الانتماءُ والغربةُ

الدينُ هو الجمهورُ، والثقافةُ الحديثةُ هي النخبُ الطالعةُ من الفئاتِ الوسطى، والجمهور لابد له عقيدة من دين، حسب سيرورات العصور السابقة والراهنة، ولم تحدثْ علاقاتٌ دقيقةٌ بين نخبِ الثقافة والجمهور العربي الإسلامي المسيحي على مدى القرون، بسبب عدم فهم الدين وعدم فهم الجمهور وتوجه النخب بعد الثورة الإسلامية المؤسِّسة إلى متابعةِ الإقطاع وعدم إنتاج ثورة ديمقراطية.
تصوراتُ الدين الغيبيةِ هي النظامُ المثالي وقد انفصل عن الوجود المادي، وصار رموزاً، وهي أدواتٌ لمنع الشر، ومكأفاة الطيبين الأخيار، وجعل الوجودَ اللاأخلاقي أخلاقيا. وقد تحرك الثوريون المؤسِّسون من خلالهِ للتوحيد وجعلِ المالِ العام عاما حسب ظروفهم وإمكانياتهم فُصنعَ التقدمُ إلى حين.
النخب المعلمة أوالمثقفة أو المسيَّسة يمكن أن تنفصلَ عن الدين وتعاديه ويمكن أن تستثمرهُ لمصالحِها الذاتية ويمكن أن تفهمه وتجعلُ الوعي بهِ مفيداً للتقدم، حسب علاقاتها بالجمهور ومدى إيجاد التقدم فيه لا أن تستغله لمصالحها الخاصة.
هذه المواقف تعبرُ عن علاقةِ الثقافةِ المنتجةِ عبر العصور تجاه ثقافةٍ مُسبقة مُنتجةٍ في شروطٍ أخرى، لكنها تخترقُ العصورَ وتفرضُ نفسَها وتتحكمُ في تطورها، لأن الجمهور صانع التاريخ يبقى متخلفا أميا لا يعي العالم إلا من خلال الدين بنسخه القديمة غير المرئية في ضوء العلوم.
عبر أرسطو عن علاقة الثقافة المفيدة الموضوعية تجاه الدين الوثني، فنشرَ المفاهيم العلمية لعصره، التي حدت من تدخل الآلهة في شؤون العلوم الطبيعية خاصة التي كانت شديدة الضرورة للحرف والتجارة والملاحة وغيرها من الشؤون الشديدة الأهمية، لكن العلوم الاجتماعية واكتشاف قوانين الحياة الاجتماعية كانا أمراً غير ممكن وقتذاك رغم بدايات الحفر التي تمت وقتذاك.
ولهذا كان أرسطو مهما لدى مثقفي المسلمين ويطلقون عليه المعلم الأول، لأنهم كانوا بحاجة إلى الأدوات الفكرية المعرفية نفسها لتطور العلوم الطبيعية والاجتماعية، فغدوا منتمين إلى عصرهم.
تختلف مدارك هؤلاء المثقفين عن مصطلحات الدين وطرائق معرفته وعوالمه الغيبية، وقصصه، لكنهم لم ينفصلوا عنه، وحاولوا تغيير زمنهم واثراء الناس بالمعرفة «العلمية» لكن الدين بنسخه السطحية هو الذي بقي بتفاسير متخلفة بائسة ازدادت انفصالاً عن الواقع وطارت نحو الكواكب والنجوم والأوهام وثورتهم المعرفية دُفنتْ في الكتب القديمة، ولم تعدْ تتصلُ بالواقع أو تغيرُ أحوالَ الناس التي تدهورتْ وعمتْ فيها الخرافاتُ والحروب والانقسامات، حتى ظهر الأوروبيون بمعارف جديدةٍ حركتْ الحياةَ مجدداً في الكوكب الأرضي الغارق في الظلام.
العلاقة بين المثقفين الطليعيين والناس، بين المعرفة الجديدة والشعب، ترتكزُ على الدين والعلوم، فالدين يقومُ بوظيفته، حسب تصوراته وشعائره في الصلة بين البشر وتراثهم وماضيهم وأخلاقياتهم وتاريخهم القومي، والعلوم تقوم بدورها في تطوير الإنتاج بمختلف حقوله بشكل موضوعي لا تعرف الأديان والأجناس بل تبحث عن السببيات والقوانين.
إن فئةَ إنكار الدين «التقدمية» وإزالته واجهتْ عالما خياليا حولتهُ لواقع، مؤدلج، غير مُدركٍ علميا، أو هي تجنبته وعاشتْ على أفكار أخرى، وكلتا الفئتين لم تقم بعلاقات حقيقية مع الناس، الذين لا يتغيرون إلا من خلال دينهم.
العلاقات الموضوعية مع الناس تتطلب العلاقة مع دينهم، ومع مستوياتهم المعرفية ومع تاريخهم الخاص في تنوع الإنسانية الكبير المتعدد، لا احتقاراً وإزالةً ولا بقاء عند مستويات النصوص البسيطة السطحية وتحنيط الرموز بل عبر نشر معرفة حقيقية عن الماضي وأفكاره وتطوير المعرفة والإنتاج ونشر الثقافة الحديثة مواكبةً للديمقراطية ورفع مستوى حياة الجمهور المعيشية والفكرية.
الفئاتُ المستغِّلة للدين من أجل مصالحها الخاصة تبقي الثقافةَ الدينية كما هي قادمة من العصور القديمة خادمة لقوى الإقطاع لا لقوى الإنتاج الشعبية، وتعيش مع حياة الناس العادية من دون تغييرها وإدراك أسباب تخلفها ومشكلاتها العميقة.
هو انتماءٌ سطحي يعيشُ على عمل الجمهور وعلى ثقافته القديمة، فيستطيع أن يحكم الجمهور ويبقيه في ظروفه السيئة السلبية.
وعندما انعزل التقدميون عن الدين، كسبه الرجعيون والمحافظون واستغلوه، فلا أولئك غيروا الحياةَ من خارجها وبمحفوظات وقوالب خارجية ولا هؤلاء قادرون على تغييرها بقوالبهم المستوردة من الماضي المحنط المشكل حسب قوى الإقطاع وهم غير قادرين على فهمها من داخلها الحقيقي لا الموهوم الذين اصطنعوه عبر القرون.
مصالحُ الفئاتِ الوسطى وصراعاتها وتوجهاتها سوف تحدد اللحظات السياسية المؤقتة المرحلية، فالجمهورُ سوف يرى على المسرح التاريخي الآن الفروقَ بين الكلام والفعل، بين الدين الموجه والدين الحقيقي، سيجد قوى الإقطاع المختلفة وهي تشكلُ رساميلَها الخاصة، من خلال الملكيات العامة، ومن هنا أهمية استبعاد منظمات هذا الجمهور العامل السياسية والنقابية وتوجه الملاك الجدد لوراثة الملكيات العامة المنخورة.

 

عبدالناصر كإقطاعي*

جمال عبدالناصر

(1970 – 1918)

إذا أردنا أن نهز المسلمات المعششة في الوعي العربي السائد، فلا بد لنا من بعض الصدمات الفكرية التي تقوم بإيقاظه، مثل هذا العنوان السابق ذكره، فما هي علاقة المناضل الوطني الكبير جمال عبد الناصر بالإقطاع، وكيف يكون إقطاعياً وهو من العاملين لتوزيع بعض الأراضي على الفلاحين والذي اسقط الملكية؟!

يرفض الوعي العربي السائد مفهوم التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية، وهو مفهوم أساسي لوعي التاريخ ومراحله، ومن هنا كانت المشكلة في وعي التاريخ العربي المعاصر، وتناثر التسميات المجانية فيه وعنه، فهذا الوعي يرفض السمة الموضوعية لهذا التاريخ وهو إنه عملية انتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية.

أي أننا نحدد مدى التقدمية في هذا التاريخ بالقدرة على إجراء عملية الانتقال بين التشكيلتين المتمايزتين، وبدون الاعتراف بهذه التشكيلات وعمليات تطورها لا يمكن أن يكون ثمة أساس موضوعي للأحكام.

لقد أقام الوعي العربي بأغلبية توجهاته الحديثة على اعتماد التسميات الفضفاضة عن التحولات السياسية، فعبر تغييب مفهوم التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية، اعتمدت تلك التسميات حول التجربة الاشتراكية والمجتمع الديمقراطي واقتصاد الريع، فظهرت تجارب مصر والجزائر وسوريا في عمليات التأميم والإصلاحات الاقتصادية وكأنها تحول إلى الاشتراكية، وأنها أنجزت مهمات الانتقال من عالم الإقطاع إلى الرأسمالية، ولهذا بدت التجربة الناصرية وكأنها قد أتمت مرحلة الانتقال هذه، وإنها تستعد للصعود إلى المجتمع الاشتراكي.

لكن قانون الإصلاح الزراعي الذي ظهر في بداية الثورة، أي في سنة 1953 وقام بتوزيع الأرض على الفلاحين، لم يقض على الإقطاع، فعمليات التحايل على القانون كانت كثيرة، حيث قامت العائلات الإقطاعية بتوزيع أراضيها على أسماء الزوجات والأقارب بحيث تمكنت من التهرب من الحد الأعلى للملكية الذي فرضه القانون، وكان حداً كبيراً، حتى إنه في سنة 1965 جرت صراعات واسعة ضد الإقطاع في الريف المصري، وقتل فيها أحد المناضلين البارزين وقد عُرفت بحوادث قرية «كمشيش». أي إن الإقطاع حتى بشكله الاقتصادي الزراعي البارز لم يتم القضاء عليه، وعقدت لجنة لتصفيته برئاسة عبد الحكيم عامر!

لكن قضية البنية الإقطاعية في الشرق تتجاوز مسألة الملكية الزراعية بافتراض الحد منها، فهي مرتبطة بطبيعة الحكم والبنية الاجتماعية، فملكية العائلات البارزة للسلطة، وسواء كانت في الحكم أم كانت معارضة، هي التي تحدد طبيعة النظام الاجتماعي، فهي عندما تستولي على الحكم تقوم بالسيطرة على ملكيات الأرض واستثمار دخلها. حيث كانت الأرض الزراعية هي المصدر الأساسي للثروة في العصور القديمة والوسطى.

ولهذا فإن «الضباط الأحرار» حين استولوا على السلطة كانت الكثير من فوائض الزراعة تتوجه إلى جيوبهم. بطبيعة الحال كان عبدالناصر بعيداً عن هذا الاستغلال ولكن نحن نتكلم عن الفئة التي هيمنت على الحكم، وبدت تستولي على الثروة.

لقد توحد الضباط الأحرار بالأجهزة القديمة وتداخلوا مع العائلات البارزة، ولهذا غدت الديمقراطية وعودة الأحزاب مرفوضة بالنسبة إليهم. لكن المسألة تتعدى فوائض الزراعة فهناك الاقتصاد الحديث بشركاته الكبرى والمقاولات الخ..

لقد قامت إدارة الضباط الأحرار بالتخفيف من الإقطاع الزراعي ووسعت انتشار الملكيات الخاصة في الريف، وأصبحت فئة بيروقراطية تستفيد من فوائض الإقطاع الريفي والرأسمالية المتنامية في الحياة الاقتصادية. وبطبيعة الحال هناك منجزات وطنية كبيرة في تطور الاقتصاد والحياة الاجتماعية: إقامة المصانع، وإنشاء السد العالي، وتطوير التعليم والثقافة الخ..

نستطيع أن نقول هنا إن نظام الضباط الأحرار هو استمرار للنظام الإقطاعي – الملكي، بشكل جديد، عبر بقاء الملكيات الإقطاعية الزراعية في الريف بصفتها الشكل البارز من الملكية. أي أن نظام العصور الوسطى لم يتغير هنا بصفة جوهرية. رغم إن الأرض صارت ملكية حقيقية، وليست ملكية انتفاع كما كان الأمر في العصور السابقة.

إن هيمنة الضباط الأحرار على الريف، كمصدر أساسي سابق وراهن للثروة، تأتي من خلال أجهزة الدولة، بل أحياناً من خلال التملك الخاص نفسه، كما يجري حالياً للضباط الأحرار في بعض الأنظمة حيث يملكون أكبر المزارع والأراضي الخصبة (تجارب ليبيا وسوريا والعراق والجزائر).

وقد كانت أغلبية الرموز البارزة في حركات الضباط الأحرار العربية من عائلات ريفية تمتلك ملكيات صغيرة أو متوسطة من الأرض كجمال عبد الناصر وأنور السادات والبكر وصدام حسين وأحمد بن بله الخ..

وكان الوصول للسلطة عن طريق الانقلاب العسكري يعني في حد ذاته إبقاء العلاقات الإنتاجية القديمة، حيث يهيمن جهاز الدولة على الملكية وتوزيعها، وتعتبر السيطرة عليه أحد الشكلين البارزين للإقطاع، وهو هنا الإقطاع السياسي الحاكم.

وتوجد هنا علاقات رأسمالية بشتى تجلياتها بطبيعة الحال، فالضباط الأحرار وعائلاتهم يقومون باستثمار ثروة الحكم في شراء الأراضي والعمارات وبإنشاء الشركات المختلفة. ولكنها هنا رأسمالية بيروقراطية، فالفائض يأتي من تملك الإدارة السياسية، وهو ليس من نتاج الملكية الحرة، بمعنى إنها جزء من السرقة العامة، أي من السيطرة السياسية على الدولة، وهذا هو الإقطاع الشرقي. ولهذا غالباً ما نجد التداخل بين هذا الرأسمال البيروقراطي المسروق من مال الناس متوجهاً للأعمال التجارية الطفيلية وسريعة الربح والخالية من المخاطر. ونجد النسب بين أنور السادات ومالك ومؤسس شركة المقاولين العرب على سبيل المثال ليس نسباً عائلياً فحسب بل هو نسب اجتماعي وسياسي.

ولا تتعرض ملكيات الضباط الأحرار وفئاتهم العسكرية والبيروقراطية للمصادرة بطبيعة الحال، وحين تأتي التأميمات فإنها تضرب الملكيات الصناعية، أي تضرب فئات البرجوازية الصناعية الوطنية، تاركة الفئات والشرائح الأخرى في نموها السريع والمخيف. وهنا يقوم الإقطاع السياسي بالسيطرة على البرجوازية الصناعية، مما يعني القضاء على جذور حزب الوفد وجذور الحداثة والليبرالية.

في هذا التأميم الموجه للرأسمال الصناعي كارثة مستقبلية كبرى، فهو حكم بالإعدام على عملية اقتصادية وفكرية عميقة ومهمة، ولكن علينا أن نراه، من زاوية قدرة جهاز الدولة الشرقية عموماً في استخدام العنف في تشويه التطور الاقتصادي، وعدم السماح بظهور طبقة وسطى قوية وحديثة، فالصناعة هي القاعدة لتشكيل برجوازية حديثة قادرة على تجاوز هيمنة الدولة العسكرية – الإقطاعية.

ومن الجانب الثقافي فإننا لن نجد ذلك التداخل بين الصناعة والعلوم، وسنجد فئات البرجوازية كلها في حالة تبعية لجهاز الدولة أو للغرب ذي الرأسمال الكبير.

لقد كان بإمكان الضباط الأحرار تأميم العمارات والوكالات التجارية الخ.. لكنهم اختاروا الصناعة لكونها لا تدخل في ظل هيمنتهم. ويمثل ذلك من الناحية التاريخية، إخلاء الساحة الاقتصادية للنمو المتسارع لأشكال الملكية ذات الربحية السريعة، وغير المتداخلة بالعلوم، والتي ستكون المدخل لسياسة الانفتاح والطفيلية الشديدة عموماً.

لكن الدولة من جهة أخرى، لعبت دور (الأب) الراعي للطبقات الشعبية، فهي إذ قامت بضرب البرجوازية الصناعية، الخصم البارز لها، استطاعت أن تثبت الأسعار وتتحكم في السوق وتحافظ على الأجور والتشغيل.

ويتشابه ذلك مع دولة الخلفاء الراشدين، عبر توزيع عادل للثروة، وبتحكم الدولة في القطاع العام الزراعي، ولكنه صار الآن القطاع العام الصناعي، مع إطلاق الحريات الاقتصادية في التجارة والمقاولات والصرافة، التي راحت تنخر الملكية العامة وتسرقها.

ولهذا نجد من الناحية الفكرية تسود شعارات مثل الاشتراكية العربية ويكتب (محمود شلبي) عن اشتراكية عمر بن الخطاب، ويكتب محمود أمين العالم عن «تجربتنا الاشتراكية» الخ، أي يتم انتقاء فسيفساء فكرية تجمل النظام الاجتماعي.

لكن هل استطاع النظام الناصري الانتقال فعلاً من الإقطاع إلى الرأسمالية أو قفز إلى الاشتراكية؟

فهو يقول عن نفسه إنه نظام غير رأسمالي ومع ذلك فهو ليس نظاماً اشتراكياً، وقال بعض المنظرين الماركسيين وقتذاك إنه نظام تقوده البرجوازية الصغيرة وقال لطفي الخولي إنه نظام انتقالي إلى الاشتراكية وقال آخرون إنه النظام اللارأسمالي الخ..

لا شك إن رأسمالية الدولة الوطنية هي شكل النظام الاقتصادي فقد أصبحت الدولة تملك أكبر رأسمال اقتصادي، لكن رأسمالية الدولة بحد ذاتها هي ميدان لصراع الطبقات المختلفة وهي ليست تشكيلة اقتصادية – اجتماعية، وهي فترة تحضير لمسار تاريخي ما، فالمسألة هنا تعتمد على كيفية توجه الفائض الاقتصادي، فهل هو يتوجه لإشاعة العلاقات الرأسمالية أم للعلاقات الإقطاعية الريفية، ولا نستطيع أن نؤيد الطرح القائل بأنها إعداد للانتقال إلى الاشتراكية.

فرأسمالية الدولة أما أن تؤدي للإمام أو تعود إلى الخلف، أو أن تبقى في هذه المرحلة الانتقالية بين الإقطاع والرأسمالية. فلا تغدو إقطاعية تماماً ولا رأسمالية صرفة. ونحن قد استبعدنا تماماً القفزة في الهواء «الاشتراكية». لأن الاشتراكية لها شروط موضوعية مغايرة تماماً، لكن إذا كانت رأسمالية الدولة هي شكل للانتقال إلى الرأسمالية الصرفة، فما هي هذه الرأسمالية الخاصة الانتقالية؟ ما هي رأسمالية الدولة؟

علينا أن نواصل المناقشة.

علينا أن نقرأ جوانب من الميدان الإيديولوجي لكي نرى مستويات أخرى من إشكالية الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية. فنحن نجد حزب الوفد ممثل الرأسمالية الوطنية يتوارى عن الوجود الفكري والسياسي وكأنه لم يكن رغم مقاومته الطويلة للدكتاتوريات السابقة، في حين إن حزب الإخوان هو الذي يبرز ويتصاعد دوره حتى يغدو مهيمناً في المرحلة التالية.

أي أن المرحلة في الميدان الفكري كانت على النقيض من التوقع، حيث قلنا إن المرحلة الناصرية هي مرحلة انتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، تمت بأدوات القوة السياسية، ولكننا أوضحنا إن هذه الرأسمالية كانت مدمرة للقوة الاجتماعية القائدة لمرحلة التحول الحقيقي والمفترض وهي البرجوازية الصناعية.

أي أن مرحلة الانتقال بتلك الصورة أدت إلى تخريب الانتقال، وأدت إلى مشكلات حادة، وظهور الإخوان كحزب مؤثر هو تتويج لمرحلة الانتقال المُخرَّبة تلك.

فبدلاً من التوسع وتعميق مظاهر الحريات الاجتماعية والفكرية رأينا العودة إلى اعتقال النساء وظواهر التخلف المختلفة، ويقال لنا إن هذه ظاهرات قادمة من شبه الجزيرة العربية، ولكن كيف استطاعت مثل هذه الظواهر أن تنمو في المجتمع المصري بهذه السرعة والشمول إذا لم تكن هناك جذور أساسية وموضوعية سمحت لها بهذا النمو؟

أي إنه لو كانت الثورة الناصرية عملية تجذير للتطور الرأسمالي والحضاري، معمقة إنجازات المرحلة الليبرالية اجتماعياً وثقافياً لما تمكنت حفنة من الأشخاص من تخريب التطور.

فعودة القوى المذهبية للتحكم في المجتمع المصري، سواء على الجانبين الإسلامي أو المسيحي، يعني فكرياً وحضارياً، عودة إلى ما قبل الدولة الحديثة، ربما إلى عصر محمد علي أو غيره.

أي إن عملية الصهر التي قام بها الحكام الملكيون والبرجوازية الوفدية تم انهيارها على يد جماعة الضباط الأحرار وعهدهم الجمهوري – الملكي. فرجع المجتمع المصري في حركته السياسية إلى ما قبل سعد زغلول.

ومن جهة معينة، فنحن ندرك الآن إن ثمة إنجازات اقتصادية واجتماعية تمت في العهد الملكي اتاحت عملية الانصهار ووحدة الشعب، وقربته من عملية الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية الحديثة، عبر نمو البرلمان والصحافة الحرة وتطور العلاقات الاجتماعية المتمدنة، فجاءت حركة الضباط الأحرار ومنعت هذه العملية الانتقالية، أو على الأقل رسخت الجوانب الدكتاتورية في المجتمع.

إن التسريع في بعض جوانب التطور الاقتصادي وإقامة المنشآت التاريخية، هو أمر لا يمكن إغفال أهميته، ولكن الخسائر كانت جسيمة أيضاً، بطبيعة أسلوب المصادرة، أسلوب العنف العسكري والفاسد في إدارة العمليات التاريخية.

أي أن المشروع الوطني التحرري الناصري لم يستطع أن يخرج من جسم العلاقات السياسية الإقطاعية المهيمنة، فقد كرس الدولة كمصدر الثروات، وليس الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ولكن الدولة كمصدر للثروة أمر يقود إلى الابتعاد عن الطريق الموضوعي للتطور الرأسمالي، وبالتالي إلى عدم الدخول في الحضارة الحديثة، وهو أمر يقوي الإقطاع ويعيد البلد إلى العصور الوسطى، ولهذا ظهر الإخوان، والكنيسة القبطية، كمظهرين لنفوذ الإقطاع السياسي – الديني المتصاعد في الحياة السياسية والاجتماعية.

علينا أن نرى هذين المظهرين المتضادين؛ الأول هو إشاعة العلاقات الرأسمالية في التجارة وعمليات التوزيع والتداول، وفي تطور العلاقات النقدية والبضاعية الريف، والمظهر الثاني في تنامي قوة البنية الاجتماعية والفكرية الإقطاعية. إن هذين المظهرين المتضادين يعبران عن عدم قدرة الدولة على تغيير البنية الاجتماعية العائدة للقرون الوسطى: سيادة الذكور – اللامساواة الجنسية – بقاء الدولة دينية ورفض العلمانية – بقاء أملاك الإقطاع: الأرض الزراعية – أملاك الأوقاف.

وبعجز الدولة عن إنتاج علاقات رأسمالية في الميدان الاجتماعي، وهو البنية القوية المرتبطة بسيطرة الإقطاع الديني بفرعيه، الإسلامي والمسيحي، وبعجزها عن إنتاج علاقات رأسمالية في الميدان الصناعي، بل وضربها للبرجوازية الصناعية وتاريخها وإرثها، في ربط الصناعة بالعلوم، وتنمية حريات المرأة والنشر والاجتماع، أي قامت في المجال الاجتماعي والفكري بتمهيد الطريق لعودة الإقطاع الديني والسياسي.

من الناحية الموضوعية إذن، فإن العائلات الريفية التي ظهر منها الضباط الأحرار المصريون، وكذلك الجزائريون والعراقيون الخ..، قامت بزحزحة الإقطاع الزراعي قليلاً، فهي لم تخرج من الإقطاع ولكنها لم تدخل الرأسمالية كلية، ولم تتشكل كرأسمال صناعي ذي تاريخ تحضري مديد، وبالتالي فإن تكويناتها الفكرية والاجتماعية هي إقطاعية دينية، واستولت على الدولة وقطاعها العام مخربة بذلك التطور البرجوازي النهضوي على مدى نصف قرن، وإن هذا الإنزياح الريفي على المدن يكتسب في كل بلد عربي – إسلامي طابعه الخاص، من تقاليد وموروثات البنية وتاريخها، لكن هذا الهجوم العسكري على الثروة العامة وإعادة توزيعها، يتصف بإعادة تاريخ العنف وغياب دولة القانون والدستورية بشكل عام، بسبب إن مجموعات من الضباط بين ليلة وضحاها أصبحوا مستولين على الثروة، وهذا بحد ذاته يستدعي الموروث العربي في الغزو والفتوح والبذخ.

إن الأسباب الموضوعية لتدهور الجمهوريات العربية متقاربة، وقد رأينا إن العجز عن إنتاج علاقات رأسمالية حديثة في قطاع الصناعة، عبر عدم ترك التطور الصناعي الرأسمالي الخاص يأخذ مجراه، وبالتالي عدم السماح لتطور إنتاجي خاص واسع النطاق، يمكنه أن يتعاضد مع قطاع عام إنتاجي وعلمي، يؤدي إلى عودة الإقطاع. فإذا كان التقدم لا ينمو باتجاه مجرى العصر، ويعجز عن إعادة تشكيل البنية الاجتماعية بمختلف مستوياتها: الاقتصادية – الاجتماعية والفكرية والسياسية، باتجاه التحديث الحقيقي ويتركز الأمر فقط على التغيير في بعض جوانب الاقتصاد، فإن البنية الاجتماعية المضروبة بشكل سيئ، وغير المغيرة عبر قوانينها الداخلية العميقة، تنفجر بالتناقضات.

فقد أصبحت الدولة إقطاعاً سياسياً حاكماً، ونشرت رأسمالية طفيلية، ولم تستطع أن تغير بطبيعة الحال الإقطاع في الحياة الاجتماعية والفكرية. لكن هذا فقط في الأوضاع العامة الكلية، ولكن جاءت تطوراتها الداخلية لتعمق هذا المسار، فقد خلقت فئات برجوازية طفيلية يكمن أساسها في ملكية الدولة، وراحت تنمو في كل مكان، رغم وجود قوى عاملة وشعبية مضادة. أي أن هذه الفئات الطفيلية ظهرت من الإقطاع السياسي الحاكم. ولهذا فإن أي رؤية تقدمية تتشكل في هذا المسار وتؤيد هذه العملية التاريخية، تغدو ذيلية للإقطاع الحاكم وتتآكل وتنهار في خاتمة المطاف. مثلها مثل المعتزلة في العصر العباسي، أو القرمطية في «العهد» الإسماعيلي، أو التنويرية في العهد الخديوي، وفي النهاية فإن الإقطاع المذهبي ذا العشرة آلاف سنة يعود لاستعادة مواقعه.

وهنا على هذه الأرضية الوطنية الداخلية يمكن أن تأتي المواد المناسبة من الخارج وتقوي هذا التنامي، فقد كان الإقطاع المذهبي المتنوع يتصاعد مع ازدياد الثروة النفطية في شبه الجزيرة العربية وإيران والعراق، فقد وجد الإقطاع السياسي المذهبي في الثروة النفطية طريقه إلى الصعود والسيطرة في المنطقة، وبالتالي بدأت الضربات تنهال على الوعي الديمقراطي العربي والإسلامي بمختلف تدرجاته، وقد كانت مصر الناصرية هي قاعدة هذا الوعي، الذي كان يتآكل بفعل تناقضاته الداخلية التي لم يعرف كيف يتجاوزها، سواء عبر العودة إلى المسار الديمقراطي الليبرالي، أو عبر استعادة الموروث الإسلامي الثوري، وتعرية الحركات الإقطاعية – المذهبية، أي أن الفئات البيروقراطية العسكرية – المدنية – التجارية، عجزت أن تلعب دور البرجوازية الصناعية الغربية، بإنتاج الحرية والعلوم والتصنيع والعلمانية.

ولهذا فإن الأخوان كتتويج فكري وسياسي للإقطاع المذهبي بين النخب الإسلامية، والكنيسة القبطية كقائدة للإقطاع في الطائفة المسيحية، تصاعد دورهما في الحياة السياسية والاجتماعية. وبدأت ثمار المنطقة السلبية تتوغل في البنية المصرية، وكانت الضربة الإسرائيلية في يونيو عبر المخطط الأمريكي، هي لحظة كسر القشرة التقدمية الأخيرة في هذا الجسد، لتظهر كل تناقضاته الفاجعة.

ولم تكن المرحلة الساداتية سوى تصعيد لكل هذه التناقضات على مسرح الأحداث، لقد ظهرت دولة القرية بكل فجاجتها، فهي تتويج لكل قوى الفساد الكامنة، ولهذا كان من المستحيل إعادة التطور البرجوازي النهضوي على سكته الحقيقية، أي أن التطور الاقتصادي صار إطلاق قوى الإقطاع في السوق، بدون صناعة ولا علوم، لكن نخب الإقطاع المذهبي وقد امتلأت أيديها بذهب النفط والدم الشعبي تطلعت للحكم بطبيعة الحال.

أي أن التطور الذي كان يبدو مذهلاً، واعتبار التاريخ كله كأنه من صنع فرد، لم يكن كذلك، فهناك سببيات عميقة، هي التي تفعل فعلها في نسج خيوط التاريخ بمعول غير مرئي، فكأنها مجموعات من الصدف والأحداث الغريبة غير المنطقية. والفرد مؤثر بشكل هام، ولكن كجزء من فئة ومسار تاريخي، وتشكيلة موضوعية، لا يستطيع سواء كان لينين أو ماو تسي تونج أو عبد الناصر تجاهل قوانينها الموضوعية، فقد يقفز لكن جاذبية القوانين تعيد الطيران إلى قواعده الأرضية.

وتكمن قدرتنا النضالية العربية المعاصرة في اكتشاف ذلك، وتصحيح المسيرة السابقة، آخذين ذلك الإرث النضالي العظيم في ظروفه.

إن قوى الإقطاع المذهبي والديني المختلفة تصور الأمر وكأنه انتصار للإسلام، وليس معركة اجتماعية هي إعادة تجديد الأمة بشكل عصري، يقدمون هم فيها برنامجهم اليميني المتخلف، ويمزقون فيه القوى الوطنية، وتراكمات النهضة، مثلما فعل أقرانهم في العصور الغابرة في تمزيق الأمة ووعيها وتقدمها.

إن إعادة التطور إلى سكته بعد الخراب المتعدد الألوان، عبر صعود رأسماليات غير صناعية، وتهريب رؤوس الأموال إلى الخارج، وملء السوق بالصناعات الاستهلاكية الخ.. أمر يتطلب تشكيل تحالف نهضوي بين القطاع العام والخاص، بين اليسار والبرجوازية الصناعية، بين الحداثة الاشتراكية والحداثة الرأسمالية العربية، بين الأحزاب الاشتراكية وأحزاب الطبقة الوسطى العلمانية، عبر السير في طريق رأسمالي ديمقراطي حديث وصناعي، يجمع الأقطار العربية في تعاون قومي، توحيدي.

________________________

* انظر رواية: رسائل جمال عبدالناصر السرية لــ عبدالله خليفة.

ثرثرةُ الوعيِّ اليومي

إنها نفسُ الأفكار كل يوم، ذات الإطروحات التي تحمضت، فتستطيع أن تعرفَ الكائنَ الكتابي الطحلبي في أنشودتهِ المكررة، مدح الحكومة أو مخاصمتها، ولا شيء آخر لديه، سواء أتى ذلك من ورقٍ مصقولٍ أو من البريد الإلكتروني المهترئ.

الديمقراطيةُ الموعودةُ لم تنشيءْ حاضنتَها: الطبقة الوسطى والعمال الديمقراطيين، فَصَعبُ حضورُ الجريدةِ ككائنٍ معبرٍ عن طبقةٍ وسطى غيرِ موجودة، بل هي فئاتٌ بخيلةٌ تضنُ بالإعلان وبالمساندة السياسية عبر حزب جماهيري، وبإنتاج أفكار نهضوية ليبرالية ديمقراطية مشتركة مُجادِلة باحثة.

لهذا فإن الجريدةَ ترتجفُ ضعفاً غيرَ قادرةٍ على أن تطلقَ مشروعَ موسوعة، أو مشروع كتاب كل شهر، ودعْ عنك تكوين فضائية.

ليس الأمر يعودُ لحجم الدولة صغيرة أو كبيرة، بل لمدى تطور الفئات الوسطى لتكونَ طبقةً منتجة، تحديثية، فالجريدةُ تلعبُ هنا قلبَ هذه الطبقة/ المشروع الديمقراطي، إذا كانت الفئاتُ الوسطى ذات خيال إجتماعي محدود محصورة في حصالة ضيقة، ترى تراكم النقود مثل ساعة رملية، وترتجف رعباً إذا تلكأ الرملُ في النزول مكوناً الحبيبات الفضية الحبيبة، وتكاد أن تزهقَ روحُها إذا توقف النزولُ لبضع دقائق..

فإن هذه الفئات لم يصقلها مفكرون، ولم يُعريها لوحاتٍ مسرحيون، ولم يكشف خباياها قصاصون وروائيون، ولم يجسدْ بخلَها رسامون، ولم يحيها ويخلقْها صحفيون كبارٌ قادةُ الرأي والضمير والفكر!

فهي تحولُ الورقَ سفراتٍ للأرزِ الكثيف، وترسمها بشوربة المرق اللزق الدهون، وترتعب من حضور المكتبات خوفاً على النقد الصغير الثمين.

تغدو الجريدة ملحقاً للإعلان، وتسمح للماعز بأكل ورقها الرخيص، وتملأها الوكالات بالمواد الطافحة اليومية لعلها تعيش.

كل شيء يومي في هذا الوعي؛ نقل الصور والأخبار، وتغدو التعليقات يوميات، وكل شيء معروف سلفاً، والناسُ على دين بلدانهم.

الوعي اليومي لا يدعو صاحب الكلمة أن يخترق المادة الطافحة، أن يخترق نسيجها، أن يعرف ما وراءها، أن يتجاوز مع أو ضد، أن يتابع جمود الفئات الوسطى ونسيجها الإيديولوجي الذائب، وعدم قدرتها على التنوع وتجاوز الماضي،  فلا بد أن يدخلَ في جماجمها المتوقفة عن الإنتاج، لماذا تعطلتْ خلاياها؟ لماذا تهترئ ولا تزدادُ عمقاً وتطوراً؟ لماذا تقاطع الفكر والفلسفة؟

خمسون سنة مرت أو قرن وذات الجُمل، ونفس التفكير، ألف لماذا وألف سؤال لا بد أن يُطرح، ما هي علاقة الفئات الوسطى بالكتب والخبراء والبحوث، هل يقرأون أم يعتمدون على الوحي؟ ثرثرتهم المتواصلة عن الإنترنت هل هي حقيقية أم إستعراض لإخفاء العداء للصحف والكتب؟ هل يعرفون الجغرافيا الاقتصادية وعلاقتها بالمال والتوسع والتوحيد وتكوين العمالقة الاقتصاديين؟

الجريدة هي قلب الفئات الوسطى سواء كانت حية أم ميتة، الفرن الذي ينتج الحرارة، يفجر الإبداعات، يظهر الفلاسفة، يخلق تياراً من المادة الحارة الفكرية التي تنتشر في الأدمغة المعطلة عن الإستخدام.

أحفرْ تحت الخبر، أحفرْ تحت التصريح، والتق بخيوط الصراعات والدوامات العالمية، طالعْ البشرية أين تركض، ونحن في أزقتنا نتصارع على الملل والنحل والمذاهب المكتوبة قبل خمسة أو عشرة قرون.

أعرف الجريدة قبل أن أقرأها، واعرف ماذا سيُكتب فيها، وأعرف ماذا سيقول فلان وعلان، المواد جاهزة في ذهني فلماذا أتصفح؟

الموالاة الجامدة مثل المعارضة المجنونة.

قانون الإنتاج المطلق

لا يكون الإنتاج الروحي إلا من أجل الناس، وبؤرتهم وقلبهم أصحاب العمل والإنتاج، قوى المعاناة والعطاء.
الفئات المنتجة للثقافة هي فئات وسيطة، لديها بعض الغنى المادي وبعض الغنى الثقافي، وتنمو حسب توجهها للناس، وتضحيتها بغناها الشخصي، لأجل أن تزدهر السعادة والغنى عند الأكثرية المنتجة.
وحتى حين كان المثقف ساحراً في العصور البدائية قبل التاريخ كان يشتغلُ من أجل الصيادين، فيرقص ويغني ويقص من أجل أن يزداد الصيد ويتكاثر الإنتاج ويعم الفرح.
وحين دبت الخلافاتُ بين الناس، وصار العبيدُ والأحرار، والفقراء والأغنياء، ظل قانون الإنتاج الثقافي هو نفسه. هل ينتمي المنتج الثقافي للمنتجين، والمعذبَّين، وللأغلبية المنتجة؟
لكن كان أغلبية المنتجين الثقافيين عبيداً في الروح، يوجهون إنتاجهم لمصلحة الأقلية، وبقي الإنتاج الذي انتمى للناس، وذاب إنتاج النفاق والاستعراض. لقد ظل مكتوباً كذكرى مؤسفة على هدر بعض الناس طاقاتهم من أجل النقود، لا من أجل سموهم الروحي.
أنظرْ يا من غيبت نفسك في طوفان الأشياء كيف أن كلمات التوراة والأنجيل جسدت معاناة أنبياء هربوا من الإستغلال وعسف الدول إلى الصحارى كي ينشئوا دولاً حرة، فتسامت كلماتهم وتواريخهم وتوحدوا مع السعادة العميقة والصلبان والزنزانات.
ولعلك لم تقرأ جيداً القرآن وهو كلماتٌ عن نبي رفض أن يخدم الملأ الاستغلالي وفضلَّ أن يكون مع العبيد والفقراء وغيّرَ التاريخ.
لعلكَ يا منْ غيبتَ نفسك وراء الأشياء تظن إن حمايتك من قبل أصحاب النفوذ سوف تعلي كلماتك الباهتة، أو لأنك مررت بتجربة سجن عاصفة وألم كبيرة سوف يحميك هذا الجبل الطيب من طوفان زحفك نحو المعدن الأصفر، فالناس تعرف استمرار مقاومتك لا تاريخك ذلك وتخليك عن أصلك الطيب.
ومهما جئتَ بأصولٍ حاكمةٍ أو أسرةٍ كريمة أو إنتماء لحزبٍ مناضل قدم الشهداءَ الكثيرين، ومهما كان أقرباؤك وأئمتك من جهابذة في الدين والتاريخ، فإن مقياسك هو شخصك ومدى إنتاجك المضيء ونقدك للأشياء السيئة والظاهرات المخربة للإنتاج وحقوق الأغلبية من العاملين.
لا تقل أسرتي وحزبي وأئمتي وقادتي، بل قل ما هو عملي وموقفي الناقد ودفاعي عن شعبي وكفاحي ضد الأخطاء.
والأديب ليست كلماته بمعزل عن قانون الإنتاج المطلق هذا، الذي يتساوى فيه الأنبياء العظام والشعراء الصعاليك، وهو ميزان الحق، فيظن أنه له فترة يجاهد ويتعذب لكي ينير ثم تأتي له فترة خاصة يتكاسل ويبحث عن المناصب ويغدو رئيس جريدة النفاق.
ميزانك هو كلمتك، مدى تحول قصصك وأشعارك ومسرحياتك ونقدك إلى كشافات تفضح مستنقعات الفساد، لا تقلْ إنني أديب ناشىء أبحث عن سبل التعبير والعيارة، ليشتد عودك وتنضم إلى الحرامية، بل أغمسْ مدادك في معاناة البشر ولا تستجدي الشهرة والمال.
لكن الكثيرين اتخذوا الكلمات مطايا، وهدايا، وضحايا، وقادة الفكر وعباقرة الكلمة غدوا مثالاً سيئاً للنشء، وهذا يحدث كثيراً في التاريخ، عندما تقبضُ الطبقة المسيطرة على الكثير من المال فتستطيع أن ترشو بكثرة، لكن ذلك مؤقت، لأن وفرة المال على هذا النحو لا تدوم، بل تدوم حين تستمع هذه الطبقة للنقاد، وترهفُ جميعُ آذانِها للضربات الكلامية والأدبية والعلمية التي توجه لتبذيرها وفسادها وحينئذ تطور سيطرتها وإنتاجها المشرف على الأفلاس بفضل جوقات النفاق والبذخ.
المال اليوم عندك وغداً عند غيرك ، فتذهب للاستلاف، فلماذا تبيع ماء وجهك وكنت عزيزاً، ولا تحفظ كرامتك وهي من كرامة الأمة والناس؟
لا تقل أصلي وفصلي وحزبي وجماعتي، بل قل هي كلمة الحق أوجهها ضد كل مخطئ ومستغل ومبذر، أرفع بها من يسمو إلى المعالي، وأعصف من خلالها بكل من أهدر ثروة الأمة ونشر الأرهاب وغزا الأخوة والجيران ووسع الاستبداد.
كلمتي هي مع الحق والحقيقة، لا مع الخزائن.
ليست كلمتي مرهونة بمديح النقاد وأن يرضى عني رئيس الجامعة والكلية، فأدبج (الدراسات والأبحاث) كما يشتهي رئيسُ القسم المريض، فأعلي من يرضى عنهم، وأخسفُ الأرضَ بمن يكرههم لكي أحصل على الوظائف والمال، فأي علم هذا الذي يكون ذاتياً وجائراً وغير منصف؟
وكيف تنشأ الحقيقة بين جماعات القول الواحد والصوت الواحد، وجماعات نحن مع الزعيم أينما توجه وكيفما قال؟ وهل تـُدار الأوطان والأحزاب بقول الفرد؟
يتباين الإنتاج الثقافي في كل هذه الأنواع في أشكاله وتعابيره، ويتحد في مضامنيه، وفي عصوره السحيقة والمعاصرة، على بعد المسافات والأشكال والأزمان، فكلمة الحقيقة تشق طرقها بوسائل مختلفة، وهي تنمو من خلال الألم الشعبي، تنور صهر الأشكال ووحدتها وتطورها، وفي الفرح والغنى ظاهرات مقاربة حين تتصل بذلك الهم الإنساني العميق.

أشكال الوعي في البنية العربية التقليدية

 إذا كانت البُنى العربية التقليدية بُنى إقطاع ديني، لكون الدين هو الشكل الوحيد المناسب لظهور وتجلي صراعات هذا التاريخ البشري الخاص، فإن هذا الإقطاع الديني يصير إقطاعاً مذهبياً، أي يقوم فيه العرب المسلمون بالصراع بينهم وبين أنفسهم كقوى ومستويات اجتماعية عبر المذاهب، وبينهم وبين الأديان الأخرى عبر الدين العام.

ولهذا فإن كافة مستويات البنية التقليدية تغدو مُسيسة، فلا توجد حركات دينية غير سياسية، ولا يغدو الدين الشعبي الجماهيري كذلك غير مسيس.

ومن هنا فإن هناك إقطاعاً دينياً سياسياً يهيمن على البنية التقليدية، وهو يشكل الأنظمة السياسية عبر التاريخ، ومن هنا كذلك فلا توجد مدينة عربية إسلامية حرة، أي ديمقراطية وحداثية، لأنها كلها خاضعة للإقطاع السياسي المتحكم عبر التاريخ، وهنا الفارق بين مدننا وبين المدينة الغربية البرجوازية التي نمت كمدينة حرة،  فهذه الأخيرة قد نشأت في عملية تاريخية لتغيير سلطة الإقطاع الديني والسياسي، أي لتحويل مجمل البنية التقليدية، عبر الفصل بين الدين والدولة، وجعل المدينة حرة من سلطة دينية سياسية مُسبّقة.

والأمر ليس تحرير المجتمع من الدين، ولكن تحرير الدين من الدكتاتورية السياسية. وتحرير السياسة من الدكتاتورية الدينية.

ولهذا فإن علينا أن لا نرى فترات ازدهار المدن العربية الإسلامية بالتجارة وببعض الحرية الفكرية والسياسية باعتبارها انقطاعاً عن الهيمنة الإقطاعية المستبدة، أو تحولاً نوعياً فيها وانتقالاً إلى كونها مدناً حرة، كما يوهمنا الكتاب السطحيون، حين يتحدثون عن فترات النهضة في الدولة العباسية أو في العصر الحديث، بل الأمر لا يعدو أن يكون وفرة مالية لدى الإقطاع السياسي تتيح له تحريك الحياة الثقافية والفكرية باتجاه مصالحه.

  إن الإقطاع السياسي المهيمن على أجهزة الدولة العليا يتيح للإقطاع الديني الهيمنة على المستويات الاجتماعية، خاصة على وضع القبيلة / الأسرة ومورثاتها الذكورية والثـقافة الجماهيرية، وغالباً ما يحدث الصراع بين الإقطاع السياسي الحاكم والإقطاع الاجتماعي، وكلاهما يحكمان مستويات البنية المتعددة، حين تنضب موارد الدولة أو تضيع في قنوات وشرايين الدول الفاسدة.

ولهذا فحين يستولي المأمون على السلطة من أخيه الأمين، أو حين يستولي الضباط الأحرار على الحكم في مصر، فإن البنية الإقطاعية / المذهبية لا تتغير، والمدينة الحرة لا تنشأ، فدور الدولة المركزي وهيمنتها على الأملاك العامة، وسلطتها المكرسة غيباً لا تتبدل.

وحين يقاوم الإقطاعُ الديني المأمونَ بسبب عمليات تحديثه فذلك لأن يصرف المال العام على بطانته، المجلوبة أغلبها من فارس، ولهذا فإن الإقطاع الديني المتحكم في البنية الاجتماعية وأغلبه عرب وجدوا أنفسهم بمنأى عن السلطة السياسية والمال العام، يصارع هذا التحكم ويتخذ من قضية خلق القرآن مظهراً للصراع على غنائم الحكم.وحين يقوم الواثق بانقلابه فإن شيئاً من الاستغلال والفساد لم يتغير، غير أنه قرب رجالات الإقطاع الديني وأجزل لهم العطاء.ولأن بطانة الإقطاع فارسية، إمامية، زيدية، اعتزالية، تزدهر لدى عامة بغداد المذاهب السنية.

ولهذا أيضاً حين يقوم الضباط الأحرار بانقلابهم ويحدثون إصلاحات مهمة فإنهم لا يخلقون مدينة حرة، لأن هيمنتهم على المال العام تتصاعد ويغدو جهاز الدولة تابعاً لفئة صغيرة تتحكم في كيفية توزيع الثروة، ونظراً لدور قيادتها الوطنية المناضلة فإن مشروعات شعبية كثيرة تتحقق، ووصول جانب من المال العام للشعب، لم يكن يعني أن يكون هذا المال تحت إدارته، فقنوات الدولة المهيمنة هي التي تظل تتحكم فيه، وبالتدريج ينتقل إلى جيوبها.

إن البنية الإقطاعية الدينية لم تتغير، وكان توغل الدولة وهيمنتها داخل المستويات الاجتماعية واتجاهها لدمقرطة وتحديث الأسرة، باعثاً لاصطدامها مع الإقطاع الديني المهيمن في هذه المستويات.

إن الشعب لا يستطيع أن يكون حراً مع دولة دكتاتورية، حتى لو فرشت الأرض ذهباً تحت أقدامه.

إن كافة العناصر الفكرية التي تولدت داخل البنية العربية التقليدية أو التي جاءت من خلال التأثيرات الأجنبية عبر اليونان أو الهند أو الفرس في القرون السابقة، أو الأفكار الحديثة التي جاءت من الغرب الرأسمالي أو الشرق ( الاشتراكي )، كلها خضعت لقوانين هذه البنية الإقطاعية، التي نحت عناصر وأبقت عناصر، تبعاً لوظيفيتها الخاصة.

بل وحتى الثورة المحمدية التي كانت سابقة قبل تشكل هذه البنية التقليدية تم إبعاد عناصر منها جوهرية، رغم إن تلك الثورة هي التي تمثـل مشروعية هذه البنية التقليدية حسب وعي هذه البنية نفسها .

 إن قوانين الثورة المحمدية الثلاثة تم تجاهلها، وهي التحالف بين التجار المتوسطين والعاملين، وربط تطور الثورة بتقدم الجمهور المادي والمعيشي والثقافي، ووجود برنامج نهضوي تحولي لــ ( لأمة ).

والفارق بين لحظة الثورة المحمدية ووجود مدينة حرة في الجزيرة العربية، وبين زمن البنية التقليدية، هو فارق التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، حيث أن العرب الرعاة الأحرار لم يهيمن عليهم نظام استغلالي سواء عبودياً كان أم إقطاعياً، ولكنهم حين انتقلوا إلى الشمال العربي، وحدثت تحولات اقتصادية وسياسية كبيرة، دخلوا في المنظومة الإقطاعية، متجاوزين العبودية كتشكيلة اقتصادية اجتماعية، لكن ظلت العبودية تتجرر أذيالها الثقيلة.

وحينئذٍ، أي في زمن الإقطاع، فإن كافة الأفكار الُمصنعة محلياً أم المستوردة مناطقياً وعالمياً، خضعت لقوانين البنية وتطورها.

إن كافة التيارات المعارضة والدول لم تستطع إعادة إنتاج الثورة المحمدية في الظروف الجديدة. فالأعمال البطولية للأئمة والمغامرات الفردية ثم الانتفاضات عجزت عن الوصول لمفاتيح تلك الثورة، فالقدريون والمعتزلة لم يفهموا أهمية التحالف بين التجار والعامة، ولم يعرفوا كيف يربطون بين ثورتهم النخبوية وجمهور الفلاحين عبر تغيير طابع ملكية الأرض أو الخراج ، وحتى عندما أخذ العوامُ دوراً كبيراً في أعمال القرامطة والزنج فإنهم كانوا عواماً لصوصاً ولم يطرحوا برنامجاً لإزالة اللصوصية من هيمنة الدولة الإقطاعية.

ونستطيع أن نعرف لماذا انتصر معاوية بن أبي سفيان سياسياً على جيش الدولة الشعبية لأن هذا الجيش لم يربط انتصاراته بتوزيع الغنائم والمكاسب على الجنود والجمهور، في حين كان معسكر معاوية يغدق العطايا عليهم. وكذلك لم يكن لجيش  السلطة الشعبية برنامج تحولي جديد، وبهذا تخلى جيش السلطة الشعبية عن قوانين الثورة المحمدية وبالتالي هُزم.

ولهذا حين كان الخلفاء ( المتنورون ) يطرحون سياسة  ثقافية جديدة نهضوية لم تكن تنجح هذه السياسة، بسبب أنها تقوم على استغلال بشع للجمهور المنتج، فإذا كان هذا الجمهور أمياً، وخرافياً في وعيه، فإنه سيتأثر بالسياط والدجل أكثر منه بالقراطيس ذات الثمن الغالي التي ينسخها النساخ بصعوبة وتنتشر بين نخبة محدودة،  فالتنوير لا بد أن يترابط وتحرر الجمهور من الأمية والفقر الشديد، وكيف يتحرر من ذلك دون تغيير جوهري في شروط الإنتاج ؟

ولهذا فإن تقارب الدينان المسيحية الشرقية والإسلام، وتقارب المذاهب المهيمنة سياسياً، وغربة الفلسفة وضياع المتصوفين، لا يعود للعناصر الثورية والديمقراطية الجنينية فيها، بل لقدرة البنية المحافظة على انتزاع تلك العناصر وإخفائها في ركام من الاغتراب والنصوصية الشكلانية، بدلاً من توظيفها في مرحلة جديدة. أي عدم القدرة على ربطها بنضال الجمهور  وتقدمه.

إن بقاء نموذج الثورة المحمدية ملهماً للعرب والمسلمين يعود لقدرتها على نقلهم من تشكيلة إلى أخرى، واتساع التحالف الاجتماعي المتحقق بين التجار النهضويين والكادحين، وطرح برنامج تحولي لأغلبية القطاعات.

 وفي العصر الحديث قامت الليبرالية المستوردة من الغرب ببعض الجوانب التطورية في هذا الجانب،حيث رأينا تحالف الفئات الوسطى والعاملين، وتم طرح برنامج نهضوي لكن الليبرالية عجزت عن هدم البنية الإقطاعية، ورأت في الإقطاع الديني بأنه هو الإسلام، فعجزت عن رؤية جذوره في الثورة المحمدية، أي عجزت عن رؤية جذورها كليبرالية في المرحلة الثورية الإسلامية التأسيسية.

وهذا يعود لغربتها الغربية، أي بسبب نقلها الميكانيكي لأدوات معرفية وسياسية مستوردة، فهي لا تنقل مناهج بل أشكالاً فوقية غير متجذرة في الأرض، أي تستورد أشكالاً برلمانية وأشكالاً حزبية الخ.. لكن هذه في وجودها غير المنقول ،ليست أشكالاً، هذه بنية متكاملة، فالأمر ليس في نقل قلب سليم إلى جسم مريض، بل في تغيير الجسم كله.

وطبيعة النقل الشكلية لدى الفئات المتوسطة يعود لطبيعتها الاقتصادية / الاجتماعية. أي على كونها فئات تجارية ، زراعية، عقارية وإلى صناعية بدرجة أساسية. وهي من هنا تقوم بتشكيل فلسفة انتقائية، نفعية، وليس فلسفة تحولية جذرية.

إن الوعي الليبرالي وأشكاله الفكرية المتعددة، من فلسفة سياسية وأدب وفن وعلوم، عجزت عن التنوير والتحويل الاجتماعي والثقافي للجمهور العربي، وبقيت الهياكل الإقطاعية الدينية متحكمة فيه، مما أدى إلى أزمة هذا الأشكال الفكرية النهضوية.

أي أن القضايا الاقتصادية والاجتماعية للثورة الديمقراطية لم تتحقق، مثل حرية الفلاحين والنساء والدين. وبقي الإقطاع الديني مهيمناً على الوعي.

إن الفارق بين الثورة المحمدية والثورة الليبرالية العربية الأولى الحديثة، رغم إن الطابع التجاري كان مشتركاً بين تكوينيهما الاجتماعيين القياديين، هو في قدرة الأولى  في الاستناد  إلى الجذور الفكرية للمنطقة، أي قيامها بإعادة إنتاج للفكر (الوطني التحرري ) المحلي المناطقي، لكن الليبرالية المعاصرة لم تفعل سوى نقل المنتجات الغربية. أو العودة إلى حمى الإقطاع المذهبي، عبر قيام كل فئات وسطى عربية إسلامية، بالارتكاز إلى إرثها المحلي الضيق. فمرة تلجأ إلى سوق مسيطر عليها غرباً، ومرة تلجأ إلى إقطاع مهيمن عليها و(مقطع ) لسوقها الواسعة الُمفترضة.والشكلان لا يقودان إلى تراكم، تحتاجه إعادة تشكيل الهياكل التقليدية المعرقلة لنمو رأسمالي تحولي جذري.

وهكذا يغدو الإقطاع الديني حين يكون مسيحية شرقية، أو مذهبية إسلامية، مصمماً على تقطيع أوصال الأمة، أي أن شبكات المذاهب تعود إلى عرقلة نمو سوق موحدة وطنياً وعربياً، في حين إنها ترتكز على الإسلام، دون أن تعي إنها ترتكز على الإقطاع. أي أنها بعدُ لا تكتشف جذورها المتصلة بالثورة المحمدية.

حين عجزت أشكال الليبرالية العربية الحديثة الأولى عن حل مهام التحديث والتحرر، برزت رأسماليات الدولة العربية المختلفة، وفي الزمن الأول كانت متجهة إلى اليسار وأدبياته، والآن إلى اليمين وأدبياته.

قامت رأسماليات الدولة في المرحلة الأولى ( ناصريون، قوميون ، بعثيون، جبهويون جزائريون، استقلاليون تونسيون الخ..)، على وعي الهيمنة الحكومية، فجعلوا من ماكينة الدولة في كل قطر وسيلة لتشكيل الرأسمال الصناعي المفقود، معضلة العرب الأولى، وقد قادت هذه إلى سلسلة من نظريات التدخل الحكومي في الاقتصاد والحياة الاجتماعية والفكرية.

لقد أفرزت في المجال الفكري مجموعات من الأفكار المؤيدة للشمولية، وقادت في النهاية إلى هيمنة الأفراد المطلقين، ومن ثم العودة إلى وعي  الإقطاع السياسي / الديني. إن الوحدات الوطنية لم تتشكل، والتصنيع الشامل لم يتحقق وتحول إلى مديونيات كبيرة، وواصلت الثقافة الجماهيرية رحلة الخرافة والأمية وعادت الأشكال القديمة في الإبداع الخ..

لم تستطع رأسمالية الدولة اليسارية أن تـُنجز ما وعدت به، لأن وعيها رفض مجابهة الإقطاع السياسي / الديني، بل أنها ورثت أشغاله الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية، فتملكت الموارد وحددت أهداف النصوص الدينية على هواها السياسي.

إن رفضها لتحويل التصنيع الثقيل إلى قوة أساسية في الاقتصاد الوطني، يعود لارتكازها على فئات وسطى استغلالية، هي الفئات البيروقراطية والعسكرية المتنفذة، التي ترفض التضحيات وإعادة تشكيل الاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية بشكل جذري، مما قاد مع غياب الرقابة الشعبية إلى تدهور القواعد الصناعية التي شكلتها، وإلى بعث حركات الإقطاع المذهبية المختلفة، التي بنت نموها في هذه الأقطار ( اليسارية ) على العداء للحداثة والتقدم، ومرتكزة على الأخطاء والهزائم التي واكبت هذه الأنظمة في بعض معاركها ونظامها.

ولا يمكن أخذ هذه اللوحة بعين الاعتبار دون رؤية صعود رأسماليات الدولة (اليمينية) حيث أتاحت الثروة النفطية ومحاصرة وهزيمة رأسماليات الدولة في العالم الشرقي، صعود هذه الأنماط من رأسماليات الدولة اليمينية المكرسة لتقوية العلاقات ما قبل الرأسمالية أي للإقطاع، وكذلك للرأسمالية الغربية.

وخدمة رأسماليات الدولة هذه لهذين الجانبين المتناقضين، حدثت بسبب ضعف الهياكل الاقتصادية في هذه الدول، الصحراوية والريفية، مما قاد إلى كونها سوقاً للبضائع العسكرية، والاقتصادية الأخرى، ورأس مالاً مالياً لخدمة التصنيع الغربي، وأدت إلى ازدهار أشكال رأسمال غير الصناعي، وبالتالي عودة البذخ الأسطوري للخلفاء والنخب اللاهية والفاسدة سياسياً وذوقياً، مما أدى إلى إنهاك القطاعات العامة الحكومية وتحميل الشعوب فاتورة الحروب والفساد والاستغلال .

وقد قاد هذا إلى هيمنة أشكال وعي قديمة كان يبدو للوعي السطحي بأنها انتهت، وكذلك تم اسيراد أشكال الحداثة الغربية الفارغة من المضامين التحويلية. وقد انتصر عربياً نموذج رأسمالية الدولة اليمينية المكرسة لعودة الإقطاع المذهبي، فظهر أمير  المؤمنين في أفغانستان والكثير من أمراء المؤمنين، ليتحول البرنامج الطائفي إلى حقائق دموية.

إنه كلما تخلى الإقطاع الديني عن قوانين الثورة المحمدية كلما أو غل في التطرف ضد الحداثة وتقدم المسلمين، أي حين يزداد شكلانية وتعصباً. فكلما تنامى تخلفاً في مواقعه الصحراوية والريفية كلما أزداد تقوقعاً وعداءً، وحين يتحد أكثر بقوة الإقطاع السياسي الحاكم الذي حصل على موارد وفيرة، فإنه يزداد ضراوة في الدفاع عن امتيازاته واستغلاله للجمهور. بل أيضاً يتطلع إلى الوصول للحكم.

إن الانقطاع عن تقاليد الثورة المحمدية قادت إلى الأحكام الحرفية والنصوصية الجزئية المبتورة عن سياق العصرين، ولهذا فإن مذاهب اللاقياس التي هيمن الإقطاع فيها بقوة، تغدو مثل مذاهب القياس التي لم تنتصر فيها الثورة النهضوية. ومع تنامي قوة الإقطاع الديني فإنه يزحف على كل ظاهرات الوعي والثقافة ليعيد ربطها لأحكام سيطرته.

مهما حدثت من أعمال نهضوية وتنويرية واقتصاد مخطط واقتصاد دولة فإن بنية الإقطاع لم تتبدل.أي حين يعتمد الآن على رأسمالية دولة جديدة وتنوير آخر فإن الأمر لن يغير من أسس البنية. لا يمكن إلا الخروج  عن طريق تأسيس بنية اجتماعية جديدة  أسسها العلمانية والديمقراطية والحرية الاجتماعية كنظام متكامل.

 وقد تغلغلت بُنى النظام التقليدي في الأحزاب الليبرالية و(الاشتراكية) و(الشيوعية)، فرفض بعض هذه الجماعات التحول إلى النظام الحديث، ربطها بأنظمة الإقطاع المختلفة، وطرحها عملية القفز على الرأسمالية كانت دفاعاً عن وشائجها مع البنية التقليدية الطائفية، ولهذا أخذت مفرداتها الديمقراطية تتهاوى، فتصبح الأنظمة الجمهورية ملكية، والديمقراطية المركزية تصبح مركزية، والقادة السياسيون الوطنيون يصبحون أبوات وقادة طوائف، وتغدو القوالب الفكرية المستوردة غير قادرة إلى التحول إلى مناهج بحث تلتحم بالبنى العربية تحليلاً واكتشافاً .ويترنح الشعر الحديث، ويعود الشعر التقليدي وتغدو الأنواع الأدبية والفنية من أدب قصصي أو مسرحي أو فنون تشكيلية نخبوية منعزلة.

اليسارُ والتكويناتُ الاجتماعية الدينية

لعل التحولات الهائلة خلال نصف القرن الماضي أوضحت بجلاء ضرورة تحول اليسار إلى تكوينات ديمقراطية حقيقية، لمواكبةِ مهماتِ التغييرات الراهنة والمستقبلية خاصة.

فقد تكسرتْ الرأسمالياتُ الشموليةُ الشرقية بجميع مفرداتها الايديولوجية وأخذت عظامها الداخلية بالبروز، ولم تعدْ لديها قدرات على مواصلة التحام رأس المال بالدول الوطنية والقوميات، وغدا تعبيرها عن فئات صغيرة عقبة لتحولات أكثر تطوراً للتشكيلة.
القوميات في مستويات ظهورها الأولى وحاجاتها للتصنيع السريع والحريات الوطنية، جعلتْ البرجوازيات البيروقراطية الرافعة السياسية لهذه العمليات التحولية، حتى توقفتْ قدراتُها عن التطور الاقتصادي العميق وقدراتها على حل التناقضات الجمة في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية لكل بلد.
الجماعات الحاكمة الشمولية المختلفة المتعددة في القارات أسست ذلك وخاصة اليسار العالمي، حتى توقفت عن التطور كل في موعد وفاته، ودخلت مقولاتها الوطنية التوحيدية والدينية والقومية والاشتراكية في تناقضات حادة مع واقع هذه الدول، وفيما تتحدث عن مستقبل زاهر كانت الدولُ تغوصُ في تناقضاتٍ غيرِ محلولة لبناء رأسمالي مشوه أو متناقض غير متكامل.
القطاعات الخاصة التي أنشئت أو كانت موجودة في هذه الدول لا تقدر أن تكون تجاوزاً نضالياً كعادةِ رؤوس الأموال، فهي تنتظرُ النزيفَ الأخيرَ للأنظمة، وعدم قدرتها على الرد الواسع.
كذلك فإن القطاعات الخاصة في أنظمة رأسمالية الدول تكون مريضة مثلها، لم تتح لها قوانين التطور الاقتصادي المجهضة أن تشكل تجارب مستقلة.
الانفجارات الاجتماعية التي حدثت في الحلقات الضعيفة من الرأسماليات الحكومية الشرقية جعلت من الأديان قوة اجتماعية سياسية.
وهذا تعبيرٌ متناقضٌ عن تخلف كبير وعن تقدم طفيف غامض، فالمحبوسون ظهروا من السجون الاجتماعية، معشيي العيون، الآن هم لا يعرفون أين هي سبل التطور والأرضية مضطربة.
حين تتكون كتلة شيوعية قومية في روسيا فهي تواجه التحول الديمقراطي وتصارع التحولات الديمقراطية في العالم الثالث باعتبار ذلك خدمة للغرب، فهي بهذا تعبر عن الهيكل البيروقراطي القومي الذي عاشت باستغلاله، وزوال بقاياه سيعبر عن مشكلات جديدة على العمال خاصة، وعن انتصار للبرجوازية الليبرالية، وتراجع مواقف اليسار الشيوعي واليمين القومي.
سنواتٌ طويلة من الإخلال بقوانين السوق وقيم السلع وتشوه الهياكل الاقتصادية وهدر ثروات كبرى وسحق قوى عاملة بشرية، كل هذه سوف تدفع أثمانها الجماهير وستعمل مجدداً بظروف صعبة وهي التي ثارت وتطلب الرفاه.
كان هذا هو ثمن عدم تطوير اليسار باتجاه الديمقراطية خلال عقود في المعسكر الاشتراكي وفي دول مثل العراق وليبيا واليمن وسوريا.
الجمع بين التطور الاقتصادي والديمقراطية، يقود لاقتصاد السوق وتداول السلطة والحداثة وإيجاد تيارات وطنية تحديثية، وتطوير الإنتاج ونشر مكاسبه على القطاعات الجغرافية المذهبية والدينية والقومية، أي على مختلف جماعات السكان.
وعدم حدوث ذلك يعني تصاعد الايديولوجيات الأخرى المعبرة عن هذه القطاعات والقوى المؤثرة فيها، والتي تعرضت سياداتها العشائرية أو الدينية أو القومية للتقزيم، التي انتظرت الأزمات الاقتصادية الاجتماعية طويلاً، وهي الأزمات التي تنتج من حدوث عجز عميق في تطور الهياكل الاقتصادية الاجتماعية، وهي ذاتها التي استغلتها القوى الثورية السابقة في القفز للحكم، في أشكال من المغامرات في حين تستغلها القوى الدينية المحافظة في أشكال ثورية للمراوحة في الماضي والحاضر وتلمس المستقبل بتجريبية سياسية.
وفيما أن الأفكارَ العصرية المؤدلجةَ المقولبة تُنخرُ وتتحطم تصعدُ الأفكارُ القديمة، من أجل عمليات تحول جديدة ملتبسة بين الشمولية والديمقراطية.
لقد بينت التحولات أهمية الديمقراطية وضرورة تشكيلها أداة للتحول السياسي والتطور الاقتصادي، وفيما خسرت القوى اليسارية الكثير من فاعلياتها بسبب غيابها عن الديمقراطية، تجد العناصر الديمقراطية القليلة فيها صعوبات للتأثير في التحولات العالمية الشرقية خاصة. فيما أن بعض الجماعات الدينية التي وقفت ضد الشموليات تصعد وتؤثر بشكل عالمي.
تغدو مهمات اليسار الديمقراطي كثيرة وكبيرة وأهمها مساعدة القوى الدينية على تلمس طرق التطور في بلدانها، بألا تبقى في دوائر الشمولية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبأن ترى مصائر وتطورات الأمم الإسلامية في بناها الوطنية والقومية، وأن تنزع الأغلفةَ الخارجية عن عمليات الصراعات الاجتماعية والأردية المذهبية المغلقة، وأن تتطلع لتحولات اقتصادية ثورية تنتشل الملايين من وجودهم في اقتصاد الدول البيروقراطي الهامشي البذخي، اقتصاد البطالة المقنعة بل اقتصاد القيادة الصناعية العلمية، وأن يكون اقتصاد السوق يغدو إنتاجاً كذلك، وعمليات التطور الاقتصادية الكبرى التي تقام على أسس ديمقراطية هي التي ستضعف من التقوقع المذهبي والتناحرات القومية والمناطقية وتعيد تشكيل الشعوب على أسس وحدة جديدة.
إن الأشكالَ السياسية من المذاهب ليست تعبيراً عن مقولات فكرية واجتماعية بل هي كذلك تعبير عن أسلوب إنتاج فككَ عرى الناس خلال قرون، وجعل الأمم تتصادم وحلقة الحداثة الشمولية السابقة قامت بقفزات مهمة في جوانب ومضرة في جوانب أخرى، ويُنتظر من الحلقة الجديدة من التطور التأني في دراسة كل نظام ومشكلاته وسبل تغييره بشكل شعبي ديمقراطي واسع النطاق وتكون الحلول والخطط الاقتصادية كذلك شعبية ديمقراطية.

 

القصة القصيرة الطلقة

طلقةٌ صغيرةٌ يوجهُها إنسانٌ كبير

هذا الوميضُ اللغوي الصوري يتجمعُ في لحظةِ إرادةٍ إبداعية، معرياً لحظةً سلبيةً في الحياة، مُسلطاً أشعةً اخاذةً حارقةً ممتعةً مُعذبةً كاوية، اللغةُ ترفرفُ طيوراً وتجسدُ صوراً وشخوصاً وحدثاً وتنزل ورداً ودبابيس وناراً.

القاصُ تمتدُ أصابعهُ إلى فرنِ الحياة، تحترقُ وتخبزُ، الفرنُ يتشكلُ من لحظةٍ تاريخيةٍ فيها موادُ الكتابةِ وأدواتُ التوصيلِ وأسلاكٌ قادرةٌ على نقلِ الحرارة.

هذا الكائنُ المجهري الذي اسمهُ القصةُ القصيرةُ هبطَ طائرا عربيا إنسانيا على محارةٍ مرميةٍ في الخليج العربي بين الحيتان وذئاب الصحارى.

من الورق الأصفرِ للتنويرِ المحبوسِ في صحيفةٍ نصف عربية – نصف بريطانية ظهرَ، في دخانِ الحربِ العالمية الثانية، والقصاصُ ملثمٌ خائفٌ من كتابةِ اسمه، طلقتهُ تتلوى وتصدأُ بسرعة، وحين ينهضُ الناسُ في وثبةٍ واسعةٍ في الخمسينيات تتسعُ تلك الشظيةُ الصغيرة فجأة، تتوحدُ بالتنويرِ والثورةِ والأفلامِ المصرية، يكرسها تجارٌ وموظفون فتخلتطُ بالبضاعة، وباللقطة الجزئية والخوف الاجتماعي، ثم يتركون الابنةَ الصغيرةَ لقيطةً في ورق الجرائد الذابل في الخزائن ونسيان المنافي.

تتسعُ الثورةُ أكثر، تتسعُ الثقافةُ للثمارِ العربية والإنسانية الجديدة، ينزلُ العامةُ للشوارع، تبدلُ القصةُ القصيرةُ ثيابَها المليودرامية والبكائية وليس بشكل تام، لأن القاصَ محمد الماجد الذي ظهر بعدئذ هو لحظةٌ انتقاليةٌ بين البكائيات وأغاني الحزن واليأس والوحدة وبين الواقعية الكاسحة، فيحتلُ مكانَهُ قاصٌ آخر هو محمد عبدالملك، معلمُ الحارة، الذي يشكلُ مسرحاً كبيراً من شخوصٍ شعبية مُحطمةٍ، هرسها التطورُ الغرائبي اللامفهوم، فقاربتْ الفئرانَ والسلاحف، في قصصهِ التالية يجسدُ شخصيات طحنتَها كذلك الأمراضُ النفسيةُ، فتوارى في الظلماتِ والمستشفياتِ، الحضورُ الشفيفُ الوامضُ للمقاتلين، حيث يجدُ عبدالملك ذاتَهُ التي تهربُ منه، وتظهرُ القصصُ القصيرةُ البذورُ المقاربةُ لملحمةٍ، وتتعددُ الشخوصُ واللغاتُ والمستويات والرموز، المصنوعة كلها بغنائيةٍ عاليةٍ تجسدُ مشهديةَ المسرح البطولي.

ينتزعُ أمين صالح مساراً مختلفاً، يتجاوزُ الواقعَ المباشر، والمرئياتِ التصويريةَ الجزئيةَ المحبوسةَ، يصنعُ واقعا خاصا، بريشةِ السحرِ والفنتازيا والثورة، الشخصياتُ الحميمة العادية تمخرُ الواقعَ كله وتعيدُ تشكيلَهُ، تتوحدُ برموز مبثوثة في السرد الغنائي الدرامي، وكلما استمر الكاتبُ وسعَ من مخليتهِ ومن غوصهِ في الواقع الغرائبي، ومن اختزاله الحارق، وهناك دائماً الشخصية المتمردة الطفولة المتحدة بالظاهرات الجميلة في الطبيعة. وهناك شخصية الشرطي الدائمة الحضور الشرير الهارسة للبذور. حلمٌ وكابوس.

هل لي أن أتذكرَ أنا الراوي العارضُ هذه الفسيسفاءَ الحارقةَ، لحظةَ أن أرى أولَ مجموعةٍ قصصيةٍ لي في مكتبة السجن؟ المجموعةُ التي لم أتسلمْ منها نسخة واحدة، المجموعةُ الصارخةُ الهتافيةُ من أجل أن أتأدبَ أكثر وأنسجَ الحكايات الرمزية التراثية، والروايات بقلم رصاصٍ مغروزٍ في غصن شجرة ورد، باكورة النار كانت.

اسماءٌ عديدةٌ حفرت: خلف أحمد خلف، وأحمد جمعة، وفريد رمضان، ونعيم عاشور، وغيرهم.

قصاصون بحرينيون كثيرون كتبوا، ملأوا الجرائدَ بالتجارب، زمنُ القصة القصيرة والقصيدة كان، زمنُ قصاصةِ الورقِ المشعةِ، لا تنافسها حينذاك وسائلُ البثِ وتحضيرُ الأرواح وخلقُ الاغتراب العام، فاقترب كثيرون من تلك الطفلة المشاغبة الماشية في الشوارع توزعُ الوعي على النائمين، نشروها بشغف.

والنساء اللاتي لم يظهرن إلا برموزٍ نادرةٍ في القصة السابقة المتعثرة بين أحضانِ الذكورِ الأشداء، قفزن إلى المسرح وكتبن همومَ الناس، والمرأةُ بؤرةٌ متوهجةٌ فيها، أسماءُ منيرة الفاضل وفوزية رشيد وسعاد الخليفة وغيرهن خلقن المشهدَ الافتتاحي النسائي الكبيرَ في القصة القصيرة، إنها القصةُ الغائرةُ في الداخل، في لحمِ الصراع بين الأنوثةِ والذكورة، معريةً فسادَ الأسرة والمجتمع، أغلبها قريبةٌ من المنولوجات الخاصة، المنسوجة بخيوط الواقع الغامض، المعادي.

وفيما يغرق كتابُ القصةِ القصيرة في الأنواعِ الأدبية الأخرى معطين القصةَ القصيرةَ قبلات سريعة، لم يعد فيها ذلك العشق الاستشهادي، تظهرُ أجيالٌ جديدةٌ تجربُ وتلعبُ وتحضرُ مناطقَ جديدةً من المجتمع، وبأدواتٍ تعود للتسجيلية والمليودرامية القديمة، بعد أن اختنق المجتمع بالثرثرة التسطيحية لقراءة الظواهر.

هذه بعضُ شراراتٍ من حريق كبير.

القصة القصيرة الطلقة

لماذا لم يتطور التنظيم؟

مع سيطرة المتضخم على التنظيم المناضل (اليساري)، امتلأت الجدران بصور المناضلين الذين ضحوا في معارك التحرر الوطني، فلماذا لم يستفد من تضحياتهم؟ تحاول أن تحفر في جمجمته الأثرية عن مواد فكرية ثقافية متجذرة في الأرض والإنسان فتجدها فارغة.
لماذا خطفوا ولدنا الصغير في الريف وحولوه إلى أراجوز سياسي يتفجر بالشعارات والمفرقعات اليسارية ويختبئ في دولاب الثياب؟
الصورُ واللوحاتُ التي ترونها على الجدران أُفرغت من محتواها، غدت تاريخاً مجرداً وإن امتلأت بالتفاصيل الصغيرة، مثل كاتب فاشل يملأ الرواية بالكثير من التفاصيل، ونسغُ الأرضِ وروحُ الإنسان وإرادةُ التحدي البطوليةِ مفقودة.
الشمولي الذي هيمن على التنظيم لم يكن يرى تسرب الأعضاء من بين أصابعه السياسية، ذاته فقط محمية في علياء المكتب السياسي، ثمة معادلات دولية كبيرة تجعل سيادته موجوداً على كرسي السكرتير العام، أو القائد، سمها ما تشاء لكن المنصب الحقيقي هو الذكر المهيمن، سليل الأسر المتحكمة في الأرزاق والعباد. هو ميراثنا الشرقي الأزلي تمظهر وتجدد قوميا ودينيا وشيوعيا ووطنيا، الحيةُ المتعددةُ الجلود وسمُها واحد.
التنظيم اتخذ الأفراد كأدواتٍ للتحريك السياسي، مجرد أسماء سرية، لكن أن يكون ذا مظهر خاص، وعائلة معينة، وموهبة خاصة، فهذه تفاصيل لا تدخل في الرواية، التنظيم في عمله السري (ثم بعد ذاك العلني والزمن الحقيقي التنظيمي لم يتغير) له مهمة تأجيج التمرد، ومن هنا لن يتابع الأعضاء كأشخاص حقيقيين، كأناس لهم عائلات ومواهب وشخوص محددة، ولهذا لن يفهم الشعب في تحولاته.
حتى لو قُتل العضو فإن تاريخَهُ سيكون تاريخ التنظيم، ووقائع استشهاده هي الوقائع الرسمية، أما زوجته أو زوجاته ونقاط ضعفه وبعض الكتابات التي ألفها فهي ستوضع في الظل. تعبرُ هذه عن جدليةِ المثقف والشعب المفقودة، عن غياب تحليله للتاريخ، والبنية الاجتماعية، واندماجه الحقيقي العميق في هذه المواد، وليس باعتباره عضو مكتب سياسي، بل بإعتباره عضو تجديد فكري سياسي.
فيظهر تاريخ الضحايا الذي يسمى تاريخ الشهداء. فهذا هو تاريخ «الشهداء» في التاريخ العربي الديني: كائناتٌ نورانية، بذلوا دماءهم لكي تصعد قوى معينة، حتى ترتفع كراسي وسلطات، ولهذا فإن نقاطَ الضعف في الشهداء وحالاتهم الإنسانية العادية وسلبياتهم سوف تُطمسُ لحساب حالاتهم النورانية الدينية التي سوف تظلل التنظيم وتحيله إلى دكتاتور يرفض النقد وتحليل تاريخه.
التنظيمُ في حالة أمية ثقافية، وسوف يسيجُ تاريخَهُ بطقوس دينية وتقديسية، ولن يحلل هؤلاء البسطاء العاديين الجهلة الذين انضموا إليه، سيرفعهم لأمكنة القديسين، ولكنهم كانوا مناضلين لأنهم تحسسوا آلامَ الناس وظروفَ العمل الصعبة وآمنوا بشعارات معينة وضحوا، ولم يتوافر للتنظيم في البنية الشمولية المحافظة المتخلفة أن يطور مشروع الشهيد الدائم هذا ليكون مشروع المناضل، والباحثة، والفيلسوف، والراقصة، والنحات، والضابط، وأن يفهم البنية الاجتماعية وأن يشكل نضالات ديمقراطية حديثة تصل إلى الجدات اللاتي يحكين تواريخ النساء المعذبات، تنظيمٌ هو رد فعلٍ ناشئ كرد سلبي على مركزية سلبية أخرى، ولم يكن بإمكانه أن يرى أن «الشهيد» هذا كاتب له عمق فكري خاص، أو مخرجة لها نتاج مفيد، أو عامل له شخصية خاصة، ولهذا تغدو السلطات الشمولية الحاكمة والمعارضة في حالات استنساخ لبعضها بعضا، والجانبان يحاولان القضاء على بعضهما بعضا، ولهذا كلما جاءت معارضة لعنت أختها، والبنى الاجتماعية تزداد تدهوراً، وتفسخاً من الداخل. الدولةُ تقوى بالمعارضة والمعارضةُ تقوى بالدولة هذا حلم.
التنظيم لم يستطع أن يحول هذا الكويتب أو ذاك الرسام القتيل إلى نموذجين عميقين، وإلى نماذج مزدهرة، وهو الذي ترأسهُ مجموعةٌ من الأميين الثقافيين، فلماذا نستغرب أن تكون كل ثورة أسوأ من سابقتها؟
حتى وصلنا إلى أن يقودنا ويحكمنا ويعيث فساداً في أدمغتنا وأراضينا الطائفيون؟
من جمال الدين الأفغاني وسلامة موسى إلى الخميني والغنوشي والقادم من؟
الدول والتنظيمات نسخٌ كربونية من بعضها بعضا، التفاصيل المهمة والجوانب المضيئة تنحل في الآلات المتحكمة، فيما الأراضي البور تحن إلى الاختلاف والتنوعات والكتل الرفاقية المتصارعة من أجل الحقيقة، الهياكلُ السلطويةُ تمتصلا كلَ ما هو إيجابي وتتعفن من خلال السنين، مثل اليساري/اليميني يظهرُ في آخر حقبته منتج جمل فارغة، أسطوريا، شعاراتيا، لم يراكم وعياً موضوعيا عميقا، يرى جهة واحدة سياسية إجتماعية، وهي التي تفيده، ويتحلل مع السنين، وتعصره في خاتمة المطاف كليمونة يابسة صفراء، وكانت واعدة بالألوان.
التنظيم أنتج الشعارَ وتوقف، في حقبة الإنتاج الحرفي، الزراعي، في عالم المواد الخام، في زمنية ربطنا الحديثة بالإنتاج الرأسمالي الغربي، العربُ غيرُ قادرين على إنتاج ثورات تصنيعية علمية اجتماعية تغور في البشر خاصة، التنظيماتُ السياسيةُ والحكومية إعاداتُ إنتاجٍ لما هو سائد، إنها القرونُ الوسطى مع مسحةٍ خفيفة حداثية، السكرتيرُ العامُ والطاغيةُ لحظتان تتبادلان المواقع، والرفيق المناضل أداة لم تتعمق أو تتعملق، بن علي والغنوشي وجهان لميدالية واحدة، القطاعُ العامُ المهيمن والقطاعُ الخاصُ المستغِّل، الحداثي إقطاعي «مودرن»، والديني ربُ عملٍ إقطاعي، والرفيق العامل إما حرقَ نفسه، وإما حرقَ تاريخَهُ الطبقي الحقيقي.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=286872&nm=1 

الشاعر الكبير يوسف حسن و زهرة الغسق

f291031169128

عن «أسرة الأدباء و الكتاب» في المنامة وبالتعاون مع وزارة شؤون الإعلام، صدر للشاعر  يوسف حسن  عضو أسرة الأدباء و الكتاب ديوان شعر حمل عنوان  «زهرة الغسق».

وقد أهدى  الشاعر يوسف حسن هذا الديوان إلى فقيد الساحة الإبداعية في البحرين والعالم العربي، الروائي و الكاتب عبدالله علي خليفة البوفلاسة، الذي أغنى بعطائه النوعي المكتبة البحرينية والخليجية  والعربية .

ضم الديوان ستة عشر قصيدة كان أبرزها قصيدة «زهرة الغسق» و «صورة قلمية»، «الجميلة في عباءتها»،«نحن من غشى على عينيك»،«رؤيا»، «أبو البحر و المهنده البتر»، «الغريب»، «أغنية على جدران الوطن»، «صباحات الوردة» إلى آخره من القصائد.

يذكر بأن الشاعر يوسف  يعد من بين أبرز مؤسسي أسرة الأدباء و الكتاب في البحرين، وقد تخرج في الجامعة العربية ببيروت،  قسم اللغة العربية و آدبها سنة 1971.

http://www.albiladpress.com/news/2020/4125/space s/623381.html

ألفُ ليلةٍ وليلة . . السيرة السحرية

تشكّلَ الوعي القصصي العربي في العصر الوسيط عبرَ بروزِ مادةِ العجائبية بشكلٍ واسع متضافرة مع مسرح كبير من المشهديات، المتسعة من مدينةٍ صغيرة حتى مدن كبرى عالمية، فغدت مركزاً واسعاً في هذا الوعي الذي تجسّد بأشكالٍ مختلفة في القص والشعر والدين وظل جوهرُهُ العام واحداً. وعموماً فإن الأدبَ القديم البشري يقوم على المدهش والمغامرات كجزءٍ أساسي من العلاقة مع السامعين والقراء والمؤمنين ومن روح الأزمنة القديمة.

وجدنا أن العجائبية هذه تظهرُ في القرآن بشكل واسع، عبر عجائبية المعجزات والأحداث وسير الرسل والقادة السابقين، مثلما هي موجودةٌ في الشعر والنثر الجاهليين، ثم زحفتْ على القصص المشكلة في المدينة العباسية في بغداد والقاهرة وغرناطة. وهي المدنُ التي تنامتْ من الصحراء ومن ثقافتها وانفتحت على ثقافات العالم.

العجائبيةُ تستندُ في الثقافة الإبداعية الإسلامية السائدة أولاً إلى كونِ الوجودِ بلا سببياتٍ وقوانين بل إلى سلطةٍ إلهيةٍ مطلقة عامة، فيما المظاهرُ الأخرى تمضي بأشكالٍ متعددة عادية وخارقة، ليس فيها تواتر وعللٍ عامة.

كما أن الوجود غير موحّدٍ في كائناته ذات الأشكال النوعية المتضادة كلياً حسب هذه الرؤية، حيث الإنس والجن، ككائناتٍ أرضية، فيما هناك الكائنات السماوية المنفصلة عنها. حين نقرأ الأدب اليوناني القديم سنجدهُ غارقاً في الأعاجيب والحوادث المذهلة كذلك وهذه طبيعة الوعي في الأزمنة الغابرة.

ومع غياب وحدة الوجود، وتنوع أشكال الحياة من مادية ونورانية ونارية، فإن التداخلات بينها ممكنة، والصراعات مستمرة، والتداخلات بينها تنتجُ الأعاجيبَ فيها.

وتنمو هذه الرؤية قصصاً حيوانياً عبر (كليلة ودمنة)، حيث تغدو العجائبية مدرسيةً، ومنطقية، وأمثولات والأمثولات لا توجد الدينامية الخارقة، فهي ذاتُ عالمٍ مستقرٍ، موحد، رتيب، في انفصاله الحاد عن البشر، فيقدم مواعظ وحكماً.

تسود الغابة، والزراعة في عالم (كليلة ودمنة)، وهذا ملمح لجذور غائرة، فيما تسود المدينة ألف ليلة وليلة.

في المسيرة إلى كليلة ودمنة كان العرب لا ينتجون إلا الأبنية القصصية الجزئية الوامضة، فالملاحمُ لم تكن من قدراتهم، لأنها قصصٌ كبرى، متشعبة، مترابطة، فيما هم ذوو قدرات قص جزئي، للمسامرة، وتعبرُ المسامراتُ والمجالس عن الترحال والضيافة والسوالف والحزاوي وقول الشعر والطرائف وعقلية التنوع والتجميعات، وهي العمليةُ التي بدأت منذ الخيام وتتوجت في الأندية وكتب الوراقين، وهي التي أخذت عدة قرون حتى حدث الاستقرار الأكبر في العراق والشام ومصر وغيرها.

فهيأت الأمثالُ وحكاياتُها وقصصُ الخرافةِ وتاريخُ العرب وما فيه من تحولات وملاحم، إلى القصص الواسعة ذات المحاور المتضافرة بعض التضافر الواهي الصلات غالباً.

مرحلةُ (ألف ليلة وليلة) والسير الشعبية مرحلة مختلفة، حيث تقومُ على القص المطول الواسع ذي الأبطال المركزيين والشخصيات الثانوية الكثيرة، ويربطها هيكلٌ عامٌ واحد عادة، يتيحُ للعناصر القصصيةِ المفككة بالترابطِ المحدود.

وبعثرةُ العناصرِ الفنية هي مثل بعثرة العناصر الاجتماعية في النظام وعدم قدرتها على تكوين طبقة متوسطة محولة، وهي مثل بعثرة قوى التفكير وعدم وجود منهجيات متماسكة حفرية في المادة.

تختلفُ (ألف ليلة وليلة) عن السير الشعبية، فالسيرُ ذاتُ تكوين عربي إسلامي تعكس سيرورة المجتمعات العربية البدوية، وهي تقوم على أبطال التاريخ العربي كما رأينا في قصة حمزة البهلوان أو (حمزة العربي) ومثل عنترة، وسيف بن ذي يزن، والأميرة ذات الهمة وغيرها.

بينما تعبر ألف ليلة وليلة عن مجتمع عربي إسلامي عالمي، وقد دُرستْ عربياً من خلال العناصر الفنية، أو من خلال الموضوعات الاجتماعية والتاريخية المبثوثة في الليالي.

أما عمليةُ التضفير بين القراءة الفنية وقراءة الجذور الاجتماعية فمنهجيةٌ نادرة.

تعبرُ بدايةُ حكاياتِ ألف ليلة عن التناقضِ البارز في هذا الكتاب، فالملكُ شهريار وأخوه اللذان يكتشفان خيانات زوجتيهما ويرحلان بحثاً عن خائنات أُخر ورجالٍ مخدوعين مثلهما يريان جنياً وقد حبسَ محظيته حبساً مخيفاً في علبة، ولكنها مع ذلك كانت تخونه ولديها خواتم كثيرة لأولئك العشاق!

تأتي شهرزاد لتمنعَ ذبح شهريار للنساء، وتقصلا عليه قصصاً ممتعةً تمنعهُ من تنفيذ حكم الإعدام فيها.

التناقضُ في هذا الجزء هو قيام شهرزاد بالروي المتتابع المتقطع، لكن الساردَ ليس هو المرأة شهرزاد، بل هو راو ذكر متخفٍ، أو هو مجموعةٌ من الرواة الذكور.

إن الجذرين الهندي أو الفارسي للرَاوية المفترضة شهرزاد وللملك شهريار يتم تنحيته، ليتكلم الراوي الذكرُ العربي المصري، ولهذا فإن ألف ليلة هي ذاتُ عدسةٍ ذكورية إسلامية محافظة في القسم العلوي منها، فيما خباياها غير محافظة مليئة بالحياة والرغبة في المتع والعشق.

وفيما تسلط ألفُ ليلة الرؤيةَ الذكورية على خيانة النساء كأفتتاحيةٍ كاذبة، تبعدُ ضميرَ المرأة عن الروي، وتجعلها في متن الحكايات كائن للمتعة الجنسية في شبابها، ثم تغدو (حيزبوناً) وعجوزاً تنصبّ عليها لعناتُ الراوي، فالمرأة ليست سوى مكان للشهوة فإذا فقدت ذلك تصبحُ من المخلفات! ولكن الليالي كذلك تظهر نساءً مقاومات يرفضن استغلالهن كما تفعل زوجةُ تاجرٍ مع أرباب الدولة (ص91، ج3).

والشكل في النساء هو المذهل والحب يتدفق من الجمال الظاهري وغالباً ما يكون مروَّعاً ساحراً، مؤدياً لسلسلةٍ من الأحداث، وليس ثمة عشق حقيقي.

هذا هو التناقضُ الأول البارز في الحكايات، والجذر الأول الذي يدل على بقايا مجتمع أمومي، ويتمظهر في البطولة الساردة، فيما الوجه الثاني حيث يختفي الراوي الحقيقي وتبرز العلاقاتُ الذكورية المسيطرة. ففيما تنتصرُ شهرزادُ على شهريار في الرابط القصصي العام، تُهزمُ في متنِ الحكايات حيث النساء أدوات للشهوة أو مُبعدات كمخلفات.

هذا التناقضُ يشيرُ إلى عدمِ البنائيةِ الفنية الكلية بل على البنائية العفوية التلقائية التجميعية، التي شكلتْ محوراً هشاً وملأتهُ بمادةٍ هائلة متنوعة متضادة مختلفة.

الأمثولة هنا هي دور القصص في تحضير المَلك المتوحش وأنسنته، عبر القص العجائبي، وسيرورةُ القصص مرتبطة بعجائبيتها وبغاياتها، وبمدى قدرتها على تقديم المدهش، الذي يتدفق وتظهر روابطُهُ السردية المتنامية من دون علاقات قانونية وسببية هيكلية، فيتدفق السردُ في المكان والزمان، في البر والبحر، في المدن وخارجها، يصورُ الجنَ والبشرَ والحيوان وتداخلاتها عبر الحكايات والتحولات والتناسخ بينها

ظهورُ التناسخِ بين الإنسان والحيوان والجن في قصص ألف ليلة وليلة يعبرُ عن المرحلة العباسية وازدهارها، والتأثيراتُ الهنديةُ التي تغلغلتْ في نفس الزمن عبر الفلسفة واسهمتْ في إنتاجِ التصوفِ الإسلامي.

إنها مرحلةُ التناسخ، تتناسخُ الحيواناتُ والبشرُ والجن ويتداخلون في علاقات الحب والصراع والحروب، في حين لا يوجد التناسخ في السير الشعبية، فيكبر الكونُ الفني في ألف ليلة ويغدو عالميا.

تغيبُ النماذجُ المركزية، فشهرزاد هي مجرد رَاوية عابرة، تربطُ بين الحكايات، وتتدفقُ بها، والمعرفة المذهلة بكل هذه الشخوص والحوادث لا تدخل في شخصيتها وروحها، ولا تنمي شخصيتها الناجزة منذ البدء، فالشخصيات والحكايات تبقى مستقلة عن بعضها بعضا بطبيعة البناء.

البطل هو تدفق الحكايات العجائبية، فهي شرطُ بقاء الساردة، وهي متن السلسلة القصصية، وهي جوهرُ القص.

الحكاياتُ لا تستهدفُ غرضاً فغرضها هو حكي المذهل المشوق، الذي يجعل القارئ متابعاً، والذي يجعل شهريار غير قاتل، وفي خضمه تجيء أغراضٌ كثيرة وسياقات فنية مختلفة.

المدهشُ هو في جمالِ المرأة الخارجي المثير المحرك للشهوات والأفعال والصراعات (فيما جمالُ شهرزاد الداخلي غيرُ مرئي).

المدهشُ يتجلى في القدرات الخارقة للحيوانات والبشر وتحولاتها، يتجلى القردُ عن امرأة فاتنة، والكلابُ عن بنات أو عن اخوة.

والمدهش هو في خرق الزمان والمكان والعلاقات الموضوعية، وخرق وحدة الشخصيات ووحدة المملكة المفترضة، وذوبان المدينة لتغدو صحراء أو بحاراً مليئة بالغرائب.

هنا تدفقٌ وتوليد لا ينقطعان للحكايات من رواة مختلفين في كل موضع، يولدون العقدَ ويحلونها ويعقدونها ثانية.

تزيحُ الحكاياتُ الاسطوريةُ المكانَ العربي الإسلامي بداية، لتصنع محله مداراً آخر، حيث يعيش (ملكٌ من ملوك ساسان بجزائر الهند والصين صاحب جند وأعوان وخدم وحشم)، هنا تتفجرُ الفضائحية الجنسية بدايةً، وينهمرُ التناسخُ، والتداخل الحيواني- البشري، فتغدو هذه المنطقة الدنسة بؤرته، والذكر الحاكم الشهواني (يُستبدلُ بشيطانيةٍ نسائية مزعومة)، لتقومَ شهرزاد بفعل إنساني، حيث تقول انها تدافع عن(بنات المسلمين)، وهنا يظهر العالمُ الإسلامي، لكن النساء لا يدخلن الليالي بعد هذه البطولة متأثرات بنفحها المفترض إلا كومضاتٍ نادرة. 

الجغرافيا، الوقائع التاريخية، البناء المتداخل المتنامي (يُستبدل بوحداتِ قصٍ متشظية متداخلة بعض التداخل)، لكنها شديدة التبعثر يسودها فنا قانونُ العجائبية، فهي لا تحفرُ في واقع أو تكشف بنية عبر وحدات متنامية متداخلة.

هي قصصُ يحكمُها التجاور، لا التنامي، إنها بُنى متجاورة، لا بُنى متداخلة، ولهذا فهي لا تحللُ واقعاً، بقدر ما تتناثر فيه وتتلمس أشياءَ من تفكيره الذكوري الديني السحري الغالب ومشاعره المتلذذة بالحياة وصوره الطبيعية والاجتماعية المتناثرة.

حين نأخذ الليالي الأُول نجدُ الرواةَ يقصون عن شهوات جنسية حادة للبشر، وتحولات مسوخية للشخوص. الرابط الأساسي لحكايات شهريار- شهرزاد، يفضي لحكاياتٍ متتالية لا يربطها رابطٌ عضوي بما سبق، لكن قانونَ العجائبية يحكمُ السابقَ واللاحق، وحكايات البشر- المسوخ تتعدد: فحين قتل التاجرُ ابنَ الجني بقذفِ نواةٍ بعد أكل الثمرة، ظهر له الجني الأبُ وقرر قتله. إنها عجائبية مزدوجة، وحين ينتظر التاجرُ العقابَ يتصاعد التوترُ القصصي المشوق، حتى يظهر الجني للتاجر ويضعه في مكان البؤرة التي يحتشدُ فيها التنامي القصصي، مثلما هي بقعةٌ مسكونةٌ كذلك، فتتالى القصصُ من الرجال الثلاثة الذين يريدون وقف عقاب الجني للرجل الواقف على شعرة الموت، ويقدم كل واحد فيهم قصة عجيبة ويكشف الستار عن الحيوان الذي معه فيظهر انه إنسان، والجني لم يوقفه شيء ويدع العقاب سوى عبر الحكايات العجيبة التي هي البطل الأكبر، ونجد أصحاب القوى السحرية في أمكنتهم يحولون البشر إلى مسوخ، أو ليعيدوهم إلى الحالة الإنسانية السوية، ولا تتطورُ الأحداثُ تطوراتٍ مذهلةٍ من دون هذه الخوارق، لكنها لا تفضي لشيءٍ عميق كذلك، والبناءُ الاجتماعي الذين عبروه يبقى غرائبيا مليئا بالشر والخير والتقلبات والمغامرات ولا سبيل للسيطرة عليه. النقد الضمني الموجه للأشرار هو أنهم خرقوا العشرة الإنسانية وأنتابهم الحسد، حين حسد الاخوة أخاهم وغدروا به، أو حين خانت الزوجة الأمانة وهي علل بسيطة لا ترقى لجذور مشكلات المجتمع لأن الليالي هدفها تقديم القصص المدهشة المسلية وبعض العروض الكثيرة عن الحياة.

في قصة السندباد البحري مغامرات بحرية كثيرة، عبر جزر آسيا، وتقودُ كل رحلة إلى سلسلة من المغامرات واللقاءات مع حيوانات غريبة وطيور عملاقة وبشر أقرب للسحرة، وبشر من أكلة اللحوم البشرية، وتحدث لقاءاتٌ مع شعوبٍ ذات عادات قديمة رهيبة، كالبشر الذين يدفنون زوجاتهم أو أزواجهم في حالة موت أحدهم.

وفي قصة السندباد يمضي البحارة نحو بيضة عملاقة لرخ هائل، فيقومون بكسرها وانتزاع الجنين منها وأكله، فيأتي زوجا الرخ نحوهم للانتقام:

(فجاءت رفيقته وصارا حائمين على المركب يصرخان علينا بصوت أشد من الرعد فصحتُ أنا على الريس والبحرية وقلت لهم ادفعوا المركب واطلبوا السلامة قبل ما نهلك فأسرع الريس وطلع التجار وحل المركب وسرنا في تلك الجزيرة فلما رآنا الرخ سرنا في البحر غاب عنا ساعة من الزمان وقد سرنا واسرعنا في السير بالمركب نريد الخلاص منهما والخروج من أرضهما وإذا هما قد تبعانا واقبلا علينا وفي رجل كل واحد منهما صخرة عظيمة من الجبل فألقى الصخرة التي كانت معه علينا)،(ج3، الليلة رقم 545).

لم تعد اللغةُ مهمةً في حد ذاتها، فقد غدت أداة تصوير وتجسيد الحدث الخارق، فألقت بكل أردية السجع المعوقة لخطواتها في السير القصصي من دون أن تغدو لغة أدبية مميزة ولكن في خضم التطور الأسلوبي هي مهمة، لكنها لم تجعل بؤرتها سوى الحدث المشوق الغريب المتصاعد باستمرار والداخل مع شتى الكائنات في علاقات صراع وتعاون، للمزيد من ظهور الأحداث، لكنها أحداث ولغة سرد لا تراكم هياكل شخوصية أو دلالية عميقة، أو تحفر في الواقع بل هي أشبه بأضواء ملونة تتفجر في الهواء الفني من دون أن تخلف مادة بنائية متآزرة.

إنه بناءُ تجاور الوحدات القصصية وليس اندماجها ونشوء تحولات نوعية عبر هذا التراكم، وهو بسبب وجود الدوائر، فحكايةُ الرابط الرئيسي شهريار- شهرزاد، تظهرُ من خلالهِ دوائر، والدوائرُ تُخرجُ دوائرَ أخرى وأخرى، وتعودُ الدوائر للدائرة الأولى وتنتجُ دوائر أخرى، وكل منها مغلقٌ على ذاته ومنفصلٌ عن غيره.

المبنى المبعثر هو معبرٌ عن مجتمعِ القرون الوسطى المبعثر الوحدات الاجتماعية ولهُ رابطٌ هو الخليفة، ثم من يليه، ولا يقدر الخليفة على صهرِ الوحدات المبعثرة، حتى يتوجه المجتمعُ للتحلل، وتبقى الليالي شاهداً على أشياء من حياته وتصورات أناسه وعلاقاتهم، وكيف سيطر السحرُ عليهم، تعبيراً عن عدم قدرتهم على صناعة المجتمع بشكل تحديثي عقلاني. تعددتْ الرؤى حول ألف ليلة وليلة، وغدتْ كتاباً مرفوضاً لدى البعض، فيما اعتبرهُ آخرون كتاب تسلية وتقول الباحثة سهير القلماوي إن مُقدمَ الكتاب (نصَّ منذ البداية على أن للكتاب غاية هي أن يزدجر القارئ ويعتبرُ بما حصل لغيره، ويكرر القصاصُ تلك العبارة في قصص كثير لو تأمله القارئ قليلاً ما وجدَ عبرةً حقة، وإن قصص الليالي قصص تسلية ولهو لا قصص جد وسياسة)، من كتابها ألف ليلة وليلة.

فيما يرى الباحث السوري أبوعلي ياسين في كتابه (خير الزاد في حكايات شهر زاد) أن القصصَ أُنشئتْ للسلوان والعبرة معاً ويدلل على أفكارِها في كتابه العميق الواسع والمرصود لرؤية موضوعات الليالي وكيفية التعبير فيه.

وهناك كاتباتٌ عربيات طالبن بوقف نشر هذا الكتاب لما فيه من تجنٍّ على النساء وتحقير لمكانتهن.

وهناك أدباءٌ عالميون كثيرون في الغرب والشرق اعتبروه تحفة من تحف الإنسانية الفنية الخالدة كما هو حال الكاتب الأمريكي اللاتيني بورخيس الذي لديه تحفٌ من المقالات، والقصص كذلك عن ألف ليلة.

الكتابُ يعبرُ عن مرحلةِ ما قبل الرواية الحديثة، وتشكل كذروةٍ لتطور فن القصة عند العرب، بعد عدة قرون من المحاولات والتراكم، فتأثروا ونقلوا من الأمم الأخرى وصاغه كتابٌ مجهولون لم يعرفوا من قبل كيفية تأليف الملحمة الروائية، العصرية، حيث تسود الروايةُ عن الماضي فقط، ففيه وحده العبرة في تصورهم، لكن كتاب الليالي هو كتابٌ معاصر لزمنه، يراوغُ ويقول إنه كتاب عن الماضي ولهذا ينقل حكايات أبطال زمنه، متقطعين، متناثرين، يستلُ حكاياتهم من دون ترتيب، أو بناء متنام، أو يتبع ترتيباً خاصاً، فسيلانُهُ عفو الخاطر، ومن هنا فلا يحللُ عصراً كما يحدث لاحقاً، أو يسعى لغاياتٍ مسبقة، بل تتناثرُ القصصُ وتُجمعُ من مصادر شتى، وتُحشر في ذلك الهيكل العام الذي هو قصة شهرزاد ؟ شهريار.

ومن هنا فالحكاياتُ تذمُ النساءَ في مكان وتمدحهن قليلاً في مكان آخر، وتعرضُ العاملين البسطاء والملوك والأغنياء، هدفها التسلية ولكن في هذه العروض المسلية هناك تصوير، وهناك إراداتٌ سلبية كثيرةٌ خاضعة لما تسميه القضاء والقدر وهو الحراكُ التاريخي غيرُ المعروض والمجسدُ في الليالي الذي يحولُ البشرَ إلى فلين كثير طافحٍ على نهر الحياة الغامض، والنهرُ مُركبٌ من سطح الحياة العادي، ومن أعماق سحيقةٍ مليئة بالجان والعفاريت، وعلى السطح تجري مغامراتٌ لا تتوقف، الكثير من خيوطها موجود في تلك الأعماق. في قصة السمكات الأربع الموجودة في الليالي الأُوَلِ التي يجلبها صيادٌ فقيرٌ ويحصلُ بسببها على رزق من حاكم القصر، وتتعرضُ هذه السمكات للقلي، لكن يجيءُ سحرةٌ يثقبون الجدرانَ أو يقلبون الأرضَ ويحولون السمكات المقليات إلى فحم محترق. ويُذهلُ الملكُ من استمرار هذه الأعجوبة في قصره، ويقوم بالبحث عن السر عبر مطولةٍ حكائيةٍ خلاصتها أن هذه السمكات الأربع هن عبدة الأديان الأربع في المملكة وهي الأديان الإسلامية والمسيحية واليهودية والمجوسية.

إن ثمة ساحرةً قلبتْ حبيبَها إلى حجر وحولت رجلاً أسود إلى عشيق، وخربت المدينةَ بسكانها فتحول أهلها إلى أنواع من الأسماك.

القصة هنا كشفتْ تعددية الأديان وبقاءها، عبر عجائبية قصصية لا تعبرُ عن شيء عميق، فيما كانت العلاقات بين الأديان مختلفة، وتطوراتها تجري في سياقات أخرى، الحكايات أخذت فقط الظاهر العياني رغم أن موضوعها يتسمُ بالغرابة والجدة والتعبير الفني بالمذهل.

إن الوجودَ يجري بلا سببيات مترابطة، والوعي الفلسفي في ذلك الوقت مثل مثله الليالي، يحيل تطورات المجتمعات إلى سببياتٍ ميتافزيقية وغيبية، ويعتبرُ الفلاسفةُ والدينيون المتأثرون بهم أن الأحداث تجري من خلال النجوم والكواكب والأرواح، وهي التي تحرك الحياة وتخمد جذوتها.

ولهذا فإن راوي الليالي ليس من قدرته أن يوسع حضورَ الواقعي والمرئي والإنساني، ولا من قدرته أن يجدَ الأسبابَ لهذا الحراك، والصلات بين الأحداث والظروف، وهو يعيش القدرية والغيبية، ويقتطعُ من ظواهر الحياة أشياء يربطها بخياله ويجعل منها مغامرات مثيرة ويبث أفكاره الشعارية عن القَدر والحياة والنساء.

ومن حالاتِ وذكريات الأسفار وبعضِ خيوط الغرابة يحيلُها لقصص مذهلة عن الجزر والأسماك والطيور والحيوانات المتكلمة، ومن أخبار الخلافة الشهيرة العباسية يصنع حكايات ونوادر، وهي الخلافة القريبة من زمنه المؤثرة عليه لاتزال، ومن مرئياتهِ ونوادر زمنه ينشىءُ طرائف وحكايات، ويأتي رواةٌ آخرون ويضيفون المزيدَ من الحكايات بنفس منهج العجائبية.

وقصدُهُ أن يبهر سامعيه وهو يدعوهم للمتابعة، وتغدو لغاته بين المحكي والفصيح، يعتمدُ على النثر غير الأدبي ويمزجهُ بأبياتٍ قد تكون مناسبة وقد لا تكون، ويصير الأدب الشفاهي مكتوباً، والمكتوب مقروءاً، والمحلي عالمياً.

ولا بد أن تكون الحكاية العجيبة هي محور العمل كله، والمغذية لفعل الشخصيات، وأساس تسليتهم، وحضورهم، ومشاركتهم، وهي ذات وجهين إيجابي وسلبي، فهي كما تنوم الأطفال تنومُ الكبارَ أحياناً، فيشاركون في العالم الخرافي، وآرائه عن النساء والوجود ويبثونها في الحياة ينومون الناس، أو يرفضونه ويشطبونه باعتباره أدباً منحلاً أو متخلفاً، وهناك الباحثون والقراء الأدباء الذين يقرأون الليالي في ضوء زمنها، ومستوى فنه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فصل من كتاب: تطور الأنواع الأدبية العربية

مصادر:

(1):(راجع تحليلنا المطول لفكر ابن المقفع في كتابنا (الاتجاهات المثالية، جزء2،فصل، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ص 407 – 434).

(2): (البخلاء ، ص 11).

(3):(المصدر السابق، ص 18).

(4): (المصدر السابق ، ص ).

(5):(الاتجاهات المثالية ،  مصدر سابق ، فصل الاعتزال ، ج 3 ،  ص 77).

(6):(البيان والتبيين ، جز3 ، دار ومكتبة الهلال ، بيروت ، ص 20).

(7):(مثالب الوزيرين ، أخلاق الصاحب بن عباد وابن العميد، أبي حيان التوحيدي ، دار الفكر – سوريا ، ط2).

(8) :(9)، (10)، (11)، (12)، (13)، (14)، (15)، (16)، (17)، (18)، (19)، (20)، (21) : (نفس المصدر ص 83، 83، 36، 37، 41، 41، 43، 45، 47،67، 94، 100، 94.

(22):(الإمتاع والمؤانسة ، أبوحيان التوحيدي).

(23):(المقابسات ، أبو حيان التوحيدي ، المقابسة الأولى).

(24): (مقامات بديع الزمان الهمذاني، دار الكتب العلمية، ص7).

(25): (المصدر السابق ، ص 9).

(26): (المصدر السابق ، ص 22) .

(27):( المصدر السابق ، ص 122).

(28):( المصدر السابق ، نفس الصفحة ، الهامش).

(29): ( المصدر السابق ، ص 130).

(30):(مقامات الحريري ، الحريري، دار الشمال للطباعة والنشر والتوزيع، طرابلس لبنان، ط1، ص 32).

(31) : (المصدر السابق ، نفس الصفحة).

(32): (المصدر السابق ، ص 32 – 33).

(33): ( المصدر السابق ، ص 34).

(34): (المصدر السابق ، ص 35 – 36).

(35): (المصدر السابق ، ص 51).

(36): (يشير الباحث عبدالفتاح كليليطو إلى كون هذه العناصر خاصة الميثولوجية مقصودة ، انظر الغائب ، دراسة في مقامة الحريري ، دار توبقال للنشر ، ط 2).

(37):(المقامات ص 51).

(38):(المصدر السابق ، ص 49).

(39): من مقدمة المصدر السابق ، ص 18).

(40):(الزير سالم ، مؤسسة المعارف ، بيروت ، ط1977 ، ص 43).

(41): (المصدر السابق ، ص 47 – 48).

(42): (المصدر السابق ، ص 118).

 (43):(ألف ليلة وليلة، الجزء الثالث، الليلة رقم 545).