قراءة جديدة لظاهرات الوعي العربي

---

الاتجاهات المثالية في الفلسفية العربية الإسلامية

 1 ₪  قراءة جديدة لظاهرات الوعي العربي

 توطئة

         يتناول هذا الكتاب ظاهرات الوعي العربي ـ الإسلامي بجانبيه الأساسيين : الدين والفلسفة، و بجذور هذا الوعي الأولى ، وهو يتشكل وينمو من المرحلة الجاهلية فظهور الإسلام وتشكل الدولة الإسلامية وحتى نهاية الدولة الأموية. إن هذا يمثل الجزء الأول من البحث المطول ، حيث أن ثمة أجزاء أخرى تعالج المراحل التالية .

وهذا موضوع ليس جديداً ، فهو كان ولا يزال مركزاً لدراسات لا تتوقف ، فلا بد أن يحمل هذا الجهد الجديد شيئاً مختلفاً ، يضيف إلى هذا الكم والنوع الكبير ، مساحة مختلفة من الرؤية.

وبطبيعة الحال فإن الباحث تجشم هذا العناء من أجل أن يطرح وجهة نظر مختلفة ، فالعمل هو رؤية جديدة إلى الوعي العربي ، تجعله كائناً تاريخياً مركباً ، فالوعي العربي ـ الإسلامي الذي تشكل في الجزيرة العربية ، لم ُتبحث جذوره التاريخية الممتدة إلى التاريخ القديم في المنطقة ، وإلى تضاريسها الجغرافية / الاقتصادية ، وإلى كونه مستوى في بنية اجتماعية متضادة متغيرة دوماً.

فإن يظهر الوعي العربي ، بصفة وثنية ، ثم ينعطف إلى الطبيعة الدينية التوحيدية ، فإن ذلك لا يتم في إطاره التاريخي المعزول عن الطبقات التاريخية السابقة ، ولا عن التطورات الفكرية في منطقته المشرقية ، التي غدت بعدئذٍ عربية ، ولا عن بنيته الاجتماعية الخاصة التي يقوم بتكوينها ، جدلاً مع التاريخ ، وحفراً في الحاضر.

إن بحث الطبقات التاريخية القديمة في المشرق ، عبر رؤية الأنظمة الاجتماعية المتشكلة ، وخاصة جوانبها الفكرية ، يقود إلى تحديد أنماط هذه الحضارات ، وأسباب تحجرها في نمط إنتاجي معين ، ليرى المحطة التي دخل فيها العرب ، والظاهرات المختلفة ، التي جعلت الإسلام يظهر بتلك الصورة التحويلية لهذا العالم المتجمد عند تشكيلته الاقتصادية ـ الاجتماعية.

إن قراءة التاريخ العربي / الإسلامي عبر تحليله من خلال جذوره في الماضي ، هو أمر سيفتح مستويات وعي البنية العربية / الإسلامية ، فهذا الوعي العربي المتنامي أخذ عناصر فكرية من الماضي كفكرة الآلهة أو الإله الواحد أو دور السماء كمركز لإنتاج الوعي المطلق وبعض أسماء الأنبياء وبعض الأفكار الدينية الخ..

ونحن نقوم بدراسة البنية الأولى ، بنية العصر القديم عبر هياكلها الإنتاجية ومستوياتها الفكرية ، ونقوم بالربط بين خيوط المرحلتين ، أي نرى كيف تواجدت تلك العناصر الفكرية في بنية الوعي العربي وأسباب تطورها بهذا الاتجاه داخله.

وقد ركزنا خاصة على بنية المجتمع العراقي الجنوبي ، وعلى الخطوط العريضة لتطور الإنتاج والوعي فيها ، وعلى  الخطوط العريضة لتطور الوعي الديني في مصر ، بحيث نكتشف طبيعة النظام الاجتماعي المشترك ، ودور هذا النظام الاجتماعي المشترك في تجمد التطور التاريخي ، أي في البقاء ضمن تشكيلة اقتصادية ـ اجتماعية واحدة.

فالوعي العربي ، ومن ثم تطوره اللاحق ، الوعي الإسلامي ، وهو ينمو داخل بنيته الاجتماعية يقوم باستعادة تلك العناصر من العصر القديم ، سواء عبر علاقته المباشرة ، أو من خلال التأثيرات الفكرية التي تأطرت من خلال الأديان : الوثني ، واليهودي ، و المسيحي.

أننا سنقوم برؤية علاقة التداخل هذه ، سواء بالاستفادة من المؤثرات أم بتجاوزها ، وبناء منظومة جديدة . ولكن علاقة التداخل هذه ستكون معقدة وذات مستويات ، ففي المرحلة الجاهلية تكون العلاقة مختلفة عن المراحل التالية ، بحيث إن العلاقة تحكمها تطورات البنية الاجتماعية الداخلية، فاسترجاع الماضي ، أو الاستفادة من المؤثرات القادمة من الخارج ستخضع لهذه البنية الداخلية وصراعاتها.

إن هذا يقودنا إلى تحديد نمط وتطور البنية الاجتماعية العربية، أي دراسة الخطوط الرئيسية لإنتاجها ، وأشكال الوعي السائدة فيها ، حيث سندرس طبيعة البنية ” الرعوية ” وتأثيراتها الكبيرة على الوعي والتطورات الاجتماعية والفكرية والسياسية.

ولكن دراسة البنية الاجتماعية لا يجعلنا مأسورين في طابعها التـقني ، أي أن نعتبر الرعي اتجاهات فكرية وسياسية ، بل نحن نعتبره علاقات اجتماعية واقتصادية معينة ، في حين إن الاتجاهات الفكرية والسياسية تعود إلى مستوى آخر ، لكنها ترتبط كذلك بالظروف الاجتماعية السائدة.

فإذا كان الإسلام ظاهرة نمت بين الرعاة  وفي هذا المجتمع العربي الرعوي فلا بد أن تكون جذوره مربوطة بمستويات هذا المجتمع ، ولكنه من حيث الإتجاه هو تحول حضاري يتجاوز مجتمع الرعاة هذا ، ويستهدف تخطيه وتمدينه. وهنا تتشكل علاقة الدرس والتحليل للعلاقة بين المدينة [ مكة ] كقائدة حضارية لهؤلاء الرعاة . وبين القيادة الطليعية والجسم الاجتماعي تتكون علاقات معقدة من التداخل والتجاوز.

إن سيادة الجسم الرعوي تعبر في حد ذاتها عن مستوى البنية ، وبالتالي فإن الاتجاهات الحضرية فيها لم تقم بحسم عملية التطور الاجتماعي ، والدخول في بنية اجتماعية ذات نظام سياسي محدد، وكان الرعاة ( الساميون ) لهم تجارب في هذا القفز التاريخي، وعبر ذلك كانت العلاقات الاجتماعية العليا تحمل العلاقات الاجتماعية الدنيا، في مركب غير متناسق،(1).

والإسلام نفسه هو العملية الحضارية الهادفة إلى تغيير هذه البنية الرعوية السائدة ، وهو يظهر من خلال موقع اجتماعي وفكري محدد ، حيث برز كثورة ، أي أنه صعد من خلال تحالف اجتماعي طليعي مقاتل ، وإن هذا التحالف هو الذي جعله يرتبط بأغلبية السكان ، وبالتالي يعيد تشكيل الجزيرة والمشرق والعالم المحيط من خلالها.

لكن هذا الاتجاه يخضع لعملية التطور والصراع بين الجماعات الاجتماعية ولمستويات تطورها وفاعلياتها ، وبهذا فإن البنية الاجتماعية الرعوية أساساً خاضعة للصراعات الداخلية وللمؤثرات الخارجية ، خاصة عملية الفتوح التي سادتها القبائل الرعوية ومستوياتها الاجتماعية والفكرية ، وقادها المركز القرشي.

وبهذا فإن البنية الاجتماعية للعهد النبوي تختلف عن  البنية الاجتماعية للعهد الراشدي ، من حيث كون الأولى عربية ـ جزيرية بدرجة أساسية ، وكون طبيعة حركتها الاجتماعية وطريقة تقسيمها وتوزيعها للملكية ، وبسبب غياب الدولة وملكيتها ولبداية تشكل أجهزتها ، في حين إن بنية العهد الراشدي اعتمدت على حركة الفتوح وهجرة السكان المقاتلين وعوائلهم إلى الأمصار وبدء تشكل الدولة العربية الواسعة التي تضم المشرق العربي والإسلامي ، الذي لم يصر عربياً وإسلامياً بعد حينذاك.

إن بنية العهد الراشدي تعتمد على ظهور ملكية الدولة للأراضي العامة [ الصوافي ] ، وظهور نمط جديد من الإنتاج والتوزيع ، وهذا ما أدى إلى سلسلة من التغيرات الاجتماعية والفكرية ، ومع ترسخ هذه البنية واستعادت الهياكل الاقتصادية العائدة للعصر القديم ، تبدأ صراعات اجتماعية وسياسية عميقة في هذه البنية ، تفضي إلى النظام السياسي الأموي.

وتتوغل الدراسةُ في بنية النظام الأموي وتناقضاتها وسيرورة الصراعات داخلها وسببيتها ، بحيث نقوم بوضع الخطوط العريضة لتطور المجتمع العربي / الإسلامي في هذه المراحل الاجتماعية والسياسية المتعددة ، أي نقرأ عملية انتقاله من البداوة  إلى الحضارة ، و طبيعة الصراعات وأشكالها ومضامينها ، بحيث نصل إلى دراسة التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية التي أستقر عليها.

2 ₪  موقع الاتجاهات المثالية من التطور الاجتماعي

إن قراءة هذه الخطوط العريضة والتفصيلية للتطور الاجتماعي لا تفصلنا عن دراسة بؤرة الموضوع ، وهي مسألة الاتجاهات الفكرية المثالية.

إن المثالية عموماً هي وجهات النظر التي ترى أسبقية الوعي على الوجود ، وهذه الأسبقية قد تكون من خلال أسبقية الألوهية أو الأفكار أو الماهيات والجواهر في صنع العالم ، أو أسبقية الوعي الفردي ، (2) .

وقد أعطى الإنسان قديماً الأرواح المختلفة القدرة على التحكم في الوجود المادي والمصير الإنساني ، وكان الإنسان ـ الحيوان جزءً مادياً ملتصقاً بالطبيعة عبر مئات الآلاف من السنين  ، وحين بدأ الانفصال البطيء الطويل المحدود عنها ، عبر العمل كانت تبعيته مع ذلك للطبيعة عميقة وغائرة في هياكله الاجتماعية والفكرية ، سواء عبر المنظومة العشائرية ، أم عبر سيطرة الأرواح وأرواح الأجداد والطواطم وعبادة الأمهات والكواكب والنجوم ، على وعيه وتنظيم حياته.

إن انقسام الأرواح إلى خيرة وشريرة كانت تعبر عن الطابع المتناقض للظاهرات الكونية والمادية والبشرية ، وهي تنمو عبر التمحور في كائنات ما ورائية مطلقة ، هي الأرواح والآلهة والشياطين والمسوخ المختلفة الخ..

إن تبعية الإنسان للطبيعة هنا ، وعدم وجود قدرات إنتاجية تحويلية لديه ، كانت تقود إلى سيطرة القوى الما ورائية المختلفة ، تعبيراً عن الجوانب والقوى المادية في الكون والحياة التي تهيمن عليه.

وهكذا فإنه أوجد الرؤى والشخوص المتخصصة في التحكم في هذا الإنتاج الروحي ، كشكل أولي سحري من المثالية ، أي عبر هذا الوعي الذي يعطي الخارج الميتافيزيقي القدرة على السيطرة على الداخل الإنساني ، سواء كان هذا الداخل تنظيماً اجتماعياً أم أفكاراً ومشاعر.

هذه الطبقة من الرؤى السحرية والطقوسية هي الجذور الأولى للوعي الإنساني ، وهي التي تواجدت مع تشكل الحضارة البشرية في منطقة المشرق ، وبدء تحول القرى إلى مدن وظهور الدولة والطبقات الخ..

لا بد أن نلاحظ التمايزات التي تشكلت في المشرق [ العربي ] منذ البدء عن المناطق الاجتماعية ـ الفكرية الأخرى ، كالمنطقة الهندية ، والصينية وغيرهما ، حيث لعبت العناصر الطبيعية [ السماوية ] خاصة من نجوم وكواكب ومطر وشمس وأنهار دورها في الانقسامية الكبرى للأرواح الخيرة والشريرة ، ثم في التشكل الثنائي المتضاد لها ، حيث للأولى الجوانب العليا المهيمنة الطيبة الخيرة، وللثانية المستويات الدنيا وحدوث الانفصال الكلي المطلق بينهما .

كانت هذه تركيبة متداخلة مع العصر الأمومي  ، وكانت هذه الأخيرة تشكل آلهة أنثوية إنتاجية ومسالمة ، ولكن مع تشكل الحضارة في جنوب العراق وصعود المدن من قرى المستنقعات ، وظهور السلطات والطبقات ، فإن تلك التركيبة السماوية الشاملة ، سوف تصعد الأرواح والآلهة الصغيرة والقبائل الإلهية لتحكم السماء وتسيطر على تنظيم الكون والحياة الإنسانية ، بشكل شرس وعنيف ومتفرد . كذلك فإن هذا يترافق مع انتقال الحضارة من المجموعات السومرية الزراعية المسالمة إلى القبائل السامية الرعوية العنيفة.

إن تبلور الأرواح على شكل آلهة عليا ترافق وانقسام العمل إلى عمل يدوي وذهني ، وحصول السحرة والكهنة والملوك على موقع أعلى من المنتجين ، فأخذ الأولون عبر الرموز السماوية كالكواكب والنجوم في تجسيد السلطة المتعالية.

لقد أخذت المثالية صيغتها الأولى من السحر والطقوس والأديان البدائية ، حيث القوى الغيبية المختلفة تسيطر على بناء الطبيعة ، فتنهدس الكون وتشكله من خلال المواد الطبيعية والاجتماعية المتاحة لها، سواء كانت عبر المعارك مع الحيوانات الخرافية أم مع قوى الطبيعة الملتحمة بها كالبحر والسماء والنجوم والعواصف والطوفان الخ..

ثم هي لا تكتفي بتشكيل الطبيعة في المدة الزمنية القصيرة الممدة على أيام الأسبوع ، بل أيضاً تقوم بتنظيم الحياة الاجتماعية بالصورة التي ترتئيها ، فتضع الرجل والمرأة في الأمكنة التي تريد ، وتصنع الإنسان من طين أو من بقايا إله قتيل ، وتعلن الوصايا الاجتماعية والسياسية التي لا تُخرق أبداً .

هكذا غدت الغيبية الدينية الأم الأولى للمثالية ، المدرسة الفلسفية الكبرى فيما بعد ، التي ترى أسبقية الفكرة في صنع الوجود ،  وهذه الأفكار الغيبية نقول إنها نظرات وأفكار مثالية ، من حيث إعطائها القوى الفكرية والتصورات العقلية السحرية والأسطورية ، الدور الأول في صياغة العالم ، لكن الفلسفات المثالية ستتشكل فيما بعد ، معتمدة على هذه الجذور الدينية والأسطورية حين تتراكم المعارف ويُكتشف التجريد والتعميم النظري ، ويلتحم بالمنجزات العلمية المختلفة.

إن الجانبين يتفقان في أسبقية الوعي وتشكيله للعالم ، والجانب الأول يشكله عبر المواد السحرية والقوى الخارقة المختلفة ، والجانب الثاني يشكله عبر الآلهة والأفكار المطلقة والقوى المجردة والرموز المختلفة.

والجانبان يعبران عن مرحلتين تاريخيتين ومستويين فكريين / اجتماعيين ، مختلفين ومتداخلين ، فالأول يعبر عن المناطق التي سادت فيها الأديان حيث هي الأفكار التي تتعاضد فيها العمليات العقلية التصويرية والتجريدية.

ويلعب التصوير دوره الأساسي ، ويتمظهر عبر القصص والملاحم والأناشيد والأساطير الخ .. فيجسد الآلهة والقوى الغيبية المتحكمة في الوجود ، وحينئذٍ تكون العلاقة بين الجمهور المنتج والسحرة والكهنة والملوك علاقة هيمنة مطلقة من قبل الأخيرين ، وتتمظهر عملياً عبر المعابد والطقوس ، فيسود فيها الانفعال وتغييب عقل الجمهور ، ومن الممكن أن نجد هنا عناصر مادية كالهواء والماء والنور وغير ذلك ، ولكنها مجرد عناصر مسيطر عليها وذائبة في القدرات الخارقة للآلهة والشياطين  التي أخذت تهيمن بشكل أساسي ، على الوجود السياسي / الإيديولوجي ، حيث إن الآلهة معبرة عن الخير وقوى النظام والصحة والحساب الخ .. ، والقوة الثانية أي الشياطين معبرة عن قوى الشر والرفض والمرض الخ..

إن قوى الطبقات المسيطرة المتجسدة  في المشرق ، ثم في امتداداته المناطقية والعالمية ، تحيل عناصر المادة إلى عناصر مهيمن عليها وذائبة ، مثلما تفعل في العناصر المادية الاجتماعية كالمدن الحرة والصناعة والتجارة ، فهي تُلحقها بالطبقة المهيمنة بفرعيها الملكي / الديني.

ولهذا فإن العناصر الميتافيزيقية شديدة الغيبية تظل الأقوى في الحضور الفكري ، في حين إن الفلسفة المثالية الموضوعية لا تكاد أن تخرج إلا فيما بعد ، وبعد عدة قرون من ظهور الإسلام في المجتمع العربي.

إن التحام العناصر السحرية والدينية بالنظام السياسي العبودي المُعمّم ، حيث السلطة السياسية معبودة وملتحمة بالآلهة ، يجعل هذا النمط من المثالية الفكرية ، ينيخ على الفضاء الفكري للناس ، جاعلاً إياهم جزءً من حيوانات الإنتاج ، فلا تعطى مفردات العالم الموضوعي : الطبيعة ، المجتمع ، الوعي ، استقلالياتها وتفرداتها ، وتغدو كلها تابعة للآلهة والكائنات الغيبية المطلقة.

لهذا تغدو الأديان مهيمنة على الوعي على مدى آلاف السنين ، مع نمط الإنتاج العبودي العام ، وبنائه التقني وهو الزراعة ، ولكن تشكل الدول الكبيرة ونمو المدن واتساع التجارة والحرف ، يشكل نمواً مختلفاً للوعي ، وفي الدول العبودية المعممة القديمة المشرقية ، لم تتشكل الفلسفة ، أي هذا الوعي المتميز النوعي المستقل عن الدين ، كبنية فكرية تنظيمية ، وليس كاتجاه ، أي إن الدول المشرقية العبودية منعت حتى انبثاق هذا الوعي ذي الصفة الاستقلالية عن الغيبيات الدينية ، والذي يغدو إنتاجاً فردياً مميزاً ، في إطار تذويبها للأفراد وللعقل المستقل والنقدي. لكن الوعي المعارض والثوري يتمظهر عبر الدين نفسه في صراعات متعددة ومتداخلة، تشكل مسار التطور الاجتماعي والفكري المتضافر.

في المدن الحرة اليونانية الديمقراطية التي تحميها الموانع الطبيعية والعسكرية الشعبية ، عن هيمنة الدول العبودية المعممة المشرقية ، أمكن لهذا الوعي المستقل أن يتشكل بصفة نسبية هامة عبر صعود دور التجارة و [ الصناعة ] ، دون أن يتحرر كلياً من الغيب الديني والأساطير، ومستفيداً من الثروة العلمية والأدبية الكبيرة التي تشكلت في المشرق.

ولهذا حدث التمايز بين الشكلين من الوعي المثالي  ، الأديان /الأساطير ، والفلسفة ، وحين ذهبت الأخيرة للمشرق ، فقد كان بانتظارها تلك الأديان والأساطير في مرحلة جديدة من تطورها ، فتقوم الأديان والأساطير باستيعاب الفلسفة اليونانية في عباءتها الغيبية ، مثلما تقوم الفلسفة بالصراع ضد الأشكال الغيبية المطلقة.

إن الشكلين من الدين والفلسفة ، هما الشكلان المتميزان الرئيسيان من الوعي المثالي ، في المشرق ، ويعتبر الدين حجر الزاوية في البناء الفكري ، نظراً لارتباطه بالعمليات السحرية في الوعي والبناء الاجتماعي ، وبأشكال جماعية طقوسية ، مؤد لجة لحماية الأنظمة العبودية المعممة ، والإقطاعية فيما بعد ، وحيث تجد القوى الشعبية المعارضة أصواتها الجماهيرية كذلك ، في حين إن الفلسفة هي نتاج ثـقافي فردي وجماعي لم يظهر في عمليات الطقوس والشعائر السحرية والغيبية ، بل عبر الوعي ” العقلي ” للأفراد والنخب الثـقافية والفكرية ، ولهذا فهو كنوع نتاج الاستقلال عن البنية الأسطورية والدينية ، المعبرتين عن الدولة ، بجناحيها السياسي ـ الديني ، المفارقة والمطلقة ، والمتحكمة كلياً ونهائياً في البشر، وكذلك عن التمردات والثورات ضد هذه الدولة بمستوييها السياسي والديني.

فالآلهة والشياطين الخ ليست في النهاية سوى  تمثلات للسلطات والاتجاهات المختلفة  ولقوانين التطور الطبيعية والاجتماعية المُغيبّة ، وعمليات تبدلها المستمر عبر العصور ، ولكن من حيث إفقادها الطبيعة والمجتمع والوعي كياناتها المستقلة وتطوراتها الموضوعية.

إن هذه الأنظمة العبودية والإقطاعية التي ألغت الوجود البشري ، وألحقت المنتجين بالتالي بحيوانات الحقول ، عبر جعل كائنات الأديان والأساطير تهيمن بشكل مطلق على الوجود ، ستناوئ الفلسفة كقوة فكرية للمثـقفين المستقلين والأحرار ، ولكنها أيضاً ستتدخل في هذا الشكل الجديد من الوعي القادم من بلاد اليونان .   

 3 ₪  الدين والفلسفة كشكلين متميزين للوعي :

في كلا الجانبين الدين والفلسفة ، تكمن النظرة الشاملة للوجود. فالدين يقوم بتنظيم الحياة والكون عبر ترتيب قصصي أو ملحمي ، أي معتمداً على المادة التصويرية ، لإنتاج منظومة فكرية تهيمن على السلطة ومن ثم المجتمع والبشر وتحاول تأبيد وديمومة وجودها إلى الأبد.

ورغم إن الدين هو من تبليغ أو تشكيل أو بناء شخوص محددة هي الأنبياء أو القادة ، فإن المصدر الفردي لا يعتبر جوهرياً، فالفرد ذاته هو صوت للغيب ، أو للأرواح ، فهو رسول القوى ألما ورائية ، مما يعبر عن قوى غير فردية، ولهذا يكون عادة جزءً من المرحلة القبلية البطولية ، فيتداخل النسيج الغيبي والأسطوري بالدين ، متجسداً عبر مادة تصويرية غالباً ، ويكون بناؤه أقرب للشعر منه للنثر.

وليس في هذه المادة التصويرية برهان أو تسلسل منطقي ، وإنما هي مادة موروثة التحمت بالطقوس والعبادات. وإذا أخذت بنموها الفكري والاجتماعي في البنية التي ظهرت فيها ، يمكن رؤية تطورها السببي ، ولكن باعتبارها مادة منزلة من السماء ، أو باعتبارها نتاج القوى الخفية ، فليس هنا أية سببية برهانية متسقة لها.

ولهذا يحدث التمايز هنا بينها وبين الفلسفة ، التي تعتبر نتاجاً فردياً عقلياً محضاً ، فتتشكل على أساس المنطق والحجج والبرهان ، وهذا بحد ذاته يؤدي إلى الصدام بين هذين الشكلين من الوعي ، فالدين الجماهيري السلطوي الغيبي أو الجماهيري التمردي يتشكل بلا برهان ، ومن مجموعة من القصص والحكم والمواعظ ، في حين إن الفلسفة المكونة من خلال الأفراد والمعتمدة على أبنية فكرية متسقة ، تبدو أعلى في كيانها ومرتبتها من الدين ، نظراً لتشكلها عبر العلل واعتمادها على ثمار العلوم المختلفة ، وهي بهذا العلاقة المتوارية الضمنية ، تقوم بالهجوم على الدين ، أو على الأقل بالاختلاف والتمايز معه ، وتغدو كبناء فكري نتاج مرحلة بشرية أكثر تقدماً.

ويغدو نموها في الطبقة الوسطى ، أي في شرائح المتعلمين والمثقفين والتجار ، عاملاً آخر في تناقضها مع الدين الذي يلتحم مع المؤسستين السياسية والدينية. أي مع الطبقة الحاكمة بفرعيها الأساسيين.أي أن كافة الاتجاهات الدينية تقوم بالتوغل في الفلسفة ، وهذا يرتبط بمستوى التطور ومدى فاعليات الطبقات الوسطى والشعبية.

والعلاقة بين الدين والفلسفة لا تعتمد على تضادهما الفكري ، باعتبارهما مستويين مختلفين من التشكيل المعرفي ، بل أيضاً على الصراع الاجتماعي أو التعاون أو الإلحاق القائم بين الأشراف والطبقة الوسطى ، أي أن التضاد بين الدين والفلسفة قد يصل إلى المضامين العميقة المشكلة لهما . ولهذا فقد غلب على الفلسفات اليونانية في مرحلتها الأول الاتصاف بالمادية حين كانت مستقلة ومعبرة عن اتجاهات الطبقة الوسطى في مدن حرة ، ولكن الاتجاهات المثالية نمت وتطورت وسادت فيها بعد ضمور الطبقة الوسطى وإلحاقها بالدولة و صعود طبقة ملاك العبيد . 

إن عمليات التعاون أو الصراع تعتمد على الظروف السائدة في البنية الاجتماعية واتجاهات التطور فيها ، وعلاقات التداخل والتباين بين مستوياتها وأشكال الوعي فيها ، ولهذا فليس من الممكن المعرفة المسبقة بعلاقات الدين والفلسفة ، وهما كشكلين من الممكن أن يحدث تعاون وتداخل بينهما ، حسب رؤية المفكر ، فيحدث توظيف كل منهما للآخر ، ومن الممكن أن يحدث الصراع .

إن الاتجاهات السائدة في البنية هي التي تلعب دوراً كبيراً في علاقة الدين بالفلسفة في المشرق ، نظراً لأن الفلسفة تالية والدين قديم وراسخ ، فهذه الاتجاهات السحرية والأسطورية والدينية نظراً لخمسة آلاف من الحضارة العبودية المعممة الاستبدادية هي التي كونت القواعد العقلية الجماهيرية ، في مناطقها الزراعية المنعزلة ، وتغدو المدن مكان إدارة الطبقة الحاكمة بمؤسساتها السياسية والدينية ، وتصير فئات التجار والمثـقفين والإداريين الخ  ، ذات علاقة تابعة بالطبقة الحاكمة ، ومن ثم تصير الفلسفة تابعة للدين  .

ولكن أيضاً من الممكن مع اتساع الدولة والتجارة والحرف ، أن تظهر فئات إنتاجية وتجارية ومالية غير تابعة للدولة ، أو أنها ُترهق وتعاني من استغلال الحكام ، فتقوم بإنتاج وعي مختلف ، نقدي ، أو تشككي ، أو معارض بصورة مبطنة دينية أو صوفية أو عقلانية الخ ..

ومن المؤكد إن حجم ونوع هذا الاختلاف يعتمد على مدى تطور الفلسفة باتجاه القراءة الموضوعية للطبيعة والمجتمع والوعي ، ومدى شمولية الدين وتداخله مع السلطة أو السلطات ، واتساع أو ضمور المواد العلمية الناتجة من الأبحاث وتطور التقنية والترجمة ، ومدى دور وأهمية النزعات المادية في داخل الأبنية المثالية أو خارجها الخ..

وتقود الصراعات في البنية الاجتماعية إلى تفكك المنظومة الدينية الشاملة الوحيدة إلى مذاهب متعددة ، تعبر عن النزاعات الاجتماعية والقومية غير المعبر عنها سياسياً ، وتتخلق بشكل مذاهب وربما أديان الأقليات المختلفة ، وهذا كله يتغلغل في الفلسفات ، لتغدو اتجاهات متعددة ، وللجسم الإمبراطوري شكله التطوري الخاص ، بخلاف زمنية التفكك والدويلات ، بحيث إن التعميمات الفكرية والاستخلاصات المجردة المتعالية فوق البُنى التاريخية المحددة ، تقود إلى استنتاجات غير دقيقة.

فحين نناقش ـ على سبيل المثال ـ تيار المعتزلة ينبغي أن لا يُؤخذ فوق البُنى التي تتشكل وتتنامى داخل تضاريسها ، ففي عصر الدولة الأموية كان الاعتزال يتطور بشكل ، هو بمثابة المرحلة التأسيسية له ، ولكن هذا الطور الأول ليس متماثلاً مع الطور الثاني ، رغم وحدة المفاهيم الأساسية ، لأن البنية الاجتماعية الجديدة قامت بإعادة تشكيل الاتجاه ، فقد كان في الطور الأول قيادياً طليعياً ، أما في الطور الثاني فكان تابعاً للدولة ، وهذا مرتبط بعملية الصراع الاجتماعية ـ الفكرية ، ولهذا سوف نقرأ التباينات الاتجاهية والمعرفية في الطورين ، وسنرى علاقة ذلك الوثيقة بالبُنى ومدى هيمنة الدولة ـ الدين فيها، والفروق بين الطورين والجوانب المتضادة فيهما .

أي أن اتجاه المعتزلة سيُؤخذ ليس كاتجاه فكري له جذوره الموضوعية فحسب ، بل كفاعلية فكرية وسياسية داخلة في البنية ومراحلها المختلفة مؤثرة ومتأثرة بها، ومن هنا ستتضح الفوارق الدقيقة بين كل مرحلة ، والعمليات التي تؤسس الوعي ، وعمليات الوعي في الحياة.

وسندرس كل اتجاه حسب هذه الطريقة ، وتفاعل الاتجاهات المختلفة ، داخل البنية الإمبراطورية ثم في البنى الإقليمية ، وسنقرأها في ضؤ التفاعلات بينها ، مستعيدين جذورها وجذور المنطقة والأقاليم المختلفة ، لتتشكل لوحات مركبة للدين ، وللاتجاهات الفكرية ـ الدينية وللمذاهب والعلوم والفلسفات.

ولهذا فإن هذا الجزء من البحث سيقوم بقراءة الجذور القديمة والمعاصرة لتشكل الوعي العربي بين مرحلتيه الوثنية والإسلامية، وحيث لا يوجد هنا سوى وعي ديني بمرحلتين وببنيتين، وهي المرحلة التي ستضع القواعد الأساسية للمرحلة التالية للعصر العباسي الأول .

في حين سيبحث الجزء الثاني الأبنية الفكرية التي تشكل على أساسها الوعي الفلسفي المكتمل في العصر العباسي الثاني .

أما الجزء الثالث فهو يختص ببحث أبنية الفلسفة المختلفة .

وهذا التقسيم سوف يضعنا على التشكلات المعقدة لبنية الوعي المتطورة، والملتحمة بالتطورات الاجتماعية والفكرية المختلفة، بحيث نكتشف ظاهرات الوعي المتعددة، في نوعيها الرئيسين: الدين والفلسفة، ومن بذورها الصغيرة وكيف تتنامى في أشجار كبيرة .

أننا حين نبحث في المذاهب الدينية سنرى أسباب انقساماتها وتدرجاتها ، حسب الوعي والجغرافيا، وعلاقاتها بالصراعات الاجتماعية و [ القومية ] والمستويات الفكرية للمناطق ، وعلاقاتها بالعصر القديم والمادة الإسلامية.

أو حين نتتبع تياراً فكريا سنقرأه عبر مراحل تطور البنية الاجتماعية العربية / الإسلامية ، حيث سيبدو مضمراً وصغيراً في مرحلة ، كما يحدث للصوفية على سبيل المثال ، حيث ستبدو اتجاهاً زهدياً في المراحل الإسلامية الأولى ، ونقرأ أسباب التشكل بهذا المستوى ، ثم سنرى الصوفية في مرحلة أخرى وقد أعطاها التطور الاجتماعي والفكري القواعد الأساسية لتغدو اتجاهات مستقلة عن البنية ، وكظاهرات وعي متميزة.

إن التداخل المعقد بين ما هو اجتماعي وفكري سوف يتيح لنا تفكيك هذه الاتجاهات والفلسفات بصورة جديدة في القراءة المعاصرة .

إن مصادرنا القديمة والمعاصرة تحفر بدرجات متفاوتة في هذه المادة ، فالمصادر القديمة تقدم المادة بصورتها الخام بهذه الدرجة أو تلك من الأمانة والعرض ، وبدرجة محدودة من العرض التاريخي والقولي ، لكن تغيب عنها البنى المركبة الاجتماعية والفكرية لكل مرحلة ، وفي العصر الحديث تم التوجه إلى التوغل في التسلسل التاريخي وبعض سببياته المحددة و المباشرة كموسوعة أحمد أمين الهامة ، أو رؤيته من خلال البنية الصراعية للعصر دون الجذور التاريخية المركبة للمنطقة ومراحلها المختلفة ، أي دون التضفير بين الصراعات الاجتماعية والتضادات الإنتاجية البارزة للأقسام الرعوية والزراعية ، كما كتب الباحث حسين مروة في النزعات المادية ، إلى الكثير من المساهمات المفيدة والعظيمة، والتي تحتاج في الآونة الراهنة إلى التغلغل الأعمق إلى تضاداتها العميقة والمركبة .

لو أخذنا الأستاذ أحمد أمين كنموذج لقراءة الوعي الديني والفلسفي فما سنجد؟

يعتبر الأستاذ أحمد أمين من كبار الباحثين العرب الذين أعطوا الكثير للبحث العلمي في مجال التاريخ الفكري والفلسفي العربي، فقد غربل هذا الرجل لوحده مئات المجلدات العربية القديمة، وفحصها أيضاً على ضؤ الدراسات الأوربية في عصره ومن خلال شخصيته المنفتحة ، وليقدمها مشروحة مكثفة منتقاة، باحثاً عن خيوط النور والوعي فيها، غير متجاهل لأثر البيئة والوسط والأحوال المادية والفكرية وتلاقح الأجيال والعصور والأفكار.

جهدٌ كبيٌر وعملٌ عظيم ، فأياديه بيضاء على الباحثين ممن جاءوا بعده ، فتلمسوا الأرض الممهدة والجهد الخلاق ، فأضافوا وحفروا وشقوا دروباً جديدة.

استطاع أحمد أمين أن يرى تداخل العصور الفكرية ، فهو لا يصور المنتجات الفكرية وكأنها منقطعة السُبل عن بعضها البعض ، بل يراها كمعاناة اجتماعية بشرية لإنتاج وعي جديد ، وتمثل موسوعته : فجر الإسلام، ضحى الإسلام ، ظهر الإسلام ، ذروة عمله العلمي الذي عكف عليه طوال حياته ليضع التاريخ الفكري للأمم الإسلامية رهن المادة المتداولة المدروسة .

في استعماله لألفاظ : الفجر، الضحى، الظهيرة ، تعبير زمني عن جدلية التطور ، فهو يدرس تطور الوعي وكأنه في لحظة نمو نهاري ومتوقف عند سمت الشمس العمودية وليس الغاربة ، وفي هذا حدس بالصيرورة الاجتماعية وقد اتخذت صفة اليوم، ومن هنا تراه يعكف على بلورة التطور العام للفكر ، مموضعاً إياه في ظاهراته المختلفة ، مقسماً إياه في شرائحه الفكرية والاجتماعية المختلفة الكثيرة، فهو يدرس الأدب والفلسفة والدين والحياة الاجتماعية الخ..، بحيث يقود هذا التشريح الموضعي إلى فهم الصفات المشتركة .

ومن هنا لن تجد لديه التعميمات والصفات العامة، فكلمة [ عربي ] لن تُؤخذ بإطلاق، بل في مكانها الاجتماعي والتاريخي ، ولهذا يقول عن أبن خلدون :

[ فترى من هذا أن أبن خلدون في حكمه على العرب خلط بين العربي في عصوره المختلفة ، وأصدر عليه أحكاماً عامة ، مع أنه هو نفسه القائل بأن العربي يتغير بتغير البيئة.]، (3).

إن أحمد أمين وهو يقوم بقراءة التاريخ المحدد، أي المُنتَّج في فترة تاريخية ما، سيبحث عن العوامل البشرية المؤدية إلى تشكيله، ولن يعطي لأحد العوامل أهمية استثنائية، ولهذا فهو يعرض العوامل والظواهر جنباً إلى جنب بموسوعية، وحتى الظواهر الغيبية سيضعها داخل صيرورتها الإنسانية، دون أن يغفل الطابع المركب لهذه الظواهر، حيث سنرى جذور الماضي تتدلى قرب رؤوس الحاضر، والحاضر بدوره يحمل مواليد الغد، وهذه الجدلية المركبة ، لن تعترف بالمطلقات كالقول بالعقل اليوناني والعقل العربي والهندي وكأنها براميل مستقلة ، تحمل موادها الكيميائية الخاصة المتجوهرة على ذواتها ، وسيجد إن العقل العربي في مرحلة البادية مختلف عن عصر المدن ، دارساً الظاهرات المتحدة والمتنوعة له ، وهو يلاحظ هنا عمليات معقدة تجري للوعي العربي، فحين يتناول أبا ذر الغفاري كشخصية داعية للمساواة، يتتبع أثر الأفكار المنتشرة والقديمة والمتداخلة بين الشعوب فيقول : [ونلمح وجه شبه بين رأي أبي ذر الغفاري وبين رأي مزدك في الناحية المالية فقط ]، (4).

ومهما كانت صحة آرائه هنا، أو كذلك تحامله على عبدالله بن سبأ، فنحن يهمنا هذا الالتقاط للشعيرات الفكرية والاجتماعية المتداخلة.

ويعبر كل هذا عن قراءة التداخل بين الوسط والوعي بشكل زمني متصاعد، يرجع للوراء قليلاً ، لكنه ينمو دوماً إلى الأمام، وليس هذا الوسط إلا حدود الجغرافيا الطبيعية والاقتصادية والفكرية ، متقطعة في المراحل السياسية المعهودة في التأريخ: العصر الجاهلي ، فالإسلامي، فالأموي الخ..

وهنا تلعب المرجعيات الفكرية الليبرالية لعصر أمين دورها ، فمفاهيم الوسط والبيئة والعوامل المختلفة المؤثرة، هي التي تقوم بالتحليل المتضافر المنساب عبر الزمن، أما مفاهيم البنية الاجتماعية وقوانينها ، فهي مرحلة لم تصل لها هذه المنهجية بطبيعة الحال ، (5).

والفارق بين المنهجيتين ، أي بين منهجيتي البيئة والبنية ،  يعبر عن أدوات التحليل بين زمنين ، فمفهوم الوسط البيئي لدى أمين لا يعبر عن صراعات القوى الاجتماعية في ظل بنية محددة، يقوم العلم بدراستها ، ثم يتتبع البُنى التالية وأسباب ظهورها وتشكيلاتها، فلا يغدو التاريخ الفكري مجرد مؤثرات على وسط غامض الملامح ، بل تأثيرات على بنية أو بُنى تزداد تناقضاً ثم انفجاراً متيحة الدرب التاريخي لبنية أخرى.

فنظرة أحمد أمين لا تستطيع أن تفسر بعض القضايا المركبة ، كالقول بأن الإمامية هي ذات جذور فارسية ، وأن [ ثانوية الفرس كانوا منبعاً يستقي منه رافضة الإسلام ]، (6) ، فمسائل التيارات الفكرية أعقد من ذلك، وظروف الصراعات العربية الداخلية كانت هي الأساس في إنتاج مثل هذه التيارات ، مع أهمية المؤثرات الخارجية.

إن فترات العصر النبوي والراشدي ، والفترة الأموية ، والعصر العباسي الأول ، والعصر العباسي الثاني، التي يتخذها أمين كفترات معروضة في أجزائه، هي بحد ذاتها بُنى اجتماعية لها قوانين تطورية مختلفة عن المراحل الأخرى، وميزته إنه يقوم بعرض ظاهراتها المختلفة ، بدون التوصل لقوانين الصراعات الاجتماعية فيها ، فليس لديه مفهوم البنية وترابطها، لأن هذه البنية هي التي تحدد تشكل الظاهرات الفكرية التي يدرسها، ولكنه يأخذها مستقلة عنها غير متضافرة بسبب علل جوهرية، مع أهمية المعلومات والمواد التي يقدمها عنها.

ومثال آخر نقرأه لدى الأستاذ الدكتور محمود إسماعيل، فالباحث الدكتور محمود إسماعيل هو من القلائل في مصر الذين اعتنوا طويلاً بالبحث في التاريخ والفلسفة  العربيين ـ الإسلاميين ، وكان أول كتاب له عن [ الحركات السرية في الإسلام] وهو الكتاب الذي صدر في بداية السبعينيات ، وقد افتتح فيه تحليل التاريخ الإسلامي من وجهة نظر كشف تطور الصراع الاجتماعي ، ثم تتالت كتبه عن ظاهرات الفرق والاتجاهات خاصة في شمال أفريقيا التي درّس فيها حقبة هناك ، ثم أصدر كتابه الأساسي [ سيوسيولوجيا الفكر الإسلامي ] وهو أربعة أجزاء يتناول فيها تطور الوعي في التاريخ العربي الإسلامي وكيفية نشأة الفرق والاتجاهات الفكرية والفلسفية المختلفة ، مستخدماً أسلوباً سهلاً في العرض ، معززاً إياه بمئات المراجع والنصوص ، مما يعتبر مرجعاً لأي دارس لهذه الظواهر .

وإذا كان أسلوبه يمتاز بسلاسة العرض وبساطته نظراً لاستمراره في العملية التدريسية وثورية أفكاره ، إلا أن التبسيطية في النظرة إلى التاريخ الفكري تنتشر لديه في الخطوط العريضة لرؤية هذا التاريخ.

فهو يقسم التاريخ الاجتماعي إلى قوتين متصارعتين هما البرجوازية والإقطاع ، والتطور والحداثة والعلم تأتي من الأولى ، أما القوة الثانية فهي قوة تخلف وارتداد ، وهو حكم صحيح في عموميته الواسعة ، ولكن إلى أي مدى كانت البرجوازية تستند إلى أسلوب إنتاج بضاعي وصناعي ، وما هي تداخلاتها مع التيارات الفكرية والفلسفية ، فإن هذه مسائل مركبة يبسطها الدكتور محمود إسماعيل ، فلا يقوم بتوصيفها التوصيف الدقيق المتداخل ، لأنه يلجأ عادة إلى  التعميم.

في الجزء الثالث ، على سبيل المثال ، وهو المختص بدارسة أفكار الفلاسفة والفرق الفلسفية ، يتعرض لمدرسة [ أخوان الصفا ] ، وهي المدرسة الفكرية السرية التي ذاعت أفكارها في العالم الإسلامي عبر التاريخ.

وحول الاختلافات في تاريخ ظهور هذه المدرسة وعن صحته يقول الباحث : [ وعندنا  أن ظهور المعلومات الأولى هذه عام 360 هـ  لا يخلو من دلالة على ارتباط هذا الظهور بعصر الصحوة البورجوازية الثانية ـ  من حول منتصف القرن الرابع إلى منتصف القرن الخامس الهجري ـ  وهو عصر المد الليبرالي الذي شهد ظهور كيانات سياسية كبرى تمثل في الدولة البويهية والدولة الفاطمية والخلافة الأموية بالأندلس ، وهي كيانات ذات طابع بورجوازي حققت الكثير من طموحات إخوان الصفا ]، (7).

إن هذه الكلمات العامة عن الصحوة البرجوازية والمد الليبرالي، يجب أخذها بحيطة موضوعية وتدقيق بالغ ، فهل يمكن اعتبار عصر الدولة البويهية عصر [ صحوة ] ، وما معنى الصحوة في سياقات البحث الاجتماعي ، وهل الدولة البويهية دولة بورجوازية؟ إن كلمة [ صحوة ] تقابل النوم ، فكأن العلم الاجتماعي يتحول هنا إلى استخدام التعبيرات الفضفاضة المتعلقة بنوم واستيقاظ الفرد ، وليس بقراءة تشكل الفئات والطبقات الاجتماعية.فمن المعروف إن الدولة البويهية كونها أمراءٌ فرسٌ زيديون تلاعبوا بالخلفاء العباسيين وحولهم إلى دمى، وقد عاثوا بميزانية الخلافة على بذخهم ولهوهم ، وانحصرت الخلافة حول بغداد ثم بضع دويلات فارسية ، وعموماً تحول الأمراء البويهيون إلى إقطاع متحكم في الثروة.

وإذا أردنا قراءة الوضع البويهي على حقيقته فلنستمع إلى باحث ثقة في هذا المجال وهو عبدالعزيز الدوري ، فحول وضع الفلاحين نقرأ: [ فمن آثار سياسة معز الدولة تجاه الأراضي أن ” فسدت المشارب ، وبطلت المصالح ، وأتت الجوائح على التناء {الفلاحون} ورقت أحوالهم ] في حين أرتفع دخل أفراد الجيش البويهي المسيطر ، [ والخلاصة، فإن عصر العصر البويهي كان خالياً من الخدمات الاجتماعية باستثناء الفترة بين 369 ـ 372] ، [ وكان الفقراء يأكلون الجراد أيضاً، وخاصة في السنين العجاف] ، [ وكانت معيشة البدو صعبة] ، [ ورأى بعض الوزراء في المصادرة مورداً أساسياً للخزينة وتصرفوا بموجب ذلك ] ، (8)

هكذا غدا هؤلاء الأمراء البويهيون الغزاة إقطاع عسكري ، ينتزع الفوائض عبر الجيش ، وهو ــ أي الإقطاع ــ لا يعرف كيفية توسيع الإنتاج وتحديثه، ولكن ما هي علاقة أخوان الصفا الذين ظهروا في هذه الفترة بالبويهيين وهل كانوا من تأثيراتهم؟

إن أخوان الصفا تجمع ثقافي سري ليس له صلة بالحكام ، وهو يتشكل من شرائح الفئات الوسطى المعارضة للاستغلال الإقطاعي السياسي والديني والعسكري ، وقد أمكن لهذه الجماعة أن تكتب وتدس كتبها في غيبة من أعين السلطات ، واستفادت من صراعاتها الفوقية وغياب ملاحقاتها ، ولهذا فإن كلمة [ الصحوة ] تبدو بلا معنى هنا ، ففعل أخوان الصفا فعل كفاحي استمر في فترات طويلة ولا علاقة مباشرة له بنظم الحكم الراهنة، فالمستوى الفكري ليس انعكاساً مباشراً للحظة السياسية، بل له صيرورته الخاصة ، فهو إجابة على الأسئلة التي طرحها الإسلام عبر حركاته المختلفة ، خاصة حركة الاعتزال ، وحركة أخوان الصفا مرتبطة بالتقاليد الكفاحية الفكرية للمناطق العراقية الجنوبية القديمة وهي محاولة لتجاوز عقلانية الاعتزال بصورة مختلفة . أما إلى أي  مدى هي بورجوازية فإن ذلك لا بد أن يقوم على دراسة دقيقة في مدى تعبيرهم عن ذلك. وعادة كانت الشرائح الوسطى والصغيرة غير ذات استقلال عن الإقطاع الديني والسياسي ، ولهذا لا نستطيع أن نتحدث عن فكر بورجوازي مستقل وبشكل واسع لديهم.

لكن الدكتور محمود إسماعيل بعد هذه الملاحظات العامة يسوق الكثير من الأفكار المتغلغلة في تحليل فكر أخوان الصفا ، بصورة دقيقة متتبعاً تجليات وعيهم في مختلف الظاهرات السياسية والعلمية والفلسفية ، بحيث جاءت هذه الملاحظات بغنى مختلف عن التعميمات التي لم ترتبط بها.

4 ₪  خاصية هذا الجزء وموقعه:

يتناول هذا الجزء الجذور الاجتماعية البعيدة والقريبة لتشكل الفلسفة العربية ـ الإسلامية. فالجذور البعيدة تعني الأسس التي أقيمت عليها الأديان في منطقة المشرق العربي، فهذه المنطقة التي عرفت الحضارة مبكراً، كانت لها أسسها الخاصة في تكوين الوجود الاجتماعي والفكري، نظراً لقيامها على دول استبدادية شاملة بسبب عمليات الري الحكومية المبكرة ، فظهرت فيها الآلهة الشاملة المسيطرة على الوجود كليا ً، وقد تنامت هذه السيطرة من الجزئي إلى الكلي، من الطبيعي حتى الروحي، وقد تمثل ذلك في وعي المشرق وأوربا بخلاف البشرية الأخرى ، أي غدا ذلك متجذراً في الوعي الأسطوري المشرقي القديم ثم في الديانات : اليهودية، والمسيحية ، والإسلام.

ولن يكون تناولنا لهذه الجذور البعيدة إلا لوضع بعض الأسس الموضوعية لظهور عمليات التدين، حيث ستقوم الأديان السماوية بوراثتها وتجاوزها . فهنا تقع التخوم بين العصر القديم والعصر الوسيط ، وتجري عمليات التوارث والتداخل والتجاوز ، ويقوم الوعي باستعادة الموروث القديم حسب المواقع الاجتماعية والجغرافية المختلفة ، أي حسب لحظات تطور الشعوب في كل بقعة ، وعمليات الصراع الداخلية التي تجري فيها.

فيحدث التأثر والتجاوز حسب مهمات التطور لكل شعب ، فالتراث السابق يقع في لحظات الغربلة المستمرة والتجميد المقصود واللامقصود ، ومن هنا سنأخذ التاريخ العربي باعتباره يتشكل في حضن القديم ويقوم بتجاوزه ، ويقوم هذا الجزء بتحليل كيفية تشكل ذلك ، فهنا توجد الجذور الاجتماعية والفكرية الأولى ، فهي المرحلة التأسيسية القاعدية للتطور التالي ، ولا بد من رؤية قوانين تشكلها ، حيث ستقوم  بإعادة إنتاج نفسها في المناطق الأخرى ، ليس بشكل مجرد ولكن من خلال سيرورتها الاجتماعية المفروضة على تلك المناطق ، ثم عبر تفاعل تلك المناطق ومقاومتها وإعادة تشكيل نفسها.

ولهذا يتصف الوعي هنا بخضوعه لعمليات الصراع السياسية والاجتماعية المباشرة ، ويؤدي تكون الإسلام في الجزيرة العربية ومحاولة مدنها للتقدم ، إلى التصاق هذه المرحلة بالعمليات المختلفة القادمة ، فتغدو المرحلة بمثابة الجذور الفكرية ـ الاجتماعية الأساسية لهذا الوعي الديني ، وتغدو تطوراته التالية مرتبطة بإنتاج هذه المرحلة وإعادة النظر فيها ، أو على العكس بتجميدها في المناطق واللحظات التاريخية الأخرى ، تبعاً لكيفية القراءات ومواقعها. وهنا يقف هذا الجزء الأول فيما سيتابع الجزء التالي ، الثاني ، المرحلة التالية والتي نعرض الآن خطوطها العريضة.

فإذا كانت المرحلة الإسلامية والأموية قد حددت جسم الظاهرة وأبرزت مضامينه الاجتماعية الأساسية المتضادة ، حيث ستغدو المرحلة التالية هي بمثابة النمو الكمي في التطور الاجتماعي ـ الاقتصادي ، فلن يكون العصر التالي : العصر  العباسي الأول ، سوى امتداد واسع وتثبيت له ، ولكن دوره ينتقل إلى المستوى الفكري ، فهو يتجاوز النمو الفكري السابق ويشكل ظاهرات فكرية عميقة واسعة ، تغدو تحولاً نوعياً في مسار الوعي ، ولكن هذا المسار النوعي للوعي يستند على التطور الاجتماعي السابق وعمليات الانتشار والتعميق له.

وفي هذه المرحلة تبدو عمليات التضاد بين المرحلتين ؛ المرحلة التأسيسية برؤاها البسيطة ، ذات النسيج الديني والسحري والأسطوري والواقعي ، وبين المرحلة الراهنة حينذاك ذات البنية الثـقافية المتطورة التي تقوم بتسجيل الإرث السابق وحفظه ، أو تقنينه وعقلنته ونقده ، لكن عملية الاستعادة والتجاوز المتصارعتين ، تعتمدان على مجمل الصراعات في البنية الواسعة التركيبية ، فالطبقة المسيطرة  ، بفرعيها السياسي والديني في العصر العباسي الأول تقوم بحفظ التراث السابق بشكل حرفي ، كجزء من الحفاظ على النظام السياسي / الاجتماعي الذي يضمن لها الحياة الرغدة ، ويمنع القوى الاجتماعية المستَّغلة من الانفصال ، ولهذا يغدو الإسلام الرسمي في هذه المرحلة عامل وحدة للأمم الإسلامية المتكونة تدريجياً ، فيشكل العمود الفقري لعالمها القادم .

وتتراوح عمليات الحفاظ على الموروث السابق بين الشكلانية شبه الكاملة وتوجهات التجديد التي لا تشكل إعادة نظر جذرية لأسباب تتعلق بمواقف هذه القوى السياسية والدينية الحاكمة ، وهي التي غدت الآن تكرس نظاماً شمولياً يستعيد النظم الاستبدادية القديمة في المنطقة .

ومن هنا تغدو عملية الحفظ  [ الشكلية ] لمرحلة التأسيس الإسلامية مرفوضة من قبل الشعوب المستَّغلة من تلك الطبقة الحاكمة ، وهي تحاول الدخول إلى العمليات المضمونية العميقة للنصوص الإسلامية الأولى ، ونزع قشرتها الشكلانية التي فرضتها القوى المهيمنة على الدولة والمجتمع .

لكن عمليات التأصيل الجديدة حينذاك تقوم على استعادة الموروث القديم لمنطقة المشرق ، وليس على العمليات التحليلية الموضوعية للإرث القديم بشكليه الإسلامي أو الديني القديم ، فالتناقض بين المستوى الحضاري للمرحلة الرعوية الدينية والسياسية السابقة ، و المستوى الحضاري للمرحلة الزراعية الراهنة يتمظهر بشكل صراع مذهبي إسلامي ، أو بصراع ديني بين الإسلام وبين المانوية  والمسيحية واليهودية.

فالرعاة العرب الذين فرضوا تراثهم على المنطقة الشمالية الزراعية ، واصلوا استعادة  تاريخهم السابق في جميع أشكاله ، وتغدو النواة الصلبة لعملية هذه الاستعادة والتثبيت جزءً من رفض سيطرة البنية الزراعية الراهنة وقتذاك بظلالها الفكرية والسياسية.

والأمر ليس تناقضاً تقنياً بل هو أيضاً صراع مصالح بين الجمهور الذي استفاد من الفتوح والجمهور الذي واصل الإنتاج والعذاب . وحين تثبتت تلك المصالح في طبقة حاكمة بفرعيها السياسي والديني ، فأخذ الوعي القديم ما قبل الإسلامي باستعادة دوره الكفاحي ، في ظل معطيات جديدة ، حيث صار الدين الجديد مقبولاً ، خاصة لتأثيرات دعوته وممارسته الكفاحية الأولى .

ولكن هناك من ورثة هذا التاريخ الرعوي / التجاري من أقترب من فعل الإسلام الحضاري ، ومضمونه الثوري الأولي ، عبر التركيز على عناصر توحيدية وعقلانية دينية ماضوية وحديثة ، ولكن هذا يعتمد على إنتاج حرفي لم يتطور بشكل صناعي وعلمي شامل.

إن اتجاهات هذه المرحلة وتراكماتها المعرفية هي التي تضع الأسس لمرحلة التطور الفلسفية التالية ، التي هي تتويج للتطور الفكري في ظل الإسلام ، والمسيحية واليهودية ، والنزعات الدهرية المختلفة ، فهنا ستصل الصراعات الاجتماعية والسياسية الكامنة في ظل المرحلتين السابقتين إلى ذروتها.

إن نمو المثالية أو المادية يعبر عن اتجاهات التطور الفكرية والاجتماعية ، فالمثالية هي تطوير للدين من زوايا جديدة ، فهي تظل مندغمة في أسسه الأولى ، أي هي تشترك معه في اعتبار الوجود مصاغاً من قبل قوة فكرية سواء كانت خالقاً أم كانت المحرك الأول أم وعياً ذاتياً .

إن إخراج معطيات فهم الحياة إلى الغيب أو السماء أو  العقول المفارقة ، لها مساراتها التاريخية الطويلة وجذورها ، عبر سيطرة الأشكال السحرية والأسطورية في فهم العالم ، وهي المعتمدة على اقتصاد الصيد وجمع الثمار  ، حيث تصبح المادة الطبيعية ليست في متناول التجربة ، ومع الاقتصاديات الأكثر تطوراً حيث يتعامل الإنسان مع الأشياء ويقوم بإنتاجها ، تبدأ المعرفة العلمية في التسلل إلى عمليات الفهم ، وهي تخضع للبنية الاجتماعية وقوانينها ، ففي الدول المشرقية الاستبدادية يخضع العلم لحاجات الدولة ، ويبقى شكل الوعي المهيمن هو الدين [ البدائي هنا ] ، فلا تتشكل حتى الفلسفة ، فلا تتواجد إمكانية لظهور الوعي الفردي الحر ، وهذا يحدث في التجربة اليونانية التي أمكن فيها الاستفادة من المعلومات العلمية الهائلة التي أنتجها المشرق ولم يفلسفها، أي لم يضعها في تصورات فكرية واسعة نقدية للأسطرة ، وهكذا فإن المشرق الذي شكل وعياً أسطورياً مهيمناً ، عبر عن الحراك الواسع والوحيد للملوك ، فجعل نتاج العلم في خدمة الأساطير ، وخلق المثالية الدينية بصورها المختلفة ، التي تجعل إمكانات فهم  العالم أو تغييره من ضمن مسئوليات الغيب ، حيث الواقع بمادته وفكره وإنسانه خارج الوعي والسيطرة العقلية .

في حين أمكن في بعض المدن اليونانية أن تؤدي الحريات والحرف والعلوم إلى تعميمات فلسفية تستند إلى العلم ، وهكذا ظهرت المدارس المادية التي اتجهت لتفسير الطبيعة بعناصر طبيعية ، ولكن كانت مثالية أرسطو هي الحل الوسط للعالم القديم والوسيط ، حيث الاعتراف بخالق للكون واعطاء الكون سببياته الداخلية التي يمكن عبرها نمو العلوم ، أي تنمية قدرات الإنسان الموضوعية المختلفة.

إن سيطرة [ المثالية ] الأسطورية في المشرق ثم عودة المثالية بشكل فلسفة كبرى موضوعية إلى المشرق من خلال أرسطو بشكل خاص ، يعبر عن عمليات الكفاح التي تمت على مختلف الأصعدة العلمية والاجتماعية ، لزحزحة الحكام السياسيين ـ الدينيين المطلقين المتوحدين بالشريعة، ولكن هذه العملية لم تتوج بالانتصار في التاريخ العربي القديم .

إن المثاليات الدينية والمثاليات الفلسفية المترجمة أو المشكلة عربياً تعبر كلها عن تناغم ما، أي عن فاعليات القوى العليا.

ولهذا فإن تحليلاً مستمراً  للوعي الديني والفلسفي المعاصر هو أمر مطلوب لمتابعة خريطة التطور الفكري ودورها في إعادة تشكيل العالم العربي ـ الإسلامي باتجاه الحداثة والديمقراطية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

 (1) ( حول تعبير  [ الساميون ] يكتب هادي العلوي : ورغم الشك في تاريخية الاسم فانه، كمصطلح ، يبقى صالحاً للتعبير عن هذه الكتلة التاريخية من الشعوب التي ترجع إلى منشأ واحد وتتكلم بلغات متفرعة من لغة واحدة وهي شعوب الجزيرة العربية والهلال الخصيب) ، ( هادي العلوي، من قاموس التراث ، دار الأهالي ، ط 2، ص 145 ـ 146 ).

 (2) : ( يعرف قاموس المنجد المثالية بأنها : مذهب فلسفي ينكر حقيقة ذاتية الأشياء المتميزة من ” أنا ” ولا يقبل منها إلا الفكر ، من مادة مُثُل.) ، ويضيف في مادة ” العنادية” بأنها أيضاً : مذهب المنكرين حقيقة الأشياء فهم يزعمون إنها أوهام وخيالات باطلة كالنقش على الماء ويقولون بصدور المعرفة من التصور [ايديالسم ].

في حين يعرف رأي آخر المثالية عبر نقيضها وهو المادية، يقول:

(وللمسألة الأساسية في الفلسفة وجهان، الأول  ـ  أنطولوجي ، يدور حول مسألة الأولوية في العالم ، هل هي للمادة أم للروح، للوجود أم للفكر. وتبعاً للإجابة على هذا السؤال انقسم الفلاسفة إلى تيارين ، معسكرين . فالفلاسفة ، الذين يقرون بأولوية معسكر المادة، أو الطبيعة، أو الوجود، أمام الروح، أو الوعي، أو الفكر، يؤلفون معسكر المادية Materialism . أما أولئك الفلاسفة، الذين يزعمون أن الوعي، أو الفكر، أو الروح (…) هو الأسبق، فيؤلفون معسكر المثالية Idealism.)، ( موجز تاريخ الفلسفة ، تأليف جماعة من الأساتذة السوفييت، تعريب: توفيق إبراهيم سلوم ، إصدار دار الجماهير الشعبية ، دار الفارابي ، ط3 ،ص 10). 

 (3) :  ( فجر الإسلام، ط 11 ، دار الكتاب العربي، بيروت، ص36  ).

 (4) : (  السابق نفسه ص 110).

(5): ( ويكتب د. أحمد فؤاد الأهواني في مذهب أحمد أمين (( أعلن فيما يخص الدين عدة آراء تعد ثورة حقيقية في هذا الميدان، أولهما الرجوع إلى مبادئ المعتزلة أي تفسير الدين بالعقل، والثاني فتح باب الاجتهاد حتى لا نظل عبيداً لأبي حنيفة والشافعي ومالك وأبن حنبل ..))، ( نقلاً عن د. محمد جابر الأنصاري، الفكر العربي وصراع الأضداد، ص 100، هامش 1).

(6) : (الفجر ص112).

(7):( ص179 ، ط 1 ، سينا للنشر.).

(8): (راجع الدوري ، تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، مركز دراسات الوحدة العربية، ط3 ، المقتطفات من صفحات:284، 296،297 على التوالي).

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: قراءة جديدة لظاهرات الوعي العربي

https://books.google.com.bh/books?id=9w-k575YUr4C&pg=PT587&lpg=PT587&dq=%D8%B9%D8%A8%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D8%AF%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87+%D8%AE%D9%84%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%8A%D9%81%D8%A9+%E2%80%8F%E2%80%8F%E2%80%8F%E2%80%8F%E2%80%8F%2B+%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9+%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9+%D9%84%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D8%AA+%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D9%8A+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A&source=bl&ots=K2z7NVu70U&sig=ACfU3U0XHOj41B9xm-V8CdYbX3ZO–XA6g&hl=ar&sa=X&ved=2ahUKEwjGgKm22ZTiAhUOnhQKHfclAWMQ6AEwAHoECAgQAQ#v=onepage&q=%D8%B9%D8%A8%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D8%AF%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87%20%D8%AE%D9%84%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%8A%D9%81%D8%A9%20%E2%80%8F%E2%80%8F%E2%80%8F%E2%80%8F%E2%80%8F%2B%20%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9%20%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9%20%D9%84%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A&f=false

 

صراع الطوائف أم صراع الطبقات؟

==

 ليس للعصر الحديث الا منطق واحد في الحياة السياسية الاجتماعية هو منطق الصراع الطبقي.

 وقد حاولت الأنظمة والتيارات التقليدية لزمن طويل أن ترفض مقولة الصراع الطبقي، وقد استخدمت كل أسلحتها العنيفة والدعائية من أجل الغاء هذه المقولة، التي هي حقيقة راسخة في علم الاجتماع والتاريخ الحديثين، وليس مقولة إيديولوجية كما تزعم المناهج الجامعية العربية المعادية للعلوم.

 لقد حاولت الحكومات العربية ومن ورائها الإمبريالية الغربية ومن ثم الجماعات الطائفية أن تلغي جميعها فكرة الصراع الطبقي، وكل هذه الوحدة الفكرية بين هذه الأطياف المختلفة ترينا المدى الاجتماعي الواسع لضرب فكرة معينة، حيث تشعر هذه القوى كلها بأن هذه الفكرة تشكلُ لها هاجساً كبيراً لا تتحمل تداعياته الحضارية والأخلاقية!

هكذا ناور الاستعمار الثقافي في العالم العربي طويلاً من أجل نفي فكرة الصراع الطبقي، وهو أمر يشير إلى تخلي الاستعمار عن جذوره الثقافية الحضارية في الغرب، واعتماده على لصوصية الشركات والحكومات والموظفين الاستعماريين التي تقطع جميعها العلاقات بالإرث الديمقراطي والإنساني في الغرب، إرث جان جاك روسو وفولتير وماركس وهيجل وكتاب التاريخ الفرنسي الموضوعيين، وإنها مجردُ محصلةِ إتاواتٍ وجامعة خراج جديدة.

 وهكذا فحين قامت هذه القوى الطفيلية بسرقة العالم المسَّتعمر رفضت استخدام قوانين الصراع السياسي والاجتماعي التي تجري فى الغرب الذي جاءت منه، فظهر لديها نموذجان للإنسان؛ نموذج الإنسان المتقدم الذي يُعامل بقوانين الصراع الاجتماعي في أطر سياسية وبرلمانية وهو الإنسان المتحضر المثقف المتميز.

 أما النموذج الثاني وهو نموذج العالم المستعمَر فهو النموذج المتخلف الحيواني الذي لا يجب ان تنطبق عليه قوانين الصراع الاجتماعي المتحضر!

 ولكن الإنسان المتحضر نفسه دخل في أتون حروب عالمية ومناطقية كثيرة لسرقة المستعمرات وتقسيم أعداد الخدم والمواد الأولية ومن يسرق النفط ومن يسرق القمح ومن يسرق البشر، بحيث إن كتل اللحم المطحونة من هذه الحروب تكفي لدفن بحار

كاملة، مما أغرق لعقود الميراث الديمقراطي في الغرب نفسه!

 لم تقنع كلُ هذه الكوارث صناع الفقر والاستغلال والمجازر في الغرب واليابان أن الإنسانية واحدة تنطبق عليها قوانين اجتماعية وسياسية متماثلة، حتى استمر الصراع الاجتماعي على نطاق عالمي في حقبة الحرب الباردة، والتي اخذت فيها كتلة الفقراء والعمال طابع المجابهة العسكرية مع كتلة الرأسماليين الكبار، وكانت كتلة العمال هي الأخرى تعتقد بانتهاء الصراع الطبقي، في حين كان الصراع مستمراً ومدمراً فيها نتيجة لعدم الاعتراف به!

 وقد انتهى الصراع بين الكتلتين باعتراف الجميع في الكتلة الغربية والشرقية السوفيتية على السواء، بأهمية وجود الصراع الطبقي ولكن على ان يجري بشكل سلمي سواء على المستوى الوطني أو العالمي.

 وبطبيعة الحال اتخذ الصراع الاجتماعي أشكالاً جديدة متدهورة مفككة لهذه الكيانات السياسية الدولتية القومية المركبة، نظراً لعدم الاعتراف الطويل به فى الكتلة الشرقية والتي زعمت أنها حلت إلى الأبد مشكلة الصراع الطبقي، سواء على المستوى الوطني أوعلى المستوى القومي، ونتيجة في الطرف الآخر، لاحتكار السلطة في الغرب للقوى المالية الكبرى!

 والآن يجري الصراع الطبقي على النطاق الإقليمي أو العالمي باشكال تضمن سيطرة القوى المتنفذة الكبيرة بحيث أن لا يؤدي مثل هذا الصراع إلى تغييرات كبيرة في الموازين السياسية العالمية، وأن لا يحل التناقضات الكبرى العنيفة للإنسانية، وان يجعل القوى القومية الكبيرة المتمثلة في الدول الصناعية السبع وروسيا والصين والهند والبرازيل مهيمنة على مناطقها ومستعمراتها ومناطق نفوذها بشكل لا يخل بالتوازن بين الراسماليات القومية الكبرى!

 قام الاستعمارالثقافي للعالم الإسلامي على إنكار مقولات الحداثة، ومن ضمنها مقولة الصراع الطبقي، مثلما شجع السقف الفكري للمرحلة الإقطاعية الطائفية التفكيكية المتخلفة الممتدة من انهيار الحضارة العربية حتى تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية ونشوء حركة النهضة العربية الأولى.

ان تشجيع الاستعمار للمنظمات الثقافية/الاجتماعية، الأبوية والعشائرية والطائفية، هو من أجل أن يبقى مضمون الفكر العربي عاجزاً عن النقد والتحليل الاجتماعيين، ومرتبطاً بتكوينات ما قبل رأسمالية، بكل ما فيها من سحرية غيبية، ورغم حدوث تطورات اقتصادية وسياسية رأسمالية إلا أن هذه التطورات لم تتبور فكرياً تحديثياً على صعيد الوعي الشعبي خاصةً، في حين ان بعض الأفكار تسربت إلى النخب التي ظلت عاجزة عن توسيع أفق الحداثة الفكري داخل الجمهور.

 كذلك فان المؤسسات السياسية التي أقامها الاستعمار أثناء وبعد رحيله اعتمدت على مظلة الأفكار الأبوية والطائفية، فقد عمل الاستعمار وورثته على الإبقاء على البنية التقليدية بكل هياكلها الأساسية، ولاستمرار الثقافة الخرافية السحرية، والطائفية والأمية والذكورية سائدة بين الشعوب.

 وحتى حين نشأت الحركات القومية والدينية المختلفة، فإن هذه الحركات واصلت إعادة إنتاج ثقافة الطوائف والتخلف، حيث أضفت على (العرب) طابعاً سحرياً كأمة غير مقسمة طبقياً، ومتحدة في جوهر غيبي خارج تحليل التاريخ.

 وهكذا تأسس القوميون والبعثيون والجماعات المذهبية المختلفة على أساس إنكار الصراع الطبقي داخل الأمة، وداخل الطوائف المختلفة، وداخل الأوطان، وداخل القبائل، وكان هذا الإنكار يعبر عن الطابع الدكتاتوري العميق داخل هذه الحركات، والذي تجسد عملياً في قمع عنيف ومتنوع لكل من يطرح تقسيم الأمة والطائفة والوطن والقبيلة والمذهب!

 وترافق هذا القمع مع تأجيج مشاعر حادة ضد كل من يطرح الانقسام الاجتماعي، وحتى فى دراسة التاريخ اعتبرت الإشارات إلى انقسام الأمة العربية و(الامة) الإسلامية كارثة فكرية وخطراً يهدد سلامة الفكر العربي!

 وأخذت تسميات تاريخية قديمة تسعتيد نفسها كتسمية (الشعوبية) وأُعتبر الباحثون الاجتماعيون المدققون والأحزاب اليسارية كشعوبيين جدد، وهراطقة وملحدين وشيوعيين خونة!

 ولم تستطع هذه الأفكار أن تتصدى للمد الفكري التقدمي العالمي الجارف، وتحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإذا كان الوعي الطائفي لم ضعف بسبب هذا المد فذلك يعود إلى أن التغيرات التي جرت فى الخمسينيات كانت مداً وطنياً هادراً أسكت القوى الطائفية مؤقتاً بحكم هديره الانفعالي، وليس بقدرته على التحليل والنقد والتجاوز.

 كذلك فإن التسييس التحديثي العلماني اقتصر على النخب المضحية، وبقيت الجماهير في أشكال سياسية هلامية وفي شعارات حماسية، وليس في تنظيمات وحقول إنتاج تعيد تشكيل مهن ووعي هذه القوى العاملة، فقد ظل الهيكل الاقتصادي العتيق مع بعض التطورات الحديثة الصغيرة التي لا تقوم بإعادة تشكيل البناء الاقتصادي عامة، ولا على التثوير التقني والعلمي لهذه القوى.

 كذلك فإن تحديث القوى العلمانية والديمقراطية كان شكلياً نخبوياً فهو لم يقم على حرث الأرض الاجتماعية بالتحليل العميق، وبقراءة المذهبية السياسية كتدهور في حركة الإسلام الديمقراطية والثورية، وبعجز النظام الإقطاعي/الطائفي الذي شكلته القوى الحاكمة المتعددة، عن إنتاج الحداثة وفهم الإسلام معاً.

 وهذا قد جعل الحركات العلمانية واليسارية العربية نفسها لا تخلو من جذور غائرة للطائفية، وهكذا تم فهم الصراع الطبقي في التاريخ الإسلامي بأنه صراع الأماميات المذهبية المتعددة ضد السنة، وإن الأماميات هي التي تحمل النضال الثوري للكادحين في حين كان السنة ممثلين للقوى الاستغلالية.

 وهكذا حدث التباس عميق فى الوعي، مما عبرعن إسقاط صراعات معاصرة على فهم التاريخ، وعن قصور في أدوات التحليل، وعجز عن فهم أسلوب الإنتاج الماضوي/الراهن وتناقضاته العميقة.

 ولكن كان لهذا القصور انكاساته على تطور الصراع السياسي الحديث!

 إن عجز اليسار العربي عن فهم مسار الصراع الطبقي في الماضي والحاضر، كان أكبر ثغرة فكرية في فهمه وفي قدرته على اتخاذ مواقف سياسية مؤثرة ومتنامية.

 إن عدم القراءة الموضوعية العميقة للصراع الطبقي قد أدى إلى تداخله والصراع الطائفي، واتخاذ الأخير بديلا عن الأول، لقصور في الرؤية والفعل السياسي معاً.

 لقد تمت قراءة الصراع الطبقي فى التاريخ الإسلامي بوصفه صراعاً بين الطوائف، فثمة طائفة ثورية وطائفة محافظة، وهذا التعميم حدث الالتباسُ فيه لكون الطوائف الكبيرة التي حازت على السلطة وثروات الفتوح وحكمت الأمم الأخرى، شكلت وعياً إيديولوجياً معبراً عن سيطرتها، في مجموعة من المذاهب التي عرفت مذاهب السنة الأربعة الرئيسية، والتي أخذت تتمظهُر فقهياً وفكرياً وسياسياً على مدى قرون فيما عرف باسم أهل السنة، ولكن هذا التمظهر شكلته الدولُ المسيطرةُ وأجهزتها، فهي تقوم بإزاحة العناصر المعارضة والنقدية فى فقه المذاهب الأربعة، وتشكلنها، أي تجعلها شكلية ومُسيسّة لسيطرتها، والأمر لم يجر فى المذاهب الفقهية فقط بل فى المذاهب الفلسفية والتيارات الاجتماعية، كتيار الاعتزال الذي قُمع وأُفرغ من نضاله الدمقراطي!

 والامر لا ينطبق على مذاهب السنة بل أيضاً ينطبق علي المذاهب الإمامية المتعددة، بدءاً بالزيدية التي تحولت من حركة معارضة إلى جماعة إقطاعية عبر بني بويه وفي اليمن، وكانت منفتحة في المغرب، والإسماعيلية التي كانت حركة اغتيالات وتمرد فصارت عبر الحكم والهيمنة على الجمهور جماعة قصور ونحلة

سرية وهيمن عليها الإقطاع كذلك، وأصبح آغا خان زعيمها الروحي يوزن بالذهب في الزمن المعاصر! ولا تشذ الإثناعشرية من هذا التاريخ حيث كانت معارضة أسرية منذ البداية، أي تريد الحكم لآل البيت العلوي ثم انتقلت إلى هيمنة رجال الدين الكبار الذين تداخلوا مع السلطات في إيران وبعض المناطق، أما الجمهور الشعبي المستقل فعجز عن تشكيل صوته الخاص!

 وهكذا فإن المعارضات المذهبية اكتسبت طابعاً تقليدياً غير قادر أن يصوغ وعي الحداثة والديمقراطية، بعد أن تشبعت بالهيمنة الطبقية العليا.

 ومن هنا قامت هذه الهيمنة الطبقية المذهبية العليا، وفي مختلف المذاهب، بمعارضة كافة أشكال الوحدة بين المسلمين وهذه الوحدة تفترض مبدأ الصراع الطبقي بداهةً وضرورةً، حيث لا توجد وحدة قوية دون صراع!

 ولم تعارض أي سياسة استعمارية أو وطنية إلا حين تتعرض لسيطرتها الخاصة، وحين تقوم بالتحديث الذي تعتبرهُ قضاءً على تلك السيطرة المطلقة على الطوائف. لكن الجتمع الإسلامي الحديث لا يمكن أن يتقدم إلا على ضوء الحداثة، وعلى تفكيك الطوائف وتحويلها إلى شعب موحد منصهر فى بوتقة وطنية، وبوتقة الوطنية تفترض انقسامه الحديث إلى طبقات لا إلى طوائف، حيث تتصارع الطبقات على توزيع الثروة وتطوير البنية الاجتماعية المتخلفة، وصراع الطبقات إذا تم بشكل حضاري سلمي يقوي الأوطان أما الصراع الطائفي فهو يقوضها، ولا بديل عن أحدهما، فإما تطوير وأما هلاك!

 إن الصراع الطبقي يتماشى مع آليات الحداثة، ولا يتعارض مع الانتماءات المذهبية والعقائد الدينية، ولكن الصراع الطبقي يفكك الهيمنة التقليدية للقبيلة والطائفة والأمة، فلا يصبح لزعماء الطوائف سيطرة على الجمهور، بل يتوجه الجمهور لمصالحه الطبقية في النقابات والأحزاب.

 وإذا كان أعضاء الطائفة ينقسمون إلى عمال ورأسماليين وتجار ومزارعين، فمن المستحيل تشكل وحدة سياسية واقتصادية بينهم، بسبب تعارض المصالح، فهذا في نقابة عمالية وذاك في منظمة لأرباب العمل، ويقوم زعيم الطائفة بتشكيل وحدة خيالية للطائفة المنقسمة المتصارعة، والتي تجد أقسام وحدتها النضالية ليس في كتل من طائفتها بل في كتل من طوائف أخرى أقرب إلى شقائها أو أرباحها او مصاحها!

 وهكذا يصبحُ الشكل الطائفي السياسي عائقاً امام تطور الوعي الطبقي للقوى الشعبية المختلفة، والتي هي بحاجة إلى مثل هذا الوعي لوحدتها ودفاعها عن مصاحها وتصعيد رموز سياسية إلى النقابات والبرلمان يعبرون عن هذا الوعي ويجسدون تلك المصالح!

 ويحتاج الفقراء والعمال أكثر من غيرهم إلى مثل ذلك لأن القوى الأخرى تجد السبيل لتحقيق مصاحها عبر ثروتها وصوتها المسموع.

 وكما قلنا فإن قوى اليسار التي وهنت قواها في بعض المناطق العربية فقدت القدرة على تصعيد مثل هذا الوعي الطبقي، نظراً لانقطاعها عن الجمهور لشتى الأسباب، وحيث وجدت ان الطوائف ذات الظروف الصعبة تطرح مسائل العدالة الاجتماعية فقد اعتقدت بأن هذا هو الوعي الطبقي ولكنه تشكل عبر الشعار الطائفي!

 هنا يتضافر الوعي الانتهازي والفرصة السياسية، فمع انقطاع أدوات التحليل الموضوعية، يقوم بعض ممثلي الفئات الوسطى الذين وهنت قواهم الفكرية والسياسية المدافعة عن العاملين، باقتناص الفرصة واستغلال الحركات الطائفية من أجل مصاحهم الشخصبة وليس من أجل مصالح الحركتين السياسية والاجتماعية.

 وهنا تأتي مفاهيم السنة والشيعة والمسيحيين وتحويلها إلى مفاهيم كاريكاتيرية، (حيث يوجد الفقراء المسلمون تكون القضية والكفاح والتضحية، وحيث يوجد الأغنياء المسيحيون أو السنة توجد الكوارث!).

  هكذا تم التعامل مع القضايا المعقدة للتركيبة الطبقية والثقافية اللبنانية مثلاً !

 ولكنها لا تقتصر على الانتهازية السياسية بل تجمعها مع الانتهازية الفكرية فتقوم بالتنظير لمثل هذا السقوط، لأنها هنا تخدع فقراء وعمال الطوائف المختلفة، وتسلم قيادتهم لقوى استغلالية متخلفة، وتجعل العاملين يتذابحون، فيتم منع تطور وعي العمال الطبقي المستقل ويتحولون إلى أدوات في يد قوى توظفهم من أجل مصاحها وارتفاعها السياسي الخاص.

 وهكذا راينا بعض الحركات القومية والدينية واليسارية تصعد رموزاً وقيادات سياسية شمولية طائفية تقوم بذبحها واستغلال الثروات وتخريب التطور عامة.

 علينا أن نقول: إن الطوائف يعاد تشكيلها مع النظام الاقتصادي الحديث، فهي تصطف فى طبقات مختلفة، ولكن ذلك يتعلق مدى تطور النظام الرأسمالي في البلد المعني، أي مدى تحوله من نظام إقطاعي مذهبي تشكل على مدى القرون السابقة، إلى نظام غير طائفي وحديث، أي ألا تكون لافتة الطبقة المسيطرة على النظام السياسي لافتة مذهب ديني معين، بل أن تكون خارج المذاهب، وأن تتشكل بفكر الحداثة، أي لا تنتمي لطائفة معينة، بل تنتمي لكل الطوائف، لأنها تعبر عن طبقة ولا تعبر عن طائفة أو عن عائلة أو قبيلة أو عن وطن أو عن أمة!

 هكذا ينزاح الفكر القبلي والطائفي والوطني والقومي بمعنى أن الطبقة الحاكمة لا تزعم أنها معبرة عن الشعب كله أو الأمة كلها أوعن الطائفة كلها، فهذه تعميمات خادعة، وغير ممكنة سياسياً واجتماعياً، فهي تعبر عن شريحة من طبقة أو عن طبقة كلها أو عن مجموعة من الطبقات، بحسب تحديدها لأهدافها السياسية والاقتصادية الانتخابية وتصويت الجمهور لها، الذي من الممكن أن ينحسر فى انتخابات أخرى، وتجد أن تعبيرها الطبفى تقلص أو زال!

 ومن هنا تبدأ القوى السياسية بإدراك تمثلها الاجتماعي الطبقي الحقيقي، وليس الموهوم الذي افترضته مسبقاً، بحسب وعيها الذات بأيديولوجيتها غير الموضوعية وغير الدقيقة!

 إن للتعبير الطبقي هو تمُثل انتخابي، لأنه لا يوجد حزب يستطيع أن يعبرعن طبقة بشكل كلي، وأبدي، بل قدرته تتمثل في دمج أهدافها الاقتصادية والاجتماعية فى برنامجه، ولهذا فإن الجماعات الطائفية ليس لديها برنامج طبقي، فلا تستطيع أن تعبر عن طبقة، ولهذا تعيش الجماعات الطائفية في مخاض سياسي لا تعرف كيف تخرج منه، وفي بلبلة فكرية واجتماعية، وهي لا تستطيع ذلك سوى عبر الخروج من تشكيلتها الطائفية، أي عبر اتحادها الفكري مع جماعات من خارج طائفتها والخروج من تسييس المذهب.

 ومن هنا يغدو تفكيك الإقطاع الديني والإقطاع السياسي، وتكوين الطبقات والوعي الطبقي الحديث عمليات متداخلة، لأن الوعي الطائفي يعجز بشكل مستمر عن تمثل تطور العملية الاجتماعية الديمقراطية، كما أن آليات السيطرة الحكومية الشاملة تفتقد مبرراتها وتتشكل حالات استقطاب بين المجموعات المتحدة المصالح.

 ومن هنا ضرورة أن تلعب العناصر الديمقراطية داخل الطوائف حراكاً سياسياً لتكوين حركات سياسياً مؤثرة تنسلخ من التكوينات الطائفية/السياسية، نحو التكوينات السياسية الوطنية.

 ومن هنا ضرورة ألا يرتبط ممثلو القوى الدينية أنفسهم بجماعة طائفية معينة وأن يطرحوا الخيارات السياسية المتعددة أمام المنتمين إلى الطائفة الواحدة حسب مواقعهم الاجتماعية وخياراتهم الفكرية، كذلك أن تتحول الدولة من آلة فكرية دينية إلى دولة خدمات متداولة بين القوى السياسية الفائزة في العملية الانتخابية، لا شأن لها بتمثيل مذهب معين.

 عبر هذا يمكن الحديث عن تجاوز مسأة الطائفة الحاكمة والطائفة المحكومة، وهذا سوف يطرح قضايا عديدة متعلقة بالتعليم والثقافة وتطور الفقه المشترك وبقاء خصوصيات الطوائف العبادية.

 وفي هذه العملية المخاضية الديمقراطية ستواجه التجارب بطبيعة الحال المتطرفين والمتعصبين من كل الطوائف الذين سيرفضون التزحزح عن الأشكال الطائفية السياسية، باعتبارها الممثلة للطائفة، وسيكون هؤلاء متعاونين مع القوى القومية

والحكومية الرافضة وفي تباين في جسم الأمة والشعب والطائفة!

 وهذا يعبر عن احتكار سلطوي داخل الطوائف والدول، وزعامات تقيم سيطرتها على سلطة اصبحت متجاوزة من قبل التطور السياسي.

 وهذا الاحتكار السلطوي الاقتصادي هو العقبة الأساسية أمام الديمقراطية الحقيقية، وأمام أن تكون الدولة والمجتمع في صراع اجتماعي وليس في صراع طائفي.

 ومن هنا تترافق الإصلاحات السياسية مع الإصلاحات الاقتصادية : تفكيك القطاع العام من سيطرة الدولة، ومراقبة ثروة البلد من قبل المجالس والقوى السياسية، وتطوير أوضاع الفقراء والنساء من التخلف والأمية والفقر .. الخ.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: صراع الطوائف أم صراع الطبقات؟

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : مبدعٌ يستحقّ التكريم

  يعمل الروائي البحريني الكبير الأستاذ عبدالله خليفة، بدأب وصبر، على ترسيخ تجربته الكتابية والإبداعية عموماً، بما يشكّل حالاً متميزة قلّ نظيرُها من الإخلاص والتفاني، من دون النظر إلى المكاسب الآنية والعاجلة، وبما يحافظ على ذاته المبدعة من الوقوع رهينةً لواقع كان – ولايزال – شديد القسوة تجاه المبدعين الذين يحملون على كهولهم عبئًا شديدًا في خلق حال من التواصل بين المبدع من جانب ومجتمعه من جانبٍ ثانٍ.
هذا المبدع الذي تكرّس في أعماله على قراءة نماذج وشخوص من قاع المجتمع، ينتمي هو – بهمومه وأحلامه الإنسانية تجاه الآخرين – إلى الطبقات الاجتماعية المسحوقة نفسها التي عانت شظف العيش، وأحلام الأفكار. ودفع ضريبة ذلك كله سنواتٍ من عمره في المعتقل، دفاعًا عن آرائه وحريته في الالتزام. ومع خروجه من المعتقل، لم يعرف التراجع عن آرائه وأفكاره، وبقي مُصِراً على الانتماء إلى الهامش الاجتماعي نفسه الذي خرج منه. ولعلّنا من هذه البوابة، بالذّات، نفهم ونقرأ كتاباته عبر عموده اليومي في الزميلة «أخبار الخليج»، وبقية مشروعاته الفكرية التي يعمل عليها ضمن أوراق بحثية عدة قرأناها له، وليس آخرها ورقته التي قدّمها في أمسية أسرة الأدباء والكتّاب بتاريخ 27/12/2004م عن «الحركات التغييرية في التاريخ الإسلامي الأول».
ومع التأمل الجاد في نتاجات عبدالله خليفة، سنجد أنها تصل بين جهده الفكري وجهده الإبداعي عبر ثيمة «الهم الاجتماعي»… ولكن مع ضرورة الالتفات إلى جملة من الملاحظات التي ترد على أوراقه البحثية. ولنأخذ ورقته الأخيرة التي قدمها بأسرة الأدباء مثالاً على ذلك. فقد كانت ورقته وفية لمنهجية تلتزم بالطرح المادي كمعطىً أساسي في تحليل الوقائع والحوادث التاريخية. وهي منهجية على رغم أهميتها الشديدة في العرض والتناول، فإنها من المتوقع جداً، وقد حدث مثل ذلك كثيراً أن تغفل معطياتٍ أخرى ربما تفوق في أهميتها هذا المعطى، وهي- حتمًا – لن تقلّ عنه أهمية. ولعلّ الأفكار والقِيَم – وعلينا أن نتذكّر إخلاص المبدع «عبدالله خليفة» لأفكاره ونظام القيم الذي ينتمي إليه كان حاسماً في مساره الخاص، ويبقى حاسمًا لآخرين كانوا يشكّلون وجوداً شعبياً مهماً في لحظة تاريخية – تحظى في كثير من الأحيان بأهمية قصوى في كشف جوانب نموّ الحدث التاريخي، وخصوصاً إذا كان ينتمي إلى جبهةٍ معارضة للسلطة، سواء كانت سلطة فكر أو سلطة مال وامتيازات أو حكومة. هذا مع الالتفات إلى أنه لا يمكن إيجاد فاصل حاد بين الأفكار والقيم من جانب وبين سلطة المال أو الحكومة من جانب ثان. فتحدث اشتباكات كثيرة بينهما، لا يمكن أبداً تجاهلها حال تفسير الأحداث والحركات، وتطور الأفكار، ونموّ الشخوص التاريخيين. وهنا، علينا أن نعلم أننا واقعون في نطاق مأزوم بين الواقع والزيف التاريخي. وليس، ثَمَّ، تاريخٌ واحدٌ مستقرٌّ بل تواريخ تتسم بالتناقض الشديد. ويضاف إلى ذلك سؤالٌ أساسيٌّ يتوجّه إلى ضرورة تدقيق استخدام المصطلح. فما المقصود بالحركات التغييرية؟ وما المقصود بالتاريخ الإسلامي الأول؟ وهل لهذا التاريخ الإسلامي الأول أن يتجاوز فترة «الخلافة الراشدة» إلى العصر الأموي ثم العباسي؟… إلخ.
إن طرح مثل هذه القضية، بلحاظ التشعب والتشتت وسعة المساحة التاريخية موضع النظر، سيوقعنا في مأزق التعميم، وتناسي تفاصيل لها خطرها الشديد. وكيف لنا أن ننسى، على سبيل المثال، أنّ الأرستقراطية القرشية متمثلة في الحزب الأموي قد استطاعت تشكيل دولة داخل الدولة، وقد حدث هذا كما يعلم سائر المؤرخين والمهتمين مع تولي معاوية بن أبي سفيان ولاية الشام خلفًا لأخيه يزيد، أيام الخليفة عمر بن الخطاب. ولعل واقعة لقاء الخليفة واليه عند زيارته للشام تكشف عن خطين متناقضين في الإدارة، من الناحية الظاهرية على الأقل. وكان خطّ الأرستقراطية القرشية بزعامة الحزب الأموي خصوصًا، يعمل بدأب وهدوء لاسترجاع ما كان قد خسره أيام حربه المعلنة ضد النبي محمد (ص)، وقد نجح سياسياً في ذلك نجاحًا معلومًا لذوي الشأن. ثم إن تغلغل الحزب الأموي، وعبر تحالفات شديدة مع أطراف أخرى، قد حصّن نفسَه بنطاق من الأفكار والقيم بدأت باكرًا أيام الخلافة الراشدة، ولم يكن ما حدث أيام الحرب التي شنّت على الإمام علي (ع)، وما بعده، إلا ثمرةً يانعةً تمّ قطفُها بعد جهد جهيد، وعمل مخطط. ولم يأل أقطاب الحزب الأموي جهدًا في مواصلة تعميم هذه الأفكار والقيم، وتنمية شخوص على حساب شخوص أخرى، وطبقات على حساب طبقات مضادة، بما يحافظ على ديمومة حياة الأرستقراطية القرشية بوجوهها المتجددة، وجوهرها المتناسخ.
ويبقى أن كل هذه الملاحظات والإشكالات التي ترد على عمل عبدالله خليفة، لا تقلل من قيمة جهده البحثي، وهو جهدٌ يتسم بالرصانة والحرية في النظر، بعيدًا عن الارتهان لمسلّمات سابقة موروثة ومتعارف عليها. وهو، على أية حال، المبدِع الذي لم يعرف نتاجه تراجعًا ونكوصاً عن مبادئ وقيم وشخوص وحوادث لم ينفصل عنها قط .
إن الروائي والكاتب عبدالله خليفة نموذجٌ للمبدع الحر الذي أنجبته هذه الأرض الطيبة الولود، والمستحق للتكريم. وذلك أدنى ما يمكن أن يقال عن مبدع استمر أكثر من ثلاثة عقود متواصلة قابضًا على جمرة الفكر والإبداع.

————————-* شاعر متصوف بحريني

الوسط :العدد 846 – الأربعاء 29 ديسمبر 2004م الموافق 17 ذي القعدة 1425هـ

http://www.alwasatnews.com/news/430154.html

عن الديمقراطية

 039c2cd239f8f7ce19d5e20dbfc7de90

ما هي الديمقراطية؟

      إن مصطلحات مثل ديمقراطية وقوى ديمقراطية وطنية تحتاج إلى فحص للتأكد من سلامتها.

كلما اتسعت قدراتنا على التفكير الحر كلما زاد نقدنا، وعرضّنا مفاهيم وتورايخ قديمة للنقد، إن هذا يشكل تطوراً في التفكير الحر، ولهذا فإن مصطلحات مثل قوى ديمقراطية تجعلنا نسألُ هل تستطيع القوى الشمولية أن تكون ديمقراطية؟

نتجت القوى السياسية من إقتباس تجارب شمولية عالمية وعربية، فكيف ستأتيها الديمقراطية؟ هل الديمقراطية هي التصويت المرتب؟ وهل هي تقدر القوى الشمولية أن تطور تجربة ملتبسة بين الشمولية الحكومية وبعض الحريات؟

إذا كان يتم ترتيب التصويت لتبقى جماعة مسيطرة على الجماعة ككل، كما أن القائد بقي ثلاثين أو أربعين سنة قائداً وحين يموت  يواصل أصحابه نهجه ونفخ مسيرته العظيمة، فترى السياسي العربي دائماً يحكم من قبره؟

(الديمقراطية) الشرقية الشمولية لا تريد أن تكون ديمقراطية غربية، والأحرى أن نقول أنها لا تستطيع ذلك، وهيهات وربما لقرن من الصراع والتجديد والمشكلات!

 هناك طبقة وسطى كبيرة حرة، ذات مؤسسات قوية، ورأمسالية الدولة صغيرة تقتصر على المؤسسات العلمية والإشرافية، وليس أن تبتلع الأخضر واليابس كما هو الأمر لدينا. وأن تكون هناك طبقة عاملة موحدة وإنتجتها المصانع الخاصة وليس عمالاً تابعين لشركات حكومية لا تسمح لهم حتى بالدفاع عن مصالحهم الإقتصادية البسيطة.

الشروط كلها مفقودة في التجارب التي يقال أنها تتجه للديمقراطية.

والقوى السياسية تريد تشكل رأسمالية دولة تقوم هي بإدارتها.

هكذا الأمر في التجارب القومية العربية حيث نجد ذروة التجربة هي وجود حكومة شمولية مستولية على الإقتصاد.

وهكذا التجارب الإشتراكية.

إذن كيف ستظهر الديمقراطية من تكوينات كلها لم تجرب الديمقراطية؟

تنظيمات ترتعب من الأفكار الحرة ومن الحراك السياسي الحر داخلها، القواعد لا تعترض ولا تطرح قيادات من داخلها ولا تعرض تاريخ التنظيم للتحليل والدرس والنقد؟

هناك هوامش من هذه العملية في نقد الظواهر الحكومية السيئة، والمطالبة بالتغييرات فيها وفي إدارة البلد، لكن كل هذه تبقى إنتقادات قد يقبل بها وقد لا يسمع بها وقد ترفض.

ليس ثمة سلطة تشريعية قوية.

والتنظيمات لا تستطيع أن تكون مثل هذه السلطة التشريعية القوية، لأسباب التفرد الحكومي الإقتصادي بدرجة أساسية.

لكن لو قامت التنظيمات الدينية بإدارة الإقتصاد هل ستكون هناك ديمقراطية؟

ستظهر هناك قوى مهيمنة على الفوائض الإقتصادية، وستقلل الحريات الإجتماعية، وربما تقوم بقمع كبير للقوى العلمانية والملحدة والغربية المستوردة وللحياة التحديثية البسيطة التي تشكلت بعسر خلال قرن؟!

أما القوى التي تحتضن الحداثة الديمقراطية أي الطبقة الوسطى الحرة ذات المصانع والشركات المستقلة فغير موجودة بإتساع كبير، وحتى الموجود كثير منه مجرد لافتات للشركات الحكومية والرموز الحكومية؟

إذن النسيج كله شمولي مناقض للديمقراطية، والأمور تحتاج لعقود طويلة وأجيال لتؤسس ديمقراطية وطنية!

وقد تركت الحكومة الجماعات المذهبية السياسية في مقدمة المسرح السياسي، وعبر خصامها بالدرجة الأولى، وهي تدير اللعبة السياسية كلها.

وإذا تحرك التجار سوف يشتغلون لمصالحهم ولزيادة فيض العمالة الأجنبية ولرفع القيود عن التجارة وإلغاء قرارات وزارة العمل، وليس فيهم قدرات كبيرة على طرح قضايا الديمقراطية والعلمانية والتحديث!

لقد أدت السيطرات الاقتصادية الطويلة والثروات النفطية إلى بروز القوى العربية البدوية السنية في الجزيرة العربية، لتشكل نهضة تحديثية من خلال رأسماليات الدول التي تخضع للقبائل والأسر الحاكمة والتجار الكبار، والتي يمكن التخفيف من غلوائها التفردية عبر النقد وتعاون الكتل السياسية المختلفة، والتطوير التدريجي للصناعات الخاصة وما يماثلها من مؤسسات تحديثية إقتصادية ومراقبة الملكيات المسماة عامة، وتطوير الحياة الاجتماعية تدريجياً عبر هذه السنين الصبورة.

هذه هي حدود (الديمقراطية) الخليجية وغير ذلك أما إنقلابات تقود لما قادت له في الدول العربية وبتجاربها المعروفة، وأما الإرهاب.

معاني الديمقراطية في الشرق

      تحتاج المجتمعاتُ الشرقيةُ إلى عشرات السنين للاقتراب من الحالة الديمقراطية، فباستثناء المجتمع الهندي والياباني فليس ثمة إمكانية حالياً لتشكيل ديمقراطيات في آسيا وأفريقيا. المجتمع الهندي مجتمع فريدٌ من نوعه، عرف تعايش الأديان والقوميات، فأضفى عليها حزبُ المؤتمر في صراعه مع الاستعمار البريطاني صفة قانونية عميقة. بينما المجتمع الياباني أعطتهُ العزلةُ والتحولاتُ الداخلية الصناعية إمكانيةَ الاقتراب من الديمقراطية فتشكلت فيه بصورة فاشية كما بدا ذلك في الحرب العالمية الثانية، حتى جاء الاحتلالُ الأمريكي فجعله في ظل الديمقراطية الغربية وبهيمنة الطبقة الرأسمالية فيها.

نحن نفهم الديمقراطية باعتبارها حالةً سياسيةً تعني سيطرة الطبقة الوسطى على السلطة، فهي كذلك دكتاتورية، لكنها دكتاتورية تقدمُ للطبقات الشعبية مستوى من الحريات أفضل من المجتمعات الاستبدادية، لكن ما عدا ذلك فممنوع، وهذا تعبير عن مستوى تطور.

وبطبيعة الحال تنشأ فتراتٌ استثنائيةٌ تغدو فيها الطبقاتُ متقاربةً حينما يسقطُ نظامٌ استبدادي قديم، أو يواجه المجتمع مستعمراً ما فتتوحدُ الجهود، فتنشأ حالةُ نهوضٍ اجتماعية كبيرة، لكن تكون مؤقتة بطبيعة البناء الاجتماعي البشري المحدود في ظلِ إنتاج راهن عاجز عن خلق مساواة حقيقية، وفي ظل تنامي مصلحة طبقة عليا دون بقية الطبقات.

إن الانفراجات الشرقية والتبدلات السياسية التحديثية ليست هي حتى بمستوى الديمقراطية الرأسمالية الغربية، فهي صراعاتٌ داخليةٌ بين قوى اجتماعية تقليدية لم تصل احداها لتكون قوة ديمقراطية، وكل مجتمع يحمل بصمته الخاصة في ذلك، فليس ثمة فورمة لوصف مثل هذه الصراعات المختلفة.

فهناك قوى تقليدية ربما تريد وراثة قوى تقليدية حاكمة سابقة، للحصول على بعض امتيازاتها الاقتصادية ومواقع نفوذها، ويبدو ذلك في نوعية الأحزاب المناطقية أو المذهبية عادةً التي تعبرُ عن الاختلاف مع النظام السابق، غير أنها لا تختلف معه في تشكيل جماعة جديدة تقبض على مفاتيح السلطة.

ولعل هذا القبض يتم في مناطق جغرافية مبعدة عن التأثير في السلطة السابقة، فتظهر بصفة حكم أقاليم أو جمهوريات أو قوميات كما حدث ذلك في سقوط النظام السوفيتي أو العراقي، لكنها تظل سلطات شمولية جديدة، اتاح لها التحول السياسي المغمور بعاطفية قومية أو دينية شديدة، أن تحصل على أصوات كبيرة للوصول للحكم.

بطبيعة الحال هناك لحظة تقدم حتى في هذا التحول، فالنظام الشديد المركزية لم يلتفت إلى مشكلات الأقاليم أو المناطق المحرومة، أو الأثنيات المغبونة، فتأتي الأنظمةُ الجديدةُ لتعدل مثل هذه السياسات إلى حين، وهذا يعتمد على مهارة القيادة السياسية، لكنها لا تستطيع أن تخلق ديمقراطية، فهي ترتب الأوضاع ترتيباً خاصاً لكي تسيطر وتبعد الآخرين، معتمدة على الحماس القومي أو الديني.

إن المستوى الغربي الرأسمالي الديمقراطي صعب على الدول الشرقية، فغالباً ما يكون (الديمقراطيون) الشرقيون اصحاب نفوذ كبير في الدولة، يريدون إعادة توزيع حصص الامتيازات الاقتصادية، في حين إن الديمقراطيين الغربيين يكونوا ممثلي طبقة رأسمالية غنية لا يحتاجون لأجهزة الدولة لكي يثروا من خلالها، بل إنهم جاءوا ليكرسوا حكم طبقتهم كلها وربما يقدمون انجازات للطبقات الشعبية في بعض جوانب الأجور والأسعار والخدمات، وتكريس حكم طبقتهم يعني وضع سياسات اقتصادية تتعلق بمستوى الضرائب أو بتحفيز التصدير، حسب وضع الطبقة الاقتصادي الصراعي، مع طبقات أخرى في بلدان منافسة، أو لتحفيز الطبقة المنتجة في بلادها أو دفعها لمزيد من العمل، وهذا البرنامج المؤقت قد ينجح وقد يفشل وقد يُكرس في انتخابات جديدة أو يُهزم، ليظهر برنامجٌ آخر أكثر مقاربة للوضع ولمصالح المجموعات السكانية الأوسع، وهذا ما يفسرُ التناوبَ المستمر بين أحزاب اليمين واليسار في الغرب.

لكن الجماعة التي تحكم في الشرق أو القوة السياسية التي تصل للسلطة في الدول الشرقية، لم تكرس نظاماً لحكم طبقة معينة من خلال الإرادة الحرة للسكان، وهذا ما يجعلها دائماً في تحالف مع العسكر، ومن هنا فليس ثمة ديمقراطية شرقية بل عمليات طبخ سياسية تقوم بها القوى المؤثرة على الساحة.

وللوصول إلى مستوى الغرب أو الاقتراب منه يلزم الكثير من الثقافة العلمية والسياسية مع وجود قطاع خاص قوي ووطني، فليست الديمقراطية الهندية بلا عوامل موضوعية، فبدون القطاع الخاص الصناعي والتجاري الكبير الذي تكون والمعتمد على قوى عمالية هائلة، لم يكن بالإمكان جعل التعددية الفسيفسائية السياسية لتدخل في منافسات ضارية  من أجل الحكم.

ولهذا كل ما يُرجى في مثل هذه الأوضاع والحالات التخفيف من قبضات الدول والجماعات القومية والدينية وخلق قطاعات خاصة لا تعتمد على الأثراء الحكومي، ترافقها ثقافة تحررية ودينية مستنيرة، توجه الجمهور لانتخاب الأفضل فهماً للظرف السياسي والقادر على دعم مثل هذه التحولات باتجاه الديمقراطية.

إن تكريس مرحلة انتقال للديمقراطية هي مسألة أجيال ومعارك وتنوير وتثقيف هائل، لتفكيك سيطرة الدول عن المال العام، ومنع أية قوة أخرى من الانقضاض على هذا المال العام، فهي عملية صراع مع كل القوى الشمولية.

≣ إشكالية (الديمقراطية) المُصَّدرة

     تواجه (الديمقراطية) الغربية المصدرة للعالم الثالث الكثير من المشكلات الكبرى، المفصلية، فتغدو الإجراءات السياسية الفوقية فاتحة شهية للفوضى والأضطرابات.

ثمة فروق موضوعية كبيرة بين الوضع في جنوب أفريقيا والدول العربية مثلاً، فليست جنوب أفريقيا في العالم الثالث، بل هي من الدول المتقدمة، ليس فقط في مستوى الصناعة بل في تقدم الطبقات العاملة بتنظيماتها وثقافتها. وهي الطبقات التي جنبت البلاد الحرب الأهلية، واستمرار حكم الأقلية البيضاء، دون الامتيازات المتطرفة السابقة.

ولكن هذا المستوى الاقتصادي المتقدم غير موجود في الكثير من البلدان التي انتقلت للمظاهر الفوقية للديمقراطية دون أسس موضوعية وذاتية، فهي بلدان تعيشُ في العصور الوسطى بطرق إنتاجها وبحراك جماعاتها، وهكذا فإن الأسس السياسية الديمقراطية المستوردة تقود إلى تفكيك هياكلها الاجتماعية وخلق الفوضى.

من الخارج نرى أن تنظيم (فتح) هو تنظيم حداثي، لأنه رفع شعارات التحديث والعلمانية والديمقراطية، فنتصور إنه تنظيم للفئة الوسطى الديمقراطية، ولكنه في جوهره تنظيم إقطاعي، لا يختلف عن المؤسسات السياسية للقوى القبلية والمذهبية القديمة عندنا، فزعيم القبيلة الفتحاوية هو الذي يحدد كيفية حراك المال العام، والتحالفات وتأسيس الحكم، وحين يشكل ديمقراطية فهي تقوم على هذه الأسس، فلم يسبق للتجار تشكيل مجتمع مدني، ولم تستطع قوى العمال أن تجعل نقاباتها ذات حضور في بناء المدن وتوزيع الدخل.

لكن الديمقراطية الاستيرادية الغربية توصي من وراء البحار الرئيس بإقامة كذا وكذا من الإجراءات حتى ينظم لنادي الديمقراطية والحداثة في مقابل أمتيازات تـُمنح لسيادته، فتقوم تلك الأوامر بتشكيل مسحة قشورية زائفة من التحديث الديمقراطي على الجسد الإقطاعي، لكن حين تنزل هذه الإجراءات على الأرض فهي تؤجج الصراع التقليدي، بدلاً من أن تشكل نقلة تحديثية.

فالجمهور المقهور والفقير من التحكم الفتحاوي يبحث عن الضربة له، إلى أقرب الأوراق التي تستطيع تسديد الهدف، بحكم وعيه وتنظمياته الاجتماعية العائدة للعصور السابقة، فيجلبُ خصمَه مثلما يشكلُ الخرابَ لنفسه!

إنها ديمقراطية المجانين بحق، وهي تعطي الدول المُصدِّرة للديقراطية إمكانية التحكم الجراحي والتجميلي، لكنها جراحة تستندُ إلى وعي ديمقراطي شكلاني، تهمهُ المظاهر الخارجية والحفاظ على بروتوكول الخداع أمام الجمهور الغربي الضاغط لتغيير أنظمة التخلف الشرقية.

ولكن الديمقراطية المصدَّرة توسع دائرة الفوضى والحروب الأهلية، فأصبحت الحروب الأهلية العربية من الإنجازات الكبيرة لهذه العملية السياسية، وربما بعد عقود تتوقف الدول الغربية الكبرى عن هذه الجراحات الحادة التي قام بها طبيبٌ مزيف، وهذا أمر لا يحدث دون أن تتعالى أصواتُ الطبقات الشعبية وممثليها داخل البرلمانات الغربية، فتشكل حكومات مختلفة وإنسانية بحق.

في هذه الأثناء سيقوم الإقطاعان السياسي والمذهبي بدورهما في تفكيك كل بلد عربي، وفي تفكيك المنطقة ونشر الحروب، فالقوى الشعبية المقهورة والجاهلة سترفع ممثلين معادين باستمرار للحكومات، تلك الحكومات التي لا تتخلى عن امتيازات فئتها المميزة والمسيطرة، وفي كل انتخابات تكون البلد غائصة أكبر في أزمتها، وفي البلدان ذات المناطق والأقاليم الكبرى فإن الاستعجال في الديمقراطية الاستيرادية، تؤدي إلى تفكك الأقاليم وهذا ما يعكفُ عليه بعض المثقفين الذين يعيشون في صالونات أوربا ويأخذون آخر صيحة من التطور السياسي الغربي. ثم يقوم الفاكس بدوره بالتعجيل بالعملية التاريخية في البلد المتخلف لكن نحو الجحيم!

يصرخون إن الأميازات ضخمة ومرعبة التي تسرقها الطبقة الحاكمة وهذا صحيح، لكن قد تكون هذه الطبقة الحاكمة أساس وحدة  النظام، وحين ينهار النظام لن يكون للمواطنين حتى مستوى المعيشة السابق. إن النضال من أجل الصالح الجديد لا يفترض أن يتخلى عن القديم المفيد.

إن الاستيراد السياسي ونقل الفاكسات السياسية والبرامج والديكورات عملية سهلة ولكن ماذا وراءها وما هي نتائجها؟

إن إنتاج ديمقراطية هو من صنع الناس في البلد المعني وعبر تفهم عميق وصبور من مختلف القوى الاجتماعية..

الإسلام دين الديمقراطية والعلمانية

     حين حدث الانقلاب على الأسس الاجتماعية للحكم في(الفتنة الكبرى) وما بعدها من نتائج استمرت ليومنا هذا، انقلبت تلك الأسسُ رأساً على عقب.

لم يكن ثمة ضرورة لأحزاب تقوم على أساس ديني، لأن الحكم هو للأغلبية الشعبية، وكان كبار الأغنياء قد أُبعدوا عن السيطرة على السلطة، ولهذا لم يخطرْ في بال عامة المسلمين أن تظهرَ أحزابٌ سياسية دينية، لأن الإسلام هو صوتُ الأغلبية العاملة.

وفي بداياتِ الانشقاق اعتبرتْ الأحزابُ السياسية المتوارية تحت لافتاتٍ دينية، إنها مع ذلك الميراث الرافض للأحزاب السياسية الدينية التي تمثل خروجاً عن دربِ السلف!

أخذت فئاتُ كبار الأغنياء التي وصلت للسيادة السياسية في صفوفِ مختلفِ الفرقاءِ المتصارعين على الحكم والثروة، وراحت تصورُ نفسَها أنها الوريث لما قامتْ بتحطيمهِ وإلغائهِ من التاريخ لجماعة المسلمين!

 وحين جاءَ أي حكم مذهبي سياسي في هذه الطائفة أو تلك قام على نفس أساس الهيمنة الطبقية، فيصور نفسه بأنه الممثل للدين الحقيقي، وفي ذات الوقت له خزائنها المليئة بالمال والسندات والأراضي، وحين تقول فئة أنها ممثلة الإسلام تقوم باحتكار الثروة العامة وتحويل حزبها العسكري السياسي إلى القوة المهيمنة على العاملين. كان تاريخ الأغنياء الحاكمين المحدودي العدد بين أغلبية الفلاحين والبدو والفقراء.

وفي ذلك التاريخ تكونت جذور الجماعات الطائفية السياسية المعاصرة، فكانت الجماعاتُ السابقة تقتطعُ خيوطاً صغيرة من النصوص وتركبها على مصالح جماعة حاكمة في مختلف تضاريس العالم الإسلامي، وتحيل نفسها إلى حارسة للمذهب، وبالأحرى إلى معتقلة لتطور المذهب وتعبيره عن الناس.

فكان الحكام المستبدون يرون مدى شعبية هذا المذهب أو ذلك، ومدى قدرته على تكريسه لسطوتهم، ويكونون على أتم الاستعداد لتغيير المذهب وجعله سائداً في البلد الذي يحكمونه متى ما كان مفيداً لتكل المصلحة

غدا مثل هذا التسييس ميراثاً عميقاً متجذراً، توظفه الجماعاتُ السائدة لانفصال دولة عن أمبراطورية، أو في هدم أمبراطورية، ويوظفه المغامرون السياسيون إذا ما ركبوا على أجساد القبائل المطايا للوصول للكراسي.

والدائرة تدور والطاحونة تفرمُ عظامَ الناس، والقصور تمتلئ ثم تتحول لخرائب، وتتجدد ثانية بالمتع والعطايا والكنوز ثم تـُهدم وهكذا دواليك، وإستغلال الإسلام يقوم به أي لص أو مغامر أو ثائر كذلك، لكنه يتحول مثلهما، فلا عقول تتسع ولا معرفة عميقة تتراكم، ولا حضارة تبقى.

كان هاجس الوحدة قوياً في الإرث الأول، لأن الأرثَ وحدَّ مصالح الأغلبية، رفض صعود الطبقية العليا، الفرعونية، والملأ المالي، وجماعات الربا الفاحش، وأبناء الأكرمين، فاستخدم الملأ البنكي والسلطوي والجمهوري والملكي ورقة التوت الرقيقة؛ الصدقات، والتظاهر بالتقوى، والشكليات الديكورية الخارجية، ليتظاهروا بوحدة موهومة غير حقيقية للمسلمين، تفرقها كل يوم الضرائبُ على كواهل الناس، وتراكمات الثروة هنا وتراكمات الحرمان هناك، السجون المفتوحة هنا والسفرات والصناديق المُهّاجرة هناك.

صارتْ الأقفاصُ المذهبية السياسية ضرورية، للحفاظ على هذه الهيمنات، رغم أنه حتى الهيمنات الطبقية الحداثية تصاعدتْ في أغلبية الدول الأخرى دون الحاجة لمثل ورقة التوت تلك، والحالُ اليائسُ يقول أسرقونا لكن دعوا عنكم التلاعب بالدين!

لكن الوحدة الدينية المأزومة الموهومة هذه تزيد الانشقاقات والحروب والمعسكرات، لأن مئات الملايين تؤمنُ بها، ويظهر مغامرون من كلِ حدبٍ وصوب، يتنطعون لمثل هذه المهمة الجليلة المستحيلة الآن، فيركبون الطائرات للمغامرات ويتمردون بالجيوش ويقتطعون أجزاء من الدول لإقامة دول قطع اليد، والديكورات سهلة، والأكسسورات برخص التراب، ويقدم متعلمون جبالاً من الكتب للحفاظ على التفاسير العتيقة والتعصب الديني والتعصب القومي.

ويزداد حرج بعض رجال الدين العقلانيين من هذه التجارة بالمقدسات، لكن الأغلبية ماضية في المزاد الرهيب، فيتوارى هذا البعضُ ويقدمُ السياسيين دون أن تحدثَ عملية فصلٍ عميقةٍ بين المقدسِ والسياسي، بما كان أساساً للتوحيد، وما هو صار أساساً للصراعات على أموال الدنيا، بما كان تراثاً عزيزاً سامياً توحيدياً، وما هو عراكٌ على الإبل والنقود ونهب الأراضي!

وقد وصلتْ العملياتُ الصراعية إلى ما هدَّم دولاً (إسلامية) ،(بل قلْ تاجرت بالإسلام)، ونرى أمامنا جحافل المسلمين المساكين وهم يحملون عفشهم البائس مثلهم ويرفعون أطفالهم على أكتافهم، ليفروا من الصواريخ والقنابل، والطائرات (الإسلامية) تضربُ منازلـَهم وقراهم ومزارعهم، والجماعات الرافضة (الإسلامية) تطلقُ عليهم قذائفـَها وتحرقُ مزارعَهم وعالمهم الهادئ الساكن!

وتجمع الدولة (الإسلامية) الأموالَ وعَرق الملايين في مخازنها للجماعات المقربة، والإقاليمُ النائية (الإسلامية والمسيحية وغيرها من الملل) محرومة، عطشة للماء، ويقول رئيسهم (الإسلامي) للجمهور (سنعطيكم الماء!)، ويصيرُ ابناؤهم الضباط حكامَ البنوك والشركات الدنيوية و(الإسلامية)، ليواصلوا ثقافة الفتنة الكبرى، أي ليضعوا مخططات تدهور الدول الإسلامية وتمزقها، وبدلاً من الأفراس ورباط الخيل يُعدون به عدة لضرب المسلمين، يستخدمون قذائف الهاون ومدفعية الدبابات سلاحاً يرهبون به المطالبين عن أخذ أنصبتهم المتواضعة في الميزانيات والأموال التي انتجوها.

انظرْ إلى خرائط الرعب في إفغانستان وباكستان والسودان والجزائر، سيول من الحروب وضحاياها الفقراء، ولا جماعة طائفية قامتْ بالتبدل والتوبة من هذا الميراث الدامي.

ليس ثمة أكثر أسى من رؤية ما يجري في باكستان الآن مئات الآلوف من البشر يتشردون في لحظة، هنا يفقدُ الناسُ بيوتـَهم الرثة، وهناك في أمريكا يفقد الأغنياءُ فللهم الفارهة من الفساد المالي والبذخ، صورتان تمثلان وجهين لعملة دولارية واحدة، فبؤسُ باكستان تغذى من دكتاتوريات عسكرية استخدمتْ الدين مطية، ونهبتْ خيراتِ البلد ورحلـّتها للغرب، وتلاعبت بهذه الثروة قوى مالية غربية كبرى إلى درجة الجنون بذخاً وعسكرة. ولكن هؤلاء الفقراء الباكستانيون يتعرضون للموت في كل دقيقة، وأولئك الأغنياء يُعرض عليهم التعويض!

الديمقراطية الحديثة وبناؤها 

       لا بدَّ من تداخل وتشابك العملية التحولية السياسية مع قوانين الديمقراطية العالمية، فتغدو الأحزاب معبرة عن فئات التجار والحرفيين والعمال والنساء، فينفصل الحزبي عن جماعته المذهبية، ويصيغ عقليته السياسية في ضوء تعبيره عن هذه الفئات وتلك، ويمكن لفئات الحرفيين والتجار والعمال أن تتقارب اجتماعيًا وسياسيًا، وهذا الانفصال ليس قطعيًا وباترًا في الديانة بل هو جزء من ثرائها، وتعبيرها عن مطالب الجماهير على مر التاريخ.

لكن هذا التعبير يأخذ شكلاً حضارياً ليس فيه مساس بالفئات السكانية الأخرى ويأخذ طابعه الإنساني كذلك.

فئات الوسطى الصغيرة يمكن أن تتقارب وتجد مشتركات بينها، والفئات الوسطى الكبيرة تجد حياتها وظروفها تدفعها للتكتل بصفة معينة.

هذه العمليات السياسية الاجتماعية ليست ضد التاريخ الديني بل هي تستقي من خبرة التاريخ العربي الإسلامي وترى التفكك الذي جرى ويجري وتتجاوزه.

إضافة إلى تداخل فئات الشعب وتبلورها سياسياً فهي تغدو مركزة على ما هو معبر عن الواقع الاقتصادي الاجتماعي، فتتلاقى فئات على صعيد الوطن والمنطقة، ولا تغدو النخبة هي المعبرة عن الحزب، وتقطع علاقاته بالفكر والاقتصاد وتجعله محدوداً غير قادر على التطور السياسي المستقبلي.

بطبيعة الحال هذه تحتاج إلى عمليات تنوير وتفكيك سياسي وإعادة بناء ويمكن أن تأخذ جذور التنظيم وتدمجها في العملية المعاصرة.

إذا لم يحدث ذلك فإن التنظيمات المكونة على أساس طائفي هي التي سوف تتغلب وتصعد عملية الصراع بين طائفتين، وتؤدي إلى الشروخ التي حدثت في بلدان أخرى.

ترتبط انتماءات الفئات السياسية الجديدة بتغيير طابع الملكية العامة التي تُحرر وتغدو ملكيات خاصة، أو مباعة على البرلمان، أو مراقبة من داخله وهو الذي يقوم بتوزيع دخولها حسب حاجات الطبقات والفئات ومدى مساهماتها في عمليات الانتاج.

هنا أشكال معينة مرتبطة بالعلمنة والتحديث والديمقراطية حيث تنصب اهتمامات الطبقات والفئات على مصالحها المادية وتبرمجها وتدافع عنها في البرلمان.

هذا يستلزم تغيير الوعي العامي السطحي ووعي المتعلمين الذين لا يتجاوزون هم كذلك هذا المستوى بسبب كسلهم الفكري وعدم تجذرهم في قضايا الفكر والفلسفة والسياسة والتاريخ ورفضهم التحليل وعيشهم على المسلوق إعلاميا والمنتهي الصلاحية.

ولا يمكن تغييره سوى بالصدام معه ونقده وكشف تناقضاته حيث يقوم العلمانيون الديمقراطيون بتحليل الشبكة الصدئة للماضي والحاضر.

في العملية الطويلة التاريخية لتحول الفئات الوسطى لطبقة وسطى وتوجيه الفوائض الكبرى نحو الصناعة وتغيير معيشة القوى المنتجة لتحدث عمليات تفكيك على صعيد المال العام والثقافة والتعليم وتغدو الوظيفة الحكومية مرحلية قصيرة مرهونة بإنجازاتها، ومساءلة من قبل الجهات التي تقود العملية التحولية التاريخية يجري صنع التحول الحقيقي.

بهذا تتوجه البلدان نحو تغيير طابع الذهنية المحافظة الملتصقة بالتراب العتيق والتي ينفصل عنها الأميون ويتدفق عليها المتعلمون والمثقفون، الذين يغادرون انتماءات (الفرجان) والأحياء الضيقة وينتمون إلى أوطان وتجديد مبانيها. 

  لا ديمقراطية من دون علمانية

     تأخر المسلمون في الدخول إلى الحداثة والديمقراطية خلال القرون الأخيرة بشكل مأساوي، وحين يدخلون الآن بصعوبات جمة وبثورات مضحية عظيمة يقودها الشباب الديمقراطي العلماني يواصل المحافظون السياسيون والدينيون التشبث بسلطاتِهم شبه المطلقة.

تنافس مجرد عند صناديق الاقتراع حيث تبدو الديمقراطية العربية زاهية الألوان، في حين أن الشموليات الدينية خاصة تجرها من مسامها وخلاياها إلى الماضي والاستبداد.

المؤسسات الدينية الجماهيرية مجيرة لأسماء، والجمهور البسيط يُساق عبر الشبكات الاجتماعية المذهبية التي كونت خلال زمنية عهود الاستبداد الماضية، من أجل أن يصوت لقوى تقليدية جديدة، فبعد أن عانى الاقطاع السياسي عليه أن يعاني الاقطاع الديني وقد تحول إلى اقطاع حاكم ولكن إلى متى؟

لن تكون الديمقراطية سوى هيمنة معينة، فليس ثمة حرية مطلقة ولا ديمقراطية مطلقة، ولكن هذه الهيمنة الجديدة ما هي مقاربتها للحريات العامة وتطوير حياة الجمهور المعيشية؟ وهل هي تمثل نقلة باتجاه تطور هذا الجمهور السياسي بحيث يغدو قادراً على الاستقلال من شبكات الماضي القروسطية التي هيمنت عليه خلال العقود الأخيرة خاصة؟

حركت الحياة السياسية خلال العقود الأخيرة الجماهير العربية باتجاه التطور الاقتصادي الحديث نسبيا، وأنشأت أجهزة حديثة ومشروعات عامة وطورت الحياة الاقتصادية الخاصة، لكن هيمنة الدول التي قامت على هياكل تقليدية، خاصة هيمنة العائلات والقبائل حسب مناطق معينة أغلبها بدوية وريفية وحضرية جزئية، فشكلت اقطاعات سياسية في الدول العربية لهذه العائلات والقبائل والجماعات العسكرية والسياسية المتقاربة التي استغلت الملكيات العامة بجزء كبير لها.

ولم يكن بإمكان أحد منظم سياسيا أن يعارض أو يقاوم هذه السيطرات التي كانت تفتتُ قدراته، وتجهض تنظيماته، بدواع متعددة، ولكنها لم تقدر على التنظيمات الدينية التي لجأت إلى الاحتماء بالموروث، وشبكاته الاجتماعية الممتدة في الأشكال التعاونية والخيرية الزائفة شكلاً والمبطنة بسيطرات عائلية وقرابية وسياسية مذهبية ودينية.

يجب الفصل هنا بين شكل السيطرة ومضمونها، فالوزارات الحكومية والمصانع والبنوك التي غدت أجزاء اقتصادية من الدول ذات القطاعات العامة بشكل كبير، والتي تجرى فيها الأشكال الحديثة المستوردة، تقوم بخدمة قوى تقليدية، فتتوجه الفوائض لبناء قصور أو دعم مشروعات ثقافية تقليدية، فرأينا تنامي الشعر التقليدي والأشكال العامية المتخلفة من الأدب، وإعادة الاعتبار لأشكال موروثة من العادات وجرى التعصب لها، فقام رأس المال بدعم الاقطاع الماضوي في الحكم وفي الحياة عامة.

من هنا رفضت القوى المعارضة ذات الجمهور العامي بشكلٍ خاص أي تلويح بالديمقراطية العلمانية الفاصلة لاستخدام المذاهب والأديان في الحراك السياسي، وهو الأمر الذي لم يعارضه بعض الدول ولا أغلبية الأحزاب الحديثة، لأن ليس لها منفعة في هذه الأساليب السياسية المندمجة في السيطرات الدينية.

وهكذا فإن الشكلين من الاقطاع السياسي الحاكم والديني المعارض، أججا أساليب عتيقة في الحياة العربية وصعدا الموروث المحافظ بأشكال سلبية.

وهذا يمكن أن نلاحظه في العودة للقبائل والمناطقية وتضخم الأرياف في مواجهة المدن، وتفكك الدول فدولة عريقة كالعراق تتحطم في بنائها السياسي الوطني، وكذا السودان وسوريا وغداً غيرها من كل الدول العربية، وهنا تقوم الديمقراطيات الطائفية بهدم ما تبقى من الدول العربية ككيانات مؤسساتية، وهذا لا يتعارض مع الثورات العربية التي قادها الشباب الديمقراطي العلماني غير المنظم الذي سُرقت ثوراته منه.

لقد حدث ترد كبير في عقليات الجماهير العربية من الأجيال السابقة خاصة، التي سُحبتْ من الثقافات التحديثية الديمقراطية والتقدمية، وحُبستْ في الأشكال الإحيائية المحافظة الزائفة الانتماء إلى الإسلام بغيرِ ما تقول، فهي تمثل الثورة المضادة للإسلام التوحيدي، هي مذهبياتُ التفكك والتخلف واللاعقلانية.

وبهذا فمع عجز الاقطاع السياسي الحاكم عن تحويل الاقتصاد والثقافة للديمقراطية تحدث أزمة بنيوية، لأن الإقطاع لم يغد برجوازية حرة، فتحل الآن أزمة جديدة أكثر تعقيدا وتحللا لأبنية الاستقلال السياسية العربية، وتبدو «بشائرها» بعمليات التفكك الواسعة في كيان الدول، وأن تغدو الدول لا دول، بل كياناتٍ منفصلة وأقاليم وصراع مدنٍ وقرى، وهويات اثنية وطائفية وقومية.

وإذا كانت الدول قد رفضت العلمانيةَ جزئيا والديمقراطية كليا، فإن الدويلات الجديدة وطلائعها الطائفية ترفض العلمانية كلياً وتقبل الديمقراطية جزئيا، فتحدث النتائج نفسها، لأن الديمقراطية تغدو أداة السيطرة الاستبدادية المموهة فيما العلمانية تمثل نقضها وإزالتها.

فهي ذاتها حولت المذاهب والأديان إلى أشكال خالية من مضامينها الديمقراطية الإنسانية وصيرتها أدوات لاستغلال الفقراء وإبعادهم عن الحداثة والاستنارة، فلا قدرة لأشكال محافظة على تنمية حرية وتقدم وديمقراطية، وهذه كلها بسبب الوعي المتخلف للجماهير العربية وحبسها الطويل في ظلامية الأمية والجهل عقودا.

≣ ديمقراطية غير علمانية، أهي ممنكة؟

  حسمت جماهيرُ الأقطارِ العربية في مصر وتونس التوجهات الاجتماعية بالاندفاع نحو ديمقراطية علمانية بدت شفافة وغير مؤدلجة ومتسامحة دينياً ووطنية متجاوزة للتفرقة الدينية والمذهبية، وذلك لكون البلدين لهما تاريخ ثقافي تحديثي طويل، ولو أن الأخوان المسلمين قادوا الثورتين لبارتا وتمزق البلدان.

جنوحُ الجماهير تقودها الأجيالُ الجديدةُ المتعلمة الحديثة للبلد الذي لا تستغله طائفةٌ ولا يعيش تحت هيمنة ديانة واحدة، ويغدو بلداً متسامحاً، ديمقراطياً يركز على التغيير المعيشي، وهذا هو سبب الانتصار.

لكن الجماعات الدينية المغلقة لن تدعَ الناسَ تمضي للديمقراطية الحداثية، فحين يحدث ذلك ماذا ستفعل وأين تولي وكيف تحمي إستغلالها للجمهور؟ فلا بد أن تقاوم إنهيار سلطتها بقوة، كما عملَ الحزبُ اللاوطني اللاديمقراطي وصمد من أجل بقاء إستغلاله للجمهور زمناً طويلاً أستغل كافة الأدوات ليواصل عصر شرايين الشعب في خزائنه.

وما أسهل للدينيين المغلقين إثارة العواطف تجاه المسكرات وعورة المرأة والفنون وإثارة الشعب نحو قضايا جانبية قبل أن تجفَ دماءُ الضحايا من على الأرصفة وبلاط الشوارع.

رجلُ السلطة ورجلُ الدين في الشرق وجهان لعملةِ إستغلال الشعب، الأولُ يركزُ على قداسةِ العلم الوطني وخريطة البلد وقوانينه وأرضه التي تُفدى وتُحمى بالأفئدة، والحدود والرموز المقدسة، وكل هذا الكلام لكن المقدس لديه فعلاً هو الخزائن وكيفية تكديس الأموال وتجميع الثروات، وها هو كل هارب كبير تُوضع ثروته على شاشة الفضاء العالمي مُقاسة بالمليارات المكشوفة الواضحة، فأين ذهبت قداسة الوطن؟

ورجل الدين لا يختلف عنه، يحولُ رموزَ الدين المقدسة لدى المؤمنين من صلوات وكتاب ومناسبات إلى سيطرة على الناس وإستغلال موارد عيشهم وهيمنة على أرواحهم حتى لا تطير نحو العقلانية والحرية.

ألا ترى كيف يستميتون لملءِ بيوتهم بالأشياء الثمينة والأموال والأغذية؟ ألا ترى كيف يخافون أن يتحرر الناس ويغدون حداثيين يعبدون اللهَ دون وسائط ماكرة؟ ويمارسون شعائرَهم الدينية دون وكالاتٍ تجارية وسمسرة إجتماعية؟

فهل يمضي عربُ الحرية السياسية نحو سجون جديدة؟ ويستبدلون النار بالصحراء الضارية؟

لا أظن ذلك، ومهما فعلَ المجلسُ العسكري لكي يعيدَ ذات الطبقة القديمة بوجوه جديدة، وأن يواصل الإقطاعان السياسي والديني هيمنتهما على الشعب بأشكال رقيقة في البدء، فإن الشعوبَ العربية وخاصة الشعب المصري، قد أكتوى بالاثنين، ويريد بلداً حراً على الطراز الأوربي الديمقراطي الحديث، ولا يريد مواصلة العيش في زنزانات الأنظمة الدينية السياسية، يريدُ حكومةً تركزُ على تطوير عيشه ولا تفجر الخلافات بين المذاهب الإسلامية والأديان السماوية، فقد شبعتْ الشعوبُ من هذه الكوارث ومن الإدعاءات الأخلاقية المثالية، وأصحابها أكثر الناقعين في عسل المادة، وصانعي عالم الجواري، والبؤس الأخلاقي.

وها هو العراق بعد أن رسّخ سلطات الجماعات الطائفية الاستغلالية يثور مطالباً بخبزه الضائع، وأمواله الهاربة من يديه التي تتجاوز أسلاك الحدود وهي تحملُ الملايين، وينعى أعماله المتوقفة وحضارته التي هدمها السياسيون الشموليون والدينيون الطائفيون.

الديمقراطيةُ الحقيقية هي أن لا يكون حزباً واحداً مهيمناً فيها، يعيشُ أبديةَ الكراسي والخزائن، ولا أن يقبض الحزب الديني على عنقه ويمنعه من الطيران في عالم الحرية والاختيارات الأخلاقية والعقلانية.

إذا كان الحزبُ السياسي يمكن أن يتغير فإن الحزب الديني يربط نفسه إدعاءً بالذات الإلهية والسماء والمقدسات كلها، فكيف سيتبدل ويسمح لآخرين بنقده وكشف أمواله وإستغلاله؟

لقد جرب العربُ الأحزابَ السياسية الشمولية الدينية فهل يستمرون في التجريب الخائب؟

هل يعرضون بلادنهم للحرائق والخرائب في كل مكان؟

هل ينخدعون بالكلمات عن الطائفة المقدسة والحزب المقدس والجماعة التي لا يأتيها الباطل؟

(الدينُ لله والوطن للجميع)، قالها المصريون سابقاً، ولا بد أن يستعيدوها بشكل أكثر حداثةً وديمقراطية، وأن لا يجربوا الأنظمة الدينية الشمولية ومرارات الأحزاب الدينية بعد أن عانوا طويلاً من الأحزاب السياسية العسكرية.

≣ الديمقراطية تحولٌ تاريخي

      تتشكل الديمقراطية بفضل الفئات الوسطى، وذلك حين تتوجه لاستلام السوق المحلية، وحين ترث ملكيات الدول، وتعيد تشكيل الاقتصاد الحرفي والصناعات الصغيرة إلى صناعة آلية، وتطور مهارات العمال حسب مستوى تطور العصر الصناعي – التقني..

ورغم ضخامة هذه الشروط الاقتصادية فهي تتطلب شروطاً فكرية وسياسية، فبماذا تعبر الدولة الدينية أو المذهبية أليست هي تعبيراً عن العصر السابق على الحداثة والرأسمالية؟

إن المذهبيات السائدة هي مذهبيات محافظة تعبر عن الطبقات فيما قبل الرأسمالية، وتعني وجود مجتمعات مفككة، وغياب السوق والشعب الموحد الخ..

لهذا نجد إن العديد من رجال الدين المنفتحين يشتغلون في تجديد الموقف من البنوك ومن الموقف من العلاقات مع الأمم غير الإسلامية ومن قضايا الحدود، ومن أنواع الحكومات الخ.. وهي كلها محاولات لإنتاج أحكام تعبر عن فئات وسطى تحاول التقريب بين النظام الاجتماعي التقليدي والنظام الحديث كما يتتجسد في الغرب، دون أن تتطابق معه في الأخلاق والدين، دون يستطيع رجال الدين هؤلاء إنتاج نظام إسلامي ديمقراطي، لأن

إن العصر العربي الراهن هو عصر التمهيد للديمقراطية، ولهذا هو يدخل مخاضاً معقداً منجراً إلى صراعات سياسية اغلبها يؤدي إلى تدمير قواه الانتاجية، وبدلاً من أن يكون التحولات السياسية هي تتويج طويل للنمو الاقتصادي وتشكل طبقة وسطى موحدة، تؤدي التحولات السياسية إلى تفتتيت كل مجتمع عربي.

فقد لعبت الدولة المركزية المسيطرة على المجتمع ذات التوجه الديني الشمولي عامل السيطرة على تكوين البلد المفتت، ولكن تطور العملية الديمقراطية يقود إلى إزاحة سيطرة الدولة على الاقتصاد، وهذا يؤدي إلى دخول المجتمع طور التفكك، كما يجري في العراق، والسودان، وفلسطين وكما جرى في الجزائر الخ..

وإزاحة هذه السيطرة لا يكون بفعل نضوج الطبقة الوسطى، فلا تظهر طبقة قادردة على وراثة النظام القديم بشكل حقيقي، بل بفعل تدخل خارجي كالعراق، أو بفعل أزمات مركبة كفلسطين، وهذا يؤدي إلى استعادة التكوينات العتيقة دورها فتحدث فوضى وحروب طائفية ومناطقية.

إن هذه الأزمات ستدوم طويلاً بل سوف تعرقل كذلك عمليات الحل الموضوعي لأنها تقود إلى العنف الذي يغدو هدراً للموراد.

وتعبير ( الفوضى الخلاقة) الذي يستخدمه الغرب في عملياته الجراحية للعالم الإسلامي، تعبر عن فقدان الحل الموضوعي، لأن الحل الموضوعي يتطلب عشرات السنين، فليس بالأوامر تنشأ المصانع والتجارة الحرة الخاصة، وليس بالأوامر يفك رجال الدول المتنفذون سيطرتهم على الأسواق والمداخيل، وليس بالأوامر تنشأ أفكار دينية متفتحة ديمقراطية توحد أي شعب..

ولهذا فإن كلمات مثل التقريب بين المذاهب والتسامح الديني والتخصيص ومراقبة المال العام وغيرها هي الشعارات العامة للدخول إلى فضاء التغيير ذاك..

من هنا يغدو نموذج الحلول الصغيرة المتراكمة والذي هو نموذج مصر، وليس نموذج الحل التفجيري كما هو العراق، أفضل للقوى السياسية في البلدان التي بعد لم يفجرها الصراع السياسي.

إن تراكمات الحلول وإجراء تغييرات صغيرة متراكمة وإدخال القوى الشعبية في عملية الحكم والمسئولية والإنتاج هو الطريق الذي ينبغي |أن تسلكه الدول والفئات الوسطى ذات الثروة.

فهذه الفئات لاتريد أن تصعد فئات ثرية جديدة وهي تقبض على السوق بوسائل سياسية متعاونة مع الأنظمة القديمة، وهي لا تطور قواها المنتجة الوطنية، مفككة السوق بأشكال شتى، وتعاضد أشكال المذهبية المحافظة وأقتصاديات السوق الاستهلاكية المدمرة للتراكم الرأسمالي الحقيقي.

لكن مهما جرى من تغيرات نظل على بوابة التحول الديمقراطي التاريخي، ولا نعرف كيف سيتم تجاوز صراع الدول المسيطرة والمعارضة الدينية، فهل سينبثق تكون جديد، وينصهر الفريقان في تكوين تحديثي ديمقراطي أم يواجهان الأمور نحو التفكيك الكامل للدول والمجتمعات؟

أم أن صناديق الاقتراع سوف تخفف من قبضة كلا الفريقين على الموارد والسلطات؟

الديمقراطيةُ طريقٌ واحدٌ

      مع غياب الطبقة الوسطى من مجتمعات عربية مثل العراق والبحرين وبعض أقطار الجزيرة العربية تصبح الديمقراطية صعبة أو غير ممكنة.

شكلت الطبقة الوسطى وجودها بصعوبة في بعض الدول العربية، وحتى الآن لم يُعرف حجمها وتكويناتها، أي مدى حجم الرأسمال الصناعي وبقية الرساميل التكوينية المحورية فيها، ومستوى مؤسساتها العلمية وقدرتها على فهم الإنتاج وتطويره، حتى الآن هي في بعض الدول العربية فئات مهمة تتقارب لتصعيد أو ربما لتقزيم الرأسمال الصناعي، وهذا يعود لمستوى وعي تنظيماتها السياسية، ومدى فهمها لتطور الإنتاج الصناعي- العلمي في إعادة تغيير البناء الاجتماعي الاقتصادي التقليدي بموصفات الحداثة.

تلك الدول خلقت تراكمات على مستويات عدة، في حين أن الدول في الجزيرة العربية بعيدة عن ذلك والأسباب كثيرة: تصحرٌ إجتماعي لقرون، ومدنٌ هامشية، وصناعات إستخراجية هي الأساس لم تقدر على تحويل معظم السكان لعمال ومنتجين وملاكاً، ودولٌ تمتلكُ أغلبَ الفوائض وتتصرفُ فيها بأشكال غير مدروسة إجتماعياً ومرّحلة غربياً.

إن الدولَ لا تستطيع أن تخلق وتؤسسَ ديمقراطية، بل تخلقُها الطبقةُ الوسطى الحرة، يخلقها رجالُ ونساءُ الأعمال وهم مؤسسو المصانع والشركات الذين يربحون من دخولِ مؤسساتهم، وبالتالي لا يخشون شيئاً سواءً كانوا داخل أو خارج الحكم.

يدخلون الحكمَ لتغيير أحوال طبقتهم وزيادة ثرائها مع خدمة بقية الطبقات وزيادة أجورها وتحسين أحوالها في عملية تطوير إنتاج ضرورية لكل المواطنين، ولكي يكسبوا أصواتهم لحكمٍ تال.

الشفافية والعقلانية والحداثة هي جزءٌ من تكوين طبقتهم، وتغيير أشكال الإنتاج القديمة هي من مهماتهم الاقتصادية الاجتماعية.

تساعدُهم وتصارعُهم الطبقاتُ العاملة حسب مسار إصلاحاتهم، وهذه القوى العاملة حتى حين تشاركُ في الحكم تدخلُ تعديلات وتطورات على النظام الرأسمالي من موقعِ مصالحِها ومن موقع تطوير البنية الاجتماعية ككل.

وبدون هذه السياقات يَصُعب الحديث عن الديمقراطية.

ونحن في الجزيرة العربية خاصة علينا أن نقدم العتبات الأولى لظهور هذه البنية الاجتماعية. نشكل فقط بذوراً ديمقراطية لنترك للأجيال القادمة زراعتها.

فلا بد أن تتخفف الدولُ من تشييدِ المصانع والمؤسسات الاقتصادية التي تُصمم بطرقٍ بيروقراطيةٍ دون أشكال ديمقراطية، ودون دراية بطبيعة النظام الاقتصادي وكيفية تطوره العقلاني وقدرته على خلق تطورات إقتصادية وجذب العمال العاطلين المواطنين والشرائح المهمشة وجعلهم أغلبية منتجة بدل إقتصاد هدر العمالة ورأس المال القائم.

ولا تحدث الديمقراطية إلا من تحرك الفئات الوسطى نحو الإنتاج والأسواق شبه المحتكرة الآن للدول، وبالتالي فإن الأجهزة الحكومية الراهنة وهي المهيمنة على الاقتصاد والحياة الاجتماعية لا تستطيع خلق ديمقراطية، يُفترض فيها وجود إقتصاديات حرة وتداول للسلطات.

ومن هنا فلا بد من أن تكون الملكيات الخاصة في الإنتاج خاصة هي الأساس الاقتصادي.

الديمقراطية تخلق في قرون، ولكن هذا لا يعني عدم خلق البذور الراهنة والمقدمات الاقتصادية والسياسية والفكرية.

الهيئات الحكومية والجماعات السياسية الأهلية شمولية، تعيشُ في عالم الحرب الباردة وآثارها، وفي الرأسماليات الحكومية الشرقية وأفكارها، وهي بعد لم تقتنع في أعماقها السياسية، وفي هياكل عظامها بالديمقراطية.

أهم سمتان الديمقراطية هما العلمانية وتبادل الحكم، وهما سمتان يصعب القيام بهما في المنطقة. لكن هل نقف دون أن نتقدم نحوهما؟

تطبيق العلمانية يعني عدم إستعمال الدول والمنظمات السياسية للدين ومنتجاته في الحكم والعمل السياسي، ودون ذلك لا تتحقق الديمقراطية.

محاولات القفز والمناورات والإختراقات على ذلك بدون فائدة، لكن هذه لا تستطيع أن تفعلها الدول والجماعات الأهلية السياسية، ولا توجد فئات وسطى قوية تؤسس للأسباب الموضوعية السابقة الذكر.

الدول والجماعات الدينية إستخدامها للدين سياسياً يعبرُ عن شمولياتها، فلا بد للتقدم لأولِ خطوة نحو بذرة الديمقراطية من وقف ذلك.

الجماعات البرجوازية الصغيرة وتنظيماتها لا بد أن تدركَ أهميةَ الدخول في طريق الديمقراطية، وتنقدَ تاريخَها وشموليتها، وتمشي في طريق الحداثة والعلمانية والرأسمالية الحديثة، ولا أن تحولَ أفكارَها لرأسِ مالٍ تأخذهُ من الدولِ كإنتهازيةٍ مدفوعة الأجر، أو من إستغلالِ العامةِ من خلال المزايدة والمغامرة، مدفوعة الخسارة من مال الناس.

لا بد إذا أرادت أن تصيرَ رأسماليات أن تتوجه لبناء الأعمال الخاصة والمؤسسات التجارية والصناعية، بدلاً من تحويل السياسة لرأسِ مالٍ، فلا تشارك في سد مجرى تغيير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بمنع التوجه نحو الرأسمالية الحرة.

في السياسة والوعي تؤيد تراكم المال وقوى العمل من أجل الخروج من الدول التقليدية، ومن أجل أن يغدو الهدفُ المحوري للمجتمع وهو تبادل السلطة ممكناً، عبر زوال التتنظيمات الشمولية غير القادرة على أن تكون ديمقراطية أساساً.

الديمقراطية والعلمانية والتجريب

      الحديثُ عن الاستقرارِ الدائم أصبح عسيراً في حالةِ تكونِ العالم السياسي في المنطقة على مادةٍ إجتماعية متخلفةٍ تعودُ لقرن مضى، أي لأحوال تعود لأيام الأمبراطورية العثمانية والدولة الفارسية.

لقد قامت الدول العربية السائرة في التغييرات السياسية في السنوات الأخيرة بتحولات إجتماعيية تحديثية داخلية مهمة.

تطور هذه البلدان التحديثي هام ويسير بشكل بطيء بطبيعة الحال بسبب المجتمع التقليدي المتجذر خلال قرون، لكن اصبح التطور لا بد منه، والانفتاح على الحداثة والديمقراطية علامات ضرورية لأي مجتمع.

 لكن العمليات السياسية الديمقراطية تمت من خلال المواد الخام القديمة للمجتمع وعبر التجريب.

لقد أخفقت القوى العلمانية-الديمقراطية سياسياً ومن الوصول للبرلمانات لأنها لم تبق في الحياة الخام الدينية الاحتفالية في الحياة العربية الدينية الماضوية التقليدية البعيدة عن السياسة وإنتاج الوعي والفكر، وإنتصرتْ القوى الخام المقاطعة للسياسة التحديثية وإنتاج الفكر النهضوي.

وكان يُفترض أن تُبنى المجتمعات الديمقراطية الوطنية الموحدة وليست المجتمعات الديمقراطية المُفكَّكة والهادمة للخرائط الوطنية لكل بلد!

نتيجةٌ معاكسةٌ للفرضيات السياسية الأولى التبشيرية للديمقراطية الواعدة!

هُزمت القوى الديمقراطية الوطنية، وعادت القوى المذهبية الطائفية من النوافذ السياسية للبلدان.

التجربة العراقية مثل التجارب العربية الأخرى تمشي بأشكال تجريبية على مواد إجتماعية غير مدروسة وغير مهيئة كذلك لأعمال سياسية متقدمة.

أما التجربة اللبنانية فهي بذاتها لم تحتاج إلى تعديل لأنها هي نفسها تجربة (طائفية ديمقراطية).

الشكل الديمقراطي الحديث يفترض أن يبدأ بأوسع أشكال الوعي وليس أن يبدأ بمستويات من الوعي متدنية.

كانت التجارب البرلمانية للأربعينيات والخمسينيات في بعض الدول العربية وفي الكويت والبحرين في الستينيات والسبعينيات، هي ذروة تطور الوعي الديمقراطي لذلك الزمان فجاءت البرلمانات ذات شحنات كبيرة من الدعم للأطر القومية والوطنية المترابطة ولتطور الفئات المتوسطة والعمال، وهي تطورات تخلق عمقاً في البناء الاجتماعي وليس أن تخلق جزراً سياسية وأقاليم خاصة.

للأسف أن بعض البلدان الإسلامية والغربية تريد أن تتجذر (الديمقراطية الطائفية) هذه، وهذه تحدث صدامات بين قوى المجتمع في كل بلد، بل وصدامات على مستوى المنطقة ككل، لأن كل دولة كبيرة لها علاقات ودول صديقة، وإذا كانت الدولة ذات توجه طائفي فإن التوجه يصير صداماً بين دول المنطقة.

إذن لم تكن الدول الغربية الداعمة لمثل هذه الديمقراطية الطائفية تعرف نتائج مثل هذه الخطط بل هي منساقة في سياساتها التجريبية العفوية، وأشك أن العملية شريرة مخطط لها، بل هي السياسات الخارجية وما تتبعه من ظروف مرحلية في عالم في حالة تحولات غير مسيطرة عليها وغير مفهومة في كثير من الأحيان.

لكن النمو المتدرج للتناقضات الداخلية وطبيعة القوى السياسية الطائفية المشكلة حيث هذا هو مستواها الموضوعي لا تستطيع أن ترتقي فوقه.

≣ الديمقراطية والمصالح

لا تتشكل الديمقراطية دون أن تتحرر الدولة من هيمنة المصالح، ولهذا تغدو عملية تكّون الديمقراطية صعبة وبطيئة وطويلة!

فيستطيع أصحاب المصالح أن يتحرروا هم أيضاً من الدولة عبر تشكل الرأسماليات الخاصة، في حين أن تشابك مصالحهم الاقتصادية بالدولة ذو ضرر بعيد المدى على هذه الرساميل.

 لكن بما أن الدولة هي السوق الأعظم كما يقول ابن خلدون فإن تقليص دور الدولة الاقتصادي الهائل يغدو الواجب الكبير للقوى السياسية، وتغيير هذا الميراث الذي بدأ من العصر الفرعوني والرافدي، هو من القضايا المحورية في الزمن العربي الراهن.

إن تحويل الدولة كجهاز سياسي محايد، يتطلب دقة المعلومات المقدمة من أجهزة الدولة المختلفة، عن مختلف المنشآت الاقتصادية، فهناك عدم وضوح كمي عن الموارد والمداخيل، والأرقام المقدمة التي تسمى ميزانية الدولة تبقى مبهمة كثيراً، في حين أن الميزانية في أي دولة لا بد أن تكون واسعة  كثيراً، وتصدر بعدة كتب كاشفة كافة الأرقام من دخول ونفقات لمجمل الوزارات والمؤسسات والشركات العامة، بحيث لا تبقى إبرة لم تـُذكر في التقارير، وليس كالأرقام المبهمة المعومة التي تقدمها الدول العربية.

لكن كافة المنتصرين في الانتخابات والمرتفعين إلى سدة الحكم، يطمعون في بقائهم الأبدي على الكراسي، ولهذا تتغير التحالفات والتشكيلات السياسية بعد فوز فريقٌ معين من فرقاء الصراع السياسي، فقوى الحكم القديم تسعى إلى ترويض المنتصرين، وإدخالهم دائرة الفساد العام، بفعل الإغراءات الكبيرة المقدمة، من رواتب عالية ومزايا اقتصادية أخرى، وما يجري تحت الطاولة السياسية كثير من وسائل الشد الاجتماعي والإفساد، بحيث تقوم هذه العملية بتليين رؤوس المنتصرين، ليعملوا وفق السائد ولا بأس من يذروا الرماد في عيون الجماهير بمعركة صغيرة هنا أو هناك !

وتدرك الحكومات العربية أن القوى الدينية الصاعدة إلى البرلمانات لديها أكثر من ثغرة يمكن النفاذ منها، لحرفها عن الصراع ضد الفساد، فلم يعرف التاريخ العربي القديم من هذه العمليات الصراعية شيئاً كبيراً، خاصةً أن الصاعدين من القوى الدينية أغلبهم من المتوسطي الحال، ومن غير أصحاب المصانع والشركات، الذين يكون إفسادهم أكثر صعوبة، فما هو إلا تلويح ببعض الذهب والمناصب الأثيرة، حتى يتوسع الاجتهاد الفقهي ويتمدد فيرى مهمات الخير والأمان وتقوية السلام الاجتماعي، بدلاً من الصراع ضد الفساد وتغيير أجور العاملين!

وهكذا رأينا العديد من النواب يغير قناعاته ويركز على مسائل جانبية بعد أن ذاق حلاوة المعاشات الكبيرة والرفاهية، وكنا نتوقع فتح ملفات مهمة وكبيرة خلال هذه الأربع سنوات، فكان الفتح نادراً ووامضاً !

حتى ملف المجاري لم يتم الاقتراب منه، فهل من المعقول أن يستمر مشروع المجاري أربعين سنة وكأنه مشروع لغزو الفضاء، ولا نرى شيئاً يتحقق ولا تزال الأمطار تغرق الشوارع؟

ولو كنا في بلد مثل الهند التي تتحكم مجاريها في طوفان من مياه الأمطار لقلنا لا بأس ولكن في مثل هذه البلد الصغيرة، ومع ذلك تظل الحفريات تشتغل في كل مكان ، وتعيد ما خربته، وتخرب ما بنته، وترصف ثم تكسر ما رصفته.

نريد أن نعلم ما تم إنجازه في هذا المشروع الخرافي، لتوضع الخرائط ونكتشف ما تم تشكيله تحت الأرض !

وقس على ذلك في مختلف الوزارات: كلمات ضخمة وإنجازات هشة على الأرض!

وعود هائلة بمساكن ثم تذهب الطيور بأرزاقها !

تطوير الديمقراطية (الطائفية)

      بمساعدةِ الدول الغربية مشكورة لبعض الدول العربية كي تعبر للديمقراطية تُطرح أسئلة كثيرة عن مدى تأهل هذه الدول العربية للديمقراطية، حتى أن يُطبق ذلك على مجتمع شديدة البداوة والتخلف كالمجتمع الأفغاني؟

المساعدةُ ليست مجانية، والمساعدةُ مرهونةٌ بمستوى تاريخي معين لدى المُصدرين ولدى المستقبلين، وهذه الطروف في كلا الجانبين ينبغي أن تُدرس بعناية.

من ناحية أولى يقبع الإرثُ الديمقراطي الليبرالي الغربي وراء هذا التصدير وذلك الدعم، وقدرةُ ذلك الإرثِ الديمقراطي الغربي على قراءة تاريخ المسلمين محدودة، فهم لديهم نسخة جاهزة، ومصطلحاتها معروفة وسائدة؛ وهي الأصواتُ، وصناديق الإقتراع، والمرشحون والناخبون، والأوراق وعلاماتها، والمجلس المُنتخَب وغير هذا من أسسٍ مكشوطةٍ من مضمونِها الغربي العريق الخاص ومنقولةٍ على رؤوسِ القبائل والطوائف العربية والإسلامية؟

المنتخبون الغربيون متعلمون إن لم يكونوا مثقفين، وقادرون على التأثير في أنماط الحكومات المسيطرة، وإستبدالها، أي أن البرلمانية الديمقراطية الغربية سلطةٌ مهمة، رغم أنها محددة بشورطِها التاريخية كدور المال في تأثيث البرلمانات وتشكيلها، ولكنه مال يتشكل من الدعاية. ومهما كانت قدراته ففي زمن الأزمات والتحولات يقدر الناخبون على التحجيم منه إن لم يهزموه.

هذه المواصفات غير موجودة خاصة في الدول الشرقية ذات القطاعات العامة المسيطرة على المعاش العام، ومن هنا تكتسب البرلمانات صفات (الحلحلة) البسيطة لتكلس القطاعات العامة، وحصرها للقطاعات الخاصة، وللأنفاق، عبر خططها المحسومة سلفاً في أروقة الحكم.

في مثل هذه الأحوال يجب نمو أحزاب الفئات الخاصة ذات التوجهات الديمقراطية والتحديثية والعلمانية، باتجاه تشكل الشعب الموَّحد المشارك للبشرية في تحولها الديمقراطي العصري العام.

 هذا يحدث ربما في التجارب الملكية العربية حيث القطاعات العامة والخاصة في حالات قوة وإتساع ومنافسة وإن لا تزال القطاعات العامة هي التي تقررُ ما يجري في السياسة والاقتصاد والثقافة والأعلام،  ولا تزال بعد دون المستوى من المقاربة مع التجارب الغربية، وهي تساهم في تكون مسارات الحداثة، لكن الدول الشمولية لا تزال الجيوشُ تعسكر فوق صناديق الإقتراع. والجيوشُ تنفي الديمقراطيةَ جملة وتفصيلاً.

من المهم أن تتقوى الأشكالُ الغربيةُ الديمقراطية عبر مضامين التراث العربي الإسلامي، خاصةً مسائل تحرير الأرض من الهيمنات الكلية للقبائل والدول، وأن تكونَ من إستخدامِ الفلاحين فتغدو منتجاتها من أملاكهم.

ولقرون كانت الأرضُ الجماعيةُ مُلكاً للمزارعين، وكان إحياءُ الأراضي الميتةِ لمن يقومَ به، وكان الخراجُ في عصر الخلفاء الراشدين ومن سارَ على سيرتِهم يعودُ للتنمية ومساعدة الأهالي.

ولم تكن قضايا المرأة هي قضايا زمنِ الجواري والرقيق، بل كانت هي قضايا العمل والإنتاج في الأرض والبيت، وما يسودُ الآن من فقهِ الجواري ليس له علاقة بتاريخنا الحقيقي.

كانت أغلبيةُ النساء تشتغلُ في الفلاحةِ والأعمال المختلفة، وقامت السلطنةُ العثمانية وعصرُ المماليك بإشاعةِ الغيابِ النسائي وتشكيل عصر الحريم.

لقد فهمَ الخلفاءُ الراشدون مسألةَ التصويت والإنتخاب في أكبر منصب في الدولة وأدركوا صعوبات التصويت في مجتمع شاسع مع غياب طرق المواصلات المُيَّسرة، وبسبب المفاجئات التي تحدثُ في هذا المنصب الخطير كالموت المفاجئ، وبضرورة الإسراع في تولي البديل قبل أن تعم الفوضى، فلجئوا للمبايعة وكون المنصب الرفيع وإختياره وتوجيه عجلات الدولة من شأنِ أهلِ الحل والعقد وهم ذروة الحركةِ السياسية الحاكمةِ التي قادتْ التحول مدركين مسائل الأغلبية الحاكمة واضعين في الإعتبار أصوات سكان الأمصار البعيدين.

إن الأشكالَ الغربية الديمقراطية مهمةٌ لكن عبر مضامين عربية إسلامية إنسانية، فالجماعة واحدة، فلا مجال للتجارة السياسية فيها بالدين، وأن يظهر أناسٌ من الجماعة يزايدون على الآخرين بإيمانهم، وهو أمرٌ يهدمُ الجماعةَ الإسلامية وينقضها، لكن مربط الفرس هو في التعبير عن الأغلبية.

ما تَركبَّ من الديمقراطيةِ الغربية فوق الظروف العربية الطائفية، هو مزجُ شكلٍ فارغٍ مع مضمونٍ متخلف.

الديمقراطية الغربية كونتْ لها الطبقاتُ المتوسطة والعاملة الحديثة المتوحدةَ المنصهرةَ مصالحَ مشتركة وهو نسيجُها الاجتماعي القوي، أما الديمقراطياتُ العربية فهي مركبةٌ فوق طوائف متصادمة ويغيبُ عنها النسيجُ الاجتماعي التحديثي التوحيدي.

وخاصة حين ينقسم المسلمون إلى محاور عدائية تفني بعضُها بعضاً.

ثمة سلسلة من التحولات الاجتماعية والسياسية والفكرية لمقاربة الأشكال الغربية مع المضامين العربية المنشودة، وأهمها ما أشرنا إليه من جماعية الأرض الزراعية وإبعاد النساء عن عالم الرقيق وثقافته، ونشر الملكيات الخاصة الصغيرة والمتوسطة المُنتجة عبر دعم الأموال العامة والأرباح الخاصة.

ومن هنا فإن (الديمقراطية الإفغانية) حين تقوم على هيمنة رؤوساء القبائل والبيروقراطية الحكومية الفاسدة لا تشعرُ بتضادٍ مع عصابات الطالبان منتجي المخدرات، كما أن الديمقراطية الغربية المُصَّدرة ليست لها دراية بتاريخ الشعب الذي تريد تحديثه.

جمهور ضد الديمقراطية

     مع تفاقم النزاع بين الحكومات الغربية والأنظمة الشمولية العربية التي ترفض الدخول إلى النادي الديمقراطي العالمي، يتم استخدام الجمهور من أجل الحرب ضد أمريكا وضد الحداثة وضد الديمقراطية، وتـُلبس هذه القضية الكثير من الألبسة القومية والدينية، لتمويه طابعها السياسي الحقيقي.

كانت التحركات الموجهة خلال السنوات القليلة الماضية للدفاع عن النظام العراقي، والى الهجوم ضد الإمبريالية، والتي ينخرط فيها الجمهور بحماس حقيقي، يعبر عن إيمانه في النضال ضد الاستعمار ومن أجل تحرير فلسطين، وبطبيعة الحال كان للمنظمين والموجهين هدف آخر، هو عرقلة الهجوم الغربي الديمقراطي على الأنظمة الشمولية السائدة في المنطقة.

ومن ثم ليس ثمة غرابة أن يتجمع المؤيدون للنظام الإيراني والنظام العراقي جنباً لجنب، أو غيرها من الأطياف التي تأخذ إشارات الريموت كنترول من أنظمة استبدادية أخرى.

والآن تتفاقم القضية ويتحول الصراع إلى مواجهة ملموسة، فهناك مشروع أمريكي  لخلق منطقة ديمقراطية، وهناك رد من الأنظمة الشمولية بتأجيل هذه الديمقراطية إلى  أبد الآبدين إلى أن تخلو الخزائن وتنفجر الثورات ويدمر ( الرعاع) كل شيء.

مسئولو العديد من هذه الأنظمة لهم حساباتهم الكبيرة في البنوك الأجنبية وهم على طريقة دكتاتور هايتي سوف يقامون التغيرات حتى آخر لحظة، ثم يهربون إلى الملاذات الآمنة.

ونرى تدخلات هذه الدول في العراق سواء عبر التفجيرات الدموية الإجرامية لمختلف القوميات والطوائف، وآخرها الهجوم المجنون على المزارات الشيعية، أو عبر الإشكاليات السياسية المستمرة التي تظهر في مجلس الحكم الانتقالي، سواء عبر تصريحات تنكأ الجروح أو بأطروحات قومية وطائفية تعرقل أي إمكانية لخلق تجربة ديمقراطية.

لا يهم الأنظمة في المنطقة مسألة الوجود الأمريكي الذي هو سائد فيها سيادة كبيرة، ولكنها لا تخجل من المطالبة بزوال نفس الوجود الأمريكي عن بلد لا نظام فيه، ولا قوة تمنع العراقيين من التذابح لولاها.

فجأة أصبح الوجود الأمريكي ملعوناً، ومع هذا  فإن المناورات العسكرية لا تنفك تجري بين الحلفاء !

فهم يريدون من الأمريكيين والغربيين عدم التدخل في أسلوب إدارتهم السياسية الذي عفى عليه الزمن، وهو مضر لمصالح الغربيين ومصالح هذه الأنظمة على المدى البعيد.

إن مسئولي الأنظمة العربية وغير العربية في المنطقة لا يريدون أن يسود صندوق الانتخاب في الحياة السياسية، خائفين مما ستجلبه هذه الصناديق من تحولات ومن قوى سياسية مختلفة، ويريدون أن يجلسوا على الكراسي إلى الأبد .

وهم لا يتسللون إلى الجمهور عبر خطابهم الرسمي المناور فحسب، ولكن عبر العديد من القوى التي تسمي نفسها معارضة، التي لا تطرح لجمهورها العداء الصريح للديمقراطية، وأن كان البعض لا يخجل من ذلك، بل تطرح قضايا أخرى غير ممكنة التحقيق، أو تستدعي القضايا العربية الساخنة التي غدت شماعة، وعبر هذا يتم جر القواعد السياسية إلى مواقف ضد الغرب وأمريكا باستخدام قضية فلسطين أو غيرها ولكن المقصود هو منع نمو الديمقراطية.

وفي حالة تحقق شيءٌ من هذه الديمقراطية، فإن خط الدفاع الثاني يتمثل في استخدام القوى المذهبية والقوموية العتيقة، لفركشة الديمقراطية من الداخل، عبر إثارة القضايا الجانبية والنفخ في لغة الصراع الطائفي وعبر المزايدات السياسية الخ..

لعبة الكراسي السياسية بين العالم المتحضر والأنظمة الشمولية العربية، تبدو في منتهى الفجاعة كما تجري في العراق مؤخراً، وهناك الشماعة وهي تنظيم القاعدة، الذي له خيوط كثيرة بأجهزة الاستخبارات وبالدول ولا أحد حتى الآن تمكن من رؤية شيء منها !

دستوريون ضد الديمقراطية

      تعبر البنيةُ الصياغيةُ الدستورية عن فلسفة، هي رؤية الحداثة كما شكلتها الطبقةُ الوسطى الغربية مع خصومها وحلفائها الطبقات العاملة، ولكن هذه الرؤي التحديثية التي هي نتاجُ تاريخ من غرز الثقافة والتحولات الاجتماعية السياسية.

ولا تستطيع الفئاتُ في العالم الثالث نسخ ذلك بدون تلك الظروف، وفي هذه الحالة ستتحول الدساتير إلى مجرد صيغ بيانية خاضعة لأهواء الدول والجماعات السياسية، وبدون ذلك الأساس الاقتصادي الصناعي الحر وثقافة التعدد والعلمانية تبقى الدساتير كصياغاتٍ لما قبل المرحلة الرأسمالية، مماثلة لما جرى في التاريخ القديم من قوانين جزئية.

ويُفترض في القوى السياسية التي تطرح البدائل والتغييرات السياسية والاجتماعية أن تقرأ التاريخَ العالمي بوجهيه، أن تدرك طبيعة التحولات الموضوعية والذاتية التي تؤسس للدساتير، لا أن تضعها في عالم مجرد لا تاريخي ثم تسقط أحكامها من خلال أفكارها.

ولهذا فإن لغة التطرف اليسارية تقول بهذا الصدد: لا يمكن أن أشارك في أعمال سياسية من دستور ناقص لا يلبي لي كل طموحاتي ويأتي على مقاس قامتي الشامخة غير المتنازلة عن حرف من الدستور الكامل الذي أرتأيه! وفي هذه الحالة سوف أستنكفُ وأعتزلُ العملَ البرلمان والنقابي والسياسي المقام على هذا الأساس!

إن هذا الحكم الذي يحيل بُنى دول العالم الثالث كبُنى الدول الغربية هو مثل تقاليع الرسامين الشباب وهم يقلدون بيكاسو وينتظرون الشهرة العالمية بعد أشهر غير مدركين طبيعة البُنى الثقافية التي عمل في ظلها ذلك الفنان.

إن الظروف الموضوعية والذاتية من وعدم جود طبقة وسطى عريضة ذات جذور حضارية قوية وطبقات عاملة متطورة، لم تسمح بمنجزات دستورية بتلك المساحة التي يطلبها اليساري المتطرف، ولكن هذه لا يمنع من إستثمار التحولات السياسية لتصعيد هذه التحولات وخلق تراكمات ديمقراطية مختلفة في الحياة السياسية والاجتماعية بإتجاه دساتير أكثر إستجابة لمتطلبات الشعوب.

ولكن ما تفعله مثل تلك الدعوة السياسية الرافضة هو إحداث تشوش سياسي حيث ترفض البرلمان وتشارك في النقابات، ويقود هذا لتفجر فوضوي خارج العملية السياسية المركزية للشعب. فالنضالاتُ خارج البرلمان لا تصبُّ فيه، ولا تصعد قيادات من بين الجمهور ذات دراية ومعاناة وتنقلها لمعترك البرلمان ليقوم بتغيير أحوالها وليس بالضرورة أن يجري ذلك في دورة أو دورتين بل خلال العديد من الدورات التي تراكم التحولات وتصعدها.

وتقوم الرؤيةُ اليساريةُ المتطرفة هنا على أساس ذات متضخمة تتحكم هي وحدها في عجلة التاريخ وتسيرها حسب عواطفها العجولة الملتهبة، وهي تفصل التيارات الوطنية عن بعضها وتضارب بينها فتساهم في تخلف صيغ الدستور ومساعدة القوى المجمِّدة لتطوره المستقبلي.

وتتقارب هذه الرؤية مع الرؤية الدينية المتطرفة من حيث نشوئها عن ذاتٍ متضخمة أخرى، تراها نفسها فوق الآخرين وترفضُ الانصهارَ في العملية السياسية العامة، وهي العملية التي تتيحُ تاريخياً تطور الدستور.

فتقول بأنه العملية البرلمانية يجب أن تكون على مقاسي وغير ذلك فإنا أرفضها.

وجهان سياسيان يلتقيان في تجميد تطور العملية السياسية وفي تقارب وإنصهار فئات الشعب المختلفة، وقيام ممثلوها بتطور أحواله المادية وبالتالي مقاربة أفكاره وتياراته المختلفة، وتوجه فوائضه المالية الاقتصادية لتطور وسائل إنتاجه وفئاته الوسطى والعمالية، وتشكل الأساس الحديث للدستور، وهو التاريخ الذي يتيح نمو صيغ الدستور مستقبلاً وتعبيره عن مراحل جديدة.

ولا يعني ذلك التغافل عن نواقص أي دورة برلمانية بل كشفها وتحليلها والمساهمة في تغييرها عبر الحوار والدرس وتصعيد مرشحين أكثر تطوراً من الناحيتين السياسية والدستورية الفقهية، وبهذا فإن مختلف أشكال الوعي السياسيي الوطني تلتقي وتغتني بالاختلاف والتماثل.

نقابيةُ رأسماليةِ الدولةِ الوطنية الديمقراطية

       ليست فقط الطبقة العاملة تعاني من الانقسام السياسي النقابي، بل الشعب كله.

إن طبيعة التطور السياسي الاجتماعي في المنطقة أنعكس على مكونات الشعوب العربية الإسلامية المختلفة بأشكال متعددة حسب بناها الوطنية المستقلة المتداخلة.

إن تشكل رأسمالية دولة إيرانية عسكرية مغامرة، ورأسماليات دول حكومية عربية فيها بعض الليبرالية لكنها لا تمثل أنظمة رأسمالية حرة، إن هذا الانقسام العميق كانت له آثار خطيرة على الشعوب.

إن الانقسام الاجتماعي السياسي هو المفصل في هذه العملية المعقدة، وما الصراعات الطائفية سوى أشكال فوقية ولكن عبر هذه الأشكال من الوعي الديني المحافظ العائد للعصور الوسطى وثقافاتها وحروبها، يتم تفكيك الطبقات العاملة والرأسمالية والدول والجماهير عامة ودفعها للصراعات الجانبية.

إن المستقبل ينذر بالمخاطر أكثر، فالذي الذي يلوحُ في الأفق ما هو سوى رأسماليات حرة ولكن فوضوية، نتيجة للتكاليف الباهظة التي تدفعها المجتمعات للإبقاء على سباق التسلح والصراعات السياسية المكلفة.

من هنا تنبع مهمات النقابات والقوى السياسية المنحازة فعلاً للدولة المدنية غير الدينية ورأسمالية الدولة الوطنية الديمقراطية، عبر المعالجات الاقتصادية والاجتماعية لأنماط الرأسمالية المتضادة في كل دولة وعموم المنطقة.

فتبعية نقابات للرأسمالية الحكومية الإيرانية العسكرية بكل ظلالها الخطيرة وإدخالنا في كابوس سياسي لم نخرج منه بعد، وسوف تظل نتائجها يعاني منها شعبنا لسنوات، لا يعالج بالانضمام للرأسمالية الحكومية، والتماهي مع الشركات العامة والوزارات.

بل يعالج بالإصلاح الاستراتيجي للبنية الاقتصادية الاجتماعية عامة، عبر وقوف النقابات موقفاً من مستقلاً من كافة التكوينات السياسية الاقتصادية؛ مؤسسات حكومية وخاصة، ورؤية الخيوط الجوانب الايجابية ودفعها للإمام ونقد الجوانب السلبية. إن مركزية القطاع العام ودوره المحوري في الاقتصاد والمحافظة عليها في التحولات العاصفة القادمة، عبر أن يكون لها مردودٌ مادي في معيشة الناس وتطوراً ثقافياً وسياسياً حقوقياً، هي قضية أساسية للحفاظ على حياة العالمين المعيشية المعرضة أكثير للتدهور.

إن العواصف تؤدي إلى مخاطر على هذه المركزية والتي تتطلب نقابياً وسياسياً درسها من خلال علماء إجتماع وإقتصاد وسياسة يستعينُّ بهم العمالُ النقابيون القياديون، عبر متابعةِ فائض القيمة ودوره البناء أو السلبي، ومدى عودته للرساميل التحتية وتوسيعها وتطويرها تقنياً وعلمياً خاصة على ضوء توسيع دور العمال الوطنيين.

إن تحليل أوضاع العمال والدفاع عن مصالحهم جميعاً بدون تفرقة، هو الواجب الأول للنقابية الوطنية وهي تلقي أرديتها الدينية الطائفية عائدةً لشعبها، ووطنها، وإنسانيتها، فتجنب رأسمالية دولة لا يعني التوجه لرأسمالية من نمط آخر، والتماهي السلبي الشمولي المتخلف مع طائفية لا ينبغي الوقوع في طائفيةٍ من جهةٍ أخرى.

إن دور النقابية الوطنية الديمقراطية هو تطوير نمط رأسمالية الدولة من أنماط حكومية مأزومة إلى أنماط رأسمالية حرة ديمقراطية ووطنية، تتمظهرُ في شعار رأسمالية الدولة الوطنية الديمقراطية، حيث يلعب القطاع العام دوره المحوري مطوراً القطاع الخاص الانتاجي، وهو التطور الذي يأتي في بنية وطنية ديمقراطية. أي أن الأشكال الاقتصادية للقطاعات الانتاجية المختلفة الوطنية تتقدم كلما تقدمت الأشكال السياسية والفكرية، أي كلما أدرك السياسيون في مختلف مواقعهم الضرورات في الحياة الاقتصادية، ونقلوا الفائض الاقتصادي بشكل أكبر للبناء الانتاجي الوطني، أي كلما شغّلوا عمالة وطنية تزداد تطوراً كماً ونوعاً مع تطور وسائل الانتاج المختلفة.

إن هذا ينطبق بصفة أكبر على القطاع العام من الناحية السياسية، فيما ينطبق أكثر على القطاع الخاص من الناحية الاقتصادية.

إن مهمات الرقابة والمشاركة العمالية العملية والسياسية تزداد في توجيه القطاع العام وفي العملية السياسية الانتخابية.

فبنيةُ القطاعِ الخاص الاقتصادية البذخية والاستهلاكية وضخامة القطاعات غير الصناعية والانتاجية وغير البحرينية وغير الخليجية العربية، تمثل هدراً على مستويي حضور العمال، وعدم دعم البناء التحتي الاقتصادي الوطني المنتج.

لهذا فإن وحدة الطبقة العاملة هي نتاجُ تنفيذِ مثل هذه المهمات وغيرها من التي تؤرق العمال والناس، فكلما تعززت النضالية النقابية الدارسة للمشكلات وحلولها، كلما أعطى هذا نتائج أفضل على وحدة العمال والشعب.

ولا شك فإن قياديي القطاعين العام والخاص سوف يلتقون، عبر المهمات السياسية والاقتصادية المشتركة لتطوير النظام الاقتصادي السياسي البحريني عامة عبر الزمن، وسيكون كذلك بمشاركة العمال وممثليهم، سواء عبر العملية الاقتصادية أم عبر العملية السياسية، لأن مصالح المنتجين ومصالح الإدارات تتكامل ولا بد أن تتوجه لفهم قوانين التطور الاقتصادي، وكيفية ترشيدها عبر الوعي السياسي النقابي، وهي العملية التي سوف تدخلنا في مرحلة جديدة متجاوزة للتفكك الطائفي ونتائجه السياسية المختلفة.

إن النقابية النضالية تتكون من كافة المخلصين المطورين لدور العمال السياسي التوحيدي والمتوجهين لحل مشكلات العمال في كل موقع، ومن هنا أهمية نشرة التوحيد التي تعنى بقضايا العمال الاقتصادية المحضة والتي تطرح الحلول لها فتساهم بالتقاء العمال من كل الأقسام الاجتماعية في منبر عمالي خالص لا يفكك وحدة العمال ونضالهم المشترك.

الديمقراطية والناس

      تشكلت الديمقراطية الغربية عبر الشوارع، لكن كانت الهبات الشعبية ذات جذور حداثية طويلة، وبحثت عن مؤسسات إنتخابية وهياكل سياسية عبر مخاض طويل.

غالباً ما تأتي التحركات الشعبية عفوية ولكن التحركات التاريخية تستند على تحالفات إجتماعية وسياسية وثقافة فكرية عميقة.

ومع بروز الطبقتين المنتجتين البرجوازية والعمالية إلا أن المجتمع الرأسمالي لم يتبلور. وكان حزب اليعاقبة الثوري الجامح تعبير عن نفوذ البرجوازية الصغيرة الكبير في البنية الاجتماعية المتخلفة حتى ذلك الحين، والتي أتجهت للمغامرات السياسية، ولكن كان من نتائجها حدوث الاصلاح الزراعي وتوزيع الأرض وزوال مَلكية رجال الدين في الريف، وبالتالي نمو العلاقات الرأسمالية فيه وحدوث فوائض نقدية إنهمرت على المدن وتوسعت الصناعة وتبدلت المستويات الزراعية المحدودة المسيطرة على المجتمع وبدأت البرجوازية في الهيمنة على السلطة مع إبعاد العمال، وهو أمر تغير بعد قرن من الصراع بينهما ليظهر مجتمع تداول السلطة.

كرر البلاشفة عمل اليعاقبة بشكل أوسع وأخطر ولهذا ظلت العديد من المجتمعات الشرقية بين الحياة التقليدية والحديثة، ومن البرجوازية الصغيرة الحاكمة ظهر التطور والتفسخ والشمولية والوقوف في مفترق الطرق التاريخية ونمو الدول القومية الشمولية العسكرية الخطيرة.

وقد مشت المجتمعات العربية ذات التجارب القومية في نفس المسار الروسي بشكل أكثر تخلفاً، ولهذا جاءت تجارب الأحزاب المعبرة عن البرجوازية الصغيرة في بُنى متأزمة متخلفة لم تحسم أمرها في تسريع العلاقات الرأسمالية الصناعية والتقنية الواسعة خاصة في الأرياف والحريات في حياة العائلة والوعي والفكر، بل ووسعت الهياكل البيروقراطية النازفة للفوائض الاققتصادية.

اليعاقبة العرب والمسلمين لم يقوموا بتغييرات جذرية في الأرياف ولم يجلبوا الفوائض الاقتصادية للهياكل الحِرفية وللصناعات البدائية وكرسوا نسخة من شمولية متشابهة غير قادرة على تحرير الطبقتين المنتجتين للتوسع الصناعي، ولهذا فإن القوميين والبعثيين والشيوعيين والإخوان هم فرق تكرر نفس الموديل، حيث يجري تصور القفزات التاريخية الموهومة وتعجيل الانتاج بدون ديمقراطية، ولكن يستمر البقاء في منظومة العصور الوسطى وفقر الأرياف وعبودية النساء والظلامية المهيمنة على تعليم الأطفال وتحجر الهياكل الثقافية السياسية في الأحزاب والدوائر الحكومية وتخلف الأدب والفن.

لهذا فإن حراك الشوارع يغدو فوضوياً بلا أفق تاريخي، وبلا تعاون الطبقات المنتجة: الرأسمالية والعمالية والمثقفين، وبين موديل إخواني يريد العودة للوراء وتكرار نموذج الدولة الشمولية بشكل ديني ورافض كذلك لتحرير الأرض الزراعية من الإقطاع، والنساء من الأسر المنزلي، وتشكيل رأسماليات طفيلية تضخ الفوائض النقدية للمؤسسات المالية والاقتصادية الغربية، وتحجر على العقول من التنوع والفكر الحر، هو قالب أسوأ بكثير من الدول الشمولية السابقة المتجهة بعض التوجه الوطني للانتاج.

وقد غدت البرجوازية الصغيرة الإخوانية هنا أكثر تخلفاً بسبب حياة التسلق الطويلة بين الدوائر الحكومية وعلى موائد الأنظمة الغربية والشرقية الاستغلالية، ورفضها المستمر للتحديث ونقد الماضي الشمولي للعرب وتجميد حياة العمال والمنتجن العرب.

هنا نرى برجوازية تريد القفز والتسلق وعدم التعب عبر التصنيع والبناء الاقتصادي الشاق وتريد عمالة طائعة متخلفة مكتفية بقشور الدين تنساق بسهولة للعنف المطروح عليها.

إن عدم القراءة العميقة الدوؤبة للتراث وفهم سببيات التطور والنهضة يتداخل وعدم البناء الجدي في الحياة الاقتصادية وتكوين الرساميل القوية الضاربة في الأسس الوطنية، وفي تحويل العلاقات الاجتماعية المتخلفة، والاكتفاء برساميل السرعة وخطف الأرباح والهروب بها للمحافظ النقدية الأجنبية وإستغلال دخول النفط السهلة وتحويلها لفنادق ومجمعات غربية، وخلق الثورات الفقاعية التي لا تنبت في الأرض نبتاً وطنياً تعاونياً، وتخلق القلاقل والأزمات بدلاً من حلها وتأزم العلاقات بين الدول الشقيقة وتجر المنطقة للحروب.

الديمقراطيةُ البرجوازيةُ العماليةُ

      إذا كان المصنعُ هو أساس الحياة الاقتصادية للمجتمع، فإن المستثمرين والعمال هم أساس تطوره الاجتماعي السياسي على مدى العصر الحديث حتى ينطفئ هذا الأسلوب تدريجياً.

هذه الضرورة لا تتكشف من أول وهلة بل عبر مجرى الزمن الاجتماعي الصراعي الطويل.

في البدايات لا يكون للعمال وجود إجتماعي سياسي، فهم كم مهمل، لكن الضرورات الاقتصادية وتطور الصناعة وإنتشار التعليم والوعي النقابي والسياسي، يجعل لهذه المجموعات المفتتة كيان طبقة بعد عقود طويلة.

أما الوجود السياسي وكونها طبقة مؤثرة ليس في المصانع فحسب بل في البرلمان والمؤسسات السياسية فهي مسائل تتعلق بمدى تطور الديمقراطية الاجتماعية السياسية في المجتمع: تغير طبيعة العائلة الكبيرة، وإنتشار الثقافة الموسوعية وسط العمال، وظهور العائلة العمالية المكثفة المتطورة، وتحول العمال اليدويين المستمر لعمال تقنيين وخبراء وعلماء، وهذا يتعلق بمجرى تطور الثورة العلمية التقنية.

زمنيةُ العمالِ اليدويين الأكثر تخلفاً تحددُ زمنيةَ البرلمانات التي تملأها البرجوازية وفئاتها المتعددة، في هذا الزمن لا يستطيع العمالُ فهمَ السياسة وتنتشر الأمية بينهم، هذه الزمنية تؤجج الأحقاد وإستعمال العنف من قبل فئات من العمال، وفي هذا الزمن النقابات ضعيفة والأحزاب الاشتراكية ذات نهج شمولي.

تتطور البرجوازية والعمال في مجرى الصراع التعاوني، فالأولى تقودُ تطور وسائل الانتاج، وتربط المصانع بمعاهد البحوث، وتطور العلوم المرتبطة بالانتاج، وهو أمر يقود لتوسع فهم العالم، وتنشأ فئاتُ العلماء المنفصلة عن الانتاج في بادئ الأمر، ثم تتغلغل العلومُ في المصانع وفي فئات العمال، فتتضاءل الشمولية وسط الطبقات العمالية وتغدو منتجة في الوعي السياسي الديمقراطي.

تعتمد تطورية البلدان على تطور المصانع وعلاقاتها بالعلوم والتقنية، ووجود الأسواق والمواد الخام، وتضيق الأسواق بشكل دائم فتتوسع البلدانُ الرأسمالية المندمجة مع بعضها البعض، مثلما يصبح العمال قوة إجتماعية قارية. ولهذا فإن أوربا الغربية تغدو أكثر ديمقراطية فيما يلعب الحجم الاقتصادي الضخم في الولايات المتحدة دوره في التوسع والاستعمار وخسارة الفوائض الاقتصادية على التسلح والحروب، ويبقى العمال فيها قوة غير مؤثرة على التطور الاقتصادي السياسي. ولهذا فإن أزماتها الأكبر في الطريق. الاعترافُ المتأخرُ بالعمال كقوة سياسية يخلف قوى الانتاج ويؤزم التطور سواءً في الغرب أو الشرق.

في بعض البلدان النامية ترتفعُ راياتُ العمال الحمراء والمتعددة الألوان كقوةٍ سياسية مجردة فالمستوى الاجتماعي المتخلف لهم والهيمنة السياسية الإيديولوجية الزائفة عليهم يجعلان الفئات الوسطى الصغيرة أو الارستقراطية أو الإقطاع تزيح الطبقتين المنتجتين وتتحكم في الفوائض، ويختنق التطور الاجتماعي السياسي الديمقراطي لعقود حتى يظهر مجدداً ويغدو العمالُ أكثر الخاسرين وتتشوه البناءات الاقتصادية: ضخامةٌ في الرساميل غيرِ المنتجة وتقزمٌ في المنتجة منها؛ سواءً كان ذلك بسبب البذخ أو التسلح أو التوجهات للأرباح السريعة، لكن السبب الأهم هو غياب الجدلية الصراعية التعاونية بين المستثمرين والعمال، وعدم تحول الديمقراطية لترشيد إقتصاد السوق نحو تطوير قوى الانتاج البشرية والمادية.

في البلدان النامية ضخامة أعداد العمال الهامشيين والعاطلين وغير المؤثرين في الحياة الاجتماعية، تعبيرٌ عن ضعف الانتاج، وإنهيار الانتاج القديم وعدم التمركز في المصانع وضعف صلاتها بالعلوم والتقنية، ولا توجد برجوازية صناعية هنا، بل فئات وسطى صغيرة تفتقدُ القدرة على تكوين الرساميل الصناعية ولهذا تكون ذات وعي ديني، حيث لم يندغم الوعي هنا بالعلوم وقراءة الطبيعة وتطوير العمال والمصانع.

الضرورات تكسرُ الأشكالَ الحِرفية الصغيرة، مثلما تتضخم رؤوس الأموال، ويتمركز العمال، وتتصل المصانع بالتقنيات والمعارف الحديثة، فيكرر الشرقُ مسارَ الغرب بصور أسرع، وتصبح القاراتُ السكانيةُ قادرةً على تجاوزه حين تطور صراع المستثمرين والعمال التعاوني الديمقراطي، فيصبح القرن الواحد والعشرين بدايات العصر البرجوازي العمالي العالمي المشترك المديد في القرون القادمة.

الديمقراطيةُ أو الفاشيةُ

     تحول الفاشية الإيرانية إلى الخطر الرئيسي للشعوب الإيرانية والعربية يفترضُ إتخاذ موقف مسئول وعميق وشامل ومتضامن في هذه الشعوب.

إن المواقف السطحية والساذجة والانتهازية لم تعد مقبولة مع تفاقم هذا الخطر، وحين نرى ذبحَ الشعب السوري بهذه الآلةِ الجهنمية ندركُ إدراكاً عميقاً إننا أمام وحوش سياسية وليس بشراً.

إنها مسألةٌ مصيرية كبرى، وكل المواقف السياسية في كل هذه البلدان تغدو مترابطةً يحسمها قرارُ إتخاذ الموقف أما مع جهة القتل السياسي الدموي وأما مع الديمقراطية والقوى الإنسانية والتعايش السلمي الخلاق بين الشعوب.

من يعادي الفاشيةَ قولاً وعملاً هو غير من يسندها عنفاً وقوة أو صمتاً.

الفاشية الإيرانية هي العقبةُ الرئيسيةُ في منطقتِنا ضد التطور الديمقراطي والسلام والحياة. وهي تتغلغلُ في هذه البلدان والشعوبُ العربية فيها تواجه مساندين غير مُدركين للخطر أوعملاء مدربين وقوى سياسية ربطت مصيرها بشكل آلي بالمركز الإيراني.

إن الوحشيةَ التي يُقابل بها الشعب السوري ترينا مدى طبيعة القوة التي نواجهها جميعاً متخفيةً وراء الدين والطائفية لكنها عسكرٌ دموي لا بد من هزيمته.

من يقف ضد هذا المركز قولاً وفعلاً هو مع الديمقراطية، والصفوف الوطنية تتسع له.

خلال ربع قرن من الدعوة لدخول القوى المؤيدة للفاشية الإيرانية في الحراك العربي الديمقراطي لكنها لم تستطع أن تتقدم بشكل جدي، فأقدامُها مسلسلةٌ إلى قعر المحيط المظلم.

أناس عاديون لهم مشكلات كبيرة مع الفقر والاستغلال في التاريخ والواقع الراهن، وهي بحرُ الآلام والمشكلات الذي تسبحُ فيه الفاشيةُ لحراكها وإصطياد الضحايا، وتصعيد وجودها، سائرةً تحت نفس العباءة التراثية(قضيةُ حقٍّ أُريدَّ بها باطلٌ).

تكوين قوى واسعة معادية للفاشية عابرة للحدود والطوائف والشعوب، مرتكزة على الإسلام التوحيدي الإنساني والأممية الديمقراطية، مؤيدة حقوق الشعوب والطبقات العاملة، جاعلةً التبعية للفاشية فيصلاً بين الحق والباطل، بين الديمقراطية وتلك الدكتاتورية الدموية.

في لبنان إذا لم تكن جبهة ديمقراطية واسعة تعزل الهيمنة الفئوية المغامرة وتوحد الشعب كيف يمكن أن لا تجيئه حربٌ أهلية ثانية؟

في العراق تتقدم قضية الديمقراطية لكن الفاشية إرتدتْ قناعَ الطائفية السياسية والقومية الشمولية وتحجزُ المد في البراري والديمقراطية عاجزة لأنها إلتبست بالطائفية الشمولية ومحافظة شيوخ العشائر وإنعزالية قادة القوميات.

لحصار الفاشية الإيرانية تلزم تطورات كبيرة في صفوف الشعوب الإيرانية والعربية.

أهمها أن يغتسل الديمقراطيون من رجس الطائفية والقومية المتعصبة ومن كره الفقراء وعدم حل مشاكلهم ويرون في إنسانيتهم وحدةً رغم كل الألوان.

يرون الخطرَ الأكبر فيتوحدون من أجل أطفالهم وبقاء شعوبهم.

حين تنضم القوى المختلفة المعارضة في الجسم العربي للوقوف ضد الفاشية الإيرانية لماذا لا تتبوأُ مختلفَ المناصب في الإدارات والبرلمانات ولكن إذا تحولت لسيوفٍ في ظهور المجتمعات العربية كيف يمكن أن تُعطى الفرص وتُترك لنشر العنف وتمزيق الصفوف لتغدو حصان طروادة؟!

دون المواقف الحاسمة قولاً وعملاً ضد مخاطر الفاشية الإيرانية لا يمكن أن تتطور الديمقراطية في الجانب العربي والجانب الإيراني كذلك!

هي عملياتٌ ديمقراطية متنامية في الأمم الإسلامية لنزع أشواك العصور القديمة وتوحيد شعوبها وغضاءة أديانها ومذاهبها ومبادئها ومقاربةمصالحة، بدلاً من تاريخ العداء والغزو والتدخل.

مرحلةُ دخولِ الأريافِ في الديمقراطية

 كان دخولُ العالم العربي في التشكيلة الرأسمالية الغربية بطيئاً ومعقداً، وإذ بدأ هذا الدخول منذ رحلة فاسكو دي جاما إلى الهند فقد إنتهى بإقتحام الشركات المتعددة الجنسية لهذا العالم العربي المفكك وذي القواعد الاقتصادية الزراعية والحِرفية وصناعات المواد الخام.

ولهذا فإن تأثيرات رأس المال العالمي والاستجابات الداخلية التحولية جرتْ أساساً في المدن العربية، التي لم تكن مدناً رأسماليةً بخلاف مدن التحول الغربية ذات الأسوار والأبراج التي حمتْ الرساميلَ والصناعات الأولية في مرحلتي الحرف والمانيفكاتورة.

وعبّرَ هذا عن عدمِ قدرة الفئاتِ الوسطى على حماية نفسها، وسط التيارات المختلفة للإقطاع. مثلما حدثَ في التاريخ العربي السابق حيث لم تستطع مدنُ الحجاز التجارية القائدة للتحول أن تغدو مدنَ النهضةِ التجارية الرأسمالية المتصاعدة. ولهذا فإن موادَ التاريخ الدينية والتراثية يتم تبادلها عبر العصور لمنعِ التطوراتِ الرأسمالية الحرة.

إن حصارَ البوادي والأرياف للمدنِ العربية يتمُّ من داخل هذه المدن نفسها، حيث تغدو السلطاتُ معبرةً عن أشكالٍ متعددةٍ من سياساتِ ما قبل الرأسمالية وسيادة الإقطاع.

فمهما كانت بغداد العباسيةُ أكبر مدينة عالمية في وقتها لكنها لم تستطع أن تحمي العلاقات التجاريةَ الحرةَ ونتائجَها في الحياة الاقتصادية والسياسية والفكرية.

ولهذا فإننا نشهدُ مرحلةً جديدة من صراع البوادي والقرى مع المدن الضعيفة التطور.

لقد عبرت المدنُ العربية خلال القرن العشرين عن تذبذبِها بين شكلين من الرأسمالية؛ الشكلُ الأولُ هو الشكلُ الليبرالي الذي نتجَ من وجودِ فئاتٍ تجارية حرة وهو الشكل الذي أسسَّ الثورات والبرلمانات والجرائد الحرة والتنظيمات الوطنية في النصف الأول من القرن العشرين، بأشكال متفاوتة التطور في البلدان العربية.

والشكلُ الثاني هو شكلُ رأسمالياتِ الدول، وهو شكلٌ مثلَّ النقيض للتطور السابق، وهو لم يكن تطوراً تراكمياً للشكل الليبرالي، وعبّر عن هجومِ الأرياف والقبائل الصحراوية والفئات البرجوازية الصغيرة الموجودة خارج الانتاح ورفضها للتطورِ الرأسمالي الحر، ولهذا أتخذَ ذلك الشكلَ العسكري ومحدودية الفكر ورفض التقارب العميق مع الغرب الديمقراطي.

ولكن رأسماليات الدول العسكرية أو البيروقراطية الشمولية عامةً تحللتْ، وتوجهتْ للغرب بأشكالٍ شمولية، حيث أن الدولَ القائدةَ لم تقمْ بسياساتِ تحولٍ عميقة تقودُ لتغييرِ طابع الأرياف والبوادي وتحيلُ حياةَ المنتجين الصغار والعاملين والنساء عامةً للإنتاج الكبير الحديث. فالفوائضُ الضخمةُ التي تراكمتْ تسربت لنواحٍ أخرى ذاتية وإستهلاكية وبذخية وتراكمية خاصة.

الموجةُ الجديدةُ من هجوم الأرياف والبوادي على المدن المراكز فيما سُمي بالربيع العربي أخذتْ معها الأزواجيةَ الريفيةَ المدنية، والتناقضَ الكبيرَ بين القرية والمدنية، لمرحلةٍ أكبر من السابق، وحتى قاربتْ على التوازي الخطير إلى درجةِ الحرب الأهلية غير المحسومة بين الأطراف والمركز.

إن التعبيرَ الديني السائدَ في هذه الموجة التي أخذتْ عقوداً لكنها قفزتْ للسيادة على المسرح الآن، يعبرُ عن هجمةِ القرية غيرِ المتطورةِ رأسمالياً وديمقراطياً في مواجهةِ مدنٍ مركزية خلقتْ فوضى إقتصادية سياسية إجتماعية بدلاً من خطط إستراتيجية تحويلية ديمقراطية للأرياف وتعاضد وطني عميق.

الخطاباتُ الدينيةُ تراوحتْ بين أقصى التشدد العسكري الشمولي وفرض قوالب من خارج التاريخ الحديث، إلى قوالب شموليةٍ ليبراليةٍ متناقضة متذبذبة.

وما يعبرُ عند إحدِاها عن قوميةٍ مأزومة، يعبرُ عند غيرِها عن مشكلةِ تحررِ النساء والعقول وهما القضيتان المركزيتان في التاريخ الإسلامي القديم والحديث لكن الطرفين يتفقان على المحافظة الاجتماعية السياسية، فليست أدلجةُ مسألةِ الشرعِ دستورياً سوى الوقوف عند هذه العقدة وعدم القدرة على فكِها من قبل التنظيمات الذكورية المحافظة وتعبيراً عن هيمنة الجهات الريفية والصحراوية والقومية والوطنية المتشددة على ليبراليةِ المدن المحدودة التطور رأسمالياً وديمقراطياً.

إستمرار هذه المشكلات لعقودٍ وظهورُ التناقضِ الثانوي كتناقضٍ رئيسي، وتحولُ الإيديولوجيات لعقباتٍ تجاه التطور الاقتصادي الضعيف المنهك، يهدد القوى الاجتماعية كلها ويدخلُها في مرحلةِ الحروب الدينية التي تلوحُ في الأفق مهددةً الحياة كلها وليس فقط التطور الاقتصادي.

الديمقراطيةُ الشموليةُ

       كلُ القوى السياسية العربية قوى شمولية لكنها تقول أنها تريد الديمقراطية. وهي كلها تريدُ الصعودَ للرأسمالية والغنى حسب مصالحها وظروفها.

الإقطاع السياسي الذي هيمنَّ على مدى عقود على الأملاك العامة والدوائر السياسية يريدُ رأسماليةً مفصلةً على هيمنته ومحافظته الاجتماعية ومحدودية ليبراليته.

حتى في صعوده عبر صناديق الاقتراع فهو يشكلُ نمواً لجماعته وسيطرتها على السلطة والنفوذ الاقتصادي، ولهذا أزياءٌ إيديولوجية هي التي كونها التنظيمُ المعني والجماعة المخصوصة خلال عقود وجعلها شكلاً هرمياً من البشر المنقسمين بين القمة الصغيرة والقاعدة الواسعة.

الإقطاعان السياسي والديني خلافاتهما خلافاتٌ محدودة، وهي جزءٌ من الأزياءِ الإيديولوجية التي تكونتْ عبر التاريخ للقوى التقليدية، والتي لم تستطع أن تحول حياة المسلمين تحويلاً ديمقراطياً.

التكونُ الشمولي نحو الرأسمالية يصطدمُ بسيطرةِ الغرب على الأسواق الكونية، فالديمقراطية الغربية الرأسمالية هي الخيارُ الأفضلُ لنشؤ الرساميل والتطور الاجتماعي السياسي، لكنها خيار رأسمالي داخلي وفي دولها وليس في الدول الأخرى، حيث تتجه لالتهام موارد الدول الأخرى والتغلغل في أسواقها وخلق حياة إجتماعية ليبرالية ديمقراطية محدودة، تسمح بهذا الغزو وبقاء التفوق وتصدير السلع الثمينة.

ولهذا فإن مواقف الإقطاعين السياسي والديني الإسلاميين تتحددُ بطبيعةِ الدول وكيفية نشؤ سلطاتها ومن هي القومية المذهبية التي تسودُ فيها، ومدى تعبيرها عن مصالح الأوساط المختلفة فيها، وكيفية هذا التعبير، أهو تعبيرٌ سلمي أم عنفي، وهل هو فيه بعض العقلانية أم لا عقلاني؟ أهو شمولي خطير أم فيه حريات وإمكانيات للنمو الديمقراطي؟

 البرجوازيات الألمانية والإيطالية والإسبانية في القرن التاسع عشر في أوربا تعطينا نماذجَ على التطور، وكيف أعتمدت على العنف في الانتقال للرأسمالية، وتقاربتْ مع أشكال من الفاشية بدءً من بسمارك ومروراً بهتلر وموسوليني ونهاية بفرانكو.

والدول الشرقية والدول الإسلامية منها لا تفلتُ من قوانين التطور، ولهذا فإن القوميةَ المذهبية المتعصبة التي تنمو بأشكالٍ عسكرية عنيفة تغدو خطراً، على شعبها والشعوب المجاورة، وليس ثمة هنا حلول للتداخلات بين القوميات والمذاهب والسيطرات التي تشكلت من قبل البعض للآخريات. لأن هذا النمو والسيطرات نشأتْ خلال قرون وأجيال والتحول الحديث جرى من داخل الكهوف القديمة وأشكال التعصب المذهبية والقومية.

في هذا النمو هناك جنون العظمة القومية المذهبية، وجنون الأعراق المميزة، وهي الجوانب الخطيرة التي تفجرُ الحروبَ كما فعل الأقطاب العسكريون السابقو الذكر.

الجنون السياسي الفكري يتكون من خلال وهمِ قيادةٍ تتصور بأنها قادرة على مماثلة الغرب والتفوق عليه إقتصادياً وسياسياً، سواءً عبر وهم دكتاتورية البروليتاريا أو وهم ولاية الفقيه أو وهم دولة الخلافة والفرقة الناجية الوحيدة.

وربما تتصارعُ هذه الأوهامُ وربما تتداخل كذلك، في ثقافة الضحالة السياسية والتعصب الطائفي. ودور القوى الديمقراطية والتقدمية ليس رصد الماضي المجنون فقط بل منع الحاضر من التدحرج نحو الجنون.

جنونُ الأحساس بالتفوق والعظمة القومية الطائفية يتصور إنه قادر على إختراق القوانين الموضوعية للاقتصاد، ويتصاعد التحدي وتتشكل مجموعةٌ من الأساطير وخداع العامة، ودعاوى النضال والمصالح المشتركة بين الغلاة والبسطاء، وفي النهاية تكون المذابح وإنهيار الأسواق وتردي عيش العمال والمزارعين.

النمو الليبرالي الديمقراطي لا بد له من إعتماد نفس القوانين الموضوعية لتطور الاقتصاد وإلا صار نسخة مشوهة من الشموليات الشرقية، لأنه لا بد من تغيير وضع الدول عن أن تكون مالكة مطلقة للرأسمال الوطني، وأن تتغير أوضاع العامة عبر الديمقراطية، ويتم نقد المطلقات والآراء الكلية عبر نتاجات فكرية وثقافية واسعة الانتشار.

لكن لا يوجد أفق سوى أفق الرأسمالية الغربية، والوصول له صعب وطويل رغم إنه مليء بالصراعات الاجتماعية وتباين مستويات المعيشة، لكنه سيرورة البشرية المشتركة في حالة السلام وعدم تفجر الصراعات القومية والدينية. أي هي التجربة المقاربة للعقلانية النسبية والتي بحاجة لمراقبة البشر المستمرة.

ومن الإشكاليات الكبرى أن المنطقة العربية واقعة بين الاستقطابات العالمية وصراعاتها، وتظهر في بلدانها دعوات الجنون القومية الطائفية بأشكال ضارية حادة.

ونجد وضع سوريا كمثالٍ حارق في الصراع بين القومية الفاشية والقومية المسالمة، والخوف أن القومية المسالمة تنتقل بعد ذلك لحالات سابقيها إذا لم تتطور بشكل حديث ديمقراطي.

صراعُ المحورين والثقافة الديمقراطية

    صراع محور الدول العربية ومحور إيران سوريا دخل لحظات حاسمة في بؤرة مركزية له، وغدت المذبحة في سوريا تعرية رهيبة لثقافة فاشية ليست لديها أية رحمة بالإنسانية.

الدول الشمولية الكبيرة والحركات السيايسية التابعة لها في قارة آسيا حيث الدولة والجيش والمخابرات في نسيجٍ واحد تباينت بين المحورين، ثم تركزَ أغلبُها في المحور الإيراني السوري مع دعم قوي من روسيا.

ميراثُ الثوراتِ الشعبية إنتكس وصعد ميراثُ الإصلاح الليبرالي الديمقراطي، وثوراتُ روسيا وإيران والصين وسوريا إرتدتْ عباءات أنظمة عسكرية ذات قوميات وطوائف مقهورة وعجزتْ هذه الأنظمة عن تفكيك هذه الكيانات السياسية الاجتماعية المعقدة.

مقاربة الليبرالية والديمقراطية والتسامح والشفافية وتعاون القوميات والطوائف وزحزحة الدولة الكلية ذات الصوت الشامل، لم تقم بها، وقامت ببعض مهماتها بعض الدول العربية، وعبرتْ الثوراتُ العربية عن تصعيد هذا الجانب.

فثمة ثوراتٌ فشلت وتحولتْ لدكتاتوريات وثمة إعتدالٌ تحول لثوراتٍ واعدة بديمقراطية وصفحة مختلفة عن شموليات آسيا الفظيعة.

حدث المفصل الناري في سوريا، وتوزعت الجهتان توزعاً حاداً يكاد يقاربُ حرباً شاملة. لكن دولاً كبرى لا تريد مثل هذه الكارثة الكونية وهي واقعية في هذا.

ويكفي تفاقم المجازر في سوريا ليوضح الطابع الفاشي الذي تغلغلَّ في بعض هذه الدول والحركات، فأصبحت إرادةُ الإنتصار لنهجٍ فاشل متدخل توسعي هي الهدف في حين لا يهمُّ سحل شعب.

نهجُ الإمبراطورية الشمولية العنيفة كما هُزم في الغرب يُهزم في الشرق، وآلةُ الدولةِ الاقتصادية الكبيرة الربحية المتداخلة مع جيش إقتصادي مخابراتي، في مجتمع القوميات والطوائف المضطَّهدة، نهجٌ لم يُحلْ عبرَ إنفراج ديمقراطي تدريجي ونشر ثقافة تنويرية عقلانية إنسانية بين شعوب هذه الدول.

ولهذا فإن محورَ إيران سوريا يتمدد والثقافة الدموية في روسيا والصين باسم الثورة تتماهى مع ثقافة السحل في إيران وتتوهجُ وتتوجُ في سوريا.

غدا المحور ليس مناطقياً بل عالمياً يعبر عن صعوبات التطور في شموليات آسيا الكبرى، وحيث الجماعات الخاصة الحكومية لا تستطيع فك الارتباط مع أجهزة الحكم.

وهذا الملمح يدخلُ حتى في تكوين بعض الدول العربية التي لا تستطيع أن تقوم بالمهمات الليبرالية والديمقراطية بعمق، مما يجعل المحور الآخر يستغلُ موادَ الهياج الشعبية ويمحي بها الحدودَ السياسية والفكرية الفارقة بين المحورين.

موادُ الكذبِ والتزييف وثقافة غوبلز وزير الدعاية النازي تُنفذُّ الآن:(أكذب وأكذب حتى يصدقك الناس). فلم تقم هذه الدول بمعالجات عميقة لتمركز سلطة المال والعسكر، وغدت مسائل الدعاية الصاخبة هي السائدة بدلاً من ثقافة النقد الذاتي والمراجعة والقبول بالآراء الأخرى، والتعصب المتشنج ويتم تغذية العامة بها ودفعها لروح حربية خطير على مستقبل الشعوب، وفيما روسيا والصين بارعتان في البحث عن مكاسب والتخلي عن الخاسر، فإن الحكومتين في إيران وسوريا وضعتا نفسيهما على حافة البركان جارتين ذيولاً حركية وسياسية ودعائية إلى حومة التشنج، مستغلتين روابطهما وتباين مواقف الدول العربية ومستويات تطورها ومشكلاتها وعدم تجذر الإصلاح فيها، وإختلاف مصالحها لمواصلة المجزرة في سوريا.

لهذا ستكون المشكلة اكبر غداً في وضع النظام الإيراني وتأزمه التاريخي، كما ستكون مشكلة روسيا الاتحادية أكبر بكثير، فغدت مسائل معالجات التاريخ الآسيوي الشمولي مطروحةً بقوة على جميع هذه البلدان مما يجعل القرن الواحد والعشرين هو قرنُ تفكك الدول الكبيرة عبر حروب وثورات داخلية رهيبة إذا لم تقم القوى السياسية الاجتماعية بمراجعة ذلك التاريخ الطويل من أسر الطبقات والقوميات والأديان والمذاهب.

ولا شك أن وقف مأساة سوريا هي البداية لمعالجة ظروفها، وإذا لم تقم بذلك وتوقعت الانتصار على الشعب السوري وساهمت في ذبحه فسوف تُوضع هي كذلك على أجندة شعوبها.

المقارباتُ الديمقراطيةُ مطلوبةٌ

     يعبرُ المذهبيون السياسيون المؤدلجونَ للإسلامِ عن مواقف الارتباط بالدول رغم أنهم ينتمون لفئاتٍ إجتماعية صغيرة ولطبقات عاملة شعبية.

لم يستطع هؤلاء خلال قرون من التعبير عن الجمهور العربي والمسلم، فإرتباطهم بالدول التقليدية جعلهم جزءً من نسيج الوعي التقليدي، الذي هزمَ التيارات المعارضة في العصر الوسيط والتي عجزتْ عن إنتاجِ وعي ديمقراطي داخل الإسلام.

ومع ضخامة التجارب المعاصرة في نشؤ الدول والحركات المستمدة من هذه المذهبيات السياسية إنتعشت هذه التيارات بأشكال مختلفة.

إن التيارات السنية السياسية ظلت مرتبطة بالأنظمة المتعددة في العالم العربي، وظلتْ مرواحةً بين الحالة المدنية الديمقراطية في مصر غير المنتصرة وبين محافظة الجزيرة العربية، وإذ أيدتْ الجوانبَ السياسية الشعارية في الديمقراطية لكنها عجزتْ عن تحويلها لنظرةٍ ديمقراطية عميقة، تساوي بين حقوق الرجال والنساء، بين حقوق الطوائف والأديان، ولم تعارض الأشكال الاستغلالية المتطرفة كالإقطاع الزراعي، ولم تقرأ التراث الإسلامي قراءة موضوعية تاريخية عصرية.

إرتباطها ببعض الدول السنية تاريخياً وفي الزمن المعاصر ميزها عن التيارات المذهبية السياسية الشيعية التي تمركزتْ تبعيتُها للنظام الإيراني وحده.

لكن المسائلَ الفقيهة المختلفة لا تغير من الجوهر الاجتماعي الطبقي التقليدي لهذه التيارات كذلك، فهي مجرد إختلافات صغيرة لا تبدلُ الموقفَ الاجتماعي السياسي المحافظ.

ولهذا فإن حراك فبراير البحريني لسنة 2011 كان حراكاً مذهبياً ولم يتحول لحراك وطني ديمقراطي، وكانت التيارات المُسيّسة للمذهبيةِ الشيعية قد أصرت خلال عقدين على التفردِ بالهيمنةِ على الحركة الاجتماعية السياسية، ولم تقدر على التحول لوعي ديمقراطي بحريني، بسبب الاعتماد على إستيراد المواد السياسية الإيرانية التي سادت بعد فترة من التأثر بحزب الدعوة العراقي، وهي صورتْ نفسها بخلاف ذلك للجمهور الشعبي المطالب بتطوير أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية السيئة التي هي كلها ظروف شعب بحريني واحد وليس ظروف طائفة، وإن كانت ثمة ظروف تمييز تمت لكنها تمت بعد تحول إيران لنظام شمولي مُصّدر لأزماته.

لم تستطع القيادات السياسية هذه أن تطور نفسها وتستقل وتنتج وعياً بحرينياً وطنياً، مصرة على بقاء خيوط الحركة السياسية المعارضة كلها في يدها، وقد بيّن الشعبُ البحريني بأنه لا يقبلُ الحراكَ المذهبي السياسي أياً كان طابعه وقد فشلت كل المحاولات خلال ربع قرن من هذا التجريب.

أما الجماعات المُسيّسة للمذهب السني فإنها كانت متعاونة دائماً مع النظام ولم تنتج كذلك وعياً وطنياً ديمقراطياً، يحفر في تحليل مشكلات الناس وعلاقاتها بالدين والعصر، وما سُمي بصحوة الفاتح كانت حركة عفوية ليست ذات جذور فكرية سياسية توحيدية.

ولهذا فإن الحديث عن(إنتفاضة) التسعينيات وما بعدها من حراكٍ سياسي هو أمرٌ يظلُ دائماً مشكوكاً في مصداقيته، لأن التحركات الفئوية المسيّسة للمذاهب، واجهت دائماً الفشل وعرقلت تطورَ الشعب الديمقراطي، لكونها أعتمدت على مصادر خارجيةٍ لا تمتلكُ هي نفسها دوراً في تغييرها، فأعتمدتْ على المغامرات وغيّبتْ التراكمَ الديمقراطي داخل صفوف المواطنين وفي البرلمان والنقابات والمجالس البلدية، ولم تقاربْ بين نسيجِ الناس، بل زادتْ من تفككهِ وقربتهُ من لحظاتٍ شديدة الخطورة على سلامة الوطن والشعب.

أن أية مقاربات بين المذهبيين السياسيين لا بد لها من إرادة المراجعة الموضوعية وإرادة الاستقلال الوطني، وقراءة تاريخ الإسلام قراءة أخرى غير محافظة وغير منتمية للقوى الاستغلالية عبر التاريخ، والنأي بالذوات عن التقوقع المذهبي وإستغلال جهل البسطاء ومشكلاتهم، والنمو داخل النضال الديمقراطي الوطني بأدواته المشروعة وتطويرها بشكلٍ يعبرُ عن مصالح الناس.

إن معايير الحداثة والديمقراطية والوطنية تطرح نفسها بقوة أمام هذه القوى المتشبثة بإرثٍ تقليدي لا تستطيع أن تقرأه قراءات منفتحة رحبة منتقلة به من إسلام الطوائف إلى إسلام الحضارة والتقدم.

رأسماليةُ الدولة العربية وقضايا الديمقراطية

     تتبلور يوماً بعد يوم طرق التطور الديمقراطية وتشق طرقها في الكثبان المحافظة، وغدت مسألة توجيه الدخل الوطني العام نحو التحولات الديقراطية مسألةً محورية.

فأما رأسمالية دولة ذات توجه إقطاعي طائفي، وأما رأسمالية دولة ذات توجه وطني ديمقراطي تحديثي علماني عقلاني.

على بساطة هذه القضايا لكنها شديدة الالتباس خاصة لدى الأحزاب(الثورية)!

حين يقول المناضل العراقي بأنه من الضروري تشكيل تيارات وطنية عابرة للطوائف وتوحيد البلد يضعُ قدمَهُ على طريق الحل، ولكن هذا تجريد.

فرأسمالية الدولة المركزية تقبضُ عليها أحزاب طائفية دينية، تؤدي لتفتيت البلد وتصعيد صراعاته.

تمثل الجماعات السياسية الطائفية الشكل الإيديولوجي العملي للإقطاع، وحين تقبضُ على مال الشعب فإنها توجهه للوراء والتفتيت، وللحرب الأهلية في قادم الزمن.

التحالفات مع الأحزاب الطائفية هدم للوطن وتخريب للتطور، ولا بد من تصعيد التحالف بين القوى الشعبية والبرجوازية الديمقراطية العلمانية أي التي تطرح دولة مدنية علمانية.

الأحزاب الطائفية في تعمية عيون العاملين وأسر النساء وبث الخرافات لا يفيد حديثها عن الوطن والديمقراطية، فهذه كلها فخاخ لاعتقال الوطن في زنزانات مذهبية متخلفة، وإبعاد هذه الأحزاب الطائفية عن السيطرة على عقول المواطنين ومنع نشر العلاقات الإقطاعية في البيوت والشوارع والعقول ضرورة للبقاء والسلام والتقدم والتوحيد.

لا فائدة من هيمنة الإقطاع على رأسمالية الدولة فهو يقود لإنتاج التخلف.

زيادة حراك الطائفيين وتقويضهم للوحدات الوطنية في الدول العربية والإسلامية يأتي أولاً من فساد رأسماليات الدول وإنتاجها لتوزيع فوائض بطرق غير ديمقراطية وغير وطنية وغير عادلة.

وكلما تمت السيطرة على هذه الرأسمالية الحكومية رقابة وإدارة كلما تم تقويض الطائفية.

ولهذا نجد في الدول ذات الاختراقات الكبيرة من الطائفية تتصارع فيها وتخترقها وتنمو داخلها رأسمالياتٌ حكومية شمولية متصارعة على أجسام الشعوب.

نموذج الاتحاد السوفيتي يعطينا فهماً لكيفية الفساد الشمولي لرأسماليات الدولة المركزية وفي الجمهوريات بحيث تتحلل الدولة، والماركسية اللينينية المضادة للأديان هي وعي دكتاتوري ضد عقائد الشعوب وتاريخها الديني الاجتماعي.

والديمقراطية على العكس هي قراءة موضوعية للأديان والمذاهب وعدم البتر في تطورها و(سحقها) والاهتمام بالعناصر النضالية والديمقراطية فيها، ونقد الجوانب السلبية، وخلق أنظمة علمانية غير مسيِّسة للأديان ولإستخدامها النفعي الاستغلالي، وهذا يتشكلُ من ديمقراطياتٍ في مختلف الجمهوريات الروسية والآسيوية لرؤية الأديان في طرق تطورها التاريخية الحقيقية، وتصعيد سلطات الناس الرقابية وأشكال وعيهم العقلانية لتواريخ بلدانهم وثقافاتها.

هذا هو هو دور الأحزاب التقدمية العربية في هذه الرأسماليات الحكومية المتعددة، حيث لا بد أن يجري نقد التاريخ العدمي الديني لهذه الأحزاب، ونقد نسخ التجربة الروسية، وتجميع مختلف القوى النهضوية الديمقراطية الوطنية التحديثية العلمانية، بحيث لا يغدو الاستخدام المضاد النفعي الطائفي للدين بديلاً عن عدميةٍ دينيةٍ سابقة.

فالأحزاب العلمانية والتقدمية إسلامية الجذور، وتهتم بتفكيك الاستخدام الشمولي للأديان.

والاستخدام النفعي المحافظ الطائفي للدين هو الوجه الآخر للعدمية الدينية، كلاهما رفضٌ للعناصر الشعبية التوحيدية الديمقراطية في الإسلام والمسيحية، كلاهما عدم رؤية لمسار الأديان وإستغلال الجهل الجماهيري للوصول إلى السلطات وإستغلال رأسماليات الدول بأشكالٍ طفيلية.

سيطرة جماعة دينية سيؤدي لصراعها مع جماعة دينية أخرى، والصراع ليس هدفه خدمة الدين بل الإستيلاء على الثروات، وبهذا فإن الخدمة العنيفة المحافظة للدين تكمل مسار العدمية السابقة وتفجر المشكلات المؤدية لانقسامات أفدح فتضيع الأوطان والثروات.

قراءةُ الأديان بأشكالٍ منتجة وجعل القطاعات العامة أساس للتطور الاقتصادي الوطني في كل الطبقات والجماعات، هو وضع أساس لتطور القوى المنتجة العامة والخاصة.

لقد أدتْ العدميةُ الدينيةُ لاكتساح الطائفيات وتفردها بالوعي الجماهيري السطحي وبنشر التخريف والجهل بالأديان وإقامة مشكلات خطيرة بتسييسها وأدت لمذابح وحروب وما تزال شهيتها مفتوحة لمزيد من الكوارث.

توجيه الموارد لتغيير حياة الناس المادية والثقافية عبر التحالفات السياسية التحديثية سوف يضعُ فصلاً جديداً من التطور العربي.

تطورُ الديمقراطيةِ مرهونٌ بهزيمةِ ولايةِ الفقيه

     تجابه الأممُ العربيةُ والإسلامية قضايا شائكةً متقاربة، وفيها إختلافاتٌ كذلك بين درجات التطور لهذه البلدان حسب بُناها الاجتماعية وتطور النضالات الشعبية الحديثية التوحيدية فيها.

في القسم الشرقي من المنطقة لعبتْ ولايةُ الفقيه دور الدولة القومية الفارسية الشمولية في صعودها وتغلغلها بين دول المنطقة، وإستثمار المشكلات لتوقف العمليات التحولية الديمقراطية الاجتماعية والسياسية التوحيدية، من أجل السيطرة عليها والهيمنة على المجال الحيوي(العقيدي المذهبي) فيها.

وكان إستثمار العبادات والعقائد من أجل الهيمنة العسكرية والاجتماعية المحافظة لكبار رجال الدين والسلطة غدا نموذجاً لدوائر السياسة الإيرانية المسيطرة لتطبيقه على بلدان أخرى، عبر إستغلال مشكلاتها الداخلية.

وهكذا غدت الأوضاع السياسية في البلدان التي تكثر فيها طائفة الشيعة وتجذرتْ فيها المنظماتُ العباديةُ والسياسية مناسبةً لهذا المشروع التوسعي.

قدرةُ المركز الإيراني نفسه على التطور الديمقراطي إنتفتْ وغدا التراجع عن السلطة المستبدة العنيفة المزودجة يعني إنهيار النظام، فأشتدت القبضة على فروع المشروع خارج المركز.

ولم يقم التدخل الأمريكي في العراق بخلق ديمقراطية على أسسٍ حديثة فيه، وضربَ ركائزَ التوحيد في الوعي الوطني العلماني الديمقراطي، وبعثَ القوى التقليدية القومية والطائفية، بحكم الموقف الديني اليميني لمجموعات المحافظين الجدد وقتذاك المسيطرة في واشنطن وعدم مراجعة هذا الموقف في الإدارات اللاحقة.

القوى السياسية الاجتماعية الطائفية في إستثمارها الإسلام للسيطرة على الكادحين والفئات الوسطى، لم تقم بأي عمليات تنوير وديمقراطية في صفوف المسلمين، فأي تعميق للثقافة الحديثة وسط الجماهير تعتبرها هادمةً لسلطاتها على الفقراء المحدودي الوعي، وهم الحصالاتُ الاجتماعيةُ التاريخية لها.

وإذا كان هذا ينطبقُ بشكلٍ كبيرٍ على تطور إيران السياسي فإنه ينطبقُ بأشكالٍ أخرى على الدول العربية، ذات التباينات السياسية ولحظات ودرجات التطور السياسية الاجتماعية المختلفة.

فقد أوضح التطورُ العاصفُ الأخير من الربيع العربي كيف أن المحافظة الفكرية والسياسية موجودة كذلك في القوى المذهبية اليمينية السنية، وهو أمرٌ موضوعي لتشابه البُنى الإقطاعية خلال عدة قرون، وحيث تغدو السيطرةُ على الفقراء المتخلفين وعياً وظروفاً وسائل لنفوذ هذه القوى الاجتماعي السياسي.

ومن هنا لا تقوم هذه الحركاتُ السياسية بتنفيذ مهام الثورة الديمقراطية الحديثة، من تحرير للفلاحين والنساء والمؤسسات السياسية وأدوات الوعي الفكرية من الهيمنات العتيقة، وإذا كانت إيران قد سبقتْ القسمَ السني في تشكيل دكتاتوريتها، بسبب المركزية الشديدة القومية وضخامة الريف وتشكل التحولات الرأسمالية في الزمن السابق لفئات صغيرة في المجتمع، فإن القسمَ السني متعدد المستويات، حيث قامت بلدانٌ معينة بإضعاف المركزيات الحكومية وتحجيم الإقطاع بعض التحجيم، وبقيتْ دولٌ أخرى في المستوى الإيراني السابق لعهد ولاية الفقيه، حيث يتم تصدير هذا النموذج وإستغلال الأقسام المتخلفة الوعي من الطائفة الشيعية للمشروع الشمولي العنيف.

هكذا يغدو الطرفان من الأمم العربية الإسلامية مترابطين، مختلفين، متشابهين، عبر هذه المستويات المركبة من التطور المتشابه، ومن التطور المتباين.

ويغدو تحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية غير المنجزة في العقود السابقة، خاصة في قسمها الاجتماعي الفكري، مطلوب الانجاز في كافة هذه الدول.

إن ولايةَ الفقيه القوية العنيفة الخطرة في إيران مرفوضة شعبياً داخل هذا البلد بعد خبرَ أدواتها الدموية وتشويهها للإسلام، في حين أن ولايات الفقهاء في دول أخرى عربية والمتغلغلة عبر سواعد الجماهير الشعبية العربية المُستغَّلة الثائرة، ليست مرفوضة، لكونها قامتْ في خضمِ إستكمالِ الثورة الديمقراطية، ولكن لتؤسسَ دكتاتوريات جديدة بديلاً عنها مع غياب وعي هذه الجماهير العربية وعدم إستفادتها من درس إيران البليغ!

قد تتفق ولايات الفقهية وقد تختلف، وقد تتعاون بعضها أو جميعها لضرب الدول الأخرى المعتدلة وضرب الأحزاب الديمقراطية والتقدمية في عموم المنطقة، وقد تتجمد في هياكلها العنيفة، وقد تتقارب مع الليبرالية، ولكن الأسسَ الإقطاعية المحافظة ظلت في كل منها قوية مرتبطةً بإعادة إنتاج الإرث الطائفي المحافظ المستغِّل للجماهير. فهم لا يريدون حريات الفلاحين والنساء وصعود الليبرالية والديمقراطية والعمال والحداثة السياسية بأسسها العالمية، وبالتالي فإن النضالات العميقة مطلوبة، وتوسع الوحدات الشعبية العربية الديمقراطية العلمانية ضرورة حياة لهذه الأمم على الضفتين معاً.

سيظل إنعاش الوعي التقدمي وإنسحابه من الشموليات الماضوية والراهنة وقدرته على خلق النضالية الجدلية المركبة ونشر الجبهات الكفاحية مع كل بصيص ليبرالي وديمقراطي ونهضوي، هو حجر الأساس للتطور السياسي لهذه الأمم.

الرأسماليات الوطنية الديمقراطية

     أثبت القرن العشرون فشل الأدلجات لتشكيل أنظمة شمولية تحت أسماء عدة في الشرق خاصة، خاصة الأوهام الناتجة عن الاشتراكية التي أعتمدت على نقص التقنية وضعف الصناعة وتخلف الجماهير، والآن تواجه المنطقة أدلجات تستغل الدين عبر شموليات جديدة تجرب في حياة الناس.

وقد أثبتت تجارب الاشتراكيات والقوميات الحادة ضرورة تعاون الطبقات المنتجة الأساسية ومن مواقع مختلفة، من مواقع العمل والملكية والثقافة، وأما إنفراد قوة واحدة وفرض نفسها وتصوراتها بالقوة فتقود مثلما رأينا على مسرح القرن العشرين الدامي، إلى الحشود الهائلة من الضحايا وفقدان الزمن.

ضاعت ثروات هائلة وأرواح لا تحصى لتعود الأمور لبدء إنطلاقها، رغم ضخامة المنشآت والتطورات التي تحققت في بعض الدول لكنها هي كذلك مهددة في لحظات التطور الأخيرة لرأسماليات الدول الشمولية حيث تصر على إحتكار الجزء الكبير من الثروات.

الآن الثورات العربية على مفترق الطرق، والأهم لسيرها هي أن تعيد النظر في تجارب القرن العشرين ذات البعد الواحد، وإلغاء هيمنة الأدلجات المحتكرة سواء باسم الاشتراكية أو الوطنية أو المذهبية، وأنت تكون البرامج المعبرة عن مجمل تطور السكان هي الركائز المعتمدة في العمل السياسي.

النقص في الفهم والخطط الاقتصادية وعدم فهم الناس والتاريخ لا يُعوض بجعجعةٍ إيديولوجية، والحكوماتُ التي تريد أن تحيل الأمور لصراعات جانبية حول الشعائر والأفكار والمذاهب وتقمع الحريات المختلفة ترتكب نفس أخطاء السابقين بكل ضراوة تواريخهم.

البرامجُ والقوى السياسية القائدة ينضجُ حضورَها ودورَها وأفكارَها البرلماناتُ المنتخبة، والفشلُ في هذا دائماً يوجهُ نحو العقائد والإيديولوجيات وتحل تصوراتُها المبهمة وخداعها للجمهور.

صراعُ المصالح بين الطبقاتِ الشعبية العاملة والطبقات المالكة لوسائل الإنتاج والثروات ورؤوس الأموال أمرٌ جوهري لا يمكن الهروب عنه، لكن ضرورات التعاون والإختلاف تفرضُ نفسَها على الجميع، من أجل بُنى إقتصادية متطورة، توزعُ الفوائضَ بأشكالٍ تاريخية متطورة، حسب مدى تطور القوى المنتجة والمشروعات والثورة العلمية التقنية.

إن المواقع الدينية الإيديولوجية الشمولية تمثل الآن العقبة الكبيرة لتطور مثل هذه العقلية الديمقراطية الضرورية عند الجميع، وهي إذ تتحدثُ بلسانِ الطائفة أو الدين في المجال السياسي وتحتكرُ الأصوات وتدخلُ البرلمانات ليس على أسس الفهم الصحيح للمشكلات والتعبير عن مطالب الجمهور الاقتصادية المعيشية تسبب مشكلات للتطور، فتحيل تصوراتها لأيديولوجيات حاكمة تقمع الناس والتيارات الأخرى طبقاً لها.

الديمقراطية هي إدارةٌ معقولةٌ سلمية للصراع الاجتماعي، فالديمقراطية هي هيمنةُ قوى معينة على قوى أخرى لكن حسب برامجها الاقتصادية الأكثر فائدة للسكان، وحين تحدثُ أضراراً عليها أن تنسحبَ تاركةً المجالَ لقوى أخرى أكثر قدرة على إحداث التطور الاقتصادي للناس.

والانسحاب يأتي من قبولها بنتائج الانتخابات وإعادة برامجها للصواب وتلبية مطالب القوى التي تدافع عنها.

رأسمالية الدولة تقود لتنامي الرساميل الوطنية صوب قوة إجتماعية واحدة، وترفضُ التوزيعَ المؤدي لتطوير مختلف طبقات السكان.

فيما الرأسمالية الوطنية الديمقراطية هي تنمية مشتركة وتنام للدخول لمجمل طبقات السكان، وإعادة لهذا التوزيع كلما تنامت الثروة الوطنية.

رأسماليةُ الدولة تسكتُ عن تضخم الثروة في جانب وتقلصها من جانب آخر، وتكيف المجتمع وترغمهُ على القبول بهذا التوزيع المضر، وتبرره، وتنمي هذا التوزيع وتحوله لصراعات إجتماعية إستقطابية بمظاهر شتى مما يؤدي للانفجار وعدم تطور الأدوات التشريعية والرقابية على الوصول لمكامن الداء الاقتصادي السياسي.

الرأسمالية الوطنية الديمقراطية تعاونُ مختلفِ القوى السياسية لعدم حدوث هذا الاستقطاب في الثروة والسكان وإنتقالهم من التعاون الصراعي إلى الصراع الهدام.

ولهذا فإن أدوات الرقابة والنشر والبحث تساعد على الوصول لجذور المشكلات وعرضها وتوصيل الفرقاء لحلول وسط وهي أمورٌ تؤدي لتطور البنية الوطنية بشكل تاريخي طويل.

≣ الوعي الديني والديمقراطية

     الوعي الديني المبكرُ لدى الشيعة في بداية العصر الحديث كان متجهاً للنضال مع الأغلبية الإسلامية من أجل الديمقراطية والحداثة بغض النظر عن المذاهب، وكان مهتماً بهذا التوحد العام، ونقد رجال الدين الانتهازيين الاستغلاليين بقوة.

ربما يعودُ هذا بشكل خاص لكون هؤلاء الأفراد قد وجدوا أنفسهم بعيدين عن الدول الدينية المتعصبة، أو كانت ثمة فترات توجب التوحد بين قوى المسلمين دولاً وجماعات ضد الغزو الغربي.

كما أن الديمقراطيين الحقيقيين لا تفرقهم المذاهب والأديان والأقطار لأن هدفهم واحد هو تقدم الشعوب.

ومن هنا لا نستغرب حين يقومُ عالمٌ ديني شيعي بمدحِ الخليفة الراشد عمر بن الخطاب.

الميرزا محمد حسين النائيني في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة)، وقد صدر الكتاب سنة 1906، يستعرضُ أسسَ الديمقراطية وفصلها عن الدول الاستبدادية، ويقول إن الديمقراطيةَ في نظرهِ تعني (رفض ما للسلطنةِ من مالكيةٍ مطلقةٍ وفاعلية ما يشاء وحاكمية بما يريد وقهرها بالإراداتِ السلطانية من جهة، وعدم مشاركتها)، ويضيف (إن الأمة لها حق المحاسبة والمراقبة ومسؤولية الموظفين أيضاً من جملة فروع هذين الأصلين).

والطريف أن الميرزا محمد النائيني يقدم هذا المثل للدلالة على الحكم الرشيد:

 ( وقد بلغ استحكام هذين الأصلين في صدر الإسلام مبلغاً عظيماً حتى قيل للخليفة الثاني – مع تلك الأبهة والهيبة- وكان قد رَقى المنبرَ يستنفرُ الناسَ للجهاد: لا سمعاً ولا طاعةً، لأنه كان عليه ثوب يمان يسترُ جميعَ بدنه، مع أن حصةَ كل واحد من المسلمين من تلك البرود اليمانية لم تكن كافية لستر جميع بدنه. وما استطاع أن يدفع اعتراضهم هذا عنه إلا بعد أن أثبت لهم أن عبدالله (ابنه) هو الذي وهبه حصته من تلك البرود.

قيل له في جواب الكلمة: لنقومنك بالسيف وما كان أشد فرحه عند رؤيته هذه الدرجة من استقامة الأمة!). ص 317 من كتاب المشروطة والمستبدة لرشيد خيون.

النائيني وبعض رجال الدين عملوا وقتذاك في بداية القرن العشرين للعمل المشترك مع بعض العناصر المتنورة في الدولة العثمانية لتوحيد جهود المسلمين في (جبهة ديمقراطية) في ذلك الحين، لكن جموعا كثيرة من رجال الدين كانت ضد ذلك.

في رؤية آية الله محمود الطلقاني من خلال تقديمه هذا الكتاب الطليعي في زمنه حيث جاءت مقدمته للطبعة الثانية في سنة 1954 إن الكثير من رجال الدين يمنعون تقدم مثل هذه الأفكار الوحدوية ولهذا من الصعب أن تنتصر.

 (كنتُ أرى بعض الروحانيين وقد حولوا الزي الديني إلى وسيلة لقضاء حوائجهم الخاصة مستعينين بما تيسر لهم الاطلاع عليه من آيات وروايات يقرأونها على العوام، ويستغلون تأثرهم بها في ركوب رقاب بسطاء الناس وخداعهم.)

يرى الطلقاني إن المشكلة لا تنحصر في وقوف عدد من الروحانيين ضد المشروطية (الديمقراطية) بل كان السبب الرئيسي هو غياب الفهم الدقيق والتفصيلي (للديمقراطية) وكيفية تطبيقها بين الجمهور العام.

أي أن عدم التدرج في تطبيق الديمقراطية ونقل النموذج الأوروبي والصدام مع تقاليد المسلمين يؤديان إلى خوف الناس من هذه العملية السياسية التي تتجه لعاداتهم الدينية والاجتماعية القديمة.

إن أكبر المتصدين لتحقيق العملية الديمقراطية هم رجال الدين أو من يتأثر بهم، ولكن التراث الذي يستندون إليه ليس له علاقة بهذه الديمقراطية المؤسساتية، رغم أنها تتلاقى مع فترة اللقاح العربية القرشية، حيث يتم رفض الذل وأن الناس متساوون، لكن هذه الفترة انتهت مع تقدم الفوارق الطبقية، وليس لمسألة بني أمية وبني العباس فقط، وبهذا فإن التراث الذي غُربل من خلال سيطرات هذه القوى لم يَعُد ديمقراطياً، عبر رؤيته عدم المساواة بين الأجناس وبين الطبقات.

ورجال الدين الذين يتصدون للعملية الديمقراطية يأتون من هذا التراث الاستبدادي عامة، ولهذا فإن السياسيين المتصدين للعملية الديمقراطية لديهم العصر الديمقراطي الحديث وتكييفه لمجتمعاتهم من دون الصدام مع التراث والعادات.

لقد قام المتنورون في بداية العصر الحديث بالبحث في ذلك ولم تسعفهم أدواتهم في حل الإشكاليات بين الماضي والعصر لكنهم قدموا البدايات المهمة في هذا الصدد.

المكوناتُ الديمقراطيةُ في التراث

       المطلقُ والنسبي، الإلهي والبشري، الباقي عبرَ العصور كأساسٍ نضالي لجماعاتِ المسلمين، والمتحول التشريعي الجزئي، يتجسدان إجتماعياً بتحالفِ التجار الأحرار مع العاملين الفقراء والعبيد وقتذاك.

القرآنُ كتابٌ نضالي مطلق، وكتابُ تشريعاتٍ نسبية متغيرة، يعبرُ في زمنِ عدمِ وجودِ المصنع كأساسٍ إقتصادي للمجتمعات وقتذاك، ومع ذلك يطرحُ التحالفَ الاجتماعي السابق الذكر، كجنين للبشرية الديمقراطية الذي حصلَ على وجوده الاقتصادي الواسع فيما بعد بأوربا الحديثة.

تشكل التحالفُ الديمقراطي عبرَ سورٍ محددةٍ كسورةِ الحشر، وأُعتبر ذلك أساساً للبناء السياسي للأمم الإسلامية، وغلبَ عنصرُ سيادة المُلكية العامة الخادمة للسكان على المُلكية الخاصة في الخلافة الراشدة، بما يعبرُ عنه في عصرنا بهيمنةِ الاشتراكية الديمقراطية السياسية على الليبرالية بشكلٍ جنيني رغم التحالف بينهما.

كان هناك نقص في الديمقراطية الاجتماعية وهو أمر ركزت عليه القراءات السطحية وأعتبرته دائماً.

غيابُ المصنع وسيادة الرعي والزراعة والحرف وسيادة البدو الأحرار والمدن التجارية القيادية، جعلت من المسلمين المشكلين الأساسيين للتحضرِ الديمقراطي النهضوي الجنيني وقتذاك في العصر الوسيط للبشرية.

الحضارة الأغريقية والحضارة الرومانية قامتا بدايةً على التجار الأحرار لكنهما وسعتا الحضورَ الهائل للعبيد فتدمر البناءُ الحضاري الديمقراطي فيهما، ولعبت الحروبُ والفتوح دوراً في الاسترخاء الاقتصادي والغيبوبة الاجتماعية والتناقضات الحادة بين الأمم والشعوب.

التحالف بين التجار الأحرار والعاملين أتخذ له مظاهر مختلفة في الحضارة الإسلامية عبر الفرق كالمعتزلة والسنة والشيعة وغيرها، لكنه إنتكسَ بهيمنةِ الارستقراطيات الحكومية وبتوسعِ جلب العبيد والجواري، مما أدى إلى تدهور المدن وإنهيار عالم المنتجين، بحيث تكلست قوى النقد والحرية والنضال الديمقراطي العقلاني في العواصم وأنعكس ذلك في سيطرةِ المحافظة على المذاهب والخرافةِ على الرؤى الفلسفية.

مع غيابِ التجار الأحرار والعاملين الأحرار أزدهر التفسيرُ الشكلي للقرآن، والتركيز على الظاهر، وجوهرة الإسلام في العبادات، بينما حاولت الفرقُ النضاليةُ والصوفيةُ البحث عن(الجوهر) في المطلق والغيب وليس في التحالف النضالي الحقيقي المفقود.

حين إستعادَ المسلمون وجودَهم الحديث وجدوا أنفسَهم تابعين لحضارةٍ جعلتْ من المصنعِ أساساً لوجودها وسيطرتها وتوسعها، وخصصتهم في المزرعةِ والسوق. وحين أسسَّ المسلمون مصانعَهم كانت كذلك منتجةً لموادٍ خام للمصنع الغربي المسيطر، وقدموا المواد الخام لها بأقل الأسعار. وهو أمر أدى إلى تناقض العالم العربي بين نمط يسترخي في ظل أسعار نفط وثروة بلا قوى منتجة عربية متطورة وأشكال من العمالة المجلوبة التي لا تعمق الإنتاج، وبين فقرٍ عربي يفتقد للثروة ويعيش العمالة في حدود الكفاف.

الليبرالية الأولى التي ظهرت في العالم العربي كانت إستيراداً فيما العاملون يعيشون في أوضاع عبودية، فهي لم تمد يدها بقوة وعمق لتغيير أوضاعهم، ولكي يكونوا شركاء لها في الوطن والسياسة والحرية، فجاءتْ الشمولياتُ العسكريةُ لتلغي الليبرالية والديمقراطية ولكنها حولت العاملين إلى ما يشبه العبيد في المصانع، فلم تصنع لا ديمقراطية ولا إشتراكية.

ركز المتابعون للتراث والحافرون من خلاله لرؤى سياسية على إستعادةِ الشكلاني والجزئي، وعدم قراءة الجوهري، والتركيز على السطحي يقود لاستعادة الملابس والأشياء الخارجية والجمل المحفوظة وليس قراءة التحالفات الاجتماعية الأساسية وتكويناتها الفكرية الثقافية وإستعادة حضورها بأشكال أكثر تطوراً وعصرية.

ظهر المصنعُ الآن بشكل واسع ولكنه في وضع مضطرب، لم يتحول إلى مهيمن على البُنى الحرفية والزراعية، أو لا يزال تابعاً للغرب يقدمُ مواداً خاماً، أو يجلب عمالةً غير عربية وغير مغيرة وغير متجذرة في نمط الانتاج، ولهذا فإن التحالف الاجتماعي الجوهري مختلٌ عبر عدم قدرة الفئات الوسطى لتوسيع التصنيع وإعادة تشكيل المجتمعات، وتوجهها للأرباح السريعة ومنافعها المباشرة، وتحويل العاملين لأجراء متخلفين، كذلك يظهر لنا المشهدُ العامُ الاختلالات في العمالة العربية بين عطالة في بلدان وجلب عمالة أجنبية في بلدان أخرى، أو تضخم العمالة الإدارية.

كذلك يظهر الصدام بين الرأسماليات الشمولية العسكرية الحادة والرأسماليات الليبرالية الضعيفة المتخلفة، فيحتاج العرب والمسلمون لتجاوز ذلك عبر أشكال متقاربة من التطور، وخاصة في الأنظمة الجديدة الحائرة بين أشكال التطور السياسية الاجتماعية، والتي يركز بعض منظريها ومثقفيها السياسيين على الجزئيات والسطوح وعلى القراءات غير الاجتماعية.

في حين تحتاج هذه التطورات لدراسات لكيفية تطور الثورة الصناعية الديمقراطية، وإعادة تشكيل رأس المال وقوى العمل، لهدف تلك الثورة ومقاربتها في ظروف كل بلد، لكن هذا لا يتم بدون التحالف الاجتماعي وظهوره بأشكال سياسية وتعاونية مختلفة.

ثقافةُ الديمقراطيةِ المتكسرة

     في زمنيةِ الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين يجري محلياً (وعربياً بشكل ما) تصدع وعي الديمقراطية العربي في السياسة والثقافة ويأتي ذلك بشكل أساسي من تهافت اليسار، فاليسارُ هو الذي يلعب الدور المحوري في تشكيل الأنواع الفكرية والثقافية الوطنية، لأنه يقود التقدم في البلدان النامية.

الانهيارُ الاشتراكي في المركز يكونُ غير واضح، لكن بعض أجندتهِ نجدُها في الصراعاتِ بين أنواع اليسار، فظهور اليسار الطفولي المزايد هو من الجوانب الرئيسية يظهر في بدء إنهيار هذه الثقافة.

تُطرحُ في الجدالات السياسية مزايدةٌ على طرق النضال، ويعلو صوت البندقية الزائف، حيث لا نار ولا دخان، وفجأة تنتشرُ صورُ جيفارا وماو وكاسترو، تغدو هذه الصور لدى اليسار الطفولي ضباباً فكرياً لضرب العقلانية، ولتصعيدِ جملٍ نارية، ويجري الإستهزاء بالطرق العقلانية في النمو السياسي، وما يترتبُ عليها من تحليلاتٍ فكرية للواقع، والغوص في تاريخه، وإكتشاف البنية الاجتماعية له.

يجري النقاشُ حول طرق النضال بأشكالٍ حماسية غير عقلانية تبطنُ رفضَ طرق التحليل الموضوعية، وهذا ينعكس في هلامية الأشكال الفكرية والأدبية والفنية التي تتجمد عند ذلك الصراع السياسي السطحي.

حين نقرأ القصص والقصائد والمقالات نجدُ هيمنةَ التسطيح، والتوجه للموضات الأدبية الفكرية الغربية معاً، مثل تدفق الأشكال السريالية واللامعقول ويتحول هربرت ماركوز إلى مفكر نموذجي ليسار المغامرة، وتحصل الوجودية والبنوية على مؤيدين مهمين.

كان هربرت ماركوز يركز على المجتمع (الصناعي)، وبهذا الشكل المجرد يتمكنُ من تلافي تحليل قوانين المجتمع الرأسمالي الغربي، وتغدو ثيمة ماركوز وجيفارا وماو هي بحد ذاتها موترةً لليسار(السوفيتي)وإبتعاده عن قراءات التحليل الموضوعية الأكثر نفاذاً في تجارب رأسماليات الدول الشرقية التي لعبتْ أدواراً في تأجيج الجمل الثورية ثم في كسرها.

عزف اليسار الطفولي على التطرف يقابلهُ فقرٌ في التحليل والإنتاج الفكري والانتاج الإبداعي عامة، فكان اليسارُ بشقيه يمثلان ضرباً ضد نمو العقلانية وتحولها لتحليلات موضوعية للواقع.

كان ذلك في مصلحة الأبقاء على السطحية في الوعي والعفوية والانتقائية، ومن هنا لائمتْ المقالةُ القصيرةُ هذا الوعي المسطح، التي تتحول في السر إلى بيانات زاعقة، تفتقد عمق السياسة البعيدة المدى.

كما يحدث الآن لورثةِ هذا اليسار المتعثر في أشراكِ الشموليات أي للمذهبيين السياسيين، الذين يعجزون عن دراسة الإسلام وسيرورته التاريخية، وأكتشاف آفاق تطور الأمم الإسلامية فتغدو لديهم المقالة القصيرة الانتقائية الهزيلة الوعي منشوراً زاعقاً في حالة الرافضين وبخوراً حارقاً لدى غير الرافضين، بسبب الرغبة في الحصول على مكاسب سياسية وإجتماعية سريعة.

ووجود هذين الصنفين المذهبيين السياسيين من الوعي المتضادين، والمتماثلين في جوهر سطحيتهما، وبروزهما يعبر عن الاستمرارية في تكوينات الوعي السطحي لدى البرجوازية الصغيرة المتعلمة مع تبدل البنية الاجتماعية. فالخطابُ اليساري السطحي يتلوهُ خطابٌ مذهبي سطحي.

في سيطرة المقالة القصيرة والمنشور وغياب الكتاب التحليلي والأنواع الواسعة من الأدب كالرواية والمسرحية والدارسة النقدية، صفة مشتركة، فهؤلاء المنتجون العجولون هم أناسٌ لا يزرعون بعمق ولكن يريدون ثماراً سريعةً باهرة.

رأسُ المالِ الصغير هذه هي عاداتهُ التاريخية، سواءً في الماركسية وهي تأخذُ أشكالاً طفولية تختزلُ تعقيدَ الاقتصادِ والطبقات وتريدُ القضاءَ بلمح البصر على التشكيلة الرأسمالية العالمية، أو في الوعي الديني وهو يأخذُ قسماتٍ طائفيةً ويتبعُ دولاً شمولية ويريد سحق الأنظمة بمفرقعات الأطفال أو بحلبها وتكوين رأسمال طفيلي ويصير شركة إسلامية مقفلة.

رأس المال الكبير لا يشارك في عمليات إنتاج الوعي والثقافة ويبقى في بنوكه وشركاته الكبيرة ليكون رأس المال العابر للحدود، والذي يعيشُ حالاتٍ دينيةً شكلانية خاصة في المجتمعات الاسلامية غير الديمقراطية.

من هنا فإن اليسارَ المغامرَ بصراخهِ المستمر كان يعطل التحليل، واليسار السوفيتي كان يردُ في حدودِ التقليديةِ النظرية المحنطة في المركز.

في الدول العربية الأخرى ذات الثقل السكان بخلاف دول الخليج يتمكن النتاج الثقافي من النمو الواسع، لكن الفكر النظري التحليلي الكاشف لمسارات التطور هو في حالةِ موت سريرية، والنماذج النادرة متأثرة بمناخ تشويه الأفكار الكبرى التقدمية.

وحين ينهار اليسار فكرياً وسياسياً ينهار الهيكل العظمي للوعي العميق، حيث أخذ هذا اليسار الشرقي على عاتقه أن يكون طليعة للعمال وحفار قبور للرأسمالية معاً، وهي مهمتان مستحيلتان في التاريخ القريب لأن كل مهمة ضد الأخرى.

إنها لغةُ محفوظاتٍ لم تعد قادرة على الفهم والتحليل، وأصبحت مشوشة أكثر فأكثر نظراً لفقدان البوصلة، وصارت التطورات غير مفهومة بالنسبة لها، وحالات الضياع هذه ستطلقُ لغةً ليبرالية إنتقائية مصلحية، أو لغة يساريةً إنتهازية.

إرتبطتْ الثقافةُ البحرينية بقوةٍ بالتيارات السياسية وربما بشكلٍ ميكانيكي مباشر، بسبب محدودية البناء الثقافي.

إرتبط تطور الوعي السياسي بالحقبِ الاجتماعية، فالوعي اليساري البحريني نشأ في ظلال تدفق منجزات الليبرالية البسيطة لهيئة الاتحاد الوطني، ولم تستطع هذه الاستمرار بأن تجذر المستويات الثقافية البسيطة التي نشأتْ معها وواصلتها هي.

منذ حراك الاربعينيات حتى الاستقلال إنتعشتْ الأفكارُ الليبرالية بدون جذورٍ عميقة، ونستطيع أن نقول بأنها ثمارُ أصحاب ومثقفي الوكالات التجارية، هؤلاء الذين كانوا بداية البرجوازية التي إبتعدتْ عن النتاج الفكري السياسي، وكان حريق الخمسينيات الناصري قد وضع حداً لتطورها نحو الليبرالية والديمقراطية.

وجاء اليسارُ السوفيتي واليسار الماوي وحركةُ القوميين العرب لترثَ بقايا الجمهور المتحمس للحركة الوطنية. اليسار هو العمود الفقري للمرحلة بسبب ما يمتلكه من منهجيةٍ فكريةٍ تحليلية للواقع والاقتراب من بعض جوانبه الموضوعية، التي تمثلت خاصة في التركيز على وحدة الشعب وتطوير حرياته، لكن الموقفَ تجاه الليبرالية والبرجوازية كان محدوداً.

إن السوفييت مصدري ومنتجي هذا الخط عالمياً لم يحققوا ديمقراطية، وبدت إرادة القوة لديهم هي الحل للتقدم، وكان هذا يمثل تدهوراً في أداة التحليل، ونتائجُها الواقعية وخيمةٌ على الصعيدين العالمي والبحريني.

لأنه ليس ثمة بديل عن الليبرالية كمحطةٍ رئيسيةٍ إفتتاحية طويلة الأمد لخلق كافةِ أشكال الوعي والتيارات الفكرية في العالم الثالث ومشروعات الدول الديمقراطية.

لكن المشروعَ السوفيتي تغلغلَّ في العالم الثالث بقوة، حيث ثمة تُربٌ لم تحرثْ لنضال ديمقراطي، وهي تربٌ قابلةٌ لكل أشكال الشموليات، فجاءت الشموليات ترثُ بعضها البعض.

أي أن كل الثقافات السوفيتية والناصرية والقومية كانت نتاجات دول شمولية قطعتْ تطورَ الديمقراطية في بلدانها، وأمكن لها في البحرين أن تتحرك خاصة فيما قبل الاستقلال، أي فيما قبل ظهور رأسمالية الدولة المحلية، لكنها لم تستطع أن تستمر بعد ذلك. فما كان لتلك التيارات أن تنشئ ثقافة ديمقراطية واسعة الانتشار.

فالوجودُ البريطاني أعطاها إمكانيةَ أن تكون مستوردةً للبضائع المادية لا الفكرية السياسية. وبعض الحريات والحضور الشعبي المدني كانت كافية لتخلق ثقافة ليبرالية ويسارية قبل ظهور رأسمالية الدولة المحلية وبعد ذلك شحبت هذه الإمكانية.

وبغض النظر عن هشاشة الثقافة في البحرين في تلك السنوات إلا أن القوانين الموضوعية للتطور الثقافي الاجتماعي متقاربة في البلدان العربية. فتجد إن إنهيارات الليبرالية واليسار مرتبطة بصعود رأسماليات دولة شمولية في كل بلد، وهي ذاتها المنعشة لوعي الطوائف المُسيّس.

كانت القصص والقصائد والمقالات النقدية والسياسية البحرينية بسيطة، وركزت على موضوعات إجتماعية جزئية، وتراكمت المحاولات حتى غدت في السبعينيات وما بعده تحولات نوعية.

لكن المسارين المعبرين عن التناقض في الوعي اليساري كانا حصيلة البناء الداخلي المضطرب، فاتجاهُ تطوير الحريات والسلام والنمو العقلاني الذي مثلهُ اليسارُ(السوفيتي)، وإتجاه اليسار الماوي الداعي للعنف وحرق المراحل وتصفية البرجوازية، لم يُقابل بعمق في الأطروحات المقابلة للتخلي بشكلٍ عميق عن الشمولية والمركزية السوفيتية، ودعم الليبرالية ودعم البرجوازية الوطنية.

في الثقافة كان الأمر في الاتجاه الأول يؤدي لخلق تراكمات في الآداب والفنون والفكر، والاهتمام بقوانين الأنواع الأدبية والفنية والفكرية والاشتغال عليها، وهذا كان له تطورات في الأدب الواقعي، فيما الاتجاه الآخر عمل على الأدب الحداثي التجريبي ورفض القوانين الموضوعية في الحياة السياسية وأشكال الوعي. فالسياسة تغدو إنفجاراً، والكتابة تصير هذياناً، وتيارات العنف هي البوصلة، وبالتالي فإن التيارين ومساهماتهما كانت بسيطة لمقاربة الديمقراطية والليبرالية وقوت النقد الشعبي الحاد غالباً.

كانت هزيمةُ الليبرالية هي هزيمةُ الديمقراطية وتطورها في البحرين وفي الشرق عامة، فلقد كان توسعُ الرأسماليةِ يتمُّ بأشكالٍ شمولية، ولا تنفتحُ الطرقُ لظهورِ برجوازيات حرة تلعب الدور الأساسي في الاقتصاد، وبالتالي فإن إنعكاسات ذلك قويةٌ على الوعي والثقافة خاصة.

الرؤى السوفيتية والماويةُ كقائدتين للنضالات الاجتماعية عبّرَ خلافُهما عن صراعٍ قومي، فتكشف طابعاهما الرأسماليان الشموليان، وبهذا لم يستطع تيارا اليسار الأساسيان البحرينيان أن يتوحدا أو ينقدا نفسيهما ويتحررا من القيود التي تكبلهما. المعارك والضربات وغياب الرؤية البعيدة هدمت القوى البسيطة التي تشكلتْ عبرَ عقودٍ صعبة ضارية.

على مستوى الثقافة تطورتْ الواقعيةُ في ميدانِ القصةِ القصيرة والرواية والمسرح، وتنامتْ التجريبيةُ الأدبية خاصة في مجال القصيدة والقصة القصيرة لحيزهما المكثفين القابلين للتجارب ولتداخل السرد بالغنائية، وغدا المسرح غنياً بتجارب مختلفة في ميادين العروض الواقعية والتاريخية والتجريبية، وبرز النقد في عرض التجارب الإبداعية وكشف المسارات القريبة من تأثيرات الواقع، لكنه لم يستمر في تعميق إكتشافه لنمو الأنواع الأدبية والفنية.

حين نرى تداخل الثقافة بالتيارات السياسية الاجتماعية نجد إن التيارين السياسيين البارزين اللذين وهنت قوتهما الاجتماعية، لم يؤثر إنحسارهما على الثقافة التي راحت تستقلُ عن الميدان الاجتماعي السياسي المباشر، وبدأت الأنواعُ المختلفةُ تأخذُ إستقلالَها النسبي.

لكن زخم الحركة الاجتماعية السياسية كان له تأثيره البعيد المدى، خاصةً في إبتعاد بعض التجارب عن خطوطها الأولى وعدم تعميق التجربة ورفد الأجيال الجديدة بمكتسابتها الليبرالية والديمقراطية وتطويرها مع تحولات البنية الاجتماعية وإنقلاب العلاقات فيها.

فالتطور التحديثي الموعود بزخمه الليبرالي العقلاني لم يحدث، وتدهور وضع الحركات الاجتماعية من الناحية الفكرية وعادَ المجتمعُ للوراء في عقليته السياسية، وكانت تبعية(اليسار) للحركات المذهبية السياسية التي إستثمرتْ عمليةَ الانهيار الفكري السياسي في أشكالٍ خطيرة من المغامرات المكلفة على الناس أدت إلى إضطراباتٍ عميقةٍ لم يتم الخروج منها لحد الآن.

لقد بيّن ذلك هشاشة الوعي الذي أعتمد على القفزات لا على النمو الليبرالي الديمقراطي المتدرج، بحيث غدت الجملُ الصاخبة وغياب تجميع القوى التحديثية بديلاً عن التحليلات المعمقة وتأصيل التحررية، ولم تحصل الثقافة هنا على دعم من اليسار الذائب في العفوية والمنفعية ولا على إهتمام من الجمهور السياسي المذهبي المتصاعد الحضور في الحياة الاجتماعية، ولا على مساندة الأجهزة الحكومية.

لقد عادت المقاييسُ القديمةُ للثقافة لما قبل فترة حركة الهيئة، أي للقصة العائلية الساذجة، ولمسرح منوعات التسلية، وتنامى الأدب خاصة في الريف الذي يضجُ بأزمته غير المحلولة ودون أن تتمكن التجارب من إضافة تحول مهم للثقافة الأدبية.

كما فت في عضد الثقافة المشكلات النوعية في الثقافة نفسها، من عولمة هائلة تغلغلت في كل مكان تقود لمزيد من التسطيح ومن عدم الاستفادة من أهميتها الهائلة، وتفاقمت النخبوية وضعف تنامي الواقعية وغياب تحولها لتيار مؤثر في مجتمع تآكلت فيه ثقافته الوطنية ومستويات القراءة.

من الناحية السياسية الاجتماعية قادت العودة للمذهبية السياسية وقد تغلغلت فيها تأثيراتُ المرجعيات الدينية الإقليمية إلى إنتشار الفسيفساء والفرديات الجامحة وتنامي أشكال ما قبل الحداثة، ولهذا فإن إنجازات هيئات جديدة مثل البرلمان لم تتغلغل في الحياة، وتغدو الحلول مرتبطة بطابع الرأسمالية المحلية والخليجية العربية التي يغيبُ عنها الإنتاجُ الوطني الواسع، المؤسس للعقلانية وتماسك وتطور الجمهور.

لهذا فإن عودة ثقافة العنف والإلغاء غدت موروثاً لبعض الحركات السياسية المذهبية، مع عجز رأسماليات شمولية مناطقية متعددة عن العودة للمسار الليبرالي الديمقراطي المنتج الوطني، وهذا جانبٌ مركبٌ يحتاج كذلك لمتابعة القراءة.

الديمقراطيةُ والامتيازاتُ

       الديمقراطيةُ هي تكوينُ سوق بدون عوائق إجتماعية، لكن تطورها يصطدمُ بالامتيازات الاجتماعية، في مختلفِ المستويات وعند كلِ الفئات والطبقات.

رغم أن الأسواقَ تشكلُ هي نفسها إنقساماتٍ حادةً وتباينات بين مختلف السكان.

لقد أوضحت الثوراتُ العربية ضخامةَ الرساميل المُهَّدرة والمغيّبة عن الأسواق الوطنية والمُهربة، بشكل غير قانوني فهي مُنتزّعة من الرساميل الحكومية الخفية، وتحتاج هذه الدول لسنوات عدة من أجل إسترجاعها إذا إستطاعت!

تشكلت هذه الرساميلُ الجانبية الضخمة من خلال قنواتٍ اعتمدت على إمتيازات إجتماعية وسياسية، وتغيير طبيعة المشروعات الوطنية وإستغلالها والقيام بمشروعات غير ذات قيمة كبيرة للبناء الاقتصادي الاجتماعي لكن أصحاب الامتيازات يستفيدون منها، أو التركيز على جوانب من التطور أصبحت غير مفيدة لكل البناء الاقتصادي لكنها تعكس مصالح لرجال الأعمال والسياسة.

فهناك إمتيازات أعطيت لقوى سياسية أدت إلى نقص في الرأسمال الوطني العام، كما كان يفعل النبلاء من إحتكار الأراضي الزراعية أو الأرض بشكل عام كرأسمال وطني يتصرفون به بشكل مخالف للتنمية العامة.

إزاحةُ النبالة الكاملة أو نصف النبالة كما في العالم الثالث، حيث الحكم والأرض في تداخلات معينة، توجهُ السوقَ لحرية رأس المال، وحتى الآن لم تستطع أغلبيةُ دول العالم الثالث تحقيق ذلك حيث تغيب عملية تداول السلطة. أن عملية تداول السلطة تتيح عدم قدرة المسئولين على البقاء مالكين ويتحولون فقط لإداريين مسئولين لمددٍ محددة، ويتم جرد هذه الأملاك العامة في أثناء وجودهم وبعده ورؤية حسابها ومدى دخوله السوق الوطنية.

البقاء الثابت للوزراء ومديري الشركات العامة يجعلهم مثل ملاك الشركات الخاصة.

دوران رأس المال العام هذا يجعل العملية الديمقراطية تبدأ، وتتوجه لدراسة السوق ورؤية مشكلاته وكيفية النهوض بقواه المنتجة، وكيف تتوزعُ أنصبةُ رأس المال العام هذا، بدون تسييس لصالح الوزارات والموظفين. وتحدث هنا توجهاتٌ إقتصادية سياسية تعكس توجهات الرساميل والقوى الاجتماعية المؤيدة لها.

مشاركة القوى الاجتماعية في العملية السياسية ودخولها البرلمان أو عدم دخوله، الهدف منها تخطيط وتحريك رأس المال العام في القطاعات المطلوبة شعبياً، وهي القادرة على خلق وظائف واسعة وجديدة، فنجد أن الشركات العامة المتوجهة للمواد الخام وإستخدام العمال الأجنبية بكثافة تتناقض مع الخطة المفترضة في تشغيل قطاعات واسعة من المواطنين.

على مستوى التمثيل البرلماني تتحق أهداف التطور المصاحبة، فالقوى المالكة أو الدينية أو التي لا تمتلك خبرة في فهم الاقتصاد والبناء الاجتماعي والسياسة، لا تستطيع أن تفعل شيئاً واسعاً لناخبيها، فتهتم بسطوح الظاهرات والأسئلة والانتقادات الهامشية، لا أن تعالج رأس المال الوطني العام من كل جوانبه وتتغلغل في تفاصيله وتوجهه فهذا هو عمل الحكومات والبرلمانات في النظام الديمقراطي.

أصبحت التيارات الجديدة في البلدان الثائرة تركز على هذه العملية، وتريدُ كنسَ الأرضَ السياسية الاجتماعية من الإمتيازات، والتحكم في توزيع رأس المال حسب قدرته على خلق الوظائف المنتجة، لكل من الرجال والنساء، وأن تتوسع الشبيبة داخل هذه المؤسسات، وأن تكون على مستوى أقاليم البلد بحيث لا تتكون جهات وفئات مستأثرة بالتنمية.

نحن في بدايات العملية السياسية الاقتصادية الحرة في بعض البلدان، وقوى المال والرساميل غير الانتاجية لها النصيب الأكبر، وسوف توجه الخطط التنموية لصالحها مع غياب ممثلي القوى العمالية والرأسمالية الصناعية خاصة.

تتضح الآن في النتائج الانتخابية الأولى بروز جناحي الرأسماليتين حيث الرأسمالية غير الانتاجية والفئات السياسية الإيديولوجية مع نتائج أقل للرأسمالية الصناعية، مما يدل غلبة إستمرار البناء الاقتصادي(الطفيلي) السابق نفسه.

الجناحان الفائزان يعبران مع ذلك عن التوجه لرفض الامتيازات الاقتصادية العامة للقوى السياسية الحكومية، وهذا شيء طبيعي في وعي ديني محافظ ركز على الاختلاف مع الدول، وليس على تغيير البناء الاجتماعي الذكوري المسيطر وكرس إمتيازات الذكور.

الجناح الديني بمستوييه الأخواني والسلفي بتركيزهما الصراع ضد الدول ومع إمتيازات الذكور، والجناح الليبرالي الذي يرفض إمتيازات الدول والذكور معاً، يعكسان مستويات الرأسمالية الخاصة في الدول العربية الثائرة المنتصرة، وجناحيها المالي والصناعي، حيث لا يهتم الجناح الأول بشكل أساسي بإدخال النساء والشباب في الصناعة بإعتبارها قضية التحول الرئيسية، فيما تهتم الرساميل الصناعية بذلك من أجل توسع الأسواق وإنخفاض الأجور وكان لا بد من الشريك الثالث وهو اليسار الغائب من أجل إكمال العملية النضالية المشتركة لتغيير هذه البلدان وعالم العرب عامة.

إن تحويل قضايا التحول لمسائل دستورية دينية وإيديولوجية سوف يعكس الوقوف عند المستوى الراهن من التطور حتى يعي الجمهور أهمية إستمرار التغيير.

إن هذه التوجهات البرجوازية الدينية المنتصرة برلمانياً هي نتاجُ هذه الرساميل وقوى السكان التي كونت العلاقات معها واستفادت منها، والعملياتُ البرلمانيةُ الحرة سوف تحول هذ الرساميل نحو تطوير حياة كل السكان وتوعيهم وتطرح أمامهم خيارات مستقبلية جديدة للمزيد من تحويل مجتمعاتهم بإتجاه الازدهار المعيشي كما يُفترض.

نهضةٌ والثقافةُ الديمقراطيةُ المطلوبة

     تتدفق النتاجات الثقافية والفكرية بصورة كبيرة ورقياً في بعض دول الخليج خاصة الكبيرة منها ذات الأعداد السكانية الكبيرة مرتكزة أساساً على جهود الفئات الوسطى الشبابية غالباً، وهي عملية غدت مؤثرة في الإعلام ولكنها بعيدة عن حياة السكان، والدخول إلى عوالمهم العقلية النائية الغارقة في الصراعات المذهبية والعوالم المحافظة المنفصلة عن العصر.

هناك ثروات وتحولات إقتصادية كبيرة غير مسبوقة عربياً، لكن العالم الفكري الثقافي السياسي هش، فلن نستطيع أن نجد شخصية كطه حسين خاصة في بداياته العقلانية الصراعية المفجرة للقضايا والمستقطبة للاهتمام والفعل، على بساطة العيش المصري في ذلك الحين.

التسطيح والتضخم الشخصي وإفتعال المعارك المتجهة لإبراز قضايا جنسية وطائفية وهشاشة الانتاج غير القادر على الغوص في الظاهرات الاجتماعية والسياسية العميقة.

وحين يتم (تفجير) قضايا تغدو قضايا فكرية مجردة، تتركز غالباً على الجنس والتعميمات الفكرية غير المحللة للواقع في الجزيرة العربية ودرجة تطوره المختلفة عن بقية البلدان العربية خاصة في التطور الاجتماعي السياسي وضخامة المعوقات فيه.

سنجدُ بعضَ الشباب الخلاق خاصة في المملكة العربية السعودية ينتج الكثير من الإبداعات، لكن أغلبها مسطح، يهدف لبروز الكاتب أكثر من تحليل قضايا معينة، أو متابعة تطور منطقة، ودعْ عنك مسائلَ تحليل تطور شعب أو رؤية تطور ديانة.

الذاتياتُ تهيمنُ على المنتجين، المنتجُ مشغولٌ بتسويق نفسه، يبحثُ عن قضايا مثيرة صاخبة يفجرها ويلفت النظر لذاته، فنظراً لحشود الباحثين عن الشهرة المتزاحمين على الوقوف في الصفوف الأولى، فإن الكثيرين يعملون لاختراق الصفوف، وفي سبيل هذا الهدف مستعد للقيام بأفعال أخرى لا تمت لأخلاقية الأدب والثقافة والمسئولية.

وقدرة هؤلاء المنتجين على الدفع والعطاء المادي أكثر من العطاء الثقافي، تدفعهم للتداخل مع المحطات الفضائية والمراكز الإعلامية والسفارات الأجنبية وتسويق أنفسهم وإقامة علاقات نفعية إستغلالية لهذه الأطراف، وغالباً لا توجد قضايا مهمة من هذا التسويق، والنتاج الذي يحصل على جوائز وتتفجر حوله المقابلات والندوات هو نتاج فقير ضحل!

مركزيةُ الذواتِ المتضخمة هي نتاجُ ذواتٍ فرديةٍ حادة المزاج، ضعيفةِ الإنتاج، غيرِ قادرةٍ على خلق التراكم الفكري السياسي، الذي يتطلب صبراً طويلاً وحفراً عميقاً في طبقات المجتمع وطبقات الوعي المعرفية فيه.

فالقافز هنا لا يرى خيوطاً عميقة في الواقع، وسكاناً يعانون ويبحثون عن سبل التطور، وضرورة أن يكون إنتاجه مؤثراً في هذه العملية الوطنية التي أعطته الوجود وغذته بالحياة الفكرية، بل لقد إنفصل عنها وغدا ذاتاً أكبر منها، في حين أن القوى الاجتماعية المختلفة تبحث عن ديمقراطية بينها وتوافقات وطنية، وثقافة تؤسس لهذا وعن تنوير يعضدُ المشتركَ ويوسع دوائر الحلول للمشكلات، بحيث لا يتافجئ التطور بإخفاقات رهيبة، ومنعطفات مأساوية.

ومن هنا تجد المتضخم وهو كامن داخل قوقعته الخاصة ينتهزُ الفرصةَ للقفز مع جماعةٍ من طائفته إذا قررتْ فجأة المغامرةَ بالوطن وإعطاء هذا الكائن دفعةً أخرى من التضخم الذاتي، أو مع جماعته غير المعترفة بالمشكلات الحقيقية والتي تدفن رؤوسها في رمال المصالح الخاصة.

الغشُ الأدبي الفكري لا ينفصل عن الغش التجاري والغش السياسي، فالراكضون وراء الشهرة وتسويق بضائعهم الثقافية المغشوشة، يعملون في مجتمعات لم تتشكل فيها قوانين الفردية العقلانية المنتجة، ولم تأسسْ ديمقراطية الطبقات بعدُ، بل تعيشُ على صراع الطوائف، والواجب الوطني الإسلامي الإنساني الذي يحتمُّ عليه خلق ذلك أو المساهمة فيه بقدرته، لا يأبه به، بل يسعى للاستفادة منه، أما بالجري وراء قضايا التسطيح والعفوية والإثارة، وأما بإستغلال الغرائز الطائفية والكمون داخلها، ومشاركة القوى الداخلية المتخلفة والقوى الأجنبية المساهمة المُمزِقة، في غنائم المرحلة الطائفية.

هذا بطبيعة الحال يعود للغش التجاري الاقتصادي، وهو حال عامة لها علاقة وثيقة بهلامية الطبقات ومحافظة الطوائف، وغياب الطبقة الوسطى والطبقة العاملة، وغياب البرامج التصنيعية، على المستويين الاقتصادي والعقلي، فيظهر نثارٌ كثيفٌ من الأفرادِ والفئات يدورُ في جاذبيةِ عالمِ الذواتِ المتضخمة على صعيد الهياكل السياسية والاقتصادية.

من هنا يتطلبُ من النتاج الفكري الثقافي السياسي تعزيز المشتركات الوطنية والدينية والإنسانية وتعميق العقلانية والمصالح العامة مع تقدير القدرات الفردية المبدعة ونتاجاتها في كل مجال بدون تضخيم أو تقزيم، بل عبر العروض والدراسات الموضوعية والجوائز غير المؤدلجة وغير المسيسة.

وفي مثل هذه الأجواء الصحية المفترضة التي تتشكل بإرادات فاعلة ولا تظهر عفوياً، تصعد الشخصياتُ الخلاقة فعلاً أما المتسلقة فتتساقط لما تسببه من مشكلات للناس وللتطور ولأنفسها.

الديمقراطية نمو من جهتين

     مع غياب الطبقة الوسطى من مجتمعات عربية مثل العراق والبحرين وبعض أقطار الجزيرة العربية تصبح الديمقراطية صعبة أو غير ممكنة.

شكلت الطبقة الوسطى وجودها بصعوبة في بعض الدول العربية، وحتى الآن لم يعرف حجمها وتكويناتها، أي مدى حجم الرأسمال الصناعي فيها، ومستوى مؤسساتها العلمية وقدرتها على فهم الإنتاج وتطويره، حتى الآن هي في بعض الدول العربية فئات مهمة تتقارب لتصعيد أو ربما لتقزيم الرأسمال الصناعي، وهذا يعود لمستوى وعي تنظيماتها السياسية، مدى فهمها لتطور الإنتاج الصناعي- العلمي في إعادة تغيير البناء الاجتماعي الاقتصادي التقليدي بموصفات الحداثة.

تلك الدول خلقت تراكمات على مستويات عدة، في حين أن الدول في الجزيرة العربية بعيدة عن ذلك.

إن الدول لا تستطيع أن تخلق وتؤسس ديمقراطية، بل تخلقها الطبقة الوسطى الحرة، يخلقها رجالُ ونساءُ الأعمال وهم مؤسسو المصانع والشركات الذين يربحون من دخول مؤسساتهم، وبالتالي لا يخشون شيئاً سواء كانوا داخل أو خارج الحكم.

يدخلون الحكمَ لتغيير أحوال طبقتهم وزيادة ثرائها مع خدمة بقية الطبقات وزيادة أجورها وتحسين أحوالها في عملية تطوير إنتاج ضرورية لكل المواطنين.

الشفافية والعقلانية والحداثة هي جزءٌ من تكوين طبقتهم، وتغيير أشكال الإنتاج القديمة هي من مهماتهم الاقتصادية الاجتماعية.

تساعدُهم وتصارعُهم الطبقاتُ العاملة، وهذه حتى حين تشارك في الحكم تدخلُ تعديلات وتطورات على النظام الرأسمالي من موقعِ مصالحِها ومن موقع تطوير البنية الاجتماعية ككل.

وبدون هذه السياقات يَصُعب الحديث عن الديمقراطية.

ونحن في الجزيرة العربية خاصة علينا أن نقدم العتبات الأولى لظهور هذه البنية الاجتماعية.

حيث تتخفف الدولُ من تشييدِ المصانع والمؤسسات الاقتصادية التي تُصمم بطرقٍ بيروقراطيةٍ دون أشكال ديمقراطية، ودون دراية بطبيعة النظام الاقتصادي وكيفية تطوره العقلاني وقدرته على خلق تطورات إقتصادية وجذب العمال العاطلين المواطنين والشرائح المهمشة وتطوير الحرف والأعمال الشعبية.

ولا يحدث ذلك من الفضاء بل من تحرك الفئات الوسطى نحو الإنتاج والأسواق شبه المحتكرة الآن للدول، وبالتالي فإن الأجهزة الحكومية الراهنة وهي المهيمنة على الاقتصاد والحياة الاجتماعية لا تستطيع خلق ديمقراطية، يُفترض فيها وجود إقتصاديات حرة وتداول للسلطات.

الديمقراطية تخلق في قرون، ولكن هذا لا يعني عدم خلق البذور الراهنة والمقدمات الاقتصادية والسياسية والفكرية.

الهيئات الحكومية والجماعات السياسية الأهلية شمولية، تعيشُ في عالم الحرب الباردة وآثارها، وفي الرأسماليات الحكومية الشرقية وأفكارها، وهي بعد لم تقتنع في أعماقها السياسية، وفي هياكل عظامها بالديمقراطية.

أهم سمتان الديمقراطية هما العلمانية وتبادل الحكم، وهما سمتان يصعب القيام بهما في المنطقة. لكن هل نقف دون أن نتقدم نحوهما؟

تطبيق العلمانية يعني عدم إستعمال الدول والمنظمات السياسية للدين ومنتجاته في الحكم والعمل السياسي، ودون ذلك لا تتحقق الديمقراطية.

محاولات القفز والمناورات والإختراقات على ذلك بدون فائدة، لكن هذه لا تستطيع أن تفعلها الدول والجماعات الأهلية السياسية، ولا توجد فئات وسطى قوية تنشر ذلك!

صعوبةُ الديمقراطية في الخليج

     تغيبُ أغلبُ سماتِ الديمقراطية وجذورها الاقتصادية والسياسية في منطقة الجزيرة العربية والخليج، فتغدو المحاولات الديمقراطية بذوراً لمستقبل أكثر منها ظاهرات متجذرة في الحياة العامة.

غيابُ الطبقات الوسطى يمثلُ أكبر هذه الصعوبات، فقد التهمتْ رأسمالياتُ الدول أغلبَ الموارد، ولم تسمح بظهور طبقات وسطى في مجال الصناعة خاصة. وظهور الفئات الوسطى في مجال التجارة والخدمات يؤسسُ حراكاً مالياً أغلبهُ يصبُ في الخارج بتحرك الرساميل أو بإستخدام قوى عمالية أجنبية.

وهو أمرٌ إنعكس على إنتاج الوعي العقلاني حيث تحجم كثيراً، فظهرت فئاتُ الموظفين غير القادرة على تشكيل وعي تحليلي نقدي للظاهرات الاجتماعية والفكرية، وإتخاذ مواقف مستقلة، وإنشاء تيارات سياسية ديمقراطية.

حين نقارن الوفد بهيئة الاتحاد الوطني نرى جذوراً ترسختْ في الأول رغم البتر، لكن هيئة الاتحاد لم تترك أي شيء سوى الذكريات الوامضة، ونجد القوى السياسية الكويتية التي هي أكثر بقاءً ورسوخاً وإنتاجاً لفئاتٍ وسطى قريبة من التحرر المستقل لكنها غدتْ بدوية أو طائفية ومن خلال تكوينات محدودة كذلك، فيما الناس تعيشُ في البذخ المُضيِّع للثروة والديمقراطية.

برز التكوينان الحكومي أو المعارض الشيعي السياسي في البلدان المؤهلة لمقاربة الديمقراطية، وكلاهما متصلب في مواقفه الاقتصادية والاجتماعية، فالمواقف الحكومية لا تعترف بكلية الديمقراطية العالمية، وتريد بعض القسمات على أساس أوضاع الخليج كما تقول، وأن الدول الصغيرة في الخليج كالكويت والبحرين لا تقدران على مواجهة حراك الجماعات الشيعية السياسية مع وجود الحاضنة الإيرانية على مرمى حجر.

والإصلاح المتدرج المراعي لأوضاع الصراع في الخليج مع وجود مغامرات النظام الإيراني مهم ولكن على أن يحدث هذا الإصلاح الذي لا يعتمد على توزيع المال بل على قوانين الإنتاج، وهو أمر بعيدٌ عسير.

فندخل عبر هذا في حلقة مفرغة، فلا الجماعات الشعبية قادرة على التطور الديمقراطي ولا الأجهزة الحاكمة ترتقي بممارساتها نحو ذلك.

الجماعاتُ الشيعيةُ السياسيةُ بدورِها تشتغلُ على أوضاعِ بعض العامة المأزومة من تاريخِها الاجتماعي الخاص كقوى ريفية تخلفتْ على مدى عقود، وظهرتْ على سطح الحياة السياسية بدون صبر سياسي أو بناء ديمقراطي إصلاحي داخلي من قبل هذه الجماعات.

القوى السياسية الرسمية تحاول أن تصلح فيما هو متاح لها، لكن بأدواتِ ما قبل الديمقراطية التحديثية العلمانية التبادلية، وهي أدواتٌ لا تنتجُ ديمقراطيةً وهي التي تعتمدُ على طبقات وسطى تحديثية تخلق الاستقرار والحداثة وهي غير موجودة، فلا تستطيع هذه الأدوات المحدودة أن توجه المال العام بأشكالٍ فاعلةٍ مغيرةٍ للأوضاع وللاختلالات في البُنى الاقتصادية- الاجتماعية، وأن تعدلَ أحوال السكان بأشكالٍ جذرية تتناسب مع قوانين الاقتصاد.

في الكويت تعطي السيولةُ النقديةُ الكبيرة إمكانيةً لذلك، ولكن في غيرها لا يحدث مثل هذا الأمر. ولكن البذخَ ليس وسيلةً بعيدةَ المدى للتحول الديمقراطي فله مضارهُ الكبيرة وتغييبه للإنتاج وهو عماد تكون الطبقة الوسطى الحاضن الأكبر للديمقراطية.

إذن هنا إشكاليات التشكيلات الماقبل الرأسمالية الحرة، والتي ترفدها القبائلُ والطوائف، فتتنازعُ فيما بينها، وتغدو أشكالُ الوعي معتمدةً على الحراك الاجتماعي الطائفي، وعلى أجهزة الدول الغامضة في ميزانياتها وحراكها الاقتصادي الاجتماعي.

إذن نحن بحاجة لتطورات عميقة في كل المنطقة الخليجية –الإيرانية، بأن تتطور المجتمعات والدول لمستوى التحديث، وأن تتشكل رأسماليات حرة وتتوجه الرساميل نحو الإنتاج، وإعادة بناء القوى العمالية لمستوى العصر، وهذا لا يمنع من تكوين بوادر وقواعد للديمقراطية وتجميع القوى التحديثية والدول التي تنزعُ أرديتَها الدينية السياسية وتتحول إلى قوى سياسية وطنية محضة، وتتعاون لبناء هذه القواعد.

وفي العمل السياسي نحن بين قوى مستعجلة وبين قوى جامدة بطيئة، بين قوى تريد أن تقفز وتدخلنا في مغامرات، وبين قوى لا تريد أي تغيير، أو تغير الأشياء السطحية، والأختيار صعب، ودقيق، لكن القوى السياسية الوطنية المتصاعدة المتشكلة بشكل ديمقراطي بطيء، لا بد أن تأخذ الجوانب العامة الكلية هذه بعين الإعتبار، وتغير وتنتج الجديد ممهدة لتحولات أكبر في المستقبل.

هجومٌ مشتركٌ على الغرب الديمقراطي

      في العديد من الدول العربية والعالمية قامت الفئات الوسطى الصغيرة بإزاحة الطبقات الوسطى، ملاك المصانع وغيرهم، وقادت هي العملية التحولية.

سواء أكان هؤلاء ضباطاً أم أحزاباً أم حتى قوى سرية ومنظمات جديدة. ففي البحرين وجدنا هيئة الاتحاد الوطني كمنظمة توحيدية تنويرية وطنية بازغة تُضرب من جهاتٍ عدة وتُزاح عن لعبِ دورٍ توحيدي لطبقة وسطى ديمقراطية.

كان العالمُ الثالثُ أمام هجوم غربي سياسي – اقتصادي نهم للثروات والأسواق، وطبقاته الاجتماعية غير متبلورة وفيها تداخل شديد.

ففي الكثير من هذه الدول قادتْ فئاتٌ من البرجوازية الصغيرة التغييرَ السياسي الاجتماعي، عبر نشوء القطاعات العامة التي كان فيها قطاع الثقافة يلعبُ دوراً كبيراً في نشر القيم العقلانية والوطنية، فكان قطاعُ الثقافةِ المصري على سبيل المثال يكادُ أن يكون مختلفاً عن الفساد الجاري في القطاع العام، رغم أنه لم يفلت من خيوطه الممسكة به. لقد كانت الإبداعاتُ للمؤلفين والمسرحيات المعروضة وسلاسل كتب الموسوعية والمترجمة تضخُ ثقافةً إنسانية رفيعة، وعبر هذه الثقافة التحديثية المرتكزة على نضالِ الغربِ الديمقراطي أمكن للدول العسكرية البيروقراطية أن تبقى وأن تظهرَ بشكلٍ حداثي، ولم يكن الاتحاد السوفيتي كقوةِ التغيير العالمية الجبارة في ذلك الحين سوى ارتكاز على أهم نظرة تحديثية مُنتجة غربياً في العالم المعاصر وهي الماركسية، وصارت أداةً له لكي يشق طريقَهُ نحو التصنيع والتحديث، لكن من خلال بيروقراطيتهِ الشموليةِ التي سوّستْ تلك الفكرة، لكن الاتحاد السوفيتي لعبَ دوراً كبيراً في نشر الثقافة الإنسانية الديمقراطية كالأدب الروسي وكلاسيكيات الماركسية والآثار الغربية الديمقراطية عامة.

لكن العديد من الأنظمة العربية الشمولية العسكرية والتقليدية في عمليات تحللها الداخلي، وتفاقم الفساد فيها، إضافة لدور الغرب الاستعماري، وجدتْ في ثقافةِ التخلف الدينية والرجوع البائس التبعي للوراء مادةً يمكنُ بها فرملةَ اندفاع الجمهور للمزيد من الإصلاحات في أوضاعهِ المعيشية ورغبته في المزيد من التغييرات ولعرقلة فهمه لثقافة الغرب الديمقراطية التي تلهبُ ظهرَ كراسيها. كما أن انتقالَ مركز الثروة من مصر وسوريا إلى الجزيرة العربية والعراق وإيران، وضعَ حداً لتنامي ثقافة التنوير والديمقراطية والتوحيد. وهنا تداخلتْ الثقافةُ الصحراوية الرافضة للآخر مع الفاشياتِ المنوعة القومية سواءً أكانت من مصدر عربي أم فارسي أم كردي أم تركي.

فقامت القوى الدينيةُ المسيَّسةُ الجديدة بنشرِ أفكار التفكك بين المواطنين في كل بلد، وإلغاء نموذج الحداثة الغربي الديمقراطي متضافرةً مع العسكر في المنطقة والسوفيت والدول المحافظة، كل من موقعهِ، ونجحتْ إلى حدٍ كبير في ذلك، خاصة في زمن السبعينيات التي غدتْ فترة الخصب الثقافي الطائفي المؤسِّس لكل الجراثيم الفياضة، عبر وسائل اجتماعية وتقنية جديدة. وكان الهجومُ على الحرم المكي وحرب إفغانستان البشائر السوداء للمرحلة التالية.

لقد جرت في هذه الثقافة عملياتُ الإعادة إلى الماضي، والتركيز في عهد السلف والصحابة، بغرض رفع تلك العباءة المقدسة والمشي بها نحو عقول المواطنين والاستيلاء عليها واستثمارها في العمليات السياسية والاقتصادية والثقافية، لكن هذه العباءة صارتْ عدة عباءات، فاستعيدت عملياتُ الصراع بين الصحابة والسلف والحروب التي جرت بينهم والاختلافات المفككة لوحدة المسلمين وتمت العودة بلغة عامية سطحية تمثل انهيار الوعي الراهن، ولم تتم دراسة من خلال أدوات موضوعية تنويرية توحيدية. فوجدنا في نهايات هذه العودة المتدحرجة أشكالاً من الكاريكاتير سواء عبر استعادة الديكورات الملابسية والمسرحية للزمن المقدس، والنصوصية الجامدة المُنتزعة من اهرام من الكتب والحيثيات، أو عبر استعادة الشقاقات، إلى أن وصلنا إلى مستنقعات الشتائم والاستهانة ببعض الرموز التاريخية المؤسِّسة للتحديث العربي الإسلامي، وكذلك تحقير الأمم والشعوب الإسلامية بعضها لبعض، وغير هذا كثير متلاطم فوق الرؤوس، وهذه الثقافة الرديئة كلها قامت بعزل الأمم الإسلامية عن تيارات الحداثة والديمقراطية والعدل الاجتماعي الغربية المؤسِّسة للنهضة الديمقراطية العالمية. فاستعيدت أنظمةٌ وحركات استبدادية دموية، فارقتها الإنسانية، لكنها مشت فوق الأجساد العربية بالحديد والنوكانت الحكومات تواجه مشروعات التغيير على أساس عامٍ عامي، سواء بالعودة إليها كما جرى ذلك في مصر بعد قرارات تفكيك القطاع العام وبيعه، أو بسبب القمع الشديد للقوى السياسية التحديثية فلم تجد الشعوب سوى المراكز الدينية تلوذُ بها، وقامت عناصرُ اليسارِ الانتهازي بالترويج لهذا التضليل والتراجع عن البوصلات النظرية وتأييد بعض الأنظمة الدكتاتورية العربية والعالمية.

كانت هذه المراكز موجودة من قبل وربما كثرت عمليات إنشائها، لكن الجديد هو التسييس وتحويل المراكز العبادية لقوى تجمع حزبية ودمجها بقطاعات جماهيرية مأزومة في معيشتها وتجثم عند مستويات أمية أو شعارية سياسية محدودة الرؤية لتعقيد التاريخ والواقع، وتوصيل ثقافة التخريف والعداء واللاعقلانية لها.

كانت النظراتُ الأساسيةُ للقوى السياسيةِ الاجتماعيةِ في بعضِ الدولِ من العالم الثالث هي اعتمادُ النظرات الجزئية والذاتية وفصلها عن مساراتِ التاريخ العميقة وغياب اكتشاف قوانينه، فالغربُ في هذه النظرات كائنٌ شريرٌ استعماري، يجب النأي عنه. هذه النظراتُ تجسدتْ لدى الجماعات الدينية المتطرفة واليسارية المتطرفة كذلك، وأُلغيتْ النظراتُ المحللةُ لمساراتِ الغرب ورؤية تناقضاته، واستثمرتْ ممارساتُ الدولِ الغربية المضادةِ للمضامين الديمقراطية للغربِ نفسه، التي كانت تلك الممارسات مزدهرة بظلم الشعوب والتغلغل في حياتها ورفض استقلالها، فلم يكن ثمة فصل بين طبقات مهيمِنة وطبقات مُهيمَن عليها، حيث يسقط الشرقي الشمولي عادةً استبداديته ونظرته الثابتة اللاتاريخية على القوى المغايرة له.

إن النظرات التجزيئية للقوى الشرقية السائدة متقاربة حيث تقوم الذاتُ الشرقيةُ وهي ممثلةُ الأنظمة المطلقة والدينية و(الاشتراكية) الاستبدادية بطرح نفسها كأساسٍ للتاريخِ والوجود الإنساني، فهي بدؤه ونهايته، أما الغرب وديمقراطيته وإعادة تغييره للوجود البشري المعتم فهو خللٌ في التاريخ، وكانت كلٌ من هذه الأنظمة والرؤى يرى نفسَهُ بؤرةَ الكونِ وأساسَ المصيرِ القادم، وعبر أدوات وعيها، سواء بكون الدين الفلاني هو أساسُ البشريةِ ونهاية مطافها الفكري الاجتماعي، أم بكون الاشتراكية – الرأسمالية الحكومية التي فرضتها هي الموصلةُ لتوحيد الإنسانية وإلغاء كل أمراضها بشكل تام، واعتبار الغرب الديمقراطي هو مجردُ كابوسٍ آني.

إنها لا تأخذُ الدينَ أو الاشتراكيةَ أو القوميةَ في تعبيراتِها عن الشعوبِ ونضالها المتدرجِ المرحلي، في ظروفٍ مختلفة متحولة، فهي لا تعترفُ بسيرورةِ التاريخ، ولا بتباينِ المصالحِ فيه، ومن ثم تسقطُ ذواتَها الشموليةَ على نفسِها وعلى القوى الأخرى.

ومن هنا فإن المذهبَ الفكري أو الديني يغدو سيطرةً مفروضة على الآخرين، ويقوم برؤية كل شيء في الوجود من خلال هذه الثقوب الصغيرة وفرضها، ويتحول ذلك في ميادين السياسة والاقتصاد والثقافة إلى بناءاتٍ ثم كوارث.

وإذا كان التصدي لعمليات التدخل والنهب الغربية ضرورياً، فإن رؤيةِ النضال الغربي الديمقراطي عبر عشرة قرون ضرورة أخرى مهمة، لعدم الانتقال للتعصب والتقوقع، ولرؤية ما هو إيجابي مفيد للتطور الإنساني عامة.

ولهذا فقد حُوصرت الجوانب التقدمية لتطور الغرب، ورُؤيته كثقافةٍ منتهية، وكانت الهجماتُ ضد ثقافة الغرب الديمقراطية المتنامية عبر قرون صراعية، تتوجهُ لضرب النسبية التعددية والرؤية غير المركزية للوجود فيها، أي تتوجه لنفي التعددية والديمقراطية وتداولية السلطة والقراءة الموضوعية للعالم وهي الانجازات التي غدت كونية، فتقوم النظراتُ الشرقية الشمولية برفض وجود هذه السمات في الغرب، وأن الغرب كتلة واحدة استبدادية استعمارية لا يوجد فيها ديمقراطية أو تداولية مزعومة للسلطة. وبطبيعة الحال تجد هذه النظرات أمثلة ومواد كثيرة من حياة الغرب، لكن هذه المواد تُؤخذُ بأشكالٍ ذاتية، ومقطوعةٍ عن السياق التاريخي، وتَركزُ في عرضِ ممارسات أجهزة مخابراتية وسياسات دول غزت دول العالم ونهبت ثرواته، وهو أمرٌ صحيح ولكن ليس هذا كل الغرب وهذا الاستعمارُ مسارٌ موضوعي فرضتهُ الرأسمالية المتكونة من بعض دول الغرب وكتشكيلةٍ جديدة للبشرية عامة، وهي توحيدية، ومفيدة في جوانب وضرورية في تاريخ ما، وتصبح عقبة وكوارث في تاريخ آخر!

وتتفق على غيابِ التأصيل والتأريخِ النظراتُ السياسيةُ للدينيين المحافظين والماركسيين السطحيين على حدٍ سواء، وفي مقابل التوحيدية الإجبارية التي يفرضُها الاقتصادُ الحديث وعملياتُه الموضوعية التي هي ليست مؤامرة بل مساراً مشتركاً للبشرية، تجري وتتكرس ومن ثم تتجمد عملياتُ التقوقع القومية، التي لها هي الأخرى أسبابُها وضرورياتها، ولكنها تُوضع في مساراتٍ أبدية، وهي أمورٌ تهدف لجعل السلطات والثقافات الشمولية ذات وجود غيبي مطلق أو دنيوي أبدي، ولكن المرحلية وتكشف التناقضات ثم انفجارها داخل هذه الأنظمة يظهر عبر التاريخ نفسه غير المعترف بمرحليته وسيرورته الدائمة، فنجد ان العودة إلى الجذور ورفض العصر يتحولان إلى إرهاب وسيول دماء، والاشتراكية المطلقة تغدو رأسمالية حكومية مفيدة ومتجاوزة، والمذهبُ النقي الطارد للأفكار الدخيلة يمرضُ ويحيلُ المجتمع إلى صراعات فوضوية، أو يعترف بنسبيته ويأخذ من التطور الديمقراطي الغربي بأشكالٍ تجريبية تقود لأزمة وأضرار فادحة، والدولة الألفية الموعودة تنفجرُ بعد بضعة عقود قليلة، ولكن هذا كله يظهرُ بسلسلةٍ من الصراعات الرهيبة وأحياناً بالحروب الضارية، كما تظهر له نتائج وخيمة على الشعوب وضياع لكثير بشرها ومن مواردها فيما تتعرض ثقافتها للانهيار والمسوخ فتجلبُ ما هو ضار ومشوه وأسود من ثقافة الغرب، وتنشرهُ بين شعوبها، بعد أن حَرنتْ عقوداً طويلة تقف ضد ثقافة الغرب الديمقراطية العقلانية.

الجيوشُ وتعزيزُ الديمقراطية

      الجيوشُ تشكلتْ في تواريخِ الأمم بوظيفة الدفاع عن الأرض، وتخصصتْ الشرطة في قضايا الأمن ومجابهة الصراعات الداخلية.

وحين إنقلبت الأمورُ وقامت الجيوشُ بالتدخل في الصراعات السياسية الداخلية، جاءَ ذلك في سياق عجز القوى الاجتماعية والسياسية عن بلورةِ نظامٍ إجتماعي متحضر ديمقراطي، فيقوم الجيشُ بدورٍ ليس هو دوره، ويخطفُ السلطةَ من القوى السياسية، لكنه يعجز على المدى الطويل عن الاحتفاظ بالسلطة.

إن حالاتَ العالم النامي الاجتماعية السائلة وعدم وجود قوى إجتماعية متقدمة ديمقراطية تحفزُ الجيوشَ للعبِ هذا الدور المغامر الخطر، وأحياناً تلعبه بعضُ الجيوشِ بحنكة وحكمة، حين تقيمُ نظاماً ديمقراطياً علمانياً كما فعلت تركيا، رغم المشكلات والخسائر التي حدثتْ بسببِ طابع وعي العسكريين المحدود بالثقافة الإسلامية والبُنى الاجتماعية الإقطاعية الشرقية.

لكنهم منعوا الأغنياءَ من تشكيلِ رأسمالية حكومية إحتكارية، ومهدوا للبرجوازية الخاصةِ أن تنمو وتكتسبَ السلطةَ في نظامٍ ديمقراطي تعددي أزدهرَ بشكلٍ عقلاني جيد في آسيا المليئة بالأنظمةِ الدكتاتورية وبقايا العصور القديمة.

في حين أن الجيوش العربية المتدخلة والمستولية على السلطات خلال العقود المريرة السابقة، لم تقمْ بمثل هذه الوظيفة الريادية بسببِ تكريسِها للدكتاتورياتِ الحكومية نصف الحديثة– نصف الدينية، وتشكيل الأبنية بهذه المواصفات يقود لعدم صعود طبقة وسطى حرة، وطبقة عاملة ديمقراطية، ويؤزمُ الأريافَ ويبقيها كمجمعاتٍ للتخلفِ وللقوى الطائفية المغامرة.

إن تشكيل دولة ديمقراطية علمانية يحفظُ الجيوشَ من تغلغلِ النزعاتِ الدينية والوطنية الخطرة من بين صفوفها، فيبعدها عن التسييس الاستغلالي للفئات الوسطى الصغيرة، مركزِ إنتاجِ الأفكار الطائفية واليسارية المغامرة والقومية الخطرة، ويجعل القوى الاجتماعية تتبادلُ الحكمَ وتقاوم الفساد في الأجهزة الحكومية وتطورُ الاقتصادَ، رغم أن ذلك يعتمد على مستوى تطور القوى المنتجة لأي بلد وتطور العلاقات الاجتماعية ومدى مقاربة الشعب للثقافة الحديثة الديمقراطية، فأسبانيا الإقطاعيةُ في عهدِ الدكتاتور فرانكو السائرة بشكل ديني تعصبي تخلفتْ عن التطورِ الغربي العام حقبةً مريرةً رغم أسبقيتها في النهضةِ والغزو الاستعماري ومراكمة الثروات من نهب البلدان، وها هي تدفعُ ثمنَ هذا السير البطيء نحو الرأسمالية التحديثية العلمانية عبر تأزم الاقتصاد واللجؤ للمعونات، وقسْ بأن تطورَ أسبانيا الراهن أفضلُ من تطورِ كل الدول العربية الراهنة مجتمعةً.

ولهذا فإن الجيوشَ العربية الراهنة الداخلة في النزاعات السياسية الاجتماعية، يجب أن تأخذ هذه التجارب بعين الإعتبار. وبأن لا تغدو قوة هيمنة وبقاء في السلطة، وأن تتجاوز(الديمقراطية) الهزيلة الدينية الاجتماعية، فذلك بابٌ واسعٌ لعودةِ القوى المضادة للثورة، وأن تبعدَ الدولةَ والحكم عن الأديان وصراعاتها والمذاهب وخلافاتها، وتغدو قوةً مستقلة، تشكلُ دولةَ المواطنين المتساوين أمام القانون.

إن رسوخ هذا المنحى سوف يجعل أي قوة إجتماعية لديها برنامج للتغيير الاقتصادي الاجتماعي الفعال تستلم الحكم عبر الانتخابات، وتقوم بتنفيذ هذا البرنامج والمواطنون يحكمون على إدائها بعد عدة سنوات محددة، وهكذا فإن القوى الاجتماعية المختلفة تأخذُ نصيبَها من الحكم والمعارضة والنقد والتغيير، فالفاشلُ يخرجُ من السلطة، والفاسدُ يتم عقابه، ولا يكون للجيوش من دور سوى الدفاع عن الوطن ومنع العودة للدكتاتورية.

في حين نرى الدول الدكتاتورية العنيفة كاليمن وليبيا وسوريا تدفع ثمناً باهظاً من أرواح شبابها الذين يتساقطون كأوراق الشجر، بسبب طغم عسكرية خربت الجيوشَ الوطنية وحولتها إلى مليشيات حزبية، وسرايا دفاع عن لصوص سرقوا المال العام، أو شرطة عسكرية قمعية واسعة، وهذا كله بسبب عدم حسم مسائل التطور السياسي، كتغييب الديمقراطية والعلمانية في الحياة السياسية وعدم إبعاد الجيوش عن السياسة الداخلية الصراعية.

الديمقراطية عملية مركبة

     الديمقراطية عملية مركبة معقدة في تاريخ الشرق بل وفي العالم كله، ولكن منطقتنا إختصت بتعقيد طويل للظاهرة حتى بلغت مجموعة من القرون.

حين جاء السيد محمد علي الطباطبائي إلى طهران سنة 1894 ألح على إقامة دستور وتأليف مجلس شورى شعبي، ويقول(كنتُ أذكر هذين الأمرين على المنبر، وكان الشاه ناصر الدين يشتكي مني، ويبعث لي بالرسائل التي تقول بأن إيران غير مستعدة للدستور لحد الآن. لقد كنتُ مبتلي به طالما كان حياً حتى ذهب).

صراع المشروطية أي الدستورية ضد الاستبداد طويل، فكم مرتْ من عقودٍ من بداية القرن التاسع عشر لحد الآن دون أن تتكامل المشروطية التي تجعل الحكمُ المستبد مقيداً؟!

ظهر البرلمان الأول في إيران سنة 1906 وأُزيل بعد سنتين وعادت الحياة صراعاً بين الشمولية والنزعة الدستورية تتقلب عبر العقود دون أن تصل لبر الأمان حتى الآن!

تقوم الحركات الديمقراطية في الشرق عموماً على النخب الصغيرة المحاطة ببحرٍ من التخلف والاستبداد في الطبقات المختلفة، وبين الرجال والنساء، وفي الدين والثقافة، فحين جاء السيد محمد علي الطباطبائي كم كان معه من دعاة الديمقراطية؟ بضع أشخاص، وضده حشود من رجال الدين والقبائل والأسر المتنفذة، وحياة إجتماعية يسودُها الاستبداد، فالشعب ذاته لا يعرف ما هي الحرية وما هي ثقافة الحرية، والرجال مستبدون بالنساء، والنساء يستبددن بالأطفال، والمثقفون إنتهازيون، يعملون مع الدول بوضاعة حتى إذا سمعوا إنفجارات الحرية يطلقها مضحون قلة ورأوا بوادر نصرها وإنتشار وظائفها إندفعوا نحوها عساهم يحصلون على مغانم منها. فإذا إنهارت وجاء حاكمٌ جديدٌ غيرُ الذي قَبل بها، ولم تعجبه هذه(المشروطية) وأقامَ إنقلاباً عبر فرقة أجنبية من الروس قطعتْ رؤوسَ الثوريين وعاد المثقفون للحظائر ولعلع صوتُ الشيخ فضل الله نوري صارخاً:

 (إن أصلي المساواة والحرية مخربان لركن القانون الإلهي القويم. إذ أن الإسلامَ يقومُ على العبودية على الحرية. وأحكامهُ ترتكزُ على تفريق النقائض وجمعها لا على المساواة. فما تؤدي إليه المساواةُ هو أن تُحترمَ الفرقةُ الضالة والطائفةُ الإمامية على نهرٍ واحد)!

يقوم المتنورون والحكامُ الطليعيون ودعاةُ التقدم في الشرق بالعمل لنشر الديمقراطية أو الإستجابة لدواعيها لأسبابٍ مختلفة، لكن عبر شروط ذاتية مثل كتابة دساتير كما فعل السيد الطباطبائي وعمل نخبة تروج للدعوة، وإنتهاز مناسبات سياسية وإجتماعية لإطلاق الدعوة والتأثير على الأوضاع وإقناع الحكام على القبول بها، فيتحول المجلس أو البرلمان لجسم سياسي محنط أو جامد غير قادر على الفعل، أو يتمكن من تأدية دوره وسن القوانين لكن السلطات تنقلب عليه.

فليس ثمة شروط موضوعية كبيرة لكي يلعب هذا البرلمان دوره، فالشعبُ أساسُ الحكمِ الديمقراطي متخلف، والديمقراطية هي حكم الشعب؟!

الشعب ليس في مستوى الديمقراطية، فلا يصطف بالطوابير بنفسه، ولا يقرأ برامج المرشحين، ولا يعرفها أو يناقشها إذا تمكن من قراءتها أصلاً.

فيأتي أناسٌ هم الذي يَجلبون الشعب للتصويت، بالخداع أو بالشراء، أو بالدعوة الدينيةِ المُلزمة، وهؤلاء المندوبون من سلطاتٍ دكتاتوريةٍ دينية وسياسية عرفية وإجتماعية ليسوا ديمقراطيين بالضرورة، وليس مطلوباً منهم أن يكونوا حتى مثقفين!

وهنا لن تتصارع قوى ديمقراطية متنافسة بجدارة لفهم أحوال الشعب، ولن تقوم بدرسِ أحوال الشعب لكي تصل لمشكلاته وجذورها وتقدم الحلول وتكسب الأصوات داخل البرلمان من أجل حل مشكلات الشعب!

شعبٌ ليس ذا علاقة بالديمقراطية لا ينتجُ ديمقراطية.

بطبيعة الحال هذا يتطلبُ شعباً على علاقةٍ وطيدة بفهم السياسة وفهم البرامج والأحزاب ويافطاتها الحقيقية والمزيفة وبغياب مثل هذا الشعب فهو يسمح للمستبدين والانتهازيين أن يقطفوا ثمار تعبه من مال وزمن تاريخي، فالديمقراطية هي بلا وكلاء ومقاولي أنفار وباصات تشحن الناس مثل البهائم.

نتائج مثل هذه الوكالة تقعُ على رؤوسِ الشعب نفسه، حين تشتغلُ النخبُ بالتلاعب بمصيره، إنقلاباً وحروباً وفساداً سياسياً طويلاً يقود لليأس من الديمقراطية وحب الدكتاتورية!

كذلك فإن الشعوبَ ليست في حالات مجردة، فبدون الطبقات الحديثة من طبقة وسطى ذات مشروع ديمقراطي تحديثي أو طبقة عاملة ديمقراطية، لا يمكن للشعب أن يكون شعباً حديثاً، يصنع مؤسسات تتصارع بشكل سلمي لتحديد ثمار الاقتصاد كيف تتجه، والفوائض المالية من تخدم من طبقات المجتمع وأية مشروعات تحظى بالأولوية؟

 الديمقراطية لعبة سياسية متحضرة، لأجل سلطة قابلة للمداولة، لقوى تعلن هزيمتها بقوة حين تفشل مشروعاتها، وتعددُ هي أخطاءها قبل غيرها، لا تتعكز على عكاكيز المال والدين والخداع، وليست هي لعبة بين قوى دكتاتورية يريد كل منها أن ينقض على الآخر حين تأتيه الفرصة!

الحياةُ الديمقراطيةُ متكاملة

      تتصاعد إرادةُ الأمةِ العربية نافضةً أنظمةً شمولية، أدتْ دورها بوضع بعض قواعد النهضة والصناعة والثقافة الحديثة، متجهة نحو أنظمة ديمقراطية لم تزلْ بعدُ غير متضحة، وغير متبلورة، فلم تزلْ الأنظمةُ الدينية والحركاتُ الدينية تلعبُ دوراً معرقلاً لنمو الأمة العربية وشعوبها المتعددة الحرة، عبر تقسيمها، وعبر صيرورتها ذيليةً لإيران وولاية الفقيه الخطرة على شعوب إيران والخليج والجزيرة العربية والعراق بشكل خاص.

بدأت العديدُ من الشعوب العربية بتجديدِ أنظمتِها متوجهةً لتحجيم المذهبية السياسية المزقة للشعوب، وهي الشعوب العربية المبتعدة جغرافياً وسياسياً عن التأثير الإيراني الدكتاتوري الخطر، فتمكنت بهذا من تحجيمِ الأنظمة الشمولية التي أهدرتْ قسماً كبيراً من الثروة الوطنية، وبدأت الآن في بحث سبل تطوير واقعها.

الحياة الديمقراطية متكاملة فلا يمكن القبول بجماعات سياسية دينية دكتاتورية تقودُ حراكاً ديمقراطياً، إنها تعتقلُ النساءَ وتؤخر الفلاحين وتضعُ القيودَ على الحريات وعلى بحث العقول وتجمد الطوائف في زنزانات من العداء.

إن العديد من الشعوب تجاوزت ذلك لرفضِها المذهبية السياسية وهيمنتها، وابتعدتْ عن العداء الديني بين المسلمين والمسيحيين، وحتى بين الأشكال المتفاوتة من التطور الاجتماعي والقوميات المتباينة، كالعرب والأمازيغ، واندمجتْ في حراكٍ وطني هو مقارب بعض الشيء للديمقراطية العلمانية الحديثة، فحققتْ وحداتها وعزلت القوى الصغيرة الحاكمة الاستغلالية.

إن عدم مقاربة ذلك يعني بقاء المذاهب والقوميات في تناحرات لا تخلق حراكاً ديمقراطياً، بل تقود إلى تشظي المكونات الشعبية وصراعاتها وبدلاً من أن تقود الحملات من أجل الديمقراطية إلى التطور تعيد البلدان إلى التفتت والحروب الأهلية والتخلف والشموليات المختلفة.

على أهل المشرق العربي أن يكونوا عرباً بشكلٍ أساسي، أن تكون وحدتهم صوانية قوية راسخة، وأن تقبل القوميات الداخلة في نسيجهم كالأكراد بإحترام بلدانهم وقوميتهم الكبرى في هذه المنطقة الممتدة من الخليج إلى المحيط، دون جور على المكونات غير العربية، وعدم الاضطهاد لها.

إن الجماعات المذهبية السياسية يجب أن تخرج من قواقعها وتغدو عربيةً بدرجة أساسية، فالمذاهب ليست للسياسة، سواءً ذلك على مستوى الحكام أو المحكومين.

إن معركة الديمقراطية والعروبة وهزيمة المذهبية الشمولية والتعبير عن الأغلبية الشعبية وتطورها، هي جوانبٌ متكاملة، ولا يمكن القبولُ بجزءٍ وترك الأجزاء الأخرى، وإذا قامتْ كلُ الأطراف السياسية بمواكبة ذلك وحفره في جماهيرها فيكون أثره مهماً وقوياً على مختلف البلدان العربية والإسلامية، وبالتالي فإن تطوراً ديمقراطياً مشتركاً يمكن أن يعم.

إن الشعوب العربية الرائدة في النضال الديمقراطي يمكنها بالحفاظ على هذه القسمات المحورية الأساسية أن تنشر هذه الأشكال العصرية المتقدمة في الشعوب الأخرى، كما يمكن للشعوب الإسلامية أن تواكب ذلك، وتتجاوز أنظمتها.

إن النظام الإيراني الراهن يلعب دوراً خطيراً في عرقلة تطور الشعوب العربية لعجزه عن إعطاء الشعوب الإيرانية حقوقها، والقبول بالديمقراطية الحديثة، وفرض سيطرة رجال دين متخلفين عن العصر وحاجات المسلمين الضرورية، ولا تستطيع الطوائفُ التي تسايرُ هذا النظامَ أن تكون ديمقراطيةً أو أن تناضلَ من أجل الديمقراطية، دون القطع الفكري معه، ونقده وتعريته، وأي قصور في معركة النقد والاستقلال هذه لها آثار سلبية على شعوبها.

إن شعوبَ الجزيرة العربية والخليج والعراق سوف تنتظرُ كذلك المعارك الاجتماعية داخل إيران بصبر، وسوف تنتقلُ إليها الثمارُ الديمقراطية المتكونة بقوة في بعض الشعوب العربية ولا شك فالشعب الإيراني ليس قاصراً أو جامداً بل هو في حراك مستمر خلاق، ونرجو أن يتم ذلك بشكل عقلاني سلمي، لكي تتخلص شعوب المسلمين جميعاً من هذا النظام العسكري المغامر الخطر ونسخه، أي من هذه العقبة الكبيرة لتطور المسلمين التحديثي الديمقراطي التوحيدي الكبير.

إن مصائرَ الأمم الإسلامية متداخلة، وتنامي السمات الإيجابية عند شعوب ستنتقل إلى شعوب أخرى، عبر أشكال متفاوتة، وزمنية مختلفة.

العروبة الديمقراطية

     تجتاحُ الجزيرةُ العربية وخاصة قلبها النجدي الصخري عاصفةٌ التيارات والتحولات ، فأطرافُ الجزيرةِ لعقودٍ سبقتْ واجهت مثل هذه العواصف، وهدأتها وأمتصتْ بعضاً منها.

وجرى ذلك خاصة في المدن الصغيرة – البلدان، لكنها بعد لم تهضمها كليةً، بل أن رياح الهضاب تهبُ قويةً مدمدمة.

وقد تحولتْ قوى الداخل خلال القرنين الأخيرين ولعبت الهجرات البدوية إلى المدن دورها في الإستقبال العربي الداخلي لمورثات الحداثة.

لكن عواصف التغيير غدت عالمية ولم يعد من الممكن السكون.

لقد أقيمتْ الأفكارُ الدينيةُ على علاقةِ الإلهِ الملموس المتحول مع الكون الطيع الذي هو مادةٌ هشةٌ متحولةٌ بيد الإله المتدخل في كل شيء والمسيطر على الزمان والمكان.

هذه هي الصورةُ الكليةُ المبثوثة في النصوص الدينية، وثمة صور أخرى وإستثنائية جعلتْ من الإله نائياً غير محدد، ومهيمناً من خلال خيوط.

هاتان الصورتان الكبريان تبثان من خلال مواد أرضية محضة؛ كألفاظ الأشياء والمواد.

وخلالهما يدورُ الفعلُ الإنساني بين أن يصنع الحياة السياسية والاجتماعية وبين أن تصنعه السماء.

وتعبر صورُ الدين عن صراعات الحياة السياسية الاجتماعية، وطبيعة تكون الحكام، هل هم ديمقراطيون أم مستبدون؟

وكان الإسلامُ التأسيسي في عملية النضال التحولي بين هذين القطبين، وفي إنتاج العلاقة الديمقراطية بين الإله والبشر، وبين الحاكم والناس أشاع صور إنسانية للحاكم والعلاقة مع المحكومين. وكان لا بد كذلك من سيادة مركزية وحاكم واحد مسيطر ومراعاة (الشعب) في احواله وتطوراته.

في نمو الأمةِ العربية داخلَ الأممِ الإسلامية قائدةً لها، وقعَ هذا التناقض غير المحلول، بين إرادةِ الهيمنة الحكومية وحقوق الشعوب. وكانت تلك الإرادة هي المسيطرة، بينما ضاعتْ حقوقُ الناس وذابت إراداتُهم النضالية الديمقراطية.

ولم تستطع الفئاتُ الوسطى إنتاجَ مفاهيم ديمقراطية واسعة منتشرة ومؤسساتها السياسية بل تبعت القوى السائدة وأهم ما لديها هو العنف وإستبدال حاكم مهيمن كلي بآخر. ولهذا لم تستطع أن توسعَ الثقافةَ الديمقراطية وفهمها للنصوص الدينية وللعلاقات الاجتماعية بين الحاكم والمحكوم، بين الأمةِ العربيةِ المسيطرة والأمم التابعة لها، بين هيمنة الخراج وغياب الاهتمام بالأحوال العامة، بين العلوم كمكتشفةٍ للسببيات الطبيعية والاجتماعية، وبين الإنتشار المتواصل للخرافات.

ومن هنا فقدتْ الأمةُ العربية هيمنتَها وقيادتها على الأمم الإسلامية ثم راحتْ تتفتت إلى دويلاتٍ أصغر فأصغر. وإذا تمت الاستعادات الحديثة شبه العقلانية في الدول المركزية العربية بعضي الشيء فإن ذلك تأخر في الجزيرة العربية.

لهذا فإن الإسقاطات المباشرة للعلوم على النصوص الدينية، خاصة في مناطق التفتح الأولي والمناطق الريفية والصحراوية الواسعة، تغدو حادة ومفجرة لصراعات مخيفة.

وتحتاج الأمة إلى إنهمار هذه العلوم بشكل واسع، وهي تحمل مفرداتها الفكرية كمفردة الكون المتمدد اللانهائي فأين منه تعبير السماوات السبع؟ وآلاف المصطلحات الأخرى التي تنهمر على الطلبة والمثقفين والعامة عموماً.

وهناك حل سهل يتلخص في رفض كل مفردات ومصطلحات العلوم والمدارس الفلسفية المنبثقة منها والأكتفاء بما جاء لدى الأقدمين، لكن ثمة رجال دين علماء نادرين يبحثون ويؤسسون مشاركة الأمم الإسلامية في الحداثة.

علينا في هذه الموجة العصرية الكاسحة المزواجة بين التحولات على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي، وعلى الصعيد الثقافي المعرفي.

جذور الديمقراطية الضعيفة

     إن صناعة الديمقراطية ترتبط بصناعات الفئات الوسطى، بمدى تطورِ حرفِها في الأزمنة القديمة وإتصالها بالفلسفة والأفكار العقلية، كما بدا ذلك في ديمقراطية اليونان ثم في اللمحةِ السريعة في مدنية الإسلام المُحاصرة بالبداوة ثم بالإقطاع.

مثلما كان زمنُ المسيحية الأول قبل أن تتحكم الأمبراطورية الرومانية في تكييف المسيحية لمصالح الحاكمين فيها.

ورغم هذا لا يمكن إنكار المنجزات الحضارية في تلك الأزمنة المذهبية، والتي نتجتْ من إشتغالِ الفئاتِ الوسطى بتطوير العلوم والآداب والفلسفة، لكنها لم تعتمدْ المضمونَ الجوهري لعهودِ النضال المؤسسة رغم زخم المعرفة فيها، من حيث التعبير عن الأغلبية، والدفاع عن المنتجين، وحدث هذا كان في بدايات الفرق الإسلامية خاصةً لكن التطورَ موقفٌ لا تراكم معلومات، ولأجل ذلك توجه العالمُ الإسلامي نحو التفتت والتخلف والتبعية فيما بعد، فيما كان إسراع المسيحية للعصور الوسطى أسرع وأشد.

كانت مقاربةُ الفئاتِ الوسطى للحرفِ والفلسفات العقلية والعاملين هي جوانبٌ مشتركة، فبدون تطوير الحرف ما كان لصناعاتها أن تظهرَ ولتجارتها أن تزدهر، وهذه كلها عواملٌ فعالةٌ في نشؤ الفلسفات العقلية الباحثة عن السببياتِ في الأوضاع الاجتماعية وفي التاريخ، ويبقى إرتباطُ الأديانِ بالجوانب الغيبية والسحرية محل إفتراق حيث تبقى هذه عند العامة، ويعود لمحدودية مواقف الفئات الوسطى ورغبتها في الأرباح الشخصية لا في تغيير المجتمع وهذا ينعكس على تدهور الحرف وضعف التعليم والاستهانة بالكادحين فتتحطم تلك الفئات التي ظنت الحياة معها والنقود كثيرة وتنهمر فوقها.

الحياةُ السياسيةُ والاجتماعية العربية واصلتْ سياقَ عصور الأمبراطوريات والدويلات المذهبية المعبرة عن الأقليات، التي يسود فيها التعصب الشكلاني للدين، بمعنى أنها تتعمد التركيز على الأشكال والتعصب العبادي وفقه الجزئيات وتقديس الرموز الشخصية وخلق التعصب المذهبي، بهدفِ الهروبِ من حكم الأغلبيةِ الشعبية وجمهور العمل والإنتاج.

ودخلت المسيحية في عبادة الإيقونات والصور تعبيراً عن إنفراط المضمون المسيحي التضحوي في البداية الشعبية.

وتحلُ الأشكالُ والعباداتُ والأشياء بديلاً عن الكفاح من أجل الإنسان، وعن التلاقي الجماعي بين الناس ضد الشر وإضطهاد البشر.

وكل مذهب يركز على رموزه المنفصلة عن معركة تغيير الحياة، لأن الجميع يبحث عن النقود التي لا تأتي من تطور الإنتاج.

نلاحظُ في فسيفساءِ الأديانِ المبتعدة عن الجوهر من النضال، التضادَ الكبيرَ مع التوحيد، وعدم تطويره ليشمل كافة المواطنين الداخلين في مواطنة الدول الإسلامية، بمختلف توجهاتهم وأديانهم، ويعبر حكم الإقليات المذهبية – أنظمةً وحركات – عن السيطرة الشمولية الممزِقةِ لأقطارِ المسلمين وكيف قامتْ وتقوم بهدمها وتشتيت كياناتها بالدعوى المزعومة بأنها تمثل الكل.

نلاحظ في العقود الأخيرة كيف تقوم هذه الجماعات والأنظمة بهدم أقطار المسلمين، وتفكيكها، وهذا جزءٌ من العجز عن فهم التاريخ الإسلامي وإستمرار هذا الفهم في زمننا.

ويترابط ذلك مع تفاقم العولمة وتنامي تدخلات الدول الكبرى، وفي وقت ترفض هذه الدول نفسها أن تنزلقَ لاستعمار فات زمانه، وأصبحت الشركات فوق الأمم والحكومات. وإذا تدخلت الدول الكبرى دفعت ثمناً باهظاً من دماء شبابها، وإسقاطاً في إنتخاباتها، فغدا ثمة توجه عام لإزالة التعصب الديني من كل الأمم باعتباره المشكلة الكبرى الراهنة التي تواجه تقدم جميع البلدان.

الفئات الوسطى العربية الإسلامية المعاصرة التي كان يفترض أن تنشئ الحداثة وتتداخل بالتصنيع ونشر الوعي العقلاني لم تفعل ذلك لنمط الاقتصاد وللتبعية في السياسة للدول، فأغلبية الاقتصاد ريعي تجاري لا يدخل بعمق في تصنيع المواد وتغيير الأرض، ولهذا فإن الفئات الدينية المذهبية السياسية الشكلانية في فهم الدين هي التي تنتشر.

الفئات الوسطى الراهنة هي صاحبة الدكاكين، غير منتجة للبضائع، تسعى للأرباح السريعة، ويعيش العرب المسلمون بين البضائع المستوردة مثلما يعيشون بين الأفكار المستوردة، مذهبيات مستوردة من الماضي، يزداد فيها التخلف والتعصب، وتستخدم التنكنولوجيا الفضائية المتقدمة في نشرها،

الديمقراطية تاريخ طويل

     تحاول البلدان في العالم الثالث أن تنشء ديمقراطية بدون أي أسس جذرية لها، بسبب الدفع الغربي المستمر لكي تجاريه أو تتطابق مع تاريخه الاجتماعي.

الدول الرأسمالية المتطورة تجبر الدول الرأسمالية المتخلفة على أن تحذو حذوها.

يتمظهر ذلك على مستوى السياسة، حيث تجبر الدول الغربية عبر تاريخ القرن العشرين الماضي الدولَ التابعةَ لها على أن تنشيء أشكالاً سياسية مشابهة لها في الأزياء الخارجية غالباً، حيث الطبعة البريطانية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى لبعض الدول العربية كالعراق ومصر.

وتقاربتْ هذه الطبعةُ مع نمو الفئات الوسطى والتجارة الخاصة والليبرالية. وفشلت مع تنامي أنواع التطرف السياسي كاليساري والقومي ولأسبابٍ عميقة كذلك.

الطبعة الجديدة من الديمقراطية المدفوعة عن طريق الغرب تقودها الولايات المتحدة الأمريكية هذه المرة، من أجل تجنبِ التطرف الديني تحديداً، وخلق توازنات سياسية وإجتماعية بين الدينيين والتحديثيين المؤيدين للتجارب الغربية.

الطريقة المدفوعة غربياً لا تحظى بقوة في الدول الشمولية الكبرى كروسيا والصين وغالبية الدول العربية ولكن لأسبابٍ تختلفُ فيها الدول العربية عن روسيا والصين، فالاستبداد العربي له مصادر متعددة منها الديني الإجتماعي الذكوري ومنها الحكومي كذلك، أي هو خليط من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفي مجتمعات ممزقة مفتتة قطرياً، لم تستطع أن تشكل أسواقاً كبرى كالصين وروسيا، ومن هنا تغدو مشكلاتها عسيرة في كل ناحية.

السوق الكبرى تعني وجود طبقات وسطى هائلة، لكن الدول العربية لا تملك مثل هذه الطبقات.

بل يغلبُ عليها وجودُ الشرائحِ الوسطى الصغيرة الغارقة في عوالم تقليدية متخلفة، ذات جذور ريفية واسعة.

مسألةُ التنميةُ الرأسمالية الكبرى هي مصدرُ تشكيلِ الديمقراطية، وهو الجوهرُ الذي قامتْ عليها التجربةُ الغربية، بمعنى إنه لا يوجد نموذجٌ ديمقراطيٌّ خارجَ الرأسمالية المعاصرة، قبلها كان الإقطاع، وبعدها ما لا نعرفُ تحديداً ما يكون بدقة.

الفضاء الغربي الرأسمالي هو الذي شكلَّ التجربةَ الديمقراطيةَ العامةَ وبثها في الفضاء العالمي مثل بقية الظواهر والسلع.

وهو يدفعُ البلدانَ الأخرى لكي تماثلهُ لأسبابٍ جزئية عابرة غالباً، لكي يحدثَ فيها إستقرارٌ سياسي يشجعُ على تغلغلِ بضائعه، فهو لا يعيشُ إلا بهذا النمو السلعي المتواصل، وتكتسب البلدان الأخرى المقلده إياه ظواهر تطورية مختلفة عبر ذلك، أما التغيير الجذري فلا يُعرض في السياسات الغربية، بسبب الروح العملية واللغة الجزئية كما أن ذلك هو من صنع شعوب تلك البلدان.

إن أغلبَ الدول الشرقية بُنيت بطرقٍ غيرِ رأسماليةٍ تحديثيةٍ ديمقراطية، فالصوتُ المهيمنُ هو صوتُ الحكومات المتنفذة في كلِ شيء، وهذا يحتاجُ لتطورٍ إقتصادي خاص طويل، لم يتحقق شيءٌ كبير منه.

ومن هنا تغدو الظاهرات الانتخابية موجهة لتحقيق أجزاء صغيرة من التحولات وإنجاز بعض المطالب التي لا تصل لجوهر الأمور، فالسياساتُ الاقتصاديةُ حددتها الحكوماتُ منذ عقودٍ طويلة راسخة، فيأتي النوابُ يعالجون الأمورَ الثانوية، وحتى هذه الأمور الثانوية لا يتفقون بقوة عليها.

الأسبابُ تكمنُ في ذاتِ المشكلة وهي غياب الطبقة الوسطى الحرة المالكة لوسائل الإنتاج.

ويظهرُ هذا في عدد الكتل السياسية الصغيرة غير القادرة على الإتفاق على القضايا الجوهرية في التطور، وخاصة في هذه الفسيسفاء للقوى الحديثة ذات الرؤى المستقبلية الواعدة، في حين تأتي القوى التقليدية بشكلٍ متسعٍ لتطرح قضايا ثانوية جاوزها التطور، وتأخذُ مشكلات الناس بشكلٍ جزئي محدود لكونها لا تدرك أن المسألةَ هي مسألةُ بناءٍ إجتماعي تقليدي بحاجة إلى تغيير. فهي مسألة تغيير طابع الملكية العامة المنخورة، وتغيير عبودية النساء، وتغيير طابع الدولة الديني والتوجه لدولة علمانية ديمقراطية، وتغيير طابع العمالة والإنتاج ليغدوا وطنيين. إن كل هذه المسائل مترابطة، فلا يمكنكَ أن تشكلَ دولةً ديمقراطيةً بالقطاعي.

وهكذا يحدث دوران الساقية السياسية وتمر السنواتُ بدون أن يصلَ الماءُ للأراضي العطشى، وتنتصر القوى التقليدية في هذه الديمقراطية التي يُفترض إنها حديثة فتطرح حلولاً تقليدية تعود بالبلدان للوراء.

وحين تدور هذه الساقية طويلاً ومشكلات الشعب لا تُحل تظهرُ القوى المتطرفة التي تزايد على بعضِ القضايا، وتدعي قدرتها على جلبِ السحر للمشكلات أو تطرح الحلولَ الإنقلابية وتكتسب شعبية، لكون الناس يزدادون ضيقاً من أحوالهم.

وهكذا فشلتْ الإصلاحاتُ التي جرتْ بتوجيه بريطانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وتنامت الأحزابُ الشمولية.

والعملية السياسية الراهنة مرتبطة بمشكلات أكبر وتحديات حروب وصراعات قومية ودينية كارثية، مما يجعل تحديات(الديمقراطية) الهشة أكبر وأصعب.

الديمقراطية والتقليدية

     الديمقراطيةُ من جهة، والأنظمة والحركات التقليدية من جهةٍ أخرى، في حالةِ تضادٍ لا يمكن التوفيق بينها.

الديمقراطية حداثة، ووطنية، وعلمانية، وديمقراطية وتقدمية.

والتقليدية طائفية، ودينية، وشمولية، ونظرتها الوطنية ملتبسة وأفقها التاريخي غائم وشائك!

كيف سيحاولون التوفيقَ بين هذه المتناقضاتِ وإلى متى؟

أي نظامِ يطبقُ هذين التوجهين المتضادين سيجدُ نفسه بين طرق شتى متعاكسة تحفر في كيانه من جهات مختلفة، وسيحاولُ أن يوفقَ وينشىءُ الفلسفةَ التوفيفيةَ بين الثلج والنار، بين الشرق الإقطاعي والغرب الحداثي الرأسمالي، بين العالم الطائفي والعالم العلماني، بين أناس يقولون أن المرجعية للمذهب، وأناس يقولون بأن المرجعية للشعب، أناسٌ أدلجوا الأديانَ وحولوها إلى حصالات للعيش على حساب الفقراء، وأناس يريدون بصيصاً من النور لسياسة حرة تخدم الشعب ولا تفرق بين الطوائف، وتغدو المرجعية للدساتير المصانة.

حين تقوي الديمقراطيةُ المفترضةُ القوى التقليديةَ فسوف تتمردُ على الديمقراطية حين تتطور وتقترب من السمات العالمية، وتقلص من نفوذها، لكن بعد أن قويت وأمتدت لجذور الحياة الاجتماعية السياسية.

لا يجب الاعتماد على مرجعياتِ وزارات الخارجية الأمريكية والبريطانية في لحظاتٍ مقطوعةٍ من لحظاتِ سياساتها المتبدلة دوماً حسب ظروفها ومصالحها، وليس حسب المرجعية الغربية الديمقراطية العلمانية ومصالح الجماهير الشعبية في تلك الدول كذلك.

فالبرلماناتُ تفوزُ فيها عادةً القوى اليمينية الممثلة للشركات الكبرى وهذه تريدُ نفطاً رخيصاً وأسواقاً مفتوحةً وقطاعات عامة مهدمةً وغيرَ ديمقراطية، فتدعو البلدان العربية لسياساتٍ (ديمقراطية) مبنيةٍ على حراكِها السياسي المؤقت، أي أن تخففَ الصراعات بها بشكلٍ راهن وعابر، حتى تقوم بمهماتِ شراء النفط الرخيص، وتغدو أسواقاً مفتوحة، وأن تُحضرَ منها الرساميل الكبيرة وأن ترتبط بعملتها، ولا تنظرُ نظرةً بعيدةَ المدى من أجلِ الاستقرار الطويل الأمد وإلى تطور هذه البلدان وإلى نمو تحديثها وإزدهار صناعاتها. فهي ديمقراطيةٌ غربية تسويقية إستنزافية للعملات الوطنية والخزائن الناضبة يوماً بعد يوم!

ولا توجدُ من جهةٍ أخرى سياساتٌ وطنيةٌ بعيدةُ المدى في الدول العربية الإسلامية، تثمنُ هذه الجوانبَ التكتيكية الغربية(الديقراطية) لكن أن ترى أبعد منها وتضعها في مرحلتها وتحدد القوى الراهنة المستفيدة منها والمؤثرة فيها، وتشكلُ إستراتيجياتها الخاصة القائمة على سياسةٍ علمانية ديمقراطية متدرجة شعبية في بلدانها، وأن تسحبَ عملاتها من تحت مظلة الدولار، وتعمل على إيجاد سلة من العملات، وخلق ترسانة من الذهب في خزائنها، وتطور بلدانها صناعياً تحديثياً تقنياً معاصراً، وتتخلص تدريجياً من العمالات الأجنبية الإستنزافية، وتطور عمالاتها الوطنية.

السياسة العلمانية الديمقراطية إستراتجية بعيدة المدى تقوي اللحمة بين الدول العربية والإسلامية، وتعمل على خلق سوق إسلامية عالمية، وشيئاً فشيئاً تقلصُ مساحات الاستثمار السياسي والاجتماعي في الأديان، ولكن بدون توسيع مجالات الرأسماليات الخاصة والعمالة المحلية المتقدمة، تحدث إشكاليات الصراعات الدينية السياسية.

بطبيعة الحال مثل هذه السياسات مسألة تشكلها تياراتٌ فكرية وسياسية عبر سنوات والخطورة أن يكون ذلك من خلال الصراعات الداخلية الضارية.

الديمقراطية التائهة في العالم الثالث

     ترفض أغلبية القوى الاجتماعية السياسية في العالم الثالث مقاييس الديمقراطية الغربية، فثمة مسافةٌ شاسعةٌ بين ظروفِ كلٍ من العالمين، وحتى الديمقراطية الغربية ليست بعيدة عن نفوذ قوى المال التي إستطاعتْ على مدى عقود طويلة أن تكرس سيطرتها، فالديمقراطية في بلدانها تعني التصويت للحزب المالي الأقوى، لكن هذه القوى لا تنجح إلا حينما تقدم برنامجاً يتضمن تغييرات لصالح الأغلبية الشعبية. وتستطيع الأحزابُ العماليةُ والقومية المتشددة كذلك التقدم في هذه الانتخابات والحصول على مقاعد وربما حتى الحصول على الوزارة البرلمانية.

الديمقراطية في العالم الثالث بشكلٍ عام تعنى حكم الأقوى إقتصادياً وسياسياً، وليس حكم من لديه الأصوات الأكثر. ولهذا تحدثُ صراعاتٌ بين من يحكم فعلاً ومن يريد أن يحكمَ عبر الأصوات.

البُنى في العالم العربي الإسلامي بُنى مضطربة ليست ذات معايير ديمقراطية، الحكوماتُ والأحزابُ مؤسسةٌ بشكل ديني، أو بشكل قومي عنصري، وهو أمرٌ لا يتماشى مع الديمقراطية، وهذه الجماعاتُ بقيت مدداً طويلة في السلطات وأوجدتْ لها نفوذاً يَصعب إختراقه، وجعلتْ معاييرَ مصالحِها هي الأهم، ووجودُ طبقةٍ تقليديةٍ في السلطة يعني إنه في ظل أوقات الإنتخابات تبقى الطبقة الحاكمة موجودة ولا يوجد هناك حزبٌ منتصر في الانتخابات، وبالتالي فإنه لا يشكلُ سلطةً جديدة. فإذن لماذا حدثتْ الانتخابات؟

 والأسوأ حين حاولت الحكومة الأمريكية تطبيق الديمقراطية في العراق وفازت الأحزاب الدينية المذهبية كلٌ في منطقتهِ وشكلت حكومات أو ما يشبه الحكومات في مناطقها المنفصلة، عاجزةً عن تشكيل حكومة وطنية، بل عاجزة عن تشكيل شعب موحد. صحيح إنه تم إلغاء الطبقة القديمة لكن المذهبية السياسية التقليدية ظلت هي الطبقة الحاكمة غير القابلة للقبول بمعايير الديمقراطية الحديثة.

وفي إثناء ذلك كانت حكومةُ القاعدة الشبح تحكم بالسيارات المفخخة وتذبح المئات كل يوم.

لم تعشْ الشعوبُ العربيةُ الإسلامية فتراتٍ إنتقاليةً مديدةً لتشكيل الديمقراطية أو بعض أسسها، والأحزابُ والعائلاتُ والقبائلُ كرستْ نفوذَها عبر المذاهب، وخلقتْ مصالحَ ومعاييرَ للحكم وتحكمتْ في الموارد وتركيب السكان، وقوانين الهجرة، والعمل، والأسكان، وتدخلتْ في تحديد الناخب والدوائر الإنتخابية وطبيعة الجماعات السياسية التي تخوضُ الانتخابات وحدود عملها، أي أنها ضمنتْ النتائجَ الانتخابيةَ حسب ما تراه، وعرفتْ الفائزينَ والخاسرين قبل هذا التصويت السري.

في الهند أو إستراليا أو اليابان أو جنوب أفريقيا من دول العالم الثالث، لا توجد طبقةٌ حاكمة في أثناء الانتخابات، فالطبقةُ القديمةُ التي حكمتْ رفعت أيديها عن مقاييس مقابض السلطة السياسية التي تجري، وهناك قوانين إنتخابات هي التي تسود وتقررُ كلَ شيء، وهناك دستور يعطي السلطة للفائزين في الإنتخابات فقط.

وثمة تجارب تجعل رئيس البلد هو من بيده السلطة التي يعطيها للحزب الفائز في الانتخابات.

ولهذا تجد في الهند التنوعَ المدهشَ للديمقراطية في بلدٍ يعيش فيه أكثر من مليار من البشر، فالحكومة المركزية، أو الحكومات الإقليمية يمكن أن تتنوع في اتجاهاتها السياسية، وتجد حزباً إشتراكياً يحكمُ في ولاية والحزب اليميني يسيطر على الحكومة المركزية، وكل منهما يقومُ بمعالجات سياسية وإجتماعية في حدود الدستور.

وفي الدورة التالية من الانتخابات تتغير اللوحة، ولم يستطع لا الحزب اليميني ولا اليساري أن يكّون له طبقةً متنفذةً مسيطرةً على مفاتيح السلطة الاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما يؤدي لثورات في الاقتصاد، بينما في العالم العربي الإسلامي يغدو التحلل لهذه البلدان هو المظهر المرئي.

الدول العربية الإسلامية تحتاجُ لسنواتٍ طويلة كي ترسخَ هذه المقاييس في تجاربها، وفي أثناء ذلك فإن الخسائرَ السياسيةَ والاجتماعية والاقتصادية تتفاقم، والهواتُ تزدادُ بين المتنافسين والمتصارعين على النفوذ.

مقاربةُ الديمقراطية عربياً

     تحتاجُ الدولُ العربية لعقودٍ من السنين من أجل أن تقتربَ من الديمقراطية، فالأغلبيةُ الشعبيةُ في كلِ بلدٍ خارجَ أي تأثير في مجريات الانتخابات والمجالس التشريعية، فحشودُ الفلاحين والعامة والنساء التي تمثلُ ثلثي المجتمع خاضعة لسيطراتٍ من قبل الأجهزة الحكومية والمتنفذين على الطبقات والعائلات والقبائل، إنها هذه السيطرات التي تظهر بشكلِ هيمناتٍ مذهبية سياسية حكومية ومعارضة شمولية.

وتعبرُ هذه السيطراتُ عن مجتمعٍ تقليدي ذكوري إستبدادي تعلبُ فيه الأجهزة البيروقراطية أنظمة الديمقراطية المستوردة، وتجمد تشكيل أي لوحة سياسية إنتخابية ديمقراطية، وتنقضها الجماعاتُ المذهبية السياسية أو تتعاون معها لمشاركتها تلك الهيمنة التقليدية القائمة كلها ضد الحداثة والديمقراطية والعلمانية، أي ضد الأغلبية الشعبية المحرومة.

المقاربة العربية للديمقراطية هي إبقاءُ المجتمع الذكوري التقليدي الاستبدادي هو نفسه، عبر إستبعاد تبادل السلطة، وعدم إبعاد المذاهب والأديان عن التلاعبِ بالسياسة وبالناخبين، وبرفضِ جعلِ البنيةِ الاقتصادية الحكومية تحت إدارة البرلمان، فهي تكون برلمانات لا تستطيع تغيير الثروات وأخطاء تكوناتها الماضوية والحاضرة الجارية.

وبهذا فإن الحكومات تقدمُ الديمقراطيةَ وهي تؤثثُها بسيطراتِها، وتريدُ التغييرَ القابلَ للتنفيذ من قبلها لا التغيير المغير لسيطراتها، وهي تطرحُ التحولات بشرطِ أن لا تتغيرَ هي، وتريدُ ديمقراطيةً مفصلةً حسب بدلاتها الشمولية وقاماتها السياسية الدينية والمذهبية والمناطقية والطبقية الارستقراطية.

ويُفترض في القوى السياسية العربية المعارضة الحقيقية التي تريدُ تحولاتٍ عميقة أن لا ترتهن بهذه الصيغ بإعتبارها مطولة الزمن، غير قابلة للتغيير ابداً، ولكن بشرط أن تكون هي نفسها ديمقراطية تحديثية، وليست قوى ضغط طائفية وعنصرية وإقليمية تمزيقية لكيان البلدان.

لكن أغلب القوى السياسية العربية لم تغتسل نضالياً بمياه الشعب الساخنة التحديثية، وظهرتْ من عصورِ الظلام ومن الأخطاء السياسية التقليدية ومن أحقادِ المناطقِ المذهبية والعرقية والقبلية، فهي غيرُ قادرةٍ على خلقِ ثقافةٍ ديمقراطية تراكمية توحيدية، والتوحيد هو شرط أساسي للمسلمين ولمنطقة المسلمين منذ القدم لإحداثِ تحولات سياسية كبيرة.

وتستفيدُ الحكوماتُ العربية من هذه الفسيفساءِ ولكن يفترض في القوى الحديثة أن لا تنزلق في هذه العمليات غير المضمونة في التغيير وفي تطوير حياة الأغلبية الشعبية في كل بلد عربي، بل يكون هدفها المفترض هو التوحيد وتطوير هذه الكتل السياسية المعارضة والمؤيدة الممزِقة للكياناتِ العربية، للوصول إلى تغيرات ولجعل الديمقراطية عمليات سياسية نضالية على المستويين الحكومي والأهلي، أي خلق عمليات توحيد وتغيير بحيث تتجه العملية السياسية لتجاوز مستوى ما قبل الديمقراطية الراهن، لمجتمع الديمقراطية التعددي.

والمستوى الراهن خطرٌ لأنه مستوى تفكيك السلطات والبلدان، فمشروعات (الديمقراطية) الراهنة أدواتٌ شكليةٌ للإصلاح لكنها تقود لما هو مغاير للإصلاح، بحسب الآلية التي ظهرت في الجزائر والسودان واليمن والعراق والبحرين ولبنان ومصر وغيرها من الدول.

أي أن المطلوب هو خلقُ التراكمات العلمانية والإصلاحية المفككة للمصالح الضيقة وقصر النظر، وللطائفيات على المستويين الحكومي والشعبي، والمراكمة للتغيير والتوحيد، ومن هنا فإن كلَ تنظيم سياسي عربي ينبغي أن يرى هذه العملية وخاصة التنظيمات ذات التأثير وهي التي غالباً ما تستفيد من جماهير محدودة الوعي، مُجيرة، شمولية، تُقاد بأشكالٍ آلية سوقية، مما يؤدي إلى ضرب أكبر ضلع تمهيدي للديمقراطية قبل أن تضع أوراقَها في صناديق الاقتراع.

ولهذا فإن دعاياتها تتم بوسائل تفكيكية للمجتمع الذي تريدُ إصلاحه وتغييره، وبهذا تغدو عمليات الديمقراطية المفترضة عمليات إجهاز على المجتمع شبه الموَّحد في هذه اللحظة الانتخابية والذي سيغرقُ في التمزق مع العمليات الانتخابية التالية.

وبين رفض مشروعات الحكومات العربية(الديمقراطية)وبين القبول الاختباري التجريبي التوحيدي التغييري بها، خيوطٌ دقيقةٌ مرهفةُ التكوين، فيُفترض أن لا تنزلق قوى التغيير والتوحيد هي نفسها لمثالبِ هذه الديمقراطية الواعدة الناقصة، وأن تحولها إلى بذور لعمليات سياسية وفكرية نهضوية توحيدية قادمة متصاعدة.

إن نشدان المصالح الخاصة للفئات الوسطى الصغيرة الطامحة لأن تكون فئات غنية عليا، مستغلةً نقصَ الوعي الجماهيري وفسادَ السلطات والأحزاب، هي أكبرُ التحدياتِ التي تواجهها هذه اللحظات السياسية التجريبية العربية.

وهذه مسئولية قواعد الأحزاب والناخبين بمتابعة الثروات والأداء وتشكيل براءات للذمم، ومداومة النقد والنقد الذاتي ومصارحة النواب والسياسيين.

إنها مرحلة إنتقالية معقدة، يجب عدم العيش في نواقصها، ومراكمة الايجابيات بهدف تجاوزها وتطويرها.

الإسلام والعلمانية الديمقراطية

     يمثل زمنا النبوة والصحابة زمن حكم الأغلبية الشعبية، فكانا مقاربةً للديمقراطية، فيما كانت العهودُ التاليةُ تمثلُ عهودَ حكم الأقليات الطائفية الدكتاتورية.

لا يمكن إنكار المنجزات الحضارية في تلك الأزمنة الطائفية، والتي نتجت من إشتغال الفئات الوسطى في تطوير العلوم والآداب والفلسفة، لكنها لم تعتمدْ المضمونَ الجوهري لعهدي النبوة والصحابة، من حيث التعبير عن الأغلبية، والدفاع عن المنتجين، فتوجه العالمُ الإسلامي نحو التفتت والتخلف والتبعية فيما بعد.

الحياة السياسية والاجتماعية العربية واصلت سياق عصور الأمبراطوريات والدويلات المذهبية المعبرة عن الأقليات، التي يسود فيها التعصب الشكلاني للإسلام، بمعنى أنها تتعمد التركيز على الأشكال والتعصب العبادي وتقديس الرموز الشخصية وخلق التعصب الطائفي، بهدف الهروب من حكم الأغلبية الشعبية وجمهور العمل والإنتاج.

نلاحظ هنا التضاد الكبير مع التوحيد، وعدم تطويره ليشمل كافة المواطنين الداخلين في مواطنة الدول الإسلامية، بمختلف توجهاتهم وأديانهم، ويعبر حكم الإقليات الطائفية – أنظمةً وحركات – عن السيطرة الشمولية الممزقة لأقطار المسلمين وكيف قامت وتقوم بهدمها وتشتيت كياناتها بالدعوى المزعومة بأنها تمثل الإسلام.

نلاحظ في العقود الأخيرة كيف تقوم هذه الجماعات والأنظمة بهدم أقطار المسلمين، وتفكيكها، وهذا جزء من العجز عن فهم التاريخ الإسلامي وإستمرار هذا الفهم في زمننا.

لا تستطيع أن تكون هذه الحركات الطائفية إسلامية إلا بالعلمانية، وبالانفصال عن ميراث الدكتاتورية في القرون السابقة، ومقاربة التعبير عن الأغلبية الشعبية في كل بلد، وأن تدع فهمها الخاص للإسلام في حياتها الخاصة، فيما للسياسة المواطنة بغض النظر عن العقيدة، فهذا الشكلُ السياسي يقودُ للتوحيد ومقاربة فئات كثيرة من إدارة الدول بشكل ديمقراطي.

تغدو هذه العملية ضرورية وهامة جداً مع إستمرار حكومات وجماعات الأقليات الطائفية في تمزيق صفوف المسلمين وخداعهم بشعاراتِ التعصب، وأنها هي دون غيرها ولكل منها كذلك أن تعبر وحيدة عن جوهر الإسلام، ولكن هذا الجوهر لا يقوم بالشمولية وحكم الأقليات الإستغلالية. بل بتوسيع التحالفات وإقامة أوسع الدول وأكبر الأسواق وإزالة صور التعصب والشكلانية المغرورة المدعية بتمثل الإسلام عن طريق الملابس والديكورات الخارجية.

فالأغلبيات الشعبية في الدول الإسلامية نظراً لمحدودية معارفها وأزمات عيشها، تندفعُ لتأييدِ أشكال التعصب، وتقود الديمقراطية غير العلمانية إلى هدمِ الأشكالِ التوحيدية الأخيرة في عالم المسلمين، وتمزيقهم إلى أقاليم وكيانات منفصلة وتفعيل الحروب الأهلية.

أسبابٌ إضافية لضعفِ الديمقراطية في الخليج

      تشارك دولُ الخليج في ضعف الديمقراطية وضعف الرأسمالية الشرقية، لكنها تضيفُ أسباباً أخرى لهذا الضعف، وكذلك تشارك في خطورة التجارة السهلة بالمواد الخام الثمينة النادرة كروسيا.

فهي عاجزةٌ بشكلٍ أكبر عن تطويرِ أوضاعِ العاملين فيها، خلافاً لكلِ دول الشرق.

هذا العجز ينبني أساساً على ضعف الطبقة الوسطى المحرومة من الوجود باقترابِها من مصادرِ الثروة النفطية والصناعات الكبرى، وكذلك بسببِ التفاوت الكبير بين العمالة الوطنية والأجنبية، وبسبب تضخم هياكل الدول بالبطالة المقنعة الواسعة، وعلى تغييب النساء من الدخول الموسع في الصناعة، وعلى تخلف التعليم عن الثورة التقنية.

ولهذا فإن الآراءَ الدينية والمذهبية المحافظة سواءً الاجتماعية أو السياسية هي مظلاتٌ إيديولوجية لتلك القسمات المتخلفة في الاقتصاد.

فقد نمتْ أجهزةُ الدول العربية الخليجية عبر البيروقراطية، وهذا يعني المذهبية السياسية وسيادة الذكور وتغييب حضور النساء في الإنتاج، وجلب العمالة الأجنبية المستغَّلة في تنميةِ ثرواتٍ أسطورية خاصة، وترك بُنى الخليج بنى بدوية محافظة وطائفية.

تتباين مستويات مشاركة النساء في العمل، وأغلبها مشاركات إدارية وبنسبٍ ضئيلة فالسعودية البلد الأوسع لا تتعدى مشاركة النساء في الأعمال فيها 7%، وهذا يفسر ضخامة العمالة الأجنبية فيها، فهي عشرةُ ملايين وأكثر من القوى العربية والهندية الآسيوية عموماً، أي بسبب غياب عشرة ملايين من النساء المواطنات.

تغدو الأبنية الإيديولوجية الطائفية المحافظة شكل التجلي لتلك الذكورية الساحقة ولهيمنة العمالة الأجنبية والبذخية الحكومية والغنية غير المنتجة للتغيير الصناعي الوطني، ولغياب التخطيط والفهم الفكري الموضوعي للحياة، ويتمظهر ذلك بإرسال الفوائض للخارج على شكلِ ودائع خليجية إلى البنوك والمؤسسات المالية الغربية والشرقية، أو على أشكال أجور أجنبية تتوجه لتنمية البلدان الشرقية.

وبالتالي تتكاثر الفئاتُ الطفيلية الاجتماعية التي تتحلقُ حول القطاعات العامة تستنزفُها، وتحولُها لتنمياتٍ مظهريةٍ خليجية وتنمية لبلدانٍ أخرى.

وترى ذلك مجسداً في النساء، المعيار الدقيق لتشوهِ التنميةِ ولغيابِ الديمقراطية، ولغيابِ العقلانية الدينية.

فالحشودُ المُغيَّبة في البيوت يقابلها حضورٌ نسائي أجنبي هائل، وبالتالي فقد إنعدمتْ إمكانياتُ الديمقراطية، لقد غُيبت أصواتُ نصف المجتمع.

وبدون العمل والاستقلالية الاقتصادية للنساء، لا يمكن أن تظهر آراء نسائية حرة، تصوت للتغيير والحداثة.

النساء الأجنبيات يكتسبن خبرةً إقتصادية وعلمية ولغوية وسياسية فيما تعوز النسوة الخليجيات ذلك، وذهابهن لصناديق الإقتراع بلا معنى، لأن الرجالَ هم الذين يصوتون.

تعبرُ المذهبيةُ السياسية والاجتماعية المحافظة عن التبعية للغرب وللهند ولجنوب آسيا بمختلف تجلياتها، وفيما تقومُ رأسمالياتُ الدول بإدارة الثروات العامة بأشكالٍ هدرية وطفيلية ومشوهة،

 تتجلى إضاعةُ الثروةِ الفكرية الإسلامية لدى الجماعات الطائفية بعدمِ النضالِ من أجلِ سوق حرة، ولحداثة ديمقراطية حقيقية، وبمنع قوى العمل الوطنية الخليجية من النمو، ومنع التجليات الأخلاقية العميقة لدى المواطنين، عبر الإكتفاء بأشكالٍ مظهرية ونصوصية لكن الخراب الأخلاقي يكمن في العمق الشعبي الفقير المنعزل المغيب عن التصويت.

تقع دول الخليج بين عاصفتي الرأسمالية الغربية والرأسمالية الآسيوية الجديدة المنطلقة بتوسع، والأولى تستثمر الخليج عبر السلع المعمرة الغالية والأخرى عبر العمالة المتدنية الأجور الكثيفة في بلدانها، ولهذا يخسر الخليج من أوجهٍ عدة، معتمداً على سلعته النفطية النادرة لشراءِ سلعٍ إستنزافية لاقتصاده.

مع تدهور سلعته الأساسية تتكشف الهياكلُ الاقتصادية الضعيفة التي تحتاج إلى إعادة هكيلة، لا تقوم بها سوى برلمانات قوية معبرة عن القوى المنتجة، ومدى قدرتها على التغيير وعلى التضحيات الاقتصادية.

ستؤدي السنواتُ القادمةُ إلى تغيير طابع العمالة الاجنبية المكلفة، والسلع المعمرة البذخية، ومن هنا يَتطلب الأمرُ من البرلمانات رؤية المستقبل والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي ستهبط مع هبوط أسعار النفط.

وذلك في إعادة تشكيل العمالة وإعادة تشكيل الأجيال التي إنضمت للبطالةِ المقنعة في الوزارات الحكومية، عبر هدر قيم العملين المنتج اليدوي والمنتج الذهني.

إن الوعي الديني المسيس لا يستطيع أن يرى مشكلات البنية العميقة، وكون تحديث القوى العاملة العربية ضرورةَ بقاءٍ لمنطقة الخليج، طارحاً مشكلات الأخلاق بصورة مثالية مفارقة لقضايا الواقع الحقيقية. والفئاتُ الدينيةُ تحتاجُ إلى زمنٍ موضوعي وثقافة ذاتية مغايرة لكي تنظم إلى الطبقة التي هي جزءٌ منها وخارجها عنها وهي الطبقة المتوسطة بسببِ شكل وعيها الماضوي.

الديمقراطية الإغريقية والدين

     في نموِ بلادِ اليونان فتنةٌ ودروسٌ مستمرةٌ للبشرية، وهي تقاربُ في تفتحِها الديمقراطي المبكرِ مدنَ الخليج العربي الراهنة وهي تبحثُ عن الديمقراطية والحداثة.

نمو المدن المنفصلة اليوناينة عن بعضها وبغياب الدولة الشمولية الكبرى الكاسحة التي تصهرُها في سلاسلِها الإستراقيةِ، كما هو حالُ بلادِ مصر وبابل، وبتوسع التجارة والصناعة والملاحة، وُجدتْ فرصةٌ ثمينةٌ لشعبٍ مبكرٍ أن يخففَ من غلواء الأديان والدول.

الدينُ غيبٌ مهيمنٌ من الخارج على البشر، وهو ممثلُ سلطةٍ كبرى كاسحة، مجسدٌ لدولةٍ ذات أظافر وأسنان، لكن الدولةَ المهيمنة لم تكن موجودة، فلم يظهرْ الدينُ في تلك المدن الإغريقية إلا متأخراً، مما أتاحَ للعقول أن تتحرر وتتفتح وتزدهر.

 (لعل دويلات المدن الإغريقية..في زمن البداية الأولى للفلسفة الإغريقية، كانت أغنى يداً وأكثر تحضراً بكثير.. ويبدو أنها كانت تتميزُ بموقفِ تجردٍ ولا مبالاة دينية)، مدخل إلى الفلسفة القديمة، آرمسترونغ، دار كلمة).

الأفكارُ الدينيةُ كانت خميرةً مبثوثةً واسعة، لكنها تصوراتٌ طفوليةٌ إنسانية، ممتزجةٌ بالأساطير، لم تحصلْ على دولةٍ تحيلُها إلى أداةٍ حديديةٍ لقمعِ البشر والسيطرة على أرواحِهم، فالدولةُ بعدُ في بلادِ اليونان لم تتشكلْ، كانت هناك المدنُ الحرة، حيث يجتمعُ البشرُ الذين يعرفون بعضَهم البعض ويشكلون دولةً منتخبة.

وهذا على مستوى الأفكار جعل العقولَ تغدو ماديةً، فتكتشفُ في الذرات والحركة والهواء والتراب والنار والماء وغيرها من العناصر الطبيعية وغيرها، المداميك التي صنعتْ العالمَ والكون، وهي آراءٌ على بساطتِها ذات نواة معرفية عميقة، أصبحَ العلماءُ المعاصرون يضعون لها الأسس العلمية الدقيقية.

العالم في هذا التصورات(لم يُولد ولادةً، ولم يُخلقْ خلقاً، وحيث الآلهة أو القوى مهما كان نوعها، هي داخل العالم وعرضةً لقوانينه، فلا مكان في الفكر(الإغريقي) لقدرةٍ كليةٍ أو خالقٍ متعالٍ بالمعنى المسيحي للكلمة)، السابق، ص 23.

التنوعُ السياسي للمدنِ الإغريقية أتاحَ تعددَ المدارس الفكرية وصراعها الخلاق، فظهر فلاسفةٌ ومبدعون كثيرون كلٌ منهم له رؤية، وجثمت رؤاهم عند المستوى المادي البسيط، لكون الخرافات لم تكن بمستوى أفكارهم، وهي كانت أفكارُ العامةِ البسطاء، وعبرَ أفكارِهم المادية قدموا علوماً تحتاجها الحرفُ والتجارةُ والملاحة وتطوراتها، رغم تباين هذه الآراء الفلسفية ولكنها أطلقت الأداة الأساسية لفهم الكون والمجتمع وهو العقل.

لكن كانت مواد الشرق الإستبدادي تتوغل في بلاد اليونان، عبر هذه الخميرة الفكرية الدينية، القادمة من مصر خاصة، بلد الإستبداد الطويل، وكانت جنوب إيطاليا هي مرزعة هذه الأفكار، ومن عناصر هذه الرؤية الدينية أن الجسد هو سجن الروح القادمة من الغيب.

لم تكن الآراء الفلسفية الطفولية وقتذاك قادرة على فهم طبيعة الإنسان التكوينية وتاريخه، ولا تاريخ الكون، ولا طبيعة التطور الإجتماعي، نظراً لمستوى الحرف المحدود، وغياب الصناعة والتجارب المعملية والأبحاث الاجتماعية، ولهذا فإن الآراء المثالية بدأت تتسربُ من هذا النقص المعرفي، وتم تعليق الإنسان بما وراء الطبيعة، وبدأت الفلسفاتُ المثاليةُ تتوسع، مع توسعِ عناصر الدول الإغريقية التي راحت تتخلى عن الديمقراطية عبر العقود التالية، وتظهر الدولُ المستبدة، كما تتوسعُ سيطرات ملاك الأراضي والعبيد.

لكن كان هذا يحتاج لفلاسفةٍ كبارٍ يحولون العناصرَ الفكريةَ المثالية المبعثرة إلى فلسفاتٍ، وهي تتحول بدورها إلى أديان، كسقراط وأفلاطون خاصة، لكن هذين المفكرين كانا يريا إن الخالقَ الكلي الذي بدأتْ ثقافةُ اليونان عبرهما تكرسهُ، هو إلهُ خيرٍ. وهو أمرٌ نموذجي ومثالي، ونتاجُ تقديرهما للبشر وللعدالة، لكن الألوهيةَ هذه، بدتْ متناقضةً مع الوجودِ الحقيقي المليءِ بالشر والفساد والنقص، فإذا كان العالمُ نتاجُ إلهٍ خير فلماذا هذه الأحزان والكوارث والشرور؟! لماذا يقوم الإلهُ الخيرُ بخلقِ عالم شرير؟

 تم نفي العناصر المادية المؤسسة لفهم العالم بشكلٍ تدريجي من ثقافةِ المدن وهي تتحولُ إلى إمبراطوريةٍ غاشمة تغزو الناس، فتظهرُ قوى حاكمة تخشى العقلَ والفكر النقدي والتحليل الواقعي لقضايا الحياة، وظهرت الدولُ المتعاليةُ التي هي بحاجةٍ لإلهٍ متعالٍ بنفس خطى الشرق، فأنزلقت اليونان لذات التكوين الإستبدادي وغزت فارس والمشرق، فأعطتها الثقافةُ الفارسيةُ فكرةَ الإلهين المتصارعين، إله الخير وإله الشر، الإله والشيطان، لتفسير تناقض الحياة الاجتماعية.

الديمقراطية لدينا

     إن مصطلحات مثل ديمقراطية وقوى ديمقراطية وطنية تحتاج إلى فحص للتأكد من سلامتها.

كلما اتسعت قدراتنا على التفكير الحر كلما زاد نقدنا، وعرضّنا مفاهيم وتورايخ قديمة للنقد، إن هذا يشكل تطوراً في التفكير الحر، ولهذا فإن مصطلحات مثل قوى ديمقراطية تجعلنا نسألُ هل تستطيع القوى الشمولية أن تكون ديمقراطية؟

 نتجت القوى السياسية من إقتباس تجارب شمولية عالمية وعربية، فكيف ستأتيها الديمقراطية؟ هل الديمقراطية هي التصويت المرتب؟ وهل تقدر القوى الشمولية أن تطور تجربةً ملتبسةً بين الشمولية الحكومية وبعض الحريات؟

 إذا كان يتم ترتيب التصويت لتبقى جماعة مسيطرة على الجماعة ككل، كما أن القائد يبقى مؤبداً، وترى القيادات غير قادرة على خلق تعددية ديمقراطية، ويتم ترتيب القوى البرلمانية مُسّبقاً، فهذه ليست ديمقراطية، وربما تكون مقدمة لذلك.

 (الديمقراطية) الشرقية الشمولية لا تريد أن تكون ديمقراطية غربية، والأحرى أن نقول أنها لا تستطيع ذلك، وهيهات وربما لقرن من الصراع والتجديد والمشكلات!

في الغرب هناك طبقة وسطى كبيرة حرة، ذات مؤسسات قوية، ورأسمالية الدولة صغيرة تقتصر على المؤسسات العلمية والإشرافية، وليس أن تبتلع الأخضر واليابس كما هو الأمر لدينا. وهناك طبقة عاملة موحدة وإنتجتها المصانع الخاصة وليس عمالاً تابعين لشركات ووزارات حكومية لا تسمح لهم حتى بالدفاع عن مصالحهم الإقتصادية البسيطة.

الشروط كلها مفقودة في التجارب التي يُـقال أنها تتجه للديمقراطية.

والقوى السياسية تريد أن تشكلَ رأسماليةَ دولةٍ تقومُ هي بإدارتها.

هكذا الأمر في التجارب القومية العربية حيث نجد ذروة التجربة هي وجود حكومة شمولية مستولية على الإقتصاد.

وهكذا التجارب الإشتراكية.

إذن كيف ستظهر الديمقراطية من تكوينات كلها لم تجرب الديمقراطية؟! وأي أعضاء سيشكلون ديمقراطية وهم لم يمارسوها ولم يعرفوها؟

 تنظيماتٌ ترتعبُ من الأفكار الحرة ومن الحراك السياسي الحر داخلها، والقواعد لا تعترض ولا تطرح قيادات من داخلها ولا تعرضُ تاريخَ التنظيم للتحليل والدرس والنقد؟

 هناك هوامش من هذه العملية في نقد الظواهر الحكومية السيئة، والمطالبة بالتغييرات فيها وفي إدارة البلد، لكن كل هذه تبقى إنتقادات قد يُـقبل بها وقد لا يُسمع بها وقد تُرفض.

فليس ثمة سلطة تشريعية قوية تحول الأفكار التحويلية إلى قوانين.

والتنظيمات لا تستطيع أن تكَّون مثل هذه السلطة التشريعية القوية، لأسباب التفرد الحكومي الإقتصادي بدرجة أساسية.

لكن لو قامت التنظيمات الدينية وهي الأوسع جماهيرياً بإدارة الإقتصاد هل ستكون هناك ديمقراطية؟

 ستظهر هناك قوى مهيمنة على الفوائض الإقتصادية، وستقلل الحريات الإجتماعية، وستقوم بقمع كبير للقوى العلمانية واليسارية والغربية المستوردة وللحياة التحديثية البسيطة التي تشكلت بعسر خلال قرن؟!

أما القوى التي تحتضن الحداثة الديمقراطية أي الطبقة الوسطى الحرة ذات المصانع والشركات المستقلة فغير موجودة بإتساع كبير، وحتى الموجود كثير منه مجرد لافتات للشركات الحكومية والرموز الحكومية؟

 إذن النسيج كله شمولي مناقض للديمقراطية، والأمور تحتاج لعقود طويلة وأجيال لتؤسس ديمقراطية وطنية!

وقد تركت الحكومةُ الجماعات المذهبية السياسية في مقدمة المسرح السياسي، وهي في حالات خصامها الأبدية غير قادرة على طرح مشروعات قوانين مغيرة لحال البلد، فهي تدير اللعبة السياسية كلها.

وإذا تحرك التجار سوف يشتغلون لمصالحهم ولزيادة فيض العمالة الأجنبية ولرفع القيود عن التجارة وإلغاء قرارات وزارة العمل، بعد أن تفردت بعض الوزارات بتقليص دخولهم وأرباحهم، وهم ليست فيهم قدرات كبيرة قادرة على فهم الموقف الوطني المعقد وعلى طرح قضايا الديمقراطية والعلمانية والتحديث!

لقد أدت السيطرات الاقتصادية الطويلة والثروات النفطية إلى بروز القوى العربية البدوية في الجزيرة العربية، لتشكل نهضة تحديثية من خلال رأسماليات الدول التي تخضعُ للقبائل والأسرِ الحاكمة والتجارِ الكبار، والتي يمكن التخفيف من غلوائها التفردية عبر النقد وقوى التشريع البرلماني وتعاون الكتل السياسية المختلفة (وهي كلها كتلٌ رأسمالية غائرة أو بارزة، وبعد سنوات ستترسملُ كلها بتوسع، فلماذا الإختلاف إذن؟!)، وكذلك التطوير التدريجي للصناعات الخاصة وما يماثلها من مؤسسات تحديثية إقتصادية ومراقبة الملكيات المُسماة عامة، وتطوير الحياة الاجتماعية تدريجياً عبر هذه السنين الصبورة.

هذه هي حدود (الديمقراطية) الخليجية وغير ذلك أما إنقلابات تقود لما قادت له الإنقلاباتُ في الدول العربية وبتجاربها المعروفة، وأما الإرهاب.

صعوبات الديمقراطية في الشرق

      إن مقاربة الشرق الصناعية للغرب ضعيفة، وهذا يترتب عليه ضعف البنية الوطنية المتماسكة، وغياب قيم الحداثة، وتخلف الحياة الاجتماعية الذي يؤدي إلى عدم فهم (الصوت) والعملية الانتخابية، وهيمنة القوى الشمولية من دول وقادة طوائف، وهو ما أدى أن تكون العمليات الانتخابية والحزبية وبالاً على المجتمعات بدلاً من أن تكون أداة التطوير.

فالقوى الاجتماعية لا تعرف معنى الديمقراطية فلا تستطيع أن تطبقها في الحياة السياسية.

وتدرك الدول الشمولية الكبيرة ذلك فتسيطر على أدوات الاقتراع وتخلق مسارح لما يُسمى بالديمقراطية، تجعل كل شيء كما كان سابقاً مع بعض الرتوش.

هناك بلدان شذت عن هذه القواعد نظراً لتطورها الصناعي، كاليابان والهند وإستراليا وجنوب أفريقيا، فقد خلقت لها قواعد اقتصادية – اجتماعية جعلت الحاكمين والمحكومين يقبلون بقواعد الديمقراطية، فلا يستخدمون أجهزة الدول في العملية الانتخابية، فالدولُ تغدو مجردَ أدواتٍ سياسية محايدة، يمكن أن يستخدمُها حزبُ اليسار أو حزبُ اليمين.

كذلك فإن الدين لا يغدو أداة في الاستخدام السياسي، وهذا الجانب والجانب السابق، يتشكلان معاً في القانون الانتخابي، وهو ما أثمر عنه عصر النهضة وعصر التصنيع، ذاك وضع ثقافة التنوير، وهذا وضع أسس التصنيع.

ومن هنا نرى الديمقراطية الهندية قابلة لوصول كافة الأحزاب للحكم، ورغم الجذور الدينية واليسارية المضادة للأديان، إلا أن قضية الانتخابات تدور على برامج الاقتصاد والإدارة الاجتماعية.

ليس فقط أن الدولة، كجهاز وطني مستقل، والدين كثقافة مشتركة لليسار واليمين، بل لأن إدخال الصراعات السياسية في هذين المرتكزين للمجتمع لا يبقي المجتمع نفسه.

ولهذا رأينا العمليات الانتخابية التي تجري في الشرق في غير هذه الدول تعود بالدول للوراء، وتؤثر على هذين الهيكلين لمجتمعات، نظراً لغياب التدرج الطويل في التنوير والوطنية.

في بعض الأحيان يستولي اليسار على الحكم في هذه الدول كحالة جنوب أفريقيا ولكنه لا يستطيع تغيير البناء الاقتصادي عامة، إلا بما يطور حياة العاملين الذين رفعوه للسلطة، واليمين قابلٌ بهذه القيادة رغم صراعه معها، لكن الأغلبية العاملة أتاحت لحزب المؤتمر أغلبية مريحة إلا أن يأتي وقتٌ وتنخرهُ عواملُ الفساد كأن يلتصق بقوى النفوذ المالي أو يتراخى في الدفاع عن مطالب الأغلبية.

وفي الحالات الأخرى التي لم يقعْ غبنٌ فيها على القسم الأكبر من المجتمع كما وقع الغبن على السود في جنوب أفريقيا، دون أن يكون ذلك كذلك هوية دينية أو عرقية، فنجد القوى الاجتماعية بين مالكين وعاملين هي التي تتنافس أسوة بمثيلاتها في الغرب.

إن الانتقال إلى هذا البناء السياسي يتطلب إرادة سياسية عليا للابتعاد عن العصور الوسطى وثقافتها، فذلك عصر غير ديمقراطي مهما كانت الإنجازات فيه جليلة، ولا بد أن تكون الهياكل السياسية والدينية محايدة في الحياة البرلمانية، وتتصارع البرامج الاقتصادية فقط في الانتخابات.

وهذا لا يعني إلغاء العمليات التمهيدية للديمقراطية في العالم الثالث، لكن بشرط أن لا توجه المجتمعات للوراء، وتواصل الدول الهيمنة على صناديق الاقتراع، وتلعب التشكيلات السياسية الطائفية والعنصرية والعرقية والمناطقية دوراً رئيسياً تمزيقياً للمجتمع.

ولكن هذه الشروط لا تحدث، وتحدث صفقات سياسية تقطع هذه الأساسيات، وتغير من جوانب منها تتفق فيها الأطراف المتنفذة على حلول غير جذرية وتبقي المشكلات الجوهرية في الحياة السياسية والفكرية.

ولهذا نرى ما تسمى بالتجارب الديمقراطية وهي تنزلق في المحاصصات المناطقية فكل فريق يستولي على إقليم، فتغدو الفسيفساء الدينية والطائفية والعنصرية تحت قبة (الديمقراطية)، وكل فريق يستولي على محاصيل ومنافع مادية.

حين ننظر للمجتمع الأفغاني نتساءل هل يمكن خلق (ديمقراطية) في مثل هذا المجتمع القبلي؟

 الديمقراطية مسألة ترتفع فوق مستواه وهو الذي يعيش في حروب طاحنة، ومعارضته تشتغل بالتجارة بالمخدرات المورد الرئيسي للبلد!

لكن مثل هذه الديمقراطية محمية بآلة حرب هائلة تستفيد منها شركات السلاح ووزارات الدفاع في الغرب؟

 كيف يمكن للقبائل في المرحلة الدينية أن تعي مسائل الديمقراطية، والديمقراطية منذ الأغريق تـُقام في مجتمعات مدن وتجار متطورة؟

 لقد توهمت الحكومات الأمريكية بإمكانية صناعة ديمقراطية بالقوة في مجتمعات متخلفة وحتى الآن لم تنجح تجربة واحدة.

ومجتمعات الشرق مجتمعات قوة تكون فيها جهة واحدة هي الصانعة للسياسة والديمقراطية غير ذلك ؟!

لا شك أن هذه التجريبية السياسية سوف تنهار، لأنها لا تقود إلى تصحيح شيء أساسي، وغدت ذات تكاليف أكبر مما كان فأضيفت نفقات أضخم.

وإذا تم حل هذه التجارب السياسية المسماة ديمقراطية فسوف لن تتغير هذه المجتمعات كثيراً وتعود الدول كما كان الأمر في السابق بتصريف الأعمال.

لا شك أن شعوب المنطقة تحتاج عدة عقود لكي تستوعب التنوير والحداثة، ولكي تتفكك العلاقات بين الدول والثروات، وتصعد قوى الفئات الوسطى والعمال التقنيين المواطنين، وتذبل القوى الطائفية، وتـُعاد اللحمة لنسيج الأوطان.

ولهذا لا تقوم الدول التي فيها مجالس (منتخبة) بإثراء التجربة السياسية في المنطقة أو أن تقدم نموذجاً اجتماعياً يُحتذى!

بل أن الدول الأخرى تمضي بسلاسة لا يعيقها شيء، مثبتة أن الدول كلها متشابهة في الإدارة.

وحتى هذه التجارب تتم فيها الطبخات فإذا اصبحت القوى الدينية مكروهة أُدخلت بعض العناصر الليبرالية، والعكس صحيح، مما يجعل مثل هذه التجارب كمسرح العرائس .

(الديمقراطية) الأمريكية اسوأ من البريطانية

     لم ترتفع الديمقراطية الأمريكية الموجهة كروشتةٍ صحيةٍ لمنطقةِ المشرق العربي إلى مستوى حتى الديمقراطية البريطانية المفروضة وقت الاستعمار.

لا بد من القول بأن تبعية المنطقة للغرب خلال هذه العقود بشكلٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشر، لم تُوجدْ سوى بنيةٍ حداثيةٍ هزيلة، ورغم تدفقات النفطِ الهائلة فإن المحافظةَ والتبعيةَ شكلتا مجتمعات شمولية في العمق الشعبي وفي الإدارات، ولم تساعد المجتمعات على مقاربة العلمانية والديمقراطية والعقلانية، وليست جحافل الإرهابيين سوى نتاج هذه السياسات الطويلة التي أثخنت هذه البلدان بالتمزقات الكامنة العميقة.

حتى الاستعمار البريطاني من بعض الوجوه كان يساعد القوى الحديثة ويخففُ من المغالاةِ الدينية، ويحرصُ على أشكالٍ من العقلانية السياسية البسيطة لكنها كانت مفيدة.

أما (الديمقراطية) الأمريكية فاللأسف وقفتْ مع تصعيد الهياكل المذهبية السياسية، وها هي تضعُ العراقَ على سلطةٍ ثلاثية طائفية كمقدمةٍ لشرخِ الخريطة العراقية الوطنية.

حين ينسحب الأمريكيون سوف يتوسعُ قتالُ العراقيين ضد بعضهم البعض، وتتفجرُ المشكلاتُ كمقدمات للاستيلاء على السلطات، التي ستغدو فسيفساء سياسية حارقة.

إن منعَ التنظيمات الدينية ورفضَ المتاجرة بالأديان كانت لا بد أن تكون الخطوة السياسية الأولى لأي نشاط لتغيير العراق. ودون ذلك حرائق لا تبقي ولا تذر، وها هي التكويناتُ الجنينيةُ للدويلات في طريقِها للتشكلِ وخلق مقدمات الحرائق.

وكلُ بلدٍ سمحتْ للمتاجرة بالإسلام أو المسيحية سياسياً تحصدُ الآن خرائطَ وطنيةً ممزقة، فلا يحقُ إعطاء أحدٍ حقَ المتاجرة في الدين وإستغلالِ رموزهِ المقدسة لنا جميعاً لمآربهِ السياسيةِ الدنيا، وللتجارةِ الاقتصادية الوضيعة، وإستغلال بساطة الشعوب وغياب تربيتها السياسية الطويلة.

لا بد لنا أن نقاوم على مستويين: الدفاع عن العقيدة الإسلامية، والدفاع عن الأوطان، وكلا الجانبين يتلاقيان، فهذه السياسةُ تنطلقُ من تراكماتِ النضال الوطني والنضالِ القومي الطويلين في المنطقة، فهي التراكماتُ التي بُذلت من أجلها أرواح الملايين.

وإذا كانت الحركات التقدمية والوطنية هُزمت بالحديد والنار، وبالفسادِ وبقصرِ النظر والجهل، فليس معنى ذلك العودة للأسوأ، وللخراب العام، وتمزيق الشعوب وحرق وحدات البلدان والأمة العربية.

إن القوى التي تريد الوصول للثروة عن طريق الدين فلتتوجه للثروة عن طريقها العقلاني، عن طريق الاستثمار المادي ومساحاته الراهنة والقادمة الواسعة، كما أن هيمنة الحكومات على أغلب طرق الاستثمار هو العقبة الكبرى أمام من يريد أن يتطور مادياً ويزدهر مالياً.

والنتيجةُ الكارثيةُ من عدم تلاقي هذين الطريقين في خطٍ وسطٍ هو أن من يريد أن يصلَ للثروة عن طريقِ الدين لا يصلُ لها بل يحرقُ بلدَهُ ويخسرُ دينَهُ، ومن يتشبث بالثروة لوحدهِ يفقدُها ويعيش على الخرائب في نهاية المطاف.

الجانبان مدعوان للتخلي عن كافةِ أشكالِ الهيمنة على الاقتصاد وعلى الأرواح وعلى خرائطِ الترابِ التي تصيرُ خرائط نار.

إن القوى الغربية سوف تتركهم بهذا الشكلِ ليديروا هذه البلدان الملغومة المفخخة، ثم تنسحبُ عسكرياً لتقوم بعد ذلك بدور الإطفاء والمراقبة الداخلية والخارجية بين المتذابحين وقبض أثمان ذلك.

سوف نقرأ مانشيتات مستقبلية مثل هذه: الأكراد يستولون على كركوك – الأكراد يتقدمون للإستيلاء على بغداد – الشيعة يغزون مناطق السنة – السنة يهاجمون الجنوب – الشيعة يطالبون بالانفصال الخ.

ليس ثمة سوى من شعارين أساسيين يتوغلان بقوة وتوسع في الجماهير العربية الآن: ((منع الأحزاب الدينية)) و((توزيع الثروة على الشعوب)).

توغل هذين الشعارين في وعي الجمهور يتخذ لهُ أشكالاً مختلفة، وإرادات متعددة، ونضالات متنامية على حسب إمكانيات ومواقف القوى الطليعية، وكلما تأخرت الشعوب في تجسيدهما زادت فاتورة تضحياتها مستقبلاً، وتعمقت حياتها سوءً.

الديمقراطية الإيرانية والعسكر

      أوضحنا في موضوعٍ سابقٍ بعضَ جذورِ الصراعِ الاقتصادي بين الرأسماليتين الحكوميةِ والخاصةِ الإيرانيتين في تاريخهما الراهن، ولكنه أمرٌ لا يكشفُ الأدوات الفكرية المستخدمة وهي عاملٌ خطيرٌ في تشكيل الصراع وتطوره.

ولا بد من القول إنه من الصعوبة العثور على الإحصائيات عن أحجام كل من الفريقين، خاصة الرأسمالية الخاصة المُغيَّبة الحضور في الأرقام والوجود الاجتماعي معاً.

ولكن من الواضح ضخامة شركات القطاع العام التابعة للدولة وخاصة للحرس الثوري، الذي غدا من الملاك الكبار للمؤسسات الاقتصادية والعسكرية والتقنية.

ونظراً لتضاؤل حجم الرأسمالية الخاصة، رغم بروزها الكبير في السوق التجارية، فإن وجودها السياسي يغدو كذلك ضئيلاً، خاصة في هذه المرحلة.

ولهذا فإننا نلمحُ أطيافَها من خلالِ تعبيراتٍ سياسيةٍ وفكرية، أكثر منها مصطلحات حداثية منتمية بوضوحٍ للحداثة وللديمقراطية والعلمانية.

فالمضمونُ الاقتصادي الرأسمالي الحر، وخاصة المصانع المملوكة لأفرادٍ، تكادُ لا تظهرُ في اللوحةِ الاقتصاديةِ العامة، وكذلك فإن مصانعَ الدولةِ المهيمنةِ على الثروةِ النفطيةِ والغازيةِ تغدو هي المتحكمةُ في أغلبيةِ الثروة وتوزيعها، فتظهرُ هنا سحابةُ الخليفةِ الأموي المسيطر حيث يكون مطرُها النفطي في بعضِ الجيوب، وهو أمرٌ يجعلُ الرأسمالَ الخاصَ الصناعي خاصةً ذليلاً وتابعاً لرأسمالِ المصانع الاستخراجية المملوكة لجناحٍ معينٍ مهيمنٍ في السلطة.

لكن التعبيرات الإيديولوجية لا يمكن أن تتخفى تماماً، ورغم إن مذهب الجعفرية هو مذهبٌ مناضلٌ في تاريخ المذاهب الإسلامية، لكن جرى له ما جرى لبقيةِ المذاهب الإسلامية من تحكمِ الدول الغنية وهيمنتها عليه، ومن الصعب ظهور التعبير عن عامة المسلمين من خلالِ عباءاتِ هذه المذاهب بعد هذه القرون الطوال من التحكمِ وإعادة الإنتاج.

ومع هذا فإن ذلك لا يعدم من وجودِ علماء مناضلين يظلون إستثنائيين بين الجموعِ التابعةِ للدول، والتي تفتي بمعاشِها لمن بيدهِ الأرزاق، أما أن يتابعوا بدقةٍ بين ما يجري في الواقع وكيفية تمثُله دينياً وتجسيده سياسياً حداثياً وديمقراطياً فذلك أشبه بالمستحيل.

ولكن يكفي أنهم يشيرون لما هو عامٌ ديمقراطي هو في مصلحةِ الأغلبيةِ الشعبية، ولهذا جرى إنحيازُ ثلةٍ من علماء الفقه الشيعي (للثورة الخضراء)، رغم البطش الكبير بها، وقد دعتْ هذه النخبةُ للحريةِ وانتقدتْ تزويرَ الانتخابات، لكنها لم تستطعْ أن توحدَ العامة والخاصة من أجل الديمقراطية. ولذلك أسبابٌ تاريخية طويلة.

إن الأدواتِ الفكريةَ المستخدمة من قبلِ طليعة الثورة الخضراء هذه متواريةُ، ذاتَ ظلالٍ كثيفة، معقدة، لا تزالُ في مرحلةِ تقيةٍ فكرية، تتلبسُ الأرديةَ التقليديةَ في محاولتِها للتعبيرِ عن نضالٍ ديمقراطي، واقصى تجلياتها كانت لدى عبدالكريم سروش، الذي توجه حتى للإرث الفكري النبوي وقامَ بتحليلهِ، لكن منظري الثورة الخضراء ظلوا في الأردية الدينية، وهي أرديةٌ محافظةٌ، تجعلهم مع الطبقة الغنية التقليدية المتحكمة في الثروة، وهم في ذات الوقت يريدون التحديث والديمقراطية!

لا يعني هذا ضرورة الخروج من الأردية الدينية، بل تعني فصل البرنامج السياسي عن الدين، الدين الذي قامتْ نفسُ هذه القوى المتحكمة في القرون السابقة بتفصيلهِ على مقاسِ الحكام المسيطرين على الثروةِ العامة، بطريقةِ الغيمة الأموية وتوزيع خيراتِها.

ولهذا فإن الفئةَ الخضراءَ تمثلُ مرحلةً إنتقاليةً تتوجهُ نحو إبعادِ قيادة الحرس الثوري عن التحكم في الدولة، وهي قضيةٌ بالغةُ الحساسية والأهمية لإيران والمنطقة، وتغدو معركةً جبهويةً تخصُ معظم الإيرانيين من أجل تفادي مخاطر العسكرة والحروب، ولتوجيه الفوائض نحو التنمية الداخلية والسلام، ومن هنا حرص قادة الجماعة على عدم توسيع الشعارات والتحليلات، وإقتصارها على نقطة سياسية تكتيكية، لكنها تعبرُ كذلك عن جثومِهم بين الطبقة الغنية المسيطرة، وإعادة العلاقة بين كتلِها السياسية والاقتصادية، لا أن تخرجَ أو تُزاحَ هذه الطبقة كلياً.

كما تعبر التكتيكات المستخدمة في نضال الشوراع السلمي عن هذه العقلانية السياسية المحدودة، التي تضغط حتى تحقيق مطلبها. ولو تحقق مطلبها الراهن فإنه لن يتم تغيير فرد رئيس الجمهورية بل خاصة وأساساً سيتم تغيير الفئة المسيطرة من القوى الحاكمة وهي الحرس الثوري. وبالتالي فإن تغييراً جذرياً لن يحدث لبُنية النظام، ولكن إصرار القوى المحافظة على عدم التنازل سوف يوسعُ الأهدافَ والتغييرات لتغدو الحريات أعمق ويتوجه النظامُ لسياساتٍ مختلفة وهذا سيظهرُ في حينه وفي ملابساته.

العسكر يعودون من نافذة الديمقراطية

     لا بد أن تكون الديمقراطية في الشرق عملية صعبة تاريخية مؤلمة، طويلة، فيكون لها متعرجات وهبوط والتفافات، مثل قطار يسير في أرض غير صناعية، وغير ممهدة، يصل أحياناً ولا يصل في أحيان أخرى!

وإذا كانت الديمقراطية هي شأنٌ إستنثائي في تاريخ الشرق فإن العسكر لهم تاريخ غير إستثنائي ومهيمن!

وقد كانت كل القبائل والدول السابقة هي دولٌ عسكرية، لأن القبائل كانت مسلحة، وتفرضُ أنظمة عسكرية، فالتاريخ السابقُ هو جذورٌ للجيوشِ العصرية، التي ليستْ هي سوى نفس القبائل والجماعات المسلحة ولكن صارت منظمة ومشكلة بالأنظمة والأسلحة الحديثة.

وفي المرحلة الليبرالية العربية والإسلامية المبكرة في التاريخ الحديث حاولت قوى التجار والمثقفين أن تشكل أنظمة ديمقراطية مستوحاة من الغرب، حين كانت الجيوش الغربية مسيطرة، فأعطتها بعضَ المساحة للتعبير ولكنس المخلفات التقليدية الأكثر ضرراً على التطور، لكن الجيوشَ العربية ظهرت من جديد، واستعادت القبائل والقوى القروية الإقطاعية نفوذهَا من خلال الجيوش التي انضم إليها ابناؤها، وراحت تزيحُ النفوذ الليبرالي الديمقراطي والنفوذ الاستعماري معاً.

فقد جمعتْ الجيوشُ نفوذ القوى القديمة وألبستها عباءة العداء للاستعمار، ولكن ذلك كان من جانب معين ضربة للتطور الديمقراطي، ولعدم تراكم وتوسع الحريات، وبقاء مجمعات التخلف في الريف والحياة الاجتماعية وفي الحياة الفكرية التي وضعت على أفواهها أشرطة عسكرية مانعة للتغيير والنقد!

وفي المرحلة الليبرالية الجديدة التي نعيشها الآن بعد أن استنفدت الأنظمة العسكرية نفسها وطورتْ أشياءَ قليلة وخربتْ أشياءَ كثيرة، ولم يبقْ منها إلا المتردية والنطيحة، وما سمحَ الاستعمارُ والتخلف، بدأ مجيء العسكر لكن من خلال ثغرات ونوافذ الأنظمة الحالية المترجرجة بين الليبرالية والشمولية!

ظهر العسكر في تركيا بشكل مختلف، ليمنع الأنزلاق نحو الأنظمة الدينية الشمولية، ووضع إطاراً للحداثة، ولعدم التجارة بالدين على حساب النهضة، لكن لدينا قفزَ العسكرُ من ثغراتِ الأنظمة المتكونة حديثاً غير الحاسمة في إنتمائها للوطنية وللحداثة والعلمانية والمستمرة في التجارة بالدين.

في دولٍ تسللَّ العسكرُ عبر عودة خدماتهم الحربية وتحول الجيش إلى الأداة الرئيسية للنظام في مجابهة عدو غاشم، ولم تستطع القوى المدنية التي أحضرتهم وقوت ساعدهم أن تعيدهم مرة أخرى للثكنات ليؤدوا واجبهم في التطور العسكري بل استغلوا مواقعهم العسكرية والتصنيعية الحربية ليفرضوا أنفسهم على الاقتصاد والإعلام والسياسة!

وهذا يعود للاضطراب في تشكل الأنظمة الجديدة، وعدم تطورها من خلال النسيج المدني السابق، وفرض تشكيلات غير عسكرية نظامية ومليشيات وأحزاب على الجيوش النظامية!

هي من قبيل عمليات إدخال الغوغاء لضرب التقاليد العسكرية النظامية الوطنية وكسر الانضباط ولكن يقوم بها الزعماءُ والضباط الكبار في البلد المعني، مثل الحرس الثوري في الصين فيما سُمي بالثورة الثقافية أو مثل عزل الجيش الإيراني الوطني وترفيع الحرس الثوري كجماعات من المتاجرين بالأجهزة العسكرية والمواد الاقتصادية، واللجان (الثورية) في ليبيا وخزعبلات ثورة الانقاذ السودانية التي جعلتْ البلدَ كله يهرول عالمياً من أجل أن يُنقذ!

هي عملياتٌ تشعرُ بالخوف من الجيش وتتمردُ عليه عسكرياً لإضعاف قوى في السلطات لا تقبل المغامرات السياسية، أو قوى في المجتمع المدني لها آراء مختلفة عن المسار السائد المضر، أو لإضعاف الجيش نفسه، فالأنظمة تشعر بأنها هشة وتخاف من القوة المنظمة الوحيدة والقوية وهي الجيش!

ويحدث العكس أحياناً حين تقوم القوى السياسية المدنية بتطوير النظام الاجتماعي وتعمل على تغييره من السلبيات المتجذرة فيه، وتخلق تعددية حزبية وفكرية، لكن القوى العسكرية والتقليدية في الجيش تتحالف لضرب هذه التجربة خوفاً على مصالحها التي سوف يجهز عليها مثل هذا التطور.

فتلجأ للانقلاب أو لتزوير الانتخابات أو لغيرها من الوسائل بحيث تبقى وتتاجر في حياة المواطنين.

وهي ترفعُ الشعارات البائدة لشحن مشاعر الشعب كمحاربة الفقر وتحرير فلسطين من الصهيونية، وهي لا تريد سوى تركيز السلطة في يدها، ووقف المسار الديمقراطي العميق في البلد!

وهذه كلها تحدث لعدم تجذر المسار الديمقراطي الهش في البلد، ولتفكك العلاقات الوحدوية بين قوى المعارضة، وتجذر القوى الشمولية في أجهزة الحكم خاصة في الأدوات العسكرية المختلفة، مع غياب حاضنة ديمقراطية دستورية عريقة.

هبوط العسكر بالمظلات فوق التجارب الديمقراطية وتضييع ثروات ضخمة وإدخال البلدان في حروب طاحنة مع دول أخرى، وظهور مجانين في هذه التجارب لم يبق شيء لم يدعوه لأنفهسم سوى النبوة والألوهة، رغم تجرؤ بعضهم على مناوشة المقدسات والتدخل في حيثياتها، كل هذا مثل خراباً واسعاً وهدراً لإمكانيات أمة كبيرة حولوها إلى خرائب.

توازنات الديمقراطية والعلمانية

     لا بد أن يكون التقدم السياسي على جانبي الديمقراطية والعلمانية معاً، فلا يمكن إعطاء القوى الطائفية السياسية مجالاً واسعاً للنمو، بدون أن تتخلى هي كذلك عن دكتاتوريتها التي تريدُ فرضها على الناس.

ولكن في خلال هذه السنوات المهمة زادت شهيتها لاحتكار القرارات وفرض هيمنتها المتخلفة، والتدخل في الاقتصاد من غير طريق الإصلاح الحقيقي.

ولقد لعبت ميوعة (اليسار) دوراً كبيراً في فتح شهية القوى الطائفية السياسية، فهو لم يتبصر في سنوات الأزمة الأولى خطورة وضع هذه القوى على كتفيه الواهنتين ومن ثم راح ينشرها ويقدمها لتحتل مكانه وتزيحه وتتلاعب به في خبث سياسي.

في تلك السنوات انبروا للدفاع عن هذه الطائفية السياسية وتخريبها، وغاب حتى وجود قراءة سياسية اجتماعية تغوص في جذور الأزمة وتجلياتها، ومعنى الوعي الديني المحافظ الطائفي اليميني وعدم تعبيره عن العرب والمسلمين، ووحدتهم، ونضالهم المشترك، ودور قوى الاستخبارات والضباط الكبار في الدول الطائفية في تفجير أوضاع المنطقة واستثمارها لعسكرة اقتصادهم، وغير هذا كثير من القضايا التي لم تتطرق لها تلك المعالجات السطحية.

المعالجات السطحية تشكلت من رخاوة وعي المنفيين واستهبالهم أي فرصة للهجوم على نظام جامد هو الآخر، بعد ذوبان تيارات اليسار وتمازج قواعدها بالأميين والدينيين الطائفيين، وتجسيد ذلك في تبدلهم الشديد من رفض واحتقار الشعائر الإسلامية إلى التغني بفضائلها بين ليلة وضحاها.

تعتمد تلك المعالجات السطحية على كتابة (البيان)، وهو بيان هزيل فكرياً، يُصاغ من جمل جاهزة، لا ترفدها أي دراسات أو فهم للبنية ولصراع الطبقات، وتعتمدعلى عقلية الإله الطيب أو الشيطان الآثم، فهنا الخير وهناك الشر، هنا النضال والنور وهناك الرجعية والتخلف والتبعية والظلام، وبما أن الطرف الحكومي هو الرجعي فالبضرورة يكون الطرف الآخر هو التقدمي، وبما أن الأول هو العتمة فلا بد أن يكون الطرف الآخر هو النور.

ولهذا فإن تغيير عقلية (البيان) كانت بحاجة لدرس عميق للنظرية وتطبيقاتها ولفهمها للدين وتركيباته، ولكن هذا ما كان ممكناً، وقد انتصرت القوالب والتسطيح والنظرات الجزئية وردود الأفعال.

ثم ازداد هذا البناءُ تراجعاً، بقبول الإغراءات المادية وتكوين تشكيلات سياسية فضفاضة لا قدرة لها على الفعل، مكونة من كم غير فاعل في الحياة، ومن أشكال منعزلة ونخبوية.

فيغدو التعلق بالقوى الطائفية والسياسية المحافظة هو طوق النجاة، مع غياب أي حفر سياسي بين الناس، وبعدم التوجه إليهم في بيوتهم وحياتهم ومناطق أعمالهم، إلا من بعض المبادرات العمالية الواقعية في هذا الجانب، وبعدم نقد المرحلة السابقة، عبر درسها وقراءة الخطأ والصواب، ولكن ذلك لم يحدث لأن العقلية السياسية لم تتقدم في العمق.

ومن هنا يجب الحذر الشديد من تسويق الطائفيين ونشرهم في الحياة على ظهور الليبرالية واليسار الواهنة.

ولماذا دائماً على القوى الوطنية أن تدفع ضريبة الدم في مراحل طويلة وعلى مدى أربعين سنة، وضريبة إنتاج الوعي في الأضرابات والسجون وكذلك ضريبة العزل السياسي عن مقاعد البرلمان وإفشال رموزهم، ثم يـُفرش البساط الأخضر لمن يرفضهم ويُفشلهم وينشر وعي الخرافة الدينية لا الإسلام بعكس ما انتجه اليسار سابقاً من وعي موضوعي ثم وهنت عقوله في استمرار صنعه؟

 لماذا لا يتقدم هؤلاء المتاجرون بالإسلام خطوةً واحدة من أجل فهم الدين والوطن وينسون الارتباطات الخارجية وخيوطها المتسربة في العظام؟

 لماذا لا يفرجون عن النساء الأسيرات في الحظائر ويعطونهن أبسط الحقوق؟ وهل يا ترى من يمنع الحقوق عن أهله يستطيع تقديم الحقوق لخصومه؟!

إن تقديم التنازلات المستمرة للطائفيين من قبل اليسار يشجعهم ويصور لهم أنهم معبرون عن جزء من شعب، في حين أنهم معبرون عن الجهل والتخلف في هذا الجزء من الشعب أو ذاك، عن التجارة بالدين والسياسة، والتوجه للمنافع الشخصية، لا عن التضحية التي يدفعها دائماً العامة الفقراء.

تتشكل الميوعة السياسية هنا من غياب وعي طبقي ملتحم بالعمال والنساء والحداثة، ومن غربة تجاه التراث، ومن عدم إستيعاب للفكر الديمقراطي التحديثي، فتتكون هنا فئاتٌ صغيرة فقدتْ جذورَها بتراثها الحزبي، وعجزتْ عن إنتاجِ تيارات مُجدِّدة ومراكمة ومصعّدة لتاريخها النضالي السابق، فتتحول إلى أفراد يخيطون و(يبيطون) في الحياة السياسية بدون ارتكاز على ديمقراطية حزبية وأفق نضالي مسقبلي.

لا بد أن تتوازن عمليات الديمقراطية والعلمانية والعقلانية، فلا يمكن تقديم الكراسي للملالي باستمرار دون أن يتحولوا هم بدورهم إلى شخصياتٍ سياسيةٍ وطنية تحديثية، وأن يرفعوا أيديهم عن أموال وأحوال البسطاء والنساء واليتامى.

لا يمكن جعل الجماعات الطائفية مستيدة على كراسي البرلمان من دون أن تتخلى عن دكتاتوريتها التي تقيمها على شحن العامة بالكراهية للعقلانية والعلمانية والحريات العامة.

ثم أن لا يكون للطائفية ومنتجيها وطن محدد ووطنها غيمٌ ديني غامض لا أحدَ يعرفُ ملامحَهُ السياسية ثم إذا نزلوا للوطن من هذا الدخان فتتوه، وجعلوه أوطاناً، فالوطن وسيجوه بأسلاك شائكة سياسية!

إن التقدميين والليبراليين والديمقراطيين الوطنيين عامة لا يمكن أن يقدموا تنازلات دون أن يتقدم الطائفيون إلى الوطنية المتجذرة في هذا التراب، ويطلقوا سراح قوى كبيرة داخل صفوفهم تعاني القمع الاجتماعي والقهر الجنسي.

وسنعمل دائماً على إطلاق سراح هذه الجماهير وتقدمها ومن أجل عيشها الكريم وتقدم فكرها ودينها.

والمحاولات لزيادة نفوذهم وسيطرتهم على العمال والنساء والأطفال لن تنجح مهما سوقها المتذبذبون وكرسها المتشددون، فهم يعملون ضد عقارب الساعة، وكلما نجحوا قليلاً أثاروا الاصطدامات والمشاكل وستتمزق صفوفهم هم قبل غيرهم ويحصدون نتائج أعمالهم.

إن غياب الحفريات المعرفية داخل هذه التشكيلات الطائفية ورؤية جذورها المرتبطة بقهر الأغنياء للفقراء، وبسيطرة المستبدين على المسلمين على مر التاريخ منذ سقوط حكم الخلفاء الراشدين، ولتنحيتهم للعقلانية والوطنية، وكل هذا يفرضُ مواجهة مثل هذه التنازلات وعقلية التدني السياسية، لأن فيها تصديعاً لنضالنا الوطني، ومحاولاتنا المستمرة لخلق تعاون واسع لحل مشكلاتنا الاقتصادية المتفاقمة، وأحوالنا الاجتماعية الصعبة.

الإسلام دين الديمقراطية والعلمانية

حين حدث الانقلاب على الأسس الاجتماعية للحكم في(الفتنة الكبرى) وما بعدها من نتائج استمرت ليومنا هذا، انقلبت تلك الأسسُ رأساً على عقب.

لم يكن ثمة ضرورة لأحزاب تقوم على أساس ديني، لأن الحكم هو للأغلبية الشعبية، وكان كبار الأغنياء قد أُبعدوا عن السيطرة على السلطة، ولهذا لم يخطرْ في بال عامة المسلمين أن تظهرَ أحزابٌ سياسية دينية، لأن الإسلام هو صوتُ الأغلبية العاملة.

وفي بداياتِ الانشقاق اعتبرتْ الأحزابُ السياسية المتوارية تحت لافتاتٍ دينية، إنها مع ذلك الميراث الرافض للأحزاب السياسية الدينية التي تمثل خروجاً عن دربِ السلف!

أخذت فئاتُ كبار الأغنياء التي وصلت للسيادة السياسية في صفوفِ مختلفِ الفرقاءِ المتصارعين على الحكم والثروة، وراحت تصورُ نفسَها أنها الوريث لما قامتْ بتحطيمهِ وإلغائهِ من التاريخ لجماعة المسلمين!

وحين جاءَ أي حكم مذهبي سياسي في هذه الطائفة أو تلك قام على نفس أساس الهيمنة الطبقية، فيصور نفسه بأنه الممثل للدين الحقيقي، وفي ذات الوقت له خزائنها المليئة بالمال والسندات والأراضي، وحين تقول فئة أنها ممثلة الإسلام تقوم باحتكار الثروة العامة وتحويل حزبها العسكري السياسي إلى القوة المهيمنة على العاملين. كان تاريخ الأغنياء الحاكمين المحدودي العدد بين أغلبية الفلاحين والبدو والفقراء.

وفي ذلك التاريخ تكونت جذور الجماعات الطائفية السياسية المعاصرة، فكانت الجماعاتُ السابقة تقتطعُ خيوطاً صغيرة من النصوص وتركبها على مصالح جماعة حاكمة في مختلف تضاريس العالم الإسلامي، وتحيل نفسها إلى حارسة للمذهب، وبالأحرى إلى معتقلة لتطور المذهب وتعبيره عن الناس.

فكان الحكام المستبدون يرون مدى شعبية هذا المذهب أو ذلك، ومدى قدرته على تكريسه لسطوتهم، ويكونون على أتم الاستعداد لتغيير المذهب وجعله سائداً في البلد الذي يحكمونه متى ما كان مفيداً لتكل المصلحة

 غدا مثل هذا التسييس ميراثاً عميقاً متجذراً، توظفه الجماعاتُ السائدة لانفصال دولة عن أمبراطورية، أو في هدم أمبراطورية، ويوظفه المغامرون السياسيون إذا ما ركبوا على أجساد القبائل المطايا للوصول للكراسي.

والدائرة تدور والطاحونة تفرمُ عظامَ الناس، والقصور تمتلئ ثم تتحول لخرائب، وتتجدد ثانية بالمتع والعطايا والكنوز ثم تـُهدم وهكذا دواليك، وإستغلال الإسلام يقوم به أي لص أو مغامر أو ثائر كذلك، لكنه يتحول مثلهما، فلا عقول تتسع ولا معرفة عميقة تتراكم، ولا حضارة تبقى.

كان هاجس الوحدة قوياً في الإرث الأول، لأن الأرثَ وحدَّ مصالح الأغلبية، رفض صعود الطبقية العليا، الفرعونية، والملأ المالي، وجماعات الربا الفاحش، وأبناء الأكرمين، فاستخدم الملأ البنكي والسلطوي والجمهوري والملكي ورقة التوت الرقيقة؛ الصدقات، والتظاهر بالتقوى، والشكليات الديكورية الخارجية، ليتظاهروا بوحدة موهومة غير حقيقية للمسلمين، تفرقها كل يوم الضرائبُ على كواهل الناس، وتراكمات الثروة هنا وتراكمات الحرمان هناك، السجون المفتوحة هنا والسفرات والصناديق المُهّاجرة هناك.

صارتْ الأقفاصُ المذهبية السياسية ضرورية، للحفاظ على هذه الهيمنات، رغم أنه حتى الهيمنات الطبقية الحداثية تصاعدتْ في أغلبية الدول الأخرى دون الحاجة لمثل ورقة التوت تلك، والحالُ اليائسُ يقول أسرقونا لكن دعوا عنكم التلاعب بالدين!

لكن الوحدة الدينية المأزومة الموهومة هذه تزيد الانشقاقات والحروب والمعسكرات، لأن مئات الملايين تؤمنُ بها، ويظهر مغامرون من كلِ حدبٍ وصوب، يتنطعون لمثل هذه المهمة الجليلة المستحيلة الآن، فيركبون الطائرات للمغامرات ويتمردون بالجيوش ويقتطعون أجزاء من الدول لإقامة دول قطع اليد، والديكورات سهلة، والأكسسورات برخص التراب، ويقدم متعلمون جبالاً من الكتب للحفاظ على التفاسير العتيقة والتعصب الديني والتعصب القومي.

ويزداد حرج بعض رجال الدين العقلانيين من هذه التجارة بالمقدسات، لكن الأغلبية ماضية في المزاد الرهيب، فيتوارى هذا البعضُ ويقدمُ السياسيين دون أن تحدثَ عملية فصلٍ عميقةٍ بين المقدسِ والسياسي، بما كان أساساً للتوحيد، وما هو صار أساساً للصراعات على أموال الدنيا، بما كان تراثاً عزيزاً سامياً توحيدياً، وما هو عراكٌ على الإبل والنقود ونهب الأراضي!

وقد وصلتْ العملياتُ الصراعية إلى ما هدَّم دولاً (إسلامية) ،(بل قلْ تاجرت بالإسلام)، ونرى أمامنا جحافل المسلمين المساكين وهم يحملون عفشهم البائس مثلهم ويرفعون أطفالهم على أكتافهم، ليفروا من الصواريخ والقنابل، والطائرات (الإسلامية) تضربُ منازلـَهم وقراهم ومزارعهم، والجماعات الرافضة (الإسلامية) تطلقُ عليهم قذائفـَها وتحرقُ مزارعَهم وعالمهم الهادئ الساكن!

وتجمع الدولة (الإسلامية) الأموالَ وعَرق الملايين في مخازنها للجماعات المقربة، والإقاليمُ النائية (الإسلامية والمسيحية وغيرها من الملل) محرومة، عطشة للماء، ويقول رئيسهم (الإسلامي) للجمهور (سنعطيكم الماء!)، ويصيرُ ابناؤهم الضباط حكامَ البنوك والشركات الدنيوية و(الإسلامية)، ليواصلوا ثقافة الفتنة الكبرى، أي ليضعوا مخططات تدهور الدول الإسلامية وتمزقها، وبدلاً من الأفراس ورباط الخيل يُعدون به عدة لضرب المسلمين، يستخدمون قذائف الهاون ومدفعية الدبابات سلاحاً يرهبون به المطالبين عن أخذ أنصبتهم المتواضعة في الميزانيات والأموال التي انتجوها.

انظرْ إلى خرائط الرعب في إفغانستان وباكستان والسودان والجزائر، سيول من الحروب وضحاياها الفقراء، ولا جماعة طائفية قامتْ بالتبدل والتوبة من هذا الميراث الدامي.

ليس ثمة أكثر أسى من رؤية ما يجري في باكستان الآن مئات الآلوف من البشر يتشردون في لحظة، هنا يفقدُ الناسُ بيوتـَهم الرثة، وهناك في أمريكا يفقد الأغنياءُ فللهم الفارهة من الفساد المالي والبذخ، صورتان تمثلان وجهين لعملة دولارية واحدة، فبؤسُ باكستان تغذى من دكتاتوريات عسكرية استخدمتْ الدين مطية، ونهبتْ خيراتِ البلد ورحلـّتها للغرب، وتلاعبت بهذه الثروة قوى مالية غربية كبرى إلى درجة الجنون بذخاً وعسكرة. ولكن هؤلاء الفقراء الباكستانيون يتعرضون للموت في كل دقيقة، وأولئك الأغنياء يُعرض عليهم التعويض!

هشاشة الهياكل الديمقراطية

     هشاشة الهياكل (الديمقراطية) في العالم الثالث واضحة جلية، فهي تعتمد على إرادة حاكم يتطلع لتغييرات إيجابية، وتبدل صفحة الماضي، ومواكبة دول العالم المتحضرة حتى لا تكون بلده عرضة للاضطرابات والعقوبات والتدخلات، وقد تكون مجرد تلاعب بسيط من قبل الطبقة الحاكمة لتهدئة نزاعاتها وتقاسم الحصص وعدم السماح للأحزاب المعارضة لكيان البلد في الانتشار وقد تكون تراكما موضوعياً كما هو الحال في أمريكا اللاتينية التي وصلت شعوبها لمستوى متقدم مقارنة بدول العالم الثالث الأخرى، نظراً لتجذر الأحزاب الوطنية واليسارية بين الجمهور العريض، أو قد تكون عملية خداع كبيرة تقوم بها الطبقة الفاسدة البيروقراطية للحفاظ على سيطرتها على الأملاك العامة كما هو الشأن في روسيا.

ورغم تقدم روسيا الكبير على الصعيد الاقتصادي إلا أن ذلك كان بلا تقاليد ديمقراطية، وهو أمرٌ لا يحدث إلا بأن تظهر قوى سياسية علنية تمارس المعارضة لمدة طويلة، وتشكل علاقات قوية مع الشعب، ولهذا فإن عقلية الاستبداد ومناخ الطاعة لأولي الأمر وسيطرة الشعارات الدينية – الحديثة الشمولية تهيمن على الرأي العام كما هو الشأن في إيران وسوريا وليبيا وغيرها فلا تخلق ديمقراطية.

إن الديمقراطية تحتاج لتحضير طويل بين الجمهور العادي الأمي، أساس الشعب في العالم الثالث، بأن يزيل خوفه من الدول ومن رجال الدين ومن رجال السياسة المتسلطين، وأن يمتلك الجرأة على نقدها، ومعرفة مصالحه المستقلة، وأن تكون ورقة الانتخاب خاضعة لمصلحته المستقلة وإرادةً لتطوير هذه المصلحة باتجاه رقي وتنور الشعب.

أي أن يكون الشعب علمانياً بدرجة أولى، ويدرك أن حبه لدينه أمر مختلف عن قضايا السياسة، فقضايا السياسة تخضعها الأحزاب لمصالحها الذاتية الخاصة، وهي تستعمل الكثير من شعارات الدين والدنيا لمصالحها وصعود جماعاتها، والعملية الديمقراطية تتطلب برامج لتغيير محسوسة في حياة الناس معدة بشكل خطط وبرامج في حال وصول هذه الأحزاب إلى البرلمان.

ولا تستطيع الأحزاب أن تقوم بذلك إلا إذا كانت أحزاباً علمانية، أبعدت المذهبية والدين والقومية عن برامجها، فبرامجها تخص تطوير معيشة المواطنين والمهاجرين على أي مذهب أو دين أو قومية يكونون.

وحتى هذه البرامجية العلمانية المجردة من كل هوى مذهبي أو قومي، تحتاج لسنوات من أجل تفهم الواقع وتدرك الطرق لتغييره ورفع معيشة الناس وحفظ سلامتهم ما داموا يسكنون هذا البلد أو ذاك.

ولا بد من صراع طويل بين البرامج الحديثة ل (الرأسمالية الخاصة) و(الإقطاع) و(العمال)، وهي القوى الثلاث الأساسية المتحكمة في أموال الدولة وعملها في العالم الثالث، أي المتحكمة في خبزها وزيتها ولحمها.

فالديمقراطية ليست حرباً ضد الدين أو معه، ولكن هي تشكيل لعلاقات سياسية بين الطبقات الكبيرة المتصارعة حول الملكيات والأجور والدخول وسياسات الأدخار والتأمين وسياسة البيئة والهجرة الخ.

إن العلاقات السياسية التي تجري من وراء كواليس الدين والمذاهب والقوميات، وتخلق الحروب بينها، تتأطر في الديمقراطية وتصبح صراعاً بين من يملكون ومن يعملون وتحدث تطورات بين هذين البرنامجين الأساسيين.

أي أن الصراع الديمقراطي العلماني يدور حول المصالح، وليس حول أن هذا المذهب أفضل من ذاك، ولا أن هذا القسم من المواطنين له الدرجة المميزة في الجنة.

إن انتقال الأحزاب والجمهور للعلمانية الديمقراطية مسألة تتعلق بمثل هذا الصراع، وبتغيير الهياكل السياسية في كل بلد تجري فيه مثل هذه العملية التحولية.

فماذا أعدت الأحزاب لتغيير المدن؟ وما هي سياستها في الهجرة؟ وما هو برنامجها البديل لوزارة العمل؟ وكيف تريد تغيير الشوارع والجغرافيا الوطنية؟

 كان السكان في أمريكا اللاتينية يشتبكون حول المذهبين البروتستنتي والكاثوليكي وحول من هو الأمريكي الأصلي، الأسباني أم الهندي الأحمر، وكل هذه الخزعبلات، لكنهم الآن يختلفون كمواطنين وكطبقات كل له برنامجه لإدارة الأملاك العامة وتنظيم أسواق العمل وسن قوانين التجارة وغيرها.

وقد عملت الأحزاب في هذه القارة التابعة للحضارة الأوربية عامة عبر عقود طويلة من العملين السري والعلني حتى ترسخت كأحزاب تمثل المواطنين، فالحزب الذي كان يمثل الهنود الحمر صار للمواطنين كافة، نظراً لرقي الثقافة عند المواطن العادي وتضاؤل تعصبه للقبيلة والمنطقة.

وبهذا فإن الديمقراطية نشأت في القواعد الشعبية أولاً، حين رأى ملاكُ الأراضي أن مصالحهم ستتبع تنظيم حزب موحد لهم، ورأى التجار والصناعيين مثل ذلك، وكذلك رأى العمال، وبهذا فإن الهيئة الاجتماعية الوطنية وممثليها حولوا صراعاتهم في الغابات والمدن بالأسلحة وبحروب العصابات الطويلة إلى حوار مصالح واتفاقات داخل مجالس تشتغل لتغيير القوانين والظروف كلٌ من موقفه ومصلحته وهذا رغم تشعبه وصعوبته ومرارته، أفضل من إستخدام قوة النيران في العمل السياسي.

هذا يعتمد على ظهور ممثلي القوى الأساسية هذه، لكن إذا ظلت جماعاتُ البرجوازية الصغيرة تصرخ وتشعلُ الجملَ الثورية كل ساعة، وهي لا تمثل أي طبقة رئيسية، بل تتراقص فوق حبال السياسة من يمين إلى يسار، وتجعجع بالمفردات الدينية والقومية، وكل يوم لها موقف، فإن صراع المذاهب والمناطق يغدو هو السائد.

ودون حدوث هذا المناخ المؤسس للديمقراطية فإن الدول وجيوشها خاصة تظل هي المتحكمة في هذه اللعبة السياسية، وتظهر لها في كل فترة (ديمقراطية)، فمرة هي التي تعمل من أجل الديمقراطية ومرة أخرى هي التي تضع حداً لفساد الديمقراطية، ومع موت قائد الديمقراطية يظهرُ قائدُ الجيش منقذ الديمقراطية والذي يمنع الفوضى!

وهكذا نرى تفجر الانقلابات في بقع كثيرة، ويجد البرلمانيون المسترخون في مقاعد الحروب الكلامية أنفسهم فجأة في السجون، ويعبرُ رئيسُ الجمهورية المُقال عن آرائه في قريته المحاصرة بالدبابات.

حين يبذل التجار والصناعيون والمقاولون جهوداً وقوة اقتصادية وسياسية على خلق أحزاب جماهيرية وتكوين برامج تحفظ مصالحهم على المدى الطويل، وحين يبذل العمال وممثلوهم مثل هذه الجهود في التعلم ودراسة السياسة والاقتصاد بدلاً من الثرثرة ولعب الورق، ويجد ملاك الأراضي والعقارات أن تكوين حزب يحفظ مصالحهم وأن يشتغلوا السياسة المستقلة الخاصة من فوق الطاولة لا من تحتها يدبرون المكائد وبناء الأضرحة والمقامات، فإن الديمقراطية وقتذاك تتشكل، وتغدو لهذه القوى الاجتماعية الكبيرة سياسات تطوير للمجتمع وللخريطة الفعلية على الأرض لا في الأحلام الضبابية. أي حين تحدث الانتخابات على أساس موضوعي وطني لا أن تـُسرق مقاعد الدنيا والآخرة لجماعة.

حريات النساء مقياس للديمقراطية

     كلما ازدادت حريات النساء كان التقدم الاجتماعي أكبر، وتواجه الدول والجماعات المحافظة اليمينية و(اليسارية) اختباراً قوياً لمدى إيمانها بالديمقراطية اللفظية حتى الآن، ويتحدد ذلك بمدى قدرتها على إحداث تطورات كبيرة في حياة النساء في وضع يهيمن فيه الذكورُ هيمنة مطلقة في هذه الدول والتنظيمات.

تعود الهزائم التي حلت بأنظمة التحرر والقومية والليبرالية الضعيفة إلى عدم إيلائها لهذا الجمهور القابع في البيوت والتراث المجمد عناية كافية، فقد قادت هذه الأنظمة جماعاتُ الذكور المحافظين، ومهما كانت إيجابياتها على صعيد محاربة الاستعمار والتخلف فإنها تركتْ النساءَ في ظلام العصور الوسطى.

وقد بدأت الأنظمة الليبرالية تقدماً هاماً على هذا الصعيد فتفجرت شعارات تحرر النساء وظهر منظرون لهذه الحريات على صعيد الحريات الاجتماعية والسياسية المحدودة، لكن تلك الحريات لم تصل للعمل الصناعي وتحجيم العائلة الأبوية الكثيرة الأعداد والقابعة في الأمية والجهل والأساطير، وفي قوانين الاعتقال التي تـُبرر بأسم الدين.

بل أن الأحوالَ ازدادتْ سوءً مع الأنظمة والحركات القومية العسكرية والدينية الشمولية، فقد تضخمتْ المدنُ العربية الصغيرة بأعدادٍ هائلة من الريفيين والبدو التي حملتْ الأشكالَ المتيبسة المحافظة وحاربت بها التطورات الوطنية والليبرالية الصغيرة في المدن العربية.

وهكذا تحملتْ النساءُ تراجعات الحركات السياسية العربية وتصاعد ذكوريتها، فامتدت الدكتاتورية من البيوت إلى الشوارع والأحزاب والجماعات والحكومات.

وكان التراجعُ ظاهراً على صعيد الملابس، وأدوات الزينة، وفرض الهيئة الذكورية على النساء، وتحجيم الجمال ودوره الخلاق، ونشر القبح، والأشكال الرهبانية وأمراض السمنة، ولكن النساء كن حتى في مثل هذا التصاعد للدكتاتورية كن يقاومن داخلها، بتغيير اللباس والبحث عن علماء دين يتسمون بالنزاهة والبعد عن الإقطاع، وهم نادرون محاصرون، فعاد عهد الجواري على نحو كثيف، وربحَ الكثيرُ من الرجال حريات البذخ واللهو والأسراف وتضييع ثروات الأمم الإسلامية. ولكن الأغلبية من النساء يتسمن بالخضوع ويزايدن على رجال الدين في محافظتهم فيزددن عبودية، نظراً لعدم درايتهن بالإسلام والحداثة، وعدم تمييزهن بين الإسلام كثورة نهضوية توحيدية ومشروعات الحركات الطائفية الرجعية التمزيقية لجسد الأمم الإسلامية.

ساعد في هذا إستيلاء قواد القرويين والبدو على مقدرات المنطقة النفطية وبثهم للشعارات المحافظة، وتصاعد مشروعاتهم وتكاتفهم وتكوينهم أحلافاً منظمة، وتمزق الحركات العلمانية والوطنية والتحديثية.

صار بعض الرجال يطارد بناته لأنهن يكتبن ويقرأن، أو لأنهن يظهرن على المسرح يشاركن في عروض مسرحية خلاقة، فكان الوأد الجاهلي المتعدد الأشكال للبنات.

في حين وجدنا في مرحلة سابقة آباءً أميين يفخرون بكتابة وحضور بناتهم الفكري.

لا يعود هذا الحضور المحافظ لهذه الجماعات أساساً بل للتكوينات الاقتصادية الأساسية في كل بلد، فالحكومات العربية لا يهمها النسيج السكاني الاجتماعي برجاله ونسائه بقدر ما يهمها السيطرة على الثروات في مشروعاتها غير المراقبة، والتي تخضع لراهن الربح والفائدة المادية، وليس لهدف تقدم السكان ككل.

لدينا في البحرين عدة آلاف من النساء لا يشتغلن في الخارج بل يعملن في بيوتهن الخاصة، وهناك الملايين في كل بلد عربي بمثل هذا الوضع، في حين تأتي العاملات والموظفات الأجنبيات للإستيلاء على وظائفهن، ولا يهتم رؤوساء الشركات بالعاملين فما بالك بتطور الحضور النسائي في الأعمال المختلفة؟!

يعتمد الحضور النسائي التحرري على تطور معيشة الطبقات الفقيرة، ومدى اتساع تعليمها، فهي المكان الأساسي لتواجد الذكورية المحافظة والشمولية، وكلما ترقت في أجورها ووظائفها ومساكنها وثقافتها صعب تغلغل القوى الشمولية بينها.

كما يؤدي هذا إلى عمل النساء واتساعه، وهو أمر يعمق كذلك من تطور معيشة هذه الطبقات، فلا ترغب في التوجه للمزايدات السياسية، وتعطي البنات حقهن من العمل والتعليم والثقافة.

إن طبقات معدمة جاهلة لا يمكن إلا أن تجعل نساءها أكثر تخلفاً وإنتاجاً للتخلف.

ومهما فعلت الأنظمة والحركات الدينية الشمولية من اضطهاد للنساء فإن الكثيرات يجدن ثغرات في نظام القمع الشامل هذا، فكل هذه الدول والجماعات الدينية المحافظة لها ظاهر وباطن، إدعاء بالتدين وتكالب على المنافع ولذائذ الحياة، فتظهر أنظمتها وحركاتها بهذا الشكل المشروخ المنافق، فاليافطات تقول طهر ونقاء وصرامة، والباطن عمولات ومحرمات، سوق علنية (بيضاء) وسوق باطنية سوداء، أغلب الأشياء محرمة في الظاهر وصارمة ولكن في الباطن كل شيء مسموح وحسب أفضل الأسعار.

ولهذا فإن الكثير النساء المتمتعات عموماً بالدهاء يجاملن هذه الحركات والأنظمة وينسقن مع أغنيات الفضيلة الزاعقة فيها، ولكن يكون لهن باطهن ومكرهن الخاص.

غرائز البشر وأخطائهم ونواقصهم لا يمكن القضاء عليها بالخطب التي يعتقد المحافظون إنها الوسيلة المثلى، ويجاورها العقوبات الصارمة، وهو أسلوب في ردع الإنسان ثبت فشله، وليس أفضل من المكاشفة والوضوح وتغيير الإنسان عبر ظروفه الموضوعية، ودعوته لخيارات الخير، ويبقى هو سيد مصيره، فإذا تجاوز القانون خضع لعقوباته.

فوفر للنساء خيارات العمل والثقافة والرقي ثم حاسبهن على خياراتهن. أما أن تقمعهن وتسود عيشتهن فسوف يمكرن بك ويجعلنك أضحوكة وأنت تعتقد أنك سيد الفضيلة.

لكن الدول والحركات المحافظة لا توفر ذلك لأغلبية النساء، فهن عاطلات في البيوت، يخضعن للسحر والثقافة المتردية للفراغ، فيجدن في الأزياء والعطور ومناكدة الأزواج وسؤ تربية الصغار وجودهن الزائف وقد أُنتزع وجودهن الحقيقي.

فتجر النساءُ الرجالَ المحافظين لهذا المستنقع الاجتماعي، فيخلق الرجالُ بيئات متعة زائفة، ومجتمعات ذكورية خاصة بهم، ونفقات بذخية تدمر الأسر، فيكون المجتمع قد خسرَ رجاله ونساءه معاً.

ونتاج ذلك حشود من النسوة في المحاكم ومعذبات ومطلقات وعيال مشردين، ويقوم الفقهُ الذكوري الجامد بمنع الإصلاح عن طريق الشرع، وعقاب الرجال الفاسدين.

معاني الديمقراطية في الشرق

      تحتاج المجتمعاتُ الشرقيةُ إلى عشرات السنين للاقتراب من الحالة الديمقراطية، فباستثناء المجتمع الهندي والياباني فليس ثمة إمكانية حالياً لتشكيل ديمقراطيات في آسيا وأفريقيا. المجتمع الهندي مجتمع فريدٌ من نوعه، عرف تعايش الأديان والقوميات، فأضفى عليها حزبُ المؤتمر في صراعه مع الاستعمار البريطاني صفة قانونية عميقة. بينما المجتمع الياباني أعطتهُ العزلةُ والتحولاتُ الداخلية الصناعية إمكانيةَ الاقتراب من الديمقراطية فتشكلت فيه بصورة فاشية كما بدا ذلك في الحرب العالمية الثانية، حتى جاء الاحتلالُ الأمريكي فجعله في ظل الديمقراطية الغربية وبهيمنة الطبقة الرأسمالية فيها.

نحن نفهم الديمقراطية باعتبارها حالةً سياسيةً تعني سيطرة الطبقة الوسطى على السلطة، فهي كذلك دكتاتورية، لكنها دكتاتورية تقدمُ للطبقات الشعبية مستوى من الحريات أفضل من المجتمعات الاستبدادية، لكن ما عدا ذلك فممنوع، وهذا تعبير عن مستوى تطور.

وبطبيعة الحال تنشأ فتراتٌ استثنائيةٌ تغدو فيها الطبقاتُ متقاربةً حينما يسقطُ نظامٌ استبدادي قديم، أو يواجه المجتمع مستعمراً ما فتتوحدُ الجهود، فتنشأ حالةُ نهوضٍ اجتماعية كبيرة، لكن تكون مؤقتة بطبيعة البناء الاجتماعي البشري المحدود في ظلِ إنتاج راهن عاجز عن خلق مساواة حقيقية، وفي ظل تنامي مصلحة طبقة عليا دون بقية الطبقات.

إن الانفراجات الشرقية والتبدلات السياسية التحديثية ليست هي حتى بمستوى الديمقراطية الرأسمالية الغربية، فهي صراعاتٌ داخليةٌ بين قوى اجتماعية تقليدية لم تصل احداها لتكون قوة ديمقراطية، وكل مجتمع يحمل بصمته الخاصة في ذلك، فليس ثمة فورمة لوصف مثل هذه الصراعات المختلفة.

فهناك قوى تقليدية ربما تريد وراثة قوى تقليدية حاكمة سابقة، للحصول على بعض امتيازاتها الاقتصادية ومواقع نفوذها، ويبدو ذلك في نوعية الأحزاب المناطقية أو المذهبية عادةً التي تعبرُ عن الاختلاف مع النظام السابق، غير أنها لا تختلف معه في تشكيل جماعة جديدة تقبض على مفاتيح السلطة.

ولعل هذا القبض يتم في مناطق جغرافية مبعدة عن التأثير في السلطة السابقة، فتظهر بصفة حكم أقاليم أو جمهوريات أو قوميات كما حدث ذلك في سقوط النظام السوفيتي أو العراقي، لكنها تظل سلطات شمولية جديدة، اتاح لها التحول السياسي المغمور بعاطفية قومية أو دينية شديدة، أن تحصل على أصوات كبيرة للوصول للحكم.

بطبيعة الحال هناك لحظة تقدم حتى في هذا التحول، فالنظام الشديد المركزية لم يلتفت إلى مشكلات الأقاليم أو المناطق المحرومة، أو الأثنيات المغبونة، فتأتي الأنظمةُ الجديدةُ لتعدل مثل هذه السياسات إلى حين، وهذا يعتمد على مهارة القيادة السياسية، لكنها لا تستطيع أن تخلق ديمقراطية، فهي ترتب الأوضاع ترتيباً خاصاً لكي تسيطر وتبعد الآخرين، معتمدة على الحماس القومي أو الديني.

إن المستوى الغربي الرأسمالي الديمقراطي صعب على الدول الشرقية، فغالباً ما يكون (الديمقراطيون) الشرقيون اصحاب نفوذ كبير في الدولة، يريدون إعادة توزيع حصص الامتيازات الاقتصادية، في حين إن الديمقراطيين الغربيين يكونوا ممثلي طبقة رأسمالية غنية لا يحتاجون لأجهزة الدولة لكي يثروا من خلالها، بل إنهم جاءوا ليكرسوا حكم طبقتهم كلها وربما يقدمون انجازات للطبقات الشعبية في بعض جوانب الأجور والأسعار والخدمات، وتكريس حكم طبقتهم يعني وضع سياسات اقتصادية تتعلق بمستوى الضرائب أو بتحفيز التصدير، حسب وضع الطبقة الاقتصادي الصراعي، مع طبقات أخرى في بلدان منافسة، أو لتحفيز الطبقة المنتجة في بلادها أو دفعها لمزيد من العمل، وهذا البرنامج المؤقت قد ينجح وقد يفشل وقد يُكرس في انتخابات جديدة أو يُهزم، ليظهر برنامجٌ آخر أكثر مقاربة للوضع ولمصالح المجموعات السكانية الأوسع، وهذا ما يفسرُ التناوبَ المستمر بين أحزاب اليمين واليسار في الغرب.

لكن الجماعة التي تحكم في الشرق أو القوة السياسية التي تصل للسلطة في الدول الشرقية، لم تكرس نظاماً لحكم طبقة معينة من خلال الإرادة الحرة للسكان، وهذا ما يجعلها دائماً في تحالف مع العسكر، ومن هنا فليس ثمة ديمقراطية شرقية بل عمليات طبخ سياسية تقوم بها القوى المؤثرة على الساحة.

وللوصول إلى مستوى الغرب أو الاقتراب منه يلزم الكثير من الثقافة العلمية والسياسية مع وجود قطاع خاص قوي ووطني، فليست الديمقراطية الهندية بلا عوامل موضوعية، فبدون القطاع الخاص الصناعي والتجاري الكبير الذي تكون والمعتمد على قوى عمالية هائلة، لم يكن بالإمكان جعل التعددية الفسيفسائية السياسية لتدخل في منافسات ضارية من أجل الحكم.

ولهذا كل ما يُرجى في مثل هذه الأوضاع والحالات التخفيف من قبضات الدول والجماعات القومية والدينية وخلق قطاعات خاصة لا تعتمد على الأثراء الحكومي، ترافقها ثقافة تحررية ودينية مستنيرة، توجه الجمهور لانتخاب الأفضل فهماً للظرف السياسي والقادر على دعم مثل هذه التحولات باتجاه الديمقراطية.

إن تكريس مرحلة انتقال للديمقراطية هي مسألة أجيال ومعارك وتنوير وتثقيف هائل، لتفكيك سيطرة الدول عن المال العام، ومنع أية قوة أخرى من الانقضاض على هذا المال العام، فهي عملية صراع مع كل القوى الشمولية.

≣ الديمقراطية التخريبية

     تعبر (الديمقراطية) العربية عن صراع سلطات عليا، وليس عن نقل السلطة للشعب.

ولأن الديمقراطية هي نقل السلطة للشعب، ولأنه لا يوجد شعب بل توجد طوائف متصارعة، فتغدو هذه الديمقراطية صراعاً على السلطة الفوقية، ويجري توريط الناس بهذه الصراعات!

دمر صدام حسين الشعب العراقي، وقامت سلطته بسحق تكوينه الوطني الحديث، ودمر الطائفيون اللبنانيون الشعب اللبناني الذي توحد في ومضات باهرة من التاريخ المدني…

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : ما هي الديمقراطية؟

من أفكار الجاحظ الاجتماعية والفلسفية

عبدالله خليفة كاتب وروائي من البحرين

 كاتب وروائي من البحرين

1 ــ  نقـد [النابتة] ومعناه

عبر الجاحظ عن عقلية موسوعية استطاعت أن تهضم معارف عصرها المختلفة و تدونها و تعلق عليها، في نظرة تجزيئية للمادة الثقافية العربية المختلفة الواسعة التي دونها، وفي ظل ا لمهمات الفكرية و السياسية التي و جد المعتزلة أنفسهم منساقين فيها.

فالجاحظ في كتابه [النابتة](1)، يقوم ببحث التاريخ الإسلامي عبر تحليل رموزه الشخصية فيؤكد سلامة السياق التاريخي و بتسلل الخلفاء الراشدين المعروف ، وينقد سيطرة بني أمية على السلطة بشكل متعسف وعنيف، معتبراً معاوية رأس هذه العائلة الباغية، ويتحول نقد شخوص الدولة الأموية إلى بحث في عنفها وطغيانها، دون أن يكون ذلك جزءً من سياق اجتماعي، فتظهر العائلة الأموية كنبت شرير بلا جذور في التاريخ العربي، و ينقطع هذا التحليل و النقد عن تشكل الدولة العباسية، بل هو يظهر المنصور رأس هذه الدولة بشكل مغاير لحقيقته، فكأن تاريخ القهر والاستغلال قد أنقطع، و لهذا تبدو أراء الجاحظ السياسية كصدى لشعارات الدولة العباسية ، في الخطوط العريضة لها.

من عناوين هذه الرسالة: معاوية يحول الملك إلى كسروية ـ إدعاء معاوية الخلافة كفر ـ جرائم يزيد بن معاوية ـ مزاعم النابتة ـ تناقض النابتة ـ مخازي عبد الملك بن مروان ـ النابتة تقول بالجبر والتشبيه ـ النابتة تقول إن القرآن غير مخلوق ـ كفر النابت ـ الشعوبية و دعواها.

تمثل هذه الآراء نقداً لجماعة يسميها الجاحظ تحقيراً [النابتة]، ومن الواضح انهم من جماعة أهل الحديث التقليديين الذي أشرنا إلى صعودهم المستمر في فضاء هذا العصر، ثم يربطهم بالإمام أحمد بن حنبل، والجاحظ يكتب رسائل عدة حول مسألة خلق القرآن ، باعتبارها ذروة العصر الصراعية ، مما يؤكد إن النابتة هم جماعة أهل الحديث.

إن الخيوط تبدو متقطعة بين الدفاع عن عصر الخلفاء الراشدين، ثم نقد عصر بني أمية ثم الهجوم على النابتة و الدفاع عن خلق القرآن. إن المسائل مع هذا مترابطة، فالنابتة حسب تعبير الجاحظ، كانت تدافع عن معاوية بن أبي سفيان، وبالتالي كل تاريخ بني أمية السابق، وهي النقطة الخلافية المحورية مع هذا التيار، الذي بدأ يؤكد حضوره الفكري و الاجتماعي المؤثر، وخلافاً للمنحى القدري ـ الاعتزالي الذي مثل الصعود المدني النقدي، فإن النابتة كانوا يؤكدون العكس في مختلف خطوط الجبهة الفكرية الصراعية، فعدم سب معاوية كان يعني الدفاع عن التاريخ الإسلامي السابق بعمقه المحافظ، و بقواه الرعوية العربية المتنفذة، و بكل ظلال وعيها، ومستواه الاجتماعي. كما أن ذلك هو نقد من قبل أهل الحديث لهذا الصعود الحضاري المدني المتفاقم، و هو رفض أيضاً لهذا الوعي الذي يعيد إنتاج الدين على ضوء المعطيات الجديدة، ولهذا فإن الهجوم المستمر على الدولة الأموية و رموزها من قبل العباسيين ومثقفيهم، و أبرزهم الجاحظ هنا، يتحول لدى المعارضة [اليمينية] الدينية، إلى دفاع عن الأمويين، وسبق أن تشكل حزب يسمى الحزب السفياني يأمل بعودة الإمام السفياني المنتظر، ورافقته انتفاضات في الشام خصوصاً، ولم يكن ذلك صراعاً بين المركز العراقي الجديد والمركزي الشامي السابق فحسب، بل كان صراعاً بين هذه الأقسام السكانية المتضررة من هيمنة الأشراف العباسيين على الثروة، و لهذا فإن رجال الدين المحافظين كانوا يشعرون بأن الاعتزال يشكل بداية فقه يسحب الامتيازات من تحت أقدامهم، وهم حينئذٍ لا يستطيعون معارضة المعتزلة في دفاعهم عن الإسلام وعن حكم الخلفاء الراشدين، باستثناء السنوات الأخيرة من عهد عثمان، كما يؤكد الجاحظ نفسه، فيبحثون عن نقاط الاختلاف، فيجدونها في الدفاع عن الدولة الأموية ورموزها ، و يستجيب المثال لجانبين مهمين، والأول هو الاختلاف مع الدولة العباسية و المعتزلة وخطهم التحديثي للدين ، و الأمر الآخر وهو الظهور بمظهر الدفاع عن الناس.

ويستطيع هذا الخطاب المحافظ المتصاعد أن يهزم الدولة [التحديثية] في خاتمة المطاف، و لكن علينا تتبع ذلك عبر المواد الصغيرة المتراكمة، ومن خلال وعي الجاحظ و عبر الأدلة التي يقدمها لنا.

فالجاحظ يقول في رسالته المعنونة باسم [خلق القرآن] ـ راجع كتاب رسائله السابق ص  165ـ [والنابتة اليوم في التشبيه به مع الرافضة و هم دائبون في التألم من المعتزلة، عددهم كثير و نصبهم شديد و العوام معهم والحشو ..]،(2).

لقد أخذت المعسكرات الفكرية في الظهور وبدت النابتة هي القوة الكبيرة التي تتقدم ومعها [العوام] و[الحشو] وهي ألفاظ تحقيرية أخرى للناس هذه المرة، و تعبر عن نزعة أرستقراطية أخذت تهيمن على المعتزلة المندغمين بالطبقة الحاكمة ، ولا يناقش الجاحظ أسباب هذا الوقوف للعوام مع النابتة والرافضة. وإذا كانت [الرافضة] مع لعن معاوية بطبيعة الحال، فإنها في التشبيه مع النابتة، وهذا الموقف المعقد و المتناقض يشير إلى الأقسام الاجتماعية العديدة التي اتفقت على معارضة الدولة من منطلقات مختلفة، كما يشير من جهة أخرى، إلى المستويات المعرفية المحدودة التي لدى الناس،  والذين لا يتبعون المعتزلة بل الآخرين، رغم إنهم لا يقودونهم إلى الصواب كما يرى الجاحظ، وهو لا يتساءل ما هي قيمة لعن معاوية على حياة هؤلاء الناس، أو ما هي علاقة المفاهيم المجردة كخلق القرآن بتغيير ظروفهم، ولماذا عددهم كبير ونصبهم شديد؟!

إنه وهو يقوم بقطع قضية الخلاف عن الجذور الاجتماعية والمعرفية، يحيلها إلى مسألة مجردة. صحيح إنه يشير إلى الجوانب النفسية المتضادة لدى البشر من حسد وكراهية و ثأر في تشكيل الموقف الفكري الصراعي، لكنه لا يقيم رابطة بين الجوانب النفسية والفكرية وجذورها الاجتماعية، حيث إن هؤلاء العوام يبدون منساقين وراء النابتة و الرافضة بسبب الجهل المحض، وليس بسبب انفراد الدولة بالثروة العامة المادية، وهي أيضاً تحاول الانفراد بالثروة الروحية، فتريد تشكيل الدين بصورة تتوافق مع مصالحها، في كونها دولة واسعة موحدة، وهو الأمر الذي يشاركهم في تأييده المعتزلة، وهذا الاحتكار للدولة للثروتين الاقتصادية و الدينية، يلغيه النمو المستمر للتعدديات المختلفة الدينية والمذهبية، فاحتكار الدولة للثروة المادية يقودها إلى تكييف الدين تكييفاً متفقاً مع ذلك الاحتكار، بحيث ترفض تعدديات الآلهة، وتقوي صورة الإله الواحد، ولكن تعدديات الآلهة بالشكل المسيحي والمانوي غدت محصورة في تجمعات بشرية محدودة، وأخذت صورة الإله الواحد تنتشر و تسود تدريجياً، نظراً للمصالح المترابطة للشعوب و الهيمنة العربية القوية في القرن الأول الهجري خاصة، ولكن مع انتشار هذه السيادة بدأت الشعوب المختلفة تبحث عن مصالحها المستقلة في إطار الوحدة الفكرية الإسلامية كذلك. ونحن في القرن الثاني الهجري لا تزال سيطرة المركز[العراق] قوية، ولكن معارضة المركز قوية و مستمرة كذلك.

وقد وضعت المذاهب الإسلامية الأولى ركائز الوحدة، وكذلك ركائز الاختلاف أيضاً، وقد رأينا كيف عبر المذهبان المالكي و الحنفي عن مستويين اجتماعيين مختلفين للمسلمين، فالمذهب المالكي عبر عن خصائص الجزيرة العربية ببداوتها و مدنها التجارية معاً، في حين عبر المذهب الحنفي عن المصالح التجارية و المدنية بصورة أكبر، وإن لم يخرج من الإرث الرعوي، في حين كانت الجعفرية تعبيراً عن الطموح السياسي المستمر للأشراف العلويين، فهي محاولة لإبعاد العباسيين عن الحكم بدرجة أساسية، ولهذا كان صراع العباسيين والعلويين حول النور الإلهي تعبيراً عن الصراع حول الثروة المادية وامتلاكها. في حين قبل المذهبان المالكي والحنفي السيادة العباسية، خاصة مع فقهاء المذهبين التالين للمؤسسين ، والذين أخذوا يكونون البنية السياسية ـ الاجتماعية المطلقة، أي المتجذرة في الحياة بصورة ثابتة، سواء كانت الدولة عباسية أم أموية، فقد غدا هؤلاء الفقهاء هم السلطة الأيديولوجية الدائمة ، ولكن ظل مصدر الفقهاء الموالك والأحناف واحداً حيث أن النور الإلهي تجسد في القرآن والسنة وبعد هذا أنقطع وصار العقل المسلم قادراً على الاجتهاد ضمن الكليات المستخرجة، وهذا ما جعل هذا الفقه متوافقاً مع البنية السياسية العباسية المسيطرة المركزية، لأنه يعتبر أن النور الإلهي قد أنقطع عن التراسل المباشر مع البشر بانتهاء الرسالة المحمدية، ولابد من تطبيق الأحكام حسب القرآن والسنة التي غدت منتهية، ويمكن الاستخلاص منها أو رؤية العام فيها وتطبيقه على الوقائع الجديدة، مع مراعاة المصالح العامة، مما يعني التوافق المرن مع حاجات الدول وسياساتها المتبدلة. وهذا ما جعل المذهبان الحنفي والمالكي ينتشران في رقع واسعة، يتناغم فيها المستويان المدني(الحنفي) والرعوي (المالكي)، أي الحضاري والبدوي، التجاري والزراعي، بتكوينات متداخلة معقدة ستشهد شيئاً من التبلور في القرن الثالث الهجري . ولهذا نجد أهل المغرب، شمال أفريقيا، يتحولون في هذا القرن من المذهب الخارجي المعارض بشدة والمهزوم بقسوة، إلى المذهب المالكي المتكيف مع الدولة، ولكن الذي يعطي المغاربة هوية متميزة، وكلا المذهبين الخارجي والمالكي نتاج الجزيرة العربية بمستواها الرعوي الغالب، وهو الأمر المقارب لسكان شمال أفريقيا.

في حين كانت الجعفرية تعبيراً عن معارضة للسلطة المركزية، وهي في هذا القرن تنمو بشكل حثيث داخل العراق وإيران ، مما يجعلها في صراع مستمر لتفكيك الهيمنة المركزية، ولهذا تلتقي مع الطموحات القومية المتوارية، ويتشكل نسيج مشترك.

ومن هنا نرى الجاحظ  وهو يحمل على من يسميهم بالرافضة، وهو تعبير حاد، ولكنه ينسجم مع ماكينة الدولة الدعائية في تحقير و انتقاص المعارضة. فهؤلاء يفككون الدولة المركزية، ولهذا فإن لديهم التأويل الخاص للصورة الإلهية، الذي يفكك الصورة السائدة عند العباسيين، مثلما يفككون جسم الدولة المركزي السياسي.

ولكن لماذا صعود [النابتة] وداخل العاصمة العباسية، مركز الحضارة والسيادة؟ أي لماذا تشكلت الحنبلية في عقر دار الخلافة؟

إن الحنبلية تقطع مع المذهبين السابقين: المالكي والحنفي، وهذا القطع غريب أن يتشكل  في العاصمة، خلافاً لهذا التراكم في نمو المذاهب باتجاه التيسير و العقلنة الحضارية، فهي تقف ضد هذا التطور، و تشدد على النصوصية الحرفية المطلقة، وترفض التأويل.

لابد أن نرى المسألة كشكل معقد من التراجع والصراع والتمايز، فالهيمنة الفارسية على الخلافة العربية قد تفاقمت، ووجد الفرس و الموالي في القدرية و الاعتزال و الجعفرية و الحنفية  والزيدية أشكالاً من المساواة، وكانوا الأسبق للحضارة، فاستطاعوا التغلغل في شتى مناحي الحياة ومراكز الدولة، في حين كانت مكانة العرب تتدهور بصورة مستمرة، و قد كانت القبائل المسلحة الغازية العربية هي التي حصلت على الثروة من البلدان المفتوحة، و لكن هذه المكانة العسكرية انخفضت وجاء الفرس، والأتراك الآن، ولم تؤدِ تلك الثروة السابقة إلى مستويات راقية من الوعي لهذه القبائل البدوية، ولكن التدفق الرعوي العربي والتركي والكردي مازال مستمراً خاصة في العاصمة، ومناطق العراق، وأخذ هؤلاء العرب وغيرهم يعبرون عن مستوياتهم الفكرية البسيطة بالعودة المطلقة إلى النصوص الحرفية، وبهذا كانوا يزيحون الفرس عن السيادة، وكذلك أصحاب الأديان الأخرى المهيمنين على الصرافة والتجارة كالمسيحيين و اليهود و الصابئة. إن الحنبلية تعبر عن هذا الصعود المستمر و تغير طبيعة السكان، فتشكل [هجوم] رعوي واسع النطاق من الأتراك والعرب على الهيمنة الفارسية و تحالفاتها، ولكن الانقلاب الكلي لن يتحقق الآن.

إن سكان الجزيرة العربية و بلدان الصحارى التركية والكردية و سكان شمال أفريقيا، الذين أثخنتهم ضرائب العاصمة و الصرف المستمر على بذخ الأغنياء المرفهين، و الذين لم يكونوا يفهمون اللغة المجردة و الفلسفية لمثقفي المعتزلة المرتبطين بالقصور، والذين لم تشكل النهضة في المركز أي تغيير ثقافي لهم، والذين كانوا يتدفقون على العمل في الجيش، إن هؤلاء كانوا ينتمون لمذهب المواجهة مع الفرس المهيمنين، ومع هذه العقلانية الثقافية ، التي لا تتحول إلى نضال اقتصادي لبلدانهم و فئاتهم المحرومة ، أي كانوا في سبيل التصدي لقرن من العقلنة الديني.

2 ــ  المعرفة والحرية

يرفض الجاحظ أراء المعتزلة في المعرفة، ويدعو إلى رؤية أخرى، فقد أصر العديد من مفكري المعتزلة على أن المعرفة [مكتسبة]، أي أنها نتاج عمل الإنسان وحريته. يقول: [فالذي استخرجه الأذهان منه وتستشهد عليه كعلم التوحيد والتعديل و التجوير وغامض التأويل وكل ما أظهرته العقول بالبحث وأدركته النفوس بالفكر من كل علم وصناعة، كالحساب والهندسة والصباغة والفلاحة، أجدر أن يكون فعله والمنسوب إلى كسبه]،(3).

إن المعتزلة هنا يتصورون أن فعل الإنسان المعرفي هو نتاج وعيه، ويضربون دليلاً على هذا بمثال حسي محدد وهو [فالدليل على أن درك الحواس فعل الإنسان على ما وصفنا واشترطنا من إيجاب الأسباب وتقدم العلل أن الفاتح بصره لو لم يفتح لم يدرك]، (4) . وهم يقفزون هنا إلى نتيجة كبرى، من الإدراك الحسي إلى النتيجة الفكرية ، عبر قولهم : [فالعلم بالله وكتبه ورسله أجدر أن يكون فعله ، إذ كان من أجل نظره علم ومن جهة بحثه أدرك ، فهذا جمل دلائل هؤلاء القوم ورئيسهم بشر المعتمر]،(5).

إن رأي المعتزلة باعتبار الوعي هو المالك لاختياراته الفكرية تبدو، لأول وهلة، غير قابلة للنقض، فمن أسّس المذاهب وعلم التوحيد والمعرفة بمختلف صنوفها هم البشر أنفسهم ومن خلال إرادتهم الحرة، لكن الجاحظ يرفض هذا الاستنتاج الواسع ودرجاته المختلفة عند مفكري الاعتزال المتعددين كالنظام، أستاذ الجاحظ نفسه، والذي يقول إن المعرفة ثمانية أجناس، وخمسة منها بفعل الحواس، ثم المعرفة بصدق الأخبار، ومعرفة المخاطبة، والخيار الوحيد لدى النظام هو العلم بالله ورسله وتأويل كتابه والمستنبط من علم الفتيا وأحكامه.

إن كون المعرفة [اضطرارية] ـ حسب التعبير السائد لديهم ـ ، هو أمر بديهي عندما تقوم الحواس بتلقي المثيرات الخارجية، ليترجمها الدماغ، فلا تستطيع العين إلا أن تفرق بين الكبير والصغير، كما تفرق حاسة الشم بين الروائح المختلفة، وحاسة اللمس بين أنواع المواد الخ.. ولكن النظام ينقل هذا الاضطرار، وتبعية الحواس للعالم الخارجي، إلى مجال الوعي والأيديولوجيا الدينية، حيث يتشكل أغلبها، حسب النظام، اضطرارياً، أي حتمياً، وبدون فعل الإرادة، فالإنسان الفرد يستقي المعلومات عن البلدان والأخبار وغير ذلك من صنوف المعرفة بدون إرادة منه أو حرية، ويقوم الجاحظ بتوسيع هذه المعرفة الحتمية الاضطرارية ليكون الدين جزء منها، فالإنسان لا يختار دينه، بل يجده جاهزاً، يصير جزءً منه دون اختياره أو حريته، فكل المعرفة بهذا الشكل اضطرارية، أي ملقاة على الإنسان من الخارج، من الإرث السابق عليه.

وبين قول أغلبية المعتزلة بأن المعرفة حرية ومسئولية شخصية، وان ليس ثمة إجبار خارجي من أي نوع، وبين قول النظام بأن أغلب المعرفة والاختيارات هي اضطرارية، ومملاة على الفرد من الحواس والمعرفة الاجتماعية والحسية، وهو القول الذي ينطلق به الجاحظ إلى أقصى غايته، منكراً أي حرية هنا؛ إن بين هذين القولين تضاد واسع وكبير، بحيث يجعل الأولين على خطى الحرية الاعتزالية المعروفة، في حين يبدو النظام والجاحظ يشكلان (جبرية) من نوع جديد.

ولكن الأمر ليس كذلك، فالنظام يقوم ببحث موضوع الحرية بشكل أكثر تطوراً. لقد أخذ يحلل قضية الحرية الفردية الإنسانية، لأن الفرد هو بؤرة وعيهم، ولا تأتي سيرورته الطبيعية والتاريخية، إلا كنتفٍ وأجزاء متناثرة وأمثلة بلا سياق تاريخي واجتماعي، وتبدأ الحتمية في صياغة وعي الإنسان منذ طفولته عبر الحواس، فإذا فقد الإنسان بعض الحواس فقد أجزاءً كبيرة من المعرفة والحرية، ثم تتوغل الجبرية الخارجية عبر المعرفة المستقاة من المحيط، وهنا لا يدخل النظام الدين باعتباره جزءً من هذه الحتمية الخارجية التي تسكب في الفرد، أو قل بأن تحليل النظام الاجتماعي يتوقف هنا، ويجعل الفرد حراً في اكتشاف أو صياغة دينه ، عبر عقله الذي استوى ، ولكن الجاحظ يرد عليه بأن عقله لم يتشكل إلا من المحيط ولم يكن ذا حرية في تكوين ثقافته، ولهذا فانه يصبح مؤمناً بهذا الدين أو ذاك حسب نشأته، وليس حسب حريته.

تنقلنا هذه الآراء الجاحظية إلى مستوى متقدم في فهم الوعي الديني والفكري عامة، حيث تقوم بتشريح الجبرية الفكرية المهيمنة على وعي الفرد، وتبدد الوهم بتصور الحرية المحضة، عبر ربطها الفرد بجسمه وبمحيطه، أي بالمؤثرات الموضوعية الطبيعية والاجتماعية التي تقوم بسبكه في قوالبها.

يقول: [يقال لهم: حدثونا عن العلم بالله ورسله، وتأويل كتبه وعن علم القدر وعلم المشيئة والأسماء والأحكام، أبا كتساب هو أم اضطرار؟ فإن زعموا أنه باكتساب، قيل لهم: أو ليس خلاف ذلك أجمع باكتساب؟]،(6).

إن المعرفة إذن كلها اضطرارية، فلا تتشكل بالحرية، فهي مأخوذة من الأجيال السابقة ومن الرسل، والجاحظ يخلط هنا بين التأسيسات الأولى للأديان وبين التراكمات والأفعال الإضافية التالية، والتي يجمع فيها اللاحقون أفكار السابقين ويضيفون إليها، وبهذا القطع فإن الجاحظ ينفي قدرات المحدثين في تطور الأديان، ويسد الأفق الذي فتحه النظام.

إن وصول الجاحظ إلى هذه الجبرية التي قامت حركة المعتزلة على تقويضها يجعله يتدارك المسألة ويقول:

[فأول ما أقول في ذلك أن الله ـ جل ذكره ـ لا يكلف أحداً فعل شيء ولا تركه إلا وهو مقطوع العذر زائل الحجة ولن يكون العبد كذلك إلا وهو صحيح البنية معتدل المزاج وافر الأسباب مخلى السرب عالم بكيفية الفعل حاضر النوازع الخ..]،(7).

ولكن كيف يحدث ذلك و[العبد] مُصاغ من قبل المحيط، ومتشكل منذ البدء في قالب ديني ما؟

إن الجاحظ يحل هذه الإشكالية عبر إيجاد توازن أخلاقي في النفس، عبر تحكم [العقل] في النوازع الطبيعية، [ومتى قويت الطبيعة على العقل أوهنته]،(8). ولن تقوم النفس بذلك إلا إذا كانت [معتدلة وأسبابها متساوية وعللها متكافئة، فإذا عدل الله تركيبه وسوى أسبابه وعرفه ما عليه وماله، كان الإنسان للفعل مستطيعاً في الحقيقة وكان التكليف لازماً له بالحجة]،(9).

ويغدو الرسل هم واسطة نقل الأوامر الإلهية إلى البشر، فلم تتشكل المعرفة الدينية والأخلاقية عبر التطور الاجتماعي والسياسي، فانهم لا [يعرفوه من الحركة والسكون والاجتماع والافتراق والزيادة والنقصان]، بل عبر الرسل ،وإن كان ثمة رجالاً من الموحدين [قد عرفوا وجوهاً من الدلالة على الله بعد أن عرفوه من الرسل]،(10).

إن تأكيد الجاحظ على الأديان والرسل بشكل عام، وتشكيل منظومة موحدة من المثل الدينية والأخلاقية، يعبر عن هذا المضمون المدني التعددي للمدينة الإسلامية، التي أصبح يؤثر فيها الموحدون، وهم المعتزلة، مستهدفين خلق أطر دينية عامة جامعة للمؤمنين ، يقع الإسلام في بؤرتها الفكرية.

وتبقى الحرية التي يطرحها الجاحظ هنا دينية أخلاقية، تتشكل من الفضائل والاعتدال وهي مستقاة من الغيب، التي تظل الدولة حارسة على تطبيقه، فالحرية الاعتزالية والجاحظية تتحد مع هيمنة الدولة المطلقة على الثروة العامة، منقطعة عن تيار الحرية الاجتماعي الذي أسس القدرية والمعتزلة وبلورها في مراقبة أموال[الأمة]، فتغدو الحرية الآن أخلاقية دينية ، ومُثُلاً متوسطة، واقتراباً من الأديان [السماوية] الأخرى، تعبيراً عن فئات وسطى متعددة الأديان تابعة للخلافة، في العاصمة السياسية، وقد فقدت القدرة على قيادة الجمهور، ولم تعد تشكل علاقات فكرية وسياسية به، تستهدف مراقبة المال العام وعدالة توزيعه، ولهذا فان [الجبرية] تعود للوعي الاعتزالي، عبر إرجاع تكون البشر للظروف الخارجية، فالناس لا يصنعون تاريخهم ، والناس لا يظهرون كفكرة وقوة اجتماعية صاغت التاريخ الديني والإسلامي، بل يظهر الفرد المجرد ويتركز النظر حول كيفية تطور معرفته ، التي تغدو حتمية خارجية، وليست ممارسة فردية واجتماعية وتاريخية، مرتبطة بالدولة والمجموعات الاجتماعية المتصارعة المختلفة.

إن هذا الاغتراب عن متابعة سيرورة تطور المعرفة والحرية في التاريخ الإسلامي، داخل حقلها الاجتماعي والتاريخي، يعود إلى الخط الفكري الأساسي للاعتزال الذي ركز على بحث الغيب بدرجة رئيسية، وليس بحث المجتمع والوعي فيه، ثم انفصل عن إرثه المعارض، وكان الجاحظ يمتلك إمكانيات ثقافية وفكرية كبيرة، واستطاع عبرها أن يتغلغل في كافة مستويات الثقافة والتاريخ الإسلاميين، فلم يكتف بالبحث المجرد، ولكنه مع هذا لم يربط بين عمليات البحث الاجتماعي والفكري والمقولات النظرية الاعتزالية [التحررية] تعميقاً لها، وربطاً بينها وبين النضال الاجتماعي.

3 ــ موسوعي في خدمة الحضارة والدولة

لقد اتفقت أراء المعتزلة العامة مع المسار السياسي للدولة العباسية عبر الاتفاق على التوحيد الإلهي والسياسي، ومثل الجاحظ أكبر تمثيل علاقة التعاون بين السلطة والمثقف الاعتزالي، مقدماً خدمات فكرية كبيرة لمنحى الدولة الاجتماعي والسياسي. فجاء مقاله حول (خلق القرآن) ومقاله عن (مناقب الترك) في هذا الاتجاه. وبحثه الأول عن القرآن تشكل في خضم الصراع بين الدولة وما يسميهم الجاحظ ب(النابتة) وهم الفرقة السلفية التي بدأت بالبروز حينئذٍ، وسنبحث لاحقاً أبعاد هذه المعركة الفكرية ـ الاجتماعية المعقدة، ولكن يهمنا الآن الإشارة إلى جوانب في هذه المقالة وهي عن اختلاف الجاحظ مع أصحابه المعتزلة حول مسألة خلق القرآن و هم الذين أكدوا أن القرآن هو الجسم دون الصوت، أو قول النظام ومن جاء بعده ((ممن يزعم أن القرآن حق وليس تأليفه بحجة وأنه تنزيل وليس ببرهان ولا دلالة))(11).

والجاحظ يختلف مع هذه الآراء بقوله [والقرآن على غير ذلك جسم وصوت، وذو تأليف وذو نظم وتقطيع، وخلق قائم بنفسه مستغن عن غيره، ومسموع في الهواء ومرئي في الورق، ومفصل وموصل، ذو اجتماع وافتراق، ويحتمل الزيادة والنقصان والفناء والبقاء]،(12).

ان الجاحظ في هذه الآراء، وهو يتفق مع المعتزلة في التيار العام،  ومع اتجاه الدولة في فرض فكرة خلق القرآن، يشكل اجتهاداته الخاصة داخل التوجه العام، فهو لم يقم برفض هذه العملية الغيبية التجريدية في بحث مسألة خلق القرآن، بل كان من ضمن أصوات المعتزلة، سواء المنفصلين عن الدولة، أم أولئك الملتحقين بالخدمة لها، وهذه القضية التي تشكلت فوق أنقاض الانهيار الداخلي العميق للجماعة من حركة نضالية شبه مستقلة، إلى كونها مجموعة من الأفراد الملتحقين بخدمة السلطة أو المنعزلين، قد جعلت المعتزلة يتغلغلون في تحليل الظاهرة القرآنية و يختلفون في هذه التحليلات، وهنا يقوم الجاحظ بالافتراق عن أصحابه، موجهاً البحث نحو مسائل لغوية وفكرية، اجتماعية و تاريخية، محاولة بعض المعتزلة تجريد القرآن وجعله جسماً لا صوتاً يرفضها الجاحظ ويعرض رأيه السابق، الذي يبدو غير مكتمل، فنجد المقالة  ُتبتر فجأة وتتوجه إلى مسألة تعذيب الإمام أحمد بن حنبل. و هو يقول في خاتمة الموضوع السابق: [وكلما احتملته الأجسام ووصفت به الأجرام فمخلوق في الحقيقة دون المجاز و توسع أهل اللغة]،(13). فهو يجعل القرآن مخلوقاً لله بكل صفاته المعنوية.

إن هذه الآراء الاعتزالية الجاحظية خاصة، تفتح باب تحليل القرآن تحليلاً لغوياً و تاريخياً، وهي ستضع حجر الزاوية لتحليل القرآن من وجهة نظر عقلية، فنجد إن الغيبية الاعتزالية تصبح فهماً للتطور التاريخي للإسلام عبر كتابه الأول، لكي يتحول إلى الوثيقة الحضارية الأساسية للمرحلة، وهي مرحلة العصر العباسي الأول.

انه وثيقة حضارية لكي تحدث عملية قطع مع الجوانب المتخلفة للمرحلة السابقة، من حيث عدم اعتبار العرب الوحدة السكانية المطلقة، ولأجل تعاون الأديان المتعددة والسكان المختلفين، ومن أجل التفتح الحضاري وتغييب حضور الجن مثلاً في الحياة البشرية الخ..

إن الجاحظ وهو يفسر القرآن باعتباره كتاباً إلهياً مخلوقاً، بشكل نسبي، يرفض توجه (النظام) بعدم اعتبار القرآن حجة و برهاناً، والجاحظ هنا يستجيب لنظرته العامة، في العودة الأخيرة والمطلقة إلى الله. إن كون القرآن برهاناً يستجيب لرأيه في كون المعرفة البشرية جبرية وضرورية، بمعنى إن الناس وجدوا رسالات مختلفة ساروا عليها، وغدت هي إرثهم الجبري، بلغة عصرنا. فالجاحظ لكي يؤكد أهمية وحدة الأمم والأديان، تحت لواء الدولة العباسية الموحّدة، وضرورة تجاوز الحديث عن إزالة الأديان الأخرى، يقوم بإعادة الاعتبار للأديان المختلفة، بل وحتى للمراحل التاريخية المتعددة الأفكار والأديان في الحياة العربية بحقبها المتتالية.

فهو يشير إلى عدم رضاه لهدم آثار الأمم السابقة، فيقول:

[لأن من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم، وأن يميتوا ذكر أعدائهم، فقد هدموا بذلك السبب أكثر المدن وأكثر الحصون، كذلك كانوا أيام العجم وأيام الجاهلية، وعلى ذلك هم  في أيام الإسلام، كما هدم عثمان صومعة غمدان، و كما هدم الحصون التي كانت بالمدينة، و كما هدم زياد كل قصر لابن عامر، كما هدم أصحابنا(العباسيون) بناء مدن الشامات لبني مروان]،(14).

إن هذه النظرة المتقدمة التي يطرحها الجاحظ ترتكز على رؤية تعددية على مستوى الراهن، وبالتالي على صعيد الماضي، وهو لا يوفر نقده حتى على العباسيين، الذين أسماهم (أصحابنا)، وفي هذا دلالة على التعاون السياسي والفكري، والافتراق كذلك، فالتوحيد الذي يطرحه الجاحظ ليس إزالة فكرية للآخرين المختلفين، بل هو استيعابهم في المنظومة الحضارية الإسلامية، بأفقها المنفتح، وعدم هدم آثارهم المادية والفكرية، ولا شك إن ذلك أولى بفرق المسلمين كالأمويين. والجاحظ هنا يحدس بنظرة عبقرية أهمية التراكمات المدنية، وكون الحضارة في المنطقة قامت على النفي والقطع وليس على التراكم والإضافة.

والجاحظ يقول ذلك رغم هجومه الفكري الواسع على الفرق الإسلامية الأخرى، التي ترفض التوحيد الاعتزالي. فوعيه (الديمقراطي) يظل جزئياً، ومقتصراً على جوانب متفرقة من الحياة الاجتماعية والفكرية، فهو لا يتحول إلى نظرة شاملة، خاصة في مسألة احتكار السلطة من قبل العباسيين، و هو الظرف التاريخي الجوهري و الشامل الذي أعاد تشكيل المنظومات المذهبية والفكرية المختلفة تبعاً لسيطرته. و لكنه وهو في بغداد و يعيش من تقديم كتبه للمتنفذين في الدولة، لا يستطيع إلا وأن يقبل الهيمنة السياسية و الاقتصادية المطلقة للعباسيين، وقبوله بها أيضاً لم يمنعه من الاختلاف أحياناً معها، في مسائل فكرية هامة.

إن الجاحظ، وهو يعرض هذه المسائل كلها عن خلق القرآن وهيمنة الله المطلقة على الوجودين الطبيعي و التاريخي، يناقض أفكاره و يلغي دور العمل البشري، الذي يؤكد فاعلياته في كل أعماله الفكرية، و يعود سبب هذا التناقض إلى كونه لم يربط بين الفاعلية الإلهية و الفاعلية البشرية على نحو تاريخي. فالمعتزلة، و الفكر الإسلامي، لم يستطيعا رؤية التاريخ البشري، و ضمنه الإسلامي باعتباره ممارسات إنسانية مرتبطة بظروف وإرث وصراع، فجعلوا الخلق الإلهي مباشراً ومتدخلاً ملموساً، وليس باعتباره خلقاً أولياً للوجود ثم تركاً لهذا العالم ينمو بقوانينه الخاصة، الطبيعية والتاريخية، نظراً لعدم القدرة الشاملة على هذا الاكتشاف.

لقد أضطرب الوعي العقلاني الإسلامي في قراءة الظواهر المختلفة، فهو يؤكد مرة على قدرته على المعرفة والحرية و الفعل، و مرة أخرى ينفيها، نظراً لأولية العلوم الطبيعية والاجتماعية في هذه المرحلة، وبدايات التراكم المعرفي، والجاحظ هو نفسه يقوم بهذه العملية العلمية والتاريخية، ويكشف فاعلية الإنسان، ولكنه لا يستطيع أن يربطها بالتاريخ الإسلامي، ليقوم ببحث تشكل التاريخ العربي و أسبابه، رغم إننا وجدناه يبحث الظلم الأموي، ويكتب عن الترك، وعن تفوق السودان على البيضان وعن ظواهر اجتماعية مختلفة، كسوء أخلاق كتاب الدواوين و القيم المختلفة والجواري والقيان والنساء والحب والبخلاء الخ..

ويلاحظ في رؤيته، هذا التناول الجزئي للظواهر، وفصلها عن جذورها، فهو يعتبر البخل، مثلاً، ظاهرة ذميمة و مصدراً للفكاهة، دون أن يربطها بتراكم رأس المال، وحاجة هذا المال إلى النمو و التوسع، وخوفه من الزوال و المصادرة، و كون الفئات الوسطى في المدينة الإسلامية حديثة النمو ومعرضة لشتى أخطار السوق والدولة، في حين إنه لا يدين إسراف الطبقة الحاكمة في بناء القصور وبذخ الحفلات، ويعود ضعف هذا التفسير أيضاً عدم تخلصه من الوعي الرعوي ـ الزراعي والأرستقراطي المتعود على الإسراف، والمتكل على الغيب، و ليس على تراكم الربح و التخطيط الاقتصادي.

وهذا يعبر كذلك عن أن التحاق مثقفي الطبقة الوسطى بالأشراف يتشكل ليس في قضايا أساسية كمسألة التوحيد، بل أيضاً في تبعيتهم لمعايير تلك الطبقة في المجالات الأدبية والاجتماعية والسياسية. ومن هنا تغدو مقالته حول [مناقب الترك] جزءً من الحملة الدعائية التي تقوم بها الدولة للترويج للأتراك الذين بدأوا يتغلغلون في عاصمة الخلافة، ويصبحون القوة العسكرية الهامة في الجيش، وهذا التبييض الذي يقوم به الجاحظ للأتراك، يتناقض مع المعاناة الشعبية من مجيء هؤلاء البدو واستيلائهم على وظائف أساسية للعرب. و هو يقوم في هذه المقالة بذكر مناقبهم الجسدية القوية و قدراتهم العسكرية وشجاعتهم الخ.. دون أن يدرك إن هذا التوغل الرعوي الواسع سيعيد مركز الحضارة العربية إلى لحظة سابقة، إلى لحظة كان العرب الرعاة يبدأون فيها بالتحضر، وإذا كان العرب قد حملوا إرثاً فكرياً هاماً، فإن الأتراك كانوا يفتقدون إلى ذلك، وبسبب ذلك فإن الاعتزال، وهو النظرة الدينية المتقدمة، سوف يُهزم ويطارد. إن هذه العملية المتضادة، بقيام مثقف اعتزالي كبير بمدح ظواهر ثقافية واجتماعية متخلفة، تشير إلى الوشائج بين الوعيين القديم والجديد، بعدم قدرة الأخير على التخلص من العباءة الإقطاعية، وكون الفئات الوسطى تعيش و تتنفس غبارها، ويغدو المنهج الجاحظي مجموعات من الملاحظات والاستطرادات والنكات لتعليم وتسلية أرباب النعم من الموظفين الكبار والخلفاء. ويتشكل عداء غريب بين هؤلاء المثقفين الاعتزاليين، ومنهم الجاحظ، وبين العامة، حيث لا يذكرهم الجاحظ إلا بألفاظ نابية : كــ(السفلة) و(الرعاع) و(الحشو). فالإنتاج الثقافي التنويري الاعتزالي يتوجه في لحظته تلك إلى الأشراف، وليس إلى العامة، فالعامة تريد ربط هذه المقولات النظرية، إذا فهمتها، بلقمة عيشها، وبنقد الأشراف و سرقتهم للمال العام، ولكن الخطاب الاعتزالي وقد فقد قدرته على الكفاح و استعادة إرث آبائه المقاومين، لم يكن بمقدوره خلق خطاب من هذا النوع، وفمه ممتلئ بذهب (المعز). ولكن هذا لا يعني غياب التأثير في الجمهور المتعلم، وعدم القيمة الأدبية والفكرية لهذا الإنتاج، الذي سيلعب دورا هاماً متنامياً على مر التاريخ. كذلك فإن لهذا الأدب حيله التعبيرية كمدح الجاحظ للبشر ذوي اللون الأسود في تحدٍ ضاحك للعنصرية والطبقية البيضاء، و إن كان ذلك بشكل عنصري .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

(1): (رسائل الجاحظ دار و مكتبة الهلال ، بيروت طبعة 1، 1987 ).

(2): (ص 173.).

(3) : (رسائل الجاحظ، الرسائل الكلامية، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1987، ص 117).

 (4): (السابق ص 110

(5): ( السابق، ص 111).

 (6): (نفسه ص 113).

 (7): (السابق ص 116).

 (8) : (نفسه،(ص 116 ).

 (9): (نفسه، ص 117).

 (10) : (نفس المصدر السابق ورقم الصفحة). 

(11): (رسائل الجاحظ الكلامية، مصدر سابق ص 166).

(12): (نفسه، ص 168).

(13):  السابق 168).

(14): (نقلاً عن معتزلة البصرة و بغداد، د. رشيد الخيون، دار الحكمة، ط ،2002،2).

 عبـــــــدالله خلــــــــيفة : من أفكار الجاحظ الاجتماعية والفلسفية

 

محمي: عبـــــــدالله خلــــــــيفة أفــق مقالات 2007

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور في الأدنى:

عبدالله خليفة

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : ♀ عن المرأة

نشاطٌ صحفي نسائي

نادرات اللواتي كرسن أنفسهن من البحرينيات للكتابة وقضايا الحرية والفكر، ولهذا لم تتواشج هذه الكتابات بالفلسفة والمادية التاريخية، لكن بعضها الجميل ظهر في الأعمدة والتحقيقات في الصحافة الشعبية النقدية.

التواشج مع الفكر المتقدم كان يمكن أن يظهر كتابات نسائية تبقى وتتجاوز الجرائد إلى الكتاب، فتغربل المواد الشعبية البحرينية وتتغلغل في تحليلها وتصير وثائق. ولهذا نجد أن قضايا النساء لم تحلل بصورة جذرية وتدرس مشكلات الأسرة والوعي والتخلف والاقتصاد الحديث وأسباب (عجز) النساء عن الدخول فيه.

لهذا نجد كيف ازدهرت وارتقت الثقافة اللبنانية والسورية والمصرية بوجود النساء الكاتبات الباحثات. فنوال السعداوي هي مدرسة وسجل حافل بالمؤلفات وبتحليل مختلف جوانب الحياة بأساليب مبهرة شيقة جماهيرية حتى غدت مدرسة للنساء العربيات جميعاً وللرجال كذلك، فهنا في الوعي الديمقراطي ليس ثمة حواجز جنسية.

بعض الأسماء الصحفية كطفلة الخليفة وسوسن الشاعر وغيرهما كرس نفسه للمقالات الصحفية والأعمدة الاجتماعية وليس الأدب والسياسة ومعالجة قضايا المجتمع بصفة عامة على مدى عقود خلق دائرة مهتمة بهذه المعالجات مما حرك دوائر القرار للتغيير.

بروين نصرالله من اللواتي كرسن أنفسهن في الصحافة لقضايا التحقيقات وهي من الأسماء اللامعة التي كرست نفسها للقضايا الاجتماعية والتحقيقات بأسلوب ريبورتاجي متنوع مشوق ساخن وتلجأ في أحيان قليلة الى الكتابة المباشرة والمقالات الموجزة التي تكشف طبيعة أي قضية.

كان القراء يتابعون بشغف هذه التحليلات والصور والمجادلات الثرية وأعماق الحارات ودواخل الشخوص. كانت البلد حاضرة من خلال مراقبتها.

ما ان تتفجر قضية شعبية حتى تجدها هناك، تتغلغل في الصفوف وتسجل، وتستجوب وتحلل.

قضايا خطيرة كالإضرابات والحرائق والمنازعات المختلفة، أو الوجود اليومي للنساء والرجال واختلاف الأعمال وتضارب المصالح لا تفلت من سجلها.

في الجريدة تجد حولها ثلة من النساء العاميات المسرحات من أعمالهن أو اللواتي يعانين في المحاكم من قضاياهن والتأخر فيها أو سوء الأحكام ومشكلات العنف الأسري الموجه للإناث.

بروين نصرالله قلم نسائي لم يتكرر، فهذا الحضور اليومي في مختلف أوجه حياة الشارع، ونقلها بسرعة وعبر مختلف وجهات النظر من دون أن تضيع الخيط الدقيق وتميع القضايا وتتحول الضحية كالجلاد وجود لم يتكرر.

اللباس الحداثي المتواضع والتقارب مع وجهات النظر الوطنية الديمقراطية تتلمسه في هذا الدفاع الوطني عن كل ضحية من أية مدينة أو قرية، سواء لرجال أو لنساء.

ومع هذا لم تخل حياتها المهنية من المنغصات والتحامل والتجاهل رغم تلك الملفات عن قضايا المرأة والناس.

هذا يعود الى ضعف دور النساء الصحفي والنقابي وعدم تكريسهن لتيار، ومن هنا يصعب وجود امرأة كاتبة بقامة نوال السعداوي أو فتحية العسال وغيرهما.

الجمعيات ذكورية والآراء ذكورية وتعكس مصالح السادة والإقطاع الأسري.

من هنا فالحضور النسائي في الفنون والآداب الجماهيرية معدوم، ولهذا تنزل فوق رؤوسنا هذه المسلسلات الرمضانية البائسة بقصصها المفتعلة التافهة وتصويرها الغث للنساء وقضاياهن وللرجال كذلك وحضورهم لا تقترب من مادة صحفية حتى فما بالك بمواد الأدب البحرينية والقصة العربية؟!

النساء في ظل الديكتاتورية الذكورية

الديمقراطيات في الشرق العربي الإسلامي تُعلن على عجل، وهي نتاج ظروف سياسية طارئة غالباً، وليستْ نتاج تطورات حضارية طويلة، وتُرفع فيها الشعارات البراقة والوعودُ بتحولات مستحيلة!

النخب الذكورية المنتمية الى القوى الاجتماعية المحافظة هي التي ترتفع وتسود، وبين هذه النُخب وبين النساء عداوة طويلة عميقة!

هذه النخب المحافظة الدينية أقلية ضئيلة في المجتمع ومع هذا تقف ضد النساء نصف المجتمع؟ فكيف تكون هنا ديمقراطية؟!

إذا كنتَ سوفَ تقفُ ضد أمك وأختك وزوجتك فكيف سوف تحقق حقوقَ من لا تعرفهم؟!

الدول تقول للنساء هذه هي فرصتكن للتعبير عن أنفسكن والإدلاء بأصواتكن!

كلامٌ سياسي مجردٌ يُطلقُ في الفضاء الفارغ السياسي!

كيف يمكن ذلك أيها المشرّع الحكيم؟! النساء خلال قرون حبسن في البيوت، وكرسن للولادات الكثيرة، وبين كل حمل وحمل أمراضٌ وتعب مرهق وانفصال عن المجتمع وتغذية للمواليد وتربية لهم، واهتمام بأعباء البيت وخاصة الطبخ وإدارة شئون البيت، والزواج فيه طلاق وإنفصال ونفقة تافهة وعيال ومدارة شؤون الزوج ومدى إنتمائه الى بيته ولعياله، أو هو أناني صاحب لهو وخروج دائم، أم هو مضح مهتم؟!

أنظر كيف ضعف اقتصاد بلدنا بحبس النساء وعدم اشتغالهن في الصناعة والسياحة وهما الميدانان الرئيسيان للعيش؟

والنساء موجهات الى الانفصال عن السياسة والثقافة والإنتاج، مكرسات للداخل البيتي، يفضل أن يكن أميات، وليتفرغ أغلبية الرجال لشؤونهم الخارجية وكلما تخلفت الوحدة الاجتماعية ازداد ضعف النساء!

وبعد هذا تأتي وتقول إن هناك مساواةً بين النساء والرجال في الانتخابات والفرص متاحة للجميع!

وحتى في هذه الفرص المتاحة للجميع والمساواة المجردة الشكلية، تشكلتْ الجماعات السياسية على هيمنة ذكورية ولا يقوم الساسةُ الأعضاء بجلب نسائهم أو بناتهم لهذه التجمعات، ولا يقومون بتعريفهم على هذه الفاعليات، وإذا حدث أن جُلبن للفاعليات الاجتماعية انفصلت النساء عن الذكور، وعدن الى عدم الاختلاط وعدم معرفة ما يجري في المجتمع والصمت وتلقي الأوامر!

الرعب من الاختلاط ليس مسألة شيخ محافظ يفتي بمنعهِ وقتل من يدعو إليه، بل هي مسألةُ خوفٍ ذكوري عام، ودكتاتورية ذكورية لا تطور النساء في البيوت ولا تتحمل الأعباء المنزلية سواءً بسواء مع النساء، وتحرض الأولاد على أخواتهن، وتراقب ما يقرأن واتصالاتهن وتقطع ألسنتهن فكيف بعد ذلك يستطعن أن يشكلن أصواتا سياسية تتفجر بين الجمهور العام؟

والأخطر من كونهِ تخلفاً اجتماعياً هو تخلف سياسي بالدرجة الأولى، وهو تركٌ للأمم الأخرى تغزونا في عقرِ دارنا، وتلتهمُ الوظائفَ من رجالنا ونسائنا، وتخطفُ المصيرَ من أمتنِا، لتغدو هذه الأمم الآسيوية سيدةَ بلداننا، وملتهمة الأعمال وحتى مواقف السيارات منا، بعد أن التهمت الأممُ الغربية ثرواتَنا، وما عادت السيطرة علينا مجزية، ثمينة لها، فتتركنا لهذه الأممِ التابعةِ بدرجةٍ ثانية أو ثالثة، توجهنا وتتحكم في ما بقي من ثرواتنا!

نضال النساء البحرينيات ضعيفٌ ومحدود

كان أساس نضال النساء ضعيفاً في فترة المجتمع التقليدي مجتمع الغوص والزراعة، بسبب سيطرة العمل الذكوري على الإنتاج الرئيسي، وحين يغيب الرجال كان العمل النسائي يزدهر كبدل لغائب.

تدهور الحريات كان يؤثر على العاملين والنساء بدرجة خاصة.

أدت فترةُ الغياب الديمقراطي السياسي إلى مضاعفاتٍ على القوى الشعبية التي تعاني أكثر من غيرها وهي العمال والنساء، فانتشرتْ التفسيراتُ المحافظةُ الشموليةُ للإسلام، فتراجعتْ مستوياتُ الجماعاتِ النسائية وقبلتْ بالعديدِ مما كانت ترفضهُ سابقاً من علاقات زوجية واجتماعية وفكرية.

وكان هذا مرتبطاً بالحقبة النفطية وزيادة مداخيل الرجال الذين استغلوا أكثرها في المتع فعبرت الحركاتُ الدينية عن هذا الاتجاه المتصاعد. كان بروزُ الحركاتِ الدينيةِ ذا جانبين متعارضين، فهو يؤدي إلى حراكٍ سياسي افتقده المجتمعُ بسببِ القوانين المعرقلةِ للحريات، ولكنه في ذات الوقت يعيدُ المجتمعَ من حيث الوعي السياسي إلى الوراء، فيحدثُ تدهور سياسي من خلال آراءٍ محافظةٍ متخلفةٍ على أصعدةٍ مختلفة.

لقد انضمت نساءٌ كثيراتٌ إلى هذا الحراكِ السياسي الديني، الذي كان الشكلُ الوحيدُ من الوجود الاجتماعي في زمنِ قانونِ أمن الدولة، لقد برز هذا الوعي المتخلف وقسم الشعب وعرقل تطور النساء وأعاد مسائلَ سياسية واجتماعية تعودُ إلى العقود الأولى من القرن العشرين في البلد. هذا كان تعبيراً عن أن التراكمات الديمقراطيةَ التحديثيةَ المضروبة لم تستطعْ أن تنمو عبر قوى سياسية ذات حضور جماهيري.

لقد اكتشفَ العمالُ والنساءُ خاصة هذا التناقض على الأرض الاجتماعية السياسية. هذا التناقضُ يجعلُ من النساء، وهم هنا بؤرةُ القضيةِ، قوةَ تصويت لا غير، أي قوة دفع للمرشحين الرجال المحافظين، الذين لن يناضلوا من أجل قضاياهن. وهكذا فحين تحقق الحضورُ الديني المذهبي السياسي في المؤسسات المُنتخبة، لم تُطرح قضايا النساء وحقوقهن بل تصاعدت القيود.

لقد اتخذ القوسُ المذهبي السياسي الاجتماعي دائرةً ضمتْ قوى خضعتْ للوعي المحافظِ السياسي وأجندتهِ في العديدِ من الدوائر الاجتماعية، فركزت على الصراع السياسي المجرد، وهو صراعُ نخبٍ ذكوريةٍ يمينية للوصولِ إلى المناصب السياسية والهيمنة على الجمهور لطرحِ مشروعٍ مذهبي تقسيمي للشعب، وبالتالي للعمال والنساء.

لكن هذا لم يتحول إلى ثورة نسائية وراح الدينيون يتلاعبون بمصائر الشعب والنساء والعمال!

إن سيطرة الاتجاهات المحافظة على النساء وعلى أحوالِ الأسرةِ هي الاتجاه الغالب عبر التاريخ الديني الإسلامي بعد أن تركَ رجالُ الدينِ الصراعَ مع الحكومات، وتخصصوا في الهيمنةِ على النساءِ وإطفاء العقول الحرة للعرب. ويغدو تحررُ النساءِ في تصورهِم هدماً للعائلة، وليس تطويراً لها من الظلماتِ الاجتماعية ولضرورةِ مراقبة أنانيات الرجال لبناء عائلة سليمة حقاً. وليس قانون للأحوال الشخصية هو المهم بل تصاعد نضالية النساء في الشارع والمنظمات والنقابات لتشكيل قوة نسائية ديمقراطية تشكم الدكتاتوريات الذكورية المختلفة.

الأشكال النسائية التنظيمية ليست نشطة بالقدر الكافي وتحتاج أن تقوم بأدوار أكثر جدية.

النساءُ والسياحةُ

أبعدت الحركاتُ الدينية النساءَ عن كل مصادر التفتح والازدهار والعيش المنتج، لتضمن السيطرة عليهن وتخلفهن وإنتاجهن لعوالم العبودية والتخلف.

من أهم مصادر العيش في بلدنا السياحة، وهي عمل أقل صعوبة من الصناعة ويمكن العمل فيها بسهولة نسبياً.

النساء المسيطر عليهن قبلن بهذه العبودية للحركات الدينية نظراً للكسل وعدم القدرة على تغيير العادات البالية والنشاط المنتج!

وفي البلدان المتحررة نفضن هذه السيطرة منذ قرون وعقود وشمرن سواعدهن للعمل في المصانع والفنادق والجيوش والمناجم!

ولهذا فإن الرذائل تظهر من التخلف والبطالة والعمل المنزلي المغلق، فيما الفضائل تظهر من العمل ومجابهة العالم والتصدي للشرور والرذائل.

السياحة كبيرة جداً في البلد وميدان رزق عظيم أخلي سبيله للأجانب والأجنبيات!

في بلدان عربية كبيرة مثل لبنان ومصر وتونس والمغرب تعتبر النقابات الفندقية من أقوى النقابات والتي تضم الرجال والنساء بحشود هائلة!

قال أمثالهم في زمنهم المسيطر الغابر المعتم إن خروج النساء للعمل كارثة للأسرة الشرقية الحصينة بتخلف المطبخ، وإن اشتغالهن في الفنادق عورة ودمار للأخلاق، فما تدمرت الأخلاق بل ازدادت قوة وتحولت النساء إلى تيار نهضوي وعضد مساند للأسرة وحصن للفضيلة!

لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى حتى يتحصن بالوعي والانتاج والعمل، وليس بالسيف والدم!

في بلدنا تحرر النساء وعملهن شرط للحرية الوطنية تصاعد الأخلاق وتحجيم الأجانب، وعكس ذلك سيطرات أجنبية وضعف للاقتصاد العام والاقتصاد المنزلي!

وقد توجهت الحركات النسائية الهزيلة المشغولة بالثرثرة نحو ثقافة الصالونات وأنشطة الأزياء وليس لدرس أوضاع النساء وتحريرهن من العبوديات المختلفة المتخلفة!

كان يُفترض أن تعبر أجندتها عن تحطيم الخرافات المقيدة للنساء في البيت والعمل وإطلاق سراحهن بعد هذا الإرتهان الطويل.

سقوطُ دكتاتوريةِ الرجال!

كانت الحشودُ الرجاليةُ والنسائية تمشي معاً لتحرير البلدان العربية من الاستعمار، ثم انفردَ الرجالُ بالسلطة، وأعادوا (الحريمَ) إلى البيوت!

الجميعُ كان يردد: (يسقط الاستعمار)، والاستعمارُ نفسهُ ساعدَ بعضَ الشيء النساءَ للتحرر من عبودية الرجال! ولم ترفعْ النساءُ مع شعارِ يسقط الاستعمار شعار يسقطُ حكمُ الرجالِ الدكتاتوري كذلك، لأن وعيهن كان محدوداً تابعاً للذكور، فضاعتْ الفرصةُ منهن لتشكيلِ مجتمعٍ متقدم يتصدى بشكلٍ جذري ودائم للاستعمار وليس مثل هذه المجتمعات العربية الذكورية التي كرستْ نضالَها في السيطرةِ على النساء والانحناء للاستعمارِ بمختلفِ أشكالهِ القديمة والجديدة!

وجاءت الحركاتُ النهضوية التحديثية لتساعدَ النساءَ على بعضِ أشكال التقدم، لكنها لم تخضْ المعركة إلى نهايتها، وغازلتْ الجماعاتِ الدينيةَ والسياسية المحافظة، فتدهورت هي الأخرى عن تحديثيتها القشوريةِ وصار الرجالُ فيها كما كان الرجال في الخيام قادةَ إماء وعبيدا!

قادتنا شعاراتُ الدينيين الملتهمين لقشور للدينِ ومطامع الدنيا، إلى توسعِ كلِ أشكالِ استعباد المسلمين، ولم يبقَ شعبٌ في الدنيا لم يطمعْ فينا، ولم يَدخلْ بحميرهِ في بلداننا.

هم ذكورٌ متخلفون مرعوبون من الجنسِ والحريمِ زادونا استعمارا وضعةً للنساء وقيادتهن لما هو غير الفضيلة والمساواة والقوة والشموخ والتفتح والشجاعة، إلى العالم الباطن، عالم الظلال.

جعلوا كلَ شعوبِ الأرض تأتي إلينا لتشتغل، وتلتهم أرزاقَ نسائنا، وليظللن هن في الغرفِ الخلفية، يشتغلنَ بغزلِ خيوطِ الخراف، وتربية الأطفال المتخلفين المدللين المشاغبين الكسالى!

جعلوا نساءَ العالم تأتي لتخطف لقمةَ العيش من أفواهِ نسائنا، وزعموا إن هذا هو الدين!

لم تعد ثمة أمة لا تستعمر جزءًا فينا، ولا تستولي على دخل منا، من أقصى الشرق مروراً بمجاهل إفريقيا السوداء إلى قوى المحيط الأطلسي.

لم تفطن حشودُ النساء إلى سقوط عوالم الدكتاتوريات في العالم، وهي عوالم الدكتاتوريات السياسية الذكورية، كالاشتراكية الحكومية البوليسية، والدول الدينية التي ألبستْ شهوات الرجال ملابسَ الدين والحكم، والدول الغربية التي حولتْ النساءَ إلى دمى تجارية وأدوات للبيع الجنسي في المتاجر وأجهزة البث الفضائي والأشرطة السوداء!

لم تفطن أغلبيةَ النساء إلى ثوراتِ الديمقراطية والحرية التي تعصفُ بالعالم، متشبثةً بهياكلها السوداء وأكياس تعبئة المصانع الذكورية التي تدبغُها وتجمعُ أجزاءَها ثم تغطيها وتعلبها وتصدرها منزوعةَ الجرأة مخيطةَ اللسانِ مرعوبة الجنان.

ليس لها صوت في البيت ولا صوت في الانتخابات، وبعد فهي لا تزال تؤمنُ بتفوق الدماغ الذكوري، رغم أن الأبحاث العلمية أكدت أنه لا يختلف عن أدمغة النساء، وأزالت المصانع والتقنيات عضلات الرجال وجعلتهما – المرأة والرجل – الديمقراطيةُ الحديثةُ متساويين أمام القانون في أغلب الدول التي تحترم الكائن المُسّمى (إنسان) وهو مصطلحٌ للرجل والمرأة، فلا يوجد مصطلحٌ يُسمى (إنسانة)، وأكرمتها اللغةُ العربيةُ بميزةٍ خاصة وأعطتها نونَ النسوةِ تشريفاً لها.

وأضافت دكتاتوريةُ الرجالِ لدينا مشكلاتٍ كارثيةً أخرى مثل غزو الأجانب لنا في الأعمال بينما النساء الوطنيات يتفرجن على المسلسلات في البيوت أو يسمعن الأغاني المبتذلة!

وقد حولوا نساءنا إلى كائناتٍ من ورقٍ شفاف، لا تصمد لنسمات الحداثة، أو للعمل الفندقي أو العمل في المصانع، تعبيراً عن زمن الإماء والحريم الذي انتهى كونياً، وكونها قاصرةً لا تستطيع أن تدافع عن نفسها بقوة واقتدار!

تدهورُ مكانةِ النساء

لم تصور الملاحم والآداب وتواريخ الشعوب تدهورَ مكانة النساء بصور واضحة، بل عبر القصص والأساطير والحكايات الغريبة التي لن يجد فيها القراءُ المعاصرون أية علاقة بين حرمان النساء من الإرث الكامل والحق في اختيار الزوج وبين الموروث الفكري الديني.

بدأت قصصُ انهيار مكانة النساء في التحول منذ العصور الحضارية الأولى، حين عرف الناسُ المدنَ والكتابة، وقويت شوكات الرجال الحكام والعاملين ولهذا فإن اسطورة جلجامش الباحث عن عشب الخلود تبدو لا صلة لها بهذا التدهور لكنها ترميز حقيقي تاريخي أسطوري لهذا.

(ابتهل سكان أورك للآلهة بأن تجد لهم مخرجا من ظلم جلجامش فاستجابت الآلهة وقامت إحدى الإلهات، واسمها أرورو، بخلق رجل حي كان الشعر الكثيف يغطي جسده ويعيش في البرية يأكل الأعشاب ويشرب الماء مع الحيوانات).

تجسد الاساطير واقعَ الانسان التاريخي عبر النماذج المبهرة، ذوات الأعمال العظيمة، ولهذا فإن جلجامش ملك المدينة المتطورة نقيض لأنكيدو المتوحش العائش في البراري والغابات.

وهذا تمثلٌ لتناقض المجتمع الحضاري الأول بين المدن والبداوة ومناطق الزراع الغابية المتخلفة، ولهذا نجد أنكيدو مجرد كادح يحاول تخليص الوحوش من شباك الصيادين، وهذه المهنة لم تترك له فرصة لكي يتمدن، ولهذا فإن جلجامش يجلب القروي الغابي المتخلف لدائرة تمدنه عبر إغراقه بالمتع والبذخ والشهوات.

والتناقض بين المدينة والقرية، بين الارستقراطية الحاكمة الوليدة ومنتجي الغابات والمزارع، كان هو التناقض الأول في الخريطة الاجتماعية، رغم هذا المظهر الفردي الملتبس.

وكعادة الحكام المعاصرين (يحاول جلجامش دائما القيام بأعمال عظيمة ليبقى اسمه خالدا؛ فيقرر في يوم من الأيام الذهاب إلى غابة من أشجار الأرز؛ فيقطع جميع أشجارها، وليحقق هذا عليه القضاء على حارس الغابة).

كما أن غابة الأرز تربة للعاملين الزراعيين ولكنها كذلك رمز للنساء، حيث الآلهة الأنثوية تسود فيها وتحميها، وهكذا كان تقدم الذكورة الحاكمة يأتي على أنقاض الكائنات الأنثوية المختلفة.

إن قضاءه على الغابة واشتباكه بالآلهة النساء هو طريق لما يمكن أن يُسمى الآلهة الذكورية المطلقة، حيث هنا لا تنوع ولا تعدد كائنات ذات سلطة كبرى، ولهذا فإخضاع جلجامش للغابة ومنتجيها يترافق مع تكونه كإلهٍ مطلق وحيد.

ولكن الاسطورة الإبداعية الخالدة في التراث الرافدي البشري ليست فكراً بل هي لمحات قصصية درامية لم يكتمل فيها نموذجُ الإنسان الإله، فالخلود المطلق لا يقدر عليه جلجامش وتخطفه منه (الحية). التي هي كائنٌ أنثوي مؤكدة أن عناصر الأنوثة لم تزل قوية حية في المجتمعات التي لم تستسلم كلياً لهيمنة الذكورة.

صراع الألوهة هو صور دينية وثقافية لتطور المجتمعات، هي إشارات لما جرى من أوضاع جنسية اجتماعية، ولهذا فإن (اللات والعزى ومناة) تُكتسح من المسرح الثقافي الديني العربي، والساحرات تُدمرُ الدور التي يقمن فيها بطبخ التعاويذ والسيطرة السحرية على الوعي.

إن الواقع العملي حيث القوة الرجولية هي صانعة النظام تظهر في هذه الآلاف من السنين المبكرة وتغدو الجزيرة العربية خاصة مركزاً للذكورية حيث الاعتماد المطلق على القوة، فيما أن شمال الجزيرة العربية في الشام خاصة بقيت بقايا الحياة المهمة للنساء، الحياة الزراعية التي يشاركن فيها، وقد عكس نشوء الدينين المسيحي والإسلامي بعض هذه الاختلافات في الوظائف المختلفة بين الإناث والذكور.

الملابس والحرية

ينطلق بعض الشباب في مواجهة الموجات المحافظة ويعارضونها بقوة وحدة، ومن دون امتلاك أدوات البحث العميق. يناقش أحد هؤلاء الأستاذ أحمد عرار هذه الموجة في كل مجال بنشاط كبير، ولكن أدوات المعرفة والتحليل تقصر هنا، يقول حول موضوع الحجاب ما يلي:

“ارتبط الحجاب عبر تاريخه بالنمط السياسي للحكم، فما يسمى بأهل الحل والعقد أو مجلس الشورى في الحكومات الإسلامية السابقة هم من كانوا يسنون القوانين وفق تصوراتهم واجتهاداتهم ويفرضونها على المجتمع، هذه الاجتهادات والتصورات التي لم تكن محل إجماع في أي عصر من العصور، إلا أن الاجتهاد الاصوب والأحق في الاتباع هو للحزب الأكثر غلبة وقوة دائماً حتى ولو كانت حجته وبرهانه ضعيفين، لان العبرة هي بما يحققه الاجتهاد من مصالح سياسية وليس بما يقترب أو يبتعد عن النص القرآني”، (أحمد عرار، موقع نسوي، مدونة خاصة بالفكر النسوي).

لم يرتبط الحجاب بنمط الحكم ولا بأهل الحل والعقد، وتوجد هناك آيتان في القرآن حول الحجاب تعلقتا بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، فرضتْ الحجابَ عليهن، بسبب ان مركز حكمه عليه السلام كان بسيطاً متواضعاً، وفيه نساؤه، وكان المسلمون يكثرون القدوم إليه، مما يسبب مشكلات للنساء فيه، ولحرمة النبي صلى الله عليه وسلم ومكانته ومكانة نسائه قننت الآيتان ذلك.

وقد عرفت نساء الشرق خاصةً الأحجبةَ المختلفةَ، التي تـُوضع على الرأس وتغطي الشعر، لأسباب اجتماعية ودينية كثيرة ومعقدة، الأبرزُ فيها ان ذلك جرى بسبب تطور الملابس عامة في الأقاليم الحارة، وظروف الأعمال الحرفية المختلفة، وأوضاع البيوت المحدودة والخيام ووجود التجمعات الكبيرة، والأحجبة لم تقتصر على النساء بل استعملها الرجال كذلك، خاصة في الصحراء والمشاكل التي يسببها الغبار والضوء الحاد وغيرهما من العوامل الطبيعية.

وكانت النساء قد تفاعلن مع الحدث الإسلامي وشاركن فيه منذ جذوره الأولى، وتصاعد دورهن خاصة في زمن الهجرة، حيث توافرت ظروفٌ مختلفة للنساء بين مهاجرات وأنصاريات، وبين مشاركات في القيادة النبوية والراشدة وبين عاديات، وبين مناضلات على رؤوس الجيوش وبين العاملات في البيوت.

وهذا كله أدى إلى تفاعلهن مع الأحداث ومع لغة القرآن وعمليات استفساراتهن لعبت دوراً في تصعيد المجرى النضالي المشترك وقتذاك، وتأسيس دولة شعبية ذات قرارات ديمقراطية في تلك الظروف الأولية.

أما تعميم الحجاب على النساء بشكل ديني، فهو أمر سياسي تشكل مع انهيار الدولة الشعبية تلك، وظهور الارستقراطية الحاكمة، ومعها الرجال البارزون المسيطرون على المنافع الكبرى وبسبب تدفق الجواري والإماء مع حروب الفتوح عليهم، وهم الذين وسعوا القيود على النساء، وفسروا الآيات القرآنية كما يهوون.

وكانت الكثير من الأحكام التأسيسية في الزمن الأول مرتبطة بضرورات تشكيل الدولة الأولى وظروفها الصراعية مع قوى كثيرة حولها وداخلها، وتصعيدها لهدف بناء المجتمع الحر والمتطور، وعلى ذلك نقيس العديد من تلك الأحكام. فهل يؤدي أي حكم إلى تطور جماعة العرب والمسلمين تطورا تحديثيا كما جرى أم أنه يؤدي إلى منافع فئة خاصة وتخلف المجتمع بشكل عام؟

وصحيح القول: إن الحزب الذكوري كان هو الأقوى، وقد برز في الحكم السياسي العام، وفي السيطرة على البيوت، والتحكم في طبيعة التربية، جاعلاً أنانياته وتخلفه محل تضحيات السلف، وهي التي أدت إلى تدهور المجتمعات الإسلامية وتخلفها الاقتصادي وسيرورتها مادة لسيطرة المجتمعات المتقدمة المتوسعة.

أما أن يكون الحجاب (غطاء الرأس) نتيجة للتطورات السياسية في إيران والسعودية، فقد كان من الإيجابي مشاركة النساء بتوسع في الأحداث التحولية الحديثة، وكانت جذور هذه الموجات هذه بدوية وقروية، وهذا هو الشائع من اللباس فيها لأسباب اجتماعية، أما نساء المدن في زمن التغييرات التحديثية الليبرالية، فكن زوجات تجار كبار ومتعلمات ذهبن للجامعات، فأعطى مستوى الحركة لباساً مختلفاً للقيادة فحسب، أما النساء العاديات فظللن في ملابسهن البسيطة المخاطة في الحواري بأثمانها الرخيصة.

إن اللباس لا علاقة له بالعقل وبالرؤى الفكرية والمواقف السياسية. وحركة الحداثة للنساء والرجال مرتبطة بالصناعات الثقيلة والخفيفة، ومستويات تغلغلها في البُنى الاجتماعية، ومدى جذبها للسكان ومستويات تطورها، فذلك يغير طبيعة الثقافة عبر ملاءمتها لهذا الإنتاج وتكييفها للتقاليد المتعلقة بكل شعب، وثيابه وطبيعة خصوصياته.

واللباس الغربي يظل مرتبطاً بإنتاج آخر في ظروف مغايرة، ونحن نقوم بالتحديث غير العميق حتى الآن، ومن سوف يصنع ويغير البُنى الاقتصادية سوف يفصل ملابسنا الخاصة، وأزياءنا، وسوف تفرض القوى المسيطرة التصنيعية طبيعة هذه الملابس، وتعربُ الحشودَ من الأزياء والكرنفال الجامع لملابس العصور الوسطى والحداثة الغربية المعتدلة والمتطرفة والأزياء الهندية وغيرها، وهذا رهن بتطور صناعة الملابس العربية كذلك ومواقف النساء من كل هذا، ومدى ملاءمتها للعمل والحياة.

قوانين متدرجة للأسرة

لا شك أن النساء يقع عليهن الظلم الأكبر في العلاقات الأسرية، فحرياتُ الذكور واسعة، وكلما قام المشرعُ بتقنين وضبطِ هذه الحريات والتقارب مع وضع النساء، كان أدعى هذا لإنتاج أسر أكثر عصرية وديمقراطية.

وكان سبق الشق السني من قانون الأسرة يعود في تصوري إلى كون المذاهب السنية ذات تعددية وتنوع، وكانت يجرى إنتاجها في المدن، فأخذت باجتهادات متعددة، ولم تعان الحصار من قبل الدول فهي ذاتها كانت تشارك الدول في السيادة الفقهية إن لم ترتفع إلى السيادة السياسية.

لكن لا يعني ذلك أنها أعطتْ النساءَ كل الحقوق، فمن قام بصياغة القوانين الوضعية الدينية هم شيوخ الدين الذكور المتعاونون مع الحكومات خلال القرون السابقة.

وهو الوضع المقلوب الذي نتج مع زوال الخلافة الراشدة ومجيء دول الأسر المتحكمة في الثروات والعباد، رجالاً ونساءً، وهو أمرٌ يجعل تلك الأحكام محل نقاش.

ولهذا كلما حاولتْ القوانينُ الوضعية المذهبية الجديدة المقاربة مع وعي المساواة الإسلامي العميق، وحرصت على توحيد المسلمين، وضيقت الهوة بين الرجال والنساء، وقللت من شهوات الرجال واستبدادهم، وجعلت النساء أكثر حرصاً على الأسرة المتوحدة وأكثر عناية بتطوير أطفالهن، كان ذلك أدعى وأقوى في إنشاء أسر أكثر قوة أمام تحديات الحياة المختلفة.

ومن هنا فإذا كان الشقُ السني أسرع في القدوم للتشريع فهذا بسببِ ما كان من تحررية لهذه المذاهب، ومن تخفيف السيطرة على اتباعها، في ظلِ وجودِ دولٍ مهيمنة فيها، في حين كان الأمرُ مختلفاً في المذاهب الأخرى الأقل عدداً من أهل السنة، التي كانت مُحاصرة غالباً أو حتى مضطـهدة ووجدت في التمسك الشرعي الفقهي، خاصة في أمور الأسرة والأحوال الشخصية، باباً يمنعُ من تحللِها أو من السيطرة عليها.

وعموماً كانت المحافظة سيدة الأحكام في المذاهب الدينية جميعاً التي راعت الحكام والذكور المسيطرين، أكثر من العدل بين الجنسين.

وكان ذلك في زمن مختلف، في ظروف كانت الأممُ الإسلامية فيها مسيطرة على ظروفها وبلدانها، وقامت تلك الأحكامُ الأسرية المحافظة بإضعافِ دول المسلمين أمام الغزوات الأجنبية، وتم اختراقِها والسيطرة عليها، لما سببتهُ تلك الأحكام من ضعف الأسر الإسلامية وكثرة أعداد أطفالها وغلبة اللامسئولية في هذا الصدد، وتم تحميل النساء أعباء البيوت وإنتاج الأطفال الأميين غالباً أو الأميين الثقافيين حاليا، وتقييدهن في هذه الأوضاع فيما كانت أغلبية الرجال تفعلُ ما تريد وتكثر من النسل بلا تخطيط، مع غياب المؤسسات التربوية والديمقراطية الراصدة للخلل في ذلك.

ومن هنا تتباين ظروف المسلمين من بلد إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى في البلد الواحد، وهذا يتطلب من المشرع مراعاة هذه الظروف كلها، وعدم التسرع في إصدارها وضرورة المرونة في تطبيقها.

فبين مدينة وقرية ثمة تباين وبين مذهب وآخر هناك اختلافات، فأهل المدن أقل تشدداً في مثل هذه المسائل، بينما أهل البادية متشددون عموماً، ويغدو القانون العصري المتعلق بالأحوال الشخصية قارئاً قراءة عميقة لهذه التلاوين.

ولهذا فإن المشرع الفقهي الحديث هو قائد سياسي ويغدو رديفه القاضي على مثل هذه الدرجة من الرؤية الثاقبة المسؤولة، فمن خلالهما يمكن للعائلات أن تتطور أو تتهدم وهي مسئولية بالغة الحساسية والخطورة.

وإيجاد العدالة يكمن ليس في النصوص وحدها بل في التطبيق.

والهدف الأساسي للأحكام ليس التحلل أو تأسيس العائلات المتفسخة بل تقليل التفسخ الراهن الذي سببتهُ سيطرات حادة وأنانياتٌ لا ترى بالعين المجردة لكن تـُرى في أروقة المحاكم وفوضى الأطفال والمراهقين في الشوارع.

يُفترض من المشرعين في مختلف المذاهب أن تكون وحدة المسلمين وتقدمهم هي الأهداف التي تحركهم جميعاً، فمهما تكن درجاتُ الاختلاف والسرعة في هضم مسائل الحرية والألتزام الأخلاقي الأسري بينهم ومهما يكن التعبير عن مصالح مذاهبهم واستقلالها لكن لا يجوز استقلالهم عن مصالح العرب والمسلمين العليا ووحدة أوطانهم وتقدمها، بحيث يكونون مسئولين عن سلامة أجيال لا تتشرد وأسر لا تتفكك وعلاقات أسرية عقلانية وفيها مساواة.

ولا شك أن جهود الجماعات النسائية مهمة في دعم ومراقبة تلك الجهود الفقهية والقضائية، عبر رصد الحالات والقضايا المطروحة والأحكام وتصويب ذلك بما يخدم العدالة للنساء والتآزر في الأسر والتوحد في الوطن والتطور فيه، ولابد من إجراء الحوارات مع الفقهاء والقضاة، وإقامة منبر صحفي يتابعُ ويرصد ويقومُ ذلك، وهذا كله يقود لتراكم قانوني يظل محدوداً وصعباً بسبب قدم العلاقات الأسرية ومشكلاتها وتعقد أحوالها بين مذهبي جامد وسياسي متنازع ومصالح متباينة للجماعات وللرجال والنساء، لكن هذا التراكم هو الذي يمثل التقدم المرجو من دون الانقطاع عن التراث بل من خلال رؤيته العميقة وليست الشكلانية الخارجية.

 النبوة وعظمة المرأة

عبّر تاريخ الإسلام التأسيسي عن العلاقات الريادية العظيمة بين الجنسين، جنس الذكور والإناث.

في لحظاتِ الحدس والتبصر بتشكيلِ الثورة الإسلامية اجتمعت ثلاثُ شخصياتٍ مكونة أولَ خليةٍ لتفجير تلك الثورة في ظروفِ العسرِ والتخلف، الشخصية الأولى هي شخصية نبي الإسلام قائد تلك الثورة، والثانية هي ورقة بن نوفل، والثالثة هي السيدة خديجة.

النبي الشاب هو متلقٍ ومستمعٍ ومدعومٍ من تلك الشخصيتين، ورقة يقدمُ معلومات وأرشيفاً لما أحدثهُ الأنبياءُ السابقون من تغيير لمجتمعاتهم، وخديجة تقدمُ الاشتراكَ المالي والدعم الاقتصادي.

لا شك أن السيدة خديجة هي مجمعة الجانبين، ورقة والنبي، وصانعة لتلاقحهما الفكري، الذي لعبَ دورَ المفجر للعملية التاريخية الهائلة فيما بعد للجزيرة العربية والمنطقة والعالم.

كان ثمة فارقٌ كبيرٌ في العمر بين خديجة والنبي، وقد عرضت السيدة الثرية إقتراحاً على النبي بأن يتزوجها، ضاربة العلاقات المالية والاجتماعية عرض الحائط، في خطوة غريبة تسبقُ الزمانَ والمكان!

لماذا لم يقمْ نبي الإسلام بالأعراض عن مثل هذه المرأة الكهلة، هل كان طامعاً في مالها؟

هل كان عارفاً بشكل إستباقي لفقر دعوته وضرورة المال لها؟

لم يكن ذلك كله، بل كان يتوجه لكشف وتطوير العناصر الإيجابية الفاعلة في كلا الشخصيتين، في ورقة تحريك معرفته وسجلاته عن تارخ الأديان – الثورات السابقة، ومع خديجة كان ثمة جوانب أكبر شخصية وعامة متداخلة بشكلٍ حميم؛ وأهمها تطوير الرسالة المشتركة لكلا الشخصيتين: تفجير الثورة في بلاد العرب الغافية المتخلفة!

تم إلغاء الفوارق العمرية والجنسية والمالية، لم يعدْ مهماً أن تكون شاباً فقيراً فتياً، أو إمرأة متزوجة سابقاً وذات عيال، في هذه اللحظة النضالية العليا الخادمة للأمة والناس والتاريخ وكان المهم هو تشكيل هذه الخلية القائدة التي تجري فيها المساواة بين الرجل والمرأة، ومن ثم تجابه عالم التفكك والتبعية باقتدار وأنتصار.

إذا حاولنا أن ننظر بمنظار غير ذكوري متجمد سنجد أنها تجربة فريدة في تاريخ الثورات، فحتى في عصرنا الراهن كان وجود النساء في المكاتب السياسية الحزبية القائدة للتحولات معدوماً، ومُنكـَّراً ومرفوضاً، وكانت حتى عشيقات القادة والأمناء العامين للأحزاب متواريات، وملغيات من تاريخهم، وكأن ليس ثمة دور للنساء قيادي ورمزي!

لكن في تاريخ الثورة الإسلامية التأسيسية سيبقى مكان السيدة خديجة محفوظاً ومقدراً. في تلك الظروف من البداوة والذكورية الساحقة!

فيما بعد سيدلي نبيُّ الإسلام بشهادتهِ الموضوعية عنها، وفي لحظةٍ من سيادته السياسية والفكرية وبعد أن رحلت تلك الزوجة: بأنها دعمته إذا تخلى الناس وحتى الأهل عنه، وأنها أطاعته وأحبته وآمنت به الخ..

وحين كان يحدث ذلك الإنكار والتخلي من أقرب المقربين للمثل العليا المطروحة، وتقوم امرأة غنية بتوزيع ونثر أموالها على زوجها المحاصر المجاهد الفقير، فأية مكانة؟

ويضيف نبي الإسلام في شهادته حين غيب الثرى السيدة خديجة، ولم يعد طامعاً لا في مالها ولا في شد أزره، بأنها كانت الولودُ من بينِ كلِ نسائه!

 ليس هذا تعييراً للنساء بأنه لم يكن ولودات فبعض زوجاته أنجبن، ولكن دلالة المسألة هنا بأنها كانت ولودة مشغولة بالحمل والرضاع والتنشئة، وكذلك لم تفارق مهمات الحركة النضالية من دعم مالي ومن مساندة نفسية ومن دعوة، فجمعت أعباءً ثقيلة وهي في كل هذا العمر المتقدم، وأحسنت تنشئة أبنائها وكذلك الصبي، الإمام فيما بعد، علي بن أبي طالب الذي كان له بعد ذلك التاريخ المعروف في الإسلام، وأبنتها السيدة فاطمة ومن سلالتها كان نضال الأئمة.

ولهذا فإن عملية التصغير من المرأة ومن مكانتها هي جزء من التاريخ الاجتماعي التالي، حين هيمنت القوى الاستغلالية ورفعت أشكالاً وأعراضاً من الإسلام، مفرغة من ذلك المضمون، إستناداً لسيطرتيها الذكورية والحكومية الاستغلاليتين.

وبهذا فإن علاقة نبي الإسلام بالمرأة نموذجية، وهي التي يجب أن نراها في عمليات التمثل والتقنين، وهي بهذا علاقة لم تقنن تشريعياً وقرآنياً لأسباب أن الحركة السياسية لها قوانين موضوعية لا بد من مراعاتها في كل مرحلة.

إن العلاقة الديمقراطية الإنسانية في العائلة المحمدية، لم تكن بقادرة على أن تصل للتشريع العام، فالدائرة العامة تخضع لمسارات مختلفة، بسبب حضور الرجال المكثف وسيطرتهم على الأوضاع، ولم تكن علاقة المساواة بين النبي والنساء، قادرة على أن تتحول إلى قانون في ظل ذلك التخلف العام.

وكانت قد عرضتْ المسيحية نموذجَها على العرب وحاولت إختراق نسيجهم القبلي الذكوري الجامد دون فائدة بسبب طرحها شكلاً للعائلة لم يكن العرب وقتذاك قادرين على إستيعابه!

وفيما بعد كرس المحافظون الجانب العام المرحلي، دون أن يراعوا النموذج المحمدي الأسري. وقد عبر القرآن عن علاقات الصراع بين النساء المجددات والرجال المحافظين الذين كانوا يريدون استمرار نموذج الجاهلية في الزواج ونتائجه، فتم الاعتراض عليه في ظل سيادتهم، وازدادت هذه السيادة مع الفتوح وسيطرة الأسر على أموال المسلمين!

وكانت السيدة خديجة نموذجاً شبه جاهز وطليعي في ذلك المجتمع، لكن ماذا نقول عن مثال السيدتين فاطمة وعائشة؟ لماذا فجر نبي الإسلام فيهما طاقات التحول، خاصة السيدة عائشة الزوجة الصغيرة من بين زوجات، لماذا صارت مرجعاً للشعر وتاريخ الإسلام والفقه؟

وفي تلك المهام الكبرى للنبي حصلت هذه الزوجة على كل هذه التطورات الفكرية ولم تـُعزل عن الثقافة والسياسة، ثم شاركت في صراعات سياسية كبرى، ومهما كانت إجتهاداتها التي كان للقادة الكبار رأي آخر فيها.

ثمة رافدان في نشأة الإسلام التأسيسي؛ رافد الديمقراطية الشعبية بما يحتوي على تشكيل دولة جمهورية ديمقراطية، وتعاون بين الرجال والنساء، وتوزيع الفائض المالي على الفقراء، وهو الرافد المؤسس الذي تجسد خلال نصف قرن، ومثل الرمزية الإسلامية الحقيقية الباقية، وهناك الرافد الآخر رافد الهيمنة الذكورية والإستغلالين الحكومي الأسري والخاص، والتوسع في السيطرة على النساء وإستغلالهن وإستغلال العامة، وقد وظف هذا الرافد بعض النصوص ليؤكد سيطرته الأبدية على النساء والناس معرضاً عن رمزية الأسرة المحمدية ودلالاتها وهي المؤسسة لذلك التاريخ!

المرأة ودكتاتور الأسرة

يريد أن يظل دكتاتوراً إلى الأبد يحكم الأسرة.

الرجل الشمولي، الأبُ القادرُ على كل شيء، زعيم البيت الوحيد، المتنفذ بالنسل والعطايا، يرفض كل الانتفاضات الزوجية التي تجري، والأحداث العنيفة، فدولته تعتمد على المليارات من الرجال في كل قارات التخلف والأبوية.

دولته مقدسة، جنسه أعلى، دمه مختلف، فهو له جسم قوي وعقل مسيطر.

تفوز البنات بمراكز التفوق الدراسي وتظهر صورهن في الجرائد، ونسل الرجل الذكوري لا يطلع إلا القليل منه، فالفتية الأشاوس مشغولون بالسهر في الشوارع وإيذاء المارة وإزعاج البيوت والناس النائمين والعاملين.

الأشاوس الذكور لا ينجحون كثيراً إلا بالغش والتنجيح الآلي، ثم يحصل بعضهم على وظائف، في حين تنزوي المتفوقات في البيوت يطبخن الأرز وينتظرن المتفوقين في الغش والسهر والرحلات وتضييع أموال الأسرة لتقديم الأغذية لهم.

تتفوق فتيات بالكتابة في الشعر والقصة والمسرح وتعدهن المدارس بالمكانة المرموقة في المجتمع والمراكز المهمة، رغم الصفعات التي حصلن عليها في البيوت بسبب ممارسة نشاط مخصص للذكور أساساً، والأكثر من ذلك تجري المطاردات والاعتقالات لهن لكونهن يقرأن كتباً خارجية، ويشاهدن أفلاماً علمية وثقافية.

وبعد هذا ينزوين في الغرف الداخلية ويحملن مراراً ويلدن بين الدم والموت والاجهاض، وتتباعد المسافات بين أحلامهن البريئة وقمم الحياة المضيئة، ولا يرين كيف انحشرن في دولايب الآلةِ الجهنميةِ لمصانع الذكورة الشاقة، التي تقوم بتطفيش النساء من المكاتب والمصانع والبنوك ومن الأحلام بالكتابة والفنون والتمثيل ومن المشاركة السياسية المستقلة.

وعليهن كذلك أن ينتجن ذكورة دكتاتورية في بيوتهن، فتتحول الشابة الوردة، ذات الأحلام بالحرية والحدائق البشرية، إلى رجلٍ تشبع بكل الصفعات والقمع والشوارب، وصارت تقمع ابنتها وتعلي ابنها ليواصل المعركة المقدسة للشرف الرفيع الذي لابد أن يشعل الحرائق حتى يبقى مزدهراً.

لماذا تحسدُ الأم ابنتها إذا صارت ممثلة أو كاتبة أو زعيمة؟

هي تقمعها منذ البداية حتى لا تصبح ذكراً، حتى لا تتشبه بالرجال، من دون أن تعي بأنها هي التي أصبحت رجلاً في حين إن ابنتها تريد أن تصبح امرأة!

الفتاة الشابة الحمامة إما أن تصبح لبؤةً وإما حذاءً، وهما خياران مرضيان.

(المرأة أم الرجال)، (المرأة – تكرمْ – نعال!).

تـُجبر أغلبية النساء على واقع العبودية، واقع الاستسلام للعالم الذكوري الدكتاتوري، من أجل ألا تتحطم أسرهن، ومن أجل ألا يضيع جهدهن في بناء هذه البيوت الهشة، المصنوعة من زجاج ومن طاعة عمياء، ومن تقسيم عمل شاق، ومن تخصصهن في أمراض السكر والقلب ومتابعة المسلسلات التي تغسل عقولهن من الطموح والشجاعة ومن الإبداع القديم الذي حلمن به حين كن حمامات يطرن في السماء المشعة وليس في الأقفاص التي تسمى بيوتاً.

لكن بعض النساء يتمرد على هذه الزنزانات ويستولي على السلطة ويحيل المنزل إلى سجن آخر، يحيل الأب الضعيف أو الودود إلى (مرة)، يحدث ذلك عبر استغلال ظروف وسمات جزئية عابرة، لكن لا تنشأ علاقات ديمقراطية أسرية مزدهرة، فالمرأة الدكتاتور ربما كانت أسوأ من الرجل الدكتاتور!

لأنها تخرجُ كلّ عقدِ فشلِها وقمعِها السابقة على المدعو زوجاً، فتحيلهُ إلى تابع، وتصير إرادته مسلوبة وشخصيته ممسوحة فتنتشرُ بين الأبناء جراثيم التسلط!

وتؤكد الأمثالُ العامية الماسخة الإيديولوجيا الذكورية التي تبرهن بهذه النماذج بأن الدكتاتورية هي مخصصة فقط للرجال، ولا يجوز للمرأة أن تمسك قيادة البيت.

وهناك الفئة المتخصصة في صنع هذه الزنزانات ثقافياً، من كهنة وسحرة وموظفين عموميين ومعلمين وكتابا فاشلين ومنجمين محالين على التقاعد والمنظمات الدينية المحافظة، فهي الحرس الكبير للسجن النسائي الواسع، تبرر أخطاء الرجال ورحلاتهم المشبوهة للبلدان البعيدة، وتضييعهم الأموال في الصالات والحانات والملاهي والصفقات.

ولا تستطيع طليعة النساء أن تفعل شيئاً في ذلك فهي تابعة للذكورية الدكتاتورية، فتدخل باب تحرير النساء من خلال نافذة الطاعة لأولي الأمر.

إنها لم تدرس الإسلام، وعاشت على الفتات الفكري الذي يقدمه الذكور المسيطرون أنفسهم.

هي تقبل بالفتات الذي يُقدم لها، ولا تكشف أو تنقد الممارسات الدينية المحافظة ضد النساء.

ولهذا فإن القول بأن المرأة داهية وحية وماكرة هو قول خرافي، بل النساء ساذجات عموماً، وتتم السيطرة عليهن بوسائل بسيطة، فهن لا يعرفن كيف يفهمن الإسلام، وحالهن مثل حال التنظيمات اليسارية والقومية وغيرها، ولهذا لا يعرفن كيف يقدمن برامج ديمقراطية إسلامية للتغيير، وكيف يتعاون ويكوّن قوى ضغط واسعة ولديهن كل الوسائل للقيام بذلك، أي إذا لم يخترقن الوسط الديني المحافظ ولم يؤثرن فيه، فإنهن ضائعات في متاهات السياسة.

إن المحافظين يعيشون في حالة جهل للمتغيرات الرهيبة الجارية وهم يناضلون فقط ضد الرذيلة، غير مدركين أن القضية تتجاوز هذه المسألة الضيقة، وإننا نواجه حالة تبخر وطني ونصير أشبه بالهنود الحمر، وعدم إيقاظهم سوف يحول النساء الوطنيات إلى كائنات منقرضة، بسبب هجوم العمالة النسائية الخارجية واكتساحها ميادين العمل، وبسبب جمود الذكورية الرجالية وغياب الديمقراطية الأسرية، ولهذا فإن الطليعة النسائية يجب أن تدرس كل هذه المسائل بعمق وتشكل لجاناً لقراءة ظروف النساء وتحررهن في التراث والحداثة وتوجد شبكات من التأثير النسائي المستقل والجبهوي الذي يمتد في كل التنظيمات والجماعات وصديقهن من أيد تحرر النساء في الواقع.

دليل المرأة الذكية للوحدة الوطنية

لاتزال المرأة عموماً مثل كثير من الرجال كذلك لا تعرف شيئاً كثيراً عن الاتجاهات السياسية والدينية، لكن المرأة بسبب ظروف الأسر المنزلى والذكوري والسياسى والاجتماعي العام لها، فإنها أقل فهماً للمصطلحات السياسية والاجتماعية التي يتداولها الرجالُ في جمعياتهم وتجمعاتهم دون أن تحظى النساء الكثيرات بمعرفة ما يدور في هذه اللقاءات المطولة التي يقرر فيها الرجالُ دون النساء مصير الحياة السياسية، وهذه الحياة السياسية هي التي تقرر في النهاية الحصص والمقاعد والهيمنة الذكورية في المجتمع، وتشكل المستوى المتدني للنساء وحقوق النساء الضائعة.

 فكلما اختفت النساء عن الممارسة السياسية والاجتماعية وقبعن في بيوتهن سهل على الرجال من مختلف الأصناف السياسية/ الذكورية التحكم في مقاليد السلطة، وتوزيع الحقوق عليهم، وفرض الواجبات الكثيرة على النساء!

 فالرجال يطرحون الوحدة الوطنية بين الطوائف في حين أن الوحدة المنزلية، الأساس لتلك الوحدة، غائبة بسبب النزاعات الطويلة بين الرجال والنساء!

 ولهذا فلو حضرت النساءُ وبكثافةٍ ومن مختلف الطوائف والكتل، فى اجتماعات سياسية واجتماعات نقابية، لاستطعن فرض أصواتهن على الرجال، وإجبارهم على الوحدة من أجل الأطفال والبيوت التعبة من الأقساط والأسعار..

 يتصور الكثير من النساء أن القضايا السياسية هي فقط هموم رجالية، وأن السياسة هى فقط قضايا الأحزاب والحرب والكوارث، وليست هي أيضا قضايا الحدائق ورياض الأطفال والسلام، وحرية المرأة في الخروج والعمل، وهي كذلك الالتزام الأخلاقي بالعائلة والوطن. لا تعنى التجمعات السياسية الذكورية غالباً بالعمل النسائي وانتشاره، لأن الرجال يفكرون في ظروفهم ومصالحهم، وهناك منهم اناس شديدو الأنانية فلا يريدون للمرأة أن تخرج كلياً من البيت، وهناك منهم أناس لا يفكرون فيها سوى كراقصة أو كمصنع للذرية!

 والكتل الدينية تتحدث كثيراً عن ضرورة الفضيلة الشديدة للمرأة، ولا يتطرقون بمثل هذا الحماس لفضيلة الرجل، ولكنهم لا يرون الفضيلة إلا فى العزلة لها، سواء كانت في البيت أو وراء الجدران واللباس، وليس في تمتع المرأة بالعمل، والدخل الجيد، والاحتكاك الصلب والأخلاقي مع الرجال.

 والفضيلة لا تنبت للمرأة عبر غياب التجربة والاحتكاك، بل من خلال العمل والمعاناة والتجارب، حين تصبح إنساناً لا أنثى دمية جميلة في البيت ومع أول صدمة تتشقق!

 لهذا كله تبقى المرأة هي أساس الوحدة الوطنية، أساس قوة العائلة، والسلام، وكراهية الفتن والحروب، هي التي تستطيع القفز على الحواجز الطائفية التي أقامها بعض الرجال، وجعلوا الأولاد والبنات في المدارس يتصارعون ويخافون من بعضهم البعض.

 والمرأة تظن أن هذه الحواجز هي بسبب التيارات «الإسلامية»، وأن هذه التيارات هي سبب عدم وصول المرأة إلى البرلمان والمكانة السياسية التي تتطلع إليها.

 والمسألة هنا تعود إلى تاريخ اجتماعي شرقي خاص، وليس إلى الإسلام بشكل مجرد، أي أن الوعي النسائي هنا بحاجة إلى فهم للتاريخ والفكر الإسلاميين، فهؤلاء الدينيون المذهبيون السياسيون المحافظون لا يمثلون النهضة الإسلامية والحريات الإسلامية بقدر ما يمثلون وعياً مذهبياً مسيساً تمت السيطرة عليه خلال القرون السابقة، من قبل السلطات الذكورية والإقطاعية السائدة والتى كيفت المذاهب الفقهية لمصالحها، بمعنى أنها غيبت ما يفيد المرأة من الشريعة وثبتت جوانب نصوصية لصالحها.

مع غياب المرأة عن التحولات السياسية وبشكل جماهيري تغيب الوحدة داخل الأسرة وداخل المجتمع.

 وغياب المرأة عن الأعمال والصناعة والحرف والسياسة يشجع القوى المحافظة على جلب العمالة الأجنبية والتصرف بخيرات المجتمع حسب أهوائها.

 ولهذا فإن الفضيلة ليست هي فضيلة الثياب بل فضيلة الصراع! إنها الفضائل التي تأتي من انغماس النساء في الأعمال وفي النضال وفي المكاتب والمصانع والفنادق، فالموقف الأخلاقي الرفيع لا يأتي من الجهل بل من المقاومة والتمرس فى خنادق العمل والفكر. والمرأة حين تُجرد من فهمها للدين، والسياسة والعمل، والصراع الاجتماعي تعجز عن الدفاع عن مصالحها.

 ليس المهم هو وصول بعض النساء إلى البرلمان، بل المهم هو جذب النساء بشكل كبير إلى ميدان الإنتاج والسياسة والفكر والوعي، فالبرلمان ليس سوى ثمرة لتصاعد دور النساء في مختلف شئون الحياة، هو تتويج نضالهن في القواعد الشعبية، في النقابات، وفي الجمعيات، وفي الفكر والثقافة والفنون.

 وما دام الرجل مهيمناً على عقل المرأة ونفسها، وهي تؤدي دورها ككائن ثانوي، كجمهور مغيب عن الندوات والقراءة والفنون والجدل والعمل، مستعد فقط للزينة والزواج، كائن همه الأول الحصول على المنافع والمناصب، فإن وجود المرأة السياسي في البرلمان لن يكون كبيراً أو حتى موجوداً.

 وحتى لو وجدت نساء، فهذا ليس دليلاً على وجود المرأة كتيار اجتماعي عريض.

 النساء في مثل هذه الحالة سيمثلن أنفسهن، وسيمثلن شريحة إدارية مستفيدة تقول «نعم» دائماً.

 إذا لم تصعد المرأة سياسياً ككائن سياسي مستقل، له مشاكله الخاصة العميقة المحورية، فذلك يعني أنها سوف تُستغل من قبل تكتلات الرجال الأنانية المسيطرة. وحتى الآن فإن النساء بشكل عام عاجزات عن الاستقلال السياسي والفكري عن التنظيمات الذكورية/التقليدية، والعجز عن الاستقلال هو الذي يفكك العائلة ويفكك الوطن.

 أي أن هذه القوة الجماهيرية الكبيرة القابعة في البيوت، وفي الخرافة، وفي أسر الثقافة التقليدية والتلفزيونية التغريبية، وفي فضيلة الثياب وفضائل الحبس الاجتماعى، يغدو تحريرها هو إعادة للحمة الوطنية على مستوى العائلة وعلى مستوى الحياة الاجتماعية، فدخول المرأة بكثافة إلى العمل والصراع الاجتماعي والسياسي والثقافي هو الذي سيشكل الشعب بشكل جديد، سيجعل العانة أكثر تطوراً من حيث الوعي الصحي والنفسي والجنسي والفكري، ستغدو النساء لسن خامات يمكن خداعهن بسهولة، بل سيتمرسن بفنون الخداع ويكشفنها.

 والخداع على مستويات عدة، على مستوى خداع الزواج، ومستوى خداع الشعار الديني، والخداع على مستوى الشعار السياسي، وكل أشكال هذه الخدع تنصب في عدم إطلاق طاقات النساء الحرة، ومنع قدراتهن من التفجر: حركةً جسدية حرة، وانفعالات نفسية ثرة، وحركة اجتماعية وسياسية تنصب على تحرير المرأة لا على خداعها واستعبادها!

 مقاومة المرأة لكثرة النسل وعدم نوعيته هو فعل ديمقراطي سيتراكم على مدى السنين، حيث لا يُقاد الناس في باصات ليصوتوا لمستغليهم!

 مقاومة المرأة لنشر العمالة الأجنبية بلا رقيب ولا حسيب، واستغناؤها عن الخادمات والاستهلاك البذخي، هو نضال ديمقراطي سيتجسد في عائلات أكثر قوة وأكثر وعياً.

 نضال المرأة لتثقيف أبنائها وبناتها هو نضال ديمقراطي يتكرس في مرشحين أكثر استيعاباً لهموم الشعب وقضاياه، وفي ناخبين أكثر تبصراً واستخداماً لأوراقهم الانتخابية في الصناديق/المستقبل!

 نضال المرأة الفكري والثقافي سيبصرها بالكتل السياسية، ويعطيها القدرة على أن تميز بين الاستخدام الرنان الكاذب للشعارات، والنضال الحقيقي على الأرض من أحلها ومن أجل وطن لا يتعرض فيه أبناؤها لسلق الدماغ ولسلق الجيوب والمصير!

النساء وقضية الأنا

لا نطرح هنا قضية المرأة بشكل عام ومجرد، بل نناقش قضية النساء اللواتي ينضممن إلى الحركة الديمقراطية والتحديثية في الخليج العربي، ومن المعروف أن صعوبة التحديث لا تتعلق بالنساء، بل أساساً بأن الرجال هم كذلك تابعون للجماعات التقليدية، وتغدو الجمعيات السياسية ذكورية غير قادرة على تكوين قوى نسائية ديمقراطية عميقة.

ولهذا فإن بروز نساء قيادات تحديثيات يواجه بصعوبات كثيرة حادة، فلكي تكون النساء طليعة سياسية واجتماعية، عليهن أن يواجهن عقبات قبلية وأبوية ورجعية في كل بيت وميدان، ومن هنا يغدو تشكل خطاب نسائي تحرري وعقلاني وذي مرونة أمرا محفوفا بالكثير من الصعاب.

كما أن بروز نساء قياديات في الحياة السياسية والاجتماعية أمر صعب، لأنه يتطلب من المرأة في هذا المجال الكثير من صفات التواضع والعمق الفكري وبعد النظر والدبلوماسية، فالمرأة هنا في موقعها القيادي تترأس ذكوراً، يرفضون ضمناً هذا التبوؤ، فلا بد أن تستند القيادة هنا على احترام كبير إلى الآخر، سواء كان امرأة أم رجلاً، قادةً أم بسطاء، رؤساء أم مرؤوسين، مالكين أم أجراء، فدون احترام المرأة القيادية للعرف العام والتقاليد الاجتماعية والسياسية، وبالتالي انخراطها في التقاليد الديمقراطية الحقيقية، وتجاهل الرؤساء و المرؤوسين والموظفين البسطاء، دون ذلك يستحيل أن تتشكل امرأة قيادية في أي موقع.

إن عدم قدرة بعض النساء على الصعود إلى موقف القيادي الديمقراطي، عبر تمتعهن بصفات الهدوء السياسي، وضبط النفس، ومهارة الأداء الإداري، يعرض الكثير من صفاتهن الإيجابية الكبيرة الرائعة إلى التغييب سواء من خلال المنافسات الإدارية أو من خلال الحسد الشخصي.

فى المجتمعات التى يهيمن عليها الاستبداد الذكوري لا يُنظر إلا إلى أخطاء المرء، وخاصة أخطاء المرأة . فيتم التغاضي عن أخطاء الذكور غير الساحقة، أما أي خطاً بسيط للمرأة فإنه يُضخم ويُبرز بشكل كبير. ولهذا فإن مسئولية المرأة الطليعية والتحديثية مضاعفة، فعليها أن تتبنى خطاب المساواة والتحديث مع الكثير من ضبط النفس ومراعاة التقاليد.

وإذا هيمنت قضية الأنا على مثل هذه المرأة، وليست المهمة التي تعمل من أجلها، فإن المشكلات الكبيرة تغدو متلاحقة على مثل هنا النموذج.

ونظراً لحداثتنا في هذه التجربة، تجربة حضور المرأة في العمل القيادي الاجتماعي والسياسي الطليعى، وندرة تكون المرأة فى هذا المجال، فإن التطرف سواء من قبل المرأة أو من قبل الإداريين الرجال، يصبُ كله في ميدان التخلف والتدهور الاجتماعي.

نحن بحاجة فى هذه الأرض الصعبة إلى الكثير من النضج، وعدم طرح مشكلاتنا وحساسياتنا الشخصية، خاصة الأنثوية المتفجرة، وبضرورة احترام تقاليد العمل بحيث تتحول المرأة إلى قيادية كبيرة، وزعيمة، ووزيرة، وهذا لا يتحقق دون ان تجمع المرأة بين تقاليد الأنوثة الشديدة الرقة، وفن المهارة الدبلوماسية والدهاء السياسي.

إن الإصلاحات السياسية البحرينية الراهنة تفتح للمرأة آفاقاً كبيرة للتطور، ولكن عليها من جانب آخر أن تطور مهاراتها السياسية والفكرية والثقافية، فقد حصل الرجال على خبرة واسعة في هذه المجالات، نظراً لعقود من السبق الاجتماعي، ووجود فرص الحرية الشخصية لهم، ولا بأس أن تصبر المرأة على اكتساب مثل هذه الخبرات وتتعلم كيف تجمع بين خصال صعبة ولكن لا مجال للصعود السياسي والاجتماعي دونها.

وليس أسوأ من خصلة معادية لهذه المكانة وفي هذه الحياة الاجتماعية ذات المسئولية العالية، من العاطفية الشديدة، وتمكن روح المزاج والفردية الكبيرة، كما أن روح الجرأة والمبادرة وخدمة الناس والتطور بحماس، أمور مطلوبة كذلك والتوفيق بين هذين الرأسين بالعقل هو الحل أو الحلال التحديثي.

تفاوت غريب في الأحكام الشرعية

ليس الحكم بحجاب المرأة إلا أحد الأحكام الشرعية المختلف عليها كثيراً والمفسرة تفسيرات مختلفة من قبل الفقهاء، ولكن هذا الحكم المختلف عليه هو من الأحكام القليلة التي فسرتها جماعة دينية بشكل وحيد وأصرت عليه إصراراً غريبا، في حين أن أحكاماً شرعية كثيرة تجاهلتها هذه الجماعة أو فسرتها تفسيراً؛ فيه شيء من المرونة أو الصمت.

فهناك الحكم الشرعي بقطع يد السارق، أو رجم الزاني وتحليل العبودية ورفض الربا، وغير ذلك من الأحكام الشرعية، التي رُئيت في ضوء جديد تم تفسيره عبر الاجتهادات المرنة والمذاهب الميسرة، حيث تشكلت قراءات اعتمدت الاجتهاد ورؤية المصالح العامة للمسلمين.

وهذا يعني وجود خط معتدل مرن توجه نحو ظاهرات اجتماعية معقدة ومركبة تشكلت في عصور سابقة، فقرأ ما هو مفيد ومتطور للأمم الإسلامية، بحيث تؤدي هذه التفسيرات الجديدة إلى عدم تخلف هذه الأمم واستغلالها .

أي لقد أخذ المشرعون المجتهدون المصالح العامة لجماعة المسلمين وأهمية أن تنمو المصارف تحت ملكية وهيمنة جماعة المسلمين هذه، أي قاموا بقراءة الأحكام الشرعية على ضوء العصر، بدلاً من أن تتوجه الفوائد وتتراكم في مناطق أخرى وتحرم الأمم الإسلامية من ثمارها، على الرغم من أن هذا الواقع غير متحقق، فلا تزال البنوك تحت شتى اللافتات العربية والإسلامية في خدمة الغرب (المسيحي واليهودي) بدرجة خاصة، فقد توجه التأويل الشرعي الجديد لخدمة

مصالح هذه الفئات الغنية المرتبطة بالرأسمال الأجنبي، دون أن يلتفت إلى غياب هذه الرساميل عن أسواق الأمم الإسلامية؛ واندفاعها نحو الأرباح العليا بغض النظر عن مصدرها.

أو مثل عدم تطبيقهم الحكم الشرعي بقطع يد السارق وتحويل القطع إلى سجن متفاوت المدة حسب طبيعة السرقة وعدد المال المسروق وما إذا كانت سرقة مخففة أو مشددة، فمن غير المعقول تماثل الحكم في سرقة قطعة رغيف وسرقة خزنة، ولكن هذا التفسير الذي راه أيضا فقهاء قدامى، لم يقرأ لماذا يسرق الفقراء أصلاً، أو لماذا تزني المرأة، أو لماذا يزوّر شخص في ورقة صغيرة وآخرٌ في أملاك الدولة.

فقد ارتبط العديد من الأحكام التفسيرية والاجتهادات بمصالح العديد من المفسرين والفقهاء والجماعات الدينية، فمناخ علاقة الفقهاء بالدول ذات الشأن هو الذي يوجه الأحكام وجهة معينة، ويبعدها عن وجهات أخرى، قد تكون ممكنة شرعياً.

وهكذا نرى أن الأحكام الموجهة ضد سرقات الفقراء على مدى التاريخ (الإسلامي) الذي حكم فيه اللصوص الحكام، كانت احكاماً رهيبة، ينتفي منها الحكم الشرعي العميق، في حين أن سرقاتهم أموال الأمة كانت لا تُذكر أولا يُركز عليها في الفقه التابع للسلطان.

ولهذا نرى حدتهم في حكم الحجاب لا يبتعد كثيراً عن هذا المناخ الذي يقوم فيه البعض بتبرير أنظمة متخلفة تجعل رجال ونساء المسلمين محجوبين عن العقل والتقدم الصناعي والاجتماعي

والعلمي.

فهذا الحكم لا يسأل ماذا تعمل هؤلاء النسوة ولماذا يعيش قطاعٌ كبيرٌ منهن في بطالة وأمية وأمراض السمنة والسكري وضغط الدم، نظراً لحجبهن في البيوت، وهل بقاء المسلمات بهذا الشكل مفيد لتحرر الأمم الإسلامية من هيمنة الأقوياء؟

ولماذا نركز على الأشكال، وليس في تقوية عقول النساء وتطورهن الثقافي والاجتماعي ليجيء الحجاب الذي يحجز الرذيلة من أعماق النفس وصلابة الموقف الأخلاقي.

بل لا بد من رؤية جديدة لحياة المرأة، تجعل الفضيلة تتكون من اشتغالها واستقلالها الاقتصادي، فوجود العمل وارتفاع الوعي بشتى أشكاله هو الذي يؤسس فضيلة للمرأة كما للرجل.

يقوم ذلك الوعي الفقهي برؤية جزء مقطوع الصلة بجذور القضايا وبحركة المسلمين؛ مؤيداً أنظمة متخلفة تقوم بإحضار شتى أنواع النساء للعمل في بلاد المسلمين وتحجر على المرأة المسلمة العمل والحرية الشخصية والتطور الأخلاقي ونمو المسئولية في ذاتها، التي تأتي من صلابتها في مواجهة عالم الشر وليس في الانكفاء والعزلة والتحجب.

المرأة والنهضة

ينعكس التطور أو التخلف الاجتماعي على النساء بشكل أكبر من الفئات الاجتماعية الأخرى، ويعد تحرر المرأة المقوض الكبير للأنظمة والتنظيمات الاستبدادية في العالم العربي والإسلامي.

ولم يستطع المصلحون في التاريخ العربي أن ينظروا بشكل خاص إلى تحرر المرأة كأساس جذري لتحرر الأمة.

فالفقهاء والمصلحون والثوار كانوا من الرجال الذين استطاعت الدول الشمولية أن تدمر مقاومتهم على مدى أجيال، فإذا رأيناهم في بدء التاريخ العربي الإسلامي يجعلون المرأة شريكة لهم في المعارك والثورات والتحول الاجتماعي، فإن صعود قدرات الدول المستبدة المالية والقمعية قد أدى إلى شراء الكثير من هؤلاء الرجال أنفسهم، وضاقت سبل التمرد والتغيير عليهم، وتم إلحاقهم بالقصور والدواوين.

وينطبق هذا حتى على الفقهاء الذين ضاقت سبل العيش أمامهم، فاختفى صنف الفقهاء الأحرار، ويذكر أحد كبار المعتزلة كيف تقدم بالشكر الوفير للخليفة الذي تكرم عليه ببضع مئات من الدنانير في حين كانت معيشته السابقة طوال أشهر تعتمد على بضع دراهم، فكيف لهذا المعتزلي

بعد هذا أن يتكلم عن أضرار امتلاء قصر الخليفة بالخدم والإماء والراقصات؟

لم يكن تدهور النهضة يصيب المرأة فقط بل المنتجين أيضاً، الذين تدهورت أعمالهم في الأراضي، ولم يقم الفقه أو الفكر المعارض، برؤية أحوال هؤلاء المنتجين، سواء نساء البيوت، أم فلاحي الحقول.

وهذا هو نوع الفقه الذي تكون في ممالك المسلمين، تنصيص مقطوع الجذور من الإسلام لخدمة الدول واتجاهات الحكام والمتنفذين، وتوارى الفقهاء الأحرار التقدميون، الذين يتبصرون الأفاق البعيدة لتطور الأمم الإسلامية، فيقاربون ويجتهدون في كيفية تطوير أوضاع النساء أو الناس عامة، لكي يكونوا ضمائر حية لدينهم وأمتهم.

ويمكن الاستنتاج هنا بأن ذلك القانون الذي مازال سارياً وهو أن تطور حريات العامة وتقدمها الاجتماعي مرتبط بمدى تطور الحركة الديمقراطية والتقدمية في العصر، ففي العهد النبوي والراشدي، تطورت حريات ومكانة المرأة، قياساً على المهانة الجاهلية، ولكن مع صعود الدول

المستبدة الشمولية تحولت النساء إلى جوار، وتصاعدت الحركة الدينية المحافظة التي جيرت النصوص لخدمة استغلال الحكام والرجال.

والغريب أنه كلما تفاقمت الشهوات صارت الأحكام محافظة ورجعية أكثر.

وهكذا فمع الاحتكاك بالغرب ونشوء حركة النهضة العربية وصعود القوى الديمقراطية أخذت الحياة النسائية تتغير، وتطورت الحريات الشعبية في مختلف المجالات، بما فيها حرية النساء، وإن اقتصرت هذه الحريات على الدوائر المدنية، في حين احتاجت نساء الفلاحين والعاملين جهوداً أخرى لكي تقترب من أنفاس الحضارة الحديثة.

إن تصاعد الحركة الديمقراطية الحديثة هو السبب وراء تطور حرية المرأة، وقد انتكست هذه الحركة بفعل تصاعد مختلف أشكال الشمولية،  سواء من خلال واجهات وطنية وقومية أم من خلال واجهات دينية.

إن انتكاسة الحركات الديمقراطية العربية الحديثة انعكس على وضع المرأة وتدهور حرياتها، وقد غدت الحركات الدينية هي الشكل المضاد لنمو الحركة الديمقراطية، مع استغلالها من قبل الأنظمة المحافظة والأجنبية.

وليس غريباً أن تتقارب الحركات القومية والدينية في مسائل تدهور حريات المرأة، بسبب الطابع الذكوري المهيمن والمتخلف في هذه الجماعات، فجذور الاستبداد الشرقي متوارية تحت الجمل السياسية التحررية الشكلية، ومن هنا لم تقم الحركات القومية و(اليسارية) التي اندمجت والهياكل الاستبدادية، بأي كفاح عميق لتحرير المرأة.

كما أن حركات المرأة النهضوية لم تقم بدور مستقل، سواء بإنتاج الوعي النهضوي التحرري النسائي، أو بفك الارتباط بالجماعات السياسية الذكورية المستبدة، وبانتاج ثقافة مختلفة.

الحجاب والصناعة

ككل الظواهر التي شكلها الاستعمار وهو يقتحم البُنى الشرقية العربية وغيرها، قام الاستعمار على استمرارية الاضطهاد والتخلف القديم، فصار الاستعمار هو ذاته جزءاً من التركيبة المحافظة.

وفي التداخل بين الإقطاع والاستعمار الغربي هناك الظواهر المشتركة لاستغلال المنتجين، عمالاً كانوا أو نساءً أو فلاحين. ومن هنا تشكلت الإيديولوجية المشتركة المحافظة بين الجانبين، ولهذا فإن إدخال النساء ككتل واسعة في ميدان الأنتاج الحديث وخاصة الصناعي منه، كان مستحيلاً، لكون الاستعمار يعمل على تغييب الصناعة ككل.

لقد أمكن للمرأة الغربية أن تتحرر عبر الثورة الصناعية والعلمية فقط، فليس بالشعارات تتحرر المرأة.

وبهذا فإن النساء العربيات وجدن أنفسهن في ذات الدهاليز الضيقة لمجرى التحول العربي المحدود، وحين قامت الدول الوطنية القومية التحررية، فقد اعتمدت على القطاع العام التابع لسيطرتها السياسية، الذكورية، والبيروقراطية، وبهذا فقد حيل بين المرأة والصناعة مرة أخرى، وبين النساء والحداثة العميقة، وواصلت الدولة المذهبية التقليدية مسيرتها .

وقد صار عمل المرأة مركزاً عبر هذا التطور في مجالات الخدمات الحكومية وهو مجال لا يتيح لحرية جذرية، وحين تدفق النفط في المنطقة العربية في المناطق الأقل تطوراً، وذات الإرث الرعوي والقروي، تم استخدام عمالة أجنبية غير عربية، أو تشكلت صناعات استخراجية، بحيث كان تأثير الصناعة التحويلية هامشياً .

فواصلت الأنظمة المستقلة مسار الحياة التقليدية، وازدادت المحافظة مع تدهور الحياة الفكرية والسياسية في الأنظمة الجمهورية، ولهذا واصلت القوى التقليدية والبيروقراطية التحكم في الجمهور، وقد أتاحت الدخول المرتفعة وتدهور المدن العربية عبر التدفق القروي المستمر، تراجع عمليات التحديث، وإذا كانت الجمهوريات قد شهدت تدهورا، عائدة إلى أنظمة ملكية مطلقة، فإن الأنظمة الملكية أصيبت بالأزمة التي أرادت تسويقها للأنظمة الجمهورية.

وهكذا فعبر بعض التقاليد البسيطة الدينية فإن القوى المحافظة تنمو في سياق اقتصادي مأزوم، لم يتح لصناعة حرة أن تنتشر، وقامت القطاعات العامة بتدمير الثروة العامة التي جمعت خلال قرن.

يقوم المحافظون ومسئولو الأنظمة العربية والإسلامية الفاشلة بتحميل القدر أو الاستعمار أو الفساد الأخلاقي أو النساء، مسئولية فشل سياسة اقتصادية واجتماعية، ولا توجد من حلول لديهم سوى استغلال بعض المظاهر الدينية والإبقاء على الفساد السياسي.

ولم يكتف هؤلاء بتسويق الأزمة للأنظمة الجمهورية العربية وتخريب التطور العربي العام، بل يريدون تخريب التطور في الأنظمة الغربية كذلك، وهي التي فتحت ذراعيها لملايين فرت من

الفقر والاستغلال المتخلف والأزمات الاقتصادية في العالم العربي .

وهكذا يظهرون أنفسهم كحماة الفضيلة، وكأن الفضيلة هي مجرد غطاء على الرأس في حين يتركون العائلات الفقيرة والملايين يبيعون أنفسهم في الداخل و الخارج.

لم توجد قوة عربية سياسية حديثة وحرة، أي قوة تحويلية جذرية مرتبطة بالصناعة وتطورها، سواء من المالكين أو العاملين، فالمالكون الرأسماليون تأتي أغلب رساميلهم من العلاقات بالدول، في حين تأتي أغلب أجور العمال من العمل في المؤسسات التي تملكها الدول، مما جعل الطبقتين الحديثتين اللتين تحملان بذور النظام الحديث، تابعتين لقوى غير حديثة .

وهذا انعكس بدوره على مستوى حريات المرأة، فالحرية الشكلية أو العبودية الفجة تصنع من قبل الرجال، أحياناً بأشكال حداثية شكلية وأحيان بأشكال مذهبية تقليدية معادية لتطور الأمة.

لكن الحرية لا تُعطى فإذا أعطيت تغدو مسوخاً، وذلك لغياب إرادة المرأة الصانعة، فهي تصنع الأطفال لكن الأنظمة تحولهم ضدها، وحين لا تستطيع أن تصنع السلع التي عبرها تقحم إرادتها في التطور والحياة السياسية كجماعة واسعة، كطبقة، فإنها لا تستطيع أن تخلق حريتها.

النساء والنضال الموسمي

ما أن انتهت المواسم السياسية الانتخابية البلدية والنيابية حتى ابتعد الكثيرون من النشطاء وخائضي غمار التجربة عن التواجد، بعضهم حزنأ ويأساً والبعض الآخر لا مبالاة وكأنه أدى دوره الأخير في الحياة السياسية منتظراً موسماً آخر، يعود فيه إلى النشاط.

هذه المواقف توضح ان العديد من هؤلاء ابتعد بشكل أو بآخر عن الحضور، أو حتى اتخاذ موقف من التجربة، أو الكتابة أو التواجد بهذا الشكل أو ذاك.

اعتقد هؤلاء خطأ ان الحياة السياسية تنحصر في الحملات الانتخابية، وان العمل السياسي هو لبضعة أيام أو أسابيع ثم بعد ذلك تعود الأسراب إلى مخادعها.

لكن إذا تنعم هؤلاء، وخاصة النساء المحرومات من التمثيل المنتخب، ان التيارات هي التي انتصرت، وليس هذا أو ذاك من الأشخاص، التيارات التقليدية التي سمح لها بالحضور والتواجد فى المؤسسات الدينية، وبالتالي لم يظهر قانون ديمقراطي حقيقي يمنع هؤلاء من استغلال الدين لأعمال سياسية نفعية، وهذه التيارات لها جمهورها الذي تكيف مع هذه الظروف غير الطبيعية، والذي يعتبر المرأة عورة؛ وجسماً تقليدياً ، وكثير من هذا الجمهور هو من النساء أنفسهن.

وهذا الميراث لم يتشكل بين يوم وليلة، بل كرس عبر جهود طويلة، وإذا اعتقدت النساء الناشطات سياسياً، سواء كن بشكل موسمي أم غيره، ان هذا الميراث يتغير دون تضحيات ودون عمل متصل و كفاح لا يتوقف، فسوف يجدن أنفسهن مرة أخرى أمام الفشل.

وفي لحظات الفشل واليأس تطرح تعميمات خاطئة كالقول إن هذا الشعب متخلف، أو هذا الجمهور غبي، وهي تعميمات تحكمها المشاعر، لا علم السياسة، فالجماهير كتل من الناس ليست خارج التاريخ والتأثيرات والمصالح، فهي تحكمها ظروف، وقوى سياسية مختلفة وأفكار سائدة، ويتحدد قربها أوبعدها عن الحقائق الموضوعية بدور القوى الاجتماعية الطليعية ومدى انتشارها وذكاء أساليبها. وهذه القوى لا تأتي من فراغ بل من تطور اقتصادي وثقافي متعاضد، أي بجملة شروط، فلا يصبح الناس متنورين بشكل جاهز.

وقد كانت الكثير من النساء يخضعن لسنوات قريبة لدجالين أو لسحرة أو ضاربي الودع وحارقي البخور، ولطوالع النجوم، بسبب الحبس الاجتماعي الانفرادي الطويل لجنس النساء، ولهذا فإن إخراج النساء من هذه الزنازين التاريخية لا يتم بين ليلة وضحاها، أو بجملة شعارات براقة، بل يتغيرن من خلال نضال صبور يرين في آثاره تبدل أحوالهن وتحسن مكانتهن.

ومن هنا يغدو غياب الناشطات السياسيات، بالابتعاد عن العمل السياسى، فكرياً أواجتماعياً، مخيباً لآمال الجمهور العريض من النساء، اللواتي وجدن فيهن بارقة أمل ومحاولة لفك أسر.

لقد حصلت هؤلاء النسوة على تجربة ثمينة ومعارف وتكونت لديهن علاقات، وهذه الحصيلة ليست سهلة، وجمهورهن ليس بسيطاً وقد تكون في مدة قياسية، فلا يجعلن هذا الجمهور يذوب، ويفقد الخيط الذي تشكل له، فهذا الخيط سوف يقوى على مر السنين عبر مواصلة الفعل الذي بدأ.

إن هذه التجربة الكفاحية الباهرة التي صارت بعد قيظ سياسى طويل، فى الواقع تبشر بخير قادم، وإن كل هؤلاء النساء اللواتي احتشدن في يوم الانتخابات كن رسالة تأييد لعملية تحول، قد لا تستفيد منها النساء بصورة سريعة، ولكن الثمار قادمة لهن، عبر الصبرو الانتظار الإيجابي الخلاق، وليس بالعودة مجددا إلى السلبية والصمت.     

خطورة الوعي السلبي للمرأة

كان يفترض مع التحولات السياسية أن تزداد عمليات الانفتاح الاجتماعي، ويتم الابتعاد عن قضايا الحريات الشخصية، ولكن حدث على العكس توجه للتقليل من هذه الحرية، الأمر الذي سيحولنا – إذا استمر هذا الخط – إلى فتح باب المجابهات الداخلية.

ويعتمد المحافظون المتوجهون في هذا المسار على الأقسام المتخلفة من السكان في وعيها، والتي تصور الحريات باعتيارها كارثة أخلاقية وانحرافات اجتماعية، وتفصل هذه القضايا الأخلاقية والأسرية عن قضية الحرية المترابطة، حيث ان أي مساس بالحرية فى جانب من جوانبها ينعكس على الجوانب الآخرى.

والخطورة في تفاقم مثل هذه المسائل هو أننا نتجه بعيدأ عن القضايا المحورية فى قضايانا الوطنية، وننزلق في سراديب جانبية مقفلة، وهي قضايا لم يستطع الخطباء على مدى آلاف السنين أن يحلوها، وهي مسائل باتت في عهدة الضميروالحرية الفردية والمسئولية الشخصية .

يستند المحافظون إلى وعي بعض الأقسام النسائية التي تتأثر حياتها الشخصية بهذه المسائل ومسائل الحرية الشخصية غالباً ما يستفيد منها الرجال وتحرم منها النساء، ويقوم الرجال عادة بتكييف مسائل الحرية على مزاجهم وكيفهم الشخصي، فهم يريدون الحرية ولكن لهم وليس للنساء، فيتمتعون ويسافرون وينطلقون كيفما

شاءوا لا تسألهم زوجاتهم عن هذه الحرية الواسعة، وإذا سألنهم قالوا إننا رجال!

من هنا تبحث هؤلاء النسوة عن وسائل للجم هذه الحرية الذاتية النهمة، فلا يجدنها إلا في آراء بعض المحافظين، الذين يستغلون هذه المستويات المتفاوتة من الحرية، وتذمر النساء، لكي يلجموا الحريات العامة، ولكي يدخلوا في حيوات الناس الشخصية، ويفرضوا مقاييسهم الاجتماعية.

كان انتشار حركات المحافظين قد اعتمد في الغرب نفسه على هذه الأقسام الاجتماعية، وعلى جمهور نسائي معين، يوى في الحرية الذكورية الواسعة خطورة على بقاء الأسر، ولكن المحافظين التفوا بعد ذلك على هؤلاء النسوة وفرضوا عليهن قوانين مجحفة وابقوا اللامساواة بين الرجال والنساء وبصورة أسوأ من السابق.

ولهذا فإن حل المشكلات الأسرية ونقص الحرية في المنزل للإناث لا يحل بتشكيل دكتاتورية فى الحياة العامة، أو بإطلاق يد الرقابة في ضمائر الناس، وبمراقبة ما يشربون وما يأكلون وكيف يفرحون ويغنون وماذا يلبسون.. وكأننا ونحن نطلق موجة الحرية السياسية من الباب نقوم بسحبها من الشباك الاجتماعي.

إن المرأة هي التي سوف تعاني أكثر من غيرها من المحافظة الاجتماعية والسياسية، التي ستنقلب على تراجع المساواة لها، وتفاقم مشكلاتها في الأحوال الشخصية المختلفة، خاصة مع جماعات غير متبصرة سياسيا ودينياً، وليس لديها برنامج للنهضة والتطور.

وعلى العكس، فإن على المرأة أن تدخل هذه القضية من بابها، وهى المطالبة بمزيد من الحريات الشخصية والعامة المتساوية، التي تعطيها الحق في نقد الرجال وتشريح سلوكهم الخاطئ أو المضاد للحرية.

وكلما ازدادت الحرية كلما انعكست ثمارها على المرأة على المدى الطويل، سواء بوجود مواقع فكرية وسياسية للمرأة، أو بتطور منابرها المستقلة، وباكتشاف مشكلاتها والبحث عن حلول واقعية وسليمة ومباشرة لها، ومن خلال وحدة الحركة النسائية وبالتعاون مع الحركة الديمقراطية في البلد بمختلف اتجاهاتها.

حراس الأسرة الأبوية

اعتمد الإقطاع الديني في هيمنته على المسلمين على الإرث القبلي الجاهلى، حيث الأسرة الممتدة وسيطرة رب العائلة المطلق، وتعني هذه الأبوية الشديدة، والعشائريه، وابعاد النساء عن الشؤون العامة والمساواة مع الرجال والمتاجرة الاجتماعية والمادية بهن.

وقد حاول الإسلام التخفيف من هذه الظواهر الجاهلية، لكن الفتوحات التى كدست الثروة فى أيدي الرجال والأغنياء، مثلت ارتداداً أكبر عن تعاليم الإسلام، ومع ظهور الإقطاعين السياسي والديني، تم تأبيد البنيه الذكورية الأبوية العشائرية وبعدها البنية الاجتماعية للأنطمة في أحكام تعدد الزوجات التي قام الإسلام بتخفيفها عن الجاهلية الأولى حيث العدد الحر من الزوجات، اشترط العدل، وكانت هذه الأحكام جزءاً من العمليه الاجتماعية النهضوية عن زمن التفكك والتخلف السابق، لكن الثروات التي انهالت على الأشراف وأيديولوجييهم الدينيين، جعلت أحكام العدل تتنحى والشهوات تفرض نفسها. ولم يكن ثمة حماية أكبرلأنظمه الاستغلال هذه من الادعاء والاحتماء بالدين، وأخذه في أشكاله المفصوله عن غاياته وتطوره.

إن الاستغلال الجنسي للنساء، والاستغلال الاقتصادي للعاملين والتجار والحرفيين، يتداخلان وهيمنة السلطة السياسية عند الحكام، والسلطه الأيديولوجية عند رجال الدين.

لكن كان على النساء أن يعانين وضعاً أصعب وأقسى بكثير من الرجال، كان عليهن أن يقاسين سيطرة الأسرة الأبوية، حيث يتحول المنزل إلى أداة للتفريخ والمتعه، وتنحجب المرأة عن العالم، لكي يؤدي هذا التحجب إلى القضاء على الأساس الاجتماعي الممكن لتطور المجتمع. فلم تؤد هذه الهيمنة الأبوية الذكورية سوى إلى التخلف الكامل لهذا الجنس، ثم تخريب تطور الأسرة الثقافي والاجتماعي. لقد صارت منزله المرأة لا تزيد على مكانه البهيمة، فهي تعرف في وثيقة

الزواج ما إذا كانت بكراً أم ثيباً، وهكذا فإن الأعضاء التناسلية يجب أن تُفحص أو يتم التأكد منها قبل الزواج، مثل الماعز التي تذبح، ويتم فحص جلدها ووبرها. ويزعمون ان هذه الصيغة تتفق وروح العدل في القرآن!

وإذا كان التاريخ الجنسي للمرأة يجب أن يكون معروفاً موثقاً ، فإن التاريخ الجنسي للرجل يحب أن يكون مصاناً محفوظاً، أي مُغيباً مجهولاً، فيستطيع أن يقوم بما شاء من مغامرات ولا يتم فحص أجهزته التناسلية.

كذلك فإن زيجاته السابقات ونساءه اللواتى على ذمته، وربما عشيقاته المحفيات، كل هؤلاء النسوة يجب الا يُسأل عنهن، أما المرأة التى أخذت كبهيمة إلى « زريبه» الزواج، فيجب أن يعرف بدقه ما إذا

كانت عذراء بكراً، أم مطلقة أم أرملة، وبطبيعة الحال فإن سمعتها تكون قد سبقتها، فالقيود التى انحفرت فى قدميها، ويديها، وجدران السجن الأبوي التى أكلت من عمرها، والاخوة الحراس الأشداء قاموا بدورهم البطولى فى ضربها والتفتيش فى جلدها وملابسها بحثا عن رائحه ذكر.

عشرون سنة من السجن الأبوي، وفي مناطق أخرى أكثر (تحضراً) خمس عشرة سنة أوربما عشر، وتكون البهيمه الُمعدة للتناسل قد أُعدت للانتقال إلى سجن آخر، وتم دمغها بالشرف الجلدي العظيم، وأُعدت لإنتاج نسل أنوي دقيق متسلسل. ولكن الشكوك تبقى مستمرة، وتبقى الأقفال عند السيد، والأموال، والمراقبة، والمطاردة، والضرب والهجر والخيانة، والزواج بأخريات، وتبديد الصرف، وعدم وجود محاسبة ومراقبة من المرأة أو من المجتمع، فهوالحاكم المطلق في مملكته.

ويزعمون بعد هذا ان هذه الصيغة تتفق وروح العدل في القرآن!!

تشابك السياسي والاجتماعي

 في الصراع السياسي والفكري حول أوضاع المرأة والأسرة الذي شهده المجتمع البحريني خلال المدة القصيرة السابقة، بدت الصراعات والمحاكمات وكأنها تجرى في سياق واحد، عفوي أو مُرتب له، ولكنه في كل الأحوال يعكس تشابكا بي الإصلاحين السياسي والاجتماعي.

ثمة رأي وجيه يقول عن كل هذه المسائل: إنها مؤامرة على الإصلاح السياسي الذي ينبغي أن يأخذ الأولوية، ويلغي كل ما عداه، وإن المساهمة في تفجير هذه القضايا الجانبية هي انحراف عن المسار السياسي الديمقراطي المفترض.

والواقع ان هذا الرأي يقوم بعزل السياسي عن الاجتماعي، وكأن السياسي معلق في الفضاء وحده، وكأن الديمقراطية هي في تصويب الدستور في ديمقراطية حقة متكاملة، ومنفصلة عن دكتاتورية الرجال والآباء في البيوت، وعن تحكم رجال الدين في فهم الشرع بطريقتهم الخاصة المتشددة.

إن الديمقراطية هي بناء سياسي واجتماعي وثقافي متكامل، ومتداخل في كل جوانب الحياة، فحين نعمل على تطوير المجلس التشريعي لمزيد من الصلاحيات في المستقبل، لا ينفصل ذلك عن تطوير أوضاع النساء وتعديل حقوقهن المهدرة، فليست الديمقراطية هي فقط في الامتيازات الممنوحة لمجموعات محدودة في المجتمع، بل في توسيع فرص الحرية أمام مختلف الشرائح الاجتماعية، والمرأة قطاع كبير وهي الأغلبية في المجتمع عبر الأرقام.

مثلما نناضل من أجل تعديل كافة القرارات السرية بمنع شرائح من الشعب من دخول مختلف الوزارات بدعاوى طائفية مستهجنة، ومثلما نناضل من أجل أن يكون التلفزيون شاشة حرة تعكس مختلف الآراء الدينية والسياسية والجنسية.

مثلما نناضل من أجل أن تكون الملكية العامة تحت رقابة مباشرة من المجتمع.

إن قضايا الديمقراطية حزم متشابكة، ولكن العمل السياسي الناضج يستطيع أن يعالج هذه الحزم بطريقة سليمة، تخضع للوسائل الديمقراطية والقانونية التي ارتضاها المجتمع في هذه اللحظة من تطوره السياسي.

فأي قانون يعرض على هذه الجهات المسئولة ويأخذ طريقه المعتاد من الحوار، والرفض أو القبول، والجهات المعنية هي التي تقرر صلاحيته أم لا.

إن تشغيلنا لدولة المؤسسات واعتمادنا عليها يجب أن يكون شاملاً، بمعنى أننا نقبل بقراراتها حتى لو كانت ضد مصالحنا، ونترك لآلية التغيير داخل هذه المؤسسات مداها الزمني السياسي. أما أن نستخدم وسائل الضغط والتاثير فهذا مقبول، بشرط ألا يقوض دولة القانون والمؤسسات، بمعنى أن نبقي المرجعية دائماً داخل هذه المؤسسات؛ ونسعى لتطويرها بشكل مستمر.

إن دولة المؤسسات ناقصة، والديمقراطية محدودة، هذا صحيح ولكن المجتمع في لحظة سياسية معينة أقر بها، فلا بد من تطويرها من داخلها. أما أن تتشكل قوى خارج هذه الشرعية الدستورية، وخارج دولة المؤسسات، وتريد فرض رأيها، فهو أمرخطير.

بمعنى أن من يحكم صار ليس هذه المؤسسات التي ارتضاها المجتمع، والتي خضعت لها الدولة والجمعيات السياسية والشرائح الاجتماعية، في حدود معينة من الاتفاق المرحلي، بل صار مجموعة من الأفراد الخارجين عن الإجماع الدستوري والقانوني الوطني.

بمعنى أننا أمام عقلية انقلابية على دولة المؤسسات، وهذه العقلية ا لانقلابية تشترك فيها عدة أطراف بصورة خفية أو واضحة، وهي تقول: إما أن يمشي رأينا وإما نطيح بهذه البنية السياسية.

المرأة والحداثة المهزومة الأولى

عبّر الإسلام عن ثورة نهضوية في ظروف عربية شديدة التخلف، فحمل ميراثاً بدوياً محافظاً ثقيلاً، وهو يعبر بالعرب من

مرحلة الفوضى والتخلف، إلى مرحلة النظام والتقدم.

وكما نهض على التحالف الكفاحي بين التجار المتوسطين والفقراء، لإزاحة الملأ الأرستقراطي الباذخ، فقد قام على تعاون بين الرجال والنساء فى سبيل تشكيل حياة اجتماعية مختلفة.

فكان ظهور النساء في هذا المجرى الثوري واضحاً، عبر سطوع دورهن في البعثة والدعوة وتشكيل الدولة وحروب الجهاد والفتوح، ولكن هذه المرحلة انتهت بصعود أسر الأشراف مجدداً، عبر تراكم ثروات الفتوح والتجارة والعبودية في أيديها، وانقلابها على المشروع الجمهوري والشعبي الأول، وتحوله إلى ملكية عضوضة مدعمة بالجيوش الباطشة.

وقامت حكومات الأسر الأرستقراطية بجر الإرث البدوي المحافظ إلى الحياة المدنية الإسلامية، عبر الهيمنة المطلقة لرؤساء العشائر والقبائل واستعادة الحروب بينها والشعر المادح لها. لقد حاولوا استمرار الخيمة الصحراوية فوق المدن الجديدة.

فكانت عملية استعادة مضمون الحياة الجنسية للجاهليين، بجعل شهوات الرجال مباحة بلا حدود، يغذيها توسع المداخيل الهائلة للغزوات والفتوح، التي جعلت حتى الجنود الصغار قادرين على شراء الجواري، وامقلأت الأسواق بالنسوة العبدات والأسيرات المجلوبات من افريقيا وأوروبا الشرقية والهند.

كان هذا يقود فقهياً إلى التوسع المباح للرجال، والتضييق الواسع على النساء العربيات. فبدلاً من الظهور الاجتماعي الثري المشارك فى عمليات التحول فى ابان الثورة العربية الإسلامية التأسيسية، قاموا بإعادة النساء العربيات في المدن إلى الأقبية الخلفية في البيوت، وتم رفض مشاركتهن في الحياة السياسية والاجتماعية العامة.

بطبيعة الحال لم يستطع الرجال السيطرة على نساء الريف والبادية، اللواتي كن يشتغلن جنباً إلى جنب مع الرجال، ويشاركن فى الحياة الاجتماعية والثقافية، فكانت بساطة الحياة والمساكن تجعل حضور المرأة شيئاً حتمياً. ولكن ذلك لم يكن يعني المساواة، بل زيادة أعباء المرأة وبساطة ملابسها وقلة زينتها وقوة جسمها، بعكس الحال فى المدينة العربية التى ملأت المرأة نفسها بالزينة وأثقال اللحم والأمراض، محاولة أن تجذب الرجال النهمين الذين كانت اختياراتهم الجنسية الأجنبية واسعة.

وحتى عقل هذه المرأة المدنية كان متدهوراً بسبب منعها من النشاط العقلى، إلا ما كان غارقاً فى التدين والتصوف، وهي النافذة الوحيدة التى وجدتها المرأة لكى تعبر انها ليست جسداً فحسب، بل عقلاً وثقافة، مثلما فعلت رابعة العدوية وهي تؤكد انها إنسان وليست امرأة فقط، ولهذا ظهرت كمخلوق غير جنسي، وجعلت عشقها إلهياً. لقد تم قطع علاقة المرأة بالنهضة على المستويين المدني والريفى معاً، فالأرياف تكون غارقة عادة فى العمل المضني وفي طبيعة قاسية واستغلال لا يرحم، ولهذا كانت البوادي والارياف تثور بفوضوية وعنف مخيف، وهي تنتقم من المدن التي استغلتها طويلا، كما فعل بنو سليم والقرامطة.

 ويكشف حضور المرأة في الملاحم الشعبية عن هذه المقاومة التي بذلتها النساء للتأثير وتشكيل الوجود الشخصي، وللرغبة الدائمة في المساواة مع الرجال، ورفض التمايز الذي كرسه في انتصاره في الحروب وهيمنته على الملكيات الواسعة والصغيرة.

لقد كان نتاح هذا الصراع الجنسي وسيطرة طرف بشكل مطلق هو انهيار الحياة الأسرية العربية، وتشكيل أجيال من البشر المعقدين جنسياً والمعطلين عقلياً.

الزواج الأحادي في المسيحية

استطاعت العائلة الأوروبية أن تنفك من هيمنة الإرث الأبوي الشمولي، عبر جذور المسيحية القادمة من المشرق العربي أولاً، فقد تشكلت المسيحية كثورة فقراء في البلدان الزراعية وهي فلسطين والعراق ومصر، ومع ذلك فإن طرحها لعائلة شبه متساوية بين الرجل والمرأة ، وعدم تعضيد تعدد الزوجات ورفض عادة الجواري، السائدة في قصور الأمراء والملوك والأغنياء في الشرق، كانت عملية غريبة وثوريمة في عصرها ومنطقتها .

وحتى الآن لا يُعرف سبب هذه الطفرة الفكرية والاجتماعية، ولكن هذا الزواج الأحادي كان منتشرا في المناطق الزراعية والمدن الأوروبية المتخلفة في ذلك الوقت.

وهو قد لاءم هذه المناطق التي لم تكن الصحراء والقبلية المرافقة لها والمتجددة عبرها، جزءا من تاريخى المستمر.

هذا بعكس القبائل العربية والشرقية عموماً التي وجدت في بيئات صحراوية ضارية، جعلت من الزواج بأكثر من واحدة وسيلة لكثرة الانجاب ومجابهة قسوة الطبيعة، ولكن مثل هذه الضرورة التي رُوعيت دينياً، انتفت عندما تحضرت القبائل العربية وانهالت عليها ثروة البلدان المفتوحة، ولكن الرجال المهيمنين سياسياً واقتصادياً وفقهياً، تناسوا الضرورات الصحراوية، وحولوا تعدد الزوجات إلى قانون راسخ، وحينئذٍ لم يلعب تعدد الزوجات دوراً صمودياً في وجه الصحراء، بل تحول إلى متع وبذخ مُدمر، جعل المدن العربية تستعيد الصحراء وتراثها المتخلف، الامر الذي لعب دوراً أساسياً في انهيارها الاقتصادي والسياسى.

وعلى العكس من ذلك مضت العائلة الأوروبية المسيحية في مسار مختلف، فالزواج الأحادي قلل من البذخ والإفراط الجنسي وحب الشهوات، وركز الاهتمام بالعائلة، على الأقل بصورتها العامة الواسعة، لأن الرجال هنا أيضاً حاولوا التحايل على قانون الكاثوليكية الصارم بالزواج الأحادي والزوجة الوحيدة إلى آخر العمر، عبر استخدام العشيقات والعلاقات السرية.

ولهذا فإن البروتستنتية، وهي تتشكل في فضاء صعود الرأسمالية الحديثة، فى أقطار أوروبا الغربية، قامت بالتخفيف من روابط الزواج الأحادي عبر عدم جعله أبدياً، بل اختيارياً، لكنها حافظت عليه، ويمثل ذلك تراكماً اجتماعياً مفيداً.

لكن الزواج الأحادي عموماً جعل للمرأة مكانة مهمة في الحياة الاجتماعية الأوروبية عامة، عبر رفعها إلى مكانة عالية وإنشاء حياة أسرية غير مفككة، وعدم تحويل الزواج إلى هدف جنسي محض، كما أدت التطورات المضادة في الشرق، وهذا جعل الحياة الاجتماعية الأوروبية مهيأة للتطورات التحديثية التي تدفقت فيما بعد.

كذلك فإن الزواج الأحادي بجذوره الكاثوليكية وتطوره البروتستنتي، قد جعل للنساء قوة اجتماعية وحضورا دائما في الحياة المدنية، بعكس الأمر الذي جرى في الشرق بعزلها في البيوت.

لكن بطبيعة الحال فإن هذا النمط الزواجي لم يكن يعني مساواة قانونية واجتماعية بين الرجال والنساء، حيث استمر جنس الرجال في الهيمنة على الملكية الخاصة، وعلى الحياة العسكرية والسياسية والإنتاجية.

ومع انفجار الثورة الصناعية، ودخول النساء إلى الحياة الاقتصادية بل والمصانع، انهارت تدريجيا هذه القواعد الاستغلالية من قبل الرجال للعضلات والهيمنة، وأخذت دعاوى المساواة تتغلغل في الحياة الحديثة الأوروبية، ولم يكن ذلك ممكناً سوى عبر صعود تيارات الحداثة والحركات الاجتماعية للعمال، التي فتحت بعض الأبواب لظهور الحركة النسائية كقوة سياسية مستقلة تتوجه نحو تغيير القوانين المعادية للمرأة، وإنتاج مساواة قانونية بين الرجال والنساء.

ومع كل ذلك فإن الميراث الذي تواجهه النساء حتى في الغرب لم يزل قوياً وثقيلاً، ولم تزل السيادة الذكورية وإنتاج المنزل الذي تتخصص فيه النساء يجعل حضورها السياسي والفكري ليس كأعدادها.

أما المرأة في الشرق العربي والإسلامي فمازالت في المرحلة الجاهلية وتحت الثرى موؤدة.

النساء والسحر

في فيلم (عتبة الستات) العربي تقع بطلة الفيلم ضحية مزدوجة لكبرياء زوجها الذي لا يعترف أنه غير قادر على الأنجاب، وضحية لجهلها الفكري، ووقوعها في أيدي عصابة من المشعوذات اللواتي يقمن بسرقتها، وبإخضاعها لعملية إخصاب على غير علمها وبشكل إجرإمى.

إن المشكلة المزدوجة وهي مشكلة الكبرياء |لكاذبة للذكورة، وجهل النساء بخدع الدجل السحري والسياسي، تعبر في الواقع عن النتائج الطويلة لحبس النساء في قماقم التخلف.

ولإ يوجد قوة أكبر لدى قطاع كبير من النساء من السحر، فهذه القوة الاجتماعية والسياسية المتوارية هي المعادل لزمن طويل من تغييبهن عن العلوم والإنتاج والصناعة، وعن المشاركة السياسية في الحياة، وهي الثمرة الطبيعية لوجودهن في العمل.

ولا يؤدي دخولهن هذا الميدان إلى زوال تلك الخلفية الثقافية التي استمرت عدة ألاف من السنين، بل إن الأمر يحتاج إلى جهود كبيرة للجمع بين النشاطين الاجتماعي والاقتصادي وبين الثقافة الحديثة، مثلما لم تستطع الطبيبة أن تقاوم إغراءات الدجالات نظراً لوقوعها في مشكلة حادة، وعدم قيام الزوج بواجبه في تنويرها بانه عاجز عن الإنجاب، بل تركها فريسة للضغوط بحيث إن هذه الضغوط استدعت الجذور العميقة في الشخصية، فراحت الدكتورة تضرب الودع وترى قيعان الفناجين ؤتتصور الخيالات التي تعكس حالاتها الداخلية المضطربة.

إن هذه الجذور والرواسب التاريخية تصعد إثر أزمة الشخصية؛ وإذا لم تجد تنويراً وتبصيراً، واستمرت المشكلة، فإن هذه الرواسب تتحول إلى عمليات شبيهة بالجنون، فيحدث انفصام بين الشخصية والعالم الموضوعي، مثلما يحدث الأن لأقسام عديدة من الجماهير العربية حيث لا يتم حل مشكلاتها المعيشية، والاجتماعية والفكرية، فتحتدم داخلها وتلجأ إلى بعض المثقفين فلا يكشفون جذورها، بل يستغلونها، ويتحولون إلى ما يشبه الدجالات في الفيلم العربي، فيستثمرون الأزمة لصعودهم السياسي والمالي.

وتمثل النساء قطاعا كبيرا يمكن استغلاله بالنسبة إلى السحرة الاجتماعيين والسياسيين، الذين لا يقدمون برامج لكيفية الخروج من المآزق والمشكلات الاقتصادية والسياسية، فالنساء مع خبرتهن القليلة فى كشف الشعوذة، واعتبار المشكلات الحياتية تنصب على رؤوسهن فى خاتمة المطاف، فيتحملن ظلم الرجال والحكام في آن معاً، فلا يجدن أمامهن إلا المسارب والدروب الجانبية والسبل البدائية فيعرضن أزماتهن على الدجالين.

وهذا السحر يبدأ من صفحات الجرائد حتى الأمثال والدعاية والأفلام والحركات الاجتماعية والسياسية، إنه القوة الكبيرة التي تحرك عالم العرب وإن كانوا لا يدركون ذلك، او يضيقون وجوده وحدوده، والعربي يولد وهو تابع للغيب، بكل قواه المختلفة، وهذا الغيب من دون قوانين فى وعيه، ولهذا فمختلف الكائنات تسيطر عليه، وما هو إلا ريشة في مهب الريح، فلا بد أن يتقيها ببخور أو بتعويذة أوببيضة أو زيارة، خاصة ان المرافق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المختلفة تخضع لمثل تلك الفوضى حيث لا قوانين ولا دستور، والتخلف الطبي والتعليمي والفكري يضرب بإطنابه، وإذا كان الرجال قد تصارعوا مع هذه الفوضى وعركوها بعض العراك واستسلموا بحدود معينة لقوتها، فإن النساء لم يجربن العراك مع هذه القوى التي لا تخضع لدستور أو قانون، وحيث تتحكم في الإنسان العربي على مدى الاف السنين قوى الأقليات المستغلة، ولا عجب أن يبدأ الدخول إلى عالم الجن بكلمة «دستور»، ولكن أي دستور!

الرقص ودلالاته الاجتماعية

حين ظهرت الأديان السماوية في المشرق العربي اضطرت وهي تواجه الثقافة الوثنية بفنونها الكثيرة، المتداخلة مع عبادة الأوثان، والمُفككة للمجتمعات، أن ترفض الثقافة القديمة بجملتها، متوجهة نحو عوالم جديدة من التطور الاجتماعي والثقافي.

ولهذا ظهر رجل الدين كإنسان بعيد عن الرقص والفنون عامة، خلافاً لرجال الدين في الكثيرمن الحضارات، التي تمازج الفن فيها مع الدين.

وعلى الرغم من انتهاء الوثنية وطقوسها وعباداتها، فإن الحذر من الفنون ظل مهيمناً على الوعي الديني الصارم، الذي اخذ يتمسك بالأشكال المقطوعة عن سياقها وأسبابها.

لم تعد الفنون بعد تجذر الأديان السماوية في المشرق وفي العالم مبعثاً للخوف، أو للارتداد إلى الوثنية، ولهذا فإن الكثير من المتدينين والمسلمين عادوا إلى الفنون، وإلى الرقص تحديداً، لأنه فن جماهيري جميل ومفيد صحياً.

وقد تداخلت الفنون حتى مع ظهور الأسلام وانتشاره خاصة في الاحتفالات الجماهيرية في الهجرة وبالمولد النبوي والفتوحات والإسراء والمعراج.

إن الفنون الشعبية الإسلامية فيها الكثيرمن فنون الرقص الفردي والجماعي، وهي كلها فنون لها دورها في تقوية العلاقات بين الجمهور، وتكريس احتفالاته الزراعية والعسكرية والإنتاجية والاجتماعية المختلفة.

وهناك صورة سيئة للرقص هي ما يعرف بالرقص الشرقي الذي تقوم به الراقصات وهو رقص ظهر في القصور لتسليه الحكام والأغنياء وتأجيج شهواتهم، حيث يُظهر المرأة بصورة قبيحة، وهولا علاقة له بالرقص الحقيقي، ولكنه دائما يُتخذ كأنه الرقص الوحيد لدى العرب! وقد تحول إلى ظاهرة حين استغله أصحاب الحانات والمراقص لجذب الرجال المسلمين المتعطشين والمحرومين لأي مظهر جنسي.

إن انفصال الفنون عن الاختلاط وعن المشاركة الجماعية والفرح قد فتح الباب لهذا المظهر الوضيع من الرقص ومن العرض المبتذل. بعكس الغرب أو بقية المناطق، حيث استمر الاختلاط والرقص الشعبي الجميل والظاهرات الحضارية، وغاب لديهم الرقص الشرقي العربي حيث تقوم الراقصات باستعراض لحمهن!

وتطورالرقص في الغرب على ضوء هذا النمو الحضاري ليتحول إلى فنون الاستعراض المختلفة، كالأوبرا والمسرحيات الغنائية، وهنا نجد الأجسام وأحياناً شبه العارية ولكنها تتحول الى شموع مقدسة، وإلى شعر بشري مجسد، وإلى ذروة من الأخلاق والسمو بعرض الحكايات والقصائد والملاحم المتضافرة والموسيقى السيمفونية الراقية، وهنا على العكس لا يغدو الجسد الراقص إلا سبيلا للتطور الأخلاقى!

ليس للرقص معانيه الجمالية الرفيعة فحسب بل هو أيضاً وسيلة للتربية والعلاج النفسي، وكثير من عقد العرب الاجتماعية والنفسية ناتجة من عدم المشاركة في الرقص، وتغييب الاحتفالات الفرحة، بزيادة السعرات الحرارية في الجسم وتراكم الشحوم والضغوط والعقد النفسية وهيمنة الذكورية من جانب أوالأنوثة من جانب آخر، وعدم وجود الكهرباء الاجتماعية الخلاقة التي تصهر المجموع وتزيل الكثير من الحواجز و السرطانات الفكرية من داخله.

وهذه التربية المعادية للفتون الراقية هي التي جعلت العديد من العرب والمسلمين أثناء زياراتهم للغرب أو الشرق، يتوجهون لعلب الليل غير الصحية، وأماكن العروض المبتذلة، ويتركون المتاحف والمسارح الراقية والمراقص الفنية الجميلة!

من حق القضاة

لا أتصور إن القضاة في البحرين لديهم عداوة شخصية مع أي أب أو أي أم، فليست لديهم أية مصالح أو علاقات، للوقوف مع هذا الطرف أو ذاك، فهم طرف محايد.

ولا أتصور إن القضاة فى أي نظام ديني أو علماني يقومون بتأجيج النزاعات العائلية والخلافات الأسرية، أو يقفون مع الآباء ضد الأمهات، لأنهم من جنس الرجال المشابه، أوعلى العكس يقفون مع النساء لأنهم في ظل نظام حديث فلا بد أن يقفوا ضد الرجال لأنهم مسيطرون..

هذه الأمور لاتحدث مع القضاة في كل بلدان العالم، فهم يدرسون الوقائع في كل حادثة بصبر طويل، متتبعين الشهود وأقوالهم والمحامين بمرافعاتهم والإدعاء العام باتهاماته وأدلته.

والقضاة ليسوا منحازين لهذا الطرف أو ذاك، إلا حين تتضح الوقائع وتتركز الحقائق، وينجلي الغموض من الحادثة، ويُعرف من الجاني خاصة في المسائل الأسرية الشائكة والملبدة بالغيوم والأقوال والادعاءات الكثيرة.

ونحن نرى إنه حتى في المحاكم الأمريكية التي تمتلئ بها الصحف والأفلام إن القضاة قد ينحازون ضد الأب لأنه سكير، ومبذر لأموال الأسرة، بحيث تحصل الأم على حق حضانة أولادها.

وعلى العكس قد يتوجهون ضد الأم إذا ما كانت مهملة لأودها وبيتها، فيتوجه هؤلاء الأولاد إلي الرذيلة والأجرام الخ..

وما يساعد القضاة الأمريكيين هو نظام المحلفين الذين يقومون بدراسة وقائع القضية وحيثياتها، ويساعدون القضاة في أحكامهم التي تصير أكثر دقة وصواباً، خاصة مع إعادة النظر في هذه المحاكمات والاستئنافات الطويلة، فتقترب العدالة من الحقيقة الموضوعية للمتخاصمين.

ولهذا لا يبدو لى إن القضاة فى البحرين على خطأ إذا كنا لا نعرف الملابسات الكثيرة التى حكموا على أساسها، وليس من المعقول منذ البداية إن هناك دوافع قصدية مسبقة لديهم ضد طرف من الأطراف، وهذا الأمر المستبعد كلياً بالنسبة إلي، ولا شك إن هناك حيثيات كثيرة جعلتهم يتوصلون إلى هذا الحكم.

ولهذا لا أرى مجالاً للصراع الجنسي، الذكوري الإناثي، في مثل هذه القضية، أوالرجعى والتقدمى، هذه الدعاوى التى يزجها البعض بمناسبة أو بدون مناسبة، وهو لا يكاد يعرف وقائع أية قضية.

إن هناك أناسا يحبون أن يزجوا بمفردات كبيرة في مثل هذه الأمور، دون أن يطلع هؤلاء على الحيثيات، مستندين على خلفياتهم المُسبقة، وفي أن كل ما يفعله قضاة الشرع هو بالبداهة ضد حقوق المرأة.

وما أحرانا فى مثل هذه الأمور الملتبسة والمعقدة أن نعرف القضية بدقة وبشكل ملموس، وأن نسمع كافة الأطراف غير مكتفين بشهادة طرف واحد.

ولكن في مسألة الصحافة فإن الموقف يختلف، فالصحفي الذي يتوجه للمحاكم يسمع الأقوال التي أمامه وهو ينقلها، ومن حق الطرف الآخر أن يتقدم بأقواله، حتى تكتمل الصورة الموضوعية، فالصحفي ليس في مكان القضاة المدققين المثابرين على رصد وكشف الملابسات المعقدة للقضية، فهو يبحث عن كشف صور المجتمع بمختلف مظاهرها، فهو ليس قاضيا أو مربيا، أو هو فاتح مدرسة للتعليم، أوهو يقوم بالفصل بين المتنازعين، ولو أنه بطل البحث عن الإثارة والقضايا الساخنة لأغلق جريدته وفلس.

فإذا كانت الأم قد تقدمت باقوالها قبل الأب، أو أن الأب لم يتقدم باقواله، فليس معنى ذلك إن الصحافة اعتنقت قول الأم قلباً وقالباً، فهي تقدم (روايتها) فقط، ولا تقدم الحقيقة الأخيرة، وهي مستعدة كذلك لتقديم كافة (الروايات) عن الواقعة. فالصحافة تقدم القصص، ولا تقدم الحقائق المطلقة. وغالباً ما يظن الناسُ في مجتمعاتنا إن الصحافة تقدم الحقيقة، فيقولون (هذا كُتب في الصحافة) وكأنه كلام منزّل، وهو ليس كذلك، هو رواية لأحد الأطراف فقط.

فى الجدل الدائر حول الأحوال الشخصية

مناخات التصعيد في الحياة السياسية والفكرية البحرينية تتنامى والصراعات السياسية الكبيرة في المنطقة، لتغيير وجهها بعد زوال نظام صدام حسين.

كذلك حدثت انفجارات مروعة في السعودية لأول مرة فى تاريخها السياسي.

وفي إيران بلغ التأزم بين المحافظين والإصلاحيين نقطة اللاعودة، وظهرت نغمة بضرورة الحسم.

ويبدو ان هناك أناساً يريدون تفجر الوضع السياسي في البحرين، أو حرف مسار الإصلاح السياسي والاقتصادي نحو جوانب فيها خلق لمعسكرين متصادمين.

يذكرنا ذلك بمسلسل الألغام السياسية الذي أخذ يظهر بقوة ويتسع دون أن يعرف أحد لماذا، وأشير بذلك إلى :

قانون الصحافة، ثم أحداث شارع المعارض، والموقف من الحرب لتغيير العراق والمظاهرات التي صاحبته، ثم قانون الأحوال الشخصية، ثم الحديث المكثف والمفتعل عن الطائفية الأرستقراطية في الوزارات، ثم التحقيق مع رئيس اخبار الخليج..

أي هناك عملية لتفجر كل القضايا المحدودة وشحن الشارع بها.

ومن جهة أخرى نلاحظ ظاهرات أخرى حول البرلمان، كلها تتوجه إلى التقليل من فاعليته او هزيمة التجربة الديمقراطية البرعمية التي تتشكل عبر تحجيم دورها وحضورها، ابتداءً من دورالمجلس المنتخب مروراً بالمقاطعة حتى نثر الغبار الشخصي أو التشكيكي حولها.

والآن ظهرت كرة الثلج المسماة قانون الأحوال الشخصية.

وفي قراءة هادئة لإحدى المحاميات البحرينيات في أخبار الخليج وضحت القصور القانونى والحقوقي فى هذا القانون. ومثل هذه القراءة الهادئة هي التي نحتاج إليها في التعامل مع الظواهر بدلاً من التوجه إلى خلق معسكرين متصادمين بحدة.

هناك نقطة مهمة يطرحها رجال الدين الشيعة هي ان قوانين الأحوال الشخصية بين المذهبين السني والشيعي مختلفة، فلا يجوز تشكيل قانون موحد.

وفي الواقع أن هذه الصراعات تثبت أهمية أبعاد المذهبيات عن السياسة، وترك الناس يلجاون إلى قانون مدني في قضايا الأحوال الشخصية، ومن لا يعجبه القانون المدني، يذهب إلى رجال دينه، وجعل عدة خيارات أمام المواطن.

والمسألة تحتمل العديد من وجهات النظر والاحتمالات والاجتهادات، لكن تحويلها إلى صراع وعملية كسر عظام، لسحق (من تسول له نفسه التطاول على العقيدة والشرع) أو من جانب آخر (الهجوم على الرجعية في وكرها)..

انها لغة الخمسينيات وقد ظهرت في مجال الأحوال الشخصية، وقد تُركت المسائل المحورية في الحياة الاقتصادية والسياسية، وتفرغنا للصراع حول المطلقات والحضانة الخ..

ويمكن ملاحظة ان بعض الكتابات المشغولة دائماً بتفجر المشاحنات والصفوف قد وجدتها فرصة ذهبية، ويمكن من خلالها استشفاف اتجاهات الرياح.

ان صراع المحافظين والإصلاحيين في البحرين معقد ومتداخل، فيظهر المحافظون بصفتهم إصلاحيين، ويستعين المحافظون من هذا الاتجاه لضرب الإصلاح في الجانب الآخر، ويتصادم الاصلاحيون من شتى الأطراف وكذلك المحافظون وتضيع «طاسدة» الإصلاح الموجهة نحو الاقتصاد والسياسة.

ينبغي على المحافظين أن يلاحظوا ان العالم قد تغير كثيراً، ولم تعد الدول المحافظة والشمولية بقادرة على الحركة كثيراً، وإن الأفضل لهم مسايرة التطور والإصلاح والقبول بدورمحدود في هذا العصر، وإلا فإنهم سيتبخرون كما تبخر غيرهم.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : و

عبدالله خليفة

الفقه والدكتاتورية المنزلية

لعل المسلمين لا يحتاجون إلى مثل حروب أوروبا في انتقالها من سيطرة الكنيسة إلى النظام البرلماني المكتمل،لأنه لو حدث فسوف يحتاجون إلى ثلاثة قرون من الحروب الأهلية لكي يحدث الإصلاح الديني الممهد للإصلاح السياسي وللتحديث.

 فالمسلمون لم يعرفوا حكم الكنيسة، والآن فقط النظام الإيراني تورط في مسألة الحكم الديني ومن قبله النظام الطالباني البائد، ومن الحكمة عدم الانجرار في هذا السبيل المكلف والمحفوف بالمخاطر، وعدم تشجيع الجماعات والرموز الدينية على خوض هذا السبيل، أسوةٍ بالنتائج السلبية لحكم الكنيسة البابوية، والتي لم تنفك أنيابها عن الدول والشعوب إلا بثورات دينية وشعبية كثيرة وبحروب طاحنة بدءاً من البروتستانتية والكالفينية حتى الثورة الفرنسية التي أباحت قتل رجال الدين فقط لأنهم رجال دين!

 ولحسن الحظ فإن رجال الدين المسلمين في تاريخنا لم يتورطوا في هذا النهج، فلم تظهر حكومات دينية، بل كانت الحكومات السياسية – الدينية تستعين برجال الدين الموالين لكي يؤيدوا سياساتها، ولهذا فإن هؤلاء فقط يتحملون المسئولية الشخصية والجماعية.

 ولهذا فإن معضلة المسلمين الدكتاتورية تكمن في البيوت أكثر منها في نظام الدول حسب مسئولية الوعي الديني، فالدكتاتورية السياسية الحكومية مرفوضة لديهم عموماً، وإذا حدثت مغالاة في العقد الأخير لكن هذه المغالاة انقلبت وصار الجمهور يتحسس خطورة الحكم الديني المطلق، بل إن بعض كبار الرموز الدينية راح يطرح التوجيه الفكري والأخلاقي لرجال الدين للسلطة كحل أكثر مستقبلية من التدخل المباشر فيها، وهو حل أكثر تحدياً للقوى العلمانية.

 وتوجه رجال الدين لنقد السلطات السياسية الدكتاتورية أفضل بكثير من أن يكونوا جزءاً منها، أو على رأسها كما حدث للبابوية وكما يحدث في النظام الأيراني الآن؛ ومن هنا تغدو السلطة الدكتاتورية داخل المنازل، هي التحدي الكبير الذي يواجه المسلمين.

 ولتغيير العلاقة المنزلية بمختلف مستوياتها يحتاج الأمر إلى تطور اقتصادي وتطور ثقافي طويلين، فالإدارات الحكومية تريد تغيير العلاقات الأسرية بقرارات بيروقراطية، وهي تريد صياغة بعض أشكال المساواة بين الرجال والنساء، المجحفة بحق النساء عموماً، دون أن تشكل علاقات موضوعية اقتصادية واجتماعية وثقافية تؤسس لتلك المساواة المعلقة في الفراغ، فمن دون عمل واسع للنساء وأجور متساوية وتوسع للحضانات الجيدة والرخيصة وإزالة لهيمنة العمالة النسائية والذكورية الأجنبية، تغدو تلك المساواة وغيرها من الجوانب الإصلاحية مجرد إجراءات قسرية لا تستطيع أن تتجذر في أرض الواقع.

 ومن هنا يتطلب ذلك فقها مواكباً للإصلاح السياسي يجمع بين تطور الحريات وتطور الأخلاق؛ بين خلق ثورة عمل وفكر لدى النساء وبين تغيير بعض الأحكام المتشددة بشأن الزواج والأسرة عموماً .

 إن الفقه المحافظ يتصور أن أي حريات للنساء معناها خراب الأسر والأخلاق؛ ولكن أي تخلف وجهل وتبعية للنساء سيكون لها أثر أسوأ على الأخلاق من الخروج للأعمال الصناعية الكبرى، لأن الفضائل تأتي بمواجهة الشرور وتكوين دخل جيد وبحالة من الاستقلال، وليس الانكفاء في الشرانق.

 إن الفقه الإسلامي المعاصر بجمعه بين التحديث المستمر وتغيير طابع العائلة المنغلقة والمتخلفة والكثيرة العدد والأمية والمليئة بالعاطلين، إلى أسرة إسلامية صغيرة ومثقفة وعاملة ومتحررة، يمكن أن يواجه كافة التحديات التي تواجه العالم العربي أو الإسلامي، في عصر شديد التطور والصعوبات .

 والعائلة المتطورة ذاتها هي السند لتغيير الأنظمة السياسية الاستبدادية.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الفقه والدكتاتورية المنزلية

عبدالله خليفة

تعدد الزوجات والحرية

نشأ الفقه الإسلامي في زمن نهضوي ولكنه محدود بمهمات قيادة العرب للتحول السياسي والاجتماعي الكبير في المنطقة، فكانت قيادة الإسلام لتحولهم الحضاري من داخل ظروفهم البدوية المتخلفة، مسألة شائكة وصعبة، ومع هذا تم إنجاز الكثير في هذه العملية المركبة.

 ولهذا نجد العلاقة المحورية بين الرجل والمرأة وهما قطبا العملية التاريخية، تتلون بهذه الظروف التحولية الصعبة والملحمية كذلك، فجاء تقنين هذه العلاقة في الزواج، وفي ظروف سيادة الرجال المطلقة، والرجال هم قادة ومادة التحول السياسي والعسكري والاقتصادي، وحاول الإسلام تقنين هذه العلاقة في ضوء مشروعه لتحرير المنطقة من القوى الأجنبية، وفي ظل محدودية أعداد العرب قياساً بإعداد الأمم التي ستحكم أو التي حكمت فيما بعد.

 من هنا كان لابد من أخذ جانبين: الأول هيمنة القبائل العربية في عملية التغيير هذه، والثاني هو التقليل من الطابع المطلق لسيطرة الرجال في الجاهلية، ولكن مع ضرورة تكاثر العرب السلالي لحكم هذه المنطقة الشاسعة.

 فنرى أن التقنين هنا يعكس المهمات التحولية للعرب، وأنماط الزواج ترتبط بهذه الضرورة التاريخية، فأدركت مدارس الفقه الاجتهادي هذه الضرورة وإن كان الأمر بشكل حدسي.

 أي أنها لم تقنن العلاقة بين الرجل والمرأة، في علاقتهما الزوجية، بشكل فكري وفقهي واضح، بأن هذه العلاقة يجب أن تخدم تطور الأمة وتحررها، وأنها ليست علاقة شهوات محضة، وإنها ليست إنتاجاً للأطفال من دون رؤية مصالح الأمة.

 عبر استخلاص هذه العلة المحورية، وهي علة تنطبق على العديد من التشريعات الدينية الأخرى، يمكننا أن نضع مسألة تعدد الزوجات في مثل هذا الإطار، فهل هذه العلاقة تصبُ في خدمة تطور الجماعة، أم هي عائق لتطورهم، وقراءة مثل هذه العلاقة مرتبطة بالظروف التاريخية التي تمرُ بها الجماعة، فإذا كانت خارجة من حرب فُقد فيها الكثير من الرجال، هي غير حالتها وهي في حالة سلم وهناك كثافة للرجال، حالتها كما هي حالتها الآن كثيرة الأعداد، قليلة الخدمات، تنتجُ من الأطفال زيادة عن الحاجة، ويقود هذا الإنتاج الزائد للأطفال إلى الكثير من التخلف لهم، وإلى تخلف الأمة أو الشعب، الذي تحدث فيه مثل هذه الظاهرة.

 فيغدو التشدد على تعدد الزوجات في بلد كثيف السكان غيره في بلد محدود السكان. فيجب أن لا نأخذ القضية خارج ظروف الزمان والمكان، ونصيغ حكماً جاهزاً يطبق على كل الحالات، فحتى في ظل الأوضاع الأسرية و الفردية المختلفة تظهر أحكام مختلفة وتظهر حالات خاصة.

 لكن إنتاج عائلة عربية محدودة الأفراد صار قضية متعلقة بالتقدم، حيث تغدو مثل هذه العائلة هي اللبنة التي يمكن عبرها أن تتشكل جماعة أقوى، فالتركيز على النوعية وليس على الكم سواء في الزوجات أو فى الأطفال.

 إن فقهاً يستخلص العلل التحررية والنهضوية لتقدم المسلمين الأوائل لا بد أن يطبقها على ظروف جديدة مختلفة، من أجل أن لا تكون العملية الفقهية نتاج المشابهات الخارجية، أو أن تُجعل النصوص هي التي يجب أن يخدمها البشر بدلاً من أن تكون العملية معاكسة، فيزدهر فهم النصوص واحترامها.

 ومن هنا فإن كل قاض اجتهادي سوف يأخذ روح النصوص والأحكام السابقة، ويرى مدى ضرر أو نفع التعددية الزوجية، وهل هي نتاج عوامل ذاتية أنانية أم هي لضرورات حقيقية ؟

 والفقه الاجتهادي سوف يأخذ وضع البلد السياسي والاقتصادي إذا أراد أن يصيغ أحكاماً عامة، أو قوانين ملزمة تعلو على الأشخاص وتحكمهم، تراعي تطور الرجال والنساء، لتشكيل علاقة صحية تقوي تقدم الناس.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تعدد الزوجات والحرية

 

عبدالله خليفة

المرأة بين السلبية والمبادرة

ليس هناك فرق سياسي بين (جنس) المرأة والرجل، فلا تغدو الأنوثة أو الذكورة ميزة، بل ما يحدد الفرق هو نوع الوعي الذي يحمله كل منهما، ولهذا فإن لا ميزة لدخول النساء أو الرجال إلى البرلمان، بل الميزة هي فيما يضيفه كل منهما إلى قائمة العمل الوطني والتراكم الديمقراطي!

 ولهذا فإن هؤلاء اللواتي يعتقدن فقط كونهن من النساء يعطيهن أفضلية في العمل السياسي، أو أنه بساط الريح الموصل إلى كراسي المجلس المنتخب، فإن ذلك من الأوهام التي يكرسها المجتمع المخملي.

 فلا كتب الطبخ الزاهية التي يؤلفنها ولا أحاديث الصالونات ولا الاشتراك في مجلات الموضة والفساتين والعطور، هي ما يجعلهن ذواتاً سياسية متصدرة بل ما يكرس حضورهن هو نشاطهن السياسي النضالي في صفوف الناس دفاعاً عن العاطلين والفقراء والمدن المختنقة بالتلوث والفساد!

 ولهذا فإن انتظارهن للفرصة الذهبية قبيل الانتخابات للظهور بآخر التسريحات هو مضيعة وقت، ولا علاقة له بالنشاط البرلماني، إذا لم يبدأن الركض السياسي منذ الأن، وما دامت العقبات الذكورية الدكتاتورية، تضع لهن شتى الحواجز الكبيرة متحدية سمنتهن السياسية المترهلة منذ عصر الحريم.

 ولأن وجود المرأة المرشحة ليس ميزة بحد ذاته، فإن حضور المرأة الكفاحي مثلها مثل الرجل، هو الذي يعطيها تلك الميزة، أي نشاطها الذي لا يتوقف، ولا يرتبط بمواسم انتخابية وإعلانية وتجارية، بل يرتبط بوجود قضايا نذرن أنفسهن لحلها، وبوجود أهداف يسعين للوصول إليها، بغض النظر عن العقبات الماراثونية التي يضعها الوعي الذكوري الاستبدادي، لسيادته في المنزل والشارع والمجلس، وفي التاريخ المكتوب كله!

 ومن هنا فإن هذا الحضور النضالي عبر الزمن السابق والراهن واللاحق هو وحده الذي يمكن أن يؤهلهن ليكن عضوات يعتمد عليهن الناس في الصراع من أجل برلمان متقدم، يقدم العمل والتعليم الحقيقي والطب الحقيقي والهواء النقى للمواطن.

 وعليه فإن العملية الانتخابية يفترض أن تكون موجودة منذ زمن بعيد، في هذا الحضور النسائي للدفاع عن قضايا البيئة والسلع غير المغشوشة وضد الأجور الهابطة دوماً، وضد التمييز ضد المرأة والتي يقوم بعض النسوة للتصدي لها فعلاً.

 لكن المعارك الانتخابية تحتاج إلى أكثر من هذه الأشغال الإصلاحية الصغيرة، تريد نضالاً سياسياً وسط الجمهور، تحتاج إلى الوصول إلى الحارات الفقيرة، ومعرفة دسائس المرتشين وحرامية المال العام الذين يريدون القفز على كراسي المجلس المنتخب منذ الآن، عليهن الوصول إلى النساء داخل بيوتهن والحديث معهن عن حقوقهن الضائعة، وأن يذهبن إلى مجالس الرجال ويقدمن جدولاً إصلاحياً ومسودات قوانين ضد الرشوة والإسكان السياسي، ومن أجل رفع الأجور وتطوير التعليم وتنظيف الحارات من المخدرات، والفقر والمطبات.

 عليهن ألا ينتظرن وقت المعركة ولا إعلان النتائج بل أن يكون العمل لتغيير حياة الناس يسري في دمائهن، وعروقهن السياسية الوطنية، ويمكنك أن تناضلي في البرادة، والشارع والندوة، والجريدة، ومع الصديقات والمعارف والأهل، وإذا كانت لك قضية فإن الكرسي ليس مهماً بل هو وسيلة للوصول الرسمي لصياغة القرارات وتغيير القوانين، ويمكنك أن تعملي على تغيير هذه القوانين داخل وخارج البرلمان، مع أطفالك وجاراتك، وإذا كان ذلك موجوداً فإن النساء والرجال سوف يرفعونك إلى أن تواصلي المعركة داخل المجلس المنتخب.

 إن الاعتماد على التيارات الأصلاحية وشق الطريق الشخصي – الموضوعي داخلها، برجالها ونسائها، هو الذي يؤهل الإنسان لأن يكون مُشرعاً .

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : المرأة بين السلبية والمبادرة