أرشيف الأوسمة: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
الدين والمطلق
أفـــــــــــــــق
تـُثار في حياة الأمم الإسلامية مسائل (المطلق) بقوة شديدة في تحولاتها التاريخية الراهنة، وهي تحاولُ أن تجمعَ بين تقاليدها العريقة وأسباب الحداثة الضرورية، أي أن تكون لها جذور كي لا تذوب في الآخرين، وأن تكون باقية بتطورٍ مستمرٍ حتى لا تزول بتخلفها كذلك!
جانبان معقدان يشدانها في إتجاهين متناقضين، وفي خضم ذلك تـُطرح مسائلٌ شديدة الصعوبة والحرارة معاً.
ويتمثلان إجتماعياً بقوى تصر على الماضي وحيثياته ورفض التحول وركوب قطار التغيير، وأخرى تسحب الناس والأشياء نحو التغيير الضروري والسريع والمخيف؟
وفي هذا المجرد هناك الكثير من تجسيداته، فماذا نقول في ما هو موجودٌ في الكتبِ الدينية المقدسة من حديثٍ وتجسيدات للأرواح والشياطين وقوى الغيب المتحكمة في الوجود العياني، أي في حياة الناس الظاهرة والخفية؟
ماذا نقول في بعض أحكام دينية أخذت تتناقض بشكلٍ صريح مع تطورات الحياة الحديثة وما يُنتج من تقدم أصبح كاسحاً مطيحاً بالكثير من ثوابت الأمم؟
الرأي السهل لقوى التحديث السريعة والحادة هو أن نطيحَ بمجردات وغيبيات الأديان، فهذه كلها لا تحتاج سوى أن نقولَ بأنها خرافاتٌ وتخلف وعادات إجتماعية بالية.
إزالة البيت القديمة بجرافة وبناء بيت جديد. والأحكام والأفكار التي ظهرت في عصور قديمة وأخذت تناقض المساواة والعدالة الاجتماعية وعلوم الفيزياء والكيمياء تـُلقى من الحياة وتـُباد من عالم الثقافة!
ماذا نفعل في أفكار موجودة في الكتب المقدسة أخذت تـُعتبر أساطير مناقضة لأبجديات العلوم؟ كيف نعلمُ برموز دينية كآدم وحواء ونظريات التطور والأحياء ذات الأدلة الوثيقة والحيثيات الكثيرة تنكرها أو تقدمُ قصصاً مناقضة كلياً عنها؟!
بل ماذا نقولُ في سير الأنبياء والكتب المنزلة بما فيها من عجائبية ونسبية؟!
قوى التحديث الحادة والسريعة تقدم لنا ذلك الحل السهل، كما تقدم لنا قوى المحافظة الحلَ السهلَ الآخر وهو الإيمان بكل ما جاء به القدماء والسير على منوالهم وحذو أعمالهم!
المسألة صعبة وخطيرة ولا شك، وحلها ليس آنياً، وردم الهوة بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس كلامياً، بل هو فعل صناعي، لا يتأتى بسهولة لمن ليس في يده أدواتها ولا وسائل إنتاجها، هو فعلُ أجيالٍ كثيرة ومواقف مترابطة بين أناس كثيرين يعيشون في عصور مختلفة ومناطق متباعدة وتحكمهم مناهج متعددة.
إن ردمَ الهوة بين الثقافة الدينية والثقافة العصرية فعلٌ نضالي جماعي قبل أن يكون إنشاءات فكرية مجردة.
لكن لا بد من هذه الإنشاءات الفكرية التي تقود لذلك الفعل النضالي وتشاركهُ البناء.
الثقافة التقدمية السريعة الحادة ترفضُ الحفرَ المطولَ في أعمدة الأديان، مثل الإله والروح والنبي.
إن هذه المجردات والملموسات والعلاقات بينها، ضرورية عبر آلاف السنين. لم يقل بوذا إنه إله لكن الناسَ التي جاءتْ بعدهُ صيرتهُ إلهاً وهو إنسانٌ بسيط وعرّف نفسه بذلك ؟!
ولو أن العكس قد حدث وقال أنبياء المشرق عن أنفسهم إنهم حكماء لصيروهم فيما بعد أنبياء وآلهة!
وقد أدعى الملوكُ القدماء بأنهم آلهة دون أن يحتاجوا إلى ذلك وقد تملكوا الكثير من القوة والسلطان والخيرات؟
الألوهية والارتباط بها كانتا ضروريتين لآلاف السنين، فلماذا؟
في البداية كانت المادة الأولية الطينية التي تشكلتْ بها هذه العمارات الشامخة في التاريخ، وهي (الروح)!
ومادة الروح اللغوية تستند على راح ويروح وما هو مطلق في الحركة، وما هو خفي فيها كذلك!
الروحُ سادتْ في أفكارِ ما قبل الأديان لآلافِ السنين الأخرى أيضاً، فأنظرْ لبساطة الإنسان، وقد عبدَ المصريون القدماء (الخنفساء) هذا الكائنَ المتواضعَ عقوداً، على ضخامة ما بنوه من عمارة وما شيدوه من حضارة ؟!
فأحترمْ حتى جهالات الإنسان لأن فيها تاريخاً من العلم والمقاومة والبحث!
بينت الروحُ ضعف الإنسان ونسبيته، جعلته يرى كم هو زائلٌ وهشٌ في الوجود، فطالعَ دمَهُ وأمراضَه والماضين الكثيرين الذين رحلوا دون أن يتركوا أثراً في الوجود على كثرة أعدادهم وضخامة أخبارهم، ورأى كم تضربُ كينونتـَهُ الصغيرة هذه الدولُ العملاقة وتسحقهُ كنملة وكم تفقرهُ وتستغله ولا تعطيه سوى كسرة من خبز وهو العابر المحتقر! فأصيبَ بالرعب من الكون، ومن وجودهِ البسيط المتقزم، فتمسك بالروح التي لا تروح، تمسك بكيانات تجعلهُ مطلقاً سعيداً باقياً، وليس عابراً محتقــَّراً.
أين يذهب أطفاله الذين ماتوا دون أن يسعدوا؟ أين فرحه في هذا الكون وهو شقي بائسٌ في هذه الأنظمة؟ هشاشة الوجود الإنساني في أنظمة البؤس هذه أعطت الثوابت البشرية في الأحلام الدينية.
سادت عداوة تاريخية مرحلية بين الدينين اليهودي والإسلامي وبين الفنون بسبب ظهور هذين الدينين بين شعبين بدويين، كانا لا يزالان في المرحلة البسيطة من التطور، ومحاولة هذين الشعبين تجاوز الوثنية، وقيام الوثنية على تلك الفنون.
نقولُ (الفنون) خاصة بسبب أن الآدابَ أكثر تجريداً فهي فنون كذلك لكنها مرتبطة بصناعةِ الكلمة، وبالتالي لم تكن لها علاقة وثيقة بالوثنية، فالشعرُ ينشرُ فيه بعض الكلمات الوثنية، لكن من الممكن تحوير هذه الكلمات الدينية القديمة إلى الألفاظ المقدسة الجديدة، كما فعل العرب تجاه قصائد الشعراء (الوثنيين) كطرفة بن العبد وامرؤ القيس وعنترة وغيرهم، وهذا ما حدث لسجع الكهان كذلك.
لكن الفنون كان من الصعب تحوير الكلمات فيها، وشطب بعض المفردات لتستوي ذات قوام ديني إسلامي، فهي تماثيل لآلهات وآلهة معبودة، كما أن الاغاني والرقصت تحتفي بتلك الألوهية المفرقة.
كان القرار السياسي الأسهل هو شطب هذه الفنون كلية، لكن الشعر وهو حياة العرب من المستحيل شطبه، وقد ساعده بناؤه الفني اللفظي، الذي لا يُحطم، بل هو موجودٌ في العقلِ والذاكرة والروح، ومتصلٌ بمفاخر القبائل وأيامها، وهذه القبائل أكبر من الأوثان وأبقى في التاريخ!
فلا عجب أن سلمَ الأدبُ من شعرٍ وقصةٍ وأمثال من الانقلاب الديني الذي حلَّ بالأمة العربية وهي في طور قبليتها البطولية تقتحمُ العالمَ وتشكله!
وهذا الطور البطولي الشعري، حل محله طورٌ آخر، هو طور المدنية وطور النثر وطور الفنون، فلم تعد الأوثانُ سوى ذكرى غابرة، وقاد العربُ مجموعة كبيرة من الشعوب إلى عبادة الله، وابتعدت الفنون عن ماضيها، وغدت جزءاً من حياة الشعوب الإسلامية في تاريخها الحضاري الواسع المتنوع، وإذا كانت الفنون التجريدية المعتمدة على الخطوط قد غزت كتابة القرآن وعمارة المساجد وتشكيل الأبنية، فإن الفنون التصويرية قد انتشرت في الكتب والملابس والأقمشة والأواني الخ..
فكتبُ الملاحم ككتابِ عنترة بن شداد وكتب القصص ككتاب كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة كلها مليئة باللوحات، أما الرقص فقد واصل الرقص الشعبي حضوره وتنوع بتعدد الشعوب الإسلامية. أما الرقص ذو الطابع الاستمتاعي الشخصى فقد كان منتشراً فقط بين علية القوم نظراً لتكاليفه الباهظة!
أما الغناء فقد كان أكثر قدماً وحضوراً واتساعاً خاصة في مدن الحجاز من العصر الإسلامي الأول، ولهذا حين احتل الخوارجُ المدينة في إحدى غاراتهم منعوا الناسَ من الغناء فثاروا عليهم وطردوهم!
في أوج عصر الحضارة العربية اندفعت الفنون في كل جوانب الحياة، فإضافة للفنون التزيينية والبصرية بدأت الفنون التشخيصية في الانتشار سواء في الاحتفالات الصوفية أو المذهبية المختلفة أو في الفنون المجردة (الدنيوية) المحضة كخيال الظل والقرقوز وغيرهما، وهي أشكالٌ راحت تجسدُ الإنسان من خلال تمثله للرموز أو من خلال الأدوات الوسيطة كاللعب والمصابيح والظلال.
كان الفهم الديني التقليدي لا يزالُ عالقاً بهذه الظاهرات الفنية، وظل الخوف من تجسيد الإنسان حاضراً، وفيه جذور من المخاوف القديمة عن مسألة (الخلق)، لكن يتوارى وراءها خوف السلطات المختلفة من تمثل وتجسيد قضايا الإنسان.
إلى أن جاءت النهضة الأوروبية وصعدت من هذه الظواهر إلى التجلي الإنساني الواضح، فظهرت المسارح وصعدت الفنون إلى مستوى كبير.
ويلاحظ أن الفنون الراقية كانت دائماً أساس نشر التطور الأخلاقي الرفيع، وهي دائماً فنون محاصرة، في حين أن الفنون المتدنية القائمة على الحس الهابط ونشر الغرائز هي المروج لها، وهذا يتعاضد مع طابع التعليم والحياة الاجتماعية عامة، التي تجعل الناس في بؤس دائم لا يتحرك فيهم سوى الغرائز، بل يتصورون أن أي فن رفيع كالباليه بأنه فن غرائزي!
الفنون في الأديان
أضطر العرب المسلمون في نقلتهم الحضارية بين الجزيرة البدوية الصعبة ذات التاريخ المرير وإحتلالهم للشمال الزراعي الغني أن يختزلوا الكثير من المظاهر الحضرية ويشكلوا سمات حضرية خاصة بهم دون أن تكون هذه السمات متناسقة تمام التناسق.
من الجوانب البارزة في هذا الموقف الرسمي من الفنون، والموقف الرسمي هو الموقف المسجل في الوثائق الدينية المعتمدة للأنظمة السياسية التي تتالت بعد هذا.
كانت الشعوب القديمة الوثنية بطبيعة دياناتها تقدس الفنون، فهي مدار حياتها، فالإنتاج كالبذر والحصاد والصيد وبالتالي الأعراس والولادات والختان كلها تجري من خلال فنون الشعر والغناء والرسم والنحت، ولكن هذه الفنون تجري بتقديس الآلهة لهذه الشعوب، فهي جزءٌ من حياتها وإحتفالاتها.
وقد وجد العربُ المسلمون أنفسَهم مع قدومِهم لمسرح التاريخ في المنطقة بشكلٍ متأخر، أنهم يحاربون الوثنيات بقوة، وهي التي تمثل تعدديات الدول وتنوعها وسلطات المدن والقبائل والشعوب المتختلفة. ولم يكن مستواهم الثقافي في ذلك الوقت يتيح التمييز الدقيق والفصل بين ما هو وثني وما هو فني إنساني.
فلم يفصلوا بين محاربتهم للوثنية ومحاربتهم للفنون، التي كانت هي مندمجة فيها، بحكم التطور الطويل السابق، فظلت الأحكامُ الفقهية في الأجيال التالية دون معرفة العلل فيها، ثم تغيرت الظروفُ الوثنية المرتبطة بتلك الفنون، لكن الأحكامَ الفقيهة بقيتْ على حالها!
كان الساحرُ قديماً هو الفنان النحات والشاعر والراقص والصياد، ثم تخصصت صفاته في فنانين متنوعين، فالشاعر المغني أنفصل عن الساحر، ثم أن الشاعر كذلك أنفصل عن المغني وعن رجل الدين، لكنه انفصال غير تام وحاسم، فالثلاثة في علاقة متداخلة، كأشكال متقاربة من الثقافة، نظراً لأن الموسيقى والقداسة تجمعها.
فهذه هي كلها في عرف القدماء نتاج السماء أو وادي عبقر أو الروح أو الألهام، فرجل الدين يصنع الشعر ويغنيه ويؤثر من خلاله على الجمهور.
ومن هنا بقيت في الكنيسة المسيحية علاقة رجل الدين بالغناء، فهو إن لم يتحول إلى مغنٍ تماماً فهو ينشد، أو يقرأ بموسيقية ما، ويضعُ آلة موسيقية في الكنيسة، ويدعو المؤمنين للترتيل معه، أو الإنشاد أو الغناء.
المسيحيون كسكان مناطق زراعية متحضرة قديمة، لم ينشئوا دولة بسرعة العرب المسلمين، ولهذا احتفظوا بتقاليد فيها وثنية وتعددية إلهية وتراث موسيقي قديم، وأنتقلت تدريجياً إلى أوربا وبعد قرون ومع البعث النهضوي والترجمات الإغريقية تحولت إلى نهضة جديدة عالمية.
أما العرب فعلى العكس أرادوا أزالة المظاهر الوثنية بقوةٍ وسرعةٍ حتى لا تتفكك دولتهم الطرية، فعارضوا أي تذكير بالماضي حتى لو كان فنياً وإحتفالياً فرحاً، وكان يمكن لهذه الاحتفاليات والمظاهر الوثنية أن ترتبط كذلك بمعارضاتِ الشعوبِ ومؤامرات الأمبراطوريات الكبيرة المهزومة في ساحات القتال.
وفيما بعد حين زالت تلك المظاهر التاريخية السلبية المؤقتة، لم يكن بإمكان الفقه الحكومي المتصلب أن يقرأ ذلك على ضوء التحولات، وبقي في الموقف الرسمي وخاصة في الاتجاهات السنية، وكلما زاد في بدويته وشكلانيته قل تعليله للتاريخ الاجتماعي الديني.
لكن الشعوب الإسلامية لم تكن تعبأ بالموقف الرسمي الديني، فقد كانت شعوباً أدبية وفنية بحكم تقاليدها الطويلة وتجاربها الإنسانية، فانتشرت الفنون والآداب على نحو هائل فيها، فكانت أكثر الشعوب إنتاجاً وقتذاك في التراث الإنساني.
وقد حافظت كذلك على الوحدانية، لكن العلاقة بين رجل الدين والفنون ظلت متضادة، فحافظ رجلُ الدينِ المسلم على طبيعةِ الراهب المتشددة فيما يتعلق بالفنون في زمن الفتوح الإسلامية، أي ذلك الراهب المجافي للغناء والفنون عامة، خاصة الحركية منها والمرتبطة بالرقص فهذه أشد اقتراباً من الماضي الملغوم، الماضي المرتبط بالفنون المذمومة، والشهوات، وفقدان الوعي، من أجل أن لا ينزلق إليها المؤمن ولا يهوى في الوثنية، رغم أنها جميعاً غدت لا علاقة لها بذلك الماضي البعيد، وأن المسلمين انتصروا منذ زمن بعيد وأن تلك الروح الحربية لم تعد ابنة زمانها. لكن روح الأحكام العرفية مستمرة خاصة مع حكم المناطق العربية المحررة من هيمنة الدول السابقة، والتي كانت تزدهر بالفنون الوثنية لكن بعد إستقرار الفتح العربي تلاشت، وبحثت الفنونُ العربية الإسلامية عن الجمع بين التوحيد والفرح والرقص والتشكيل والمسرح والموسيقى.
لكن موقف الرجل الدين التقليدي أستمر وظلت معاداته للفنون قائمة حتى بعد زوال أسبابها. فهو يعارض كافة أنواع الفنون حتى لو كانت التجريدية منها وغير المرتبطة بالحراك الجسمي المبتذل، والمصعدة للنفس والروح في حالات إنسانية راقية. فيبدو له إن الفنون تخفي ورآها أوثاناً.
وهذا يعود لاستمرار الأحكام التقليدية الفقهية طوال قرون سيطرات الأسر الخاصة.
لكن ذلك يغدو مستحيلاً خاصة في العصر الحديث فالموسيقى تملأ الحياة والسياسة والعالم، والموسيقى لا بد أن تدخل في كل مكان، ومن هنا تنازل رجل الدين التقليدي للموسيقى الحربية أن تدخل عالمه، فهي تماثل روحه القتالية المستمرة، فاستعان بها للأناشيد والجنائز.
ولا شك أن قضية إدخال الموسيقى في الفرح والاحتفال ستظل هاجساً، وقضية خطيرة، بسبب انتشار الثقافة الغربية وأعتماد الموسيقى والفنون كمناخ إحتفالي اجتماعي جذاب، لكن هذه الثقافة تختلط فيها الجوانب العظيمة والجوانب المبتذلة، كما تغدو وسيلة إجتماعية لنشر المخدرات والجريمة في بعض الملتقيات. ومن هنا ضرورة الفصل بين هذه الأنواع وعدم التعميم.
النظر بموضوعية في تاريخ الإنسان
لا يمثل تاريخ الأديان سوى واحد بالمائة من تاريخ البشر، في حين تحتل الأسطورة الــ99% منه.
أما تاريخ العلم فحتى الآن لم يصل لشيءٍ من ذلك.
ولهذا حين ظهرتْ الأديانُ حاولتْ أن تخفف من الأسطورة بالاعتماد على بعضِ ركائزها.
تاريخُ العلوم الضئيل لا يعني عدم أهميته الجبارة ولكن نسبة وجوده في حياة البشر محدودة، وحتى في العصر الحديث فإن الاختراعات والصناعات هائلة لكن أن تتجسد كتاريخ فكري علمي في حياة الناس فهذا أمر آخر.
ومن هنا نجد أن تاريخ المجانين والطغاة والمرضى النفسيين وأصحاب الهلوسة الذين صاروا زعماء وقادة امبراطوريات وأحزاب وأشعلوا الحروب التي راح ضحيتها الملايين من البشر وكذلك الغابات والمدن والأشياء من الجماد والنبات، فهم أكثر بكثير من الفلاسفة العقلانيين.
وكذلك كانت الجماعات الدينية المهلوسة والعصابية والمجنونة بفكرها وسلطاتها وأحكامها الباترة بقتل البشر والتضحية بهم واستغلالهم أكثر من قطرات المحيطات وشعور الرؤوس في شتى الأزمنة!
فكما أن العلوم مثل قطرة في المحيطات، فكذلك العقل الإنساني لحظة وامضة نادرة في الوجود.
الإنسان كائنٌ خرافي، لا يعترف بأنه جزءٌ ضئيل من الطبيعة، أمه التي انقطع عن ثديها بأوهامه الخيالية، ومع ذلك فلايزال يعتبرُ الأسدَ ملكهُ في الغابة، والذئبَ رفيقه في حملاته لتصفية المعارضين، والحية سيدته التي تقدم له السموم،(وكان العسلُ المسموم مادة لتغيير التاريخ والحكام).
الإنسان الخرافي يستخدم شتى الأفكار ليجعل من نفسه الكائن المختلف عن الطبيعة، ولكن قوانينها سارية في جسمه، فأقل خطأ بيولوجي في تركيبه يحيله إلى عدم.
عاش الإنسان بأغلبية تاريخه على الأوهام، وذلك لأسباب موضوعية خارجةٍ عن إرادته ككائن، فالطبيعة مسيطرة عليه بميلاده وموته، وهي طبيعة ليست في خدمته، بل معادية له، لأنه نشأ داخل تطوراتها التي لم يتحكم فيها، فوجد نفسه داخلها، فراح يسيطر عليها بصعوبات جمة كثيرة خارقة، وتاريخه الحقيقي مبنى على هذه السيطرة المحدودة.
كما واجه من داخل تاريخه الإنساني عقبات لا تقل خطورة ومأساوية عن عقبات الطبيعة الضارية العائشة على لحمه وعقله، فظهرت أنظمة حيوانية طبيعية، وهي تاريخية مع ذلك، تنهش أيامه القليلة في الوجود، هي امتداد لحيوانية الأسد والذئب والحية، فغدا مثل نقطة الزيت على الصفيحة الملتهبة، فكيف ينتج منه فكر عقلاني؟
يغدو دفاع الإنسان الأول هو التمسك بالمعيشة البسيطة، أن يكون له منزل وعائلة وامتداد، أن يكون أعلى درجة من الجمل والضفدع، وحتى في هذه المكانة الحيوانية المتدنية فلا الطبيعة القاسية تتركه ولا الطبيعة الحيوانية السياسية تدعه يعيش بكرامة. فكلتا الطبيعتين لها البراكين والزلازل والفيض البحري والأمراض، وللطبيعة الثانية السجون والدكتاتوريات والحروب والتجارب النووية والأنظمة الباطشة اللامسئولة العداونية.
فيظل ملجأه الأمل والحلم الأسطورة والدين، هما يخلقان له عالماً سعيداً له أوله ونهايته، وقد يتحولان هما أيضاً إلى جزء من الطبيعة الحيوانية الباطشة، لأنهما جزء من تفكير الإنسان التاريخي، لهما دور نهضوي لإحداث تقدم في حياته، ولهما دور الزنزانة التي تعتقل قدراته وتحجم عقله، من أجل مصلحة القوى الحيوانية الاستغلالية التي حولتهما إلى دور تعطيلي بدلاً من الدور النهضوي.
ولهذا فإن تاريخ الإنسان بمعظمه هو تاريخ الحيوان الضاري، فانظر إلى جيوشه واسمائها، كيف أخذت من الحيوان رموزها، ومن الطبيعة الجائرة عناوينها: جماعة الفهود السود، والصاعقة، والرعد، والشهاب اللامع، والأسد، والضبع، والفهد الخ..
وأخذت من الطبيعة البعيدة اللامبالية بالمشاعر والقلوب والعقول رموزها، فقالوا دولة الشمس وحددوا الضباط بأنهم ذوو رتب من النجوم ليكرسوا فيهم الابتعاد عن الإنسان، وقالوا آلهة القمر ودولة القمر والتيجان ووضعوا النسور والمناشير والسيوف رموزاً في أعلامهم لتدل على الأسنان والمخالب الضارية!
فهي تعترف صراحة بأنها جزء من الطبيعة القاسية ومن الجماعة الحيوانية الآكلة لحم البشر!
وفي الخيال تقول انها غير ذلك، وهي الاكتمال والطهارة والقداسة، وهي دولة الوطن الواحد والقانون والدستور والديمقراطية!
لا تريد الدول أن تقول إنها جعلت الأسود تحكم لتنهش من اللحوم وتستأثر بالأموال وتتلاعب بأموال الفقراء الهزيلة، بل انها تضع أقنعة (إنسانية) فوق وجوهها وقد قال الشاعر (إذا رأيتَ نيوبَ الليث بارزة..)، وهو تعبير ليس عن مشابهة شكلية بيانية بل إدراك لطبيعة السلطات.
وقال العامي الفصيح (الذيب ما يهرول عبثاً)، فحتى هرولة هذا الوحش التي تبدو صنيعاً إنسانياً تستهدف اللحم الاقتصادي أو البروتيني، وقد تداخلت اللحوم.
وكما أن العلوم تمثل شيئاً رمزياً في الاحصاء العقلاني لتاريخ البشر اللاعقلاني والخرافي فإن الجهود المناضلة لأنسنة تاريخ الإنسان هي مثل ذلك، وربما أقل، لأن الجهود في تشكيل مجتمعات إنسانية خالية من الأسود والفهود وشموس المناجل والمطارق النازلة على جماجم البشر، هي نادرة وقلما تفلح وتصمد لأن الحيوانات البشرية تظهرُ بشكلٍ مستمر من داخل هذه الجماعات والمجتمعات بسبب قصور التنظيمات والوعي والمراقبة وتخلف أساليب الإنتاج لدى البشر عموماً.
فهذه الحيوانات البشرية تريد أن تستحوذ على الغنيمة الاقتصادية وتنهشها بسرعة وتحتفظ بها، وتجعل ذلك أسلوب عيشها وسيطرتها. وهذا يعتمد على مدى يقظة المذبوحين والمسلوخين والعمال، دجاج التاريخ الطازج، هل ينتبهون ويقاومون أم يتركون الذئاب ترعى في مرعى الغنم؟
الأدبُ الفارسي القديم والقومية
تمثل القوميات الكبرى في الشرق كالقومية العربية والفارسية والروسية عقداً أممية في التطور التاريخي الراهن لارتباطها بظروف نشأة دينية عسكرية توسعية، لا تقبل الانفكاك عن أشكال هيمنتها على الأقوام الأخرى الداخلة في سيطرتها.
وهذا يتجسد من خلال وعي ديني مقدس بطبيعة الحال لدى أصحابه، وقد ظهر الفرس على الهضبة الإيرانية وهم في صراع مع الشعوب الأخرى، وتمازجوا مع الأكراد والأفغان والعرب.
والشكل الفارسي ظهر وهو محاطٌ بثقافة العالم القديم، وأحتل أرضه وقاوم الغزاة وأعتمد على المجوسية كشكل ديني قومي خاص مميز، ولقد عبرت المجوسية بطقوسها الكثيرة المعقدة عن نظام العبودية العامة الشرقية، حيث النبلاء يفرضون سيطرة ساحقة على العامة الذين يعيشون في منزلة العبيد. وفي أثناء تحولها إلى امبراطورية وصراعها مع الأغريق لم تكتسب أي طابع ديمقراطي، ولكن التناقضات تعمقت داخل صفوف المجتمع الفارسي. ومثلت الاتجاهات المزدكية الداعية للمساواة والمشاركة في وسائل الانتاج محاولات فاشلة لإضفاء طابع شعبي على مملكة العبودية العامة هذه بدون جدوى.
وتتضخ ضخامة جذور الاستبداد العريق عبر الشهنامة حيث يسرد الفردوسي حشوداً من الملوك المتوجين في هذا التاريخ السرمدي المتصل بالآلهة، والمليء بالحروب والصراعات مع القوى البشرية والسحرية الشريرة.
لم تنكسر صوانية العبودية المُعّممة هذه إلا عبر شعب بدوي محتقر جداً في نظر الفرس، وهو الشعب العربي المسلم الطالع من الجزيرة العربية.
أعطتْ الطبيعةُ المختلفة كلاً من الشعبين تاريخاً مختلفاً، ففيما عاش الفرس على الهضبة تغزوهم الشعوب ويعانون طوال تاريخهم من الغزاة ويطلبون التوحيد ويقيمونه بحروب وصعوبات جمة ثم يفقدونه، كان العرب في جزيرتهم محمين يعجز الغزاة عن الدخول إليهم! فغدت العقد والمشكلات التاريخية بين القوميتين مختلفة، وأدت الظروف والثورات التاريخية أن يغدو هذا الشعب المُحتّقر في نظر الفرس محرراً لهم، كاسراً لقوقعتهم التاريخية التي عجزوا عن كسرها آلاف السنين. فهذا الشعب البدوي البسيط كان ديمقراطياً لا توجد به نبالةٌ معبودة، وجعلَ نبالتهم تذروها الرياحُ السياسية، ولكنه من جهة أخرى فرض عليهم سيطرته التي بدت متخلفة عن مستواهم الحضاري!
خلال قرنين من السيطرة العربية الإسلامية تداخل الشعبان، فبدايات الفتح العربية ذات الشعارات الديمقراطية الإنسانية تبدلت بسيطرة عائلات الأشراف والنبالة البدوية، وثورات الفرس للخروج الكلي عن السيطرة العربية والتي كانت بشعارات مجوسية وخرافية لم تستطع أن تؤدي إلى تقدم، وقد حدث تمازجٌ بين الشعبين وتداخلت الأفكارُ الدينية فتراجعت المجوسية وتغلغل الإسلام داخل العامة، الذي كسر لهم السيطرة الارستقراطية الحادة، وتجمع العرب والفرس كذلك ضد السيطرة الأموية التي مثلت لهم عدواً مشتركاً، بسبب بقاياها الاستعلائية وعنفها، ولهذا فإن أفكار المذاهب والأفكار المعارضة لتلك السيطرة في الجانبين العربي والفارسي تداخلت، ولهذا كانت الدعوة العباسية هي المزيجُ الارستقراطي الديمقراطي، الاسلامي الإنساني، لمقاربة الشعوب العربية الإسلامية في لحظةٍ تاريخية جديدة، وتمازجها لتكوينِ حضارة مشتركة أكثر تطوراً، وأدت الثورةُ إلى الانتصار وإقامة هذه الدولة المختلفة، التي لم تكن فيها سيطرة الأشراف العرب فحسب، بل كذلك صعدت سيطرة الأشراف الفرس وتداخلت في هذه الدولة، فصارت الخلافة عربية والوزارة فارسية.
وكما كانت القمةُ متمازجةً فقد تمازجت القواعد الشعبية، فقامت الفئاتُ الوسطى خاصة الفارسية العربية بدور كبير في بناء الثقافة العربية الإسلامية، وكشف لغتها وتقنينها وجمع آدابها وتطوير علومها المختلفةوالصعود بها إلى الفلسفة، فحدثت نهضة مشتركة، ولكن أسس الصراع والإختلاف بين القوميتين المتواريتين داخل المبنى الفكري الاجتماعي الديني ظلت موجودة، فالعرب الارستقراطيون كانت الثروة لهم، والجيش، وهم يعتمدون على الخراج المجلوب من الأرياف المختلفة للأمم والشعوب الإسلامية، ولهذا حين تحول الجيش بيد الاتراك ونضب الخراج وتراكمت المشكلات زال ذلك التحالف العربي الفارسي النهضوي وبدأ عصرٌ مختلف.
بالرغم من الصراع العربي الفارسي فقد تنامت إيران في ظل التطور العربي، مثل بقية المجموعات القومية التي تنامت في ظل إيديولوجية دينية واحدة معبرة عن وحدة بشرية كبيرة تعكس تطور الأمم في العصر الوسيط وحدود هذا التطور كذلك.
وذاك التنامي الفارسي الذي جرى تحت السيطرة العربية يتجلى في عودة اللغة الفارسية بشكل جديد وإعتمادها على المفردات العربية بشكل كبير، بعد قرنين من الفتح.
كان هذا تعبيراً عن التوحد والاختلاف، وبداية نمو القومية الفارسية داخل الوعي الديني الإسلامي. إن الفرس ذوي الحضارة القديمة المتصارعة مع الأقوام البدوية، والتي لجأت لتكوين قواها العسكرية بحدة خلال التواريخ السابقة تعود مرة أخرى لذات السياق بعد تنامي قواعد التطور وعلى أسس مختلفة من الثقافة الدينية، ولكن في سياق شمولي عسكري راح يلغي التوحد بين الأشقاء المسلمين.
إن الأدبَ وخاصة اللغة فيه يمثل مرحلة تكوين الأساس القومي الفارسي الذي ينتشر بين الشعب ويوحده عبر التاريخين الاسطوري والواقعي، وخاصة عبر رموز الأبطال، وهذا الأمر إستمر قروناً، حيث كانت الروابط تتنامى بين مختلف بقاع فارس.
وكانت الثقافة الإسلامية هي النسيج الآخر، وقد إعتمدت على المذهبيات الإمامية، وكانت الزيدية والإسماعلية قد بذرتا بذورَ المعارضة والاختلاف في التربة بين إعتدالٍ وتطرف، لكن كان النسيج القومي المتصاعد عسكرياً ينتج وعياً توحيدياً قوياً يفصم العلاقة تماماً مع المذاهب الإسلامية الأخرى.
لهذا حدثت إنعطافة شديدة على صعيد الأدب الاسطوري عبر شهنامة الملوك وعبر المذهبية الشيعية التي تم توجيهها في مسار مختلف إنفصالي عن العرب. كانت الحدة تعكس الموروث الاضطهادي والثورة عليه ولكن في التماثل معه. فالتوجه للهجوم على رموز العرب الدينية والاجتماعية يهدف إلى الانقطاع والبتر والاعتماد على العنف في العلاقة فلم تتشكل قراءة موضوعية، وتكوين المظلة الاسطورية يعكس المطامح الحادة لهذه المجموعات الهامشية وهي تندفع للسيطرة على دولة كبيرة.
كان هذا بمثابة (تحرير) وتطهير عِرقي وقامت به الحركة الصفوية التي جمعت بين (الصوفية) والتنظيم العسكري مؤسسةً الدولةَ بشكل عنيف مما جعل القبائل والمذاهب الأخرى التي تعرضتْ للتنكيل أن تتوحد ضدها وتهجم عليها في حرب أخرى كارثية وتزيلها.
لم تكن صوفيةً مماثلة للصوفية الفارسية الإبداعية بل كانت دورشة معبرة عن إنهيار العقلانية، والدخول في السحر وجرّ الجمهور بأشكال فيها شعوذة، وهذه ترافقت مع الروح العسكرية العنيفة معبرة كلها عن عودة قومية كاسحة.
(الصفويون هم آل صفويان: سلالة من الشاهات حكمت في بلاد فارس (إيران) سنوات 1501-1785 م. المقر:تبريز: حتى 1548 م، قزوين: 1548-1598 م، أصفهان: منذ 1598 م. وقد أسس الشيخ صفي الدين الأردبيلي (1252-1334 م) طريقته الصوفية في أردبيل (أذربيجان) سنة 1300 م. أصبحت أردبيل عاصمة دينية ثم سياسية لأتباعه (مع تحولها إلى حركة سياسية)، موسوعة ويكيبيديا.
الانتقال من الدونية والهوان إلى البطش يعكس المرارات التي تشكلت في أثناء هذا التاريخ الصراعي بين الفرس والقوميات الأخرى، وتعبر المذابح التالية عن خلق هوات كبرى بين القوميات في ظل الوحدة الدينية. إن هذه الدولة الصفوية عكستْ الانتقال من النقيض للنقيض، من التعايش إلى الحروب الاستئصالية.
ولهذا فإن الجهود البنائية لهذه الدولة الصفوية نفسها ضاعت حين تحالفت القبائل وقوى المذاهب المختلفة عنها وشنت عليها حرباً وأزالتها!
وفي رمزية الشهنامة دلالة على هذا، فقد قدمها الفردوسي لمحمود الغزنوي الحاكم السني، وهذا لم يرتح لها، وعلقَّ عليها قائلاً: لماذا جعلت رستم البطل الأوحد فيها؟ فردّ عليه الفردوسي: لأنني لم أجد بطلاً مثله! كان ثمة إمكانية للتعايش ولكن اللغة القومية المتعصبة شكلت الهوة، فظلَّ الفردوسي مُطارداً وظل الغزنوي مهيمناً ملغياً أشباح رستم إلى حين.
ستظل الدولة الفارسية في إشكاليات متعددة مع دول الجوار ومع تكون الشعب نفسه، منتقلة من كيان ذائب أو مفتت، إلى كيان مركزي حاد، دون أن تعثر على الصيغة الوسطى ولهذا أسباب عميقة كذلك.
الشبابُ والتراثُ
كيانان مختلفان متضادان من الشباب يمثلان قطعة معدنية صدئة واحدة.
كيانٌ أسرف في عبادة الماضي، فجثم في كهف افلاطون يرى أشباحاً ويتصورها تراثاً ورموزاً.
كيان آخر رفض الماضي جملة وتفصيلاً، ملابس عتيقة وأزهاراً قليلة.
بين الحوضين اليابسين عالم حديث معقد تغلغل فيهما وشوههما فرفعا السيوف الخشبية لحروب القبائل والطوائف الجديدة.
الجيل الرافض للماضي منبهر بالهايد بارك والمكتبات الكبرى التي لا تترك صغيرة وكبيرة بدون بحث، وتتسلط الكاميرات على أية نقطة معرفية قصية في العالم.
مبهور بالحضارة الحديثة حتى فقد ملابسه التراثية وخرج عارياً في الساحات!
أمطار المعرفة فوق رأسه سحب من لحيته في الصحراء وأُلقي في الجامعات الكبرى وبدلاً من الخيمة والعنز المحبوسة ترامت تحت قدميه أبسطة المعارف اللانهائية.
كيف يميز؟ كيف يقرأ؟ إذا حلل نصاً جلب العدة الغربية التي يحفظها وهرس بها النصوص، فترى الجداول تملأ الدراسات والدماء تشخب منها!
لا تكاد أن تعرف شيئاً من النصوص الأصلية وهو قد لبس آخر موضة ولم ير عامةً من بلده يسمعون هذا الهرج، والمحيطون به يحسبونه يتكلم لغة أخرى.
الآخر لا يزال في الخيمة، يمشي مع الإبل والبقر بين الدخول فحومل، يطلق النار على الأقمار الصناعية ويلقي بأجهزة التلفاز في البرية.
حين تتحول اللغتان إلى سياسة تصبحان جدولين آسنين طائفيين، كل منهما تمسك فتافيت من المواقف وتحركها حسب المصلحة وأشباح الكهف وثقوب الجيوب والرؤوس.
الوعي التحديثي له إمكانيات يمكن أن يستغلها في فهم العصر، لكنه يأخذ العصر بلا سيرورة تاريخية، ولا مراحل اجتماعية، ويربطها بحداثة غربية غير عميقة وغير متجذرة في التاريخ هي الأخرى، وهكذا تغدو الدراسات في الجامعات العربية نقلاً ميكانيكاً من الكراجات الغربية غير قادرة على السباحة في النصوص العربية.
النقل الميكانيكي مثل الكراجات القديمة قبل الحرب العالمية الأولى، ولا يستطيع النص السيار أن يمشي وينفجر من الحرارة أو البرودة.
هو كله شباب عتيق وكل يدعي بمعرفة بجهة من الواقع، جذور الواقع أو عصريته دون أن يمتلك أياً منهما.
الوعي التاريخي عند ابن خلدون
في التمهيد الأولى لكتابه «كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، يدعو ابن خلدون لتجاوز النظرة السردية للتاريخ العربي الإسلامي نحو نظرة تحليلية تعليلية له، فيقول: إن التاريخ: «إن هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمّى فيها الأقوال، وتُضرب الأمثال، وتطرف الأندية إذا غصها الاحتفال.. الخ».
ولكن هذا الظاهر السردي وراءه شيءٌ آخر:
«وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع، وأسبابها عميق»، إن هاتين الطريقتين تعمران عن نمو النظر التاريخي في الكتابة العربية، ولهما تاريخهما الخاص المرتبط بسيرورة الوعي والتطور الاجتماعي، ولكن ابن خلدون لا يقرأ تاريخ هذه الكتابة التاريخية على نحو تاريخي، بل على نحو ذاتى فهناك الفحول الذين كتبوا تاريخ العرب والإسلام وهناك المندسون:
«وأن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها، وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الماطل وهموا فيها أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها»..
يظهر الصنف الأول من الكتابة التاريخية أنه كتابة سردية خبرية بلا تحقيق وتتقيح، ثم ظهرت كتابة أخرى كتبها نفرٌ محدود مثل ابن إسحاق والطبري وابن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الأسدى والمسعودي وغيرهم كما يقول، ثم لا يقوم ابن خلدون بتتبع الكتابتين وسببيتيهما بل يتطرق إلى حكم عام تجاه أولئك المؤرخين:
«إلا أن الكافة اختصتهم بقبول أخبارهم، واقتفاء سننهم في التصنيف وإتباع آثارهم» وبهذا فإن ابن خلدون لم يقم بغربلة هاتين المدرستين، وتحولت المدرسة الأخيرة إلى كل عام، لم يُدرس للوصول إلى كيفية كتابة التاريخي بشكلٍ موضوعي.
وعبر هذه القفزات بين شكلين من الوعي التاريخي ومن ثم عبر تعمعم الشكل الأخير الذي يقول عنه إنه الخلاصة، يتناول بلمحات خاطفة الشكل الأخير من السرد التاريخي محدداً مداه، بأنه قام بتناول عموم الدولتين في صدر الإسلام، أو قام بتجاوز ذلك وتناول ما قبل وما بعد الإسلام، فيأخذ السرد التأريخي المذكور هنا المدى الزمني وليس بنيته الداخلية التحليلية والتفسيرية المفترضة. ثم هناك المثال الثالث وهو حين يقوم مؤرخون بالكتابة عن تواريخ بلدانهم، وكل هذه التواريخ في الكم الزمني والجغرافي، وليس في الوعي السردي التحليلي للتاريخ الذي كان يفترض من ابن خلدون كشفه وتحديد هياكله.
ثم يطرح ابن خلدون في ومضات متقطعة أسباب ضعف ذلك الوعي بالتاريخ، أى حين يدخل فى النسيج الفكري المنهجي المطلوب فيصف عمل المؤرخين بأنهم:
«يجلبون الأخبار عن الدول، وحكايات الوقائع في العصور الأول، صوراً تجردت عن موادها، وصفحات انتضيت من أغمادها.. إنما هي حوادث لم تعلم أصولها، وأنواعٌ لم تعبر أجناسها ولا تحققت فصولها»، فيتركز نقد ابن خلدون هنا حول الوقائع التي سردها بمترادفات عدة، فهذه الوقائع المسرودة لم تكن تمتاز بالدقة من قبل الساردين.
إن السرد التقليدي غير العميق للتاريخ يتركز حول الدول وقيامها واضمحلالها الخ..، وهو مرفوض لدى ابن خلدون فيغدو التاريخ عنده هو بحث في تاريخية الدول، ويُظهر أن الطريقتين السابقتين قبله في التأريخ هما طريقة واحدة، دون أن نرى أنها بنية منهجية مختلفة عن السابقة، فهي طريقةُ سردٍ غير دقيق للدول، حيث أن السابقين عموماً لم يجمعوا بين السرد السياسي وجانب آخر عظيم الأهمية حيث اكتشفه هو ورعاه وهو:
«وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللاً وأسباباً»، «وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها».
إن ابن خلدون يقوم بالسرد السياسي والاجتماعي مترابطين متداخلين، حيث كانت الطريقة فيما قبله هى فك الاتصال بينهما، حيث تبدو الدول لديه هى المظهر التاريخى الأولي، فهي أساس الحركة التاريخية، وهي لها أسباب اجتماعية، أما السرد التاريخي قبله فلم يكن كذلك حسب رأيه.
تترافق وخيوط المنهجية الوامضة الأولى تحديد لفصول الكتاب واختصاصه بتاريخ المغرب الذي تتواشج فيه تواريخ أمم أخرى ولهذا فإنه يختص بقراءة تاريخ الشعبين اللذين شكلا هذا التاريخ، «وهم العرب والبربر إذ هما الجيلان اللذان عُرف بالمغرب ماواهما، وطال عنى الأحقاب مثواهما»، وإذا كان مشتملاً على أخبار العرب والبربر، فإن الكتاب كُتب والعرب أهل حكم سابق لا راهن:
«لفناء العرب ودولتهم بها وخروجهم عن ملكة أهل العصبيات».
لا نستطيع أن نفهم التقلبات لابن خلدون دون أن نعرف جذور الهوية الفكرية له، فهو حين يتحدث عن الفضاء الاسلامي العام ستكون مواقفه متقاربة مع السلطة المركزية الإسلامية، ولكن حين تظهر الانقسامات في العالم الاسلامي، ويتشكل الجناح المستقل الذي شكلته القبائلُ البربرية (الأمازيغية) في شمال أفريقيا والأندلس فإن ابن خلدون سيعود إلى جذوره، وإلى انتمائه الثقافى.
وللتدليل على الموقف المناطقي الأمازيغي هناك متن الكتاب الأساسي الذي يعالج تاريخ المغرب من خلال وجهة نظر تقليدية تراجع فيها المؤلفُ عن منهجيته، والأهم هنا أن نلاحظ الكثير من المقاطع في المقدمة نفسها. فكل الظاهرات التاريخية السياسية التي شكلها البربر وساهموا فيها بشكل هام ، هي ظواهر إيجابية عظيمة في نظر ابن خلدون ، والأمر يبدأ من أهمية الدولة الفاطمية حتى إلى الأكلات المغاربية.
ويتصاعد الوعى بدور البربر وأهميته التاريخية حين يناقش في الوقائع التالية مسألة مؤسس الدولة الإدريسية ومؤسس الدولة الموحدية والدون الفاطمية وغيرهما.
يقيمُ ابن خلدون تراتبية خاص للحدث التاريخي ويتجلى ذلك أولاً في قيام العصبيات بدور المحرك التاريخي الأساسي، وثانياً يقوم هذا المحركُ بإنتاج مختلف أنواع السلطات، وثالثاً يتشكلُ من هذه السلطات البناء الاجتماعي العام والثقافة.
إننا هنا أمام نظرة لفهم التاريخ البدوي، أي كيف يقوم الرعاةُ بصناعة التاريخ. أي أن التاريخ هنا لا يغدو تاريخ الإنسانية، بل هو تاريخ العرب والبربر أو غيرهم من القبائل التي انضمت للعملية التاريخية ، كجماعاتٍ رعويةٍ أنشأتْ تاريخها عبر التكوين العشائري.
إن النظرة الخلدونية هنا هي تسجيلُ ما حدث ويحدث حينئذٍ من حراك اجتماعي مرئي للمؤرخ، فيغدو حراكُ القبائل في تصوره هو التاريخ والعمران ومشكل الدول والمعاش.
ومن هنا فهي تتطابق مع الفعل السياسي الرعوي السائد، أي أنها تقرأ ما فعله الرعاةُ، وكيف كونوا الأبنية الاجتماعية والثقافية، أي أنها تقرأ ما شكله المسيطرون، وليس ما شكله المسيطر عليهم، أي أن نقرأ تاريخ القبائل السائدة واضمحلالها، لا تاريخ الفلاحين الباقين عبر العصور، وكيف تمت السيطرة عليهم واستغلالهم ولكنهم لم يذوبوا.
فهي ترى العالم التاريخي من جانب المُشكلين والقاهرين للبُنى لا من جانب المقهورين. ومن هنا فهي ستعممُ قالبَ العصبيةِ ولا تقوم بتحليل عناصره الداخلية المتضادة.
فالعصبية القبلية كمحركٍ تاريخي أولي مطلق، سيكونٌ متجوهراً، أي خارج التناقض، والقبيلةُ حين تقوم بتشكيل التاريخ عبر السيطرة على المدن، لا يكون فيها تناقض داخلى، أي لا توجد بها مستويات اجتماعية متناقضة؛ فهي تتحركُ وتحكلمُ وكأنها جوهر مطلق، ثم يأتي التغيير والتفسخ ليس من داخلها بل من خارجها، عبر قيامها بالسيطرة على الدولة فتتآكلُ تلك العصبية بالغنى والبذخ والترهل فتأتي قبيلة أخرى وهكذا، يغدو التاريخ العربي والإسلامي وكأنه إعادة إنتاج مستمرة لهذه القبلية بمراحلها.
ومن هنا يغدو تاريخ القبائل حسب رؤية ابن خلدون، رغم أنه يمرُ بالتاريخ، كأنه خارج التاريخ كذلك.
أي أن تشكيل قبيلة قريش وعصبيتها هي نفسها عصبية قبيلة أخرى، لا أن يكون تاريخ قبيلة قريش مرتبط ببنية اجتماعية معينة، هي بنية عشائرية ما قبل العبودية – والإقطاع، هي غير قبيلة أخرى كونت سلطتها في زمن تشكل أسلوب الإنتاج الإقطاعي، أي أن المدى النهضوي الاجتماعي لقبيلة كهذه هو غير المدى النهضوي لقبيلة في ظرف موضوعي آخر، ولكن هذا لا يغدو مهماً في هذه الرؤية فالمهم هو طابع هذه العصبية المتجددة بغض النظر عن المراحل والتشكيلات التاريخية.
هذا من جانب المسيطرين أما المسيطرُ عليهم، فإنهم يبدون خارج هذا التاريخ، لكون الفلاحين انصهروا قبلياً وفقدوا العصبية القبلية ، ولكنهم كانوا قبائل لهم عصبية سابقة، وهم ينتجون حراكاً اجتماعياً مختلفاً، وهكذا فإن التاريخ يغدو أكثر تعقيداً وتركيباً ؛ من كونه نتاج العصبية القبلية السائدة فقط.
إن الحراكَ التاريخي لدى ابن خلدون سيكونُ بفعل العصبيات الرعوية السائدة، ولكن حين تكونُ في فترة نهضةٍ ومدٍ حضاري، وعندما ستتفسخُ، وتتحلل من الداخل، فستكونَ خارجَ رؤيته، التي راح فيها الحماسُ للسلطة ولاستمرار والعمران يتداخلان فيها بصورةٍ مركبة، فتغدو العصبيةُ الفاعلةَ هي الأثيرةُ عنده، ولكن حين تضمحلُ فإنه سيخرجها من عالمه.
وهذا يتطابقُ مع تطور القبائل البربرية في القبول بالإسلام ثم في صناعة شكلها الحضاري الخاص منه. فالإسلامُ العامُ يغدو قائماً على هذه العصبية، والموجاتُ التالية التي فيها قومهُ موجةٌ مهمةٌ من موجاتها، تغدو هي المرئية التاريخية في تسجيله وبصره.
أما الموجات غير العصبية، غير الرعوية، الغائرة و|لموثرة، فإنها تصير غير مُسجلةٍ وغير مفحوصةٍ تاريخياً.
تغدو الحضارةُ اذاً هي حضارةُ الرعاة في زمن عصبيتهم، أي في زمن تماسكهم القبلي، ولكن بعد ذلك حين يتحللون اجتماعياً فهم يدخلون دور الانطفاء والذل، ولهذا كذلك فإنه لا توجد حضارة في وعي ابن خلدون خارج التوهج البدوي هذا، فبعده انطفاء وموات.
ومن هنا كذلك فلا وجود لديه لأمم تسود فيها الزراعة وتقوم عصبيتها على المحراث، أي لن يستطيع أن يرى فعل الأقوام غير الرعوية، أي أن يرى فعل الأقوام الحضرية في مقاومة الرعاة، وفي إنتاج حضارتها.
هكذا يغدو التاريخُ الناهض هو من صنع العصبية القبلية وانطفاء التاريخ من انطفائها، ومن هنا لا يرى ابن خلدون الحراك التاريخي بأنه من صنع الجماعات الاجتماعية المتعددة التي تتضمن القبائل وكذلك الطبقات والأمم.
وبالتالي كان يصعب عليه أن يرى اللوحات المتداخلة بين الرعاة والفلاحين، بين العصبيات القبلية والقوى المنتجة، وكيف أن الفرس كانت عصبيتهم «القومية»، أو كفاحهم القومي، يتراءى داخل الثقافة العربية الإسلاميه؛ حيث راحوا يشقون لأنفسهم طريقاً خاصاً مغايراً داخلها ، مثلما أن البربر راحوا يشقون طريقاً خاصاً، ولكن من خلال السائد فيها، في حين شكل الفرس تلك «القومية» ضد السائد المهيمن داخلها.
وهكذا فإنه لن يرى التعقيدات في اللوحات المشكلة والإنتاج الثقافي المتكون في تلك المقاومة وموجاته المتعددة وكيف أنه راح يعيدُ تشكيلَ تلك الأمة بطريقة مختلفة.
إذن تعودُ جذورُ الرؤيةِ الخلدونية غير الدقيقة إلى فهمه لمسألة «العصبية»، فهو كما قلنا لن يرى القبيلة ذات تكوين اجتماعي متناقض، في مستوياتها الاجتماعية خاصةً، وكيف تنقسم إلى شيوخ وفقراء يشكلون قطبي القبيلة، ويقوم الشيوخ بالمحافظة على هياكل القبيلة التراتبية وثقافتها البدوية حين الانتقال إلى حكم المدينة، وهذه العملية تخضع للهياكل الاجتماعية العامة ومستوى التطور وجذور الأقوام المتصارعة الخ..
إن وحدة القبيلة تتشكل في ظروف الصحراء ولكن هذه الوحدة تتفكك مع تبدل ظروف الحياة، فتتصاعد الانقساماتُ الاجتماعية داخل القبيلة، والتطورُ يتعلق هنا بكيفية نمو العملية السياسية والاجتماعية، فالعصبية القبلية تشكل قوة مسيطرة مستبدة على السلطة، وإذا كانت تقوم بإنجازات نهضوية في البداية فإن التحكم في السلطة والثروة يقودان إلى كوارث ومشكلات تالية..
إن ما يراه ابن خلدون كسبب للتقدم هو أيضا سبب للتخلف والتفكك، وقيام حركات تاريخية مختلفة حسب طابع الأقوام والشعوب والصراع الاجتماعي الدائر فى قلبها.
وهو صراع قد يبدأ داخل رحم القبيلة ذات العصبية، ورؤية ابن خلدون لا تتبع هذه الصراعات الداخلية والانقسامات المتوارية داخل القبيلة، لكونه يرى القبيلة كجوهر مطلق، ورغم أنه يمشي في التاريخ، وتتم عملية رصد ظواهر عديدة منه بشكل موضوعي، إلا أن رؤيته كجوهر مفلق تمنع رؤية الاحتمالات المتعددة والطبقات المختلفة للتاريخ المتكونة من خلال ذلك.
وهذا ما حدث لقبيلة قريش حيث كان الصراع بين بني هاشم وبني أمية مبكراً فيها، وهو ما جعل التاريخ ينمو عبر الصراع بين هذين الفرعي القبليين، والاجتماعيين السياسيين المختلفين، لكن شجرة الصراع القبلي المتنامية ارتفعت عبر تغيرات اجتماعية كبرى.
إن الوحدة القبلية لا تنفي الصراع فيها، ولهذا فإن الصراع القبلي كشكل للصراع الاجتماعي، وكتعبير عن مستوياته داخل أسلوب الإنتاج، لن يظهر كحزئيةٍ من قوانين أعم، أي كتعبير عن قوانين الصراع الاجتماعي في ظل بنية اجتماعية معينة.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الوعي التاريخي عند ابن خلدون
http://archive.alsharekh.org/newPreview.aspx?PID=3089237&ISSUEID=18630&AID=421562
قلق التجنيس للنصوص الأدبية

كتب : الدكتور عمر عبدالعزيز
الاستنتاج المركزي الذي يمكن الوصول إليه من خلال تصفُّح النصوص الإبداعية السردية للراحل الكبير عبـــــــدالله خلــــــــيفة ، أنه فتح سؤالاً هاماً حول قلق التجنيس للنصوص السردية، فجسَّر المسافة بين التفارقات السردية الناجمة عن خصوصيات الرواية وأدب السيرة الذاتية والقصة، صولاً إلى النص المفتوح، بهذا المعنى اختار السارد العليم أن يكون شاهداً على تراسل الأنواع الأدبية، توطئة لتراسل أشمل ضمن المنظومة المفاهيمية الكلية النابعة من ثقافة عالمية، وذائقة فنية أُفقية.
هذا النوع من التصالح المفاهيمي مع الأنواع الأدبية اقترن بتصالح ضمني مع التاريخ، ولعل الشهادة الأكثر بروزاً في هذا الجانب تتمثَّل في الثلاثية الروائية عن الشهداء الكبار: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ذلك أن تلك العناوين استوعبت المعنى الدنيوي لممارسة المسؤولية، وكيف أنها تتقاطع جبراً مع الخلافات والاختلافات، ولكن دون أن تنقص من مثابة شهداء الأُمة التاريخيين.
ما أسميناه بتجسير العلاقة بين الأنواع السردية أفضى بالروائي الكاتب عبـــــــدالله خلــــــــيفة إلى استمزاج الدراما الجديدة المغايرة للدراما الدائرية التقليدية . . الباحثة عن العقدة المركزية في المصفوفة السردية، وبدلاً من ذلك انتهج خلــــــــيفة منهجاً مونتاجياً كتابياً يرى في الدائرة المركزية للأعمال السردية حالة من التوليدات الدائرية الأفقية . . تلك التي تذكرنا بما ذهب إليه السينمائي الإيطالي فيسكونتي في تجربته الدرامية المثيرة بعنوان «روكّو وإخوانه».
هذا التعامل الأُفقي مع الدراما اتصل ضمناً بالأسطرة، والواقعية السحرية المخصوصة بالطبيعة «العربســـلامية»، والتناغم الطردي مع التجارب الروائية الإنسانية.
د. عمر عبدالعزيز
مدير تحرير مجلة (الرافد) الثقافية .https://vimeo.com/abdullakhalifa
عبـــــــدالله خلــــــــيفة . . قلق التجنيس للنصوص الأدبية
البحرين في العصر الوسيط
كتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
أنظر كتاب عبدالله خليفه: إضاءة لذاكرة البحرين

لا بد لكي نعرف حياة البحرين في العصر الوسيط وتطورها، لا بد من إلقاء نظرة موجزة ومكثفة على الظروف العامة لتشكلها، ففي ذلك الحين كانت جزر أوال جزءاً حيوياً من إقليم البحرين الممتد من جنوب البصرة حتى مشارف عُمان، وفي قلب هذا الإقليم يقع ساحل هجر وجزر أوال، وما يحيطهما من صحراء وبحر. وهذا الإقليم وحده بين شرق الجزيرة والعالم الذي يجمع النقيضين وهما بحران من ماء عذب وملح أجاج، وقد جاء ذلك في القرآن الكريم.
ولكون جزر أوال جزءاً من إقليم البحرين فقد عاشت ما عاشه من صعود وهبوط، ومن نهوض ونكوص، وقد نشأت أسس المعارضة الطويلة في الإقليم بسبب الظروف التي لابست تطور الدولة الإسلامية، فقد جاء في معاهدة العلاء الحضرمي:
«هذا ما صالح عليه العلاء الحضرمي أهل البحرين على أن يكفونا العمل ويقاسمونا الثمر»، ولم تعجب أهل البحرين هذه القسمة فارتدوا مع من ارتدوا عن سيطرة المركز في المدينة، ولكن جعل الفتوحات الأولى لفارس عن طريق البحرين جعل هذا الإقليم جزءاً من عمليات الفتوح الكبرى وآثارها المختلفة، و في عصر الدولة الأموية تم تجاهل هذا الإقليم تماماً، حيث غدا جنوب العراق وخاصة البصرة هو مركز التجارة والاستيراد والتصدير، مما جعل الإقليم مهمشاً على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.
«أما الزراعة فكانت مزدهرة هي الأخرى خصوصاً فى ساحل هجر وفي جزيرتي أوال وتاروت، وتحيط بهذه المنطقة بادية كان يسكنها عبدالقيس وبكر بن وائل وتميم قبل الاسلام، وكان جل اقتصادهم يرتكز على الرعي والغزو أو أعمال القرصنة.»، (القرامطة بين الدين والثورة، حسن بزون، دار الانتشار العربي، ص64).
إن موارد الإقليم مهمة في الزراعة والرعي ولكنها تكاد تكفي للحياة الداخلية، فقد عرف هذا الإقليم بالفقر الشديد، ولكنه كان يرسل الخراج بصورة منتظمة إلى العاصمة دمشق ثم بغداد، مما جعله يتحول إلى مركز دائم للمعارضة والثورات، فأنتج الخوارج ثم القرامطة وهما أكبر حركتي معارضة في التاريخ الإسلامي والعالمي القديم.
إن هذا يعود إلى تأثرات القبائل الفكرية والسياسية البحرينية موجات المعارضة الكبرى التي كانت تنتجها إيران، والتي كانت تمر أو تختمر في جنوب العراق، ثم تنموي في إقليم البحرين البعيد عن السيطرة المركزية.
فقد عرفت قبائل عبدالقيس وتميم خاصة بالصلة المستمرة بالسواحل الفارسية، نظراً إلى تداخل المصالح والهجرة والانتقال السكاني المتبادل على مر التاريخ، ولم تكن هذه المنطقة ذات كثافة بشرية كبيرة، فأثر فيها الفرس وحكموها ردحا طويلاً من الزمن.
وقد تأثرت قبيلة تميم خاصة بالأفكار الثورية القادمة من فارس، خاصة أفكار المزدكية والمانوية، وعبر هذه القبيلة تغلغلت أفكار الزهد عند بعض الشخصيات التاريخية العربية، لكن هذه القبائل عندما رأت الحكم يتركز في قريش أعلنت التمرد، وطرحت شكلاً شعبياً للحكم رفضت فيه الاحتكار القرشي، ثم تحولت هذه العملية إلى حركة سياسية كبرى، انتقلت من العراق إلى موطنها الطبيعي، ومركز قبائلها وهو إقليم البحرين، الذي قام بحماية الحركة على مدى قرون في حين كانت الحركة تذوب وتتلاشى في الأقاليم العربية الشمالية. ولعل حركة التمرد الطويلة هذه من الأسباب التي زادت هذا الإقليم فقرأ على فقره. وأخذ ينعزل عن حركة التطور الاقتصادي الواسعة في الامبراطورية الاسلامية حينذاك.
لا نستطيع أن نفعل كما يفعل المؤرخون والباحثون بالتركيز على العوامل الفكرية باعتبارها الحرك الأكبر لبعض سكان إقليم البحرين بالتوجه إلى حركات المعارضة العسكرية الكبرى، بل نرجعها إلى ظروف الفقر الشديد والشظف والبداوة والحرمان وعزل المنطقة عن التجارة المزدهرة وعن الإصلاح التي جعلت هؤلاء السكان يتعاطفون بسرعة شديدة ومخيفة مع أية أفكار ثورية وفوضوية ومعادية احياناً للعرب والإسلام بصورة غريبة.
فمن الصعب تصديق الرواية القائلة إن أبا سعيد بن بهرام الجنابي مؤسس الدولة القرمطية في البحرين شخص يمثل أفكاراً كبيرة وناضجة، فنحن نجد الرجل يلتقي حمدان الأشعث ثم يعتنق الأفكار التحولية هذه ويندفع إلي البحرين في ظرف زمني قصير ثم يشكل دولته العتيدة.
ولكن إذا حاولنا تفحص هذه المسالة بدقة، فسنجد ان أبا سعيد كان شخصاً مغامراً يبحث عن فرصة سياسية للصعود، وهو بدلاً من أن يتجه إلى دعوة فكرية طويلة نراه يبحث عن قبائل الغزو والجريمة لكي يضمها اليه:
«وحين توجه أبوسعيد الجنابي بالدعوة إلى العرب أجابه بنو الأضبط من كلاب.. وهؤلاء ليسوا من قبائل البحرين القديمة.. فجمعهم أبوسعيد فضم إليهم رجالاً وساروا فأكثروا من القتل»، (المقريزي، اتعاظ الحنفا، نقلاً عن المصدر السابق، ص67).
هكذا نجد أبا سعيد وهو يشكل حركته من القبائل المجهولة ومن قطاع الطرق، وكانت أول حركة سياسية عسكرية له هي تدمير مدينة هجر، «ولم يوفق بالسيطرة عليها إلا بعد أن قطع الماء عنها وفر بعض أهلها في البحر ودخل بعضهم دعوته وخرجوا إليه وبقيت طائفة لم يفروا لعجزهم ولم يدخلوا في دعوته فقتلهم. وأخذ ما في المدينة وخربها فبقيت خراباً وصارت مدينة البحرين هي الاحساء»، (المقريزي، عن السابق، ص 68).
وفي حين نجد الحركات الثورية والإصلاحية تقوم ببناء المدن وتشكل نهضة مدنية، نرى أبا سعيد يبدأ تاريخه بهدم مدينة عريقة، عبر تحالفاته مع القبائل الفقيرة والأعراب وتحويلهم إلى قوة عسكرية ضاربة، وجعله الغزو المدمر علامة لسياسته التخويفية.
بطبيعة الحال هناك تشنيعات كبيرة بحق القرامطة، لكن ثمة خيطاً من الحقيقة في هده العمليات العسكرية الإرهابية. فالرجل بعد إنشائه مدينة الإحساء طور الحياة الاقتصادية عبر إصلاح المزارع ومساعدة الفقراء المحتاجين وجعل الإحساء عاصمة كهجر السابقة، وفي رأيي فإن أبا سعيد لم يفعل ذلك إلا ليؤمن الجبهة الداخلية لنظامه العسكري استعداداً لجعل سياسة الغزو المورد الاقتصادي الحقيقي والواسع للدولة.
ويا ليته كان غزواً يؤدي إلى توسع الدولة ونمو علاقاتها وتطور مدنها وثقافتها ويشكل انقلاباً حضارياً في جسم الدولة العباسية الشائخة والمتعفنة وقتذاك، بل كان الغزو هجمات على المدن بغرض السلب والنهب، فحين غزا القرامطة البصرة سنة 307 هجرية «نهبوها وقتلوا وسلبوا أهلها»، «وضعوا السيف في أهلها وأحرقوا البلد الجامع ومسجد طلحة وهرب الناس وألقوا بأنفسهم في الماء فغرق معظمهم». (النجوم الزاهرة،ج3، ص 197).
لا نستطيع أن نفهم هذه العمليات العسكرية بغرض البناء السياسي وإنتاج بديل لنظام قديم أو نعتبرها محاولات لتشكيل نظام في حالة من البحث والمخاض، فهؤلاء الغزاة لا يحملون فكراً أو علاقات اقتصادية وسياسية جديدة، إنهم مجموعات من قطاع الطرق وقبائل الغزو والإغارة، فقد كان بالإمكان حكم البصرة وإعطاء سياسة اقتصادية جديدة ومفيدة للمدنية، ولكنهم لا يملكون هذا الوعي لقراءة واقع وحياة المدينة، وبالتالي استبصار مسار الدولة العباسية وتقديم بديل لدولة إقطاعية شائخة. أي لو كان هؤلاء متطورين فكرياً واقتصادياً لوضعوا التاريخ العربي على مسار آخر.
كان البديل سوف ينتج لو أنهم حرروا فلاحيهم البحرينيين من الاستغلال والإقطاع، ولكن نظام السخرة والعبودية واستغلال الفلاحين ظل مستمرأ، فكان هناك «السادة» وهي الفئة الحاكمة التي تملك العبيد والخزائن والأراضي والمطاحن، وبقربها طبقة من الملاكين الخاصين، وفى القاعدة جمهور الفلاحين والعبيد والبدو.
كان توسع القرامطة في استخدام العبيد تعبيراً عن فقر المنطقة في إنتاج علاقات اقتصادية متطورة وثقافة متطورة، وكان الاعتماد على القبائل الرعوية المتخلفة يجسد كل ذلك.
تبدو ضخامة أخطاء القرامطة في كثرة الحروب والموقف من الدين، والوجهان معبران عن رؤية داخلية متأزمة.
ومنذ أن تكونت بنية اقتصادية في الإقليم والدولة توجه طاقتها نحو الحرب التي اتسعت رقعتها ; من شن الهجمات على العراق وسوريا حتى مصر، ثم السيطرة على طرق الحجيج، وكل هذه العملية الاستنزافية هي من أجل المال، نظراً إلى أن دولة القرامطة كانت ذات موارد محدودة ومشروعاتها العسكرية لا تتوقف.
وفي الحروب لم تكن لها مواقف ثابتة، فكانت هجماتها الأولى لسلب المدن العراقية الجنوبية، ولم تطرح على السكان تبديل نظام الحكم، والعمل من أجل مشروع سياسي جديد، لأن حكام الدولة لا يمتلكون أي تصورات مهمة.
واضطراب المؤرخين والباحثين بكون حركة القرامطة منبثقة من الاتجاه الإسماعيلي أو الاتجاه الحنفي، أو انها جاءت تحت تأثير الثورة البابكية التي انفجرت ضد المأمون ومن بعده من الحلفاء، فكل هذه المحاولات للبحث عن شخصية فكرية هي غير مجدية لأن الحركة بلا هوية عميقة، فهي نتاج مجموعة سياسية عامية، ازدادت عاميتها وأميتها الفكرية مع اندماجها المتواصل مع أعراب الجزيرة، واعتمادها على اسلوب عيشهم المتكرس بالغزو.
ويبدو غياب المشروع والأمية والعدمية الثقافية من اعتماد العنف وسيلة للبقاء، وكذلك الهجوم على الدين، ويبدو الهجوم هنا ليس نقداً أو تحليلاً واكتشافاً لجذور الأديان في المنطقة، ومعرفة سببياتها وأهدافها، بل هي عملية إنكار أمية لها، تتجاهل شعائرها وقراءة أفكارها، ثم تصبح استهزاءً بها وعنفاً ضد مظاهرها.
انها أرستقراطية من نوع جديد، فهي قطع مع التراث بصورة دكتاتورية، وهي تعال على المؤمنين ومقدساتهم، وسيطرة عنفية على حياتهم وتوجيهها نحو الحرب.
ومن هنا نجد الفاطميين أصحاب مشروع فكري وتنظيم توحيدي بينما هؤلاء مجرد قطاع طرق تاريخية، ولهذا كان لا بد أن يصطدم الفاطميون والقرامطة، فالقرامطة كانوا يخربون المشروع السياسي التوحيدي الفاطمي، ولهذا كان الإسماعيليون مؤمنين إسلاميين، لهم رؤية خاصة في هذا الإيمان، أما القرامطة فأناس عدميون لم يستطيعوا أن يشكلوا لهم رؤية خاصة في الإسلام، لأن تشكيلهم لرؤية إسلامية خاصة يعني تجذرهم في المنطقة واستيعاب تراثها وطرح برنامج ما لتحويلها، وإقامة علاقة بالمؤمنين، وحماية أرواحهم وليس هدر دمائهم.
ويبدو لي ان القرامطة هم أناسٌ من بقايا ومتشردي الحركة البابكية، الفرس الذين انتقلوا إلى الضفة العربية بعد فشل مشروعهم في ايران، ولهذا نجد معظمهم بأسماء فارسية، كأبي سعيد بن بهرام أو دادويه أو حسين الأهوازي الخ ثم واصلت القيادة القرمطية حياة العزلة العميقة عن المحيط العربي مع هيمنتها على الأموال والأرواح.
وقد وقعت جزر أوال مثل بقيه إقليم البحرين في قبضة القرامطة، لكنها لم تكن عاصمة الحكم، وفي مركز القرار، فهي ثالثة الأثافي بعد الأحساء والقطيف، وقليلة هي الإشارات التي نجدها في الكتب القديمة عن جزر أوال، واسم أوال هو في الواقع يعبر عن مرحلة من التداخل بين انتهاء العصر القديم والعصر الوسيط. وهناك اشارات محدودة لاسم أوال في هذه الدراما الرهيبة :
في سنة 361 هـ – 972 م وقعت في إقليم البحرين الذي يسيطر عليه القرامطة ثورة سابور الذي كان أكبر أولاد أبي طاهر الجنابي، قائد الدولة البارز والراحل، وسابور واخوته كانوا قد أبعدوا عن الحكم، فلم يرض سابور بذلك، وقام بانقلابه الذي لم ينجح فيه، فأودع هو واخوته جزيرة أوال.
وقد وجه المعز حاكم مصر رسالة شديدة اللهجة إلى الحسن الأعصم الحاكم يحتج على وضع أولاد أبي طاهر في السجن بجزيرة أوال، [الإسماعيليون في العصر الوسيط، فرهاد دفتري، ص55، دار المدى].
لا يعني ذلك ان أوال كانت سجناً فقط، بل كانت كالقطيف وجزيرة تاروت تجمع بين الزراعة والغوص من أجل اللؤلؤ، وتقوم بإرسال دخلها إلى الاحساء. ومن هنا كانت كبقية أجزاء الدولة القرمطية توظف أموالها لحروبهم التي تستنزف الموارد القليلة.
ان انعدام الآثار للدولة القرمطية يتضح في جزر البحرين التي كانت بعيدة عن منطقة حروبهم، فلو كانت لديهم مؤسسات عمرانية وآثار لظهرت فيها وبقيت. ولهذا نجد الدول التي جاءت بعدهم تترك آثاراً رغم الفترة القصيرة التي مرت بها في هذه الجزر كالعيونيين والبرتغاليين.
ونلاحظ كيف بدأت القبائل المحلية الراسخة كعبدالقيس بحكم المنطقة بعد زوال حكم القرامطة، التي حافظت على الإرث العربي الإسلامي بشكله التقليدي، وحين أيدت النزعات الانفصالية كانت تتجه في الواقع إلي أن تحكم بنفسها في خاتمة المطاف. وهو الأمر الذي جعل القوى التقليدية القبلية تعود إلي حكم مناطق الجزيرة العربية المختلفة.
لقد ترك حكم القرامطة والخوارج قبلهم اثراً سلبياً بسبب جرهم المنطقة إلي أتون الحروب الإقليمية، ولهذا غدا المناخ الفكري معارضاً لأية نزعات مغامرة جديدة، وأخذت الاشكال الفكرية التقليدية تنتصر عبر صراعات داخلية عنيفة، كما أن القوى الأجنبية لم تدع هذه المنطقة تنمو وتستقل بمواردها. وهذه من عوامل ضعف المنطقة الفكري بعد كل ذلك الإرث المعارض الطويل.
لقد ثارت القوى القبلية والمناطقية المختلفة على حكم القرامطة، واستطاع احد القادة البحرينيين، واسمه العوام بن محمد بن يوسف والملقب بــ «أبوالبهلول» أن يقود ثورة أطاحت بحكم القرمطي، فبدأت القوى الأخرى في قلب الدولة بالعمل لتجاوز هذه الحقبة، وكان بروز العيونيين من عبدالقيس تعبيراً عن التتويج الأخير لعملية انفصال إقليم البحرين عن الخلافة العباسية، وقيام القبائل في الجزيرة بحكم المنطقة، لكن هذا لم يدم طويلاً مع تدخلات الفرس ثم مجيء الاستعمار الاوروبي.
الاستغلالان الفارسي والبرتغالي لم يضعا أي أسس لنهضة محلية، فقد ظلت فوائض الموارد الزراعية والغوص تتوجه إلى الخارج. كما أن الحروب الجديدة والتدخلات المستمرة جعلت جزر أوال تفقد مدنها، يقول النبهاني: إنه كانت بالبحرين ثلاثون مدينة عامرة أغلبها دمر بالحروب. وكان الريف بالبحرين يصل إلي جبل الدخان كما يذكرون.
ويعود بناء مسجد الخميس إلي هذه الفترة، أي فترة ما بعد الدولة القرمطية، وليس كما هو شائع بانه مسجد بناه عمر بن عبدالعزيز. وفي بناء هذه المسجد إشارة إلى انقضاء عهد، وحلول عهد آخر.
لكن العيونيين لم يستطيعوا أن يستقلوا بالمنطقة التي وقعت في هيمنة الحكم الفارسي، بعد التنامي المستمر في الاستقلال الإيراني والتغلب على المغول، فواصلوا إرسال الخراج ولكن هذه المرة إلي فارس. ثم أضيف الحكم البرتغالي بطريقة استغلاله الشرهة والخارجية للبلدان التي يستعمرها إلي قائمة المحتلين.
ويروي مؤلف بحريني عن كتاب عربي ان الامير مقرن بن زامل الجبري حاول في عام 1521 صد هجوم البرتغاليين على جزيرة البحرين إلا أنهم قبضوا عليه وأخذوه أسيراً بعد معركة ضارية، (عبدالرحمن سعود مسامح، مقدمة في تاريخ البحرين، ص 342).
كان عجز الجزيرة العربية عن إنتاج حركة عربية مستقلة يعود إلى ذلك التدفق البشري الطويل خارجها، وإلى عجز حركات المعارضة عن التخلص من ميراث الغزو وحروب الكر والفر، ووقوع المناطق الساحلية الغنية نسبيا أي إقليم البحرين والحجاز في التبعية لخارج الجزيرة العربية.
ولم يشكل الاستعمار البرتغالي تحدياً كبيراً للسكان، حيث نأى عنهم في قلاعه وسيطرته الخارجية. ولهذا لم يؤد إلى احتكاك عميق، وخرج وهو لم يترك من بصمات سوى حصونه المخربة.
وفي القرن الثامن عشر حيث نشبت أزمة اقتصادية خانقة في الجزيرة العربية أمكن لمجموعة من القبائل أن تهاجر إلى الساحل الشرقي وهي قبائل العتوب، التي غيرت التركيبة السكانية والسياسية في إقليم البحرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌴 الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الاسلامية, المجلد 2 ص 149.
✍ البحرين في بدء التحديث
✍ فائض القيمة البحريني
✍ القحط في زمن النفط ✍ البحرين جزيرةُ الحريةِ الغامضةِ في العصر القديم ✍ الرأسمالية الخاصة في البحرين ✍ تحدياتُ العلمانية البحرينية ✍ الطبقة العاملة في البحرين ✍ الليبرالية في البحرين ✍ اليسار في البحرين

