عبدالله خليفة

تعدد الزوجات والحرية

نشأ الفقه الإسلامي في زمن نهضوي ولكنه محدود بمهمات قيادة العرب للتحول السياسي والاجتماعي الكبير في المنطقة، فكانت قيادة الإسلام لتحولهم الحضاري من داخل ظروفهم البدوية المتخلفة، مسألة شائكة وصعبة، ومع هذا تم إنجاز الكثير في هذه العملية المركبة.

 ولهذا نجد العلاقة المحورية بين الرجل والمرأة وهما قطبا العملية التاريخية، تتلون بهذه الظروف التحولية الصعبة والملحمية كذلك، فجاء تقنين هذه العلاقة في الزواج، وفي ظروف سيادة الرجال المطلقة، والرجال هم قادة ومادة التحول السياسي والعسكري والاقتصادي، وحاول الإسلام تقنين هذه العلاقة في ضوء مشروعه لتحرير المنطقة من القوى الأجنبية، وفي ظل محدودية أعداد العرب قياساً بإعداد الأمم التي ستحكم أو التي حكمت فيما بعد.

 من هنا كان لابد من أخذ جانبين: الأول هيمنة القبائل العربية في عملية التغيير هذه، والثاني هو التقليل من الطابع المطلق لسيطرة الرجال في الجاهلية، ولكن مع ضرورة تكاثر العرب السلالي لحكم هذه المنطقة الشاسعة.

 فنرى أن التقنين هنا يعكس المهمات التحولية للعرب، وأنماط الزواج ترتبط بهذه الضرورة التاريخية، فأدركت مدارس الفقه الاجتهادي هذه الضرورة وإن كان الأمر بشكل حدسي.

 أي أنها لم تقنن العلاقة بين الرجل والمرأة، في علاقتهما الزوجية، بشكل فكري وفقهي واضح، بأن هذه العلاقة يجب أن تخدم تطور الأمة وتحررها، وأنها ليست علاقة شهوات محضة، وإنها ليست إنتاجاً للأطفال من دون رؤية مصالح الأمة.

 عبر استخلاص هذه العلة المحورية، وهي علة تنطبق على العديد من التشريعات الدينية الأخرى، يمكننا أن نضع مسألة تعدد الزوجات في مثل هذا الإطار، فهل هذه العلاقة تصبُ في خدمة تطور الجماعة، أم هي عائق لتطورهم، وقراءة مثل هذه العلاقة مرتبطة بالظروف التاريخية التي تمرُ بها الجماعة، فإذا كانت خارجة من حرب فُقد فيها الكثير من الرجال، هي غير حالتها وهي في حالة سلم وهناك كثافة للرجال، حالتها كما هي حالتها الآن كثيرة الأعداد، قليلة الخدمات، تنتجُ من الأطفال زيادة عن الحاجة، ويقود هذا الإنتاج الزائد للأطفال إلى الكثير من التخلف لهم، وإلى تخلف الأمة أو الشعب، الذي تحدث فيه مثل هذه الظاهرة.

 فيغدو التشدد على تعدد الزوجات في بلد كثيف السكان غيره في بلد محدود السكان. فيجب أن لا نأخذ القضية خارج ظروف الزمان والمكان، ونصيغ حكماً جاهزاً يطبق على كل الحالات، فحتى في ظل الأوضاع الأسرية و الفردية المختلفة تظهر أحكام مختلفة وتظهر حالات خاصة.

 لكن إنتاج عائلة عربية محدودة الأفراد صار قضية متعلقة بالتقدم، حيث تغدو مثل هذه العائلة هي اللبنة التي يمكن عبرها أن تتشكل جماعة أقوى، فالتركيز على النوعية وليس على الكم سواء في الزوجات أو فى الأطفال.

 إن فقهاً يستخلص العلل التحررية والنهضوية لتقدم المسلمين الأوائل لا بد أن يطبقها على ظروف جديدة مختلفة، من أجل أن لا تكون العملية الفقهية نتاج المشابهات الخارجية، أو أن تُجعل النصوص هي التي يجب أن يخدمها البشر بدلاً من أن تكون العملية معاكسة، فيزدهر فهم النصوص واحترامها.

 ومن هنا فإن كل قاض اجتهادي سوف يأخذ روح النصوص والأحكام السابقة، ويرى مدى ضرر أو نفع التعددية الزوجية، وهل هي نتاج عوامل ذاتية أنانية أم هي لضرورات حقيقية ؟

 والفقه الاجتهادي سوف يأخذ وضع البلد السياسي والاقتصادي إذا أراد أن يصيغ أحكاماً عامة، أو قوانين ملزمة تعلو على الأشخاص وتحكمهم، تراعي تطور الرجال والنساء، لتشكيل علاقة صحية تقوي تقدم الناس.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تعدد الزوجات والحرية

 

عبدالله خليفة

المرأة بين السلبية والمبادرة

ليس هناك فرق سياسي بين (جنس) المرأة والرجل، فلا تغدو الأنوثة أو الذكورة ميزة، بل ما يحدد الفرق هو نوع الوعي الذي يحمله كل منهما، ولهذا فإن لا ميزة لدخول النساء أو الرجال إلى البرلمان، بل الميزة هي فيما يضيفه كل منهما إلى قائمة العمل الوطني والتراكم الديمقراطي!

 ولهذا فإن هؤلاء اللواتي يعتقدن فقط كونهن من النساء يعطيهن أفضلية في العمل السياسي، أو أنه بساط الريح الموصل إلى كراسي المجلس المنتخب، فإن ذلك من الأوهام التي يكرسها المجتمع المخملي.

 فلا كتب الطبخ الزاهية التي يؤلفنها ولا أحاديث الصالونات ولا الاشتراك في مجلات الموضة والفساتين والعطور، هي ما يجعلهن ذواتاً سياسية متصدرة بل ما يكرس حضورهن هو نشاطهن السياسي النضالي في صفوف الناس دفاعاً عن العاطلين والفقراء والمدن المختنقة بالتلوث والفساد!

 ولهذا فإن انتظارهن للفرصة الذهبية قبيل الانتخابات للظهور بآخر التسريحات هو مضيعة وقت، ولا علاقة له بالنشاط البرلماني، إذا لم يبدأن الركض السياسي منذ الأن، وما دامت العقبات الذكورية الدكتاتورية، تضع لهن شتى الحواجز الكبيرة متحدية سمنتهن السياسية المترهلة منذ عصر الحريم.

 ولأن وجود المرأة المرشحة ليس ميزة بحد ذاته، فإن حضور المرأة الكفاحي مثلها مثل الرجل، هو الذي يعطيها تلك الميزة، أي نشاطها الذي لا يتوقف، ولا يرتبط بمواسم انتخابية وإعلانية وتجارية، بل يرتبط بوجود قضايا نذرن أنفسهن لحلها، وبوجود أهداف يسعين للوصول إليها، بغض النظر عن العقبات الماراثونية التي يضعها الوعي الذكوري الاستبدادي، لسيادته في المنزل والشارع والمجلس، وفي التاريخ المكتوب كله!

 ومن هنا فإن هذا الحضور النضالي عبر الزمن السابق والراهن واللاحق هو وحده الذي يمكن أن يؤهلهن ليكن عضوات يعتمد عليهن الناس في الصراع من أجل برلمان متقدم، يقدم العمل والتعليم الحقيقي والطب الحقيقي والهواء النقى للمواطن.

 وعليه فإن العملية الانتخابية يفترض أن تكون موجودة منذ زمن بعيد، في هذا الحضور النسائي للدفاع عن قضايا البيئة والسلع غير المغشوشة وضد الأجور الهابطة دوماً، وضد التمييز ضد المرأة والتي يقوم بعض النسوة للتصدي لها فعلاً.

 لكن المعارك الانتخابية تحتاج إلى أكثر من هذه الأشغال الإصلاحية الصغيرة، تريد نضالاً سياسياً وسط الجمهور، تحتاج إلى الوصول إلى الحارات الفقيرة، ومعرفة دسائس المرتشين وحرامية المال العام الذين يريدون القفز على كراسي المجلس المنتخب منذ الآن، عليهن الوصول إلى النساء داخل بيوتهن والحديث معهن عن حقوقهن الضائعة، وأن يذهبن إلى مجالس الرجال ويقدمن جدولاً إصلاحياً ومسودات قوانين ضد الرشوة والإسكان السياسي، ومن أجل رفع الأجور وتطوير التعليم وتنظيف الحارات من المخدرات، والفقر والمطبات.

 عليهن ألا ينتظرن وقت المعركة ولا إعلان النتائج بل أن يكون العمل لتغيير حياة الناس يسري في دمائهن، وعروقهن السياسية الوطنية، ويمكنك أن تناضلي في البرادة، والشارع والندوة، والجريدة، ومع الصديقات والمعارف والأهل، وإذا كانت لك قضية فإن الكرسي ليس مهماً بل هو وسيلة للوصول الرسمي لصياغة القرارات وتغيير القوانين، ويمكنك أن تعملي على تغيير هذه القوانين داخل وخارج البرلمان، مع أطفالك وجاراتك، وإذا كان ذلك موجوداً فإن النساء والرجال سوف يرفعونك إلى أن تواصلي المعركة داخل المجلس المنتخب.

 إن الاعتماد على التيارات الأصلاحية وشق الطريق الشخصي – الموضوعي داخلها، برجالها ونسائها، هو الذي يؤهل الإنسان لأن يكون مُشرعاً .

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : المرأة بين السلبية والمبادرة

 

عبدالله خليفة

العائلة والديمقراطية

لماذا يساند الكثير من رجال الدين الاستبداد الذكوري ؟ هل لأنهم فقط رجال يناصرون جنسهم أم أن المسألة أبعد من ذلك ؟

في حين أن الوعي الإنساني سواء تجلى في الدين أم في الفكر الحديث يجب أن ينظر بمسئولية وعدالة للعلاقات البشرية.

فهذه الاغلبية للأسف من الوعي الديني أم حتى من الوعي السياسي السائد، تركز على قمع النساء، وليس قمع شهوات الرجال واحتكارهم لثروة المنازل وقرارات التصرف فيها، وفي مظاهر شديدة الوضوح لا تحتاج إلى بيانات مثل كثرة أسفار الرجال إلى بلدان المتع، وترك زوجاتهم وعيالهم في ضيق مادي شديد في حين يقومون هم بالتمتع!

وهي حشود تشد الرحال يومياً بلا رقيب من فتوى ولا حساب من ضمير!

ودعك عنك هذه السهرات الذكورية الحاشدة في كل مكان، وهي تنفق من طعام العيال، وفي أثناء ذلك يجري التضديق على النساء، وعدم السماح لهن بالخروج، أو بالاشتراك في أنشطة مفيدة، وتحدثنى فتاة مثقفة ذات أخلاق رفيعة، بأن والدها يطاردها مطاردة شرسة لأنها تقرأ الكتب، وهي تكتب مقالات في الفكر بصورة سرية، وتطالع بالستر وكأنها ترتكب جريمة خطيرة، وهي تشتغل في عمل بسيط جداً ومرهق كثيراً وتعطي الأجر للأب!

وقد تمكن هذا (الأب) بجدارة من إخراس صوت ابنته وحبها للكتب والكتابة!

يركز الوعي الديني والذكوري الاستبدادي على قمع النساء ليخلو له الجو المنزلي للسيطرة، وسبب ذلك يكمن أولاً في خوف غريزي لدى هذا الوعي من (الخطيئة) فقد تراكمت في مخازنه العتيقة الكثير من العقد والخرافات عن المرأة، فهي المخلوق الشهواني، والماكر، والمتخلف والدنيء، ومن هنا ظهرت الحية كرمز مادي لهذا المخلوق، الأملس الملتف والمليء بالسم ولا بد من السيطرة على هذا المخلوق المشبوه، وعدم السماح له بإظهار غرائزه، ولا بد من قمعه بشتى الأشكال المادية كاللباس أو المعنوية كاستخدام الدين وتمويهه بهيمنة ذكورية متوارية وعميقة ومشحونة بالمقدس.

ولكن المسألة لا تعود للمقدس والدين بل تعود لرغبة الذكور في العائلة بالسيطرة على النساء واستنزاف أعمالهن وحياتهن، عبر امتصاص مجهود العمل تارة وعبر الزواج تارةٍ أخرى.

لتنقل المرأة من سادة متعددين في بيت الآب إلى سيد مطلق في بيت الزوج!

وهذا المخلوق (الضعيف) المدرب على الهوان منذ صغره، محاط برجالٍ من آباء وإخوة يقومون بدور وزارة الداخلية، فهم شديدو القمع للسجينات بينما لهم كل الحق في ممارسة حرياتهم وربما الاعتداء واستغلال بنات العائلات الأخرى.

ولكن في حين يفشل هؤلاء الأقوياء في دراساتهم ويكررون الرسوب بسبب السيادة الذكورية الاستبدادية التي تعطي طبقة السادة الأحرار كل الحقوق وتحرم النسوة الأماء كل حق، فتظهر قدرات الفتيات في الدراسة والتفوق لكن بعد ذلك يأتي الزوج ليواصل دورة القمع وتحويل المرأة الذكية إلى عاملة مغروزة في الطبخ والكنس والعيال فتزول ومضات الحرية والتألق التي حصلت عليها فى زمن التلمذة.

والأهل يسرعون في تزويج المخلوقة الذكية حتى لا تزدهر ومضات هذا الإبداع والتألق وتتحول إلى كائن ذي قيمة ومكانة.

وتنقل المرأة المحبطة، والتي تمكن هذا الوعي من تدميرها، كل هذه العقد والهزائم إلى أبنائها فيظهرون ككائنات مشوهة أخرى، تنقل إليها كلُ عقد الآباء والأمهات.

بهذا كله فإن الوعي الذكوري والديني الشمولي تمكن من خلق عائلة مريضة، ونقل الاستبداد السياسي العام إلى داخل المنزل، وجعل من جمهور النساء غير قادر على النضال الديمقراطي والمساهمة فيه، وجعلهن مجرد قطيع يصوت للسيد المسيطر في أي اتجاه يراه.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العائلة والديمقراطية

 

عبدالله خليفة

النساء والانتخابات

مثل بقية القوى الجماهيرية العاملة والمالكة المقصاة من الحضور الانتخابي كالعمال والتجار، فإن النساء يواجهن معضلة الوجود داخل الحياة السياسية.

 إن كل هذه القوى الحديثة تمتلك أسباباً خاصة لعدم التواجد المستقل، ولهذا فإن النساء هن أكثر هذه القوى غياباً، وأكثر القوى المدفوعة رسمياً للتواجد والنجاح.

 فإن الحالة السياسية الانتخابية والتحولية جرت في أحضان القوى التقليدية، وُوجهت بعمليات فوقية رسمية من أجل التحديث، فكان من المستحيل أن تكون النساء قادرات على الحضور السياسي في ظل انعدام النشاط الكفاحي لهن خلال عقود إلا من قوى نخبوية نسائية مضحية كحال قوى اليسار والتجار الديمقراطيين، وقد تصدت المؤسسات المذهبية التقليدية للسيطرة على الحياة السياسية تدريجياً خلال تلك العقود مع ذلك التركيز على القضاء على القوى الديمقراطية الحديثة.

 ولهذا كانت الخطابات الدينية خطابات تنتمي لعصر الأقطاع خلال الألف سنة السابقة؛ وهي خطابات ركزت على قانونية البناء الاجتماعي الذكوري الشمولي المسيطر على النساء، الذي كان بدوره الوليد النهضوي لعصر الإسلام التاسيسي، فكانت الايجابيات المقدمة للنساء في تلك الفترة الإسلامية التأسيسية قفزة على المجتمع الجاهلي، التي تجرعها الرجال المسيطرون الأغنياء بغصص، من حيث تحديد عدد الزوجات واشتراط العدالة وإدخال المرأة في الإرث المغيبة عنه كلياً في السابق إضافة إلى الحضور النسائي السياسي والمشاركة في حروب الفتوح، إضافة إلى الديمقراطية في الاجابة على أسئلة النساء في زمن الوحي الإلهي وعلى اعتراضاتهن ومطالبيهن الخ..

 إن كل هذا يبين الطابع الديمقراطي الإسلامي في التعامل مع النساء فى فترة التأسيسي. إن ما قدمه الإسلام التأسيسي للمرأة قياساً لعصر الأمية والجهل والبداوة الكاسحة كان كبيراً، ولكنه تاريخي، مثل العديد من الأحكام الكبرى التي مثلت نقلة عظيمة للأمة العربية طليعة الأمم الإسلامية في التكون. ولكن مكاسب القوى الشعبية خاصة النساء لم تتجذر بعد ذلك؛ بسبب سيطرة قوى كبار الأغنياء مجدداً فهزمت القوى الشعبية خلافاً لإرادة القرآن « كي لا تكون دولة بين الأغنياء منكم »، الحشر، آية ٧.

إن حروب الفتوح وضخامة الثروات التي انهالت على الرجال المسيطرين ونشوء دول الاستبداد كانت حاجة الأمة العربية الصغيرة الفاتحة (أربعة ملايين) بين أمم بعشرات الملايين هي التي استوجبت تعدد الزوجات وكثرة التناسل إن كل هذه الظروف أدت إلى تدهور مكانة النساء، وإلى ظهور فقه شكلاني، ركن على الفهم النصوصي لآيات القرآن، رافضاً الرؤية التاريخية والمضمون، وقافزاً على آيات كثيرة كبرى عن الدولة الشعبية وكيفية تطورها.

 وهكذا قام تجارُ الرقيق بالاستيلاء على أرادة الأمة، وشل فاعليتها، وصار تضخيم الأسرة العددي، وإخفاء النساء وشل عمليات النهضة العقلية، والاقتصادية هي النتائج السيئة لسيطرتهم على الأمم الإسلامية وتقديمها لقمة سائغة لقوى الغزو والسيطرة الأجنبية.

 وعلى الرغم من أن مياه النهضة قد جرت تحت أرجل القوى التقليدية، إلا أنها لم تفهم أهمية إعادة النظر الجذرية في التراث السلبي للحقب الماضية، فالاقتصاد لم يتغير كثيراً، وفي دول الخليج تضاعفت عوامل أخرى لضرب حضور النساء ككثافة وجود العمالة الأجنبية وضخامة تراث الكسل والتصحر.

 وفى ضوء ذلك تم دفع الحركة النسائية النهضوية الطليعية من أجل أن يكون لها حضور في العملية السياسية، وأن لا تكون القوى التقليدية الذكورية مهيمنة على الحياة السياسية.

 لكن وككل العمليات التحولية السياسية أخذ ذلك طابع المرحلة بصراعاتها ومستوى تطور القوى الاجتماعية، وكون التغييرات تجري من فوق، ولا توجد قوى شعبية نهضوية كبيرة مساندة لها، بعكس المراحل السابقة حين كان الزخم من الأسفل وتغيب بل تعارض قوى المؤسسات الحكومية!

إن طابع إدخال النساء اتخذ ما هو ممكن من وجودهن الاجتماعى، أي ما هو متوافر من نساء العمل الاجتماعي والتطوعي اللاتي برزن خلال السنوات الأخيرة، وهن قطاع بسيط من النساء، ولا يمتلكن أي منظمات شعبية واسعة، أو روابط سكانية قوية، كما لا تتوافر لهن بالتالي خبرات سياسية بين الجمهور الواسع.

 والخبرات بين الجمهور الواسع المسيس تتطلب الحضور المذهبي السياسي، ولكن هذا الحضور هو في حد ذاته واقع تحت سيطرة القوى المذهبية التقليدية وهذه القوى نتاج ضمور الخطاب الإسلامي النضالي التحديثي.

 فمن جهة هناك قوة سياسية حكومية تعمل لصعود النساء السياسي، تمثلت في (المجلس الأعلى للمرأة) لها مصطلحاتها وإجراءاتها ودعاياتها لأدخال النساء في حيز المشاركة، ومن جهة اخرى هناك القوى التقليدية المتعددة التي لها مواقف متباينة من هذا المشروع، الواضح منها هو السيطرة الذكورية الكاسحة على الترشيحات وإخلاء المجلس المنتخب للمرة الثانية من النساء.

 ويبدو الأمر أشبه بصراع ديكوري أكثر منه معركة لتفعيل إرادة النساء السياسية، فالصراع نتاج حقبة أولية للتغيرات السياسية، كان تاريخها السابق هو سيطرة تقليدية شبه كلية على الساحتين الفكرية والسياسية، ففى الأولى لم ينشأ فقه ديمقراطي يعيد النظر في المقولات المتكلسة ويحدثها، وهو أمر مستحيل في ظل كون الفقهاء التقليديين نتاج أزمة الوعي الديني، ولكن هذا الوعي المتخلف عليه من جهة أخرى كما يفترض المشروع السياسي العفوي، أن يقود المرحلة الديمقراطية الحديثة.

 هكذا فإن المجلس الأعلى للمرأة دفع من يمكن دفعه من النساء اللواتي هن وليدات العفوية السياسية والمصادفات، مع دعمهن بكل الوسائل الممكنة، لكي يظهر للنساء حضور ونجاح كذلك.

 إن هؤلاء النسوة منقطعات عن البحر الشعبي بمن فيه من نساء عاديات خاصة، وهؤلاء النساء العاديات مقيدات في إرادتهن البيتية وعاجزات عن تقرير مصائر أطفالهن وعقود زواجهن، معزولات عن الوعي لقرون، لكن يُرجى منهن أن يساهمن في قيادة التشريع في البلد.

 إن التناقض ليس له حل راهن، وتشكل خطوة المجلس خطوة مضيئة نبيلة ولكنها فردية ونخبوية، وكأي خطوة نخبوية تتسم بطابع المغامرة والمجازفة، رغم أن خطوات المجلس في هذه الدورة الانتخابية أكثر اتساعاً وشعبية وبرمجة من الدورة الأولى.

 إن النساء المتقدمات الآن بحاجة إلى الارتباط بالتيارات التحديثية وفك عزلتهن الفكرية والسياسية والاجتماعية، ولا يجب حفظ القاموس السياسي لهذه التيارات فحسب بل أن يتشربنها في وعيهن ونفوسهن، بأن يطرحن هموم الشعب الساخنة، بلغة بسيطة، شجاعة، وأن يجذبن النساء بالدفاع عن حريتهن وتكافؤهن الأخوي اللاعدائي مع الرجال ويعلن حقوقهن كافة في مؤسسة الأسرة، لخلق أسرة فاضلة منتجة واعية، وأن يناضلن كذلك مع الرجال ضد الفساد والفقر وغياب التخطيط الاقتصادي الوطني.

 ليس هناك نساء ورجال بل قدرات وطنية للكفاح لتغيير ظروف سيئة ولن يقتنع الناخبون إلا حين تجلجل المرأة بصوتها وتحدد نواحي التشريع المفصلية التي هي بحاجة إلى تغيير.

 وهذه اللحظة الأولية من الصراع السياسي ستقدم مادة للسنوات الأخرى وتوجد تراكماً وصلات بين النخبة النسائية الواعدة سياسياً ببحر النساء المحلي والبشري عامة.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : النساء والانتخابات

 

النساء وضعف الخبرة السياسية

مثل العاملين تتعرض النساء لخداع العالم الذكوري السياسي المسيطر الماكر، وينطلي على بعضهن ذلك بسهولة، نظراً لفقدان الخبرة السياسية، وعدم التعرض لمحن السجون والتنظيمات والحُكم بذات الاتساع الذي يتعرض له الرجال.

وتعيش أغلبُ السياسيات النسائيات في عالم تقليدي، أما أن يكون شديد الحموضة أو وردياً خلاباً.

إن ضعف التفكير الجدلي، وغياب التفحص في التناقضات للمنظمات السياسية التي يسيطر عليها الذكور المحافظون غالباً، والمظلة الدينية التقليدية التي تظلل رؤوسهن، وعالم السحر الذي يؤمن به بقوة، كل هذه تمنع أن يزحن سيطرة الرجال التقليدين عن أفقهن السياسي.

ومن هنا فإن إيمانهن بالدجل الديني والقومي يكون كبيراً، فرغم أن أغلبية العالم الحديث قد أعلنت قطيعتها مع الأنظمة والتنظيمات الشمولية والدينية الشرقية نظراً لسوء دور هذه الأنظمة ليس فقط في غياب الديمقراطية ورفضها للوطنية والعقلانية بل كذلك لدورها في استغلال النساء الجنسي بدرجة أساسية، إلا أن هؤلاء النسوة لهن حب جارف لهذه الشبكة العنكبوتية من المتخلفين العاجزين حتى عن اللحاق بأنظمة الاستغلال السيئة الغربية أو عن فهم عظمة الإسلام.

لكن هذا ليس عجيباً إذا عرفنا أن الأنظمة الشرقية ابعدت النساء طويلاً عن ميادين العمل الإنتاجية، منذ أن كن رقيقاً وجوارٍ وربات بيوت ممنوعات من الخروج ومتخصصات في المطابخ والأسرة ورواية الخرافات للأطفال.

وحتى عندما جاءت التجاربُ الحديثة والتأثراتُ بالحداثة فإن التنظيمات والدول السياسية الشرقية لم تعترف بالنساء مشاركات في هذه التجارب، وعرقلتْ دخولهن إلى ميدان السياسة طويلاً، لأن هذا الميدان يكشفُ للنساء المعسكرات الاجتماعية بدقة ويدخلهن حومة الصراع من أجل حقوقهن المغتصبة على مدى القرون.

كانت التنظيماتُ الذكورية السياسية المحافظة عموماً تحول الصراع مع السلطات الاستعمارية والتابعة كصراعٍ مجرد، كانت كلمات مثل(الحرية الوطنية)، و(سقوط الاستعمار)، و(سيادة الشعب أو الأمة)، شعارات عامة، كأن لا دخل لها بخروج المرأة للعمل، أو منع الزواج والطلاق التعسفيين، شعارات ظلت بعيدة عن مطبخ المرأة الذي تحترق فيه وتملأ الغازات دواخلها وتجعلها الولادات المستمرة كائناً لا وجود له في الوقت الذي تصنعُ فيه الوجود.

وعندما تجسدت بعضُ الأنظمة الوطنية العربية وحققت للنساء بعضاً من المكاسب المحدودة، وخلقتْ بعضَ القوميات والرائدات، كانت أغلبية النساء في جهل وأمية، وحين عصفت الزوابعُ بهذه الأنظمة نظراً لعدم جذريتها في التغيير الاجتماعي، وخاصة ما تعلق بالنساء والعاملين، جاءت أنظمة دينية اسوأ، وحتى بعض الحريات التي حققتها النساء في الزمان القومي التحرري، جرى اختطافها من قبل الدينيين المعادين بقوة لعالم المرأة الحر.

ليس لشيء سوى أن آلة الدولة الدينية أكثر استغلالاً وأقل حداثة.

وقد أصيبت نسوة بخيبة أمل حين لم تدافع بعض القيادات الدينية عن حقوقهن، نظراً لتخلف هذه القيادات عن فهم الإسلام والعصر، وطالبتهن بالخضوع للقوانين المتخلفة المتعلقة بالزواج والإرث وحقوق الأسرة عامة، واتضح أن هذه القيادات لا تختلف عن قيادات الدول الرجعية.

وينطبق على هؤلاء النسوة ما ينطبق على الرجال الحداثيين غير المطلعين على تاريخ أمتهم، فهم يريدون الايجابي المنجز المستورد من الغرب، وليس الذي يناضلون له داخل واقعهم الإسلامي العربي الخاص، أي أن عليهم أن يقاموا المحافظين في السلطتين السياسية والدينية، بكافة المنجزات التي تحققت في النصوص والتجارب العربية والعالمية، ويشقوا لهم طريقهم الحر الخاص.

فغلبة المحافظين عليهم تأتي من توظيفهم نصوص الدين التي يجعلونها قيوداً للمسلمين ويأولونها كيفما شاءت مصالحهم، وليس في مسارها الموضوعي.

تشعر أغلبية النسوة السياسات بالتضاد مع أحكام الدين كما يترجمها المحافظون، الذين يمسكون سلطة تفسير النصوص، وأقلية من النسوة لا تحس بذلك خاصة في مجال السياسة العامة، فالمحافظون يظهرون هنا في هذا المجال المجرد بأنهم قيادات حرية وطنية، لكن ما نفع أوطان حرة ونساؤها مستعبدات؟

أليس تخلف النساء والجور عليهن وإنتاجهن أطفالاً معوقين حضارياً هو فتح الباب مجدداً للسيطرة الخارجية والداخلية؟

لا تستقيم الحرية في الشارع وتـُمنع في البيوت.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : النساء وضعف الخبرة السياسية

كلمات الاغلفة        

نضال النساء في البحرين

أتاح نظام الإنتاج التقليدي في الخليج والجزيرة العربية إمكانيات متعددة لكي تشارك النساء في العمل، وكانت الحياة البدوية تتطلبُ قيامَ النساءِ بأعمالٍ كثيرة، ولم تكن البيوت سوى خيام وكانت الحياة الاجتماعية إنتقالية.

ولم تتأسس الهيمنة الذكورية المتشددة إلا في القرى والمدن، التي عرفتْ حياةً إجتماعية محافظة مستقرة طويلة، وخاصة في بيوت الفئات الوسطى والغنية.

وأعطى نظامُ الغوصِ كنظامٍ فريد من الإنتاج البشري أربعة شهور لكي تقوم النساء بدور التحكم الواسع في الحياة العملية الضرورية. فالمرأةُ بالإضافةِ إلى إشرافِها على المنزل، تقومُ بمهمام العمل الضرورية من إستكمال مهام الزرع والصيد والأعمال البحرية، وحين يأتي الرجال من موسم الغوص تعود النساء لأعمال البيوت.

وفي مجال الفنون الشعبية ذات الأهمية الجماهيرية قامت النساءُ بدورٍ بارز.

لم تجرِ دراساتٌ محددةٌ بهذا الشأن فهذا نمط عام، لكن من المؤكد بأن النقصَ الكبير في قوة العمل الإجتماعية لغياب الرجال والشباب، يستدعي إنتشار العمل النسائي، ولكن كان هذا نمطاً عاماً عبر التاريخ، وما الغوص سوى ظرف إستثنائي، ثم أنه لا يلغي هيمنة الرجال على النساء، ولا يزيل ظروف الإستغلال والسيطرة، وهي نمط ضروري لقرون، بسبب تقسيم العمل ونظام المُلكية، ويمكن أن تنشأ فيه كذلك علاقاتٌ طيبة بين الرجال والنساء، حسب طبيعة كل أسرة ومواقف أفرادها، ويغدو شكلاً من أشكال الحماية الإجتماعية حيناً وشكلاً للهيمنة والأنانية حيناً آخر، قوة بناء للأفراد أو نسيجاً مهلهلاً للآفات.

لكن إنهيار نظام الغوص الذي سبب تراجع مكانة النساء عامة ونساء الريف خاصة، ترافق مع تنامي السيطرة البريطانية التي عوضتْ بعضَ الشيء في مجال حقوق النساء، فهي سيطرةٌ مدنيةٌ بحاجةٍ إلى تطورٍ للتعليم وللخدمات المختلفة، وهذه تحتاج إلى حضور النساء في المدن خاصة.

بدأ التعليم الذكوري أولاً وأخذ يتوسع ومنذ سنة 1928 ظهرت أول مدرسة للبنات، مقتصرةً لحد الصف السادس الإبتدائي الذي كان ذا قوة تعليمية كبيرة، ومن خريجاته ظهرت قيادات نسائية.

وقد ترافق مع هذا نشؤُ فئاتٍ وسطى من التجارة فظهرت نزعةٌ ليبرالية دعمتْ هذا التحرر المحدود لنساء المدن. فكان تنامي أعداد النساء في التعليم يترافق مع ظهور الأندية وهي التجمعات الفكرية الاجتماعية المحدودة المسموح بها وقتذاك، مع بعض الحرية الصحفية الأكثر محدودية والتي تقدمُ بعضَ متنفساتِ الحرية الشخصية وليست الاجتماعية والسياسية للعائلة المتوسطة.

كان طابعُ الموادِ الأدبية والمنزلية المقدمة في التعليم، وإستمرارُ العائلةِ الأبوية التقليدية، وديمومةُ قوانين الفقه القديمة، وضعفُ حركة التحرر الوطني المحلية، لا تجعل من الممكن تطور وعي النساء الديمقراطي بسهولة، وعلى العكس فإن حركةَ التحرر الوطني تشكلتْ من خلال رؤى فكريةٍ ذكورية تقليدية غالبة، وكانت المجابهةُ مع الإستعمارِ تُعمَّم حتى في مجالِ رفض الديمقراطية الغربية، فتجعلُ الصراعَ مع الراهن المتخلف بصورةٍ سياسية شعارية تختزلُ الحريةَ الوطنية في حريةِ الذكور، مما إنعكس على تخلفِ حركة التحرر هذه وضخامة الشمولية الذكورية داخلها.

ولهذا فإن الأنواعَ الفكريةَ والأدبية التي نشأتْ بخفوتٍ منذ الأربعينيات لم تشهدْ حضوراً نسائياً، إلا بشكلٍ فردي إستثنائي في الخمسينيات ولم يكن لها تأثير لطبيعة المستوى وغياب التواصل. لكن تنامي حركة التحرر وجذبها لأغلبيةِ السكانِ فكك العديدَ من الأسوار الإجتماعية في المدن، لينتظر الريف الوقت الراهن ليقوم بتحرره الإجتماعي الواسع.

كانت الحياةُ التحديثيةُ التي شكلها الإنكليز هي بحدِ ذاتِها تخلقُ حرياتٍ موضوعية في البلد، كتنامي الإهتمام بالصحة ومقاومة الأمراض التي أدت إلى ظهور مهنة التمريض النسائية، وإلى إنتشار الأسواق الحديثة والاهتمام بالأزياء المعاصرة، وإلى ظهور دور السينما التي خصصتْ يومين للنساء، وكان ذلك مظهراً إنفصالياً لكنه كان مؤثراً في نشر الاهتمام بالفنون والثقافة لدى النساء والعائلات بشكل عام.

بصعوبةٍ كبيرة تنامتْ عناصرُ الحرية الاجتماعية والسياسية في حياة النساء البحرينيات،  لقد أعطى التعليمُ بعضَ الحراك الاجتماعي للنساء عبر المعرفة، وبدأت الحياة السياسية تدفع مجموعات صغيرة من النساء للمشاركة سواء في التصويت في إنتخابات الخمسينيات أم في مظاهراتها، ثم حلتْ فترةٌ من الجمود الإجتماعي بين الخمسينيات والستينيات، كان يجري فيها حراكٌ متوار، وسادت الأعمال ذات (الطابع الخيري).

لقد نشطّتْ الفئاتُ الحديثة والمنظماتُ السياسية السريةُ الوعيَّ الاجتماعي، فتنامت تلك المشاركة النسائية النخبوية، وتجسدتْ المشاركةُ النسائية بتشكيلِ الجمعيات في مختلف المناطق، متدرجة من الأشكال البسيطة من المشاركة الإجتماعية إلى بروز الأهداف السياسية، وهو أمرٌ يعكسُ حجمَ القيود التي لا تتكبلُ بها النساءُ فقط بل الرجال كذلك. ولهذا فإن عمليةَ النضالِ الديمقراطية مشتركةٌ متداخلةٌ متصاعدة بين الجنسين.

ظهرتْ الجمعياتُ النسائية بالصورة التاريخية التالية:  جمعية نهضة فتاة البحرين تأسست عام 1955، وجمعية رعاية الطفل والأمومة تأسست عام 1960، وجمعية أوال النسائية تأسست عام 1970، جمعية الرفاع الثقافية الخيرية تأسست عام 1970، جمعية فتاة الريف تأسست عام 1970، وجمعية النساء الدولية تأسست عام 1974.

يعبر هذا النمو التاريخي عن حراك الوعي الاجتماعي العفوي من قبل النخب النسائية المتعددة المواقع والإتجاهات لتغيير وضع النساء بشكل متنوع، أغلبه جزئي، أولاً عبر التنوير الثقافي وتغيير جوانب من الحياة الاجتماعية ثم عبر ظهور الوعي السياسي، أي بربط قضية تطور النساء بالحريات العامة، وهو شكلٌ أضفتهُ في السبعينيات الناشطات في المنظمات السياسية.

وبدلاً من الأهداف العامة غير الواضحة بدأتْ اللغةُ السياسية للمنظمات السياسية تدخلُ حيزَ التفكير الاجتماعي للنساء، فظهرت أهدافٌ جديدة هامة وهي: مساواة المرأة والرجل في كافة الحقوق والواجبات، ومساواة المرأة العاملة والمستخدمة للرجل من حيث الأجور والإجازات ورعاية الأطفال وحقوق الأمومة وغيرها، وسن قانون للأحوال الشخصية، يأخذ بعين الاعتبار المكاسب التي حققتها المرأة في العديد من البلدان العربية والأجنبية.

إن تحول هذه الأهداف إلى نضال عملي هو أمرٌ شديدُ الصعوبة على مستوى العقود السابقة، فهذه يتطلب قوة إنتاج نسائية كبيرة، لكن كان نمو العمل النسائي محدوداً ففي النصف الثاني من 1965 كان عدد البحرينيات الموظفات يبلغ: 995، ووصل في عام 1971 إلى 8418 إمرأة.

وفي العقود الأخيرة بدأت هذه الأرقام تتغير:

( ارتفعت معدلات مساهمة المرأة في القوى العاملة فبلغت 25.9 في المئة حيث وصل عدد القوة العاملة النسائية 32769 نسمة. وتشير إحصائيات عام 2001 إلى إرتفاع نسبة العاملات في القطاع الخاص الى48.61 في المئة من مجموع العاملين وهي نسبة مساوية تقريباً لنسبة العاملات في القطاع الحكومي. وتشير دراسة قامت بها باحثة مصرية إلى أن نسبة العمالة النسائية تبلغ 32% بالنسبة لتعداد السكان بالبحرين.

هذا التطور العملي تضافر مع تطور ثقافي متصاعد:

(في العام 2001 سجلتْ المرأةُ الحاصلةُ على تعليمٍ ثانوي فأعلى نسبةَ: 70.15 في المئة من إجمالي عدد النساء مقابل 69.96 في المئةِ من الرجال. كما فاقتْ نسبةُ النساءِ الحاصلاتِ على مؤهلٍ جامعي (بكالوريوس/ ليسانس) نسبةَ الرجال حيث بلغت 14.34 في المئة مقابل 13.03 في المئة للرجال. وفي العام ذاته بلغ إجمالي الحاصلات على مؤهلٍ جامعي عال(الماجستير والدكتوراه) 765 امرأة مقابل 2072 رجلاً. كما انخفضتْ نسبةُ الأمية بين النساء إلى 17 في المئة.).

 جرى هذا التطور بشكل بطيء وصعب وأخذ عقوداً طويلة، لكون التعليم حتى الإبتدائي للنساء لم يكن سهلاً، ومن ثم فإن الارتقاء للتعليم الجامعي بهذا الشكل الواسع كان أكثر صعوبة، إضافة للنمو الأكثر إشكاليةً الذي يتكون في ميدان العمل الذي تصاعد في الوظائف المهنية ثم بشكل أقل في مراكز الإنتاج الصناعي.

لكن كل هذا التطور الذي قاومهُ الرجالُ المحافظون والقوى الاجتماعية القديمة والقوانين العتيقة في المذاهب والنظام السياسي، لم يُنتجْ ثماراً كبيرة على النساء في الحقوق الاجتماعية والسياسية، بسبب سيطرة المفاهيم المحافظة على وعي النساء أنفسهن، وقلة النخب النسائية المقاتلة في هذا السبيل، وهيمنة الوعي الذكوري الشمولي في المنظمات السياسية كذلك.

تعتبر جمعية فتاة الريف عن المعاناة الرهيبة التي تعرضتْ وتتعرضُ لها النساء البحرينيات في أدغال الحياة الاجتماعية عموماً وفي غابة الريف خصوصاً.

(سرن في درب مليء بمشاهد التحدي، فكنّ ينتزعن الشوك ويوزعن الورود، ويصافحن المرأة البحرينية الأمية ويصنعن منها إنساناً يجيدُ القراءةَ والكتابة ويفكُ طلاسم الحروف ويتقن الحساب، كن كفراشات الحديقة، يتنقلن في أرجاء حدائق الوطن، لينتزعن بعد 30 عاماً من الحضور والتجوال والنشاط في حقول العطاء وغابات الإنجازات الخالدة صكَ إعترافٍ رسمي بشرعية ”ممارسة الدور” وحق  ”أداء الواجب”، وهن اللواتي ظفرن بالنصر مبكراً جداً يوم تغلبتْ فيهن إرادةُ التطلعِ والتحرير على صخورِ الممانعات والحواجز الإسمنتية التي كانت تتخذُ أشكالاً عدة، حتى لقد طوى المناصرون عنهم كشحاً مخافة الإدانة والغمز واللمز وإلصاق التهم والتصنيفات الجاهزة).
هذا الكلام الرقيق الشاعري يحتاج لرؤية تضاريس الواقع الحقيقية اليومية، ولنأخذ بعض اللمحات السريعة حول هذا الواقع. في سنة 1960 جاءت باحثةٌ من الدنمارك لتعاين وضع النساء البحرينيات في الريف، وأختارت إحدى القرى من أجل هذا البحث الميداني، ولم تُقبل الباحثة بادئ ذي بدء فهي إمرأة ثم هي مسيحية، ثم أنها سوف تعيش لوحدها في منزل، لكن الترتيبات العليا ذللت هذه العقبات.

ودراسة الباحثة هني هنسن واسعة فهي تتعلق بالتقاليد الدينية والاجتماعية ولكن ما يهمنا هنا حركة النساء وحقوقهن، وتقول بأن النساء هن ممنوعات من الخروج من حدود القرية إلا بأذن الرجال، ويلبسن (المشمر) وهو لباس يغطيهن بشكل كامل، فالقرية تغدو مكان عزل النساء. وخروج المرأة من القرية يحتاج إلى محرم وهو الرجل سواء كان الزوج أو الأخ. وتستطيع المرأة أن تنتقل داخل القرية لتزويد الأسرة بإحتياجاتها من الخشب والماء من أجل الطهي. لكن هذا التحرك تقلص بسبب بدء توصيل خدمة المياه للبيوت. لكن نظام العزل بما يصاحبه من أمية وغياب التعليم والحقوق لم يمنع النساء من إيجاد مجتمع خاص بهن، عبر الإنغماس في الظاهرات الدينية وتكوين إحتفالات خاصة بهن عبر أجواء الحكي والشعر، (سار الستينيات: المرأة في قرية سار البحرينية بعيون هيني هنسن الدنيماركية، بقلم د.عبدالله يتيم).

ليس ثمة شيء اسمه الحقوق النسائية حينئذٍ، لكن الهيمنة الذكورية الكلية، والهيمنة السياسية الحكومية العامة، لم تمنعا عملية التحرر الرجالية النسائية المشتركة، فقد كان النظام الزراعي في طريقهِ للتفكك، من حيث هو علاقات إنتاج، ومن حيث هو نظام أبوي، فالاقتصادُ الحديث جذبَ الشبابَ، وهؤلاء لم يغيروا الهيمنة الذكورية لكن بدأت هذه تتزحزح لأن هذه الأجيال بدأت تتغير قليلاً مع عملية الإنفتاح. وقامتْ موجاتُ التعليمِ الذكوري أولاً ثم النسائي بعد ذلك بسنوات، بزحزحةِ تلك القيود الواسعة قليلاً في نظامِ الأسرةِ الأبوي المطلق، الذي لا يعرفُ الديمقراطيةَ في علاقاتهِ الداخلية من حيث سيادةِ طرفٍ وتمتعهِ بأغلبِ الحقوق والإمتيازات، وغياب هذه الحقوق عن الطرف الآخر.

لم تستطع الحركاتُ الديمقراطيةُ السياسية أن تتغلغلَ في الحياة الاجتماعية خاصة الريفية منها، وقد لمنسا بعض اللافحات الحارقة لدى جمعية نهضة فتاة الريف، فهذه الحركاتُ ضعيفةٌ عموماً هنا، وتلعب المظلةُ الدينيةُ المحافظة دورَها في تكييف العلاقات الاجتماعية لمصلحة الذكور عبر الإرث الديني وأدلجته من خلال أصواتها.

كانت القوى السياسيةُ الحكوميةُ والمذهبيةُ المحافظةُ تعملُ معاً في سنواتِ السبعينيات التي بدأتْ تلوحُ فيها بوادرُ تغييرِ القوانين السياسية والاجتماعية بعد الإستقلال، فكان الأتفاقُ على مجلسٍ وطني منتخب، وعلى حق المواطنين في الإنتخاب، لكن كلمة(المواطنون) هذه تم الأتفاق على أنها تعني (الرجال) فقط من قبل التيارات الحكومية والدينية. فحدثت الإنتخاباتُ الأولى الحديثة في البلد مع تغييبِ دور النساء، وكانت التياراتُ الحكومية والدينية الريفية خاصةً تمتلكُ الأكثريةَ لفرضِ قرار التغييب ذاك.

 إن عناصرَ الوعي الديمقراطي الوطني توقفتْ هنا بحلِ المجلس الوطني، ثم بتضخمِ دور الحكومة السياسي وثقلها الإقتصادي شبه الكلي، فتدهورتْ تلك  العناصرُ الديمقرطيةُ بشكلٍ واسع بعد حل المجلس وسيطرة قانون أمن الدولة، وهي أجواءٌ عاشتْ فيها بقوة وتوسع القوى المحافظة المذهبية، مما أدى إلى تدهور حقوق النساء بشكلٍ أكبر من السابق، وتدهورت عناصرُ الوعي الوطني البحريني عموماً، بدلاً من بوادر تناميها التي لاحت مع الومضة الديمقراطية الوطنية العامة في بداية السبعينيات.

وحتى في أثناء الومضة الديمقراطية السبعينية فإن حركات النساء لم ترضخ للتصور الذكوري المهيمن العام، فتقدمت جمعيتا النهضة وأوال النسائيتين بعريضة ترفض ذلك التغييب وتفسير مصطلح المواطنين على أنهم الرجال فقط!

أدت فترةُ التغييبِ الديمقراطي السياسي، إلى مضاعفاتٍ على القوى الشعبية التي تعاني أكثر من غيرها وهي العمال والنساء. فانتشرتْ التفسيراتُ المحافظةُ الشموليةُ للإسلام، فتراجعتْ مستوياتُ الجماعاتِ النسائية وقبلتْ بالعديدِ مما كانت ترفضهُ سابقاً من علاقات زوجية وإجتماعية وفكرية.

كان بروزُ الحركاتِ الدينيةِ ذا جانبين متعارضين، فهو يؤدي لحراكٍ سياسي إفتقدهُ المجتمعُ بسببِ القوانين المعرقلةِ للحريات، ولكنه في ذات الوقت يعيدُ المجتمعَ من حيث الوعي السياسي للوراء، فيحدثُ تقدمٌ من خلال آراءٍ محافظةٍ متخلفةٍ على أصعدةٍ مختلفة.

لقد إنضمت نساءٌ كثيراتٌ لهذا الحراكِ السياسي الديني، الذي كان الشكلُ الوحيدُ من الوجود الإجتماعي في زمنِ قانونِ أمن الدولة، وبرزَ هذا الشكلُ بقوةٍ بعد زوال هذا القانون وبدء التغيير على صعيد الحكم.

لقد عبّر الميثاقُ الوطني عن محاولةِ إستعادةِ التوازن بين الاتجاهاتِ التحديثية والاتجاهاتِ الدينية المحافظة، وعن إعطاءِ الفرصِ مجدداً للتوجهاتِ الوطنية والعصرية لتعيدَ علاقاتها بالجمهور، لكن المؤسسات السياسيةَ المنبثقة عن هذا التحول السياسي من برلمان وبلديات عكستْ مستوى الوعي المشلول للعقودِ السابقة، الوعي الذي فصمَ وحدةَ الشعب، وأعاد مسائلَ سياسية وإجتماعية تعودُ للعقود الأولى من القرن العشرين في البلد. هذا كان تعبيراً عن أن التراكمات الديمقراطيةَ التحديثيةَ المضروبة لم تستطعْ أن تنمو عبر قوى سياسية ذات حضور جماهيري.

لقد اكتشفَ العمالُ والنساءُ خاصةً هذا التناقض على الأرض الاجتماعية السياسية. هذا التناقضُ يجعلُ من النساء، وهم هنا بؤرةُ القضيةِ، قوةَ تصويت لا غير، أي قوة دفع للمرشحين الرجال المحافظين، الذين لن يناضلوا من أجل قضاياهن. وهكذا فحين تحقق  الحضورُ الديني المذهبي السياسي في المؤسسات المُنتخبة، لم تُطرح قضايا النساء وحقوقهن.

لقد اتخذ القوسُ المذهبي السياسي الاجتماعي دائرةً ضمتْ قوى خضعتْ للوعي المحافظِ السياسي وأجندتهِ في العديدِ من الدوائر الاجتماعية، فركزت على الصراع السياسي المجرد، وهو صراعُ نخبٍ ذكوريةٍ يمينية للوصولِ إلى المناصب السياسية والهيمنة على الجمهور لطرحِ مشروعٍ مذهبي تقسيمي للشعب، وبالتالي للعمال والنساء.

من هنا صُدمت القطاعاتُ النسائية (الطليعية) من التناقض بين أقوالِ الرجال السياسيين وأفعالهم، بدءً من شطبهن من القوائم ثم هيمنة الرجال المطلقة على المقاعد، ثم تنحية قضاياهن وتركها في الظل.

هذا أدى إلى تفعيلِ نشاطِ النساء المستقل وجعلهن ينتبهن لكونهن إستخدمن كأدوات.

وبدايةً كانت التحركاتُ من الشارع هي الأكثرُ إشعالاً للموقف النسائي فيما سُمي بلجنة العريضة النسائية، وطُرحت فيها العديدُ من المطالب الرئيسية والملحة والقضايا النسائية المستقلة التي تؤرقُ جمهورُ النساءِ كقطاعٍ له مشكلاته الخاصة كذلك.

كانت صرخةُ النساءِ مدويةً بتناقض ممارسة الرجال المحافظين: (إن الوعودَ الإنتخابية التي قطعها عددٌ من المرشحين للبرلمان تبخرتْ بعد أن نالوا عضوية المجلس)، وبعدها عادتْ النساءُ لطرح قضاياهن البسيطة بعد ذلك التحليق العالي، فكانت قضيةُ إصدار قانون للأحوال الشخصية أهم هذه القضايا. إن سيطرة الاتجاهات المحافظة على النساء وعلى أحوالِ الأسرةِ هي الاتجاه الغالب عبر التاريخ الديني الإسلامي بعد أن تركَ رجالُ الدينِ الصراعَ مع الحكومات الفاسدة، وتخصصوا في الهيمنةِ على النساءِ والثقافة الشخصية للمسلمين. ويغدو تحررُ النساءِ في تصورهِم هدماً للعائلة، وليس تطويراً لها من الظلماتِ الاجتماعية ولضرورةِ مراقبة أنانيات الرجال لبناء عائلة سليمة حقاً. ومن هنا كان إيجادُ قانونٍ موحد للأحوال الشخصية يمثلُ تحولاً نضالياً وطنياً ديمقراطياً بحرينياً. لكنه تحولَ إلى شقين مما عبّرَ عن مستويين مختلفين لوضعِ النساء وعن إشكاليةٍ حقوقية وطنية وعن العجز من توحيد الحركة الديمقراطية السياسية البحرينية.

حتى إصدار قانونٍ موحد عجزتْ عنه الحركةُ النسائية، فبدا تخلفها رهيباً هنا، وعادت لقضايا الدفاع عن الحقوق العامة والتفصيلية للنساء كالعمل ضد إلغاء أشكال التمييز الموجهة ضد النساء، وتغيير طابع المحاكم والقضاة في شؤون العائلة المختلفة، والدفاع عن حقوق المطلقات وغير هذا من قضايا.

قيامُ إتحادٍ نسائي يمثلُ وحدةَ النساء في البلد كان خطوةً على طريق بلورة إرادة سياسية للمرأة، كما كان قيام المجلس الأعلى للمرأة خطوة إصلاحية أخرى كبيرة على الصعيد الرسمي، لكن مستوى حضور النساء في الإنتاج، وفي المنظمات السياسية، وفي التنظيمات النقابية، وفي الحياة الاجتماعية الفكرية عامة، الأقل بكثير من أعدادهن في المجتمع يشيرُ إلى أن إنتزاعَ الحقوقِ النسائية لا يتمُ من خلال نُخبٍ صغيرة ومن خلالِ نساءٍ نادراتٍ يصلن إلى المجالس المنتخبة رغم أهمية هذه الخطوة، لكن يحدثُ ذلك من خلالِ حضورهن الاجتماعي السياسي الكبير في مختلفِ أوجهِ الحياة، بالدفاع عن مطالبهن الخاصة، ومطالب التغيير الوطني الديمقراطي العام كذلك.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : نضال النساء في البحرين

في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.

تدهور مكانة المرأة واتساع الرقيق

   

كانت أوضاع المرأة في العصر الجاهلي قد تبدلت عن العصر الأمومي السابق المفترض ، الذي لم توجد منه سوى بقاياه ، ويمكن ملاحظة إن القبائل العربية الرعوية كانوا أكثر انفصالاً عن هذه المرحلة من القبائل العربية المستقرة والزراعية ، وهذا أمر سبق ملاحظته في المناطق الزراعية الشمالية .

فالرعوية تؤدي إلى سيادة ذكورية بارزة ، حيث حدث الانقلاب الهام ، باعتماد العمل على القوة العضلية ، وباعتباره عملاً شاقاً يرتكز على رعي قطعان الجمال خاصة ، ويتصف بــ «التوحش»، على حد تعبير أبن خلدون.

(إذ الإبل أصعب الحيوان فصالاً ومخاضاً وأحوجها في ذلك إلى الدفاء فاضطروا إلى إبعاد النجعة (…) فكانوا لذلك أشد الناس توحشاً وينزلون من أهل الحواضر منزلة الوحش)، (1).

   وعبر فرض الذكور هيمنتهم وملكيتهم للقطعان ، عبر شيوخ القبائل خاصة ، تنامت عملية استغلالهم للمرأة والعبيد والعاملين.

فتحولت المرأة إلى قطيع آخر ، مهمته توليد الأولاد الذكور ، لتقوية القبيلة ، ويغدو ظهور البنات وإنتاجهن على نطاق واسع كارثة لها وسط مهام العمل الضارية في الصحراء ، وأمام الغزوات التي لا تتوقف للقبائل الأخرى.

بل إن المرأة في القبيلة الرعوية تحولت إلى ما يشبه الرجل ، حيث انغمست في العمل الشاق ، وتضاءلت زينتها ، وجعلت مسئولة عن ولادة الرجال. لكن (لم يكن وضع المرأة سيئاً بشكل مطلق ، فقد كانت المرأة سافرة مع غطاء الشعر التقليدي ، كما يفعل الرجال تماماً) ، (2).

   وكانت تختلط بالرجال وتسافر وحدها ، وتركب الخيل ، وكان لها أن تساير الرجل الغريب وتستقبله في منزلها وهي ملزمة بأداء حقوق الضيافة لمن ينزل عليها من الرجال إن كانت وحدها ، وتعفى من هذه الحقوق إذا وجد الرجل من أهلها،  (3).

وكانت  تملك حق الطلاق كما يملكه الرجل ، ولها أن تقيم علاقة حب عفيفة مع رجل واحد ، لكن المرأة العربية في الجاهلية كانت محرومة من الإرث الذي يوزع بمشيئة الأب ، وكان تعدد الزوجات بلا حد معين ، وكان تعدد الأزواج موجود أيضاً ، ولكن بصورة نادرة ، ويسمونه (نكاح الرهط) ، وهو من بقايا المرحلة الأمومية .

وكان زواج ” الأكفاء ” سائداً حيث يمنع زواج المرأة العربية من غير العربي ، أو أن يكون من قبيلة أدنى ، وقد تمسكت طبقة الأشراف بذلك ، وخاصة الأمويين الحاكمين، (4).

 خفف الإسلام من التطرف الجاهلي عبر وضع حد لقتل البنات و لتعدد الزوجات المطلق ، دون أن يكون التعدد كذلك فرضاً ، كما طرح صيغة الزواج من المرأة الواحدة في حالة عدم القدرة على العدل والأنصاف ، وهذه الصيغة فضلها بعض كبار الصحابة كسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري.

وأدخلت المرأة في نظام الإرث والشهادة ، ولكن بشكل غير مساوٍ للرجل ، كما فرض الحجاب على نساء المدينة بعد تدفق الجواري ، ومن أجل التفريق بين النساء الحرائر والإماء ، بسبب السلوك المؤذي من قبل بعض الرجال، وفيما بعد فصل هذا الحكم عن ظروفه الملموسة وأسبابه، وأتخذه الرجال المالكون ذريعة لفصل المرأة العربية عن الحياة العامة بعد أن كثرت أموالهم واتسعت شهواتهم.

في الفترة الإسلامية الأولى كانت مكانة النساء هامة ، وقد لاحظت الصحابيات المهاجرات الوضع المختلف والمتميز لنساء المدينة عن وضع المرأة في مكة ، وقد ناضلن في سبيل تطور مكانتهن.

وكان الاختلاط بين الرجال والنساء واضحاً ، واختيرت بعض النساء لمراكز سياسية واجتماعية هامة ، كسمراء بنت نهيك التي كانت تتولى أمور السوق ، وكانت تتجول في أسواق المدينة وفي يديها سوط لتأديب المخالفين. وكذلك كانت الشفاء بنت عبد الله التي كانت مستشارة لعمر بن الخطاب في مسائل السوق ، (5).

ومن المعروف دور أمهات المؤمنين في تشكيل المرحلة الإسلامية الأولى ، مساندة وكفاحاً ومشاركة في الحركة السياسية.

وشاركت النساء في حروب المسلمين كفرق محرضة على القتال ، ولعبت فرقة النساء في معركة القادسية على سبيل المثال ، دوراً مؤثراً في استقتال العرب الرجال وانتصارهم على الرغم من قلة عددهم.

وقد أدت حروب الفتوح والثروات المتفقة على العرب الرجال خاصة ، إلى تدهور مكانة المرأة العربية ، حيث أمتلك الرجال الأغنياء والمتوسطين فوائض مالية كبيرة أنفقوها في اقتناء الجواري والعبيد.

لقد وضع أساس لعبودية المرأة في المدينة العربية الجديدة ، فوضعت رهن الإقامة الجبرية في البيوت ، فتشكل أساس عميق لتدهور الوعي العام ، في حين كانت المدينة ذاتها مركز للتجارة والثقافة.

لقد تضخمت أعداد العبيد والجواري في زمن الدولتين الأموية والعباسية ، كمظهر آخر لتدهور مكانة المرأة ، بحيث يصعب ضبطه.

(فقد سبى موسى بن نصير من البربر مائة ألف) ، (وصالح أهل النوبة الفاتحين العرب على ثلاثمائة من الرقيق أو أربعمائة يؤدونها سنوياً) ، ويرى الليث بن سعد ، الفقيه المعروف ، بأن هذه الصفقة جيدة (فإن باعوا نساءهم وأبناءهم لم أر بذلك بأساً) ، (6).

 (وقد كان أمراء الزنوج وزعماؤهم يقومون ببيع مواطنيهم) ، (وشارك اباضية ليبيا في عمليات مقايضة الرقيق وبيعه) ، (7)

واستقدمت أعدادٌ كبيرة من الزنوج إلى العراق من شرق أفريقيا في العصر الأموي ، وقد ثار هؤلاء الزنوج على الحجاج وانضموا إلى فئات أخرى في الثورة بدمشق في نفس الفترة.

وغدا الرقيق والنساء والجواري والحيوانات في مرتبة واحدة ، فتلقى القصر العباسي سنة 295 ه هدية من زيادة الأغلب ، مكونة من مائتي خادم أود وأبيض ومائة وخمسين جارية ومائة من الخيل ،(8).

 وأزدهر الرقيق التركي كذلك ، فكثرت أعداد ه في العصر العباسي القادم ، فأشترى المعتصم أربعة آلاف منهم دفعة واحدة ، ثم تتالت عمليات الشراء الواسعة حتى بلغوا ثمانية عشر ألفاً لديه. وحين فتح شمال الهند تدفق الرقيق الهندي ، وقيل إن أبن سبكتكين  حصل من خمس الرقيق فقط على ثلاثة وخمسين ألاً عند فتحها في القرن الرابع الهجري .

وانتشر كذلك الرقيق الصقلبي القادم من روسيا وأوربا الجنوبية والشمالية .

وازدهرت عمليات أخصاء العبيد وظهرت مراكز لهذا الأخصاء كمدينة (هدية) في الحبشة ومدينة (وشلاو) ، وكانت أعداد ضخمة من هؤلاء المخصيين تنقل إلى الحجاز وغيره من المناطق العربية. وقيل إن الخليفة المقتدر العباسي كان يملك أحد عشر ألف خصي من الصقالبة والروم وقيل أكثر ، (9).

لقد أصبح العديد من الخلفاء والقادة العرب من نسل الجواري ، وقد أدى انتشار الإماء إلى إبعاد المرأة العربية العامة الحرة عن كافة مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية ، فقلت النساء المهتمات بالشئون العامة إلى حد نادر، وصار طريقهن للظهور عبر التفقه في الدين . أما اهتمام الجواري بالثقافة فكان من باب تحسين مستوى البضاعة البشرية ، لكي تؤدي الجارية أدواراً غنائية وإمتاعية إضافة لدورها الجسدي.

إن وضع الفلاحين والنساء والعبيد في هذه المكانة ، كان يجعل وعي الطبقات العليا والمتوسطة يتجه إلى الغيبيات، وليس إلى تحليل الواقع والنضال من خلال الناس لتغييره.

ولكن النضال كان يشق طريقه أيضاً عبر هذا الغيب، ومن داخل المدن الجديدة المتكونة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فصل من كتاب: الاتجاهات المثالية في الفلسفية العربية الإسلامية ، صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد ، ويعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية. وفي الجزء الثالث ، وهو يتناول تشكل الفلسفة العربية عند أبرز ممثليها من الفارابي حتى ابن رشد. وفي الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , ₂₀₁₅.

المصادر:

(1) :(المقدمة ، فصل في أن جيل العرب في الخلقة طبيعي ).

(2) :(هادي العلوي ، فصول عن المرأة ، دار الكنوز الأدبية ، ط1 ، ص 16).

(3) : (المرجع السابق ، ص 17) .

(4) : (السابق ، ص 22 ).

(5) :(المرجع السابق ، ص 37).

(6):(المصدر: إبراهيم حركات، المجتمع الإسلامي والسلطة في العصر الوسيط، ص 91).

(7) :(السابق ص 91).

(8):(المصدر السابق ص 92).

(9): (السابق ص 99).

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تدهور مكانة المرأة واتساع الرقيق

محمي: عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفــــــــق ـــ مقالات 2006

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور في الأدنى:

محمي: عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفق ـــ مقالات 2005

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور في الأدنى:

الرمزيةُ وأهميتُها

 

وُجد فهمُ الرموز في عالمٍ اسطوري غيبي مثالي سياسي عبرَ آلاف السنين، وهل كان الإنسان قادراً على أن يتجاوز ثنائية صورتي الإله أو الشيطان المركزيتين؟
لم يكن بإمكانه أن يضع هذه الرموز في تطورات البُنى الاجتماعية، وصراع الجماعات على المال العام والخاص والامتيازات التي يتكرس فيها أناسٌ دون آخرين، وتُدمج هذه الامتيازات بالمناصب والقبائل والعوائل والجماعات السياسية، ويتحول بعضها لكائناتٍ معبودة، تجمد الوعي البشري رافضةً دخوله منطقة النقد والتحليل والتشريح.
وإذ وجدت الأغلبياتُ في الشعوب تكريس هذا في نُصب وتحويلها لمراكز عبادة لبقاء التصورات الخيرة في إعتقاداتها، ظهرت أقلياتٌ تدعو لتحطيم هذه النُصب، غير مدركة لكون هذه الرموز معبرة عن تحولات تاريخية هامة للشعوب، ولكن وعي الشعوب التقليدي لا يستوعب نقدها وتحليلها وتمييز الخيط التقدمي الصاعد عبر التاريخ وتراكم الممارسات الاجتماعية الفكرية الجديدة والمضيئة، وليس الحل هو في تدمير الأشياء والأعمال المقدسة والفنية للشعوب مهما بدت مختلفة ونائية عن تفكيرنا بل في قراءة حياة هذه الشعوب الاقتصادية وإصلاحها.
عبرَ صراعُ الرموزِ ونقدها أو مدحها في منطقة العالم الثالث المتأخر- حيث أن بعض الدول الاشتراكية قد تجاوز هذه المرحلة الصنمية- عن صعوبة العمليات الديمقراطية والتحويلية الجارية في هذه البلدان.
ثنائية الذم البغيض أو المدح الذاتي العالي، يعبران عن العقلية القديمة وثنائية الإله أو الشيطان، وهي عقليةٌ واحدة في ميدالية الوعي الاسطوري، الذي يحول الكراسي لحكم أبدي، مطلق خارج صراع التاريخ والجماعات.
وقد تجاوزت ثقافةُ الغرب ذلك لكون عالم الكراسي نسبي، مرحلي، يهدف لتطوير البنية الاقتصادية السياسية التي توضع محلَ تشريحٍ ونقد من أطراف عدة، كلٌ يسحبُ لجهةِ مصالحهِ المشروعة، في مسرحٍ تتسلطُ عليه الأضواءُ الساطعة، ويقبلُ فيه المتنافسون نتائجَ الأصوات والضغوط ودعايات الجرائد الحزبية التي غالباً ما تلجأُ للعروض الموضوعية في تكوين قياداتها، فتظهر مراكزُ طبخ في كافة الطبقاتِ المتصارعة لتكوين القيادات ودراسة نقاط قوتها وضعفها، ومدى تعبيرها عن الجديد في مصالحها وجماعتها، وتجاوز القديم الذي تكلس، ولكن حتى تلك القيادات التي تكلست تدافع عن وجودها أمام التشريحات النقدية وتتساقط إذا عبرت تلك التحليلات العميقة عن جوانب جديدة هامة وكشفت أخطاء خطيرة ومستوى سياسياً معرقلاً لتطور النظام والجماعة.
وهذه الممارسة السياسية العالية نتاج تطور فكري سياسي لعدة قرون سابقة، لا نستطيع أن نقفز نحوها بأقدام الأطفال السياسيين، الذين تمتلئُ أفواههم بعبارات الذم الساحقة لأفراد محددين يخالفونهم الرأي، أو المدح الرخيص للحصول على مناصب متوفرة وسد منافذها أمام الكفاءات.
إن عقلية الإله أو الشيطان، الأبيض أو الأسود، لا تتشكل في تجسيدات الحياة الاجتماعية السياسية التي يمتزج فيها الخيرُ والشر، الانجازُ والسلب، التطور والجمود، الرقي والرجوع للوراء. إن كلَ جانب إجتماعي سياسي يحمل جوانبه المفيدة، ولكن هذه الجوانب لا تتصارع جدلياً، فتتفجر منها شراراتُ النور لا شرارات النار!
وتبسيطاتُ الوعي القديم ما تزال رازحةً على أفواه الوعي الجديد، مثلما أن الدول الفتية في العالم الثالث تختلط فيها تشكيلات المجتمعات العتيقة من عشائر وأقاليم متضخمة الهيمنة، ومناطق مقزّمة الوجود، وكلٌ من هذه المناطق المتناقضة المصالح ترمي الأخريات بصور الأباليس، وتضعُ مسيراتها الطائفية والدينية والسياسية في براويز الضياء والأبدية.
وكما أن الديمقراطية بكر وهشة في هذه الدول لا يتطور الوعي فيها بسهولة لتحليل الواقع وتناقضاته، فهي متمترسة في أوضاعها، تعيش على أصوات تمجدها أو تلعن خصومها، فهي غير قادرة على نخل عالمها وتغييره من الشوائب وتزييت العجلات السياسية لمزيد من التطورات الوطنية الجامعة لأبناء الشعب الواحد المتضارب المصالح موضوعياً ومؤقتاً في فترة ومتلاق في فترة أخرى حسب قدراته على الفهم والنشاط السياسي وإدراك التناقضات وحلها.
ولهذا فإن الصرخات والتهجمات على الرموز المختلفة هي أعمال بائسة لا تؤدي لتطورات بقدر ما تعقد العمليات الفكرية والسياسية، وتهيج الجمهور من هنا وهناك.
ولا توجد أفضل من القراءات الموضوعية للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع الابتعاد عن الشخصنة والمثالب الموجهة للشعوب والقبائل والمذاهب والشخصيات القيادية، ومثل هذه القراءات الحكيمة تعزز بذور الوعي الجديد، وتهدئ الأعصاب السياسية، لكونها تتجه للمشكلات الموضوعية وتشير للحكام والمحكومين إلى جوانب النقص فتخلق تقارباً على خريط البلدان المشتتة، التي تزيدها الصراعات الذاتية تمزقاً وتباعداً، وتنتج قيادات جديدة في مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية السياسية ترى ما لم يره الآخرون السابقون وتضيف لانجازاتهم إنجازات جديدة، ولهذا يتطور العمل السياسي المتصارع نحو حلول جديدة للواقع الذي ظهر متكلساً لا يقبل التغيير.
في السياسة إمكانيات كبيرة للالتقاءات والتعديلات والتشريحات واللقاءات والاجتماعات للخصوم ولظهور صراعات أكثر تطوراً وذات قابلية أكثر للعلاج، أما العمل بعقليات اسطورية لا تستطيع دمج العلوم العصرية بالعلاج السياسي فهو مثل الطب القديم الخرافي الذي يعالج الأمراض باللعنات والهجوم على الأرواح الشريرة!