فيلم الشاب كارل ماركس

فيلم كارل ماركس الشاب

على الرابط أدناه

https://drive.google.com/file/d/12LZ4t48YiTqfZB_ak4ClkDU8EvQZ8Zmx/view?usp=drivesdk

الاشتراكية والمستقبل


لم ترفض التغييراتُ العالمية التي جرت في القرن العشرين الاشتراكيةَ كحلم وكبرنامج إنساني لتحقيق فرص عيش جيدة للعاملين. بل كانت التغييرات متوجهة ضد حكم شمولي سياسي، وعدم نزول جمهور الدول الاشتراكية السابقة إلى الشوارع دفاعاً عن الفراديس المفقودة هو جزء من وعي حكيم تشكل لدى هذه الشعوب التي اختبرت بقسوة ماذا تعني عملية سيطرة البوليس على الحياة السياسية والاجتماعية، فهي تفضل عيشاً رديئاً وفيه صعوبات كثيرة على صعود قلة قليلة متفردة إلى السلطة وسيطرتها على كل خلايا الحياة الاجتماعية، من دور الحضانة حتى الجامعات.

صحيحٌ ان الدول (الاشتراكية) قدمت تجربة ثمينة للبشرية في سرعة التطور وفي القضاء على الفقر المدقع وفي الإصلاح الزراعي وقامت بقفزات في التصنيع والتعليم في ظرف زمني قياسي، إلا أن مسائل الحرية الشخصية والفكرية والسياسية المفقودة كانت تشوه تلك الإنجازات، وقادت إلى تقديم ضحايا كثيرين لم يكن ثمة حاجة للتضحية بهم، إلا بسبب التسلط الفردي والحكومي. ولهذا فإن الشعوب الشرقية لا تتسرع في تقديم الاشتراكيين إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع إلا إذا أثبتوا إخلاصاً للديمقراطية، وتخلصوا من نزعة التسلط، وقدموا برامج تحويلية لحياة الفقراء والعاملين. رغم إن هذه الشعوب تعاني الكثير من الأزمات الاقتصادية ومن عودة الفقر المدقع في بعض القطاعات وتدهور الثقافة الخ..، لكنها مع ذلك تفضل الحريات التي اكتسبتها على الشبع مع فقدان الحرية، ولا تقودها هذه الأزمات المدقعة إلى اختيار بطل اشتراكي دكتاتوري جديد، بل إن هذا البطل الاشتراكي الشمولي المنقذ غير موجود، ولا أحد يتجرأ على الظهور بلباسه والإدعاء باسمه. إن هذا هو مظهر من الخوف من (الاشتراكيين) والحذر من استيلائهم على السلطة مجدداً، ومن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. إن الأحزاب الاشتراكية التي عادت إلى السلطة في العديد من الدول الاشتراكية السابقة كبولندا، التي طردت الزعيم (النقابي) ليخ فاليسا من رئاسة الجمهورية، استطاعت في ظرف قياسي أن تجدد خلاياها السياسية والفكرية، وقبلت بالأنظمة الديمقراطية، فأدت الوسائل البرلمانية والحريات المختلفة إلى تخلصها من الفاسدين والانتهازيين، الذين سيطروا على شرايينها حين كانوا في السلطة المطلقة. لكن التجديد الديمقراطي العميق للاشتراكية سيحتاج إلى وقت طويل لكي يثبت نجاحه، فهو بحاجة أن يكون تجديداً فكرياً خلاقاً للتقدميين الذي تجمدوا في احتكارهم للسلطة، وأن يرتبط بالتضحيات الكبيرة لأعضاء الأحزاب في ميادين السلوك والعمل والإنتاج والعلوم. فإذا لم تستطع هذه الأحزاب تقديم نتاج كبير في تطوير الاقتصاد والتعليم والخدمات الخ..وسبقتها الأحزاب الليبرالية في ذلك فإن الأخيرة هي التي ستدير السلطة، وعليها أن تتعلم منها، وتكتشف نواقصها وتعود إلى السلطة بهذه الخبرة وبهذه الأعمال المتقدمة في شتى حقول العمل. إن الديمقراطية هي المدرسة الكبرى لتتعلم الأحزاب الاشتراكية كيف تصير اشتراكية، فليس باللافتات تتشكل الاشتراكية، بل بالقدرة على الاقتراب من تثوير الإنتاج والعلوم والسلوك البشري، لتغدو ثمار المصانع والمزارع ملكاً للناس. إن هذه العملية الطويلة هي التي ستخلق الاشتراكية، فالقضاء على الأنانية الفردية والاجتماعية طريق طويل جداً، قد يستمر مئات السنين، ولا تستطيع أن تخلق الاشتراكية أدوات العنف وقوى القهر، بل قوى التضحية والإنتاج.

أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ ! 

الحداثة مشروعان فقط

ظهور المادية الجدلية (الديالكتيك)

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : ظهور المادية الجدلية (الديالكتيك)

لم يكن لدى الفلسفات الغربية وهي تخرج من العصر الوسيط الديني المسيحي سوى الاعتماد على فلسفة أرسطو مادةً ومنهجا، وكانت التطورات الصناعية والتحولات المختلفة تدفع العلوم نحو استيعاب مختلف للحركة، وقد قام ديكارت ونيوتن بطرح مفهوم جديد للحركة هو الفلسفة الميكانيكية، وقد رأينا الفلسفة العربية الإسلامية السابقة وهي تستعين بمنهج أرسطو ذاته ورؤيته لفهم الحركة فكان أقصى جهد لها هو فهم حركة الأجسام في المكان.
ولكن الأدوات والمعلومات التي توفرت في العصر الأوروبي الجديد، التي قام بها غاليلو وكوبرنيكس وغيرهما من العلماء أتاحت فهم حركة الكواكب والشمس بطريقة مختلفة عن السائد في العصر القديم، مما جعل ميكانيكا فهم الأجسام الكبيرة تسيطر على الوعي العام بالحركة. وقد تمظهرت هذه لدى نيوتن بقوانين الجاذبية. وحددت هذه الفلسفة ميكانيكا الأجسام عموماً حيث الحركة في المكان- الزمان تقوم على قوانين مادية محضة، أي قوانين من داخل المادة، ولكن الداخل هنا بمعنى حركة الأشياء، فظل التناقض المادي الجسمي الخارجي الآلي هو المسيطر على فهم هذه الحركة الأبدية العامة، لكن كان لا بد من وجود مصدر لظهور هذه الحركة فكان الإله. وهنا تتآلف الفلسفة الميكانيكية مع الدين بإعطائه إشارة خلق الساعة الكونية، وتوقيتها، وربما إنهائها، لكنها كذلك تفصل الحركة عن عمليات خلق الكون الغيبية، وأدى طرحها بأن الشمس مركز المجموعة الشمسية وتكون المجموعة من سديم، إلى توجه العلوم نحو إعادة النظر في المعطيات الفكرية الأرسطية بشأن مصدر الحركة وبشأن الطبقات السفلى من تاريخ الكون والمادة، وبالتالي يفتح الآفاق لقراءة الظاهرات المادية الصغرى والمواد والكائنات المختلفة.
وهكذا فإن الفلسفة الميكانيكية وهي تنشئُ العلومَ الحديثة كانت تتعرضُ هي نفسها للزوال. فهذه الفلسفة الميكانيكية بتطبيقها على مجالات الحركة في أجسام أصغر، وظاهرات ذات تحولات مركبة كعمر طبقات الأرض وكيفية احتراق المواد وكيفية ظهور أنواع الأحياء لم تستطع أن تصنع إجابات علمية. كان تطبيقها على هذه الظاهرات يقوم على إرجاع عنصر التحول إلى عوامل خارجية وإلى غازات غير محددة، لكن تطورَ الصناعة الكبير كان يخضع هذه المواد المجهولة إلى الكشف، فغدت عوامل تحول المادة الفيزيائية والكيميائية تقوم على الذرات والجزيئيات الداخلية، وبدا يظهر أن المادة تتحول إلى طاقة والطاقة تتحول إلى مادة، وان قانون بقاء المادة قانون علمي أساسي.
أظهرت الجيولوجيا أن طبقات الأرض لها تحولات طويلة وأنها لا تتوقف عن الحركة. المواد كعناصر محددة تكشفت وظهر لتكوينها ولتمازجها قوانين محددة. تم اكتشاف تطور الخلية الحية، وأن أنواع الأحياء نتاج تطور تاريخي طويل.
إن كل أنواع الحركة هذه مغاير للحركة الميكانيكية وقوانينها، وكان ذلك يستدعي قيام فلسفة جديدة، تكشفُ الطبيعةَ المعقدة المركبة للحركة وأنواعها في كل أقسام العلوم الطبيعية والاجتماعية كذلك، والأخيرة قد دخلها زلزال التحول أيضا، وكان ظهور فلسفة جديدة يستدعي تفكيك الارتباط بين الفلسفة الميكانيكية والدين، ولكن أخذت المعضلة هذه تتعقد مع ارتباطها بالصراعات الفكرية والسياسية، حيث يلعب الدين التقليدي دوراً محوريا.
إن كشف أنواع الحركة في الأجسام الطبيعية من داخلها، وهو أمر يتناقض مع الفكر الديني التقليدي حيث الحركات قادمة من الغيب، قد ترافق مع تفكيك السلطات الدكتاتورية الدينية والسياسية، فأخذ «الشعب» ينتزع السلطات وراح المنورون يجدون في البناء الاجتماعي قوانين تطوره الداخلية بمعزل عن المؤثرات الخارجية الغيبية.
إن تركيز السلطة في البرلمان هو أشبه باكتشاف قوانين الحركة في المادة، والمادة هذه الكينونة المحتقرة من قبل الفلسفة الأرسطية والدينية السابقة غدت هي بؤرة الوجود.
إن رؤية أسباب التحولات داخل المادة الطبيعية والاجتماعية والبشرية، كان يعني صراعاً طبقياً بين المنتصرين على الإقطاع السياسي- الديني الحاكم، فقد ظهر جناحان للمنتصرين، الجناح البرجوازي الذي آلت السلطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إليه، والجمهور العمالي الذي كان عليه أن يعمل بشكل شاق وفي ظروف متدنية من أجل أن تنتصر وتحكم البرجوازية.
لهذا فإن هذا الانقسام الطبقي انعكس على فهم الحركة وفهم الفلسفة، وأخذت القوى البرجوازية تتحالف مع الأقسام الثقافية الدينية والمثقفين التقنيين من أجل إعادة صياغة الفلسفة بحيث تتوارى لغتها الثورية السابقة، ويتم كشف الحركة في المادة، من أجل أن تستمر العلوم الطبيعية والمصانع، دون أن يكون لهذا الكشف دلالات على الصراع الطبقي الدائر.
بدأت هذه الحركة الارتدادية التقنية الفلسفية في البلد الذي انتصرت فيه البرجوازية أولاً وهو إنجلترا، فظهر جان لوك وديفيد هيوم وجون ستيوارت ميل وصاغوا فلسفةً تعتمد على إنكار وجود قوانين موضوعية في المادة، المستقلة عن الوعي، بل قالوا انه لا يوجد سوى الحس البشري وهو الذي يدرك، والعملية العلمية تدور في مجال هذا الحس فقط، وما هو خارجه ليس في بؤرة الوعي. وعضدت ألمانيا هذه الفلسفة لأسباب تاريخية، فالبرجوازية كانت متخلفة عن قريناتها في البلدان الأوربية الأخرى، وقد ساندت الإقطاع البروسي العسكري، فتأسست فيها فلسفاتٌ متضادة كثيرا، منها الكانتية ومؤسسها عمانويل كانت وهو نفسه العالم الذي اكتشف السديم في المجرة وطرح تصوراً لكيفية نمو المجموعة الشمسية، حيث ركز هو الآخر على كون المعرفة حسية بدرجة أولى، ولكنه أكد موضوعية المعرفة وطرائق الوصول إليها، دون الوصول الكلي للحقيقة لأنه ستبقى أجزاء من الظاهرات خارج الكشف. أما الفلسفات المادية والجدلية فقد تنامت هي الأخرى في ألمانيا، فظهر الجدل لدى هيجل، ولكن جدل هيجل مبنيٌ على كون الفكرة المطلقة أو الروح هي التي تقومُ بالحركة، فهي فكرة مطلقة غيبية لكنها في حركة تالية تتحد بالطبيعة وفي حركة ثالثة تتحد بالعقل، وهذه التحولات الثلاثة تشير إلى حركة الفئات الوسطى الألمانية عبر منظور هيجل المتواري، حيث تنفصل عن الفكر الديني والسلطة المطلقة وتتحد بالمادة الطبيعية والفكرية، ثم تتوجُ في العقل الذي هو أيضاً الدولة البروسية!
إن الفئات الوسطى بالمنظور الهيجلي استطاعت أن تنفصل عن الدولة- الدين ولكن ليس بشكل كلي، فتتمظهر في حركة «الروح». وهذا أسلوب فلسفي يوناني وشرقي قديم. ولكن ما يهم هنا هو طريقة الروح في التحول عبر موقف أول الذي يتم تجاوزه في حركة نفي مضادة، لأن الروح تعيش حالة صراع وتناقض، فتحل حالةُ تركيبٍ وتجاوز للنقيضين في موقف جديد، ولكن الموقف الجديد يستتبع وجود تناقض آخر يؤدي إلى حركة جديدة وهكذا. هذا المنهج الجدلي كان اختراعاً ألمانيا، أي ظهر في حالة ألمانيا الإقطاعية المتخلفة عن برجوازيات التحول الكبرى، وفي وجود الفئات الوسطى التي لم تتشكلْ كطبقةٍ قيادية، ومن هنا فالجدل يظهرُ في شكلٍ ديني مثالي موضوعي، فهناك الفكرةُ المطلقة أو الروح وهي المعبرة عن الطبقات العليا المسيطرة، لكنها تلتحم بالطبيعة والمادة المعبرة عن الطبقات الشعبية، وفي هذا السديم الفكري الاجتماعي، المعبر عن حالة ألمانيا القلقة، تدور فلسفةُ هيجل، منهجها الجدلي ثوري، وغلافها الفكري محافظ، وبين الثلاثينيات والأربعينيات من تاريخ ألمانيا وأوروبا في القرن التاسع عشر، تنفجرُ ألمانيا وتنفجر فلسفة هيجل معاً!
لم تحصل ألمانيا على فرصة تاريخية مطولة كي تشكل تحولها الديمقراطي، والبرجوازية تمشي في حضانة عسكرية من قبل الدولة، وجاء هيجل بجدله التحولي ليطرح منهجاً مهماً في فهم وتفعيل الحركة على مختلف الأصعدة، فانتقلت قيادة الحركة الاجتماعية إلى الفئات البرجوازية الصغيرة، ومنها ظهر فورباخ بماديته النافية لمثالية هيجل، وظهر اليسار الهيجلي، وهي قوى حاولت دفع البرجوازية لكي تنقض على الإقطاع دون فائدة.
وهذا هو ميلاد الماركسية. تشكلت في لحظتها الأولية تلك كنقيض للطبقتين الإقطاعية والبرجوازية معا. أي اندفعت نحو العمال كملاذ أخير من الجمود السياسي الاجتماعي. وهنا كانت أشبه بصرخة سياسية أكثر منها علما. ومن هذه الصرخات سوف يرى لينين الماركسية. وهذه القضية ستبقى مشكلة كونية للبلدان المتخلفة عن البلدان المتقدمة ولرغبتها القومية الحادة في اللحاق بالمتقدمين.
كانت عقلية «البيان الشيوعي» المكتوب من قبل ماركس وإنجلز تطرح تصوراً كونياً لقرون قادمة وليس لحل إشكاليات الصراع الطبقي الراهن في ألمانيا نفسها، فكانت ألمانيا بحاجة إلى تشكيل تحالف برجوازي- عمالي يبعد القوى الإقطاعية العسكرية المتطرفة عن السلطة وليس لإزاحة البرجوازية التي لم تكن تحكم!
إن لغة المثقفين المنتمين للبرجوازية الصغيرة يسقطون هنا وعيهم السياسي التحويلي على الواقع الموضوعي فيطرحون مهمات غير ممكنة سياسيا، في إطار إيديولوجي مُسقط، وبطبيعة الحال يطرحون ذلك كصوت للطبقة العاملة، وهذا على المدى التاريخي صحيح، لكنه في الواقع الراهن غير واقعي، وتداخل المدى التاريخي واللحظات السياسية الراهنة، بمهماتها العملية الكبيرة، لا يتطابق ويتداخل بصورة جدلية، فهيمنة الطبقات العاملة تتم بعد قرون من التراكم السياسي والاقتصادي والثقافي لكنها كمهمة مرحلية غير ممكنة. وترتبت على لغة أقصى اليسار بمظاهرها الاجتماعية وثورتها هذه توجه البرجوازية الألمانية نحو أقصى اليمين، كذلك فإن ذهاب ماركس- أنجلز للعيش في إنجلترا أضفى على لغتهما الثورية العاطفية الألمانية بعداً أكثر موضوعية، وبدأت عمليات الاكتشاف العلمي العميقة للرأسمالية والعلوم، التي حصيلتها كتب موسوعية مثل «رأس المال» و«جدل الطبيعة» وغيرهما، لكن الاستنتاجات ظلت في الإطار التاريخي العام وليس داخل صراعات البنى الرأسمالية الوطنية بمختلف مستوياتها وليس البحث كذلك في كيفية التغلب على الدوائر المتطرفة سياسياً وفكريا.
إن انتصار البرجوازيات الكبيرة في الأقطار الرأسمالية الرئيسية تحقق بفضل انتصار أسلوب الإنتاج الرأسمالي وتوسعه العالمي وتدفق فيوضه على الفئات المالكة والوسطى، وأعطت ألمانيا نموذج الجمع بين الفكر الإقطاعي السابق والفكر البرجوازي التابع فكان الجمع بين أشكال الفكر الدينية والصوفية واللاعقلانية وبين أشكال من العقل والليبرالية المحدودة والمهيمن عليها وهي الثقافة البرجوازية- الإقطاعية الهجينة التي ترتبت على قيام البروسية البسمركية في السيطرة على البرجوازية الخاضعة. ومن هنا رأينا ألمانيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهي تتخلى عن الجدل الهيجلي وتروجُ فيها الكانتية والكانتية الجديدة والوضعية المنطقية والتجريبية. يقول جورج لوكاش: «إن جدل هيجل حين يحاول السيطرة على هذه المسائل في منظور تاريخي، هو ذروة الفلسفة البرجوازية. إنه يمثل أقوى مشروع حاولته للتغلب على هذه المعضلات الجديدة: محاولة صهر طريقة قادرة على ضمان الفكر الإنساني كاقتراب لا محدود وانعكاس للواقع بالواقع نفسه»، «تحطيم العقل، جزء 1، ص 76 – 77».
إن مشروع هيجل يظل مشروع فئات برجوازية لم تتشكل كطبقة قائدة لعملية التحول، ولهذا هو مفكّكٌ بين منهج جديد وبناء تقليدي، وتخلي هذه الفئات عن الجدل واتجاهها للعلموية الوضعية، لكشف المادة الجزئية المحدودة المنقطعة عن قوانين بنية المادة الطبيعية والاجتماعية، فهي هنا تمثل البرجوازية التي تدير المصانع المحتاجة للتقنية، في حين أن اتجاهها للاعقلانية والصوفية وفلسفات الحياة هي للسيطرة على الوعي العام وإدارة الدولة والمجتمع، وهذا الانقسام بين وضعية علموية تجريبية وكانتية وبين فلسفة الحياة المتجهة للفاشية، جانبان يتكاملان يعبران عن هذا التزاوج الإقطاعي- البرجوازي وقد تحول إلى طبقة سائدة ذات أصول بروسية عسكرية وبرجوازية نهمة للاستيلاء على المستعمرات.

الوعي والتغيير

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الأعمال القصصية والروائية والتاريخية الكاملة

الوعي والتغيير

تنامت العناصر الديمقراطية في الدولة الإسلامية على مستويي السياسة والوعي بدءًا من العصر الأموي، حيث نفى العديد من المثقفين أفكار الشمولية في الوضع الاجتماعي السياسي والفكر، سواءً بالمطالبة بعودة (الفيء) للناس، أو إزالة هيمنة الخلافة الفردية، وتأكيد حرية الإنسان وتقليص صور الألوهية القدرية على الإرادة العامة، لكن وعي بعض الأفراد من الفئات الوسطى اتجه نحو عروض غيبية للقضايا المطروحة، وعدم الربط بين قضايا المال العام والاستبداد السياسي والمسائل الدينية والفقهية. ولم تتشكل حركات تجمع بين هذه المسائل الفكرية والسياسية المنفصلة لكونها فئات ولم تتشكل كطبقة على أساس صناعي، ويعبر ذلك عن تفكك إرادة الفئات الوسطى والعامة المقامة على إنتاج زراعي يتعرض للتآكل وحِرفي يعيش على بذخ الأغنياء.
لم يكن بإمكان الوعي الديني المثالي التنويري خاصة في علم الكلام المعتزلي أن يشكل تحليلاً لتطور الصراع الاجتماعي، وإستراتيجية موحّدة للفئات الوسطى المنقسمة بين فئاتها وتياراتها، وأن يقرأ الوضع المادي للمجتمع.
إن حركة الأفراد من الفئات الوسطى والشعبية لا تكوّن حركة سياسية اجتماعية عامة، بل تتفكك وتضطرب وتغدو مجردةً، ثم تتشكل عبر فئات دينية مدنية منقسمة ذات مناهج متضادة.
فتسيطر مسائلُ الفقه على المساحة الكبرى من الوعي، فالفقه هو مؤسسُ العبادات والعلاقات المادية والروحية، ضمن مواد الماضي والأحكام الشرعية وتطوراتها المختلفة، حيث يسيطر توجهان، الحكم عبر الرأي والحكم عبر النص السابق.
هو وجود لتيارين مختلفي النمو خاصة حين تزدهر الفئات الوسطى مع تنامي التجارة والأحوال المادية، فيما مدرسة الحديث تعبر عن انكفاء ذلك التطور.
هذا الشكل الأولي من الوعي الذي يكوّن الخريطة الاجتماعية اليومية، والملامح الأولية للأمم الإسلامية في عالمها الأسري والمادي وعلاقاتها السياسية، يعكس مدى التطور الذي تحقق خلال القرنين الهجريين الأولين لكن هذا التطور تلكأ وتوقف ثم حدث تراجع، ولهذا فنصيبُ مدرسة الرأي يتقلص لحساب مدرسة الحديث، كما أن عالم الحرية والقضاء على الاستبداد وإنتاج حياة الرفاهية لا يتحقق، فيظهر شكلٌ آخر من الوعي هو علم الكلام ليقرأ المشكلة.
إن علم الكلام يتشكل من أجل تحليل تلك المواد الأولية من الفقه والتاريخ الإسلامي، ويحدث فيه نفس الانقسام بين وعي يتوجه للتحليل النقدي المطور وتحليل يؤكد المسلمات السائدة.
إن علم الكلام المعتزلي الرائد يرتبط بمقولات الدين ويطرح أفكاراً جزئية فلسفية، تحلل قضايا مثل القدر والحرية والجبر والذرة والإله وصفاته والقرآن وتكوينه، وغيرها من المسائل التي ارتبطت بالوعي المثالي الجزئي، وقد تباين علم الكلام عن الفقه وبدأ في التحليق فوق التحليل المادي للتاريخ، عبر ذبذبة الفئات الوسطى بين النقد الاجتماعي للسلطات السياسية والدينية وبين مسايرتها. تعبر ذروة وأزمة علم الكلام المعتزلي في مسألة خلق القرآن المتأثرة بالطرحين اليهودي والمسيحي عن طفولية الوعي ومثاليته المغامرة وعدم قدرته المفترضة على قراءة القرآن ككتاب نهضوي تحويلي وبالتالي قراءة تطورات الصراعات الاجتماعية العربية، فبدأ هذا العلم مناضلاً وانتهى ذيلياً لقوى النظام المناهضة للحرية والتعددية.
وقد حاولت الفلسفة العربية أن تقرأ الإشكالية ذاتها بأدوات أكثر تطوراً وبغنى فكري أوسع، لكن الفلسفة هي الأخرى ظلت مثالية دينية لا تقرأ سببيات الحياة الاجتماعية والتاريخ لكنها قاربت بعض ذلك لدى ابن رشد وابن خلدون. الأشكال الفكرية من فقه وعلم كلام وفلسفة عبرت عن تكريس الوعي للمحافظة الاجتماعية والانقسامات المذهبية وضعف تنويره وتثويره.
هذا كان مظهراً لعجز الفئات الوسطى والشعبية عن التغيير من داخل المدن، والتغيير كان يحدث دائماً عبر القبائل المسلحة حتى العصر الحديث التي تركز القوة بين يديها، ولهذا ظهرت الثورة العباسية بقيادة الأشراف وقد تغلغلت وسط الجمهور الخراساني الشعبي، وهو الأمر الذي مثّل لحظة تطور مفصلية وأحدث الفترة التحولية الثانية في حياة المسلمين. ثم جاءت التغييرات التفكيكية عبر القبائل المسلحة ولكن للوراء والمؤدية لتدهور أشكال الوعي حتى تسلمت الجيوش الوطنية عمليات التغيير الحديثة في ظل إشكاليات مماثلة وإنجازات متذبذبة أو متدهورة.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : 1-3-1948 – 21-10-2014

الأستاذ إسحاق الشيخ يعقوب يستذكر عبدالله خليفة بكل الحب.

إسحاق الشيخ يعقوب في تأبين عبدالله خليفة

يأخذنا الكاتبُ والمناضلُ إسحاق الشيخ يعقوب في عمله (إني أشم رائحة مريم) بجزئيه الأول الصادر سنة 2002، عن دار قرطاس بالكويت، ثم الجزء الثاني عن دار الفارابي سنة 2012 بلبنان، إلى رحلة فكرية سياسية جغرافية تاريخية مفعمة بالصور الشعرية والأحداث عبر نصف قرن من حياة هذا الرجل الذي تفتح بمدينة الجبيل السعودية وساح في الأرض منفياً وكاتباً.
الكاتب ذو رؤية رومانسية ثورية حيث تكونت بدايات وعيه في النصف الأول من القرن العشرين، حيث ولد سنة 1927، وكانت بذور الطبقة العاملة تتكون بسرعة في المنطقة الشرقية من المملكة وتصطدم بتكون ظروف النفط الصعبة الأولى، حيث الأجور المتدنية والعمل التأسيسي الشاق والمستوى المعيشي المتدني والحياة البسيطة، وتتجمع قوى نضالية مشرقية عدة في تلك البقعة وتطرح مشروعات حالمة.
الرؤية الرومانسية للكاتب تتفجر منذ الصفحة الأولى (كان يوماً عاصفاً بالمطر.. ورائحة الأرض.. والرياح تعوي في كبد السماء.. وتمزق ركام السحب شر ممزق).
الجمل القصيرة والنقاط بينها والتداعي يحركها. وهذا المطر العاصف هو هؤلاء الشباب الذين نبتوا في أواخر النصف الأول من القرن العشرين في هذه البيئة البدوية المحافظة فاشرأبوا لإزالة السحب عبر أحدث الموجات السياسية في العالم.
ولم يكتفِ إسحاق الشيخ يعقوب بهذه الأرض البكر سياسياً بل حملَ أفكاره وسط عائلة مهاجرة نازحة من برّ فارس وتنقلت بين قطر واستقرت قليلاً في البحرين ومن ثم نزلت نزلتها الطيبة في الجبيل.
وليس هذا فحسب فالاسم ذاته يشير لهذه الثنائية بين إسحاق التحديثي اليساري والأب الشيخ يعقوب رجل الدين الحنفي الدارس الإسلامي المتنقل بين المعاهد الدينية في تركيا والعراق. والذي تكّون عبر هذه النصوصية الفقهية وكون أسرته وجذورها وتوسعها الاقتصادي الاجتماعي.
هذه الثنائية الاسمية ستكون وعياً يسارياً ينقل أحدث رموز اليسار الشرقي بقممه الشمولية المهيمنة، في حين يقف حذراً من النصوصية الدينية المحافظة، مستثمراً اللغة الأدبية الدينية منها في تحديثيته. وتشيرُ هذه إلى قوة الاكتساح التي تتكون في وعي رومانسي ثوري وقتذاك.
لكن الأم مدار آخر فهي التي تملك روحه الشعبية الشعرية، وروحية الفرسان، والعمل اليدوي: (وكانت مريم التي شبت طفولتها في أحضان الجبال الجنوبية من الأراضي الفارسية في قرية تدعى «كجوه» تبيأت ببيئة جبلية، رجالها ونساؤها على حد سواء ينتزعون قوتَهم من بين أنياب الذئاب والأسود) ص 12،ج.1
تشعلا الأمُ داخلَ العمل السردي الجدالي التنظيري المتنوع هذا، كخيطٍ رومانسي متألق، وكفاعلية شعبية في العمل وكشف الزواحف وحماية الأطفال ونشر قيم الحب والدين، وقد كان الجو الإنساني المتكون ثنائياً من الأب والأم عاملاً مهماً في تكون أبناءٍ انخرط معظمهم في النضال والعمل، وهو جو لم يتكون بسهولة، فأمام تضحيات الزوجة والأم كان الأب يبحث عن زوجات أخريات ويرتبط بهن والأم تصبر وتعاني، وهنا يقوم المؤلف الابن بعرض ذلك بموضوعية فاتنة وحتى بتصوير العلاقات بين الأم والزوجات الأخريات بكل رهافة إنسانية، حتى استطاعت الأم أن تختص بزوجها لوحدها من دون تعدٍّ على أحد.
ينساب إسحاق الشيخ كمؤلف في هذا الدفق الشعري العائلي ثم في ظاهرات الطبيعة الخلابة خاصة في تصوير البحر المحتضن للمدينة. ويتدفق مع البحر بلوحات جميلة فلكلورية ينقشُ فيها الكلمات نقشاً، وتتداعى صورُ مهن البحر وأسماكه المتعددة ومغامراته.
تكوّن إسحاق الشيخ مع دبيب قوى الثقافة وقوى العمل على الساحل الشرقي للمملكة في النصف الثاني من القرن العشرين، فالأبُ المعلم يبقى دوره متجمداً فكرياً، ولكن حضور أستاذٍ متفتح من الحجاز يصعد منسوب الوعي لديه، حيث تبدأ المدرسة بالانتقال من المطوع للتحديث والنظام، ثم تقوم خلايا الوعي بالازدهار مع انفجار النفط، حيث يجيءُ عمالٌ من العراق ذوو تجربة امتدت عقوداً، وصارت منشوراتُ (القاعدة) الاشتراكية، تحرضُ العمالَ على تغيير الأجور والمساكن والعلاقات، وهو مستوى سوف تنفتح أمامه بوابة المغامرة حيث لا جذور عمالية ديمقراطية سابقة هنا وتغدو البرامجية العقلانية مختلطة مع الشطحات السياسية والدينية، وهو أمرٌ عربي وعالمي شرقي مميز، يعيش حالات القفز عن الظروف الموضوعية والنضال الشاق في حمى صراع دولي هائل.
(ابتلع الموتُ في حركة التاريخ والجغرافيا روادَ حركة الوعي والفكر الثوريين: ماركس.. أنجلز.. لينين..)، (واستوى الفكر والوعي في الوعي والثقافة والثقافة في الثقافة.. منابع تتجدد في أقيانوس حياة البشر على وجه الأرض!).
إنها العالمية الشرقية الكفاحية وتمشي في بيئة صحراوية تتمدن حديثاً وبحاجة إلى قراءات واقعها ومراحله بدقة.

إسحاق الشيخ يعقوب هو ذاكرةُ نضال طويل، وكثيرون ناضلوا ولكنهم ذابوا، لم يتركوا سوى سِير جميلة غير مكتوبة، وذكريات مسرودة، فالجزيرةُ العربيةُ ذاتُ تقاليد شفهية عريقة، ولكن حين تتجلى الكتابة، ويظهر الكِتابُ تتعززُ الرسالة، وتحفرُ في صخور الواقع.
راحت كتبُ إسحاق الشيخ يعقوب تتالى وتنهمر، وسيرُ المناضلين والمتنورين تتخلقُ بدايةً من الجزيرة العربية تجمعُ سرداً وحوارات ذاتية وخارجية، فالهمُّ الوطني ضاربٌ في الأعماق، وإذ بدأ سيرةً ذاتية في كتاب (أشمُّ رائحةَ مريم) وكان تعبيراً عن الأنا في سبر أغوار التجربةِ الشخصية المترابطة مع سيرةِ وطنٍ وشعب وعالم، فإنه ينعطف نحو رموز النضال والتنوير عبر هذا البحث، وتظهر حلقاتُها كعلاماتٍ بارزة في الواقع، وهو يكتبُها بشكلٍ بحثي متواصل متصاعد حيناً، كسيرةِ (عبدالعزيز المعمر: ذاكرة وطن)، التي لا يلعبُ فيها المنولوج الشخصي دوراً مركزياً، حيث تتصاعد أدواتُ البحث، وتقدمُ سيرةً شخصيةً متماسكةَ الرصدِ والتحليل، في حين إنه في كتابِ (موج الحبر) يجمعُ بين السيرةِ الذاتية التي يبرزُ فيها المنولوجُ الشخصي الغالب وتداعياته الشعرية والسردية بلقطاتِ البحث في شخصية تنويرية أخرى هي شخصية (حمد الجاسر).
شخصيةُ عبدالعزيز المعمر هي من شخصياتِ الرعيل النهضوي الأول في السعودية والجزيرة العربية وهي شخصيةٌ مناضلةٌ مبهرة في ذلك الزمن البسيط في أدواته وأفكاره وعزائمه؛ درسَ في الجامعة الأمريكية فصار من النخبة التي يمكنها أن تصعد إلى ذرى المناصب:
(هناك على مقاعد الجامعة الأمريكية تنامت في نفسه الكراهية والعداء تجاه وحوش الفاشية والنازية)، (وهو في الجامعة الأمريكية مع كثير من الطلاب المبتعثين الذين قدموا لينهلوا من المعارف والعلوم الأكاديمية وينقلوا ما تعلموه إلى بلدانهم من أجل الإصلاح والتنمية)، ص 19، عبدالعزيز المعمر، ذاكرة وطن، دار قرطاس، الكويت، 2005.
هذا الرجل الذي وصل لهذا المستوى التعليمي كان من نتاج عالم البداوة القاسي البسيط:
(لقد تفتحت طفولته في بلدة «العيينة» إمارة آبائهِ وأجداده «آل معمر» وكان نسل عائلة كريمة، وكان أهل العيينة يعيشون على الرعي والزراعة وتربية الإبل والأغنام)، ص 23.
هذا التركيب بين الارستقراطية القبلية والجمهور الشعبي كان يمكن أن يتناقضَ بشكل حاد لتصبح الشخصية المثقفة التي أكملتْ تعليماً جامعياً بمنأى عن القبيلة والناس، وأن تعيش لمصالحها الخاصة.
ولكن عبد العزيز المعمر وصل لذروة الحكام وأقام علاقةً قوية معهم وكان يمكن أن ينسج علاقة نفعية متصاعدة، لكنه اختارَ طريقاً آخر.
(أيُّ نقلةٍ فاصلة حاسمة شكلت وجدانية تأملاته وهو يقارن بين «العيينة» وبيروت؟)، (في رأس بيروت سكن مع عائلة مسيحية)، (وعاد إلى الوطن يحمل شهادة ليسانس في العلوم الرياضية).
هذه الإمكانية أتاحت له الالتقاء بعاهل الجزيرة الملك عبدالعزيز بن سعود ومن ثم بابنه الملك سعود بن عبدالعزيز وغدا مستشاراً له، بين جملةٍ من المستشارين أصحاب المصالح والتوجهات المختلفة، فيما كان هو كرس نفسه للهم الوطني الصعب بين القمة الحاكمة والقاعدة الشعبية، فتوجه نحو ثروة البلد الأساسية المتنامية وهي النفط ووجه قدراته العلمية والاجتماعية والسياسية لقراءةِ وضعها وتطويرها بشكل وطني.
كانت مهماتٍ خطيرةً صعبة في زمن هيمنةِ الشركات الأجنبية النفطية، وبسببِ التفتح البدوي المفاجىء على العصر والتحولات البطيئة الشديدة الصعوبة بين السكان، وهذا المستشار الشعبي لا يخفي آراءه في مناهضة جريمة إلقاء القنابل النووية على المدن اليابانية، ولا إجحاف عقود النفط الغامضة، وهيمنة الشركات الغربية على الحقول النفطية في المنطقة، وكان المد القومي الوطني يتصاعد وقد تمظهر في السعودية بسياسة الملك سعود بن عبدالعزيز، الذي ساندها إلى حين، وقام المعمر بنقد سياسة شركة النفط في الصحافة المحلية السعودية وقتذاك فكتب دراسةً أُلحقت بالكتاب، ومنها:
(ويكاد مجموع دخل العمال في فنزويلا يساوي صافي الربح الذي تحصل عليه شركات النفظ هناك، وليس في الوسع مقارنة تلك الأرقام بمثيلاتها في بلدان الشرق الأوسط المنتجة للزيت، ولكنها في المملكة العربية السعودية أقل من ذلك بكثير، الملحق، ص 169.
هذه الآراء لا يمكن أن تُقبل من مهتم بتطوير حياة العمال، خاصة مع تصاعد الصراع بين الشرق والغرب وبين حركة التحرر العربية والاستعمار في ذلك الزمن من الخمسينيات من القرن العشرين.
تفاصيل شخصية عديدة في الكتاب ويوميات لظهور العلاقة بين المثقفين المتنورين والعمال، وهي كتابة نادرة معبرة عن التأريخ الاجتماعي للطبقات لم تترسخ في ثقافة الجزيرة العربية والخليج الحديثة سابقاً وحاضراً.

عبدالله خليفة: المناضل والأديب والإنسان تقديم المحامي عبدالوهاب أمين

صراع الطوائف والطبقات في فلسطين

صراع الطوائف والطبقات في فلسطين

الإقطاع الفلسطيني تابع التابعين

صراع الطوائف والطبقات في «إسرائيل»

صراع الطوائف والطبقات في فلسطين

مثل أي نظام عربي يعتبر الديمقراطية مناورة سياسية غير مرتبطة بوجود نظام علماني راسخ، قامت السلطة الفلسطينية بإجراء إنتخابات تشريعية جاءت على رأسها حركة حماس في مفاجأة كبيرة للجميع.
هذه المفاجأة تعكس تناقضات الوضع الفلسطيني، فقد قامت حركة فتح بقيادة النضال الوطني وتقدمت به إلى آفاق كبيرة، وكأي حركة سياسية وطنية في الشرق كانت حركة شمولية، ذات شعارات فضفاضة، غير راسخة في مسائل الحداثة المحورية؛ وهي العلمانية والديمقراطية والعقلانية، لكنها لم تخلُ من ملامحٍ منها، تبدو على شكل شعارات، وكان أهمها مشروع تشكيل دولة فلسطينية على أي تراب فلسطيني مُحرَّر وتكون دولة علمانية وديمقراطية مفتوحة لكل السكان فيها.
كان هذا الخيار ذاته صعباً في ظل منظمات فلسطينية متطرفة قومياً، تنادي بدولةٍ من النهر إلى البحر، وتستخدمُ الكفاحَ المسلحَ فقط، وهو أمرٌ يعكسُ مستوى الوعي السياسي الفقير في هذه المنظمات، وعدم معرفتها بالواقع الذي تريد تغييره، سواءً من حيث عدم معرفة القوة الإسرائيلية أو واقع البلدان المحيطة بها أو آفاق نضال شعب فلسطين في الداخل.
وأهم نقطة في هذا عدم درسها لتناقضات الدولة العبرية وكون هذه التناقضات هي قاعدة التحرك المنتظر، لكنها كانت ذات نظرة متجوهرة، غير تاريخية، وغير طبقية، فهناك فلسطين وهناك إسرائيل، هنا أبيض وهناك أسود، ويجب أن يسود الأبيض ويُسحقُ الأسود، وهي نظرة دينية شرقية جامدة ضاربة في القدم، لا ترى في الدول والحضارات تكوينات تاريخية مرحلية متناقضة، يكمن العمل السياسي الثوري في كشف تلك التناقضات وحركيتها وتوظيفها لصالح الأغلبية الشعبية.
لكن كانت حركة فتح أكثر هذه المنظمات مقاربة للظروف الموضوعية، عبر طرحها شعار الدولة العلمانية الديمقراطية، مما كان يفتحُ الأفقَ لجذب أقسامٍ من الإسرائيليين للعمل المشترك، وكان هذا يضربُ جوهرَ الصهيونية بشكلٍ عميق، وقد زواجتْ فتح بين العمل العسكري والنضال السلمي، وانفتحت على كل الجمهور الفلسطيني والدول العربية، وهذا كله أكسبها حضوراً قيادياً رائداً.
لكن من جهة أخرى ظهرت القيادة الفردية وشكلت بيروقراطية داخلية، وهيمنت على فتح، وعلى منظمة التحرير، وعلى الدخول النقدية فيها، معطية أدواراً ثانوية للقوى السياسية الأخرى.
كذلك لم تكن بعيدة عن المغامرات العسكرية، حيث كان الواقع الفلسطيني والكيان الإسرائيلي يبدوان لها في حالة سكونية، ومادة فعلٍ سلبية، وأنها هي صانعة التغيير، وهي ثقافة موجودة بقوة لدى الفلسطينيين في الداخل كما في الخارج.
وكان الحراكُ الطويل لهذه القوة النضالية في الخارج عاملاً جاذباً للكثير من القوى السكانية المشردة بفعل المجازر الإسرائيلية والغزو الفاشي، وهي الطبعة الأولى من الصهيونية، مما أدخل في فتح وغيرها من المنظمات جمهوراً بلا خبرة سياسية وقابلاً للنضال ولكل المغامرات المجنونة كذلك.
وكما ظهر الخط الوطني المعتدل في فتح ظهر الخط الوطني المتطرف في (الجبهة الشعبية) وغيرها من المنظمات القومية، ووجدت بعضُ الدول العربية في هذا الانقسام فرصة لاستثماره وتقرير حركة الشعب الفلسطيني من خارجه، ووجدت دولٌ أخرى صيغة مغايرة عبر ترسيخ منظمة فتح كقائدة للشعب الفلسطيني، وجعل رئيسها رئيساً للدولة التي تعيش حالة مخاض الولادة العسير.
ولكن كل هذا الحراك السياسي الخارجي البطولي والمغامر والنازف آلاف الشهداء، والمؤجج لصراعات المنطقة ومشاكلها، لم يثمر عن تحريرِ بوصةٍ واحدة من التراب الفلسطيني!
وكان الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي البداية الحقيقية لفتح الطريق للتحولات، وهو أمرٌ كان يبدو كخيانةٍ عظمى، وكارثة قومية لدى المتجوهرين وأصحاب الرؤى الساكنة الدينية، فظهرت في وجهِ هذا الحوار منظماتٌ متخصصة في الأغتيال كأيلول الأسود وغيرها، وشاركتها المخابراتُ الإسرائيلية في قطعِ رؤوسِ الوطنيين والمثقفين البارزين الذين كان بعضهم يقود الحوارات وبعضهم يقود العمليات العسكرية.
لقد أدى الجدبُ السياسي في النضال الخارجي، وتشتت الجيش الفلسطيني في المنافي البعيدة بعد إحتلال لبنان، إلى أن يبرز العاملُ الوطني الداخلي في كل من فلسطين وإسرائيل، ليغير هذه الصفحة التي استمرت عقوداً.
لقد بدأ وعي وطني علماني ديمقراطي يتغلغلُ في صفوف جماهير هاتين الدولتين، حيث بدأ الشعبُ الفلسطيني في الضفة وغزة يدرك كونه شعبَ دولةٍ مغيبة، وأن الشعوب الأخرى لا تستطيع تحريره، وعبر الحجر الذي يملكه كلُ ولد فلسطيني بدأت عملية التغيير الشعبية، وكان الجمهور الإسرائيلي قد تعب من الحروب ومن سيطرة قوى العسكر والمال المغامرة بمصيره وظروفه خدمة لمشروعات دينية متطرفة أو لمؤامرات غربية فاشلة.
لقد بدأ تاريخٌ آخر، وقامتْ الطليعة الفلسطينية الخارجية بدورها في التحريك السياسي، لكن الآن بدأت الأرض هي التي تتكلم.
وغالبية الفلسطينيين هم من المسلمين فيما يمثل المسحيون ما يقارب 10%، والمذهب السائد هو المذهب السني، حيث تداخلت المذاهب السنية في نسيج واحد خاصة في الدول خارج الجزيرة العربية خاصة.
ولهذا فإن الصراعات المذهبية لم تتواجد داخل الحركات السياسية الفلسطينية، لكن هذه الحركات تأثرت ببلدان النزوح المختلفة، فأكتسب بعضها طابع اليسار المتطرف، خاصة التي تواجدت في سوريا ولبنان، فيما نشأت حركة فتح في الكويت متأثرة بجوها السياسي الديمقراطي العلماني السني في ذلك الوقت، وراحت تمتد في الأردن والأرض المحتلة.
ولكن تجربة الشعب الفلسطيني في بلدان النزوح اتسمت بالاضطراب الشديد، بسبب القمع والتضييق العربي الحكومي، وتعدد بلدان النزوح وتبعية أقسام من الفصائل لبعض الحكومات العربية التي إستغلت ظروف الهجرة والفقر في خلق قوى سياسية تابعة لها داخل النسيج السياسي الفلسطيني ثم قامت هذه القوى بالانقسامات والصدامات والتبعية البوليسية لتلك المراكز ففجر ذلك العديد من المواجهات.
وعموماً كان الاضطراب في تجربة فلسطيني النزوح أكثر بكثير من الداخل، وخاصة في قطاع غزة المتضخم بالسكان والذي تغلغلت فيه حركة حماس خلال عقود طويلة.
والتقت تأثيرات الاضطراب السياسي في الخارج وعدم المعرفة الدقيقة بأحوال الشعب الفلسطيني من قبل القيادات العائدة من المنفى بالمحافظة الشديدة في غزة وأنتج ذلك إنقساماً على صعيد الأرض المحررة المستعادة!
مثلما أن القوى الحاكمة في إسرائيل تمكنت من بعد تطوراتها العسكرية والاقتصادية الكبيرة من التحكم في الأرض الفلسطينية وتحديد إتفاقيات السلام وربطت قسماً كبيراً من العمالة العربية بها، ووضعت المتشددين الفلسطينيين في زاوية ضيقة، توجهاً لرسم خريطة سياسية متطابقة مع مصالحها وأفق تطورها.
وبهذا فإن القوى الشعبية الفقيرة الفلسطينية هي أكثر القوى معاناة في المنطقة، عبر الأجور المتدنية الحضيضية، وبغياب الموارد في الضفة والقطاع، وسوء الحياة المعيشية وترديها في مخيمات النزوح في لبنان وسوريا والأردن.
وهذه المناطق والمخيمات قادرة على توليد سياسات متطرفة تستغلها الحكومات المختلفة من أجل تفجير الصراعات السياسية مثلما يحدث في لبنان.
أو أن يغدو الفلطسينيين الفقراء كبش الفداء في الصراعات السياسية العربية كما حدث في العراق على مدى حروبه المختلفة، وفي الأيام الأخيرة كانوا ضحايا السلام مثلما تم لجؤهم على الحدود العراقية.
لم تكن سياسة الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات على رغم العديد من إنجازاتها حكيمة في العلاقة مع بعض الدول العربية الشمولية التي أضرت بالقضية، بخلاف الرئيس الحالي أبو مازن الذي وجه السياسة نحو الاعتدال وإقامة علاقا جيدة مع كل الدول العربية.
عكس التوجه الفلسطيني لخلق مؤسسات منتخبة رغبة الإدارة الأمريكية في زمن الرئيس بوش تحقيق مسحة ديمقراطية لأصدقاء الحكومة الأمريكية في المنطقة العربية، وإذا كان هذا هدف أصيل كذلك للشعب الفلسطيني إلا أن التطورات الداخلية الفلسطينية الإيجابية هذه جاءت بتسريع لم يـُنضّج له على مستوى البُنى الاجتماعية والسياسية، التي هي مثل غيرها في الدول العربية بُنى تقليدية ماضوية لا علاقة لها بالديمقراطية الحديثة.
وإذا كانت فتح ذاتها قد إستغلتْ هذه البنى في سيطرتها السياسية، ووضعت رجلاً أخرى في الحداثة كذلك، فإن عملية التسارع في السيطرة على الضفة والقطاع بعد الإنسحاب الإسرائيلي، تنفيذاً لإتفاقيات أوسلو، لم تتشكل عبر جبهة حداثية فلسطينية علمانية ديمقراطية بقيادتها.
عبرت هذه الإتفاقية عن مستويين؛ مستوى الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي، ومستوى القوة الفلسطينية المحدودة على الأرض.
ولثاني مرة يحدث إنسحابٌ إسرائيلي من أرض عربية كبيرة (بعد مصر)، ويخلف إنفراجاتٌ سياسية وتقدماً اجتماعياً مهماً، مما أكد أهمية سياسة السلام في خلق التحولات بعد كل تلك الكوارث للحروب السابقة.
ومن جهة أخرى فإن الانسحابات المحدودة التي لا تحل مخلفات الأحتلال الإسرائيلي بالكامل، تعني بقاء سيطرة القوى العسكرية – الدينية المتنفذة في إسرائيل، واستمرار المواجهة مع أطراف عربية أخرى، وهو أمرٌ يؤدي إلى عدم حل القضية الفلسطينية ذاتها.
إن التسويات المنفردة رغم تمثلها للتقدم الهام إلا أنها تحوي بذور الصراعات والحروب أيضاً، فالصراع العربي – الإسرائيلي يحتاج إلى تسوية تاريخية عميقة شاملة، على مستوى تعاون الأديان السماوية، وعلى مستوى تصالح الشعوب، وعلى مستوى إزالة الإحتلال.
وبهذا فإن توجه فتح لحكم الضفة والقطاع وجعل أجهزتها تهيمن عليهما، بعد عقودٍ من الأحتلال الذي خلف الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فجعلها هذا التسرع المتعدد الوجوه تتعرض لانتقادات كبيرة من الجمهور الفلسطيني، الذي بعد أن فارق نشوة التحرير أرجعته صرخات البطون والبيوت والحشود الفقيرة إلى الأرض الحادة.
وكان التسريعُ (الديمقراطي) يعتمدُ على تلك المنظمة الفتحاوية الجماهيرية العريضة، غير الراسخة في بناها العلمانية الديمقراطية، والتي قبلتْ وجود الأحزاب الدينية، وبجعل تنظيم سياسي آخر يمثل الإسلام وحده، وبهذا فقد نزعتْ صفة الإسلام عنها وعن بقية الأحزاب العلمانية.
ولم يكن فضاء نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين مثل أزمنة الستينيات فقد غاصتْ المجتمعاتُ العربية في أزمة فشل التحديث الرأسمالي المحافظ بعجز تلك الأنظمة عن مقاربة الحداثة، وصعد محور دول العراق وإيران والجزيرة العربية، النفطي المحافظ الأكثر من السابق، وراجت الشعاراتُ المذهبية السياسية كشكلٍ لتدفق سكان القرى والبوادي على المدن العربية، طارحة فضاءً غيبياً لحل الأزمات السياسية والمعيشية.
وقد استثمرت منظمة حماس التكوين الإسرائيلي الأولي لها كمنظمة يكمنُ دورُها في شقِ صفوف الفلسطينيين، وخاصة شق منظمة التحرير، وكذلك بقائها الطويل المهادن على الأرض خلال عقود، وذلك الغياب للوعي الديمقراطي والعلماني وسط الجمهور الفقير الحاشد الذي امتلأت به أزقة غزة خاصة، وبهذا فقد كانت الانتخابات التي قلبت الأوضاع السياسية وشقت الفلسطينيين على مستوى المؤسسات وعلى مستوى الأرض، هي جزء من المتغيرات الفلسطينية التي جرت في الجمهور، وجزء من متغيرات المنطقة.
لقد جمدت فتح منظمة التحرير التي كانت مؤسسة مهمة لصقل الفكر الفلسطيني الديمقراطي العلماني المفترض والإسلامي العميق كذلك، وتحولت إلى تنظيم فضفاض، راح كوادرهُ يستولون على موارد مهمة، وبطبيعة الحال لم تكن قادرة على أن تكون معبرة عن برجوازية فلسطينية قوية، لضعف الصناعة ولعوامل الشتات، وحروبها، التي كانت كلها ضرباً للرأسمال الفلسطيني وللعمال.
وكان قادة حماس قد سيجوا الفقراء حولهم بشعاراتِ الغيبِ (الإلهية)، المؤدلجة لمصلحة بعض قوى الأرض الفاسدة، واستثمروا خطاب العنف الفلسطيني الإلغائي الطويل، (دولة من النهر إلى البحر) والذي تكرس بقوة في انفعالات الشعب العاطفية الحادة، وعلى بحار الدم الفلسطينية، فانتصروا انتخابياً وعمقوا أزمة الشعب الفلسطيني أكثر فأكثر.
وبهذا كانت الضربة لدكتاتورية فتح، وتبياناً لخطورة الخطاب العنفي الفلسطيني العاطفي، ولعدم التحضير المطول لإنشاء دولة علمانية، ولعدم تكريس سياسة السلام، ولعدم قراءة الإسلام بعمق.
وقد سارعت فتح في الحفاظ على سلطتها الحزبية، فأصدر المجلسُ التشريعي المنتهية صلاحياته والذي تسيطر عليه فتح عدة قرارات كبيرة محورية، وهي صدور مرسوم رئاسي بتعيين رئيس الموظفين كتابع لديوان الرئاسة، ومنع الحكومة المقبلة من تعيين أو فصل الموظفين، وتعيين أمين عام للمجلس التشريعي الجديد من فتح، وإنشاء محكمة دستورية يعينُ الرئيسُ الفلسطيني قضاتها، ونقل مسئولية الأجهزة الأمنية للرئيس مباشرة وليس لوزير الداخلية كما يُفترض، ونقل الإذاعة والتلفزيون إلى إدارة الرئيس كذلك، وبهذا قامت فتح بإفراغ سلطة حماس من نفوذها الأمني والإعلامي، رغم إنها حكومة منتخبة.
ولم تتقبل حماس هذا التحجيم ولم تقبل بدور العمل لتغيير أوضاع الشعب الفلسطيني الحادة، وابتعادها عن سلطات الرئيس التي غدت رسمية قانونية، فتوجهت للصراع مع مؤسسات الرئاسة ومن ثم الأنقلاب على السلطة العليا، وعدم القبول بقرارات الرئيس، ثم فصل قطاع غزة عن الضفة.
كان عدم توجه حماس للتركيز على أوضاع الشعب المعيشية التي كان ينبغي أن تكون بؤرة نشاطها الحكومي المفترض والتي أُنتخبت على أساسها، يعبر عن رؤية متضخمة لذاتها، ولكونها تتجاوز أطروحات فتح والقوى الوطنية الأخرى، فهي تحمل هوية (إلهية) قادرة على هزيمة إسرائيل عسكرياً، بعد أن عجز عن ذلك فارس الفرسان، وتمخضت تلك الهوية الميتافيزيقية عن إنصراف عن الأمور المحورية الاقتصادية للسكان، وجرهم إلى معارك غير متكافئة مع الجيش الإسرائيلي، وتخريب وضعهم المعيشي السيء. ومن هنا فهي تخاف من أية إنتخابات جديدة بعد أن تم كشفها على صعيد الممارسة السياسية الضعيفة على الأرض.
ومن الواضح بأن ذلك كله جرى وليس في حماس إهتمام جدي بعملية السلام المحورية في حياة الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد جاءت على أجنحة رؤية تصادمية هي إستمرار للماضي العنفي، وحاولت أن تجعل من الضفة وغزة الخارجتين بصعوبة من الأحتلال منطقتي حرب وبداية لتحرير فلسطين.
وقد توافق هذا مع سياسة المحور الإيراني – السوري، ومع صقور المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والحركات الدينية اليهودية المعادية للسلام، وهي قوى تشترك من خلال مواقعها المختلفة في تأجيج التدخلات في الدول والنزاعات وتوتيرها خدمة لأهدافِ كلٍ منها الخاصة.
وبهذا أصبح لفلسطين جسمان جغرافيان منفصلان، عوضاً عن ضم الجسم الثالث السليب.
وبدلاً من رئيس واحد صار لها رئيسان.
وصارت لها دولتان وعلمان، العلم الفلسطيني الرسمي والعلم الأخضر. وصار لها نشيدان الخ..!
وإنشغلت الضفة بطلب المساعدات وتغيير أوضاع الناس الاقتصادية وأنشغلت غزة بإطلاق الصواريخ، ومقاومة الحصار، وضاع برنامج التحرير والسلام إن لم يكن قد ضاع وجود الشعب.
لا بد من القول كلمة هنا حول استثمار حماس للإسلام، وهو بخلاف الاستثمار الفتحاوي الانتهازي النفعي السابق الذكر، فهو إستثمار رجعي متضخم، فقد حاولَ قادة حماس أن يضعوا أنفسهم مقاربة لمنزلة النبوة في صراعها مع اليهود، فكأنهم في نفس النزال ونفس المكانة! وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يواجه مجموعة ليست بضخامة اليهود الحاليين، ولا بعدتهم ولا بعلاقاتهم الجبارة مع قوى الهيمنة في العالم، وكان بقربه مئات الآلاف من العرب إستطاع أن يحركها ويوظفها، فكان صراعه معهم صراع اقتدار وانتصار ولغاية (تأسيسية) للأمة، وبعد ذلك جاء التعامل المغاير معهم ومع غيرهم بحسب إنسانية وديمقراطية الحركات والدول الإسلامية، أما صراع حماس الراهن مع إسرائيل فهو صراع إنتحار وكوارث على الشعب الفلطسيني!
فلا يجب توظيف آيات القرآن توظيفاً خاطئاً شرعاُ وسياسة، وإجراء عمليات المماثلة بين تاريخين مختلفين، في وضعين مغايرين، فتكون إساءة مزودجة لتاريخ الإسلام ولرموزه وللوعي والمسئولية في السياسة المعاصرة.
كانت الأوضاع الاقتصادية متردية في الضفة والقطاع منذ بداية القرن العشرين فيما تكشفه الأرقام، فيصف تقرير للأمم المتحدة الأوضاع بالصورة التالية:
(ذكرت بعثة منظمة العمل الدولية في تقريرها أن عمليات إغلاق الحدود الإسرائيلية ونقاط التفتيش بين الأراضي المحتلة وإسرائيل والبلدان المجاورة أثرت تأثيراً مأساوياً على اقتصاد المنطقة. فهبطت الأجور الحقيقية للعمال الفلسطينيين في إسرائيل بنسبة 46% تقريباً في 2001 مقارنة بالعام السابق، في حين تدنت إيرادات السلطة الفلسطينية بنسبة تزيد عن 70%.
وذكر التقرير أن تصعيد العنف والاحتلال العسكري للأراضي تسببا في أضرار مادية كبيرة بالبنية التحتية والأراضي الزراعية. وتقدر الأرقام الأولية تكلفة إعادة بناء المباني العامة والخاصة والبنية الأساسية في الضفة الغربية وحدها بنحو 432 مليون دولار أمريكي.
وأضاف التقرير أن النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي بالمناطق الفلسطينية هبط بنسبة 12% في عام 2001 كما هبط الدخل القومي الإجمالي الحقيقي – وهو مجموع الناتج المحلي الإجمالي وعامل الدخل المكتسب في الخارج (أجور العمال الفلسطينيين المكتسب في إسرائيل) بنسبة 18.7%.
ولاحظ التقرير أن أكثر من 90% من السكان الفلسطينيين يعتمدون على شكل من أشكال الدخل الناتج عن عمل في الأراضي المحتلة. وأضاف أن ” أي هبوط في الاستخدام في الدخـل الناتج عن العمل يترجم فوراً إلى هبوط في الاستهلاك والرفاهة”. وتشير التقديرات الأوليـة للمكتب إلى أن “البطالة يمكن أن تصل إلى قرابة 43% في الأراضي المحتلة خلال الربع الأول من عام 2002. وقد ازدادت النسبة المئوية للسكان الذين يعيشون في فقر (اقل من 2.1 دولار أمريكي يومياً) من 21% عام 1999 إلى 33% عام 2000 وإلى 46% عام 2001. وذكر التقرير أن الرقم يمكن أن يصل إلى 62% عام 2002. ووفقاً لما ورد في التقرير، فإن إسرائيل لم تنج من الانتفاضة. فقد عانى النشاط الاقتصادي في إسرائيل من انكماش حاد خلال عام 2001 بهبوط الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.5% خلال عام 2001بعد زيادة بلغت 6.4% عام 2000.
وقد تضرر الاقتصاد الإسرائيلي بشدة نتيجة ثلاث صدمات اقتصادية: تباطؤ الاقتصاد العالمي في النصف الثاني من العام 2000؛ وتدهور الوضع الأمني لنشوب انتفاضة 2000؛ وعواقب أحداث 11سبتمبر.
واستطرد التقرير قائلاً “وكانت الصناعات عالية التكنولوجيا هي الأشد تضرراً من جراء تدني النشاط في الاقتصاد الأمريكي، يليها هبوط بنسبة 50% في عدد السائحين في 2001 نتيجة أحداث 11سبتمبر، وتدهور الوضع الأمني الداخلي. وتعرض النشاط في قطاع البناء لفوضى حادة نتيجة الانسحاب المفاجئ لنحو 000 55 عامل فلسطيني، فضلاً عن هبوط الطلب المحلي والاستثمار العام. وامتدت هذه الصدمات التراكمية إلى الاقتصاد برمته.
وارتفعت البطالـة بشكل متواصل خلال عام 2001، من 8.1% في الربع الأول إلى 10.5% في الربع الأخير – أي ما يساوي 000 267 شخص. وأضاف التقرير أنه “تم استدعاء نحو 000 30 من قوات الاحتياط للخدمة العسكرية في الربع الأول من عام 2002، الأمر الذي قد يحدث أثاراً ضارة على أنشطة. واختتم تقرير المكتب قائلاً “يدفع السكان الفلسطينيون والإسرائيليون ثمناً باهظاً للاحتلال والعنف. ويشهد الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الأراضي المحتلة تدهوراً يومياً مع ارتفاع مستويات الفقر والبطالة التي أصبحت عملياً أزمة إنسانية سائدة).
لقد غدت البنية الاقتصادية الفلسطينية معتمدة على البنية الاقتصادية الإسرائيلية، وليس ثمة إمكانية للتفكيك بينهما، وأي علاقات توتر تنعكس على المعيشة بين الشعبين، كما يجري ذلك أيضاً على المستويين المصري والأردني بدرجتين أقل.
ولهذا فإن غالبية الشعبين تتطلع إلى علاقات جديدة بينهما، وبهذا فإن الأوساط المتطرفة في كلا الجانبين خفتت لكنها لا تزال قوية كذلك، فالقوى اليمينية المتطرفة الإسرائيلية ترفض أي إنسحابات وتقوم بتوسيع المستعمرات، وتعزز الجدار الفاصل، وتريد حدوداً تختلف عن حدود 1967، في حين تقوي حماس والجماعات الدينية المتطرفة في غزة التوتر وترفض الحلول السلمية لهذه الأزمة الرهيبة الطويلة التي إستنزفت الشعب الفلسطيني بدرجة خاصة لأسباب غدت واضحة.
ومن المؤكد بإن الحل النهائي للأزمة لن ينهي العلاقات بين الجانبين بسبب اعتماد العمالة الفلسطينية الكبير على الاقتصاد الإسرئيلي، وبسبب تدني أجور هذه العمالة وتفاقم الهجرة اليهودية من إسرائيل المضطربة نحو الغرب.
وفي دراسة أمريكية إستطلاعية عبرت شريحة من المواطنين العرب والإسرائيليين في داخل إسرائيل عن تأييدها للتعايش المشترك بين الجانبين:
(أظهرت نتائج استطلاع الرأي أن أغلبية مهمة من المواطنين اليهود والعرب يؤيدون التعايش، إذ عبرت الغالبية العظمى من المواطنين اليهود (73 %) والمواطنين العرب (94 %) عن رغبتهم في أن تكون إسرائيل مجتمعاً يقوم على الاحترام المتبادل بين المواطنين العرب واليهود وعلى تكافؤ فرص.)، (عن شبكة العلمانيين العرب).
إن نمو الفلسطينيين داخل إسرائيل يتزايد وهم يشكلون 20% من السكان، ويزاد حضور اللغة العربية وتدريسها في الجامعات الإسرائيلية.
ومن المؤكد إن نمو علاقات سلمية سوف يزيد الحضور السياسي للجمهور المدني وخاصة القوى العاملة المتضرر الأكبر من الصراع، وبالتالي فإن هذا سوف يزيد من حضور الأحزاب الديمقراطية والتقدمية في الجانبين.

 

الإقطاع الفلسطيني تابع التابعين

كانت سرقةُ فلسطين من قبل رأسِ المال اليهودي قد تركزتْ بشكلٍ خاص على الفلاحين الفلسطينيين، فالأرضُ كانت هي قلبُ الصراع، فأُنتزعتْ بأغلبيتها عبر حربي 48 و67.
(في الدولة العربية، كان الملاكون العرب يمتلكون 77.69% من إجمالي مساحتها، بينما لم يكن يملك الملاكون اليهود إلا 0.84%).
ثم تغيرت النسبة كلياً، وسُرقت كذلك المساكن وحيوانات الزراعة والمعدات والمواد الإنتاجية المختلفة، ولكن بقيت أراض زراعية فلسطينية عديدة منتشرة في الضقفة وقطاع غزة وفلسطين 48، وصمدت جماعات عديدة من الفلاحين. ولكن حتى الضفة الغربية المحتلة سُرقت منها أراض تبلغ 52% من مساحتها العامة.
فالفلسطينيون غير قادرين على تشكيل إقطاع بالمعنى الحرفي الزراعي مثل بقية البلدان العربية، وفقدان البلد والأرض يمنع تشكل دولة، والدولة هي الشكلُ الأساسي للإقطاعِ السياسي في التاريخ العربي الإسلامي.
كان الفلاحون والمنتجون الصغار والبسطاء هم القاعدة الأساسية للاجئين، فحملوا وعيهم الديني إلى الأقطار التي سكنوا فيها، فتداخلوا بسكان الأقطار العربية المتعددة، الذين شاركوهم همومهم، وغدت القضية الفلسطينة قضية عربية، وراحت الشعوب العربية تساهم وتتبرع، والحكومات تستغلُ الهمَ الفلسطيني لأغراضٍ شتى.
هذا التداخلُ العربي الفلسطيني سيكونُ له تطورهُ حسب الصراعات والتطورات داخل كلٍ من هذه الأقطار، وداخل الكتل الفلسطينية المختلفة كذلك، فسوف ينجرفُ العربُ لتأييد القضية الفلسطينية ثم يتراجعون عن ذلك، بسبب أن تنامي الدكتاتوريات النازفة للموارد في الدول العربية وفي الجموع الفلسطينية يخربُ النضالَ المشترك على كلا الجانبين.
إن زمنَ المساعدات الكويتية التي تتشكلُ في فضاءٍ حر نسبي هي غير المساعدات في العراق وسوريا حيث تتشكل عبر نظامين دكتاتوريين، فميلادُ فتحٍ في الكويت، غير إلحاقها بزمني العراق وسوريا. فيتشكلُ هناك في البرلمانية الكويتية شيءٌ من الفضاء العلماني الديمقراطي، في حين يتدهور هذا الفضاء مع بعثي العراق وسوريا. هنا تغوصُ فتح في الإقطاع السياسي ونفعيته وإنتهازيته. وهذا غير زمن الفوضوية السياسية في لبنان، هناك زمنيةٌ إجتماعيةٌ لتحولِ فتحٍ من الوطنيةِ التضحوية للإقطاع السياسي.
لقد تشكلتْ الخليةُ الأولى الأساسيةُ للدولةِ الفلسطينية عبرَ منظمة التحرير، وكان المناخ العام مناخ تضحية وفداء من قبل الجمهور الفقير الواسع في المخيمات، وسيطرت منظمة فتح على هذه الخلية الأولى، وعبر تكتيكاتها العسكرية المختلفة المتفاوتة بين المغامرات الرهيبة والتضحيات الكبيرة، تغلغلتْ في حياة الشعب وأنضم إليها الكثيرون، وغدت هي مشروع الدولة.
الأجواء التضحوية الثورية، والعمليات الفدائية، والبطولات، وثقافة النضال العارمة التي أشاعتها، كل هذه جعلت الجمهور يتصور أنها خارج قوانين الصراع الاجتماعي، ولا علاقة لها بسببيات الدول العربية السياسية، وأنها قادرة على أن تقفز على سيادات الأنظمة الإقطاعية والرأسماليات الحكومية العربية الفاسدة بتجرية ثورية (نقية)، لكن هذا الوعي الرومانتيكي بدأ ينهارُ مع تراكمِ الموادِ الواقعية السوداء، فالجماهير الشعبية المضحية بقيت مثل الجماهير العربية الأخرى مادة نزيف إقتصادي، والأسوأ للمغامرات العسكرية المجنونة، وتحولت أراض (محررة) في البلدان العربية إلى أراضٍ محروقة ومناطق للحروب الأهلية.
الهيمنة الفردية المطلقة من قبل ياسر عرفات ومجموعته على فتح تحولتْ إلى هيمنةٍ مطلقةٍ على منظمة التحرير، اليسارُ واليمينُ في المنظمة، لم يخرجا عن الخيوطِ الماليةِ التي تحركُ العرائسَ السياسية، وضجيجهما الهائلُ لم يشكلْ تيارات تنويرية وديمقراطية وليبرالية فلسطينية مؤثرة متصاعدة التأثير، ومثلَ قاعدة الأنظمة العربية الإقطاعية والرأسمالية الحكومية العربية: من يملك الخزانةَ يصيغ التاريخَ السياسيَّ ويُشكلُ الدُمى على المسرح الفقير من العقل.
بل لقد ساعد اليسارُ الطفولي الفلسطيني في تقوية اليمين الإقطاعي، المستولي على الخزانة، بمغامراتهِ وصخبهِ وعنفه، حتى بدا العقل عند فتح، التي جمعتْ بين الدهاءِ والفساد.
لكن المال الذي يأتي للخزانة الفلسطينية لم يكن فقط من الضرائب على الشعب الفلسطيني الفقير المنهك، وحتى هذه لم تأت إلا بقرارات عربية سيادية، بل كذلك من فوائض النفط العربية، التي تدفعها حكوماتٌ عربيةٌ عديدة، كل منها لها سياسة، وتوجهتْ لفردٍ أو لمجموعةٍ لم تكن تمتلك وسائل المحاسبة السياسية والمالية الدقيقة، ولم تكن ثمة حكومة، ولم يكن ثمة برلمان منتخب، وبهذا فإن السيولةَ الماليةَ سالتْ في بعض الجيوب.
لقد نشأتْ بذرةُ الدولةِ الفلسطينيةِ من هيمنةٍ فردية، وفي أجواء بخور الفلاحين الديني المُنتزَّعين من الأرض، والذين شلت إراداتهم النضالية المطلبية وتناثروا في الملاجئ، وحملوا سذاجاتهم وغضبهم معهم وعبدوا الجملةَ الثورية باعتبارها المنقذ مثل الإله، وبحثوا عن البطلِ الفرد الطائر وراءَ الإسراء والفتوح القدسية، فجاءهم البطلُ وهو يركبُ حصانَ الفسادِ البترولي العربي ودكتاتورياتِ المشرقِ والمغرب العربيين، الباحثين عن زكاةٍ حلالٍ من خلالِ الدمِ الفلسطيني لكلِ السرقاتِ التي يقومون بها، ولكلِ الإنقلابات التي يدوسون بها على الشعوب.
حين كان الفلسطينيون يقومون بعملِهم السياسي الفوضوي ويفتقدون الديمقراطية والوعي العلماني التحديثي كانوا يخسرون على الجانبين العربي والإسرائيلي، فالعربُ ينسحبون من تأييدهم نظراً لتأييدِهم دكتاتوريات الأنظمة التي تبطشُ بهم ليل نهار وكانوا يعتقدون أنهم سيكونون شركاء معهم في نضالهم المشترك!
ونظراً لعجزِهم عن الاعتمادِ على شعبهم الفلسطيني بشكلٍ مستقل فهو الوحيد الذي كان يمكن أن ينقذَهم من الارتماءِ في أحضانِ الأنظمة الفاسدة ولكن هذا كان يتطلبُ ثوريةً صبورة حكيمة وليست إستعراضية بلهوانية، وهذا كله أدى إلى نمو جراثيم البرجوازية الطفيلية داخل القيادات الطليعية المفترضة، وكانت فوضوية وإنتهازية الجماعات المنظمة والمراهقة السياسية هنا خسارة على الجانبين، فهي التي أدتْ من جهةٍ أخرى لتماسك إسرائيل وتبعية العمال اليهود للبرجوازية الاستغلالية السارقة للأراضي والثروات الفلسطينية، وخسارة الأشقاء العرب العمال في المعركة المصيرية العظيمة المشتركة!
ياسر عرفات مثّل نموذج هذا العمل الغريب بالقضيةِ والدينِ والعلمانيةِ فلا أحد يستطيع القبضَ على موقعهِ الفكري، ولم يصمد في مشروعه الأولي عن دولة فلسطينية علمانية ديمقراطية تجمع العرب واليهود حيث لم يؤسسْ أيةَ خطوات صغيرة لها على الأرض ولم يكن قادراً لا فكرياً ولا سياسياً على الثبات في هذا المشروع وتطويره، ومثلَّ مأساةً مروعةً للنضالِ في العالم الثالث، ولم يُعرفْ دوره تماماً فهل هو القائد البطل أو المستثمر في الدم والنقود، هل هو الذي ينجو من المذابح الفلسطينية أم هو الذي يغتني من خلالها؟
والأهم هو هذا التلاعب بنقود الناس الفلسطينيين والعرب معاً، وهل كانت حربُ العصاباتِ تحتاجُ لتأسيسِ أهراماتِ النقود ولأن تكون بميزانيات شركات عابرة للقارات؟
(نشرت صحيفة الرأي العام الكويتية في تاريخ 24 كانون الأول/ ديسمبر 2004 تقريراً حول شبكة استثمارات عرفات العالمية، وذُكر في التقرير أن قيمة إستثمارات عرفات في جميع أنحاء العالم نحو 799 مليون دولار موزعة على شركات اتصالات وبرمجة وغيرها من الشركات العالمية والإقليمية والمحلية من أمثال سترايك هولدينغنز، وشركة الاتصالات المحلية في الجزائر، وشركة سمبلكستي للبرمجة)، (تقرير حول الفساد في منظمة التحرير، إعداد وائل سعيد).
إن الخطوات السياسية منذ بدء نضال الفلسطينيين والتي لم تستند على رؤية طبقية وطنية ديمقراطية وأممية، والتي كان محورها المفترض جذب العمال الإسرائيليين لنضال ديمقراطي مشترك ضد الصهيونية والحرب والإستغلال، قد جعلتهم معلقين في فضاء الشرق الأوسط السياسي، الإقطاعي العربي الديني، فغدت المشروعات السياسية تنزلقُ على سطحٍ إجتماعي أملس، فمن حرب العصابات وضرائبها الجسيمة حتى الدويلة التي لن تكون سوى – عبر هذا الوعي السائد- سوى قطائع مفتتة تابعة للبرجوازية الإسرائيلية المسيطرة.
الرؤية الوطنية القومية الدينية اليمينية التي بدأت في وقت مبكر كانت لديها شعب واعد لنضالٍ عميق تقدمي، لكنها لم تكرسْ هذه العناصرَ الديمقراطيةَ والعلمانية الجنينية، وصعّدت الفئات الإنتهازية، التي سدتْ مسامَ الثورة المستمرة في عروقِ العاملين العرب واليهود، وركبتْ على الجسور الخربة للدكتاتوريات العربية، حتى وجدتْ نفسَها شبهَ محطمةٍ في حرب لبنان، فقبلتْ بأي حلٍ ينقذها من عالم الحطام السياسي الذي صنعته.
فتح وحماس وليدتان لوعي مذهبي إقطاعي يميني واحد، كلتاهما نتاجُ حركةِ الأخوان المسلمين في مصر التي هي وليدةُ حركةِ الأخوان في السعودية، أي هي الحركةُ المعاديةُ للحداثةِ والديمقراطيةِ والعلمانية طريق الأمة العربية للنهضة والتحرر والوحدة.
في إنبثاقهما المقارب من مصر وغزة، وولادتهما من أصلٍ مريضٍ واحدٍ، تباينَ تطورُهما التالي، فرحلتْ (فتحٌ) للكويت، وتشربت ظرفاً جديداً، فيما غاصتْ (حماسٌ) في غزة بسبب الظروف التاريخية لتفككِ الشعبِ ولتفككِ الأجزاءِ الأخيرةِ المحتلة.
توجهتْ فتح للتجارة السياسية بالوطن، فيما توجهت حماس للتجارة بالإسلام، وكما أن فتح لها جذور دينية، فحماس لها جذور وطنية، لكن المادة الخام الفكرية هي نفسها، لا يُحفر فيها ولا تتشكلُ أبنيةٌ فكرية عميقة فيها، فتفصلُ الوطنَ والإسلامَ عن الإمتلاكِ الكلي لهما من قبلِ تنظيمات سياسية، فيحدثُ الإمتلاكُ الكلي بالضرورة عبر الدكتاتورية، وهي لا تأتي إلا بالحصولِ على الأموالِ بطرقٍ فاسدة، فتتكون النخبُ الانتهازيةُ المأجورة للقيادات.
كان حراكُ فتح أوسعُ حينذاك وقد دغدغتها الفترةُ القوميةُ الحماسية وخفوت الإقطاع الديني المحافظ، وكانت حركاتُ الأخوان ضد ذلك المد القومي التحرري ومتشبثة بالإقطاع الواعد بالنفط وبالقوى الأجنبية الاستعمارية، لكن كلا الفصيلين كانا تابعين لنفسِ الجذور، والفئاتُ الوسطى الصغيرةُ تتحركُ بتوسعٍ حسبَ مناخ النقود الأكثر، فكان حراكُ فتح الذي رصدناه وكوّنَ فئةً مهيمنةً على المال العام الفلسطيني، قد كسب الأغلبية الشعبية الفلسطينية.
وكما رأينا كيف مثَّلَ القبولَ بالدويلة الصغيرة الواعدة في الضفة وغزة، هزيمةً عميقة لخيارِ العلمانية والديمقراطية والحرية، فكانتْ عمليةُ قفزةٍ في الهواءِ مثلما فعلتْ القيادةُ اليمينيةُ الجنوبيةُ بقبول الوحدة مع الشمال، أي هو الهروبُ إلى الإمامِ بسببِ عدمِ تنفيذِ مهامِ النضالِ الديمقراطي العلماني، فكان نتاجاً لسياسةٍ فشلتْ في إستثمارِ القوى العمالية والشعبية والرأسمالية النهضوية المعادية للصهيونية في كلٍ من فلسطين وإسرائيل، وتشكيل السير الحثيث الصبور للقوى الديمقراطية المتجذرة في الأرض الفلسطينية الكلية، والناقدة للتخلف الديني الاجتماعي.
لكن هذه الثروة الشعبية لم يُحافظ عليها ولم تُطورْ بل طُورتْ الثروةُ الماديةُ لدى النخبة الحاكمة، وبهذا إنضمت لقوى الإقطاعِ العربي وللرأسمالياتِ الحكوميةِ الفاسدة التي تقوم فوقها فما أحدٌ يبلع مالاً من هذه القوى حتى يغلق فمه النقدي، وما أعتبرتهُ إنتصاراً تحولَ لهزيمةٍ صاعقة وصفعة سياسية مدوية لتلك الشعبية ولقوى منظمة التحرير، التي كشفت نفسها كذيل سياسي لفساد فتح.
ظهر الشعبُ المُنتخبُ إنه مؤثر لرمزية الإسلام المضادة للإستغلال والفساد حسب مستوى وعيه دون إدراك تنويري علماني لم تواصل فتح في تشكيله، ففشلت قياداته على مستويي الدفاع عن الثروة المادية والدفاع عن الثروة الروحية.
مرة بعدم النضال من أجل تنويره وتطوير فهمه للوطن والإسلام، وهذا لا يحدث بدون نضال ديمقراطي إجتماعي، وبنقد للعادات الاجتماعية المتخلفة في الزواج والإرث والتراث والعادات والتفكير، أي يتطلب منظمات مناضلة واعية بين الشعب، وليس صاحبة خطابات على المسارح العربية الضاجة بالميكروفونات الصاخبة.
النضال ضد حماس هو نضال من أجل الديمقراطية الاجتماعية، بتغيير حال الشعب المتخلف، بإعادةِ النظرِ في هيمنةِ القوى الإقطاعيةِ على الإسلام منذ بني أمية، وليس أن تضعَ صناديقَ الانتخابات بين هذه الأيدي غير المدركة لتعقيد النضال الوطني الفلسطيني.
كذلك بتغييبها إستثمار التقدم النضالي للقوى الشعبية في إسرائيل ضد الطغيان فيها، وبدون ذلك تُمزقُ صفوفُ العربِ والمسلمين، والمسيحيين واليهود، أي كل القوى الشعبية المتضررة من سياسات الغزو والإحتلال والإستغلال، لتهيمن الصهيونية عليها بأشكالٍ شتى عبر الانتهازية الفلسطينية اليمينية الفاسدة أو عبر المذهبية الاستغلالية اليمينية الأخرى المنتفخة بمغامراتها وتجارتها بالدين.
إن إنهيار المشروع العلماني الديمقراطي لفتح هو ثمار التنازلات المختلفة، وضعف تلك العناصر الديمقراطية الرقابية على القيادة وغياب حضور القواعد الشعبية، وجرى خلال ذلك تأييد الرأسماليات الحكومية العربية الشمولية التي وصلت إلى درجة الأزمة الخانقة كالعراق، وحركاته المخربة للتطور الديمقراطي العربي، ويتسبب ذلك في تجفيف ينابيع المال والتأييد لفتح، مثلما جرى الأمر عبر الالتصاق بالأنظمة الروسية والسورية والمصرية، أي لقد حدثتْ سلسلةٌ من الانهيارات في التحالفات العالمية والعربية، تشيرُ إلى عدم فهم القيادات الفتحاوية لفشلِ نماذجِ ومشروعات الرأسماليات الشرقية الشمولية ووصولها للأزمةِ العميقة والانهياراتِ المتتالية، وبضرورةِ إنتزاع نفسها وهي مشروعُ تحررٍ ديمقراطي مفتوح وليست نظاماً من تلك الأنظمة المسدودة الأفق.
لقد إستبقتْ الحركاتُ المعارضةُ العربية نماذجَ الرأسماليات الحكومية المستبدة عربياً وعالمياً، داخل كياناتها التنظيمية، وقلدتها وتماهتْ مع فسادِها وضيقِ فكرها، فصارتْ غيرُ قادرةٍ على إنتاجِ نماذج التطور الديمقراطي العلماني، فجاءت هزائمها السياسية.
جسدت حماس إختراق وتضعضع المشروع الوطني الفلسطيني التحرري العلماني، وهي سمةٌ (عربية إسلامية) عامة، نظراً للأصول المحافظة الإقطاعية للحركاتِ الدينية التي كونت التقليدية واللاعقلانية النصوصية بعد سقوط الخلافة الراشدة، وهي تعتمدُ على تمزيقِِ صفوفِ العربِ والمسلمين، وضرب الحداثة وهي القشرةُ الرقيقة التي تكونتْ في سنواتِ التحرر الوطني، وكلما زاد فساد وإنتهازية القوى الوطنية وتخليها عن المشروع العلماني الديمقراطي التقدمي، كلما قامتْ تلك القوى الدينية بإستثمار مناطق التخلف لدى الجمهور وغياب العدالة لتأصيل مشروعها الإنقسامي المتراجع عن قيمِ النهضةِ والتوحيد.
من هنا فتمزيق حماس لوحدةِ الشعب الفلسطيني وجره للوراء، والاشتراك في تحالفاتٍ إقليميةٍ مُفتتةٍ لصفوفِ للمسلمين ومهيجةٍ للطائفيات السياسية وللدفاعِ عن الرأسماليات الحكومية الفاسدة الرافضة للديمقراطية والإصلاح، هو إستثمارٌ لتناقضات النضال الفلسطيني التي نخرتْ فيه طوالَ العقود السابقة ولعدم تشكيله للبرنامج النهضوي التحرري العميق.
(حماس) هي تعبيرٌ عن رمزيةِ الأخطاءِ الفتحاويةِ والفصائليةِ وللتخلي عن العلمانيةِ والوطنيةِ والديمقراطيةِ والأمميةِ وعدم تطويرها في حلقاتِ العملِ السياسي السابقة.
ولهذا كلما تم إصلاح هذه الأخطاء وتواجدتْ جبهةٌ نضاليةٌ ديمقراطية تقدمية كلما أخفقت الأصواتُ الطائفيةُ المحافظةُ المستغلةُ للإسلامِ وتوظيفه لهدمِ نضال العرب والمسلمين المعاصر من أجل التقدم والتحرر.
فثمة ضرورةٌ كبرى لإعادةِ النظرِ في المشروع التحرري الفلسطيني منذ بدايته، ونقده، وضرب الفساد الذي عشش داخل أجهزته المسيطرة، وإحداث قراءات ديمقراطية علمانية للتراث والأوضاع الاجتماعية المحافظة للجمهور وتغيير حياته المادية الصعبة، وبضرورة العلاقات الوطيدة مع النضال الديمقراطي العلماني داخل العالم العربي وإسرائيل، وهي كلها عمليةٌ صعبةٌ تاريخية لكن لا يوجد بديل عنها.
رأينا كيف تجاوزت حماس أخطاء فتح وفتحت باب الإنهيار الوطني الفلسطيني العام، وعلى كلِ المستويات تم إختراق البيت الفلسطيني، فمزيد من الهيمنة الإسرائيلية والغربية ومزيد من تبعية القضية لأنماط جديدة من الإقطاع الأشد تخلفاً في المشرق العربي، ووصل التمزيق لصفوف المسلمين غير العرب، وسحب أيديهم من التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته.
كما قامت حماس بتقوية القوى الصهيونية داخل إسرائيل وخارجها.

صراع الطوائف والطبقات في «إسرائيل»

يعبر قيامُ إسرائيل عن مجموعة كبيرة من التناقضات السياسية والثقافية، فقد أُقيم المشروعُ من قبل الحركة الصهيونية، التي ظهرتْ في الغرب، ومثلتْ مستوىً دينياً واجتماعياً مغايراً لبقية اليهود في العالم، وخاصة اليهود الشرقيين، فسيطر ما يُسمى بــ(الإشكناز) على مقاليد السلطة وغدوا طبقة مميزة تناهض أي قوة إجتماعية تحاول الصعود.
منذ البداية كان مشروع إسرائيل متضاداً فقد أقامه اليهود العلمانيون المفترضون، فهو مشروع ديني بقيادة رأسمالية غربية يهودية، علمانية، فظهرت دولة حديثة ديينة معاً، فهي لا تنتمي للعلمانية ولا للدين، وهي خليط غريب بينهما.
إن النسيج الديني نفسه لا يقوم على دولة متوارثة ذات تقاليد متنامية، فلم تكن ثمة دولة، ولا تراكم تجربة سياسية حكومية، بل قامت على أحلام وذكريات أمتدت لقرون مديدة، فكيف يتحقق نسيج ديني موحد بناء على تاريخ الشتات الطويل؟!
لو أن اليهود الشرقيين قادوا بناء الدولة لجاءت الدولة دولة شرقية متخلفة، لكن اليهود الغربيين قاموا بهذه العملية ونقلوا المشروعات الغربية إلى إسرائيل، وهذا كفل لهم كذلك ليس القيادة الروحية فحسب بل القيادتين الاقتصادية والسياسية.
ومع هذا فإن اليهود الغربيين العلمانيين والتحديثيين قليلو الارتباط بالتقاليد الدينية اليهودية الصارمة، مما خلق تضاداً عميقاً بينهم وبين اليهود الشرقيين المُبعدين عن السلطة والامتيازات الاقتصادية، فقام هؤلاء بإستثارة التقاليد الدينية وتجذيرها في الدولة العلمانية المفترضة.
إن هذا الصراع الاجتماعي بين يهود الغرب ويهود الشرق ينعكسُ دينياً، بين شكلين من تبني اليهودية، أي بين يهودية تحديثية وبين يهودية تقليدية.
تناقضات العلمانية واليهودية عميقة، فقد تأسس النظام على أساس سلطة الحاخامات في تحديد من هو اليهودي، وأشترطوا شروطاً صعبة ومن أهمها أن يكون اليهودي من أسرة يهودية، وعن طريق أم يهودية، وهو أمرٌ من الصعوبة تحقيقه، خاصة لليهود الشرقيين الذين كان الكثير منهم مسيحيين.
تحديد السكان وأصولهم، وجعل هذه الأصول هي المسيطرة سياسياً، يجعل الدولة دينية غير علمانية، في حين أن ماكينة عمل الدولة تعتمد على الانتخابات الحرة والأحزاب المتصارعة، وهي آلية غربية ديمقراطية.
إن هذه الشروط وطرق العمل السياسي الأساسية تجعل أحزاب الأشكيناز هي المسيطرة، لكنها تؤدي كذلك إلى ردود فعل الأحزاب الدينية الشرقية وتصاعد دورها، فظهر بين اليهود الشرقيين حزب (شاس) المؤثر والذي يمنع الأحزاب العلمانية من التفرد بالسلطة.
فلا يُعرف حقيقة هل إسرائيل دولة علمانية أم دينية، أهي شرقية أم غربية؟
لكن الثروة توحد القوى الرأسمالية فيها سواء كانت تنتحب كثيراً عند جدار المبكى أم كانت لا تراه إلا في الصور.
ومع تجذرها الرأسمالي الكبير، وقد كان اليهود منذ زمن الكنعانيين رأسماليين في الشرق ثم في الغرب، فإن الصراع لا يدور عن توزيع الثروة فقط، بل أيضاً حول أنصبة الطوائف في حصص الحكم، والأمران يتداخلان ويغينان بعضهما البعض، الثروة تقود للحكم والحكم يقوي الثروة.
هل تؤدي التقاليد الدينية القوية في الدولة إلى الرجوع للبنى الإقطاعية الشرقية؟
هذا غير ممكن، سواء بجذور اليهود التاريخية التجارية، أو بسبب تعاظم الدور الرأسمالي في دولة أقيمت على أساس صناعي غربي متطور، ولكن مع هذا فإن التقاليد الدينية وتدني مستويات اليهود القادمين من الشرق، تجعل الميراث المحافظ موجوداً بقوة، ويؤججه الصراعُ مع العرب خاصة.
إذن فإن التناقض الأساسي في الدولة الإسرائيلية هو تناقض ديني بين اليهود الغربيين (الإشكيناز) واليهود الشرقيين (الإسفارديم).
ولماذا لا يحدث التناقض الطبقي هنا ويغدو هو محرك الحياة السياسية؟
هذا يعود إن قيادتي الطائفتين قيادات في نفس الطبقة الرأسمالية الحاكمة، لكن عبر مستويات اقتصادية واجتماعية متباينة، وبتقاليدٍ مختلفة، تمثل المكونين الأساسيين للسكان، القادمين من الغرب، وللسكان القادمين من الشرق، وهما ذا مستويين مختلفين رأسماليين، أي أن تطور الرأسمالية اليهودية في الغرب متطور عن مستوى الرأسمالية في الشرق.
ومع هذا فإن المستويين المختلفين اجتماعياً بدرجات معينة يشكلان اختلافات سياسية قوية، فتدخل في الصراع عواملٌ أخرى كاستثمار العمال في الانتخابات والاستفادة من التقاليد الدينية من أجل الوصول للكراسي على طريقة الجماعات الطائفية في العالم الإسلامي تماماً.
ومن هنا فإن العلمانية تتدمر مرة أخرى فتغدو الدولة دينية ليس على مستوى القمة الحاخامية فقط بل على مستوى القواعد السياسية، في حين أن الدولة صناعية.
وهذا أمرٌ يعود لطبيعة تشكيل الدولة القصير نسبياً، وزراعتها داخل غابة تراثية أسطورية، وعودتها للشرق جسماً وبقسمٍ كبيرٍ من السكان، فالقمة الصناعية رأسمالية متطورة والقاعدة شرقية تقليدية.
بل أن الأمر لا يقتصر على هذا، فوجودُ دولةٍ متغربة عن منطقتها وغازية على جسم سياسي لا يعود إليها، ويقوم هذا الغازي نفسه بغزو آخر يحتل فيه أراضٍ عربية جديدة، إن ذلك كله يعيده إلى تاريخ الاستعمار الغربي وطريقة الاحتلالات القديمة وهو ما يظهر في حركة الإستيطان:
(فيما تلعب حركة غوش أمونيم المتطرفة والتي تعتبر أحد امتدادات الحاخام المتطرف مئير كهانا دورا عنصريا مميزا، وهي التي جندت الدين في خدمة الاستيطان، ولهذا فهي في صراع مع جميع الحكومات من أجل الحصول على امتيازاتها الخاصة في دعم المستوطنات والوجود الاستيطاني في الضفة والقطاع والقدس الشرقية.)، (من كتاب الهامشيون في إسرائيل، د. أسعد غانم).
وتمثل حركة الاستيطان إستغلال الدين لغايات اقتصادية وسياسية واضحة، فالحركات الشرقية الدينية تقوم بإلهاب المشاعر الدينية من أجل أغراضها.
إن صراع العلمانية والحركة الدينية قديم في النشاط السياسي لليهود، ففي العصر الحديث وخاصة في أوربا الغربية ومع هزيمة الأنظمة الإقطاعية الدينية المسيحية أخذت الطائفة اليهودية تطرح بقوة على نفسها مسألة الهوية الدينية في عصر علماني غربي هائل؛ إلى أين تتجه؟ وهو سؤال مصيري تم طرحه في عقر الحداثة، وكانت نتائجه خطيرة جداً على وضع اليهود وعلى أمم أخرى لم يكن لها علاقة بذلك.
ظهر أتجاه علماني قوي في الجماعات اليهودية يطرح حلاً فردياً على كل يهودي؛ (كن يهودياً في بيتك وحداثياً علمانياً في العالم الخارجي).
وهو اتجاهٌ تنويري بين اليهود المثقفين، لكن لا يتطابق مع أوضاع اليهود عامة، فهناك ملايين من اليهود خارج هذه الأسئلة وتعيش عالماً تقليدياً سواء في الشرق أم الغرب.
وهكذا فإن حركة علمانية تولدت عبر الثقافة الديمقراطية الغربية السائدة، راحت تدعو إلى العيش التحديثي في الغرب نفسه، وعدم الذوبان كذلك في علمانيته.
لكن قوى أخرى تمثل اتجاهات متطرفة رأت ضرورة إستمرار الحي اليهودي المنفصل (الجيتو) عن المدينة الغربية الرأسمالية المتطورة التي راحت تزيلُ الأحياءَ الدينية والمذهبية الخاصة، في كلٍ اجتماعي لا يعرف الهوية الدينية بل يعرف الهوية المواطنية، لكن الرأسماليات الغربية الحكومية كذلك لم تـُزلْ جذورَ حكوماتها المسيحية بطبيعة الحال، وبهذا فإن مشروعات الغزو الاستعماري الغربية قوت الدينية التبشيرية والساحقة لشعوب العالم الثالث (الوثنية)!
وبهذا فإن الاتجاهات اليهودية المتطرفة وجدت في نمو الاستعمار قوة جديدة لتصاعد دورها، خاصة أن بعض اليهود يكونون شركات كبيرة، بحاجة للتوسع والمواد الخام والمستعمرات!
هكذا التحمت حركة (التنوير) اليهودية بالحركة الصهيونية وشكلتا الجسم السياسي للأشكناز الذين يديرون الدولة العبرية، فلم يعد اليهودي يهودياً فقط في بيته بل في شارعه ومستعمراته وأراضيه!
إن قيادة هذه (الطائفة) بالمعنى السياسي للدولة كما أوضح سابقاً، نقلت اليهود إلى مغامرة سياسية عالمية محفوفة بالكثير من المخاطر على الشعوب وعلى اليهود أنفسهم، ولم تستطع أن تكون إسرائيل (جيتو) مناطقي، منفصل عن محيطها، ولم يستطع أن يكون اليهود الغربيون هم كل سكانها، فحدثت تلك التناقضات السكانية والسياسية المتعددة.
فغدت حركة التنوير اليهودية ظلاماً يرفض أن يتغلغل لتعرية الدين وجذوره، ويكتشف في اليهود بشراً مثل غيرهم، فأحاطت بهم الأسلاك الشائكة الثقافية، وتفجرت حروب الاقتحام والاستعمار والإستغلال فعجزوا عن التنور والتماهي مع بقية البشر، وخاصة الناس الذي اقتحموا أرضهم وطردوهم وأستغلوهم.
وحتى تجاه اليهود الشرقيين الذين تعكزوا عليهم من أجل تضخيم العدد السكاني، جعلوهم في المرتبة السكانية الثانية، فالثالثة يحتلها العرب.
ففيما يقيم رأسماليو الإشكناز في إسرائيل في المدن المتطورة ويحصلون على ظروف عيش باذخة، يعيش الكثير من اليهود الشرقيين في ظروف الفقر والتمييز.
(ويتعرض اليهود الشرقيون إلى محنة واضحة على الصعيد الاجتماعي أيضا، فهم معزولون في أحياء قذرة وفقيرة في إسرائيل، إذ يسكن الكثير منهم في مساكن العرب القديمة التي تم هجرها بسب النكبة، في الوقت الذي يسكن فيه اليهود الأشكناز في أحياء جديدة راقية بعيدة عن أماكن القاذورات والمناطق الصناعية وفضلاتها، إضافة إلى فوارق في التعليم أيضا.)، (المصدر؛ الهامشيون في دولة إسرائيل).
وعبر هذا الفقر والمحدودية الثقافية تستثمر قوى التطرف السياسي الإسرائيلي مثل هذه الأوضاع لخق حركات يمينية متطرفة، كما ظهر حزب(ليكود) الذي هيمن على السياسة الإسرائيلية خلال سنوات عديدة، وهو أمرٌ يشاركهم فيه جيرانهم العرب كذلك.
هناك صعوباتٌ شديدة في تشكل مواقف مشتركة للطبقات العاملة في كل من إسرائيل وفلسطين المتداخلتين، فالطبقة الحاكمة في إسرائيل تستغلُ كلاً من البلدين وجمهورهما العامل بضراوة.
وفي إسرائيل فإن الطبقة الحاكمة المكونة من سياسيين من قوى علمانية ودينية ثرية تركز على سياسة السيطرة على الضفة وغزة وعدم إستقلال فلسطين إلا بشروط مجحفة، فيما تستغل القوى العاملة في إسرائيل المكونة من يهود وعرب.
في حوار أجراه اليساريون العرب المغاربة مع عضو حزب شيوعي إسرائيلي من النمط التروتسكي، يقول:
(لقد تغير المجتمع الإسرائيلي كثيراً جداً خلال السنوات الأخيرة. لقد مرَّ وقتٌ كانت فيه إسرائيل قادرة على ضمان التشغيل الكامل وتحسين شروط عيش الشعب الساكن فيها. أما الآن فالبطالة تجاوزت نسبة 10%. الحكومة تعمل دائما على الاقتطاع من النفقات الاجتماعية. هاجمت أنظمة التقاعد، التعليم، الصحة وغيرها. وقد صرنا الآن نرى المتسولين في شوارع إسرائيل! والهوة بين الغني والفقير تتصاعد.
إن إسرائيل مجتمع طبقي، مثلها مثل أي بلد آخر. توجد فيه طبقة عاملة، مكونة من اليهود ومن العرب. وتوجد فيه أيضا طبقة سائدة. وهناك صراع طبقي كما يظهر من خلال العديد من الإضرابات)، (حيفا، 18 يوليو 2006).
تحول الحكوماتُ الإسرائيلية المتعاقبة الوضع الفلسطيني وخاصة التطرف فيه لأداة سيطرة عسكرية وإستغلال، وعبر الإدعاء بكون الفلسطينيين يشكلون خطراً وجودياً على إسرائيل فقد تفاقمت النفقات العسكرية بشكل هائل واقتطعت من عيش الناس، وبهذا فقد غدا حل القضية الفلسسنية ومشاكلها لدى الجمهور الإسرائيلي قضية محورية في حياته وأيدت السياسة السلمية وضغطت في إتجاهها لكن ظهرت جهاتٌ عربية أخرى تواصل تبرير الميزانية العسكرية الخيالية باستمرار المواجهة العنيفة.
يقول السياسي اليساري الإسرائيلي:
(إن المسألة القومية تعقد بشكل هائل مهمتنا هنا. فبينما الطبقة العاملة في إسرائيل طبقة مضطهدة من طرف طبقتها السائدة نفسها، فإن إسرائيل كدولة تضطهد شعباً بأسره، أي الشعب الفلسطيني. وطالما بقي الشعب الفلسطيني مضطهداً فإنه لن تكون هناك أية حرية حقيقية للعمال الإسرائيليين. إن النضال من أجل حقوق الشعب الفلسطيني هو جزء لا يتجزء من نضال العمال الإسرائيليين من أجل تحررهم الخاص.) .
إن الأوضاع متداخلة بقوة بين فلسطين وإسرائيل، وأي نمو لنضال القوى العاملة في إسرائيل يتطلب التوحد مع نضال الشعب الفلسطيني، والخروج من دوامة الوعي الديني العنصري، في كلا الجانبين، ونجد أن قوى عديدة في الجانبين بدأت تتخذ مواقف عقلانية ومتقاربة، لكن القوى القومية والدينية المتطرفة لا تزال كذلك ذات حضور قوي وتمنع فريقا السلام من العمل المشترك.
وإذا قامت القوى الديمقراطية في فلسطين بتطوير وعيها السلمي منذ الرئيس السابق ياسر عرفات ومواصلة بومازن هذا الخط، فإن هناك ضعفاً كبيراً في الجانب الإسرائيلي لهذا التوجه بسبب ما قلناه من الإرث الشمولي الغائر في الحركة الصهيونية، وبسبب إستغلال الجمهور العامل الإسرائيلي والفلسطيني، وخاصة في الجانب العربي لما يتم دفعه من أجور رخيصة لهؤلاء العمال قياساً حتى بالعمال الإسرائيليين، كذلك فإن بقاء التوتر بين الجانبين يجعل القوى المسيطرة العسكرية – الصناعية في قمة المجتمع متحالفة مع الحاخامات!
لقد كان التصور الأساسي للمجتمع الإسرائيلي بأن يكون قاعدة سكانية عسكرية في حالة طوارئ مستمرة وعمالاً مفرغين من وعيهم العمالي الإنساني وخاضعين للحركة الصهيونية، وهذا يتطلب سياسة مواجهة دائمة، وإذا لم يوجد طرف يواجه إسرائيل فلا بد من خلقه وتوتيره حتى يندفع للمواجهة!
كانت سياسة السلام مؤثرة ومزعجة للأوساط الإسرائيلية الحاكمة، ولهذا تكرست بقوة في سنوات المواجهة، والآن تقوم بمساعدتها القوى والأوساط الدينية والقومية العربية والإسلامية المتطرفة، وتعطيها المبررات لزيادة الأنفاق العسكري وطلب المساعدات وتصوير إسرائيل المحاصرة المخنوقة!
ومن هنا فإسرائيل الحاكمة تعمل على بقاء الحد الأدنى من سياسة المواجهة المتوترة كذلك تقوم بالابتزاز في مفاوضات السلام، بحيث تكسب من الجانبين.
وهنا فكلما زادت الأطراف العربية في سياسة السلام ورفضت التنازلات المصيرية، وتوقفت عن سياسة العنف وحركت قوى السلام واليسار الإسرائيليتين كلما فقدت تلك القوى الحاكمة الإسرائيلية أوراقها.
خاصة إن هذه السياسة العدوانية الاستعمارية العتيقة تواجه برفض جمهور متسع من الأقليات اليهودية المضطهدة والتي تريد العيش وزيادة دخولها بدلاً من أن تموت في حروب مستمرة لهذه الدولة – القاعدة العسكرية.
فتبدل الطابع الصهيوني للدولة العنصرية وضخامة الوجود العربي فيها الذي يبلغ 16% من مجموع السكان داخل إسرائيل، أي حوالي مليون عربي، وتمرد اليهود الشرقيين واتساع رقعة اليسار والقوى العلمانية الإسرائيلية، إن كل هذا يؤذن بخمود للسياسة الصهيونية من داخل إسرائيل نفسها.
ولكن تصاعد التطرف الديني والتطرف القومي بين الإسرائيليين وبين العرب يقود إلى تفتيت القوى الشعبية عامة، وأنتصار لقوى المتطرفة في الانتخابات وفي الوجود السياسي عامة.
لقد كانت الأحزاب المعارضة في القسم العربي قليلة ولكن مع تزايد تأثير القوى المتشددة فقد ظهرت الكثير من الأحزاب وقسمت الأصوات العربية.

نقد بيان الحداثة لــ أدونيس

فصل من كتاب: الكلمة من أجل الإنسان

أدونيس (علي أحمد سعيد) نقد بيان الحداثة لأدونيس

adonis

يقدم لنا كتاب «البيانات» الذي اصدرته أسرة الأدباء والكتاب في البحرين، بين دفتيه نصين هامين للشاعر والباحث علي أحمد سعيد «أدونيس»، يصوغ فيهما رؤيته للحداثة، وبيانه لتغيير طابع الإنتاج الشعري العربي، مشكلاً إياهما بلغة شعرية، مليئة بالتجريد حيناً، وبالأمثلة السابحة في فراغ تاريخي، لكي تغدو هذه النظرة سيدة الوعي الشعري العربي النخبوي في العالم العربي، والملهمة في حالة خلق الفصام الرهيبة للشعر العربي عن جذوره ومناخه وجمهوره، وعن حداثته الفاعلة التغييرية المنشودة.

تتجسد الحداثة الشعرية لدى أدونيس في المدرسة الباريسية للشعر، حيث الخصائص الصوفية والسريالية واللاعقلانية، فيقول: «إن شعرية الشعر الغربي العظيم تتصل بخصائص شرقية بالنبوة، والرؤيا، الحلم، السحر، العجائبية، التخييل، اللانهاية، الباطن أو ما وراء الواقع، الانخطاف، الأشراق، الشطح، الكشف الخ»(1).

إن النموذج الشعري المطلوب هو في هذا التيار الصغير من الحياة الإبداعية الغربية الواسعة، تتشكل في الاذتيين المغتربين والمنفصمين عن الواقع، والذين يحولون التخييل طاقة وحيدة منسحبة من الرصد والكشف والتحليل للعالم، لتغور في ذات المبدع المنعزل عن الشارع، وعن العلم، لتعطيه جسور الافتراق والانفصال عن «الدهماء» وعوالمهم الثقافية، وجذورهم التاريخية، وأنواع إبداعاتهم الشفاهية والمكتوبة.

الشعر النموذجي لدى أدونيس يغدو ذلك المنحى الصوفي الميتافيزيقي والذاتي، الذي يصيرُ غير مرتبط بموضوعٍ محدد، والذي يسوحُ في الذات رحلة فلسفية، مليئة بالرموز والأقنعة، التي تلغي حواجز العصور والمراحل والقوى، في عصيدة تتمازج فيها كل الألوان والأشياء، بحيث أنها تستعصي على الفهم الجماهيري الواسع، وتغدو وجبة للمتخصصين.

فالشعر النخبوي هنا، عندما يتمازج وأغراض الجمهور، ومناسبات الحياة، من ربيع وموت وثورة الخ.. يغدو فاقداً للشعر، فالشعر ينبغي أن يؤسس فوق الهياكل العظمية والإيديولوجية لبودلير ورامبو ونوفاليس، ومن هنا تتم محاكمة الشعراء العرب منذ الجاهلية تبعاً لأحكام صالونات باريس الباذخة.

فلن نعرف هذه اللحظة التي تشكل فيها إبداع هؤلاء الشعراء الفرنسيين والغربيين المطحونين تحت القطار الرأسمالي المندفع بقوة في القرن التاسع عشر نحو فتح ونهب البلدان الأخرى، وتحطيم أشكال العقلانية البرجوازية المتأسسة وقتذاك على الصراع ضد الإقطاع الديني والزمني، وهؤلاء الشعراء المنسحبين إلى ذواتهم وجماليات اللغة الصافية، خوفاً عليها من عامية البرجوازية المبتذلة، التي حولت الضمير والشعر والرسم إلى بورصات الأوراق المالية، سيغدون هم المثال في عالم ثالث مغاير، ليست فيه تلك الشروط المعرفية والاجتماعية والجمالية.

إن الوكالة التجارية الشعرية التي افتتحها أدونيس في سوق العالم العربي، لاستيراد وتصدير تلك القصيدة، راحت تعمل في شروط مغايرة، فليس الصراع ضد الرأسمالية هو ما يؤرق الكاتب العربي، بل الصراع ضد التخلف والتركيبة البطريركية وكل سدنتها وأزيائها، بدءً من اللاعقل وما وراء الواقع مثل حشود العفاريت وسيطرة وعي المقابر والأشباح والخرافات، وهو إنتاج وفير هائل نستغرب كيف يقوم أدونيس باستيراده ويضاف ذلك مع عزلة الكاتب وشرنقيته ولا مسئوليته الزمنية الراهنة!

هكذا كانت رأسمالية الغرب في بدء القرن العشرين بحاجة إلى هؤلاء الشعراء والكتاب غير الجماهيرين، غير الفاعلين، الغامضين، الذي يرحلون في دواخل عوالمهم الذاتية العظيمة الفسيحة، عبر نحت لغوي وترميزي وصوري معقد ومتراكب، محطمين سياقات الصورة الكلية في القصيدة، والبنية الموحدة في للوحة والقصة، مهمشين اللغة والصورة إلى ذرات، بحيث إن فاعلية القصيدة والكتابة التحريضية التحويلية تتقطع، وتحدث عزلة بين هؤلاء المنتجين وسوق الطلب الثقافي.

حينئذٍ تتجه الثورة نحو الشكل وعزلة الأنا وتلاعبها باللغة فتظهر ثورة تعويضية بديلة عن الثورة المطلوبة في الواقع.

وتغدو الارتدادات الغامضة إلى الماضي والأساطير بديلاً عن تشريح الواقع والحاضر، ومعرفة امتدادته في الماضي والوعي.

ولكن حتى هذه المدرسة الصغيرة لم تكن هي كل الثقافة الشعرية الغربية في ذات الفترة، حيث هناك مدارس ثورية شعرية حقيقية، لم يقم أدونيس بالاهتمام بها، أو حتى ذكرها، وكان الترويج لهذه المدرسة الصوفية والسريالية في العالم، عبر آلة دعائية هائلة، من جراء تعاون المركز المصدر والمستوردين الثقافيين في العالم التابع.

كان العالم التابع، الغارق في الخرافة والعالم الأسطوري، ليس بحاجة إلى لغة صوفية جديدة ولا إلى علائق تهديمية للأشكال العقلانية الأدبية الجنينية، والتي تترافق مع تصنيع هزيل وتطور ثقافي حديث ضحل.

فكان شوقي وحافظ والجواهري والزهاوي وعشرات الشعراء الكلاسيكيين في الوطن العربي بذرة أولى لهذه العقلانية الشعرية، المهتمة بالأغراض والمناسبات في تركيبة العمود الشعري حمالة الحطب، التي تعلم وتلهم وتخلق علاقة نهوضية وليدة.

كان الشعر يحاول أن يسير بعيداً عن «الخرافة» – بالمعنى الرديء للكلمة – نحو الواقع وتحليله مسقطاً القيود الشكلية التي تعوقه في هذه العملية الاستبطانية – الموضوعية، حيث تتداخل الذات والواقع، في تركيبةٍ غيرِ ذاتية كلياً، وغير موضوعية كلياً، حاصلة على الجذور الأولى في فهم الصراع الاجتماعي والوطني، بدءاً من السياب ومروراً بالشعر الفلسطيني حتى الشعر الواقعي الجديد.

لقد اعتمد الشعر العربي على هذا الديالكتيك غير المفهوم لدى أدونيس، وهو التداخل بين الأغراض والتقنية الفنية، بين هواجس تحليل الحياة وتعريتها واستبطان حالات الذات، بين الغوص وراء الخرافة والأسطورة وتسييسها ونقدها، حيث لم تكن ثمة أسوار بين نمو الأدوات واكتشاف الواقع.

ولكن النموذج الفرنسي، المعلب في لحظة تاريخية خاصة، تناقضت فيها الأداة الشعرية والمضمون، وتباعدت فيها القصيدة والجمهور، وتحاربت لديها اللاعقلانية والعقل، وصارت الفلسفة ضد العلم، بقي هو النموذج المهيمن على وعي أدونيس التأسيسي للشعر.

وهكذا بدأ أدونيس وبيانه الأول سنة 1980، وبيانه الثاني في سنة 1992، في لحظتين غريبتين. فقد تعرض الوعي الشعر العربي الثوري للانتكاس نظراً لانهيار تجارب البرجوازية النهضوية ومن ثم العسكرية العربية، وبدأت مفاهيم العقلانية والعلم والنهضة وغيرها بالتكسر والتبعثر، وانسحب الأدباء والمثقفون من الفعل التغييري، وهبت رياح الأسطورة والدين والطقوس مؤكدة نبؤة أدونيس!

لقد صار الغموضُ ولغة الرموز والأساطير هي بنية أغلب الشعر العربي السائد، وفشلت لغة الموضعية والتحليل في الدخول إلى عرين الأسد المتوحد والمتفرد. ومثلما عبر هذا عن سقوط التجارب الثورية وهشاشة التكوين البرجوازي التحديثي العربي وغلبة الحياة البطريركية، فقد وقد وجدها مثقفون وشعراء فرديون لغة مناسبة للمناورة الاجتماعية والإيديولوجية.

أي أن ما دعا إليه أدونيس من فردانية متفتحة على الداخل الباطني التهويمي هو ما انتشر وسيطر على مشهد واسع من الشعر العربي المعاصر، مدمراً الأشكال المقاربة للقراء، نحو أشكال حرة نثرية وإيقاعية، مليئة بإدعاءات الحداثة والتجاوز والعصرنة.

إن الدمارَ الاقتصادي والثقافي الذي سببهُ الاستعمارُ، وقمع الأنظمة العسكرية، وبروزَ هيمنة الدول البترولية الإقطاعية على الفضاء العربي، وغيرها من السببيات العامة، أدت إلى تراجع لغة التحليل والنقد الشعرية، مما جعل مقولات أدونيس تنتصر.

ولكن بعد ثلاثة عشرة سنة، وفي البيان الثاني يقول:

«قلتُ: ينبغي التأسيس لمرحلة جديدة: نقد الحداثة (..) وهو قولٌ يبدو الآن أكثر صحة وضرورة منه في أي وقت مضى، وخصوصاً إن مفهوم الحداثة يزداد التباساً، وإن الكلام عليها يكاد أن يصبح لغواً»(2). ص 45.

وهكذا يجري التركيز في البيان الأول على الطقوسية والصوفية واعتبار الشرق موطن الروحية، ورفض الغرب المتعقلن، والاهتمام بالشرق المتصوف من داخله، باعتباره بضاعة الشرق (الأصيلة). فهناك جوهران متضادان متنابذان؛ الأول هو الشرق وهو الروح والأسطورة والباطن واللاعقل، والثاني هو الغرب أي العقل والعلم والظاهر، أي أن هناك منتج المواد الخام والخرافة والتابع، ويقابلهُ المصنع الغربي وصاحب العلم المسيطر.

للأول الأسطورة والدين والشعر، وللثاني المختبرات والنهضة الصناعية والعلمية. للأول الحياة الغيبية والماورائية، وللثاني الحياة الواقعية والدنيا وحكم الكرة الأرضية.

ويغدو شعراء النموذج الفرنسي – الأوربي هم نفحة الشرق المتصوف الداخلي المتسلطن في تنور الغرب العقلاني البارد.

هذا ما نقرأهُ في البيان الأول، وما أكدهُ أدونيس ودعمتهُ هزيمة البرجوازية العربية النهضوية والعقلانية والعلمية، ومجيء البرجوازية العربية – الإسلامية اللاعقلانية، والأسطورية، والخرافية الطالعة من الريف ومن أقبية الحكومات البيروقراطية الفاسدة.

فلقد أكد الشرقُ صحة رؤية أدونيس له فاستعاد ثيابه القديمة، ولبس عباءة الأشباح، وصعد تموز من انفاق العالم السفلي. ألم يكن هذا هو بسبب الفعل التدميري للغرب الرأسمالي التوسعي، محول المدن التصنيعية إلى ريف زراعي ودكاكين مستورِّدة؟ أليست هذه هي البضاعة الفكرية الشعرية، حشيشة الشرق العائدة إليه؟

بعد هذا الدمار الاجتماعي والشعر يصرخ أدونيس في بيانه الثاني:

«أحب أن أشير إلى أننا أخطأنا، منذ البداية في فهم حداثة الغرب، لم ننظر في ارتباطها العضوي بالحضارة الغربية، بأسسها العقلانية خصوصاً، وانما نظرنا إليها بوصفها أبنية وتشكيلات لغوية»(3). ص 47.

لقد كان يؤكد في المرحلة السابقة على اللاعقلانية، على الخرافة والعالم الباطني والحدسي، وحين تحول هذا العالم إلى حقيقة مرئية واجتماعية صارخة، تنصل منه، ورفضه.

حين جاء المخلِّص بأصوافهِ الخشنةِ وخلاخيلهِ الشبحية، راح أدونيس يدعو لشرق آخر، لشرقٍ جديد، عقلاني، حر، وهنا تبدلت المواصفات بين الشرق والغرب، وراح كلٌ منهما يأخذ «جوهراً» مختلفاً.

فقد صار الغربُ الحداثي هو الأنا والمرجعية الإبداعية وعالم لا سيطرة فيه للرموز الماضوية وهو الانفتاح واللانهائية وهو النقد والحركية وهو الفرادات والانفجار المعرفي الذي تُهمش فيه الرؤى الميتافيزيقية وهو الاحتمالية والتعددية والدنيا، وهو أمر صحيحٌ إلى حد ما، (4).

والشرق هو العودة للمعلوم والتأكيد على «النحن – الأمة» والمرجعيات المحافظة من كل نوع، وهو الصلاة للقبيلة والحزب والإيديولوجيا وسيطرة المؤسسات الماورائية والقبول والخضوع والإيمان والآخرة.

إن هذه التقسيمات والمواصفات هي ابنة اللحظة المعاصرة، فقد امتلأت السوق الشرقية بكل البضائع الشعرية والفكرية التي كان يدعوها لها أدونيس سابقاً، وجاءت كتلُ البرجوازية العربية الريفية والبيروقراطية الحكومية لتملأ الأفق بغيلان الأسطرة العتيقة، ولتكرس الاتباعية والانغلاقية بأقسى صورها، فلا بد لأدونيس أن يميز نفسَهُ عن هذا التيار الكاسح، الذي كان من المروجين لدعامته الفكرية الأولى، وإن كان بشكل مختلف. لقد جاء الخرابُ البشع.

لقد تم التتريث الديني للواقع العربي المعاصر، ونبذ التتريث الفينقي والفرعوني والسومري الخ.. بكل رموزه وأساطيره، وحلت العودة للأشكال المتيبسة من الشعر، وبدلاً من الحداثة الشكلانية المتطرفة في الذات الحرة واعماقها اللامحدودة، ونخبوية شعراء نهاية القرن الفرنسي، جاء الغزالي وابن تيمية، واستعادت الأوزان الخليلية نفوذها، وركنت مدارس الحداثة النخبوية في اقصى حالات العزلة والتآكل الروحي.

إن البرجوازية العربية المدنية، بعودتها للتراث القديم والوسيط، مثل البرجوازية العربية الريفية والحكومية الراهنة، بعودتها للتراث الديني الطائفي فحسب، كما يفعل أدونيس نفسه عبر استلال اسمه من التراث الفينقي، تقومٌ باستعادة الماضي، بأسطرة الحاضر، وليس بتحليله وتشريحه العلمي، وحشد الطاقات البشرية لتغييره.

ومن هنا تكون نظرتها للتراث والماضي والحاضر، مؤدلجة في لحظتها السياسية الراهنة، في انتقائيتها وانتهازيتها العملية، فتكون مع الشرق أو الغرب، أو مع الماضي أو الحاضر أو مع العقلانية أو اللاعقلانية، تبعاً لمصلحتها المؤقتة واتجاه البورصة الاجتماعية.

وهكذا كان أدونيس مع الغيبية واللاعقلانية حين كانت حشود العقل وانصال الشعر والأدب تشرحُ الواقعَ وتثورهُ وحين كان زخم القوى الديمقراطية والعملية يهز العالم القديم والتبعية للغرب المسيطر ويطرد الخرافات من الوعي.

وصار أدونيس ضد عفاريت الماضي حين تحولت إلى إطلاقية وحشد من الجمود، محتفظاً بذات خصائص الشعر الفردي النخبوي بجذوره الفرنسية الصالونية مع بهارات العقلانية المخففة، التي لا تتحول إلى تحليل علمي كشفي ونقدي للواقع، وتشكل الجسور مع المتلقي، وتحرض القارئ، وتطلق الجمهور في الساحة الشعرية، حتى تظل علائق العلاقة مع الغرب المسيطر مأمونة مستقرة.

ومن هنا تصير أغراض الشعر ومضامينه وشعر الصعاليك المكافح وأشعار الفرق الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي وشعر النهضة، والشعر العامي الجميل وكل فلكلور الشعب، خارج الإبداع المقتصر على نمطية واحدة فقط، هي النموذج الصوفي والسريالي المتكرس في لحظة أوربية برجوازية آفلة.

هكذا لا تغدو مثل هذه الحداثة الشعرية والتثوير الإبداعي سوى رؤية محافظة، منغلقة على ذاتها، مركزة على مستوى عقلي واحد شاحب، وعلى علاقة مبتورة بالقارئ، خائفة من الإمكانيات الثرة للشعر المقاتل، والإبداعات اللامتناهية للشعب.

وعي التاريخ الإسلامي عند أدونيس

يقترب الشاعر والباحث أدونيس من الوضع الإسلامي التأسيسي الذي شكل الثورة التمهيدية، لكنه يرفض أن يكون ثورة، وأن يمثل نقلة نهضوية، والصراع بين المحافظين والتطوريين يأتي لاحقاً.

من هنا تغدو السيرة النبوية والقرآن ليسا هما مفجرا الثورة وعمليات التغيير، لكن التجديد والمعارضة يأتيان على نحو غير محدد في وعيه بدءً من أبي ذر الغفاري.

وهكذا فإنه يقترب من الوضع الموضوعي ثم لا يستطيع أن يمسك خيوطه، يقول:

«وكان يقابل هذا الانقسام في المعاني انقسام اقتصادي / اجتماعي: من جهة، أشراف هم الطبقة القرشية وحلفاؤها، ومن جهة ثانية، طبقة (الغوغاء) و(عبيد) و(نزاع قبائل) و(سودان)، كما كانت تسميها الطبقة القرشية السائدة. وكانت السيادة، طوال القرون الهجرية الثلاثة الأولى، للطبقة القرشية وحلفائها. ولهذا كانت السيادة لثقافتها، ولمنظورها الديني بخاصة، طوال هذه القرون.»(5).

إن هذا التقسيم الاجتماعي الأساسي هو الذي يحدد المنظور التاريخي لتطور الإسلام في القرون الأولى، وبطبيعة الحال كان الانقسام الاجتماعي موجوداً بين قريش والفقراء اللاقرشيين، كما كان هناك انقسام في صفوف قريش ذاتها بين كبار الأغنياء ومتوسطي الحال والفقراء في هذه القبيلة المسيطرة على المدينة الدينية العاصمة.

يقوم أدونيس باختزال التناقضات الاجتماعية وتحويل التناقض بين قريش والفقراء اللاقبليين، إلى تناقض وحيد مهيمن على الحركة التاريخية، وهذا يؤدي به إلى سلسلة من الأخطاء.

فإذا كان الصراع بين قريش والفقراء العبيد هو محور الحركة التاريخية وتغيير البنية الاجتماعية فلم لم يقم هؤلاء الفقراء بقيادة الحركة الصراعية أو نحن لم نرهم إلا كحلفاء وأصدقاء لجماعة من قريش ذاتها؟

ما الذي يدعوهم وهم المستغلّون والمهانون إلى التعاون مع جماعة محددة من قريش؟

ولا نعرف لماذا، إذا كان هذا التناقض المجرد والذي فرضه أدونيس على الحياة المكية وقتئذٍ صحيحاً، لمَ لمْ يؤسس هؤلاء العبيد وعياً فكرياً أو سياسياً خاصاً بهم، غير ذاك الذي ظهر بين نفرٍ من قريش؟!

لا بد أن يكون هؤلاء العبيد والسودان الخ.. قد وجدوا في الإسلام شيئاً جذبهم، ولكن في هذه الحالة لا بد أن ثمة عناصر فكرية وسياسية هي التي استدعت انخراطهم في الإسلام التأسيسي، قبل أن يتشكل وعي لدى أبي ذر الغفاري أو غيره من الجيل المعارض في زمن عثمان والدولة الأموية، وهذا الشيء الذي جذبهم هو الذي جعلهم يقاومون التعذيب والقهر لدى سادتهم، الذين نظروا للإسلام باعتباره دين الفقراء والعبيد والمستضعفين.

ولكننا في هذه الحالة نكون قد وصلنا إلى الطرف الأقصى من المعادلة الإندونيسية، فهؤلاء الفقراء والعبيد ظلوا حلفاء لقيادات الحركة الإسلامية الناشئة، أو هم من القوى «الشعبية» بتعبيرنا المعاصر، المنظمة للحركة، وهنا ندرك أن ثمة ثغرة في تعميم أدونيس حول الطبيعة الاجتماعية للإسلام.

فإذن كانت هناك قوة اجتماعية في قريش لم تتطابق تماماً مع العبيد ولا مع «سادات» قريش في آن معاً. هذه القوة الاجتماعية، وهي فئة التجار المتوسطين، هي التي جعلت التحالف مع هؤلاء الفقراء جزءً من رسالتها التاريخية، وفي سبيل إزاحة الملأ القرشي المستبد.

وهذا بطبيعة الحال يغير التناقض الرئيسي الذي افترضه أدونيس للحركة التاريخية، ويجعل الحركة الإسلامية التأسيسية قوة تقدمية في التاريخ منذ البدء، ومن هنا ندرك عدم تمكنه من العثور على جدلية التاريخ المركبة في هذه اللحظة المفصلية.

علينا هنا أن نقرأ التعميم الإندونيسي الاجتماعي السابق والقائل بشكل تعميمي عن «طبقية قريش وسلطتها» وخطورته على الآراء التالية للباحث، فهو يقرر مسبقاً وجود منظور لقريش موحدة متراصة اجتماعياً وفكرياً قد ساد طوال الثلاثة القرون الهجرية الأولى.

هذا الإقصاء لتقدمية الرسالة المحمدية وتوحيدها بأعمال المحافظين، هو ما يمكن أن نستنتجه من هذه السيادة المجردة والمعممة لـ«ثقافة» قريش التي يطرحها أدونيس، فالدعوة الإسلامية واجهت أسياد قريش وصارعتهم وفلت من سيادتهم المطلقة على المدينة، ليس في سبيل تدمير قريش كقبيلة، ولكن في سبيل دمقرطتها وتحديثها وتعريبها. وفي سبيل تشكيل جنين الدولة «القومية» الإسلامية العربية العالمية.

إذن كانت هناك تداخلات وتباينات داخل قريش، ووجود الفئة المتوسطة من التجار وقيامها بالتحالف مع السودان والعبيد، هو مظهر التجلي لرفض الأرستقراطية والتعالي الطبقي، وهذا الاتجاه للتوغل الشعبي والثوري هو الذي كان يجذب هؤلاء الفقراء، ثم رعاة الجزيرة وقبائلها الكثيفة، للدعوة، وهو الذي حرك التاريخ الجاهلي وتجاوزه وصنع النهضة. أما حين تمكن الأشراف من السيطرة على الدولة الإسلامية وشكلوا قراءة مختلفة للتاريخ والتراث، فهذا زمن موضوعي آخر.

وينتقل أدونيس من جمود ومحافظة الدعوة الإسلامية كما يسميه إلى نصوصها، فيقول عن الوحي:

«الوحي، من حيث أنه تأسيس وبدء مطلقان، يتجاوز الأزمنة: الماضي، الحاضر، المستقبل. فهو الماضي من حيث أنه الأول، وهو الحاضر من حيث أنه المستمر، وهو المستقبل من حيث أنه الأخير المطلق»، ص68، ويضيف «ولهذا لا قيمة للزمن التاريخي إلا من حيث صدوره عن زمن الوحي. فالوحي حاضر اليوم، وغداً، حضوره يوم نزوله»(6).

فكما كانت الحركة الإسلامية محافظة فإن الوحي بهذا لا يجعل الوجود إلا متضمناً فيه، وهو بهذا «أي الوحي» يلغي تقدم الزمن وفعل الإنسان، كما يتأول أدونيس.

إن أدونيس لا يعالج الحركة الإسلامية التأسيسية بعد الفقرة التي قالها في البدء تحليلاً تفصيلياً، سواء تاريخية الحركة أم نصوصها، ثم يقدم مثل ذلك التعميم السابق عن الوحي، فبدا كحكم فوقي لا يتأسس من قراءة الوحي داخل الحركة التاريخية.

فإذا كان الوحي يتداخل والحركة التاريخية والرسالة المحمدية ويظهر فيه الناسخ والمنسوخ، فهذا التنجيم القرآني، أي نزوله منجماً، متفرقاً، متابعاً للأحداث والتطورات، يدل دلالة واضحة وأكيدة على انفتاحه على المستقبل والتقدم، وتركه للإنسان تغيير مصيره وتشكيل عالمه.

إن الغيبي يتمظهرُ ويتفتحُ بشرياً، فهو يتجلى في صعود الإرادات وتحول المواقف ودخول العبيد والفقراء والبدو والتجار وأهل المدينة في خضم التحول، أن فعل الإرادة البشرية الملموس هو الذي يكون المطلق، فليس ثمة تضاد مطلق بين الوحي والناس، بين النص والفعل التاريخي، بين الكلمة والثورة.

ولكن إذا قامت الطبقات الاستغلالية فيما بعد بتشكيل صورة معينة للوحي والرسالة ولهذه العملية التاريخية المركبة، منتزعةً منها الفعل البشري وظروف الثورة وملابسات الزمان والمكان، فهذا جزء من الوعي المحافظ المعبر عن تكدس الثروة المادية في جيوبها، وبالتالي لتملك الثروة الثقافية للتاريخ العربي ووضعها في خدمة الأولى.

يقوم أدونيس بعد ذلك بمتابعة متقطعة، تطير فوق ظروف المراحل المختلفة، منتزعة جوانب من الفكر الديني المحافظ، باعتباره يمثل الإسلام بكليته «السنية» بدءً من عمر بن الخطاب مروراً بالشافعي حتى الباقلاني. ويُلاحظ هنا كيف لم يُدخل أي أسم من الإمامية في هذا الشريط المحافظ الـمُعمَّم.

أي أنه ينظر للإسلام المحافظ باعتباره مبادئ السنة، التي تشكلت منذ البدء، في تصوره، وهكذا فحتى مسائل الطوائف تغيب تاريخيتها عنه. فالطوائف لم تتشكل إلا بعد قرون من الإسلام الأول. فيغدو وعي أدونيس وعياً طائفياً، أي يستند إلى وعي طائفي، فيرى الإسلام المحافظ باعتباره وعي تجسد في طائفة السنة، في حين أن الطائفة الأخرى تمثل الرفض والمعارضة.

يغدو التاريخ الإسلامي تاريخاً طائفياً منذ البدء لدى أدونيس ويتجلى ذلك في استشهاده رقم (112) في صفحة 332 من ثبت المصادر، حيث يستعين بكتاب الكامل لأبن الأثير الذي يروي وصية الإمام علي بن أبي طالب لولديه الحسن والحسين اللذين يطالبهما بضرورة نصرة الحق وبخصومة الظالم، ثم يروي وصية معاوية لأبنه يزيد الذي كرس فيه السيطرة والتعالي.

وكلا الوصيتين تعبران عن منحى كلٍّ من الإمام والطاغية معاوية، لكن أدونيس يأخذ النصين الوصيتين ليستنتج منهما منحيين تاريخيين مجردين مُعمَّمين فيقول:

«وتكشف هذه الأقوال على منحيين أساسيين في النظر والعمل: الأول هو الذي ارتبطت به، تاريخياً، وانبثقت عنه مختلف التحركات التي تسير في أفق التحول. والمنحى الثاني هو الذي ارتبطت به مختلف التحركات التي تسير في أفق الثبات».

ولا خلاف على استغلالية معاوية وأبنه ودولته، ونضالية الإمام وأبنائه، إلا أن تراث الإمام علي النضالي غدت له سيرورة خاصة بعد الضربات الموجعة لآل البيت النبوي، وحدوث ظاهرة الانكفاء ومحاصرة الأمويين لهم، ثم ظهور عناصر فكرية مغايرة لزمنية ووعي الإمام علي السابق، حيث بدا يتخذ طابعاً غيبياً مفارقاً، فقد ظهر منحى آخر مع المنحى النضالي الواقعي للإمام، وهذا ما سيشكل غيبيات واسعة لدى قسم كبير من الإماميين، وسيجد تجسيداته في الإسماعيلية والإثناء عشرية وهما تتحولان إلى سلطتين فتعجزان عن إنتاج نظام مغاير للإقطاع، تماماً كما حدث لدى السنة، فالبنية الاجتماعية التقليدية انتصرت على العناصر الديمقراطية والتنويرية، الموجودة في هذه المذاهب، بأشكالٍ مختلفة ومستويات متعددة، حسب التطور المركب والمعقد للأمم والقوى الاجتماعية الإسلامية وهي تتشكلُ في عصر محكوم بأسلوب إنتاج إقطاعي زراعي محدود التطور الحرفي الصناعي.

ولا تختلف مقدمة كتاب أدونيس (الثابت والمتحول) في طبعته الجديدة لسنة ألفين وأثنين عن المقدمات القديمة، مما يعبر عن ثبات موقف الشاعر والباحث خلال هذه الفترة ورؤيته لتطور الوعي والتاريخ العربيين الإسلاميين.

وتستندُ المقدماتُ على تناقض جوهري لم يكن بإمكانه حله.

فمنذ البدء يقوم بتعريف الثابت بالشكل التالي:

«أُعرف الثابت، في إطار الثقافة العربية، بأنه الفكر الذي ينهض على النص، ويتخذ من ثباته حجة لثباته هو، فهماً وتقويماً، ويفرض نفسه بوصفه المعنى الوحيد الصحيح لهذا النص..»(7).

في المقدمة الجديدة لا يطرح الثابت، أو المتغير، كحركة تاريخية، بل كمبادئ مُجردة خارج التاريخ، فيغدو الوعي العربي بنيةً أساسها الثبات، وهو المشكل للتاريخ الفكري والباقي إلى الآن.

أما المتحول فهو «الفكر الذي ينهض، هو أيضاً، على النص، لكن بتأويل يجعل النص قابلاً للتكيف مع الواقع وتجدده، وأما أنه الفكر الذي لا يرى في النص أية مرجعية، ويعتمد أساساً على العقل لا على النقل.»(8).

عبر هذا التجريد تغدو البنية العربية الفكرية مؤسسة على الثابت، فهي ثقافة المستوى الأول السائد: «كانت الثقافة في المستوى الأول هي ثقافة النظام السائد، أي الثقافة التي تقوم، شأن النظام، على دعوى التمسك بالأصول، والمحافظة على القيم الموروثة، كما هي، أو كما نقلها الخلف عن السلف.»(9).

تغدو الثقافة العربية المهيمنة هي الثقافة المحافظة أما الثقافة المعارضة فهي تالية، وهنا يظهرُ التناقضُ الأساسي في هذا الوعي الأدونيسي، فإذا كانت الثقافةُ المحافظةُ هي التي صاغت الإسلامَ، وجاءت الثقافةُ المعارضةُ والمغيرة في وقت لاحق، فلماذا استطاعت الثقافة المحافظة أن تشكل زخماً تاريخياً، ويحتضنها الناس؟

فإذا لم يكن الإسلام نقلةً تاريخية وتحولاً، أي إذا لم يكن هو ذاته معارضة لتخلف سابق، فكيف أمكنه أن يحرك التاريخ؟!

إن أدونيس بوضعه الثابت والمتحول في كيان لا تاريخي، فلا نعرف من هو المؤسس للبنية الإسلامية منهما، أي من هو الذي جاء أولاً الثابت أم المتحول؟ فإذا كان الثابت جاءً أولاً فهو متحول ضد ثابت قديم، أما إذا كان المتحول جاء أولاً فهذا يكون ضد المقولة التجريدية هذه. أي يكون المتحول المؤسّس هو ذاته تقدماً.

لكن أدونيس يجنبنا هذه الحيرة بقوله بأن الثابت هو الأصل، فالإسلام كيان محافظ منذ البدء، وهو يقيمُ حججه في مقدماته التي نفحصها هنا، على استشهادات ليست من الإسلام الأول، فهو يختار نصوصاً للمؤرخ ابن كثير وابن حزم وابن تيمية، وهذا الاختيار لنصوص أفرادٍ متأخرين يؤكدُ بأن بنية الثبات هي الأصل وحتى لو كانت مبادئها وأصولها متأخرة، عن الإسلام الأول بعدة قرون!

ومن هنا تغدو الحركةُ التاريخيةُ التي تشكلت سابقاً لا قيمة لها، فالمبادئ المحافظة لا تغدو نتائجٌ لحركةِ صراعٍ اجتماعي وإيديولوجي، بل تغدو مبادئ مُسّبقة، مبثوثةً في كيان الدين منذ البدء.

ولن تنفع حركة الصراع الاجتماعي في تكريس أو في نفي هذه الصفات، فالبنية التجريدية التي أقامها أدونيس للإسلام هي في مستويين محافظ غالب ومهيمن ومستوى متمرد ثانوي تشكل لاحقاً.

والتناقضُ الجوهريُ في هذا الوعي كما أسلفنا هو في كيف يكون الثابت مشكلاً لحركة تاريخية فاعلة ومغيرة؟ فإذا كان منذ البدء محافظاً وجامداً كيف أمكنه أن يدخل التاريخ ويغيره؟!

علينا أن نبحث أسباب أدونيس لتبرير أو تفسير هذا التناقض. فهو يحس بهذا التناقض لكنه لا يقوله، أي أن التناقض لا يظهر على صعيد وعيه، فيتجه إلى الجذر الغيبي للدين، فالدين بما أنه حركة غيب، فهو بلا زمن، وهو محافظ بالضرورة لأنه يحدد التاريخ بشكل مسّبق وأبدي، فيقول:

[.. أن الدين، بما هو وحي، أي بما هو كلام الله، ليس له ماضٍ، فلا تنطبق عليه مقولة التغير والنقص.](10).

يقوم أدونيس إذن بفلسفة الثبات في الإسلام باعتباره شيئاً غيبياً، فيجعل الثبات هو الأصل، وأي تحرك هو [في النور الأصلي الشامل، نور النص، أي أنه انتقال متدرج في هذا النور](11).

ومن هنا يستشهد بأقوال المحافظين بأن [الأصل المؤسس – العهد النبوي الأول، وكل انحراف عنه إنما هو انحدار وهبوط](12).

لكن هذا أيضاً لا يفسر كيف أن الإسلام الأول كان مركزاً للجذب التاريخي والقبول الواسع وتغيير الواقع، فإذا كان جامداً محافظاً كيف يمكنه أن يغير ويشكل مراحل جديدة ويطلق الطاقات التحويلية والثورية؟ ولو قال الإسلام نفسه بأنه مُستمد من الغيب، فهذا لا يكفي ليدخل التاريخ، الذي يحتاج إلى حركة تاريخية ملموسة، أي أن الغيب لا بد أن يتمظهر بشرياً، ويتألق اجتماعياً، وينمو عبر حيثيات وقوانين التاريخ، وليس بشكله الغيبي المنقطع عن السيرورة التاريخية وعن الدخول في الطبقات وفي الوعي.

فالقرآن يستند إلى قوانين اللغة العربية الموجودة قبله، والحركة الإسلامية كذلك تنمو عبر قوانين التطور الاجتماعي. أي أن الإلهي يتجسد بشرياً ولا يغدو الغيبي منفصلاً عن المكشوف والمنظور.

ولهذا فإن تناقض أدونيس يتفاقم هنا ولا ينحل. ويعود السؤالُ بصيغة أخرى، فنقول بأن الغيب ليس انقطاعاً عن الحياة، والنور يصير شمساً ومعرفة ونضالاً، فلماذا يكون الثبات والجمود هو المؤسس الأول للإسلام وهو المهيمن؟

يتوجه أدونيس بعدئذٍ إلى «البحث» عن حلول أخرى للتناقض الجوهري فيقول بأنه يرفض أن يجد حلولاً سهلة لتفسير التاريخ الإسلامي، كالحديث عن تفسير البنية الفوقية في المجتمع الإسلامي العربي الأول بأنها «انعكاس لبنيته التحتية، وهو ما أخذه عليّ بعض النقاد. فهذا تفسير من خارج، وهو إسقاط. »(13).

وهو يتصور بأن هذا التداخل بين البناء الفوقي والبناء التحتي يشترط شروطاً فكرية معينة، وليس باعتباره قانوناً في مدرسة فكرية معينة، لرؤية التاريخ، فالمادية التاريخية هنا تعتبر ذلك ظاهرة دائمة في المجتمعات، ولا تنتظر أية شروط ثقافية لتطبيق القانون السالف الذكر، ولكن أدونيس بدلاً من أن يرفض هذا القانون المادي التاريخي، الذي يتضاد مع رؤيته، يقبله بشروط مضادة لطبيعة هذا القانون المادية، فيقول:

«ثم أنه لا يصح إلا إذا كان الوحي والشريعة يعاشان بوصفهما شكلاً من أشكال الوعي الاجتماعي يتطابق مع قوى الإنتاج في العصر الإسلامي الأول، ومع علاقات الإنتاج، وتوزيع العمل… الخ»(14).

هنا يواصل أدونيس البحث عن جذور الثبات عبر الغيب فقط، فاصلاً الغيب عن الظروف الاجتماعية، فكأن الغيب يبقى في ذاته الماورائية ولا يدخل نسيج الحياة، فيبقى الميتافيزيقي ميتافيزيقياً، والمجردُ مجرداً، فلا يحدث النسج التاريخي هنا، فلا نعرف كيف يمكن أن ينتصر العرب المسلمون والحالة هذه؟!

ألم تكن لديهم خيول، والخيول احتاجت إلى عدة آلاف من السنين كي تأتي إلى الجزيرة العربية، وتتروض وتغدو عربية، وتصير جزءً من أدواتهم الحربية، وكذا الإبل والسيوف وتكون المدن وتشكل القبائل والشعبان الكبيران: المضريون واليمانيون الخ..

وإذا قلت عن الظروف المادية البسيطة هذه فقل ذلك عن الشروط الاجتماعية والثقافية الُمركبة، مثل مسألة تكون اللغة العربية وسيرورتها التاريخية الطويلة، وتغدو الأمور أكثر تركيباً مع الحركة الإسلامية، حيث تنمو هذه على قبول البشر والإرادة والفعل الشعبي، وقدرة الحركة على التغلغل بين الناس ومعرفة مطالبهم ونسجها في فعلها التاريخي وانضمامهم إليها الخ..

أي أنه يمكن أن ندرس الظاهرة الدينية عبر تقدير طابعها الغيبي كما يقول الإيمانيون النصوصيون، ولكن أيضاً يمكن أن نقرأها في ضوء كونها ظاهرة تاريخية، فلا نفصل بين المقدس والموضوعي، أي أن نقوم بتقدير جذور النص على المستويين الغيبي والواقعي.

إن أدونيس وهو لا يقرأ الشروط البشرية لظهور الحركة الإسلامية، يقترب من الموقف المحافظ الذي ينقده، فيؤكده عوضاً عن أن ينفيه.

فإذا كان الإسلام حركة محافظة منذ البدء فهذا ما يقوله المحافظون، والذين بعد ذلك ينفون العلاقات والسببيات البشرية التي تكونت لنمو الإسلام وانتصاره، فيجعلونه غيبياً محضاً، وبهذا يجمدون إرادة الأمة، وينزوعون قدراتها على العلوم والتجديد.

وهذا ليس سوى موقف الأشراف الذين احتكروا تكوين صورة خاصة للإسلام، وهذا ما فعله فقهاؤهم ومؤرخوهم، وهنا يقوم أدونيس بنقد هذه الصورة باعتبارها الإسلام المؤسس، واختياره لممثلي الأشراف، واليمين الديني، وهم أبن كثير وابن حزم وابن تيمية، أي كل الإيمانية النصوصية المحافظة التي هي ذاتها مستويات ومتباينة «ففرق كبير بين ابن كثير وابن حزم من جهة وبين ابن تيمية من جهة أخرى»، بعد أن تمكن هذا اليمين من صنع صورة اجتماعية مستبدة للإسلام، وقد أسماه «الثابت» فهذا ليس سوى الإقطاع الطائفي، ولكن كيف يكون الثابت وقد جاء متأخراً؟ أي جاء بعد أن لم يكن الإسلام إقطاعاً طائفياً؟

بعد أن يعجز أدونيس عن الخروج من ذلك التناقض الجوهري غير المحلول، يتوجه للخروج من دوائر البنية الاجتماعية، فيقول:

«لا جدال في أنه من المهم أن ندرس الشروط التي نشأت فيها ظاهرة ما (ثقافية، أو اجتماعية، أو سياسية.. الخ)، لكن من الأهم أن نعرف معناها. ولا نستطيع أن نعرف معناها من مجرد معرفة شروطها، وإنما نعرفه حين نعرف القوة التي تمتلك هذه الظاهرة وتوجهها وتعبر من خلالها عن نفسها. »(15).

هنا إحساس بأهمية قراءة الشروط الموضوعية لتكون الظواهر التاريخية، ولكن هل تنفصل معاني الظواهر ودلالاتها عن شروطها ومناخاتها؟

وبالتأكيد تتجاوز الظاهرات شروطها وظروفها، وإلا لما كانت ذات أهمية، وفي هذا التعبير استشفاف بأن ثمة قوةً تحوليةً في الإسلام المؤسس، لكن أدونيس لا يقر بكون ظهور الإسلام ثورة اجتماعية نهضوية، بل بعكس ذلك كما سيتجلى لاحقاً، ولهذا يروح للبحث عن القوة التي تمتلك تلك الظاهرة، بدلاً من أن يتابع تشكلها في شروطها ونضالها للقفز بالمنطقة من تلك الشروط الصعبة المتخلفة، فيؤكد بأن التغيرات الإيجابية والتقدم جاءت من خارج الإسلام العربي. فيقول:

«مع الفتوحات العربية الإسلامية، أخذ ينشأ هامشٌ يضيق ويتسع، بحسب الأوضاع والحالات. ويعودُ السببُ في نشوء هذا الهامش إلى التعددية القومية – الثقافية: لم يعد المجتمع الإسلامي / العربي، بعد الفتوحات متجانساً، قومياً وثقافياً، كما كان قبلها. »(16).

وهنا نرى بأن التغيرات الإيجابية نتجت من احتكاك العرب بالعالم المفتوح، ولكنها ظهرت من فعلِ عوامل قومية ثقافية، أما الظاهرة الأصلية، أي الإسلام المؤسس، فلم يكن يحمل شيئاً إيجابياً، بل تكونت التغيرات الإيجابية من الهامش، وهذا الهامش هو الذي صنع الظواهر المضيئة حسب رأي الباحث:

«هكذا أصبح، بعد أن دخلت عليه عناصر تنوع وتعدد، منظومة من التناقضات / أي التوترات. هكذا نرى الصوفية إلى جانب الفقهية الشرعية، وألف ليلة وليلة إلى جانب علم الكلام والفلسفة، والنزعة الشعوبية إلى جانب النزعة القومية، والفكر الإلحادي إلى جانب الفكر اللاهوتي، وحرية الحلم والرؤيا إلى جانب الحكمة العملية والتعقل. »(17).

إذن فإن الإسلام المؤسس لم يكن يحمل بذوراً وإمكانيات للحداثة، فهذه جاءت من ظهور الهامش، فيتضح بشكل جلي بأنه «هو الثابت» وأن المتحول هو هذه العناصر الحديثة التي تشكلت في الفضاء التاريخي الذي شكله العربُ، كما لو أن البنية الاجتماعية / الثقافية التي شكلوها كانت بنية صلدة لا تناقضات فيها، ويهيمن عليها الثابت المتخلف، ولم يظهر المتحول إلا عبر الشعوب الأخرى!

تتوارى هنا السيرورة التاريخية للبنية الاجتماعية، فالعرب البسطاء البدو الذين عبر بساطتهم هذه دمروا أنظمة الاستبداد العريقة، وحملوا ميراثاً ديمقراطياً عبر ثورتهم تجلت في فرق النضال المديدة، وقدرتهم على إعادة سبك المنطقة في عالم كوني، يتحولون هنا إلى جلمود صخر حطه السيلُ من الصحراء الجامدة، فتأتي الإنجازات من الخارج.

إن الداخل العربي الإسلامي، والخارج القومي غير الإسلامي، عبر وعي أدونيس في هذه المقدمة لكتابه الثابت والمتحول، يغدوان متنافرين متباعدين، ولا يتشكلان في سبيكة تاريخية متداخلة، فالعرب لا يضيفون بل يُضاف إليهم، وهم لا يغيرون بل تأتيهم التغيرات من الخارج.

إن العملية التاريخية هنا غير ديناميكية وغير جدلية، فمنذ البدء يرى أدونيس الداخل العربي المشكل للعملية التاريخية بأنه غير ذي أهمية، رغم أنه في هذه المقدمات لا يقول عنه شيئاً كبيراً، بل نستشفُ ذلك، ثم يغدو الإسلام هو الوعي المحافظ باتجاه معين، بعد أن تكرس قمعاً وشراءً، أي بعد أن تمكنت قوى الإقطاع السياسي والمذهبي من تفريغه من دلالاته الثورية، لا أن يتم درس هذه العملية الثورية التي شكلها الإسلام وسببيات تمكن هذه القوى المحافظة بمختلف المذاهب، من ذلك التفريغ، وهو أمر يشير من قبل أدونيس إلى تحميل مذهب معين مسئولية تشكيل الطابع المحافظ في الإسلام، بدلاً من رؤيتها كعملية اجتماعية تجلت في كل المذاهب والأديان في المنطقة، لأسباب تتعلق بمشكلات التشكيلة الإقطاعية ومحدوديتها، أما تحميل «السنة» مسئولية صنع التخلف فربما هو الأمر الذي يشير إليه أدونيس عندما قال بوجود قوة «محافظة» تجلت منذ الإسلام الأول، وإن هذه القوة صبت الدين بشكل معين. وهنا تناقض مع وقائع مشهورة مثل كون ابن رشد وابن خلدون السنيين المالكيين هما ذروة العقلانية في العصور الوسطى كلها!

هنا نرى العملية الفكرية الأدونيسية وهي تحلل التاريخ بعد أن أنجزت صنعه القوى المحافظة ونحّت العناصرَ الديمقراطية والنهضوية، أي أن أدونيس يرى الإسلام كإقطاع مذهبي، بعد أن رسخ ذاته، وليس في مجرى الصراعات المتعددة، والقوى النهضوية تتشكلُ وتقاوم، ثم يقومُ بدمغ الإسلام كله بالنتائج الأخيرة لهيمنة الإقطاع الطائفي.

لا تكفي مقدمات كتاب «الثابت والمتحول» للشاعر والباحث أدونيس للكشف عن كل أبعاد المتن، أو نص الكتاب، ولكننا هنا بصدد عرض الخطوط العريضة لتفكيره، وقد رأينا كيف تجنب بشكل كلي رؤية ظهور الإسلام كثورة نهضوية تحديثية للعرب، وهذا التجنب يدفعه لرؤيتها بعد أن هيمن عليها الإقطاع المذهبي، أي بعد أن تم تكريس الإيمانية النصوصية، وهو أمر لم يتم في المذاهب السنية وحدها، ولكن العملية تجلت في كافة المذاهب والأديان في المنطقة، لوجود قوانين للبنية الاجتماعية تقوم بإعادة تشكيل الأفكار وإخضاعها لمنطقها الداخلي.

ولهذا فهو في مقدماته المكتوبة منذ تأليف الكتاب كأطروحة للدكتوراه كما يوضح في فقرة توضيحية، إلى إعادة طبع المؤلف في سنة 2002، عبر طبعة دار الساقي التي نراجعها الآن، يحافظ على نفس الرؤية للإسلام كدين محافظ جاءت التغيرات إليه من الخارج، وفي هذا تقارب للرؤية الأدونيسية مع المواقف المحافظة، التي رأت الإسلام كما يراه، أي بأنه ليس ثورة نهضوية أعادت تشكيل المنطقة، بل رأته كعملية غيبية منقطعة عن سيرورة التقدم والتحرر، وبهذا قامت بتجميد الإسلام في قوالب، وأدونيس لم ير حسب المقدمات، سوى هذه القوالب، التي هي نتاج متأخر لصراع اجتماعي وفكري طويل، وحين يعزل العملية النهضوية الأولى عن القوالب، ويفصل الثورةَ عن الثورة المضادة، يقطعُ سيرورةَ العملية التاريخية الموضوعية، فيؤدلجها، أي يقوم بإخضاعها لرؤى مسبقة، تنمو فيها عملية القطع والتأويل الخاص، أي تصبح قراءة غير موضوعية، وتتوجه لأحكام تعميمية.

وبطبيعة الحال لا تكفي المقدمات لتحليل كل النص البالغ أربع مجلدات من القطع المتوسط، وتمثل جهداً فكرياً كبيراً، ولكنها تمثل كذلك خلاصة مركزة، وتعبر عن الحفاظ على ذات الرؤية على الرغم من الجهود الواسعة الكبيرة التي تمت لتحليل التراث الإسلامي خلال العقود الأخيرة.

كذلك فإن كون الكتاب هو رسالة دكتوراه تقدم في جامعة مسيحية، بأشراف باحثين مسيحيين، وتوجه المقدمات لإدانة مذهب إسلامي معين، هو مذهب الغالبية من المسلمين، هو تعبير عن عدم القدرة على تجاوز الثنائيات المذهبية والدينية المتصارعة في المنطقة على مدى ألف عام.

أي عدم القدرة على رؤية صراع المذاهب باعتباره صراع القوى المهيمنة في الطوائف، وتحريفها للصراع الاجتماعي عن أسسه الحقيقية، حيث أن القوى المهيمنة المستغلة استطاعت أن تجمد كافة المذاهب والأديان عن الفعل التحديثي والديمقراطي، وتعرقل التطور والتحرر بين كافة المسلمين والمسيحيين العرب، وإذا كان ثمة تطور في بعض الطوائف فهو تطور جزئي، فوجود أسر مسيحية لا يوجد فيها تعدد زوجات، لا يعني بأن هذه الأسر تجاوزت الدكتاتورية الأبوية، وإذا كانت التأثيرات التحديثية الغربية وخاصة الفرنسية منها، قد طورت من أوضاع هذه الأسر تعليمياً، فإنها لم تصل بها إلى الحداثة الحرة، بل غدت أجزاء تابعة للهيمنة الفرنسية، وبقائها في الطائفية وصراعها الدامي من أجلها، تعبير عن عملها لتخليد امتيازات المستغلين الكبار في الطائفة الذين استغلوا الشكل الطائفي للسيطرة الاجتماعية.

أي أن فرنسيتهم التحديثية تحولت إلى إقطاع ديني، حسب قانون البنية الاجتماعية.

إن العملية الفكرية لتفسير الماضي تكون عادة في ظل مصالح وتيارات راهنة، تؤول قراءة الماضي تبعاً لأهدافها، ويبدو الهدف من مقدمات الثابت والمتحول هو إزاحة دين كامل أو على الأقل مذاهبه المحافظة، وليس القراءة الموضوعية الدقيقة لكافة عناصره، وإبراز ما قامت به القوى المحافظة من تكريس صورة زائفة عن الإسلام، ونقد هذه الصورة وتجاوزها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: ‏‏‏‏‏‏الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث فصل تحديثيون معاصرون ص 345.

* نشر هذا المقال في جريدة أخبار الخليج البحرينية في سنة 1995، مع تعديلات طفيفة حالية 2008.

(1): (البيانات) كتاب أصدرته أسرة الأدباء والكتاب البحرينية سنة 1995، ص40).

(2): (ص 45).

(3): (ص 47).

(4): (راجع حول نسبية الجوانب الإيجابية الغربية في الثقافة الديمقراطية كتاب (روح الأنوار) لتزفيتان تودوروف، الذي يقرأ تلك الجوانب بشكل تاريخي، وهو كتاب من إصدار مجموعة دور عربية، تعريب حافظ قويعة، سنة 2007).

(5): (الثابت والمتحول، دار الساقي، سنة 2002، ج 1، ص68، ط 8).

(6): (المصدر السابق، ص 69).

(7): (المصدر السابق، ج 1، ص 13).

(8): (المصدر السابق، ص 15، 16).

(9): (المصدر السابق، ص 22).

(10): (المصدر السابق، ص 21).

(11): (المصدر السابق، ص 21).

(12): (المصدر السابق، ص 21).

(13): (المصدر السابق، ص 23).

(14): (المصدر السابق، ص 23).

(15): (المصدر السابق، ص 34).

(16): (المصدر السابق، ص 32).

(17): (المصدر السابق، ص 32).