بوخارين ومصيرُ روسيا

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

لقراءة التجارب الديمقراطية العربية في ضوء جديدٍ نحتاج إلى رؤية الشموليات في الشرق وعلى أي أسس فكرية تكونت وما هي مصائرها، وكيف نميزُ بين شعيرات خطوطها، والتجربة الروسية هي لاتزالُ مؤثرةً وتسبب الكثير من المشكلات لنمو الديمقراطية في الشرق خاصة.
بوخارين من المفكرين والقادة الروس الذين وقعوا ضحية مثل تلك الشمولية عبر أفكاره وممارسته.
يقول ستالين (كلما تعمقَ البناءُ الاشتراكي زادَ الصراعُ الطبقي!).
كانت هذه الفكرةُ هي المسوغةُ لأعمالِ القمع الرهيبة والتصفيات التي شنها على الرفاق المساندين له أو المختلفين معه من القيادات. وهي فكرةٌ صحيحة، لكن حين نرى أن الصراعات تجري في نظامِ رأسماليةِ الدولة.
قامت أفكارُ هذه الجماعات على فكرة الاشتراكية الممكنة المُفّسرة عبر شبابية ماركس في الأربعينيات، التي رَوجتْ للمغامرة، حيث يغدو بناء الاشتراكية ممكناً في مجتمع رأسمالي متخلف كالمجتمع الألماني، هذه الفقرات التي سُحبت من المرحلة الشبابية ودخلت في مرحلة (نضج) المجموعات الروسية الاشتراكية البلشفية.
كان بوخارين (1888-1938) من الذين تصوروا بناء الاشتراكية في روسيا، وهو من المجموعات التي اعتبرت ان التأميمات وبناء جهاز دولة يمتلك المصانع والبنوك هي الاشتراكية.
إن بناءَ جهازِ دولةٍ بأي شكل في مجتمع شرقي متخلف، يمكن أن يكون أي شيء حسب إرادات الصانعين له، لكن تغيير البنية الاجتماعية شيء آخر.
البنية الاجتماعية هي ليست فقط الأملاك العامة والخاصة بل هي العلاقات الاجتماعية، بكل ما فيها من علاقات بين الأجناس والطبقات والفئات والأفكار والقوميات والأديان.
وحين يتم امتلاك المزارع والمصانع فإن ذلك لا يؤدي بالضرورة إلى الاشتراكية.
تصبح الدولةُ مالكةً لرأس المال، حسب المرحلة التي يمر بها المجتمع. في العبوديةِ الشرقية قبل آلاف السنين ملكتْ الدولةُ المزارعَ والكثير من الثروة، وفي الإقطاع ملكت الدولُ العربيةُ الإسلامية الأراضي الصوافي وأمّم القرامطة حتى مطاحن الحبوب للناس، لكن الملكيات العامة هذه نُخرتْ من قبل الموظفين والحكام واللصوص وصارت عملياً مفرّغةً من كونها ملكيات عامة.
الروسُ لم تكن لهم تجربة تاريخية طويلة، لقد ظهروا عملياً على مسرح التاريخ في القرن الثامن عشر، وتوجهت الدولةُ القيصريةُ الواسعةُ نحو الممالك المسيحية والإسلامية وضمتها، فشكلتْ توسعاً هائلاً، وغدا هذا تحدياً هائلاً في تاريخها.
ولهذا فغيابُ التجربةِ التاريخية الطويلة والاقتراب من أوروبا ومحاولة إيجاد القفزات للوصول لمستوى أوروبا، عبر تغيير العاصمة من موسكو لبطرسبرج، والاتجاه للفرنسة والألمنة، لم يغير شيئاً أساسياً، فالتخلف كان عميقاً، والعبودية لم يُقلل منها سوى في ستينيات القرن التاسع عشر.
هذا كله جعل من القيصر ومن جهاز الدولة الضامنين الرئيسيين لتماسك المجتمع وتطوره، لكن نحو الحداثة الرأسمالية!
ومن هنا نجد هذه المادة الروسية الاشتراكية الهشة في فهم التاريخ، عبر كثرة النقل من المصادر الغربية، والمحاولة الأولى في نقل التجربة بشكل آلي، فهناك الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في بلدان فرنسا وألمانيا وإنجلترا ويمكن نقل تجربتها.
ضخامة السكان الأميين وقلة المتعلمين وغياب المنظمات والأجهزة الديمقراطية جعلت من النخب الصغيرة مؤثرة بشكل كبير، وكان هذا يبدو كبيراً في الأزمات.
من هنا نجدُ كتبَ بوخارين النادرة المترجمة عربياً هي نقل من المصادر الغربية، خاصة من رأس المال حين ينقله مكثفاً بالتعاون مع(بريوبراجنسكي) وهو كتاب: ألف، باء الشيوعية، وهو نقلٌ لمستوى رأس المال الغربي في بُنية مجردة، أي في بُنية رأسمالية مكتملة، وليس في البُنية الروسية الإقطاعية.
يغدو التفكيرُ هنا نقلاً، وكان لينين أكثر منه مقاربة لظروف روسيا وكشف التطور الرأسمالي فيها، من حيث تحديد حجمه في البنية الاقطاعية المسيطرة وذلك في كتاب (تطور الرأسمالية في روسيا).
إن انتقالَ روسيا للرأسمالية هو مشكلة ليست روسية فقط بل عالمية، فهذا الكيانُ الكبيرُ الذي أقتحمَ العالمَ بقوى عسكرية هائلة فجأةً وضمَّ أراضي دياناتٍ وممالك، يعجز عن التطور الديمقراطي على غرار انجلترا وفرنسا، لأن مثل هذا التطور يفتتُ هذه الكيانات التي ضُمت بالقوة العسكرية المشددة.
وفيما كانت دول الغرب الصغيرة تغزو العالم بأشكال تحديثية كانت روسيا تشكلُ مستعمراتها بطرقِ غزو على غرار الفتوح القديمة وتنافس الإمبراطورية العثمانية في توسعها وتتصادم معها.
فكانت النهضة الجديدة المقترحة لابد أن تحافظ على الإمبراطورية، من خلال مضمون جديد. والمضمون الجديد من خلال الرأسمالية والديمقراطية مستحيل.

والنخبة الاشتراكية البلشفية المنفصلة عن الديمقراطية كانت تنفصلُ عن الواقع الحقيقي، وتكوّن عالماً افتراضياً متخيلاً، هو اشتراكية روسية في مجتمع شديد التخلف.
مصطلحاتُ الاشتراكيةِ ودكتاتورية البروليتاريا وإيجاد الصناعة المؤممة وإزالة البرجوازية ومنع تكونها ثانية وجذب البرجوازية الصغيرة للاشتراكية وإقناعها بذلك، هي بعض المصطلحات والشعارات التي يرددها بوخارين بحماس شديد، فيما كان النظام على العكس بحاجة إلى البرجوازية لترسيخ الجدل الاجتماعي والنمو المتدرج العقلاني.
وقد تحققتْ مصطلحاته فعلاً لكن ستالين يقول إن الاشتراكية هذه زاد فيها الصراع الطبقي كلما تطورت، فلماذا؟

الروس مثل بقية الشرقيين في تصوراتهم بنقل الديمقراطية والرأسمالية والاشتراكية أو حتى نماذج الأديان حيث يتم تصور ذلك بالشحن كما تُشحن الثلاجات والسيارات من مناطق الاستيراد.
لكنهم في واقع التاريخ الحقيقي يُركِبون قراراتهم السياسية الاقتصاديةَ على بُنى قديمة هي البنية التقليدية التي لم تتغير.
إن الأشكال (الاشتراكية) من قراراتِ تأميماتِ المصانع والبنوك وإيجاد الزراعة التعاونية في الثلاثينيات في روسيا، هي تكوين مؤسسات عامة مملوكة للدولة، التي تغدو فجأة أكبر مالك للسلع ووسائل الإنتاج، تصبحُ هي الرأسمالي العام الأوحد، وبدلاً من عدة رأسماليين متنافسين يظهر رأسمالي واحد يلغي الآخرين. ثم هي التي تخرجُ من ثقوبها الرأسماليين الحكوميين فيما بعد.
الناس هنا لا يمتلكون رأسَ المال، وهم يعملون ويفكرون كأعضاء المجتمع القديم، الذي يكرسُ قوميته ويعلي دينه ويوظف أقرباءه، ويهتم بقبيلته، ويصعد منطقته، ويكرس مصلحته.
إن القوى المالكة لمختلف المواهب التي ارتفعت قديماً هي التي تصعد لجهاز الدولة أما القوى العاملة الأمية الفقيرة فلا تسيطر على شيء، وتصير الايديولوجيا الاشتراكيةُ افتراضيةً هنا، وتتجسد في كفاح عمال ومثقفين للحفاظ على الملكية العامة وتوزيع فوائضها، وتتكرس في نشر التعاون ومكافحة الفساد، لكن بنية الدولة القيصرية لم تلغ. الدولة الهائلة ازدادت تضخماً وغدتْ هي كل شيء، أجهزتها تتسع، وتضم المصانع والمزارع والبنوك والشرطة والجيش. وليس ثمة برلمان تعددي وأحزاب وجرائد حرة، كل شيء توجه ليكون حكومياً، وراحت الصراعات في المكتب السياسي للحزب تغدو هي الصراعات الشخصية الخطرة الوحيدة التي تجري وتصعد قيصراً وحيداً، بحكم مآل الدولة وسيرورتها فيغدو هو الرأسمالي الكلي. ولا يهم هنا زهده أو غناه، لأنه رمز للدولة التي تنمو في العمق والخفاء.
يوجه بخارين المسئول ورئيس تحرير أكبر جريدة من(1923 حتى 1929) الأنظار لتحقيق القيم الاشتراكية بشكلٍ مجرد، مثل الاشتراكية المجردة التي أسسها على الورق، ولم ينقد تنامي الديكتاتورية وغياب الحريات، فكانت هذه كرة الثلج التي تكبر.
الاشتراكية التي تجعل الأملاك عامة حقيقية للناس، لا تحدث بل يغدو هناك وكيل كلي عليها، وهو الذي يقررُ أشكال نموها، وبالتالي فإن الفوائض تتوجه لتغيير البناء الاقتصادي المعرفي المتخلف لكن بأشكال توزيع مختلفة، فتصعد فئاتُ البرجوازية الصغيرة وتتنامى مكاناتها بعسر، لكن الطبقة العاملة أكثر عسراً وفقراً وتبقى في ظروفها.
ما يجمد أوضاع الطبقتين المالكة والمنتجة هو جهاز الدولة الهائل فوقهما، الذي يحدث التطور الاقتصادي النهضوي الواسع، وينمي البيروقراطية وهي شكل البرجوازية التي سوف تظهر، ويجمد أحوال العمال الذين أقيمت بهم التضحيات والإنشاءات.
كان للثورة الروسية احتمال مهم كان يمكن أن يكون إنقاذياً، هو تشكيل رأسمالية دولة وطنية ديمقراطية، تضملا مختلف الطبقات، وبقيادة الأحزاب الاشتراكية، ليحدث النمو النهضوي التدريجي والصراع السلمي داخل السلطة، وتتحكم في حصص القيادة والتمثيل البرلماناتُ المنتخبة، لكن هذا الاختيار لم يظهر للتنافر الشديد بين الأحزاب ووجود فترة طويلة كلية من الاستبداد، فخرج الروس من استبداد متخلف إلى استبداد نهوضي كثير التكاليف والأثمان الفادحة، ثم عادوا إلى نقطة البداية وكأنهم يعيشون سنة 1917 نفسها مع مجتمع أكثر تطوراً ودولة استبدادية كبيرة.
بوخارين مفكر الحزب لم يستطع أن يرى أهمية الديمقراطية، لكونه عاش في فضاء اشتراكي متخيّل حزباً ثم نظاماً، وقد واجه العديد من الذين سوف يعدمهم ستالين فكرة الانقلاب في تلك السنة، مطالبين بتطوير فكرة الديمقراطية المشتركة بين مختلف الأحزاب الحديثة، لكن الأغلبية رفضت ذلك وأصرتْ على الانقلاب. ثم حين كبرت سلطة الانقلاب والدولة الشمولية راحت تبلع جميع القادة المؤيدين أصحاب الفكرة ومعارضيها، لأن الدكتاتور لم يقبل برؤى متعددة حتى داخل النظام.
رأسمالية الدولة تغدو مشكلة كبيرة مع تطورها، فتناقضاتها تزداد ولا تعرف كيفية الخروج منها، ولهذا فإن الصراع الطبقي يتزايد كما قال ستالين، لكن للخروج من مأزق رأسمالية الدولة حيث رأس المال تجمع في جهة واحدة بأدوات فوقية قوية بينما الشعب يغوص في الفقر. وتحدث الانفراجات النسبية حين يتم التخفيف من قبضة الدولة، لكن الخروج الكلي يتم في غالب الأحيان بفوضى أو حرب أهلية ونادراً ما تحدث الاصلاحات التحولية الديمقراطية المُنقذة لجميع الطبقات من الكارثة كما رأينا في العديد من التجارب العربية.

من الثورة إلى الفضيحة

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

مريعٌ أن يقف إنسانٌ مناضلٌ أمام الملأ ويدمر نفسه عبر قوة خارجية مسيطرة عليه، لا تريد سوى أن تذله!
الأساليب الفاشية في إحتقار الإنسان والمسح به أرضاً وتعفير هامته الشامخة بالوحل، هي أفظع ما يمكن أن يهدمَ روحَ الإنسان العظيمة ويلقي كل مـُـثــُل النظام في مزبلة التاريخ، هو وكل ما يمثله.
لا يمكن أن نغفرَ للأنظمةِ التي أذلتْ الإنسانَ الشامخ، ورمزَهَ المثقفَ المناضل، صاحبَ المبادئ والتضحيات الجسام، الكائنَ زهرة الشعب، أن يُحطم ويُداس.
كانت محاكمات النظام الهتلري للمثقفين بداية الحرائق البشرية.
حين صرخ جورجي ديمتروف أمام المحكمة التي اتهمتهُ بحرقِ الرايخستاج إنني لست مشعلاً للحرائق، إنني مناضل! وقامت الهتلرية بعدها بإشعال الكون!
لم تستطعْ قوى التعذيب أن تجعله يعترف بأنه منفذ مؤامرة تصنع حريقاً وكيف للمناضل أن يكون مخرباً؟، وتحولت كلماته الشجاعة إلى خطة نضالية لتوحيد القوى الشعبية على مختلف توجهاتها للتصدي للنظام الهتلري عدو البشرية!
وكذلك فعل بوخارين وهو يواجه ورفاقه قادة الحزب الشيوعي السوفيتي دكتاتورية ستالين الدموية ومؤامراته لذبح الإنسانية والعقلانية في الحزب الشيوعي السوفيتي الذي كان قائد هذه الإنسانية التقدمية!، وصرخ في قضاته الشرطة (لن تستطيعوا هزيمتي وهزيمة الحزب).
وقامت إدارة ماكارثي الأمريكية في أوائل الخمسينيات بمحاكمة المثقفين التقدميين لأنهم يعارضون الحروب والأحلاف وينشرون الأدب المناضل وسجنتهم وطردتهم من وظائفهم في دولة الحريات!
تمتلك الأجهزة المتعالية كل صلفها وغطرستها عبر أدوات التعذيب الحقيرة ضد جسد منعزل متوحد وحيد، لكي تسحقه بالألم وبالكهرباء والتغطيس في المياه الحارة وإدخال الزجاجات في جسمه وتعريض عائلته للخطر، وتستطيع أن تصل إلى إرادته الداخلية وتهزمها، وتدمرُ روحه، لكن القضية لا تنتهي، وتطور الحرية لا يتوقف، والبلد ليس صوتاً واحداً أو جماعة كبيرة، البلد أكبر من فرد وحزب وجماعة! كذلك فإن إهانة الإنسان هو أمضى سلاح لزوالها!
وحين تفعل أية أجهزة ذلك تخرج عن الثورة، وتدخل مزبلة الثورة المضادة، مستنقعَ بناتِ آوى، ووكرِ الذئاب، وينفصلُ المعذبـون والمحاكـمون عن تاريخ الإنسانية، ويخرجون من القيم الدينية والإنسانية ويتحدون مع تاريخ الشياطين والأفاعي.
وكلُ كتـَابِ القيمِ العظيمةِ التي تفعلـُها الثوراتُ وتـُضاف للرصيد البشري من المنجزاتِ والأخلاقِ الرفيعةِ والتضحيات، يُغلق، ويبدأ كتابٌ وضيعٌ، كتابُ المعذبين وأعداء الشعب، وينفتحُ تاريخُ اللصوصِ والمجرمين على مصاريعه الدموية.
هنا ينتكسُ الإنسانُ الشعبي عمود النظام الثوري وتسقط روحهُ في الوحل، ولن يجرؤ على الخروج لتأييد هذا النظام، سيتركهُ لأي ضابط عسكري حقير يركبُ دبابة ويستولي عليه فقد سقط الشعبُ مشكلُ الثورة.
يتركهُ لأي مغامر لأنه فقد القيم العليا، قيم إعلاء الإنسان واعتبار كرامته هي ذروة النضال، لأنه كان يقدم أولادَهُ قرابين ليس من أجل محاكم التفتيش بل من أجل الوطن، ومن أجل الثورة، ومن أجل التغيير ومن الدفاع عن الحدود.
حين يرى الإنسانُ قائدَهُ وقد قـُدم مسحوقاً محطماً معترفاً بجرائم لم يرتكبها، وهي جرائم شريفة، عظيمة، تـُصنع من أجل الوطن والتقدم، لا من أجل هذا الرجل أو ذاك، من أجل حرية إيران وحداثتها وتقدمها، حين يرى ذلك ينهار، فينفتح البابُ للمغامرين العسكريين، وقادة الأجهزة الخفية، خفافيش الدم، لكي يشربوا ما يشاؤون من دماء، وينطلقوا بحروب القتل والمجد الفارغ وإفناء البشر.
هنا يظهرُ الشمرُ بن ذي الجوشن والحجاجُ بن يوسف الثقفي ونابليون وهتلر وستالين فحين تبدأ السواطيرُ في قطعِ أعناق المناضلين تنفتح بواباتُ الجزارين، وتـُداس القيمُ والأخلاق أرفعُ ما كرستهُ الأديانُ والأفكار، ولا يُعد لدم الإنسان وشرفه وعائلته أدنى مكانة.
وإذلال الرموز الذين حملهم هذا الإنسان نفسه لسدة الحكم، هو دولاب لا يتوقف، وآلة جهنمية سوف تطحن كثيرين بمن فيهم المحاكمين والقادة، إن لم ترتفع الأصوات البشرية في كل مكان لمنع ذلك، لمنع سلخ جسد إيران حية تنزفُ أمام المسرح العالمي، منهوشة في كلِ جزءٍ من جسمِها ومدمرة في كل خلية من روحها العظيمة، إن لم تدوِ صرخة ديمتروف البلغاري الشجاع في مواجهة الجلادين وتضع حداً لدركولا برلين لكي لا يصير كونياً ويحرق العالم.
لقد قدم الوطاويطُ عظاماً سياسية هشة، لكي يكسبوا البطولة الجبانة، ويشربوا دماءها أمام عدسات التلفزيون الميتة بكلِ تشفٍ وغرور، ورغم ذلك ذهب ضحايا في الأقبية السرية ماتوا تحت التعذيب، بل قلْ إنهم صمدوا تحت السحق الروحي، وليس كل إنسان قادر على ذلك، وهذه هي سمة الشهداء، لا سمة السياسيين العائشين على المناورات الحزبية والنضال الصالوني.
ومن حق كل إنسان أن يعترف وحتى أن يُهزم محافظاً على حياته وأوضاع أهله، فهذه هي طاقة تحمله، ولكن سوف تسقط روحه القتالية ولا شك في القعر إلى الأبد، ليتحطم على نحو مريع نفسي، وهنا ندرك ماذا تعني الشهادة وشهادة الإمام الحسين خاصة في مثل هذا الظرف، فليس كل من هتف صدق، هنا نعرف ماذا تعني هزيمة الروح وسحقها، ليظهر (البطل) ذليلاً يسعى فقط من أجل البقاء والعيش، يفقد كرامته الكفاحية بؤرة بشريته، وينضم للمُدمرين. ويفتح جهنمَ الانتقام والثأر التي تبلعُ في أحشائها الثورة والثوار.
لكن بالمقابل يفقد الجاني، السوط المسرور بسوائل الدم التي ينتفخُ بها من ظهور المناضلين، والمنتشي بدموعِ الأمهاتِ والزوجات والأرامل! ويصيرُ مجردَ حثالةٍ تاريخية، وجيفة سياسية!
على الأنظمة العربية والإسلامية أن تخرج من هذا التاريخ الفظيع إذا أرادت أن تنظمَ لركبِ الإنسانية، تاريخ الوحشية والتعذيب والجلادين، والاعترافات المزورة وشهادات الزور والإفادات الملفقة المكتوبة بالحبر الدموي البشري، وأن تنظف مخازنها المليئة الرثة من كل هذه الأشباح والوطاويط العائشة على الدم والعظام وتحرقُ على الملأ جبالَ الاعترافات والإفادات والتزوير.
استطاع نظامٌ عربي واحد فقط هو المغرب أن يخرجَ من هذا التاريخ الملوث، تاريخ التعذيب والضحايا وورق الاعترافات المُذلة، وأن يحترمَ آدمية الإنسان، ويلقي بملفات التعذيب وتزوير الإفادات في المحيط الأطلسي، فمتى تفعل ذلك بقية الأنظمة (العربية الإسلامية)؟

الأزمة الأوكرانية : نص مقابلة المفكر الماركسي الهندي فيجاي برَشاد

 في هذه المقابلة يستضاف المؤرخ الهندي والمؤلف والصحفي والأستاذ الجامعي والمفكر الماركسي فيجاي برَشاد لمعرفة وجهة نظره إزاء الأزمة الأوكرانية . يعمل فيجاي حاليًا مديرًا لمعهد القارات الثلاث للبحوث الاجتماعية ويشغل منصب المحرر الرئيس في دار نشر ليفت وورد بوكس الهندية، وسبق له التدريس في جامعات مختلفة حول العالم وشغل منصب كرسي إدوارد سعيد في الجامعة الأمريكية في بيروت. على أساس موقفه الماركسي العالمثالثي، ينشط فيجاي في التأليفِ،تُرجمت أعماله إلى عدة لغات؛ وينشر المقالات في صحف متعددة؛ ويشارك في الندوات والمؤتمرات.

ندعكم بعد هذه التوطئة المقتضبة مع نص المقابلة الخطيرة.

https://www.jadaliyya.com/Details/44066/%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%88%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%AF%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8B%D8%A7-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B3-%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%A8%D9%84%D8%A9-%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B1%D8%AE-%D9%81%D9%8A%D8%AC%D8%A7%D9%8A-%D8%A8%D8%B1%D9%8E%D8%B4%D8%A7%D8%AF

حوار مع المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول الحرب الروسية – الاوكرانية وتداعيتها والموقف الدولي

على الرابط أدناه ؛

الدكتور جلبير الاشقر باحث واكاديمي لبناني ماركسي مثقف وملتزم باصول البحث المعرفي وبقيم اليسار وهو ينتمي الى جيل اليسار التجذري الذي التزم بمبادىء الماركسية في الستينات وبقي ثابتا في مساره الفكري العميق الّفًّ العديد من الكتب القيمة مستندا في كتابتها على جوهر الفكر الماركسي المتفتح على تجدد المعارف الانسانية والملتزمة بمباديء العدالة الاجتماعية. عمل في البحث والتدريس الجامعيين في كل من بيروت وباريس وبرلين قبل ان يتم تعيينه في كرسي دراسات التنمية والعلاقات الدولية في معهد الدراسات الشرقية والافريقية في جامعة لندن . من كتبه التي صدرت باللغة العربية : 1-صدام الهمجيات: الارهاب والارهاب المضاد والفوضى العالمية 2-الشرق الملتهب: الشرق الاوسط في المنظور الماركسي 3-حرب الـ33 يوماً: حرب إسرائيل على حزب الله في لبنان ونتائجها 4-السلطان الخطير: السياسة الخارجية الامريكية في الشرق الاوسط – بالاشتراك مع نعوم تشومسكي 5-العرب والمحرقة النازية: حرب المرويات العربية-الاسرائيلية 6-الماركسية والدين والاستشراق 7-الشعب يريد: بحث جذري في الانتفاضة العربية 8-انتكاسة الانتفاضة العربية: اعراض مرضية. هذا وله مقالات عديدة في موقع الحوار المتمدن وكبريات الصحف والمواقع الالكترونية الاخرى .

روسيا الدكتاتورية

بعثُ المسيحيةِ في روسيا

هناك حراكان أساسيان في الشرق: حراكُ الأديانِ وحراك الأمم، وهناك الحراك المتواري الخادم لهما وهو حراكُ الطبقات.
حين يتعارض وحين يتوافق الحراكان تتشكلُ النهضات والأزمات والتطورات المختلفة في سديمٍ غامضٍ متناقض يعتمدُ حسمه على مستوى تطور الطلائع السياسية والفكرية وفهمها الديمقراطي أو قولبتها الشمولية لقوانين البُنى الاجتماعية.
في روسيا مثالٌ دقيقٌ على ذلك، إن الإنبعاثَ القومي الروسي كان متوارياً متداخلاً مع المسيحية، وكان إختيارُ الأرثوذكسية عبر مئات السنين بدءً من النهضة الإقطاعية والتوسع الملكي الروسي خاصة، وتعانقها مع القيصرية، ليس حدثاً عفوياً.
لقد قام المذهبُ بإستجلاء القومية بشكلٍ باطني حدسي، ثم صعدتْ القيصريةُ، وجعلتَ المذهبَ القائد التابع تحت سلطتها. وهذا يعبر عن ضخامة الملكيات بين الجانبين وهيمنة السياسة على الدين، فحراكُ السياسةِ أخطر وأكثر أنانية.
نزلت قبائلٌ من منطقة شمال أوربا واتحدت بالعناصر السلافية وشكلتْ القوميةَ الروسيةَ التي غدت الكنيسةُ الأرثوذكسية مظلتَها العبادية، وغدت القيصريةُ مطورتَها السياسية، وكان طردُ المغول بدايةً كبرى لهذا التوحد، ثم تنامتْ السيطرةُ على شعوبِ آسيا المسلمة، فوجدتْ القيصريةُ نفسَها مهيمنةً على دينين كبيرين عظيمين هما المسيحية والإسلام.
إن المذهبَ الأرثوذكسي بحدِ ذاتهِ يمثلُ حراكاً خاصاً في المسيحيات، فهناك مسيحيتان أخريان البروستانتية والكاثوليكية، تهيمنانِ على أوربا وأمريكا الشمالية والجنوبية وأصقاعٍ أخرى عديدةٍ في الشرق، وهما تمثلان درجتين من التطور الرأسمالي المتقدمِ أو المتخلفِ أكثر من التطور في الأرثوذكسية، التي هي الأكثر محافظةً، نتيجةً لارتباطِها بالدولِ الأكثر إستبدادية في العالم وتعبيرها عن الإقطاع الشرقي المسيحي الحكومي المطلق.
ولهذا فإن التطورَ القومي الروسي كان أسرع من التطور الديني الروسي.
لقد كان تصاعدُ الأدواتِ السياسية ميزةً فريدةً لروسيا كما أنه مثلَّ مشكلاتٍ لها كذلك، فقد قامتْ بتحرير روسيا من الغزاة وخلقتْ أمبراطوريةً كبرى وجذبتْ شعوباً مسلمة ومسيحية إلى سيطرتها ولكن كل ذلك عبر القوة، ثم شعرتْ بضعفِ تطورِها، وبتخلفِها عن أوربا، فتركتْ الشرقَ وجاورتْ متعلمةً من أوربا، وشجعتْ الأفكارَ التحديثية وقزمتْ بعضَ الشيء من الكنيسة، لكن هذا اللحاق لم يصلْ بها إلى نهضةٍ صناعية مماثلة للغرب.
وكانت السياسةُ قد صعدتْ الليبرالية والماركسية، وغدتا هما الأداتان المنتظرتان للحداثةِ المنتظرة، لكن كم التخلف الإقطاعي وضخامة المشكلات الاجتماعية، ورغبة بعضِ النخب في الركض الحضاري، جعلت من الماركسيةِ هي العاصفة لاجتياحِ عالمٍ متكلسٍ من الإقطاع القيصري ومن الإقطاع الكنائسي معاً.
هذا الاجتياحُ السريعُ أدى إلى نقلِ روسيا ومعها الشعوب المُلحقة إلى رأسمالية حكومية متقدمة، قامتْ بمهماتٍ تحويلية ضخمة، كان من أهمها تشكيل الصناعات الكبرى وتغيير وضع الشعوب الثقافي وتحرير النساء من الهيمنة الذكورية المطلقة والمساهمة الأبرز في هدم نظام الاستعمار العالمي.
إن روسيا جرّتْ معها عالماً شرقياً إسلامياً متخلفاً نقلتهُ بدرجاتٍ كبيرة إلى الحداثة، فثمة دينان كبيران يجريان مع تجربةِ الاتحاد السوفيتي تم السيطرة عليهما من أجل التسريع التحديثي المؤلم القاسي العظيم في ذات الوقت!
كانت المسيحيةُ هي الاكثرُ حضوراً وهي المؤسسةُ لروسيا العالمية هذه، فيما كان الإسلامُ هو الملحقُ بهذه التجربة، ويمثل شعوباً بسيطة شعرتْ بالسعادة للأخ الروسي البلشفي الكبير وهو يتوحد معها وينقلها لعالم متقدم.
تحولت الدكتاتوريةُ في المجال السياسي إلى دكتاتوريةٍ إيديولوجية باطشةٍ بالأديان خاصة الأرثوذكسية العمود الفكري للنظام القيصري الذي لم يحتجْ هدمهُ إلا إلى ذبحِ العائلة المالكة الصغيرة، فيما المذهب المسيحي له ذو جذور عريقة وهو مؤسسُ روسيا الفكري فبقي ضارباً في الجذور التحتية للشعب. وبسببِ التخطيطيةِ المجردة والقوالبِ المفروضةِ من فوق وعبر الدهس البيروقراطي تحولتْ الماركسية إلى الدين التحديثي المفروض، وإلى قوالب حديدية فكريةٍ منزلة، وبالتالي فإن (الدين) الحكومي الشمولي كان إنعكاساً لسحقٍ سياسي للمُلكيات وإختزالاً متعسفاً للتطورِ وللتنوع، بدلاً من التدرجِ الصبورِ وخلق جدلية بين المُلكيات العامة والخاصة، وإستثمار الديمقراطية على نحوٍ متقدمٍ تاريخي طويل متدرج بدلاً من التعسف السريع، وكانتْ هذه الملامحُ موجودةً كبذورٍ لدى لينين في العشرينيات من القرن العشرين خاصةً في برنامجهِ المُسمى(السياسة الاقتصادية الجديدة: النيب) لكن الدكتاتوريةَ المتصاعدة إختزلتْ كلَ شيء.
ولهذا نجد إن النزعات الديمقراطية والليبرالية داخل المجتمع الروسي ضعيفة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكانت ضخامةُ الدولةِ الهائلةِ تعبيراً عن عجزِ القوى الشعبية عن خلقِ تطورٍ ديمقراطي جماهيري، فظهرتْ قيصريةٌ(إشتراكية) قامتْ بمهماتِ التغيير الحداثي بالرعبِ الدموي، عبر سحقِ عالم الإقطاع بصورةٍ ضارية دموية وكذا سحق عالم البرجوازية المحدودة مما أنعكس على القمع البيروقراطي للأديان دون قدرة أبدية على فعل ذلك، وبالتالي فإنها لم تُصعد الشعب العادي لقيادة المسرح ولا أن تنشرَ الفكرَ الديمقراطي.
كان إنهيارُ الاتحادِ السوفيتي يعبرُ عن الصيغةِ غيرِ المنسجمةِ بين النهضةِ الحديثةِ والدكتاتورية، بين إزالةِ الأديان وإعلاء شأن الجماهير، بين الإشتراكية كذروةٍ للتطورِ الإنساني والبيروقراطية المتصاعدة الجاثمة عليه، بين الأخاء الأممي وتقدير الديانات البشرية وبين التعسف، بين الماركسية كإحدى قمم المعرفة الحديثة وبين الحكم البوليسي المدمر المقولب لها.
لقد تنطع الشرقُ المتخلفُ للمهماتِ البشريةِ الكبرى فجمعَ بين الإنجازاتِ العظيمة والمشكلات المؤلمة.
المواقف تجاه الأديان كانت إحدى المحكات الكبرى لذلك، وبينما وجدت الصين دينين محايدين خافتين بعيدين عن النزاعات السياسية الضارية، جابهتْ روسيا الارذكوسية المتشبثة بالسلطة وبرعاياها الكثيرين. لكن السلطة الجديدة لا تعرف التدرج والديمقراطية فتقوم بتصفيتها بشكلٍ إداري ساحق:
(أممّت جميع الأراضي التي تملكها الكنيسة إلى جانب جميع المدارس المذهبية. وبعد ذلك بقليل صدر مشروع القرار في الفصل بين الكنيسة والدولة. واستناداً إلى هذا المشروع، قامت السلطات المحلية بأعمالِ نهبٍ وعنف).
ليس ثمة حدودٌ هنا بين قانون فصلِ الدينِ عن الدولةِ وبين عملياتِ القمعِ ضد الكنائس والمساجد، ففي حين يمثل الجانب الأول تقدماً في مسار الدولة، يمثل الآخر تقهقهراً وإعتداءً، وتصاعدت الموجةُ مع تنامي الدكتاتورية التي لم تُردْ أن تتعايشَ مع القوى الاجتماعية الأخرى والمتجسدةِ عبرَ الأحزاب والأديان، فغدتْ هي المحتكرُ الأولُ والأخير للثروتين المادية والروحية.
فازدهرت معسكرات الإعتقال ومن سنة 1924 حتى سنة 1934 وهي فترةُ صعود الستالينية الهوجاء دُمرت ألوفُ الكنائس وأُحرقتْ الكتبُ الدينية ولم تبقْ أي مدرسةٍ دينية منذ 1925.
رغم الانجازات المادية الكبيرة للثورة فإن غياب التنوع، وهمينة البيروقراطية كان له مفعول ثقافي سيء وهو إنتشار الخواء الفكري وحدوث الاغتراب وبقاء المسيحية في الظل المتواري لدى الجمهور الشعبي وإنتشار المسكرات وعدم تصاعد الفاعليات الاجتماعية بعد عهد الثورة التضحوية حيث قام الملايين بالإنشاءات الكبرى بأجورٍ زهيدة، وتحولت الإدارات إلى قوى البرجوازية الطفيلية الكامنة، ومن هنا سوف تظهرُ البرجوازيات العلنيةُ المنتفخةُ بأموالِ الفساد في كلِ جمهورياتِ الاتحاد السوفيتي المتفتتة.
هذا أمرٌ طبيعي في كلِ ثورة تفتقدُ إنشاء القنوات الديمقراطية، ولا تقوم بالعلمانية، جاعلةً للأديانِ مسارات حرة، وللسياسات مساراتها المستقلة، وعبر هذا المسار الصدامي بين الماركسية الحكومية والمسيحية تشكلتْ أجيالٌ خاويةٌ من الجانبين، فالصيغ الماركسية البيروقراطية تلك ليست قادرةً على التحليلات المركبة وفهم تحجر قوى الإنتاج البشرية والمادية، لكونها غير ديمقراطية على المستويين، في حين أن المسيحيةَ بقيتْ شكلانيةً شعائرية، ومع هزيمة الأولى صعدت مرة أخرى بذات شعائريتها الصعبة من حيث اللغة والعادات. وهذا أمرٌ أتاحَ للمسيحيات الأخرى غزو روسيا مع تصاعد رأس المال الأجنبي.
بالنسبة للمسلمين كانت العمليات لا تختلف في العالم الآسيوي الأكثر جموداً في فهم الظواهر الدينية، وكان القهرُ هو نفسه، لكن ردود الفعل هنا أكثر حدة لدى الشعوب الأقل تطوراً كالشيشان، ولكون المظلة التقدمية المشتركة للأديان والقوميات سقطت، وإنقسم الناسُ بشكلين كبيرين إلى مسيحيين ومسلمين، لكن بقيتْ القومية هي المشكلةُ للنزاعاتِ بدرجةٍ كبيرة، وحدثتْ كوارثٌ رهيبةٌ بعودة الصراعات الدينية والقومية.
ورثت الطبقاتُ البرجوازية الحكوميةُ جسمَ الاتحادِ السوفيتي المُفككِ، وحركتْ عجلات التطور الاقتصادية بشكلٍ هائلٍ وتغيرتْ الخدمات لكن أغلب التطورات جرتْ لمصلحة القوى الثرية الجديدة، وتفاقمتْ المشكلاتُ الاجتماعيةُ والاقتصادية على الطبقاتِ العاملة، وإنطلقتْ المعاهد الدينية والكنائس والمساجد بحرية، وأعيدت موادٌ دينية للتعليم بشكلٍ متنوع حسب عقائد وآراء الطلبة.
كان هذا الحراكُ على المستويين الاجتماعي والروحي يستهدفان تكريس سيطرة الطبقات الجديدة، وهيمنة أحزابها، لكن نجد أن الثقافة الدينية لم تعد قادرةً على فعلِ أشياءٍ كبيرة في الساحاتِ الاجتماعية والسياسية والفكرية خاصة في روسيا والجمهوريات الأوربية السوفيتية السابقة، وإنبعثت بالشكل الإيماني التقليدي، وأستخدمت من أجل تصعيد الأحزاب القومية، وعرقلة عودة اليسار السابق، الذي لم يتطور قسمٌ كبيرٌ منه ولم ينتقل للاشتراكية الديمقراطية. أي أن إعادة النظر الديمقراطي في ذلك التاريخ السابق الهائل المهيمن يحتاج إلى ثقافة جديدة ونضالات معاصرة.
يُنتظر أن يحدثَ هذا الجمعُ الجدلي في التاريخ القادم بين الحفاظ على مصالح الأغلبية الشعبية والتطور الإنتاجي المتقدم وإحترام عقائد الشعوب.
وهكذا فإن بعثَ المسيحية في روسيا لم تكن له آثار سياسية كبيرة، وإذا كانت السلطاتُ قد إستغلتهُ لتأسيسِ سلطةٍ جديدة فهو لم يحجبْ المشكلات العميقة لفترتي الدكتاتورية بشكلِها السوفيتي، وبشكلها الرأسمالي الحكومي الراهن، وما تزال الثقافةُ الروحيةُ بكافةِ صورِها غريبة عن الناس، شكلانية في أغلبها، وفُقدت مؤسساتٌ ثقافية كبيرة عبر هذا الدهس التجاري الراهن.

تطورات الرأسمالية الحكومية الروسية

عاشت روسيا خلال القرن التاسع عشر مواجهة مستمرة مع الغرب المتفوق عنها، والغرب المقصود هنا أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وقد نتج التحدي بسبب الطفرة التي قام بها الغرب، من التخلف حتى الصناعة الحديثة، وما استتبع ذلك من تبدل كبير للمجتمعات، ومن انتشار لثقافتها، ومن استيلائها على مستعمرات كبيرة زادت من تطورها ومكانتها على الصعيد العالمي، بل جاء هذا الغرب غازياً على خيول نابليون ومدافعه، في حين كانت روسيا تعيش في مرحلتي العبودية والإقطاع المتداخلتين، ففي الوقت الذي كانت تنتشر في الغرب الديمقراطية والحداثة، كانت روسيا تناقش تحرير العبيد! كانت أغلبية الفلاحين وهم أغلبية الروس كذلك، مسترقين في قرى شديدة التخلف.

فكانت روسيا تصحو من مجتمع الرقيق على رؤية أكثر العلاقات تطوراً في العالم وقتذاك، وأدى ثقلها السكاني الكبير ومستعمراتها الأكثر تخلفاً منها، إلى إشكاليات في التطور الروسي إلى حد الانفصام، فهي حاضرة في أكبر الأحداث الغربية كهزيمة نابليون ووقف إصلاحات الثورة الفرنسية وراحت تقود المد الرجعي في أوروبا وهي في الوقت نفسه تتطلع إلى تجاوز أوروبا ولعب دور قيادي آخر للإنسانية!

فكانت هناك أفكار وتيارات تنادي بتجاوز الرأسمالية، سواء بشكل أدباء كتولتسوي وديستوفسكي أم بتيارات كالشعبيين والاشتراكيين الثوريين وتنادي بالحفاظ على الإرث المشاعي الذي لا يزال قائماً في بعض المناطق والعلاقات، وهو الأمر الغامض الذي تغلغل في حزب البلاشفة في آخر الأمر، على الرغم من أن حزب البلاشفة قام على الصراع ضد هذه الأفكار أساساً، ونادى بضرورة الدخول العميق في الرأسمالية! ويمكن الرجوع هنا لكتب لينين المتصدي الكبير لأفكار الشعبيين وخاصة في كتاب(تطور الرأسمالية في روسيا).

وحاول بعض القياصرة المصلحين سد الهوة الهائلة بين روسيا والغرب، عبر نقل العاصمة بقرب القارة الأوروبية، وبإيجاد انفتاح اقتصادي وبقبول المؤثرات الثقافية الفرنسية والألمانية.

لكن ضخامة روسيا ومستعمراتها وتجذر الاقتصاد الإقطاعي وضعف نمو الرأسمالية داخل هذا المجتمع الضعيف التطور الصناعي، جعل من حل تناقضات التخلف الرهيبة مسألة تحتاج إلى قرون.

كيف تبدل حزب البلاشفة من التصدي للشعبيين والاشتراكيين الثوريين، الرافضين للتطور الرأسمالي، والمنادين بالإبقاء على الجماعية وضرورة تأميم الأرض، إلى أن يتقبل مثل هذه الأفكار؟!

لماذا لم يواصل تأييد التطور الرأسمالي الديمقراطي العلماني والمتدرج؟

فبين الحملات الفكرية ضد أولئك الخصوم (غير العلميين) و(الفوضويين) على حد التعابير البلشفية وقتذاك، إلى تقبل أطروحاتهم ومركستها بصورة عسكرية، لم يمض سوى عقدين.

هل حدثت تغييرات رأسمالية هائلة تستوجب تجاوزها نحو الاشتراكية؟

لم يحدث شيءٌ من هذا القبيل، ولكن حدثت تطورات سياسية كبرى، فقد توسع الاستعمار الغربي، وراحت دوله الكبرى تستحوذ على أقطار الدنيا كلها، وتقوم حروب بينها، وخاصة المجزرة الهائلة، الحرب العالمية الأولى، بل راحت تتغلغل في روسيا نفسها عبر شركاتها، مهددة ببلع مستعمراتها.

ولم تؤد دعوات لينين بتشكل معارضة قوية ضد الحرب دورها، وانحاز الاشتراكيون الديمقراطيون في كل بلد إلى بلدهم، وأعلن لينين الانفصال عنهم، ونعتهم بأنهم أصبحوا منحازين لبرجوازيات بلدانهم.
في هذه الفترة يمكن رؤية لينين (القومي)، المتواري، الغائر في الثقافة الشعبوية الاشتراكية المنعوتة سابقاً بالتخلف، وهذا التبدل الكبير بين تأييد التطور الديمقراطي للرأسمالية ورفض هذا التطور والقفز عنه، هوة كبيرة.
تم سد هذه الهوة المفاجئة الغريبة بمجموعة من المقولات، أهمها أن(روسيا تمثل الحلقة الرأسمالية الضعيفة التي يمكن كسرها والقفز بها للاشتراكية)، وبظهور الاستعمار الذي هو أعلى مراحل الرأسمالية، مما يعني في هذه المقولة الأخيرة ان الرأسمالية غدت كونية، وانه لا داعي لانتشارها الكلي في البلدان المتخلفة.

وكل هذه المقولات تقوم على هواجس قومية برجوازية لدى لينين، فروسيا أمنا تواجه خطر السيطرة الأجنبية، ولابد من الحفاظ عليها وعلى مستعمراتها، يغدو لينين هنا رجل التحرر الوطني، الذي سوف يجابه عملية استعباد روسيا، وينقذها بالتوجه الشعبي التحرري التقدمي.
لقد سقطت الأممية الثانية التي كانت ترفع راية الاشتراكية الديمقراطية في رأيه، على الرغم من أنها لم تسقط حقيقة، وسقطت الماركسية المنتجة في الغرب كما يتصور.

هنا مفترق طريق كبير بين الشرق المتخلف الإقطاعي، والرأسمالية الغربية، فالشرق يريد النهضة، والغرب الاستعماري يريد السيطرة عليه، الشرق يبحث عن طرق جديدة للتطور مغايرة للغرب، الذي وصل إلى ذروة التطور الاقتصادي ويريد منع الآخرين من التطور والاستقلال!
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=165725

تحولاتُ الدورِ الروسي العالمي


إذ أخذت التجربةُ الاجتماعية الروسية الحلمَ الاشتراكي من جهة ومخاض تطورات الأمة الروسية من جهة أخرى فإن هيمنة الجيش والمخابرات سوف تكون هي أداة التحولات.
إن ازدواجيةَ الهدف الاشتراكي وأرضيةَ هيمنة الأمة سوف تنحل في سيطرة جهاز الدولة وقمته الشخصية، لعدم ظهور الطبقتين الطبقة البرجوازية والطبقة العاملة كقائدتين فعليتين للتطور السياسي الاجتماعي الصراعي الديمقراطي.
وهكذا فإن الجمهور الشعبي العمالي والفئات المالكة للمصانع والأرض ومختلف أدوات الإنتاج سوف تذوّبُ لصالح جهاز الدولة. ولهذا فإن القمعَ وضحاياه وتماثله مع الدكتاتوريات الغربية في فترة الحرب العالمية الثانية لا يختلف سواءً كان من أجل الجماهير الشعبية والاشتراكية أو كان من أجل الشركات الكبرى، لكون العمال والبرجوازية الديمقراطية منفيين من كلا الجانبين الروسي الشرقي والغربي.
هذه فترةُ مخاضٍ قومي شمولية روسية دموية ستؤدي تطوراتها إلى ظهور المضمون الحقيقي الحاد لها بعد عقود، ففيما عبرت التطورات الروسية والشرقية عامة عن تصاعد رأسماليات الدول العسكرية فإن الديمقراطية سوف تظهر مجدداً في تلك الدول الأوروبية التي ضربتها الشموليات.
فهنا يلعب الإرثُ الديمقراطي دوره، وهو إرثٌ يرتكز على فاعليةِ الجمهور المالك والشعبي في تمثل دوره الاجتماعي السياسي ومصالحه المستقلة في ظل الكل القومي، في حين أن هذا التمثُل للمصالح المستقلة لن يتاح للجمهور سواءً كان عمالياً بنى (الاشتراكية) سابقاً أم كان عمل على قرضها وهدمها واستثمار مؤسساتها لحسابه الشخصي لاحقاً.
هذا هو مصير معظم دول الشرق حيث اعتمدت على هيمنة القوة التي تتمثل في الأبوية العائلية المحافظة وانفصال الجهاز الحكومي عن الناس، والتراث الطائفي الديني الذي
اُجتُث من دلالاته الشعبية على مدى التاريخ، وعلى تفصيل المؤسسات السياسية على مقاس تلك القوة، وعلى العيش الصراعي المتخلف المؤدي إلى زعزعة الخرائط الاجتماعية القومية.
والآن تتقارب هذه التجارب في صيغ متشابهة، تغدو الفوارق بينها ليست كبيرة، إلا من حيث قدرة رأسمالية الدولة هنا أو هناك على الصعود للذروة الخطيرة العسكرية المغامرة أو تجنب هذه الذروة التي تأتي بعدها الحرب والخراب، ولهذا تغدو قارة آسيا خاصة مركزاً لهذه الألغام السياسية التاريخية، وتفجرها التدريجي أو المتسارع الذي يضع حياة الملايين في خطر شديد.
وعلى الرغم من ضخامة الأدوات الحديثة واتساع الديمقراطيات في العديد من الدول فإن شخصية الدكتاتور الدموي وصلت لذروة اللاعقلانية والبطش، وخاصة أنه لا يمتلك حتى بنائية ستالين وهدفية التقدم التي كانت مترسخة في وعيه المحدود.
نصل إلى هذه الذروة بعد كل تلك الكوارث التاريخية، ويتم تبريرها، ولا يتسع الوعي السياسي لتبصر هذه المخاطر الفادحة على السكان من كل الطبقات وكل البلدان.
إن تبريرها من قبل نخب واسعة هو الأمر الأكثر خطورة ويعني دخول بلدان أخرى وجماعات قومية مختلفة إلى نفس الأتون وأنها غير قادرة على تبصر مخاطرها الرهيبة على شعوبها وبلدانها، وأنها لا تخشى من حمامات دم جديدة تمسها.
وهذا يستدعي قراءات عميقة تحليلية لخلفيات هذه القوى وتعليق مجموعة من الأجراس في رقابها.
تكون هذه الدول بصيغ عسكرية شمولية وتفرد فئات فوقية بالثمار الاقتصادية وعدم زحزحة هذه السيطرات بإصلاحات ليبرالية وديمقراطية وإنسانية يعني إعادة إنتاج ما حدث في وسط أوروبا وروسيا من حروب كارثية.
يغدو مجلس الأمن معبراً عن هذه الهيمنات الشرقية والغربية، معبراً عن مصالح مؤقتة لمجموعات وأحزاب حاكمة، ماعدا فرنسا عبر حكومتها الحالية التي غدت استثنائية معبرة عن الشعب الفرنسي، وفي المقابل الدور الروسي المتراجع عن تاريخه.
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=379546


روسيا الاتحادية وتحولاتُها السياسية


روسيا الاتحادية هي الجسمُ السياسي الذي ورث الاتحاد السوفيتي بعد حله في سنة 1991، وتظللا روسيا أكبر بلد مساحة في العالم، وقد تقلص سكانُها في حدودِ المائة والأربعين مليونا، ويعبرُ تصديرها عن عدم تحولها خلال العقود السابقة لبلادٍ صناعية متطورة، فهي تصدرُ: النفطَ ومشتقاته، والغاز الطبيعي، والخشب والمعادن، والمواد الكيماوية، والأسلحة والمعدات العسكرية.
عودتُها للكيانِ الروسي القومي المحض لم يُزل كيانَ الاتحادِ السوفيتي فقط بل التجربة (الاشتراكية)، ففي أثناء تفكك الاتحاد السوفيتي وما بعده تصاعدت عملياتُ بيع المؤسساتِ العامة للقطاع الخاص، وأُلغي التخطيطُ وقسمٌ كبير من ملكية الدولة. وانتقلت روسيا بسرعة وحدة لاقتصاد السوق فهوت ملايينٌ من السكان في هوة الفقر، وكان معدلُ الفقر 15% في العهد السوفيتي فتفاقم إلى 49% في عام 1993، فانتشر الفساد والاجرام، وتفجرت أزمة اقتصادية وانخفض الناتج المحلي الى 50%.
الانتقالُ الحاد من رأسمالية دولة شمولية كلية تمنع حتى اصطياد الفقراء للسمك بشكلٍ حر إلى رأسمالية دولة (ليبرالية) فوضوية، يعكس فشل المخاض الطويل في الاتحاد السوفيتي للتحول بين كونه رأسمالية دولة شاملة، إلى رأسمالية دولة شعبية ديمقراطية تحوي نسبة مهمة من الاقتصاد الخاص.
هذه العملياتُ السريعة المفرطة في بيع الأملاك العامة ووجود المشترين الروس أنفسهم، توضحُ الفسادَ المتغلغل عقودا ووجود رأسماليي الباطن الكثيرين، كما تعبرُ عن فقد العمليات السياسية والفكرية الاشتراكية الديمقراطية طوال سنوات، حيث التصلب الايديولوجي من جهة والتحلل الايديولوجي من جهة مضادة، فالحزب السوفيتي لم يفهم العملية التاريخية التي قام بها خلال العقود السابقة، وهو لم يكتشف أساسا طبيعة النظام، الذي تصوره اشتراكيا يتوجه لذوبان الطبقات وانتصار الطبقة العاملة الكلي على بقية المكونات، لكن أجهزة الدولة كانت تفرخ رأسماليين بالباطن، وهو غير قادر على وقف التحلل الداخلي وغير قادر على السير الديمقراطي للأمام.
ولهذا كان من نتائجِ الانقلاب على آخر رئيس سوفيتي حلّ الحزبِ والاتحاد السوفيتيين اللذين كانا شكلين فقدا مضمونيهما التقدميين.
يستمر التناقضُ بين رأسماليةِ الدولة القومية الشعبية التي كانت ذات قوة اقتصادية وتماسك نسبي في العلاقات الاقتصادية العامة وحولها الجمهورُ العامل الذي التحم بمستوى خدماتها المتدنية كذلك، وبين الرأسمالية الخاصة وهي تنمو داخل شبكات الحكم والمجتمع وتحولُ الكثيرَ من الموارد لصالحها وتشكلُ اللاعقلانيةَ الاجتماعية السياسية المفتوحة على الفوضى.
إن الاقتصاد العام المسيطر سابقا، التفت عليه الشعوبُ السوفيتية عامة، ومثّل تجربة التعاون الأولية لكل اقتصاد قومي متخلف يقفز بسرعة في الحداثة، لكن الاقتصاد العام منخور، والقوى العليا المسيطرة خلال عقود تكوّن رأسمالَها منه، وتعصرُ العمالَ عبر النظام المشترك.
وهي في التحول الانقلابي الكارثي تُلقي بهذه الجماهير في عرض الشارع، وتتخلى عن كل الميراث النضالي، وتتوجه إلى الحداثة الرأسمالية المبتورة، فتجعل السوقَ متحكما في الظروف الاقتصادية، والعلاقات البضاعية والنقدية هي القانون لكنها تظل دكتاتورية كذلك عبر بقاء جهاز الدولة الصانع للثروات في يدِها وللمزيد من التخلخل الرأسمالي المبرمج لصالح الطبقة المسيطرة ومن يواليها.
أي أن ما كان غير مرئي في العلاقات الاشتراكية الكلية من هيمنة للبرجوازية الصغيرة على المؤسسات وصناعة الأفكار يتفجر وقد تحولت تلك المخلوقات الصغيرة فجأة الى عمالقة نهمة للعملات الصعبة وثمار العمل الشهية.
ولهذا فإن الطبقةَ الحاكمة انقسمتْ إلى فرعين، كأنهما العقلُ الاشتراكي الزائف وقد انفصم إلى عدوين متلاصقين، فهناك أحزابُ السلطةِ التي خرجتْ من أقبيةِ المخابرات والجيش والوزارات والشركات وقد توجهت لليمين ومواصلة إنتاج الرأسمالية الخاصة من أموال الشعب، وهناك الحزب الشيوعي السوفيتي وقد تقزم من خمسين مليونا إلى عدة آلاف وصار الحزب الشيوعي الروسي.
فكأن الطبقةَ الحاكمة وهي تتحولُ من منتج للرأسمالية إلى أن تُخرجَ من داخلها المتعفنِ عدوا زائفا لها كذلك، فهي تعمقُ الرأسماليةَ الخاصة وتحاربها بخلطات الماضي السحرية، وبتواريخ النضالات العارمة السابقة وهي مُحاطة بذات الأطر الايديولوجية التي أوصلت الناسَ الى هذه النتائج الكارثية، أي هي تعمل أيضا على تعميق النتائج الكارثية مثلما تعمقُ الرأسماليةَ الحكومية المتحولة لخاصةٍ بيروقراطيةٍ التي ستؤدي الى تحطيم أُطر الاتحادِ الروسي كذلك.
عبرت كتلُ الأحزاب والانتخابات في روسيا عن القوى الاجتماعية التي تكونتْ بعد تحول روسيا من رأسماليةِ دولةٍ كلية إلى رأسماليةِ دولةٍ بيروقراطية، وهي الحلقاتُ المتعددةُ التي تقعُ فيها الدولُ الشرقية في عملياتِ نموها من الإقطاع إلى الرأسمالية الحرة، حيث تقوم رأسماليةُ الدولةٍ كجهاز للتحولات الاجتماعية السياسية بيد الطبقة المسيطرة عليه.
وهذا التحول الروسي إلى رأسماليةِ دولة بيروقراطية يوضحُ العجز عن إنتاج الطبقتين السائدتين المتصارعتين المتعاونتين في الرأسمالية الحرة: البرجوازية والطبقة العاملة، ويوضح ضعف مستوى القوى المنتجة، وهو أساسٌ يؤثرُ في الأشكالِ السياسية المختلفة بدءا من هيئاتِ الدولة إلى خريطتها السياسية وأحزابها المختلفة وثقافتها السائدة.
من هنا فإن الطبقةَ المسيطرة داخل أجهزة الجيش والمخابرات والقطاعات العامة، التي قامتْ بالتخلي عن الاتحاد السوفيتي واغتنتْ من حطامه، تمثلُ القوة الرئيسية وقد تحددت أخيرا بسيطرة حزب روسيا الموَّحدة وهو حزبُ الرئيس بوتين، المؤسَّس سنة 2001، وهو الحزب الحاصل على الأغلبية الانتخابية سنة 2003 حين تحكمت هذه المجموعة في المؤسسات السياسية، ويعود ذلك لوفرة المستفيدين من حزب الطبقة الحاكمة، وضخامة أجهزته ونفوذه المالي.
والحزب هو وريث الطبقة ذاتها في الاتحاد السوفيتي ولهذا فإن رأسماليةَ الدولة المستمرة تحفظُ الهيكلَ العسكري الاقتصادي لروسيا، ويغدو التوحد القومي الروسي هو الرابطة التي تجمع الدولة الكبيرة وتجعل من بقيةِ القوميات خاضعة لها، والتوحد له مؤسسات اقتصادية تمثل القطاع العام أساسا، وبالتالي فإن حزب روسيا الموحدة بجمعه بين السيطرة على الدولة وتقديمه العيش البسيط المستمر للعمال ورفضه التحول لرأسماليةٍ حرة كاملة يحصلُ على شعبية، بسبب أن العمالَ كانوا في ظل دولة أبوية مثلتْ لهم نموذج الاشتراكية، وأي مقاربة لها تغدو شعبية. كما أن حزب روسيا الموّحدة يضم النخبَ الغنية الكبرى، فهو لهذا يواصلُ أبويةَ النظام السوفيتي، ويخلق تحالفا هشا بين برجوازية بيروقراطية وعمال ضعفاء إنتاجيا وسياسيا وتابعين. ولهذا يرفض التوجه لنموذجية الديمقراطية الغربية وأي تنام للديمقراطية يهدد هذا الكيان الحزبي الحكومي، فهنا تتواصل الهيمنة الروسية الحكومية وسيطرة البرجوازية البيروقراطية هذه التي تحظى عبر هذا الخداع بالشعبية.
وكما يغدو عيشُ الجماهير الذي استقر طويلا في اقتصاد الكفاف السوفيتي نموذجيا وحلما سابقا، في إطار الدخول الواسع للعلاقات البضاعية النقدية الحارقة، كذلك فإن الأحزابَ تتحددُ بمدى مقاربتِها للحلم السوفيتي من دون كابوسه الشمولي العنفي.
ومن هنا فإن الحزبَ الشيوعي الروسي حظي بأهميةٍ قوية بعد السقوط المروع للنظام السابق، عبر محافظته على الجوانب الإيجابية من ذلك النظام والمرتبطة بعيش الجماهير ومستوى دخولها وحقوقها المهنية المُدمرة في هياج اقتصاد السوق الأولي.
ولكنه فقد هذه المقاعد بعد سنوات حين تمكن حزبُ روسيا الموحّدة من تثبيت وضع الاقتصاد وتحسين حالة العيش، عبر بيع النفط المتصاعد الأسعار وبيع السلاح على الدول الشمولية الأخرى الصديقة.
وقد ورث الحزبُ الشيوعي الروسي مقار الحزب الشيوعي السوفيتي وشبكاته المادية كما ورث أيديولوجيته المحنطة. لقد دأب الحزبُ على تصوير نفسه كوريث للمنجزات السوفيتية، وراح يقدم تاريخا بلا قوة تحليلية نقدية عميقة، فستالين نفسه يظهر كبطلٍ وتُخفف جرائمه لحد كبير، وبالتالي فإن القراءةَ الفردية البطولية للقومية الروسية ونماذجها من القياصرة تحللا محل المادية التاريخية.
تصعبُ عودةُ الحزب للاشتراكية الديمقراطية وتغيير مسار فكري واسع، لتغدو الاشتراكية إصلاحاتٍ مستمرة وتبادلية في السلطة ومشاركة الحكم والمعارضة الديمقراطية، أي تغيبُ جدليةُ العلاقة الصراعية التعاونية بين البرجوازية والطبقة العاملة، وتبقى النظرة الواحدية للطبقة، فإما البرجوازية وإما العمال، وبهذا فإن بناء الدولة- المجتمع يتعرض للصراع المدمر، للصراع الانشطاري الديني القومي.
ولهذا فان زعيم الحزب جينادي زوغانوف يقدم لنا تحفا في (التحليل الماركسي) كتأييده لحزب البعث السوري في حملاته الدموية قائلا ان (الحكومة السورية يحق لها الدفاع عن نفسها بكل الوسائل) (في تصريح لوكالة انترفاكس يوم 23 يوليو)، مشيرا بهذا الى الأسلحة الكيماوية، ثم يطالب بإعادة التأميمات الكبيرة، مما يشير الى الطرائق القديمة وتقوية مركز اليمين الحاكم.
أما الحزب القومي الليبرالي فهو تكوينٌ مساير لقوى الطبقة الرأسمالية البيروقراطية الحاكمة الراهنة أو التي أُطيح بها، ولكن بتطرف عبر كره الأجانب وتصعيد اللغة الحربية، ولهذا فإن اليمين العقلاني يسقط هنا، فيما يحاول بعض الأحزاب اليسارية الصغيرة تكوين لغات سياسية أخرى بصعوبة شديدة وسط الميراث الاستبدادي الروسي الطويل.

روسيا والصين من مساندةِ الثورات إلى إجهاضِها

ليست مساندة روسيا والصين للنظام الدكتاتوري العنيف في سوريا شيئاً مستغرباً، بل هي جاءتْ في سلسلةٍ طويلة من تراجعات الدولتين عن شعبيهما أولاً، ثم جاءتْ السياسةُ الخارجيةُ كانعكاساتٍ لذلك التراجع العميق المتردي عبر عقود.
تدهورُ مواقع الطبقتين الحاكمتين من صفوفِ الفئات الوسطى والعمال وانزلاقهما لمواقع الطبقات البيروقراطية الاستغلالية جاءا من عدم قدرة القادة المنظرين والسياسيين على تبيان واقع التطور لمجتمعيهم ورفض طريق الديمقراطية والحداثة والعلمانية الغربية وابتكار أشكال لأنظمة دكتاتورية للنخب الحاكمة التي تحولت لقوى رأسمالية حكومية ثم تأزمتْ بعدمِ قدرتها على التحول لرأسمالياتٍ حرة، وبهذا تدهورتْ مفرداتُ الماركسية وتحليلاتها الموضوعية، وغدتْ لغاتٍ شعارية انتقائية انتهازية، تبررُ تدهورَ الطغم المالية والسياسية والعسكرية الحاكمة نحو الرأسمالية الحكومية الشمولية وانسداد آفاق التطور أمامها.
على مدى عقودٍ تمَّ ذلك وكان تباين روسيا والصين الايديولوجي بين تأييد للتعايش السلمي والدعوة إلى ثورات الأرياف في العالم الثالث ضد الغرب، الذي كان يمثل تباين واقع فساد كل من الطبقتين الحاكمتين في روسيا التي تشعبتْ بالثروة ونقلتْ المجتمع لمستوى أكثر تطوراً من جارتها، في حين واصلتْ القيادةُ الصينيةُ استنزافَ الجماهير العاملة عبر أجورٍ شبه وهمية.
لكن مسائل التطور الكبيرة لم تُحلْ بعد الارتكاز على الجهود الهائلة للجماهير الشعبية في البلدين، ففي أنظمةِ الرأسمالياتِ الحكومية التي بلغ فيها الفسادُ أكثر من ملكيةِ نصف الاقتصاد وتجذر هذا الفساد عبر عقود، وهو أمرٌ يشابه النظام الشمولي في سوريا حيث ملكتْ الطبقةُ الحاكمة أكثر من نصف الاقتصاد، فتصعب العودة لأنظمةٍ ديمقراطية مفتوحة، يتم فيها تبادل السلطة والنمو الحر للصحافة.
وتزداد المشكلات في حالات مثل هذه عبر أوضاعِ تداخلِ الحزب الحاكم بالمخابرات والجيش، فإذا كانت هذه الأجهزة هي التي تُسّيرُ النظامَ وقد تغلغلت في الإدارة المدنية، تتفاقم المشكلة لتصل إلى الانفجار الكارثي.
كما أن ضخامةَ هذه الدول واعتمادها على قوميةٍ مهيمنةٍ وديانة خاصة أو ايديولوجيا معبرة عن تاريخ الفساد المبطن، يجعلان العودة للحداثة الديمقراطية أمراً بالغ الصعوبة يشبه قيام حرب أهلية.
ولهذا فقد كانت روسيا والصين تراقبان الثوراتَ العربيةَ بقلق بالغ، فلم تكن مثل هذه الثورات البرجوازية الديمقراطية ممكنة في تاريخ البلدين الكبيرين، فهما لم تستطيعا القيام بها، فالثورةُ الروسيةُ في سنة 1905 حُطمتْ بالقوة، وجاءت ثورتا 1917، البرجوازية الأولى في فبراير من هذه السنة ثم البلشفية في أكتوبر من السنة نفسها لتعبرا عن إخفاقِ الثورةِ البرجوازية الديمقراطية، فلم تظهرْ طبقةٌ وسطى تقودُ المجتمعَ خلال العقود السابقة، فعجزتْ الثورةُ الأولى عن وقفِ الحرب ثم عن توزيع الأراضي على الفلاحين ونشر الحريات، وقامت الثورة البلشفية بها، لكن عبر تصعيد أجهزة الدكتاتورية من جيش ومخابرات أكلتْ المجتمعَ خلال العقود التالية، وعبر تحويل الكثير من المُلكيات لحكمِ الدولة، لتطويرِها ثم لنهبها وفسادها. وبهذا فقد ارتعبتْ الدولةُ في روسيا من هذا التطور(العجائبي) لشعوب متخلفة أن تُنزل الملايين للقيام بتغيير ديمقراطي.
إن روسيا والصين تريان المخلوقات السياسية التي ظهرت من خلال تأثيرهما، فكيف يمكن لتونس ومصر وسوريا أن تقوم بفعل كهذا؟
إننا نرى هنا سخريةَ التاريخ، فالحلقةُ الضعيفةُ في منظومة الرأسماليات الحكومية الشمولية هي التي تتفكك كما طُرحتْ تبريرات الثورات (الاشتراكية) في روسيا القيصرية، بينما تنضج النار والتحولات الرأسماليات الحكومية الكبيرة القوية لأعاصير قادمة، حيث ان المشكلات المحورية هي ذاتها، لكن رأسماليات الدول العربية حلقات ضعيفة لم تتأسسْ من تحولاتٍ عامة حكومية هائلة ونسب الفقر والبطالة فيها مرتفعة، ولم تعمل شيئاً كبيراً في فقر الأرياف التي ظلت تضخُ مشكلاتها للمدن وتُسّرعُ في انفجارها.
ولهذا فإن الأزمات تنفجرُ من الريف ومن حقول المناجم في المدن الصغيرة البرية، وهنا أيضاً يسخرُ التاريخُ من مقولاتِ (لين بياو) القائد الصيني الماوي الذي طالبَ بزحف الأرياف في العالم الثالث على المدنِ الغربية البرجوازية المتخمة، وها هي الجموع الفقيرة تصارعُ وتحاصر المدينتين الرأسماليتين السوريتين وتهزهما من الداخل، رغم الضرب بالمدافع على المدن الصغيرة والسكان المذبوحين.
لكن ورثة لين بياو لم يعودوا من الكادحين بل صاروا هم الذين يكنزون الذهب والفضة في المدن المتخمة، وراحوا يدافعون عن تلاميذهم وزملائهم في القضية المشتركة بأساليب دموية وحشية.
قدمت روسيا شكلا كلاسيكيا في التدهور الثوري الديمقراطي، فقامت الثورةُ الأولى على القمع وشكلتْ نظاما شموليا، راح ينخرُ القيمَ النضالية على مر السنين، فصار بلد الصوت الواحد، وغياب التعدد وشلل ديمقراطية الأصوات وسيادة المركزية وحكم الجيش والمخابرات، وجاء هذا كله عبر هيمنة قومية روسية لم تتضح في البداية لكنها ظهرت من خلال التطور، وكانت جذورها في التقاليد القديمة للقبائل والطبقات القديمة ذات الحكم المركزي التي تريدُ الشعبَ نسخةً منها، أما مُلكية الدولةِ العامة وهي الانجاز النضالي الشعبي المحكوم بمثل هذه الظروف والتقاليد فقد اهترأت، وغدا من يعملون أشبه بالعبيد ومن لا يعملون كملاك العبيد، ومن هنا انتشرت ثقافة الصوت الواحد والعسكرة وعدم النقد وغياب التحليلات العميقة للبنى الاجتماعية.
لكن الانهيار حدث على مراحل عبر الانفكاك من القوميات الأخرى التي غدتْ ثقلاً على القومية الروسية المركزية، وفي تحول الموظفين الكبار إلى مافيا، وفي إدخال الرأسمالية الشخصية من النوافذ، وأن تكون تحت الهيمنة الحكومية وعبر استفادتها، لكن الثقافةَ الديمقراطيةَ لم تَحلْ، والتعدديات الحقيقية غدتْ مجردَ أشكالٍ خارجية، وظل الحكمُ العسكري هو المسيطرُ تحت لافتات الديمقراطية والانفتاح.
واصلت النزعةُ القومية الروسية بعد أن هدمتْ الأمميةَ احتكارَ السلطة عبر شكلها القومي البرجوازي المتعصب وعبر شكلها (الشيوعي) وريث الإدارة الشمولية والانغلاق الفكري في حين أن البرجوازية الخاصة التي نشأتْ من خلال هذه الظروف الحكومية ليست عميقة في نضالها الديمقراطي.
هكذا غدتْ الأزمةُ الروسية في التخلي عن أسلوبٍ متخيل هو النظام الاشتراكي الذي لم يُنفذ وإن نُفذتْ أشياء منه فهو لم يُستكمل، وغدا رأسمالية دولة لها أصحاب مصالح يدافعون عنها، كما أن رأسماليتَها الخاصةَ غير قادرةٍ على القيام بتحولٍ ديمقراطي شامل، فغدتْ العودةُ للوراء والوثبة للإمام صعبتين خطرتين، وبهذا يغدو الانفجارُ هو الحل، ولكنه انفجارٌ خطر ويُعبرُ عنه بحالةِ التأزم هذه وسط عالمٍ يموجُ بالانتخابات وتداول السلطة وتغييب الجمود، ورؤية ان الانفجارات التي صارت في بلدان مصر وتونس وليبيا وسوريا، واعدة بالكوارث للنظام الذي أنتجَ تلك المسوخ.
إضافةً للخسائر الماديةِ والسياسية الناجمة عنها، عبرَ تقلص المشترين وعدم وجود أصدقاء ومرافئ.
هذه الخطوط العريضة للتطور السياسي لا تختلف عما جرى في الصين وفي بلد أضخم سكاناً، وفي عمر أقصر، وبمزايدات أكثر، وبطاقات على التحول دينامكية كذلك.
ولهذا كانت الثورة الصناعية والثورة الثقافية هما محاولات للقفزات الكبرى في الصناعة وفي سحق الرأسمالية الخاصة وبوادر الليبرالية، لكن هذا التناقض بين صناعةٍ متطورة تملكها حكومةٌ بيروقراطية وبين رأسمالية خاصة تم الحفاظ عليه، عبر تحولهما لقطاع عامٍ هائل وقطاع خاص لقيط من الاقتصاد العام المهيمن.
صارتْ المافيا كما في روسيا وسوريا هي التي تقررُ الوحدات الاقتصادية والتنامي الاجتماعي الفكري، وبالتالي فإن مفردات الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة ونشر الصحافة الحرة والأصوات السكانية المختلفة المتنامية في جرأتها واستقلالها الشخصي، لم تظهر وبقي طابع المجتمع العسكري والوحدات البوقية، وهذا كله تعبيرات عن اختلال توزيع الثروة على الطبقات والسكان والمناطق الجغرافية والقوميات الكثيرة.
منذ أن قررَ ماوتسي تونج أن يعسكرَ المجتمع اقتصادا وثقافة ولباساً وأكلاً لم تتغيرْ أشياء جوهرية سوى حدوث التنمية الكبيرة عبر تنويع أشكال علاقات الإنتاج، من دون أن يتغير العسكري المسيطر الموزع لثمار هذه العلاقات الإنتاجية للجماعات والفئات والأقسام القومية الموالية له، في حين أن هناك ملايين خارج هذه العلاقات يهددون باختراقها.
وهذا العسكري لديه قوى هائلة أثبتت قدرتها على ضرب الاحتجاجات التي ما كانت احتجاجات صينية واسعة، وها هي الآن الثورات العربية تقدمُ نماذجَ لتوسيع الاحتجاجات وتعلم شعوبَ روسيا والصين كيف تتخلص من مستغليهم باسم الاشتراكية وباسم القومية إلى الديمقراطية.
هذا نوعٌ من التراكم النضالي بين شعوب آسيا خاصةً وتبادل خبرة أممية، وتصعيدٌ للديمقراطية ولتوزيع الثروات والفوائض بأشكال عقلانية، لكن الرأسماليات الحكومية تفرضُ أجوراً ومعيشة متدنية على الجمهور العامل وتضع قسماً كبيراً من فائض القيمة لرفاهيتها وعسكرتها، ولابد أن يكون من برامج الثورات العربية تغيير ذلك، لكي تعطي نموذجاً لتلك الشعوب بأن الثورات والتحولات ليست فوضى وخرائب وعودة للوراء.
(بضاعتكم رُدت إليكم) ولكن في الملحمة السورية تكشف عفن البضاعة المستوردة وهي لا تتحول إلى استغلال بشع للملايين بل إلى فوهات مدافع تدك السكان، وهي (مأثرة) من ميدان تيان مين ولكن بصور فاشية واسعة موجهة للشعب المنتمي للطبقة الحاكمة نفسها وهو أمرٌ لم تبتكرهُ الفاشية في أوروبا بكل جنونها الدموي لكنه نتاج الدكتاتوريات الشرقية وتطويرها المخيف لها.
لكن ثمة بضاعة أخرى تقدمها الشعوب العربية مختلفة وإنسانية.

روسيا والتحولات العالمية

من الواضح إن تصريحات الرئيس الروسي بوتين ضد هيمنة السياسة الأمريكية على العالم وتدخلاتها الكثيرة التي لم تعد مقبولة، ليست هي وليدة منحى ذاتي لدى الرئيس، بل هي ثمرة لتغيرات كبيرة طرأت على الحياة السياسية العالمية خلال السنوات القصيرة السابقة.
فروسيا التي خرجت من مظلة الأتحاد السوفيتي مثقلة بالتضحيات الجسيمة تجاه شعوب العالم الثالث، ودفعت ضريبة من جوع شعبها لتحرير هذه الشعوب ووقوفها ضد الهيمنة الغربية القاسية، والتي قادت معركة تنمية هائلة على مستوى المعسكر الأشتراكي؛ إن روسيا هذه قد تغيرت كثيراً، ولم تعد تدفع للآخرين بالمجان، وتتحمل فواتير ثقيلة.
صارت روسيا بلداً تقترب من الرأسمالية الحرة، لأن طاقمها الحكومي في القطاعات العامة الهائلة لم يزل متنفذاً في إدارة الحكم، فتشكلت رأسمالية بيروقراطية ذات سياسة تعددية محدودة، لكنها عملية ودقيقة في تطوير اقتصادها ودخولها، بدون مراعاة في العديد من الأحيان لخطورة بيع السلاح على السلام في العديد من المناطق المتوترة.
لقد رفعت الدولة شعار (روسيا أولاً) وغدت لغة المصالح هي التي تحركها، فاشتغلت في السياسة الخارجية إشتغلاً نفعياً، ذاتياً، لكن هذا الأشتغال النفعي وفر له ميزانية كبيرة وفوائض، وخرجت من حالة الديون والأزمات، فعادت للغة الاستقلال!
ولم يكن هذا الأمر ممكناً لولا بروز تحولات كبيرة على الساحة الدولية، فالرأسماليات الكبرى الغربية والشرقية أخذت تبرز وتصعد إلى مسرح القرار الدولي، فاليابان وأوربا الغربية لم تعودا مثلما كانتا مستنزفتان بعد الحرب العالمية الثانية، وفي ذيل السياسة الدولية، بل ارفعتا بقوة وصارت أوربا الغربية قوة عالمية بوحدتها، ويجد ذلك له تعبيراً نقدياً في صعود عملة اليورو وبدء تشكل سياسة خارجية مستقلة.
وأضيف إلى ذلك انضمام عمالقة آسيا الكبار: خاصة الصين والهند، إلى مسرح القرار الدولي، وقدرة هذه المجموعة على الصعود باقتصادها إلى إمكانيات تتحدى فيها دول الغرب السابقة عليها في مضمار الثورة الصناعية.
وجاء التحول الأخير خلال السنوات القليلة الماضية من القارة الأمركية نفسها، ببروز مجموعة من الدول ذات الحكم اليساري، التي سحبت جزءاً كبيراً من القارة من النفوذ الأمريكي.
كذلك يجب أن لا ننسى الأخفاق الأمركي في العراق، وعجز صيغتها الحديدية المطبقة من فوق، والتي ليس لها دراية بقوانين التطور في الدول الإسلامية، أن تشكل تقدماً وسلاماً، فغدت مضعضعة غير قادرة على الدخول في مغامرة عسكرية جديدة، مع تصاعد الخسائر وهزائم الحزب الجمهوري، وغضب الجمهور الأمريكي من الحرب.
لكل هذه الأسباب جاء الصعود الروسي في الآونة الأخيرة ليقطف ثمار مثل هذه التحولات وليطرح نفسه كقوة دولية منافسة من موقع الند، وليس من موقع التابع كما كان يحدث سابقاً!

روسيا والديمقراطية الحكومية

تطور التاريخ معقد ومركب، وقد راحت روسيا عبر الرأسمالية الحكومية الواسعة والجبارة تتجاوز الإقطاع والعبودية الشديدتي التخلف، وأحدثت نهضة كبرى وهدما لعالم الاستعمار، لكن هذه الرأسمالية الحكومية هي أيضاً التي أنتجت المافيا الرأسمالية التي لا تزال حكومية ومتوسعة في القطاع الخاص كذلك، وتحاول الآن أن تقفز إلى الدول الرأسمالية المتقدمة الكبرى دون أن تتخلص من ميراثها القيصري البوليسي.
إن تحريك القطاعات العامة نحو الربح، وتقديم كل مساحات النمو للقطاع الخاص المنبثق من المافيا الحكومية، وبيع الخامات الثمينة، وبيع السلاح، وتشجيع الدول المتخلفة المعارضة التي تشتري أدوات القتل لا معدات التنمية والتقنية، لا تزال هذه هي الطرائق السهلة المريحة للقفز نحو الرأسمالية الروسية المتقدمة، وتشكيل دولة الأغنياء الكبار المتنفذين.
ولكن هذه التجربة عاجزة في هذه الدولة عن النمو التقني الديمقراطي، أي هي عاجزة عن خلق رأسمالية تنافسية من المصانع الصغيرة والمتوسطة لتطور التكنولوجيا، فهذه تحتاج إلى مساحات كبيرة من الرأسمالية الحرة.
رأسماليات الشرق الحكومية (روسيا، الصين، دول الكومنولث، إيران، سوريا، مصر، دول الخليج الخ) تنمو دنباً إلى جنب مع حكر السلاح والتجارة به، ومع سيطرة الدول على المواد الخام الثمينة كالنفط والذهب والماس، ومع تشكيل مناطق نفوذ مجاورة، معتمدة على أدوات عتيقة كالأديان والمداهب والروابط العرقية، وهو أمرٌ تتبعه دول أخرى تهيمن عليها الدول الشمولية. وتعبر هذه عن عجز الشعوب الشرقية المتخلفة اجتماعياً وتقنياً عن نموذج الديمقراطية الغربية، الذي هو طريق البشرية عموماً، لكن نظراً إلى صعوبته، فإن الدول الشرقية الكبرى اختارت التسريع، معطيةٍ القطاع الخاص دوره التنموي الكبير كذلك، والذي الذي يمثل الامتداد الفاسد للقطاع العام.
ويبدو من تجارب أمم أمريكا اللاتنية كذلك بأن الأمم الحديثة التطور تتجه بعيداً عن نموذج التنمية الغري، نموذج الرأسمالية الحرة، ليلعب القطاع العام ومؤسسات الدولة دوراً تسريعياً جراحياً لأمراض الاقتصاد.
لقد أخذت روسيا والصين تقودان الأمم الشرقية في التعجيل بالتطور الاقتصادي، ونظراً إلى أن الصين لا تملك ثروات طبيعية كبرى وسهلة الاستخراج كالنفط إنها اعتمدت على القوة العاملة البشرية، لتحيلها إلى ثروتها الأساسية.
أصبحت روسيا قاب قوسين من مستوى الدول المتقدمة، عبر هياكل شمولية سياسية، استندت في تاريخها السابق إلى قوى المخابرات كمحرك أساسي للنظام، وقائد (طليعى) بدلاً من الحزب.
وتغلب المخابرات في القيادة على الحزب الطليعي يتمظهر في صعود رئيس الدولة ذي التاريخ المجهول، ثم في صعود حزبه بين ليلة وضحاها.
وهذا التاريخ الكبير لقوى المخابرات يعكس قوة أجهزة الدولة المستندة إلى القطاع العام الهائل ، والذي لم تستطع قوى المعارضة الليبرالية تغييره، لأن الفرقاء اليساريين كافة معهم الحكوميون، ضد تغيير وضع القطاع العام. إن روسيا تشهد هذه الخلطة التي تُعمم الآن على دول العالم الثالث، حيث رأسمالية دولة قوية وكبيرة، وأجهزة سلطة عسكرية ومخابراتية ضخمة مساندة، و(برلمانات) مطبوخة، ونقابات منخورة من الوسط الحاكم، ثم هناك كذلك تقدم اقتصادي تتيحه هذه العملية المتداخلة من القطاعين العام والخاص وبيع المواد الخام الثمينة والضبط الهائل لإيقاع الأمن. وهذه الصيغة يجري نموها في الشرق المتخلف، وتلعب روسيا دوراً في تعميمها، حيث راحت تؤيد الدول الشمولية العسكرية، مع مراضاة الغرب في جوانب سياسية تكتيكية، وهي تستفيد من هذه الصيغة للدخول إلى الأسواق والتأثير في قوى سياسية طالعة وداخل مناطق صراعية، عجز الأسلوب الغربي عن النفاذ إليها. في الديمقراطيات الغربية و(الديمقراطيات) الشرقية يهيمن كبار الأغنياء وكبرى الشركات الخاصة والعامة، فموطئ قوى الشعب العاملة صغير، وقد عرف كبار الأثرياء الشرقيين البيروقراطيين، الذين أدخلوا مليارات الشركات العامة في جيوبهم، كيف يرضون الغرب عبر فتح الأسواق لشركاته، وكيف يخلقون ديمقراطية (برجوازية)، حسب المصطلحات القديمة، لكنها برجوازية طالعة من القطاع العام الفاسد، ومن دون مظاهر ديمقراطية طويلة وعريقة في صفوف الشعوب.

روسيا ودعم الدكتاتوريات


حين كانت روسيا بصيغة الاتحاد السوفيتي هي التي دعمت حركات التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي في العالم الثالث، ولولا تلك المساعدات ما كان العالم قد تخلص من الاستعمار المباشر (الكولونيالي)، لكن نقطة الضعف الكبيرة التي رافقت ذلك الدعم إنها مساعدات لم تشترط قيام أنظمة ديمقراطية في العالم المستقل، سواء عبر بقاء تحكم الجيوش أم تحكم قوى المخابرات في هذه الدول الفتية، والتي تحولت فيها أجهزة الحكم بعد فترات النمو إلى صخور تعرقل النمو الحديث وإلى أجهزة تسليط ضارية!

وهنا كان ثمة تقاطعٌ بين الحركات التقدمية والديمقراطية في هذه البلدان وبين سياسة دعم الدكتاتوريات الوطنية، وحدث التباسات وتناقضات وتباينٌ كبير في المواقف.

لكن قيادات هذه الحركات البيروقراطية لم تطور أدواتها التحليلية النقدية وفضلت المساعدات السوفيتية على تعرية هذه الأنظمة أو نقدها بشكل مستمر وعقلاني وبعيد المدى. وعبر هذه العقلية التابعة نشأت ثقافةُ المحفوظات والشعارات والانتهازية التي تقوم بالتستر على أخطاء الحليف وتبرير مواقفه حتى لو كانت معادية للحريات والديمقراطية، وهو ما أدى إلى الكثير من السلبية والتعثر في نمو حركات التحرر الوطني وحركات التغيير الاجتماعي العميق فيما بعد ذلك. وهي ثقافة أنشئت جيلاً من الانتهازيين الذي تواصل في الأجيال التالية وأثر في الحركات المعارضة الأخرى، فغدت المواقف السياسية مقطوعة عن سياقات الديمقراطية، وتم تجزيء القضايا واستغلال أي موقف سياسي لخدمة القابضين على الأمور وتكرست ظواهر عبادة الأفراد وغياب الدرس الفكري العميق.

وهذا الأمر لم يتشكل في بلدان العالم الثالث المتجه للتحرر فقط بل تكون في روسيا نفسها، التي لعب فيها احتكار السلطة لحزب واحد في نشوء ذات العقلية السياسية التي تكرس منفعتها وهيمنتها بغض النظر عن النتائج الوطنية والعالمية لمثل هذه السياسة.

نعم تغيرت روسيا الاتحادية عن سياسة الاتحاد السوفيتي الخارجية، لكن جوهر الأمور لم يتغير كثيراً ودعم الدكتاتوريات (الصديقة) وبغض النظر كذلك عن النتائج الوخيمة لدعم دكتاتوريات خطرة على المستوى الداخلي الوطني، حيث تبعثر هذه الأنظمة الثروات على التسلح في حين تعيش شعوبها في فقر شديد. لكن روسيا تجد أن صفقات التسلح هذه مفيدة مالياً وسياسياً لها، أما أن تكون لها نتائج وخيمة على شعبها ذاته الذي عانى من الحروب فهو أمرٌ لا يخطر في بال قادتها، ما داموا يحصلون على المليارات، والجماعات التي تتدفق عليها هذه الأموال في بحبوحة من العيش ولا يهمها النتائج البعيدة المدى لإثارة القلاقل في العالم.

وتلقى هذه السياسة الخطرة الصمت من دوائر التغيير في العالم الثالث، والتي ينظر بعضها إلى أن هذه السياسة الروسية سياسة نشطة مفيدة، حتى لا تخلو الساحة الدولية للاعبٍ واحد كبير، فماتزال ذات العقلية السياسية القديمة البيروقراطية موجودة ومتأصلة في هذه الجماعات. حيث تشكلت تحالفات غريبة هي تحالفات بقاء قوى الشمولية في العالم الثالث وبغض النظر عن الجذور والانتماءات والتيارات!

ووجود الصراع ضد تحكم قطب أو أقطاب في بقية العالم هو أمر جيد، لكن لا يعني ذلك تأييد أي مجنون في سياسات العالم الثالث التي لا تتيح هياكلها السياسية الاجتماعية قنوات للشعب لكى يغير من هذه السياسات. فما دامت المعارضة للسياسة الأمريكية أو الغربية أو الشرقية تستندُ إلى قوى شعبية منتخبة، فهي معارضة مقبولة وإن لم تكن بالضرورة صحيحة، فالشعوب والأقسام المنتخبة تخطئ كذلك، وقد تؤزم حياتها بتصعيد قوى متخلفة فكرياً وسياسياً. لكن الديمقراطية تصحح نفسها. وقد لا يكون التصحيح ممكنا إذا دعمت روسيا سياسات الحروب وبيع الأسلحة الخطرة وخربت السلام الهش في المنطقة والعالم!

روسيا مركز للدكتاتورية

يثبت وضع روسيا الآن في حركتها التاريخية نصف الديمقراطية خطورة أنصاف الحلول، فإما ديمقراطية كاملة وإما دكتاتورية!
إن مجموعة من الجمهوريات الداخلة في جمهورية روسيا الاتحادية، تريد الانفصال عنها، وجمهوريات أخرى كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي تريد الابتعاد كلياً عن السيطرة المباشرة لجمهورية روسيا الاتحادية التي لا تتحد بل تضم بقوة قسرية، وتبلع بطريقة دكتاتورية.
وليس غريباً أن تتوجه جمهوريات شرق أوروبا التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتى فى الذهاب غرباً، والانضمام للبيت الأوروبي، لأن سكان هذه الجمهوريات أكثر تطوراً من الناحية الاجتماعية والفكرية، وقد اقتربوا كثيراً من المستويات الأوروبية، أما سكان الجمهوريات الآسيوية فلا يزالون آسيويين متخلفين في نمطهم العائلي الأبوي وفي زمن عبودية النساء، وفي أميتهم واستبداد الدول الشرقية العتيق!
إن انشقاق جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق بين النمط الدكتاتوري الآسيوي والنمط الديمقراطي الأوروبي، الذي يتجلى في التحاق العديد من الجمهوريات في القسم الأوروبي كجورجيا وأوكرانيا وجمهوريات بحر البلطيق لا علاقة له بالمسلمين والمسيحيين بل له علاقة بمستوى التطور الاجتماعي، ومدى انتشار القطاعات الخاصة وتضاؤل ملكية الدولة الدكتاتورية.
إن دكتاتورية القطاع العام البيروقراطي في روسيا ترفض أن تتخلى عن الهيمنة على الحكم، وكل الأحزاب الموالية للشمولية من القوميين والشيوعيين، تحرق البخور من أجل ضرب الحركات الديمقراطية في الجمهوريات المنفصلة أصلاً عن روسيا.
وهذا يوضح ان الأحزاب اليسارية التي كان يفترض فيها أن تكون مدافعة عن الديمقراطية تحولت إلى قوى تابعة للدول الشمولية، وجزءاً من الهياكل البيروقراطية، فلا عجب أن تدافع عن صدام حسين، وعن ميلوسوفيتش وأي قادة يتحكمون في القطاعات العامة للشعوب ويحولونها إلى حصالات لأسرهم وعصاباتهم!
لقد تخلى هؤلاء عن الماركسية منذ زمن بعيد، وما هم سوى لصوص قطاع عام.
ونظراً لضخامة حجم روسيا الجغرافي، والحجم الهائل للبيروقراطيات والأحزاب المتوغلة فيها، وضخامة الفساد، وعمالقة العصابات، فإن حصول نضال ديمقراطي عميق وواسع أمر صعب.
لقد جاء الرئيس بوتين من دهاليز المخابرات دون أن يكون معروفاً كسياسي ناهيك أن يكون باحثاً أو مفكراً. ومع هذا فإن ضخامة الحزب الشيوعي الروسي وتاريخه لم تستطع أن تقدم أي مرشح ينافسه، بسبب قدرة آلة الدولة على فرض ونجاح مرشحها، التي أوجدت له حزباً من أصحاب المصالح وأغنياء الفساد والشيوعيين السابقين الذي أثروا في عهود الظلام.
وقوانين تطور وصراع وتفسخ رأسمالية الدولة الشمولية هي ذاتها في كل مكان، فلنستعد تاريخ الاتحاد الاشتراكي في مصر وريث الإقطاع والبيروقراطية الذي تفسخ وأوجد مسخاً أخر هو الحزب الوطني الديمقراطي بين ليلة وضحاها، ثم تحكم هذا في المسار السياسي لأنه يتحكم في مؤسسات الدولة الاقتصادية والأمنية.
وما يجري في روسيا هو تعبير عن نفس الظاهرة، لكن على مستوى قاري، حيث تتحكم دولة في جمهوريات مستقلة وغير مستقلة، والبديل يتمثل فى أحزاب اليمين البرجوازية أو الليبرالية، فكأن القدر يسخر من روسيا عدة مرات! وفي السوق الأوروبية المشتركة وفي حلف الأطلسي البديل عن المافيا الروسية!!
إن عجز الماركسيين الروس عن التحول إلي الماركسية وإلى الاشتراكية الديمقراطية، أن يتحرروا من مافيا الدولة، هو الذي يجعل اليمين الليبرالي هو المحرر للنظرة الجامدة عندهم.

الطبقة العاملة في البحرين

من كتاب: رأس المال الحكومي الشرقي ــ الدراسات _ الفصل الخامس

العمال والرأسمالية

العمال في الآخر

حيرة عمالية

الاشتراكية بين النضال والأحتيال

التحولات ونصيب العمال

كسل القيادات العمالية

العمال بين اتجاهات حادة متضاربة

الديمقراطيةُ البرجوازيةُ العماليةُ

الأفكارُ والمراحلُ التاريخية

المراحلُ التاريخيةُ والموقفُ المغامرُ

حركية الفئات الوسطى وثبات العمال

النضال السلمي بلا حدود

العمال بين الرأسماليتين

تكوينات الطبقة العاملة في البحرين

العمالُ والأفكار

الوعي البحريني وإشكاليات التقدم

الأغلبية عمالية

العمالُ والإصلاحُ الوطني

تدهورُ الوعي العمالي

العمال والتغيير الاجتماعي

العمال البحرينيون يشكلون الوحدة الوطنية

الحفاظ على النضال والأمن معاً

إنتهى زمنُ العمالِ الآليين

آلياتُ النضال الحديث

خارجَ الطائفةِ داخلَ الطبقة

عمال المدن وعمال القرى

مشكلاتُ عمالِ الريف

تفكيكُ وحدةِ العمال

العمالُ والطائفية: ظرفٌ عامٌ

العمالُ والطائفيةُ: إبعاد التحديثيين

العمالُ والطائفية : وحدةُ المصنع

العمال والنقابات والطائفية

العمال وواجب النضال والتوحيد

تسريحُ العمالِ ومسئوليةُ الانتهازيين السياسيين

عن البطالة

العمال والرأسمالية

العمال في البلد والجزيرة العربية ككل يواجهون مهمات مختلفة عن عمال العالم العربي والعالم، وتحتاج من أجل لحلحتها وتغييرها إلى وعي ديمقراطي يتغلغل في الحياة.

وفي تجربة مع نشرة عمالية رفض المسئولين فيها عبارة لي تقول بتقوية الرأسمالية في هذه المنطقة، وكأن هؤلاء يناضلون لتجاوز الرأسمالية وإزالتها!

لا تستطيع حتى الأقسام المتقدمة للبشرية في الغرب تجاوز الرأسمالية في خلال القرن الحالي، الواحد والعشرين، لعوامل موضوعية عميقة، وتغدو سياسة الزحزحة التدريجية للرأسمالية وتصعيد دور القطاعات العامة المُراقـَّبة والملكيات التعاونية ومقاومة الأستغلال المتطرف هو السياسة الممكنة هناك.

في حين تتطلب السياسة في بلداننا تطور قوى الإنتاج للحاق بالثورة التقنية ولتسريع عمليات نمو الرأسمالية، وتشكيل رأسمالية وطنية وخليجية جزيرية عربية، بحيث تتوجه رؤوسُ الأموال لمنطقتنا، ولتوسيع عمالتنا الوطنية والعربية، ولتتكامل الرأسماليات الوطنية وهي الجزر الصغيرة في عوالم الاقتصاد التقليدي وسيطرة الجماعات الحكومية المُتنفذة، وليتم تصعيد دور الشعب في كلِ بلدٍ في المراقبة على المال العام وللقضاء على الظاهرات السلبية وعلى الأستغلال المفرط، ومن أجل تصعيد دور الجمهور العامل في الحياة السياسية.

وإزالة الأستغلال هو حلم في الزمن الراهن، وتحويل الحلم إلى سياسة يومية هو كارثة، فالعامل منذ البداية يقوم ببيع قوة عمله، مؤكداً اعترافه بأهمية الأستغلال ودوره الموضوعي، وإذا كانت لديه أموال وشغلها فهو سوف يستغل الآخرين، وليس ثمة خيار ثالث.

وهكذا فإن فائض القيمة المترتب على استغلال العمال في منشآت النفط والمصانع يغدو هو المُشغل للحكومة والتجارة والصناعة، ونظراً لأنه فائض قيمة مُنتج بأغلبيته من صناعة استخراجية زائلة، فيتطلب وعياً سياسياً كبيراً ووعياً نقابياً، ليتجه الوعي السياسي من أجل الاستثمار الوطني الأمثل لذلك الفائض، بدلاً من الأهدار والشفط، حتى يؤسس بنية صناعية تقنية متطورة غير قذرة كما يجري بتوسع رهيب في الوقت الراهن، ومن أجل توزيع جانب كبير من الفائض على الخدمات المختلفة.

في حين أن الوعي النقابي يناضل لمصالح العمال في المنشآت.

وهكذا فإن العمال يناضلون من أجل رأسمالية وطنية ديمقراطية، مع اهتمامهم بمصالحهم المستقلة.

ومن هنا يغدو النضال ضد السياسة الإقطاعية المهيمنة على المال العام وتوزيعه، وعلى المخلفات الاجتماعية لهذه السياسة وسيادة الذكورة المطلقة وغياب التنوير والثقافة العقلانية، هي المهمات التي ينبغي أن تكون في المقدمة لا القضاء على الرأسمالية الوطنية التي لم تتجذرْ ولم تقمْ بدورها.

ويشيرُ قلبُ المهمات هذه، وسياسة حرق المراحل هنا، إلى الطبيعة التقليدية للجماعات المتقدمة لقيادة العمال والقوى الشعبية عامة، فهي متخلفة، وتحن للزمن الديني الرومانسي، وغير قادرة على فهم الواقع الراهن، بمهماته المركبة المتداخلة، نظراً لعدم تثقيف نفسها، واكتفاءها بالحشو واللغو السياسي.

وهذا ما تنقله هذه القيادات إلى الشباب والطلائع العمالية، ومن هنا تتداخل مع بعض الجماعات المذهبية السياسية الجامدة.

والغريب أن بعض هذه الجماعات المذهبية هي الأكثر حراكاً في القراءة والبحث، ومنها يخرج الكثيرون من الكتاب والفنانين والنقابيين، نظراً لأن قواعد هذه الجماعات هي من العمال والفقراء، وهم يحتاجون أكثر من غيرهم لفهم تعقيدات المرحلة الراهنة، وللعقلانية السياسية والإصلاحية النقابية المتدرجة، بحيث تتحول النقابات إلى مؤسسات اجتماعية كبيرة مؤثرة في حياة العمال الاقتصادية، وفي حياة المجتمع السياسية.

ولكن هذه المهمات الصعبة مركبة، فهي تحتاج إلى وعي نظري مرهف، وإلى نشاط كبير، وإلى تمهل وصبر طويلين.

العمال في الآخر

     كان العمال هم الذين بنوا المصانع، وحولوا أوربا المتخلفة إلى قارة تملك الدنيا!

ثم كان حصادهم قليلاً!

وقالت الرأسمالية الشرقية: (الطبقة العاملة قائدة النضال من أجل الاشتراكية!) ثم خربوا هذه (الاشتراكية) وعاد العمال إلى بيوتهم الصغيرة والبطالة والتسول أكثر بؤساً من عمال الغرب!

وقالت الرأسمالية الحكومية الدينية الشرقية:(العمالُ هم أكثر المضحين في الثورة الإسلامية)، فكانوا هم القتلى على خطوط النار، والمتحملين للغلاء والفقر والبطالة!

وما زال العمال يُخدعون.

وقال غيرهم: (بناء الوطن)، لكن لماذا تـُبنى الأوطان دائماً على حسابهم؟! ثم رأوا أنها بناء القصور والفلل والبلاجات الباذخة وجزر المتعة!

ونسوهم بعد الثورات والتضحيات وأنزلوهم من طوابق الأحلام العالية إلى حضيض الأرض.

يتم استثمار حضور الطبقات العمالية مع تصاعد الفئات الوسطى حين تدخل الفئات الأخيرة في عمليات تغيير تاريخية كبيرة، وعبر استعمال الأخيرة لأدوات دكتاتورية سياسية وفكرية، تقوم بتعبئة العمال لمصلحة صعودها وجلوسها على الكراسي والأموال.

نداء الأمة، بناء الأشتراكية، هزيمة الرأسمالية، القضاء على الاستعمار، نهضة الإسلام العظيمة، بناء الأوطان الحرة، ذات الأسر الواحدة المتحابة!

كلها عبارات غامضة ضبابية، كبرى، لها جانب من الحقيقة وواقع النضال المشترك، لكن بدون اتفاق يضمن للعمال المشاركين والمضحين نسبة من الكراسي والفوائد وتغييراً لمعيشتهم وظروف علمهم، وحين تنتهي المهمة الوطنية والطبقية والدينية، يعودون لمصانعهم وطروفهم وفقرهم وينساهم السياسيون المحنكون!

ثمة فوائد مشتركة للجانبين، لكن العمال سوف يدفعون هم الجهد الأكبر والتضحيات، وإذا لم يشكلوا أدواتهم المدافعة عن مصالحهم، سيبجدون أنفسهم في النهاية في حالات بؤس وإستغفال!

العمال هم في تطور التاريخ من سيكونون القوى المستمرة في النضال والبحث عن التغيير فهم ليس عندهم سوى أجورهم، ومن لديه أكثر من ذلك سوف ينضم لحركات المالكين السياسية.

(الحرية، الأخاء، المساواة)، صرخة البورجوازية الفرنسية، عبر لغة سياسية مجردة، تريد تغيير عالم ديني محافظ ذي طوائف وأمتيازات مجحفة للأقلية، والشعارات ذاتها هي تشكيل لمجتمع تهيمن عليه هذه البورجوازية عبر العلاقات الاقتصادية الرأسمالية بدون هيمنة قطاع حكومي.

(الماركسية – اللينينية ، والماوية، والكاستروية والناصرية والبعثية والخمينية والعربية الخليجية والتونسية والجزائرية والغاندية الخ)، شعارات البورجوازية الشرقية ذات الرأسمالية الحكومية الاستبدادية وهي تشكل نهضة مغايرة لنهضة البورجوازية الغربية لكنها مماثلة لها في صعود النظام الرأسمالي الحكومي الشرقي وبأدوات الدكتاتورية، حسب الدول وتجاربها ومستويات تطورها.

(الطائفيات الإسلامية)، صرخاتٌ لصعود البورجوازية الطائفية لتشكيل أنظمة رأسمالية حكومية بأدوات دكتاتورية بهذا المستوى من القمع أو ذاك، بتقزيم أكبر للعمال والنساء وللحريات. وهي طائفيات لأنها تعجز عن التوحيد الاجتماعي للمواطنين في مثل هذه اللحظة التاريخية المشتركة.

بعد كل فترة تحالفية اجتماعية التي تسودُ فيها أدواتُ التخدير الإيديولوجية، وهي تتماثلُ من حيث النصوصية الدينية الغيبيية اللاعقلانية وغياب النقد وشخصنة السياسة وعبادة الأفراد، تصعدُ الفئاتُ التي استحوذت على الثورات – الثروات، وتنفصلُ عن العمال وهي القوى التي تطوعتْ لخدمة مستغلِيها نظراً لعوامل التخدير السابقة الذكر والمهمات الطبقية والوطنية المشتركة، وتجدُ نفسَها في وضع متدنٍ فقير وهو من الناحية الفكرية مزر، وقد شحبت أدواتها النقابية والرقابية وتخدرت بالكحول الرخيص أو بالعبادة الشكلانية، وتشكلتْ طواقم انتهازية فيها، تضعُ قدماً هنا وقدماً هناك، بغية استمرار الاستغلال والتغييب السياسي للعمال.

وخلال الفترة الطويلة لغياب العقل العمالي المستقل، حسب تجارب الدول والأمم، تكون العودة للنضال أصعب، بعد عقود من التبعية.

هذا إذا لم تـُدخلْ العمال القوى المسيطرة في مغامرات الحروب وكوارث التسلح، وهي من ثمرات جهودهم.

وغالباً ما يتضررُ العمالُ اقتصادياً من وضع الرأسماليات الحكومية وهي تـُخرجُ شياطينـَها من داخلها، أي حين تبيعُ شركات القطاع العام، وحين تعلن انفصالها عن الإيديولوجيات الشمولية التي صنعتها وجيرتها واعتبرتها مقدسة، وتعود لقانون السوق المرفوضة سابقاً، وهو أمرٌ يعني ترك العمال في ظروفهم المتدنية، وتشغيل آليات الأسعار غير المُسيطر عليها حكومياً، ويجري التداولُ الحرُ للنقد والبضائع، وتوضع القطاعات العامة التي صنعوها خلال عقود في مجرى البضائع المتحركة في السوق الداخلية ولصيد أرباب العمل من الخارج، فيكتشف العمالُ مدى تدني قوى عملهم التي تـُباع من خلال بطالة واسعة وحريات تنقل كبيرة للعمال المهاجرين.

في أزمنة وجود القطاعات العامة رغم كل فسادها وبيروقراطيتها تكون لهم فسحٌ من درس وتنظيم لكن أغلبها يضيع بسبب جهل أغلبية العمال لكون الرأسمالية الحكومية عابرة، لن تظل إلى الأبد، وسوف تتحول إلى بضائع خاضعة لأسعار السوق، وهم في هذه الأثناء كانوا يتبعون قوى البورجوازية الصغيرة الشمولية، مجيرين لمشروعات سياسية أكثر من الدفاع عن مصالحهم المستقلة، وهي المشروعات التي فككت صفوفهم، وجمدت مداركهم، وابعدتهم عن قوى عمالية أجنبية تعاني مثل ما يعانون وأكثر.

 تسللت إلى العمال أفكارُ القوى الأخرى التي تستغلهم، وأخرتهم بفضل قيادات انتهازية أو مغيبة الوعي، حتى جاءت الفكرة وسقطوا على الأرض.

والفرق كبير بين عمال الأمبراطورية البريطانية وبين عمال الأمبراطورية الروسية، والإيرانية، والعربية، لم يتخدر العمال الأنجليز بالحشيشة القومية والدينية و(الأشراكية) وفي حين تحول الكثير من أولئك إلى مستولين وجدت النقابات العمالية البريطاينة نفسها تصنع الحكومات.

حيرة عمالية

     مع تبدل المنظومة العالمية وتكشف طبيعتها الموضوعية فإن الحركات المؤدلجة تخسر الكثير من الوقت في وقت التحولات العاصف.

إن شعارات مثل (تسقط الرأسمالية) في العالم الثالث ولنبني الاشتراكية ربما لا تزال تدورُ في ذهنِ بعض النقابيين واليساريين، خاصةً في حالات جمود الطبقة الحاكمة وتحجر نهجها الاقتصادي وتوسع الفقر والبطالة فإننا يمكن أن نصادف مثل هذه الشعارات وتظهر ردود أفعال لدى بعض الفئات المغبونة.

وسوف تكون الشعارات المعاكسة مثل لنساهم في تطور الرأسمالية  أو لنقمْ بتصحيحِ الرأسمالية، مثار بلبلة في هذه الأوساط.

إن رؤية هذه الأوساط جامدة للحراك التاريخي الذي جرى في القرن العشرين السابق، حيث أتضحت العملية المركبة المعقدة لتطور الرأسمالية العالمية، وإنتقلتْ أحزابٌ إشتراكية في أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية للحكمِ أو للمشاركةِ في الحكومات، من أجل أن تجعل القطاعات العامة أكثر شفافية، ومن أجل تقليص هيمنتها على الاقتصاد والحياة السياسية والاجتماعية والإعلامية، وكذلك من أجل أن يتوسعَ حضورُ القطاعات الخاصة في الاقتصاد والمسئولية السياسية الوطنية وتَصححَ بعضَ جوانب ذاتيتها الحادة.

أصبحت قضايا الحد من البطالة والفقر والمشاركة في الثورة الصناعية والثورة التقنية، وخلق الرأسماليات التي تحقق القفزات الاقتصادية الكبرى على الطريقة الصينية والكورية الجنوبية والفيتنامية، من مطامح قادة اليسار والنقابات.

إن الحد من الإستغلال الجامح ومجابهة عدم التفكير في أوضاع الطبقات العاملة ومخاطر العولمة ونقل العمالة الأجنبية ومقاومة تفشي الأوبئة وتصعيد حضور النساء في العمل والنقابات والحكم، ونقل الثورة التكنولوجية والتعاونية للأرياف، وغيرها من قضايا غدتْ محوريةً في تطور الرأسمالية بمستوى تطوراتها الراهنة، كل هذه القضايا والأفكار تغدو أكثر صعوبةً وأوسع تحدياً في حياة المجتمعات العربية الإسلامية المنغلقة العائدة للوراء والمتجهة للتفتت وتذويبِ نفسِها في عالم يقفز نحو التكتلات الكبرى!

فإذا كانت القياداتُ النقابيةُ واليساريةُ العربية لا تقدح زنادَ فكرِها بعملياتِ تجديدٍ خلاقة فهي تشاركُ بشكلٍ صامتٍ في تدهور الحال العربي، ولا تجد نفسها إلا مع قوى التفتيت.

لكن الأمور أعقد من ذلك وأخطر. فقد رأينا الكوكبين الرأسمالي الغربي والاشتراكي القومي الشرقي يصطدمان ويكونا أرضاً جديدة، لكن العمليةَ القادمة هي التصادمُ الداخلي لهذين الكوكبين داخلَ كل بلد، أي تشكيل رأسمالية صرفة في البلدان الشرقية، وتبدل موقعا الرأسمالية الحكومية والرأسمالية الخاصة، ليظهر مزيجٌ منهما حسب ظروف ومستوى كل بلد.

بلدان مثل روسيا وإيران وكوريا الشمالية يهيمنُ عليها العسكرُ وقوى الصناعات الحربية يغدو تحولها أكثر عسراً من الهند والصين وفيتنام والبرازيل حيث قوى الصناعات المدنية.

 دول عربية ذات مهمات أكثر تواضعاً من تلك، تريد حضوراً لقوى الصناعة الخاصة والنساء والعمال والعلوم التقنية في الإدارات وتغيير مستوى قوى العمل المتخلفة.

ليست مهمات الأحزاب اليسارية والنقابات هي واحدة في كل مثل هذه البلدان، لكنها في مواقع المساعدة على تغيير مواقع قوى الرأسمالية العامة والخاصة، وتوجيه الفوائض نحو إعادة هيكلة البلدان المتخلفة لما فيه صالح القوى العاملة والتنمية الوطنية والشعوب ككل.

فبلد يوجه فوائضه للخارج أو يركز على إقتصاد الخدمات ويفيد قوى عاملة معينة أو يكرس تخلفاً في القواعد العمالية، أو لا تهمه سوى مصلحة طبقة صغيرة ضيقة، ولا يقارب خططاً وطنية، أو يهدر فوائضه في التسلح والحروب، يحتاج للنقد والتصويب.

إن المزيد من الدرس الموضوعي لحالةِ كل بلد، ورؤية الأهداف التنموية المشتركة لمعظم القوى السكانية، والاهتمام بتطوير الإنتاج الوطني، وتطوير أحوال الطبقات المنتجة، عمليات كلها مهمة وخاصة من قبل المهتمين السياسيين والنقابيين.

ستخضعُ عملياتُ الإندماج بين الرأسماليتين الحكومية والخاصة لأشكالِ التطور الوطنية، وستنهمرُ كميةٌ كبيرةٌ من الإيديولوجيات والصراعات الدينية واليسارية والوطنية الغامضة والحادة، وتحدث تصادمات وتُطلب مساهمة القوى الشعبية والعمالية لمعاونة هذا الطرف أو ذاك، وتجري عملياتٌ قومية – دينية فوق رأسمالية، لأن البلدانَ المتخلفةَ وهي تشكلُ سوقَها الخاصة، وبنيتَها الرأسماليةَ الوطنيةَ هي في علائقَ دينيةٍ ما قبل رأسمالية مع جيرانِها، وهم سوقٌ تاريخية لها، كما أن بنيتَها الوطنية التي تحوي قوميات أخرى تتفتت وتتطلبُ لُحمةً.

ومن هنا فإن القوى الشعبية لا تجابه فقط دراسة واقعها الخاص وضرورة أن تشكل سياسةً موضوعية فيه، بل أن يكون لها موقف أممي وموقف قومي إنسانيين من جيرانها وأخوتها.

الاشتراكية بين النضال والأحتيال

     ورثتْ الحركاتُ الاشتراكيةُ كلَ مخاضِ وتجاربِ البشر السابقين من أجل التغيير والمساواة الاجتماعية وأحلام العدل، وظهرتْ الاشتراكية العلمية مفرقةً نفسها عن الإشتراكية الخيالية، باعتبارها باحثةً موضوعيةً في سببياتِ زوالِ الرأسمالية وسببيات نشؤ الاشتراكية.

وقد استطاعت قوى الحضارة الغربية بما فيها من مؤسساتٍ ديمقراطيةٍ رأسمالية (شعبية) وشفافيةٍ ومن مُرَاقبةٍ وقوى عقولٍ باحثةٍ كثيرة وجمهورٍ متعلم، أن تحدَ من مخاطرِ نشؤِ الاشتراكية بشكلٍ عنيفٍ وعبر إنقلاباتٍ كارثية ووضعت حدوداً لصراع الفريقين الاجتماعيين: مالكي وسائل الإنتاج والعاملين في هذه الوسائل في ظروفٍ قاسيةٍ ولكنها تتغيرُ بنضالِهم داخل هذه المجتمعات الصانعة للمؤسساتِ الوسطى المقاربة بين القوى المتصارعة.

وحين قاربتْ الفاشيةُ الاشتراكيةَ وزعمتْ إنها جزءٌ منها، بانت إحدى علامات الأخطار المُحدِقة بالدعوةِ الاشتراكية (النبيلة) الإنسانية، من التصاق دعواتٍ أخرى بها، وهي دعواتٌ دكتاتورية أسسها أناسٌ منتفخون بالعظمةِ الجنونية، صرخوا من أجلِ إنقاذِ الفقراء والعمال المأزومين، لكنهم أرادوا خلقَ مستعمرات بعد أن إنتهى أو كاد عصر الاستعمار!

في جنون الاشتراكيات الوطنية لدى موسوليني وهتلر نلمحُ ثأرَ الأمم المتأخرة عن النمو الديمقراطي، التي لم تشهد تاريخاً ديمقراطياً عريقاً، وهذا التضخم القومي الهائل المتواري، خاصة لدى ألمانيا الجريحة المهزومة من حربٍ عالمية، ومن إقتطاع لأراضيها، ومن جذورٍ عسكريةٍ دموية تشكلتْ في تاريخها التوحيدي، ومن هذه الرغبةِ المتأججةِ لديها للثأر والرفعة وسحق الآخرين.

إن أغلب الدعوات (الإشتراكية) هي دعواتٌ قوميةٌ، لأمم ولشعوبٍ متخلفة، أو مسحوقة، أو مهانة، تريدُ العزةَ والقفز على تخلفها، وتستغلها وتوظفها أحزابٌ شتى قومية وإشتراكية ودينية. وتغدو في دول الشرق مرادفةً للتحرر الوطني والتقدم التحديثي، ولكنها تفتقدُ في الاشتراكية ما كان مؤِسِساً غربياً فيها، وهي شروطُ الحداثةِ والعلمانية والديمقراطية والعقلانية. فأغلبُ دولِ الشرق وأمريكا اللاتينية تفتقدُ هذه الشروط، وهي حين تزعمُ إنها سوف تقفزُ للاشتراكية إنما تقومُ بعمليةِ خداعٍ إيديولوجية.

لقد كانت دعواتٌ قومية دكتاتورية غير عقلانية وغير علمانية وغير ديمقراطية، إن تلك المضامين القومية المتوارية توضعُ عليها طبقات كثيفة من الشعارات الأخرى، لكن القومية السائدة المتوارية المسيطرة تظهر مع نمو البناء(الإشتراكي). إن روح الاشتراكية في أمريكا اللاتينية هي القومية اللاتينية ذات المذهب الكاثوليكي المعادية لأمريكا الشمالية البروتستانتية الرأسمالية المتفوقة. ويغدو إستخدام شعارات رفعة الكادحين من قبيل توظيف قوى الجمهور البسيط لتضحياتٍ جسامٍ وتشكيلِ رأسماليات لاتينية، مثلما حدثَ في روسيا والصين.

إن تداخلَ (الاشتراكية) هنا مع اللاعقلانية والدكتاتورية يتجسدُ في قيامِ نخبةٍ صغيرةٍ بتقريرِ مصيرِ أمم، وهو أمرٌ يتحقق من خلال تنامي القوى العسكرية الباطشة وأجهزة المخابرات وما تفعلهُ من كوارث تجاه الحقوق الإنسانية وتجاه الوعي العقلاني، وتجاه العلمانية لأنها بعملياتِ سحقِ الأديان إنما تقوي أشكالَها اللاعقلانية، وتخلقُ ديانةَ عبادةِ الزعماء، وهي عودةٌ لأشكالِ بدائيةٍ من التدين. ثم هي أشكالٌ تنهارُ ويعودُ الوعي الديني المحافظُ العتيق.

لكن (الإشتراكيات) القومية الشرقية خاصة الكبرى منها، المجسدة لسيرورة تطور الأمم العظيمة كروسيا والصين والهند(والأخيرة أسرعت بنفضِ الاشتراكية الوطنية سريعاً)، تخلقُ مقاربةً ملتفةً مع الرأسماليات الغربية، فتدخلُ الرأسماليةَ الحديثةَ من الأبواب الخلفية ومن القمع، ومن الفسادِ الحكومي، ولكن الصراع الاجتماعي لا ينتهي، بل يتمظهر بأشكالٍ أخرى.

إن قيام الاشتراكية يحتاج لأسسٍ موضوعية طويلة، لأن إحتكار الفوائض الاقتصادية لمجموعات قليلة، ولأمم صغيرة، يفجرُ تطورَ البشرية ربما إلى الهلاك العام، وتغدو السيطرة على قوى الإنتاج وإستخدامها لصالح الأغلبية مهمة، لكن من خلال أدوات المؤسسات العريقة وقوى الأغلبية وليس من خلال عمل النخب الصغيرة، أو المغامرات.

التحولات ونصيب العمال

     تزدادُ المنطقة دخولاً في التحولات العالمية وعلى مدى السنوات القادمة ستشهدُ المزيد من تفكك قوى المحافظين السياسيين والدينيين، ومن تصليح أداء الليبراليين واليساريين كذلك.

إن اللافتات العامة المرفوعة المجردة عن الوطن والدين لا تكفي وحدها لاستقرار الاجتماعي، فالجمهور صار يتوجه لنقد الملكيات العامة المتجمدة وفشل المصانع الحكومية وهو بحاجة إلى حريات سياسية واقتصادية أكبر ليدفع باقتصاديات (الثروة الفقيرة) إلى طريق النمو الحقيقي، فالنمو الحقيقي لا يتحقق دون تغييرات عميقة في حياة المنتجين.

إن الشعارات المجردة تنقشع لأن الملايين تريد أن تعيش في مدن صحية وبظروف إنسانية، ولهذا فإن فكرة الانتخابات الحرة تنتشر، لكن العديد من الأنظمة العتيقة تخشاها، فهي عاصفة اقتصادية وسياسية لا أحد يعرف إلى أين سوف تستقر.

إن الجمهور العمالي الذي وثق في القوى الدينية بدأ يتراجع عن ذلك التأييد الذي غمر الشوارع في عقود سابقة، فقد وجد إن حياته لم تتغير كثيراً، في حين أن الفئات الدينية وصلت للثراء والفاحش أحياناً، وسواء عبر النفوذ الحكومي أم عبر تسلق أكتاف الجمهور وتضحياته، أم عبر الشركات والبنوك التي أرسلت توظيفاتها لأممٍ أخرى.

كما أن بعض القوى الليبرالية راحت تتخلى عن ليبرالتها المجردة وتدمجها بالبحث في مصالح العمال والفلاحين الذين تدهورت أحوالهم خلال هذه العقود، حيث تم التراجع عن التأميمات وأستعيدت أراضي الإصلاح الزراعي ونهبت الشركات العامة.

عبرتْ الشعاراتُ الدينية عن مناخ الغموض الاجتماعي وعن دخول جمهور من البسطاء الريفيين والحرفيين إلى العمل السياسي، وهؤلاء يصدقون الزعماء الروحيين منذ قرون، لكنهم راحوا الآن يختبرون هذه اللافتات عبر معاشهم ويقارنون الأقوال بالأفعال، ويعتبرون حياتهم المعيشية وتحويل ظروفهم البائسة هي المقاييس لتمييز الجماعات دون أن يتخلوا بطبيعة الحال عن تدينهم.

ولهذا فإن أحزاب القومية والدين والوطن المجردة الحاكمة أو المعارضة التي تصل للسلطة تواجه أسئلة المعيشة أكثر مما تواجه أسئلة الشعارات العامة.

وتواصل أحزابٌ دينية الحديثَ بالنغمة القديمة ولكن البعضَ الآخر العملي راح ينزل للشارع والظروف ويفهم الاقتصاد الحر وقوانينه.

إن مكانة أكبر قادمة لأحزاب الوسط التي تجمع بين الجذور الدينية وتغيير الأوضاع الاقتصادية السيئة، والتي تقلص نفوذ القطاعات العامة وتقوي الفئات الوسطى، والمسار يتجه عموماً نحو الفئات الوسطى الغنية وقادة البنوك والمصانع والشركات، حيث تتراكم الأرباح لديها فيتسع نفوذها على حساب رجال الدين والجماعات التقليدية عموماً.

في البدء يكون المناخ الديني السياسي فهو المتنفسُ الوحيد في دولٍ شمولية عديدة، لكن هذا المتنفس يغدو بعد ذلك على المحك، ويتصاعد دور الطبقات الشعبية في تأييد اتجاهات معينة أقرب إلى تطوير عيشها، مما يؤدي إلى تصاعد دور الفئات الوسطى الحديثة التي تجمع حولها العمال المستنيرين وقادة النقابات.

وبطبيعة الحال فإن هذه الفئات تعمل لمصالحها ولنفوذها المتزايد، وربما لدى بعضها مغامرات، لكن أصحاب السلطان المطلق في الدين والمال العام يواجهون العد التنازلي لسلطاتهم.

إضافة إلى ذلك فهذه الفئات أقرب للاقتصاد الحديث وفهم طبيعة تطوره وبضرورة تغيير البناء الاجتماعي تبعاً لذلك، ومن الممكن كذلك أن تقيم تحالفات مع بعض القوى الدينية المؤيدة للحداثة، وعموماً فإن الطبقات الوسطى تتقدم لاحتلال منصة المسرح السياسي، عبر تراكم الثروة المادية وعبر فهم جديد للثروة الروحية، وهذا لا يمكن أن يتحقق كذلك دون إعطاء مكاسب للعمال.

كسل القيادات العمالية

     بعد كل حقبة سياسية ينتصرُ أغنياؤها الذين سيطروا بخيوطٍ متعددة عليها.

لم يحدثْ في التاريخ أن أنتصرتْ وهيمنتْ قوى الفقراء والعمال. تنطلق شعاراتٌ كثيرةٌ وتموجُ أدخنةٌ متلبسةٌ، لكن بعد ذلك يظهر المسيطرون من كبار الأغنياء.

ودائماً كذلك هناك المناضلون الطيبون والسذجُ والانتهازيون والمتحمسون الرومانسيون للشعارات التي تطلقها الطبقاتُ المسيطرةُ على علاقات الإنتاج، وكذلك القوى الهامشية المترجرجة وراء علاقات الإنتاج هذه.

تمثل الرأسماليةُ الحكوميةُ في الشرق أقوى المراكز في علاقاتِ الإنتاج هذه، وليس السياسيون ورجال الدين والمثقفون سوى قوىً خارجَ هذه العلاقات، ولا يحصلون على فتاتٍ مهم سوى من دخولهم في أحضان هذه العلاقات، أو إستفادتهم منها، أو معارضتهم لها لكي تعطيهم شيئاً!

ويجري العمالُ وراءَ هذه القوى الهامشية مرةً لتحقيقِ الإشتراكية وهي ليستْ سوى رأسماليةٍ حكوميةٍ بشعاراتٍ ثورية، فيجدون بعد ختام الحقبة السياسية كيف تحول ضباط الجيش والمخابرات والحزب الاشتراكيون، رأسماليين كباراً!

ومرة بصفة ثورة قومية تنتهي بإنفتاح وله القطط السمان التي إستفادت منه.

ومرةً وراء الثورة الإسلامية وهي ليست سوى رأسمالية حكومية بشعاراتٍ دينية، فلا يعرفون الآن أين يمضون، هل لحربٍ كارثية أم لتطور سلمي ديمقراطي؟!

رجالُ الدين وأتباعُهم من السياسيين هم قوى هامشية ليس لديها رأسُ مالٍ حديث قوي ومسيطر، ولكنها تريدُ أن تكَّونَ رأسمَالها عن طريقِ الدين، وهذا يتم كذلك عبر الشعارات الدينية، فما هي مصلحة العمال في ذلك؟

المتحالفون والمتعاونون معهم من مثقفين وتجار صغار يريدون أن يركبوا هذه الموجة ويستفيدوا من موسم التجارة بالدين، وهذا هو مسار سياسي بات معروفاً.

لكن القيادات العمالية لا تعرف ذلك، هي تعيشُ في ثقافاتٍ شموليةٍ متعددة، ثقافات دينية إشتراكية قومية متداخلة، تعبر عن دكتاتوريات الشرق، وسيطرة ذكوره على نسائه، وسيطرة حكامه على محكوميه وسيطرة سياسيه على الكتل العامية، وإنتزاعهم الثروة من كل ذلك.

ويفترض أن تكون القياداتُ العمالية هي التي درست وأستوعبت كل كوارث وإنجازات الشرق هذه، وتعلمت من سابقيها، وأن تؤسسَ الاستقلالية العمالية عن هذه الكتل المشبوهة إجتماعياً، والخطرة على النضال العمالي، الأكثر عرضةً للعذاب والضرائب والكوارث ودفع الفواتير.

والمشبوهية هنا تتعلقُ بعدمِ فهمِ هؤلاء لأفكارِهم وشعاراتِهم ومن يمثلون هم حقيقة، فهل يمثلون العمال أم قوى إخرى تتغلغلُ بين ثيابهم وجلودهم!؟

المحكُ والفيصلُ هنا عن مدى إيمانهم بالقضيةِ الملتبسةِ هذه في حياتهم السياسية أن يطوروا حياةَ العمال، من شتى النواحي الاقتصادية والثقافية والعملية.

أما أن تكون أوضاعُ العمال في اسوأ حال، وكتلهم ممزقة، وتواجه عمليات خصخصة وتفقير وبطالة وغربة وأوضاع أسرية معيشية قاسية، وكلُ قطاعٍ يحتاجُ موسوعةً لفحصِ مشاكلهِ وتدوينها ودرسها وبحث حلولها، والعمال الأجانب قوى بائسة ومنافسة وفوضوية لهم، ثم يتوجهون لقضايا سياسية كبيرة أغلبها مجرد وبعضها إستعراضي، فهو يعني إنهم مجردُ أدواتٍ لم يتطوروا ليكونوا قيادات عمالية متجذرة.

نريد أن نرى شيئاً من جهدهم لحياة العمال ومستقبلهم، حتى وإن بدأ ذلك على شكل درس وضع العمال بدايةً. فحتى الآن لا نجد شيئاً أولياً في ذلك، فأين هي عمليات قراءة أوضاع العمال؟

كم هي أعدادُ العمال المواطنين والأجانب؟ ما هي شرائحهم؟ كم العمال اليدويون وعدد العمال المهنيين والفنيين؟ ما هي الأجور المتوسطة والحقيقية في كل هذه الفئات؟ ما هي أبرز المشكلات لدى مختلف هذه الفئات العمالية ولدى مختلف الشرائح البارزة ؟ أين يتركز العمال وأين هي المؤسسات الصغيرة ؟ كيف يحدث الحراكُ العمالي عبر الهجرة والبطالة وظهور الأجيال الجديدة وماهي فروع الإنتاج في هذا الحراك؟ ما هي تحديات العمل النقابي؟ ما هي العلاقة بين العمال المواطنين والعمال الأجانب؟  كيف تتم المنافسة والصراع والتعاون بينهم؟ الخ.

يُفترض أن تشتغل قوى الدرس والبحث والتأمل على مثل هذه القضايا الأولية الأساسية(لأن ثمة قضايا كبرى بعدها)، بحيث أن تقدم النقابات عمليات فحصٍ أولى وتراكمات معرفية وتحددُ أبرزَ القضايا والمشكلات بحيث تقوم بالعمل لتغييرها بالوسائل المتاحة والتي يكمنُ في بدايتها التثقيف والمعرفة بالأوضاع الحقيقية ونشرها على الجمهور العمالي بدرجة خاصة.

العمال بين اتجاهات حادة متضاربة

     كل جماعة تواجه خيارات فكرية وسياسية متعددة ومتضاربة، بطبيعة مرحلة الانتقال الحالية، لكن توجهات الحداثة الديمقراطية هي ثقافة تخترق كل هذه الجماعات، ولكن كلَ جماعة تهيمن عليها ثقافة الشمولية والمركزية والأنا في نفس الوقت!

والعمال رغم كونهم طبقة فقيرة يتطلعون مثل غيرهم إلى الأستئثار بالخيرات المادية وحدهم، خاصة وهم يعانون الأمرين في إنتاج هذه الثروات، ويأتي اناسٌ ويدغدغون فيهم مثل هذا الحلم، لكي يتسلقوا في سلالم السلطة، فينشرون بينهم وعياً زائفاً عن إسقاط الرأسمالية وسحقها المظفر في جزيرة العرب التي تناضل من أجل سفور المرأة ولم تستطع أن تفعل ذلك!

هذه الطفولية اليسارية هي نتاج معاناة مريرة كذلك، خاصة وهي ترى جماعات (اليسار) تتقرب لمن لديه الذهب، سواء كان معمماً أم متوجاً!

فترى شباب هذه الجماعات وقد فقدوا نضالية آبائهم، وتوجهوا لنضال الشموع والرحلات والتغزل بالبنات! فأين هم من التغلغل في الحارات الفقيرة والنضال بين الأميين والأميات وتثقيف البسطاء والعمال؟ لأن تثقيف العمال صعب، ويحتاج إلى تضحيات جسام، وهم لا يريدون أن يضحوا ويكرسوا وقتاً من أجل تثقيف الجمهور الأمي والعادي بل أن يتمتعوا بالمشروبات والمعسل اليساري!

فهو النضال الجاهز (  away take) بعد أن أنتشرت المطاعم الغربية، وقد جعلها بعضهم (نظرية) فصار التسلق مدرسة، فتسلقوا على الدول الكبيرة في الخارج، وراحوا يمدون خيوطهم وخطوطهم لمن يدفع، ولمن يرفع، وبغض النظر عن كون من يدفع شبكة خطرة تقود جماعتهم لمأزق فكري، فالفكر لا أهمية له، ما دام هناك الكثير من الجهلة من شعبي، والذين يصدقون هذه الشعارات البراقة، ويتحمسون للمفرقعات الصاخبة، لكنهم لا يعملون من أجل توحد العمال والفقراء في كيان واحد، لأنهم يخافون من هذا التوحد لأنه يقضي على ذلك التسلق والكسل السياسي.

ومن جهة أخرى يمكن أن ينشأ فصيل آخر يزايد على الشعارات العمالية والثورية، فيصرخ لتسقط الرأسمالية، ولنحطم الأغنياء وعاشت دولة العمال والفلاحين، وهو بالكاد يكتب أربعة أسطر باللغة العربية السليمة!

وهو من هؤلاء الشباب المتحمسين لقضية الفقراء لكنه لا يريد أن يفتح كتاباً، وأن يدرس التحولات العاصفة في العالم، فيقوم بالنقل من الكراريس القديمة في أوائل القرن العشرين، فيعتبر إن كل الجماعات السياسية انتهازية، ويجب مقاطعتها ومقاطعة البرلمان ومقاطعة الدينيين الرجعيين، في حين أن قراءة آراء هؤلاء مهمة، ونقدها وتحليلها ضروريان، وجعلهم يفهمون التاريخ الإسلامي عملية أساسية، لأنهم مثل القوى الأخرى يعيشون حالة جمود فكري وشمولية وتسلق على حساب العاملين، وتطورهم باتجاه الديمقراطية مهم، ومساهمة العمال في تطور هؤلاء مهم، لأنهم يقررون أجورهم وظروف عملهم وتسريحهم أو بقائهم في أعمالهم، فكيف يمكن مقاطعتهم وإلغائهم؟

لكن مقاربة الدينيين والمستقلين المعبرين عن القوى الأخرى تعتمد على القوى النقابية والسياسية، ومدى حضورها في مناطقهم كمعبرين عن العمال، ومدى دور نقاباتهم في الدفاع عن معيشة الشعب العامل في القطاعين الخاص والعام معاً.

إن دينامكية التفكير العمالي في هذا العصر المعقد وفي هذه المنطقة الصعبة يعتمد على  مرونة شديدة من قبل الشباب خاصة، لأنهم بلا نضج ويشتغلون بحماس وتهور أو بكسل، ومن هنا يغدو رفض إشكال التسلق والاعتماد على النشاط المستقل وطرح الحلول المعقولة للمشكلات، واعتماد الفقراء على أنفسهم ونضالهم، هو الطريق الصحيح الصعب ولكن الذي سوف يؤتي بثماره.

الديمقراطيةُ البرجوازيةُ العماليةُ

     إذا كان المصنعُ هو أساس الحياة الاقتصادية للمجتمع، فإن المستثمرين والعمال هم أساس تطوره الاجتماعي السياسي على مدى العصر الحديث حتى ينطفئ هذا الأسلوب تدريجياً.

هذه الضرورة لا تتكشف من أول وهلة بل عبر مجرى الزمن الاجتماعي الصراعي الطويل.

في البدايات لا يكون للعمال وجود إجتماعي سياسي، فهم كم مهمل، لكن الضرورات الاقتصادية وتطور الصناعة وإنتشار التعليم والوعي النقابي والسياسي، يجعل لهذه المجموعات المفتتة كيان طبقة بعد عقود طويلة.

أما الوجود السياسي وكونها طبقة مؤثرة ليس في المصانع فحسب بل في البرلمان والمؤسسات السياسية فهي مسائل تتعلق بمدى تطور الديمقراطية الاجتماعية السياسية في المجتمع: تغير طبيعة العائلة الكبيرة، وإنتشار الثقافة الموسوعية وسط العمال، وظهور العائلة العمالية المكثفة المتطورة، وتحول العمال اليدويين المستمر لعمال تقنيين وخبراء وعلماء، وهذا يتعلق بمجرى تطور الثورة العلمية التقنية.

زمنيةُ العمالِ اليدويين الأكثر تخلفاً تحددُ زمنيةَ البرلمانات التي تملأها البرجوازية وفئاتها المتعددة، في هذا الزمن لا يستطيع العمالُ فهمَ السياسة وتنتشر الأمية بينهم، هذه الزمنية تؤجج الأحقاد وإستعمال العنف من قبل فئات من العمال، وفي هذا الزمن النقابات ضعيفة والأحزاب الاشتراكية ذات نهج شمولي.

تتطور البرجوازية والعمال في مجرى الصراع التعاوني، فالأولى تقودُ تطور وسائل الانتاج، وتربط المصانع بمعاهد البحوث، وتطور العلوم المرتبطة بالانتاج، وهو أمر يقود لتوسع فهم العالم، وتنشأ فئاتُ العلماء المنفصلة عن الانتاج في بادئ الأمر، ثم تتغلغل العلومُ في المصانع وفي فئات العمال، فتتضاءل الشمولية وسط الطبقات العمالية وتغدو منتجة في الوعي السياسي الديمقراطي.

تعتمد تطورية البلدان على تطور المصانع وعلاقاتها بالعلوم والتقنية، ووجود الأسواق والمواد الخام، وتضيق الأسواق بشكل دائم فتتوسع البلدانُ الرأسمالية المندمجة مع بعضها البعض، مثلما يصبح العمال قوة إجتماعية قارية. ولهذا فإن أوربا الغربية تغدو أكثر ديمقراطية فيما يلعب الحجم الاقتصادي الضخم في الولايات المتحدة دوره في التوسع والاستعمار وخسارة الفوائض الاقتصادية على التسلح والحروب، ويبقى العمال فيها قوة غير مؤثرة على التطور الاقتصادي السياسي. ولهذا فإن أزماتها الأكبر في الطريق. الاعترافُ المتأخرُ بالعمال كقوة سياسية يخلف قوى الانتاج ويؤزم التطور سواءً في الغرب أو الشرق.

في بعض البلدان النامية ترتفعُ راياتُ العمال الحمراء والمتعددة الألوان كقوةٍ سياسية مجردة فالمستوى الاجتماعي المتخلف لهم والهيمنة السياسية الإيديولوجية الزائفة عليهم يجعلان الفئات الوسطى الصغيرة أو الارستقراطية أو الإقطاع تزيح الطبقتين المنتجتين وتتحكم في الفوائض، ويختنق التطور الاجتماعي السياسي الديمقراطي لعقود حتى يظهر مجدداً ويغدو العمالُ أكثر الخاسرين وتتشوه البناءات الاقتصادية: ضخامةٌ في الرساميل غيرِ المنتجة وتقزمٌ في المنتجة منها؛ سواءً كان ذلك بسبب البذخ أو التسلح أو التوجهات للأرباح السريعة، لكن السبب الأهم هو غياب الجدلية الصراعية التعاونية بين المستثمرين والعمال، وعدم تحول الديمقراطية لترشيد إقتصاد السوق نحو تطوير قوى الانتاج البشرية والمادية.

في البلدان النامية ضخامة أعداد العمال الهامشيين والعاطلين وغير المؤثرين في الحياة الاجتماعية، تعبيرٌ عن ضعف الانتاج، وإنهيار الانتاج القديم وعدم التمركز في المصانع وضعف صلاتها بالعلوم والتقنية، ولا توجد برجوازية صناعية هنا، بل فئات وسطى صغيرة تفتقدُ القدرة على تكوين الرساميل الصناعية ولهذا تكون ذات وعي ديني، حيث لم يندغم الوعي هنا بالعلوم وقراءة الطبيعة وتطوير العمال والمصانع.

الضرورات تكسرُ الأشكالَ الحِرفية الصغيرة، مثلما تتضخم رؤوس الأموال، ويتمركز العمال، وتتصل المصانع بالتقنيات والمعارف الحديثة، فيكرر الشرقُ مسارَ الغرب بصور أسرع، وتصبح القاراتُ السكانيةُ قادرةً على تجاوزه حين تطور صراع المستثمرين والعمال التعاوني الديمقراطي، فيصبح القرن الواحد والعشرين بدايات العصر البرجوازي العمالي العالمي المشترك المديد في القرون القادمة.

الأفكارُ والمراحلُ التاريخية

     تتداخل الأفكارُ الوطنيةُ والعالمية، فالبشر يتبادلون المنتجات الفكرية والسلعية، وتحدث التأثيراتُ بسببِ حاجاتِ الأبنية الاجتماعيةِ الوطنية للتغييرِ وقدرة القوى الفاعلة الصاعدة في هذه المراحل على إنتاج الأفكار المُحركة للواقع وعلى التفاعل مع الجمهور الشعبي، محرك التاريخ الأساسي.

لكن هذا الوعي غائبٌ حتى في الدراسات الجامعية، لصعوبةِ قراءة التداخلات والبُنى الاجتماعية الوطنية في كل مرحلة، التي تحددها ظروفٌ موضوعية وإنتاجٌ وطني عالمي للأفكار.

وجود طبقة ذات تقدم تاريخي هو بؤرة الموقف، ولنأخذ هنا موقفاً من التاريخ المصري الثقافي السياسي، لأنه معروف عربياً غير أنه من الصعب فهمه.

فالفئاتُ المتوسطة التي ظهرت في أوائل القرن العشرين بمصر هي التي طرحتْ التنظيمَ السياسي المعبرَ عنها، وكذلك الأشكال الفكرية والفنية والأدبية المسايرة لها.

إن مستوى هذه الفئات الوسطى السياسي الفكري هو مستوى إستيراد لليبرالية ذات شعارات نهضوية، ولهذا فإن قدراتها لا تسمح لها بتركيبٍ جدلي معقدٍ يغوصُ في البنية الاجتماعية ذات الجذور العميقة، أي أن تقومَ بتحليل البناءِ الاجتماعي المصري العربي الإسلامي المسيحي وإكتشاف قوانين تطوره، فهي لا تقدر على هذا الغوص، فتطرحُ شعاراتٍ عامة، تتمظهرُ في كلِ شكلٍ من أشكالِ الوعي بدرجةٍ معينةٍ وحسب الناشطين في هذا الحقل أو ذاك، فالزعامةُ السياسيةُ تطرحُ ديمقراطيةً مقاربةً للملاك الكبار والصناعيين، مثلما يتبدى ذلك في قيادة سعد زغلول، وهي رؤية تقزمُ اليسارَ والفلاحين، ومحمد حسين هيكل يطرحُ رواية أوربية على جسد الريف المصري الذي يخلو من الإقطاع، فيما تتقدم الفئاتُ الوسطى في وعي نجيب محفوظ، لكنها لا تصطدمُ بالإقطاعِ المحلي، إلا بشكله السياسي التركي الأجنبي وفي علاقاته الأسرية حيث الأبوية الشمولية. وهنا تتمظهر بشكل محسوس فني رؤية الليبرالية لما بعد الحرب العالمية الأولى، فهي لا تتغلغل في جذورِ البنية الاجتماعية، فالإسلام والمسيحية غائبان، ليس لأنهما غائبان عن الحياة ويفعلان فيها كثيراً، بل هما غائبان عن رؤيته. يتمظهرُ الإقطاعُ في شريط عرضي خاصةً حين يعرقل نمو الفئات المدنية.

الليبراليةُ الاستيراديةُ هنا هي في وعي فئاتٍ وسطى ذاتِ ثقافةٍ معينة وظهرتْ في ظروف معينة، لهذا تقاربُ العموميات، كما أنها تجذبُ فئاتٍ كثيرةً في البدء لأن هذه الفئات الكثيرة متحدةٌ في أهدافٍ مشتركة هي؛ طرد المستعمرين، ونهوض الصناعة والاقتصاد الوطني، لكن التطور التاريخي يسير حسب مصالح الطبقة القائدة للتحالف الشعبي، وهي التي تتمايز مصالحُها شيئاً فشيئاً عن الجمهور العمالي والفلاحين والفئات الوسطى الصغيرة التي تجدُ أن فئات (البرجوازية) والملاك الزراعيين الكبار، تخذلهم شيئاً فشيئاً، وتكرسُ مصالحَها فتنقضُ عنهم.

الطبقة القائدة للتحول التاريخي هنا تعجزُ عن إقامةِ تحالفاتٍ عميقة، إنها لا ترضي العمالَ بالدفاع عن أجورهم ولا تقوم بتغيير ظروفهم، وهي تصمتُ عن الفلاحين ولا تطرحُ تغييراتٍ في المُلكية الزراعية وتتجنبُ الإصلاحَ الزراعي.

التحالفُ يتفكك، لكن لا تظهر طبقةٌ حاملةٌ لتشكيلة جديدة تاريخية، لأن الطبقة الرأسمالية التي كان يجب أن تجذرَ هذه التشكيلة وتغيرَ الإقطاعَ في الزراعة والبيوت والثقافة وترفع من أوضاع العاملين وتجعلهم قاعدتها الجماهيرية القوية، توقفتْ عن معركتها فتنطعت لهذه العملية فئاتُ البرجوازية الصغيرة الدينية واليسارية والعسكرية وأدخلت مصر والبلدان العربية في مراحل تجريبية تائهة.

لهذا نجد التنظيمات السياسية تتجه خاصة بين الحرب العالميتين الأولى والثانية، وبعدهما، لأقصى أشكال اليسار والدين.

على مستوى الوعي سنجد عبدالرحمن الشرقاوي يكرس أهمية الإصلاح الزراعي وتغيير حياة الفلاحين ويهتم بالإسلام كثورة شعبية، بأشكال جزئية وأدبية، وفقهية، لكن بلا رؤية تقدمية شاملة.

وحين تجسدت هذه الرؤى التجريبية وسيطرت فئةٌ عسكريةٌ من البرجوازية الصغيرة المضطربة في زمنية الناصرية، نجدها لم تستطع أن تخلق نظاماً حاملاً لهوية، ولتشكيلةٍ، فقدمٌ لها في الرأسمالية والإقطاع وقدمٌ لها في الاشتراكية، فلم تفهمْ الإسلامَ ولا الحداثة، وفي النهاية نجدُ هذا التآكلَ السياسي الاقتصادي والإنفتاح الاقتصادي الفوضوي تعبيرين عن فشل الطريق نحو التشكيلة الحديثة.

ومن هنا فإن الفئات المثقفة التحديثية الطالعة في الستينيات والتي ذهبت لسجون العسكريين لم تعد تثق بالمطلق كنظام، ولم تقدم رؤى بديلة. وفي هذا إستمرارية لأزمات أجنحة البرجوازية الصغيرة الحديثة، فبدأت أجنحتُها التقليدية في النهوض مدعومةً من أموال النفط في الجزيرة العربية وإيران ومن فشل مغامرات العراق وسوريا. والآن تنتصر الأجنحة المحافظة مكرسة تقاليد أكثر تخلفاً من سابقاتها.

هذه خطوط عريضة أساسية لما جرى في مصر والبلدان العربية، وكل بلد له مساره التاريخي الخاص في الخطوط العريضة السابقة، ضمن هذه الممارسة للفئات الرأسمالية الليبرالية الأولى والتي توقفت عن التغيير، ثم جاءت الفئاتُ البرجوازية الصغيرة يساراً ويميناً، ولم تفلح في إيجاد نظام، وإستمرارية هذه الفئات في إنتاج الأزمات تتشكل في رؤاها، وعلينا أن نراقب مرحلة التجريب الجديدة في اللحم العربي.

 إنها عاجزة عن تغيير الإقطاع وعلاقاته المتجذرة في البنى والعلاقات الاجتماعية والثقافية وفي رؤاها، فيغدو أمامنا تاريخٌ تجريبي آخر، يستنزف القوى والموارد، ويضيع عقوداً أخرى من الحلول الكلية والسحرية والشمولية.

إن هذه الفئات لا تتحد لتغيير ما هو تقليدي وتتفق على هذا وتتبادل العملية السياسية وتجعل الجمهور حكماً، بحيث تغدو الأدوات السياسية والإعلامية حرة تحترم كافة وجهات النظر، مركزين على تغيير ما يتفق الناسُ على تغييره من علاقات إقتصادية متخلفة وتوضع الخطط لتطويرها.

المراحلُ التاريخيةُ والموقفُ المغامرُ

     تمثل الفئات الوسطى الصغيرة أساس الحراك التاريخي في البلدان النامية المنتقلة من الإقطاع إلى الرأسمالية، وهي تغدو أساس الحراك ومشكلته معاً.

فهي أكثر الفئات عدداً وأنشطها إنتاجاً سياسياً وهي قادرة على خلق الاضطراب التاريخي في ذات الوقت. فنظراً لعدم حملها علاقات إنتاج تتذبذب مع القوى الغالبة سواء التي تشد للإمام أم للخلف، وهي تخلقُ مراوحةً طويلة مقلقلة للشعوب حتى تتقدم الطبقات المنتجة لاحتلال مسرح التاريخ.

في المرحلة الليبرالية إندفعت لقشور الليبرالية بدون القبول بإصلاح زراعي وتحرر النساء والعقول بشكل جدي فبقيت البنى الاجتماعية في الإقطاع.

في المرحلة العسكرية برزت الفئاتُ الوسطى الصغيرة بذاتها وإندفعت للاشتراكية البيروقراطية وهمّشت الإصلاح الزراعي وتحرير النساء والعقول وخربت المـُثُل الاشتراكية.

 تكسرت المبادئ الليبرالية والاشتراكية بسبب المبالغة الشكلية في الدعوة لكن تطرف هذه المجموعات قطع الطريق على التدرج والتنامي الإصلاحي، مما خلق ثنائية الحرب الباردة التي كانت تحطيماً نارياً للقوى الديمقراطية المناضلة الصغيرة في أحشاء المجتمعات التقليدية النامية، ونفياً للطبقتين المنتجتين العمالية والبرجوازية في الدول (الاشتراكية) الحكومية الشمولية.

وبعد أن إنقشع السرابُ الليبرالي والخيالُ الاشتراكي عادت المجتمعات لمستوياتٍ إيديولوجية سياسية محافظة متطرفة في الرجعة للوراء كما كان تطرفها في القفزات إلى الإمام!

في المرحلة الحالية برز(الإسلام) المفهوم بمثل تلك الضبابية والانتقاءات الإيديولوجية حسب طريقة هذه الفئات الصغيرة المتراقصة بين الحبال الطبقية، والتراقص هنا يغدو بين رأسماليات الدول الحاكمة وبين المهمشين فيها، بين الحكومات ومجموعات المعارضة الطائفية المختلفة، بين العصر الحديث والعودة للعصور الوسطى، ويتحول هذا الرقص لصراع مذهبي ديني عنيف يجر الناس للاضطرابات، بدلاً من تحويل رأسماليات الدول لرأسماليات حرة وعبر نضال الشعوب المتدرج المتنامي وإحترام الصراع الاجتماعي فيها، وتكوين الأسس المادية والفكرية للانتقالات السياسية والاجتماعية الأكثر تطوراً.

المجتمعات النامية التي تطورت إقتصادياً وإجتماعياً بعض الشيء تراجعت للوراء كثيراً في الفهم الإيديولوجي للحياة والصراعات.

فبعد فشل الاشتراكية والليبرالية برزت التياراتُ الطائفية السياسية وإندفعت أغلبُ قوى البرجوازية الصغيرة فيها متحمسة لها، نافية ما عداها، مؤسسة نفس أخطاء المراحل السابقة، فهي تصاب بسكرة تفقدها أي توازن وتطير بأجنحة الحماس نحو النار.

إنها فئات مع الغالب والسائد فتداخلت بصور غرائبية مضحكة، لكن قوى الإقطاع الدينية التي تصاعدت بعد فشل الليبرالية والاشتراكية، مستندة للعلاقات الريفية المحافظة غالباً، تقوم بجر هذه الفئات البرجوازية الصغيرة للوراء، فهي ليست ديمقراطية ولا قومية بل تتبع قيادات التنظيمات والمراجع الكبرى الدينية التي تريد قولبة الحاضر حسب مفاهيمها العائدة للعصور الوسطى خادعةً الجماهير بالحديث عن الإسلام.

لكن فئات البرجوازية الصغيرة هي الأكثر صخباً وحماساً لهذا الخيال الحارق العائد للخلف، مثلما كان الحال أيام اليسار المغامر والصخب من أجل الكفاح المسلح وإسقاط الرأسمالية.

العقدة هنا تمكن في تحريك الجمهور العاطفي الذي يعيش في سديم إجتماعي وإيديولوجي متصوراً الذهاب للجنة، بدون شقاء الرأسمالية والتصنيع ومصائب العمل النسائي!

إن ما إستُخدم سياسياً ليس هو الإسلام أو الاشتراكية أو الليبرالية، بل هو مصطلحاتٌ معلبةٌ وشعاراتٌ غير متجذرة في تُربٍ موضوعية، بل مسلوقة ونيئة، ومقدمة بأعداد هائلة صاخبة للجماهير.

 وطريقة السلق هي واحدة في هذه المجموعات رغم مواقعها الإيديولوجية المتنافرة. فهي ترفض النمو المتدرج في بُنى رأسمالية متخلفة شرقية واضحة القسمات وترفض التوجه للنموذج الغربي العالمي الديمقراطي العلماني، وتقدم تصوراً إيديولوجيا من خيالها الواسع، فبداية هي لا تقرأ هذه البُنى الشرقية، بسبب أن مشاعرها الحادة وجملها الصاخبة وحياتها المحافظة المهيمنة على النساء والحرية والعقول والعائشة في الثقافة السحرية ترفضُ الواقعَ الموضوعي، فهي تريد القفز بدون أن تعالج سلبياتها وتخلف بيوتها ووعيها وتطور عملها. 

 الآن تجمعت بأعداد وفيرة للمشروعات الطائفية المحافظة الممزقة للبلدان العربية الإسلامية، وتعمل بنفس الصخب وبنفس الروح المطلقة المتعصبة لكن هذه المرة المشروع قفزة للوراء بشكل كارثي.

حركية الفئات الوسطى وثبات العمال

     يحتاج العمل السياسي الديمقراطي إلى نشاط الفئات الوسطى الديناميكية عادة، المتحركة، الباحثة عن مواقع قدم لها في الأرض الاجتماعية، وكذلك مبدأية العمال وصلابتهم في النضال.

ومن حق أي حركة سياسية أن تعمل في كل أرضها الوطنية وتختار المواقع المناسبة لها، والتي تعطيها منتوجاً سياسياً أكثر من غيرها، خاصة تلك المواقع التي لها حضور تاريخي فيها.

كانت الانتخابات السياسية قد تجيرت بشكل طائفي خطر من قبل الهيئات المتنفذة حكومياً وأهلياً، وهو مصير سيء للجميع مع الاستمرار في تجذيره، ولعدم القدرة على إنتاج ثقافة وطنية حديثة.

عبرت القوى التقليدية المتسيدة على الأرض عن أفكار قديمة، مثلما أن القوى الجديدة عاجزة عن إثبات جدتها.

رغم النشاط الذي تقوم به الفئاتُ الوسطى بطبيعةِ أعمالِها الحرة والوظيفية الحديثة لكنها ترتكز على الجانب التقليدي الفكري، والدعاية والأدلجة ونشاطات المقر.

هل تفكر القوى السياسية بالظروف الاقتصادية الصعبة للجمهور؟

هل تحلل أوضاع المدن التي تشتغل فيها سياسياً وظروفها العمرانية والاقتصادية والصحية والبيئية والمرورية؟

هل تعالج مشكلات العمالة الأجنبية وظروفها السكانية والاجتماعية المخلة بتطور البلد وظروفها؟

ما يتم التركيز عليه هو الخطابات السياسية والتحالفات للوصول إلى المقاعد، فليس ثمة خطط اقتصادية، ولا قدرة على معالجة التطور الاقتصادي الوطني برمته، ووضع الخطط البديلة الشعبية للخطط الحكومية.

فلا بد من تلاقي الجمعيات والتيارات السياسية على خطوط عريضة ترتكز على المطالب العامة، وعلى النمو العقلاني للتيارات، وليس على الاستفادة من الحماس المؤقت.

يجب طرح مثل هذه الشعارات:

– نطالب بمراقبة للشركات العامة وميزانياتها ومداخيلها وكيفية توزيع فوائضها بالصورة المناسبة.

– نريد مساندة وإصلاح ومراقبة الشركات والبنوك الكبرى الخاصة لما فيه فائدتها وفائدة الأغلبية العاملة البحرينية.

– تغيير أوضاع الخدمات العامة المتراجعة في الصحة والتعليم والبيئة والعمل الخ..

– رفع مداخيل الجمهور بالصورة الاقتصادية التالية..

إن القوى الوسطى تتوجه للصراعات فيما بينها لأسباب فكرية لا تهم الجمهور، وبهذا تتصارع طائفياً وسياسياً بشكل غير حضاري، وهو أمرٌ يبدو في الشعارات، وليس ثمة تركيز على الأوضاع الاقتصادية العميقة، لأن دراسة هذه الأوضاع بشكلٍ موضوعي ليس بقدرة أحد التيارات بل تحتاج لتعاون جماعي كبير من التيارات المحلية.

التعاون المشترك من قبل القوى السياسية لتقوية الرقابة البرلمانية وجمع المعلومات الواسعة.

والهدف الاقتصادي الاستراتيجي خلق تعاون بين القطاعين العام والخاص يستهدف ضبط تطورهما المشترك وتنمية القطاعين ومداخيلهما ورفع مستوى معيشة الناس في ذات الوقت.

إذا وَضعتْ الفئات الوسطى والتي بيدها النشاط السياسي الإنتخابي مصالحَ الغالبيةِ العامة من الناس فهي تجذر تياراتها وأفكارها على صعيد حقيقي ومستقبلي بعيد المدى، بدلاً من انتهاز الفرص والوصول للكراسي بغض النظر عن المسقبل وإستغلال المشاعر المؤقتة، وهو ما لا يجذر أفكارها مهما كانت.

كما أن من المناسب للقوى العاملة أن تبحث عن مرشحين متجذرين ذوي خطط مستقبلية طويلة، فالاقتصاد يعاني كثيراً، والحكومة تعتمد على ما هو مؤقت، وعلى الإبر البترولية المؤقتة، وتدفق الشركات وفيضها العابر، وحتى الآن لم ينجح الاقتصاد المنوع الذي طـُرحت شعاراتهُ خلالَ عقود طويلة، مما يشير إلى سياسة اقتصادية غير ناجحة على المدى الطويل، سوف تتضح مشكلاتها مع تضاءل الإنتاج البترولي.

ولم تنجحْ الإبرُ المؤقتة في السنوات الأخيرة والمعالجات القصيرة، والأمور تحتاج إلى تعاون وطني واسع بين قوى الدولة والتجار وأرباب العمل والعمال، تعاون سياسي عميق وليس اتفاقات مؤقتة وعاطفية.

وليس إلى تدفقات عفوية كبيرة تؤدي لبعض الدخول  وللكثير من الزحام والتضارب وفوضى السوق ونتائجه على إزدحام المواصلات وعلى الخدمات.

كذلك فإن الاندفاع على الموارد المحدودة ليس هو الجانب السليم.

وكذلك التدفق في إستخدام الأراضي بأشكال مؤقتة سريعة.

هناك إذن مشروع حكومي لاستثمار ما هو مباشر وبشكل سريع ودون وجود خطط اقتصادية موضوعية مسقبلية بعيدة المدى.

وثمة مشروعات خاصة للنمو الاقتصادي الربحي السريع بدون تعاون ورؤى جماعية ودون رؤية لأوضاع الغالبية.

بطبيعة الحال لن يهتم الجمهور العريض بمسائل الخطط المستقبلية وهياكل الاقتصاد وغير ذلك من القضايا المعقدة، بل سوف يطالب بخدمات رخيصة ومكاسب مادية كبيرة، ونواباً يحققون له مثل هذه الرفاهية.

وهي أهداف مهمة فهناك دخول كبيرة قادرة على ذلك، وجزء من الرقابة البرلمانية والبلدية والسياسية لا بد أن يتوجه لذلك، ولكن هذا لا يكفي دون رؤية بعيدة المدى، وقوى سياسية ذات إدراك مستقبلي وذات قراءات للاقتصاد وكيفية إصلاحه وشرح ذلك للجمهور لكي تتشكل كوارد مستقبلية فيه تفهم هذه القضايا وتناضل من أجلها.

النضال السلمي بلا حدود

     فيما تصر قوى العنف والتخلف على القنابل النووية ووضعنا في مضمار قتل ضيق، تعمل قوى النضال السلمية بضعف وتشتت وحيرة.

والسبب يعودُ لعقليتها العنفية المضمرة.

النضال السلمي لا حدود له، يوسع الأفق السياسي، يقوي ويقرب الخصوم، ينتج أساليب تقدم مستمرة، يحرر الشعوب وهي مقاربة لحالات تطور.

تعبرُ الجزائرُ عن فخرِها بثورة المليون ونصف المليون شهيد وكان يجب أن تتأسى وتفكرَ بعمقٍ لماذا حدثت هذه المأساة المروعة وبذلت كل هؤلاء الضحايا؟ فكرْ لو أن هؤلاء كانوا أخوتك، ماذا كنتَ ستشعرُ في هذا المصاب؟

ثم لم يترك الجزائريون فرنسا الاستعمارية وذهبوا إليها عاملين بظروف قاسية وكأنهم  لا يريدون ترك مستعمريهم المتقدمين الذين افتقدوا حضورهم في بلدهم المحررة!

لم يسأل خوارج الحاضر عن تأسيس المغرب الأوسط من قبل خوارج الماضي! فهو تاريخُ حدةٍ سياسية لم يجرِ فيه سلمٌ حضاري طويل.

عنزةُ غاندي كانت أكثر أهمية من مدافع الباكستان، وفي حين تصعدُ الهندُ لقمم التقدم الاقتصادي تتفككُ وتتمزق الباكستان ويكون فيها الأبطال أجساماً مفخخة وقتلى بجنون ولا أحدٌ يأبهُ بإحتضارِها السياسي!

لماذا تسرعون في القضاء على الإحتلال الإسرائيلي البغيض؟! هو مفيدٌ في جوانب لكم، يعلمكم كيف تتشربون وتتجاوزون اليهود في إقتصادهم وتقنياتهم ومعلوماتهم، هذه فرصتكم للتعلم من أكثر قوى الإستغلال في العالم ذكاءً، وهم أكثر المدارس خطورة ودهاءً في تاريخ الإنسانية، فحولوا شبابكم لعلماء وتقنيين، وحولوا متاجركم البائسة لمصانع صغيرة للمعلومات والتقنية، وأنتم أكثر نسلاً منهم ولستم أكثر ثقافة منهم حتى الآن، ولا تجعلوا المقاومة الدموية هي طريقكم فإنها إستمرار للاستعمار وقضاء عليكم، وقد سبح اليهودُ في بحر التقدم الغربي وكان معهم رأس المال الطويل المكين، وعددهم ضئيل ونوعي متطور فوقفوا على رأس العالم الرأسمالي المسيطر على الكرة الأرضية وهم أقل الشعوب عدداً!

ألم نشبع من تاريخ التشنج؟

ولهذا فإن جماعات (النضال) في الجزيرة العربية والخليج يقضون على سبل التطور الوفيرة الغنية في المنطقة، فليست لهم من طرق التغيير سوى الحرائق والدماء والسيارات المفخخة، والمذابح، وصارت القاعدة بطلة في المدارس الثانوية، وهي تحضرُ المزيدَ من قوى العسكر الغربيين إلى بيوت المحصنات المسلمات.

ضعْ قنبلةً وأهرب وتقضي على الاستعمار والعدو وتحرر المسلمين وتنصرهم على أعدائهم الكفرة!

جملٌ سهلةٌ تدغدغُ عقولَ المراهقين وتطيرُ بهم في سماء البطولات، ويقتربون من أبطال المسلمين والمجاهدين والسلف، ولكنهم لا يفعلون سوى تمزيق هذه الدول، وزرع القواعد فيها، ونهب ثرواتها بتقوية الجيوش وتضخيم الميزانيات العسكرية، ولا يدرون إنهم مجرد مواد غبية في إستراتيجيات دولية تريدُ حصدَ الأخضر البترول وتركَ الأعشابَ الصفراء المسمومة من حروبٍ أهلية ودمار بعد ذلك لهم.

إن تضخم العسكر على كل الضفاف العربية الإسلامية – الغربية هو المشروعُ المشترك الأكثر حضوراً وسيطرة، ويقوم الأولادُ الأغبياء بدورِهم المرسوم وهم يتمزقون ويفخخون الأسواق ويقتلون العرب والمسلمين خاصة.

في كلِ قنبلةٍ يزرعُها هؤلاء في المدارس والمعاهد والمتاجر والمعابد هي قفزة في وزارات (الدفاع) وهي توسع في مقابر العرب وقضاء على مشروعات تحررهم وتقدمهم!

هل تدري كم مومس ظهرت بعد إرهاب الجماعات المسلحة في إفغانستان؟

وكم عائلةٍ باعتْ أغراضَها وبناتها؟ وكيف حول هذا (الجهاد) إفغانستان لأرضٍ مدمرة وأي تحرير سوف ينتجُ – لو حدث – من كل هذا الدمار الاجتماعي وبيع البشر لأنفسهم وأعراضهم؟

نعم إن النضال السلمي  هو بلا حدود، وفيه أن لا نستكين لقوى خارجية وقوى داخلية إستغلالية، وكلما تجذرنا فيه إنفتحتْ سبلٌ جديدة، وتنامت قدراتُنا، وكانت مقاومتُنا أكثر صلابة وأوسع علماً.

والسلام لا يعني الأستسلام بل يعني تراكم قوانا وعدم حرق البشر والأرض في سبيلِ أهدافٍ سياسيةٍ يمكن بلوغها بتضحيات أقل.

العمال بين الرأسماليتين

      تشير الملامح العامة للاقتصاد الوطني إلى تمتع الرأسمالية الحكومية بأقوى الشركات ذات الدخول العالية،  رغم أن بعضها يواجه مشكلات إقتصادية كبيرة بسبب الأداء البيروقراطي الطويل، وبطبيعة الحال لا بد أن تكون أجور الموظفين والعمال في القطاع العام، وهم القاعدة العريضة التحتية للبروليتاريا أفضل من القاعدة التحتية الأوسع لعمال القطاع الخاص، والفارق بين الأغلبيتين في وجود الأجر العام المتوسط في الفئة الأولى بين 200 – 300 في حين ينزل لدى القطاع الخاص بين 50 – 150.

إن ثمة مشكلات محورية في البناء كصغرِ السوق وما يترتبُ عليه من ضعف قوى الشغيلة العددية والنوعية وضعف مستواها المعيشي، وتدني إنتاج النفط في البلد، والمشكلات  البنيوية في الإدارة كوجود موارد كبيرة دون قدرة على الضبط والتدقيق والتوزيع الوطني، وخروج فوائض كبيرة من الرأسمالين العام والخاص للخارج، وعدم قيامهما بإعادة تشكيل بنية الاقتصاد الخدماتية القائمة على تصدير المادة الخام، فيما يكون مجيء الرساميل الأجنبية للاستحواذ على أرباح أخرى، وبعدم المساهمة المؤثرة في السوق المحلية.

إن ضعف الأجور لدى القاعدة العريضة التحتية من الشغيلة البحرينيين والأجانب يلعب دوراً في جمود السوق وعدم تطور قوى العمل، وتسببُ ذلك عملياتُ إنتزاعِ الربح الأقصى في مثل هذه السوق الضيقة بكل شيء.

الرأسمال العام لا يُحكم بوسائل الرقابة الدقيقة، وفئاته العليا تمتص الزيادة فيه وتوجه أجزاء كبيرة منها نحو جوانب إستهلاكية حكومية عامة، فالدخول العامة كبيرة لكن الهيكل البيروقراطي يمتصها، لتضخمه غير الفعال، ولضخامة العمليات غير الاقتصادية البذخية والمظهرية وغير ذلك من مشكلات وكذلك التسربات غير المنظورة منه للقطاع الخاص.

إن إتساع القاعدة العمالية الضعيفة الأجور من أجانب ومواطنين والتي تمثل السبب المحوري لضعف الاقتصاد والحياة الاجتماعية،  لا ينفي وجود الفئات المتوسطة ذات الرواتب الأعلى، والتي تلتقي مع الفئات المتوسطة الحرة في القطاعات الخاصة.

إن هزالة الأجور تُقابل بارتفاع وسائل المعيشة وبارتفاع الأسعار المستمر، وبالمنافسة بين الشغيلة البحرينيين والأجانب، وبضيق السوق المحلية، وبالسياحة التي ترفع الأسعار على المواطنين والعاملين الأجانب.

إن الرأسمالية الخاصة لا يمكن أن تعطي أجوراً مرتفعة للشغيلة اليدويين، بسبب الموارد المحدودة والمنافسة الشديدة في هذه السوق الضيقة، وبسبب الرغبة في الحصول على أرباح أكبر دائماً، ولهذا فإن حياة الشغيلة كلها تعاني الفقر والحاجة وعدم الوصول للخدمات الجيدة من تعليم وصحة وغذاء ومواصلات.

 ويلجأ الرأسمالُ الخاص بشكلٍ كبيرٍ إلى جلب مثل هذه العمالة الرثة للحصول على الفروق الاقتصادية بين البلدان، وهو أمرٌ يؤدي للتلاعب بالحدود الدنيا للأجور وتخفيضها بشكلٍ مستمر، ويتواصل ذلك عبر رفع أسعار السلع، خاصة في المواد الأولية كالأرز والطحين والسكر والدهن وغيرها، فيحدث تآكلٌ مستمرٌ للأجور. ويتم التغلب على كفاحية العمال بجلب عمال جدد دائماً وإحدث المنافسة الشرسة بين العمال المحليين والأجانب.

وفيما يحافظ الرأسمالُ العام على أجوره المحددة لكنه يلجأ لوسائل أخرى لتخفيض الأجور، عبر الإستعانة بشركات المقاولات التي تجلب عمالاً متدنيي الأجور.

ليست مصادفةً أن يكون أغلب العمال من الأرياف سواء المحلية أو الآسيوية، لأن ذلك يتم بآلية الأجور المنخفضة، كما يعطي ذلك وعياً نقابياً طبقياً محدوداً وأشكالاً من الوعي الديني التجسيمي التنفيسي غالباً، وتسهلُ عبرهِ العملياتُ الاقتصادية الرأسمالية المتخلفة، رغم طرح الهدف لإنشاء مدينة تحتذي الغرب المتطور!

وتُقدم الخدمات الإسكانية من قبل الرأسماليتين الحكومية والخاصة بشكلِ الإستغلال الكبير، فالعمالُ المحليون يشترون بصعوبةٍ كبيرة منازل ذات قيم بأربعةِ أضعافِ قيمتها الحقيقية إن لم يكن أكثر، ويُستنزفون طوال حياتهم من جراء ذلك، فيما يحصل العمال الأجانب على مساكن قديمة رثة، أو شقق ويسكنون فيها بأشكال جماعية متعددة.

تكوينات الطبقة العاملة في البحرين

       إن الطبقةَ العاملةَ البحرينية التي تكونتْ بعد الأربعينيات من القرن العشرين، تشكلتْ في الصناعات الاستخراجية، أي ما ارتبط بصناعة الاستخراج والتكرير النفطية، وذلك شكلَ جسما اقتصاديا محدودا، يظلُ دائما هامشيا على قوانين البنية الاقتصادية، أما بقية القطاعات فهي لم تكن صناعية أو قريبة من الصناعة، فهي أعمالٌ تجارية أو خدماتية ذاتُ تمركزٍ قليلٍ قياساً لدول أخرى، ومن هنا لعبت البؤرُ الاقتصاديةُ الاستخراجية والتحويلية الصناعية والخدماتية الكبيرة المهمة دورا إقتصاديا مركزيا وغدت مراكز مهمة في نضالِ العمال من أجلِ تغيير ظروف العمل وتحسين الأجور بأشكالٍ متعددةٍ تعكسُ تباين القوى الاجتماعية في كل مرحلة.

ولم ينمُ الهيكلُ الاقتصادي الصناعي بدرجةٍ أساسيةٍ بل أدتْ فوائضُ النفط إلى تصاعدِ الأقسام والمستويات الاقتصادية الخدماتية المختلفة كالبنوك والمؤسسات التجارية والشركات المخلتفة.

كان هذا يشكلُ قفزةً على طبيعة الاقتصاد الإنتاجي البسيط، فتصاعدتْ الفوائضُ المالية إلى هياكل اقتصاديةٍ غيرِ مخططٍ لها، وشكلتْ سوقاً غيرَ مبرمجة ولا متسقة، فتنامتْ العملياتُ الاقتصادية في كل اتجاه، حسب قوانين العرض والطلب ومن لديه أغلب الفوائض النفطية، في الداخل والخارج.

ظلت الصناعاتُ الاستخراجيةُ المحوريةُ المحدودة تمثلُ الهيكلَ الاقتصادي الأساسي، ونتجتْ عنها صناعاتٌ متوسطةٌ وصغيرة، وظهرتْ نسخٌ جديدةٌ في العقود التالية في مواد خامٍ ومُصنعة أخرى شكلت صناعاتٍ جديدةً لا تختلفُ عن هيكليةِ الصناعات السابقة، وإن تغيرتْ مواقعُها وتبدلَ عمالُها المواطنون إلى أجانب.

هي الاستراتيجيةُ الاقتصاديةُ نفسُها التي وُضعتْ في بدايةِ الستينيات، من دون قراءةٍ جديدةٍ لطبيعة التطور الصناعي العالمي الثوري، ولكن من أجلِ ضخِ الفوائضِ في الأجهزةِ الحكوميةِ وما يصلُ إلى السوق من دخلٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ منها، من دون العناية بقضايا التلوث ومشكلات الاختناق المروري وانحصار الخريطة الجغرافية الوطنية في مثلث واحد ضيق.

هذه السياسةُ الاقتصاديةُ غيرت خريطةَ الطبقة العاملة البحرينية، وكما أن الاقتصادَ لم يعد وطنيا، فكذلك الطبقة العاملة في البحرين لم تعدْ وطنية، بل صارت وطنية – مناطقية – عالمية.

وفي حين كان الجسمُ البحريني هو الأغلبيةُ في السابق، صار الأقلية، وهذا التكوينُ الموضوعي لا علاقةَ له بالمشاعرِ الوطنية والقومية، بل هو جزءٌ من إشكالياتِ البنيةِ الاجتماعية، أي من كونِها تقومُ على صناعةٍ استخراجيةٍ لمادةٍ ذاتِ سعرٍ مرتفع غير موجهة وطنيا، وتندفعُ الفوائضُ بلا خطةٍ مُبرمجةٍ وطنية وتبدلُ البنيةَ الوطنيةَ القديمةَ المرتبطةَ باقتصادٍ سابقٍ مرتبطٍ بسعرِ نفطٍ منخفض.

إن عمليةَ الانتقال شكلتْ صدمةً اجتماعيةً وتحولاتٍ لم تتمْ السيطرة عليها في بنيةٍ اجتماعيةٍ صغيرة، وإذا كانت لها نتائجٌ مختلفةٌ ومتحدة في المستويات كافة، وفي الظاهراتِ الوطنية عامة، فإننا نركزُ الآن في انعكاساتِها على الطبقة العاملة التي لم تعدْ بحرينيةً خالصةً، لنحاول قراءة هذه التأثيرات داخلها من خلال بُناها ومستوياتِها المرصودةِ رصدا كميا فقيرا.

إن التناقضَ الأولي في هذا الجسم الاجتماعي هو بين ما هو وطني وما هو أجنبي، وهو أمرٌ يؤدي إلى تفككِ أجزاء الطبقة، بسببِ غيابِ أسلوبِ الإنتاج الحديث المتماسك:

“قدرتْ ورقةُ عملٍ صادرة عن منظمة العمل الدولية ارتفاعَ نسبةِ العمال الأجانب مقارنة بالسكان في البحرين عام 2010 بـ (1،39%)، مشيرة إلى أنهم يمثلون ما نسبته (58،58%) من إجمالي القوى العاملة.

وأوضحتْ ورقةُ “هجرة اليد العمالة الدولية والعمالة في الوطن العربي” المقرر عَرضُها في جلسات المنتدى العربي للتشغيل الذي تنظمه منظمتا العمل الدولية والعربية، أن العمال الآسيويين يستحوذون على النسبة الأعلى مقارنة ببقية الجنسيات، فقد بلغ عددهم (542) ألف عامل، مقارنة بـ (38) ألف عربي، و(12) ألف أوروبي وأمريكي.

وتطرقت الورقة التي تناقش أوضاع العمالة الأجنبية في المنطقة العربية إلى أن النساء الأجنبيات يشكلن غالبية العاملين في المنازل في البحرين، حيث بلغ مجموع تلك العمالة في عام 2007 ما يقارب (64) ألفا، منهم (7،64%) من النساء”، جريدة الوقت البحرينية،20/10/.2009

علينا أن نستعيرَ الأرقامَ من المنظمات العربية من أجل رؤية بعض الصورة المحلية، وهي صورةٌ توضحُ التناقضَ بين قوتي العمل الرئيسيتين: المحلية والأجنبية، وهي أرقامٌ تقفُ فقط عند أرقام الهجرة والجوازات، ولا تستطيع أن تضيف إحصائيات أعمق في بُنى قوى العمل الغائرة.

وإذا كان التناقضُ قد تجسدَ بين الرجالِ المحليين والأجانب، على مستوى كميةِ بيعِ قوى العمل خارج البيوت، فإنه كذلك يتجسدُ بين النساء داخل البيوت وفي المشاغل الصغيرة، وهو يوضح كذلك ضخامة الأيدي العاملة النسائية المستخدمة في المنازل، أي في أشكالِ عملٍ بذخية وهامشية.

إن الجسم الوطني من الطبقة العاملة هو الذي يلعب الدورين السياسي والنقابي، وسنجدُ تغيراتٍ كبيرةً في هذين الدورين خلال المرحلتين السابقتي الذكر: مرحلة الوطنية ومرحلة المناطقية العالمية.

لقد انقلبَ الواقعُ في الحياة الاقتصادية عنه في الحياتين السياسية والنقابية، فقد ساد العمالُ الأجانبُ في بُنية العمال وتحجم العمالُ الوطنيون.

كان العمال المسيسون الوطنيون والنقابيون البحرينيون في الشركات الكبرى قد مارسوا دورهم من خلال ذلك بالتناسق مع الحركة السياسية الوطنية الاجتماعية من خلال مطالبها المختلفة.

وهذا الواقع تعرضَ للتغيير مع تبدل البنية الاقتصادية، وفيضان العمال الأجانب.

يُلاحظ من خلال الإحصائيات تدفق العمال الأجانب نحو الخدمات الإنشائية، والأعمال الهامشية، وأعمال الملكيات الصغيرة الاسمية قانوناً، وقلة منها تتجه نحو الأعمال الإدارية الكبيرة، وهذه الفئة تنضم إلى القوى المالكة للمؤسسات الاقتصادية أكثر من ارتباطها بالعمال.

يوجهُ هذا التكوينُ العددي الكبير الواسعُ سهمَهُ الحاد في مجتمعٍ صغيرٍ على العمال اليدويين وذوي التعليم المحدود وغير ذوي الإمكانيات التقنية والعلمية، سواءً كانوا في المدينة أو القرية، لكن ما يجعل أكثرَ ضرباتهِ تتجهُ للعمالِ في الريف هو تماثلُ الشروط العملية بين العمال الأجانب والعمال الوطنيين الفقراء في القرى، واختلافها في الشروط الاجتماعية، فالمشرعُ يجلبُ عمالاً ريفيين ذوي أجور زهيدة جدا ويلقي بهم في سوقٍ ضيقةٍ مكتظةٍ وبشكل كثيف.

فوجدَ عمالُ القرى والأحياءِ الشعبية المدنية أنفسَهم يواجهون منافسين أشداءَ كثيرين، وبشروطٍ معيشيةٍ غير متساوية، فتغدو قوانين حساب قوة العمل الوطنية بشروط تجديد إنتاجها هنا غير شروط تجديد العمال الأجانب عيشاً وكلفة وفروق أسعار للعملات، بسبب تباين قيم المساكن وإعادة إنتاج العائلة معيشيا وتعليميا وغير هذا من متطلبات الحياة المختلفة بين البحرين والبلدان التي جاءَ منها العمالُ الأجانب، فمجيئهم من الأرياف والمناطق المهمشة في بلدانهم يجعل كلفتهم متدنية جدا، وردود أفعالهم على سوء المعيشة وفقد الحقوق ضعيفاً.

كما ان إسكان أغلبهم في المناطق الرثة، وحملهم الأمراض الجسمية، وغياب أي حس وطني أو حضاري في المناطق الجديدة التي سكنوا فيها وأغلبها في مدن البحرين العريقة في الحارات القديمة، يدمرُهم إنسانيا، ويجعل تجميع النقود لديهم بأي صورة عملية ملغية لطبيعتهم العمالية الكفاحية المفترضة، إضافة إلى سوء الطعام المقدم والمبيع إليهم من المطاعم الرخيصة السيئة المواد والطبخ، ورداءة المساكن التي يعيشون فيها بأشكال جماعية تعاونية، وغياب زوجات الأغلبية منهم، ان كل هذه الظروف أهلت الأغلبية الأجنبية من العمال لتلعب دورا سلبيا في تطور الحركة العمالية البحرينية، خاصة مع مجيء قيادات نقابية عمالية بحرينية ذات رؤى معينة.

ولقد ظهرت الحركةُ العماليةُ النقابية خلال العقد الأخير كنتاج ردود فعل لهذا الواقع الاقتصادي العمالي المتناقض، فثمة تدهور لمراكز تجمع العمال المواطنين، وغياب أي دور نضالي عمالي عام، وثمة كثرة للجزر العمالية المفصولة عن بعضها بعضا، وكثرة للعمال الموجودين خارج النقابات، إضافة إلى وجود الأغلبية العمالية الأجنبية جسماً موجوداً في البحرين ومؤثراً في اقتصادها وظروف معيشتها ولكنه خارج النقابات فعليا.

وليست مصادفة هذا التقابل بين قيادات نقابية دينية وجسم عمالي أجنبي معزول. لقد جاءت القيادات النقابية البحرينية ذات التفكير المذهبي كردِ فعلٍ على اقتحام العمال الأجانب الحياة البحرينية، مثلما دخل جمهور العمال الريفيين خاصة في تأييد كبير للحراك السياسي الديني.

ولهذا فقد واجهت الوجود العمالي الأجنبي الكثيف بشكل سلبي، فلعله يختفي بالتجاهل، وبالتالي فقد أضعفت من أوراق الطبقة العاملة في البحرين ككل، من حيث غياب درس هذا الوجود العمالي الأجنبي ورؤية مشكلاته وأوضاع بشره السيئة المنعكسة على البلد صحة وسكناً ومعيشةً ومصيراً عماليا.

إن الوعي الديني المحافظ انعكس في مشاعر كراهية الأجانب، وعدم إدخالهم في التكوينات النضالية المحلية، وبالتالي ضيع هذا أوراقاً مهمةً في النضال العمالي وفي التفاوضات وفي الصراع ضد الاستسهال في جلب العمال الأجانب ونشرهم في أي مكان وفي غياب حقوقهم وبجعلهم مادةً مؤثرةً ضد العمال البحرينيين.

      عبرتْ الأشكالُ النقابية البحرينية عن انقسامٍ عميق في الشعب والقوى المنتجة عامة، فالانقسامُ السياسي الطائفي عكس نفسه على التكوينين النقابيين، ولمحدودية حضور البحرينيين في الانتاج المادي (26%) من العمل العام للسكان المواطنين والأجانب، وجسَّد كذلك صغر حجم الانتاج الرأسمالي الكبير الخاص والعام وضخامة الانتاج الصغير وهي نفس السمة التي تمثلُ أسلوب الإنتاج العربي ذا المواد الخام الرئيسية المُحاطة بشبكةٍ من المؤسسات التجارية والمالية والسياسية الاستنزافية له، وأعطى هذا الجسمُ الاقتصادي تكويناتٍ نقابيةً محدودةً ضعيفة العضوية وشبابية بالدرجة الأولى وبحرينية لا تضم العدد الكبير من العمال الأجانب والأجيال القديمة من العمال البحرينيين أنفسهم.

ضعفُ هذه التكوينات النقابية لا يعود فقط إلى انقسامها بل أيضاً لطبيعة الجسم الاقتصادي الاجتماعي، من حيث قلة عدد الشركات والمصانع الكبرى، وكونها كما قلنا لانتاجِ وتحويل المواد الخام: النفط، والألمنيوم، والحديد المستورد، وإعادة تصديرها، مما يجعل جسم الطبقة العاملة لا يعتمد على التكوينات البشرية الكبيرة، وهذا التكوين الاقتصادي للبلد لا يقوي البناءَ الصناعي العلمي للسكان، فالشركاتُ الصغيرة الكثيرة العمال المتناثرين، تعتمدُ كذلك على غالبيةٍ عمالية أجنبية، ووراءهم أيضاً ما يُسمى بحثالة البروليتاريا، أي عمال كثيرون هامشيون، هاربون، أو باعة جوالون، أو عارضون لقوة عملهم في الشوارع!

طبيعةُ أسلوبِ إنتاجِ المواد الخام، لا يجعلُ الصناعةَ تضم القوى الرئيسية للسكان رجالاً ونساءً، وهذا الأسلوبُ الصناعي القديم يضعفُ الصناعةَ والتطور الاقتصادي عامة، وينعكسُ في الطبقة العاملة، المنتوج البشري لهذا الأسلوب، الذي يهدرُ الكثيرَ من الفوائض، ولا يقومُ بإعادتِها للبناء الاقتصادي لأجل تغييره وتحديثه بالصناعات الجماهيرية أو بالصناعات المتطورة التي تبدل نمط السكان الاقتصادي.

لهذا يغدو الهدرُ الاقتصادي وتوجه الفوائض المالية خارجَ الانتاج كما أن القسم الأكبر من الفوائض يعيدُ إنتاجَ نفسِ البنيةِ الاقتصادية المتخلفة ولشروطِ تجديدها في الإدارة والتعليم والصحة الخ.

ينعكس ذلك في تكويناتِ الطبقة العاملة، من حيث ضخامةِ القوى العاملة الأجنبية(مائتا ألف عامل وعاملة)، يعمل أغلبهم في مصانع المواد الخام أو في المهن الثانوية الكثيرة، وتذهب أغلبيةُ الأجور للخارج.

وتغدو التكويناتُ السياسيةُ والمالية والاقتصادية تعيدُ إنتاجَ هذا النمط وتوسعه بأشكالٍ غيرِ مخططةٍ وتلقائية حسب قوانين السوق العفوية.

هذا الأسلوبُ الانتاجي (القَدري) المعتمدُ على هباتِ الطبيعة المباشرة، وهو الشكلُ الأولي من الانتاج الرأسمالي العالمي، والذي يغدو تابعاً للأشكالِ الرأسمالية المتطورة في الغرب والشرق، يعتمدُ على هذه المواد الخام الثمينة ومراكز إنتاج الطاقة لكي يحصل على فوائض يبددُهَا في الاستهلاك، فيخلقُ عمالاً ذوي رؤى دينية، يعيشون هم كذلك على هبةِ الطبيعةِ المباشرة بدون تطوراتٍ علمية مهنية وفكرية وسياسية كبيرة في مهاراتهم العملية وفي أنشطتِهم السياسية والنقابية، ولهذا فإن العمال اليدويين أغلبية كاسحة.

ومن هنا هم ينقسمون نقابياً بحسب المذاهب الاسلامية المحافظة التي سيطرتْ على إنتاجها قوى الإقطاع القديمة، وينقسمون بحسب أديانهم في مجموعات العمال الأجانب القومية والدينية غير المنظمة نقابياً والمتجمعة بأشكالٍ جماهيرية خاصة.

كما أنهم ضعفاء لصغر أحجامِهم في المؤسسات الاقتصادية، الميكروسكوبية، مع قلة العمال المنظمين للنقابات، وغياب القاعدة الرئيسية من العمال، كذلك فإنهم يضعفون أنفسَهم بتبني الآراء الطائفية المحافظة المغرقة في الرجعية الفكرية، والانتهازية السياسية، ولهذا فإن توسع مثل هذه الجماعات النقابية يمثلُ مشكلةً وخطراً نظراً إلى نشر الانقسام والصراعات الطائفية وتغلغلها في الشركات وبين العمال والناس!

وكانت الطبقة العاملة سابقاً تلعبُ دوراً طليعياً في توجه المجتمع والشعب نحو الوحدة والتحرر والديمقراطية بسبب طبيعة الطلائع في ذلك الوقت، لكن الطائفيات السياسية لم تواجه الواقع بموضوعية، وتوجهت للصراع السياسي الفوضوي فأضعفتْ النقابات وشلتْ الوعي العقلاني والدارسَ لبُنية الطبقة العاملة وكيفية تطويرها، ولسبب قيادة الإقطاع الطائفي الذي وجهها للصراعات السياسية المغامرة فكانت النخبوية الصغيرة والانقسامات وعجز العمال عن رفع أجورهم حتى بدولار واحد!

العمالُ والأفكار

     لعبت الطبقةُ العاملةُ دوراً مؤثراً في تشكيل الأفكار الوطنية التحولية، عبر محافظتها على نواتها التقدمية العلمانية، رغم أن هذه النواة من الأفكار لم تتبلور تبلوراً عميقاً في ذلك الحين من زمانِ النشأة.

كانت بدايةُ الأفكار وهي تبحثُ عن بوصلةِ التوجه للشعب ووحدته وتقدمه، في مسارِ الأمةِ العربية والإنسانية، وكانت كفاحيةُ العمال هي ضمانةٌ مهمةٌ لوحدةِ الشعب والعمل لتحرره.

هذه النواةُ تعرضتْ للتآكل بعد تحول البنية الاجتماعية المقاربة لسمات من الرأسمالية الحرة، نحو رأسمالية حكومية، ولإنهمار العمالة الأجنبية، وعدمِ توازنِ تطور البنية الاجتماعية، ووقوع خلل في مستوياتها وغياب الديمقراطية فيها.

عدمُ صمودِ النواةِ التقدمية العلمانية تجلى في الموقف من الأفكارِ الدينيةِ السياسية ذاتِ الشكلِ الطائفي المعين. لقد أُخذت هذه الأفكارُ بدون أداوتِ تحليلِ تلك النواة، فلم يُر الطابعُ الطبقي لهذه الأفكار الطائفية السياسية المستوردة، وهذا معيارٌ أساسيٌّ لما كان في ذلك الوعي، وغُيّبَ الطابعُ الطبقي لتلك الأفكار الطائفية باعتبارها آراء وممارسات رجال دين محافظين إيرانيين تشكلُّ وجهاً للإقطاع وعدم وجود أفكار ديمقراطية فيها.

لقد قُطعتْ جذورُهُا الطبقية، وعُلقتْ في الفضاءِ السياسي البحريني المعارض وتم تبنيها والسير وراءها، ونشرها بين الناس.

إن المضمونَ الطبقي الإقطاعي هو ضررٌ بالغٌ للشعبين الإيراني والبحريني، ولكافةِ الشعوب التي تُدخلُ هذه الأفكارُ في حقلِ ممارستِها السياسية، فهي آراءٌ لمجتمعٍ آخر ذي تطور سياسي خاصٍ به، مأزومٍ بشكلٍ تاريخي معقد.

وعبرَ فرضِ هيمنةٍ ذكورية حادة متخلفة، وشمولية سياسية طائفية على المجتمع القومي المتعدد الأعراق كما في إيران والعراق ولبنان، وثنائي الطائفة كما في البحرين، وفرضِ نصوصيةٍ دينية محافظة تقليدية غير عقلانية، فإن المساراتَ السياسية لهذه الأفكار تُحدثُ أضراراً فادحةً لكافةِ المجتمعات التي تَدخلُ فيها وتلعبُ دوراً في حياتها السياسية.

وفقدانُ النواةِ التقدمية العلمانية لهذه المعايير الأساسية في رؤيتها، كان يَضربُ أهمَّ حائطٍ فكري له تجربة وطنية يتصدى لدخول هذه الأفكار الدكتاتورية العنيفة للمجتمع، وبالتالي فإن خطرَها تغلغل بين كافة الجماعات.

إضافةً لتغييبِ الطابع الطبقي لتلك الأفكار تم إلغاء قراءة تطورها الاجتماعي الخاص، أي سيرورتها التاريخية، وكيف نبتتْ في مجتمعٍ وتحت أية حاضنةٍ وكيف سارتْ وتفاعلتْ مع قوى أخرى داخلية وخارجية، أي داخل إيران وخارجها، فإلغاءُ السيرورةِ التاريخية لدرسِ هذه الأفكار وقطعُ علاقاتِها يؤدي لعدمِ معرفةِ الحاضنة الاجتماعيةِ المماثلة لها في بلدان أخرى، كما حدث في الريف البحريني لما جرى قبل أعوام في الريف الإيراني، أو غيرها من الأرياف العربية التي لها أشكالٌ إجتماعيةٌ وإيديولوجية مشتركة إحتضنت تلك الأفكار دون درايةٍ، ونظراً للمنابت المشتركة وعدم التصدي الوطني الإصلاحي والعمل التقدمي المتنوعين الحازمين ضدها.

وهنا في الريف البحرين كانت ثمة جمهورٌ عمالي كان يمكن أن يشكلَ حائطاً آخر يصدُّ تغلغل الأفكار الطائفية اليمينية الخطرة، لكن النواةَ التقدميةَ العلمانية كانت قد تفككتْ وضعفتْ في تنامي الأحداث، فضُربتْ خصائصُ الوعي الطبقي المستنير المستقل المناضل لدى عمالنا وجمهورنا بشكل عام.

ولهذا فإن مصالحَ الطبقة العاملة البحرينية تعرضتْ للأخطارِ الجسيمة سواءً بالدفاع عن سلامتِها البشرية أو بالدفاع عن مصالحِها الاجتماعية.

فغيابُ الرؤية الطبقية لجذورِ الأفكار الطائفيةِ في المصدر الإقطاعي الإيراني يحولُها لأدواتٍ لصعود القوى الدينية ذات الرؤى التقليدية المعادية للتقدم والديمقراطية، ولتفكيك المجتمع البحرين وتعريضهِ للانقسامِ وللصراعاتِ المذهبية ويقدمهُ لقمةً للتدخل الأجنبي.

والمستقبلُ السياسي يحتاجُ لتقويةِ تلك النواة التقدمية العلمانية في ظروف أخرى، حيث نمت ظروف التنوع الوطني الديمقراطي، وظهرت قوى عديدة تقارب الحداثة والديمقراطية والوطنية، وصار بالإمكان تشكيل لحمة إجتماعية مشتركة من الدفاع عن مصالحِ الأغلبيةِ الشعبية التي تؤدي معاناتها وعدم تبلور وحدتها وكفاحيتها الحديثة لاختراقِها من قبل قوى التدخلِ والفوضويةِ السياسية، وجرها لمعارك جانبيةٍ بدلاً من خلق وحدة العمل الديمقراطي الإصلاحي المتنوع التوجهات لحل القضايا السياسية والاقتصادية للناس.

إن التعاون الاقتصادي بين الطبقات الوطنية للوقوف سداً واحداً ضد قوى التدخل والشمولية هو المعيار الأساسي لهذه المرحلة، عبر تصعيد دور المؤسسات المنتخبة وعملها لتقدم ورفاهية الشعب بأسره.

الوعي البحريني وإشكاليات التقدم

     ترنح الوعي البحريني بكافة أشكال وعيه منذ نهاية السبعينيات بسبب تضخم رأسمالية الدولة بشكل كلي وغياب مشروعات التقدم الخاص، وإعتماد اليسار على خطابات إنقلابية، وضمور الليبرالية.

كانت معرفة إشكالية رأسمالية الدولة الحكومية المتضخمة، ممكنة وأساسية، لأنها تغدو المشكلة المحورية لتطور الاقتصاد لقوى سياسية عديدة لكن من خلال وسائل ديمقراطية متفق عليها من الأغلبية ضمن التطور السياسي.

كان دعم تطور الرأسمالية الخاصة وصنوها الفكري السياسي(الليبرالية) محدوداً جداً إن لم يكن معدوماً، بسبب غياب الرصد الدقيق لهذه الليبرالية، ومطالبة اليسار بظهور ليبرالية وطنية صارخة سياسياً، وكان هذا أمر غير ممكن، مع تجربة الخمسينيات الحادة، وكذلك مع تضخم الرأسمالية الحكومية، ولكننا سنجدُ أن الليبراليةَ ليستْ بهذا التقزم المطروح من قبل قوى اليسار المتطرفة، فلو أقمنا بمقرابة أولية موضوعية لجريدة (الأضواء) البحرينية فسنجدُ أن هذه الجريدة الرائدة أفسحت المجالَ للكثير من الأدبيات الفكرية والسياسية الوطنية الليبرالية، وكانت المسرح الكتابي الذي بزغت فيه أزهارُ المرحلة النقدية، ثم تنامت في شتى حقول المعرفة.

وهذا الطرح إستمر بأشكالٍ متعددةٍ في الصحافة وفي أشكال الوعي الكتابية المختلفة: الشعر، والمسرح، والقصة والرواية، والبحوث والمقالات وغيرها. ووجد له تجسيداته في الكتل الوسطية المدنية في البرلمان.

بطبيعةِ الحال كان الفكرُ المجردُ والوعي النظري بقدراتهِ على التحليلِ وكشف البُنية الاجتماعية محدوداً وضامراً بشكلٍ كبير، لكننا نستطيع أن نجدَ بعضَ البذور لذلك في تحليلات سياسية نادرة أو في دراساتٍ فكرية وثقافية عامة، لكن البُنية الاجتماعية لم تُدرس بشكلٍ عميق.

ولهذا كان فكرُ التيارات السياسية فقيراً جداً، لم يقمْ بمثلِ هذه التحليلات المُعَّمقةِ، وكانت قراراتهُ السياسيةُ ترتكزُ على هذه التبسيطيةِ الفكرية السياسية، ويتكشفُ ذلك خاصة في الأحداث الجسام، وزمنية الافتراق بين تأييدِ البُنية الاجتماعيةِ الليبرالية والصبر عليها ونقدها وتطويرها، وبين وعي المغامرة للقفزِ إلى شكلٍ سياسي ونظامٍ شمولي مبهمين وخطرين كذلك.

ويتجلى ذلك في بؤرٍ تاريخيةٍ كعدمِ دقةِ تشخيصِ أحداث التسعينيات، أو في غموض المسألة الدستورية وتحميلها قوالب حادة فوضوية، غير ممكنة التنفيذ المفيد، وتأييد الديمقراطية بدون دعم القطاع الخاص وتجلياته الفكرية والسياسية.

غياب الدراسات المعمقة لدى اليسار جعل قواعده الفكرية هزيلة، قابلة للاختراقات من قبل الطرف الخطر سياسياً وهو الجماعات الدينية المحافظة، فقدراته على فهم الإسلام وتحليله غير ممكنة لديه، وهو جزءٌ من هذه البنية الاجتماعية. فلا يعرف الحد بين الإسلام كثورة وبين الأشكال المحافظة والرجعية التي تتلبسه.

إن عمله غير الملتحم بتطور ونقد الليبرالية يكشف عن شموليته، ورغبته التسريعية في التغيير، وعدم فهم الخريطة الاجتماعية السكانية بمشكلاتها، وكيفية طرح الحلول فيها، ومساعدة الجمهور عليها، وهذا أدى لإلتصاقه بالقوى الدينية المحافظة الحاملة للجمهور والسائرة به عكس التاريخ الديمقراطي، التي لم تتشكلْ خلال النضال البحريني، بل جاءتْ مستورَّدةً، شعارية، ولم تلتحم بشعب البحرين.

لكنها هي الأخرى معادية لليبرالية، أي انها تفوق كراهية اليسار لها، فهي تعبرُ عن أشكال الحرية الاجتماعية والسياسية والبشرية المُدانة من قبل القوى المحافظة.

هذه القوى البرجوازية الصغيرة والفئات الوسطى التحتية، لم تتكون بشكل رأسمالي كبير، ولم تعمل لتعميق تجربة القطاع الخاص، وتطويره، وخلق علاقة تعاونية ديمقراطية مع القطاع العام للوصول بالبلد إلى الديمقراطية الحديثة المنجزة.

فيظهر عداءٌ إيديولوجي للرأسمالية الوطنية من الطرفين: اليسار الجامد، واليمين الديني المحافظ، وليس ثمة قدرات على الدرس، ورؤية الخريطة الاقتصادية–الاجتماعية البحرينية المستقبلية، وبالتالي فإن إتخاذ المواقف السياسية يتم على أساس عفوي، وغالباً ما يتم ذلك خاصة في أوقات الأزمات بشكل مغامر لأنه لا يوجد عند الطرفين نضال حقيقي داخل البنية الوطنية الرأسمالية لتطويرها.

تغلب الشعارات السياسية المستوردة يعبر عن إفتقاد الدرس وغياب تراكمية البحوث، وتشكل عقلانية سياسية، وبث هذه الشعارات في عامة مغيبة الوعي، متحمسة.

الأغلبية عمالية

     البلد ليست ذات أغلبية سنية أو شيعية، البلد ذات أغلبية عمالية!

النقابات الكبيرة كألبا وبابكو وبلتكو وغيرها عرفت كيف تمضي نحو مصالح أعضائها لأنها ذات قوة في منشآتها الاقتصادية المستقلة، والعمال والموظفون الحكوميون فهموا بأن السادة النواب مشغولون بقضايا غير آنية، وبالإصلاح الاقتصادي لشركات الحكومة المتعثرة في كشف البيانات الدقيقة عن أحوالها، وعملية الكشف والتدقيق فيها وإعادة فوائضها لسكة الأمان والسلامة تحتاج لشهور إن لم تكن سنوات!

ولهذا سارع الموظفون بتثبيت نقاباتهم خارج الدوام الحكومي، وكتبوا عريضتهم لإصلاح رواتبهم المتجمدة لعقود والتي تبخر أغلبها بسبب صعود أسعار كل المواد الغذائية، التي غدا ارتفاعها عند كهنة الاقتصاد مسألة شديدة الغموض، وليس بسبب قطف الكبار في الجماعات التجارية والمالية الثمار البسيطة التي تحققت من زيادة الدخول لبعض الفئات، فغلوا المواد الغذائية والايجارات واندفعت المؤسسات المالية في عصر المديونين وتحويل تأخرهم في دفع الأقساط ورهانات بيوتهم إلى أرباح جديدة هائلة تــُعلن على الملأ كل يوم!

وتململت الفئاتُ العمالية وموظفو الحكومة التي تتشابه أوضاعهم مع العمال، بسبب اللقاء السعيد في عالم الأجور المتدنية، وبسبب ضخامة فاتورة أقساط الديون والإيجارات واشتعال كل ما حولهم من مواد شيطانية.

هذه الجماعات العمالية الكبيرة الممركزة في مؤسسات ووزارات تستطيع أن تتكاتف وتعمل من أجل مصالحها في حدود الدفاع عن الأجور الحقيقية المتآكلة، وفي معركة لا تتوقف لكي تكون للنقود قيمة حقيقية في السوق التي لا تعترف بسلطة سوى أسعارها المفروضة.

لكن عمال وموظفي القطاع الخاص المبعثرين وهم الأغلبية الكاسحة في البلد عاجزة عن الوصول لشيء من ذلك وهم مثل الأطرش في زفة الفلوس!

ومن الواضح إن القضية لها بعدها الاجتماعي الكبير، فقد أدرك جمهورُ العمال بأن أحداً لن يهتم بمصالحه، وأن الكتلَ السياسية خاصة الفائزة في الانتخابات، مشغولة أما بدفع الأقساط المتراكمة عليها من فترة المقاطعة، أو بتعلم اللغة العربية للنطق في البرلمان، أما الكتل الفائزة القديمة فهي مشغولة كذلك بتضخيم ثروة جيوبها، و(النضال) في حدود الممكن، مثل تقديم منحة للمتقاعدين أو توجيه بركاتها للعجزة والدعاء لهم.

أما الكتلة الأسوأ فهي المشغولة بفتح المعارك الجانبية مع أخوانهم في المجلس أو مع الصحافة أو مع الفنادق والسياحة، والمهم لديها إشغال الناس بالضجيج لأبعادها عن الإصلاح ما أمكنتها حناجرها في ذلك!

العمال تعلموا اللعبة السياسية بسرعة، وبدلاً من الأنتظار سنوات طويلة شحيحة، راحوا يتقدمون بأشكال حضارية للاحتجاج على نسيانهم من قبل مجالس الإدارات التي تعيش حالات من غليان الفرح والابتهاج لضخامة الأرباح التي تتدفق عليها من كل حدبٍ وصوب، وهي في غمرة هذه الاحتفالات تدفع بالهبل، وحين رفع العمال وهم واقفون في الشمس لافتات تدعو هذه الإدارات للانتباه إليهم، وزيادة بضع دنانير، صرخ بعضهم وغلت الدماءُ في عروقه!

لكن النضال العمالي الحضاري مستمر، والزيادات تتحقق، بدون كسر مصباح واحد، وإرسال صواريخ للسماء!

تنتشر الجماعات المعبرة عن اليمين بمختلف تجلياتها ولكن كلها تجمع في برامجها على الاهتمام بالفقراء والعمال ولكن بشكل ضمني.

استطاعت قوى اليمين على مدى العقود الثلاثة الأخيرة أن تمد نفوذها للطبقة العاملة والفقراء، عبر عباءة الفكر المذهبي السياسي.

ومع ذلك فرغم تواجدها الكثيف في البرلمان والنقابات فإنها لم تقدم للعمال زيادة في الأجور، بعد عدة سنوات من التجربة البرلمانية وبعد عدة سنوات كذلك من تشكيل النقابات.

ما هو سبب عجزها عن الاهتمام بظروف العمال وخاصة في القطاع الخاص؟

نجد إن التيارات المذهبية السياسية هي ذات توجه يميني غير عصري، أي مع الرأسمالية دون أن تعرف إنها مع الرأسمالية فهي ذات قصور في فهمها حتى لوجودها السياسي.

لكنها تخاف من نمو حركة القوى الشعبية مستقلة عن سيطرتها السياسية المذهبية، خاصة حركة العمال المتوجهين للنضال من أجل تغيير أجورهم وظروف عملهم المتدنية، مع وجود حشد هائل منافس من القوى العمالة الأجنبية الذي يقبل بأي شروط عمل وبأي أجور، على الأقل في هذا الوقت، ولا ندري ماذا سيفعل غداً، لأنه حين يتقوى سوف يطالب بتغيير ظروفه هو الآخر، مع دعم المجتمع الدولي، الذي صار يرفض التفرقة في الأجور بين العمال مهما كانت هوياتهم القومية، وهو مع الشعار الدولي: أجور متساوية لأعمال متماثلة.

ومع الصعود لقوى اليمين المذهبية السياسية وانتعاش الحركة العمالية المطلبية في الظروف الراهنة، فهذا يعني اختلافاً إن لم يكن صداماً بين ممثلي الشعب في البرلمان وممثلي الشعب في المصانع والشركات!

 وإذا كانت قوى اليمين المذهبي السياسي قد تخلت عن ممثلي اليسار والعمال في أثناء الحملة الانتخابية، وصعدت أعضاءها وممثليها بشكل كلي، فهذا وقت العمال البحرينيين بأن يفكروا في مصالحهم، وأن يدعموا ممثليهم السياسيين، المعبرين عن مصالحهم، والذين يعرفون ظروف العمال في المصانع والشركات وأحجام الاستغلال التي يتعرضون لها، ويستطيعون تقديم مشروعات قوانين تطور أوضاعهم.

لقد قامت كتلة الوطنيين الديمقراطيين في الدورة البرلمانية السابقة بصراع كبير من أجل حقوق العمال في هيئة التأمينات الاجتماعية، وواجهت عملية سرقة الأراضي بشكل قانوني وعرائضي ووقفت بقوة ضد القوانين المعرقلة للحريات.

والآن تواصل قائمة الوحدة الوطنية هذا النضال في مرحلة برلمانية جديدة، متوجهة لقضايا أكثر خطورة، وأهمها فيما يتعلق بالعمال هي زيادة حجم العمال الوطنيين، ومواجهة البطالة ودعم مشروع الحكومة ضد البطالة وتعميقه، وتحرير التأمينات الاجتماعية من النفوذ البيروقراطي وأعادتها للجسم العمالي، وتوسيع العمالة البحرينية في القطاع الخاص، ودعم عمالة المرأة وتطوير أجورها وظروفها، وتوسيع وجودها في القطاع الخاص الخ..

إذن تنتظر العمال مهمات كبيرة، والحديث عن فصل العمل النقابي عن العمل السياسي لا يجوز خاصة فيما يتعلق بالانتخابات التي سوف تنعكس نتائجها بقوة على حياة العمال، سلباً أم إيجاباً، فكلما قل حضور اليسار والديمقراطيين كلما ساءت ظروف العمال، والعكس صحيح.

إن شلل حركة الطبقة العاملة النقابية سياسياً وعجزها عن دعم ممثلي اليسار والقوى الديمقراطية هو من الإشكاليات التي تسببت بها المرحلة السابقة من التطور السياسي، حيث اتضحت الهوية اليمينية للقوى المذهبية السياسية، وتجميدها لحضور العمال السياسي وعرقلة دعهم للقوى الوطنية الحديثة.

بهذا الشكل أو ذاك، عبر تلك الجمعية أو هذه، أرتفع ممثلو الفئات الوسطى إلى سدة البرلمان، وعاد العمال إلى بيوتهم وغرفهم ومصانعهم يحلمون بالتغيير!

كانت الخطابات السياسية والبرامجية للمثلي الجمعيات، تطرح مبادئ عامة، وتعد بتحول مستوى المعيشة لكل المواطنين، لكن دون خططٍ محددة ملزمة بشيء، فهو كلام عام يلقى من أجل الأصوات، ولم يكن للعمال وعي يحاصر ممثلي هذه الفئات الوسطى عن برامج وأرقام محددة لتغيير وضع العاملين، كما تفعل الأحزاب في الدول المتقدمة، والتي تضع برامج لزيادة الأجور والرواتب بمعدل محسوب برقم، وتشكل خططاً بناءً على هذه الأرقام التي يقدمها خبراء متخصصون.

وإذا لم تقم هذه الأحزاب بتنفيذ وعودها فهي تنسحب من الحكم، أو تجبرها إضرابات العمال على الرحيل!

والفارق كبير بين أحزاب ذات خبرة عريقة في العمل السياسي، ولديها لجان من الخبراء والباحثين، وبين جمعيات تتعلم أوليات العمل السياسي، وذات لغة إيديولوجية صاخبة، وهو أمر يقودها إلى التوهان بين ممثلي السلطة الأشد استعداداً وحنكة، والذي استعدوا لها بخطط وقيادات ومؤسسات تقلب أولياتها أو تجعلها تتصادم، محرضةً أكثر على الإيديولوجي والسياسي العام الصاخب، ثم تقوم هي بتنفيذ ما تريده في الحياة الاقتصادية.

كذلك فإن تغير حياة ممثلي الفئات الوسطى الذين ارتفعوا على جسم العمال سيلعب دوره في تخثر خطاب الصراع الحماسي، الذي لم يكن يستند على أسس علمية، وتحدث عمليات انفصال شيئاً فشيئاً بين النواب والبلديين (الأفندية) والجمهور العامل، الذي سيجد أن طريقه هو للنقابات هو الذي يمكن أن يعوضه عن خيبة الأمل في ممثليه السياسيين.

العمالُ والإصلاحُ الوطني

     لعبَ العمالُ خلال عقود الخمسينيات والستينيات دوراً تحولياً وطنياً، نظراً لوجود جماعاتٍ من العمال المثقفين المتنورين الوطنيين، ولم يكن بإمكان التطور الاجتماعي الصعود السياسي الكبير لولا هذه الجهود.

إنغماسُ هذه الجماعاتِ في الهموم المعيشية والاجتماعية للعمال وعدم التطرف  في تسييسها، والاهتمام بتطور التجارة والصناعة وتطور الاقتصاد عموماً، جعل هذا النضال مقدمةً للحقوق الدستورية كما ظهرتْ في أوائل السبعينيات، وهي العلامةُ التي جعلتْ العديدَ من المثقفين يصبحون سياسيين مشاركين في صياغة الدستور والمرحلة السياسية وقتذاك.

كما أن هذا النضال الذي لم يُصدعْ الحياةَ الاقتصادية فإنه لم يعبث بموارد البلد ومؤسساته، وهو أمرٌ يدعونا لملاحظة المرحلة الراهنة حيث تغدو السياسة مغامرة وعبثاً، وغابت تلك الطليعة المتنورة من العمال ولم تورث كفاحها للأجيال التالية.

لم تكن الأمية الثقافية منتشرة بين تلك الطليعة، فكان أولئك العمال الشباب خاصة يقرأون مختلف أنواع الكتب، ويساهمون في أنشطة الأندية وفي الثقافة والسياسة.

الوعي الوطني الذي يربط بين تقدم البلد ككل والحياة الحديثة، وينشر علاقات إجتماعية جديدة في العائلات، يصطدم بمعوقات سياسية ودينية وإجتماعية كبيرة تعرقل تطوره.

ومع إنتشار العمالة الأجنبية لحد الغلبة السكانية، وخاصة العمالة الرثة غير المنظمة في نقابات وتيارات، وتضخم الرأسمالية الحكومية وإتجاهاتها نحو التخضم الوظيفي والهيمنة على مشروعات كبرى، وإنتشار الغربة في المدن الكبيرة القديمة وغياب العلاقات الوطنية فيها، وتحولها لأمكنة تسلية، أصبح عمال الريف هم الأبرز في مستويات الطبقة العاملة البحرينية، وقد هيمنت عليهم الشعارات الدينية وغابت الثقافةُ الحديثةُ المعبرةُ عن طبقة العمال من صفوفهم إلا فيما ندر.

إن الانقسام القومي للعمال، وتعدد مصادر الهويات القومية التي ينحدرون منها، وهيمنة المستويات الدنيا للبروليتاريا، وضخامة المؤسسات الصغيرة، وعمال المقاولات غير الدائمين، وإتساع الفئات الوسطى والصغيرة، جعل من حضور العمال السياسي مُغيباً.

رغم أن العمال هم أغلبية السكان فليس ثمة ممثل سياسي لهم في البرلمان، ومن الممكن أن يطرح بعضُ النواب مشكلاتهم إلا أنهم كحضورٍ مستقل مميز غائبين.

يعبر الوعي الديني السائد بين الكتل الاجتماعية عن تغييب الواقع، والاهتمام بالأطروحات الأخلاقية والوعظية، ولهذا فإن أصحابها لا يكادون يعرفون مشكلات المصانع والورش وقضايا العمال من ظروف مادية صعبة ومن ظروف عمل متنوعة.

وإذا أستولتْ نفسُ الأشكال  الدينية على هيئات العمال وعلى أعصابهم السياسية وحركتهم الاجتماعية فإنها تقودهم لدروب خارج الواقع، وتجعلهم لا يفكرون في قضاياهم العملية والمعيشية ويتحولون إلى أدوات للقوى الدينية السياسية وأغراضها الخاصة.

عدم الربط بين قضايا العمال المعيشية والقضايا العامة علامة هامة هنا، ولكن هذا يخص فقط العمال البحرينيين فيما العمال الأجانب يهتمون بقضاياهم العملية والمعيشية بدرجة خاصة وقد حققوا مكاسب في ذلك! كما أن السفارات تراعي أوضاعهم وظروف تشغيلهم وعقودهم وتحاول تطويرها وتطوير حقوقهم ومساكنهم.

فليس للعمال البحرينيين نواب وليس لهم أنصار من النواب يعبرون عن قضاياهم، فهم بلا صوت نقابي وبلا صوت سياسي معاً.

في الظروف السابقة ومع ندرة العمال الطليعيين الوطنيين ووجود حشود من العمال الأميين، كانت للكلمة تأثيرها على تطور الأوضاع المعيشية والاجتماعية للعمال، وعبر ذلك ازدهرتْ مشروعاتُ الإسكان، والتعليم والصحة وغيرها.

الأمرُ يعودُ لطبيعةِ الوعي الوطني المسئول في ذلك الحين، ولغيابهِ في الفترة الحالية وسيطرة المغامرين الدينيين، غير الواقعيين في نظرتهم السياسية وثنائية إنتمائهم، وينتجُ من ذلك عدم إهتمامهم بحياةِ الأسر العمالية وظروفها الصعبة، وإعتبارهم العمالَ مجردَ أدواتٍ للتكتيك السياسي الذي ينتظرون صدوره من جهات خارج النقابات والحياة العمالية.

إن تأثيرَ العمال في الانتخابات وتصعيد قوى عقلانية إصلاحية صارتا ضرورتين طبقيتين ليس في الوقت الراهن فحسب بل في الدورات القادمة من أجل أن يكون للعمال صوت مؤثر في الحياة الاقتصادية خاصة.

تدهورُ الوعي العمالي

     لعبت الطبقة العاملة البحرينية دوراً وطنياً توحيدياً، خاصة في التعاون الوثيق مع هيئة الاتحاد الوطني المعبرة عن الفئات الوسطى، فغدا التصدي للاستعمار والتقدم الاجتماعي مهمات مشتركة متداخلة بين القوتين الاجتماعيتين الرئيستين.

لكن في الانفكاك الذي جرى بعد ذلك وتوجه كل قطب نحو مصالحه وتوجهاته السياسية الاجتماعية لم تتطور العملية السياسية نحو تعميق الديمقراطية.

إنفصال التجار عن العمال حدث لضعف تطور الصناعات المحلية وغلبة التكوينات غير الصناعية ثم فاقم ذلك جلب العمال الاجانب بصور واسعة غير مخططة وغير معبرة عن أهداف وطنية عميقة.

 لكن الطبقة العاملة واصلت الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والاهتمام بالأهداف العامة للمجتمع عن طريق المعبرين السياسيين عنها، لكن الذين لم يطوروا التحالف الاجتماعي مع الفئات الوسطى.

ومع تصاعد القوى الدينية الطائفية التي قسمت الشعب حدث الانقسام في صفوف القوى العمالية كذلك.

لم ينفصل هذا التدهور في الوعي عن التحولات في البنية الاجتماعية للعمال، الذين تبدلوا من أغلبية القوى العاملة البحرينية إلى أن يكونوا ثلث العمال، وغدا العمال الأجانب هم الذين يكونون الأغلبية، وكثرت الفئات العامشية وما يُسمى بحثالة البروليتاريا فيها، كذلك تصاعدت الفئات البرجوازية الصغيرة في تكوين الطبقة العاملة وحدثت لها تأثيرات فكرية وسياسية، وغلب تكوين العمال الريفيين على الأصول السكانية لها، وتبدلت البنية الاجتماعية العامة من بنية شبه حرة إلى بنية رأسمالية دولة غالبة.

هذا كله أنعكس على توجهات العمال وغلبة الانقسامات.

فالخطابات الوطنية العقلانية المهتمة بالإصلاحات والتحولات التدريجية تغيرت إلى خطابات طائفية سياسية ومغامرة مما قاد إلى خسائر سياسية وإجتماعية دون تقدم في أوضاع العمال الاقتصادية والاجتماعية، بل على العكس زادت مشكلات الغلاء والبطالة وضعف الأجور ومنافسة القوى العاملة الأجنبية وتدني مكانة التكوين العمال النسائي وعدم حصوله على مواقع نقابية هامة رغم توسع حجم النقابات وحصولها على مكانة عامة مميزة.

غلبة الوعي الديني الطائفي على الجماعات الإدارية العمالية أضعف مكانة العمال كما أضعف بقية المكونات الاجتماعية وغدت قدراتها في التفاوض والدخول للبرلمان والتعبير المميز عن الطبقة العاملة وتاريخها الوطني خارج الوضع السياسي العام.

هذا لا ينفصل عن تدهور الوعي الوطني للجماعات التي كانت معبرة عن الشغيلة فيما سبق والتي لم تقم بخلق ومواصلة التراكم السياسي الديمقراطي خلال التاريخ الاجتماعي عبر العقود السابقة.

يعود ذلك لتدهور الوعي العمالي الطبقي الوطني حيث غابت عمليات التحليل للرأسمالية وإتجاهاتها وكيفية إصلاحها وتحديد بنية الطبقة العاملة ومكوناتها وكيفية تغيير هذه البنية التي غلبت عليها التكوينات غير الصناعية وإنتشرت فيها الفئات القادمة من المؤسسات التجارية والمالية، وهو أمر كان يحتاج لمزواجة بين النضال الوطني السياسي العام والنضال النقابي.

العمال والتغيير الاجتماعي

     لا يستطيع العمال البحرينيون أن يدخلوا في معارك سياسية طاحنة ويكونوا هم الطليعة والضحية، لقد مضى هذا الزمن العتيد!

وحين نتذكر تاريخنا المضيء الزاهر بالنضال الوطني نرى قوى العمال هي التي تنزل للشوارع وتجابه وهي التي تضحي في معارك السويس والحرية وهي التي تـُفصل من الأعمال وتشكل الوحدة الوطنية على الأرصفة المضرجة بالدماء، وهي التي تطالب بالدستور والتحديث والمساواة الوطنية بين الطوائف والأجناس.

وكانت حصيلتها هي من كل هذه التضحيات قليلة، ومضى الأجدادُ والآباءُ وهم مثقلون بالديون والفقر، فيما ارتفعتْ القوى التي كانت صامتة أو منتظرة، وهي القوى الميسورة التي تتكلم وتصرخ في السر وتصمت في العلن، فسقطت ثمار كل المراحل في أحضانها، وبنت الفنادق والعمارات والشركات والبنوك، ثم وظفتْ وضخمت ورقت القوى العاملة الأجنبية!

كان العمال هم الورقة القوية الرابحة المستخدمة في الصراع السياسي، وفي كل فترة يطل عليهم مندوبون معينون ليؤججوا غضبهم على النظام السياسي، لكي يندفعوا في إضرابات ضاعت هويتها النقابية والسياسية، وتداخلت تداخلاً مغرضاً وحماسياً، فلا تحققت الأغراض العمالية ثم ركب السياسيون الموجات ليصلوا إلى أهدافهم.

وقد تكون تلك أغراضاً وأهدافاً عظيمة، وقد تكون دواعي السرية وعدم وجود أدوات نضالية علنية أخرى، من الظروف المخففة لهذا الإستيلاء السياسي على العمال.

لكن كل تلك الظروف السابقة المريرة تستدعي نظراً ثاقباً من القيادات العمالية، حتى لا تكون مجرد أداة سياسية بأيدي غيرها يستخدمونها من أجل تحريك الوضع السياسي أو من أجل استخدامها كأدوات ضغط في معارك سياسية تهمها حتماً باعتبارها عضواً مهماً في الساحة الاجتماعية، لكنها ليست هي الوسيلة المجانية للركوب السياسي، فلديهم أدواتهم وقنواتهم، فليستخدموها ويطوروها بكل قوة وصبر وعناد!

 ومن هنا فينبغي على القيادات النقابية والعمالية أن يكون هاجسها الأول هو تغيير حياة ومعيشة العمال، فقد شبع العمال من الفقر والبطالة وتسمين بقية الطبقات، ومن التضحيات الوطنية على مدى نصف قرن ثم يكون جزاؤهم التهميش وتفضيل القوى العاملة الأجنبية!

وليس المنهج النقابي المركز على حياة العمال الداخلية بمنهج غير سياسي، فهو منهج سياسي بامتياز، لأنه منهج سياسي بعيد المدى، فلا يمكن للعمال أن تكون لهم مواقف سياسية وهم ضعفاء مهمشون ومجرد أدوات للمرشحين حتى لو كان هؤلاء المرشحون من قوى تهميش العمال والسكوت عن أجورهم المنخفضة ومساكنهم الرثة، وعن سؤ تعليم أبنائهم، والمطبقة ألسنتهم عن فصلهم وعدم إعطائهم أولوية على الخريطة الاجتماعية.

فالعمال ليسوا ورقة انتخابية بيضاء، ولا يمكن أن يكونوا مجرد ذيول ومصفقين للمرشحين، ولا يمكن ان يدخلوا في الطوابير السياسية الزاعقة وللجماعات الشمولية الفاشلة على مدى عقود، ولكي يرفعوا قوى جديدة سياسية على اكتافهم ليصلوا للثروة والمراكز على حسابهم كما فعل قرناؤهم السابقون!

أن صوت العمال لدى النقابات الطليعية يقول لقد نضجنا  أيها السادة الميسورون، فابحثوا لكم عن ضحايا آخرين، وظفوا العمال الذين لا يعرفون العربية في مهرجانتكم السياسية والانتخابية، فلتعطكم البروليتاريا الأجنبية  المسكينة التي جلبتموها من كل حدب وصوب أصواتها وأكتافها لكي تصعدوا.

فليعطكم المدراء والموظفون المسترخيون في شركاتكم أصواتهم، فلا يمكن أن نعطيكم أصواتنا من جهة وأنتم تفصلوننا من أعمالنا وتقللون أجورنا من جهة أخرى.

لا يمكن أن نعطيكم أصواتنا وأنتم تريدون معارك سياسية مذهبية، وهاهم العمال مشتتون تائهون مع هذه الجماعات، يرفعون لافتات كل يوم تندد بالفقر والتلوث والبطالة والتجنيس وغيرها من القضايا دون أن يتحقق لهم متر واحد من التقدم الاجتماعي.

بسبب أن هؤلاء العمال والفقراء تائهون سياسياً، ضاعوا بين كراديس القوى المذهبية ومعارك طواحين الهواء التي تخوضها، وبعدم معرفتها النضال الطبقي ودور النقابات والأحزاب العصرية.

إن العمال قوة منظمة عصرية، تستطيع أن تحقق مطالبها المهنية عبر نضالها الخاص المنظم الدقيق، نيابة عن أنفسها وليس عن فريق سياسي يستغلها في مآربه.

ولكم في تجارب النقابات الطليعية خلال السنوات القليلة الماضية خير مثال على ذلك، فلقد حققت منجزات معيشية كبيرة لعمالها بدون هذه المعارك الدونكيشوتية في الشوارع والأزقة وتفجير الأسواق وتخريب دكاكين الفقراء والصيادين وحصار القرى وتعريض البشر للقنابل والأدخنة، ثم تكون نتائجها (فالصو) على حد تعبير العامة، بل تكون نتائجها محاكمات وسجون وتعذيب للأهل الذين يرون فلذات أكبادهم يتم التجريب فيها بهذا الشكل!

لا شك أن هذين النهجين سيتصارعان ويخضعان لمحكمة الأغلبية الواسعة من العمال والموظفين والحرفيين، وكل الشغيلة البسطاء الذين بعد لم ينضموا لدائرة التأثير والفعل ولم يرفضوا بقوة الأساليب المغامرة والفوضوية لجرهم إلى أجندة سياسية لم تخضع لحكمهم ولصوت العقل.

العمال البحرينيون يشكلون الوحدة الوطنية

     لا تستطيع القوى الغنية أن تشكل وحدةً وطنية في المرحلة الراهنة في الكثير من البلدان النامية، بسبب تنازعها على السلطة وتعدد انتماءاتها الإقليمية والعالمية.

فنجد كبار التجار يصرون على الاستخدام المفرط للعمالة الأجنبية ويترتب على ذلك في الثقافة السياسية تمييع موقفهم من القضايا المحورية في حياة الأغلبية من الناس، فإذا جاءت مسالة تقنين وتطوير خريطة العمالة تبعاً للمصلحة الوطنية، دخلوا في منطقة ضبابية تحركها مصالحهم التي يريدونها مطلقة لا تـُقيد ولا تـُجدول بأجندة وطنية ما.

أما الحكومة فهي كذلك لا تقدر على جعل الأغلبية العاملة أغلبية بحرينية لأن مصالحها تتوافق مع كبار التجار، ولكون العمالة الأجنبية لها صدى في العديد من فئات الموظفين كبارهم قبل صغارهم.

والقضية أنه لا يمكن إزالة العمالة الأجنبية بين ليلة وضحاها ولكن المسألة خطة لتغيير مثل هذا الوضع، خطة متدرجة، تفعل كل العاطلين والنساء العاطلات في بيوتهن والبرامج التعليمية

ولكن هذا لا يتوافق ومصالح الكبار من المستثمرين الذي يريدون الأمور تمضي بلا خطة وطنية، وبشكل تلقائي، وهو أمر مضر حتى بمصالحهم على المدى البعيد.

ومن هنا يغدو العمال البحرينيون هم المتضررون من مثل هذه السياسة الاقتصادية الحرة بلا ضبط وطني .

الحفاظ على النضال والأمن معاً

     تواصل الأغلبيةُ البحرينيةُ الجمعَ بين النضال الضروري لتغيير الجامد واللاوطني والفاسد في الحياة، وبين الأطر الاجتماعية التي يتحقق فيها هذا النضال، وأهمها  إطار الأمن وسلامة البشر والمؤسسات والممتلكات.

العمل في إطار فوضوي ودموي هو ليس نضالاً هو تخريب، هو مشبوهية سياسية، هو عجز عن التطور السياسي، وعن نمو قدرات الشباب الاجتماعية.

يمكننا أن نضع علامات إستفهام ونقوم بتحقيقات سياسية وفكرية حول هذه المشبوهية، ومتابعة خيوطها ومدار إثاراتها.

إن الأغلبية التي إتحدت في مشروع هذا النضال يجب أن تقرأ الثغرات التي يتمُ بها هذا التسلل؛ من أين يدخل؟ كيف يتجذر في بقاع دون غيرها؟ ماذا يستخدم من مواد شعارية؟ ولا أن تُحولَ ذلك إلى قراءة أمنية كلية، بل إلى قراءات إجتماعية كبيرة وسياسية متجذرة.

فضعفُ شكلِ هذه الأغلبية الوطنية وإعتمادها على النمط المذهبي أمر يُسهل الإختراق، لقد قامت بتجزئة الشعب وفككت صفوفه، وبالتالي فإن الإختراق يمكن أن يتم بوسائل عدة.

لكي تَهزمَ هذه الأغلبية قوى التدخل والتسلل يجب أن تتحدَ سياسياً، أن تجعل مشروع التغيير الشعبي السلمي المتحد دائرة محصنة بوثائق وبمؤسسات ديمقراطية، وبالتالي فإن المتسللين يتعرون وينكشفون في دائرة الفراغ الخارجي. وتتكشفُ روابطُهم وأهدافهم.

حين تبلورُ قوى الأغلبية هذه الدائرةَ الوطنيةَ التي تعمل للتغيير من خلال المؤسسات وبأشكال سلمية، وتضع مشكلات كل المواطنين في بؤرة عملها، فإن قوى الفوضوية وقوى الإرتباطات الخارجية وقوى الشباب اليائس ومعدوم الوعي ستنحصرُ في دوائر ضيقة وتُهزم على المدى الطويل.

لا بد أن قوى العمل البرلمانية المتحدة والقوى السياسية التي تؤازرها ستسدُ ضربةً قوية لهذه التدخلات.

هي بحاجةٍ لهذا التماسك والتداخل وصياغة برنامج موحد بسيط وغير معقد يركزُ على حل مشكلات المال العام وتوزيعه ومكافحة الفساد والتمييز والتجنيس في ظل التمسك بالأطر القانونية والحفاظ على السلم الأهلي والأمن.

نجد إن غياب هذه البرامجية وهذا الوضوح السياسي الجامع بين تشديد النضال والحفاظ على الأمن، ما يجسد بعض خصائص قوى الأغلبية السياسية البرلمانية، على سبيل المثال، وكيف لا تقوم بحملات فكرية لتوضيح هذا الخط بين الجمهور، الذي يتهمها بالتقصير وبجمع المال، وكأن العمل البرلماني طاقة سحرية تقوم بين ليلةٍ وضحاها بحلِ كلِ مشكلات الفقر والبطالة والكسل الشبابي والتمييز والتجنيس، وليس أنه عمل سياسي كبير يحتاج إلى تكاتف الطاقات الشعبية، ويحتاج لقادة متفرغين لهم رواتبهم الجيدة، ولكن لهم نشاط كبير كذلك.

إن جذب دوائر الشباب المتقلقل والحائر تجاه برنامج الأغلبية الشعبية في التغيير هو أمر حيوي.

فالأمر لا يعني صمتاً تجاه مشكلات الجمهور، ولا كسلاً ونوماً، بل يعني نشاطاً وجمعاً للمعلومات، ودراسةً للشركات الحكومية، وإكتشافات للوزارات وطرق علمها ومشكلاتها، ولا يعني سخرية من النواب وعدم تقديم المعلومات والتنصل من واجب النقد الموضوعي.

إن لجؤ المتظاهرين للعنف ولجؤ قوى الأمن للعنف بدون مبرر، هي أمور تطرح ضرورة تطوير الأجهزة العسكرية وبحرنتها بصورة شبه كلية، فقوى التطرف الفوضوي تلجأ للعنف لتوسيع العنف في الواقع، وخلق ضحايا، وتأتي بعض قوى الأمن وتقع في الفخ، نظراً لفقدان ربما فهم الموقف أو عدم فهم اللغة.

لكن هذه الجوانب الجزئية تحتاج إلى تحول قوى البرلمان الراهن أو القادم إلى قوة إتحادية وطنية تنزل بشكل مشترك لتوعية الجمهور وخلق من أطرها حملات لطريق نضال الأغلبية المشترك في التغيير وتطوير أحوال المعيشة خاصة وتحجيم التدخلات الأجنبية بكل صورها.

إنتهى زمنُ العمالِ الآليين

     لم تشتغل النقابات من أجل النضال من أجل العمال الكادحين في معيشتهم الصعبة، وفي ظروفهم القاسية، تركوهم لسنوات وهم مشغولون بخطاباتهم السياسية، ولكن حين تضرر هؤلاء الإداريين ومساعدوهم صار على العمال النضال من أجلهم.

القياداتُ البيروقراطيةُ تجعلُ الناسَ ضحايا وخدمَاً لها، لا أن تكون هي المضحيةُ من أجل العمال.

لأنها تظن أنفسها لا من طينة العمال والبشر بل من طينة مقدسة عليا من واجب هؤلاء العبيد العمال طاعتها والموت من أجلها!

لكن كيف تكون هؤلاء؟ ومن أي مواد إيديولوجية تم تخريب وعيهم الإنساني البسيط المضحي؟

من النسخ المزيفة من الدين والإيديولوجيات الشمولية.

لم يكونوا يفهمون الإسلامَ ويعيشون في تراثه النضالي، بل كانوا يصلون بشكلٍ آلي، مثلما يعيشون في المصانع كأجزاءٍ من تروس، كوظائف آلية، يومية مُتعبة منهكة، لكنهم يؤدون الحركات الآلية المطلوبة، والدينُ غدا في عيشهِم الأمي مثل مصنعٍ يؤدون فيه الحركات خدمةً لرؤوساءٍ مُغيبين أو حاضرين، يقودون الجموعَ، دون عيشٍ في مفردات الدين، دون تلمسٍ لأصابع الكادحين الصلبة القاسية من حملِ الحصى، وحمل الأدوات، ورؤية هذه الأجساد المضناة في العيش بين الآلاتِ والدخان والسخام، أو أن هؤلاء(الرفاق) يعيشون في غرفٍ ضيقةٍ مزدحمة بالعيال.

أو أن هؤلاء العمال يذوبون بين أزقةٍ ضيقةٍ وينطفئون بين الجدرانِ والعملاتِ الصغيرة الهاربة، وحمل الأغراض المرتفعة الأسعار دوماً، ويحملون أطفالهم أو أجسامهم لمستشفياتٍ مزدحمة، وينتظرون طبيباً أو ممرضة في طوابير طويلة. إذا أمكن لهم أن ينجبوا ذرية ولم ينطفئوا بين التراب والتراب.

القادةُ الخرافيون المستخدمون للإسلامِ كنصوصٍ مجردةٍ مفرّغةٍ من الأنسنة، لا يرون العمالَ، لا يرون ملامحَهم، لا يطالعون عيونَهم المنطفأة من التلوث والأمراض، وعظامَهم التي تنحني حتى تلامس الأرض.

إنهم يرون سلامة حركات الصلاة، وضخامة الطوابير الموجهة للعبادة، دون حتى مراقبة الأرض المفخّخة، وحملة المتفجرات، ولهذا حين يظهرُ هؤلاء تظهرُ مستنقعاتُ الدماء وتزدهرُ البلدانُ بالحرائق.

إنهم في عليائهم السياسية البيروقراطية كالنجوم، كالأقمارِ الصناعية الموجهة للحشراتِ البشرية، لكي تموتَ في حرب، أو تتعذبَ في مواجهات، ولا تفتحُ مسارحَ لترى هؤلاء العمال يضحكون، ويمثلون، ويحركون العرائسَ لأطفالهم، ويجادلون عائلاتهم ويطورنها، بدلاً من السهرات المطولة في الخارج والإختفاء القسري.

حراكُ السماءِ والأفلاك والنجوم العالية لذراتِ البشر العمالية، حراكُ نصوصٍ إستبدادية شرقية، تجعلُ العمالَ أدواتٍ لمخططات سياسيين شموليين يتحكمون من وراءِ القصور بالمواد البشرية الآلية.

وكلما طالت شبكاتُ هذه الزعامات كلما تعقدت ظروفُ العمال المصطادة كالفراشات في الخيوط الطويلة.

ولهذا فإن كائنات الزعامة هي متواريةٌ سيدةُ الوجودِ والحضور، والكائنُ البشري المرهف مُلغى، هو في خدمةِ البيروقراطي السائس، ومن مستلزماتِ الخطة السياسية المغامرة المُعّدة بدون مشاركة منه أو دراية له، لكنه سيجدُ نفسَه في عاصفةٍ مفاجئة تقتلعهُ من بيته ومن عياله.

زمنُ العمال الآليين إنتهى، زمنُ هيمنةِ النقابة البيروقراطية، بل هو زمنُ العمالِ الحواريين، زمنُ العمالِ المشاركين في صياغة النقابة، وحراكها وتطورها، كلُ حبةٍ من المصنع ومن النقابة ومن الحزب ومن البيت ومن ملعب الفتيان وروضة الأطفال هي للإنسان العامل، هي حوارٌ معه، ومن مسئوليته، وغايته.

هم العمال الديمقراطيون لا عمال المؤامرات البلانكيين والباكونيين، المغامرين، والانتهازين، هم عمالُ التراكمات الديمقراطية الحريصون على تطور الشعب ومصالحه، لا المقامرون في صالات القمار السياسية وبهوياتٍ شمولية طائفية تمزيقية للمسلمين والعرب والمواطنين والكادحين الأجانب الرفاق على الأرض وفي المصنع والوطن.

إنهم العمال الديمقراطيون لا الآليين التابعين الذيليين، فهم الذين يقرأون ويدرسون، حتى على شموع الحزب والدولة الأخيرة، يقدرون زوجاتهم ولا يأتون إليهن في الساعات الأخيرة وهن ضحايا اللصوص والفقر.

في أدلجتهم للدين يلغى المحافظون العمالَ من التراث، يذوبونهم في حضور الأسر الارستقراطية، وتضحياتهم ومعاناتهم، مثلما يلغون حضورهم في العصر الحديث، فهم مجرد أدوات في الماضي والحاضر.

آلياتُ النضال الحديث

     يقول أحدُ القراء كاتباً بأسم مستعار ما يلي:

(لا أعتقد أن السيد عبدالله خليفة يجهل طبيعة القاعدة الاجتماعية العريضة للقوى السياسية – المعارضة – الدينية – الشيعية في البحرين، وهى التي تشكل واحدة من أساسيات ودعامات تبنى الموقف الوطني – التقدمي إزاء الثورة ، وهذه الجماهير وإن لم تكن بأكملها بروليتاريا، بالمعنى الكلاسيكي، فإنها من جملة الكادحين والمُعدمين والمُهمشين، ومن هنا فإن نضال القوى السياسية – المعارضة – الدينية – الشيعية إجمالا يعبر فى الوقت الراهن عن مصالح اجتماعية للمسحوقين، ولا يمكن أن يتجاهلها الماركسيين(؟)، وهذا أيضا ينطبق على الجماهير من المتدينين وغير المتدينين السنة الذين انضموا إلى جمهور الثورة ولم تخدعهم دعايات الثورة المضادة، وقلتهم العددية لا تنفي دورهم وإنما تنفي ذرائع الثقافة السائدة حول إدعاءات الطائفية.).

يستدرجُ الأخُ البحرينَ إلى واقعِ الثورةِ بصورةٍ ذاتية، فهو يقرر أنها في حالةِ ثورة، أو من أنجر معهم، وبالتالي فيجب أن ننخرطَ نحن كتاباً وقوى أخرى مع هذه(الثورة) وحسب أجندة قادتها!

الثورةُ في مثل هذا الوعي فعلٌ ذاتي تقررهُ نخبٌ، ويخضعُ هذا الوعي لقراراتِها، ولكن الأمور بهذا الشكل ليست ثورة في الواقع ولكنه تآمر. أي أن تقومَ نخبٌ معينة بفرضِ واقعٍ سياسي بالقوة، وليس أن يكون فعلاً نابعاً عفوياً من الشعب.

الثورة ذات شروط موضوعية، وتتجلى حين يقوم الناسُ العاديون بالانفجار لأنهم لم يعودوا يحتملون الظروف القاسية لأسباب إقتصادية حارقة.

لكن ما قادتهُ الجماعاتُ المذهبيةُ السياسية هو فعلٌ ذاتي منها، هو نسخُها لأحداثِ في مصر ومحاولتها إعادة تكرارها لدينا، والأرض غير الأرض، والجماهير غير الجماهير، والواقع غير الواقع.

الجماعاتُ المذهبيةُ السياسية من طائفةٍ واحدة، وهو أمرٌ ينفي فعلَ الثورة من أساسه.

الجماعاتُ المذهبية السياسية إشتغلتْ لنفسها خلال عقود: هيمنةٌ على طائفتها، تكريسٌ لقياداتٍ فيها، رفضُ تكوين العلاقات الوطنية الديمقراطية بين الشعب الواحد، ثم سيطرة فصيل واحد على بقية الفصائل من نفس الطائفة وإبعاد الأخرى عن مركز القرار وجعل كافة المواد السياسية تخضع لهذه الجماعة التي تقوم بإعلاء هيمنتها شيئاً فشيئاً.

وقد كنا نقول بأن من حق الطائفة أن تناضل نتيجة لحرمان ولمشكلات تاريخية لكن بدون شكل سياسي طائفي، لكن الأدوات الخاطئة أُتيحتْ لها، والمجلسُ المنتخبُ أعطاها حضوراً كبيراً، وبلديات عديدة إمتدت تحت عملها، ولكن أين النضال؟ وأين الإنتاج السياسي؟!

إشتغل التيارُ المذهبي السياسي لتشكيلِ دولةٍ خاصة به، وليس أن يكون تياراً وطنياً بحرينياً من أجل تطوير دولة مشتركة، وأن يستوعبَ أفضلَ ما في طائفته من عناصر ديمقراطية ومهنية، وأن يستوعبَ أفضل ما في شعب البحرين التي تقبل ببرنامجه، وبهذا يتقدم لتغيير ما في الواقع من سلبيات، وأن يراكم الايجابيات الموجودة في النظام، وأن يجعل ذلك مقدمة لتطوير أعمق.

إن عجزَ التيار المذهبي عن التطور العلمي من أهم الأسباب لتشكل وعي المغامرة السياسية عنده.

فقد تواجدَ خلال ربع قرن وعاشَ على شعارات، ولم يقمْ بتطوير قدراته وجماعته، وتحويلهم لكوادر، ولم يقمْ بتطوير ثقافته وعلمه بالواقع، فأين قضايا ومشاكل الجماهير المرصودة لديه؟ أين الدراسات عن الفقر والبطالة ومشكلات العمالة؟ أين تطوير الآداب والفنون والثقافة؟ أين درس خريطة البلد والأسكان ومشكلات الجزر؟ أين الحلول المقترحة لكل هذا؟.

لا شيء من الإنتاج العلمي لدرس البلد، وكوادر المنظمة المذهبية السياسية تتدهور، وتجلب الشبابَ الصغار ليكونوا نواباً، وبقية المنظمات من نفس الطائفة والمبعدة عن الفعل والمشاركة مع هذا التنظيم الرئيسي تتطرف أكثر فأكثر، نظراً لعزلتها وحرمانها.

الريف البحريني فيه طاقات شبابية وعلمية وفكرية، لكن هذه الطاقات لا توجه للبناء، ويجري إهمال قاعدة عريضة من الشباب تخسر نفسها في الفراغ واليأس والكسل.

وينتج من ذلك لعدم الاستفادة من هذه الطاقات أحلام مغامرة وتآكل للروح الخلاقة، وتحريف توجيهها نحو الصدام السياسي.

لقد لاحظنا وجودَ إمكانيات إبداعية وفكرية خلاقة لبعض هؤلاء الشباب، رأينا تطوراً مذهلاً في بعض النساء، رأينا حباً لديهن للحرية والانفكاك من قهر القرون الوسطى! رأينا أن هذا الشباب خلاق ولكن الفرص الاجتماعية لا تُتاح له.

الريف البحريني الذي لم يعد ريفاً بل ضواح لمدينة البحرين الموحدة،

خارجَ الطائفةِ داخلَ الطبقة

     حين يحول المثقفُ الواقعَ الاجتماعي السياسي إلى عالمِ طوائفٍ ويرفضُ عالم الطوائف والعيش في الوقت ذاته على مادتها الاجتماعية الأثرية يواصلُ البقاءَ في الطائفية.

رفضُ الطائفةِ هو موقفٌ متقدمٌ على موقفِ المتعلم السياسي الطائفي، لأن الرفضَ هنا يشيعُ قيماً جديدة في عالم القرية المتبلد حيث يجري قمع النساء والرجال من قبل المؤسسات التقليدية المهيمنة، وقمع النساء أشد وتغييب الحقوق أوسع لكن الرجال العامة هم كذلك مقموعون، لكن هذا الرفضَ غير كافٍ لأنه ضحل الوعي، لا يحلل الجذور، ولا يخرج من الطائفة للانتماء الاجتماعي العصري.

نجدُ تاريخَ المسلمين عبر الدول الارستقراطية التي شكلتْ الحضارةَ وانهيار الحضارة معاً، بإنجازاتها وسلبياتها معاً، حين قام الأمراءُ والخلفاء بالسيطرة على مسار التاريخ وبجعلِ حراكهِ في الطبقةِ العليا الذكورية، التي تنتقلُ عادةً من البادية أو القرية أو المنطقة الرعوية كما إنتقل العربُ من شبه الجزيرة للحواضر الشمالية، وتعيشُ على الغنائم بشكل هائل عبر الحروب وجلب العبيد والجواري ثم حين تنقطع الحروب ويصعب وجود ضحايا أو بلدان قريبة للغزو، أو حين تقف الصحارى كالصحراء الكبرى دون توغلهم في عوالم القبائل المسالمة أو الدول القبلية المماثلة، يركزون على الخراج وتحصيله بكلِ دقةٍ وقسوة.

ولهذا فإن دولةَ المسلمين العامة، دولةَ المواطنةِ المفترضة، تضمحل، ومشروعُ التحديثِ الديمقراطي الأولي، مشروعُ تعاونِ الطبقات المختلفة يتلاشى، والرجالُ الارستقراطيون النخبُ(من الملأ) الجديد هم الذين يصوغون هذا العالمَ الطبقي الذي يصنعهُ ملاكُ وتجارُ العبيد وأصحابُ الخراج، في حراكِهم لاستعادةِ الجاهلية وقبائلها وفخرها وحروبها وتسجيل كل نأمةٍ من خرابها على أنه الوجود العربي الأبدي.

عالمُ الطوائفِ يتكونُ قليلاً قليلاً من نقاطِ العَسفِ المتراكمة، من تحولِ النصِ الديني إلى حروفٍ متيبسة عن الحياة أو أغلال، ومن عجزِ المعتزلةِ عن الدخول في الطبقة التجارية أو الطبقة الكادحة، ومن التلاعب اللغوي الفكري بين الطبقات، ثم عيشهم على فتاتِ الارستقراطية.

ظل الوعي الديني في تجريداتهِ أو ملموسيتهِ الفقهية التاريخية مركزاً على مطلقٍ خارج الخريطة الاجتماعية، وعلى جزئياتٍ إقتصادية واجتماعية متناثرةٍ متحركةٍ من قبل المطلقِ لا من قبلِ العياني الاجتماعي المتحرك.

ولهذا فإن منتجي الفكرِ والثقافةِ صاروا مثل الارستقراطية يعيدون أسبابَ الحركة الاجتماعية والغربة وغياب العدل واللامساواة وظلم النساء إلى عدمِ فهمِ المطلقِ الديني لا إلى الظروفِ المادية من تحكمِ الحكمِ وسوءِ توزيع الثروات وبناء الخراج من أجل الجيوب الخاصة لا من أجل مؤسسة الدولة، دولة المواطنين.

ولهذا فإن صانعي فكر الطوائف أكدوا على الولاء للمطلق ورفض الطوائف في حين كانوا يصنعون طوائف جديدة. معتبرين أن سبب الضياع الديني الاجتماعي هو لعدم فهم النصوص الدينية التي أعطتْ طائفتهم مكانةً عالية.

لهذا فإن حرمان الطائفة المميزة المختارة من السلطة هو سبب كارثة المسلمين الأبدية، في حين تؤكد الطوائفُ الأخرى انها هي المعبرة عن النص، والمطلق وروح الديانة والأمة وأن الطوائف الأخرى معدية وأنها منحرفة.

تغييب النص الديني عن نضاليته الديمقراطية الأولية وعن مشروع المدينة النهوضية اللاطائفية المشروع المجهض بسبب صراع الارستقراطيات على المنافع، هو بسبب هيمنات طبقية متعددة حولتْ سيطراتها إلى تملكٍ للنص والبشر، وأخرجتهم من الحراكِ السياسي المستقل وجعلتهم توابعَ لها.

حرمتهم من التعبير عن أنفسِهم كرجالٍ محرومين، وكنساءٍ ضائعاتٍ من العمل والانتاج ومن تشكيلِ الشخصية، وكمثقفين مستقلين يجسدون شخوصَهم لا أن يعبروا عن نماذج منمطمة في الحكم ويلغوا ذواتهم المتنامية في الانتماء للناس وللقيم الرفيعة.

يتحول الانتماء للطبقات المنتجة المتضادة ثراءً للمدينة الديمقراطية، حيث أسلوب الانتاج يجعل الناس تتصارع على تطوير ما هو عام للجميع وما هو خاص للطبقة والأفراد، وتصبح الطائفةُ وراءَ ظهورهم السياسية وتصبح الطبقة السياسية محل نقدهم وتطويرهم.

لهذا فإن إدارةَ المدينة لا تنظر إلا لدور القوى السياسية الانتاجي، وقدرة الجماعات السياسية على ابتكار المشروعات وتنفيذها ويجري حساب عملهم عبر هذه المؤسسات.

هي البداياتُ الصغيرةُ للخروج من عالم الطوائف.

عمال المدن وعمال القرى

     إن ظهور العمل بالأجر بدأ مع دخول الشركات والبنوك الغربية إلى البحرين، وتركزت هذه في المدن، خاصة مدينتي المنامة والمحرق، وفيما قبل ذلك لم يكن نظام العمل بالأجر سائداً، وتحول بعد الأربعينيات من ظاهرةٍ محدودةٍ مرتكزة على عمال المؤسسات التجارية وجماعة عمال النفط، إلى نشاط إقتصادي سائد، وأختفت الأعمال غير المحسوبة بالأجر فتحول العمال إلى طبقة واسعة، مع تنامي فوائض النفط وظهور المؤسسات الحكومية والخاصة.

لم يكن لعمال ومزارعي الأنشطة السابقة كالغوص والزراعة، أجور محددة بل يتم التعامل معهم بالقطعة والأنصبة في عمليات الإنتاج، مما يزيل الحدود بين الأجر والسلف، مع غياب التسجيلات الدقيقة لمدد العمل وثماره.

لكن العمال بالأجرة أختلفت ظروفهم، وغدت محددة، ومحسوبة، وكان ذلك من جراء كون المؤسسات حديثة، ذات جذور غربية، وأدى تواجدهم في المدن وإنبثاقهم الواسع من الأجيال القديمة ومن تدفقات الأجيال الحديثة المتعلمة، ونشؤهم في ظرف نمو المنظمات القومية واليسارية الحديثة، أن تشربتْ الجموعُ بحداثةٍ معينة تلحظ في مسالكهم الشخصية، فلم يكن ثمة محدودية إجتماعية تسيطر عليهم، واتسم سلوكهم بالحرية، كالمشاركة في دور الطرب والغناء والسفر وحضور المسرحيات وقراءة الكتب والصحف، وفي الحي المدني كانت المؤسسة الدينية غير ذات سطوة على تفكيرهم، وبهذا تداخلت جموعهم التي هي في أغلبها جموع أمية أخذ التعليم طريقه إليها بتدرج طويل، مع تلك التنظيمات، التي نشرت بينهم أدبياتها.

كون هؤلاء العمال المدنيون على مدى عقود، أجيالَ المنظمات السياسية وخاصة اليسارية منها، وصار العمال الشباب قواعدها، مما زادها حضوراً في المؤسسات الصناعية والاقتصادية المختلفة.

وليس معنى هذا بأن القرى لم تكن تنتج عمالاً، بل كان يتدفقُ منها عمالٌ على مدى كل هذا التاريخ. لقد كانت منطقة سترة منتجة كبيرة للعمال، خاصة لشركة النفط ولأعمالها المختلفة من حفر الآبار إلى إنشاء مصنع التكرير والقيام بالأعمال اليومية المختلفة.

لكن عمال القرى أخذوا يتدفقون بمعدلات أسرع في سنوات لاحقة، خاصة في السبعينيات والثمانينيات وما بعدها بشكلٍ أكبر من عمال المدن، التي توقفتْ عن ذلك الفيض العمالي الواسع كما كان من قبل، فقد غدت الأنشطة الاقتصادية كثيرة، وجذبت القطاعات الحكومية العسكرية والأمنية العمال اليدويين خاصة، وارتفعت الأجور فيها، بينما غدت الأعمال اليدوية غير مرغوبة بها.

وتوسعت المدينتان المحرق والمنامة وخاصة الأخيرة التي أحتضنت الشركات والبنوك بشكلٍ كبيرٍ عما كان سائداً من قبل.

وهكذا فإن الفيضَ السكاني في المدن توجه إلى المهن الإدارية والفنية والاقتصادية، وتصاعدتْ الأنشطةُ الاقتصاديةُ الخاصة، وبهذا فإن الفيضَ العمالي تقلصَ وإن لم يختفِ تماماً، فما تزال هناك بروليتاريا تظهرُ ولكنها تتوجه إلى المهن الدنيا في الأجهزة الحكومية والشركات الخاصة.

يمثل حراكُ العمالِ والشغيلة عامةً الأسسَ الموضوعية لجذور المنظمات السياسية المختلفة، فحراكُ عمالِ المدن بين الأربعينيات والسبعينيات، أنتجَ حراكَ المنظمات القومية واليسارية التحديثية، فكانوا هم القواعد الأساسية لتحركاتها، وبدون وجود عمال ذوي ثقافة مدنية متفتحة لم يكن بإمكانِ هذه المنظمات أن تجد مناصرين.

لكن الأحوال تغيرت مع توقف التدفق العمالي الواسع، وصعود الفئات الوسطى في المدن بصورةٍ كبيرة، وعوامل الضغوط على الحركات القومية واليسارية، فجنحتْ الفئاتُ الوسطى لخطاب اليمين السياسي خاصةً الذي وجدتهُ في الجماعات الدينية السنية، وفيما بعد توسع هذا أو رُحَّل إلى المدن الجديدة.

كما أن خطابات تلك المنظمات اليسارية خاصة ركز على العمال، في الوقت الذي أخذ حضورُهم المدني يتقلص.

زاد الحضور الريفي للعمال، وأخذت مناطقٌ كثيرةٌ في الريف وبعض الأحياء المدنية الفقيرة في خلقِ سيل من الرجال والشباب العمال، وغدا عمال القرى هم الأكثرية في واقع المنتجين البحرينيين وأعطى هؤلاء العمالُ المنظمات الدينية الشيعية حضورها وتوسعها. أدت مشكلاتهم وفقرهم الكبير وغياب الثقافة الحديثة إلى ضخامة لتلك المنظمات، رغم أن الجذور الاجتماعية تختلف بين هذه القواعد العمالية والقيادات الراجعة للملاك ورجال الدين.

إن تباين الفئات المكونة للطبقة العاملة البحرينية وتاريخية نشؤها المعقد، وتضاد الحداثة والتقليدية في تشكيلِ أجيالِها، جعلها غير قادرةٍ في الفترة الأخيرة على الوحدة والدفاع عن مصالحها بقوة، فهي لا تملكُ وحدةً فكرية نقابية قوية، كما أن وجود عمال أجانب أكثر منها جعل العمالَ البحرينيين في وضع منافسة قاسية، كما أن مشاعر الموجة(الدينية) نأتْ عن التوحد مع العمال الأجانب والدفاع عن ظروفهم، مما جعل الطبقة العاملة البحرينية والأجنبية في حالة إستغلال هائلة وظروف صعبة كبيرة.

مشكلاتُ عمالِ الريف

     إستطاعت القوى المذهبية السياسية إختراقَ نضال شعبنا وحرفهِ عن مساره الديمقراطي التحديثي العلماني، وجاءت أكبر الضربات في شقِ  صفوفِ الطبقة العاملة وتذييلها لمصالح الطائفيين السياسية، إبتعاداً عن مواصلةِ المسار الديمقراطي الوطني والتبعية لسيناريوهاتٍ خارجيةٍ مغامرة بالشعوب.

تتجسدُ في عمال الريف بؤرة هذه الأخطاء والمشكلات في البُنية الرأسمالية الوطنية المتفاوتة المستويات.

لقد عبر الريفُ في البحرين عن أوضاعِ رقعةٍ جغرافية صغيرة وطنية راحت تنمو في التحديث الرأسمالي بسرعةٍ شديدة مغايرةً لكافة البلدان الأخرى في المنطقة، بسبب الطابع الجغرافي الخاص وتنامي المدن وصعوبات وضع الزراعة، مع تقلص المياه الجوفية بصورة مستمرة، ولهذا فخلال عدة عقود تنامت المؤسساتُ الاقتصادية الصناعية الكبيرة مع تقلص الرقعة الزراعية، ووجدتْ القرى نفسها أمام فيضٍ سكاني مستمر، لم يهاجرْ للمدن بسبب القرب الجغرافي والقدرة على الدخول في سوق العمل.

لقد غدت الطبقةُ العاملة هي الطبقةُ الأكبر في مجتمعٍ غير زراعي، وغدت هي المؤثرُ الاجتماعي الهام على الحراك السياسي.

وقد دمجت الحركةُ الوطنية التحديثية بين المشكلات العمالية وقضايا التطور الوطني والديمقراطية، وحققت نقلةً مختلفة عن المسار التقليدي السابق، مما جعل العمال أساس التوحيد الوطني، فإنصهرتْ في المؤسسات الاقتصادية جماعاتُ السكان المختلفة.

هذه البنيةُ الاجتماعية هي لزمن بداياتِ النفط وقبل التسارع في أسعاره، وحين إندفعت أسعارُهُ للذروة،  تبدلت البنيةُ الاجتماعية، وصار هناك فيضٌ كبيرٌ من الرساميل المحلية والخليجية والعالمية، ولم تستطع القوى العمالية الوطنية أن تلبي حاجات السوق من حيث العدد والنوعيات المختلفة ومن حيث تبدل قوة العمل وسوقها الخاص.

ضخامةُ الانشاءات العمرانية والاقتصادية ومشروعاتُ البنية التحتية الكبيرة جلبت قوى عمالية أجنبية واسعة، صارت هي الأكبر خاصة في القطاع الخاص.

بعض العمالة المحلية وقوى الموظفين وجدت لها مجالات في المشروعات المتطورة في الشركات الكبيرة والبنوك، وكانت هذه هي جزءٌ من مواليد الفئات الوسطى والعمال حيث كان ثمة تعلم جيد، في حين واجهت أجيالُ الريف والأحياء الشعبية الفقيرة في المدن مشكلات كبيرة أمام التشغيل وكانت من الصفوف التعليمية الدنيا أو من المتسربين من التعليم.

وقد واجهتْ هذه الأجيال من أبناء العمال أو المزارعين السابقين والحِرفيين والعاطلين المنافسة غير المنتظرة مع العمال الأجانب المتدفقين بوفرة والقابلين بأجور متدنية.

تصادمَ مستوى العمال الوطنيين المنخفض مع تدفق العمال الأجانب الوفير، وهذا مثّل أزمةً معيشية لهؤلاء الذين وجدوا نفسهم مطرودين من السوق أو مُهمشين فيه، وتوسع ذلك خاصةً في فئة الشباب.

ولم تشتغل الجماعات النقابية لدرس وحل هذه المشكلات بل عملت لتوظيفها سياسياً، وهو خط مثّل الطريقة المغامرة التي كانت تطفحُ في السنوات الوطنية والتي قللت من خطورتها نقابيةٌ ديمقراطية وأعمالٌ سياسية عقلانية، لكنها كانت موجودة رغم الصراع ضدها لضعف تقاليد النضال العمالي السياسي الديمقراطي وإنتشار روح المغامرة.

كان يُفترض النضال مع هؤلاء العمال الأجانب وضد الانخفاض المريع لأجورهم وسكنهم وعيشهم المزري، والصراع المشترك ضد الأجور المنخفضة وغياب قانون للحد الأدنى من الأجور والعمل لتغيير التعليم المهني البحريني، ومنع التسرب من المدارس، ومكافحة البطالة بشكل عميق ومستمر، ودعوة وزارات العمل والتربية والصناعة على حل مشكلات العمال الريفيين والعمال الفقراء عامةً وأوضاع النساء العاملات الاجتماعية المتخلفة سواءً من ضعف أجور النساء ومن إخراج البنات من التعليم أو من غيابِ رياض الأطفال في الريف والحرفِ والصناعات المخصصة للنساء وضعف التعليم التقني الزراعي والصناعي.

تفككُ أقسام الطبقة العاملة وعدم وجود قيادات موحَّدة ودراسات موضوعية عن أقسامها وأوضاعها حولها لطبقة ليست من أجل نفسها، وحوّل عمال الريف وعمال المؤسسات الصغيرة لكيان إجتماعي ضائع في السوق عاجز عن تغيير أوضاعه الصعبة وتطوير السوق الوطنية وتقدم المجتمع.

تفكيكُ وحدةِ العمال

     لوحظ لسنوات سابقة نهج مختلف في نقابة عمال ألبا عن نهج قيادة نقابات العمال البحرينية، التي تمثل أغلبية النقابات والحراك العمالي البحريني منذ سنوات التحول السياسي.

وهذا النهج أعتمد على التعاون والصراع مع إدارة الشركة وتحقيق مكاسب مهمة للعمال، في حين لم نجد هذا النهج موجوداً بقوة في قيادة نقابات العمال. وربما كانت هناك نقابات تقوم بذلك النهج على مستوى بعض الشركات وبعض النقابات ذات القيادات المستقلة وتحقق مكاسب للعمال لكن هذا لم يتحول إلى خط نقابي واضح ومستمر.

نهجُ الصراع المسيّس الحاد ونهج التعاون الصراعي أخذا يبرزان بشكلٍ غامض خلال السنتين الأخيرتين، اللتين كانت مفصليتين في حياة الطبقة العاملة في البحرين، ربما كانا متشابكين وغير متبلورين نظرياً وسياسياً، حيث عاشت القوى السياسية والاجتماعية الطالعة من العقود السابقة بدون فكر إصلاحي ديمقراطي وطني واضح ومتبلور، وهذا ما أنعكس على وقائع الأحداث في السنة السابقة، وبرز نهجُ المغامرةِ السياسية الحادة خطيراً على مصائر العمال طبقياً قبل أي شيء آخر، فقد أُلحقوا مثلما كانوا يُلحقون سابقاً بأحداث سياسية إجتماعية دون قراءة لنتائجها ومصيرها، ودون أن تكون لطبقتهم رؤية وقرار مستقل لكن هذه المرة بشكل وطني مناطقي كبير وخطير.

فكانت الخسائرُ جسيمةً على العمال وأسرهم بشكل خاص، لكن الأخطر هو بقاء مشكلاتهم في الشركات والمصانع والأعمال المختلفة بدون حلول، كما أن مشكلات الأسعار وتصاعدها وغلاء الايجارات وكافة القضايا الأخرى المتعلقة بمعيشتهم تفاقمت بدون حلول.

أنتج نهج المغامرة تعطيلاً لمجلس النواب وفقدانه للحراك الشعبي والجدل الساخن على المستوى السياسي، كما أنتج تعطيلاً للعمل النقابي المواجه لمشكلات العمال المتفاقمة غير المحلولة خلال هذه السنوات، كما أضر بالعمل البلدي وغياب حركته التي كانت مهمة واعدة.

وصار هناك صوت واحد في البرلمان لا أثر له ولا قوة تأثير ولا جدال حيوي، مما يجعل البلد في حالةِ بطالةٍ سياسية كبيرة، على مستويي المعارضة والموالاة. أما الهذيان السياسي اليومي والإدعاءات بالنشاط فكلامٌ فارغ لا يُقنع حتى الصبية في الشوارع!

أكثر المتضررين من نهج الانقسامات وتمزيق كل حي وكل جماعة هم العمال الذين يعانون في كل جانب، في مؤسساتهم وفي الحياة الاقتصادية المتفاقمة الغلاء والمصاعب المعيشية وتدفق العمال الأجانب المساكين بدورهم في كل مكان يخطفون اللقمةَ من المواطنين.

حين يكون الحل بالانقسام يغدو الأمرُ مشكلةً. كنا نتمنى أن يعالج إتحادُ النقابات الأمرَ بالحكمة، ويصّعد الديمقراطيةَ في داخله، وكان تجمعُ النقابيين الذي جرى قبل مدة وحاول أن يحل الاختلافات، ويجمع النقابيين على كلمةِ توحيد، تم نقضه من قبل البعض في إتحاد النقابات، فلم يُصعِّد هذا البعضُ نهجَ التوحيد فكان لجؤ الطرف الآخر للانشقاق.

بطبيعة الحال هذا ما يفرحُ خصومَ العمال لكن العمال وحدهم  هم الذين سيتضررون من هذه الانشقاقات، حيث لن يقف الأمر عند إنشقاق واحد بل ستتكاثر الانشقاقات والاتحادات مثلما حدث في الجمعيات النخبوية المتكاثرة كالعشب بعد الأمطار الشللية والنرجسية!

وكان يُنتظر من إتحاد النقابات أن يتوجه لحل مشكلات العمال في مؤسساتهم وشركاتهم، وأن يُحدث قراءات وحراكاً لفهم القضايا الاقتصاية وتقديم الحلول لها، وبدلاً من ذلك تكاثرت الخصومات بين النقابيين وتبودلت الاتهامات وكان هذا شيئاً مؤسفاً كما أنه أمر وطني خطير ومفجع، لكن ما ذنب العمال أن لا تجد القوى النقابية حلولاً لمشكلاتها؟ وكان يُفترض أن تتكرسَ لمشكلات العمال!

هل هو بسبب(ضخامة)أجور العمال؟ أم بسبب غياب المنافسة مع القوى العاملة الأجنبية أم هو بسبب الحضور الكثيف للبرلمان في قضايا العمال والدفاع عنهم وحل مشكلاتهم!

فيما النقابات مهيئة فقط للصراع السياسي ولإدخال الصراعات السياسية والمذهبية داخلها؟!

التسييس المطلوب هنا هو تسييس وطني لتفعيل البرلمان والبلديات والحريات العامة وتوحيد العمل النقابي الوطني الديمقراطي، لأن العمل النقابي لا يمكن أن يكون بلا سياسة، لكنها سياسة مسئولة ديمقراطية وطنية تراكم الإصلاحات وتطور قوى العمال سياسياً وثقافياً وأسرياً وصحياً.

 إن الديمقراطية تتطور بعمال متوحدين وشعب متماسك ولديه أدوات التغيير والإصلاح منعزل عن ظروف وصراعات المنطقة التي تفرضُ مشكلاتها علينا، فيستقلُ عنها ويدرك إن إختلافه الوطني أمرٌ داخلي لا تستغله قوى خارجية أو داخلية فتوظفها لمصلحتها.

إذا كنتم مسلمين فالقرآن دعا للوحدة، وإذا كنتم تقدميين فالبيان يقول يا عمال العالم إتحدوا، وأنتم تفرقون الأزقة البحرينية عن بعضها البعض، وتُدخلون العمالَ البسطاء في مشكلات سياسية وخلافات ولديه الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يريد حلولاً لها.

العمالُ والطائفية: ظرفٌ عامٌ

     يُفترضُ أن تكون الطبقات العاملة هي أكثر القوى الاجتماعية إبتعاداً عن مزالق التعصب القومي والشمولية الطائفية المحافظة، ولكنها أنزلقتْ كغيرِها من القوى الاجتماعية في نفس المسار الذي عقّدَ وأسنَّ وطيفَّ التطورَ الوطني الديمقراطي في كل بلد عربي إسلامي.

إنها قوى تعيشُ في ظروف قاسية وفي أعمال بسيطة خاصة عمال القطاع الخاص، حيث كثرة متنوعة من المؤسسات التي تعمل في مستويات مختلفة، وبإرادات كيفية في مسائل الأجور وظروف العمل.

إن تعقد مسارات التطور السياسي الاجتماعي في بلداننا وخاصة دول الخليج والمشرق العربي الإسلامي عامة يتمثل في عدم نضج التطور التاريخي السياسي، وغياب النضج هذا هو الذي أسسّ قواعدَ الرجوع المتعثر للماضي.

تكون الطبقتين المحوريتين في الديمقراطية الحديثة وهما البرجوازية والعمال جُوبه بعقباتٍ إقتصادية وإجتماعية وثقافية كبيرة، فزمنُ الاستعمار شهدَ صعود هاتين الطبقتين بحكمِ جوانب الليبرالية التي أشاعتها الدولُ الغربيةُ للهيمنةِ على المواد الخام المتوجهة إليها، رغم رثاثةِ أوضاع الشغيلة في المؤسسات النفطية والاقتصادية الأخرى، والتي كانت تقبلُ أية أجور متدنية وهي النازحة من الأرياف الفقيرة والمهن البحرية والحِرفية المختلفة وبلا تجارب نقابية وسياسية، لكن كانت تتواجد جوانبٌ من الحريات التي ساعدتْ على تطور الوعي النقابي والسياسي المحدود، فقد كانت الدولُ الغربية تريدُ من الدول العربية والإسلامية نسخَ تجربتِها لكن بدون توفير أسسها الموضوعية سوى فتاتٍ منها.

توفيرُ الأسس التحديثية الغربية من صناعات متطورة وقوى إجتماعية منبثقة منها، وحريات مواكبة، هو هدفٌ ظلَّ مثل السراب في حين كان الواقع هو العودةُ للوراء، والمضي نحو المجتمعاتِ التقليدية الطائفية! والأخطر نحو المجتمعات الدينية المتقاتلة ضد بعضها البعض كما يجري حالياً!

وهكذا قامت الانقلاباتُ العسكرية والإيديولوجية بتزييفِ الوعي الثوري، وإحلال الماضي الطائفي بديلاً عن المعاصرةِ العلمانية الديمقراطية، فكانت الانقلاباتُ تنحدرُ نحو الطوائف عبر رفض الحكوماتِ المختلفة المنبثقة منها أو المختلفة معها، للنموذج الديمقراطي العلماني، فالحكوماتُ عبرتْ عن قوى ارستقراطية عليا في طوائف غدتْ هي روابطُها وقلاعها في ظل رفضها للنمو الديمقراطي العصري، ووجدت نفسَها بتفاقم إمتيازاتها وتراكماتها المالية غير قادرة على الديمقراطية، فكان أن شجعتْ القوى الطائفية للعمل السياسي الواسع، أو أن العسكريين الكبار تحالفوا مع رجال الدين الكبار من أجل حَرف التطور السياسي نحو ضبابٍ إجتماعي يُصّعدُ الصراعَ الحربي بين الأمم والقوميات الدينية المختلفة بدلاً من عقلانية الصراع السلمي الديمقراطي الداخلي.

كان العمالُ أكبرَ الضحايا من جملة التطورات العاصفة، فأرتفاعُ قيم وسائل المعيشة المختلفة، ساير الإزدهارَ الزائفَ للعولمة، حيث كل السلع الجديدة معروضة إضافة إلى ثورة وسائل الاتصال والبناء والديكور، لكن المشترين قلةٌ في ظل أن مجالاتِ العمل محدودة، وقابلة للاختراق الواسع من قبل العمال الأجانب الذين هم ضحايا عماليين على مستوى القارات، لكنهم يزاحمون رفاقهم الوطنيين، ويطردونهم خارج السوق، واتسعت الاختراقاتُ للأسواق الوطنية عبر تفجر حروب إقليمية، أو عبر صراعات طائفية حادة.

وهذه المساراتُ عبرت عن رفض الدول العربية والإسلامية المستقلة السير على النموذج الديمقراطي الحديث، وتوجهها للسوق المعاصرة ببُنى وهياكل إقطاعية سياسية وإيديولوجية. فحمايةُ السوق الوطنية وإنتاج رأسمالية وطنية قوية وبعمالها الوطنيين المتطورين هو صلبُ التطور السياسي الديمقراطي المعاصر، لأنه لا ديمقراطية وحرية وطنية مع عمال عاطلين ومتخلفين، لكن هذا معدوم عبر هيمنة الرأسماليات الحكومية وإهتمامها بأرباحها، فيما القوى الرأسمالية المحلية المُحاصَّرة تلجأُ للعمال الأجانب ومستويات متخلفة من القوى من أجل البقاء في الأسواق المشتعلة.

وكل هذا يؤدي لتآكل الأسواق وتوجه الفوائض من أرباح المؤسسات الحكومية والخاصة، أو من العمال الأجانب، إلى الخارج لتنمية رأسماليات أخرى وراء الحدود! فيما تزداد العروضُ في الأسواق الوطنية تأزماً ويتدهور الطلب.

هذه الارتباكات في السوق تصعدُ الوعيَّ الديني المحافظ، حيث يغيبُ الفهمُ العقلاني وإدراكُ الأسباب ويغدو الغيبُ تعويذةً سحرية لحل كل المشكلات العصية، فالجمهورُ  العمالي يعود لوعيه الطائفي وهو يرى السلعَ والأجور تتبخر من بين يديه العاملتين بقوة، فيلوذُ بنصوصه الدينية وعباداته، لكي تنجيه من ظروف مادية تعصرهُ كل يوم، وهي جوانب تساير الطبقات العليا المسيطرة على الفوائض والسياسات غير الديمقراطية والإعلام والمؤسسات الدينية، في مختلف البلدان العربية والإسلامية، فتتصادمُ مع بعضها البعض بدلاً من تكوين منظومات إقتصادية حديثة متعاونة وتقود الصراعاتُ والحروب للمزيد من الانهيارات والطائفية واللاعقلانية السياسية.

العمالُ والطائفيةُ: إبعاد التحديثيين

     نشأت مؤسسةُ المصنع في العالم العربي الإسلامي بشكل غير تاريخي متدرجٍ ممتدٍ في الشبكة الاجتماعية الثقافية، بل كطفرةٍ داخلية وإستيراد، فخضعت للخيارت الذاتية للأفراد والجماعات والدول.

إعتمدت هذه المؤسسةُ على العلاقة الصراعية التعاونية بين الرأسماليين والعمال، وعبرتْ عن إنتقالها من التعسف والاستغلال المطلق إلى التعاون والديمقراطية الاقتصادية والسياسية، وعبرت عن تاريخ غربٍ أوربي خاص، إحتاجَ لعقود طويلة ليتجذر في غرب أوربا نفسها ثم إنتشر بصعوبة في بقية الغرب.

نشأةُ المصنعِ في المشرق العربي الإسلامي نشأةٌ مختلفة، ولم تكن تحولاً إستراتيجياً حتى ظهر المصنعُ بشكل مصنع تكرير النفط.

ظهورُ المصنع في المشرق بهذه الصورة كان علاقةً صراعية تعاونية مع الغرب، تمثلت بهِ ما ظهر في نشأة المصنع في الغرب والتسلسل التاريخي له من تعسفٍ وإستغلال ساحق حتى تعاون ديمقراطي.

لكن الجماعات السياسية المشرقية لم تفهم هذا الحضور الثنائي الصراعي، فقد تصورتهُ ملكيةً أجنبية على أرضها في البداية ثم تصورتْهُ ملكيةً وطنية خالصة لمن يسودُ الدولَ المشرقية المستقلة.

هذه الخليةُ الانتاجية المهمة التي اسمها مصنع التكرير واكبتها خليتان أخريتان هما الحزب الرأسمالي والحزب العمالي.

لقد أعطى مصنعُ التكرير وهمَ العلو والطيرانِ على الواقع المتخلف، فخلال ومضةٍ من عمر الزمن كان المالكون له قادرين على إمتلاك السيارة والقطار والطائرة والتحليق في الفضاء السياسي.

لقد توهموا الحداثةَ والمساواة مع مكتشف النفط ومستخرجه ومصدره ومستغله أبشع إستغلال حينذاك وهو الذي يمتلكُ شبكةَ التصنيع والتحديث والمواصلات والعلوم.

إن التحولات المفاجئة التي خلقتها فوائضُ النفط أوهمت الخليةَ الرأسماليةَ المبكرة إنها قادرة على المغامرة السياسية، سواءً بتأميم النفط أو بتحرر البلدان من الغرب. تجلى هذا في روسيا ولدى مصدق أو في العراق. وقد تحول الوهمُ لديها إلى كوارث وطنية.

كما تحول ذلك في الخلية العمالية إلى وهم آخر هو إمكانية التخلص من الرأسماليين، وهذا قاد لصناعةِ إيديولوجيات الطيران السياسي فوق الخرائط الموضوعية.

المصنعُ الغربي الذي تجاوز الثنائيةَ الصراعية المطلقة بعد عقودٍ طويلة إحتاج لشبكات إقتصادية وإجتماعية وتعليمية كثيفة لم تتشكل إلا من خلال الصراعات العنيفة بين طبقتي الانتاج، لكن العلاقات التي تطورتْ ديمقراطياً أتاحت تجنب الحروب والخسائر البشرية المنتجة وتلاشي الثروة المادية.

ولكن المصنعَ المشرقي النفطي خاصة إعتمد على التحليق فوق الظروف معتمداً على الوفرة المالية التي يتيحها معملُ التكرير الذي لم يستطع أن ينتجَ مصانعَ حقيقيةً مغايرة للنفط ومشتقاته، بل واصل إمتداده في مصانع خامات له، معبراً بهذا عن عدم قدرته على خلق ثورة صناعية حقيقية، وجسّدَ توسعاً إستهلاكياً ورساميل عقارية ومصرفية وخدماتية متسربة للأمان المالي وتاركةً الوطن العربي في جوع تنموي.

الطبقاتُ التي تملكتْ معامل التكرير أزاحتْ الرأسماليين والعمالَ معاً، وتوجهت الفوائضُ لجوانب تحديثية مظهرية، وراكمت الطبقاتُ الرأسمالية البيروقراطية الفوائضَ لديها ولم تعد لقوى الانتاج أي للرأسمالية الخاصة والعمال، وانتجت حشوداً من البرجوازيات الصغيرة التي إعتقدت قدرتها الكلية وإزاحت كل القوى وبهذا تتالت المشروعاتُ السياسية القوميةُ والشيوعية والطائفية أخيراً الكاسحة.

لم تعد الفوائضُ لهياكل الانتاج وتضخمتْ الجوانب الاقتصادية الاجتماعية الثانوية، فثمة ملايين المتاجر للاستهلاك ولا مصنعاً واحداً لصنع سيارة أو طائرة.

بتهميش الطبقتين المنتجين الرأسمالية والعمالية تم تكرار الوعي الطائفي الذي يكرسُ البقاءَ في العصر الإقطاعي بما فيه من تفتيت البلدان والجماعات والأحزاب والطبقات.

ولهذا يشكل الوعي الطائفي السياسي الأخير الراهن محاولة أخرى لإبعاد التحديث الديمقراطي العلماني وفرض شموليات طائفية محافظة، ولهذا يلعب النفطُ أو مؤسسةُ تكريره دور تصعيد هذه الجماعات وإشاعتها ودعم فصائلها من فوائض النفط والغاز، بقصد الحفاظ على الطابع المحافظ للدول العربية الإسلامية وعدم إنتقالها للحداثة الحقيقية.

إن مؤسسةَ التكرير النفطي لم تجعل المصنع رائداً واسعاً تحويلياً وبالتالي رفضت حضور الطبقتين المنتجتين وغذت وعيهما بالأوهام، والكرة التاريخية في ملعبهما وبضرورة إستعادة دوريهما.

العمالُ والطائفية : وحدةُ المصنع

     تتكرس الوحدةُ الوطنية ليس في الشوارع بل في المصانع أساساً.

المصانعُ هي الخلية الرئيسية لانتاج الوحدة الوطنية والعقلانية السياسية.

العلاقات الصراعية بين الرأسماليين والعمال تؤدي تاريخياً لتأطيرها ضمن الوحدة الصراعية، وبدونها تتعرض المجتمعات والتجارب السياسية للتمزق والفشل والعودة مجدداً إليها.

إن أرباب العمل لا تدفعهم إلى المشروع الصناعي نزعاتٌ خيرية بل البحث عن أرباح متصاعدة وسريعة لو أمكن.

إن أوضاعَ السوق والمتاح المفيد من المشروعات هي المحركات السريعة للمخاطرة برأسمالهم، وهذا الوعي المباشر النفعي هو ما يتكرسُ غالباً وطويلاً في الفهم التجاري السائد، وكل ما كانت دورةُ رأسِ المال سريعةً ومفيدة وخالية من المخاطر الاجتماعية والسياسية كلما كان ذلك هو الأفضل.

أما تغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاهتمام بطبيعةِ العمال الفكرية والوطنية فهي خارج الوعي النفعي المباشر، ولكن تلك الأوضاع وطبيعة العمال الوطنية هي أمورٌ جوهرية تؤثر في مصائر المصنع والحياة الاقتصادية عامة.

ورب العمل الكائن الاقتصادي النفعي المباشر يتطور ويفهم الأوضاع التاريخية التي تؤدي لازدهارِ بنية إقتصادية معينة وإنهيار بنية إقتصادية أخرى.

فالعمالُ ليسوا كماً بشرياً بل هم طبقةٌ شديدة الأهمية والضرورة للمصنع، وبدونها وبدون تطورها وإعادة إنتاجها في الأجيال القادمة، لا آفاق تاريخية له.

 تفجرت الأزماتُ الوطنيةُ والتاريخية في البلدان المختلفة حين تفجرت الأزمات في المصانع بدايةً، فعملياتُ التسريحِ الواسعة، أو الاعتماد الكثيف على العمال الأجانب بدون خطط للتطور الوطني، كانت هي المصادر الأساسية للأزمات السياسية الطاحنة عبر العقود.

أرباب العمل في تسريحهم للعمال أو في تفضيلهم للعمال ذوي الأجور الشديدة الانخفاض الأجانب كانوا يلغون الوحدةَ الوطنية في المصنع.

هذه الأوضاع أدت للقلاقل الاجتماعية السياسية الطويلة وغالباً ما يرون الربيع العربي بدون هذه السببيات الجوهرية. فقد إختلتْ الوحداتُ الوطنية على مستويات المعامل والمناجم والممتلكات الحكومية الاقتصادية أساساً وفاضت على المجتمعات.

المنجمُ يقدم مواداً ثمينة للشركة الحكومية ويقدم أجوراً شديدة الانخفاض للعمال وتقوم القوى الوسيطة: المقاولون والإدارات الحكومية والبنوك الحكومية والخاصة، بالاستفادة الأكبر من الفوائض الاقتصادية، بحيث تتحول المنطقة المنجمية أو الصناعية، إلى حزامِ فقرٍ وحين يتكاثر الأبناءُ بدون قدرة على الدخول في المناجم والمصانع والاشتغال في مهن هامشية كما حديث لبوعزيزي، فيؤدي ذلك لقيام قوى غير منتجة خاصة الأحزاب بإستغلال الأزمة والصعود للسلطات، ولكن المنجم يُتركُ في فقرهِ ولعدمِ تغيير العلاقات داخله ويُطلب منه الاستمرار في الانتاج داخل نفس الخريطة الاقتصادية الاجتماعية المتخلفة!

وذلك لأن عمالَ المنجم وأرباب العمل لم يتفاوضوا هم ويشكلوا وحدةً سياسية وطنية ويحددوا دور المصنع أو المنجم في الحياة الاقتصادية السياسية المشتركة وكيفية تطور الشبكة الصناعية العمالية التعليمية في النطاق الوطني بأسره بحيث لا تعتمد على الوسطاء الطفيليين وبحيث تتكاثر المصانعُ من خلال الفوائض النقدية ويتم تطويرها التقني المواكب للعصر.

الوحدة الوطنية هي من خلال هذا الصراع التوحيدي الرأسمالي العمالي فيقوم إنقسامُ الجماعاتِ على أساس موقعها في الانتاج وليس على أساس عقيدتها الدينية، وعلى إختلافِ مفاهيمها في كيفية توزيع الفوائض الاقتصادية، وكيفية تطوير القواعد الاقتصادية الوطنية، ومحاربة البطالة والفقر وضعف المدارس الصناعية وعادات البذخ والكسل والأدمان الجماهيرية، فثمة نقاطٌ مشتركة وثمة إختلافاتٌ، وهذا يجري عن طريق تيارات سياسية تبلورُ هذه الاختلافات وتعمل أعمالاً مشتركة أو أعمالاً فردية في ظل الاختلاف الوطني التعاوني تحت قبة البرلمان.

الوعي النفعي المباشرُ للطبقات يظهرُ من خلال النزعات العفوية الصراعية المؤثرة على تطور المنتجين، وعبر تركِ قوى سياسية تستغلُ هذه الصراعات لمصالحها الذاتية، ولهذا فإن حزبي أرباب العمل والعمال يكونان مهمين في حضورهما التاريخي القائم على إنتاج المعرفة الاقتصادية السياسية الاجتماعية لكلا الجانبين، ولوجودِ المصانع ومستقبلها الاجتماعي والتقني وعلاقاتها بالأسواق وبالمواد الخام المتجددة وعلاقاتها بالعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية وبتطور القوى المنتجة، وعبر الارتفاع عن هذا الوعي النفعي المباشر لكلا الفريقين، هذا يهتم بأرباحه لأقصى درجة وذات يهتم بأجوره لأقصى درجة.

العمال والنقابات والطائفية

     كان العمالُ السوفييت هم مؤسسو الحكم(الاشتراكي) وتحرر القوميات في الشرق حيث قامت تضحياتُهم في بناء المصانع وتقديم  الفوائض المالية للطبقة الحاكمة بل وقبل ذلك في القيام بالانقلاب المسلح وتأسيس الحرس والجيش وصنع الدولة الموحَّدة والدفاع عن حدودها ضد كافة المتدخلين والغزاة، أي أن دورهم كان محورياً، لكن السلطة كانت بقيادة فئة من البرجوازية الصغيرة، راحت تنفصلُ بعد عقودٍ عن هؤلاء العمال وورثتهم في الإنتاج.

غيابُ الديمقراطيةِ وعدمُ مراقبةِ الفوائض وبالتالي عدم معرفة التكوينات الطبقية في نموها داخل أجهزة السلطة وكيفية تشكل الفئات الجديدة من خلالها في المجتمع على مدى تلك العقود وكيفية سدها لمسام الديمقراطية الشعبية الأولى أدى إلى إنفصال العمال عن السلطة وعن التضحية من أجلها.

أشكالُ الوعي الوطنية التوحيدية التي رافقت عملية البناء المؤسِّس راحت تنهار مع إنفصال الحكم عن العمال، لنجدَ أن المؤسسات التوحيدية والحزب القائد والرؤى التقدمية والنقابات العمالية تتعرض للتبدل الهائل والانقلاب على أدوارها وهو أمر جرى في أغلب دول العالم النامي.

يمكننا هنا أن نقرأ تجربتَنا الوطنية البحرينية العمالية على ضوء ذلك مثل كل التجارب البشرية المعاصرة خاصة، فالأفكارُ الوطنية التي خُلقتْ عبر المنورين في بدايات القرن العشرين خاصةً والتي تغلغلتْ في الأندية ما كان لها أن تؤسس نضالاً وطنياً تحررياً من الاستعمار لولا إيمان العمال بها، مترافقاً ذلك مع الدفاع عن مصالحهم الاقتصادية في المنشآت خاصة النفطية منها.

وهذا النضال إتسع وتجذر في العقود التالية جاذباً إليه فئات مختلفة. ولهذا كان الاستقلال الوطني ونشؤ المؤسسات الدستورية مترافقاً مع النضال العمالي وزيادة مكاسبهم.

إن نشؤ رأسمالية الدولة في السبعينيات وإتساعها كان حجز الزاوية للتطور الاقتصادي الوطني ولكن إنفصالها عن العمال بعد ذلك، وهو الذي ظهر في حل المجلس الوطني وغياب المؤسسة البرلمانية، وتسرب الفوائض في جهات غير مراقبة أدى بعد سنوات  لانفصال العمال عن التوحيد الوطني.

فمختلفُ الطبقات والفئات راحت تبحث عن مصالحها الخاصة، عبر الأشكال المباشرة من الوعي الديني.

كان الوعي الوطني الذي نشأ عبر عقود القرن العشرين وتعملق في الستينيات وفي زمن الاستقلال وتكرس في الدستور، لم يجد أدوات تطوره في المؤسسات السياسية والاجتماعية المختلفة المشتركة.

وكانت بعض التيارات هي المشغولة بتأصيل الوعي الوطني وترافقت مع بذوره ونموه الكبير، وهي كذلك إنفصلت عنه، عبر التركيز على الوعي الطبقي المستورد من الرأسماليات الحكومية الشرقية، والذي أغنى الثقافة الوطنية بأدوات تحليل جديدة متطورة عن مستويات هيئة الاتحاد الوطني خلال عقدين لكنه لم يتطور ويواكب المرحلة الجديدة ولم يتح له الاندماج مع العمال ويقيم تحالفهم مع الفئات الوسطى التحديثية، فيما كانت اللجان المشتركة سائدة ولم ترتفع إلى مستوى الوعي الديمقراطي بالصراع الحر الوطني المتحد كذلك بين العمال والإدارة، بين العمال والرأسمالية الحكومية أو الخاصة. وهكذا تدهورت أدواتُ الوعي الوطني والوعي العمالي المستقل بسبب غياب تلك العلاقات الصراعية الاجتماعية الوطنية وأتيح للطائفيين السياسيين أن يتغلغلوا من بين هذه الثغرات.

إنفصالُ كافة الطبقات والفئات وإنكفائها نحو مصالحها الخاصة خلال عقود رأسمالية الدولة الشمولية، أدى إلى غياب أشكال الوعي الوطنية المنتجة خلال العقود السابقة، وبالتالي الرجوع لما قبل تلك المرحلة.

نشؤ النقاباتِ الطائفية كان نتيجةً إذن لتدهور الوعي الوطني، حيث كان لا بد لرأسماليةِ الدولة من أن تكون محوراً لكافة العمليات الاقتصادية الاجتماعية الثقافية وعبر أدوات الديمقراطية، وبحيث تتوزع الفوائض بأشكال وطنية وإنتاجية عادلة على مختلف المنتجين العماليين والرأسماليين الوطنيين، كما بدأت عملية التغيير في الوقت الراهن والتي تحتاج لتعميق واسع.

عودتنا لتلك المرحلة الوطنية ولأشكال وعيها وتطويرها لمستجدات العصر حيث أن خسائرها لا تزال تعرقل تطورنا الوطني فلا بد من عودة العلاقات الديمقراطية الصراعية الموحَّدة بين العمال ومختلف أرباب العمل سواءً في الشركات العامة أو الخاصة، بحيث يجد العمالُ مصالحهم تلتقي والتمسك بالدولة الوطنية ومؤسساتها، وبرامج التحول الدستورية فيها. وحين تتمكن هذه المؤسسات والقوى النقابية المتخلية عن الطائفية السياسية والمنتجة وحدة وطنية وتعددية ديقمراطية من تطوير حياة العمال الاقتصادية فإن أشكالَ الوعي الطائفية السياسية سوف تذبل كذلك.

إن الكثير من أشكال الحياة والظروف كالصحة والتعليم والبرلمان والبلديات وغيرها تتداخل والمؤسسات العمالية النقابية والمؤسسات الاقتصادية الانتاجية، وهي تتأثر بمدى نشاط العمال السياسي وممثليهم والجماعات السياسية المدافعة عن تطورهم وهي كلها تتجمع وتصب في تطوير المجتمع بشكل ديمقراطي.

العمال وواجب النضال والتوحيد

     لم تستطع التطوراتُ الاقتصادية السياسية الإيديولوجية أن تُظهر سوى عدة قوى بحرينية ذات حضور جماهيري وبينها التفاعل الإصلاحي الديمقراطي ضعيف.

قوة الدولة وفيها تمت قيادة البناء الاقتصاد الواسع خلال أكثر من نصف قرن، وشكلت الشركات العامة ومن خلال إدارة صعدت بمستوى البناء بشكل كبير ونتج منها كذلك مشكلات إقتصادية وإجتماعية وسياسية لم تتم معالجتها.

ورغم الفيوض المالية الكبيرة خلال نصف قرن من تدفق الثروة النفطية والانفتاح السياحي عبر بناء مئات الفنادق والشركات المالية ووجود أنظمة رسوم دقيقة على كل سلعة مستوردة وكون مشروعات الإسكان تجارة رابحة للدولة وتدفق المساعدات كذلك من دول الخليج إلا أن وضع الدولة الاقتصادي يتضح من خلال إجتماع لمجلس الوزراء الأخير الذي بحث:

 في(عدد من الخيارات لمعالجة الاختلالات المالية بتفعيل برامج للضبط المالي لتقييد الديّن الحكومي العام وخفض نسبته الى الناتج المحلي الاجمالي، واعادة هيكلة الدعم واستهداف توجيهه الى مستحقيه)، وهو الامر الذي اقترن بتشكيل لجنة على مستوى عال لترشيد المصروفات وضبط النفقات الحكومية ومعالجة أوجه الاختلالات المالية.

فمرئياتُ مجلس الوزراء تتجه للخارج الاجتماعي الشعبي وليس لأداء الحكومة خلال عقود، وتحويل قضية الفساد وإلتهام الملايين من قبل الهمين إلى مشكلة للضبط المالي وتقييد الدين الحكومي! ورغم ضخامة الطاقات الاقتصادية المستنزفّة من الأموال العامة فهي تتجه لوضع العبء الحكومي المستمر عن الخدمات الاقتصادية والصحية والتعليمية وتحميلها للسكان، لتتوارى عبر هاتين العدستين الحكوميتين الذاتيتين القضايا الحقيقية لتتجه نحو(إعادة هكيلة الدعم الحكومي وضرورة توجيهه لمستحقيه)!

وبهذا فإن الإدارة الحكومية كقوة سياسية مهيمنة لم تنجح خلال السنوات الأخيرة في تغيير المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الحرجة، فهي مترهلةٌ وهائلةُ الإنفاق، وهي تستطيع أن تتبدل لكنها لم تحصل على آليات تغيير إدارة الثروة العامة حيث هي لوحدها في التنفيذ فيما القوى الاجتماعية السياسية خارج عمليات الجدل السياسي والمساهمة الفعالة الإيجابية.

ولكن على ضخامة حضورها في المجتمع فلم تكّون قوةً سياسيةً مؤيدة لها بشكلٍ فعال ومنظمةً قادرةً على الدفاع الإيجابي عنها، وإصلاحها عبر وجود مرونة سياسية تنظيمية وقدرة على تحويل إدارة الدولة لقيادة ديناميكية إقتصادية سياسية  للمجتمع، بمعنى أن  تحول الوزارات لقيادات تنفيذية قادرة على تقليل نفقات الإدارة وتغيير البيروقراطية الواسعة المهدرة المتنفذة ولصناعة مشروعات مفيدة جماهيرياً.

وهذا الوضع الحكومي العام السياسي إنعكس على القوتين السياسيتين ذات الجمهور.

فالجماعات السنية المؤيدة للدولة ليست لديها رؤية نقدية تحليلية عامة للنظام تقوم على تنفيذها بقدر ما هي تعتمد على الصعود السياسي المالي خلال عقود طويلة سابقة، ومحاولة فرض السياسات المحافظة التي لم تكن تقبلُ بها الدولةُ نفسها ولا النخب المتطورة من السكان، نظراً لوجود منحى ليبرالي كبير في توجه الدولة، وقد برزت هذه الجماعاتُ السنية السياسية المحافظة في السنوات الأخيرة خاصةً لكونها تعارضُ الجماعات السياسية الشيعية فلم تساهم في إصلاح الدولة خلال تلك العقود أو تمد أيديها لتغيير أوضاع الناس ومساعدة الحكم في التغيير فصعدتْ لإحداثِ توازن سياسي أكثر من أن يكون لها دور تحويلي واضح، وهو أمرٌ يفترض أن يتغير وتُخلق ديناميكية فكرية تحليلية لقضايا الناس وعلاجها.

وكانت وما زالت الجماعات الشيعية ذات سياسة معارضة للنظام من الخارج ولظهور نظام شيعي مقابل للنظام السني، وهو أمرٌ جعلها في السياق الإيراني الانقلابي المتصاعد في السنوات الأخيرة خاصة.

ولهذا نجدها مثل الجماعات السنية المحافظة رغم الجمل الثورية الصاخبة، بلا برامج عملية محددة ملموسة لتغيير أوضاع الوزارات والمشكلات الجماهيرية مركزة على الشعارات السياسية العامة المجردة التي تمثل مناطحات وليست سياسات ممكنة وليست علاجات حقيقية لظروف البشر، إن عدم دخولها في النظام ومعالجة المشكلات بصور حقيقية يجعلها ضعيفة سياسياً وبلا خبرة في الإدارة فلم تتعلم شيئاً خلال هذه العقود إلا في مسائل البلديات.

أما الجماعات التحديثية اليسارية خاصة فهي لم تُعط أي فرص للحضور والمشاركة بل على العكس جُوبهت طويلاً، ويُفترض أن تكون لها سياسة مستقلة مشاركة لجهود الحكومة والبرلمان المختلفة في التغيير وإزالة المشكلات عن الناس، لكي تبرزَ وتعرف الحياة السياسية الاقتصادية الحقيقية وتساهم في تطوير البرلمان.

إن كل المشكلات الاقتصادية والسياسية تنزل فوق رؤوس العمال في النهاية، والفئات السياسية الوسطى تستطيع أن تعيش بظروف جيدة، لكن إنشقاقات القوى السياسية ترك أثره على الطبقة العاملة القوة الوحيدة الرئيسية القادرة على طرح مطالب الشعب وتطوير الإصلاح، ولهذا لا بد للقوى العمالية من رؤية منابع الفساد وهدر الأموال العامة وعرض ذلك في الكتابات والمطالب وفي البرلمان والبلديات، بدون تشنجات وفوضوية، بحيث تعود الفوائض المالية للسكان.

إن موضوعية الطبقة العاملة ومتابعتها جذور المشكلات والتقدم بخطوات نقد وطرح حلول وكتابة دراسات عن هذه القضايا العميقة واليومية هي المسائل المطلوبة من قيادات النقابات وهي العملية النضالية التي سوف تتجه لتوحيد الطبقة العاملة وحين تتوحد ويكون لها شأن في النضال العام ستوحدُ الشعبَ وتتغير التيارات السياسية السائدة.

تسريحُ العمالِ ومسئوليةُ الانتهازيين السياسيين

     لم يعدْ لشعبنا العامل أية أداة للدفاع عن مصالحه، فحين تتجرأ شركةٌ على تسريح أكثر من ألف عامل بكل بساطة وهي التي ضُخت فيها الملايين من عمله وقوته، فإن أكبر النقد يوجه للقوى الشعبية التي نزعت كلَ أدواتها النضالية الديمقراطية وجلستْ على طريق التسول العامة وتستجدي وتمدها يدها حسنة سياسية لله.

هذه عينةٌ صغيرةٌ لما يحلُّ بالجمهور العامل، الذي تمت قيادة جماعات مؤثرة منه في المغامرات السياسية، دون قدرة منه على خلق قواعد حقيقية صلبة للدفاع عن مصالحه الاقتصادية والاجتماعية خلال عقود من المراهقة السياسية.

ضربُ وحدة الشعب البحريني كانت هي المنجزُ الأولُ الكبير لهذه الجماعات السياسية الطائفية، عبر تشغيل موادٍ مذهبية مستوردة ونقلها للمجال السياسي وحشرها في لحم الناس، والحماس الصاخب لها، وعدم المبالاة بكوارثِها المتتالية، وإنتاج حراك الطوائف كان المعول الأول لضرب وضع العمال.

وبطبيعة الحال لم يكن العمال وحدهم من تعرض لشق الصف، فهناك التجار والشرائح المختلفة من الصناعيين والعقاريين وغيرهم، الذين تضررت مصالحها من محاولة فرض إرادة طائفة من قبل مجموعات من الطائفيين السياسيين الصاخبين وهو الأمر الذي نقل تناقضات الطائفية السياسية الفوضوية إلى المناطق التجارية والسكنية المختلفة.

إستكانت مجموعاتٌ من السكان لإرادةِ الطائفيين السياسيين اليمينيين المعادين للكادحين لعدم وعيها بجذورِ هؤلاء الطبقية وتصورت إنهم يمثلون طائفة وليس إنهم مجموعات من البرجوازيين الصغار الفوضويين التابعين لرجال الدين الإقطاعيين.

نقص الوعي الطبقي السياسي لدى السكان البسطاء سهلتْ ووسعتْ تمزقاته الجماعاتُ المدعيةُ الأنتماء لليسار والقوميين، التي لم تعر الطابع الطبقي لهؤلاء الطائفيين اليمينيين وتركتهم يوسعون دوائرَ نفوذهم في السكان، بحيث غدا هذا النفوذ تعطيلاً لكل وحدة ممكنة، وبل للحياة العادية الآمنة، ولهذا نقلتْ الأزمة والوعي الذيلي الانتهازي لهذه التنظيمات نفسها، فأقالت نفسَها من الحياة السياسية الحقيقية وغدت أداةُ زفةٍ لا أداة موقف نضالي صلب.

إستطاعت هذه الجماعات أن تشل التطور الديمقراطي الممكن للشعب، بتعطيل أدوات المجلس النيابي، الذي كان مشروعاً مفيداً لكنه تعرض للانقسام الحاد ثم للعجز السياسي الراهن.

كان البرلمان مطلباً مرتبطاً بتطور الديمقراطية، ووحدة الناس، وتطور وعيهم السياسي الوطني، لكن الاختطاف الطائفي لم يُرد سوى هيمنته الطائفية وإرادته المفروضة على الشعب، ولا يعبأ بظروف الشعب ومعاشه وتضحياته.

في هذا التعطيل الواسع للبرلمان والنقابات والبلديات ماذا يمكن أن يفعل غيرهم سوى أن يبقوا كطائفةٍ أخرى مختلفة؟

لكن هل يمكن بطائفيةٍ مضادة أن تتحقق مطالب الناس في تطور العيش وحل مشكلات البناء الاقتصادي؟

والعملُ بطائفيةٍ مضادة هو تكريس نفس الفعل الخاطئ، ولا يمكن تصحيح الطائفية إلا بوعي وطني مسئول، يعيدُ بناءَ ما دمرهُ الطائفيون السياسيون منذ البدايات التمزيقية، عبر الوقوف ضد شبكاتها وآراءها ومجمل عملها.

بدون ذلك يستمر الشللُ لكافة الطبقات، فالعمالُ يُفصلون ولا يجدون قوى نقابية وسياسية متماسكة موحدة تفكر فيهم كقوى عاملة وطنية وعربية وأجنبية، ذات مصالح مشتركة، والرأسماليون الوطنيون تتعرضُ أعمالهم للخطر والكساد وهم ينقلون الأزمة للمستهلكين وللبناء الاقتصادي ككل، فيقلصون أعمالهم ويفصلون العمال ويرفعون الأسعار.

فلا توجد هيئة تضامن وطنية بين العمال والرأسمالية الوطنية، ولا توجد أسسٌ للتعاون والنضال المشترك ضد الفوضويين الطائفيين الخطر الأكبر الداهم على شعبنا، فكلُ فريقٍ منفصل، ويتخذ الإجراءات التي تفيد مصالحه الخاصة، دون التفكير فيما هو مشترك.

لكن هذه الإجراءات والأنشطة سلبية وتؤثر على الناس ككل، وتفيدُ الفوضويين الطائفيين الذين ليس لهم مشروعٌ سياسي وطني حقيقي، فما هم سوى أدوات عميلة، لا تملكُ من قرارِها شيئاً وطنياً مسئولاً، وتغدو الفوضى ونشر الحرب الطائفية الأهلية هو نتاجُ تصرفاتهم في خاتمة المطاف.

فإذا لم تتحدوا عمالاً وأرباب عمل، وقوى وطنية ونواباً وتناضلوا من أجل الشعب لا من أجل فئات صغيرة نهمة للمكاسب الشخصية والفئوية، فالجميع يخسر ويتعرض للمكشلات الصعبة، خاصة العمال الذين يفقدون لا مكاسب تجارية بل فرص العيش والحياة.

عن البطالة

     ليس ثمة قضية كبيرة تحلها المؤسسات من دون أن تؤكدها الأرقام، لكن هنا كل شيء خاضع للتسييس، والأدلجة، والمواقف العابرة غير المتجذرة في مصالح البلد والشعب.

فأبسط شيء لحل قضية هو أن تـُعرف أرقامها بدقة، ومن دون معرفة هذه الأرقام التي يجمعها ويبثها جهازٌ موضوعي محايد لا يدخل في لعبة السياسة بالتالي، فإن القضية لا تتشكل ولا تنتهي، فهي مصدر إزعاج مستمر من جهات عدة، لكنها قضية حيوية لهؤلاء الذين لا يتاجرون فيها وهم العاطلون أنفسهم.

حين نقرأ بعض الأرقام للأجهزة الحكومية سوف نصاب بالحيرة والدهشة لأن الأرقام أولاً لا تكاد أن تتغير، وهي هنا أرقام بسيطة، محدودة، كأن يقول الوزير المختص إن عدد العاطلين لا يتجاوز ألفاً.

فلماذا إذًا كل هذه الضجة على ألف إذا كان الرقم صحيحاً؟

لنأخذ بعض الأرقام المسجلة عبر التصريحات المختلفة للمسئولين والجهات الإعلامية والتجارية:

(قال وزير العمل البحريني والشؤون الاجتماعية (السابق) عبدالنبي الشعلة إن عدد الباحثين عن العمل زاد إلى 9670 فرداً وهو الأعلى منذ سنوات وتمثل البطالة المسجلة 3،1% من القوة العاملة البالغة 307 آلاف فرد، في البحرين، ويبلغ عدد السكان 666 ألف نسمة، ثلثهم من الأجانب، وقدرت البطالة بحوالي 2،5% في نهاية 1999)، هذا التصريح لوزير العمل وقتذاك قيل سنة 2001، علق عليه اقتصاديون ودبلوماسيون كما يذكر الخبر بأنهم يقدرون البطالة بـ 10% بمن فيهم غير المسجلين لدى وزارة العمل.

لكن وزير العمل وقتذاك الأستاذ عبدالنبي الشعلة قال بعد فترة وجيزة وعبر مانشيت مثير نشرته إحدى الصحف (بالغة مستوى لم تبلغه البلاد من قبل.. البطالة في البحرين ترتفع إلى خمسة في المائة) ما يلي:

(قالت البحرين إن 16 ألف مواطن عاطلون عن العمل وفقاً لسجلات شهر ديسمبر. قال وزير العمل إن هذا الرقم يمثل 5% من إجمالي عدد سكانها البالغ 651 ألفا أكثر من ثلثهم أجانب. وفي أبريل الماضي لم يزد عدد المسجلين لدى الوزارة على 9670).

خلال فترة وجيزة تغيرت الأرقام وتغيرت النسب، من دون أن نعرف من قام بالإحصاء ومن حدد الأرقام وغيرها هذا التغيير الكبير كله.

نرى أن العالم الخارجي دائماً يشكك في أرقام المسئولين وهي عادة تجري دائماً، ولكن الفجوة كبيرة بين أرقام الوزير وقراءات الخبراء.

ولكن أن تكون لوزارة العمل أرقام ثم تتغير تغيراً كبيراً بين شهري أبريل وديسمبر من العام نفسه فهو بفضل تلك العجائبية في الوزارات البحرينية.

ثم نجد الشعارات المطروحة نفسها:

(ومنعت البحرين الأجانب من شغل بعض المهن لتوفير الأعمال للبحرينيين)، كلام من سنة .2002 رويترز.

عليك أن تقارن هذا (المنع) بتزايد الأرقام لأعداد الأجانب فقد تفاقمت الأرقام كثيراً ولم يحدث المنع لبعض الأعمال بل حدث الانتشار كما سيظهرُ لاحقاً.

(وخصصت 25 مليون دينار(66 مليون دولار) لسنة 2002 للمساعدة على إيجاد فرص عمل وتوفير تدريب مهني). لكن لمن؟ للألف من المسجلين في سنة 1999 أم للألف المسجلين سنة 2002؟ أم للأعداد المتزايدة الجديدة المجهولة سابقاً التي ظهرت فجأة وبفعل السحر الوزاري؟

وفي الفترة نفسها قالت الحكومة إن على (القطاع الخاص أن يوظف عشرين ألفا من العاطلين).

(ويشير بعضُ أعضاء مجلس الشورى إلى أن ظاهرة البطالة التي دفعت حدتها مؤخراً بعض الشبان للاعتصام احتجاجاً داخل مبنى وزارة العمل في المنامة تطول ما بين 20 و30 ألف شخص وبما معدله 25% من اليد العاملة في هذه الدولة التي يبلغ عدد سكانها 700 ألف شخص)، (العربية، 10/ 5/ 2001).

وبما أن الأرقام للمشكلة، لأعداد العاطلين، متحركة زئبقية، ضائعة وتائهة، وقد غادرتْ علمَ الإحصاء ودخلتْ علمَ الجان، فقد تاهت المشكلة وجسمها المحدد.

لكن الأرقام تختلف عند وزير العمل الحالي الدكتور مجيد العلوي، فرغم ان سعادته يكرر رقم الألف العاطل الشهير مراراً، فإنه يقول بعد فترة من تطبيق برنامج التوظيف الوطني ما يلي:

(قال وزير العمل البحريني د. مجيد العلوي إن نسبة البطالة انخفضت من 15% إلى 4%. كما قال سعادته إن هناك ستة آلاف وسبعمائة وظيفة شاغرة في الحكومة)، (إيلاف، يوم الأحد، 26 نوفمبر، 2006).

لكن اتضح أن الوظائف الشاغرة في الحكومة ليست بهذه الأرقام الكبيرة، فهل كانت نسب الوزير دقيقة؟

ويبدو هذا التوهان في الأرقام قد تسرب إلى كتابة أستاذ جامعي وخبير اقتصادي ونائب حالي في البرلمان فذكر(لا يُعرف على وجه الدقة حجم البطالة في البحرين فحسب تقرير لوكالة الاسوشيتد برس تبلغ نسبة البطالة 15 في المائة في اوساط العمالة الوطنية، إلا أن نسبة البطالة أقل من ذلك بكثير حسب الاحصائيات الحكومية. يبقى الشيء المؤكد هو أن الإناث يشكلن الغالبية العظمى من العاطلين، وعلى هذا الأساس فإن مشروع التأمين ضد التعطل سيفيد النساء أكثر من الذكور)، (جاسم حسين، مشروع التأمين ضد التعطل، صحيفة الاقتصادية الإلكترونية، 2008).

يجعلنا هذا الكلام نظن بوجود بطالة في العمالة غير الوطنية أيضاً، كما أنه كلام في حالة ذهول غيبي عن الأرقام، ثم يعلمنا معلومة خطيرة أخرى هي أن النساء هن الأكثر بطالة واستفادة من مشروع التأمين ضد البطالة، وليس هنا ثمة تعريف لبطالة النساء، لأن ثلث النساء قابعات في بيوتهن في بطالة إلزامية منذ عقود، وهذا يعني ان الأرقام المطروحة أكثر بكثير من أرقام وكالة أمريكية للأنباء تعرف أفضل من متخصص بحريني في الاقتصاد.

نجد بدلاً من هذه الأرقام التائهة معلومات محددة من دراسة مؤسسة ماكنزي التي أعدت دراسة حول البطالة وتطورها المتصاعد مستقبلاً:

(وجاء في الدراسة التي أعدتها مؤسسة ماكنزي للاستشارات لحساب مجلس التنمية الاقتصادية وطُرحت في ورشة عمل نظمها المجلس.. أن هناك حوالي عشرين ألف بحريني من دون وظيفة) مضيفة ان هذا الرقم سيشهد ارتفاعاً كبيراً إذا لم يتم شيء حياله.

(وأضافت إذا استمرت التوجهات الراهنة في نوعية الوظائف الجديدة ومشاركة البحرينيين في سوق العمل يمكن للبطالة أن تبلغ 70 ألف عاطل أي 35% من اجمالي قوى العمل بحلول عام 2013 في حال بقاء الأوضاع على حالها).

وتابعت الدراسة (ومع أن هذه الأرقام مثيرة للقلق فإنها لا تكشف بالكامل عن مدى خطورة المشكلة، فإن ثلث البحرينيين يعملون في وظائف لا تفي بمستوى مهاراتهم وسوف تزداد النسبة إلى حوالي 70% من قوى العمل بحلول 2013)، (شبكة النبأ المعلوماتية 2004).

الظاهرة غير معروفة تماماً لدى الجهات المسؤولة، أرقامها متبخرة متحولة، والدولة وعدد سكانها في حالة سيولة غامضة، فكيف تـُحل مشكلة؟

كانت الدراسة الأخيرة أقرب للموضوعية بسبب عدم وجود خلفية مسيسة ومؤدلجة، وحاولت أن تضع أرقاماً وحقائق مستندة إلى جسم الاقتصاد المدروس بشكل موضوعي.

تغدو المقاربة هنا مهمة عبر درس الهيكل الاقتصادي وأعداد السكان المواطنين والعمالة المهاجرة وحراكها الداخلي المضمر والخارجي المحدد بأرقام.

لكن من جهة الوزارات كل شيء مخفي متوار، والسحرة يشتغلون ويخرجون الأرانب والأرقام من القبعات.

في الصين التي يبلغ عدد سكانها مليارا وثلاثمائة مليون أرقام البطالة محددة ومعروفة تماماً، والحكومة لا تخفي الأرقام على ضخامة السكان.

علينا أن نبحث ما وراء هذه الأرقام البحرينية المضطربة.

            رأينا الاضطراب في أرقام ظاهرة محورية من حياة المجتمع البحريني، وهذا الاضطراب يرجعُ إلى جملةٍ من العوامل، فهناك العوامل السياسية المباشرة، حيث يقول جهاز وزارة إنه مسيطر تمام السيطرة على تلك الظاهرة وهو بسبيل القضاء عليها.

فهو يقدمُ أرقاماً غير دقيقة تبعاً لحالته السياسية، حيث ان تفاقم هذه الظاهرة وتحولها إلى مشكلات في الشارع، هو أمر مختلف عن رصد هذه الظاهرة حين يسود الهدوء وتنتشر الأعمال المربحة.

كما أن الأمر يعود إلى مستوى أكبر من وزارة العمل، إلى بناء اجتماعي عام لا تستطيع السيطرة عليه، وهو يعود إلى وضع البناء الاقتصادي الوطني المتناقض وغير المبرمج وغير المحكم التطور، فهناك ثلاثة أبنية اقتصادية تشتغل في نظام اجتماعي واحد.

الأول هو القطاع الحكومي الأقرب نسبياً للمعرفة العامة.

الثاني هو القطاع الخاص الذي ينأى عن هذه المعرفة نسبياً، ويختلط فيه الوضوحُ والغموض، لأسبابٍ كثيرة.

الثالث هو القطاعُ المختلط، القطاعُ الذي تخرجُ إليه أموالٌ حكومية وخاصة وينمو بطرائق مجهولة تماماً. وهو قطاع لا نعرفه ولا نستطيع رصده لغياب المعلومات لكنه مؤثر كثيراً.

هذه القطاعات الاقتصادية الثلاثة تشكل منظومة اقتصادية غير محكمة التنسيق والترابط، فالقطاع العام الذي يُفترض أن يعبرَ عن ملكية الناس.

ولكن القطاع العام بدوريه السياسي والاقتصادي المهيمنين يحاول أن يسيطر على البطالة بإجراءات لا تضر القطاع الخاص، فهو أيضاً بحكم التداخل مع القطاع الخاص، لا يريد أن يضعف القطاع الخاص.

ومن هنا ثمة (بطالة) مقنعة داخله فدوره الأبوي وعدم معرفة كيفية ظهور ونمو المداخيل العامة، يجعله يقوم بالتوظيف الإداري الواسع، من دون أن يكون العديد من الوظائف ذا جدوى اقتصادية.

ويمكن القول هنا إن القوى التقليدية غير الرأسمالية الحديثة تعمل على بقاء الأبوية من جهة الدولة بتضخم أجهزتها وأعدادها، وتحولها إلى (أب) راع لكنه يخسر دوره باستمرار، لأنه لا مكان للأسرة الأبوية السياسية، وينتج عن ذلك (البطالة) المقنعة. وسوف تجبر عملياتُ التطور والتقشف وتراكم العجز على أن تتحلل الدولة من دورها كأب سياسي، وتخفض من البطالة المقنعة فيها، ولا يحدث هذا من دون نمو العملية الديمقراطية خاصة مساهمة أرباب العمل والعمال في الحياة السياسية، ومن دون حضور هاتين الطبقتين في أعمال البرلمان وتحملهما مسئولياتهما مع الدولة وتراجع الدولة عن العديد من سلطاتها الاقتصادية، لا يمكن القضاء على البطالة بشكل مؤثر.

في حين يلعبُ شيوخ الدين دور الأب في حياة الأسرة الخاصة، ويزداد حضورهم فيها كلما نأت هذه الأسر عن العمليات الرأسمالية التحديثية وعدم تشغيل نسائها. فتزداد فواتير الحياة المتراكمة عليها، إذا لم تقم بتحديث علاقاتها السياسية الاجتماعية الأسرية نحو الديمقراطية المنزلية، ولهذا فلدينا بطالة مقنعة كبيرة في البيوت، رغم أن النساء يقمن بعمل شاق في المنازل من دون أن يأخذن عليه أجوراً.

فلابد للقضاء على البطالة المقنعة من رسملة الدولة والأسرة، وهو الأمر الذي يقود إلى تخفيض البطالة المقنعة وزيادتها في الحياة العامة إذ لم تتخذ تطورات مناسبة كإحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية وإعادة تأهيلها خاصة في مجال التقنيات الحديثة لأنه الأنسب للبلد والأكثر جدوى.

لهذا فإن وزارة العمل توجه قدرتها على متابعة القطاع الخاص، ومراقبته ومحاولة جعله يسهم في حل مشكلة البطالة في إطار نظرة جزئية بيروقراطية تعالج بعض الطفح الجلدي ولكن لا تخترق الأنسجة الداخلية للمريض.

والقطاع الخاص يتهرب من أن يكون كبش فداء لنظام اقتصادي تهيمن فيه الحكومة، وهو يقول إنه اقتصاد حر، ولهذا فإن أجندة العمالة في القطاع الخاص تابعة لمسألتي الربح والخسارة، لا للاستقرار السياسي والوحدة الوطنية والانتخابات وغيرها من أجندة الحكومة.

فهو لن يقدم لها المعلومات الدقيقة عن العمالة داخله وجنسياتها ولن يسهم في توظيف العمال البحرينيين بالشكل المطلوب في هذه التحديات.

إن هذا يعود لمدى قدرته الاقتصادية، ولمدى تطور العمالة البحرينية تقنياً ومدى قبولها بالأجور داخله، فالقضية هنا ليست سياسية، فإذا كانت الحكومة بسيطرتها على 80% من الاقتصاد الكبير في البلد لا تستطيع أن تفعل ذلك فهل يفعله من يملك أقل من تلك النسبة؟

أما الاقتصاد المختلط الثالث في هذه القائمة فهو مليء بتجار “الفري فيزا” واستغلال الموظفين الحكوميين لنفوذهم في تأجير بناياتهم للموظفين الأجانب، والتهام الأراضي والشواطئ، واحتكارهم أفضل الشروط الاقتصادية والمالية والجغرافية، فهذه كلها منطقة معدومة الرؤية، يجرى فيها كذلك جلب العمالة الأجنبية بتوسع ونشرها في البلد “تطفيشها” المواطنين من أرزاقهم وزياداتها لبعض المواطنين في حصالاتهم.

أناس تدخل وأناس تخرج، فكيف يتم حصار البطالة؟

كيف تتم معرفة الأرقام والبلد في حالةِ سيولةِ مصالح، هذا يفتح شركات ويطلب عمالة، وهذا يغلق شركات ويسرح عمالة تبقى في البلد؟ وهذا وذاك يجلبان عمالة بتوسع فهي رخيصة عابرة بلا أوراق مدققة، ويتم التلاعب بحالاتها ومصائرها وأجورها؟

هو اقتصاد غير راسخ البناء، الرواتب والأجور والمداخيل في القطاع العام لها مسارات.

ويتسبب ذلك في ضبابية الأرقام وهامشيتها وعدم وضوحها.

وفي القطاع الخاص للرواتب والأجور حسابات مختلفة، مغايرة عن القطاع العام، وصار للقطاعين إجازات وعطل ومعاشات مختلفة، وهذا يُدين وذاك يستدين، وهذا يخفي أرباحه وذاك ينشرها على الملأ بمباهاة تجارية وسياسية، وكتل من المواطنين والأجانب ذات نسب اشتغال مختلفة تماماً عند كل من (الأرباب)، وصارا مثل الطائفتين لهما مواعيد متعددة، فغدت هناك طائفية دينية وطائفية اقتصادية.

كذلك فإن للقطاع الخاص فساده المختلف.

وثمة علاقة وطيدة بين البطالة المقنعة والبطالة المكشوفة، الدولة لا تستطيع أن تقوم بعملية جراحية اقتصادية عميقة، ولكن الظروف الاقتصادية المتفاقمة سوف تجبرها على ذلك، والقطاع الخاص لا تهمه سوى مؤسساته النائية في ظنه عن القطاع العام ومشكلاته، ولهذا ليست لديه سياسة وطنية بامتصاص العمالة الزائدة في الدولة والبطالة المتزايدة في المجتمع. والدولة لا تستطيع أن تتحول إلى دولة ذات حسابات رأسمالية شاملة وذات حسابات سياسية تحديثية ديمقراطية كاملة، ومن هنا تبقى القطاعاتُ الثلاثة تفرز البطالة من كل مسامها. التبصر والتخطيط والوطنية وغيرها من الصفات الحميدة مطلوبة، لكن هل تـُطبق؟

إن غياب الأرقام الدقيقة، وغياب السياسات البعيدة المدى، وتناقضات الهياكل الاقتصادية الثلاثة، هي كلها عجينة واحدة.

ولهذا فالقول إن اقتصادنا هو شبيه باقتصاد الدول المتقدمة هو أمر غير دقيق، فاقتصادنا هو اقتصاد لمجتمع تقليدي متحول إلى الرأسمالية ولكن لم يصل إلى الرأسمالية المتقدمة، ولذلك فالبطالة هناك ناتجة عن مجتمع رأسمالي توحدت هياكله، وتلعب فيه الدولة دورا سياسيا فقط.

كذلك فإن العمالة النسائية العالية شرط له، في حين هناك أكثر من ثلاثين امرأة في المنازل، وهي بطالة مقنعة أسرية واسعة، في حين تأتي النساء من الخارج للعمل بشكل واسع.

       اتجهت وزارة العمل بجهود حثيثة للقضاء على البطالة، الظاهرة الطافحة على جسد المجتمع، وكانت الجهود متواضعة.

وهي تتركز كما قلنا في قطاع الشباب والخريجين والعمال المفصولين من أعمالهم، وهو قطاع صغير إذا قسنا البطالة بمعناها الواسع السابق الذكر. وهو قطاع رغم صغره ظل بعيداً عن الرصد الكمي، من حيث التدفق المستمر للأجيال الجديدة التي تتخرج من التعليم أو التي تتسرب منه (يعاون ذلك عدم وجود قانون للتعليم الإلزامي)، وكذلك تصاعد جهود النساء للخروج من البطالة المنزلية، وعددهن غير محدد. كذلك هناك العاطلون وهم عدد ممكن ضبطه وهناك المهاجرون وبعضهم ذاب في المجتمعات الأخرى وبعضهم لم يذب.

ومنذ يناير توجهت وزارة العمل للسيطرة على ظاهرة البطالة الشبابية في أغلبها الأعم، فظهر قانون الضمان ضد التعطل في بداية سنة 2007، حيث نص القانون على دفع مبلغ شهري للعاطل وهو 150 ديناراً، وهو بالكاد يكفي للمواصلات وبعض الوجبات خلال شهر، ويُدفع هذا المبلغ بعد دراسة حالة العاطل وكونها حقيقية، وهذه عملية بيروقراطية مجهدة للعاطلين للحصول على مثل هذا المبلغ الهزيل.

ثم إنه إذا حصل العاطل على شهادة جامعية يُرفع المبلغ إلى 180!

وقانون الضمان ضد التعطل تتعاضد معه إجراءاتُ رفعِ كلفة العمال الأجانب واستخدام الرسوم المتحصلة في تدريب العمال البحرينيين.

فهنا تقوم المؤسساتُ الحكومية بأخذ الأموال من القطاع الخاص للتدريب وللقضاء على البطالة، فالأموال تؤخذ من القطاع الخاص، ولهذا تبدو هذه الأموال والعملية كلها متواضعة.

ومن الواضح هنا كيف تتم المعالجة لظاهرة البطالة بصورة إدارية وبالاعتماد على أموال محدودة، لا تمثل شيئاً كبيراً للعاطلين، ولا لاجتثاث الظاهرة.

وعلى طريقة هذا التعكز جاء إجراء فتح مكتب التوظيف في قطر:

(صرح وزير العمل الدكتور مجيد العلوي انه سيتم افتتاح مكتب توظيف البحرينيين في الدوحة بدعم من الحكومة القطرية مشيراً إلى أنه سيلحقه ثلاثة مكاتب في أبوظبي ودبي وسلطنة عمان خلال الأشهر الثلاثة المقبلة)، جرى ذلك يوم 29/10/.2007

وأكد الوزير في حواره ان توظيف البحرينيين بدول الخليج لا يعني خروج الكفاءات البحرينية إلى الخارج، وإنما يعتبر نقلاً للكفاءات وتبادلاً للخبرات بين دول الخليج في إطار قانون التأمينات الجديد)، وأضاف العلوي أن العمالة الأجنبية زادت بنسبة 40% سنوياً مع الطفرة الاقتصادية في البحرين).

ولنلاحظ هنا التناقضات التي تتشكل في مثل هذه السياسة لمكافحة البطالة، فإن سياسة التدرج في القضاء على البطالة ودفع القطاع الخاص بإجراءات زيادة رسوم العمل التي تبلغ حسب تصريح الوزير بين 20 إلى 30 مليون دينار، وهي التي تقوم بإعالة العاطلين بذلك الفتات.

أي أن هذه السياسة لم تثمر، بسبب إن العمالة الأجنبية زادت على حد قول سعادته بنسبة 40%.

ولا نعرف من الذي زادها وعرقل إجراءات الدولة، ولماذا لم تحدث تدخلات بهذا الشأن كأن يوضع العمال البحرينيون على قائمة هذه الزيادات؟!

ولكن الوزارة تقوم بعمل جبار آخر هو افتتاح مكاتب توظيف!

وهل احتاج البحرينيون على مدى السنوات الطويلة السابقة للعمل في دول الخليج إلى مكاتب توظيف؟!

ثم كيف يكون ذهاب البحريني للبحث عن عمل في بلد آخر تبادلاً للخبرات؟

وهل هناك خبرات من تلك الدول في بحريننا الغالية لكي يحدث هذا التبادل العميق؟

وأي تبادل للخبرات لأناس فقدوا أعمالهم في بلدهم ليتغربوا في حين ان الوزارة عاجزة عن فتح مكاتب توظيف لهم في المنامة والرفاع والمحرق؟

تبدو مثل هذه الإجراءات البيروقراطية المحدودة هي أقصى جهد يُبذل، نظراً لتلك الرؤية المحدودة للمشكلة وعدم تناولها من جذورها.

فليس ثمة قوانين توظيف تجاه القطاع الخاص بنسبة معينة ولو ضئيلة.

وليس ثمة إجراءات بحرنة في أجهزة الدولة ذاتها المليئة بالموظفين والعمال الأجانب.

مع كثرة دخول الدولة وكثرة الرسوم والموارد المختلفة، فتقوم بمشروع جبار للقضاء على البطالة لكن من خلال رسوم على القطاع الخاص؟!

وما يمكن أن يحدث للإجراءات التي تقوم بها وزارة العمل تجاه ظاهرة البطالة هي المعالجة الجزئية المفيدة على كل حال، لكنها محدودة وناقصة، لكون مسامات المجتمع المتعددة سوف تضخ عاطلين بشكل مستمر ومتصاعد.

وإذا تذكر توصيات دراسة ماكنزي فإن البطالة سوف ترتفع إلى معدلات قياسية مستقبلاً، حيث لا يقود على التوظيفات ولا تحديدات، وضخ المجتمع للعاطلين عبر التخرج والبيوت سوف لن يتوقف.

والعمالة الأجنبية ذاتها تضخ بطالة أو تحل محل وظائف وطنية، فالعمال الأجانب يجلبون أسرهم ويوظفونهم في مختلف الأعمال، من دون ضبط.

لقد جاءت التصريحات الحكومية الأخيرة عن تراجع نسبة البطالة بصورة مفرحة، حيث بلغت كما قيل 8،3،% والمقصود بها القطاع الشبابي، لكن مثل هذه النسبة في هذا القطاع تعني الخريجين الجدد والطلبة والعمال البحرينيين المفصولين من الشركات وغيرهم في حين أن معدلات توظيف العمالة الأجنبية يزداد.

فهذا لا يعني السيطرة على الظاهرة، إلا بشكل محدود.

ولهذا فإن الخبراء يطرحون ضرورة السيطرة على مشكلات البنية الاجتماعية ككل:

(لم تنجح حكومات دول الخليج الغنية بالنفط حتى الآن في القضاء على مشكلة البطالة على الرغم من الفورة النفطية التي تدر عليها عائدات قياسية وتغذي نموها الاقتصادي.

واعتمدت معظم دول مجلس التعاون الخليجي برامج لتأهيل مواطنيها لدمجهم في سوق العمل إلا ان القطاع الخاص مازال يعتمد بشكل واسع على اليد العاملة الاجنبية. وقال الخبير الاقتصادي السعودي احسان بوحليقة ان اسواق مجلس التعاون شوهت بسبب انفتاحها المفرط على اليد العاملة الاجنبية ولكون القطاع العام يشكل ملجئاً ملائما جدا بالنسبة للمواطنين.

وقال بوحليقة ان تدفق العمال الاجانب الى دول مجلس التعاون حيث باتوا يشكلون حوالي 40% من السكان يمثل ظاهرة فريدة في العالم “فليس هناك أي مكان آخر في العالم تسير الامور فيه على هذا النحو”. ويبلغ اجمالي عدد سكان دول المجلس 37 مليون نسمة بحسب آخر ارقام للامانة العامة للمجلس يمثل الاجانب 40% منهم).

ويقول أحد المحللين الاقتصاديين تعليقاً على اتساع البطالة في الدول العربية عامة بشكل غير مسبوق:

(تعلمنا من دراستنا للبطالة في البلدان العربية إنه لا توجد إحصائيات رسمية أو شبه رسمية يمكن الارتكاز عليها في الدول العربية، بسبب ضعف الإدارة والفساد، وحتى لو كانت النسب مقاربة إلا أنها لا تشمل البطالة المقنعة الحكومية حيث يقوم عشرة عمال بأداء وظيفة عامل واحد، أو العمال المسجلين بدون عمل، فعلى الحكومات العربية إعادة نظر شاملة لتوزيع الثروات وتوجيه الاستثمارات الخاصة والعامة..).

وفي الواقع إن عمليات تغيير البطالة تتطلب إجراءات واسعة من قبل الحكومات والبرلمان والنقابات وهي إعادة تشكيل للمجتمعات وهي مسألة تاريخية.

نضال النساء في البحرين

الفصــل السابع : من كتاب إضاءة لذاكرة البحرين

تدهورُ مكانةِ النساء

نضال النساء في البحرين

نضال النساء البحرينيات ضعيفٌ ومحدود

النساء في ظل الدكتاتورية الذكورية

المرأة ودكتاتور الأسرة

حريات النساء مقياس للديمقراطية

النساء وضعف الخبرة السياسية

النساء والانتخابات

النساء والنضال الموسمي

تحالف التجار والعمال والنساء

المرأة بين السلبية والمبادرة

دليل المرأة الذكية للوحدة الوطنية

المرأة والنهضة

النساء وقضية الأنا

الحجاب والهيمنة

المرأة والحداثة المهزومة الأولى

خطورة الوعي السلبي للمرأة

تدهورُ مكانةِ النساء

 لم تصور الملاحم والآداب وتواريخ الشعوب تدهورَ مكانة النساء بصور واضحة، بل عبر القصص والأساطير والحكايات الغريبة التي لن يجد فيها القراءُ المعاصرون أية علاقة بين حرمان النساء من الإرث الكامل والحق في اختيار الزوج وبين الموروث الفكري الديني.

بدأت قصصُ انهيار مكانة النساء في التحول منذ العصور الحضارية الأولى، حين عرف الناسُ المدنَ والكتابة، وقويت شوكات الرجال الحكام والعاملين ولهذا فإن اسطورة جلجامش الباحث عن عشب الخلود تبدو لا صلة لها بهذا التدهور لكنها ترميز حقيقي تاريخي أسطوري لهذا.

(ابتهل سكان أورك للآلهة بأن تجد لهم مخرجا من ظلم جلجامش فاستجابت الآلهة وقامت إحدى الإلهات، واسمها أرورو، بخلق رجل حي كان الشعر الكثيف يغطي جسده ويعيش في البرية يأكل الأعشاب ويشرب الماء مع الحيوانات).

تجسد الاساطير واقعَ الانسان التاريخي عبر النماذج المبهرة، ذوات الأعمال العظيمة، ولهذا فإن جلجامش ملك المدينة المتطورة نقيض لأنكيدو المتوحش العائش في البراري والغابات.

وهذا تمثلٌ لتناقض المجتمع الحضاري الأول بين المدن والبداوة ومناطق الزراع الغابية المتخلفة، ولهذا نجد أنكيدو مجرد كادح يحاول تخليص الوحوش من شباك الصيادين، وهذه المهنة لم تترك له فرصة لكي يتمدن، ولهذا فإن جلجامش يجلب القروي الغابي المتخلف لدائرة تمدنه عبر إغراقه بالمتع والبذخ والشهوات.

والتناقض بين المدينة والقرية، بين الارستقراطية الحاكمة الوليدة ومنتجي الغابات والمزارع، كان هو التناقض الأول في الخريطة الاجتماعية، رغم هذا المظهر الفردي الملتبس.

وكعادة الحكام المعاصرين (يحاول جلجامش دائما القيام بأعمال عظيمة ليبقى اسمه خالدا؛ فيقرر في يوم من الأيام الذهاب إلى غابة من أشجار الأرز؛ فيقطع جميع أشجارها، وليحقق هذا عليه القضاء على حارس الغابة).

كما أن غابة الأرز تربة للعاملين الزراعيين ولكنها كذلك رمز للنساء، حيث الآلهة الأنثوية تسود فيها وتحميها، وهكذا كان تقدم الذكورة الحاكمة يأتي على أنقاض الكائنات الأنثوية المختلفة.

إن قضاءه على الغابة واشتباكه بالآلهة النساء هو طريق لما يمكن أن يُسمى الآلهة الذكورية المطلقة، حيث هنا لا تنوع ولا تعدد كائنات ذات سلطة كبرى، ولهذا فإخضاع جلجامش للغابة ومنتجيها يترافق مع تكونه كإلهٍ مطلق وحيد.

ولكن الأسطورة الإبداعية الخالدة في التراث الرافدي البشري ليست فكراً بل هي لمحات قصصية درامية لم يكتمل فيها نموذجُ الإنسان الإله، فالخلود المطلق لا يقدر عليه جلجامش وتخطفه منه (الحية). التي هي كائنٌ أنثوي مؤكدة أن عناصر الأنوثة لم تزل قوية حية في المجتمعات التي لم تستسلم كلياً لهيمنة الذكورة.

صراع الألوهة هو صور دينية وثقافية لتطور المجتمعات، هي إشارات لما جرى من أوضاع جنسية اجتماعية، ولهذا فإن (اللات والعزى ومناة) تُكتسح من المسرح الثقافي الديني العربي، والساحرات تُدمرُ الدور التي يقمن فيها بطبخ التعاويذ والسيطرة السحرية على الوعي.

إن الواقع العملي حيث القوة الرجولية هي صانعة النظام تظهر في هذه الآلاف من السنين المبكرة وتغدو الجزيرة العربية خاصة مركزاً للذكورية حيث الاعتماد المطلق على القوة، فيما أن شمال الجزيرة العربية في الشام خاصة بقيت بقايا الحياة المهمة للنساء، الحياة الزراعية التي يشاركن فيها، وقد عكس نشوء الدينين المسيحي والإسلامي بعض هذه الاختلافات في الوظائف المختلفة بين الإناث والذكور.

نضال النساء في البحرين     

أتاح نظام الإنتاج التقليدي في الخليج والجزيرة العربية إمكانيات متعددة لكي تشارك النساء في العمل، وكانت الحياة البدوية تتطلبُ قيامَ النساءِ بأعمالٍ كثيرة، ولم تكن البيوت سوى خيام وكانت الحياة الاجتماعية إنتقالية.

ولم تتأسس الهيمنة الذكورية المتشددة إلا في القرى والمدن، التي عرفتْ حياةً إجتماعية محافظة مستقرة طويلة، وخاصة في بيوت الفئات الوسطى والغنية.

وأعطى نظامُ الغوصِ كنظامٍ فريد من الإنتاج البشري أربعة شهور لكي تقوم النساء بدور التحكم الواسع في الحياة العملية الضرورية. فالمرأةُ بالإضافةِ إلى إشرافِها على المنزل، تقومُ بمهام العمل الضرورية من إستكمال مهام الزرع والصيد والأعمال البحرية، وحين يأتي الرجال من موسم الغوص تعود النساء لأعمال البيوت.

وفي مجال الفنون الشعبية ذات الأهمية الجماهيرية قامت النساءُ بدورٍ بارز.

لم تجرِ دراساتٌ محددةٌ بهذا الشأن فهذا نمط عام، لكن من المؤكد بأن النقصَ الكبير في قوة العمل الإجتماعية لغياب الرجال والشباب، يستدعي إنتشار العمل النسائي، ولكن كان هذا نمطاً عاماً عبر التاريخ، وما الغوص سوى ظرف إستثنائي، ثم أنه لا يلغي هيمنة الرجال على النساء، ولا يزيل ظروف الإستغلال والسيطرة، وهي نمط ضروري لقرون، بسبب تقسيم العمل ونظام المُلكية، ويمكن أن تنشأ فيه كذلك علاقاتٌ طيبة بين الرجال والنساء، حسب طبيعة كل أسرة ومواقف أفرادها، ويغدو شكلاً من أشكال الحماية الإجتماعية حيناً وشكلاً للهيمنة والأنانية حيناً آخر، قوة بناء للأفراد أو نسيجاً مهلهلاً للآفات.

لكن إنهيار نظام الغوص الذي سبب تراجع مكانة النساء عامة ونساء الريف خاصة، ترافق مع تنامي السيطرة البريطانية التي عوضتْ بعضَ الشيء في مجال حقوق النساء، فهي سيطرةٌ مدنيةٌ بحاجةٍ إلى تطورٍ للتعليم وللخدمات المختلفة، وهذه تحتاج إلى حضور النساء في المدن خاصة.

بدأ التعليم الذكوري أولاً وأخذ يتوسع ومنذ سنة 1928 ظهرت أول مدرسة للبنات، مقتصرةً لحد الصف السادس الإبتدائي الذي كان ذا قوة تعليمية كبيرة، ومن خريجاته ظهرت قيادات نسائية.

وقد ترافق مع هذا نشؤُ فئاتٍ وسطى من التجارة فظهرت نزعةٌ ليبرالية دعمتْ هذا التحرر المحدود لنساء المدن. فكان تنامي أعداد النساء في التعليم يترافق مع ظهور الأندية وهي التجمعات الفكرية الاجتماعية المحدودة المسموح بها وقتذاك، مع بعض الحرية الصحفية الأكثر محدودية والتي تقدمُ بعضَ متنفساتِ الحرية الشخصية وليست الاجتماعية والسياسية للعائلة المتوسطة.

كان طابعُ الموادِ الأدبية والمنزلية المقدمة في التعليم، وإستمرارُ العائلةِ الأبوية التقليدية، وديمومةُ قوانين الفقه القديمة، وضعفُ حركة التحرر الوطني المحلية، لا تجعل من الممكن تطور وعي النساء الديمقراطي بسهولة، وعلى العكس فإن حركةَ التحرر الوطني تشكلتْ من خلال رؤى فكريةٍ ذكورية تقليدية غالبة، وكانت المجابهةُ مع الإستعمارِ تُعمَّم حتى في مجالِ رفض الديمقراطية الغربية، فتجعلُ الصراعَ مع الراهن المتخلف بصورةٍ سياسية شعارية تختزلُ الحريةَ الوطنية في حريةِ الذكور، مما إنعكس على تخلفِ حركة التحرر هذه وضخامة الشمولية الذكورية داخلها.

ولهذا فإن الأنواعَ الفكريةَ والأدبية التي نشأتْ بخفوتٍ منذ الأربعينيات لم تشهدْ حضوراً نسائياً، إلا بشكلٍ فردي إستثنائي في الخمسينيات ولم يكن لها تأثير لطبيعة المستوى وغياب التواصل. لكن تنامي حركة التحرر وجذبها لأغلبيةِ السكانِ فكك العديدَ من الأسوار الإجتماعية في المدن، لينتظر الريف الوقت الراهن ليقوم بتحرره الإجتماعي الواسع.

كانت الحياةُ التحديثيةُ التي شكلها الإنكليز هي بحدِ ذاتِها تخلقُ حرياتٍ موضوعية في البلد، كتنامي الإهتمام بالصحة ومقاومة الأمراض التي أدت إلى ظهور مهنة التمريض النسائية، وإلى إنتشار الأسواق الحديثة والاهتمام بالأزياء المعاصرة، وإلى ظهور دور السينما التي خصصتْ يومين للنساء، وكان ذلك مظهراً إنفصالياً لكنه كان مؤثراً في نشر الاهتمام بالفنون والثقافة لدى النساء والعائلات بشكل عام.

بصعوبةٍ كبيرة تنامتْ عناصرُ الحرية الاجتماعية والسياسية في حياة النساء البحرينيات،  لقد أعطى التعليمُ بعضَ الحراك الاجتماعي للنساء عبر المعرفة، وبدأت الحياة السياسية تدفع مجموعات صغيرة من النساء للمشاركة سواء في التصويت في إنتخابات الخمسينيات أم في مظاهراتها، ثم حلتْ فترةٌ من الجمود الإجتماعي بين الخمسينيات والستينيات، كان يجري فيها حراكٌ متوار، وسادت الأعمال ذات (الطابع الخيري).

لقد نشطّتْ الفئاتُ الحديثة والمنظماتُ السياسية السريةُ الوعيَّ الاجتماعي، فتنامت تلك المشاركة النسائية النخبوية، وتجسدتْ المشاركةُ النسائية بتشكيلِ الجمعيات في مختلف المناطق، متدرجة من الأشكال البسيطة من المشاركة الإجتماعية إلى بروز الأهداف السياسية، وهو أمرٌ يعكسُ حجمَ القيود التي لا تتكبلُ بها النساءُ فقط بل الرجال كذلك. ولهذا فإن عمليةَ النضالِ الديمقراطية مشتركةٌ متداخلةٌ متصاعدة بين الجنسين.

ظهرتْ الجمعياتُ النسائية بالصورة التاريخية التالية: جمعية نهضة فتاة البحرين: تأسست عام 1955، وجمعية رعاية الطفل والأمومة: تأسست عام 1960، وجمعية أوال النسائية: تأسست عام 1970، جمعية الرفاع الثقافية الخيرية تأسست عام 1970، جمعية فتاة الريف تأسست عام  1970،  وجمعية النساء الدولية  تأسست عام  1974.

يعبر هذا النمو التاريخي عن حراك الوعي الاجتماعي العفوي من قبل النخب النسائية المتعددة المواقع والإتجاهات لتغيير وضع النساء بشكل متنوع، أغلبه جزئي، أولاً عبر التنوير الثقافي وتغيير جوانب من الحياة الاجتماعية ثم عبر ظهور الوعي السياسي، أي بربط قضية تطور النساء بالحريات العامة، وهو شكلٌ أضفتهُ في السبعينيات الناشطات في المنظمات السياسية.

وبدلاً من الأهداف العامة غير الواضحة بدأتْ اللغةُ السياسية للمنظمات السياسية تدخلُ حيزَ التفكير الاجتماعي للنساء، فظهرت أهدافٌ جديدة هامة وهي: مساواة المرأة والرجل في كافة الحقوق والواجبات، ومساواة المرأة العاملة والمستخدمة للرجل من حيث الأجور والإجازات ورعاية الأطفال وحقوق الأمومة وغيرها، وسن قانون للأحوال الشخصية، يأخذ بعين الاعتبار المكاسب التي حققتها المرأة في العديد من البلدان العربية والأجنبية.

إن تحول هذه الأهداف إلى نضال عملي هو أمرٌ شديدُ الصعوبة على مستوى العقود السابقة، فهذه يتطلب قوة إنتاج نسائية كبيرة، لكن كان نمو العمل النسائي محدوداً ففي النصف الثاني من 1965 كان عدد البحرينيات الموظفات يبلغ: 995، ووصل في عام 1971 إلى 8418 إمرأة.

وفي العقود الأخيرة بدأت هذه الأرقام تتغير:

(ارتفعت معدلات مساهمة المرأة في القوى العاملة فبلغت 25.9 في المئة حيث وصل عدد القوة العاملة النسائية 32769 نسمة. وتشير إحصائيات عام 2001 إلى إرتفاع نسبة العاملات في القطاع الخاص الى48.61 في المئة من مجموع العاملين وهي نسبة مساوية تقريباً لنسبة العاملات في القطاع الحكومي. وتشير دراسة قامت بها باحثة مصرية إلى أن نسبة العمالة النسائية تبلغ 32% بالنسبة لتعداد السكان بالبحرين.

هذا التطور العملي تضافر مع تطور ثقافي متصاعد:

(في العام 2001 سجلتْ المرأةُ الحاصلةُ على تعليمٍ ثانوي فأعلى نسبةَ: 70.15 في المئة من إجمالي عدد النساء مقابل 69.96 في المئةِ من الرجال. كما فاقتْ نسبةُ النساءِ الحاصلاتِ على مؤهلٍ جامعي (بكالوريوس/ ليسانس) نسبةَ الرجال حيث بلغت 14.34 في المئة مقابل 13.03 في المئة للرجال. وفي العام ذاته بلغ إجمالي الحاصلات على مؤهلٍ جامعي عال (الماجستير والدكتوراه) 765 امرأة مقابل 2072 رجلاً. كما انخفضتْ نسبةُ الأمية بين النساء إلى 17 في المئة.).

جرى هذا التطور بشكل بطيء وصعب وأخذ عقوداً طويلة، لكون التعليم حتى الإبتدائي للنساء لم يكن سهلاً، ومن ثم فإن الارتقاء للتعليم الجامعي بهذا الشكل الواسع كان أكثر صعوبة، إضافة للنمو الأكثر إشكاليةً الذي يتكون في ميدان العمل الذي تصاعد في الوظائف المهنية ثم بشكل أقل في مراكز الإنتاج الصناعي.

لكن كل هذا التطور الذي قاومهُ الرجالُ المحافظون والقوى الاجتماعية القديمة والقوانين العتيقة في المذاهب والنظام السياسي، لم يُنتجْ ثماراً كبيرة على النساء في الحقوق الاجتماعية والسياسية، بسبب سيطرة المفاهيم المحافظة على وعي النساء أنفسهن، وقلة النخب النسائية المقاتلة في هذا السبيل، وهيمنة الوعي الذكوري الشمولي في المنظمات السياسية كذلك.

تعتبر جمعية فتاة الريف عن المعاناة الرهيبة التي تعرضتْ وتتعرضُ لها النساء البحرينيات في أدغال الحياة الاجتماعية عموماً وفي غابة الريف خصوصاً.

 (سرن في درب مليء بمشاهد التحدي، فكنّ ينتزعن الشوك ويوزعن الورود، ويصافحن المرأة البحرينية الأمية ويصنعن منها إنساناً يجيدُ القراءةَ والكتابة ويفكُ طلاسم الحروف ويتقن الحساب، كن كفراشات الحديقة، يتنقلن في أرجاء حدائق الوطن، لينتزعن بعد 30 عاماً من الحضور والتجوال والنشاط في حقول العطاء وغابات الإنجازات الخالدة صكَ إعترافٍ رسمي بشرعية «ممارسة الدور» وحق  «أداء الواجب»، وهن اللواتي ظفرن بالنصر مبكراً جداً يوم تغلبتْ فيهن إرادةُ التطلعِ والتحرير على صخورِ الممانعات والحواجز الإسمنتية التي كانت تتخذُ أشكالاً عدة، حتى لقد طوى المناصرون عنهم كشحاً مخافة الإدانة والغمز واللمز وإلصاق التهم والتصنيفات الجاهزة).

هذا الكلام الرقيق الشاعري يحتاج لرؤية تضاريس الواقع الحقيقية اليومية، ولنأخذ بعض اللمحات السريعة حول هذا الواقع. في سنة 1960 جاءت باحثةٌ من الدنمارك لتعاين وضع النساء البحرينيات في الريف، وأختارت إحدى القرى من أجل هذا البحث الميداني، ولم تُقبل الباحثة بادئ ذي بدء فهي إمرأة ثم هي مسيحية، ثم أنها سوف تعيش لوحدها في منزل، لكن الترتيبات العليا ذللت هذه العقبات.

ودراسة الباحثة هني هنسن واسعة فهي تتعلق بالتقاليد الدينية والاجتماعية ولكن ما يهمنا هنا حركة النساء وحقوقهن، وتقول بأن النساء هن ممنوعات من الخروج من حدود القرية إلا بأذن الرجال، ويلبسن (المشمر) وهو لباس يغطيهن بشكل كامل، فالقرية تغدو مكان عزل النساء. وخروج المرأة من القرية يحتاج إلى محرم وهو الرجل سواء كان الزوج أو الأخ. وتستطيع المرأة أن تنتقل داخل القرية لتزويد الأسرة بإحتياجاتها من الخشب والماء من أجل الطهي. لكن هذا التحرك تقلص بسبب بدء توصيل خدمة المياه للبيوت. لكن نظام العزل بما يصاحبه من أمية وغياب التعليم والحقوق لم يمنع النساء من إيجاد مجتمع خاص بهن، عبر الإنغماس في الظاهرات الدينية وتكوين إحتفالات خاصة بهن عبر أجواء الحكي والشعر، (سار الستينيات: المرأة في قرية سار البحرينية بعيون هيني هنسن الدنيماركية، بقلم د.عبدالله يتيم).

ليس ثمة شيء اسمه الحقوق النسائية حينئذٍ، لكن الهيمنة الذكورية الكلية، والهيمنة السياسية الحكومية العامة، لم تمنعا عملية التحرر الرجالية النسائية المشتركة، فقد كان النظام الزراعي في طريقهِ للتفكك، من حيث هو علاقات إنتاج، ومن حيث هو نظام أبوي، فالاقتصادُ الحديث جذبَ الشبابَ، وهؤلاء لم يغيروا الهيمنة الذكورية لكن بدأت هذه تتزحزح لأن هذه الأجيال بدأت تتغير قليلاً مع عملية الإنفتاح. وقامتْ موجاتُ التعليمِ الذكوري أولاً ثم النسائي بعد ذلك بسنوات، بزحزحةِ تلك القيود الواسعة قليلاً في نظامِ الأسرةِ الأبوي المطلق، الذي لا يعرفُ الديمقراطيةَ في علاقاتهِ الداخلية من حيث سيادةِ طرفٍ وتمتعهِ بأغلبِ الحقوق والإمتيازات، وغياب هذه الحقوق عن الطرف الآخر.

لم تستطع الحركاتُ الديمقراطيةُ السياسية أن تتغلغلَ في الحياة الاجتماعية خاصة الريفية منها، وقد لمنسا بعض اللافحات الحارقة لدى جمعية نهضة فتاة الريف، فهذه الحركاتُ ضعيفةٌ عموماً هنا، وتلعب المظلةُ الدينيةُ المحافظة دورَها في تكييف العلاقات الاجتماعية لمصلحة الذكور عبر الإرث الديني وأدلجته من خلال أصواتها.

كانت القوى السياسيةُ الحكوميةُ والمذهبيةُ المحافظةُ تعملُ معاً في سنواتِ السبعينيات التي بدأتْ تلوحُ فيها بوادرُ تغييرِ القوانين السياسية والاجتماعية بعد الإستقلال، فكان الأتفاقُ على مجلسٍ وطني منتخب، وعلى حق المواطنين في الإنتخاب، لكن كلمة (المواطنون) هذه تم الأتفاق على أنها تعني (الرجال) فقط من قبل التيارات الحكومية والدينية. فحدثت الإنتخاباتُ الأولى الحديثة في البلد مع تغييبِ دور النساء، وكانت التياراتُ الحكومية والدينية الريفية خاصةً تمتلكُ الأكثريةَ لفرضِ قرار التغييب ذاك.

إن عناصرَ الوعي الديمقراطي الوطني توقفتْ هنا بحلِ المجلس الوطني، ثم بتضخمِ دور الحكومة السياسي وثقلها الإقتصادي شبه الكلي، فتدهورتْ تلك  العناصرُ الديمقرطيةُ بشكلٍ واسع بعد حل المجلس وسيطرة قانون أمن الدولة، وهي أجواءٌ عاشتْ فيها بقوة وتوسع القوى المحافظة المذهبية، مما أدى إلى تدهور حقوق النساء بشكلٍ أكبر من السابق، وتدهورت عناصرُ الوعي الوطني البحريني عموماً، بدلاً من بوادر تناميها التي لاحت مع الومضة الديمقراطية الوطنية العامة في بداية السبعينيات.

وحتى في أثناء الومضة الديمقراطية السبعينية فإن حركات النساء لم ترضخ للتصور الذكوري المهيمن العام، فتقدمت جمعيتا النهضة وأوال النسائيتين بعريضة ترفض ذلك التغييب وتفسير مصطلح المواطنين على أنهم الرجال فقط!

أدت فترةُ التغييبِ الديمقراطي السياسي، إلى مضاعفاتٍ على القوى الشعبية التي تعاني أكثر من غيرها وهي العمال والنساء. فانتشرتْ التفسيراتُ المحافظةُ الشموليةُ للإسلام، فتراجعتْ مستوياتُ الجماعاتِ النسائية وقبلتْ بالعديدِ مما كانت ترفضهُ سابقاً من علاقات زوجية وإجتماعية وفكرية.

كان بروزُ الحركاتِ الدينيةِ ذا جانبين متعارضين، فهو يؤدي لحراكٍ سياسي إفتقدهُ المجتمعُ بسببِ القوانين المعرقلةِ للحريات، ولكنه في ذات الوقت يعيدُ المجتمعَ من حيث الوعي السياسي للوراء، فيحدثُ تقدمٌ من خلال آراءٍ محافظةٍ متخلفةٍ على أصعدةٍ مختلفة.

لقد إنضمت نساءٌ كثيراتٌ لهذا الحراكِ السياسي الديني، الذي كان الشكلُ الوحيدُ من الوجود الإجتماعي في زمنِ قانونِ أمن الدولة، وبرزَ هذا الشكلُ بقوةٍ بعد زوال هذا القانون وبدء التغيير على صعيد الحكم.

لقد عبّر الميثاقُ الوطني عن محاولةِ إستعادةِ التوازن بين الاتجاهاتِ التحديثية والاتجاهاتِ الدينية المحافظة، وعن إعطاءِ الفرصِ مجدداً للتوجهاتِ الوطنية والعصرية لتعيدَ علاقاتها بالجمهور، لكن المؤسسات السياسيةَ المنبثقة عن هذا التحول السياسي من برلمان وبلديات عكستْ مستوى الوعي المشلول للعقودِ السابقة، الوعي الذي فصمَ وحدةَ الشعب، وأعاد مسائلَ سياسية وإجتماعية تعودُ للعقود الأولى من القرن العشرين في البلد. هذا كان تعبيراً عن أن التراكمات الديمقراطيةَ التحديثيةَ المضروبة لم تستطعْ أن تنمو عبر قوى سياسية ذات حضور جماهيري.

لقد اكتشفَ العمالُ والنساءُ خاصةً هذا التناقض على الأرض الاجتماعية السياسية. هذا التناقضُ يجعلُ من النساء، وهم هنا بؤرةُ القضيةِ، قوةَ تصويت لا غير، أي قوة دفع للمرشحين الرجال المحافظين، الذين لن يناضلوا من أجل قضاياهن. وهكذا فحين تحقق  الحضورُ الديني المذهبي السياسي في المؤسسات المُنتخبة، لم تُطرح قضايا النساء وحقوقهن.

لقد اتخذ القوسُ المذهبي السياسي الاجتماعي دائرةً ضمتْ قوى خضعتْ للوعي المحافظِ السياسي وأجندتهِ في العديدِ من الدوائر الاجتماعية، فركزت على الصراع السياسي المجرد، وهو صراعُ نخبٍ ذكوريةٍ يمينية للوصولِ إلى المناصب السياسية والهيمنة على الجمهور لطرحِ مشروعٍ مذهبي تقسيمي للشعب، وبالتالي للعمال والنساء.

من هنا صُدمت القطاعاتُ النسائية (الطليعية) من التناقض بين أقوالِ الرجال السياسيين وأفعالهم، بدءً من شطبهن من القوائم ثم هيمنة الرجال المطلقة على المقاعد، ثم تنحية قضاياهن وتركها في الظل.

هذا أدى إلى تفعيلِ نشاطِ النساء المستقل وجعلهن ينتبهن لكونهن إستخدمن كأدوات.

وبدايةً كانت التحركاتُ من الشارع هي الأكثرُ إشعالاً للموقف النسائي فيما سُمي بلجنة العريضة النسائية، وطُرحت فيها العديدُ من المطالب الرئيسية والملحة والقضايا النسائية المستقلة التي تؤرقُ جمهورُ النساءِ كقطاعٍ له مشكلاته الخاصة كذلك.

كانت صرخةُ النساءِ مدويةً بتناقض ممارسة الرجال المحافظين: (إن الوعودَ الإنتخابية التي قطعها عددٌ من المرشحين للبرلمان تبخرتْ بعد أن نالوا عضوية المجلس)، وبعدها عادتْ النساءُ لطرح قضاياهن البسيطة بعد ذلك التحليق العالي، فكانت قضيةُ إصدار قانون للأحوال الشخصية أهم هذه القضايا. إن سيطرة الاتجاهات المحافظة على النساء وعلى أحوالِ الأسرةِ هي الاتجاه الغالب عبر التاريخ الديني الإسلامي بعد أن تركَ رجالُ الدينِ الصراعَ مع الحكومات الفاسدة، وتخصصوا في الهيمنةِ على النساءِ والثقافة الشخصية للمسلمين. ويغدو تحررُ النساءِ في تصورهِم هدماً للعائلة، وليس تطويراً لها من الظلماتِ الاجتماعية ولضرورةِ مراقبة أنانيات الرجال لبناء عائلة سليمة حقاً. ومن هنا كان إيجادُ قانونٍ موحد للأحوال الشخصية يمثلُ تحولاً نضالياً وطنياً ديمقراطياً بحرينياً. لكنه تحولَ إلى شقين مما عبّرَ عن مستويين مختلفين لوضعِ النساء وعن إشكاليةٍ حقوقية وطنية وعن العجز من توحيد الحركة الديمقراطية السياسية البحرينية.

حتى إصدار قانونٍ موحد عجزتْ عنه الحركةُ النسائية، فبدا تخلفها رهيباً هنا، وعادت لقضايا الدفاع عن الحقوق العامة والتفصيلية للنساء كالعمل ضد إلغاء أشكال التمييز الموجهة ضد النساء، وتغيير طابع المحاكم والقضاة في شؤون العائلة المختلفة، والدفاع عن حقوق المطلقات وغير هذا من قضايا.

قيامُ إتحادٍ نسائي يمثلُ وحدةَ النساء في البلد كان خطوةً على طريق بلورة إرادة سياسية للمرأة، كما كان قيام المجلس الأعلى للمرأة خطوة إصلاحية أخرى كبيرة على الصعيد الرسمي، لكن مستوى حضور النساء في الإنتاج، وفي المنظمات السياسية، وفي التنظيمات النقابية، وفي الحياة الاجتماعية الفكرية عامة، الأقل بكثير من أعدادهن في المجتمع يشيرُ إلى أن إنتزاعَ الحقوقِ النسائية لا يتمُ من خلال نُخبٍ صغيرة ومن خلالِ نساءٍ نادراتٍ يصلن إلى المجالس المنتخبة رغم أهمية هذه الخطوة، لكن يحدثُ ذلك من خلالِ حضورهن الاجتماعي السياسي الكبير في مختلفِ أوجهِ الحياة، بالدفاع عن مطالبهن الخاصة، ومطالب التغيير الوطني الديمقراطي العام كذلك.

نضال النساء البحرينيات ضعيفٌ ومحدود

كان أساس نضال النساء ضعيفاً في فترة المجتمع التقليدي مجتمع الغوص والزراعة، بسبب سيطرة العمل الذكوري على الإنتاج الرئيسي، وحين يغيب الرجال كان العمل النسائي يزدهر كبدل لغائب.

تدهور الحريات كان يؤثر على العاملين والنساء بدرجة خاصة.

أدت فترةُ الغياب الديمقراطي السياسي إلى مضاعفاتٍ على القوى الشعبية التي تعاني أكثر من غيرها وهي العمال والنساء، فانتشرتْ التفسيراتُ المحافظةُ الشموليةُ للإسلام، فتراجعتْ مستوياتُ الجماعاتِ النسائية وقبلتْ بالعديدِ مما كانت ترفضهُ سابقاً من علاقات زوجية واجتماعية وفكرية.

وكان هذا مرتبطاً بالحقبة النفطية وزيادة مداخيل الرجال الذين استغلوا أكثرها في المتع فعبرت الحركاتُ الدينية عن هذا الاتجاه المتصاعد. كان بروزُ الحركاتِ الدينيةِ ذا جانبين متعارضين، فهو يؤدي إلى حراكٍ سياسي افتقده المجتمعُ بسببِ القوانين المعرقلةِ للحريات، ولكنه في ذات الوقت يعيدُ المجتمعَ من حيث الوعي السياسي إلى الوراء، فيحدثُ تدهور سياسي من خلال آراءٍ محافظةٍ متخلفةٍ على أصعدةٍ مختلفة.

لقد انضمت نساءٌ كثيراتٌ إلى هذا الحراكِ السياسي الديني، الذي كان الشكلُ الوحيدُ من الوجود الاجتماعي في زمنِ قانونِ أمن الدولة، لقد برز هذا الوعي المتخلف وقسم الشعب وعرقل تطور النساء وأعاد مسائلَ سياسية واجتماعية تعودُ إلى العقود الأولى من القرن العشرين في البلد. هذا كان تعبيراً عن أن التراكمات الديمقراطيةَ التحديثيةَ المضروبة لم تستطعْ أن تنمو عبر قوى سياسية ذات حضور جماهيري.

لقد اكتشفَ العمالُ والنساءُ خاصة هذا التناقض على الأرض الاجتماعية السياسية. هذا التناقضُ يجعلُ من النساء، وهم هنا بؤرةُ القضيةِ، قوةَ تصويت لا غير، أي قوة دفع للمرشحين الرجال المحافظين، الذين لن يناضلوا من أجل قضاياهن. وهكذا فحين تحقق الحضورُ الديني المذهبي السياسي في المؤسسات المُنتخبة، لم تُطرح قضايا النساء وحقوقهن بل تصاعدت القيود.

لقد اتخذ القوسُ المذهبي السياسي الاجتماعي دائرةً ضمتْ قوى خضعتْ للوعي المحافظِ السياسي وأجندتهِ في العديدِ من الدوائر الاجتماعية، فركزت على الصراع السياسي المجرد، وهو صراعُ نخبٍ ذكوريةٍ يمينية للوصولِ إلى المناصب السياسية والهيمنة على الجمهور لطرحِ مشروعٍ مذهبي تقسيمي للشعب، وبالتالي للعمال والنساء.

لكن هذا لم يتحول إلى ثورة نسائية وراح الدينيون يتلاعبون بمصائر الشعب والنساء والعمال!

إن سيطرة الاتجاهات المحافظة على النساء وعلى أحوالِ الأسرةِ هي الاتجاه الغالب عبر التاريخ الديني الإسلامي بعد أن تركَ رجالُ الدينِ الصراعَ مع الحكومات، وتخصصوا في الهيمنةِ على النساءِ وإطفاء العقول الحرة للعرب. ويغدو تحررُ النساءِ في تصورهِم هدماً للعائلة، وليس تطويراً لها من الظلماتِ الاجتماعية ولضرورةِ مراقبة أنانيات الرجال لبناء عائلة سليمة حقاً. وليس قانون للأحوال الشخصية هو المهم بل تصاعد نضالية النساء في الشارع والمنظمات والنقابات لتشكيل قوة نسائية ديمقراطية تشكم الدكتاتوريات الذكورية المختلفة.

الأشكال النسائية التنظيمية ليست نشطة بالقدر الكافي وتحتاج أن تقوم بأدوار أكثر جدية.

النساء في ظل الدكتاتورية الذكورية

الديمقراطيات في الشرق العربي الإسلامي تُعلن على عجل، وهي نتاج ظروف سياسية طارئة غالباً، وليستْ نتاج تطورات حضارية طويلة، وتُرفع فيها الشعارات البراقة والوعودُ بتحولات مستحيلة!

النخب الذكورية المنتمية الى القوى الاجتماعية المحافظة هي التي ترتفع وتسود، وبين هذه النُخب وبين النساء عداوة طويلة عميقة!

هذه النخب المحافظة الدينية أقلية ضئيلة في المجتمع ومع هذا تقف ضد النساء نصف المجتمع؟ فكيف تكون هنا ديمقراطية؟!

إذا كنتَ سوفَ تقفُ ضد أمك وأختك وزوجتك فكيف سوف تحقق حقوقَ من لا تعرفهم؟!

الدول تقول للنساء هذه هي فرصتكن للتعبير عن أنفسكن والإدلاء بأصواتكن!

كلامٌ سياسي مجردٌ يُطلقُ في الفضاء الفارغ السياسي!

كيف يمكن ذلك أيها المشرّع الحكيم؟! النساء خلال قرون حبسن في البيوت، وكرسن للولادات الكثيرة، وبين كل حمل وحمل أمراضٌ وتعب مرهق وانفصال عن المجتمع وتغذية للمواليد وتربية لهم، واهتمام بأعباء البيت وخاصة الطبخ وإدارة شئون البيت، والزواج فيه طلاق وإنفصال ونفقة تافهة وعيال ومدارة شؤون الزوج ومدى إنتمائه الى بيته ولعياله، أو هو أناني صاحب لهو وخروج دائم، أم هو مضح مهتم؟!

أنظر كيف ضعف اقتصاد بلدنا بحبس النساء وعدم اشتغالهن في الصناعة والسياحة وهما الميدانان الرئيسيان للعيش؟

 والنساء موجهات الى الانفصال عن السياسة والثقافة والإنتاج، مكرسات للداخل البيتي، يفضل أن يكن أميات، وليتفرغ أغلبية الرجال لشؤونهم الخارجية وكلما تخلفت الوحدة الاجتماعية ازداد ضعف النساء!

وبعد هذا تأتي وتقول إن هناك مساواةً بين النساء والرجال في الانتخابات والفرص متاحة للجميع!

وحتى في هذه الفرص المتاحة للجميع والمساواة المجردة الشكلية، تشكلتْ الجماعات السياسية على هيمنة ذكورية ولا يقوم الساسةُ الأعضاء بجلب نسائهم أو بناتهم لهذه التجمعات، ولا يقومون بتعريفهم على هذه الفاعليات، وإذا حدث أن جُلبن للفاعليات الاجتماعية انفصلت النساء عن الذكور، وعدن الى عدم الاختلاط وعدم معرفة ما يجري في المجتمع والصمت وتلقي الأوامر!

الرعب من الاختلاط ليس مسألة شيخ محافظ يفتي بمنعهِ وقتل من يدعو إليه، بل هي مسألةُ خوفٍ ذكوري عام، ودكتاتورية ذكورية لا تطور النساء في البيوت ولا تتحمل الأعباء المنزلية سواءً بسواء مع النساء، وتحرض الأولاد على أخواتهن، وتراقب ما يقرأن واتصالاتهن وتقطع ألسنتهن فكيف بعد ذلك يستطعن أن يشكلن أصواتا سياسية تتفجر بين الجمهور العام؟

 والأخطر من كونهِ تخلفاً اجتماعياً هو تخلف سياسي بالدرجة الأولى، وهو تركٌ للأمم الأخرى تغزونا في عقرِ دارنا، وتلتهمُ الوظائفَ من رجالنا ونسائنا، وتخطفُ المصيرَ من أمتنِا، لتغدو هذه الأمم الآسيوية سيدةَ بلداننا، وملتهمة الأعمال وحتى مواقف السيارات منا، بعد أن التهمت الأممُ الغربية ثرواتَنا، وما عادت السيطرة علينا مجزية، ثمينة لها، فتتركنا لهذه الأممِ التابعةِ بدرجةٍ ثانية أو ثالثة، توجهنا وتتحكم في ما بقي من ثرواتنا!

المرأة ودكتاتور الأسرة

يريد أن يظل دكتاتوراً إلى الأبد يحكم الأسرة.

الرجل الشمولي، الأبُ القادرُ على كل شيء، زعيم البيت الوحيد، المتنفذ بالنسل والعطايا، يرفض كل الانتفاضات الزوجية التي تجري، والأحداث العنيفة، فدولته تعتمد على المليارات من الرجال في كل قارات التخلف والأبوية.

دولته مقدسة، جنسه أعلى، دمه مختلف، فهو له جسم قوي وعقل مسيطر.

تفوز البنات بمراكز التفوق الدراسي وتظهر صورهن في الجرائد، ونسل الرجل الذكوري لا يطلع إلا القليل منه، فالفتية الأشاوس مشغولون بالسهر في الشوارع وإيذاء المارة وإزعاج البيوت والناس النائمين والعاملين.

  الأشاوس الذكور لا ينجحون كثيراً إلا بالغش والتنجيح الآلي، ثم يحصل بعضهم على وظائف، في حين تنزوي المتفوقات في البيوت يطبخن الأرز وينتظرن المتفوقين في الغش والسهر والرحلات وتضييع أموال الأسرة لتقديم الأغذية لهم.

تتفوق فتيات بالكتابة في الشعر والقصة والمسرح وتعدهن المدارس بالمكانة المرموقة في المجتمع والمراكز المهمة، رغم الصفعات التي حصلن عليها في البيوت بسبب ممارسة نشاط مخصص للذكور أساساً، والأكثر من ذلك تجري المطاردات والاعتقالات لهن لكونهن يقرأن كتباً خارجية، ويشاهدن أفلاماً علمية وثقافية.

وبعد هذا ينزوين في الغرف الداخلية ويحملن مراراً ويلدن بين الدم والموت والاجهاض، وتتباعد المسافات بين أحلامهن البريئة وقمم الحياة المضيئة، ولا يرين كيف انحشرن في دولايب الآلةِ الجهنميةِ لمصانع الذكورة الشاقة، التي تقوم بتطفيش النساء من المكاتب والمصانع والبنوك ومن الأحلام بالكتابة والفنون والتمثيل ومن المشاركة السياسية المستقلة.

وعليهن كذلك أن ينتجن ذكورة دكتاتورية في بيوتهن، فتتحول الشابة الوردة، ذات الأحلام بالحرية والحدائق البشرية، إلى رجلٍ تشبع بكل الصفعات والقمع والشوارب، وصارت تقمع ابنتها وتعلي ابنها ليواصل المعركة المقدسة للشرف الرفيع الذي لابد أن يشعل الحرائق حتى يبقى مزدهراً.

لماذا تحسدُ الأم ابنتها إذا صارت ممثلة أو كاتبة أو زعيمة؟

هي تقمعها منذ البداية حتى لا تصبح ذكراً، حتى لا تتشبه بالرجال، من دون أن تعي بأنها هي التي أصبحت رجلاً في حين إن ابنتها تريد أن تصبح امرأة!

الفتاة الشابة الحمامة إما أن تصبح لبؤةً وإما حذاءً، وهما خياران مرضيان.

(المرأة أم الرجال)، (المرأة – تكرمْ – نعال!).

تـُجبر أغلبية النساء على واقع العبودية، واقع الاستسلام للعالم الذكوري الدكتاتوري، من أجل ألا تتحطم أسرهن، ومن أجل ألا يضيع جهدهن في بناء هذه البيوت الهشة، المصنوعة من زجاج ومن طاعة عمياء، ومن تقسيم عمل شاق، ومن تخصصهن في أمراض السكر والقلب ومتابعة المسلسلات التي تغسل عقولهن من الطموح والشجاعة ومن الإبداع القديم الذي حلمن به حين كن حمامات يطرن في السماء المشعة وليس في الأقفاص التي تسمى بيوتاً.

لكن بعض النساء يتمرد على هذه الزنزانات ويستولي على السلطة ويحيل المنزل إلى سجن آخر، يحيل الأب الضعيف أو الودود إلى (مرة)، يحدث ذلك عبر استغلال ظروف وسمات جزئية عابرة، لكن لا تنشأ علاقات ديمقراطية أسرية مزدهرة، فالمرأة الدكتاتور ربما كانت أسوأ من الرجل الدكتاتور!

لأنها تخرجُ كلّ عقدِ فشلِها وقمعِها السابقة على المدعو زوجاً، فتحيلهُ إلى تابع، وتصير إرادته مسلوبة وشخصيته ممسوحة فتنتشرُ بين الأبناء جراثيم التسلط!

وتؤكد الأمثالُ العامية الماسخة الإيديولوجيا الذكورية التي تبرهن بهذه النماذج بأن الدكتاتورية هي مخصصة فقط للرجال، ولا يجوز للمرأة أن تمسك قيادة البيت.

وهناك الفئة المتخصصة في صنع هذه الزنزانات ثقافياً، من كهنة وسحرة وموظفين عموميين ومعلمين وكتابا فاشلين ومنجمين محالين على التقاعد والمنظمات الدينية المحافظة، فهي الحرس الكبير للسجن النسائي الواسع، تبرر أخطاء الرجال ورحلاتهم المشبوهة للبلدان البعيدة، وتضييعهم الأموال في الصالات والحانات والملاهي والصفقات.

ولا تستطيع طليعة النساء أن تفعل شيئاً في ذلك فهي تابعة للذكورية الدكتاتورية، فتدخل باب تحرير النساء من خلال نافذة الطاعة لأولي الأمر.

إنها لم تدرس الإسلام، وعاشت على الفتات الفكري الذي يقدمه الذكور المسيطرون أنفسهم.

هي تقبل بالفتات الذي يُقدم لها، ولا تكشف أو تنقد الممارسات الدينية المحافظة ضد النساء.

ولهذا فإن القول بأن المرأة داهية وحية وماكرة هو قول خرافي، بل النساء ساذجات عموماً، وتتم السيطرة عليهن بوسائل بسيطة، فهن لا يعرفن كيف يفهمن الإسلام، وحالهن مثل حال التنظيمات اليسارية والقومية وغيرها، ولهذا لا يعرفن كيف يقدمن برامج ديمقراطية إسلامية للتغيير، وكيف يتعاون ويكوّن قوى ضغط واسعة ولديهن كل الوسائل للقيام بذلك، أي إذا لم يخترقن الوسط الديني المحافظ ولم يؤثرن فيه، فإنهن ضائعات في متاهات السياسة.

إن المحافظين يعيشون في حالة جهل للمتغيرات الرهيبة الجارية وهم يناضلون فقط ضد الرذيلة، غير مدركين أن القضية تتجاوز هذه المسألة الضيقة، وإننا نواجه حالة تبخر وطني ونصير أشبه بالهنود الحمر، وعدم إيقاظهم سوف يحول النساء الوطنيات إلى كائنات منقرضة، بسبب هجوم العمالة النسائية الخارجية واكتساحها ميادين العمل، وبسبب جمود الذكورية الرجالية وغياب الديمقراطية الأسرية، ولهذا فإن الطليعة النسائية يجب أن تدرس كل هذه المسائل بعمق وتشكل لجاناً لقراءة ظروف النساء وتحررهن في التراث والحداثة وتوجد شبكات من التأثير النسائي المستقل والجبهوي الذي يمتد في كل التنظيمات والجماعات وصديقهن من أيد تحرر النساء في الواقع.

حريات النساء مقياس للديمقراطية 

كلما ازدادت حريات النساء كان  التقدم الاجتماعي أكبر، وتواجه الدول والجماعات المحافظة اليمينية و(اليسارية) اختباراً قوياً لمدى إيمانها بالديمقراطية اللفظية حتى الآن، ويتحدد ذلك بمدى قدرتها على إحداث تطورات كبيرة في حياة النساء في وضع يهيمن فيه الذكورُ هيمنة مطلقة في هذه الدول والتنظيمات.

تعود الهزائم التي حلت بأنظمة التحرر والقومية والليبرالية الضعيفة إلى عدم إيلائها لهذا الجمهور القابع في البيوت والتراث المجمد عناية كافية، فقد قادت هذه الأنظمة جماعاتُ الذكور المحافظين، ومهما كانت إيجابياتها على صعيد محاربة الاستعمار والتخلف فإنها تركتْ النساءَ في ظلام العصور الوسطى.

وقد بدأت الأنظمة الليبرالية تقدماً هاماً على هذا الصعيد فتفجرت شعارات تحرر النساء وظهر منظرون لهذه الحريات على صعيد الحريات الاجتماعية والسياسية المحدودة، لكن تلك الحريات لم تصل للعمل الصناعي وتحجيم العائلة الأبوية الكثيرة الأعداد والقابعة في الأمية والجهل والأساطير، وفي قوانين الاعتقال التي تـُبرر بأسم الدين.

بل أن الأحوالَ ازدادتْ سوءً مع الأنظمة والحركات القومية العسكرية والدينية الشمولية، فقد تضخمتْ المدنُ العربية الصغيرة بأعدادٍ هائلة من الريفيين والبدو التي حملتْ الأشكالَ المتيبسة المحافظة وحاربت بها التطورات الوطنية والليبرالية الصغيرة في المدن العربية.

وهكذا تحملتْ النساءُ تراجعات الحركات السياسية العربية وتصاعد ذكوريتها، فامتدت الدكتاتورية من البيوت إلى الشوارع والأحزاب والجماعات والحكومات.

وكان التراجعُ ظاهراً على صعيد الملابس، وأدوات الزينة، وفرض الهيئة الذكورية على النساء، وتحجيم الجمال ودوره الخلاق، ونشر القبح، والأشكال الرهبانية وأمراض السمنة، ولكن النساء كن حتى في مثل هذا التصاعد للدكتاتورية كن يقاومن داخلها، بتغيير اللباس والبحث عن علماء دين يتسمون بالنزاهة والبعد عن الإقطاع، وهم نادرون محاصرون، فعاد عهد الجواري على نحو كثيف، وربحَ الكثيرُ من الرجال حريات البذخ واللهو والأسراف وتضييع ثروات الأمم الإسلامية. ولكن الأغلبية من النساء يتسمن بالخضوع ويزايدن على رجال الدين في محافظتهم فيزددن عبودية، نظراً لعدم درايتهن بالإسلام والحداثة، وعدم تمييزهن بين الإسلام كثورة نهضوية توحيدية ومشروعات الحركات الطائفية الرجعية التمزيقية لجسد الأمم الإسلامية.

ساعد في هذا إستيلاء قواد القرويين والبدو على مقدرات المنطقة النفطية وبثهم للشعارات المحافظة، وتصاعد مشروعاتهم وتكاتفهم وتكوينهم أحلافاً منظمة، وتمزق الحركات العلمانية والوطنية والتحديثية.

صار بعض الرجال يطارد بناته لأنهن يكتبن ويقرأن، أو لأنهن يظهرن على المسرح يشاركن في عروض مسرحية خلاقة، فكان الوأد الجاهلي المتعدد الأشكال للبنات.

في حين وجدنا في مرحلة سابقة آباءً أميين يفخرون بكتابة وحضور بناتهم الفكري.

لا يعود هذا الحضور المحافظ لهذه الجماعات أساساً بل للتكوينات الاقتصادية الأساسية في كل بلد، فالحكومات العربية لا يهمها النسيج السكاني الاجتماعي برجاله ونسائه بقدر ما يهمها السيطرة على الثروات في مشروعاتها غير المراقبة، والتي تخضع لراهن الربح والفائدة المادية، وليس لهدف تقدم السكان ككل.

لدينا في البحرين عدة آلاف من النساء لا يشتغلن في الخارج بل يعملن في بيوتهن الخاصة، وهناك الملايين في كل بلد عربي بمثل هذا الوضع، في حين تأتي العاملات والموظفات الأجنبيات للإستيلاء على وظائفهن، ولا يهتم رؤوساء الشركات بالعاملين فما بالك بتطور الحضور النسائي في الأعمال المختلفة؟!

يعتمد الحضور النسائي التحرري على تطور معيشة الطبقات الفقيرة، ومدى اتساع تعليمها، فهي المكان الأساسي لتواجد الذكورية المحافظة والشمولية، وكلما ترقت في أجورها ووظائفها ومساكنها وثقافتها صعب تغلغل القوى الشمولية بينها.

كما يؤدي هذا إلى عمل النساء واتساعه، وهو أمر يعمق كذلك من تطور معيشة هذه الطبقات، فلا ترغب في التوجه للمزايدات السياسية، وتعطي البنات حقهن من العمل والتعليم والثقافة.

إن طبقات معدمة جاهلة لا يمكن إلا أن تجعل نساءها أكثر تخلفاً وإنتاجاً للتخلف.

ومهما فعلت الأنظمة والحركات الدينية الشمولية من اضطهاد للنساء فإن الكثيرات يجدن ثغرات في نظام القمع الشامل هذا، فكل هذه الدول والجماعات الدينية المحافظة لها ظاهر وباطن، إدعاء بالتدين وتكالب على المنافع ولذائذ الحياة، فتظهر أنظمتها وحركاتها بهذا الشكل المشروخ المنافق، فاليافطات تقول طهر ونقاء وصرامة، والباطن عمولات ومحرمات، سوق علنية (بيضاء) وسوق باطنية سوداء، أغلب الأشياء محرمة في الظاهر وصارمة ولكن في الباطن كل شيء مسموح وحسب أفضل الأسعار.

ولهذا فإن الكثير النساء المتمتعات عموماً بالدهاء يجاملن هذه الحركات والأنظمة وينسقن مع أغنيات الفضيلة الزاعقة فيها، ولكن يكون لهن باطهن ومكرهن الخاص.

غرائز البشر وأخطائهم ونواقصهم لا يمكن القضاء عليها بالخطب التي يعتقد المحافظون إنها الوسيلة المثلى، ويجاورها العقوبات الصارمة، وهو أسلوب في ردع الإنسان ثبت فشله، وليس أفضل من المكاشفة والوضوح وتغيير الإنسان عبر ظروفه الموضوعية، ودعوته لخيارات الخير، ويبقى هو سيد مصيره، فإذا تجاوز القانون خضع لعقوباته.

فوفر للنساء خيارات العمل والثقافة والرقي ثم حاسبهن على خياراتهن. أما أن تقمعهن وتسود عيشتهن فسوف يمكرن بك ويجعلنك أضحوكة وأنت تعتقد أنك سيد الفضيلة.

لكن الدول والحركات المحافظة لا توفر ذلك لأغلبية النساء، فهن عاطلات في البيوت، يخضعن للسحر والثقافة المتردية للفراغ، فيجدن في الأزياء والعطور ومناكدة الأزواج وسوء تربية الصغار وجودهن الزائف وقد أُنتزع وجودهن الحقيقي.

فتجر النساءُ الرجالَ المحافظين لهذا المستنقع الاجتماعي، فيخلق الرجالُ بيئات متعة زائفة، ومجتمعات ذكورية خاصة بهم، ونفقات بذخية تدمر الأسر، فيكون المجتمع قد خسرَ رجاله ونساءه معاً.

ونتاج ذلك حشود من النسوة في المحاكم ومعذبات ومطلقات وعيال مشردين، ويقوم الفقهُ الذكوري الجامد بمنع الإصلاح عن طريق الشرع، وعقاب الرجال الفاسدين.

النساء وضعف الخبرة السياسية

مثل العاملين تتعرض النساء لخداع العالم الذكوري السياسي المسيطر الماكر، وينطلي على بعضهن ذلك بسهولة، نظراً لفقدان الخبرة السياسية، وعدم التعرض لمحن السجون والتنظيمات والحُكم بذات الاتساع الذي يتعرض له الرجال. وتعيش أغلبُ السياسيات النسائيات في عالم تقليدي، إما أن يكون شديد الحموضة وإما وردياً خلاباً. إن ضعف التفكير الجدلي، وغياب التفحص في التناقضات للمنظمات السياسية التي يسيطر عليها الذكور المحافظون غالباً، والمظلة الدينية التقليدية التي تظلل رؤوسهن، وعالم السحر الذي يؤمنّ به بقوة، كل هذه تمنع أن يزحن سيطرة الرجال التقليديين عن أفقهن السياسي. 

ومن هنا فإن إيمانهن بالدجلين الديني والقومي يكون كبيراً، فرغم أن أغلبية العالم الحديث قد أعلنت قطيعتها مع الأنظمة والتنظيمات الشمولية والدينية الشرقية نظراً لسوء دور هذه الأنظمة ليس فقط في غياب الديمقراطية ورفضها للوطنية والعقلانية بل كذلك لدورها في استغلال النساء الجنسي بدرجة أساسية، إلا أن هؤلاء النسوة لهن حب جارف لهذه الشبكة العنكبوتية من المتخلفين العاجزين حتى عن اللحاق بأنظمة الاستغلال السيئة الغربية أو عن فهم عظمة الإسلام. لكن هذا ليس عجيباً إذا عرفنا أن الأنظمة الشرقية أبعدت النساء طويلاً عن ميادين العمل الإنتاجية، منذ أن كن رقيقاً وجوارٍ وربات بيوت ممنوعات من الخروج ومتخصصات في المطابخ والأسرة ورواية الخرافات للأطفال.

وحتى عندما جاءت التجاربُ الحديثة والتأثراتُ بالحداثة فإن التنظيمات والدول السياسية الشرقية لم تعترف بالنساء مشاركات في هذه التجارب، وعرقلتْ دخولهن إلى ميدان السياسة طويلاً، لأن هذا الميدان يكشفُ للنساء المعسكرات الاجتماعية بدقة ويدخلهن حومة الصراع من أجل حقوقهن المغتصبة على مدى القرون. كانت التنظيماتُ الذكورية السياسية المحافظة عموماً تحول الصراع مع السلطات الاستعمارية والتابعة كصراعٍ مجرد، كانت كلمات مثل (الحرية الوطنية)، و(سقوط الاستعمار)، و(سيادة الشعب أو الأمة)، شعارات عامة، كأن لا دخل لها بخروج المرأة للعمل، أو منع الزواج والطلاق التعسفيين، شعارات ظلت بعيدة عن مطبخ المرأة الذي تحترق فيه وتملأ الغازات دواخلها وتجعلها الولادات المستمرة كائناً لا وجود له في الوقت الذي تصنعُ فيه الوجود.

وعندما تجسدت بعضُ الأنظمة الوطنية العربية وحققت للنساء بعضاً من المكاسب المحدودة، وأنشأت بعضَ القوميات والرائدات، كانت أغلبية النساء في جهل وأمية، وحين عصفت الزوابعُ بهذه الأنظمة نظراً لعدم جذريتها في التغيير الاجتماعي، وخاصة ما تعلق بالنساء والعاملين، جاءت أنظمة دينية أسوأ، وحتى بعض الحريات التي حققتها النساء في الزمان القومي التحرري، جرى اختطافها من قبل الدينيين المعادين بقوة لعالم المرأة الحر. ليس لشيء سوى أن آلة الدولة الدينية أكثر استغلالاً وأقل حداثة.

وقد أصيبت نسوة بخيبة أمل حين لم تدافع بعض القيادات الدينية عن حقوقهن، نظراً لتخلف هذه القيادات عن فهم الإسلام والعصر، وطالبتهن بالخضوع للقوانين المتخلفة المتعلقة بالزواج والإرث وحقوق الأسرة عامة، واتضح أن هذه القيادات لا تختلف عن قيادات الدول الرجعية.

وينطبق على هؤلاء النسوة ما ينطبق على الرجال الحداثيين غير المطلعين على تاريخ أمتهم، فهم يريدون الايجابي المنجز المستورد من الغرب، وليس الذي يناضلون له داخل واقعهم الإسلامي العربي الخاص، أي أن عليهم أن يقاوموا المحافظين في السلطتين السياسية والدينية، بكل المنجزات التي تحققت في النصوص والتجارب العربية والعالمية، ويشقوا لهم طريقهم الحر الخاص. فغلبة المحافظين عليهم تأتي من توظيفهم نصوص الدين التي يجعلونها قيوداً للمسلمين ويأولونها كيفما شاءت مصالحهم، وليس في مسارها الموضوعي.

تشعر أغلبية النسوة السياسات بالتضاد مع أحكام الدين كما يترجمها المحافظون، الذين يمسكون سلطة تفسير النصوص، وأقلية من النسوة لا تحس بذلك خاصة في مجال السياسة العامة، فالمحافظون يظهرون هنا في هذا المجال المجرد بأنهم قيادات حرية وطنية، لكن ما نفع أوطان حرة ونساؤها مستعبدات؟ أليس تخلف النساء والجور عليهن وإنتاجهن أطفالاً معوقين حضارياً هو فتح الباب مجدداً للسيطرتين الخارجية والداخلية؟

لا تستقيم الحرية في الشارع وتـُمنع في البيوت.

النساء والانتخابات

 مثل بقية القوى الجماهيرية العاملة والمالكة المقصاة من الحضور الانتخابي كالعمال والتجار، فإن النساء يواجهن معضلة الوجود داخل الحياة السياسية.

 إن كل هذه القوى الحديثة تمتلك أسباباً خاصة لعدم التواجد المستقل، ولهذا فإن النساء هن أكثر هذه القوى غياباً، وأكثر القوى المدفوعة رسمياً للتواجد والنجاح.

 فإن الحالة السياسية الانتخابية والتحولية جرت في أحضان القوى التقليدية، وُوجهت بعمليات فوقية رسمية من أجل التحديث، فكان من المستحيل أن تكون النساء قادرات على الحضور السياسي في ظل انعدام النشاط الكفاحي لهن خلال عقود إلا من قوى نخبوية نسائية مضحية كحال قوى اليسار والتجار الديمقراطيين، وقد تصدت المؤسسات المذهبية التقليدية للسيطرة على الحياة السياسية تدريجياً خلال تلك العقود مع ذلك التركيز على القضاء على القوى الديمقراطية الحديثة.

 ولهذا كانت الخطابات الدينية خطابات تنتمي لعصر الأقطاع خلال الألف سنة السابقة؛ وهي خطابات ركزت على قانونية البناء الاجتماعي الذكوري الشمولي المسيطر على النساء، الذي كان بدوره الوليد النهضوي لعصر الإسلام التأسيسي، فكانت الإيجابيات المقدمة للنساء في تلك الفترة الإسلامية التأسيسية قفزة على المجتمع الجاهلي، التي تجرعها الرجال المسيطرون الأغنياء بغصص، من حيث تحديد عدد الزوجات واشتراط العدالة وإدخال المرأة في الإرث المغيبة عنه كلياً في السابق إضافة إلى الحضور النسائي السياسي والمشاركة في حروب الفتوح، إضافة إلى الديمقراطية في الإجابة على أسئلة النساء في زمن الوحي الإلهي وعلى اعتراضاتهن ومطالبيهن الخ..

 إن كل هذا يبين الطابع الديمقراطي الإسلامي في التعامل مع النساء في فترة التأسيسي. إن ما قدمه الإسلام التأسيسي للمرأة قياساً لعصر الأمية والجهل والبداوة الكاسحة كان كبيراً، ولكنه تاريخي، مثل العديد من الأحكام الكبرى التي مثلت نقلة عظيمة للأمة العربية طليعة الأمم الإسلامية في التكون. ولكن مكاسب القوى الشعبية خاصة النساء لم تتجذر بعد ذلك؛ بسبب سيطرة قوى كبار الأغنياء مجدداً فهزمت القوى الشعبية خلافاً لإرادة القرآن [كي لا تكون دولة بين الأغنياء منكم]، الحشر، آية .7

إن حروب الفتوح وضخامة الثروات التي انهالت على الرجال المسيطرين ونشوء دول الاستبداد كانت حاجة الأمة العربية الصغيرة الفاتحة (أربعة ملايين) بين أمم بعشرات الملايين هي التي استوجبت تعدد الزوجات وكثرة التناسل إن كل هذه الظروف أدت إلى تدهور مكانة النساء، وإلى ظهور فقه شكلاني، ركن على الفهم النصوصي لآيات القرآن، رافضاً الرؤية التاريخية والمضمون، وقافزاً على آيات كثيرة كبرى عن الدولة الشعبية وكيفية تطورها.

 وهكذا قام تجارُ الرقيق بالاستيلاء على أرادة الأمة، وشل فاعليتها، وصار تضخيم الأسرة العددي، وإخفاء النساء وشل عمليات النهضة العقلية، والاقتصادية هي النتائج السيئة لسيطرتهم على الأمم الإسلامية وتقديمها لقمة سائغة لقوى الغزو والسيطرة الأجنبية.

 وعلى الرغم من أن مياه النهضة قد جرت تحت أرجل القوى التقليدية، إلا أنها لم تفهم أهمية إعادة النظر الجذرية في التراث السلبي للحقب الماضية، فالاقتصاد لم يتغير كثيراً، وفي دول الخليج تضاعفت عوامل أخرى لضرب حضور النساء ككثافة وجود العمالة الأجنبية وضخامة تراث الكسل والتصحر.

 وفى ضوء ذلك تم دفع الحركة النسائية النهضوية الطليعية من أجل أن يكون لها حضور في العملية السياسية، وأن لا تكون القوى التقليدية الذكورية مهيمنة على الحياة السياسية.

 لكن وككل العمليات التحولية السياسية أخذ ذلك طابع المرحلة بصراعاتها ومستوى تطور القوى الاجتماعية، وكون التغييرات تجري من فوق، ولا توجد قوى شعبية نهضوية كبيرة مساندة لها، بعكس المراحل السابقة حين كان الزخم من الأسفل وتغيب بل تعارض قوى المؤسسات الحكومية!

إن طابع إدخال النساء اتخذ ما هو ممكن من وجودهن الاجتماعى، أي ما هو متوافر من نساء العمل الاجتماعي والتطوعي اللاتي برزن خلال السنوات الأخيرة، وهن قطاع بسيط من النساء، ولا يمتلكن أي منظمات شعبية واسعة، أو روابط سكانية قوية، كما لا تتوافر لهن بالتالي خبرات سياسية بين الجمهور الواسع.

 والخبرات بين الجمهور الواسع المسيس تتطلب الحضور المذهبي السياسي، ولكن هذا الحضور هو في حد ذاته واقع تحت سيطرة القوى المذهبية التقليدية وهذه القوى نتاج ضمور الخطاب الإسلامي النضالي التحديثي.

 فمن جهة هناك قوة سياسية حكومية تعمل لصعود النساء السياسي، تمثلت في «المجلس الأعلى للمرأة» لها مصطلحاتها وإجراءاتها ودعاياتها لأدخال النساء في حيز المشاركة، ومن جهة أخرى هناك القوى التقليدية المتعددة التي لها مواقف متباينة من هذا المشروع، الواضح منها هو السيطرة الذكورية الكاسحة على الترشيحات وإخلاء المجلس المنتخب للمرة الثانية من النساء.

 ويبدو الأمر أشبه بصراع ديكوري أكثر منه معركة لتفعيل إرادة النساء السياسية، فالصراع نتاج حقبة أولية للتغيرات السياسية، كان تاريخها السابق هو سيطرة تقليدية شبه كلية على الساحتين الفكرية والسياسية، ففي الأولى لم ينشأ فقه ديمقراطي يعيد النظر في المقولات المتكلسة ويحدثها، وهو أمر مستحيل في ظل كون الفقهاء التقليديين نتاج أزمة الوعي الديني، ولكن هذا الوعي المتخلف عليه من جهة أخرى كما يفترض المشروع السياسي العفوي، أن يقود المرحلة الديمقراطية الحديثة.

 هكذا فإن المجلس الأعلى للمرأة دفع من يمكن دفعه من النساء اللواتي هن وليدات العفوية السياسية والمصادفات، مع دعمهن بكل الوسائل الممكنة، لكي يظهر للنساء حضور ونجاح كذلك.

 إن هؤلاء النسوة منقطعات عن البحر الشعبي بمن فيه من نساء عاديات خاصة، وهؤلاء النساء العاديات مقيدات في إرادتهن البيتية وعاجزات عن تقرير مصائر أطفالهن وعقود زواجهن، معزولات عن الوعي لقرون، لكن يُرجى منهن أن يساهمن في قيادة التشريع في البلد.

 إن التناقض ليس له حل راهن، وتشكل خطوة المجلس خطوة مضيئة نبيلة ولكنها فردية ونخبوية، وكأي خطوة نخبوية تتسم بطابع المغامرة والمجازفة، رغم أن خطوات المجلس في هذه الدورة الانتخابية أكثر اتساعاً وشعبية وبرمجة من الدورة الأولى.

 إن النساء المتقدمات الآن بحاجة إلى الارتباط بالتيارات التحديثية وفك عزلتهن الفكرية والسياسية والاجتماعية، ولا يجب حفظ القاموس السياسي لهذه التيارات فحسب بل أن يتشربنها في وعيهن ونفوسهن، بأن يطرحن هموم الشعب الساخنة، بلغة بسيطة، شجاعة، وأن يجذبن النساء بالدفاع عن حريتهن وتكافؤهن الأخوي اللاعدائي مع الرجال ويعلن حقوقهن كافة في مؤسسة الأسرة، لخلق أسرة فاضلة منتجة واعية، وأن يناضلن كذلك مع الرجال ضد الفساد والفقر وغياب التخطيط الاقتصادي الوطني.

 ليس هناك نساء ورجال بل قدرات وطنية للكفاح لتغيير ظروف سيئة ولن يقتنع الناخبون إلا حين تجلجل المرأة بصوتها وتحدد نواحي التشريع المفصلية التي هي بحاجة إلى تغيير.

 وهذه اللحظة الأولية من الصراع السياسي ستقدم مادة للسنوات الأخرى وتوجد تراكماً وصلات بين النخبة النسائية الواعدة سياسياً ببحر النساء المحلي والبشري عامة.

النساء والنضال الموسمي

ما أن انتهت المواسم السياسية الانتخابية البلدية والنيابية حتى ابتعد الكثيرون من النشطاء وخائضي غمار التجربة عن التواجد، بعضهم حزنأ ويأساً والبعض الآخر لا مبالاة وكأنه أدى دوره الأخير في الحياة السياسية منتظراً موسماً آخر، يعود فيه إلى النشاط.

هذه المواقف توضح ان العديد من هؤلاء ابتعد بشكل أو بآخر عن الحضور، أو حتى اتخاذ موقف من التجربة، أو الكتابة أو التواجد بهذا الشكل أو ذاك.

اعتقد هؤلاء خطأ ان الحياة السياسية تنحصر في الحملات الانتخابية، وان العمل السياسي هو لبضعة أيام أو أسابيع ثم بعد ذلك تعود الأسراب إلى مخادعها.

لكن إذا تنعم هؤلاء، وخاصة النساء المحرومات من التمثيل المنتخب، ان التيارات هي التي انتصرت، وليس هذا أو ذاك من الأشخاص، التيارات التقليدية التي سمح لها بالحضور والتواجد فى المؤسسات الدينية، وبالتالي لم يظهر قانون ديمقراطي حقيقي يمنع هؤلاء من استغلال الدين لأعمال سياسية نفعية، وهذه التيارات لها جمهورها الذي تكيف مع هذه الظروف غير الطبيعية، والذي يعتبر المرأة عورة؛ وجسماً تقليدياً ، وكثير من هذا الجمهور هو من النساء أنفسهن.

وهذا الميراث لم يتشكل بين يوم وليلة، بل كرس عبر جهود طويلة، وإذا اعتقدت النساء الناشطات سياسياً، سواء كن بشكل موسمي أم غيره، ان هذا الميراث يتغير دون تضحيات ودون عمل متصل و كفاح لا يتوقف، فسوف يجدن أنفسهن مرة أخرى أمام الفشل.

وفي لحظات الفشل واليأس تطرح تعميمات خاطئة كالقول إن هذا الشعب متخلف، أو هذا الجمهور غبي، وهي تعميمات تحكمها المشاعر، لا علم السياسة، فالجماهير كتل من الناس ليست خارج التاريخ والتأثيرات والمصالح، فهي تحكمها ظروف، وقوى سياسية مختلفة وأفكار سائدة، ويتحدد قربها أو بعدها عن الحقائق الموضوعية بدور القوى الاجتماعية الطليعية ومدى انتشارها وذكاء أساليبها. وهذه القوى لا تأتي من فراغ بل من تطور اقتصادي وثقافي متعاضد، أي بجملة شروط، فلا يصبح الناس متنورين بشكل جاهز.

وقد كانت الكثير من النساء يخضعن لسنوات قريبة لدجالين أو لسحرة أو ضاربي الودع وحارقي البخور، ولطوالع النجوم، بسبب الحبس الاجتماعي الانفرادي الطويل لجنس النساء، ولهذا فإن إخراج النساء من هذه الزنازين التاريخية لا يتم بين ليلة وضحاها، أو بجملة شعارات براقة، بل يتغيرن من خلال نضال صبور يرين في آثاره تبدل أحوالهن وتحسن مكانتهن.

ومن هنا يغدو غياب الناشطات السياسيات، بالابتعاد عن العمل السياسي، فكرياً أو اجتماعياً، مخيباً لآمال الجمهور العريض من النساء، اللواتي وجدن فيهن بارقة أمل ومحاولة لفك أسر.

لقد حصلت هؤلاء النسوة على تجربة ثمينة ومعارف وتكونت لديهن علاقات، وهذه الحصيلة ليست سهلة، وجمهورهن ليس بسيطاً وقد تكون في مدة قياسية، فلا يجعلن هذا الجمهور يذوب، ويفقد الخيط الذي تشكل له، فهذا الخيط سوف يقوى على مر السنين عبر مواصلة الفعل الذي بدأ.

إن هذه التجربة الكفاحية الباهرة التي صارت بعد قيظ سياسي طويل، في الواقع تبشر بخير قادم، وإن كل هؤلاء النساء اللواتي احتشدن في يوم الانتخابات كن رسالة تأييد لعملية تحول، قد لا تستفيد منها النساء بصورة سريعة، ولكن الثمار قادمة لهن، عبر الصبر والانتظار الإيجابي الخلاق، وليس بالعودة مجددا إلى السلبية والصمت.     

تحالف التجار والعمال والنساء

 لا شك أن مسألة هزيمة الجمعيات المذهبية السياسية الشمولية في الانتخابات القادمة مسألة صعبة، ولكن لا بد من تخفيف الآثار السلبية لهذه الجماعات على الوطن والإسلام والتقدم.

 فهذه نتائج شموليتين، إحداهما الشمولية السياسية في البلد على مدى ثلاثة عقود سابقة، والأخرى هي الشمولية الممتدة على مدى ألف سنة من تاريخ العرب والمسلمين بعد سقوط الحضارة.

 إن تفتيت المجتمع إلى طوائف ونقل هذه الطائفية إلى عالم السياسة وتحويلها إلى كائنات اجتماعية مستقلة، من شأنها أن تضيع ما هو وطني تحديثي مشترك، وتربط البلد بالصراعات المذهبية والسياسية الخارجية، وتلك دوامة خطرة.

 إن تكوين مجرى سياسي وطني ديمقراطي لا مذهبي، يجمع الأغلبية على خطوط تغييرية مشتركة، هي مسألة بعيدة المدى وتشكلها أجيالٌ، وحسبنا ما هو تأسيسي فيها، عبر هذه المرحلة الابتدائية التي نعيشها.

 لقد خرق كبار التجار وفيما بعد صغارهم مسألة الوحدة الوطنية وغلبوا مصالحهم الخاصة نظراً إلى قوانين السوق التي لا ترحم، وكان هذا نتاج نهج سياسي عام غير دقيق وقصير النظر. وكانت نتائج هذه السياسة الاقتصادية هي صعود المذهبية السياسية التي هي وليدة الفوضى الاقتصادية وغياب السياسة الاقتصادية الوطنية.

 ودفعت الغالبية العظمى من العاملين سواء الذكور أو الإناث نتائج هذه السياسة، ضعفاً في الأجور وتحملاً لأسعار عالية، وبطالة في الشوارع وفي البيوت!

 وقد وجدها فرصة ثمينة أولئك المتاجرون بالإسلام لينقضوا على المكتسبات النضالية التحديثية ويشرخوا صفوف الشعب، فدخل البلد أزمة عميقة، يحتاج للخروج منها إلى الكثير من الإجراءات السياسية والاقتصادية والثقافية.

 وإذا كانت الدولة تتحمل نتائج الفساد السياسي وتقوم بإصلاحها فإن التجار يتحملون نتائج الفساد الاقتصادي. والخروج منه لا يتم إلا بمساعدة العمال والنساء في الظروف المعيشية وفي المؤسسات، والنضال المشترك معهم لشق الطريق لنهج الديمقراطية الوطنية التوحيدية.

 ويتحدد ذلك سياسياً بتجنب صعود ممثلي الجمعيات المذهبية السياسية للبرلمان، ومساعدة القوى الوطنية الديمقراطية على هذا الصعود لتجنب تحويل البرلمان إلى ساحة صراع طائفي وتفتيت ما بقى من الوطن وخاصة في مؤسسته الواعدة التي ستتحول على أيديهم إلى خنادق أخرى للعراك والتخلف والصراعات السياسية المذهبية.

 لكن هذا لن يتأتى دون أن تطور منظماتُ العمال والنساء وعيها السياسي، وتتجنب القوى المذهبية السياسية، وتنخرط فعلاً في المعركة من أجل الديمقراطية على مختلف المستويات.

 إن تطور الجمعيات المذهبية السياسية نحو الديمقراطية أمر ممكن، ولكن مرجعياتها المحلية شديدة التخلف والضعف في النتاج الفكري والفقهي الإصلاحي وتحتاج إلى عقود لا تؤهلها له أعمارها الكبيرة السن وركونها للكسل الفكري والسياسي، وشبابها عاجز عن الإنتاج الفقهي الديمقراطي، وشعبنا أمامه قضاياً ملحة عسيرة مؤلمة، يحتاج فيها إلى قيادات ديناميكية، بعيدة النظر، سريعة التحرك، فهل ننتظر سنوات لكي يتثقفوا ويتخذوا قراراتهم ويتطوروا في كل عشر سنوات أم نبادر ونحفر خط الحداثة والديمقراطية والإسلام التوحيدي الوطني؟!

 هذا كله يتطلب تضحيات من التجار ومن العمال والنساء، وأن يتخلى كل فريق عن خنادقه الاجتماعية الضيقة، وتفكيره فقط في مصالحه، ويفكر في مصلحة الوطن، ليساعد كل فريق الآخر لتوسيع ثقافة الحرية والنضال المشترك والبحرنة..

 لا شك أن هناك اختلافات موضوعية بين القوى الاجتماعية كافة، لكن ما يجمعها أكثر مما يفرقها، وبدلاً من عمالة أجنبية رخيصة ومضرة، وبدلاً من تطوير نساء أجنبيات، وبدلاً من مواجهة قوى مذهبية ستكون أعمالها هي ضد الحداثة والسياحة بسبب قصر نظرها التقليدي، لنحفر مجرى التوحيد الوطني الحديث!

المرأة بين السلبية والمبادرة

ليس هناك فرق سياسي بين (جنس) المرأة والرجل، فلا تغدو الأنوثة أو الذكورة ميزة، بل ما يحدد الفرق هو نوع الوعي الذي يحمله كل منهما، ولهذا فإن لا ميزة لدخول النساء أو الرجال إلى البرلمان، بل الميزة هي فيما يضيفه كل منهما إلى قائمة العمل الوطني والتراكم الديمقراطي!

 ولهذا فإن هؤلاء اللواتي يعتقدن فقط كونهن من النساء يعطيهن أفضلية في العمل السياسي، أو أنه بساط الريح الموصل إلى كراسي المجلس المنتخب، فإن ذلك من الأوهام التي يكرسها المجتمع المخملي.

 فلا كتب الطبخ الزاهية التي يؤلفنها ولا أحاديث الصالونات ولا الاشتراك في مجلات الموضة والفساتين والعطور، هي ما يجعلهن ذواتاً سياسية متصدرة بل ما يكرس حضورهن هو نشاطهن السياسي النضالي في صفوف الناس دفاعاً عن العاطلين والفقراء والمدن المختنقة بالتلوث والفساد!

 ولهذا فإن انتظارهن للفرصة الذهبية قبيل الانتخابات للظهور بآخر التسريحات هو مضيعة وقت، ولا علاقة له بالنشاط البرلماني، إذا لم يبدأن الركض السياسي منذ الأن، وما دامت العقبات الذكورية الدكتاتورية، تضع لهن شتى الحواجز الكبيرة متحدية سمنتهن السياسية المترهلة منذ عصر الحريم.

 ولأن وجود المرأة المرشحة ليس ميزة بحد ذاته، فإن حضور المرأة الكفاحي مثلها مثل الرجل، هو الذي يعطيها تلك الميزة، أي نشاطها الذي لا يتوقف، ولا يرتبط بمواسم انتخابية وإعلانية وتجارية، بل يرتبط بوجود قضايا نذرن أنفسهن لحلها، وبوجود أهداف يسعين للوصول إليها، بغض النظر عن العقبات الماراثونية التي يضعها الوعي الذكوري الاستبدادي، لسيادته في المنزل والشارع والمجلس، وفي التاريخ المكتوب كله!

 ومن هنا فإن هذا الحضور النضالي عبر الزمن السابق والراهن واللاحق هو وحده الذي يمكن أن يؤهلهن ليكن عضوات يعتمد عليهن الناس في الصراع من أجل برلمان متقدم، يقدم العمل والتعليم الحقيقي والطب الحقيقي والهواء النقي للمواطن.

 وعليه فإن العملية الانتخابية يفترض أن تكون موجودة منذ زمن بعيد، في هذا الحضور النسائي للدفاع عن قضايا البيئة والسلع غير المغشوشة وضد الأجور الهابطة دوماً، وضد التمييز ضد المرأة والتي يقوم بعض النسوة للتصدي لها فعلاً.

 لكن المعارك الانتخابية تحتاج إلى أكثر من هذه الأشغال الإصلاحية الصغيرة، تريد نضالاً سياسياً وسط الجمهور، تحتاج إلى الوصول إلى الحارات الفقيرة، ومعرفة دسائس المرتشين وحرامية المال العام الذين يريدون القفز على كراسي المجلس المنتخب منذ الآن، عليهن الوصول إلى النساء داخل بيوتهن والحديث معهن عن حقوقهن الضائعة، وأن يذهبن إلى مجالس الرجال ويقدمن جدولاً إصلاحياً ومسودات قوانين ضد الرشوة والإسكان السياسي، ومن أجل رفع الأجور وتطوير التعليم وتنظيف الحارات من المخدرات، والفقر والمطبات.

 عليهن ألا ينتظرن وقت المعركة ولا إعلان النتائج بل أن يكون العمل لتغيير حياة الناس يسري في دمائهن، وعروقهن السياسية الوطنية، ويمكنك أن تناضلي في البرادة، والشارع والندوة، والجريدة، ومع الصديقات والمعارف والأهل، وإذا كانت لك قضية فإن الكرسي ليس مهماً بل هو وسيلة للوصول الرسمي لصياغة القرارات وتغيير القوانين، ويمكنك أن تعملي على تغيير هذه القوانين داخل وخارج البرلمان، مع أطفالك وجاراتك، وإذا كان ذلك موجوداً فإن النساء والرجال سوف يرفعونك إلى أن تواصلي المعركة داخل المجلس المنتخب.

 إن الاعتماد على التيارات الإصلاحية وشق الطريق الشخصي – الموضوعي داخلها، برجالها ونسائها، هو الذي يؤهل الإنسان لأن يكون مُشرعاً .

دليل المرأة الذكية للوحدة الوطنية

لاتزال المرأة عموماً مثل كثير من الرجال كذلك لا تعرف شيئاً كثيراً عن الاتجاهات السياسية والدينية، لكن المرأة بسبب ظروف الأسر المنزلي والذكوري والسياسي والاجتماعي العام لها، فإنها أقل فهماً للمصطلحات السياسية والاجتماعية التي يتداولها الرجالُ في جمعياتهم وتجمعاتهم دون أن تحظى النساء الكثيرات بمعرفة ما يدور في هذه اللقاءات المطولة التي يقرر فيها الرجالُ دون النساء مصير الحياة السياسية، وهذه الحياة السياسية هي التي تقرر في النهاية الحصص والمقاعد والهيمنة الذكورية في المجتمع، وتشكل المستوى المتدني للنساء وحقوق النساء الضائعة.

 فكلما اختفت النساء عن الممارسة السياسية والاجتماعية وقبعن في بيوتهن سهل على الرجال من مختلف الأصناف السياسية/ الذكورية التحكم في مقاليد السلطة، وتوزيع الحقوق عليهم، وفرض الواجبات الكثيرة على النساء!

 فالرجال يطرحون الوحدة الوطنية بين الطوائف في حين أن الوحدة المنزلية، الأساس لتلك الوحدة، غائبة بسبب النزاعات الطويلة بين الرجال والنساء!

 ولهذا فلو حضرت النساءُ وبكثافةٍ ومن مختلف الطوائف والكتل، فى اجتماعات سياسية واجتماعات نقابية، لاستطعن فرض أصواتهن على الرجال، وإجبارهم على الوحدة من أجل الأطفال والبيوت التعبة من الأقساط والأسعار..

 يتصور الكثير من النساء أن القضايا السياسية هي فقط هموم رجالية، وأن السياسة هي فقط قضايا الأحزاب والحرب والكوارث، وليست هي أيضا قضايا الحدائق ورياض الأطفال والسلام، وحرية المرأة في الخروج والعمل، وهي كذلك الالتزام الأخلاقي بالعائلة والوطن. لا تعنى التجمعات السياسية الذكورية غالباً بالعمل النسائي وانتشاره، لأن الرجال يفكرون في ظروفهم ومصالحهم، وهناك منهم أناس شديدو الأنانية فلا يريدون للمرأة أن تخرج كلياً من البيت، وهناك منهم أناس لا يفكرون فيها سوى كراقصة أو كمصنع للذرية!

 والكتل الدينية تتحدث كثيراً عن ضرورة الفضيلة الشديدة للمرأة، ولا يتطرقون بمثل هذا الحماس لفضيلة الرجل، ولكنهم لا يرون الفضيلة إلا فى العزلة لها، سواء كانت في البيت أو وراء الجدران واللباس، وليس في تمتع المرأة بالعمل، والدخل الجيد، والاحتكاك الصلب والأخلاقي مع الرجال.

 والفضيلة لا تنبت للمرأة عبر غياب التجربة والاحتكاك، بل من خلال العمل والمعاناة والتجارب، حين تصبح إنساناً لا أنثى دمية جميلة في البيت ومع أول صدمة تتشقق!

 لهذا كله تبقى المرأة هي أساس الوحدة الوطنية، أساس قوة العائلة، والسلام، وكراهية الفتن والحروب، هي التي تستطيع القفز على الحواجز الطائفية التي أقامها بعض الرجال، وجعلوا الأولاد والبنات في المدارس يتصارعون ويخافون من بعضهم البعض.

 والمرأة تظن أن هذه الحواجز هي بسبب التيارات «الإسلامية»، وأن هذه التيارات هي سبب عدم وصول المرأة إلى البرلمان والمكانة السياسية التي تتطلع إليها.

 والمسألة هنا تعود إلى تاريخ اجتماعي شرقي خاص، وليس إلى الإسلام بشكل مجرد، أي أن الوعي النسائي هنا بحاجة إلى فهم للتاريخ والفكر الإسلاميين، فهؤلاء الدينيون المذهبيون السياسيون المحافظون لا يمثلون النهضة الإسلامية والحريات الإسلامية بقدر ما يمثلون وعياً مذهبياً مسيساً تمت السيطرة عليه خلال القرون السابقة، من قبل السلطات الذكورية والإقطاعية السائدة والتي كيفت المذاهب الفقهية لمصالحها، بمعنى أنها غيبت ما يفيد المرأة من الشريعة وثبتت جوانب نصوصية لصالحها.

مع غياب المرأة عن التحولات السياسية وبشكل جماهيري تغيب الوحدة داخل الأسرة وداخل المجتمع.

 وغياب المرأة عن الأعمال والصناعة والحرف والسياسة يشجع القوى المحافظة على جلب العمالة الأجنبية والتصرف بخيرات المجتمع حسب أهوائها.

 ولهذا فإن الفضيلة ليست هي فضيلة الثياب بل فضيلة الصراع! إنها الفضائل التي تأتي من انغماس النساء في الأعمال وفي النضال وفي المكاتب والمصانع والفنادق، فالموقف الأخلاقي الرفيع لا يأتي من الجهل بل من المقاومة والتمرس في خنادق العمل والفكر. والمرأة حين تُجرد من فهمها للدين، والسياسة والعمل، والصراع الاجتماعي تعجز عن الدفاع عن مصالحها.

 ليس المهم هو وصول بعض النساء إلى البرلمان، بل المهم هو جذب النساء بشكل كبير إلى ميدان الإنتاج والسياسة والفكر والوعي، فالبرلمان ليس سوى ثمرة لتصاعد دور النساء في مختلف شئون الحياة، هو تتويج نضالهن في القواعد الشعبية، في النقابات، وفي الجمعيات، وفي الفكر والثقافة والفنون.

 وما دام الرجل مهيمناً على عقل المرأة ونفسها، وهي تؤدي دورها ككائن ثانوي، كجمهور مغيب عن الندوات والقراءة والفنون والجدل والعمل، مستعد فقط للزينة والزواج، كائن همه الأول الحصول على المنافع والمناصب، فإن وجود المرأة السياسي في البرلمان لن يكون كبيراً أو حتى موجوداً.

 وحتى لو وجدت نساء، فهذا ليس دليلاً على وجود المرأة كتيار اجتماعي عريض.

 النساء في مثل هذه الحالة سيمثلن أنفسهن، وسيمثلن شريحة إدارية مستفيدة تقول «نعم» دائماً.

 إذا لم تصعد المرأة سياسياً ككائن سياسي مستقل، له مشاكله الخاصة العميقة المحورية، فذلك يعني أنها سوف تُستغل من قبل تكتلات الرجال الأنانية المسيطرة. وحتى الآن فإن النساء بشكل عام عاجزات عن الاستقلال السياسي والفكري عن التنظيمات الذكورية/التقليدية، والعجز عن الاستقلال هو الذي يفكك العائلة ويفكك الوطن.

 أي أن هذه القوة الجماهيرية الكبيرة القابعة في البيوت، وفي الخرافة، وفي أسر الثقافة التقليدية والتلفزيونية التغريبية، وفي فضيلة الثياب وفضائل الحبس الاجتماعي، يغدو تحريرها هو إعادة للحمة الوطنية على مستوى العائلة وعلى مستوى الحياة الاجتماعية، فدخول المرأة بكثافة إلى العمل والصراع الاجتماعي والسياسي والثقافي هو الذي سيشكل الشعب بشكل جديد، سيجعل العانة أكثر تطوراً من حيث الوعي الصحي والنفسي والجنسي والفكري، ستغدو النساء لسن خامات يمكن خداعهن بسهولة، بل سيتمرسن بفنون الخداع ويكشفنها.

 والخداع على مستويات عدة، على مستوى خداع الزواج، ومستوى خداع الشعار الديني، والخداع على مستوى الشعار السياسي، وكل أشكال هذه الخدع تنصب في عدم إطلاق طاقات النساء الحرة، ومنع قدراتهن من التفجر: حركةً جسدية حرة، وانفعالات نفسية ثرة، وحركة اجتماعية وسياسية تنصب على تحرير المرأة لا على خداعها واستعبادها!

 مقاومة المرأة لكثرة النسل وعدم نوعيته هو فعل ديمقراطي سيتراكم على مدى السنين، حيث لا يُقاد الناس في باصات ليصوتوا لمستغليهم!

 مقاومة المرأة لنشر العمالة الأجنبية بلا رقيب ولا حسيب، واستغناؤها عن الخادمات والاستهلاك البذخي، هو نضال ديمقراطي سيتجسد في عائلات أكثر قوة وأكثر وعياً.

 نضال المرأة لتثقيف أبنائها وبناتها هو نضال ديمقراطي يتكرس في مرشحين أكثر استيعاباً لهموم الشعب وقضاياه، وفي ناخبين أكثر تبصراً واستخداماً لأوراقهم الانتخابية في الصناديق/المستقبل!

 نضال المرأة الفكري والثقافي سيبصرها بالكتل السياسية، ويعطيها القدرة على أن تميز بين الاستخدام الرنان الكاذب للشعارات، والنضال الحقيقي على الأرض من أحلها ومن أجل وطن لا يتعرض فيه أبناؤها لسلق الدماغ ولسلق الجيوب والمصير!

المرأة والنهضة

ينعكس التطور أو التخلف الاجتماعي على النساء بشكل أكبر من الفئات الاجتماعية الأخرى، ويعد تحرر المرأة المقوض الكبير للأنظمة والتنظيمات الاستبدادية في العالم العربي والإسلامي.

ولم يستطع المصلحون في التاريخ العربي أن ينظروا بشكل خاص إلى تحرر المرأة كأساس جذري لتحرر الأمة.

فالفقهاء والمصلحون والثوار كانوا من الرجال الذين استطاعت الدول الشمولية أن تدمر مقاومتهم على مدى أجيال، فإذا رأيناهم في بدء التاريخ العربي الإسلامي يجعلون المرأة شريكة لهم في المعارك والثورات والتحول الاجتماعي، فإن صعود قدرات الدول المستبدة المالية والقمعية قد أدى إلى شراء الكثير من هؤلاء الرجال أنفسهم، وضاقت سبل التمرد والتغيير عليهم، وتم إلحاقهم بالقصور والدواوين.

وينطبق هذا حتى على الفقهاء الذين ضاقت سبل العيش أمامهم، فاختفى صنف الفقهاء الأحرار، ويذكر أحد كبار المعتزلة كيف تقدم بالشكر الوفير للخليفة الذي تكرم عليه ببضع مئات من الدنانير في حين كانت معيشته السابقة طوال أشهر تعتمد على بضع دراهم، فكيف لهذا المعتزلي بعد هذا أن يتكلم عن أضرار امتلاء قصر الخليفة بالخدم والإماء والراقصات؟

لم يكن تدهور النهضة يصيب المرأة فقط بل المنتجين أيضاً، الذين تدهورت أعمالهم في الأراضي، ولم يقم الفقه أو الفكر المعارض، برؤية أحوال هؤلاء المنتجين، سواء نساء البيوت، أم فلاحي الحقول.

وهذا هو نوع الفقه الذي تكون في ممالك المسلمين، تنصيص مقطوع الجذور من الإسلام لخدمة الدول واتجاهات الحكام والمتنفذين، وتوارى الفقهاء الأحرار التقدميون، الذين يتبصرون الأفاق البعيدة لتطور الأمم الإسلامية، فيقاربون ويجتهدون في كيفية تطوير أوضاع النساء أو الناس عامة، لكي يكونوا ضمائر حية لدينهم وأمتهم.

ويمكن الاستنتاج هنا بأن ذلك القانون الذي مازال سارياً وهو أن تطور حريات العامة وتقدمها الاجتماعي مرتبط بمدى تطور الحركة الديمقراطية والتقدمية في العصر، ففي العهد النبوي والراشدي، تطورت حريات ومكانة المرأة، قياساً على المهانة الجاهلية، ولكن مع صعود الدول

المستبدة الشمولية تحولت النساء إلى جوار، وتصاعدت الحركة الدينية المحافظة التي جيرت النصوص لخدمة استغلال الحكام والرجال.

والغريب أنه كلما تفاقمت الشهوات صارت الأحكام محافظة ورجعية أكثر.

وهكذا فمع الاحتكاك بالغرب ونشوء حركة النهضة العربية وصعود القوى الديمقراطية أخذت الحياة النسائية تتغير، وتطورت الحريات الشعبية في مختلف المجالات، بما فيها حرية النساء، وإن اقتصرت هذه الحريات على الدوائر المدنية، في حين احتاجت نساء الفلاحين والعاملين جهوداً أخرى لكي تقترب من أنفاس الحضارة الحديثة.

إن تصاعد الحركة الديمقراطية الحديثة هو السبب وراء تطور حرية المرأة، وقد انتكست هذه الحركة بفعل تصاعد مختلف أشكال الشمولية،  سواء من خلال واجهات وطنية وقومية أم من خلال واجهات دينية.

إن انتكاسة الحركات الديمقراطية العربية الحديثة انعكس على وضع المرأة وتدهور حرياتها، وقد غدت الحركات الدينية هي الشكل المضاد لنمو الحركة الديمقراطية، مع استغلالها من قبل الأنظمة المحافظة والأجنبية.

وليس غريباً أن تتقارب الحركات القومية والدينية في مسائل تدهور حريات المرأة، بسبب الطابع الذكوري المهيمن والمتخلف في هذه الجماعات، فجذور الاستبداد الشرقي متوارية تحت الجمل السياسية التحررية الشكلية، ومن هنا لم تقم الحركات القومية و(اليسارية) التي اندمجت والهياكل الاستبدادية، بأي كفاح عميق لتحرير المرأة.

كما أن حركات المرأة النهضوية لم تقم بدور مستقل، سواء بإنتاج الوعي النهضوي التحرري النسائي، أو بفك الارتباط بالجماعات السياسية الذكورية المستبدة، وبإنتاج ثقافة مختلفة.

النساء وقضية الأنا

لا نطرح هنا قضية المرأة بشكل عام ومجرد، بل نناقش قضية النساء اللواتي ينضممن إلى الحركة الديمقراطية والتحديثية في الخليج العربي، ومن المعروف أن صعوبة التحديث لا تتعلق بالنساء، بل أساساً بأن الرجال هم كذلك تابعون للجماعات التقليدية، وتغدو الجمعيات السياسية ذكورية غير قادرة على تكوين قوى نسائية ديمقراطية عميقة.

ولهذا فإن بروز نساء قيادات تحديثيات يواجه بصعوبات كثيرة حادة، فلكي تكون النساء طليعة سياسية واجتماعية، عليهن أن يواجهن عقبات قبلية وأبوية ورجعية في كل بيت وميدان، ومن هنا يغدو تشكل خطاب نسائي تحرري وعقلاني وذي مرونة أمرا محفوفا بالكثير من الصعاب.

كما أن بروز نساء قياديات في الحياة السياسية والاجتماعية أمر صعب، لأنه يتطلب من المرأة في هذا المجال الكثير من صفات التواضع والعمق الفكري وبعد النظر والدبلوماسية، فالمرأة هنا في موقعها القيادي تترأس ذكوراً، يرفضون ضمناً هذا التبوؤ، فلا بد أن تستند القيادة هنا على احترام كبير إلى الآخر، سواء كان امرأة أم رجلاً، قادةً أم بسطاء، رؤساء أم مرؤوسين، مالكين أم أجراء، فدون احترام المرأة القيادية للعرف العام والتقاليد الاجتماعية والسياسية، وبالتالي انخراطها في التقاليد الديمقراطية الحقيقية، وتجاهل الرؤساء و المرؤوسين والموظفين البسطاء، دون ذلك يستحيل أن تتشكل امرأة قيادية في أي موقع.

إن عدم قدرة بعض النساء على الصعود إلى موقف القيادي الديمقراطي، عبر تمتعهن بصفات الهدوء السياسي، وضبط النفس، ومهارة الأداء الإداري، يعرض الكثير من صفاتهن الإيجابية الكبيرة الرائعة إلى التغييب سواء من خلال المنافسات الإدارية أو من خلال الحسد الشخصي.

فى المجتمعات التى يهيمن عليها الاستبداد الذكوري لا يُنظر إلا إلى أخطاء المرء، وخاصة أخطاء المرأة . فيتم التغاضي عن أخطاء الذكور غير الساحقة، أما أي خطاً بسيط للمرأة فإنه يُضخم ويُبرز بشكل كبير. ولهذا فإن مسئولية المرأة الطليعية والتحديثية مضاعفة، فعليها أن تتبنى خطاب المساواة والتحديث مع الكثير من ضبط النفس ومراعاة التقاليد.

وإذا هيمنت قضية الأنا على مثل هذه المرأة، وليست المهمة التي تعمل من أجلها، فإن المشكلات الكبيرة تغدو متلاحقة على مثل هنا النموذج.

ونظراً لحداثتنا في هذه التجربة، تجربة حضور المرأة في العمل القيادي الاجتماعي والسياسي الطليعي، وندرة تكون المرأة في هذا المجال، فإن التطرف سواء من قبل المرأة أو من قبل الإداريين الرجال، يصبُ كله في ميدان التخلف والتدهور الاجتماعي.

نحن بحاجة فى هذه الأرض الصعبة إلى الكثير من النضج، وعدم طرح مشكلاتنا وحساسياتنا الشخصية، خاصة الأنثوية المتفجرة، وبضرورة احترام تقاليد العمل بحيث تتحول المرأة إلى قيادية كبيرة، وزعيمة، ووزيرة، وهذا لا يتحقق دون ان تجمع المرأة بين تقاليد الأنوثة الشديدة الرقة، وفن المهارة الدبلوماسية والدهاء السياسي.

إن الإصلاحات السياسية البحرينية الراهنة تفتح للمرأة آفاقاً كبيرة للتطور، ولكن عليها من جانب آخر أن تطور مهاراتها السياسية والفكرية والثقافية، فقد حصل الرجال على خبرة واسعة في هذه المجالات، نظراً لعقود من السبق الاجتماعي، ووجود فرص الحرية الشخصية لهم، ولا بأس أن تصبر المرأة على اكتساب مثل هذه الخبرات وتتعلم كيف تجمع بين خصال صعبة ولكن لا مجال للصعود السياسي والاجتماعي دونها.

وليس أسوأ من خصلة معادية لهذه المكانة وفي هذه الحياة الاجتماعية ذات المسئولية العالية، من العاطفية الشديدة، وتمكن روح المزاج والفردية الكبيرة، كما أن روح الجرأة والمبادرة وخدمة الناس والتطور بحماس، أمور مطلوبة كذلك والتوفيق بين هذين الرأسين بالعقل هو الحل أو الحلال التحديثي.

المرأة والحداثة المهزومة الأولى

عبّر الإسلام عن ثورة نهضوية في ظروف عربية شديدة التخلف، فحمل ميراثاً بدوياً محافظاً ثقيلاً، وهو يعبر بالعرب من مرحلة الفوضى والتخلف، إلى مرحلة النظام والتقدم.

وكما نهض على التحالف الكفاحي بين التجار المتوسطين والفقراء، لإزاحة الملأ الأرستقراطي الباذخ، فقد قام على تعاون بين الرجال والنساء في سبيل تشكيل حياة اجتماعية مختلفة.

فكان ظهور النساء في هذا المجرى الثوري واضحاً، عبر سطوع دورهن في البعثة والدعوة وتشكيل الدولة وحروب الجهاد والفتوح، ولكن هذه المرحلة انتهت بصعود أسر الأشراف مجدداً، عبر تراكم ثروات الفتوح والتجارة والعبودية في أيديها، وانقلابها على المشروع الجمهوري والشعبي الأول، وتحوله إلى ملكية عضوضة مدعمة بالجيوش الباطشة.

وقامت حكومات الأسر الأرستقراطية بجر الإرث البدوي المحافظ إلى الحياة المدنية الإسلامية، عبر الهيمنة المطلقة لرؤساء العشائر والقبائل واستعادة الحروب بينها والشعر المادح لها. لقد حاولوا استمرار الخيمة الصحراوية فوق المدن الجديدة.

فكانت عملية استعادة مضمون الحياة الجنسية للجاهليين، بجعل شهوات الرجال مباحة بلا حدود، يغذيها توسع المداخيل الهائلة للغزوات والفتوح، التي جعلت حتى الجنود الصغار قادرين على شراء الجواري، وامتلأت الأسواق بالنسوة العبدات والأسيرات المجلوبات من افريقيا وأوروبا الشرقية والهند.

كان هذا يقود فقهياً إلى التوسع المباح للرجال، والتضييق الواسع على النساء العربيات. فبدلاً من الظهور الاجتماعي الثري المشارك في عمليات التحول في ابان الثورة العربية الإسلامية التأسيسية، قاموا بإعادة النساء العربيات في المدن إلى الأقبية الخلفية في البيوت، وتم رفض مشاركتهن في الحياة السياسية والاجتماعية العامة.

بطبيعة الحال لم يستطع الرجال السيطرة على نساء الريف والبادية، اللواتي كن يشتغلن جنباً إلى جنب مع الرجال، ويشاركن في الحياة الاجتماعية والثقافية، فكانت بساطة الحياة والمساكن تجعل حضور المرأة شيئاً حتمياً. ولكن ذلك لم يكن يعني المساواة، بل زيادة أعباء المرأة وبساطة ملابسها وقلة زينتها وقوة جسمها، بعكس الحال في المدينة العربية التي ملأت المرأة نفسها بالزينة وأثقال اللحم والأمراض، محاولة أن تجذب الرجال النهمين الذين كانت اختياراتهم الجنسية الأجنبية واسعة.

وحتى عقل هذه المرأة المدنية كان متدهوراً بسبب منعها من النشاط العقلي، إلا ما كان غارقاً فى التدين والتصوف، وهي النافذة الوحيدة التي وجدتها المرأة لكى تعبر انها ليست جسداً فحسب، بل عقلاً وثقافة، مثلما فعلت رابعة العدوية وهي تؤكد انها إنسان وليست امرأة فقط، ولهذا ظهرت كمخلوق غير جنسي، وجعلت عشقها إلهياً. لقد تم قطع علاقة المرأة بالنهضة على المستويين المدني والريفي معاً، فالأرياف تكون غارقة عادة في العمل المضني وفي طبيعة قاسية واستغلال لا يرحم، ولهذا كانت البوادي والارياف تثور بفوضوية وعنف مخيف، وهي تنتقم من المدن التي استغلتها طويلا، كما فعل بنو سليم والقرامطة.

 ويكشف حضور المرأة في الملاحم الشعبية عن هذه المقاومة التي بذلتها النساء للتأثير وتشكيل الوجود الشخصي، وللرغبة الدائمة في المساواة مع الرجال، ورفض التمايز الذي كرسه في انتصاره في الحروب وهيمنته على الملكيات الواسعة والصغيرة.

لقد كان نتاح هذا الصراع الجنسي وسيطرة طرف بشكل مطلق هو انهيار الحياة الأسرية العربية، وتشكيل أجيال من البشر المعقدين جنسياً والمعطلين عقلياً.

الحجاب والهيمنة

إذا كان الحجاب قد شرع في الإسلام لتمييز نساء العرب عن بقية النساء الجواري المجلوبات في بدء الفتح، فإنه لم يقصد به عزل النساء المسلمات عن التطور الفكري والثقافي والسياسي، ولكن ذلك تحول كذلك بعد ان اختلفت علاقات الرجال بالنساء اختلافاً كبيراً، فجرت الأموال الكثيرة في أيدي النخب الأرستقراطية، التي حولت قصورها وفللها الى ميادين للهو بالنساء، وكان ذلك من الأسباب الرئيسية للتدهور السياسي والاجتماعي، لكن الكثير من كتب التاريخ والأدب تعتبر ذلك انجازاً حضارياً!

إن تدهور مكانة المرأة وحجبها عن العالم هما أحد المقاييس المهمة لضعف حال الجماعات العربية، فتم حجبها عن الأعمال المهنية والوجود الفكري والسياسي، في حين أعطيت المكانة الأولى للإماء والعبدات والمغنيات، لأنهن أدوات الترفيه عن الرجال الذين حجزوا زوجاتهم وبناتهم.

إن الحجاب هو الشكل الخارجي للهيمنة ألذكورية ولتدهور حال الأمة, فالحجب في البيوت وحجب العقول وحجب الفضائل الداخلية للمرأة، وتحويلها إلى أداة نسل محضة.

إن تركيز الجماعات المحافظة على الأشكال الخارجية واستغلالها لإضعاف تطور الأمة, يبدو في الحجاب ذروته الكبيرة, فهنا التركيز على اللباس، وكأن اللباس بحد ذاته يمثل فضيلة، وهو يتحول من جهة مضادة عند الحداثيين الشكلانيين إلى اللباس الفاقع المثير للغرائز، باعتباره هو الحضارة والتقدم!

اللباسان يعبران عن تناقضات الفئات الوسطى الحديثة واعتمادها على الشكل كمظهر للقوة وللحضارة، فعبر الديكورات الخارجية الملصقة بالأجسام يتصورون أحداث التقدم، وليس اللباس المرتبط بالوظيفة المتقدمة وبالأداء الحديث، فامرأة تقود جراراً زراعياً، أو جهاز كمبيوتر هو المعيار.

عملها المتقدم لصالحها ولصالح بلدها هو الفضيلة بحد ذاتها.

إن معايير العصر الذكوري العربي القديم تواصل تعمية تطور الأمة ونقلها إلى صراعات شكلية، وكأن بقطع من القماش أو الشعر يمكن حل معضلات التطور.

الزواج الأحادي في المسيحية

استطاعت العائلة الأوروبية أن تنفك من هيمنة الإرث الأبوي الشمولي، عبر جذور المسيحية القادمة من المشرق العربي أولاً، فقد تشكلت المسيحية كثورة فقراء في البلدان الزراعية وهي فلسطين والعراق ومصر، ومع ذلك فإن طرحها لعائلة شبه متساوية بين الرجل والمرأة ، وعدم تعضيد تعدد الزوجات ورفض عادة الجواري، السائدة في قصور الأمراء والملوك والأغنياء في الشرق، كانت عملية غريبة وثورية في عصرها ومنطقتها .

وحتى الآن لا يُعرف سبب هذه الطفرة الفكرية والاجتماعية، ولكن هذا الزواج الأحادي كان منتشرا في المناطق الزراعية والمدن الأوروبية المتخلفة في ذلك الوقت.

وهو قد لاءم هذه المناطق التي لم تكن الصحراء والقبلية المرافقة لها والمتجددة عبرها، جزءا من تاريخي المستمر.

هذا بعكس القبائل العربية والشرقية عموماً التي وجدت في بيئات صحراوية ضارية، جعلت من الزواج بأكثر من واحدة وسيلة لكثرة الانجاب ومجابهة قسوة الطبيعة، ولكن مثل هذه الضرورة التي رُوعيت دينياً، انتفت عندما تحضرت القبائل العربية وانهالت عليها ثروة البلدان المفتوحة، ولكن الرجال المهيمنين سياسياً واقتصادياً وفقهياً، تناسوا الضرورات الصحراوية، وحولوا تعدد الزوجات إلى قانون راسخ، وحينئذٍ لم يلعب تعدد الزوجات دوراً صمودياً في وجه الصحراء، بل تحول إلى متع وبذخ مُدمر، جعل المدن العربية تستعيد الصحراء وتراثها المتخلف، الامر الذي لعب دوراً أساسياً في انهيارها الاقتصادي والسياسي.

وعلى العكس من ذلك مضت العائلة الأوروبية المسيحية في مسار مختلف، فالزواج الأحادي قلل من البذخ والإفراط الجنسي وحب الشهوات، وركز الاهتمام بالعائلة، على الأقل بصورتها العامة الواسعة، لأن الرجال هنا أيضاً حاولوا التحايل على قانون الكاثوليكية الصارم بالزواج الأحادي والزوجة الوحيدة إلى آخر العمر، عبر استخدام العشيقات والعلاقات السرية.

ولهذا فإن البروتستنتية، وهي تتشكل في فضاء صعود الرأسمالية الحديثة، فى أقطار أوروبا الغربية، قامت بالتخفيف من روابط الزواج الأحادي عبر عدم جعله أبدياً، بل اختيارياً، لكنها حافظت عليه، ويمثل ذلك تراكماً اجتماعياً مفيداً.

لكن الزواج الأحادي عموماً جعل للمرأة مكانة مهمة في الحياة الاجتماعية الأوروبية عامة، عبر رفعها إلى مكانة عالية وإنشاء حياة أسرية غير مفككة، وعدم تحويل الزواج إلى هدف جنسي محض، كما أدت التطورات المضادة في الشرق، وهذا جعل الحياة الاجتماعية الأوروبية مهيأة للتطورات التحديثية التي تدفقت فيما بعد.

كذلك فإن الزواج الأحادي بجذوره الكاثوليكية وتطوره البروتستانتي، قد جعل للنساء قوة اجتماعية وحضورا دائما في الحياة المدنية، بعكس الأمر الذي جرى في الشرق بعزلها في البيوت.

لكن بطبيعة الحال فإن هذا النمط الزواجي لم يكن يعني مساواة قانونية واجتماعية بين الرجال والنساء، حيث استمر جنس الرجال في الهيمنة على الملكية الخاصة، وعلى الحياة العسكرية والسياسية والإنتاجية.

ومع انفجار الثورة الصناعية، ودخول النساء إلى الحياة الاقتصادية بل والمصانع، انهارت تدريجيا هذه القواعد الاستغلالية من قبل الرجال للعضلات والهيمنة، وأخذت دعاوى المساواة تتغلغل في الحياة الحديثة الأوروبية، ولم يكن ذلك ممكناً سوى عبر صعود تيارات الحداثة والحركات الاجتماعية للعمال، التي فتحت بعض الأبواب لظهور الحركة النسائية كقوة سياسية مستقلة تتوجه نحو تغيير القوانين المعادية للمرأة، وإنتاج مساواة قانونية بين الرجال والنساء.

ومع كل ذلك فإن الميراث الذي تواجهه النساء حتى في الغرب لم يزل قوياً وثقيلاً، ولم تزل السيادة الذكورية وإنتاج المنزل الذي تتخصص فيه النساء يجعل حضورها السياسي والفكري ليس كأعدادها.

أما المرأة في الشرق العربي والإسلامي فمازالت في المرحلة الجاهلية وتحت الثرى موؤدة.

خطورة الوعي السلبي للمرأة

كان يفترض مع التحولات السياسية أن تزداد عمليات الانفتاح الاجتماعي، ويتم الابتعاد عن قضايا الحريات الشخصية، ولكن حدث على العكس توجه للتقليل من هذه الحرية، الأمر الذي سيحولنا – إذا استمر هذا الخط – إلى فتح باب المجابهات الداخلية.

ويعتمد المحافظون المتوجهون في هذا المسار على الأقسام المتخلفة من السكان في وعيها، والتي تصور الحريات باعتبارها كارثة أخلاقية وانحرافات اجتماعية، وتفصل هذه القضايا الأخلاقية والأسرية عن قضية الحرية المترابطة، حيث ان أي مساس بالحرية في جانب من جوانبها ينعكس على الجوانب الآخرى.

والخطورة في تفاقم مثل هذه المسائل هو أننا نتجه بعيدأ عن القضايا المحورية في قضايانا الوطنية، وننزلق في سراديب جانبية مقفلة، وهي قضايا لم يستطع الخطباء على مدى آلاف السنين أن يحلوها، وهي مسائل باتت في عهدة الضمير والحرية الفردية والمسئولية الشخصية .

يستند المحافظون إلى وعي بعض الأقسام النسائية التي تتأثر حياتها الشخصية بهذه المسائل ومسائل الحرية الشخصية غالباً ما يستفيد منها الرجال وتحرم منها النساء، ويقوم الرجال عادة بتكييف مسائل الحرية على مزاجهم وكيفهم الشخصي، فهم يريدون الحرية ولكن لهم وليس للنساء، فيتمتعون ويسافرون وينطلقون كيفما شاءوا لا تسألهم زوجاتهم عن هذه الحرية الواسعة، وإذا سألنهم قالوا إننا رجال!

من هنا تبحث هؤلاء النسوة عن وسائل للجم هذه الحرية الذاتية النهمة، فلا يجدنها إلا في آراء بعض المحافظين، الذين يستغلون هذه المستويات المتفاوتة من الحرية، وتذمر النساء، لكي يلجموا الحريات العامة، ولكي يدخلوا في حيوات الناس الشخصية، ويفرضوا مقاييسهم الاجتماعية.

كان انتشار حركات المحافظين قد اعتمد في الغرب نفسه على هذه الأقسام الاجتماعية، وعلى جمهور نسائي معين، يرى في الحرية الذكورية الواسعة خطورة على بقاء الأسر، ولكن المحافظين التفوا بعد ذلك على هؤلاء النسوة وفرضوا عليهن قوانين مجحفة وابقوا اللامساواة بين الرجال والنساء وبصورة أسوأ من السابق.

ولهذا فإن حل المشكلات الأسرية ونقص الحرية في المنزل للإناث لا يحل بتشكيل دكتاتورية في الحياة العامة، أو بإطلاق يد الرقابة في ضمائر الناس، وبمراقبة ما يشربون وما يأكلون وكيف يفرحون ويغنون وماذا يلبسون.. وكأننا ونحن نطلق موجة الحرية السياسية من الباب نقوم بسحبها من الشباك الاجتماعي.

إن المرأة هي التي سوف تعاني أكثر من غيرها من المحافظة الاجتماعية والسياسية، التي ستنقلب على تراجع المساواة لها، وتفاقم مشكلاتها في الأحوال الشخصية المختلفة، خاصة مع جماعات غير متبصرة سياسيا ودينياً، وليس لديها برنامج للنهضة والتطور.

وعلى العكس، فإن على المرأة أن تدخل هذه القضية من بابها، وهى المطالبة بمزيد من الحريات الشخصية والعامة المتساوية، التي تعطيها الحق في نقد الرجال وتشريح سلوكهم الخاطئ أو المضاد للحرية.

وكلما ازدادت الحرية كلما انعكست ثمارها على المرأة على المدى الطويل، سواء بوجود مواقع فكرية وسياسية للمرأة، أو بتطور منابرها المستقلة، وباكتشاف مشكلاتها والبحث عن حلول واقعية وسليمة ومباشرة لها، ومن خلال وحدة الحركة النسائية وبالتعاون مع الحركة الديمقراطية في البلد بمختلف اتجاهاتها.

الولدُ الطائفي

هي ليست ظاهرة صعبة الفهم لكنها كوميدية غرائبية، وتتحول في بعض الحالات إلى مآس، فبعضُ هؤلاء الذين يريدون تصدرَ المسرح التاريخي، وركوبَ الغليان السياسي، لأغراضٍ ذاتية، ينقصهم العتاد والعدة الفكرية لمهمام صعبة خارقة مثل هذه.

وكان العامة يقولون؛ (الثوب الطويل يتعك)، أو يرددون (رحم اللهُ من عرفَ قدرَ نفسه)، وكل هذا من حصافة التفكير العامي الشعبي، الذي يبني تقدمَهُ السياسي على الصبرِ والحكمةِ ومعرفة ما هو ممكن وعدم الخنوع والذل والنضال المستمر حتى لو كان صغيراً وتراكمه مر عسير.

هذا هو الميراث الذي كرسه التقدميون البحرينيون فالتحموا بالناس العاديين طويلاً، على مستوى السياسة وعلى مستوى الفكر.

لكن المتضخمين التحموا بالهياكل الاستبدادية والمحافظة الدينية والحياة الشوارعية، وهو ميراثٌ هائل غير مرئي يتغلغل نسيجه في الأحزاب والتفكير العام فيخلق تلك الشخصيات المنتفخة والمحدودة الوعي. وقد بدأ ذلك منذ أن كانوا في الكتاتيب والمآتم والمساجد والخلايا، فكانوا يستمعون ويتلقون دون تفحص كبير الموادَ التي تـُبث في أدمغتهم المحدودة، وكانوا ينفعلون بقوة ويتشكل فهمهم السياسي  على أرضية الحماس الشديد وخاصة الأكثار من الصراخ والشتائم الحادة للخصوم السياسيين والاجتماعيين، وهو أمرٌ يشير لطبيعة الوعي الطائفي الذي يقسمُ الناسَ أما إلى مؤمنين أو كفار حتى بين جماعات المسلمين.

وتبدو مسألة (الفرقة الناجية) أو المنصورة أو الذاهبة وحدها للجنة، مسألة متجذرة حادة لديهم. وهو تعبيرٌ أخروي عن سيل اللعاب الدنيوي للاستيلاء على الثروات.

وهذا الوعي لا يلقي نظراً متفحصاً على الظروف والإمكانيات السياسية الحقيقية، بطبيعة هذا التضخم والحدة ولهذا يتحول القائدُ الفذ والأستاذ الجامعي والعامل الأمي إلى شخصية بلهوانية صاخبة، ذات نمطٍ موحدٍ من الأدراك، الذي لا أدراك عميق فيه، بل هو تأججُ عواطفٍ وغضب شديد وكراهية كبرى.

فهنا في هذا الغضب الكاسح الماحق لا تسأل عن الأستاذ أو القائد أو العامل فقد صاروا شيئاً واحداً، كذلك لا تسأل عن الوعي الديني المحافظ أو الوعي الديمقراطي العلماني، أو القومي أو الوطني، فكلها التبستْ وضاعت، وتاهتْ، فلا يتحركُ هنا سوى الولد الصغير الذي اندمج في الشعائر وبكى وصرخ، فإذا كانت الوطنية مفيدة تسلق مواسيرها، وإذا كانت الطائفية محركة ارتفعَ فوق موجاتها صارخاً شاتماً، وإذا كانت (الديمقراطية) جيدة مشى فوق سجادها ملتقطاً الذهبَ الذي صارَ عنده مثل الحلويات التي طالما اندفع إليها.

بطبيعة الحال فإن أوضاع الناس المادية الصعبة أو المتردية تجعل الغضبَ ضرورياً، والنقدَ واجباً، والصراخ أحياناً مهماً لسحب طاقات البخار الداخلية، لكن مثل هذا البخار لا ينضجُ أرزاً في السياسة.

ولكن كيف صار خريج الجامعات مثل أولاد الحارات الشتامين بالبذاءات المستمرة؟! هنا تغدو المسألة تهريجاً مضحكاً، وفي ذات الوقت مأساة مؤلمة.

فالولدُ الذي كان يضربُ الخبازين النائمين، ويسرق دكاكين الفقراء، صار قائداً، وعليه أن يقود الجماهير للحرية، وليس في عدتهِ سوى التسلق والصراخ وإطلاق الشتائم، التي تبدو أحياناً بأشكال علمية زائفة، يرتبُ الأحداثَ كيفما يريد ويعلي من شأن الجماعات الطائفية التي تغدو هي ذروة التاريخ الوطني.

فهو لا يريد مشياً سياسياً عقلانياً، وليست لديه صفات الصبر وإعادة الناس للوحدة النضالية التي فقدوها بسبب العسف والتسلق الطائفي الانتهازي الطويل، بل يريد أن يكون على صدارة المسرح فهو الزعيم الخالد.

كما كان في سنوات ماضية عدواً لدوداً للتقدميين، ويريد زوال هؤلاء الحاقدين على الأمة العربية المجيدة أو على الطائفة المنصورة، وامتلأ كرها ضارياً لهذه الأفكار فصار ذلك مرضاً سرياً متوارياً قوياً لم تحوله السنون، ويصبح هذا (النموذج الرمز) في أيام أخرى وطنياً أو قومياً أو تقدمياً حسب أسعار البورصة السياسية، ثم كان مستقره الأخير في الطائفية، هنا وجدَ نفسَهُ مثلما بدأ ولداً صغيراً شتاماً حاقداً على (الآخر)، وتبخرت كلُ أسمال البدلات السياسية التي لبسها وخدع الناس بها.

عاد إلى الحارات التي كان يضربُ فيها الناسَ بالحصى، وكان تاريخ النار قد أمتد منذ الثورات الأولى التي لم يعرف فيها سوى الصراخ والحرائق للأشياء، ولم يستطع أن يكون نضالاً بناءً هاماً على الأرض، والذي كونه التقدميون التوحيديون عبر تراكم النضالات الصغيرة التي كان يسخر منها، فوجدَ نفسَهُ فجأة يستفيد منها ويلتحق بها، ولكن الكراهية الداخلية القوية في ذاته لم تزل، فحتى إذا أدبرت الدنيا عن التقدميين بعنف وإغراء الأشياء، عاد إلى جلده الطائفي منتفخاً يدقُ طبولَ الحرب ضد الوطنيين والتقدميين.

توحدتْ لغاتُ البذاءات والكراهية والعمى السياسي والمجاعة الفكرية لدى أنماط الولد الطائفي، عمرهُ الآن خمسون أو ستون سنة، ولم يزل صبياً يقذف الناس بالحجارة، ويضع قدماً عند اليسار وقدماً عند اليمين، يناصر العمال ويقبض من الرأسماليين، يحاضر عن العلمانية ويخطبُ ود الطائفية حبيبته الأولى والأخيرة، يدعي العقلانية ويؤجج الصبيانية السياسية، يتحدثُ عن العلوم ويكرس الخرافات وأصحابها، يتظاهر بالرهبنة الثورية وهو أرستقراطي كاره للشعب، يدعي حب الوطن وهو لا يحب إلا الحارة التي عاش فيها، لا يكتب عن الوطن إلا إذا كان نقضاً له، يعيش بيننا ويكرهنا.

يتماثل الولدُ الطائفي في مستوياته المختلفة، فهو إذا كان شوارعياً سيعتمد الرسائل القصيرة والألفاظ المتدنية، زاعماً نضالاً لا يملكه وشهامة متوارية تحت خوف متأصل، وإدعاءً وطنياً على جسد غير وطني.

وإذا كان متعلماً فإنه لن يؤمن بالطريق الوطني التوحيدي، فهو بلهوان سياسي دأب على طرق المغامرات والارتكاز على من هو قوي، حتى ولو كان سيئاً وخطراً، تهمه الغايات التي ترفعه لا الوسائل التي تدمر الوحدة والعقلانية، وقد رأى كيف كان النضال الوطني التقدمي هو الطريق الصحيح لكنه يرفضه لأنه لا يستطيع أن يسير فيه طويلاً.

لم يتعلم الولد الطائفي من كل العقود النضالية التي  مرت، لم يراكم وعياً ويوسع معرفته بالواقع الموضوعي، ومن هنا فسوف يظل ولداً حتى في شيخوخته وهو يهذي بشتائم المناضلين والمضحين.

السرد البحريني وتباين الأجيال

https://drive.google.com/file/d/1N8spRdDHOtUWqKtORK_sbjk_x1v–E8n/view?usp=sharing

الناقد ذو الرأسِ الفارغ!

أبتلى الخليج بالمتعلمين المتعالمين المجعجعين بالثرثرة اللغوية، ولم يرزقه الواقع الصحراوي بناقد من طراز طه حسين أو سلامة موسى حيث تظهر حركة خلاقة من إبداعاته ومؤلفاته، حيث يحفر في مؤلفات بلده وأمته ويكسر رؤوسها المتحجرة ويخلق روافد من الأشعة، بل لا يوجد سوى كتبة سطحيين متذاكين بترديد المعلبات الغربية، فيكتب أحدهم في شبابه بضعة مقالات يروح في منولوج يستمر طوال العمر حتى يصاب بزهايمر فكري فيتصور ريادته الفكرية للمنطقة ويحصل على بضعة أقلام تقدم له الجوائز المزورة.
آخر يعرض كتباً بشكل (نقدي) هو ترديد ما في هذه الكتب وتمطيط عباراتها فلا يقوم بتحليل ولا حفر، أو هو يطلب من الكتاب في مجالات الرواية أجوبةً ثم يكونُ الكتابُ كله هو هذه الأجوبة ومع ذلك يضع اسمه عليه!
أو يُزور تجربةً روائية نسائية مفككة ضعيفة ويجعلها في قمة العطاء في حين أن الكاتبة بحاجة إلى من يأخذ بيدها في فهم الرواية وذلك كله من أجل سفرة أو هدية!
وحين تكون الكتابة النقدية ليست عن أدب الخيام والمدن الخليجية وعن كافة الشقيات في عالم الأنوثة بل عن صراع الأنوثة والذكورة في تجريدات الثقافة الغربية تكون البطالة العقلية الفظة في حين تتواجد مئات الروايات والقصص الخليجية بانتظار القراءات الأولية فقط ورؤية البشر الحقيقيين.
حين تكون الكتابة النقدية حقداً شخصياً وتزكية للأصدقاء الشعراء والقصاصين وسحق الآخرين خصومهم غير الأصدقاء، لا يستطيع الناقد أن يشكل حركة فكرية خصبة بل يصبح كتلة من العقد والأحقاد والأمراض، لا عروضا نقدية حقيقية فيها ولا قدرة على تحليل الواقع ومواجهة الأبنية الاجتماعية.
ومن هنا يمرض حين يرى نقداً حقيقياً وتحليلات لا تستهدف التسلق لوزارة أو تحصل على عقود عمل وطباعات مجانية أو حضور مؤتمر ومهرجان.
إنه يحتفظ برأسه الإيديولوجية الضخمة رافضاً الدخول في الواقع الجاف.
لكنه في كبريائه الجريح يقدم كشفاً بالنقاد (الحقيقيين) الذين هم على شاكلته لا يكشفون ولا ينقدون فهو الوحيد الذي يستطيع أن يقدم كشفاً تاريخياً بذلك.
ابتلاء الخليج بالرؤوس الفارغة المثرثرة بالنقد رغم كثرة المجلات الفاخرة التي جعلتها حصالات نقدية لها وهو الفارق بين من يبني نهضة ومن يعيش على التسول الحضاري.
هل رآهم أحد يحللون روايةً محلية ويتغلغلون في فهم المجتمع وصراعاته؟
هل حللوا قصة قصيرة بحرينية واحدة، واحدة فقط؟
حين يحللون بغرض الكسب فيتم تزييف القصة وتغيير بناها خدمة لأغراض ذاتية.
ليس ثمة قامة كطه حسين، لماذا؟
لأن طه حسين واجه واقعه بكل قوة ومطالعة وحلله بأدواته غير خائف أو منزو وخلق دوائر كبيرة من النقد والفكر والصحافة الحرة. ومن هنا توسع في نقد الأنواع الأدبية والفكرية والسياسية، لكن صاحب الكتابة الضحلة الممتلئ عظمة بشخصه يتصور بضعة مقالات هرماً من الثقافة وأعجوبة!
إنها أرض المجدبين لا تستطيع أن تصنع نقداً لأن النقد هو مفجر الفكر ومؤسس الحضارة.
أرضٌ بلا نقاد سفن بلا ربابنة.

نقادٌ مذعورون

كان ينبغي للنقاد أن لا يخافوا من أعمالِ الروائي، ولكن التصادم بين مساراتِ الطبقاتِ الشعبية والوسطى يتمظهرُ في الرواية والفكر.
فالروائي ابنُ الحارات والثورات حاملُ زخمِ الحراكِ الشعبي لعقودٍ يجسدُهُ في شخوصٍ عاصفةٍ تقتحم الشواطئ وضفافَ المدن، ولكن النقد الذي نشأ في الجامعات غير العلمية ومكاتب المجلات والصحف الحكومية ليس من شأنه قراءة نضالات الطبقات العاملة ولا حتى تحولات الفئات الوسطى نحو التغيير، ولكن الكتابة الروائية مثل بحر الناس تشكلُّ مداً عصياً على الجَزر.
يقوم النقادُ المحنطون في يباسٍ نظري أغلبهُ مستورد بالاهتمام بظاهراتٍ ثانوية، وأعمال هامشية لا تثيرُ جدلاً صراعياً ديمقراطياً في المجتمع، ويُنزلون عليها فلسفاتٍ هي إسقاطاتٌ وليست اكتشافاتٌ وتحليلات لما تمورُ به المجتمعاتُ من عصفٍ اجتماعي هو أغلبه رجوعٌ للوراء وتدهور للحداثةِ والعقلانيةِ وتراكم للمشكلات المالية والعجز والبذخ من جهة والفقر المتسع من جهةٍ أخرى.
من أين يُحضرُ النقادُ هذه الأعمالَ الهامشية ويُشغلون بها ثللاً صغيرة؟ فلا أحد يدري، لكن الروايات الكبرى تفرضُ نفسها، والروائي المطارد سابقاً، والروائي المنفي في بلده لاحقاً، يفرضُ أعمالَه التي يقرأها الناس، فتتهاوى أسوارُ النقد المحاصِر.
لكن الروائي يخطفه المقعد الوثير، والراتب الحكومي الكبير، وتلك الاطلالات الشعريةُ والعواصف الاجتماعية الرومانسية والشخصيات الثورية النادرة تختفي، وعلى النقاد المذعورين من النضال أن يغمدوا أنصالَهم في جسدِ الروائي البيروقراطي وأعماله، ساحبين منها ذلك الألقَ الوطني النضالي الكبير.
ولهذا فإن الوطن الحقيقي لا الروائي هو الذي يمشي على سكةِ الحرب الأهلية، فلم يقبل البلدُ بصراعٍ ديمقراطي في الرواية فظهر الصراعُ الدموي على الأرض وتكاثرتْ شخصياتُ الحطام في الخرائب والمنافي.
هو مثل المفكر الذي لم يعد يفكر فيما يَشغلُ الناس، ومهمته أن يبتكرَ لهم قضايا ماتت منذ زمن بعيد، والصراعات الاقتصادية الاجتماعية الطاحنة في الواقع ليست في بؤرة إهتمامه، فالبُنى الرأسماليةُ العربية الحكومية العسكرية المتخلفة التي انهارت في المحيط العربي لم تزل لديها بعض الفوائض النفطية في دول الجزيرة العربية، فهنا إمكانياتٌ للترف الفكري والمؤتمرات التي لا تتوقف كل أسبوع لمناقشة قضايا ليست قضايا الأزمات الحقيقية، وكون العربة الخليجية هي العربة التالية في سكة القطار العربي الضائع بين القفار.
ولهذا فإن المفكر يراها سائرة إلى الأمام بقوة، مثل الروائي العربي الشمالي الذي ترك شخوصه الشعبية تضيع ولم يعثر على شخصيات حية بين المكاتب ولم يَعُد للحارات والذي قاد الشراع في العاصفة تحطم على صخور البيروقراطية العسكرية.
غيابُ الشجاعة الأدبية ترافق مع موت الفكر والنقد، فالفكرُ الذي كان واعداً في السبعينيات انشغل بالقضايا العامة العربية بأشكال تحليلية سياسية عامة ليست فيها دراسات للبُنى الاقتصادية الاجتماعية، وتتيح له هذه التعميات والمجردات أن يتلاعب على حبال السياسة والمواقف الاجتماعية حتى يتحلل الفكر الذي لا ينمو سوى بالصراع مع الواقع وتحليل بناه الاجتماعية السياسية، واتخاذ موقف في الصراع الاجتماعي لتغيير رأسماليات حكومية بيروقراطية غير قادرة على السير في عالم الحداثة الديمقراطية المعاصرة.
المفكر دوره هو تحويل هذا الانسداد التاريخي إلى اكتشاف وانفتاح وتغيير، متجاوزاً الخرائط الاجتماعية الملموسة إلى قوانين التطور التاريخية، ودور المؤتمرات السياسية العلمية هو رؤية الآفاق البعيدة وليس اليوميات السياسية التي هي مجرد مادة صغيرة للتعميمات والتقييم البعيد.
تكرار أزمات النماذج هو مؤشرٌ لتكرار السنياريوهات العاصفة وخسائرها سواء في الشمال العربي أو الجنوب.

الروايةُ وبناءُ وطن

تتداخل الروايةُ والرؤيةُ الفكرية، ولكلِ منهما مستوى وبنية، ولا نستطيع أن نقرأ الرواية مثل الرؤى خارج التاريخ والمراحل.

إن روايات بلزاك مرتبطةٌ بمرحلة متقدمة من التطور الاقتصادي مختلف عن روايات تولستوي التي هي مرتبطة بمستوى آخر، ولهذا فإن معالجات بلزاك للحياة تختلف عن تولستوي الذي عاش في بلد متأخر عن ذلك التطور، ولكل من الروائيين أفكاره الاجتماعية والفنية، فتنمو التجارب الروائية في حقول مختلفة عامة وخاصة.

الآن يلخصون الرؤيةَ في (الإيديولوجية) ولكنها المصطلح الأول ذا عمق أوسع، فالروائي يجسد نظرته في الحياة التي هي تاريخية، فلها زمن تطورت وصُقلت لديه ولها زمن موضوعي إجتماعي حيث تشكلت في تطور الثقافة المحلية.

الزمانُ التاريخي البشري المعاصرُ متشابهٌ حيث بدأت الرأسماليةُ في غرب أوربا وأمتدت إنسانياً، ولهذا نجد الحلقةَ الفرنسية في زمنية بلزاك قد قاومت وتخلصت بشكلٍ كبير من زمنيةِ الإقطاع، وغدت العملياتُ الاقتصادية المالية فاقعة تتحكم في البشر، هذا ماتبرزهُ رواياتُ بلزاك وشكل أحداثاً وشخصيات تتبلور في الحياة.

في حين أن الحلقة الروسية كانت لا تزال تدخل في هذه العلاقات ولا تزال العبوديةُ ورقيق الأرض تثقلُ الحياةَ الاجتماعية العامة بطابعٍ حاد يحيلُها لبؤسٍ واسع، ولهذا نجدُّ الثيمةَ الكبرى في روايات تولستوي هي قضية الأرض والعاملين فيها وعالم الرقيق القديم السائد غير المتزحزح.

وحين نجيء للبحرين والجزيرة العربية لابد من قراءة المرحلة الاجتماعية، حيث لايزال التطور الحديث في أوله، وصراع التحرر والوجود الوطني في بدايته بحيث إن النتاجات الثقافية احتاجت لزمن طويل كي تتشرب رائحة الأرض وتغتني بعناصر ثقافية محلية وعربية، أما النوع الروائي فأحتاج لزمن أطول، إنه بالكاد يتحسسُّ الصراعات الحديثة.

إن هذه المرحلية والدوائر البشرية لا تعني عدم تداخلها فقد يقفزُ تكوينٌ أوروبي في هذه الغضاضة الإبداعية المحلية وينحشرُ داخلَها وسواءً كان ذلك باقتسار أم بتطور داخلي وطني متصاعد، حيث يلبس اللباسُ الوطني العربي الشكلَ الخارجي ويطوعه.

مهمة الناقد هي قراءة هذه المرحلية المتصاعدة، وكيف يتتبعُ تجاربَ الروائيين في تناميها التاريخي، ويمسك خيطَ التطور المتداخل مع تطور البنية الاجتماعية ومدى تطور نظرة الروائي وعلاقاتها بالصراعات الاجتماعية والسياسية والفكرية، وتلك مهمات تحتاجُ إلى تأنٍ شديد وبدون استعجال، وإلا اختلطت الأشياء اختلاطاً شديداً.

وعمليات الدرس النقدية للتجارب الروائية هي لها تاريخ كذلك، ثمة دارسٌ عدته في بدايتها، وتطوره بمدى قدرته على متابعة البلد والمنطقة في تطورهما، لكنه يستعجل ويلقي بمحفوظاته الدراسية على الثقافة، وتنفصل غالباً هذه المجلوبات عن الدرس العميق للرواية، وتتصدر أحكامه الشخصية ملاحظاته، وتتقطع الملاحظات عن مشاهد المسرح الكلية للأعمال، وعن السيرورة التاريخية لتطور الرواية.

الدراسات محدودة ومتقطعة وجزئية لذا فإن الأعمال الواسعة الحفرية لا تزال غير موجودة.

إن تناول أعمال الروائيين في مسارها، وقراءة خيوط التطور فيها هو المؤدي لفهم كل عمل بذاته ووضعه في حلقته، ومن ثم الوصول للتعميمات الفكرية الفنية النابعة من هذه التحليلات المعمقة.

ولهذا فإن قيام أي دارس بمحاولة هذا العرض الكلي للتجارب الروائية تغدو مغامرة محفوفة بالمخاطر خاصة إذا لم يتتبع مرحلية التطور والسياق الاجتماعي الفكري للبلد، وجاءت الأعمال في غير سياق فني، ولم تقرأ التنامي الكتابي.

هذا ينطبق على عمل الدارسة (أنيسة السعدون) في كتابها (الرواية والأيديولوجيا)، من إصدارات وزارة الثقافة البحرينية، وطباعة الدار العربية للدراسات والنشر 2013، فهي أخذت أربع روايات بحرينية مختلفة وقامت بقراءة البناء والأفكار فيها، ولا يربط بين هذه الروايات سوى صدورها عن مؤلفين بحرينيين، وهي منتزعة من لحظات إنتاجية مختلفة، فواحدة هي من أعمال عبدالله خليفة قبل الأخيرة (الينابيع ثلاثة أجزاء ممتدة على أكثر من عقد)، في حين أن الثانية (سلالم الهواء هي لمحمد عبدالملك) وهي من أعماله التالية غير الأولى، مثل الكاتبة الروائية التالية فوزية رشيد (وهي رواية القلق السري)، أما الروائي الأخير وهو أمين صالح فعمله الأول المبكر (أغنية أ. ص).

إن انتزاع هذه الروايات من شريطها الاجتماعي التاريخي وقراءتها وهي منفصلة غير منبثقة من مسار كل كاتب ومسار تطور البلد يطرح مدى قدرة الدراسة – أي دراسة – على التحليل العميق والمقارب للتجربة الروائية والثقافية البحرينية، ومن جهةٍ أخرى فلا بد من الاهتمام بكل عملية نقدية للنتاج المحلي فهي تمثل تضحية من قبل الباحث وجهد يُشكر عليها مهما كانت اجتهاداته.

ليس ثمة ترابطات ومحاور بين الأعمال الروائية التي اتخذتها الدارسة أنيسة السعدون لكتابها (الرواية والأيديولوجيا) غير البحث في الواقع السياسي العام والأفكار العامة للمؤلفين، وهي في مقدمتها تعطينا صورةً قاتمة لواقع الرواية وواقع الثقافة الإبداعية في البلد ككل وتلخصها في فقرات قليلة حاسمة، وبدايتها كون الرواية غير موجودة في الأسواق وغير منتشرة وغير مقروءة وغير منقودة إلا من بضعة كتاب نادرين، وأن هذا جزء من المناخ الثقافي المتردي الذي خلقته الموجةُ الأدبية المعاصرة ذات الخلافات الصراعية المدمرة!

تقول:

 (ومما يزيد المشهد تهافتاً مشاركة الكتاب والنقاد أنفسهم في إضعاف الحركة الأدبية والحركة النقدية في البحرين)، ص13، في حين إن ذلك كان كله كان حوارات وكتابات لفحص النتاجات وتحليل الحياة الفكرية والثقافية والصراع حول جذورها ودلالاتها ومصيرها، وقد أدى ذلك لتبلور اتجاهين إبداعيين واقعي وتجريبي، وتغلغل الكتاب في الحركات الاجتماعية وساهموا فيها بالتضحيات وحتى الاستشهاد وبصنع التجارب الشخصية، ومن الطبيعي أن تُجابه النشاطات السياسية والفكرية الوطنية الجريئة هذه بالمصادرات والسجن، وهي جوانب خلقت الحياة الثقافية والسياسية وساهمت في إغناء الأعمال الروائية والنقد، ومن العجب أن تستشهد بآراء واهنة هروبية مختزلة في تحليل تجربة بلدها التاريخية الكلية وبشكل وامض وتملأ الكتاب كذلك بالاستشهادات الأجنبية بشكل مطول واسع.

يعبر هذا التقزيم للرواية في البحرين عن ضعف قراءة التطور التاريخي للرواية حيث ظهرت عبر تطور الصحافة كمحاولات قصصية قصيرة ثم كأعمال روائية مسلسلة ثم ككتب مستقلة.

عملية البحث عن الأجنة الصغيرة للرواية وتطورها كانت غير ممكنة في دراسة سريعة مختزلة طائرة لا تتغلغل في بُنى الواقع المحلي ثم في تجارب الروائيين المتعددة، لتدرس هياكل التجربة ومدى تجذرها في الواقع ومدى نمو قدراتها الفنية.

ومن هنا عملية الاسقاط الأيديولوجي الذاتية التي تلقيها على التجارب، ووجود الأحكام المتناقضة، ففي رواية تعكس وعياً دينياً تقول عنها إنها (واقعية اشتراكية)، في حين أن وجود زمن ديني محافظ يحاول أن يمزج بين العصرين العباسي والحديث بأشكال ضبابية رومانتيكية ينفي إمكانية وعي واقعي اشتراكي يجسد صراع الطبقات البرجوازية والعمالية في نظام رأسمالي متطور!

وإذ تعكس تجربة رواية (أغنية أ. ص) تجربة المؤلف من قصة قصيرة مفككة، تعتمد التداعيات الذاتية الحرة، شديدة التناثر فإنها لا تقوم بتجسيد تجربة شخصية واجتماعية متبلورة تصور واقعاً تاريخياً وذاتياً، ولهذا فإن المؤلف ينمو باتجاه ذلك عبر تجارب رواية أخرى تالية لم تُدرس من قبل المؤلفة، والتجربة الأولى الغضة لا يمكن أن تقود لأحكام كبيرة مثل (هي محصول أفكار أراد أن يبثها الراوي، ويقلب أنحاء النظر بالتأمل، والتحليل والتعليق على قضايا متنوعة انبثاقاً من رؤية ماركسية)، ص 124. فأي رؤية ماركسية تنتج من بناء متناثر لم يخلق هيكلاً حدثياً وشخوصاً؟ والكاتبة على كثرة استشهاداتها بالماركسية لا تعرف أولياتها من حيث هي رؤية تاريخية اجتماعية متنامية ذات قوانين في فهم الواقع والنوع الأدبي الروائي. فهنا تناقض أيديولوجي بين اعتقادات الكاتبة الدينية والرؤية الماركسية، فهي لا تتبنى هذه الرؤية ومع هذا تسقطها على الأعمال الإبداعية دون قراءة داخلية متفهمة.

كراهية التجارب المحلية والتصغير منها تتوسع في قراءتها لرواية (الينابيع)، وعدم استخلاص الدلالات الكلية من البناء وليس من مواقف الشخصيات التي تعكس تجاربها وليس رؤية المؤلف، ونقرأ تعليقاً من كاتب أردني بارز يرد على هذا الجانب وهو الباحث الأكاديمي إبراهيم خليل:

 (فكانت رواية عبدالله خليفة (الينابيع) 1998 أولى الروايات التي وضعتها المؤلفة تحت المَجْهر. فشخصية محمد عواد هي الشخصية الرئيسة البارزة، وقد يكون لاسم هذه الشخصية تأثيرهُ في انطباعات القارئ عنها، فالعواد اسمٌ عُرف به لعشقه آلة العود، والموسيقى، والغناء، ولعل هذا هو الذي جعل المؤلف خليفة يعنون القسم الأول من الرواية بالصوت.

وقد واجه العواد هذا الكثير من التضييق الاجتماعي، والاستبعاد الأخلاقي، بسبب تعلقه الشديد بالغناء، والموسيقى، ولا سيما من الجيل الذي نشأ وترعرع في الماضي، وشابتْ رجالاته على عاداتٍ، وتقاليدَ متحجِّرَة، تعد المغني، أو الموسيقي نموذجا منحرفا عن السراط المستقيم، تجبُ محاربته، ونبذه، واستبعاده. والمؤلفة تستخلص – محقة- من هذا الموقف اتخاذ الكاتب عبد الله خليفة من شخصية العواد قناعًا «يدين به الرؤية التقليدية المحافظة ذات التوجه اليميني» (ص 71) وأنَّ هذه الشخصية، بسبب ذلك، تترنَّح بين التقاليد، والتغْيير، موتورة الخطاب، مما يدفع بها دفعًا للبحث عن مكان آخر تلجأ إليه وهو (المحرّق) طمعًا في العثور على ملاذ آمن تستطيع فيه أنْ تنتج ما تشاء من الأغاني، ومن الموسيقى، وتبدع.

بيْدَ أن الرياح لم تجر بما تشتهيه السفن، فيشد الرحال ثانية للهند للغرض ذاته. ومن تتبُّعها الدقيق لمجريات الحكاية تخلص أنيسة السعدون لرأي مؤداه أن شخصية العواد سلبية، لأنها تكتفي بنقد الواقع وبإدراك ما فيه من تداع، وتقفُ عاجزة عنْ تغييره. (ص 75) فالدائرة التي وضع فيها عبدالله خليفة بطله، هذا، دائرة مغلقة، تنتهي بخاتمة تقليديّة ليس فيها بريق نورٍ، ولا بصيص أمل. وتبعًا لذلك فإن النهاية التي تؤول إليها، وهي مصرعها على يدي ابن ميّ زوج الشيخ (حامد) نهاية مأساوية، متوقَّعَة. (ص76).

ولا تفتأ المؤلفة – مع هذا- تؤكِّدُ أن العواد يحتج على ذلك الموقف القمعي، المتهافت، المهزوم.(ص77) ونحن نرى في هذا التوكيد ما يخالف تأكيدها السابق، فالبطل الذي ينتقد الواقع المتأزم مشيرًا لما فيه من انهيارات، لا يُعدّ بطلاً سلبياً، وليس ينتظر من الكاتب الروائي أن يطرح بديلاً لذلك. سواء أكان هذا البديل أفضل ممّا هو كائن، أوْ لم يكن. إذ لو توخَّى الكاتب هذا عامدًا لما حال بينه وبين الوقوع في شرك الأيديولجيا بمعناها الحرفي، ولا بينه وبين الوقوع أيضًا في فخ المباشرة، وتحوُّل الرواية من عمل فني إلى آخر وعظيّ، وهذا ما حذرت منه السعدون في تمهيدها الشيّق.

وقد تتبعتْ المؤلفة تتبُّعًا دقيقا الشخصيات الأخرى في الينابيع كشخصية إبراهيم زويّد، والشيخ محمد، وزهرة، وعلي الابن غير الشرعي للعواد، وبعض الشخصيات الأجنبية، ومنها الميجر بيلي، وجون سميث، وزوجته. ولم يغب عن بال الناقدة وهي ترمي تلك الشخصيات بتهمة السلبية تارة، والتآمر تارة أخرى، والطمع بثروات البحرين من نفط وغيره تاراتٍ أُخر، أن تلتفت للجانب الآخر من الصورة.

فقد ذكرت أن في وجه تلك الشخصيات المستغلّة (بالكسر) فئة مثقفة متعلمة من الشباب تؤمن بقداسة الوطن، وتدين بقضايا الأمة، من نحو: جميل المدهون، وكريم شاكر، وسلمان العكار، وبدر الوزان. وقد صرح جميل في أحد الحوارات، بالنهج الذي عليهم أن يتبعوه.: «دعونا نصنع أشياء رائعة لأرضنا، وقوميتنا المهددة بالانقراض والموت.. بدلا من الدهاليز المعتمة. ومهن الدواوين والخياطة والإمامة». ص 84 فمثل هذه الإشارة تكفي للدفاع عن موقف عبدالله خليفة الذي وُصِمَ ظلمًا بالسلبية. فهو يسلط الأضواء على هاتيك القوى المرشحة للقيام بما من شأنه تغيير الواقع الذي تصوره من خلال شخصية محمد العواد، واقعًا منهارًا مأزومًا فاسدًا. وهذه هي وجهة نظر جورج لوكاش الذي لا يفترض في الكاتب الواقعي أن يكتفي بتصوير الواقع كما هو، فهذا، في رأيه، كاتب طبيعيّ. ولا يفترض فيه أن يقدم حلولا للمشكلات الاجتماعية، والاقتصادية، بحيث يتحول إلى واعظ، فحسبه أنْ يسلط الضوء على القوى الكامنة القادرة على التغيير.

والصحيح أن المؤلفة لم يفتها هذا، فقد نبهت في إشارة مختصرة، وعابرة، على إخفاق هذه الفئة المثقفة المتعلمة في تحقيق ما ينسب للإنجاز لا للأماني. فذكرتْ أن بعض هؤلاء كجميل شاكر، وبدر، وغيرهما.. انكفأوا على ذواتهم، ولم يواصلوا السعي لتحقيق ما يرجونه من إعادة ترتيب البيت البحريني. ولهذا خلصت إلى نتيجة صنفت فيها الرواية تصنيفا ثابتا لا مِرْيَة فيه، ولا جدال، وذلك أنَّ الكاتب يحملُ «رؤية انتقادية أكثر رسوخًا في عالم الرواية- الينابيع- بأفول تباشير التغيير حتى مع فئة الشباب المثقف». (ص 85 ).

إن غياب قراءة تطور الرواية المحلية ومعرفة مساراتها لا شك أنه يؤدي لأحكام مُسقطة متناقضة.

الحدثُ الأوكراني ودلالاتُهُ الديمقراطية

الحدثُ الأوكراني ودلالاتُهُ الديمقراطية

اقترب التفكك والصراع حتى حدود العالمين الشرقي، ذي الرأسمالية الحكومية، والغربي ذي الرأسمالية الحرة، حدود روسيا وحدود ألمانيا.
قامت روسيا خلال التحولات الديمقراطية في شرق أوروبا بالإبقاء على السيطرة على أوكرانيا التي تماثلت معها في البُنية السياسية الحزبية الشمولية، عبر سيطرة الحزب الشيوعي المتحول إلى بنية اشتراكية غير ديمقراطية وبقيت القوى البيروقراطية تواصل الهيمنةَ على المجتمع ولهذا تواصلت التبعية السياسية من قبل أوكرانيا لروسيا.
فيما توسعت كذلك القوى الرأسماليةُ الخاصة المنبثقةُ من أجهزة الدولة والتي عاشت على ثمار الفساد والتي راحت تعيدُ السيطرةَ على الحياة الاجتماعية والسياسية.
تفككت الدولة الأوكرانية والمجتمع بحسب هذا الصراع الطبقي بين القوى السائدة، الرأسمالية الحكومية المتحالفة مع روسيا والنمط الشرقي والجموع الروسية الباقية على الحدود الشرقية من جهةٍ، والرأسمالية الخاصة المتحالفة مع النمط الغربي ومجمل السكان الأوكرانيين المندمجين في عالم الغرب والذين يعيدون قوميتهم التاريخية المنفصلة عن القومية الروسية من جهةٍ أخرى.
التحالف التاريخي بين القوى العمالية والشعبية خلال عقود النضال المشترك قضت عليه القوى الاستغلاليةُ الحكومية التي تحللت عبر تينك القوتين الاجتماعيتين الفوقيتين الاستغلاليتين، في حين تساقط التحالفُ العمالي الأممي بسبب عدم تطوير الفكر الماركسي نحو الديمقراطية وعدم صعود القوى السياسية والنقابية الشعبية.
الهيمنة الروسية اليمينية اتخذت لها شكل الشيوعية الحكومية العتيقة فيما هي تغدو قوى بيروقراطية استغلالية، وأبقت على الترابط مع الدولة الروسية والإرث الشمولي الفكري القديم.
فيما لم تستطع القوى القومية الأوكرانية الشعبية المختلفة إنتاج وعي تقدمي ديمقراطي معارض واسع، ولهذا فإن الأقسام المتحالفة سابقاً مع الشمولية الروسية والتي استثمرت مواقعها السياسية تصوغ سياسة رأسمالية خاصة قومية تحللية في عالم الغرب وشركاته ودوله.
إنها تخفي قسماتها الطبقية العليا عبر اللغة القومية المحلية ونقد الاستبداد الروسي والتشنيع على الاشتراكية ومشروع الهيمنة الاقتصادية والعسكرية الروسية المستمرة عبر مشروعات بوتين الأخيرة فيما هي تصوغ سيطرتها الجديدة.
إن القوى التابعة لنمط الرأسمالية الحكومية البيروقراطية الروسية معبرةً عن نمط سياسي إنتاجي، وهو النمط الواسع الانتشار في الدول الآسيوية والذي يتزعزع وغير قادر على الملائمة مع معايير الديمقراطية الغربية، وهو النمط الذي سنشهد انهياراته التالية في العديد من الدول والمصاحب للقلاقل والحروب والصراعات القومية، وخاصة التجارب السورية والعراقية والإيرانية والعديد من التجارب العربية الأخرى.
فيما يستفيد النمط الغربي بشركاته وقواه الاستغلالية الخاصة من هذا التحلل لوراثة الأسواق.
لكن روسيا وريثة الشمولية ونمطها في الشرق تدافع عن مصالحها وعن حلفائها.
لم يعد النمط البيروقراطي الشرقي قادراً في نماذجه الباقية على التغيير الداخلي الديمقراطي، فقد كانت الدول السابقة كالمجر وبولندا وغيرهما ذات مستوى اجتماعي متقدم قادرة على التحرر من النفوذ الروسي عبر تطورها الاجتماعي الخاص الطويل فيما عاشت أوكرانيا تحت النفوذ الروسي الحكومي الذي منع تطور الفئات العمالية والخاصة من التطور الفكري السياسي المستقل.
كذلك هناك التفكك القومي الذي يصيب هذه الدول ويجعلها قوى هادمة لخريطة الدولة، وهو الأمر الذي يجعلها تتخوف من الاستقلال عن روسيا.
إن نمطي الإنتاج الرأسمالي العالمي: نمط الدولة البيروقراطية الرأسمالية، ونمط الدولة الرأسمالية الحرة، يتفاقم الصراع بينهما ويتغلغل في الشرق موطن النمط الأول ولهذا تتفجر المعارك وتتغير الخريطة عبر استخدام القوى الشعبية والحكومية المتنازعة.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=403659