المغزى) ظل مع هذا مراوغا، كقول الطفلة متحدثة عن السلطان [لا يقتنع ابدا ان غناء الطائر هو الحرية.. وليس الحديقة السجن التي أقامها] ص 121، أو قول الطفل [ نعم.. نعم.. الحرية التي غنى لها هذا الطائر اجمل اغنية] ص 123. بعدئذ تصبح الصخرة وسط الماء هي الوطن، الحرية. وتقيم المسرحية سلسلة من التضادات المطلقة، فهناك: الطائر، الحكيم، الراويان، الصخرة، الغناء، الوطن، الحرية، السعادة، الجمال، الذكاء.. الخ.. في جهة، ومن جهة أخرى هناك السلطان، القصر، السجن، الابنة، فهمان ونبهان، الحراس، الغباء، القبح .. الخ. ولا يحدث الانتقال من جانب إلى اخر، في الشخصية، ويظل الخطان متضادين، وحين تنتقل الابنة المعتوهة إلى وطن الطائر والخط الآخر، فإنها تفعل ذلك بصورة غير مقنعة فنيا. ان وجود هذه التضادات في العالم الفني، يجعل الشخصيات منمطة، فالحكيم رمز الحكمة والكفاح، والطائر رمز الحرية، وهكذا بقية شخصيات الخط الأول، يغدو السلطان رمز المحدودية والضحالة، الخ.. ان الية النمطية تتيح توصيل التوجيه والمباشرة، لكنها تجعل العالم الفني أكثر احتياجا للغنى والتعدد.
إذا كان علي الشرقاوي شاعراً ومبدعاً متميزاً . وإذا كان ناجحاً في تأليف أغنية الأطفال. ذات البساطة العميقة. والصور الجميلة المشبعة بظلال الحياة والعمل. والايقاعات السهلة، الراقصة، فإنه في تأليف مسرحية الاطفال يواجه صعوبات عديدة وإشكالات تمنعه من صياغة دراما ناجحة للأطفال. في مسرحية «الأرانب الطيبة»، يشكل مسرحية من ثلاثة فصول طويلة، تقع في 72 صفحة من القطع المتوسط، الأمر الذي يجعل المسرحية تستغرق عدة ساعات. وهذا التطويل في البنية الفنية، سببه اشكالات التركيب وتعثر بناء الحكاية. فالمسرحية تكشف في الفصل الأول من صفحة 3 إلى 25 ، عن مجيء ثعلب الى الغابة والتقائه بأسرة الارانب، فيقرر أن يعيش في ذات المكان، اكلا الأرانب واحداً واحداً، وزاعماً أنه يريد بناء بيت للأرانب، في حين كان يستولى على أرضهم، وكذلك كثيمة فنية ورمزية للاستعمار. وفي الفصل الثاني نجد أن البيت قد بُنى . وتحول إلى ما يشبه المؤسسة، ومديرها العام هو «الخروف». وهنا تتجه احداث المسرحية الى التيه، وتتراكم اللقطات الجزئية دون بناء فني. ففي بداية الفصل الثاني نجد عراكاً بين القطة والكلب والخروف في عدة صفحات دون فائدة أو أهمية فنية. بينما يظهر أب الأرانب وامهم بعد عدة صفحات تالية، ونجد أن الصراع بين الثعلب والأرانب لم يعد هو مدار الصراع المسرحي. فقد صارت الفكرة الآن هي سيطرة الثعلب: على كل شيء في الغابة، ويظل مجيء الحيوانات الأخرى كالحروف، الذي أسيء اختياره تماماً كمدير عام! والكلب، والقط، هامشياً وغير مؤثر في الصراع. وحين يظهر الأب والأم المسئولان عن اسرة الارانب، نجد أن صغيرين من الأسرة قد اختفيا، فيلجأ الأب والأم إلى الذئب – الوزير، عبر مقطع طويل، هو الآخر بين 34 – 40، لكن الثعلب يرشو الذنب – الوزير، فلا يفعل شيئاً لمساعدة الأرانب. وتدخل الذئب، مثال على طريقة نمو الحبكة، فالذئب يظهر فجأة ويختفي بذات الصورة، دون أن تكون له لمسة درامية خاصة على البناء، ويصير حواره الطويل، على مدى خمس صفحات، اضافة الى ترهليه أخرى. كذلك كان مجيء الأسد، عبر مقطع طويل، بعد ان استعان به الأب والأم، اضافة ترهليه اخرى. لقد رشاه الثعلب أيضاً وخرج دون ان يترك اثراً. وفي نهاية المسرحية فإن الأرانب تكتشف ان الثعلب يأكل الصغار ويدفن عظامها كما يفعل بالدجاج والطيور. أن الحبكة الأساسية جيدة، ولكن تم إدخال عدة محاور. ولقطات جزئية جانبية، وحوارات ثانوية، وشخصيات زائدة، مما أرهق البناء الأساسي، واضعف تشكيله. فلو أخذنا الفصل الأول، على سبيل التشريح الموضعي، لوجدنا أن ثمة مقدمة يظهر فيها «المخرج» ليلقي خطبة طويلة عن أعماله، ثم يشرح فنه للأطفال قائلا: [قال البعض عن مسرحياتي انها مخلوطة أي للكبار والصغار وأتصور ان السبب الاساسي في هذه النتيجة هو عدم مشاركتكم وطرح أرائكم بصورة حقيقية حول هذه المسرحية] ! اضافة الى تحول المقدمة الى ترهل أول، فإنها ضد فن المسرح وفن مسرح الطفل خصوصاً، عبر تحولها الى مناقشة فكرية فنية، ليست بمستوى الصغار، كما ان إقحام شخصية المخرج في بدء العرض وخلال المسرحية كلها، كان سلبياً. وبعد هذه المقدمة، وافتتاح المسرحية عن الفصل الأول، نجد مجموعة من العصافير تتحدث طويلا عن إيقاظ الأرانب، وإذا كانت أغنيتها مناسبة وجميلة كافتتاح مشرق للنهار، فإن الحوار وحبكة الحدث لا أهمية له. فالأغنية وحدها كانت غنية بالتعبير. وحين تصحو الأرانب، الشخصيات المحورية في العرض، يحدث حوار طويل كذلك حول النهوض الصباحي والرغبة في رؤية الأم وإفساد الحلم وحب الأكل والجزر، وهو حوار مطول بلا توظيف. ولا تبدأ الدراما الا عندما يأتي الثعلب مهدداً إياهم وراغباً في أكلهم ! ولا نجد للأرانب شخصيات محددة، ولا نجد للأب والأم خصائص متميزة، لكن الثعلب يتميز ببعض الخصائص الشخصية العامة الفنية، كحيوان مفتون بالأكل وتاجر طريف متنقل. ان كل هذه الحوارات المطولة في الصفحات العديدة، كانت فوائدها الفنية قليلة، فقد رسمت لنا موقع الأحداث، ثم أوضحت الشخصيات الرئيسية، وهي الأرنب والثعلب، وكان يمكن تكثيف الحوارات الى اقصى حد ممكن. ويمكن تلخيص صفات مسرحية الأرانب الطيبة بأنها: الترهل، ضياع المحور الحدثي الأساسي، عدم تنمية الحبكة بصورة فنية دقيقة، والتيه في سراديب جانبية، واخفاق الصراع المتطور النامي. خذ هذا الحوار كمثال على عدم خلق اللغة الدرامية: الأرنب الثاني: تصوروا. انني حتى هذه اللحظة لا اعرف ما هو عمل أبي الارنب. الأرنب الثالث: ولا أمي ايضاً. الأرنب الأول: لكنهما حدثونا (؟) عن عملهما عدة مرات. الأرنب الثاني: نسيت. الأرنب الرابع: ما أكثر ما تنسى. الأرنب الثالث: هل تعرف انت؟ الأرنب الرابع: نعم. أمي تشتغل في المستشفى. الأرنب الثاني: لكن ماذا تعمل؟. الأرنب الرابع: لا اعرف. فقط اعرف انها في المستشفى. الأرنب الاول: ابي يعمل سائق شاحنة. الأرنب الثالث: لكن ما هو عمل أمي. هل هي طبيبة ؟ . الأرنب الأول: لا. الأرنب الثاني: ممرضة ؟ الأرنب الأول: لا..) الخ.. ورغم طول المقطع، فإنه بلا تأثير أو قيمة فنية، فعمل الأب أو الأم غير المعروف، لا يساهم بأي دور، أو لا يؤدي بالأرانب إلى اكتشاف شيء جديد، أو دخول ميدان عمل، أو المساهمة في حبكة الأحداث الخ.. وخلافاً للمسرحية السابقة، فإن مسرحية «بطوط» المكتوبة سنة 1983، والصادرة سنة 1990، عن وزارة التربية والتعليم، والمعدة عن قصة هانز أندرسن «فرخ البط القبيح»، والتي لم يذكر الكاتب شيئاً عن الأصل الأجنبي اقتباس أو اعداداً، توضح الفروق بين النصوص العالمية في أدب الطفل إنتاجنا المحلي، وبين مسرحية الشرقاوي السابقة «الأرانب الطيبة» المفككة، ضائعة الملامح، وهذه المسرحية الدقيقة، الكثيفة الرؤية، وبسيطة العرض واللغة. تنمو الحكاية نمواً دقيقاً، وتظهر الشخصية المحورية بطوط، متميزة بضخامتها الجسمية وقبحها، وقوتها، ويسبب هذا التميز حسدا عند الإخوة الآخرين، فيدبرون المؤامرات لطرده وابعاده. وإذ يعيش البط في سلام وعمل مثمر، فإن القطط تعيش على خطط العدوان وخرق المواثيق، ويصور الشرقاوي هنا الصراع بين المعتدين والمنتجين المسالمين. ويتشكل بطوط الشرقاوي عبر التميز الجسدي الهائل والانتصار في الألعاب والقوة. ويرفض الهروب بعيدا عن وطنه الذي نفاه، بل يقاتل القطط ويتشكل ويعود. ويتشكل بطوط. ولكن اللوحات العديدة التي اضافها الشرقاوي الى قصة هانز أندرسن كانت باتجاه قوته الجسدية الخارقة، وتشكيل علاقة غرام سريعة وناجحة وضحلة مع البطة الكحيلة. كذلك بدا انتصاره الفردي الساحق على القطط العدوانية سهلا وسريعا. ان «فرخ البط القبيح» لهانز اندرسون يتجه اتجاها آخر فبدلا من التسطيح السياسي يحوله إلى نموذج يلتقي بشخصيات عديدة، كلها تضطهده، وتصغر من وجوده، وهو المتميز عميق المشاعر مرهف الحس . ان فرخ اندرسن يتشكل عبر الغربة والألم والنفي. وهو شخصية نموذجية غنية، ذات تميز جسدي، ونفسي بالدرجة الأولى، فهو قبيح الشكل فقط، لا قوة سوبرمان كفرخ الشرقاوي، وقبحه الشكلي الخارجي يتنافر ويتضاد مع عاطفته المرهفة «الإنسانية»، وحبه للسفر والحرية والبحث والاغتناء الداخلي. كما انه نموذج للمضطهد المكافح الذي يأخذ مساراته الداخلية من نموذج البطل اليتيم الفقير المضطهد في الحكاية السحرية الشعبية. في حين ركز الشرقاوي على الحركة الخارجية: الالعاب، الطرد من الغابة، العراك مع القطط، صناعة الشباك المصيدة، والانتصار على العدو، حبكة الحب/ الزواج. وبالتالي فإنه اتجه الى الدلالات الظاهرة المباشرة للقصة الأصلية، ولم يعمقها عبر التركيز على نمو شخصية الفرخ القبيح وانتقالاته وضغوط النماذج الرديئة على شخصه. لكنه حافظ على دقة الكلمة، وتنمية الحبكة بصورة دقيقة وسريعة، وارتبطت معظم الشخصيات بالمحور الحدثي المتنامي.
إبراهيم بشمي من أكثر الكتاب البحرينيين انتاجاً لقصة الأطفال، فلديه أكثر من ثمانية إصدارات لقصص الأطفال، وكلها ذات لغة سهلة، مرحة، هادفة، ومنها «العصفور الأعرج»، «سراطين البحر الجبانة»، «الزهرة الزرقاء»، «فرخ البط الخواف»، «جزيرة الطيور»، «النبع المسحور»، «اللؤلؤة السوداء»، «طائر الكيكو». ويتجه القاص إبراهيم بشمي في كتاباته الموجهة للأطفال، إلى تشكيل حكاية ذات مغزى واضح، وعبر لغة مبسطة، ذات صور وظلال جميلة، وتتركز شخصياته على الحيوانات والطيور، مستهدفاً خلق عبرة. واغلب قصصه في هذا المنحى التعليمي، وتتجه قصصه ذات الطول الأكبر، إلى توسيع نمط الحكاية وتعميقها، وخلق بنية أكثر تطوراً، تذوب في جزئياتها الإرشادات التربوية والاجتماعية الواضحة المباشرة. في قصص مثل: سراطين البحر الجبانة، مهرجان الضفادع، فرخ البط الخواف، السلاحف الثرثارة، الاصدقاء، نجد الحكاية المصاغة بغرض التوجيه التعليمي، مستهدفة قضايا جزئية متعددة. في «مهرجان الضفادع»، نشاهد لوحة صغيرة عن مجموعة من الضفادع، تنهض في عتمة الليل، حيث جميع الكائنات نائمة، وتقوم بالنقيق واللعب. في البدء يظهر القمر المنير، متذمراً من الغيمة التي حجبته عن الظهور ومشاهدة العالم. وهذه اللقطة الافتتاحية وبطلها القمر سرعان ما تختفي، ليتم التركيز على الضفادع التي قفزت في بركة الماء وراحت تصيح وتغني. و ليس ثمة حدث خاص بهذه الضفادع سرى اللعب «البريء»، ولكن هذا اللعب والزعيق في منتصف الليل، يزعج الكائنات الأخرى، فها هي السلحفاة تخرج رأسها وتزعق طالبة الهدوء. لكن الضفادع لا تلقي اهتماما لتذمر الآخرين وانزعاجهم، وتواصل اللعب ورش الماء والضحك والقفز. فيتسع الانزعاج من شغبها الليلي، وتتذمر العصافير قائلة: ان لديها أعمالا في الصباح تريد قضاءها، وهي ليست مستعدة للأصغاء الى هذا الضجيج المزعج، كما يصرخ الديك الذي يطالب هو الآخر بالهدوء، لأنه على موعد قبيل طلوع الشمس. ولا يستطيع أن يسكت الضفادع النقاقة سوى حذاء قديم يندفع من يد فلاح ينهض غاضباً من فراشه. وتتضح بنية القصة التعليمية، من هذا الابتعاد الكلي عن شخوص الضفادع وذواتها وكون النقيق يعبر عن حالة «انسانية»، خاصة بها. ومن التركيز الشديد على الصراع بين الضفادع وبقية الكائنات، حيث تندفع الضفادع إلى اللهو بقوة. وفي كل مقطع، يظهر صوت، يؤكد على أهمية الليل للراحة والاستعداد للعمل. فالضفادع تظهر في مقطع، وتناقضها السلحفاة في مقطع تال، وتظهر بعدئذ العصافير وتصارع الضفادع. ومن ثم الديك، واخيراً الفلاح. وتتضح الغاية التوجيهية التعليمية من هذا التصاعد في المعترضين للضفادع، فكل منها يسعى لغاية هامة عملية في النهار، في حين لا تستهدف الضفادع في ضجيجها ليلاً سوى اللعب وليس الإنتاج. واذا كانت السلحفاة لم تقل سوى «ألا تنامي؟ اخفضي صوتك المنكر رجاء»، فان العصافير أوضحت الغاية أكثر بقولها: «إن لدينا أعمالا كثيرة في الصباح»، كذلك فعل الديك عندما قال: «أريد النوم قليلاً، حتى أصحو قبل طلوع الشمس». وتنعزل كافة الجوانب الأخرى من ذوات الضفادع وطبيعة عملها الليلي الخاص بها، والمرتبط بكينونة خاصة، وشخصيات الكائنات الأخرى ونفسياتها المتفردة، ليتركز السرد في تبيان طبيعة الليل وكونه خلق للنوم والاستعداد للعمل، في حين خلق النهار للعمل والإنتاج. وهذه وظيفة بشرية رتبها الناس في ظل ظروف انتاجية طبيعية خاصة، وتحولت هنا إلى توجيه، تجسد في كائنات، ليست لديها هذا الترتيب الخاص. لقد حدثت تناقضات بين المادة القصصية والمادة العلمية، لكن لصالح التوجيه التربوي. ولا تهم الكاتب المطابقة بين المادة القصصية والمادة العلمية، بقدر ما يهمه تسريب توجيهاته الوعظية داخل بنية القصة. ولكن داخل البنية القصصية تحققت السياقات الناجحة، عبر هذه الفرشة المتعددة للطبيعة والكائنات المختلفة وتنامي الصراع، عبر لغة سردية مرنة، اوصلت الوعي إلى الأهداف المطلوبة. ومثل هذه البنية تتكرر في قصص اخرى مثل «السلاحف الثرثارة»، حيث نجد الفقرة الأولى تحتوي على مضمون القصة كل: [كانت السلاحف في ذاك الزمان البعيد.. كبيرة الحجم.. مشهورة بالكسل والثرثرة.. والقيل والقال.. ورغم سخرية الحيوانات من ثرثرتها إلا أنها لم تترك هذه العادات السيئة]. في هذه الفقرة الافتتاحية نجد لتضاد واضحاً بين السلاحف وبقية الحيوانات، وهو على سياق التضاد التام بين الضفادع وبقية الكائنات في القصة السابقة. ونجد سبب الاختلاف بيناً واضحاً أيضاً، وهو يتركز في التباين بين السلاحف كحيوانات ثرثارة، وبقية الحيوانات غير الثرثارة. وتغدو بنية القصة التالية تطبيقاً لهذه الافتتاحية، فسرعان ما يأتي نبأ عاجل بقرب جفاف الوادي، واستعداد الحيوانات المتعددة الكثيرة للرحيل. ماعدا السلاحف التي تسخر من هذه النبوءة. ويأتي عالم الحيوانات الأخرى، المقدم كأمثولة ونموذج، متكاملا من حيث الاستعداد و استكشاف المكان التالي، وتجهيز المؤونة. في حين أن عالم السلاحف، والمقدم كمثل سيء يجب ان لا يحُتذى، ويبدو معادياً لعالم التخطيط والمعرفة ولاهيا في يومه واكله المتواجد الحاضر. ويبدأ السرد في التركيز على هذا الجانب، فينمو الصراع والاختلاف حول رؤية المستقبل، حين يجادل الهدهدُ السلاحف الصغيرة غير الواعية لما يدور – وهي نموذج للشباب في الأمة – فيقول الهدهد [ألم تعرفوا بعد ان الأمطار لن تسقط في هذا العام وسيعم الوادي الجفاف؟]. وحين لم يعرفوا وقد عاشوا على تربية الجهل من قبل السلاحف الكبيرة، ينتقل الهدهد إلى بؤرة القصة ومضمونها [يبدو أنه حقيقة ما يقال عن جماعة السلاحف بأنها كسولة وثرثارة.. ولا تتعب نفسها بالتفكير بالمستقبل والاستعداد له]. ان الثرثرة تتطابق هنا مع فقدان التخطيط وتضييع الغد، وتبدو السلاحف الكبيرة – العرب، نموذجاً للعادة السيئة هنا، كما كانت الضفادع نموذج العادة السيئة هناك. ولكن العادة السيئة في هذا النموذج أكثر غوراً وأشد خطورة ومرتبطة بكيان الأمة. ويتضح أكثر طابع المحور الحدثي – القصصي، حين يحدث انشقاق في عالم السلاحف نفسه، بين السلاحف الكبيرة السن، والسلاحف الصغيرة. الأجيال القديمة والأجيال الشابة. ولكن من أين أتى هذا التباين؟ [قالت إحدى السلاحف الثرثارة معلقة على رحيل السلاحف الصغيرة : انها تكرر عبارات جديدة وأفكاراً (؟) غريبة نتيجة اختلاطهم (؟) بالغرباء من الطيور]. وهكذا تغدو السلاحف الصغيرة رمز الأجيال الشابة المتوثبة لتبديل الماضي، وهي نفسها مقدمة امثولة للأطفال ونماذج للاحتذاء. وسرعان ما تتضح الأمثولة. والنهاية الحتمية للتخلف، السلاحف الكبيرة تدخل بياتها الشتوي، فلم تعد تعي ما يدور، فتشققت الأرض من الجفاف، والأعشاب اصفرت ويبست، وجف النبع.. وماتت الاسماك.. وحين انتبهت لم تجد شيئا غير الحرارة.. والزوال. هكذا تتجه القصة الأمثولة نحو المشكلات الأبعد، والأكثر عمقاً وجذرية. فلم تعد المشكلة صياحاً في الليل وازعاجاً، بل نماذج معتادة على تضييع الزمن وعدم التفكير في المستقبل. وتبدو هذه العادات السيئة نتاجاً لاختيارات وعادات سلوكية بالدرجة الاولى ومن الممكن تبديلها، عبر هذا التباين بين الجيل الهرم والجيل الفتي. ولا تتناقض هنا المادة القصصية والمادة العلمية. بل تبدو متسقة ومنسجمة. وتتوغل قصص الامثولة أكثر في المشكلة الاجتماعية المعروضة. فهي لا تصبح فقط عادة سيئة، بل فقداناً للقدرة على الصراع ضد الاعداء، و استكانة في مواجهة الأخطار الاجتماعية لا الطبيعية فحسب. فهذا ما يحدث لـ«السراطين الجبانة». فهذه السراطين كانت تعيش بسعادة ولهو في واديها الجميل في اعماق البحر. ولكن حين جاء الأخطبوط ذو الأذرع الكثيرة و«العيون» الجاحظة غدت مادة شهية له. ورغم قوة أجسادها وذراعها، إلا أنها كانت تستسلم بسهولة للعدو. ويتضح محتوى القصة – الامثولة في الحوار بين الحلزون والسراطين «إلى أين ترحلين ايتها السراطين الحمراء؟. فتجيب: نبحث عن وطن. يرد الحلزون ملخصا الحكاية: لماذا لا تدافعون عن انفسكم ووطنكم». لقد طرح الكاتب في البداية العادات الاجتماعية كجذور لتخلف كائناته، ولكن الخلفية السياسية الأبعد، راحت تطرح ذاتها على بُنى القصص، لتغدو معا بنية مجتمع الحيوانات المتخلف – التابع، شكل التجلي لواقع الامة. فتغدو السراطانات امتدادا للضفادع والسلاحف، أو مظاهر متعددة للأمة، الفاقدة للوعي الحضاري المعاصر وقدرة الدفاع عن ذاتها، حتى تعيش قرب الساحل حيث تكثر المجاري والأوساخ، فتبهت أشكالها وتتقزم أحجامها. في قصة «اللؤلؤة السوداء» المطولة، والصالحة للفتيان، نرى حكاية الامثولة التعليمية، بشكل أكثر اتساعا وتطورا، وببنية متعددة السياقات. في البدء نقرأ، ذات الافتتاحية القديمة «كان يا ما كان في قديم الزمان، أميرة جميلة تعيش في قصر والدها سلطان بغداد…»، وهو نفس الموتيف القديم، حيث ثمة خلل ما في قصر الخلافة، وفي مركز هذا القصر، حيث الأبنة المدللة مركز الكون القصصي. وفي ذات سياق الموتيف القديم، يسارع السلطان نحو ابنته المكتئبة، مستعداً لعمل أي للقضاء على حزنها. لكن الكآبة لم تكن لفقد كائن حبيب، أو نتيجة لمرض مزمن. بل لفقدان عقد من اللؤلؤ الأسود الثمين. وهنا يفارق القاص بشمي طابع القصة القديمة المؤثر والعميق، مدخلاً فقدان العقد اللؤلؤي، غير المهم. نظراً لأن أي فتى يدرك مبلغ الثروة الخيالية لسلطان بغداد حيث الامبراطورية ومركزها.. فلا يغدو العقد اللؤلؤي. موقداً لنار الحدث الحكائي المعاصر المنتظر. ويظهر الموتبف القصصي القديم الثاني، حين يعلن السلطان أن من يجلب العقد سوف يتزوج ابنته. وهنا وقعت بنية الحكاية في اشكالية. فقد كانت الحكاية القديمة منسجمة مع ذاتها، فدعوتها لمساعدة الأميرة والزواج منها، معاً، لا تظهر إلا للجلل الخطير من الأمور. كالمرض المزمن أو الكآبة المستعصية على الأطباء والحكماء. أما فقدان عقد ليس به تميمة ما، أو سر خطير، فليس سبباً معقولاً لان يعلن السلطان تزويج ابنته لمن يعثر عليه. فلا شك أن ابنته اغلى من العقد. ومهما كان الجدل التبريري الذي جرى بين السلطان ووزيره، حول شكل الدعوة ومصداقيتها، فإن كل المبررات التي طرحها الوزير، غير معقولة. وقد ظهر هذا الارتباك في السياق القصصي نظراً لان الكاتب لم يستفد من البنية القصصية القديمة العميقة الكبيرة. فالحكاية القديمة كانت تضع الإنسان في بؤرتها القصصية، وليس العثور على اللؤلؤ والذهب مهما كان ثميناً. فشفاء الأميرة وانقاذها هو ما كان يحرك ويلهب السرد والأحداث. لكن القاص اراد ان يكسر طريقة الحبكة القديمة، وأن يطرح الخطاب الأيديولوجي المعاصر في موادها الممزقة، فيُظهر ان الاغنياء أنانيون وسيئون، وأن الفقراء وحدهم هم من يقومون بالأعمال الباهرة الشجاعة، وهذا هو نموذجهم الكلي القدرة، «عناد»، القادم من مدينة صغيرة في الخليج، الذي يتطوع، لا لكي يسلي الأميرة. بل لينقذ أصحابه الفقراء الغواصين. وحين يجلب اللؤلؤة السوداء يرفض الزواج من ابنة السلطان بل وحتى استلام المكافاة المالية!. [هذه بطبيعة الحال من أعمال إبراهيم بشمي القديمة، في أواخر السبعينات] لكن رغم المآخذ التكوينية، على هذه القصة، إلا أن الكاتب يتناول هنا مادة تاريخية تراثية، برؤية مختلفة، وعبر شخصيات بشرية، متعددة، وفي مساحة جغرافية متلونة متباينة، بانيا حكاية متنامية مشوقة.
1 تمهيد يعبر ابن رشد عن تطور خاص للفلسفة العربية الإسلامية ، فقد عرف المغرب والأندلس تطوراً اجتماعياً مختلفاً في أشكاله ومظاهره عن المشرق ، فالرعاة ، أو المستوى الرعوي كان من نصيب شمال أفريقيا بصورة خاصة ، في حين كانت الأندلس منتجة المدن التي تنمو فيها الحضارة التي لم تكن تخلو منها بعض المدن النادرة في شمال أفريقيا كالقيروان وفاس ومراكش ، إلا أن الرعاة فرضوا مستواهم الحضاري عبر الهجمات المستمرة للبربر ، وكان هذا المستوى مترافقاً وموازياً لصعود دور الرعاة الأتراك وغيرهم في المشرق ، ولهذا كانت النصوصية المسيطرة على الاجتهاد العقلي تتقدم بقوة في شمال أفريقيا والأندلس والمشرق معاً ، ( راجع الفقرة الخاصة بتطور البربر في الفصل الأول ) . لقد أعطت الحياة الزراعية والتجارية للأندلس إمكانية خاصة لتطور مختلف ، فكانت أجهزة الدولة المركزية لا تجد ذات التاريخ الشمولي المتجذر كما كان الأمر في المشرق ، فقد عرفت المناطق المختلفة في الأندلس حكومات مستقلة وقوى إقطاع لا مركزية ، ومع التطور في المدن كانت الفئات الوسطى تنمو باتساع في مختلف هذه المدن ، مما كان يؤدي في المساحة المحدودة للأندلس إلى تفاعلات ثقافية خصبة وقوية وعبر الجدل المتأخر نسبياً مع الثقافة العربية المركزية . إن هذه الظروف قد أدت إلى تطور أندلسي متقدم على شمال أفريقيا ، حيث القوى الرعوية الواسعة ، والمساحات الجغرافية الشاسعة ، التي لم تكن تقدم إمكانية لتطور مدني قوي . لكن التطورات السياسية والاجتماعية كانت تدفع القوى الرعوية القبائلية إلى السيطرة على المدن ومنع نموها الحر ، وبالتالي الإندياح على الأندلس وإعادته إلى المستوى الاجتماعي الرعوي بصورة مستمرة ، وبرز ذلك بصورة خاصة في أزمنة المرابطين ثم الموحدين . لقد قامت القوى الرعوية باستعادة أساليب المشرق في الوصول إلى السلطة ، عبر استغلال المذاهب الدينية البدوية ، وتفصيلها على أجسام القبائل والقادة المتطلعة إلى الوثوب على السلطة . لقد كان المذهبان الخارجي والمالكي نتاج الجزيرة العربية ، وعبّر المذهب المالكي عن المدن المهيمن عليها من قبل الرعاة ومستواهم الاجتماعي الثقافي ، والتي تنمو فيها فئات وسطى أقل تزمتاً وأكثر انفتاحاً . فكانت المالكية تتطور في مدن الأندلس خاصةً ، وتزدهر العملية الثقافية بشكل مستمر وتطرد بقوة مع وجود حكام مستنيرين ، استثنائيين ، وتتدهور مع تفاقم الحروب والنزاعات الداخلية القوية المتنامية في الأندلس بسبب تركيبه الإقطاعي اللامركزي العريق ، وهو الأمر الذي يقود إلى حكومات كثيرة متنازعة ، تعيش على حساب تقليص الفئات الوسطى ، فكانت القبائل العسكرية تعيد المجتمع إلى الأمن وإلى المحافظة الاجتماعية الفكرية المتزايدة ، مع كل طبعة من طبعاتها . إن المالكية كانت تكرس الجانبين ؛ الارتباط بالموروث الصحراوي ، فتعيد إنتاج القبائلية في المدن وتمنع برجزتها بشكل مستمر ، وهذا الجانب يكرس سلطةً نصوصية متشددة ، تقوم القبائل وقادتها كمحمد بن تومرت بأدلجته وتحويله إلى قالب سياسي ديني مطلق . أما الجانب الآخر الاجتهادي القياسي فهو يتوسع مع الاستقرار ونمو الفئات الوسطى ، والذي يتحول أحياناً إلى ثورات شعبية كذلك كما حدث في الأندلس مراراً . وهذا الجانب يبرز في الحركة الفقهية المستنيرة وحركة الثقافة والفنون . إن الصراع [القومي] الذي يتمظهر هنا كذلك بين العرب والبربر ، يتشكل في بيئة بدوية غالبة ، فالعرب الذين جاءوا هم أنفسهم من جذور رعوية وهم قبائليون ، فلا يسمح المستوى الثقافي الاجتماعي إلى العودة للتقاليد الزراعية الأسطورية كما في المشرق ، وأن كان على شكل ومضات خاطفة ، لا تتجذر في الأرض . إن [القومية] المسيطر عليها سياسياً في البداية وهي البربر ، ليس لدى مثقفيها إمكانية سوى استخدام النصوصية المذهبية ، الذي يحدث بتنويعات مختلفة تكرس طموحات القادة والقبائل . ولهذا يغدو التطور المتاح لممثلي الفئات الوسطى المتحررة هو استخدام النصوصية باتجاه الانفتاح والحرية في ظل هذا المناخ الثقافي الجامد . ومن هنا كانت الفلسفة محدودة في ظل هذا المناخ الثقافي والاجتماعي المحاصر في الأندلس كذلك بجغرافيا الجزيرة وصراعها مع المسيحيين التثليثيين ، وهكذا فإن الاستفادة من الثقافة الأسطورية والمسيحية التعددية وغيرها كما حدث في المشرق كان محاصراً من جهة غالبية السكان والعدو الشمالي المتربص . ومن هنا نشأت الفلسفة في القصور الملكية وبين القضاة والموظفين التابعين لها حيث الوعي السني المتشدد غالباً والمنفتح في بعض الأزمنة . وكان أكبر مشروع فلسفي أندلسي بل وعربي قد قام في ظلال هذا المناخ على يد تعاون مشترك بين الخليفة أبي يعقوب يوسف عبدالمؤمن وابن رشد وابن طفيل. وهكذا فإن مشروع ابن رشد الفلسفي تشكل بحضانة ملكية مستنيرة ، وعبر فقه مالكي اجتهادي ، وفي فضاء أرسطو أهم العقول الفلسفية في العصر القديم والوسيط . لا شك أن تشكيل هذا المشروع لم يعتمد على هذه المواد الخام ، بل على جهود ابن رشد في توظيف كافة هذه العناصر ، عبر التركيز على أغنى ما فيها مضمونياً ، أي شد كافة الخيوط على منوال الحرية والعلم الموضوعي لإنتاج نسيج مختلف عن كافة هذه العناصر المبعثرة في الفضاء العربي الإسلامي . إن كل عنصر ، كالمالكية والأرسطية والتحررية الاجتماعية الأندلسية ، له تاريخه الغني الخاص ، وعملية التركيب بين هذه العناصر التي تعود لأزمنة مختلفة وهياكل اجتماعية متعددة ولحظات صراع متفاوتة ، تعتمد على ذلك النول الذي غزل به ابن رشد هذه العناصر وشكل منها فلسفته المتميزة في العصر الوسيط والحديث ، والتي غدت قمة العقلانية الدينية في العصر الوسيط .
2 الوجود بلا فيض انحاز ابن رشد لتصور كوني يخلو من الفيض ومن العقول والأجرام العشرة ، ويقسم ابن رشد قوى الوجود إلى ثلاث ، هما في الواقع قوتان: [فأما الطرف الواحد ، فهو موجود وجُد من شيء ، اعني عن سبب فاعل ومن مادة ، والزمان متقدم عليه ، أعنى على وجوده . وهذه هي حال الأجسام التي يـُدرك تكونها بالحس ، مثل تكون الماء والهواء والأرض والحيوان والنبات وغير ذلك . وهذا الصنف من الموجودات اتفق الجميع من القدماء والأشعريين على تسميتها محدثة . ] ، ( 1 ) . ونلاحظ إن حركة سيرورة المادة لا المادة نفسها هي موجودة عن سبب فاعل وبطبيعة الحال من مادة ، أي هي تجليات المادة الخام وتحولها إلى ظاهرات مادية ، ويتصور ابن رشد إن [ جميع ] الفلاسفة والأشعريين اتفقوا على كون هذه التمظهرات للمادة هي محدثة ومخلوقة . إن مسألة العدم هنا تؤخذ بشكل لا ينفي الوجود : [العدم : هنا بمعنى ((عدم الوجود)) إذ أن الفلاسفة المشائين يقولون : يستحيل صدور شيء من لا شيء . وكان أرسطو قد اعتبر المادة الأولى ( الهيولى ) قديمة وعليها تتعاقب الصور ، والمعتزلة أيضاً متأثرون بهذا الرأي الأرسطوطالي . فالمقصود هنا : مرور من اللاوجود إلى الوجود ، أي من القوة إلى الفعل ( ومن كائن بالقوة إلى كائن بالفعل ) ] ، ( 2 ) . ويواصل ابن رشد : [وأما الطرف المقابل لهذا ، فهو موجود لم يكن من شيء ، ولا عن شيء ، ولا تقدمه زمان . وهذا أيضاً اتفق الجميع من الفرقتين على تسميته ( قديماً ) وهذا الموجود مدرك بالبرهان ، وهو الله تبارك وتعالى . هو فاعل الكل وموجده والحافظ له سبحانه وتعالى قدره ] ، ( 3 ) . إن صورة الله تتحول هنا في هذا النمط من الوعي الديني إلى كونها أزلية ومدركة بعقل ديني مسبق ، وهي موجودة من لا شيء ولا عن شيء ، وفي ذات الوقت هي صانعة للوجود لتلك المادة السيالة المتحولة . أما القسم الثالث فهو : [وأما الصنف من الموجود الذي بين الطرفين ، فهو موجود لم يكن من شيء ، ولا تقدمه زمان ، ولكنه موجود عن شيء ، أعني عن فاعل ، وهذا هو العالم بأسره ] ، ( 4 ) . أي أن المادة الخام للوجود فهي موجودة من لا شيء ولم يتقدمها زمن ، فهي مطلقة أبدية ، ولكنها مُوجَّدة عن [ شيء ] ، عن فاعل . وهنا تبدو العبارة متناقضة ، فكلمة شيء ، وهي تشير إلى مادة ، وكلمة فاعل وهي تشير إلى إله متدخل . إن كلمة شيء تشير إلى سيرورة الأشياء ونموها الذاتي ، في حين إن كلمة فاعل تشير إلى قيام الوعي الديني بإيجاد محرك أولي أو غير أولي حسب هذه العبارة ، لهذه الأشياء المتحركة المتشكلة وجودياً . والفقرات الثلاث تشير ككل ، إلى أن الوجود به قوتان أساسيتان هما صورة الله حسب هذا الوعي الديني ، والعالم . أي أن الوعي الديني يقوم بإسقاط علائقه على الوجود المادي ، فتظهر صورة السلطة المتشكلة في المجتمع الإسلامي والديني المشرقي عموماً ، بصورة إله متحكم في سيرورة المادة . لأن العالم والطبيعة والتاريخ لا تظهر لهذا الوعي بدون دينيته ، بدون رؤيته لخالق يمثل السلطة ، المهيمنة على حركة الأشياء . فهنا يظهر إله مهيمن هو مظهر لوجود سلطة مركزية تمثل سيرورة الأمة أو الأمم الإسلامية ، وكذلك حركة الطبيعة المستقلة الموضوعية . وهنا يقوم ابن رشد من خلال هذا الوعي بإيجاد مخارج لعلاقة موضوعية معينة ، تحفظ للعالم مادته الخام غير المخلوقة للإله حسب الوعي المادي الفيزيقي ، وتحفظ لبنية المجتمع الدينية تصوره في كون الإله خالق كل شيء ، أي في كون السلطة السياسية الدينية مهيمنة على الوجود الاجتماعي للمجتمع المسلم ، على الفضاء الوجودي للمجتمع الديني . وإعطاء صورة الله والعالم مكانتيهما المستقلتين في الكينونة الخام المحضة ، المتداخلتين في السيرورة الطبيعية والاجتماعية ، تتشكل في خطاب موجه إلى مجتمع مسلم سني أساساً ، أي أن الخطاب يتضمن حواراً مباشراً مع هذا المجتمع السني المحافظ ، ويتمظهر ذلك في ورود تعبير [ الأشعرية ] وفي المناقشة معها ، واعتبارها طرفاً مع [ الفلاسفة ] . ونلاحظ هنا كيف أن الأشعرية غدت قوة فكرية كبيرة بخلاف المعتزلة ، حيث تماشت الأشعرية مع الاستبداد الرعوي السياسي والاجتماعي المتصاعد . وبهذا فإن مسألة العقول العشرة والتعددية الإلهية التي ظهرت في المشرق في سياق الصراع والتداخل مع الوثنية والمسيحية ، لم تعد مهمة في خطاب موجه لعالم متوحد محافظ مذهبياً . إن الوجود الإلهي الواحد المهيمن على الطبيعة والعالم ، كمظهر لسلطة سنية تصنع سلطة مركزية متشددة ، يقوم ابن رشد بتقدير وجودها ، المستقل الخاص المهيمن ، باعتبارها أساس التكون لبنية إسلامية موحدة ترفض الانقسام على المستوى الجغرافي السياسي ، وعلى مستوى التعددية المذهبية السياسية الحاكمة . فهي تبلور الوجود [السياسي] بتوحيديتها الصارمة ، لكن ابن رشد يشكل من هذه الهيمنة مساراً تحررياً معيناً للعقل ، عبر جعل المادة ذات وجود مطلق مستقل ، أي أن بنية المجتمع المهيمن عليها سياسياً بشكل سلطة واحدة ، تغدو مستقلة عن التحكم المباشر لتلك الصورة الإلهية المتدخلة في كل شيء . أي إن للطبيعة والمجتمع قوانين مستقلة ، باعتبار أن المادة الخام غير مخلوقة ، مثلما أن السكان رغم طاعتهم العامة للملك لكنهم أحرار ، كما يفترض ، في صياغة مجتمعهم ، أي أنهم مثلما هم عبيد لله هم كذلك أحرار في صياغة كونهم الاجتماعي . وفي المجتمع يعتمد ذلك على تطور المادة الخام الاجتماعية ؛ طبيعة تطور القوى الاجتماعية المعارضة للاستبداد . ولهذا فإن ابن رشد يقوم بعزل الوعي الديني المتطرف ، الوعي الفقهي غير الاجتهادي ، التابع كلياً للسلطة ، والتي يصور تبعيتها لها من خلال وعيه الفقهي النصوصي غير الاجتهادي ، وبالتالي فإن الفقيه الأرسطي وهو ابن رشد ، وهو يقوم في الفقه بالبحث عن حرية ومسئولية الفرد المسلم وتحري سببيات ذلك قضائياً ، وتشكيل اجتهاد في فضاء الخضوع العام لسلطة النص المعقلن ، فإنه كذلك يعطي صورة الله الدينية الشائعة تفسيراً موضوعياً مثالياً ، عبر الخضوع لهيمنتها الكلية العامة المجردة ، لكنه يعطي الخاص : الطبيعة والمجتمع سيرورتيهما المتعينتين ، وإمكانيات نشوء العلوم المتعددة في فضاء السببية . وبهذا فإن الفئات الوسطى تجد الحرية على الجهتين ، جهة حرية الحياة الشخصية ، وجهة حرية الصناعات والعلوم . وإذا كانت هذه القضايا الكبرى المحورية هي التي تعتبر الفيصل المنهجي في خلق التيار العقلي الديني ، فإن الاستعانة بسلطة النص الديني الأول وهو القرآن ، تكون ضرورية لتجذير هذه الرؤية في سلطة التراث ، وأخذها الشرعية منه . وإذا كان رأي ابن رشد ذاك ينطبق على الوجود فإنه ينطبق على ملحقاته كالزمان والمكان والحركة الخ .. [ والكل منهم متفق على وجود هذه الصفات الثلاث للعالم . فان المتكلمين يسلمون أن الزمان غير متقدم عليه ، أو يلزمهم ذلك ، إذ الزمان عندهم شيء مقارن للحركات والأجسام . وهم أيضاً متفقون مع القدماء على أن الزمان المستقبل غير متناهٍ ، و كذلك الوجود المستقبل . ] ، ( 5 ) . إن سيرورة الزمن اللانهائية مقطوعة لدى المتكلمين بسبب أن رؤيتهم للخلق الإلهي المشكل للوجود في لحظة زمنية محددة ، أي أن النصوصية الدينية تفرض سلطتها هنا على رؤيتها للوجود والزمن واعتبارهما متكونين في لحظة الخلق الإلهي الابتدائية ، ولكن لكون هذه النصوصية الدينية القديمة هي كذلك تعترف بوجود جسم ومادة قديمة ، فهذا حسب رأي ابن رشد يفترض وجود زمن لا متناهٍ . ومن هنا يستشهد ابن رشد بآيات قرآنية تدلل حتى في رؤيتها للخلق الإلهي بوجود مادة أولية وبالتالي زمن أولي ، يقول : [وهذا كله مع أن هذه الآراء في العالم ليست على ظاهر الشرع . فإن ظاهر الشرع إذا تــُصُـفح ظهر من الآيات الواردة في الأنباء عن إيجاد العالم أن صورته محدثة بالحقيقة ، وان نفس الوجود والزمان مستمر من الطرفين ، أعني غير منقطع . وذلك أن قوله تعالى : (( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء )) يقتضي بظاهره أن وجوداً قبل هذا الوجود وهو العرش والماء ، وزماناً قبل هذا الزمان ، أعني المقترن بصورة هذا الوجود الذي هو عدد حركة الفلك ] ، ( 6 ) . يتكون هذا الوعي الاستدلالي من الجمع بين الأرسطية والمذهب المالكي ، ففلسفة أرسطو تأخذ العالم بلا تاريخ ، بلا سيرورة ، فهي فلسفة الوجود المادي المحض بلا جذور التناقضات الداخلية ، فالوجود معطى جاهز يستند على مقولات منطقية / أيديولوجية ؛ الهيولى / الصورة ، الوجود بالفعل ، الوجود بالقوة ، وهذه المقولات لا تأخذ السيرورة الطبيعية الشاملة ، مثلما لا تأخذ السيرورة الاجتماعية ، بحسب المواد المعرفية المتوفرة في العصر القديم . والمذهب المالكي يأخذ الوجود الإسلامي كمعطى جاهز وناجز ، فابن رشد حين يأخذ الآية القرآنية ((فاعتبروا يا أولي الأبصار )) ، ( 7 ) ، لا يأخذها في سياقها التاريخي ، باعتبارها آية تتحدث عن الصراع مع اليهود ، فالاعتبار والأبصار هنا هو دعوة محددة للعرب بالسيطرة على جزيرتهم عبر الدولة الإسلامية . فهي تتحدث عن الإله الذي أخرج ( الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ) الخ.. ، وبالتالي فإنها تدعو إلى أبصار خاص ، إلى تفعيل إرادة سياسية مستقلة ، أي لها شروطها الاجتماعية والنضالية الخاصة. ومن الممكن أن يعود ابن رشد إلى السياق الحدثي للآيات وللدعوة الإسلامية ككل ، ولكنه لا يضع البنية الإسلامية في سيرورتها التاريخية ، فهو يحيلها إلى مبادئ ونصوصية فوق التكون التاريخي والمعطى الاجتماعي . وحين يحيلها إلى مبادئ مجردة يعتبرها عملاً عقلانياً ، فعندما يتحدث عن آيات قرآنية معينة يقرأ دعوتها للعقل وللأبصار بشكل عام ، وبالتالي فهو لا يأخذ تاريخيتها الخاصة ، فهي جزء لديه من عقل كوني مسبق ، وليست جزءً من صراع فكري معين بين الدعوة الدينية في مشروعها السياسي لتشكيل دولة نهضوية متجاوزة لتخلف العرب ، في ظروف بدوية قاسية ، بل هي تتشكل من مبادئ عقلية مجردة ، ففي رأيه أن الشرع : [قد حث على معرفة الله تعالى (وسائر) موجوداته بالبرهان ، وكان من الأفضل – أو الأمر الضروري – لمن أراد أن يعلم الله تبارك وتعالى ، وسائر الموجودات بالبرهان ، أن يتقدم أولاً فيعلم أنواع البرهان وشروطها ، وبما يخالف القياس البرهاني القياس الجدلي ، والقياس الخطابي ، والقياس المغالطي . ] ، ( 8 ) . إن الوعي اللاتاريخي للمذهب المالكي والمنطق الأرسطي ، يتحدد فقهياً مذهبياً لدى ابن رشد بغياب تضاريس الإسلام الاجتماعية وسيرورته التاريخية المنبثقة عنها ، فهو يغدو مبادئ فقهية مؤطرة بمنهجية معينة ، ويتحدد منطقياً في أدوات المعرفة الأرسطية ذات التراتبية الخاصة من البرهان نزولاً إلى الجدل والخطابة ، حسب مستوى القراءة في هذا الكتاب ، لأن ابن رشد في تعليقاته على كتاب ( الجمهورية ) لأفلاطون سوف يتجاوز هذا المستوى من القراءة . ولهذا يغدو الوعي اللاتاريخي هنا في تحويل النظر الإسلامي الصحيح في المنطق الأرسطي الصحيح ، ويصير معيار الحقيقة هو هذا المنطق المجرد . ولهذا فإن المبادئ العقلية الصحيحة في نظره كان يمكن أن تنشأ من الإسلام الأول ، وليست هي مُعطى تاريخي يتشكلُ وينمو عبر تراكم الممارسة النظرية / الاجتماعية ، ومن هنا يغدو تشكلُ الإسلام والتشكلُ الخاطئ للفرق والمدارس الفلسفية نتاجَ سوء نظر كان يمكن التخلص منه منذ البداية : [نشأت فرق الإسلام حتى كفر بعضهم بعضاً وبدع بعضهم بعضاً ، وبخاصة الفاسدة منها . فأولت المعتزلة آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ، وصرحوا بتأويلهم للجمهور ، وكذلك فعلت الأشعرية ، وان كانت أقل تأويلاً فأوقعوا الناس من قبل ذلك في شنآن وتباغض وحروب ، ومزقوا الشرع وفرقوا الناس كل التفريق . ] ، ( 9 ). إن وجود المبادئ العقلية كمعطى مسبق ، جاهز ، في النص القرآني ، وفي فلسفة أرسطو معاً ، يظهرُ في وعي ابن رشد كميزان قادر على حل كافة الخلافات الفكرية ، التي تغدو ممكنة الحل عبر العودة إلى المقياس الذهبي البرهاني ، وذلك لا يتحقق في وعيه إلا عبر عدم إشراك العامة في منازعات القوى العقلية للأمة . فهذه الاختلافات هي اختلافات منهجية محضة وثقافية عليا ، متى ما حُـلت عبر المنطق انتفت الخلافات في الأمة وانتفت المنازعات والحروب ، وهكذا يضع التاريخ الفكري كتاريخ فكري خالص ، والأمة كتكوين فقهي فكري مجرد ، أساسه الطبقة المهيمنة بجناحيها السياسي / الديني ، فإذا قامت هذه الطبقة بحل إشكالياتها بذلك المنطق وعبر عدم إدخال العامة في منازعاتها تم المحافظة على الوجود الإسلامي المتآلف المنسجم . هكذا فإن الفقه المالكي والمنهج الأرسطي يندمجان في ضفيرة واحدة تقوم بتجريد البنية من أساسها الاجتماعي ، المتضاد ، ذي السيرورة التاريخية المعقدة ، وتغدو تكويناً عقلياً مسبقاً متجسداً في القرآن والمنطق الأرسطي ، فتتم منطقة القرآن حسب مقولات أرسطو ، أي أن المناطق المتعددة التكوين فيه ، تتماهى والبرهان ، ويحاول أبن رشد أن يجد حلولاً للمشكلات الفكرية والمستويات المعرفية المتعددة فيه عبر التأويل ، ليكون برهاناً عقلياً آخر . ولأنه لا يأخذ الإسلام كثورة نهضوية تمت في شروط بدوية متخلفة ، وكعمليات سياسية واجتماعية مركبة ، فهو يقوم بتأويل جوانبها الإيمانية المرتبطة بالسياق الفكري المشرقي السياسي الاستبدادي . فالبعث لديه يتحول إلى بعث للعقل الفعال ، أي بعثاً للنفس الكلية ، وبدون صورة الجسد الأولى ، وبصورة جسدية جديدة لأن الصورة الأولى بليت وتم تجديدها ! أي أن سياق الإسلام الفكري وارتباطه بالوعي الديني السابق وجذوره في المنطقة وتضاريسها ، يـُـلغى لصالح البناء الفقهي اللاتاريخي والأداة المنطقية المجردة .
3 الدين والفلسفة تتويجاً لهذا المحو للجذور الاجتماعية لكلا الظاهرتين : الفلسفة والدين ، عبر أداة منطقية واحدة تتداخل في كلا التكوينين ، يمكن أن يصبح الدين والفلسفة متآخيين ، فيصبح الدين برهانياً مثالياً ، وتغدو الفلسفة دينية عقلية . ولهذا يقول تعبيره المعروف : [إن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة] . تغدو الفلسفة والدين من أرومة عائلية واحدة ، ويقود التعبير الجنسي السلالي إلى تصور تماثلي ، بدلاً من أن يضع ابن رشد الشكلين من الوعي في نوعيهما المتميزين وتاريخيهما المختلفين ، لأنه حولهما إلى شكل منطقي واحد مجرد خارج السيرورة التاريخية والدلالة الاجتماعية . فالدين الذي هو استخدام للصور التاريخية والواقعية والأسطورية والمعبر عن لحظة تطور طفولية للوعي في زمن القبلية غير المفككة سياسياً واجتماعياً ، لا يغدو لديه شكلاً للوعي يخفي التناقضات الاجتماعية ، فيؤسس دولةً يذوب الكل الاجتماعي المتناقض في كيانها ، ومع احتدام التضادات الاجتماعية يصبح هذا الشكل الموحد من الوعي بكل تمثلاته الغيبية واليومية والأسطورية ، مادةً للصراع بين المتصارعين الاجتماعيين .. ولكون هذا الكل الاجتماعي يعبر من مرحلة الدولة / القبيلة ، أي من مرحلة الوعي الشفاهي الأسطوري، إلى مرحلة الدولة المدينة الإمبراطورية ، وإلى مرحلة الأشكال العليا من الوعي حيث تغدو الفلسفة تتويجاً لهذا التطور الاجتماعي الثقافي الواسع ، فإنه يحتاج إلى عملية تفكيك بين الدين والدولة ، وبين ذلك الشكل من الوعي الغيبي الأسطوري ، وأشكال التفكير العليا التي في ذروتها تقع الفلسفة ، حين تصل إلى رؤية مسار التناقضات الاجتماعية / الفكرية ، وتقوم بتفكيكها وحلها . أي أنه على صعيد الممارسة الفكرية / السياسية ، فإن الوعي بحاجة إلى اختراق محتوى التطور ذي الشكل الديني ورؤية مضامينه الاجتماعية ، باعتباره ثورة اجتماعية تمت بأدوات فكر غيبي ، وتداخلت مع بــُنى اجتماعية قبلية بدوية . أي رؤية الثورة الإسلامية التأسيسية وقوانينها ، كثورة للتجار المتوسطين المتحالفين مع العاملين في برنامج نهضوي تاريخي ، يعبر القرآن عن فكره ووقائعه وسجله وكفاحه وتشريعه . ولكن هنا عبر اعتبار الحكمة أخت الشريعة ، فإن الطبقات الدلالية الغائرة تنتفي ، وتصبح الحكمة والشريعة ذهنيتين مجردتين ، مبعدتين عن جذورهما النضالية ، مُهيمناً على محتواهما في سيرورة سيطرة الطبقات الحاكمة عليهما كمنتوجين ثقافيين يخدمان أغراضهما في شكل اجتماعي ضيق . فعملية إعادة النظر في الموروث الأسطوري وفصله عن المضمون الكفاحي ، والرؤية الاجتماعية التاريخية للفلسفة والدين ، كلها تنتفي عبر تحول الفلسفة الرشدية إلى منهج برهاني مجرد . تصبح الفلسفة متدينة ارتدت عباءة الأساطير ، ويصبح الدين أداة سيطرة للطبقة الإقطاعية على المدينة التي لا تتحدث . أي أن السلطات الغيبية من إله وملائكة وجنة ونار ، التي تعبر عن سلطة كلية أخلاقية ميتافيزيقية ، يعبر تنوعها عن مشاريع سياسية متعددة على الأرض المشرقية ، لا يستطيع المنهج البرهاني المنطقي المجرد من أدوات التحليل التاريخية والاجتماعية أن يتغلغل إلى أغلفتها الكثيفة . فيحاول أن يعقلن بعض منتوجاتها ، نظراً لأن الفلسفة صارت دينية ، أي صارت جزءً من هذا الوعي الديني ، وصارت نتاجاً لتبعية فئات وسطى للإقطاع السياسي الحاكم ، وليس للإقطاع المذهبي الحاكم في المستوى الفكري والاجتماعي . ولكن لكي تغدو الفلسفة البرهانية الدينية هي المنتوج الثقافي السائد فإنها لا تستطيع أن تقوم بذلك عبر أدواتها ، عبر تبعيتها للإقطاع السياسي ، فلا بد أن تفكك هذه التبعية ، ولا يحدث ذلك إلا في شروط تاريخية ومعرفية مختلفة ، أي أن تكون فلسفة لا دينية ، بمعنى أن تكون قادرة على التغلغل الاجتماعي والتاريخي في دلالات الثورة المحمدية ، وتغدو كفاحاً للفئات الوسطى في ظروف عصرها الجديدة . وهي حتى في مستواها ذاك الفكري المجرد وغير الداخل في كشف المضامين المتوارية للنص الديني ، وبدون العلاقة مع الجمهور الفاعل ، أساس الحراك الاجتماعي ، لا بد أن تصطدم مع الإقطاع في مستواه الفقهي الديني ، وهو الحارس على إنتاج النص في ظل شروط التبعية المطلقة للإقطاع .
4 النفس والعقل رغم أن ابن رشد هو الشارح الأكبر لأرسطو إلا أن ثمة تباينات مهمة بين الرجلين ، [ولم يكتف ابن رشد بشرح أرسطو ، بل كانت له جهوده في التوفيق بين فلسفة أرسطو وعقائد الإسلام مما جعله يختلف عن الأول في كثير من الأمور . ] ، ( 10 ) . إن بداية التباين تكمن في قول أرسطو عن النفس : [صورة لجسم طبيعي آلي] أو [استكمال أول لجسم طبيعي آلي] ، (11) . إن أرسطو بهذا التعريف يقيم ترابطاً عضوياً بين الجسم والنفس ، رغم أن تعبير [صورة ] يتيح دلالة مفتوحة ، تعطي إمكانية لعلاقة خارجية بها ، حيث أن تعبير صورة أقرب للشكل ، التي تأتي إليها المؤثرات الفاعلة من الخارج ، وبهذا تغدو النفس كوة أو مدخلاً لتأثيرات اجتماعية و تأثيرات ميتافيزيقية عليا . لكن ابن رشد يقدم تعريفاً مختلفاً ، حيث يتصور بأن [النفس جوهرٌ روحيٌ قائم بذاته لا ينقسم بانقسام الجسم ، أو أنها ذات روحية مستقلة تستخدم الجسم كآلةٍ لها ] ، ( 12 ) . بهذا التعريف أنفصل ابن رشد عن تصور أرسطو المادي ، وتوجه إلى المثالية في مسألة النفس ، حيث غدت النفس جوهراً مستقلاً ، يغدو الجسم مجرد آلة لها ، وليس كياناً ملتحماً بها . إن أرسطو وابن رشد يشتركان رغم ذلك في كون الصورة والذات الجوهرية مفتوحة للتأثير الخارجي المهيمن ، فحين أن الصورة هي شكل قابل للتطورات المتدفقة سواء من الحياة أو من العقل الفعال ، فإن الذات الجوهرية الروحية عند ابن رشد هي تفاعل دائم مع العقل الفعال الذي هو الروح الإنسانية الجماعية . لقد وجد ابن رشد [نظرية أرسطو مخالفة من بعض الوجوه لعقائد الإسلام فأراد أن القيام بمحاولة للتوفيق بين المشائية والعقيدة اختلف بها عن أرسطو ، لكنه أدعى من جهة أخرى أن محاولته تلك تقدم شرحاً مقبولاً لأرسطو ] ، ( 13 ) . إنه في الوقت الذي تعطي فكرة أرسطو ارتباطاً كبيراً بالواقع الخارجي المعاش للفرد ، فإن ابن رشد يربط النفس أكثر بالعالم الروحي الثقافي العام ، وبهذا فإن أرسطو رافضاً فكرة البعث الجسدي والنفسي يجعل النفس تتصل بقوى روحية مفارقة كذلك . وهذا الأمر الأخير هو الذي يشاركه فيه ابن رشد . ولهذا فإن النفس أو العقل النظري منفصلين عن الجسد ، وبإمكانهما أن يبعثا في عالم آخر ، لكن الصورة ، أو الجسد ، لا يمكن أن تــُبعث لديه لأنها تكون قد بليت ، فتظهر صورةٌ أخرى مماثلة . وبهذا فإن ابن رشد يقوم بأسلمة فكرة أرسطو عن النفس ، دون أن يتخلى عن كونها مرتبطة بالواقع الخارجي الروحي خاصة ، وبهذا فإن الوعي يكون قد ارتبط بقوى من خارج البنية الاجتماعية التي يتم إنتاجه فيها ، وسنعود لمتابعة نتائج ذلك في فقرات أخرى تالية . وقسم ابن الرشد النفس إلى خمس قوى هي : النفس النباتية ، والحساسة ، والمتخيلة ، والناطقة ، والنزوعية ، وهي كلها تقوم بعمليات طبيعية وفكرية جزئية عبر ردود فعل متباينة مع الطبيعة والواقع . ويأخذ ابن رشد بالتقسيم الثلاثي للعقل ، فهناك العقل الهيولاني ، والعقل بالملكة والعقل الفعال ، والهيولاني هو عقل بالقوة ذي استعداد للتلقي ، أما العقل بالملكة فهو العقل في حالة الفعل ، أما العقل الفعال فهو القوة التي تخرج الأفكار الذاتية الداخلية : [ويصفه ابن رشد بأنه غير هيولاني وليس متصلاً بالبدن إلا بالعرض ، وأنه مفارق ، ويدعم رأيه في المفارقة بقول أرسطو ( إن وجد للنفس أو لجزءٍ منها فعل يخصها أمكن أن تفارق ، وأنه أشرف من العقل الهيولاني ، وأنه موجود بالفعل دائماً وأنه صورة .] ، ( 14 ) . إن كل القوى النفسية والعقلية المادية وشبه المادية لا تلعب دور إنتاج الوعي لوحدها ، حيث تقوم بذلك عبر التعاون مع العقل الفعال ، فهو لدى ابن رشد قوة محرضة على نمو الأفكار الداخلية ، فهي تتشكل بين الوعي المتولد الداخلي والبناء الثقافي المسبق الذي يمثله العقل الفعال ، الذي يلعب دور المحرض ولكن الخالق كذلك . من هنا لا تغدو البنية الاجتماعية إلا مستوى ثقافياً ، أما أبعادها الموضوعية الاقتصادية الاجتماعية ، فهي ذائبة في المستوى الثقافي المهيمن على الوجود العقلي المفارق . لكن ثمة علاقات جدلية داخلية بين كافة عناصر النفس والعقل ، وبينها وبين الواقع الخارجي ، فهي تتفاعل و [ تنقدح ] منتقلةً من الجزئي إلى الكلي ، ( 15 ) . وبهذا فإن ابن رشد عبر هذا التأسيس لفلسفته جامعاً بين كونٍ موضوعي مخلوق للإله الواحد ، يقوم كذلك بموضعة التاريخ الطبيعي ، أي بجعله موضوعياً ، ذا سببيات وقوانين ، فيتمكن من الجمع بين عملية سبر [الكون] معرفياً وتحرير الإرادة البشرية في مجال السيطرة على المادة الطبيعية. أي أن المثالية الموضوعية الإسلامية تتمكن لأول مرة من حل إشكاليات الجمع بين فكرة الإله الواحد وموضوعية العلوم في مسار الطبيعة ، وليس في مسار المجتمع . فالعقل : [(وهو جزء النفس الناطقة) كما يقول فيلسوفنا ليس هو شيء أكثر من إدراكه الموجودات بأسبابها ، والعقل هو مجموعة النواميس والقوانين التي تسبر الكون ، حكمه بالسببية مستمدٌ من طبيعة الموجودات وبذلك تكون السببية التي في العقل هي سببية الموجودات ، فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل ] ، ( 16 ) . إن ابن رشد هنا يجمع بين الخلق الإلهي والموضوعية الكونية فالأسباب [التي من خارج تجري على نظام محدود وترتيب منضود بحسب ما قدرها بارئها عليه فذلك هو النظام المحدود الذي في الأسباب الداخلة والخارجة وهو القضاء والقدر الذي كتبه الله تعالى على عباده وعلى الكون بأسره وهو اللوح المحفوظ ] ، ( 17 ) . إذن ثمة ضرورات موضوعية هي في النهاية من الناموس الإلهي ، ومن هنا يفسر ابن رشد الآيات القرآنية المتعددة الرؤية للفعل الإلهي والفعل البشري ، فإذا كان الإله مهيمناً كلياً على الوجود ، فلا يعني ذلك أن الوجود خال من سببياته الداخلية وقوانينه المستقلة ، فهناك موضوعية كونية ولكن هناك كذلك حرية إنسانية تبحث عن هذه السببيات وتوظفها لصالحها . إن فكرة هيغل في أن الحرية هي فهم الضرورة يكون ابن رشد قد سبقه إليها بقرون . إن ابن رشد وهو يلغي وجهة نظر المعتزلة في كون الإله لا دخل له في حرية الفرد ، يرد كذلك على الأشاعرة الذين ألغوا هذه الحرية ، فيقول : [وأما الأشاعرة فقد راموا أن يأتوا بقولٍ وسط بين القولين : فقالوا إن للإنسان كسباً ، وأن المكسب به والكسب مخلوقان لله تعالى وهذا لا معنى له ، فإنه إذا كان الاكتساب والمكسب مخلوقين لله سبحانه فالعبد مجبور على اكتسابه ] ، ( 18 ) . إن الجمع إذن بين الموضوعية الكونية والموضوعية الاجتماعية وحرية الإنسان يقوم ابن رشد بتشكيلها ، نافياً وجهات النظر الفقهية / الفكرية المحدودة ، مشكلاً رؤية فلسفية ، تلغي الأشكال الجزئية المتضادة ، وترتفع بها في كل جدلي متجاوَّز . لكن هذه الحرية المتحققة هي للإنسان في تكوينه الفردي المجرد ، أي أن ابن رشد يجعل نشوء الإسلام هو بشكل إلهي مباشر ، والقرآن تكوين إلهي مباشر ، ومسار الإسلام بذلك الشكل هو مسار إلهي مباشر ، فكيف تتشكل هنا الحرية ؟ إن عدم القدرة على اكتشاف سيرورة التطور الاجتماعي تعود إلى تشكل أدوات المعرفة .
5 الوجود والمعرفة تنقسم العلوم النظرية التي هي أول تقسيمات العوم لديه ، وتعقبها العلوم العملية ثم المنطقية ، إلى علم كلي وعلم جزئي . والعمل الكلي [مشترك لجميع الموجودات ويأخذ كليته من طبيعة موضوعه الذي هو الجوهر غير المتحرك الذي هو الموجود الأول ] ، أي أن هذا العلم هو[ النظر في الوجود بإطلاق دون الالتفات إلى أعراض ذلك الوجود لأنها من اختصاص العلوم الأخرى وهي العلوم الجزئية ] ، ( 19 ) . وينقسم العلم الأول إلى قسمين ، والأول منهما يبحث المعاني العامة لجميع الموجودات مثل الهوية والوحدة والكثرة والقوة والفعل والعلة والمعلول ، في حين يبحث الثاني في الأصول والمبادئ ، أي يقوم بالنظر في العلوم الجزئية المختلفة . [والقسم الثاني من العلم النظري هو العلم الجزئي ، وهذا العلم ليس من طبيعته النظر في الموجود بما هو موجود ، بل النظر في الأعراض التي تعرض لجزءٍ من أجزاء الموجود ، كأنه منفصل عن الموجود]، ( 20). إن انقسام العلمين إلى مجرد كلي ، وملموس جزئي ، وعدم وجود التداخل بينهما ، يشير إلى التناقض الأولي الرئيسي بين السماء والأرض ، بين المحرك الذي لا يتحرك وبين المتحركات . [ومن هنا اكتسى العلم الإلهي ، والذي هو أحد أجزاء الفلسفة الأولى في نظر ابن رشد ، المرتبة الأولى بالشرف على جميع العلوم الأخرى لأنه ينظر إلى الجنس الأشرف ، والأشرف في جميع العلوم هو الله ، وبهذا يعد موضوعه أشرف الموضوعات . وفضلاً عن العلم الإلهي فإن للعلم الكلي موضوعاته الأخرى التي يبحث عنها مثل الوحدة والكثرة ، والقوة والفعل ، والعلة والمعلول وغيرها . فلا غرابة إذاً ، أن جاءت العلوم الجزئية ( الرياضيات والطبيعة ) ، بعد العلم الكلي في الترتيب . ] ، ( 21 ) . إن التناقض غير الجدلي بين العلم الكلي ، وبين العلوم الجزئية ، هو شكل تجلي للمنهج الميتافيزيقي ، بمعنى غير الديالكتيكي هنا ، الذي هو غير قادر على الجمع بين ظاهرات الوجود في كل موحد . ويتواصل التناقض بينهما حين ينظر العلم الكلي إلى الموجود بالذات ، وتنظر العلوم الجزئية إليه بالعرض . ولهذا يقول ابن رشد بأن العلم الكلي [ ينظر في مبادئ الجوهر وهي الأمور المفارقة ويعرف أي وجود وجودها ، ونسبتها إلى مبدئها الأول الذي هو الله ( تبارك وتعالى ) ويعرف الصفات والأفعال التي تخصه . وكذلك ينظر هذا العلم في موضوعات العلوم الجزئية ، ويزيل الأغاليط الواقعة فيها لمن سلف من القدماء ، والمتضمنة في علم المنطق وعلم الطبيعة والعلم الرياضي ] ، ( 22 ) . يتشكل التضاد بين العلم الكلي والعلوم الجزئية ، بسبب كون الأول خارج مبادئ التغير والحركة والتناقض ، باعتباره وعياً ميتافيزيقياً وغيبياً ، مسقطاً على العلوم الجزئية ، وهو تناقض يعكس التناقض غير المحلول بين صورة الذات الإلهية وبين الطبيعة غير المخلوقة . وتتشكل كافة مفردات المنهج من هذا التناقض غير المحلول ، فهنا ثنائيات متضادة بشكل مطلق غير قابلة للجمع والتضفير المشترك: وجود بالقوة / وجود بالفعل ، الحركة / السكون ، الكل / الجزء ، الجوهر السرمدي غير الكائن وغير الفاسد / الجوهر الكائن والفاسد ، الوحدة / الكثرة ، النهائي / اللانهائي ، الوجود / العدم الخ .. ولهذا فإن ابن رشد يقسم [الجوهر] إلى قسمين متضادين كلياً : [فالجوهر الكائن الفاسد مركب من مادة وصورة ، أما الجوهر السرمدي فهو على خلاف ذلك شيءٌ متبرئ من الهيولى ، فضلاً عن أن الجوهر الكائن الفاسد جوهر محسوس وليس مجرداً ومفارقاً ] ، ( 23 ) . أي أن العلوم الطبيعية لا تتحرك إلا في منطقة المتحرك المتغير الفاسد ، في حين إن [العلم الإلهي] ينظر في المبادئ العامة على أنها مبادئ جوهر غير متحرك ولا ساكن ، [أي أنه لا يريد فرض مبادئ العلم الطبيعي إلا في منطقة محددة لا تخص الموجود المتحرك بما هو متحرك بل تخصه بعده مطلقاً ، مثل انقسام الموجود إلى ما هو جوهر وعرض ، أو إلى قديم وحديث ، أو إلى واجب وممكن ، أو إلى علة ومعلول ، أو إلى قوة وفعل ، وهي انقسامات عامة تعم الموجود الإلهي والطبيعي أي الموجود غير المتحرك والمتحرك ] ، ( 24 ) . إن التضادات المطلقة غير المحلولة بين صورة الله التجريدية المفارقة والطبيعة تنعكس على العلوم فتنقسم إلى علم للغيبي وعلم للطبيعي ، لكون تلك الصور المفارقة هي نتاج الوعي وقد تواجدت في الطبيعة وغدت هي خالقتها ، وهو أمر يشكلُ البنى الاجتماعيةَ الإسلامية ، التي تعيدُ إنتاجَ تلك الصور الميتافيزيقية في حضنها الخ.. وهذا كله يعبر عن سيرورة تطور الأمم الإسلامية ، ولكن هذه الصور تنتمي في البحث إلى حقل آخر هو حقل العلوم التاريخية والاجتماعية ، ( 25 ) . ومن هنا فإن هذه الصور وقد غدت كائناً تجريدياً يمثل السلطة الإسلامية الكلية ، من غير الممكن أن تــُبحث بالعلوم الطبيعية ، ولهذا فإن الفلسفة الدينية عبر ابن رشد هنا تعزل المنطقتين بحاجز معرفي لاهوتي . فهناك المنطقة السرمدية الجوهرية غير الفاسدة والتي تنطبق عليها مبادئ المنطق الأرسطي ، وهنا المنطقة الجوهرية الفاسدة التي تنطبق عليها مبادئ المنطق الأرسطي ومبادئ العلوم الجزئية . ومبادئ العلوم الجزئية لا تنطبق على الكائن الأزلي ومنطقته الغيبية السرمدية ، لكون تلك المنطقة خارج الطبيعة ، لكن تلك المبادئ العامة تتحكم كذلك في العلوم الجزئية ، بمعنى أنها تخضعها لمنطقها العام ، أي أنها لا تسمح لها بأن تتحول إلى علم منهجي مغاير إلا في المساحة الطبيعية والاجتماعية . ومن هنا فإن العلوم الجزئية [لا تنظر في الهوية والجوهر المطلقين] حسب قول ابن رشد ، أي أن وعي ابن رشد يحصر العلوم الطبيعية والرياضية كي لا تتحول إلى منهج عام وأن تظل محكومة بمبادئ المنطق الأرسطي وقد تحولت إلى رؤية دينية عامة . ومن هنا فإن أقسام العلوم الطبيعية لم يطرأ عليها تغيير من أيام أرسطو مروراً بالفارابي حتى لحظة ابن رشد الراهنة وهي تتناول الأقسام التالية : 1 – السماع الطبيعي ، وتتعلق بالموجودات الطبيعية ولواحقها كالزمان والمكان الخ.. 2 – السماء والعالم 3 – الكون والفساد 4 – الآثار العلوية وهي تدرس الأسطقسات والظواهر الطبيعية 5 – المعادن. 6 – النبات. 7 – الحيوان. 8 – النفس . وهنا نرى أن العلوم الاجتماعية والتاريخية لم تحصل بعد على موقع هام .
6 التضادات المطلقة للطبيعة
تنقسم الطبيعة عند ابن رشد على الأجسام الطبيعية والأجسام الصناعية الساكنة ، والطبيعية التي تشمل الحيوان والبنات والجماد هي في حركة وسكون، ، وتشكل الحركة مبدأ هذه الطبيعة ، وهي تأتي من داخلها ، وهذه الذاتية الحركية هي سبب الفعل والتغير ، ولا ينطبق ذلك على النفس التي تعيش مع البدن في وحدة خاصة ، ويكون محركها من الخارج ، حيث تنتمي لبنية ثقافية مفارقة . ولكن ابن رشد إلى أن [الصورة هي أحق بأن تقال على الطبيعة من المادة ، لأن المادة مشتركة بين الموجودات الطبيعية والصناعية ] ، ( 26 ) . إن الصورة تغدو لديه هي بمثابة [الغاية الأساسية في الطبيعة والموجودات] ، وبالتالي فإن [الطبيعة تساوي الصورة ، أما الهيولى فهي جوهر صفته الاستعداد ، أي القوة مما جعل هذه الغائية إحدى الدعامات الرئيسة في الفلسفة الرشدية ] ، ( 27 ) . ويعرف ابن الرشد الجسم بأنه الذي له طول وعرض وعمق ، [فالجسم تحديداً عند ابن رشد يكون المنقسم كلاً في الأبعاد الثلاثة ( الطول والعرض والعمق ) ] ، ( 28 ) . ورغم أن الجسم غير مخلوق لديه كتعبير عن المادة ، إلا أنه لا يقبل الانقسام اللانهائي ، وتغدو المادة متشكلة دائماً لكن الصور هي التي تحدد تكوينها ، كما أنها متناهية ، حيث أن الكون متناهٍ . ومن هنا يرفض ابن رشد الأفكار الذرية والمادية اليونانية ، لأن المكان هو المتناهي بتناهي الأجسام ، ويقول بأنه لا يوجد خلاء في العالم أو خارجه . فماديته تقتصر على أن العالم غير مخلوق كمادة محض ، ولكن لأن الصور هي التي تلعب الأهمية القصوى في حركة المادة فإنها تتشكل عبر سببيات من داخلها عبر ثنائية وجود بالقوة يليه وجود بالفعل . كذلك فإن ما قرأناه في كتابه فصل المقال يعبر على إن الإرادة الإلهية واللوح المحفوظ يتدخلان على نحو غامض وغير محدد في هذه الطبيعة . هنا تتشكل المادية الطبيعية بتناقضات المنهج الأرسطي حيث : العالم ضد الفراغ واللانهائية ، وحيث الجسم لا يقبل إلا الاتصال ، وليس ثمة إمكانية للانفصال داخله ، أي أن ابن رشد لا يجمع النقائض في وحدة تركيبية . أي أن أساس الحركة في الجسم، أو في الطبيعة ، يأتي من الصور ، فتبدو العلة الصورية هي الأقوى من بقية العلل في تشكيل المادة ، وهو أمر يفتح الباب للتدخلات اللامادية . ينقسم العلم إلى علم للطبيعة وعلم لما بعد الطبيعة، وفي هذا ذروة أخرى للثنائية المتضادة ، حيث يبدو هنا الخلاصة للتناقض ، فالعلم الطبيعي هو : [الذي يعطي أسباب الجوهر المتحرك المادي والسبب المحرك ، وأما السبب الصوري والسبب الغائي فليس يقدر على ذلك . مع ملاحظة أن صاحب العلم الإلهي يبين ما هو السبب للجوهر المتحرك الذي هو بهذه الصفة ، ويقصد ابن رشد به السبب الصوري والسبب الغائي ، وذلك عن طريق معرفة أن المبدأ المحرك هو المبدأ للجوهر المحسوس على طريق الصورة والغاية . فمن هذه الجهة يطلب صاحب هذا العلم أسطقسات الجوهر المحسوس وهي التي توجد للموجود بما هو موجود ، وعليه يكون الموجود غير الهيولاني هو جوهر متقدم على الجوهر المحسوس ومبدأ له ، على أنه صورة وغاية . ] ، ( 29 ) . هكذا تنقسم الطبيعة وما بعد الطبيعة إلى ثنائية تعكس الوعي الديني الرشدي وهو يشكل صورة الإله التي تلعب الدور الأولي الأساسي في دفع الصورة للحركة الوجودية ، ولعلها تدخل على أنحاء أخرى في تشكيل ودفع الصور فيما بعد ، مما يوجد للعالم الطبيعي سببيات من الخارج . ومن هنا تغدو تسميات ابن رشد هنا لتبرير الوجود الإلهي لا تختلف كثيراً عن التبرير الذي يقدمه ابن سينا ، في تقسيمه الواجب إلى الواجب بذاته وواجب وممكن بغيره ، فتسميته للموجود هي ذاتها وإن كانت بألفاظ أخرى فالواجب الضروري والممكن الحقيقي ، هما كذلك تبرير للصورة الإلهية المفارقة المشكلة للوجود ومن خارجه . فتسلسل العلل في تصور ابن رشد لا بد أن ينتهي إلى علة ضرورية ليس لها علة . وهنا يبدو قطع اللانهائية إلى نهائية تجسد طابع التفكير الديني الغيبي ، حيث تبدو المادة الخام الأولى مشكلةً بفعل تدخل إلهي ضروري ، وهو أمر رأينا سابقاً كيف تجسد عبر قراءته لبعض آيات قرآنية ، ومن ثم كيف قام ابن رشد بالتضفير بين العلة الصورية وبين القضاء والقدر ، وهي أمور تشير إلى ربط السببية الطبيعية بالصور الإلهية . إن ابن رشد يقوم هنا بقطع الجوانب المادية للفلسفة اليونانية كتلك الآراء القائلة بوجود المحركات المادية داخل المادة عبر تفسيرها بالذرات وحركتها ، وهي التي تتيح هنا تفسير الطبيعة كما هي ، بدون إضافات غيبية ، وهي الآراء التي تطابقت مع تطور العلوم الحديثة حيث اللانهائية والسببيات الداخلية وحركة المادة المطلقة الخ.. تغدو مثالية ابن رشد متطابقة مع مثالية أرسطو ، التي تشير إلى البحث الموضوعي عن سببيات الطبيعة والمجتمع والفكر مع ترك هامش للوجود الإلهي الغيبي ، وهو أمر مهم كذلك ، لأن المجتمعات الدينية المشرقية / الأوربية تشكلت عبر فكرة الإله المهيمن المعبرة عن سيرورة الدولة المطلقة ، وهذه العملية التركيبية بين الصورة الإلهية والموضوعية الطبيعية هي أقصى ما وصل إليه الفكر ، وأبعد تجليات المثالية الموضوعية ، في منطقة المشرق وأوربا قبل عصر النهضة.
7 في قراءة المجتمع
لم يؤلف ابن رشد كتاباً مباشراً في تحليل المجتمعات في عصره ، لكنه قام بترجمة كتاب الجمهورية لأفلاطون تحت اسم [ تلخيص السياسة لأفلاطون ] ، وبهذا قام بفعل آخر مماثل للفارابي الذي كتب عن المدن الفاضلة ، محاكياً أفلاطون في صناعة مدن خيالية مثالية للبشرية . إن هذه الصناعة للمدن المثالية تعبر عن المشروعات السياسية لهؤلاء الفلاسفة ، أي أنها تحوي في تصوراتها عن ما يجب أن يكون سياسياً واجتماعياً ، وبالتالي ما يجب أن يــُهدم ويغير من المجتمعات السائدة في عصورهم . إن الفلاسفة وهم يصيغون هذه المشروعات الفكرية الخيالية ، كانوا على تماس دقيق مع الواقع الذي يعيشونه ويرفضونه ، ومن مواقعهم كأفراد من فئات وسطى ، ليست هي من نسيج الطبقة المسيطرة ، سواء كانت هي ملاك العبيد في أثينا ، أم كانت من الإقطاع السياسي / الديني في عصر ابن رشد ، وبالتالي كان هؤلاء الفلاسفة الأفراد يصيغون مشروعاتهم التحويلية لتشكيل نظام يتماشى مع تصوراتهم النظرية ، وليس مع سيرورة التاريخ الحقيقي بالضرورة ، لكنهم يتصورون أن تصوراتهم تلك هي ما سيحدث أو ما يجب أن يحدث . ومعنى هذا أن تصوراتهم التحويلية سوف تكون جزءً من رؤيتهم العامة ، فإذا كان أفلاطون ينطلق من الموروث الإغريقي الاجتماعي والأسطوري ، أي من هذه البنية التي وجد نفسه فيها ، وراح بالتالي يفكر بمفرداتها ، فلن يكون ابن رشد بعيداً عن بنيته الاجتماعية الثقافية . ولكن قيام فيلسوف تالٍ بتناول مادة فيلسوف سابق، وكلاهما عاش في ظروف مختلفة ، يعبر عن وجود مادة فكرية رؤيوية مشتركة ، أو أن هناك عناصر مشتركة بينهما يجري تداولها عبر العصور المختلفة ، كما حدث لقيام ابن رشد باستغلال الرؤية العامة لأرسطو في فلسفته . إن ابتعاد ابن رشد عن أطروحات أفلاطون الفلسفية وتعددية مثله المفارقة هو أمر يشير إلى رفضه للتعدديات الإلهية وكونها مضادة للمجتمعات الإسلامية التي تكمن عملية نهضتها وتطورها في الوحدة ، أي وحدة أجزائها المفتتة . ومن هنا يكون رفضه لفلسفة أفلاطون المستقاة من حالة مجتمع إغريقي مفتت ، متماثلاً لتماهيه مع فلسفة أرسطو ، ذات الصياغة التوحيدية للعالم والموضوعية المثالية ، ولكن لا يعني ذلك أيضاً عدم تعاطف ابن رشد مع فلسفة أفلاطون الاجتماعية ، ولكن بشرط أن تتخلص من عباءتها الوثنية الأسطورية وتلبس الثوب الإسلامي التوحيدي . وفي هذه الشروط الفكرية العامة عكف ابن رشد على تلخيص كتاب الجمهورية لأفلاطون ، والاستفادة منه في تقديم نموذج المدينة الفاضلة عبر رؤية أفلاطونية – رشدية مشتركة ، فابن رشد لم يلخص تلخيصاً بل كان يلخص ويعلق ، فالمادة الأفلاطونية المترجمة خضعت لتعليقات وتداخلات من ابن رشد ، مما جعل التلخيص هو رؤية مشتركة . وهنا في هذا الكتاب توجد العديد من الفقرات التي هي من ابن رشد نفسه ، وخاصة في المواقع التي يقوم فيها بتوضيح وجهة نظره وفي المواقع التي يقوم فيها بتغيير رأي أفلاطون وتغيير مصطلحاته وتصوراته. وهي ذات الطريقة التي تعامل فيها ابن رشد مع تراث أرسطو ، ولا نستبعد أن تكون كلمة الخليفة الأندلسي حين كلفه بالترجمة وطلب منه توضيح عبارات أرسطو الغامضة ، أن تكون إشارة لأسلمة التراث الأرسطي – الأفلاطوني العقلي داخل المنظومة العربية الإسلامية ، ( 30 ) . وتعتمد كما قلنا عناصر التداخل بين المتخيلات الاجتماعية بين أفلاطون وابن رشد ، على مواقف المثقفين المنحدرين من الفئات الوسطى ، المتوجهين لخلق مدينة حديثة تخلو من كل مشكلات عصريهما الكبرى . وابن رشد نفسه يشير في ثنايا الكتاب إلى ضرورة مراعاة الفروق بين العصور ، ويدرك كون مشروع أفلاطون كان على مقاس المجتمع الإغريقي ومثله ، لكنه يسايره في الهيكل العام لمشروعه ، الذي يعتمد على تشكيل نموذج مدينة ذات أساس إنتاجي وثقافي معين ، فابن رشد كثيراً ما يلجأ إلى تفسير تطورات التاريخ العربي الإسلامي من خلال مفردات أفلاطون ، وأحياناً لا توجد للمفردات اليونانية تجسيدات عربية كمسمى المدينة الديمقراطية عند أفلاطون فيسميها ابن رشد المدينة الجماعية ، وكذلك التقييم السلبي لأفلاطون عن المدينة الرأسمالية التي لم يكن ما يماثلها في التاريخ العربي فيدخلها ابن رشد في كيان مدينة أخرى ! وابن رشد يساير أفلاطون في هذا الأساس العام حيث المدينة المشكلة على أساس برنامج اجتماعي ثقافي خاص . والمدينة المتصورة هي مدينة لا تاريخية ، بمعنى أنها لم تنبثق من سيرورة التاريخ ، ومن هنا فلا أفلاطون ولا ابن رشد يناقشان قضايا الإنتاج ، أو أساليبه ، أو سيرورة البنى الاجتماعية السابقة والراهنة ، ومن هنا تتشكل عملية فهم المدينة من بضع كلمات من الاقتصاد ، حيث يتم فهم ضرورة التعاون الإنتاجي ، وكون المدينة هي مكان تبادل : [وإنه لمن المستحيل على الإنسان بمفرده أن يوفر كل متطلبات عيشه .. ] ، ( 31 ) ، لكن تعود عمليات الإنتاج ليس إلى أسلوب موضوعي مستقل ، بل إلى قواه النفسية ، ك [القوة الشهوية فيه ] . إن الإنسان يحوي قوى نفسية عديدة متضادة ، كالقوة الشهوية والغضبية والتأملية الفكرية ، وبما أن القوة الفكرية هي أسمى وأهم هذه القوى فيجب أن تسود ، فهي تسود في كيان الإنسان الفرد ، فيجب أن تسود في كيان المجتمع كأمر بديهي . إن الترابية النفسية العقلية الإنسانية تتحول إلى تراتبية سياسية نموذجية . إن الفلاسفة هنا وهم يرفعون قوة إدراكهم فوق قوى الطبقات الأخرى ، كالحكام والجنود والعاملين ، فإنهم يضعون أنفسهم على رأس السلطة الحاكمة في مدن الخيال النموذجية المقترحة . وبما أن القوى النفسية الفكرية المتعددة تتوزع على هذه الطبقات الاجتماعية بشكل متفاوت ، لكنها عند الفلاسفة تقترب من التكامل ، وهي تقترب من العقل الفعال والمطلق : [.. أن العلوم النظرية هي الأشياء التامة المتحررة من المادة ] ، [ولذا نظن أن هذا الكمال له غاية قصوى بسبب قربه من الكمال الأقصى ] ، ( 32 ) . ومن هنا فإن أفلاطون – ابن رشد يريان ضرورة تجميد الطبقات العاملة في مواقعها الإنتاجية التخصصية ، دون مفارقة وتبدل ، لكون هذا التخصص سيطور إنتاجها . لكن هذه الطبقات العاملة ستعمل في إنتاج غير خاص ، أي في ملكيات إنتاجية تابعة لحكومة المدينة ، وأي تغيير في وضعها سيعرضها لعقوبات صارمة . ومن هنا تغدو الملكية الخاصة محرمة ، من خلال قانون المدينة ، ليس فقط في الملكيات الإنتاجية العامة بل في التملك الشخصي ، والذي سوف ينتقل إلى الزواج ، حيث لا زوجة خاصة ، وبطبيعة الحال هنا يفترق ابن رشد مع أفلاطون . ولم يعد في هذه المدينة النموذجية الحكام المعتادون ، بل أن أفلاطون – ابن رشد يركزان على ما ترجم إلى لفظة [الحراس] ، فهذه القوة الاجتماعية الغامضة ، التي تحرس المدينة وتحكمها ، هي مركز تصورات الكتاب المعرب . إن أفلاطون – ابن رشد يقترحان سلسلة من التصورات التربوية الطويلة لتشكيل هذه القوة المدافعة الحاكمة الحكيمة ، عبر تثقيفها بالموسيقى والرياضة والعلوم المختلفة والتي لا تعرف الفروق الجنسية أو المذهبية . وإذ تقوم الفكرة الأساسية على هذه المقولة فإنها تترابط مع الفلسفة المثالية الموضوعية في تقسيم القدرات البشرية ، فتكوين المدينة الإنتاجي السياسي خاضع لذلك التصور المثالي ، بكون القدرات العقلية المتميزة هي في وضع قيادي بشري . وكل فقرات الكتاب تنصب لتجسيد هذا المبدأ والتدليل عليه . [والإنسان إنما يبغي من خلال العلوم النظرية أن يقدم المشورة للآخرين . ولا يوجد هناك فرق بينها وبين الصناعات العملية سوى أن هذه الأخيرة هي بمثابة خادمة لها لكي تدرك الأولى غايتها القصوى ، ولذلك فهي تنقاد لها ] ، ( 33 ) . وكذلك : [لقد تبين إذن أن حكم الموجود المعقول على الأفعال الإرادية إنما يقوم بتدبير المعقول للمحسوس وفي إعطاء الموجودات بالإرادة المبادئ التي تعتمد عليها في وجودها ] ، ( 34 ) . إن التراتبية الشهوية الانفعالية العقلية التي تتمظهر في الوجود البشري الفردي المتباين بين النماذج ، تتحول إلى نمط للحكم وصياغة المصير الاجتماعي التاريخي . حيث أن هذه التراتبية تعكس قوى انفعالية فكرية متباينة، فكلما قلت القوى الشهوية والانفعالية وزادت القوى العقلية النظرية كلما كان هذا نموذجياً ، ويؤدي بالإنسان إلى الرقي ، وتتوجه المعادلة إلى أقصى غاياتها بتفضيل نموذج العقل المتأمل الزاهد ، وليس بخلق تركيبة من رغبات الجسد وتطورات العقل ، بين التفاعل مع الجمهور وتطوير الفلسفة ، فتلك الثنائية المتضادة الكلية تتمظهر هنا كذلك . علينا هنا أن نرى في ذلك تقييماً مهماً غائراً للفئات الوسطى ، وهي الفئات التي يتركز فيها الإنتاج العقلي ، غير أن الفيلسوفين يهملان جذورها ، أي أن فئات التجار والموظفين والحرفيين الميسورين هي التي يظهر من بين أبنائها صناع الثقافة ، فيعملان على تدمير تلك الجذور ! لكن التضاد الكلي المطلق بين العقل والجسد ، بين الفلاسفة والمنتجين ، بين الفكر والمادة ، بين الثقافة والإنتاج ، لا يعثر على حله ، فالفلاسفة لا يقيمون علاقات مع المنتجين والناس ، الذين هم خارج الفكر ، والناس لا يقيمون علاقات مع الفلاسفة الذين هم خارج العمل والإنتاج . فكيف تتشكل المدينة التي ينفي رأسها يديها؟ وكيف يستطيع الحكام الفلاسفة تطوير الإنتاج وهم على رأس الحكم ؟ إن إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وللحياة الشخصية وللتناسل ، يترتب عليه إلغاء بيع السلع والنقود ، وفئات التجار والمالكين الحرفيين ، وبالتالي يغدو ذلك حلاً نظرياً لإشكاليات الدخول في تحليل الحياة المادية والعلاقة بالمنتجين . ويغدو مصادرة جاهزة من قبل العقل النظري التأملي ، المنقطع عن العلاقة بالإنتاج والعاملين ، لمجمل الإشكاليات التي يثيرها أسلوب الإنتاج . أي أن أبناء الفئات الوسطى يدمرون هنا جذورهم وينسفون طبقتهم بدلاً من تصعيد دورها . إن كون أعلى مراتب الفلسفة هو القسم النظري ، وهو القيادة السياسية لعملية التحول المتخيلة هنا ، هو ذاته مصدر الرؤية ، فموقعه موقع تأملي ، ويتطلع إلى العملية التاريخية من خلال مفردات نظرته التي تقوم بخلق التضادات المطلقة بين الأشياء والظاهرات ، فهي لا تستطيع أن تركب جدلياً بين الفلسفة والإنتاج ، مثلما قامت بخلق تضادات كلية مماثلة بين الطبيعة وما بعد الطبيعة ، بين الوجود بالقوة والوجود بالفعل ، بين العلة الفاعلة والعلة الصورية الخ .. ولهذا فإن مصدر وعي الفلاسفة المتصدين لحكم المدينة ، ليس كشف العمليات التاريخية وتضادات الإنتاج ، بل هو مصدر ذاتي وعلوي ، ويدخل هذا المصدر في مساحة ضبابية شديدة بسبب مفارقته المفاجئة وعدم تجسيدها ، يقول ابن رشد حول هذه الإرادة التي تقوم بمشروع تغيير وقيادة المدينة : [فإن الإرادة لها ارتباط بوجود العلاقة التي من خلالها يكون العقل الفعال بمثابة الكمال لنا] ، ويضيف في موقع تالٍ : [إن هؤلاء الذين يرون أن العلوم النظرية ليست خالدة ، وأن الكمال الأقصى إنما يتم بالإدراك العياني للعقول المفارقة ، يكون الكمال بالنسبة لهؤلاء على قسمين : كمال أول وكمال أخير . الأول إنما يكتسبه بنفسه ، والثاني مما يكتسبه بواسطة ( العقل الفعال ) ..] ، ( 35 ) . هكذا لا يعود بإمكان الفلاسفة إقامة علاقة تاريخية لصياغة المشروع ، فعبر انقطاعهم عن العلاقة بالإنتاج المادي ، يوجدون مصدراً مفارقاً غيبياً هو العقل الفعال ، الذي يغدو شكلاً غير تاريخي للمعرفة ، بمعنى أنه لا يتضمن الاعتماد على قوى بشرية حقيقية في التاريخ العياني ، من فئات وسطى ومنتجين وقبائل الخ ..، كذلك لا يغدو مصدراً حقيقياً للمعرفة عبر التجريب والممارسة الفعلية ، فيتحول المشروع إلى تأمل نظري وليس إلى مشروع حقيقي .
8 المدينة الفاضلة والمدن الضالة
في التصور الأفلاطوني – الرشدي يتم قطع علاقات السيرورة التاريخية العامة للمدينة الفاضلة والمدن السيئة ، فهي تظهر كتكوينات منتجة من قبل القوى الشهوية واللذية والفكرية التأملية ، فهذه القوى النفسية هي التي تصنع تكوينات المدن ، ومن هنا يحلل أفلاطون شخصية الحاكم الذي يتجسد في كل مدينة ونوازعه النفسية والأخلاقية باعتبارها هي التي جسدت هذا النمط من المدينة . وللمدينة المستقلة التي تحكمها قوى سياسية واجتماعية جذور في بلاد الإغريق ، فهي ليست تكوينات خيالية محضة ، فقد كان نمو التاريخ اليوناني يعتمد على تشكل المدن وصراعاتها . لكن أفلاطون قام بتجريد هذه المدن من سيرورتها وربطها بالنوازع النفسية والفكرية . لكنه حدد أربعة أنماط هي : تيماركية ، أوليغاركية ، ديمقراطية ، استبداد (راجع الهامش في المصدر السابق ، ص 176 ) . وفي هذا التحديد الأفلاطوني تتمثل سيرورة حقيقية للمدن اليونانية ، حيث تهيمن بدايةً مدنُ ملاك الأرض الأغنياء ، التي تتحول في مخاض معقد إلى مدن تحكمها القلة الغنية ، ومن ثم يظهر الشكل الديمقراطي في بعض المدن حيث يصعد دور الفئات الوسطى ، مثلما يوجد النمط الاستبدادي متغلغلاً في الكثير من المدن . إن أفلاطون لا يرى هذا تطوراً بقدر ما يرى مدى تباعد هذه السيرورة التاريخية عن النموذج المثالي لديه ، فهو لا يقرأ المسار الموضوعي للتطور بل يحاكم التغيرات من خلال مثاله المطلق ، وهو المثال الذي عرضنا بعض ملامحه سابقاً . وهذه النماذج يقابلها عند ابن رشد ، أو ترجمته لتلك المدن بالترتيب التالي : 1 – المدينة القائمة على المجد والشرف 2 – مدينة حكم القلة . 3 – الحكم الجماعي 4 – الاستبداد . وإذا كان النموذج المثالي لدى أفلاطون غير موجود في التاريخ العياني ، فإنه موجود لدى ابن رشد في الفترة الإسلامية الأولى ، متمثلاً في حكم النبوة والخلافة الراشدة ، ولا يحدد ابن رشد اجتماعياً أسباب ذلك ، لكننا نلمحها حين يلتفت إلى حكم المرابطين في شمال أفريقيا والأندلس ، محدداً إياها في التماثل مع النص الديني ، وهو أمر يشير إلى تطابق الحكم الرعوي في بدايته مع القبلية الجماهيرية الواسعة . أي كون القادة القبليين يقيمون علاقة مباشرة مع الجمهور وتوزع الخيرات بشكل واسع عليه . وهذا يتطابق مع الفترة النبوية والراشدية ، ثم يختم ابن رشد هذه الفترة بحكم معاوية ، الذي يظهر لديه وكأنه حكم منقطع عن السيرورة السابقة ، حيث تبدأ فترة [ المدينة القائمة على المجد والشرف ] وعلينا أن نفسر هذه الألقاب بأنها تعني حكم النبالة ، حكم الملوك . وهو يقيم كأفلاطون الزمن السياسي على حسب القيم الأخلاقية المجردة ، لكن الشرف هنا سيتحدد اجتماعياً بعد ذلك : [إن نوع الرجال الذين سيحكمون مثل هذه المدن بخصال الشرف والحسب سوف يقترن حكمهم بكل شيءٍ ذي يسار ، وإن أولئك الذين من بينهم وممن شرفهم لا يمكنهم من أن يكونوا أحراراً بإطلاق ، سوف يحكمون كل ما هو جزئي ، وبذلك فهم سادة من جانب وعبيد من جانب آخر ] ، (36 ) . إن مدينة القلة ومدينة الحكم الجماعي ستكونا لدى ابن رشد نتاجين لتفسخ الفترة الذهبية السابقة ، سواء كانت الفترة النبوية الراشدية ، أو الفترة الأولى النضالية أو الجماعية أو المتوافقة مع الشرع ، التي تقوم بها الجماعة القبلية الجديدة وهي تحكم بتدفق اجتماعي غيبي ، غير محدد علمياً أو برهانياً . تظهر التحولات التاريخية العربية الإسلامية لدى ابن رشد في الفقرة التالية : [وإنك لتدرك ما يقوله أفلاطون عن كيفية تحول الحكم الفاضل إلى حكم المجد والشرف ، وتحول الرجل الفاضل إلى رجل المجد والشرف ، وهو أمر يشبه ما حدث للعرب في أول عهدهم حيث اعتادوا على النزوع إلى الحكم الفاضل ، حتى جاء معاوية فتحول حكمهم إلى حكم قائم على المجد والشرف ، وهو ما يشبه الحكم القائم الآن في جزيرتنا ] ، ( 37 ) . إن التاريخ يتمظهر لدى ابن رشد عبر النماذج الفردية الصانعة له ، مسايراً أفلاطون في ذلك ، فنظراً لوجود الرجال الفضلاء فإن فترة زاهرة عادلة ستتواجد ، وهو أمر يغيب الشروط الموضوعية والذاتية لتكون الرجال الفضلاء والتغيير الإيجابي ، وهو ما يربطه بصفات نفسية غير معروفة المصدر إن لم تكن بعوامل غيبية محضة ، فيصير التاريخ خارج البنى الاجتماعية . وكما أن الرجل الفاضل هو صانع الزمن العادل ، فإن الرجل الفاسد ينبثق من زمن [دولة المجد والشرف] مشكلاً مدينة اللذة والمال . [وبالجملة ، فإن تحول رجل المجد والشرف إلى رجل طالب للذات يبدو أمراً واضحاً ، عندما يجد المتعة في المال وغيره من اللذات الأخرى الباقية ] ، [ ولهذا فنحن نرى أن الملوك يصبحون فاسدين ويتحولون إلى أمثال هؤلاء الرجال . ] ، ( 38 ) . إن وجود المتعة والمال أمورٌ موجودة في زمن الرجال الفضلاء وحكمهم ، فلماذا لم تنقلب أحوالهم إلى أضدادها ؟ كما أن ثمة رجال فضلاء في زمن دول المال والمتعة فلماذا لم يستطيعوا تحويلها إلى النموذج السابق ؟ إن ثمة شروطاً أخرى هي التي تجعل زمناً ما قادراً على إيجاد تقسيم عادل للثروة ، ولكن أفلاطون – ابن رشد يتوقف تحليلهما عند القوى الذاتية المتعددة في الأفراد مصدر الفعل التاريخي . ويقوم ابن رشد باستكمال دورة المدن مطبقاً إياها هذه المرة على تاريخه المناطقي : [ويشبه هذا في زماننا المملكة المعروفة بالمرابطين ، حيث أنهم في عهد ملكهم كان دستورهم قائماً على الشرع ، لكنهم فيما بعد تبدلوا في عهد ابنه إلى دستور المجد والشرف وقد مازجته الرغبة في المال . وحدث مع مجيء الحفيد أن تحولوا إلى دستور قائم على اللذة وما يتعلق بها من الأشياء اللذية والترف ، فتفسخ حكمهم وهلكوا . ويعود أمر هلاك ملكهم إلى قيام دستور معارض لهم في زمانهم ، وهو دستور قائم على الشرع . ] ، ( 39 ) . إذن وجود الصلاح يتطابق مع تنفيذ الشرع حسب المذهب المالكي ذي الجذور الصحراوية المدنية ، لكن التغيير من داخل تغير شخص الحاكم وليس لكون انتقال القوة القبائلية إلى السيطرة على السلطة والثروة وتفسخ قواعدها الاجتماعية القبلية ، نظراً لتلك الهيمنة على الموارد ، وبالتالي فإن التشدد في الأحكام الشرعية كان بغرض منع هذا التفسخ الاجتماعي القبلي ، وإضعاف نمو الفئات الوسطى الحرة الخ.. إن منهجية ابن رشد تقوده إلى الوقوف على سطوح الظاهرات العامة الاجتماعية / السياسية ، لكنه يسدد ضربات نقدية عنيفة للتفكير القدري والغيبي المطلقين ، وللاستبداد مقترباً من قراءة عميقة لهذه الظاهرات الصعبة . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الاسلامية من الجزء الثالث مصادر : ( 1 ) : ( فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ، دار المشرق ، بيروت ط 5 ، ص 41 ) . ( 2 ) : ( المصدر السابق ، نفس الصفحة) . ( 3 ) : ( من تعليقات المقدم البير نصري نادر في الكتاب السابق ، ص 59 ) . ( 4 ) : ( السابق ، نفس الصفحة ) . ( 5 ) : ( السابق ، ص 41 ) . ( 6 ) : ( نفس المصدر ، ص 42 ) . ( 7 م ) ( فصل المقال ، الطبعة السابقة ، ص 28 ، ويقوم المقدم بوضع الآية كاملة في الهامش ). ( 8 ) : ( السابق ، ص 29 ) . ( 9 ) ( السابق ، ص 55 ) . ( 10 ) : ( نظرية ابن رشد في النفس والعقل ، محمود فهمي زيدان ، من كتاب الفيلسوف ابن رشد مفكراً عربياً ، كتاب تذكاري من إصدار المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 1993 ، ص 41 ). ( 11 ) : ( نفس المصدر ، نفس الصفحة . ) . ( 12 ) : ( المصدر السابق ، ص 41 ) . ( 13 ) : ( المصدر السابق ، 45 ) . ( 14 ) : ( المصدر السابق ، ص 46 ) . ( 15 ) : ( إذا تؤمل كيف حصول المعقولات لنا وبخاصة المعقولات التي تلتئم منها المقدمات التجريبية ظهر أننا مضطرون في حصولها لنا إلى أن نحس أولاً ، ثم نتخيل ، وحينئذٍ يمكننا أخذ الكلي ولذا فمن فاتته حاسةٌ ما فاته معقول ما … بل يحتاج ” الإنسان مع قوتي الحس والتخيل ) إلى قوة الحفظ وتكرار ذلك الإحساس مرة بعد مرة حتى ينقدح لنا الكلي ” ، السابق نفسه ، ص 43 ) . ( 16 ) : ( مأخوذ من دراسة [مشكلة الحرية في فلسفة ابن رشد] ، بقلم زينب عفيفي شاكر ، في نفس الكتاب التذكاري عن ابن رشد السابق ، ص 251 ) . ( 17 ) : ( المصدر السابق ، ص 252 والنص مأخوذ من مناهج الأدلة ، ص 226 ) . ( 18 ) : (مناهج الأدلة ص 224 ، نقلاً عن المصدر السابق ، ص 248 ) . ( 19 ) : ( العلوم الطبيعية في فلسفة ابن رشد ، د . حسن مجيد العبيدي ، دار الطليعة ، بيروت ، ط 1 ، 1995 ، ص 16 ) . ( 20 ) : ( المصدر السابق ، ص 17 ) . ( 21 ) : ( السابق ، ص 18 ) . ( 22 ) : ( السابق ، ص 18 ، 19 ) . ( 23 ) : (السابق ، ص 24 ) . ( 24 ) : ( السابق ، ص 24 ). ( 25 ) : ( إن صورة الإله في مرحلة الإسلام التأسيسي (الثوري ) هي صورة ديمقراطية حيث تتفاعل صورة الإله كالحاضر الفاعل في العملية التاريخية، فهي جنباً لجنب مع الناس البسطاء في تغييرهم الوجود السلبي المتخلف ، لكن مع استيلاء قوى الأشراف البدوية على الدولة والفضاء الفكري فهي تعيد تشكيل هذه الصورة باتجاه عزلتها في السماء وحياديتها تجاه الناس وتجاه قضايا التغيير الاجتماعية ، ومن هنا يقوم ممثلو الفلسفات الإمامية الأكثر قرباً من الجمهور الزراعي المشرقي ، باستعادة صور الإله الفيضية المتعددة المستوحاة من المسيحية ، لكن ابن رشد ليس وريث معارك المشرق الخاصة، بل هو نتاج للتطور العقلي المجرد للفلسفة الإسلامية في ظروف مغاربية. ). ( 26 ): ( السابق ، ص30 ، 31 ) . ( 27 ) : ( السابق ، ص 32 ) . ( 28 ) : ( السابق ، ص 37 ) . ( 29 ) : ( السابق ، ص 63 ) . ( 30 ) : ( كانت كافة مشروعات النهضة الفكرية في المشرق والمغرب تعتمد على وجود ملك متنور ، تبلغ فيها الفئات الوسطى أقصى لحظات تطورها ، ويلوح فيها أفق حداثة ، بسبب ضخامة البناء الثقافي المتنور والعقلي ، وهو الذي يجعل بعض الملوك والفلاسفة منساقين إلى الاعتقاد بقدرة هذا البناء الثقافي على حل كافة المعضلات وتحقيق نهضة ، حدث ذلك في أيام كسرى الفارسي ، والمأمون العباسي ، والخليفة الراهن لابن رشد وهو أبو يعقوب يوسف عبد المؤمن . ) . ( 31 ) : (تلخيص السياسة ، ابن رشد ، ط1 ، دار الطليعة ، 1998 ، ص 68 ) . ( 32 ) : ( المصدر السابق ، ص 160 ) . ( 33 ) : ( السابق ، ص 156 ) . ( 34 ) : ( السابق ، ص 157 ) . ( 35 ) : ( السابق ، ص 162 ، 163 ) . ( 36 ) : ( المصدر السابق ، ص 180 ) . ( 37 ) : ( السابق ، ص 198 ) . ( 38 ) : ( السابق ، ص 202 ) .
لم تظهر الرواية في الخليج العربي إلا في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين. وبشكل محدود وقليل، وقد سبق أن ظهرت روايات نادرة في لحظات متفرقة، متباعدة، مثل رواية «ملائكة الجبل الأخضر» . لعبدالله محمد الطائي وغيرها، إلا أن الظهور الأخير للرواية العربية في منطقة الخليج، كان الأكثر ديمومة وفنية. ان هذا الظهور المتأخر، والنادر للرواية في الخليج، يعود إلى تأخر النهضة الاجتماعية في المنطقة، وبروزها بشكل خافت، في منتصف القرن، ثم انفجارها في العقود الاخيرة. وحتى فن القصة القصيرة، الرديف الآخر لفن الرواية، ظهر متاخراً ومحدوداً، ومتقطعاً، ليبدأ تطوره السريع والعميق في ذات الفترة التي بدأت تتشكل فيها بذور الرواية. إن ارتباط فن الرواية، بعمليات التطور العميقة الحديثة في البُنى الاجتماعية . قد صار أمرا مقررا ومعروفا، منذ أن قيل إن الرواية «ملحمة المجتمع البرجوازي» فمع تصاعد دور الطبقة المتوسطة، وقيامها بتحديث المجتمع، وتغيير بنيته الاقطاعية القديمة، واتجاهها لمركزة المجتمع المشتت، وخلخلة تركيبته المتخلفة وتحديثها، تبدأ الفنون الحديثة، وخاصة الرواية، في تركز أجزائها وبلورة كليتها العضوية، وقدراتها في استيعاب تطورات الواقع وتناقضاته. وتحدث توجهات عدة في عملية استيعاب الواقع، تبعا للمواقف الاجتماعية المختلفة والرؤى الشخصية ومستويات تطور كل بلد على حدة، و تتضافر تأثيرات فنية مختلفة، عربية وعالمية، في رفد هذه العملية المعقدة . ويبدو واقع الخليج العربي، بسيطا في تشكيل هذه العملية الاجتماعية الفنية، سواء من حيث حداثة النشاة الروائية، أو في قلة انتاجه في هذا النوع الإبداعي. فقد بدأت المدن الخليجية مؤخراً، مثل الكويت، المنامة، دبي، ابوظبي، الشارقة، الدمام الخ .. في التحول الى مدن عصرية كبيرة، وراحت بُنى الدول الحديثة تتمركز. وتنمو قطاعاتها الاقتصادية، وتتشكل طبقات حديثة راحت تنتج اشكالاً متعددة من الآداب والفنون . وكانت الكويت، والبحرين، مسرعتين في هذا التبلور الاجتماعي، ونمو الوعي الفني، نتيجة لبدء استخراج النفط فيهما مبكراً،وبسبب صغر حجم البلدين وتسارع نمو بنيتهما بصورة اكبر من الدول الأخرى، وتشكل طبقة متوسطة منذ العقود الأولى للقرن العشرين. ثم لحقتهما دولة الإمارات في عملية التطور الاجتماعي، وبصورة سريعة، وشاملة، مما أدى إلى تنامي أشكال الوعي الفني المختلفة في المنطقة. وتواكبت مع هذه التطورات نهضة الانواع النثرية وخاصة القصة القصيرة والمسرحية. فنجد أن بدايات الحركة القصصية القصيرة تلاح منذ الخمسينات، ثم تتدفق في السبعينات، وتتجه في أغلبها الأعم ، إلى التقاط نماذج مطحونة من البيئة وواقع الحياة، وعبر لقطات مكثفة على ظاهرات التحول. إن اللقطة الجزئية. والحدث الواحد ، والنموذج المسيطر، هي أساسيات القصة القصيرة، وهذا ما يقودها الى التركيز على الموقف الصغير، واللحظة المقطوعة بسياقات التحول الواسعة، وإشكالات المدن الحديثة العميقة، التي لم تعد فقرا ظاهرا أو مشكلات جزئية محدودة فقط . كما أن الوعي الفني في الخليج، راح منذ مدة طويلة، يشكل المسرحية، وهى البناء الدرامي المطول، عارضاً مجموعة من النماذج والأحداث في توليفة فنية، تستهدف عرض مشكلات المجتمع البارزة. إن هذا الوعي الفني نفسه هو الذي راح ينعطف بالقصة القصيرة، نحو القصة الطويلة، أو الرواية، في أعمال متناثرة، لكنها تعبر عن ذات الظاهرة التي يصادفها الوعي الفني في اسئلته المقلقة الحائرة عن التطور. إن بطء تشكل الرواية في الخليج، وندرة اعدادها، يعبر عن هذا النمو البطيء للتطور، والاتساع الهائل للصحراء والبادية، وضآلة المدن في هذا الامتداد الضخم، وغياب فاعلية الطبقات والمؤسسات الحديثة . فنجد أن دولة ضخمة كالمملكة العربية السعودية لم تشهد إلا ثلاث روايات في سنوات متباعدة من القرن العشرين، ثم لم تظهر الرواية في العقود الثلاثة الاخيرة من النهضة المتسارعة والكبيرة فيها. وكما أوضحنا فقد كان عامل التطور الأكبر في الكويت والبحرين، من الأسباب المؤدية لهذا النهوض الروائي فيهما. أن المدن البحرية الصغيرة، الكثيفة السكان، الواقعة على طريق تجاري دولي، وفي ظل تطور اقتصادي، وثقافي: متسارع ستشهد هي ميلاد ونمو الرواية. وسيكون لهذه النشأة المدينية بصماتها القوية على موضوعاتها واشكالها ومضامينها. فهذه المدن البحرية التي كانت جزءا أساسياً من نسيج مجتمع الفوضى، ستبدأ هي، قبل غيرها، في الانفلات من شبكة العلاقات الاجتماعية القديمة وبالإحساس بصدمة التطور والحداثة، أي ازمة التحول من نمط من العلاقات إلى نمط آخر. وكان للنمط الاجتماعي، بعلاقاته الأبوية، ونموه في أحضان الطبيعة «البكر» واشكال علاقاته الجماعية التآلفية والحميمة، ذكرى جميلة واصداء في جانب من الوعي الفني. كما سيكون لهذه العلاقات القديمة ذكرى بغيضة، في جانب آخر من الوعي الفني، سيرى سيرورة علاقات الاستغلال بين مجتمع غوص قديم ذي علاقات متخلفة، ومجتمع رأسمالي غريب التكوين، وحاد الميلاد. وكما نشأ مجتمع الخليج الحديث من وشائج المجتمع القديم، التي ظلت متشبثة بقوة، فيه، فإن الرواية ولدت من عوالم القصة القصيرة، دون أن تستطيع تماما، تكوين بنيتها المتبلورة. فكل منتجي الرواية هم، اساسا، كتاب قصة قصيرة، راحوا يطوعون البناء القصصي القصير لعمل روائي موسع، كما فعل وليد الرجيب في «بدرية» حيث حشد عدة قصص قصيرة في عمله الأول، وكما تفعل ليلى العثمان ، في توسيع بنية القصة القصيرة وتمديدها لتشمل موضوعات عدة، في حين يظل المحور القصصي واحدا، والشخصيات قليلة، واللغة الفنية مكثفة وموجزة . إن نمو الرواية من معطف القصة القصيرة، يدل بوضوح على بكارة النسيج الروائي الخليجي، وعدم وجود في خلفية فنية عميقة يستند عليها في تشكيلته المعاصرة . لهذا فإن معظم الروايات هي من النوع القصير، الذي لا يتجاوز المائة والخمسين صفحة، من القطع الصغير، إلا فيما ندر، ورغم ان روايتي علي ابوالريش: «الاعتراف»، و«الزهرة والسيف»، تتجاوزان هذا العدد، إلا أن بنيتهما الفنية تمتاز بالقصر، رغم الطول الظاهري لعدد الصفحات. فروايتاه الأولى والثانية رغم اتساعهما الكمي، إلا أن العديد من المشاهد القصصية والحوارات التعليقية زائدة، وكان يمكن ضغط بنيتهما الى درجة كبيرة . راجع فصل (حول التقنية والأحداث). ويمكن ملاحظة الطابع القصصي القصير المختصر، في رواية محمد حسن الحربي كذلك، حيث لا تتجاوز صفحاتها الخمس والثمانين صفحة. وهي تدور حول عدة شخصيات وأحداث، بصورة وامضة، سريعة، فلم تأخذ الشخصيات والأحداث العديدة، حقها من التشبع الفني. ويمكن ملاحظة سمة القصر والكثافة، في روايات خليجية أخرى لم تبحث هنا، كرواية امين صالح «أغنية أ . ص الأولى»، و«الجذوة» لمحمد عبد الملك وغيرهما. إن سمة القصر والتكثيف ليست سمات شكلية بحته هنا، بل مرتبطة بالتشكيل الإبداعي. فهذا القصر يقود الى عدم تشبع التحليل الفني للواقع. فالشخصيات القليلة والأحداث الصغيرة، لا تقوم بمد شبكتها الواسعة في الحياة، واكتشاف تعدد مستوياتها وصراعاتها وعوالمها الخفية ووجودها النفسي والروحي، بل هي تركز على جوانب صغيرة، كما فعل علي أبوالريش في روايته الأولى، حين ركزت الرواية على واقع الشخصيات الفردي، وانقطع علاقاتها بما هو خارجها، وحين اتجهت الرواية الثانية الى تحليل المدنية المعاصرة، ومقارنتها بعالم البحر فإنها وقفت على ضفاف المدينة وعوالمها . كما جاءت روايتا «وسمية تخرج من البحر»، و«المرأة والقطة» لليلى العثمان، مركزتين على حدث يعيش على ضفاف المدينة الخليجية المعاصرة. كان الحدث في الرواية الأولى مركزا على الاتجاه نحو، الحر، والغرق في عوالمه القديمة، الشفافة، التي غدت بديلا رومانسيا عن الواقع المعاصر. وكان الحدث في الرواية الثانية توغلاً في مستشفى أعصاب، عبر نموذج معاصر انكسر نتيجة سيطرة العلاقات الأبوية القديمة. فلم تكن العمة المسيطرة في الرواية، إلا البديل العنيف عن أب ضعيف. وهنا يسيطر موتيف الصراع بين الجدب والخصب، كموتيف تجريدي لا يأخذ لحمه ودمه، من نسيج العلاقات الاجتماعية الحية . ورغم أن هذا الصراع بين الجدب والخصب، القديم والمعاصر، قد سيطر على رواية وليد الرجيب «بدرية» إلا أن الروائي هنا، أعاد تشكيل هذا الموتيف من عصارة الحياة الشعبية ومن مرارة الأشياء المتعددة المتناقضة، فقد قام باكتشاف بنية المدينة الخليجية، وصراعاتها الاجتماعية ، بين البحارة الذين تحولوا إلى عمال، والنواخذة والطواشين، الذين تحولوا إلى رأسماليين وموظفين كبار . ومن هنا نجد هذه الحيوية التي تتسم بها رواية الرجيب، التى اتسعت مكاناً وزماناً، كسرت دائرة الانحصار في زاوية محدودة، وركضت شخصياتها بين البحر والمعمل والازقة والمدينة المتحولة النامية . ان رواية وليد الرجيب تقدم صورة واسعة للمدينة، ونسيجها الداخلي، عبر شبكة صراع شخصية وطبقية، كما تصور المهن والعادات والاحتفالات القديمة، بصورة سريعة أيضا ، وكأن «بدرية»، تحاول أن تصف وتعبر عن كل التطور الحاصل في المجتمع الخليجي، عبر ثلاثين سنة، وفي حجم صغير (عدد صفحات الرواية 132 صفحة من القطع الصغير). ولهذا فأن هذا الاتساع الكبير، وشمولية الرؤية، بين الماضي والحاضر، بين طبقات المجتمع المتناقضة، كان لا بد أن يكون له تأثيره على نوعية الشخصيات والأحداث، فقد غدت هذه منمطة ، تعبر عن العام الاجتماعي بدون الخاص الفردي، رغم محاولات المؤلف إعطاء لمحات شخصية متفردة. مثلما فعل تجاه شخصية بدرية التي صارت رمزا كاملاً لا شخصية حية متناقضة. وقد تمثل التنميط في أحداث الرواية، عبر هذا التناقض والصراع بين بؤرتي البنية الفنية، فهناك بؤرة للبناء الروائي، حيث القصة ذات الحدث الروائي غير القصير، المتسع . وهناك بؤرة التصوير التسجيلي والاحتفالي للحي الشعبي، التي حشدت فيها عدة قصص قصيرة . وليست الرواية الاماراتية بعيدة عن مسار واشكالات الرواية الكويتية. فلقد نمت الرواية الاماراتية بخطى صاعدة ، ولكن محدودة ومتقطعة. فرواية «شاهندة»، المبكرة عكست سمات قديمة في الرواية العربية ككثرة المغامرات والتحولات المفاجئة والانقلابات الحديثة والشخصية، بحيث ان الرواية لم تستطع أن تصور شخصيتها المحورية، بحيث ان الرواية لم تستطع أن تصور شخصيتها المحورية، من جوانب عميقة، ولم تستطع أن تتابع شبكة الشخصيات العديدة التي ظهرت ثم اختفت، عبر تعاريج وتضاريس الأحداث الغريبة الكثيرة. كذلك فإن المكان بدا متغيراً بسرعة الأحداث، حتى اننا لم نلم بمكان ذى حضور روائي هام. ولهذا فإن القرية البحرية المصورة – جنين المدينة الخليجية المعاصرة – سرعان ما تذوب أجوائها وتختفى شخصيتها، عبر هذا الطيران المتسارع للأحداث، وإذا كان علي محمد راشد يتابع هذه التقنية القديمة في الرواية الاماراتية والعربية، عبر سيطرة الاحداث السياسية العامة المتسارعة، وفي عدم التوغل داخل نسيج الشخصية والمكان والزمان، فإن روائيين إماراتيين آخرين يبدأون بتجاوز هذا المستوى الفنى. لقد بدا علي ابوالريش قريباً من هذا المستوى في روايته الأولى، لكنه امتاز بخصائص فنية جديدة ملفتة للنظر، فقد تناغم لديه التحليل الاجتماعي والسيكولوجي للشخصية، عبر لغة سردية – حوارية واسعة – ومتخلخلة إلى كميات الشخصية والحدث. ان «الاعتراف»، ذات النسيج الميلودرامي، والتي تحتوي على العديد من الخصائص رواية المغامرات والأحداث المفاجئة، قد امتلكت كذلك معماراً جيداً، عبر السيطرة على الحدث المركزي الثاني، لا الأول، وترابط الحدث والشخصيات، رغم تناقض بؤرتي الرواية، حيث كانت البؤرة الاولى تتركز حول انتقام صارم، والثانية حول زواجه وحبه وصداقاته، أن عدم السيطرة على هاتين البؤرتين وعدم اندماجهما معا في نسيج واحد متداخل، أدى إلى عدم وجود صراع ملتهب مفجر لنمو الحدث والشخصية. لكن روايته الثانية شهدت تطوراً هاماً، حيث سيطرت فيها بؤرة واحدة، هي الصراع في ذات سلطان – البطل المحوري، بين البحر والمدينة، بين الأصالة والمعاصرة، بين الشرق والغرب. لقد صار سلطان هو النموذج المركزي، الذي تدور حوله كافة جزيئات العمل وأحداثه وأمكنته، وعبرٌ هذا النموذج عن صراعات هامة في الحياة، رغم وقوف الشخصية، أيضا، على ضفاف المدينة، فنحن لا نجد إلا الصراع بين العمالة الأجنبية والمدينة العربية الخليجية، وكأن هذه المدينة تفتقد التناقضات الداخلية، التى تسربت منها العمالة الاجنبية. لكن وجود بؤرة مركزية صراعية متوترة أدى الى تطور اللغة الروائية عند علي أبوالريش وتناغم السرد والوصف والحوار مع الحالات الداخلية للشخصية ومحور الرواية. رغم أن مساحات التشكيل السردية الوصفية – الحوارية تطول احياناً وتتكرر بلا وظيفة فنية. وهذا ما يشابه في بعض جوانبه اسلوب علي محمد راشد في روايته التاريخية التسجيلية «ساحل الابطال»، التي تركز على عدم تناقضية المدينة الخليجية، ووحدة صفوفها، مما يشكل لوحة رومانسية خيالية، رغم الطابع الوطني والقومي المضيء لهذا التصور. ان هذا التوجه الروائي، كما في المثالين السابقين، لا يتغلغل في صراعات المدينة الخليجية ذاتها، وهو يضعها دائما في مواجهة التناقض مع الاجانب، سواء كانوا مستعمرين قساة أو عمالاً فقراء. لكن ثمة توجه آخر، في الرواية الاماراتية، يمثله محمد الحربي في روايته «أحداث مدينة على الشاطىء»، الذي يصور تناقضات المدينة ذاتها. فنحن نجد المدينة هنا كائنا اجتماعيا وتاريخيا ناميا، وليس شكلاً عمرانياً منجزاً ومادياً محضاً. فالروائي هنا يغوص عبر نماذجه الكثيرة، في هذه البلدة البحرية ــ البدوية المتحولة الى تجمع ضخم. وهو يصيغ عبر السرد الواسع هذه الشبكة من الشخصيات والأحداث. إن بذور مدرسة فنية أولية تتضح من هذا العرض. فاغلب النماذج المدروسة هناك تتجه الى تصوير الواقع ونقده. ان عرض النماذج المأزومة في القصة القصيرة يقود الى البحث عن الشبكة الواسعة لتشكيل البشر . فليلى العثمان في تجربتها الروائية تقوم برصد نماذج مأزومة، في واقع تسيطر عليه تناقضات مجردة: القديم/ الحديث، البحر/ المدينة، التخلف/ التقدم. فعبدالله البحار القديم لا بلدته البحرية الجميلة الإنسانية، فيقرر أن ينتحر متحداً بنموذجه الجمالي القديم، وحبه. ان هذا الانسحاب الاحتجاجي لا يتوغل في تضاريس الواقع المعاصر، ولكنه يمثل ادانة رومانسية عنيفة ضده. أما وليد الرجيب في «بدرية»، فإنه يتوغل في عروق الحياة، كاشفاً تناقضاتها الداخلية، وطابعها التاريخي المرحلي، وهنا تتضافر روح شعبية ساخرة واحتفالية، مع منهج تحليلي طبقي، يتعاونان في تشكيل رواية أكثر غوصاً في واقعيتها النقدية. ونلحظ عند علي أبوالريش ما نلحظه لدى ليلى العثمان، من تزاوج بين الواقعية والرومانسية، حيث يتجسد تناقض البحر/ المدينة، الماضي/ الحاضر، التراث/ المعاصرة، في ذات الروايتين «وسمية تخرج من البحر»، و«السيف والزهرة». ولكن علي أبوالريش يتوجه بصورة أكبر، لنشر الحياة، لتصوير الواقع بمظاهره البارزة، وكأنه يبدأ مشروعاً كبيراً لقراءة نقدية ودينية للمدينة المعاصرة. يشابه محمد حسن الحربي وليد الرجيب في الكويت، في بحثه النقدي التاريخي للواقع، وكشفه لصراعاته الممتدة من الماضي الى الحاضر، عبر لغة هادئة وتشكيلية للعالم. وتبدو رؤيته متخلصة من هذا الذوبان في البحر والماضي، ومتجهة بصورة أكبر، لقراءة تأثير البر والبادية على تكوين المدينة، وهو يوسع الطابع البدوي ويقرأه بصورة مترافقة مع التحليل الاجتماعي النقدي للتطور . ورغم هذا فلا تزال هذه الرواية الخليجية البكر على ضفاف التحليل العميق الموسع للواقع، لم تتغلغل بعد الى الطبقات التحتية الكثيفة له، وخاصة المستويين الروحي والنفسي، ولا تزال تمشي فوق تضاريسه الاقتصادية والاجتماعية المباشرة . ونظرا لكل ما سبق، فليس لدينا في النماذج المدروسة، تقنيات ابداعية الجديدة. أى مبتكرة، فهي تتركز على الاستخدام الموسع للسرد، الذي يبدو مكثفا وامضا عند ليلى العثمان، واجتماعيا ومعتمدا على تقارير البحث الاجتماعي عند وليد الرجيب، وواسعاً ومندمجاً بوصف وحوار – بلا فواصل – لدى علي ابوالريش، وواسعاً مسيطراً لدى محمد حسن الحربي. وغالباً ما يكون الحوار والوصف في تبعية شبه مطلقة للسرد. كما أن الاستبطان والحوار الداخلي كبير لدى ليلى العثمان وعلى ابوالريش، حيث يغدو داخل الشخصية، أهم بكثير، من الظاهرات الخارجية والرصد الاجتماعي، في حين أن الحوار الداخلي لا يمثل شيئاً مهماً واساسياً في تقنية وليد الرجيب ومحمد الحربي، حيث يتركز البناء على الخارج، والتطور العام. ولم نجد في رواية «بدرية» إلا حواراً داخلياً وامضاً وصغيراً، في حين أن حوار محمد الحربي الداخلي بدأ مفاجئاً ومنقطعاً عن بنية الرواية . ان رواية الخليج الحديثة ــ المبكرة، تبدأ خطواتها الاولى في فهم الواقع، وتشكيل بنية متضافرة، ولهذا فإنها لا تستطيع ان تسيطر على أدواتها الفنية تماماً، وهي تبدأ بتشكيل مفرداتها الاساسية اولاً كالسرد وتشكيل الشخصية وبناء المحور الواحد الأساسي للرواية، وتبقى مهمات جمالية اجتماعية كبيرة أمامها، للسيطرة على عالمها الفني.
ABDULLA KHALIFA
WRITER AND NOVELIST FROM BAHRAIN
♦ Abdulla Khalifa Al Buflasa (born March 1, 1948 in Gudaibiya, Manama, Bahrain – died October 21, 2014 in Manama, Bahrain) is a Bahraini left-wing novelist and columnist.
♦ Upbringing and Education: Albuflasa was born in 1948 in the Gudaibiya area of the Bahraini capital, Manama. He studied at the Teachers Institute.
♦ Career career: He worked as a teacher after graduating from the Teachers’ Institute.
♦ He joined the ranks of the National Liberation Front – Bahrain in the 1960s and became active in its ranks. He was arrested in 1975 and dismissed from his job and released from prison in 1981.
♦ He wrote short stories and novels since the late 1960s and has various contributions in literary criticism. He also works as a columnist for the Gulf News newspaper.
♦ Member of the Union of Arab Writers in Syria.
♦ Contributed to the conferences of the Arab Writers Union, and the first conference was in 1975 held the Algerian Republic and presented the search for the evolution of the short story in Bahrain I subscribe to it, and participated in the Conference of the Arab Writers ‘ Union in Tunis in 2002, research under the cursed n (The roots of violence in contemporary Arab life), He participated in a conference in the Arab Republic of Egypt in 2003, and a research under the title (Arab intellectual between freedom and tyranny). And many Arab literary conferences.
♦ Since 1981 he has worked in the social and cultural Press in the Bahrain and Gulf newspapers, and has been published in several Arab periodicals.
♦ He wrote articles and political and social studies on the history of Bahrain and the development of the short story.