عبـــــــدالله خلــــــــيفة واحد من المبدعين المميزين في مملكة البحرين, فهو يكتب القصة والرواية, إضافة إلي الدراسات النقدية الأدبية والمقال الصحفي,له العديد من الأعمال المميزة التي يسهم بها في إثراء الحركة الأدبية بالبحرين وإنضاجها حتي تتحول البحرين إلي منتج أدبي حقيقي ومميز في المنطقة العربية سواء هي أم منطقة الخليج بشكل عام…..وعبـــــــدالله خلــــــــيفة واحد من مثقفي البحرين المناضلين من أجل وضع أسس الديمقراطية وإعلان دستور وطني هناك, وذاق مرارة السجن السياسي عقب إلغاء المجلس الوطني البحريني في منتصف سبعينيات القرن الماضي.
من أهم أعماله القصصية مجموعة دهشة الساحر وسيد الضريح ويوم قائظ أما رواياته فقد أصدر ما يقارب العشر روايات منها اللآلئ والقرصان والمدينة وأغنية الماء والنار والضباب وأخيرا رواية الينابيع في جزءين والجزء الثالث تحت الطبع الآن, أما دراساته النقدية فقد شملت الإنتاج الأدبي الصادر من جميع أنحاء الوطن العربي, إضافة إلي أدب الطفل.
وفي واحدة من زياراته المتعددة إلي دبي جلست إليه في محاولة للاقتراب منه والتحدث معه حول أعماله وإسهاماته الأدبية ورؤيته النقدية لإبداع الخليج, سألته في البداية عن سبب ندرة الأسماء الخليجية المنتشرة عربيا في مجال القصة والرواية مما يؤدي بطبيعة الحال إلي قلة الأعمال الخليجية فقال:
➽ الحقيقة أن الرواية في الجزيرة العربية والخليج عمرها قصير نسبيا ولا يتعدي الثلاثة عقود وهذه فترة غير كافية كي تنضج وتنتشر, فمثلا خلال القرن العشرين لم تنتج الجزيرة العربية والخليج أكثر من خمسين رواية والسعودية مثلا وهي بلد ضخم وكبير جدا لم تنتج منذ منتصف القرن الماضي سوي روايتين علي الأكثر, لكن بعد منتصف القرن العشرين ومع الثورة والتطور الاجتماعي والثقافي بدأت الأجيال الجديدة تنتقل من القصة القصيرة إلي الرواية لأنه حتي في البدايات الأولي معظم الأعمال الأدبية كانت متجهة نحو القصة القصيرة لأن الرواية تحتاج إلي تراكم القصة القصيرة ذاتها فنيا وإلي اكتشاف الواقع بشكل عميق وإلي التطور الشكلي ونموه وهذا لا يجري إلا من خلال الاحتكاك العميق بالرواية العربية والعالمية وهذا ما جعله يتطلب فترة زمنية طويلة.
⇦ طبعا أنت لا تحسب عبدالرحمن منيف ضمن ما ذكرت؟
➽ عبدالرحمن منيف انتقل من الجزيرة العربية ليعيش في المناطق الشمالية بسوريا والعراق (ولد وعاش في الشام والعراق)* وهذه أماكن ذات ثروة ثقافية عميقة وقديمة ولاحظي أنه حتي في تطور الإسلام والثقافة العربية القديمة ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية لكنه لم يتجزر فيها أو يكون مؤسساته الثقافية والحضارية وإنما انتقل إلي الشمال في العراق وسوريا والمشرق في مصر وهذه المناطق هي التي كونت الثروة المعرفية والثقافية بينما عادت الجزيرة إلي حياتها الصحراوية, هذه الحياة وقلة المدن وتباعدها وعدم وجود تطور اقتصادي عميق في تلك السنوات ما كان ليؤدي إلي تطور ثقافي كبير جدا في العصر الحديث, بدأ هذا التطور نتيجة للنمو الاقتصادي الجديد بسبب ظهور النفط, عبدالرحمن منيف تواجد في المناطق العربية الأخري واستطاع أن يتغلغل في بيئتها الثقافية والفنية وأن يكون جزءا منها, والملاحظ علي كتابة منيف عن التكوينات الخليجية الجزيرية علي أنها نظرة من الخارج مثل مدن الملح التي يكتبها كموجود في سوريا أو العراق ويكتب معتمدا علي مذكرات الإنجليز وغيرها إضافة إلي ذكرياته هو نفسه في المنطقة والتي لم تمتد طويلا, وهناك أمر مهم أيضا أحب أن أشير إليه أنه لو كان يعيش في الداخل ما استطاع أن يكتب رواية بهذا الشكل لأنها موجهة بشكل أساسي للأسرة الحاكمة.
⇦ هل تريد أن تقول إن منطقة الخليج تربة غير صالحة للشكل الروائي الإبداعي؟
➽ لا ولكن نظرا لأنها لم تكن متجزرة في التربة الثقافية ليس لها تاريخ كبير مثل البلاد العربية الأخري وإن كان النفط والنمو الاقتصادي أدي إلي تسارع نموها وإن كان ذلك قد أدي إلي ظهور سلبيات مثل سهولة تسمية أي نثر رواية وطباعتها لتوفر المال, كذلك استغل الكثيرون قدراتهم المادية للترويج لأسمائهم في الوطن العربي في حين لم يتمكن آخرون ممن لا يمتلكون المال, لتبقي المواهب الحقيقية مدفونة في الداخل لتحفر بهدوء, وخاصة أن المنطقة لم تكن كلها معرضة للثراء, فهناك أجزاء شديدة الفقر وهناك العديد من الكتاب الحقيقيين زج بهم في السجون مثلما حدث لدينا في البحرين حيث لدينا تجربة مريرة في الحياة السياسية وأغلب النتاج الشعري والقصصي البحريني مكتوب داخل السجون فكيف يروج نفسه كي ينتشر.
⇦ وهل كتب عبـــــــدالله خلــــــــيفة أدبه في السجون أيضا ؟
➽ بالطبع كتبت جزءا منه وليس كله في السجن, فلدي شهادة روائية كتبتها داخل السجن حيث مررنا في البحرين بصراعات سياسية حادة منذ السبعينات وكان لدينا مجلس وطني ونقابات ومحاولة جادة للإصلاح السياسي لكن الحكومة قامت بحل المجلس الوطني عام 1975 واعتقل علي إثر ذلك الكثير من الكتاب والمناضلين وكنت أنا واحدا منهم حيث ظللت بالسجن حتي الثمانينيات, لكن ما أحب أن أؤكد عليه أن وجودي في السجن لم يكن شرطا لخروج إبداعي بشكل جيد, فالمكان ليس له علاقة بجودة وشكل الإبداع وإنما المهم أن يكتب الأدب بلغة فنية تراعي المعمار الروائي أو القصصي وكون الرواية كتبت في السجون لا يعطيها ذلك أي أهمية فنية أو مكانة روحية غير التي تتوافر للعمل المكتوب خارج السجون, لكن الكتاب في السجون تصادفهم عقبات كثيرة تجعل من قدرتهم علي إنجاز عمل أدبي داخل السجن انتصارا كبيرا علي واقع مأساوي.
⇦ ما الأعمال التي كتبتها داخل السجن؟
➽ كتبت ثلاثة أعمال في هذه الفترة الأول اسمه اللالئ ومجموعة قصصية ثم رواية باسم القرصان والمدينة, وتشكل هذه الأعمال بداياتي الأدبية حيث كتبتها في السبعينات وحتي تخرج من السجن وتعبر الجدران حفظتها داخل أنابيب معجون الحلاقة ليأخذها صديق ويطبعها بعد ذلك.
⇦ هناك ملاحظة مأخوذة علي الإبداع القصصي الخليجي وهي أنه لا يخرج عن إطار التراث والغوص وصيد اللؤلؤ… ألا توجد مواضيع أخري؟
➽ الرواية لابد أن تغترف من الواقع, فمثلما قام نجيب محفوظ بتحليل الحارة المصرية, يقوم كتاب الخليج بتحليل مجتمعهم وأرضهم والمهن التي امتهنوا بها مثل الغوص والصيد, وكما تعذب فلاحو مصر في الأرض وعانوا من سيطرة الإقطاعيين, تعذب الخليجيون في البحر من سيطرة الربابنة والنواخذة, فكان مثلا الربان يربط الصياد الذي يعترض عليه في الصاري وإذا مرض صياد لا يصرف له أجر وإذا مات تشردت بعده عائلته وهكذا, لقد كانت تلك المرحلة من المراحل القاسية علي الناس التي خلقت قصص كفاح وبطولات وأنا أعتقد أن هذه المرحلة كانت أفضل من الوقت الحالي حيث يتولي الخليجيون الإدارات وينتفخون ويتعالون علي العاملين من الجنسيات الأخري, إذن التجزر في شخوص المنطقة والتعرف عليهم وتحويلهم إلي روايات وأيضا استغلالها للترميز علي الوضع الراهن أمر مطلوب, المهم أن لا يقوم الكاتب بالبكاء الرومانسي علي الماضي والنظر له علي أنه النقاء والصفاء والخالي من السلبيات, يجب النظر للماضي ودراسته بذكاء وبشكل موضوعي ونري إلي ماذا أدي ثم تحليل الواقع المعاصر بجميع جوانبه.
⇦ نعود إليك.. هل بدات بالقصة القصيرة أم بالرواية؟
➽ بالقصة القصيرة ففي المناطق التي لا يوجد بها تراث قصصي غني معاصر متجذر تكون البداية دوما مع القصة, فنحن عندما بدانا في الستينيات والسبعينيات كتابة القصة, كانت هناك بلدان في المنطقة العربية تكتب هذا اللون الأدبي منذ قرن مضي وعندها منجز إبداعي وثقافي راق يمكن لأي أديب جديد أن يستند إليه أما في الخليج فليس لدينا هذا التراكم المنجز لمدة قرن لذا بدأنا بكتابة القصة القصيرة لأنه لم تكن هناك روايات منجزة في المنطقة, بالطبع كانت هناك محاولات لكتابة الرواية لكنها خرجت مفككة ذات بنية ضعيفة وظهرت في شكل تربوي إصلاحي متعال علي المجتمع, لكن نحن بدأنا في الستينيات والسبعينات بالحفر الموضوعي في الحياة واكتشاف النماذج علي حقيقتها وتحويل القصص القصيرة بشكل تدريجي إلي رواية, عموما الكتابة الأدبية كلها واحدة ولكنها أجناس مختلفة وليس معني هذا أن تحول كاتب القصة القصيرة للرواية أمر طبيعي فمن الممكن أن لا يكتب الأديب سوي لون واحد طوال حياته ويمكن أن يعزف علي اللونين.
⇦ أنت تكتب في النقد الإبداعي أيضا فهل يؤثر الجانب النقدي داخلك علي الإبداعي؟
➽ عندما أكتب إبداعا أدبيا لا أنظر إلي أي مقاييس إبداعية مسبقة أو أي نظريات أفصل عليها قصة ولكن أنا لدي نظرة شخصية للأدب بشكل عام, نظرة تنطلق من المدرسة الواقعية وتطوراتها ومدارسها كلها, في البداية اخترتها بشكل انعكاسي مباشر ومع تطور التجربة أخذت الواقعية بشكل أعمق أنمو من خلالها.
⇦ وما نظرتك المستقبلية للكتابة الإبداعية في الخليج.. هل ستشهد تطورا لتشكل تيارا خاصا في الخريطة الإبداعية العربية؟
➽ ما يحدث أن الشباب في الخليج لديهم سيولة نقدية تشجعهم علي التسرع بالنشر دون أن يكون إنتاجا إبداعيا حقيقيا ودون الرجوع إلي النقاد والمراجعين, ففي السعودية هناك إنتاج أدبي هائل لكنه للأسف غير مميز, فهم لا يتجزرون في قراءة مجتمعهم ولا يقرأون تراثهم بشكل عميق ولا يطلعون علي الإرث الأدبي والروائي العالمي والعربي, وبالتالي لا يتشربون النوع الأدبي روحيا وفنيا وتتحول العملية الإبداعية لمجرد صفقات تجارية حتي يتم الترويج لهم في الخارج ولينتشروا في البلدان العربية الأخري, لذا أحذر من هذا وأنصح بالتعب علي الإبداع والعمل الجاد لامتلاك الأدوات الإبداعية قبل التفكير في النشر والانتشار.. عموما الرواية لدينا تنمو وإن كان بشكل حذر علي أيدي روادها مثل إسماعيل فهد إسماعيل في الكويت وهناك كتاب سعوديون لديهم تجارب مهمة وإن كانت الإشكالات الفكرية في هذا البلد تمنعهم من التطور الفكري مما يؤدي إلي أن يظلوا يعيدون إنتاج أنفسهم
أجرت الحديث في دبي ــ أمنية طلعت
27/11/2004
الأهرام العربي
27/11/2004
✶ المحرر




