فيلم كارل ماركس الشاب
على الرابط أدناه
https://drive.google.com/file/d/12LZ4t48YiTqfZB_ak4ClkDU8EvQZ8Zmx/view?usp=drivesdk
فيلم كارل ماركس الشاب
على الرابط أدناه
https://drive.google.com/file/d/12LZ4t48YiTqfZB_ak4ClkDU8EvQZ8Zmx/view?usp=drivesdk
لم ترفض التغييراتُ العالمية التي جرت في القرن العشرين الاشتراكيةَ كحلم وكبرنامج إنساني لتحقيق فرص عيش جيدة للعاملين. بل كانت التغييرات متوجهة ضد حكم شمولي سياسي، وعدم نزول جمهور الدول الاشتراكية السابقة إلى الشوارع دفاعاً عن الفراديس المفقودة هو جزء من وعي حكيم تشكل لدى هذه الشعوب التي اختبرت بقسوة ماذا تعني عملية سيطرة البوليس على الحياة السياسية والاجتماعية، فهي تفضل عيشاً رديئاً وفيه صعوبات كثيرة على صعود قلة قليلة متفردة إلى السلطة وسيطرتها على كل خلايا الحياة الاجتماعية، من دور الحضانة حتى الجامعات.
صحيحٌ ان الدول (الاشتراكية) قدمت تجربة ثمينة للبشرية في سرعة التطور وفي القضاء على الفقر المدقع وفي الإصلاح الزراعي وقامت بقفزات في التصنيع والتعليم في ظرف زمني قياسي، إلا أن مسائل الحرية الشخصية والفكرية والسياسية المفقودة كانت تشوه تلك الإنجازات، وقادت إلى تقديم ضحايا كثيرين لم يكن ثمة حاجة للتضحية بهم، إلا بسبب التسلط الفردي والحكومي. ولهذا فإن الشعوب الشرقية لا تتسرع في تقديم الاشتراكيين إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع إلا إذا أثبتوا إخلاصاً للديمقراطية، وتخلصوا من نزعة التسلط، وقدموا برامج تحويلية لحياة الفقراء والعاملين. رغم إن هذه الشعوب تعاني الكثير من الأزمات الاقتصادية ومن عودة الفقر المدقع في بعض القطاعات وتدهور الثقافة الخ..، لكنها مع ذلك تفضل الحريات التي اكتسبتها على الشبع مع فقدان الحرية، ولا تقودها هذه الأزمات المدقعة إلى اختيار بطل اشتراكي دكتاتوري جديد، بل إن هذا البطل الاشتراكي الشمولي المنقذ غير موجود، ولا أحد يتجرأ على الظهور بلباسه والإدعاء باسمه. إن هذا هو مظهر من الخوف من (الاشتراكيين) والحذر من استيلائهم على السلطة مجدداً، ومن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. إن الأحزاب الاشتراكية التي عادت إلى السلطة في العديد من الدول الاشتراكية السابقة كبولندا، التي طردت الزعيم (النقابي) ليخ فاليسا من رئاسة الجمهورية، استطاعت في ظرف قياسي أن تجدد خلاياها السياسية والفكرية، وقبلت بالأنظمة الديمقراطية، فأدت الوسائل البرلمانية والحريات المختلفة إلى تخلصها من الفاسدين والانتهازيين، الذين سيطروا على شرايينها حين كانوا في السلطة المطلقة. لكن التجديد الديمقراطي العميق للاشتراكية سيحتاج إلى وقت طويل لكي يثبت نجاحه، فهو بحاجة أن يكون تجديداً فكرياً خلاقاً للتقدميين الذي تجمدوا في احتكارهم للسلطة، وأن يرتبط بالتضحيات الكبيرة لأعضاء الأحزاب في ميادين السلوك والعمل والإنتاج والعلوم. فإذا لم تستطع هذه الأحزاب تقديم نتاج كبير في تطوير الاقتصاد والتعليم والخدمات الخ..وسبقتها الأحزاب الليبرالية في ذلك فإن الأخيرة هي التي ستدير السلطة، وعليها أن تتعلم منها، وتكتشف نواقصها وتعود إلى السلطة بهذه الخبرة وبهذه الأعمال المتقدمة في شتى حقول العمل. إن الديمقراطية هي المدرسة الكبرى لتتعلم الأحزاب الاشتراكية كيف تصير اشتراكية، فليس باللافتات تتشكل الاشتراكية، بل بالقدرة على الاقتراب من تثوير الإنتاج والعلوم والسلوك البشري، لتغدو ثمار المصانع والمزارع ملكاً للناس. إن هذه العملية الطويلة هي التي ستخلق الاشتراكية، فالقضاء على الأنانية الفردية والاجتماعية طريق طويل جداً، قد يستمر مئات السنين، ولا تستطيع أن تخلق الاشتراكية أدوات العنف وقوى القهر، بل قوى التضحية والإنتاج.
في الكرة الأرضية لا يوجد سوى مشروعين للحداثة، الأول هو المشروعُ الرأسمالي والآخر هو المشروعُ الاشتراكي.
لأن العالمَ الحديث يعتمد على البرجوازية والعمال في إنتاجِ الثروة والتصنيع والتقدم، ولا توجد قوةٌ أخرى تفعلُ ذلك المدى من التقدم الحديث.
وكلٌ منهما في العالم الرأسمالي المتطور لديه قواعد اقتصادية واجتماعية كبيرة وتاريخ.
أما في العالم المتخلف فليستا هما موجودتين بشكلٍ واسعٍ يتيحُ لهما إنتاج هذين المشروعين.
وقد حلت محلهما الدولُ برأسمالياتها الحكومية وهو مشروعٌ رجراجٌ ضعيفٌ يتدهورُ فهو لا هو مع مشروعِ الحداثة الرأسمالية ولا هو مع مشروعِ الحداثة الاشتراكية!
ومع رجرجةِ مشروع الرأسماليات الحكومية المتذبذبة بين الإقطاع والرأسمالية، بين التخلف وجلب بعض مظاهر الحداثة، ضاعَ التطورُ في متاهاتِ البيروقراطية التي صارتْ رأسمالياتٍ في الباطن، وتغذي رأسمالياتٍ متخلفةً، خوفاً من الحداثةِ الرأسماليةِ الكاشفةِ لتلاعباتِها في الأموال واحتكارها للسلطة، واعتماد أسس مختلفة في الزواج والعلاقة بالنساء وبالشعوب!
أي إنشاء حداثة الحصص المجزأة، والمراحل المنهكة للميزانيات وللشعوبِ لتأتي في الجيوب، وبديمقراطية العائلات الأصيلة والمذاهب المرفوعة لقمم السيادة السياسية، وبالسماحِ للحراميةِ السياسيين والدينيين بالبقاءِ الأبدي!
فجاء الأسوأ وهو القوى الطائفية التي تنطعتْ لقيادةِ الشرق للوراء، ورفض الخيارين الرأسمالي الحديث والاشتراكي، طارحةً العودةَ للإقطاع الكامل، وحكم شيوخ الدين – الدنيا، أي رأسماليات الظلمات، وإبادةِ الحداثةِ عن بكرةِ أبيها، وبالتعامل مع النساء كدجاحِ بيوتٍ مسالم ومعدٍ للذبح في أي شهوة، وهدم البلدان الشرقية وخاصة الإسلامية فما بقي منها بلدٌ لم يتمزقْ بين حكومةٍ في الداخل ومعارضةٍ في الخارج أو معارضةٍ معتقلة في الداخل كذلك، وحروبُ العصاباتِ والطوائفِ تشتعلُ بين ليلة ونهار!
تشكلتْ هذه فوق تجارب قومية ووطنية ناقصة وفي ظل دكتاتورياتٍ دموية جعلتْ الناسَ يقفزون رعباً إلى ظلامِ الماضي ودياجيره الارهابية!
في مثل هذه المراوحة السياسية، تاه المثقفون وانقلبوا على اطروحاتهم، وتشقلبوا كمهرجين في سيركٍ فكري مفتوح، فهناك فريقٌ كبير يظلُ يراوحُ بين مشروعِ التخلف – الطائفية وبين مشروع الحداثة، خاصة في قضايا السياسة والثقافة والفكر والأدب، فهو يناور لا يعلنُ صراحةً انتماءه لمشروعِ الحداثةِ المعروفِ بقسماتهِ الفكرية الجوهرية الصارمة، خاصة ان مشروع الشرق يظل في دائرةِ المشروع الرأسمالي التحديثي الممكن تحقيقه، غير قادر على تجاوزه لمشروع الحداثة الاشتراكي الذي هو من نصيبِ الغربِ المتطورِ الذي أنهكتهُ الرأسمالية، فهذا المشروعُ يعبرُ عن ظروف الشرق المتخلفة، ومستواه، وهو المشروعُ الممكن الذي يقدرُ على تجميعِ القوى الحكوميةِ والدينيةِ والقوى السياسية المعارضة بمختلفِ تشكيلاتِها، لكن عبرَ تجاوز احتكارِها للدينِ والسلطة والحقيقة!
وهو يكونُ خاصةً من القوى ذاتِ المواردِ طبقةً من الممكن أن تتعاونَ وتنفذَ مشروعاتٍ مشتركة، لكن هذا يغدو خيالاً سياسياً من دون صراعٍ متعددِ الأشكال مع كل قوى الماضي ونصف الماضي وقوى الحداثة الزائفة والمتلاعبة بين المعسكرات للحصول على غنائم مؤقتة، وبأنها لا بد أن تتعاون وتلقي المكاسب المؤقتة المنهارة، وأن تتخلى عن خداع الجماهير المتخلفة، فهذه الجماهير لن تبقى متخلفة إلى الأبد، ولابد أن تسلك طريق الحداثة الرأسمالي الغربي، بدلاً من تضييعِ التاريخ والجهود والثروات.
وهذه أسئلةٌ ونقاطٌ فكريةٌ جوهريةٌ لابد من إدخال تحليلاتها في قضايا الفكر والثقافة، ونقد هذه العودة للغيبيات والأشكال الأدبية العتيقة وتردد الكتاب بين الطائفية والوطنية، ورفضهم للعقلانية، وارتدائهم عباءات الأساطير المليئة بالرماد والتراب، وخوفهم من النقد وتعميق أدواته في تحليل الواقع، واهتمامهم بالمكاسب الشخصية، فهم يتلاعبون بالنماذج الكونية التي غدتْ معاييرَ للسلوك الأخلاقي في جعجعاتٍ رديئةِ الكتابة ذات ادعاءات فارغة مفضوحة ومستهجنة.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة : ظهور المادية الجدلية (الديالكتيك)
لم يكن لدى الفلسفات الغربية وهي تخرج من العصر الوسيط الديني المسيحي سوى الاعتماد على فلسفة أرسطو مادةً ومنهجا، وكانت التطورات الصناعية والتحولات المختلفة تدفع العلوم نحو استيعاب مختلف للحركة، وقد قام ديكارت ونيوتن بطرح مفهوم جديد للحركة هو الفلسفة الميكانيكية، وقد رأينا الفلسفة العربية الإسلامية السابقة وهي تستعين بمنهج أرسطو ذاته ورؤيته لفهم الحركة فكان أقصى جهد لها هو فهم حركة الأجسام في المكان.
ولكن الأدوات والمعلومات التي توفرت في العصر الأوروبي الجديد، التي قام بها غاليلو وكوبرنيكس وغيرهما من العلماء أتاحت فهم حركة الكواكب والشمس بطريقة مختلفة عن السائد في العصر القديم، مما جعل ميكانيكا فهم الأجسام الكبيرة تسيطر على الوعي العام بالحركة. وقد تمظهرت هذه لدى نيوتن بقوانين الجاذبية. وحددت هذه الفلسفة ميكانيكا الأجسام عموماً حيث الحركة في المكان- الزمان تقوم على قوانين مادية محضة، أي قوانين من داخل المادة، ولكن الداخل هنا بمعنى حركة الأشياء، فظل التناقض المادي الجسمي الخارجي الآلي هو المسيطر على فهم هذه الحركة الأبدية العامة، لكن كان لا بد من وجود مصدر لظهور هذه الحركة فكان الإله. وهنا تتآلف الفلسفة الميكانيكية مع الدين بإعطائه إشارة خلق الساعة الكونية، وتوقيتها، وربما إنهائها، لكنها كذلك تفصل الحركة عن عمليات خلق الكون الغيبية، وأدى طرحها بأن الشمس مركز المجموعة الشمسية وتكون المجموعة من سديم، إلى توجه العلوم نحو إعادة النظر في المعطيات الفكرية الأرسطية بشأن مصدر الحركة وبشأن الطبقات السفلى من تاريخ الكون والمادة، وبالتالي يفتح الآفاق لقراءة الظاهرات المادية الصغرى والمواد والكائنات المختلفة.
وهكذا فإن الفلسفة الميكانيكية وهي تنشئُ العلومَ الحديثة كانت تتعرضُ هي نفسها للزوال. فهذه الفلسفة الميكانيكية بتطبيقها على مجالات الحركة في أجسام أصغر، وظاهرات ذات تحولات مركبة كعمر طبقات الأرض وكيفية احتراق المواد وكيفية ظهور أنواع الأحياء لم تستطع أن تصنع إجابات علمية. كان تطبيقها على هذه الظاهرات يقوم على إرجاع عنصر التحول إلى عوامل خارجية وإلى غازات غير محددة، لكن تطورَ الصناعة الكبير كان يخضع هذه المواد المجهولة إلى الكشف، فغدت عوامل تحول المادة الفيزيائية والكيميائية تقوم على الذرات والجزيئيات الداخلية، وبدا يظهر أن المادة تتحول إلى طاقة والطاقة تتحول إلى مادة، وان قانون بقاء المادة قانون علمي أساسي.
أظهرت الجيولوجيا أن طبقات الأرض لها تحولات طويلة وأنها لا تتوقف عن الحركة. المواد كعناصر محددة تكشفت وظهر لتكوينها ولتمازجها قوانين محددة. تم اكتشاف تطور الخلية الحية، وأن أنواع الأحياء نتاج تطور تاريخي طويل.
إن كل أنواع الحركة هذه مغاير للحركة الميكانيكية وقوانينها، وكان ذلك يستدعي قيام فلسفة جديدة، تكشفُ الطبيعةَ المعقدة المركبة للحركة وأنواعها في كل أقسام العلوم الطبيعية والاجتماعية كذلك، والأخيرة قد دخلها زلزال التحول أيضا، وكان ظهور فلسفة جديدة يستدعي تفكيك الارتباط بين الفلسفة الميكانيكية والدين، ولكن أخذت المعضلة هذه تتعقد مع ارتباطها بالصراعات الفكرية والسياسية، حيث يلعب الدين التقليدي دوراً محوريا.
إن كشف أنواع الحركة في الأجسام الطبيعية من داخلها، وهو أمر يتناقض مع الفكر الديني التقليدي حيث الحركات قادمة من الغيب، قد ترافق مع تفكيك السلطات الدكتاتورية الدينية والسياسية، فأخذ «الشعب» ينتزع السلطات وراح المنورون يجدون في البناء الاجتماعي قوانين تطوره الداخلية بمعزل عن المؤثرات الخارجية الغيبية.
إن تركيز السلطة في البرلمان هو أشبه باكتشاف قوانين الحركة في المادة، والمادة هذه الكينونة المحتقرة من قبل الفلسفة الأرسطية والدينية السابقة غدت هي بؤرة الوجود.
إن رؤية أسباب التحولات داخل المادة الطبيعية والاجتماعية والبشرية، كان يعني صراعاً طبقياً بين المنتصرين على الإقطاع السياسي- الديني الحاكم، فقد ظهر جناحان للمنتصرين، الجناح البرجوازي الذي آلت السلطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إليه، والجمهور العمالي الذي كان عليه أن يعمل بشكل شاق وفي ظروف متدنية من أجل أن تنتصر وتحكم البرجوازية.
لهذا فإن هذا الانقسام الطبقي انعكس على فهم الحركة وفهم الفلسفة، وأخذت القوى البرجوازية تتحالف مع الأقسام الثقافية الدينية والمثقفين التقنيين من أجل إعادة صياغة الفلسفة بحيث تتوارى لغتها الثورية السابقة، ويتم كشف الحركة في المادة، من أجل أن تستمر العلوم الطبيعية والمصانع، دون أن يكون لهذا الكشف دلالات على الصراع الطبقي الدائر.
بدأت هذه الحركة الارتدادية التقنية الفلسفية في البلد الذي انتصرت فيه البرجوازية أولاً وهو إنجلترا، فظهر جان لوك وديفيد هيوم وجون ستيوارت ميل وصاغوا فلسفةً تعتمد على إنكار وجود قوانين موضوعية في المادة، المستقلة عن الوعي، بل قالوا انه لا يوجد سوى الحس البشري وهو الذي يدرك، والعملية العلمية تدور في مجال هذا الحس فقط، وما هو خارجه ليس في بؤرة الوعي. وعضدت ألمانيا هذه الفلسفة لأسباب تاريخية، فالبرجوازية كانت متخلفة عن قريناتها في البلدان الأوربية الأخرى، وقد ساندت الإقطاع البروسي العسكري، فتأسست فيها فلسفاتٌ متضادة كثيرا، منها الكانتية ومؤسسها عمانويل كانت وهو نفسه العالم الذي اكتشف السديم في المجرة وطرح تصوراً لكيفية نمو المجموعة الشمسية، حيث ركز هو الآخر على كون المعرفة حسية بدرجة أولى، ولكنه أكد موضوعية المعرفة وطرائق الوصول إليها، دون الوصول الكلي للحقيقة لأنه ستبقى أجزاء من الظاهرات خارج الكشف. أما الفلسفات المادية والجدلية فقد تنامت هي الأخرى في ألمانيا، فظهر الجدل لدى هيجل، ولكن جدل هيجل مبنيٌ على كون الفكرة المطلقة أو الروح هي التي تقومُ بالحركة، فهي فكرة مطلقة غيبية لكنها في حركة تالية تتحد بالطبيعة وفي حركة ثالثة تتحد بالعقل، وهذه التحولات الثلاثة تشير إلى حركة الفئات الوسطى الألمانية عبر منظور هيجل المتواري، حيث تنفصل عن الفكر الديني والسلطة المطلقة وتتحد بالمادة الطبيعية والفكرية، ثم تتوجُ في العقل الذي هو أيضاً الدولة البروسية!
إن الفئات الوسطى بالمنظور الهيجلي استطاعت أن تنفصل عن الدولة- الدين ولكن ليس بشكل كلي، فتتمظهر في حركة «الروح». وهذا أسلوب فلسفي يوناني وشرقي قديم. ولكن ما يهم هنا هو طريقة الروح في التحول عبر موقف أول الذي يتم تجاوزه في حركة نفي مضادة، لأن الروح تعيش حالة صراع وتناقض، فتحل حالةُ تركيبٍ وتجاوز للنقيضين في موقف جديد، ولكن الموقف الجديد يستتبع وجود تناقض آخر يؤدي إلى حركة جديدة وهكذا. هذا المنهج الجدلي كان اختراعاً ألمانيا، أي ظهر في حالة ألمانيا الإقطاعية المتخلفة عن برجوازيات التحول الكبرى، وفي وجود الفئات الوسطى التي لم تتشكلْ كطبقةٍ قيادية، ومن هنا فالجدل يظهرُ في شكلٍ ديني مثالي موضوعي، فهناك الفكرةُ المطلقة أو الروح وهي المعبرة عن الطبقات العليا المسيطرة، لكنها تلتحم بالطبيعة والمادة المعبرة عن الطبقات الشعبية، وفي هذا السديم الفكري الاجتماعي، المعبر عن حالة ألمانيا القلقة، تدور فلسفةُ هيجل، منهجها الجدلي ثوري، وغلافها الفكري محافظ، وبين الثلاثينيات والأربعينيات من تاريخ ألمانيا وأوروبا في القرن التاسع عشر، تنفجرُ ألمانيا وتنفجر فلسفة هيجل معاً!
لم تحصل ألمانيا على فرصة تاريخية مطولة كي تشكل تحولها الديمقراطي، والبرجوازية تمشي في حضانة عسكرية من قبل الدولة، وجاء هيجل بجدله التحولي ليطرح منهجاً مهماً في فهم وتفعيل الحركة على مختلف الأصعدة، فانتقلت قيادة الحركة الاجتماعية إلى الفئات البرجوازية الصغيرة، ومنها ظهر فورباخ بماديته النافية لمثالية هيجل، وظهر اليسار الهيجلي، وهي قوى حاولت دفع البرجوازية لكي تنقض على الإقطاع دون فائدة.
وهذا هو ميلاد الماركسية. تشكلت في لحظتها الأولية تلك كنقيض للطبقتين الإقطاعية والبرجوازية معا. أي اندفعت نحو العمال كملاذ أخير من الجمود السياسي الاجتماعي. وهنا كانت أشبه بصرخة سياسية أكثر منها علما. ومن هذه الصرخات سوف يرى لينين الماركسية. وهذه القضية ستبقى مشكلة كونية للبلدان المتخلفة عن البلدان المتقدمة ولرغبتها القومية الحادة في اللحاق بالمتقدمين.
كانت عقلية «البيان الشيوعي» المكتوب من قبل ماركس وإنجلز تطرح تصوراً كونياً لقرون قادمة وليس لحل إشكاليات الصراع الطبقي الراهن في ألمانيا نفسها، فكانت ألمانيا بحاجة إلى تشكيل تحالف برجوازي- عمالي يبعد القوى الإقطاعية العسكرية المتطرفة عن السلطة وليس لإزاحة البرجوازية التي لم تكن تحكم!
إن لغة المثقفين المنتمين للبرجوازية الصغيرة يسقطون هنا وعيهم السياسي التحويلي على الواقع الموضوعي فيطرحون مهمات غير ممكنة سياسيا، في إطار إيديولوجي مُسقط، وبطبيعة الحال يطرحون ذلك كصوت للطبقة العاملة، وهذا على المدى التاريخي صحيح، لكنه في الواقع الراهن غير واقعي، وتداخل المدى التاريخي واللحظات السياسية الراهنة، بمهماتها العملية الكبيرة، لا يتطابق ويتداخل بصورة جدلية، فهيمنة الطبقات العاملة تتم بعد قرون من التراكم السياسي والاقتصادي والثقافي لكنها كمهمة مرحلية غير ممكنة. وترتبت على لغة أقصى اليسار بمظاهرها الاجتماعية وثورتها هذه توجه البرجوازية الألمانية نحو أقصى اليمين، كذلك فإن ذهاب ماركس- أنجلز للعيش في إنجلترا أضفى على لغتهما الثورية العاطفية الألمانية بعداً أكثر موضوعية، وبدأت عمليات الاكتشاف العلمي العميقة للرأسمالية والعلوم، التي حصيلتها كتب موسوعية مثل «رأس المال» و«جدل الطبيعة» وغيرهما، لكن الاستنتاجات ظلت في الإطار التاريخي العام وليس داخل صراعات البنى الرأسمالية الوطنية بمختلف مستوياتها وليس البحث كذلك في كيفية التغلب على الدوائر المتطرفة سياسياً وفكريا.
إن انتصار البرجوازيات الكبيرة في الأقطار الرأسمالية الرئيسية تحقق بفضل انتصار أسلوب الإنتاج الرأسمالي وتوسعه العالمي وتدفق فيوضه على الفئات المالكة والوسطى، وأعطت ألمانيا نموذج الجمع بين الفكر الإقطاعي السابق والفكر البرجوازي التابع فكان الجمع بين أشكال الفكر الدينية والصوفية واللاعقلانية وبين أشكال من العقل والليبرالية المحدودة والمهيمن عليها وهي الثقافة البرجوازية- الإقطاعية الهجينة التي ترتبت على قيام البروسية البسمركية في السيطرة على البرجوازية الخاضعة. ومن هنا رأينا ألمانيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهي تتخلى عن الجدل الهيجلي وتروجُ فيها الكانتية والكانتية الجديدة والوضعية المنطقية والتجريبية. يقول جورج لوكاش: «إن جدل هيجل حين يحاول السيطرة على هذه المسائل في منظور تاريخي، هو ذروة الفلسفة البرجوازية. إنه يمثل أقوى مشروع حاولته للتغلب على هذه المعضلات الجديدة: محاولة صهر طريقة قادرة على ضمان الفكر الإنساني كاقتراب لا محدود وانعكاس للواقع بالواقع نفسه»، «تحطيم العقل، جزء 1، ص 76 – 77».
إن مشروع هيجل يظل مشروع فئات برجوازية لم تتشكل كطبقة قائدة لعملية التحول، ولهذا هو مفكّكٌ بين منهج جديد وبناء تقليدي، وتخلي هذه الفئات عن الجدل واتجاهها للعلموية الوضعية، لكشف المادة الجزئية المحدودة المنقطعة عن قوانين بنية المادة الطبيعية والاجتماعية، فهي هنا تمثل البرجوازية التي تدير المصانع المحتاجة للتقنية، في حين أن اتجاهها للاعقلانية والصوفية وفلسفات الحياة هي للسيطرة على الوعي العام وإدارة الدولة والمجتمع، وهذا الانقسام بين وضعية علموية تجريبية وكانتية وبين فلسفة الحياة المتجهة للفاشية، جانبان يتكاملان يعبران عن هذا التزاوج الإقطاعي- البرجوازي وقد تحول إلى طبقة سائدة ذات أصول بروسية عسكرية وبرجوازية نهمة للاستيلاء على المستعمرات.

الوعي والتغيير
تنامت العناصر الديمقراطية في الدولة الإسلامية على مستويي السياسة والوعي بدءًا من العصر الأموي، حيث نفى العديد من المثقفين أفكار الشمولية في الوضع الاجتماعي السياسي والفكر، سواءً بالمطالبة بعودة (الفيء) للناس، أو إزالة هيمنة الخلافة الفردية، وتأكيد حرية الإنسان وتقليص صور الألوهية القدرية على الإرادة العامة، لكن وعي بعض الأفراد من الفئات الوسطى اتجه نحو عروض غيبية للقضايا المطروحة، وعدم الربط بين قضايا المال العام والاستبداد السياسي والمسائل الدينية والفقهية. ولم تتشكل حركات تجمع بين هذه المسائل الفكرية والسياسية المنفصلة لكونها فئات ولم تتشكل كطبقة على أساس صناعي، ويعبر ذلك عن تفكك إرادة الفئات الوسطى والعامة المقامة على إنتاج زراعي يتعرض للتآكل وحِرفي يعيش على بذخ الأغنياء.
لم يكن بإمكان الوعي الديني المثالي التنويري خاصة في علم الكلام المعتزلي أن يشكل تحليلاً لتطور الصراع الاجتماعي، وإستراتيجية موحّدة للفئات الوسطى المنقسمة بين فئاتها وتياراتها، وأن يقرأ الوضع المادي للمجتمع.
إن حركة الأفراد من الفئات الوسطى والشعبية لا تكوّن حركة سياسية اجتماعية عامة، بل تتفكك وتضطرب وتغدو مجردةً، ثم تتشكل عبر فئات دينية مدنية منقسمة ذات مناهج متضادة.
فتسيطر مسائلُ الفقه على المساحة الكبرى من الوعي، فالفقه هو مؤسسُ العبادات والعلاقات المادية والروحية، ضمن مواد الماضي والأحكام الشرعية وتطوراتها المختلفة، حيث يسيطر توجهان، الحكم عبر الرأي والحكم عبر النص السابق.
هو وجود لتيارين مختلفي النمو خاصة حين تزدهر الفئات الوسطى مع تنامي التجارة والأحوال المادية، فيما مدرسة الحديث تعبر عن انكفاء ذلك التطور.
هذا الشكل الأولي من الوعي الذي يكوّن الخريطة الاجتماعية اليومية، والملامح الأولية للأمم الإسلامية في عالمها الأسري والمادي وعلاقاتها السياسية، يعكس مدى التطور الذي تحقق خلال القرنين الهجريين الأولين لكن هذا التطور تلكأ وتوقف ثم حدث تراجع، ولهذا فنصيبُ مدرسة الرأي يتقلص لحساب مدرسة الحديث، كما أن عالم الحرية والقضاء على الاستبداد وإنتاج حياة الرفاهية لا يتحقق، فيظهر شكلٌ آخر من الوعي هو علم الكلام ليقرأ المشكلة.
إن علم الكلام يتشكل من أجل تحليل تلك المواد الأولية من الفقه والتاريخ الإسلامي، ويحدث فيه نفس الانقسام بين وعي يتوجه للتحليل النقدي المطور وتحليل يؤكد المسلمات السائدة.
إن علم الكلام المعتزلي الرائد يرتبط بمقولات الدين ويطرح أفكاراً جزئية فلسفية، تحلل قضايا مثل القدر والحرية والجبر والذرة والإله وصفاته والقرآن وتكوينه، وغيرها من المسائل التي ارتبطت بالوعي المثالي الجزئي، وقد تباين علم الكلام عن الفقه وبدأ في التحليق فوق التحليل المادي للتاريخ، عبر ذبذبة الفئات الوسطى بين النقد الاجتماعي للسلطات السياسية والدينية وبين مسايرتها. تعبر ذروة وأزمة علم الكلام المعتزلي في مسألة خلق القرآن المتأثرة بالطرحين اليهودي والمسيحي عن طفولية الوعي ومثاليته المغامرة وعدم قدرته المفترضة على قراءة القرآن ككتاب نهضوي تحويلي وبالتالي قراءة تطورات الصراعات الاجتماعية العربية، فبدأ هذا العلم مناضلاً وانتهى ذيلياً لقوى النظام المناهضة للحرية والتعددية.
وقد حاولت الفلسفة العربية أن تقرأ الإشكالية ذاتها بأدوات أكثر تطوراً وبغنى فكري أوسع، لكن الفلسفة هي الأخرى ظلت مثالية دينية لا تقرأ سببيات الحياة الاجتماعية والتاريخ لكنها قاربت بعض ذلك لدى ابن رشد وابن خلدون. الأشكال الفكرية من فقه وعلم كلام وفلسفة عبرت عن تكريس الوعي للمحافظة الاجتماعية والانقسامات المذهبية وضعف تنويره وتثويره.
هذا كان مظهراً لعجز الفئات الوسطى والشعبية عن التغيير من داخل المدن، والتغيير كان يحدث دائماً عبر القبائل المسلحة حتى العصر الحديث التي تركز القوة بين يديها، ولهذا ظهرت الثورة العباسية بقيادة الأشراف وقد تغلغلت وسط الجمهور الخراساني الشعبي، وهو الأمر الذي مثّل لحظة تطور مفصلية وأحدث الفترة التحولية الثانية في حياة المسلمين. ثم جاءت التغييرات التفكيكية عبر القبائل المسلحة ولكن للوراء والمؤدية لتدهور أشكال الوعي حتى تسلمت الجيوش الوطنية عمليات التغيير الحديثة في ظل إشكاليات مماثلة وإنجازات متذبذبة أو متدهورة.

إسحاق الشيخ يعقوب في تأبين عبدالله خليفة
يأخذنا الكاتبُ والمناضلُ إسحاق الشيخ يعقوب في عمله (إني أشم رائحة مريم) بجزئيه الأول الصادر سنة 2002، عن دار قرطاس بالكويت، ثم الجزء الثاني عن دار الفارابي سنة 2012 بلبنان، إلى رحلة فكرية سياسية جغرافية تاريخية مفعمة بالصور الشعرية والأحداث عبر نصف قرن من حياة هذا الرجل الذي تفتح بمدينة الجبيل السعودية وساح في الأرض منفياً وكاتباً.
الكاتب ذو رؤية رومانسية ثورية حيث تكونت بدايات وعيه في النصف الأول من القرن العشرين، حيث ولد سنة 1927، وكانت بذور الطبقة العاملة تتكون بسرعة في المنطقة الشرقية من المملكة وتصطدم بتكون ظروف النفط الصعبة الأولى، حيث الأجور المتدنية والعمل التأسيسي الشاق والمستوى المعيشي المتدني والحياة البسيطة، وتتجمع قوى نضالية مشرقية عدة في تلك البقعة وتطرح مشروعات حالمة.
الرؤية الرومانسية للكاتب تتفجر منذ الصفحة الأولى (كان يوماً عاصفاً بالمطر.. ورائحة الأرض.. والرياح تعوي في كبد السماء.. وتمزق ركام السحب شر ممزق).
الجمل القصيرة والنقاط بينها والتداعي يحركها. وهذا المطر العاصف هو هؤلاء الشباب الذين نبتوا في أواخر النصف الأول من القرن العشرين في هذه البيئة البدوية المحافظة فاشرأبوا لإزالة السحب عبر أحدث الموجات السياسية في العالم.
ولم يكتفِ إسحاق الشيخ يعقوب بهذه الأرض البكر سياسياً بل حملَ أفكاره وسط عائلة مهاجرة نازحة من برّ فارس وتنقلت بين قطر واستقرت قليلاً في البحرين ومن ثم نزلت نزلتها الطيبة في الجبيل.
وليس هذا فحسب فالاسم ذاته يشير لهذه الثنائية بين إسحاق التحديثي اليساري والأب الشيخ يعقوب رجل الدين الحنفي الدارس الإسلامي المتنقل بين المعاهد الدينية في تركيا والعراق. والذي تكّون عبر هذه النصوصية الفقهية وكون أسرته وجذورها وتوسعها الاقتصادي الاجتماعي.
هذه الثنائية الاسمية ستكون وعياً يسارياً ينقل أحدث رموز اليسار الشرقي بقممه الشمولية المهيمنة، في حين يقف حذراً من النصوصية الدينية المحافظة، مستثمراً اللغة الأدبية الدينية منها في تحديثيته. وتشيرُ هذه إلى قوة الاكتساح التي تتكون في وعي رومانسي ثوري وقتذاك.
لكن الأم مدار آخر فهي التي تملك روحه الشعبية الشعرية، وروحية الفرسان، والعمل اليدوي: (وكانت مريم التي شبت طفولتها في أحضان الجبال الجنوبية من الأراضي الفارسية في قرية تدعى «كجوه» تبيأت ببيئة جبلية، رجالها ونساؤها على حد سواء ينتزعون قوتَهم من بين أنياب الذئاب والأسود) ص 12،ج.1
تشعلا الأمُ داخلَ العمل السردي الجدالي التنظيري المتنوع هذا، كخيطٍ رومانسي متألق، وكفاعلية شعبية في العمل وكشف الزواحف وحماية الأطفال ونشر قيم الحب والدين، وقد كان الجو الإنساني المتكون ثنائياً من الأب والأم عاملاً مهماً في تكون أبناءٍ انخرط معظمهم في النضال والعمل، وهو جو لم يتكون بسهولة، فأمام تضحيات الزوجة والأم كان الأب يبحث عن زوجات أخريات ويرتبط بهن والأم تصبر وتعاني، وهنا يقوم المؤلف الابن بعرض ذلك بموضوعية فاتنة وحتى بتصوير العلاقات بين الأم والزوجات الأخريات بكل رهافة إنسانية، حتى استطاعت الأم أن تختص بزوجها لوحدها من دون تعدٍّ على أحد.
ينساب إسحاق الشيخ كمؤلف في هذا الدفق الشعري العائلي ثم في ظاهرات الطبيعة الخلابة خاصة في تصوير البحر المحتضن للمدينة. ويتدفق مع البحر بلوحات جميلة فلكلورية ينقشُ فيها الكلمات نقشاً، وتتداعى صورُ مهن البحر وأسماكه المتعددة ومغامراته.
تكوّن إسحاق الشيخ مع دبيب قوى الثقافة وقوى العمل على الساحل الشرقي للمملكة في النصف الثاني من القرن العشرين، فالأبُ المعلم يبقى دوره متجمداً فكرياً، ولكن حضور أستاذٍ متفتح من الحجاز يصعد منسوب الوعي لديه، حيث تبدأ المدرسة بالانتقال من المطوع للتحديث والنظام، ثم تقوم خلايا الوعي بالازدهار مع انفجار النفط، حيث يجيءُ عمالٌ من العراق ذوو تجربة امتدت عقوداً، وصارت منشوراتُ (القاعدة) الاشتراكية، تحرضُ العمالَ على تغيير الأجور والمساكن والعلاقات، وهو مستوى سوف تنفتح أمامه بوابة المغامرة حيث لا جذور عمالية ديمقراطية سابقة هنا وتغدو البرامجية العقلانية مختلطة مع الشطحات السياسية والدينية، وهو أمرٌ عربي وعالمي شرقي مميز، يعيش حالات القفز عن الظروف الموضوعية والنضال الشاق في حمى صراع دولي هائل.
(ابتلع الموتُ في حركة التاريخ والجغرافيا روادَ حركة الوعي والفكر الثوريين: ماركس.. أنجلز.. لينين..)، (واستوى الفكر والوعي في الوعي والثقافة والثقافة في الثقافة.. منابع تتجدد في أقيانوس حياة البشر على وجه الأرض!).
إنها العالمية الشرقية الكفاحية وتمشي في بيئة صحراوية تتمدن حديثاً وبحاجة إلى قراءات واقعها ومراحله بدقة.
إسحاق الشيخ يعقوب هو ذاكرةُ نضال طويل، وكثيرون ناضلوا ولكنهم ذابوا، لم يتركوا سوى سِير جميلة غير مكتوبة، وذكريات مسرودة، فالجزيرةُ العربيةُ ذاتُ تقاليد شفهية عريقة، ولكن حين تتجلى الكتابة، ويظهر الكِتابُ تتعززُ الرسالة، وتحفرُ في صخور الواقع.
راحت كتبُ إسحاق الشيخ يعقوب تتالى وتنهمر، وسيرُ المناضلين والمتنورين تتخلقُ بدايةً من الجزيرة العربية تجمعُ سرداً وحوارات ذاتية وخارجية، فالهمُّ الوطني ضاربٌ في الأعماق، وإذ بدأ سيرةً ذاتية في كتاب (أشمُّ رائحةَ مريم) وكان تعبيراً عن الأنا في سبر أغوار التجربةِ الشخصية المترابطة مع سيرةِ وطنٍ وشعب وعالم، فإنه ينعطف نحو رموز النضال والتنوير عبر هذا البحث، وتظهر حلقاتُها كعلاماتٍ بارزة في الواقع، وهو يكتبُها بشكلٍ بحثي متواصل متصاعد حيناً، كسيرةِ (عبدالعزيز المعمر: ذاكرة وطن)، التي لا يلعبُ فيها المنولوج الشخصي دوراً مركزياً، حيث تتصاعد أدواتُ البحث، وتقدمُ سيرةً شخصيةً متماسكةَ الرصدِ والتحليل، في حين إنه في كتابِ (موج الحبر) يجمعُ بين السيرةِ الذاتية التي يبرزُ فيها المنولوجُ الشخصي الغالب وتداعياته الشعرية والسردية بلقطاتِ البحث في شخصية تنويرية أخرى هي شخصية (حمد الجاسر).
شخصيةُ عبدالعزيز المعمر هي من شخصياتِ الرعيل النهضوي الأول في السعودية والجزيرة العربية وهي شخصيةٌ مناضلةٌ مبهرة في ذلك الزمن البسيط في أدواته وأفكاره وعزائمه؛ درسَ في الجامعة الأمريكية فصار من النخبة التي يمكنها أن تصعد إلى ذرى المناصب:
(هناك على مقاعد الجامعة الأمريكية تنامت في نفسه الكراهية والعداء تجاه وحوش الفاشية والنازية)، (وهو في الجامعة الأمريكية مع كثير من الطلاب المبتعثين الذين قدموا لينهلوا من المعارف والعلوم الأكاديمية وينقلوا ما تعلموه إلى بلدانهم من أجل الإصلاح والتنمية)، ص 19، عبدالعزيز المعمر، ذاكرة وطن، دار قرطاس، الكويت، 2005.
هذا الرجل الذي وصل لهذا المستوى التعليمي كان من نتاج عالم البداوة القاسي البسيط:
(لقد تفتحت طفولته في بلدة «العيينة» إمارة آبائهِ وأجداده «آل معمر» وكان نسل عائلة كريمة، وكان أهل العيينة يعيشون على الرعي والزراعة وتربية الإبل والأغنام)، ص 23.
هذا التركيب بين الارستقراطية القبلية والجمهور الشعبي كان يمكن أن يتناقضَ بشكل حاد لتصبح الشخصية المثقفة التي أكملتْ تعليماً جامعياً بمنأى عن القبيلة والناس، وأن تعيش لمصالحها الخاصة.
ولكن عبد العزيز المعمر وصل لذروة الحكام وأقام علاقةً قوية معهم وكان يمكن أن ينسج علاقة نفعية متصاعدة، لكنه اختارَ طريقاً آخر.
(أيُّ نقلةٍ فاصلة حاسمة شكلت وجدانية تأملاته وهو يقارن بين «العيينة» وبيروت؟)، (في رأس بيروت سكن مع عائلة مسيحية)، (وعاد إلى الوطن يحمل شهادة ليسانس في العلوم الرياضية).
هذه الإمكانية أتاحت له الالتقاء بعاهل الجزيرة الملك عبدالعزيز بن سعود ومن ثم بابنه الملك سعود بن عبدالعزيز وغدا مستشاراً له، بين جملةٍ من المستشارين أصحاب المصالح والتوجهات المختلفة، فيما كان هو كرس نفسه للهم الوطني الصعب بين القمة الحاكمة والقاعدة الشعبية، فتوجه نحو ثروة البلد الأساسية المتنامية وهي النفط ووجه قدراته العلمية والاجتماعية والسياسية لقراءةِ وضعها وتطويرها بشكل وطني.
كانت مهماتٍ خطيرةً صعبة في زمن هيمنةِ الشركات الأجنبية النفطية، وبسببِ التفتح البدوي المفاجىء على العصر والتحولات البطيئة الشديدة الصعوبة بين السكان، وهذا المستشار الشعبي لا يخفي آراءه في مناهضة جريمة إلقاء القنابل النووية على المدن اليابانية، ولا إجحاف عقود النفط الغامضة، وهيمنة الشركات الغربية على الحقول النفطية في المنطقة، وكان المد القومي الوطني يتصاعد وقد تمظهر في السعودية بسياسة الملك سعود بن عبدالعزيز، الذي ساندها إلى حين، وقام المعمر بنقد سياسة شركة النفط في الصحافة المحلية السعودية وقتذاك فكتب دراسةً أُلحقت بالكتاب، ومنها:
(ويكاد مجموع دخل العمال في فنزويلا يساوي صافي الربح الذي تحصل عليه شركات النفظ هناك، وليس في الوسع مقارنة تلك الأرقام بمثيلاتها في بلدان الشرق الأوسط المنتجة للزيت، ولكنها في المملكة العربية السعودية أقل من ذلك بكثير، الملحق، ص 169.
هذه الآراء لا يمكن أن تُقبل من مهتم بتطوير حياة العمال، خاصة مع تصاعد الصراع بين الشرق والغرب وبين حركة التحرر العربية والاستعمار في ذلك الزمن من الخمسينيات من القرن العشرين.
تفاصيل شخصية عديدة في الكتاب ويوميات لظهور العلاقة بين المثقفين المتنورين والعمال، وهي كتابة نادرة معبرة عن التأريخ الاجتماعي للطبقات لم تترسخ في ثقافة الجزيرة العربية والخليج الحديثة سابقاً وحاضراً.
