عبدالله خليفة

العائلة والديمقراطية

لماذا يساند الكثير من رجال الدين الاستبداد الذكوري ؟ هل لأنهم فقط رجال يناصرون جنسهم أم أن المسألة أبعد من ذلك ؟

في حين أن الوعي الإنساني سواء تجلى في الدين أم في الفكر الحديث يجب أن ينظر بمسئولية وعدالة للعلاقات البشرية.

فهذه الاغلبية للأسف من الوعي الديني أم حتى من الوعي السياسي السائد، تركز على قمع النساء، وليس قمع شهوات الرجال واحتكارهم لثروة المنازل وقرارات التصرف فيها، وفي مظاهر شديدة الوضوح لا تحتاج إلى بيانات مثل كثرة أسفار الرجال إلى بلدان المتع، وترك زوجاتهم وعيالهم في ضيق مادي شديد في حين يقومون هم بالتمتع!

وهي حشود تشد الرحال يومياً بلا رقيب من فتوى ولا حساب من ضمير!

ودعك عنك هذه السهرات الذكورية الحاشدة في كل مكان، وهي تنفق من طعام العيال، وفي أثناء ذلك يجري التضديق على النساء، وعدم السماح لهن بالخروج، أو بالاشتراك في أنشطة مفيدة، وتحدثنى فتاة مثقفة ذات أخلاق رفيعة، بأن والدها يطاردها مطاردة شرسة لأنها تقرأ الكتب، وهي تكتب مقالات في الفكر بصورة سرية، وتطالع بالستر وكأنها ترتكب جريمة خطيرة، وهي تشتغل في عمل بسيط جداً ومرهق كثيراً وتعطي الأجر للأب!

وقد تمكن هذا (الأب) بجدارة من إخراس صوت ابنته وحبها للكتب والكتابة!

يركز الوعي الديني والذكوري الاستبدادي على قمع النساء ليخلو له الجو المنزلي للسيطرة، وسبب ذلك يكمن أولاً في خوف غريزي لدى هذا الوعي من (الخطيئة) فقد تراكمت في مخازنه العتيقة الكثير من العقد والخرافات عن المرأة، فهي المخلوق الشهواني، والماكر، والمتخلف والدنيء، ومن هنا ظهرت الحية كرمز مادي لهذا المخلوق، الأملس الملتف والمليء بالسم ولا بد من السيطرة على هذا المخلوق المشبوه، وعدم السماح له بإظهار غرائزه، ولا بد من قمعه بشتى الأشكال المادية كاللباس أو المعنوية كاستخدام الدين وتمويهه بهيمنة ذكورية متوارية وعميقة ومشحونة بالمقدس.

ولكن المسألة لا تعود للمقدس والدين بل تعود لرغبة الذكور في العائلة بالسيطرة على النساء واستنزاف أعمالهن وحياتهن، عبر امتصاص مجهود العمل تارة وعبر الزواج تارةٍ أخرى.

لتنقل المرأة من سادة متعددين في بيت الآب إلى سيد مطلق في بيت الزوج!

وهذا المخلوق (الضعيف) المدرب على الهوان منذ صغره، محاط برجالٍ من آباء وإخوة يقومون بدور وزارة الداخلية، فهم شديدو القمع للسجينات بينما لهم كل الحق في ممارسة حرياتهم وربما الاعتداء واستغلال بنات العائلات الأخرى.

ولكن في حين يفشل هؤلاء الأقوياء في دراساتهم ويكررون الرسوب بسبب السيادة الذكورية الاستبدادية التي تعطي طبقة السادة الأحرار كل الحقوق وتحرم النسوة الأماء كل حق، فتظهر قدرات الفتيات في الدراسة والتفوق لكن بعد ذلك يأتي الزوج ليواصل دورة القمع وتحويل المرأة الذكية إلى عاملة مغروزة في الطبخ والكنس والعيال فتزول ومضات الحرية والتألق التي حصلت عليها فى زمن التلمذة.

والأهل يسرعون في تزويج المخلوقة الذكية حتى لا تزدهر ومضات هذا الإبداع والتألق وتتحول إلى كائن ذي قيمة ومكانة.

وتنقل المرأة المحبطة، والتي تمكن هذا الوعي من تدميرها، كل هذه العقد والهزائم إلى أبنائها فيظهرون ككائنات مشوهة أخرى، تنقل إليها كلُ عقد الآباء والأمهات.

بهذا كله فإن الوعي الذكوري والديني الشمولي تمكن من خلق عائلة مريضة، ونقل الاستبداد السياسي العام إلى داخل المنزل، وجعل من جمهور النساء غير قادر على النضال الديمقراطي والمساهمة فيه، وجعلهن مجرد قطيع يصوت للسيد المسيطر في أي اتجاه يراه.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العائلة والديمقراطية

 

عبدالله خليفة

النساء والانتخابات

مثل بقية القوى الجماهيرية العاملة والمالكة المقصاة من الحضور الانتخابي كالعمال والتجار، فإن النساء يواجهن معضلة الوجود داخل الحياة السياسية.

 إن كل هذه القوى الحديثة تمتلك أسباباً خاصة لعدم التواجد المستقل، ولهذا فإن النساء هن أكثر هذه القوى غياباً، وأكثر القوى المدفوعة رسمياً للتواجد والنجاح.

 فإن الحالة السياسية الانتخابية والتحولية جرت في أحضان القوى التقليدية، وُوجهت بعمليات فوقية رسمية من أجل التحديث، فكان من المستحيل أن تكون النساء قادرات على الحضور السياسي في ظل انعدام النشاط الكفاحي لهن خلال عقود إلا من قوى نخبوية نسائية مضحية كحال قوى اليسار والتجار الديمقراطيين، وقد تصدت المؤسسات المذهبية التقليدية للسيطرة على الحياة السياسية تدريجياً خلال تلك العقود مع ذلك التركيز على القضاء على القوى الديمقراطية الحديثة.

 ولهذا كانت الخطابات الدينية خطابات تنتمي لعصر الأقطاع خلال الألف سنة السابقة؛ وهي خطابات ركزت على قانونية البناء الاجتماعي الذكوري الشمولي المسيطر على النساء، الذي كان بدوره الوليد النهضوي لعصر الإسلام التاسيسي، فكانت الايجابيات المقدمة للنساء في تلك الفترة الإسلامية التأسيسية قفزة على المجتمع الجاهلي، التي تجرعها الرجال المسيطرون الأغنياء بغصص، من حيث تحديد عدد الزوجات واشتراط العدالة وإدخال المرأة في الإرث المغيبة عنه كلياً في السابق إضافة إلى الحضور النسائي السياسي والمشاركة في حروب الفتوح، إضافة إلى الديمقراطية في الاجابة على أسئلة النساء في زمن الوحي الإلهي وعلى اعتراضاتهن ومطالبيهن الخ..

 إن كل هذا يبين الطابع الديمقراطي الإسلامي في التعامل مع النساء فى فترة التأسيسي. إن ما قدمه الإسلام التأسيسي للمرأة قياساً لعصر الأمية والجهل والبداوة الكاسحة كان كبيراً، ولكنه تاريخي، مثل العديد من الأحكام الكبرى التي مثلت نقلة عظيمة للأمة العربية طليعة الأمم الإسلامية في التكون. ولكن مكاسب القوى الشعبية خاصة النساء لم تتجذر بعد ذلك؛ بسبب سيطرة قوى كبار الأغنياء مجدداً فهزمت القوى الشعبية خلافاً لإرادة القرآن « كي لا تكون دولة بين الأغنياء منكم »، الحشر، آية ٧.

إن حروب الفتوح وضخامة الثروات التي انهالت على الرجال المسيطرين ونشوء دول الاستبداد كانت حاجة الأمة العربية الصغيرة الفاتحة (أربعة ملايين) بين أمم بعشرات الملايين هي التي استوجبت تعدد الزوجات وكثرة التناسل إن كل هذه الظروف أدت إلى تدهور مكانة النساء، وإلى ظهور فقه شكلاني، ركن على الفهم النصوصي لآيات القرآن، رافضاً الرؤية التاريخية والمضمون، وقافزاً على آيات كثيرة كبرى عن الدولة الشعبية وكيفية تطورها.

 وهكذا قام تجارُ الرقيق بالاستيلاء على أرادة الأمة، وشل فاعليتها، وصار تضخيم الأسرة العددي، وإخفاء النساء وشل عمليات النهضة العقلية، والاقتصادية هي النتائج السيئة لسيطرتهم على الأمم الإسلامية وتقديمها لقمة سائغة لقوى الغزو والسيطرة الأجنبية.

 وعلى الرغم من أن مياه النهضة قد جرت تحت أرجل القوى التقليدية، إلا أنها لم تفهم أهمية إعادة النظر الجذرية في التراث السلبي للحقب الماضية، فالاقتصاد لم يتغير كثيراً، وفي دول الخليج تضاعفت عوامل أخرى لضرب حضور النساء ككثافة وجود العمالة الأجنبية وضخامة تراث الكسل والتصحر.

 وفى ضوء ذلك تم دفع الحركة النسائية النهضوية الطليعية من أجل أن يكون لها حضور في العملية السياسية، وأن لا تكون القوى التقليدية الذكورية مهيمنة على الحياة السياسية.

 لكن وككل العمليات التحولية السياسية أخذ ذلك طابع المرحلة بصراعاتها ومستوى تطور القوى الاجتماعية، وكون التغييرات تجري من فوق، ولا توجد قوى شعبية نهضوية كبيرة مساندة لها، بعكس المراحل السابقة حين كان الزخم من الأسفل وتغيب بل تعارض قوى المؤسسات الحكومية!

إن طابع إدخال النساء اتخذ ما هو ممكن من وجودهن الاجتماعى، أي ما هو متوافر من نساء العمل الاجتماعي والتطوعي اللاتي برزن خلال السنوات الأخيرة، وهن قطاع بسيط من النساء، ولا يمتلكن أي منظمات شعبية واسعة، أو روابط سكانية قوية، كما لا تتوافر لهن بالتالي خبرات سياسية بين الجمهور الواسع.

 والخبرات بين الجمهور الواسع المسيس تتطلب الحضور المذهبي السياسي، ولكن هذا الحضور هو في حد ذاته واقع تحت سيطرة القوى المذهبية التقليدية وهذه القوى نتاج ضمور الخطاب الإسلامي النضالي التحديثي.

 فمن جهة هناك قوة سياسية حكومية تعمل لصعود النساء السياسي، تمثلت في (المجلس الأعلى للمرأة) لها مصطلحاتها وإجراءاتها ودعاياتها لأدخال النساء في حيز المشاركة، ومن جهة اخرى هناك القوى التقليدية المتعددة التي لها مواقف متباينة من هذا المشروع، الواضح منها هو السيطرة الذكورية الكاسحة على الترشيحات وإخلاء المجلس المنتخب للمرة الثانية من النساء.

 ويبدو الأمر أشبه بصراع ديكوري أكثر منه معركة لتفعيل إرادة النساء السياسية، فالصراع نتاج حقبة أولية للتغيرات السياسية، كان تاريخها السابق هو سيطرة تقليدية شبه كلية على الساحتين الفكرية والسياسية، ففى الأولى لم ينشأ فقه ديمقراطي يعيد النظر في المقولات المتكلسة ويحدثها، وهو أمر مستحيل في ظل كون الفقهاء التقليديين نتاج أزمة الوعي الديني، ولكن هذا الوعي المتخلف عليه من جهة أخرى كما يفترض المشروع السياسي العفوي، أن يقود المرحلة الديمقراطية الحديثة.

 هكذا فإن المجلس الأعلى للمرأة دفع من يمكن دفعه من النساء اللواتي هن وليدات العفوية السياسية والمصادفات، مع دعمهن بكل الوسائل الممكنة، لكي يظهر للنساء حضور ونجاح كذلك.

 إن هؤلاء النسوة منقطعات عن البحر الشعبي بمن فيه من نساء عاديات خاصة، وهؤلاء النساء العاديات مقيدات في إرادتهن البيتية وعاجزات عن تقرير مصائر أطفالهن وعقود زواجهن، معزولات عن الوعي لقرون، لكن يُرجى منهن أن يساهمن في قيادة التشريع في البلد.

 إن التناقض ليس له حل راهن، وتشكل خطوة المجلس خطوة مضيئة نبيلة ولكنها فردية ونخبوية، وكأي خطوة نخبوية تتسم بطابع المغامرة والمجازفة، رغم أن خطوات المجلس في هذه الدورة الانتخابية أكثر اتساعاً وشعبية وبرمجة من الدورة الأولى.

 إن النساء المتقدمات الآن بحاجة إلى الارتباط بالتيارات التحديثية وفك عزلتهن الفكرية والسياسية والاجتماعية، ولا يجب حفظ القاموس السياسي لهذه التيارات فحسب بل أن يتشربنها في وعيهن ونفوسهن، بأن يطرحن هموم الشعب الساخنة، بلغة بسيطة، شجاعة، وأن يجذبن النساء بالدفاع عن حريتهن وتكافؤهن الأخوي اللاعدائي مع الرجال ويعلن حقوقهن كافة في مؤسسة الأسرة، لخلق أسرة فاضلة منتجة واعية، وأن يناضلن كذلك مع الرجال ضد الفساد والفقر وغياب التخطيط الاقتصادي الوطني.

 ليس هناك نساء ورجال بل قدرات وطنية للكفاح لتغيير ظروف سيئة ولن يقتنع الناخبون إلا حين تجلجل المرأة بصوتها وتحدد نواحي التشريع المفصلية التي هي بحاجة إلى تغيير.

 وهذه اللحظة الأولية من الصراع السياسي ستقدم مادة للسنوات الأخرى وتوجد تراكماً وصلات بين النخبة النسائية الواعدة سياسياً ببحر النساء المحلي والبشري عامة.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : النساء والانتخابات

 

النساء وضعف الخبرة السياسية

مثل العاملين تتعرض النساء لخداع العالم الذكوري السياسي المسيطر الماكر، وينطلي على بعضهن ذلك بسهولة، نظراً لفقدان الخبرة السياسية، وعدم التعرض لمحن السجون والتنظيمات والحُكم بذات الاتساع الذي يتعرض له الرجال.

وتعيش أغلبُ السياسيات النسائيات في عالم تقليدي، أما أن يكون شديد الحموضة أو وردياً خلاباً.

إن ضعف التفكير الجدلي، وغياب التفحص في التناقضات للمنظمات السياسية التي يسيطر عليها الذكور المحافظون غالباً، والمظلة الدينية التقليدية التي تظلل رؤوسهن، وعالم السحر الذي يؤمن به بقوة، كل هذه تمنع أن يزحن سيطرة الرجال التقليدين عن أفقهن السياسي.

ومن هنا فإن إيمانهن بالدجل الديني والقومي يكون كبيراً، فرغم أن أغلبية العالم الحديث قد أعلنت قطيعتها مع الأنظمة والتنظيمات الشمولية والدينية الشرقية نظراً لسوء دور هذه الأنظمة ليس فقط في غياب الديمقراطية ورفضها للوطنية والعقلانية بل كذلك لدورها في استغلال النساء الجنسي بدرجة أساسية، إلا أن هؤلاء النسوة لهن حب جارف لهذه الشبكة العنكبوتية من المتخلفين العاجزين حتى عن اللحاق بأنظمة الاستغلال السيئة الغربية أو عن فهم عظمة الإسلام.

لكن هذا ليس عجيباً إذا عرفنا أن الأنظمة الشرقية ابعدت النساء طويلاً عن ميادين العمل الإنتاجية، منذ أن كن رقيقاً وجوارٍ وربات بيوت ممنوعات من الخروج ومتخصصات في المطابخ والأسرة ورواية الخرافات للأطفال.

وحتى عندما جاءت التجاربُ الحديثة والتأثراتُ بالحداثة فإن التنظيمات والدول السياسية الشرقية لم تعترف بالنساء مشاركات في هذه التجارب، وعرقلتْ دخولهن إلى ميدان السياسة طويلاً، لأن هذا الميدان يكشفُ للنساء المعسكرات الاجتماعية بدقة ويدخلهن حومة الصراع من أجل حقوقهن المغتصبة على مدى القرون.

كانت التنظيماتُ الذكورية السياسية المحافظة عموماً تحول الصراع مع السلطات الاستعمارية والتابعة كصراعٍ مجرد، كانت كلمات مثل(الحرية الوطنية)، و(سقوط الاستعمار)، و(سيادة الشعب أو الأمة)، شعارات عامة، كأن لا دخل لها بخروج المرأة للعمل، أو منع الزواج والطلاق التعسفيين، شعارات ظلت بعيدة عن مطبخ المرأة الذي تحترق فيه وتملأ الغازات دواخلها وتجعلها الولادات المستمرة كائناً لا وجود له في الوقت الذي تصنعُ فيه الوجود.

وعندما تجسدت بعضُ الأنظمة الوطنية العربية وحققت للنساء بعضاً من المكاسب المحدودة، وخلقتْ بعضَ القوميات والرائدات، كانت أغلبية النساء في جهل وأمية، وحين عصفت الزوابعُ بهذه الأنظمة نظراً لعدم جذريتها في التغيير الاجتماعي، وخاصة ما تعلق بالنساء والعاملين، جاءت أنظمة دينية اسوأ، وحتى بعض الحريات التي حققتها النساء في الزمان القومي التحرري، جرى اختطافها من قبل الدينيين المعادين بقوة لعالم المرأة الحر.

ليس لشيء سوى أن آلة الدولة الدينية أكثر استغلالاً وأقل حداثة.

وقد أصيبت نسوة بخيبة أمل حين لم تدافع بعض القيادات الدينية عن حقوقهن، نظراً لتخلف هذه القيادات عن فهم الإسلام والعصر، وطالبتهن بالخضوع للقوانين المتخلفة المتعلقة بالزواج والإرث وحقوق الأسرة عامة، واتضح أن هذه القيادات لا تختلف عن قيادات الدول الرجعية.

وينطبق على هؤلاء النسوة ما ينطبق على الرجال الحداثيين غير المطلعين على تاريخ أمتهم، فهم يريدون الايجابي المنجز المستورد من الغرب، وليس الذي يناضلون له داخل واقعهم الإسلامي العربي الخاص، أي أن عليهم أن يقاموا المحافظين في السلطتين السياسية والدينية، بكافة المنجزات التي تحققت في النصوص والتجارب العربية والعالمية، ويشقوا لهم طريقهم الحر الخاص.

فغلبة المحافظين عليهم تأتي من توظيفهم نصوص الدين التي يجعلونها قيوداً للمسلمين ويأولونها كيفما شاءت مصالحهم، وليس في مسارها الموضوعي.

تشعر أغلبية النسوة السياسات بالتضاد مع أحكام الدين كما يترجمها المحافظون، الذين يمسكون سلطة تفسير النصوص، وأقلية من النسوة لا تحس بذلك خاصة في مجال السياسة العامة، فالمحافظون يظهرون هنا في هذا المجال المجرد بأنهم قيادات حرية وطنية، لكن ما نفع أوطان حرة ونساؤها مستعبدات؟

أليس تخلف النساء والجور عليهن وإنتاجهن أطفالاً معوقين حضارياً هو فتح الباب مجدداً للسيطرة الخارجية والداخلية؟

لا تستقيم الحرية في الشارع وتـُمنع في البيوت.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : النساء وضعف الخبرة السياسية

كلمات الاغلفة        

نضال النساء في البحرين

أتاح نظام الإنتاج التقليدي في الخليج والجزيرة العربية إمكانيات متعددة لكي تشارك النساء في العمل، وكانت الحياة البدوية تتطلبُ قيامَ النساءِ بأعمالٍ كثيرة، ولم تكن البيوت سوى خيام وكانت الحياة الاجتماعية إنتقالية.

ولم تتأسس الهيمنة الذكورية المتشددة إلا في القرى والمدن، التي عرفتْ حياةً إجتماعية محافظة مستقرة طويلة، وخاصة في بيوت الفئات الوسطى والغنية.

وأعطى نظامُ الغوصِ كنظامٍ فريد من الإنتاج البشري أربعة شهور لكي تقوم النساء بدور التحكم الواسع في الحياة العملية الضرورية. فالمرأةُ بالإضافةِ إلى إشرافِها على المنزل، تقومُ بمهمام العمل الضرورية من إستكمال مهام الزرع والصيد والأعمال البحرية، وحين يأتي الرجال من موسم الغوص تعود النساء لأعمال البيوت.

وفي مجال الفنون الشعبية ذات الأهمية الجماهيرية قامت النساءُ بدورٍ بارز.

لم تجرِ دراساتٌ محددةٌ بهذا الشأن فهذا نمط عام، لكن من المؤكد بأن النقصَ الكبير في قوة العمل الإجتماعية لغياب الرجال والشباب، يستدعي إنتشار العمل النسائي، ولكن كان هذا نمطاً عاماً عبر التاريخ، وما الغوص سوى ظرف إستثنائي، ثم أنه لا يلغي هيمنة الرجال على النساء، ولا يزيل ظروف الإستغلال والسيطرة، وهي نمط ضروري لقرون، بسبب تقسيم العمل ونظام المُلكية، ويمكن أن تنشأ فيه كذلك علاقاتٌ طيبة بين الرجال والنساء، حسب طبيعة كل أسرة ومواقف أفرادها، ويغدو شكلاً من أشكال الحماية الإجتماعية حيناً وشكلاً للهيمنة والأنانية حيناً آخر، قوة بناء للأفراد أو نسيجاً مهلهلاً للآفات.

لكن إنهيار نظام الغوص الذي سبب تراجع مكانة النساء عامة ونساء الريف خاصة، ترافق مع تنامي السيطرة البريطانية التي عوضتْ بعضَ الشيء في مجال حقوق النساء، فهي سيطرةٌ مدنيةٌ بحاجةٍ إلى تطورٍ للتعليم وللخدمات المختلفة، وهذه تحتاج إلى حضور النساء في المدن خاصة.

بدأ التعليم الذكوري أولاً وأخذ يتوسع ومنذ سنة 1928 ظهرت أول مدرسة للبنات، مقتصرةً لحد الصف السادس الإبتدائي الذي كان ذا قوة تعليمية كبيرة، ومن خريجاته ظهرت قيادات نسائية.

وقد ترافق مع هذا نشؤُ فئاتٍ وسطى من التجارة فظهرت نزعةٌ ليبرالية دعمتْ هذا التحرر المحدود لنساء المدن. فكان تنامي أعداد النساء في التعليم يترافق مع ظهور الأندية وهي التجمعات الفكرية الاجتماعية المحدودة المسموح بها وقتذاك، مع بعض الحرية الصحفية الأكثر محدودية والتي تقدمُ بعضَ متنفساتِ الحرية الشخصية وليست الاجتماعية والسياسية للعائلة المتوسطة.

كان طابعُ الموادِ الأدبية والمنزلية المقدمة في التعليم، وإستمرارُ العائلةِ الأبوية التقليدية، وديمومةُ قوانين الفقه القديمة، وضعفُ حركة التحرر الوطني المحلية، لا تجعل من الممكن تطور وعي النساء الديمقراطي بسهولة، وعلى العكس فإن حركةَ التحرر الوطني تشكلتْ من خلال رؤى فكريةٍ ذكورية تقليدية غالبة، وكانت المجابهةُ مع الإستعمارِ تُعمَّم حتى في مجالِ رفض الديمقراطية الغربية، فتجعلُ الصراعَ مع الراهن المتخلف بصورةٍ سياسية شعارية تختزلُ الحريةَ الوطنية في حريةِ الذكور، مما إنعكس على تخلفِ حركة التحرر هذه وضخامة الشمولية الذكورية داخلها.

ولهذا فإن الأنواعَ الفكريةَ والأدبية التي نشأتْ بخفوتٍ منذ الأربعينيات لم تشهدْ حضوراً نسائياً، إلا بشكلٍ فردي إستثنائي في الخمسينيات ولم يكن لها تأثير لطبيعة المستوى وغياب التواصل. لكن تنامي حركة التحرر وجذبها لأغلبيةِ السكانِ فكك العديدَ من الأسوار الإجتماعية في المدن، لينتظر الريف الوقت الراهن ليقوم بتحرره الإجتماعي الواسع.

كانت الحياةُ التحديثيةُ التي شكلها الإنكليز هي بحدِ ذاتِها تخلقُ حرياتٍ موضوعية في البلد، كتنامي الإهتمام بالصحة ومقاومة الأمراض التي أدت إلى ظهور مهنة التمريض النسائية، وإلى إنتشار الأسواق الحديثة والاهتمام بالأزياء المعاصرة، وإلى ظهور دور السينما التي خصصتْ يومين للنساء، وكان ذلك مظهراً إنفصالياً لكنه كان مؤثراً في نشر الاهتمام بالفنون والثقافة لدى النساء والعائلات بشكل عام.

بصعوبةٍ كبيرة تنامتْ عناصرُ الحرية الاجتماعية والسياسية في حياة النساء البحرينيات،  لقد أعطى التعليمُ بعضَ الحراك الاجتماعي للنساء عبر المعرفة، وبدأت الحياة السياسية تدفع مجموعات صغيرة من النساء للمشاركة سواء في التصويت في إنتخابات الخمسينيات أم في مظاهراتها، ثم حلتْ فترةٌ من الجمود الإجتماعي بين الخمسينيات والستينيات، كان يجري فيها حراكٌ متوار، وسادت الأعمال ذات (الطابع الخيري).

لقد نشطّتْ الفئاتُ الحديثة والمنظماتُ السياسية السريةُ الوعيَّ الاجتماعي، فتنامت تلك المشاركة النسائية النخبوية، وتجسدتْ المشاركةُ النسائية بتشكيلِ الجمعيات في مختلف المناطق، متدرجة من الأشكال البسيطة من المشاركة الإجتماعية إلى بروز الأهداف السياسية، وهو أمرٌ يعكسُ حجمَ القيود التي لا تتكبلُ بها النساءُ فقط بل الرجال كذلك. ولهذا فإن عمليةَ النضالِ الديمقراطية مشتركةٌ متداخلةٌ متصاعدة بين الجنسين.

ظهرتْ الجمعياتُ النسائية بالصورة التاريخية التالية:  جمعية نهضة فتاة البحرين تأسست عام 1955، وجمعية رعاية الطفل والأمومة تأسست عام 1960، وجمعية أوال النسائية تأسست عام 1970، جمعية الرفاع الثقافية الخيرية تأسست عام 1970، جمعية فتاة الريف تأسست عام 1970، وجمعية النساء الدولية تأسست عام 1974.

يعبر هذا النمو التاريخي عن حراك الوعي الاجتماعي العفوي من قبل النخب النسائية المتعددة المواقع والإتجاهات لتغيير وضع النساء بشكل متنوع، أغلبه جزئي، أولاً عبر التنوير الثقافي وتغيير جوانب من الحياة الاجتماعية ثم عبر ظهور الوعي السياسي، أي بربط قضية تطور النساء بالحريات العامة، وهو شكلٌ أضفتهُ في السبعينيات الناشطات في المنظمات السياسية.

وبدلاً من الأهداف العامة غير الواضحة بدأتْ اللغةُ السياسية للمنظمات السياسية تدخلُ حيزَ التفكير الاجتماعي للنساء، فظهرت أهدافٌ جديدة هامة وهي: مساواة المرأة والرجل في كافة الحقوق والواجبات، ومساواة المرأة العاملة والمستخدمة للرجل من حيث الأجور والإجازات ورعاية الأطفال وحقوق الأمومة وغيرها، وسن قانون للأحوال الشخصية، يأخذ بعين الاعتبار المكاسب التي حققتها المرأة في العديد من البلدان العربية والأجنبية.

إن تحول هذه الأهداف إلى نضال عملي هو أمرٌ شديدُ الصعوبة على مستوى العقود السابقة، فهذه يتطلب قوة إنتاج نسائية كبيرة، لكن كان نمو العمل النسائي محدوداً ففي النصف الثاني من 1965 كان عدد البحرينيات الموظفات يبلغ: 995، ووصل في عام 1971 إلى 8418 إمرأة.

وفي العقود الأخيرة بدأت هذه الأرقام تتغير:

( ارتفعت معدلات مساهمة المرأة في القوى العاملة فبلغت 25.9 في المئة حيث وصل عدد القوة العاملة النسائية 32769 نسمة. وتشير إحصائيات عام 2001 إلى إرتفاع نسبة العاملات في القطاع الخاص الى48.61 في المئة من مجموع العاملين وهي نسبة مساوية تقريباً لنسبة العاملات في القطاع الحكومي. وتشير دراسة قامت بها باحثة مصرية إلى أن نسبة العمالة النسائية تبلغ 32% بالنسبة لتعداد السكان بالبحرين.

هذا التطور العملي تضافر مع تطور ثقافي متصاعد:

(في العام 2001 سجلتْ المرأةُ الحاصلةُ على تعليمٍ ثانوي فأعلى نسبةَ: 70.15 في المئة من إجمالي عدد النساء مقابل 69.96 في المئةِ من الرجال. كما فاقتْ نسبةُ النساءِ الحاصلاتِ على مؤهلٍ جامعي (بكالوريوس/ ليسانس) نسبةَ الرجال حيث بلغت 14.34 في المئة مقابل 13.03 في المئة للرجال. وفي العام ذاته بلغ إجمالي الحاصلات على مؤهلٍ جامعي عال(الماجستير والدكتوراه) 765 امرأة مقابل 2072 رجلاً. كما انخفضتْ نسبةُ الأمية بين النساء إلى 17 في المئة.).

 جرى هذا التطور بشكل بطيء وصعب وأخذ عقوداً طويلة، لكون التعليم حتى الإبتدائي للنساء لم يكن سهلاً، ومن ثم فإن الارتقاء للتعليم الجامعي بهذا الشكل الواسع كان أكثر صعوبة، إضافة للنمو الأكثر إشكاليةً الذي يتكون في ميدان العمل الذي تصاعد في الوظائف المهنية ثم بشكل أقل في مراكز الإنتاج الصناعي.

لكن كل هذا التطور الذي قاومهُ الرجالُ المحافظون والقوى الاجتماعية القديمة والقوانين العتيقة في المذاهب والنظام السياسي، لم يُنتجْ ثماراً كبيرة على النساء في الحقوق الاجتماعية والسياسية، بسبب سيطرة المفاهيم المحافظة على وعي النساء أنفسهن، وقلة النخب النسائية المقاتلة في هذا السبيل، وهيمنة الوعي الذكوري الشمولي في المنظمات السياسية كذلك.

تعتبر جمعية فتاة الريف عن المعاناة الرهيبة التي تعرضتْ وتتعرضُ لها النساء البحرينيات في أدغال الحياة الاجتماعية عموماً وفي غابة الريف خصوصاً.

(سرن في درب مليء بمشاهد التحدي، فكنّ ينتزعن الشوك ويوزعن الورود، ويصافحن المرأة البحرينية الأمية ويصنعن منها إنساناً يجيدُ القراءةَ والكتابة ويفكُ طلاسم الحروف ويتقن الحساب، كن كفراشات الحديقة، يتنقلن في أرجاء حدائق الوطن، لينتزعن بعد 30 عاماً من الحضور والتجوال والنشاط في حقول العطاء وغابات الإنجازات الخالدة صكَ إعترافٍ رسمي بشرعية ”ممارسة الدور” وحق  ”أداء الواجب”، وهن اللواتي ظفرن بالنصر مبكراً جداً يوم تغلبتْ فيهن إرادةُ التطلعِ والتحرير على صخورِ الممانعات والحواجز الإسمنتية التي كانت تتخذُ أشكالاً عدة، حتى لقد طوى المناصرون عنهم كشحاً مخافة الإدانة والغمز واللمز وإلصاق التهم والتصنيفات الجاهزة).
هذا الكلام الرقيق الشاعري يحتاج لرؤية تضاريس الواقع الحقيقية اليومية، ولنأخذ بعض اللمحات السريعة حول هذا الواقع. في سنة 1960 جاءت باحثةٌ من الدنمارك لتعاين وضع النساء البحرينيات في الريف، وأختارت إحدى القرى من أجل هذا البحث الميداني، ولم تُقبل الباحثة بادئ ذي بدء فهي إمرأة ثم هي مسيحية، ثم أنها سوف تعيش لوحدها في منزل، لكن الترتيبات العليا ذللت هذه العقبات.

ودراسة الباحثة هني هنسن واسعة فهي تتعلق بالتقاليد الدينية والاجتماعية ولكن ما يهمنا هنا حركة النساء وحقوقهن، وتقول بأن النساء هن ممنوعات من الخروج من حدود القرية إلا بأذن الرجال، ويلبسن (المشمر) وهو لباس يغطيهن بشكل كامل، فالقرية تغدو مكان عزل النساء. وخروج المرأة من القرية يحتاج إلى محرم وهو الرجل سواء كان الزوج أو الأخ. وتستطيع المرأة أن تنتقل داخل القرية لتزويد الأسرة بإحتياجاتها من الخشب والماء من أجل الطهي. لكن هذا التحرك تقلص بسبب بدء توصيل خدمة المياه للبيوت. لكن نظام العزل بما يصاحبه من أمية وغياب التعليم والحقوق لم يمنع النساء من إيجاد مجتمع خاص بهن، عبر الإنغماس في الظاهرات الدينية وتكوين إحتفالات خاصة بهن عبر أجواء الحكي والشعر، (سار الستينيات: المرأة في قرية سار البحرينية بعيون هيني هنسن الدنيماركية، بقلم د.عبدالله يتيم).

ليس ثمة شيء اسمه الحقوق النسائية حينئذٍ، لكن الهيمنة الذكورية الكلية، والهيمنة السياسية الحكومية العامة، لم تمنعا عملية التحرر الرجالية النسائية المشتركة، فقد كان النظام الزراعي في طريقهِ للتفكك، من حيث هو علاقات إنتاج، ومن حيث هو نظام أبوي، فالاقتصادُ الحديث جذبَ الشبابَ، وهؤلاء لم يغيروا الهيمنة الذكورية لكن بدأت هذه تتزحزح لأن هذه الأجيال بدأت تتغير قليلاً مع عملية الإنفتاح. وقامتْ موجاتُ التعليمِ الذكوري أولاً ثم النسائي بعد ذلك بسنوات، بزحزحةِ تلك القيود الواسعة قليلاً في نظامِ الأسرةِ الأبوي المطلق، الذي لا يعرفُ الديمقراطيةَ في علاقاتهِ الداخلية من حيث سيادةِ طرفٍ وتمتعهِ بأغلبِ الحقوق والإمتيازات، وغياب هذه الحقوق عن الطرف الآخر.

لم تستطع الحركاتُ الديمقراطيةُ السياسية أن تتغلغلَ في الحياة الاجتماعية خاصة الريفية منها، وقد لمنسا بعض اللافحات الحارقة لدى جمعية نهضة فتاة الريف، فهذه الحركاتُ ضعيفةٌ عموماً هنا، وتلعب المظلةُ الدينيةُ المحافظة دورَها في تكييف العلاقات الاجتماعية لمصلحة الذكور عبر الإرث الديني وأدلجته من خلال أصواتها.

كانت القوى السياسيةُ الحكوميةُ والمذهبيةُ المحافظةُ تعملُ معاً في سنواتِ السبعينيات التي بدأتْ تلوحُ فيها بوادرُ تغييرِ القوانين السياسية والاجتماعية بعد الإستقلال، فكان الأتفاقُ على مجلسٍ وطني منتخب، وعلى حق المواطنين في الإنتخاب، لكن كلمة(المواطنون) هذه تم الأتفاق على أنها تعني (الرجال) فقط من قبل التيارات الحكومية والدينية. فحدثت الإنتخاباتُ الأولى الحديثة في البلد مع تغييبِ دور النساء، وكانت التياراتُ الحكومية والدينية الريفية خاصةً تمتلكُ الأكثريةَ لفرضِ قرار التغييب ذاك.

 إن عناصرَ الوعي الديمقراطي الوطني توقفتْ هنا بحلِ المجلس الوطني، ثم بتضخمِ دور الحكومة السياسي وثقلها الإقتصادي شبه الكلي، فتدهورتْ تلك  العناصرُ الديمقرطيةُ بشكلٍ واسع بعد حل المجلس وسيطرة قانون أمن الدولة، وهي أجواءٌ عاشتْ فيها بقوة وتوسع القوى المحافظة المذهبية، مما أدى إلى تدهور حقوق النساء بشكلٍ أكبر من السابق، وتدهورت عناصرُ الوعي الوطني البحريني عموماً، بدلاً من بوادر تناميها التي لاحت مع الومضة الديمقراطية الوطنية العامة في بداية السبعينيات.

وحتى في أثناء الومضة الديمقراطية السبعينية فإن حركات النساء لم ترضخ للتصور الذكوري المهيمن العام، فتقدمت جمعيتا النهضة وأوال النسائيتين بعريضة ترفض ذلك التغييب وتفسير مصطلح المواطنين على أنهم الرجال فقط!

أدت فترةُ التغييبِ الديمقراطي السياسي، إلى مضاعفاتٍ على القوى الشعبية التي تعاني أكثر من غيرها وهي العمال والنساء. فانتشرتْ التفسيراتُ المحافظةُ الشموليةُ للإسلام، فتراجعتْ مستوياتُ الجماعاتِ النسائية وقبلتْ بالعديدِ مما كانت ترفضهُ سابقاً من علاقات زوجية وإجتماعية وفكرية.

كان بروزُ الحركاتِ الدينيةِ ذا جانبين متعارضين، فهو يؤدي لحراكٍ سياسي إفتقدهُ المجتمعُ بسببِ القوانين المعرقلةِ للحريات، ولكنه في ذات الوقت يعيدُ المجتمعَ من حيث الوعي السياسي للوراء، فيحدثُ تقدمٌ من خلال آراءٍ محافظةٍ متخلفةٍ على أصعدةٍ مختلفة.

لقد إنضمت نساءٌ كثيراتٌ لهذا الحراكِ السياسي الديني، الذي كان الشكلُ الوحيدُ من الوجود الإجتماعي في زمنِ قانونِ أمن الدولة، وبرزَ هذا الشكلُ بقوةٍ بعد زوال هذا القانون وبدء التغيير على صعيد الحكم.

لقد عبّر الميثاقُ الوطني عن محاولةِ إستعادةِ التوازن بين الاتجاهاتِ التحديثية والاتجاهاتِ الدينية المحافظة، وعن إعطاءِ الفرصِ مجدداً للتوجهاتِ الوطنية والعصرية لتعيدَ علاقاتها بالجمهور، لكن المؤسسات السياسيةَ المنبثقة عن هذا التحول السياسي من برلمان وبلديات عكستْ مستوى الوعي المشلول للعقودِ السابقة، الوعي الذي فصمَ وحدةَ الشعب، وأعاد مسائلَ سياسية وإجتماعية تعودُ للعقود الأولى من القرن العشرين في البلد. هذا كان تعبيراً عن أن التراكمات الديمقراطيةَ التحديثيةَ المضروبة لم تستطعْ أن تنمو عبر قوى سياسية ذات حضور جماهيري.

لقد اكتشفَ العمالُ والنساءُ خاصةً هذا التناقض على الأرض الاجتماعية السياسية. هذا التناقضُ يجعلُ من النساء، وهم هنا بؤرةُ القضيةِ، قوةَ تصويت لا غير، أي قوة دفع للمرشحين الرجال المحافظين، الذين لن يناضلوا من أجل قضاياهن. وهكذا فحين تحقق  الحضورُ الديني المذهبي السياسي في المؤسسات المُنتخبة، لم تُطرح قضايا النساء وحقوقهن.

لقد اتخذ القوسُ المذهبي السياسي الاجتماعي دائرةً ضمتْ قوى خضعتْ للوعي المحافظِ السياسي وأجندتهِ في العديدِ من الدوائر الاجتماعية، فركزت على الصراع السياسي المجرد، وهو صراعُ نخبٍ ذكوريةٍ يمينية للوصولِ إلى المناصب السياسية والهيمنة على الجمهور لطرحِ مشروعٍ مذهبي تقسيمي للشعب، وبالتالي للعمال والنساء.

من هنا صُدمت القطاعاتُ النسائية (الطليعية) من التناقض بين أقوالِ الرجال السياسيين وأفعالهم، بدءً من شطبهن من القوائم ثم هيمنة الرجال المطلقة على المقاعد، ثم تنحية قضاياهن وتركها في الظل.

هذا أدى إلى تفعيلِ نشاطِ النساء المستقل وجعلهن ينتبهن لكونهن إستخدمن كأدوات.

وبدايةً كانت التحركاتُ من الشارع هي الأكثرُ إشعالاً للموقف النسائي فيما سُمي بلجنة العريضة النسائية، وطُرحت فيها العديدُ من المطالب الرئيسية والملحة والقضايا النسائية المستقلة التي تؤرقُ جمهورُ النساءِ كقطاعٍ له مشكلاته الخاصة كذلك.

كانت صرخةُ النساءِ مدويةً بتناقض ممارسة الرجال المحافظين: (إن الوعودَ الإنتخابية التي قطعها عددٌ من المرشحين للبرلمان تبخرتْ بعد أن نالوا عضوية المجلس)، وبعدها عادتْ النساءُ لطرح قضاياهن البسيطة بعد ذلك التحليق العالي، فكانت قضيةُ إصدار قانون للأحوال الشخصية أهم هذه القضايا. إن سيطرة الاتجاهات المحافظة على النساء وعلى أحوالِ الأسرةِ هي الاتجاه الغالب عبر التاريخ الديني الإسلامي بعد أن تركَ رجالُ الدينِ الصراعَ مع الحكومات الفاسدة، وتخصصوا في الهيمنةِ على النساءِ والثقافة الشخصية للمسلمين. ويغدو تحررُ النساءِ في تصورهِم هدماً للعائلة، وليس تطويراً لها من الظلماتِ الاجتماعية ولضرورةِ مراقبة أنانيات الرجال لبناء عائلة سليمة حقاً. ومن هنا كان إيجادُ قانونٍ موحد للأحوال الشخصية يمثلُ تحولاً نضالياً وطنياً ديمقراطياً بحرينياً. لكنه تحولَ إلى شقين مما عبّرَ عن مستويين مختلفين لوضعِ النساء وعن إشكاليةٍ حقوقية وطنية وعن العجز من توحيد الحركة الديمقراطية السياسية البحرينية.

حتى إصدار قانونٍ موحد عجزتْ عنه الحركةُ النسائية، فبدا تخلفها رهيباً هنا، وعادت لقضايا الدفاع عن الحقوق العامة والتفصيلية للنساء كالعمل ضد إلغاء أشكال التمييز الموجهة ضد النساء، وتغيير طابع المحاكم والقضاة في شؤون العائلة المختلفة، والدفاع عن حقوق المطلقات وغير هذا من قضايا.

قيامُ إتحادٍ نسائي يمثلُ وحدةَ النساء في البلد كان خطوةً على طريق بلورة إرادة سياسية للمرأة، كما كان قيام المجلس الأعلى للمرأة خطوة إصلاحية أخرى كبيرة على الصعيد الرسمي، لكن مستوى حضور النساء في الإنتاج، وفي المنظمات السياسية، وفي التنظيمات النقابية، وفي الحياة الاجتماعية الفكرية عامة، الأقل بكثير من أعدادهن في المجتمع يشيرُ إلى أن إنتزاعَ الحقوقِ النسائية لا يتمُ من خلال نُخبٍ صغيرة ومن خلالِ نساءٍ نادراتٍ يصلن إلى المجالس المنتخبة رغم أهمية هذه الخطوة، لكن يحدثُ ذلك من خلالِ حضورهن الاجتماعي السياسي الكبير في مختلفِ أوجهِ الحياة، بالدفاع عن مطالبهن الخاصة، ومطالب التغيير الوطني الديمقراطي العام كذلك.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : نضال النساء في البحرين

في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.

تدهور مكانة المرأة واتساع الرقيق

   

كانت أوضاع المرأة في العصر الجاهلي قد تبدلت عن العصر الأمومي السابق المفترض ، الذي لم توجد منه سوى بقاياه ، ويمكن ملاحظة إن القبائل العربية الرعوية كانوا أكثر انفصالاً عن هذه المرحلة من القبائل العربية المستقرة والزراعية ، وهذا أمر سبق ملاحظته في المناطق الزراعية الشمالية .

فالرعوية تؤدي إلى سيادة ذكورية بارزة ، حيث حدث الانقلاب الهام ، باعتماد العمل على القوة العضلية ، وباعتباره عملاً شاقاً يرتكز على رعي قطعان الجمال خاصة ، ويتصف بــ «التوحش»، على حد تعبير أبن خلدون.

(إذ الإبل أصعب الحيوان فصالاً ومخاضاً وأحوجها في ذلك إلى الدفاء فاضطروا إلى إبعاد النجعة (…) فكانوا لذلك أشد الناس توحشاً وينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش)، (1).

   وعبر فرض الذكور هيمنتهم وملكيتهم للقطعان ، عبر شيوخ القبائل خاصة ، تنامت عملية استغلالهم للمرأة والعبيد والعاملين.

فتحولت المرأة إلى قطيع آخر ، مهمته توليد الأولاد الذكور ، لتقوية القبيلة ، ويغدو ظهور البنات وإنتاجهن على نطاق واسع كارثة لها وسط مهام العمل الضارية في الصحراء ، وأمام الغزوات التي لا تتوقف للقبائل الأخرى.

بل إن المرأة في القبيلة الرعوية تحولت إلى ما يشبه الرجل ، حيث انغمست في العمل الشاق ، وتضاءلت زينتها ، وجعلت مسئولة عن ولادة الرجال. لكن (لم يكن وضع المرأة سيئاً بشكل مطلق ، فقد كانت المرأة سافرة مع غطاء الشعر التقليدي ، كما يفعل الرجال تماماً) ، (2).

   وكانت تختلط بالرجال وتسافر وحدها ، وتركب الخيل ، وكان لها أن تساير الرجل الغريب وتستقبله في منزلها وهي ملزمة بأداء حقوق الضيافة لمن ينزل عليها من الرجال إن كانت وحدها ، وتعفى من هذه الحقوق إذا وجد الرجل من أهلها،  (3).

وكانت  تملك حق الطلاق كما يملكه الرجل ، ولها أن تقيم علاقة حب عفيفة مع رجل واحد ، لكن المرأة العربية في الجاهلية كانت محرومة من الإرث الذي يوزع بمشيئة الأب ، وكان تعدد الزوجات بلا حد معين ، وكان تعدد الأزواج موجود أيضاً ، ولكن بصورة نادرة ، ويسمونه (نكاح الرهط) ، وهو من بقايا المرحلة الأمومية .

وكان زواج ” الأكفاء ” سائداً حيث يمنع زواج المرأة العربية من غير العربي ، أو أن يكون من قبيلة أدنى ، وقد تمسكت طبقة الأشراف بذلك ، وخاصة الأمويين الحاكمين، (4).

 خفف الإسلام من التطرف الجاهلي عبر وضع حد لقتل البنات و لتعدد الزوجات المطلق ، دون أن يكون التعدد كذلك فرضاً ، كما طرح صيغة الزواج من المرأة الواحدة في حالة عدم القدرة على العدل والأنصاف ، وهذه الصيغة فضلها بعض كبار الصحابة كسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري.

وأدخلت المرأة في نظام الإرث والشهادة ، ولكن بشكل غير مساوٍ للرجل ، كما فرض الحجاب على نساء المدينة بعد تدفق الجواري ، ومن أجل التفريق بين النساء الحرائر والإماء ، بسبب السلوك المؤذي من قبل بعض الرجال، وفيما بعد فصل هذا الحكم عن ظروفه الملموسة وأسبابه، وأتخذه الرجال المالكون ذريعة لفصل المرأة العربية عن الحياة العامة بعد أن كثرت أموالهم واتسعت شهواتهم.

في الفترة الإسلامية الأولى كانت مكانة النساء هامة ، وقد لاحظت الصحابيات المهاجرات الوضع المختلف والمتميز لنساء المدينة عن وضع المرأة في مكة ، وقد ناضلن في سبيل تطور مكانتهن.

وكان الاختلاط بين الرجال والنساء واضحاً ، واختيرت بعض النساء لمراكز سياسية واجتماعية هامة ، كسمراء بنت نهيك التي كانت تتولى أمور السوق ، وكانت تتجول في أسواق المدينة وفي يديها سوط لتأديب المخالفين. وكذلك كانت الشفاء بنت عبد الله التي كانت مستشارة لعمر بن الخطاب في مسائل السوق ، (5).

ومن المعروف دور أمهات المؤمنين في تشكيل المرحلة الإسلامية الأولى ، مساندة وكفاحاً ومشاركة في الحركة السياسية.

وشاركت النساء في حروب المسلمين كفرق محرضة على القتال ، ولعبت فرقة النساء في معركة القادسية على سبيل المثال ، دوراً مؤثراً في استقتال العرب الرجال وانتصارهم على الرغم من قلة عددهم.

وقد أدت حروب الفتوح والثروات المتفقة على العرب الرجال خاصة ، إلى تدهور مكانة المرأة العربية ، حيث أمتلك الرجال الأغنياء والمتوسطين فوائض مالية كبيرة أنفقوها في اقتناء الجواري والعبيد.

لقد وضع أساس لعبودية المرأة في المدينة العربية الجديدة ، فوضعت رهن الإقامة الجبرية في البيوت ، فتشكل أساس عميق لتدهور الوعي العام ، في حين كانت المدينة ذاتها مركز للتجارة والثقافة.

لقد تضخمت أعداد العبيد والجواري في زمن الدولتين الأموية والعباسية ، كمظهر آخر لتدهور مكانة المرأة ، بحيث يصعب ضبطه.

(فقد سبى موسى بن نصير من البربر مائة ألف) ، (وصالح أهل النوبة الفاتحين العرب على ثلاثمائة من الرقيق أو أربعمائة يؤدونها سنوياً) ، ويرى الليث بن سعد ، الفقيه المعروف ، بأن هذه الصفقة جيدة (فإن باعوا نساءهم وأبناءهم لم أر بذلك بأساً) ، (6).

 (وقد كان أمراء الزنوج وزعماؤهم يقومون ببيع مواطنيهم) ، (وشارك اباضية ليبيا في عمليات مقايضة الرقيق وبيعه) ، (7)

واستقدمت أعدادٌ كبيرة من الزنوج إلى العراق من شرق أفريقيا في العصر الأموي ، وقد ثار هؤلاء الزنوج على الحجاج وانضموا إلى فئات أخرى في الثورة بدمشق في نفس الفترة.

وغدا الرقيق والنساء والجواري والحيوانات في مرتبة واحدة ، فتلقى القصر العباسي سنة 295 ه هدية من زيادة الأغلب ، مكونة من مائتي خادم أود وأبيض ومائة وخمسين جارية ومائة من الخيل ،(8).

 وأزدهر الرقيق التركي كذلك ، فكثرت أعداد ه في العصر العباسي القادم ، فأشترى المعتصم أربعة آلاف منهم دفعة واحدة ، ثم تتالت عمليات الشراء الواسعة حتى بلغوا ثمانية عشر ألفاً لديه. وحين فتح شمال الهند تدفق الرقيق الهندي ، وقيل إن أبن سبكتكين  حصل من خمس الرقيق فقط على ثلاثة وخمسين ألاً عند فتحها في القرن الرابع الهجري .

وانتشر كذلك الرقيق الصقلبي القادم من روسيا وأوربا الجنوبية والشمالية .

وازدهرت عمليات أخصاء العبيد وظهرت مراكز لهذا الأخصاء كمدينة (هدية) في الحبشة ومدينة (وشلاو) ، وكانت أعداد ضخمة من هؤلاء المخصيين تنقل إلى الحجاز وغيره من المناطق العربية. وقيل إن الخليفة المقتدر العباسي كان يملك أحد عشر ألف خصي من الصقالبة والروم وقيل أكثر ، (9).

لقد أصبح العديد من الخلفاء والقادة العرب من نسل الجواري ، وقد أدى انتشار الإماء إلى إبعاد المرأة العربية العامة الحرة عن كافة مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية ، فقلت النساء المهتمات بالشئون العامة إلى حد نادر، وصار طريقهن للظهور عبر التفقه في الدين . أما اهتمام الجواري بالثقافة فكان من باب تحسين مستوى البضاعة البشرية ، لكي تؤدي الجارية أدواراً غنائية وإمتاعية إضافة لدورها الجسدي.

إن وضع الفلاحين والنساء والعبيد في هذه المكانة ، كان يجعل وعي الطبقات العليا والمتوسطة يتجه إلى الغيبيات، وليس إلى تحليل الواقع والنضال من خلال الناس لتغييره.

ولكن النضال كان يشق طريقه أيضاً عبر هذا الغيب، ومن داخل المدن الجديدة المتكونة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فصل من كتاب: الاتجاهات المثالية في الفلسفية العربية الإسلامية ، صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد ، ويعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية. وفي الجزء الثالث ، وهو يتناول تشكل الفلسفة العربية عند أبرز ممثليها من الفارابي حتى ابن رشد. وفي الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , ₂₀₁₅.

المصادر:

(1) :(المقدمة ، فصل في أن جيل العرب في الخلقة طبيعي ).

(2) :(هادي العلوي ، فصول عن المرأة ، دار الكنوز الأدبية ، ط1 ، ص 16).

(3) : (المرجع السابق ، ص 17) .

(4) : (السابق ، ص 22 ).

(5) :(المرجع السابق ، ص 37).

(6):(المصدر: إبراهيم حركات، المجتمع الإسلامي والسلطة في العصر الوسيط، ص 91).

(7) :(السابق ص 91).

(8):(المصدر السابق ص 92).

(9): (السابق ص 99).

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تدهور مكانة المرأة واتساع الرقيق

محمي: عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفــــــــق ـــ مقالات 2006

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور في الأدنى:

محمي: عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفق ـــ مقالات 2005

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور في الأدنى:

الرمزيةُ وأهميتُها

 

وُجد فهمُ الرموز في عالمٍ اسطوري غيبي مثالي سياسي عبرَ آلاف السنين، وهل كان الإنسان قادراً على أن يتجاوز ثنائية صورتي الإله أو الشيطان المركزيتين؟
لم يكن بإمكانه أن يضع هذه الرموز في تطورات البُنى الاجتماعية، وصراع الجماعات على المال العام والخاص والامتيازات التي يتكرس فيها أناسٌ دون آخرين، وتُدمج هذه الامتيازات بالمناصب والقبائل والعوائل والجماعات السياسية، ويتحول بعضها لكائناتٍ معبودة، تجمد الوعي البشري رافضةً دخوله منطقة النقد والتحليل والتشريح.
وإذ وجدت الأغلبياتُ في الشعوب تكريس هذا في نُصب وتحويلها لمراكز عبادة لبقاء التصورات الخيرة في إعتقاداتها، ظهرت أقلياتٌ تدعو لتحطيم هذه النُصب، غير مدركة لكون هذه الرموز معبرة عن تحولات تاريخية هامة للشعوب، ولكن وعي الشعوب التقليدي لا يستوعب نقدها وتحليلها وتمييز الخيط التقدمي الصاعد عبر التاريخ وتراكم الممارسات الاجتماعية الفكرية الجديدة والمضيئة، وليس الحل هو في تدمير الأشياء والأعمال المقدسة والفنية للشعوب مهما بدت مختلفة ونائية عن تفكيرنا بل في قراءة حياة هذه الشعوب الاقتصادية وإصلاحها.
عبرَ صراعُ الرموزِ ونقدها أو مدحها في منطقة العالم الثالث المتأخر- حيث أن بعض الدول الاشتراكية قد تجاوز هذه المرحلة الصنمية- عن صعوبة العمليات الديمقراطية والتحويلية الجارية في هذه البلدان.
ثنائية الذم البغيض أو المدح الذاتي العالي، يعبران عن العقلية القديمة وثنائية الإله أو الشيطان، وهي عقليةٌ واحدة في ميدالية الوعي الاسطوري، الذي يحول الكراسي لحكم أبدي، مطلق خارج صراع التاريخ والجماعات.
وقد تجاوزت ثقافةُ الغرب ذلك لكون عالم الكراسي نسبي، مرحلي، يهدف لتطوير البنية الاقتصادية السياسية التي توضع محلَ تشريحٍ ونقد من أطراف عدة، كلٌ يسحبُ لجهةِ مصالحهِ المشروعة، في مسرحٍ تتسلطُ عليه الأضواءُ الساطعة، ويقبلُ فيه المتنافسون نتائجَ الأصوات والضغوط ودعايات الجرائد الحزبية التي غالباً ما تلجأُ للعروض الموضوعية في تكوين قياداتها، فتظهر مراكزُ طبخ في كافة الطبقاتِ المتصارعة لتكوين القيادات ودراسة نقاط قوتها وضعفها، ومدى تعبيرها عن الجديد في مصالحها وجماعتها، وتجاوز القديم الذي تكلس، ولكن حتى تلك القيادات التي تكلست تدافع عن وجودها أمام التشريحات النقدية وتتساقط إذا عبرت تلك التحليلات العميقة عن جوانب جديدة هامة وكشفت أخطاء خطيرة ومستوى سياسياً معرقلاً لتطور النظام والجماعة.
وهذه الممارسة السياسية العالية نتاج تطور فكري سياسي لعدة قرون سابقة، لا نستطيع أن نقفز نحوها بأقدام الأطفال السياسيين، الذين تمتلئُ أفواههم بعبارات الذم الساحقة لأفراد محددين يخالفونهم الرأي، أو المدح الرخيص للحصول على مناصب متوفرة وسد منافذها أمام الكفاءات.
إن عقلية الإله أو الشيطان، الأبيض أو الأسود، لا تتشكل في تجسيدات الحياة الاجتماعية السياسية التي يمتزج فيها الخيرُ والشر، الانجازُ والسلب، التطور والجمود، الرقي والرجوع للوراء. إن كلَ جانب إجتماعي سياسي يحمل جوانبه المفيدة، ولكن هذه الجوانب لا تتصارع جدلياً، فتتفجر منها شراراتُ النور لا شرارات النار!
وتبسيطاتُ الوعي القديم ما تزال رازحةً على أفواه الوعي الجديد، مثلما أن الدول الفتية في العالم الثالث تختلط فيها تشكيلات المجتمعات العتيقة من عشائر وأقاليم متضخمة الهيمنة، ومناطق مقزّمة الوجود، وكلٌ من هذه المناطق المتناقضة المصالح ترمي الأخريات بصور الأباليس، وتضعُ مسيراتها الطائفية والدينية والسياسية في براويز الضياء والأبدية.
وكما أن الديمقراطية بكر وهشة في هذه الدول لا يتطور الوعي فيها بسهولة لتحليل الواقع وتناقضاته، فهي متمترسة في أوضاعها، تعيش على أصوات تمجدها أو تلعن خصومها، فهي غير قادرة على نخل عالمها وتغييره من الشوائب وتزييت العجلات السياسية لمزيد من التطورات الوطنية الجامعة لأبناء الشعب الواحد المتضارب المصالح موضوعياً ومؤقتاً في فترة ومتلاق في فترة أخرى حسب قدراته على الفهم والنشاط السياسي وإدراك التناقضات وحلها.
ولهذا فإن الصرخات والتهجمات على الرموز المختلفة هي أعمال بائسة لا تؤدي لتطورات بقدر ما تعقد العمليات الفكرية والسياسية، وتهيج الجمهور من هنا وهناك.
ولا توجد أفضل من القراءات الموضوعية للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع الابتعاد عن الشخصنة والمثالب الموجهة للشعوب والقبائل والمذاهب والشخصيات القيادية، ومثل هذه القراءات الحكيمة تعزز بذور الوعي الجديد، وتهدئ الأعصاب السياسية، لكونها تتجه للمشكلات الموضوعية وتشير للحكام والمحكومين إلى جوانب النقص فتخلق تقارباً على خريط البلدان المشتتة، التي تزيدها الصراعات الذاتية تمزقاً وتباعداً، وتنتج قيادات جديدة في مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية السياسية ترى ما لم يره الآخرون السابقون وتضيف لانجازاتهم إنجازات جديدة، ولهذا يتطور العمل السياسي المتصارع نحو حلول جديدة للواقع الذي ظهر متكلساً لا يقبل التغيير.
في السياسة إمكانيات كبيرة للالتقاءات والتعديلات والتشريحات واللقاءات والاجتماعات للخصوم ولظهور صراعات أكثر تطوراً وذات قابلية أكثر للعلاج، أما العمل بعقليات اسطورية لا تستطيع دمج العلوم العصرية بالعلاج السياسي فهو مثل الطب القديم الخرافي الذي يعالج الأمراض باللعنات والهجوم على الأرواح الشريرة!

تركيب حضاري

abdulla khalifa

ظهر الإسلام في ظروف شديدة التخلف عند العرب والأمم المجاورة لهم، وبهذا فإن شكل الوعي المكرس فيه يقوم على شكل مثالي ديني، تلعب فيه الأفكار الغيبية دوراً محورياً مهيمناً على الوجود، وتلك بسبب غياب العلوم بمختلف أقسامها عند أهالي المنطقة البدوية خاصةٍ، وهي تعبير عن الإنجازات الحضارية المؤسساتية لأهل المنطقة لكنها مشكلة دينياً.

 ومع تطور المسلمين واحتكاكهم بالحضارات التي سبقتهم والمنتجة للفلسفة فإنهم اتجهوا للاستفادة من هذه المنتجات الفكرية المتطورة القديمة، بصفتهم أكثر شعوب الأرض وقتذاك تقدماً .

 وهكذا راح المسلمون يستثمرون هذه المنتجات في تطورهم الحضاري المستقل، ومن هنا كيفوها مع الموروث الإسلامي الأولي، ومع الموروث الإسلامي الجديد الحضاري الذي تكون حين شكلوا تلك الحضارة، منقطعين عن المستوى السابق.

 والذين قاموا بهذه العملية ليسوا المسلمين ككل، ولكن تلك الفئات المثقفة التي يعود تكوينها للفئات الوسطى عموماً، وقد أبقت على المنظور المثالي للفتر السابقة، مطورة إياه في منظور مثالي موضوعي.

 بين المنظورين المثاليين الديني الأولي، والديني الفلسفي، ثمة نقاط تشابه ونقاط افتراق، في كون الأول يمثل الفئات الوسطى المكية المثقفة، وهي تقود عملية التحول في ظروف شديدة التخلف، وبأدوات النضال الجماهيرية.

 واعتمدت تصوراتها على الرؤية المثالية الدينية في أبسط أشكالها، حيث الجمع بين الواقع والميراث التصويري الفكري القديم، المستفيد من الدينين السماويين السابقين، اللذين هما كذلك مستفيدان من الإرث الفكري للعصر القديم.

وفى الجزيرة العربية أتيح للفئة الوسطى التحرك بحرية تاريخية نسبية، لعدم وجود الملكية الشاملة، فغدت المثالية دينية — أسطورية — تصويرية مغيرة للواقع المتخلف.

 في حين واجهت المثالية في عصر الحضارة الإسلامية التالية إمكانيات فكرية وعلمية كبيرة، فتخلص أغلبها من الشكل الأسطوري التصويري، متوجهاً إلى المقولات والتركيب النظري الواسع واعتماد المنطق الأرسطي وطرح استقلال الطبيعة والمجتمع من التدخلات الغيبية المباشرة الحادة.

 لكنه اعتمد المثالية كذلك عبر جعل هذه المقولات تخلق العالم ، وتشكل الوجود، مع اعترافها بموضوعية هذا العالم ووجود قوانين لتطوره. لكن هذه القوانين تتمثل في الجانب الطبيعي بدرجة أساسية.

 وهكذا فإن الوعي الديني والوعي الفلسفي تماثلا في إعطاء القوى الماورائية إمكانيات تحويل الحياة، مرة عبر النص الديني، ومرة عبر النص الفلسفي؛ ومرة باعتماد الجمهور الشعبي للتحويل وعبر الدخول الجريء في الحياة، ومرة عبر العلوم والانسحاب إلى الزهد، فهنا حدث تغير في طبيعة الفئة الوسطى القائدة، فالأولى كانت غير تابعة للقصور، والثانية كانت تابعة.

 والأولى إذ غيرت العالم فإنها أسست مدنية مسيطراً عليها ثقافياً من قبل مستوى متخلف سابق، في حين أن الثانية كانت أكثر تقدماً ثقافياً لكنها عاجزة سياسياً وتاريخياً!

 وهذه التحولات المتضادة أزيلت بإيجابياتها في المرحلتين، المرحلة الإسلامية التأسيسية ، وفي المرحلة الحضارية المدنية، فلم يبق من الثورة التأسيسية والارتباط بين التقدم والجمهور الشعبي، ووجود برنامج نهضوي مطبق على الأرض، ولا كذلك ضخامة الإنتاج الفكري والفلسفي والتداخل مع إنجازات العصور السابقة واستيعابه ثروة الأمم!

 وجاء العصر الحديث متردداً متناقضاً، غير قادر على فهم العصرين السابقين وعصره هو.

أطروحةٌ، فنفيٌ، فنفي النفي، أي عصور ثلاثة متضادة، راحت تتشكل على مدى الألفى سنة من عمر العرب والمسلمين، كل عصر يقوم بنفي العصر السابق، ليس بشكل كلي؛ ولكن بشكل أساسى، والعصرُ الحديث لم يفهم أنه تركيبٌ ، وأنه جمعٌ بين العصرين السابقين ونفي لهما معاً .

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تركيب حضاري

 

الأيديولوجيات العربية والعلم

هناك بعض أوجه التشابه بين التجربة الماركسية — اللينينية والتجارب العربية الفكرية والاجتماعية القومية والدينية، فهناك جوانب عميقة متقاربة، فالمنهجية الماركسية التقليدية لم تتشكل كحفرٍ علمي في العلوم عربياً وإسلامياً ، فهي جاءت كمقولاتٍ ناجزةٍ، فليس ثمة هنا أبحاث واسعة في العلوم، ولا تشكيل لطبقة فكرية موضوعية على سطح الوعي، وبالتالي فإن تطبيقها على ميدان التاريخ والبنى الاجتماعية كان يجري بالطريقة ذاتها، أي كعمليةِ نقلٍ من المصادر، بالسياق السياسي ـ الإيديولوجي ذاته، فكان على العرب القفز من الإقطاع إلى الاشتراكية.

 إن السياق السياسي هذا سيطر على المنهج وأخضعه لغاياته بدلاً من أن يكون بحثاً في الواقع والتشكيلات في مسارها العربي، وقد تم نقل المخطط التاريخي الخماسي القائل بوجود خمسة تشكيلات هي المشاعية، والعبودية، والإقطاع، والرأسمالية، والاشتراكية، ثم تم خرقه بالقول بضرورة القفز على التشكيلة الرأسمالية.

 فهنا تغدو مقولاتُ المادية التاريخية غيرَ قادرةٍ على النفاذِ إلى البُنى الاجتماعية العربية، حيث تدعو للقفز من الإقطاع إلى ( الاشتراكية ) وفي هذا القفز إنكار للمادية التاريخية، فهنا أيضاً لا توجد أمة عربية ذات سيرورة تاريخية خاصة، بل موديلات جاهزة، أي أن المادية الجدلية لم تتحول إلى مادية تاريخية، لأن كلا الماديتين لم تتشكل في مادةٍ بحثية عربية.

 هنا يقومُ الوعي بإسقاط ذاته على الواقع الموضوعي، فيتم خرق القوانين الموضوعية باسم ذات القوانين، فموضوعيةُ التشكيلات التي تُلقى تتحدد أساساً بعملية الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، فهاتان البنيتان بحاجة إلى درسٍ عميق، وحين تضيع قوانين كلا التشكيلتين لا يتشكل وعيٌ موضوعي.

 إن (الأنا) تسقطُ معايير النفعية والفائدة المباشرة هنا ويقودُ هذا إلى عدمِ رؤية القوانين الموضوعية للمادة، سواء كانت طبيعية عبر العجز عن قراءة العلوم الطبيعية معرفياً، أو اجتماعية بالعجز عن اكتشاف قوانين تطور المادة الاجتماعية بسبب الإسقاط السياسي، فتتآكل الفلسفةُ المادية على جانبيها الجدلي والتاريخي، ومن هنا لا تغدو لها حفرياتٌ مميزة في الحياة الاجتماعية.

 إن الإسقاط السياسي يقودُ إلى عدمِ قراءة سيرورة التشكيلات الحقيقية ويكون لهذا نتائجه بعدمِ رؤيةِ خيطِ التطور الموضوعي، مما يفتحُ الطريقَ للعودة إلى المثاليات.

 إن تحولَ النظرية الموضوعية إلى أفكارٍ تستهدفُ منفعةَ الذات الجماعية، وليس إلى وعي جماعي يكتشف القوانين الاجتماعيةَ ويسيطر عليها، تقود إلى تآكل النظرية وتحولها إلى مجموعات من الشعارات والأفكار النفعية المتقلبة، وهو أمر يفتحُ البابَ لمجموعةٍ من المناهج المتناقضة المضطربة، من المادية الميكانيكية والجدلية مع اشكالٍ من المثالية الذاتية في خليطٍ يتجهُ في خاتمة المطاف إلى عدم الصمود ونفي تناقضاته الداخلية إلى مركب جديد.

 فتسيطر فكرة نقل الموديل ولكن هذا الموديل غير صالح للسكة التاريخية التي يفترض أن يمشي عليها، إن المادية الميكانيكية هنا تتفكك وتتحطم، ففكرة إزالة الدين كما جرت في الاتحاد السوفيتي أو الصين التي تنُقل ميكانيكاً هنا تتحول إلى رفض كلي للدين، أو تتحول إلى استغلاله سياسياً، أي دون دراسته وفهمه واتخاذ مواقف دقيقة من عمق هذه الدراسات.

 وتقود عمليةُ القفز على التشكيلة إلى القفز على مفرداتها الموضوعية كالدين والملكية الخاصة والرأسمالية ، أي تقود إلى عدم تنمية تطوير العناصر الديمقراطية الجنينية وتحويلها إلى انعطاف سياسي في البنية.

 إن كفة التيارات السياسية العربية ستقوم بإعادة إنتاج هذه الطريقة سواء أكانت قومية أم بعثية أم دينية أم وطنية إقليمية شمولية أم قوى مذهبية سياسية.

إن إسقاط أهمية الرموز الدينية التي خلقت البنى الاجتماعية الإسلامية، يقود إلى عدم القدرة على تفكيك علاقة الإقطاع بالدين والتحكم في السلطتين السياسية والدينية، وبالتالي يقود إلى عدم القدرة على تكوين جبهات سياسية عريضة للتحول الديمقراطي.

 فهذه الرموز نتاج تطور طويل للبنى، بحيث تغلغلت في مستوياتها السياسية الفكرية — الاجتماعية والاقتصادية، فهي تقوم بإعادة إنتاجها، ومن هنا يتطلب التغيير إعادة بنائها.

 تتكونُ في التجربة (الشيوعية العربية) كما هي في التجربة القومية – البعثية والمذهبيات السياسية المختلفة، (الذات) المتجوهرة حول الطبقة القائدة التاريخية أو(الأمة) العربية أو(الأمة) الإسلامية أو الطائفة، وإذا كانت الذاتُ الشيوعية مرتبطةٍ بالواقع وعمليات تحليله الطبقة والتاريخية فإن المفهوم الذاتي الجوهري لا يتغير نوعياً، فهذه الذاتُ ستخرقُ قانونَ تحليل الواقع الموضوعي وستطرح برنامجها القادم من الذات العالمية المتجوهرة، ذات الطبقة العاملة العالمية، كما ستتمظهرُ فى كيان رأسمالية الدولة الشمولية في الاتحاد السوفيتي أو الصين الخ.. أي كما تتصور الطبقة العمالية، أقسامٌ من الفئات الوسطى تُسقطُ أفكارَها ومصالحها على حركة هذه الطبقة، أي تقوم بأدلجتها.

 وسيدورُ العالمُ حول هذه الذات، ولهذا فإن درسَ التاريخ يغدو إسقاطاً منها عليه، فهى لا تقرأهُ بموضوعيةٍ بل تُسقطُ عليه برنامَجَها السياسي، فتغدو هي مركزه؛ بدلاً من أن تقرأهٌ مستقلاً عنها.

 ومن هنا سيغدو تغيير الواقع المعاصر كذلك مرتبطاً بهذه الذات، فسترى تطبيق برنامجها هو الحقيقة الاجتماعية الموضوعية، أي كل ما يجعل الطبقة العاملة تسود، وهذا ما يكرسُ نموذجَ رأسمالية الدولة الشمولية كما في مصر والعراق والجزائر وسوريا واليمن (الجنوبية) الخ.. وبدلاً من برنامج الحياة الموضوعية وهو برنامج هدم النظام الإقطاعي الديني، وتشكيلِ نضالٍ طويل متدرج لتغييره، بتصعيد مختلف العناصر الديمقراطية والتحديثية، سيجري القفز على ذلك، وسيجري تقوية أجهزة الدول المركزية، وثقافة الشمولية المختلفة، وبقاء النظام التقليدي في خاتمة المطاف.

 إن الذاتَ هنا غير قادرةٍ على إنتاجِ مقولاتٍ فلسفيةٍ بسببِ هذه المثالية الذاتية، المثالية المتقوقعةُ حول (الأنا)، ولهذا لا تستطيع أن تحل معضلات فهم التشكيلات التاريخية رغم اقترابها من درس الواقع الموضوعي بشكل كبير، لكن هذه الدرس يهدمهُ تصور ذاتي عن الوجود، وهو تصور (طبقي) يعود لفئات وسطى شمولية.

 وكل التصورات البحثية والقومية والمذهبية السياسية صادرة عن مفهوم طبقي، ولكن هذه التصورات سترفض مفهوم الأنا الطبقي، وتحل محله مفهوم الأنا القومي أو الديني أو المذهبي، ومن الناحية التاريخية الكبرى، أي عبر المصير المتوقع في مسار التشكيلة، سيكون الأمر متقارباً، أي لن يكون ثمة فروق كلية بل فروق جزئية.

 فالأنا القومية هنا كذلك تقومُ بإسقاط ذاتها على الوجود كما رأينا في آراء المفكرين القوميين، فالأنا العربيةُ تقفزُ خارجَ الزمان والمكان، ولهذا تغدو مقولاتها شعرية لا فلسفية، خطابية لا مفاهيمية موضوعية، ولهذا فإن الفئات الوسطى المنتجة لهذه الدعوات، ستتقاربُ مع الفئات الوسطى المنتجة للشيوعية العربية عبر تصعيد دور الدولة كجهازٍ تقني لحل معضلات القفزة الحضارية، نحو الحداثة، وإذا كانت الأنا القومية ستعملُ للحفاظ على جوهر الأمة وبقائها الميتافيزيقي، الخارج عن التاريخ، فإن الذاتَ الشيوعية العربية سترى تصعيدَ دور الدولة وتضخيم الطبقة العاملة مؤشرات نحو تحقيق الذات بشكل آخر.

 إن الذاتين الشيوعية والقومية تتصادمان أو تترافقان عبر تصعيد دور الدولة المركزية وهو أمر يقودُ إلى تصعيد دور المنظومات التقليدية السياسية القديمة، أي تصعيد الدولتين السنية أو الشيعية الرابضتين تحت القشرة السياسية الهشة للحداثة، وهنا يجري القيام بطلاءٍ تحديثي، مترافق كذلك مع إنجازات اقتصادية واجتماعية تدفع ملايين من السكان للالتحاق بالتجربة، والتظاهر معها، ولكن نظام رأسمالية الدولة شكل انتقالي بين التشكيلات، وهو في الدول الشرقية المتخلفة، يغدو شكلاً انتقالياً بين تجديد نظام الإقطاع وتشكيل رأسمالية بأدوات بيروقراطية.

 وهذا الأمر يتعلق بتجربة كل دولة وتقاليدها السياسية والاجتماعية، فالعراق توجه عبر البعث نحو استعادة نظام الإقطاع المذهبي بصورة قمعية شديدة، في حين اقتربت تجارب أخرى من الرأسمالية المُكونَّةً بشكلٍ إداري شمولي كمصر دون أن تخرج من نظام الإقطاع المذهبي بعد.

إن الفارق يتحدد بمدى ظهور فئات وسطى صناعية حرة، تبدأ في الحفر لتشكيل نظام رأسمالي حديث. أي بمدى القدرة على إنتاج وعي وطني ديمقراطي يتجاوز الشموليات بأنواعها: الشيوعية، القومية التعصبية، المذهبية والدينية التقليدية الخ.

وبهذا فإن المذهبَ السائد وسيطرة الارستقراطية والذكور والشمولية السياسية والفكرية كلها يُعاد إنتاجها، وسيغدو المذهب الديني السياسي المهيمن الشكل الإيديولوجي للخروج من الأزمة الفكرية الناتجة عن فشل الطريق (الاشتراكي) المزعوم.

أي أن القوى المسيطرةَ على الجهاز السياسي والاقتصادي والعسكري الشمولي تواصل تاريخ الاستغلال السابق، لكنها في الدول العربية والإسلامية لم تستطع الخروج من التشكيلة الإقطاعية، فظلت أسئلةُ الحداثة حارقةٍ في جسمها السياسى والاجتماعى.

إن هذه أيضاً عدم قراءة موضوعية وتطبيقية لـ(القوانين)، فقوانين المادية الجدلية بقراءة الطبيعة تخرق على مستوى قراءة تطور المجتمع، فتنفك العلاقة بين جدل الطبيعة وجدل التاريخ، ويغدو المجتمع مرهوناً بمخطط ذاتي لدى القيادات، فتحل الإرادةُ الفرديةُ نفسها محل القوانين الموضوعية للصراع الاجتماعي، وتهيمنُ الأرادةُ الفوقية على الأحزاب؛ وتهيمنُ على الدول، وعلى الملكية العامة المُصادرة، فتتشكل فئاتٌ بيروقراطية استقلالية، تهدرُ الثروةَ العامة.

وبدلاً من تصعيد فئات وسطى وعاملة حديثة ديمقراطية، يقوم الهيكلُ البيروقراطي بنخر الحداثة الاجتماعية الضعيفة، وبدلاً من تصعيد فردية وتحررية اجتماعية وعقلانية، يتم القفز إلى هياكل إيديولوجية عامة فارغة، مثل (ضرورة هدم الطبقات) أو (هدم الأديان)، لكن في المحتوى الاجتماعي العميق تبقى الذكورية المتسيدة والقبلية والبيروقراطية المتحكمة في الثروة والأطر الإقطاعية المذهبية.

ويصل نظام رأسمالية الدولة الشمولية الشرقي إلى أزمته، فتتفكك المنظومة، وتوابعها داخل المعسكر (الاشتراكى) أو خارجه. مثلما تحدث أزمة الأنظمة الأخرى العربية المحافظة ذات الجوهر (الستاليني)؛ ملكية عامة بيروقراطية مسيطر؛ وهي فاسدة.

وقد لعبت التحولاتُ الاقتصادية النفطية دورها في تصعيد قوى  الإقطاع المذهبية بشكل أكبر من السابق، وبدلاً من تصعيد دور الرأسمالية (الحرة) انتشرت القوى التقليدية والشمولية القديمة. فهذه التحولات جرت في البلدان الصحراوية والريفية متدنية التطور، فساهمت في تأخير المدن العربية السائرة سابقاً في طريق التطور الحديث. وهكذا فإن أنظمة الإقطاع المذهبية حصلت على دفعة قوية.

هذا أدى إلى صدمة لمركزية الذات الشيوعية والقومية، فالتصور السائد بحدوث القفزة، انقلب إلى حدوث الارتداد، وهو أمر قاد إلى تآكل الوعي والتنظيمات وأعطى دفعة للصعود المحافظ كذلك.

فإذا كان مثل هذا الوعي لم يستطع أن يصلَ إلى فهمِ أساسيات التاريخ، ووضع إرادته الذاتية بديلاً عنها، فإن الطوابقِ التحتية في ذاته مليئه بأشكال الغيبيات والمثالية، ولهذا فإنه حتى مفاهيم المثالية الموضوعية التي لم تتشكل هياكلها لم تستطع الحضور النقدي الاجتماعي، ولهذا فإن شتى أشكال المثاليات الذاتية تتفاقم وتتصاعد في مرحلة الانهيار  والاضطراب.

فمع مرحلة انهيار أسلوب ملكية الدولة المركزية الشمولية، على الصعيد العربي بسقوط الأنظمة الوطنية ذات الملكية العامة السائدة، أو بأزمات الأنظمة العربية المحافظة، تصاعدت موجةُ المذاهب النصوصية، كتعبير عن غياب بحث وتجسيد القانون نظرياً واجتماعياً.

فتصاعدُ الغيبيات المتطرفة كانتشار خرافات القبور وتحضير الأرواح الخ.. كان إعلاناً عن هجمة المناطق الرعوية والريفية، وبلدان الجزيرة العربية الصحراوية على المدن، النهضوية المتآكلة، وظهور زمن الثروة اللاقانوني، المستند إلى الصدف المحضة، وهكذا فزمن النهضة الأول المستند إلى اكتشاف وتجسيد القانون والصناعة الشخصية، تم القفز عليه عبر الانقلابات العسكرية ثم المناطقية المحافظة، وبهذا فإن الحكام المطلقين ظلوا في السلطة الأرضية كما ظلت صور الإله المطلقة الخارقة للقانون، أي أن الثروات وتوزيعها ظلت لدى أهل السلطة المتحولين والناتجين من تبدلات سياسية خارج الوعي والإرادة البشرية، وبهذا فإن النصوصيات الدينية المعادية للعقل صعدت بقوة، بدلاً من تراكم الفكر الموضوعي والعلوم.

إن الأفكار الدينية النصوصية المحافظة تقوم على صور الإله المتدخلة في كل شيء، تعبيراً عن ضعف الإرادة البشرية الشعبية تجاه التسلط الديني والحكومي، فتتوارى سببيات الثروة والأمراض والحروب وتدهور المدن الخ. . ويغدو كل شيء بـ(بإذن الله+ وأنشاء الله) وليس بإرادة العصابات الحاكمة في الحكم والدين.

 وهذا يوسع انتشار اللاعقلانيات والغيبيات المتطرفة والصوفيات، وينهض الموتى للتحكم في الأحياء، وتسيطر الأرواحُ على الأجساد المفرغة من العقول. ويدير اللصوص  المسرحين السياسي والاجتماعي.