جابر عصفور من الباحثين الدؤوبين في تاصيل الحداثة العربية والبحث عن أسباب انتكاساتها في العصر الحديث، وهو يبحث التنوير والإصلاح من خلال شخوص مركزية كالأفغاني ومحمد عبده وفرح أنطون وشبلي شميل وطه حسين، وهو يستعمل تعبيرات مثل المشايخ المجددين لتعريف الأفغاني وأمثاله من علماء الإسلام الذين حاولوا ربطه بالمدنية والحداثة، كما يستعمل مصطلح الأفندية المتنورين لتعريف أمثال فرح أنطون وطه حسين.
يقول:
(وكان على الشيخ المجدد أن يتحمل الاتهام بالابتداع والعمالة، وأن ينهال عليه من الاتهام ما يذكره بالاتهامات التي وجهها أبن قتيبة النقلى، داعية التقليد، في القرن الثالث الهجري، إلى معاصريه وأعدائه «المعتزلة».. ولكن مع فارق مهم أن داعية الابتداع (الذي جاء بعد ما يربو على تسعة قرون) كان يمضى مع الموجة الصاعدة للنهضة والترقي. وكان تضاده مع (الشيخ التقليدي) الآفل هو الوجه الآخر لتآلفه (أو تحالفه) مع نموذج الأفندي التنويري، من حيث الأهداف العامة التي جمعتهما حول أحلام النهضة: الحرية والعدل والتقدم.)، هوامش على دفتر التنوير، ص ١٧٧.
إن السياقات التي يضع فيها الباحث نماذج المشايخ والأفندية رغم فرديتها تشير إلى الشرائح أو الفئات، المنبثقة من الفئات الوسطى. فهنا اتجاهان ينبثقان من هذه الفئات: الاتجاه الديني والاتجاه اللاديني أو العلماني.
والاتجاه الدينى يقوم بتطوير مصطلحاته الدينية وشحنها بالتحديث المعاصر، باحثاً عن توجه فكري قديم يتأصل من خلاله، فيرى الاعتزال أقرب إلى محاولاته للجمع بين الدين والحداثة، حيث عُرف المعتزلة بجعل العقل معياراً لفهم الفص الديني والحياة.
أما الاتجاه التحديثي العلماني بأسمائه السابقة الذكر وغيرها، فهو يغرف من معين واضح ومبهر في العصر، وهو الغرب نفسه، ولكن لا يرى تضاداً مطلقاً حينئذٍ مع الاتجاه الإصلاحي الديني، رغم السجالات الكبيرة والهامه بين الجانبين، والتي اتسمت بالاحترام المتبادل.
وإذا قمنا بوضع الفئتين في سياقهما الاجتماعي، فكذلك لابد من وضعهما في سياقهما السياسي. فهذه الشرائح المنبثقة من الأعمال الحرة أو من بدايات التوظف في المؤسسات الحكومية، تعيش العصر الانتقالي بين تفكك الدولة العثمانية ونشوء الأنظمة التابعة والمستعمرة.
إن الطابع الفردي الحر لرجل مثل فرح أنطون يشكل مؤسسة صحفية خاصة، أو كالشيخ محمد عبده الرجل المستقل والثائروالذي يعود من منفاه لكي يعمل كمفتى، إن هذا الطابع الفردي غير المرتبط بمؤسسات سياسية واجتماعية مهيمنة إلى حد ما، يجعل لمناخ الفئات الوسطي المتفتحة في ذلك الزمن الانتقالي رموزاً استقلالية مناضلة واسعة الأفق.
فالماضي والراهن الإقطاعي للدولة العثمانية المتفسخة، والحداثة التي تلوح في الغرب كشمس مضيئة للسفينة العربية الإسلامية الغارقة في الظلمات، لا يتضادان بصورة حادة، وثمة آمال هنا بأن الدول العربية الإسلامية ستتجه للتقدم والحداثة، ومن المهم النقل من الغرب المتقدم، وعدم إهمال التراث والأصول المضيئة، معاً.
في هذا الزمن الانتقالي كانت المدن العربية تشهد فترة نهوض أو بداية تحول، وكان إلغاء الإقطاع الحكومي للأرض الزراعية علامة أخرى للتطور الاقتصادي. وفي زمن الاحتلالات في بعض الدول العربية تأكد في البداية مسار النمو هذا، مع انتشار المؤسسات الاقتصادية الخاصة.
إن كل هذا قد أنعش الفئات الوسطى وأدى نمو المدن وبعض الحريات السياسية والفكرية والاجتماعية، إلى الاعتقاد بأن المطابقة بين الدول المتخلفة المستعمرة والدول المتقدمة الاستعمارية أمر ممكن.
في مثل هذا الزمن التوسعي للفئات الوسطى ونمو المدن واستقرار العلاقات الزراعية، وعدم حراك الأبنية الإقطاعية العربية، كان من المعكن نشوء التعاون بين المشايخ المجددين والأفندية المتنورين، ولكن إلى حين.
إن الوعي التوافقي والتحديثي بين المشايخ المجددين والتنويريين الذي جمع الفريقين في الزمن الانتقالي بين تفكك الدولة العثمانية ونشوء الأنظمة الوطنية التابعة، يعبر عن تعاون شرائح من الفئات الوسطى الحديثة، لوضع القواعد الفكرية السياسية للتحرر الوطني القومي والديني.
إن نشوء التضاد بين البلدان التابعة والاستعمارية قد جعل الفئات الوسطى تبدأ بقيادة عمليات التحرر المختلفة، وكانت بحاجة لتجميع مختلف فئات السكان المسلمين بمذاهبهم المختلفة، وغير المسلمين، الأمر الذي جعل مثل الأفغاني يطرح وحدة أديان المنطقة، ودعك من مذاهبها.
إن (الإصلاح) الاستعماري الأول بعد الحرب العالمية الأولى، قد وضع بعض أسس التطور الرأسمالي الحديث، دون أن يزيل الهياكل الاقطاعدة، سواء في المستوى السياسي عبر إزاحة أسر الأشراف، والقوى المذهبية المسيطرة على إنتاج الدين وتداوله، أو الهياكل الإقطاعية على مستوى الحياة الاجتماعية كهيمنة الذكور المطلقة على النساء ونتائجه، أو على المستوى الثقافي بسيطرة الأبنية الخرافية والأمية والعاميات على الوعي.
إن (الإصلاح) الاستعماري الأول تركز على تنمية راسمالية التبعية لتحسين شروط تصدير المواد الخام وتوسيع السوق المحلية لبضائع المتروبول، وبهذا فإن الدول العربية التابعة كان عليها أن تعانى من جانبين: مشكلات الأقطاع والتخلف القديم؛ حيث تتوجه أسر الأشراف إلى تبذير المال العام، الناتج من ملكيتها السياسية المشتركة لجهاز الدولة، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يكون إلا بشكل مذهبي، أي عبر غطاء المذهب الديني السائدة الأمر الذي يؤدي إلى تنامي المذهب الديني المغاير، أو الدين المختلف، وبهذا فإن الإصلاح الاستعماري الأول غير علمانى، أي يقوم بتنشيط آلية العلاقات المذهبية / الأقطاغية.
وهكذا فإن شرائح الفئات الوسطى الحديثه الليبرالية، سواء في الوعي الديني، أو في الوعي الرأسمالي الغربي، تجد فضاءً اجتماعياً فكرياً مشتراكاً، عبر توسيع دوائر الحرية واحترام الدور الإنساني للأديان، وهو أمر يتشكل يرؤى مجردة، ولهذا سنجد لدى فرح انطون تلك الطوباوية الحالمة التي اقتطف منها جابر عصفور فقرة مطولة في روايته نشيد أورشليم متخيلاً نفسه مسيحاً جديداً علمانياً، ومنها:
أرى الشعب يرتقي باختراع الآلة الميكانيكية لأن المصنوعات لا غنى لها عنه وعنها فيصير شريكاً لصاحب العمل فيها، وبذلك ترتقي طبقه وتملأ الهاوية بينه وبين سيده صاحب العمل. أرى العمال الضعفاء يصيرون قادة الممالك بالانتخاب العمومى وتقديس الإنسانية.. أرى ملاجئ الشيوخ والمرضى .. وأكابر الأمم يتفاخرون بزيارتها وصنع الخير فيها… مرجع السابق، ص 153، 154.
أما الإمام محمد عبده فهو يدعو للتقريب بين الأديان قائلاً:
وإنما التقريب الممكن في هذا الزمان، زمان العلم والفلسفة، قائم بأن يحترم كل فريق رأي غيره ومعتقده، لأن الحقائق والفضائل غير خاصة بفريق دون فريق.. مرجع نفسه، ص ١٥٢.
إن هذه الكلمات الطيبة لم تستطع أن تزدهر على المدى الطويل، فهى عمليات نسخ من التجربة الأوربية ذات المسار المميز، الخاص بمعاركه وطرق تطوره، أي انها عمليات تنوير جاءت بعد عشرة قرون من تطور البرجوازيات الصناعية
العلمانية الغربية، في حين ان الفئات الوسطى العربية الإسلامية المسيحية كانت لاتزال ذيلية بلإقطاع السياسي والديني و(الاستعماري) المذهبي، أي لم تكوّن مصنعها الخاص ومعملها المغير للتخلف. وحتى المصانع والمعامل ستوضع تحت هيمنة القصور والرقابتين الشرقية والغربية الأقطاييتين.
إن أقساماً من الفئات الوسطى المتنورة هذه شقت الطريق لعمليات التحرر الوطنى، دون أن تقدرعلى طرح البديل الديمقراطي الواسع والعميق للأنظمه التقليدية، واكتفت بالمجرى المحدود الذي أتاحته لها قوى الإقطاع؛ وهكذا نجد في رؤية فرح أنطون السابقة وعياً دينياً مثالياً، فهو يغدو راهباً حالماً، بأن تتحقق الجنة الاجتماعية بمجرد الحلم والدعوة، لا أن يقوم بتحليل الشبكات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية للتخلف، ويضع برنامجاً نضالياً لتغييرها.
وفى الوقت الذي يقوم الإمام محمد عبده بالدعوة للإخاء والمساواة الدينية، ويغير الأشكال المتطرفة من الجمود الديني، لكنه يرفض أن يتحول إلى لوثر الشرق الإسلامي. أي داعية للفصل بين الدين والدولة.
وعدم الفصل هذا راجع لعدم رؤيته للفروق بين الثورة المحمدية التأسيسية وبين سيطرة الإقطاع على الإسلام، وبالتالي فإن إصلاحاته بقيت فى شباك الإقطاع المذهبي.
إن العلمانية المستندة إلى نضال المسلمين، كان لابد أن ترتكز كذلك على تحرير الفلاحين والنساء والدين من هيمنة الأقطاع.
وكما رأينا فإن طبقة الأفندية كما يتفضل جابرعصفور بتوصيفها، هي فئات وسطى مشدودة بألف حبل للإقطاع الشرقي والغربي، أي مع الإقطاع المذهبي ومع الهيمنة الاستعمارية، وكي تتحرر كان لابد أن تكون ملكيتها الاقتصادية والفكرية مُحررة من نفوذ الطبقة المسيطرة.
وبعدم فعلها ذلك، أي بعدم قدرتها على إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية، وبعدم قدرة التاجرالنهضوي الحديث على ان يمد يده لتحرير بلال وعمار بن ياسر من سيطرة الملأ الحديث، أي بعدم قدرته على التجييش الديمقراطى للعامة عبر تنفيذ الإصلاحات لها، وبالتالي انخراطها فى النضال لهزيمة الملأ ، أمكن للقوى اللاديمقراطية والشمولية أن تنتصر.
إن علينا أن نرى هذا الديالكتيك المركب للتاريخ: إن تحرر الفئات الوسطى العربية من شباك الإقطاع، يعني تشكلها كطبقة قادرة على تشكيل المجتمع الديمقراطي الحديث، الذي لا يكون إلا بالنضال في المواد التراثية والواقعية المعاصرة في كل بلد عربي، وعلى مستوى الأمة، وسواء في زمن الإصلاح الاستعماري الأول بعد الحرب العالمية الأولى، أم في زمن (الإصلاح) الاستعماري الثاني الراهن.
ولا شك ان خبرة سياسية وفكرية ثمينة تحققت بين (الإصلاحين)، فاذا كان الإصلاح الأول بريطانياً فرنسياً، وبأشكالب الإمبريالية القديمة، فإن (الإصلاح) الراهن هو أمريكي بحت، ولم تعد الرأسماليه المهيمنة عالمياً معتمدة على جلب المواد الخام بشكل كلي، أو على شق مجارٍ محدودة للعمليات الرأسمالية، لقد تغير الموقف كثيراً. وأدى سقوط رأسماليات الدولة القوميه في العالم الاشتراكي والثالث إلى نشوء رأسمالية العولمة الكونية، حيث السيطرة الاقتصادية والسياسية لدى الرأسماليات المتطورة.
وقد كانت الخبرة العربية على مدى العقود الماضية هي تشكيل رأسماليات دولة دكتاتورية، وقد أدت هذه العملية إلى إفراغ الخزائن الحكومية من المال العام، الذي انهال على البيروقراطيات السياسية والاقتصادية التي هي الشكل المستمر للإقطاع السياسي السابق.
إن الفئات الوسطى العسكرية والسياسية المتشددة التي استلمت الحكم في الأقطار العربية الشمالية، قضت على المسار الليبرالي الديمقراطي وإمكانيات التحول اليساري معاً. وبهذا أصبح الغزو الغربي علامة جديدة على إخفاق العالم العربي في الدخول إلى العالم الرأسمالي الحديث. لكنها علامة خطيرة تتجه للتدخل المباشر في كيانات الدول (المستقلة)، الأمر الذي يمكن أن نسميه (الإصلاح) الاستعماري الثاني.
وهذا الإصلاح هو رسملة إجبارية للعالم العربي، اي توسيع جديد للعلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الرأسمالية، وهو كذلك توسيع لأسواق الدول الغازية، بدرجة أولى، لكن إلي أي مدى يحقق الثورة الديمقراطية الوطنية العربية ؟
ومن المؤكد ان (الإصلاح) الاستعماري سوف يثير من البلبلة الفكرية والاضطراب السياسى الكثير في الوعي العربي، وحتى الان فإن (الإصلاح) الأمريكي قد حقق مهمة كبيرة بإزاحة نظام صدام حسين الدموي؛ ولكن تبقى الإصلاحات السياسية بالتعددية والعلمانية والتطور الاقتصادي مبهمه، ولكن الحفاظ على القسمات التحديثية العصرية من قبل القوى الوطنية العراقية تبقى ضرورية وأساسية مع إزالة الاحتلال الأمريكى على مدى السنوات القادمة.
لقد أصبحت قسمات الحداثة عملية إجبارية في التطور العالمي الراهن، فى رأسمالية العولمة الكونية، لكن لا بد للقوى الحديثة العربية التقدمية ان تأخذها باعتبارها إزاحة للأبنية الإقطاعية المذهبية المفرقة للعرب والمسلمين وبضرورة تشغيل رأسماليات عربية حديثة متآزرة وديمقراطية وعلمانية.
وهذا لا يتناقض مع الحفاظ علي جذور المجتمعات العربية الإسلامية المسيحية، بل ان هذا سوف يفتح أفاقاً جديدة لتطورها الديني والاجتماعي عموماً.
عالم عبدالله خليفة الإبداعي مقاربة نقدية تحليلية والضبط الببليوجرافي
لا يقرأون . . ويتعاظمون! : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
سر التعويذة
لا تختلف الأفلام الغربية الخرافية كثيراً عن ثقافة الشرق السحرية، فكلتاهما تصنعان البطل الخارق، الذي يساعده طقسٌ ما، أو تعويذة، أو قوةٌ قادمة من الفضاء، لكي يقوم بافعاله العجيبة، ويقدم للبشر الأعمال الفذة والبطولات.
هذا البطل الفرد الخارق هو من صناعة الوعي الإنساني التالي له، حيث يهيل عليه الحكايات الفذة، ويطهرهُ من كل دنس، ويجعل بطولته بلا أسباب اجتماعية أو طبيعية. وفي العصر الحديث تأسس العلم التاريخي الذي يبحث أفكار الشعوب وعاداتها، للعثور على فعل هذه الشعوب في صنع أبطالها وجعلهم مثالاً وأيضاً قيوداً لحركتها المعاصرة.
تبدأ الحكاية من البنت التي تعثر على سمكة فتقوم السمكة بتلبية أحلامها، أو حين تساعد القوى الخارقة الطفل اليتيم على التطور والانتصار على أعدائه، أو حين يُلهم الجن البطل باكتشاف النار وتقديمها للجماعة.. الخ.
وقد كانت القوى المستغلة والمستفيدة من تاريخ البطل الأسطوري هي التي تواصل قطع شرايين حياة البطل عن الظروف حوله، وتصويرها بأشكال خارقة أسطورية، وكأن الفعل الإيجابي لا يمكن أن يتحقق ثانية، إلا من خلال إرادتها، وعبر الرسوم المدفوعة لها.
وقد كان شكل الوعي الإنساني يتم بهذه الصورة منذ أن اكتشف الإنسان النار، حتى قيام صناعة الأفلام في هوليوود. فكل تاريخ الإنسان مشكلات وحلول، والمشكلات تتأسس بسبب ظروف الإنسان الصعبة، المتعددة الأشكال، وتؤدي هذه المشكلات إلى الكثير من النزيف والخسائر وأيضاً فإنها تصنع الأحلام لتجاوزها والحلول للتغلب عليها، ولهذا يظهر بضعة أفراد تتراكم في وعيهم هذه المشكلات، وتصبح جزءا من حياتهم، فيفكرون فيها ليلاً ونهاراً، ويحاولون ابتكار الحلول لها، إما أن تكون طيراناً بأجنحة ملصوقة بالشمع، وإما أن تكون استخداماً للآلة وتكييفها لكي تحمل الإنسان في الفضاء.
إن الإنسان الخارق هو إنسان عادي قام بتحريك وعيه وإرادته لكي يغيرا صعوبات معينة يواجهها الناس، وبفضل هذا الإنسان واستيعابه للظروف وللقوى البشرية حوله وكفاءته في قيادتها واستثمارها وتطويرها، يفلح في اختراق الظروف الصعبة التي بدت لمعاصريه أنها مستحيلة التغيير، وحين يموت هذا الإنسان يحوله اتباعه والمستفيدون منه إلى إنسان خارق. فيقومون بقطع عملية التراكم الحقيقية التي تمت في تاريخه، والمجاهدات الكبيرة التي فعلها ليكتشف الواقع، والثغرات التي من الممكن أن ينفذ منها لتغييره، فيغدو البطل الذي اكتشف النار عند الإغريق الإله بروميثيوس سارق النار ومقدمها للبشر، الذي قامت الآلهة بمعاقبته وربطه في صخرة لتنهش الطيور أحشاءه.
في حين أن عملية اكتشاف النار تمت من خلال ملايين الأفعال البشرية العادية وهي تراقب الصواعق، وهي تضرب الأحجار، وهي تحك الأعواد من أجل خلق شرارة تنمو في أوراق يابسة.
لكن كيف تحول هذا المخلوق الشعبي الواسع العديم الأسماء، إلى بروميثيوس، البطل الخارق، وكيف تم تجاهل الملايين ورفع الفرد الخارق إلى مصاف المعبودات، فإن هذا هو فعل الثقافة السحرية الشعبوية نفسها، حين تلغي جهودها وتاريخها، وتضع بدلاً منها رموزاً مشبعة بكل تاريخها الخفي.
وفي حين اعتادت الثقافة الفلكلورية الشعبوية هذه وضع الزيوت في هذه القناديل، وتزويق الأبطال الخارقين، وتصنيف المؤلفات حول خوارقهم، تقوم الثقافة الحديثة على اكتشاف بطولاتهم الحقيقية، ورؤية مسار التفكير الشعبي الخارق الذي قيد نفسه بنفسه، وتحريره بهذا واطلاق قدراته لخلق بطولات جديدة تحت ضوء الوعي والفعل الجماعي.
isa.albuflasa@gmail.com
رفعت السعيد والسرد السياسي
رفعت السعيد يمثل العصامية النضالية والإنتاج الفكري المتراكم الطويل عبر حقبة طويلة في تاريخ مصر والعالم العربي.
فقد حُشر في السجن طويلاً دون أن يكملَ دراسته الجامعية، لكن ذلك لم يمنعه أن يواصل الدراسة ويحصل على الدكتوراة، بعد حفر طويل في التاريخ الاجتماعي لمصر بدءً من الأساس الاجتماعي للثورة العرابية إلى التأريخية الطويلة الدقيقة للفكر الاشتراكي في نفس البلد إلى عروض للشخصيات التنويرية خاصة في النصف الأول من القرن العشرين في ذات الثقافة المصرية، إضافة لكتابته للروايات أثناء (فسح) السجن، أي ثمة إنتاج غزير، يمثل موسوعة تاريخية إجتماعية، لا يمكنك أن تفهم تاريخ مصر والعالم العربي الحديث بدون الإطلاع عليها.
كتاباه(مجرد ذكريات)الجزء الأول والجزء الثاني الصادران عن دار المدى سنة 1999، مكتوبان بطريقة السرد القصصي، والشخصية الرَاوية هي المؤلف، وينقسمان إلى زمنين سياسيين، زمن النضال اليومي والتعرف على الشيوعية التي يتبناها رفعت السعيد في شبابه الغض دون درس، وكيف ناضل لبثها من خلال مدينته(المنصورة) بقوة وكفاح منقطع النظير، فهو الفتى الذي يدخل السجن ويخرج ويطبع المنشورات متعلماً كيف تكون الطباعة بوسائل بسيطة، وهو الذي يعيش داخل أسرة متوسطة ميسورة الحال ولكنه يفضل البساطة والجوع في نضاله، وهو الذي يقارع نظاماً عسكرياً باطشاً هو النظام الناصري، ويقضي من شبابه في هذا كله أربع عشرة سنة من أجل نشر المنشورات وزرع الخلايا وتكوين المناضلين.
إن التنظيم الذي إنضم إليه بتلك السرعة والذي تعلم من داخله وتثقف وصار باحثاً ودكتوراً في العلوم الاجتماعية، هو الحركة المصرية للتحرر الوطني(حدتو)، وكان التنظيم يعمل على إنشاء مجتمع مصري متحرر ديمقراطي، ولا يشرح لنا الباحث هنا كيف فهم ذلك، وكيف أن الصراع مع نظام عسكري يتوجه بالضرورة نحو بناء نظام ديمقراطي، وكيف إندمج المشروع (الشيوعي الديمقراطي) هذا مع تنامي المشروع الناصري التحويلي الدكتاتوري وقد إبتلع المجتمعَ كله في(إشتراكيته)؟.
لا يتيح المؤلف أن نفهم العناصر الداخلية في هذا التنظيم، لكن المواد السردية المقدمة توضح طابع التعليمات المنهمرة من المستويات العليا، وغياب المؤتمرات والحوار الديمقراطي العميق للبناء الاجتماعي وسيطرة العفوية السياسية في القرارات خلال سنين طويلة، حتى يتم إستنزاف الحزب وهو يواجه نظاماً عسكرياً قوياً ذا جماهير، كما يعرف الرئيس عبدالناصر كيف يحيط نفسه بشعبية متصاعدة نظراً لجرأته في قرارات خطيرة وضعت البلد والمنطقة على فوهة بركان.
وتتماثل البنية السياسية بين عمل عبدالناصر والجماعة الشيوعية، رغم تضادهما، فكلاهما يعمل بشكل تجريبي عفوي، ومن خلال أهداف عامة غامضة، فعبدالناصر يريد التنمية والتطور ومن خلال قيادته، ويشكلُ نظاماً شمولياً ويريد من أرباب العمل أن يساعدوه في خطط التنمية، وبعد هذا الرفض يقوم بالتأميمات فيؤمم المصانع والشركات المنتجة الكبرى ويترك القوى التجارية والعقارية، بدلاً من أن يقوم بالعكس، ويؤدي هذا لتضخم الفساد وضعف التطور الصناعي على المدى البعيد وبقاء الإقطاع في الزراعة.
ولا يقوم الدكتور رفعت السعيد بتحليل هذه البنية الاقتصادية الاجتماعية الناصرية، لكننا نرى أن بنية الحركة الماركسية اليسارية المصرية المنطلقة من تعميق التحرر والديمقراطية، تتخلى عن الجانب الديمقراطي خاصة، فأغلب صفوفها تنبهر بما فعله عبدالناصر من تأميمات من خلال سيطرته على أجهزة الجيش والدولة بدلاً من أن ترفض ذلك، فليست التأميمات سوى قفزة جديدة في النظام الشمولي نحو السيطرة على كافة جوانب المجتمع، بدون كفاءة تحويلية عميقة على المدى البعيد. وهي مجرد سيطرة على مصانع، وليست تحويل لبنية المجتمع، وتغيير وضع الفقراء والأمية ووضع الثقافة المحافظة وسيطرة الرجال على النساء الخ.
ومن هنا فإن التنظيم الماركسي المصري مثل كافة التنظيمات في العالم في ذلك الحين هو جزءٌ من هذه الشمولية والذكورية والثقافة المحافظة بيافطات عامة مضخمة عن الثورة.
لهذا لا يجد فرقاً بينه وبين عبدالناصر حين قام بالتأميمات، ويحسب الاشتراكية عبر الطريقة الروسية البيروقراطية في الحكم. كيف تصنعُ وتطور الإنتاج، وهذا مفيد لكنه ليس الاشتراكية. هي تنمية وطنية مبتورة مشكلة من أعلى. العرب لهم طريق مختلف للحداثة، للرأسمالية التحولية التصنعية المعاصرة التي تعيد تغيير التخلف عبر عقود صبورة، ثم نحو الاشتراكية، مثل كل الأمم وقائدتها الأمم الغربية المتطورة.
يُضمن د. رفعت السعيد في كتابهِ(مجرد ذكريات) في الجزء الثاني وفي الجزء الثالث الأخير الصادر كذلك عن دار المدى سنة 2000، خبرةً تاريخيةً كبيرةً لعملهِ السياسي الصبور الطويل خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
وفي حين كان يروي في الجزء الأول كما قلنا كيف تمت مطاردته خلال سنوات، وسجنه المتعدد الأمكنة والأزمنة، فإنه في الجزء الثاني يروي رحلاته وسفراته المتعددة، خاصة في الدول الشرقية(الإشتراكية) والغربية، حيث قاد حركة السلام المصرية مع خالد محي الدين.
هنا ثمة تناقضٌ، فالجزءُ الأولُ كلهُ حصارٌ وقمعٌ وجثومٌ في الزنزاناتِ الضيقةِ التي يتفننُ رفعت السعيد المناضلُ والراوي في وصفها، وفي عرضِ طبيعةِ السجون المتعددة التي حُبس فيها وفي سردِ الجزئياتِ الدرامية المؤلمة والضاحكة كذلك فيها، وعرض الاختلافات السياسية بين التنظيمات الماركسية المصرية والحكم العسكري الناصري المسيطر، في حين لا يذكر الجزءُ الثاني من المذكرات أي شيء كبير عن السجون والأوضاع الداخلية والصراعات العميقة الجارية، في حين يستعرض السفريات والرحلات التي قامَ بها المؤلفُ في طول العالم وعرضه.
هذا التناقضُ يعودُ إلى بدايةِ مقاربةِ الحركاتِ الماركسية المصرية للنظام الناصري وإندماجها فيه، أو إنعزال بعض أفرادها عنه تماماً.
إن الحركةَ التاريخيةَ أظهرتْ مقاربةَ هذه التنظيمات للطموح الدكتاتوري العميق في النظام للسيطرةِ على البنيةِ الاقتصاديةِ الاجتماعية لمصر، بعد أن هيمنَّ على الحراك السياسي ومنع أية قوى أخرى من البروز أو حتى من التواجد الطفيف.
وكان من أخطاءِ الحركات اليسارية خاصة الشيوعية منها التناطح مع النظام العسكري المتنامي والذي كان يريد أن يؤكد سطوته وحضوره وإمتلاكه للنظام في بدءِ ظهوره، هذه المناطحة تجلتْ في المنشورات الكثيفة التي كانت حركة التحرر الوطني الديمقراطي المصرية(حدتو) تبرعُ في كتابتِها وتوزيعها ونقد النظام في عظامه السياسية بها، حتى أنها مرة بعد ضربة (قاصمة) لخلاياها أوصلتْ منشوراتها لملفاتِ الضباط الأحرار الحاكمين المجتمعين في لقائهم الأسبوعي كما يقول المؤلف.
عكستْ حركةُ الضباطِ الأحرارِ والحركات الشيوعية المصرية وحركة الأخوان المسلمين المشروعات الكلية للسيطرة على المجتمع، إنها حركاتٌ دينيةٌ مطلقةٌ تتجسدُ إقتصادياً في تأييدِ وبناء نظام رأسمالية الدولة الشمولية، أو في رفضه كلياً والصراع العنيف معه مثلما فعل الأخوان.
ومن هنا حين وجد الشيوعيون أن عبدالناصر يؤمم المشروعات الصناعية ويشكلُ نظاماً(إشتراكياً) وجدوا إنهم لا يتناقضون معه، ويندمجون في مؤسساتهِ الاقتصادية والاجتماعية المسيطرة والمستغلة للشعب، ثمة إيجابيات كبيرة هنا في التنمية، لكن رأسمالية الدولة عبر الدكتاتورية تمثلُ قفزةً مغامرةً وتشكل مجتمعاً مشوهاً يدفع ثمناً باهظاً فيما بعد لعدم السماح بالنمو الرأسمالي المتدرج وللصراع معه وتغييره حسب مصالح القوى الاجتماعية المساهمة في قوى العمل والإنتاج والانتخابات.
(ولست – فيما أعتقد- بحاجةٍ إلى استعادة مقولات نظرية تفترض خطأ الانسكاب غير الموضوعي نحو مقولات لم تختبر في الواقع. وأيضاً خطأ مجابهة غير واقعية وإنكار ما حدث من متغيرات، والإكتفاء بترديد عبارات أثبتت الأيام حمقها مثل(رأسمالية الدولة الاحتكارية)، مجرد ذكريات، ص 266، جزء2.
إنه كلامٌ فكري مشوشٌ لصاحبِ تجربةٍ يُفترضُ أنها غنية عميقة، ويجري فيها الخلطُ بين مصطلحي(الاحتكارية)التي تعبرُ عن المجتمعات الرأسمالية الغربية المتطورة، ورأسمالية الدولة في البلدان النامية، كما تعبرُ الفقرةُ عن ضمور التجربة السياسية المباشرة في الخلايا والسجون، التي لم تؤدِ للدرسِ وإكتشاف الواقع، نظراً لارتكازها كذلك على فكرةٍ شموليةٍ خاطئة هي الماركسية –اللينينية، ونتائجها هي الانضمامُ للرأسماليين الحكوميين، باسم الدفاع عن الكادحين، وتعطينا سرديةُ رفعت السعيد كيف راح الرفاق يتصارعون على الفتاتِ المقدم من الدولة ونسوا النضالَ مع الجماهير في الجزء الثاني خاصة.
ومن هنا تغدو مذكرات السفريات والرحلات في بلدان العالم معبرةً عن هذه الذيلية للنظام الرأسمالي الحكومي، فحركةُ السلام لم تقم بتحليل ونقد هذه البلدان المسيطرة على الثروات والجيوش والمنشئة للحروب، فليس لها علاقة عميقة بهذا ومن هنا تبخرتْ سياسياً.
أما الجزءُ الثالثُ من المذكرات للكاتب فأنه عودة للأصل، حيث بدأ السادات يهدمُ نظامَ رأسمالية الدولة الشمولية، ويفتحُ باب حريات معينة مفيدة، ويشكل أخطاءً كبيرة للمجتمع وللأمة من جهةٍ أخرى، ومن الحريات الصغيرة تنشأ التنظيمات المستقلة للقوى الاجتماعية لكن داخل فضاء الدكتاتورية الحكومية، أي من خلال الاتحاد الاشتراكي، ورفعت السعيد كمناضل صبور يستفيد من ذلك ويعود للنضال إلى مع القوى الشعبية لفتح مرحلة جديدة لتطور مصر والعالم العربي الديمقراطي.
isa.albuflasa@gmail.com
زكريا إبراهيم : الاستيراد الفكري
اعتمد الباحثون العرب على بضاعة الغرب الفكرية في أغلب الأحيان، وظهر ذلك لدى الليبراليين الأوائل اعتماداً على الفلسفات الصوفية والحدسية وكان هذا يعبر عن نقص في التحليل الاجتماعي خاصة.
يعرضُ المفكرُ العربي زكريا إبراهيم سببَ إختيارهِ للفيلسوف الفرنسي برجسون ليكون مادةَ أحدِ كتب سلسلة (نوابغ الفكر الغربي)، ولكي يطلَ القارئُ العربي على هذه الشخصيةِ ليس فقط لمعرفةِ خلاصةٍ وافيةٍ للفلسفةِ البرجسونية بل إنه كان يستهدفُ أيضاً أن ينقلَ: (إليه روحاً فلسفية عميقة خصبة مرنة)، (برجسون، زكريا إبراهيم، دار المعارف، سلسلة نوابغ الفكر الغربي 3، مصر). (1).
يهمنا في هذه الفقرةِ أن نرى كيف تتراءى الفلسفةُ البرجسونيةُ لدى أحد أعمدة الفلسفة العربية المعاصرة، وهو مفكرٌ مشغولٌ بعرضِ القضايا الفكرية بصفتها مشكلات، فيكتبُ عن مشكلةِ البُنية ومشكلةِ الفلسفة مثلما يعرضُ نماذجَ من الفلاسفة الغربيين.
ولا شك أن إختيار هؤلاء الفلاسفة دون غيرهم والترويج لهم، والدفاع عنهم، والقيام بنقل (روحهم) الفلسفية هي عمليةٌ فكريةٌ معقدة مركبة، فنحن نجدُ برجسون الفيلسوف الفرنسي الذي ظهر في فرنسا بين 1859 – 1941، أي أن طفولته تتشكلُ مع الاحتلال الألماني ووفاته تصادف الاحتلال الألماني كذلك، يعبرُ عن منحى خاصٍ لفكر الطبقة المتوسطة الفرنسية بعد فكرها المادي والثوري.
فالمؤلفُ زكريا إبراهيم ينكرُ منذ مقدمة الكتاب أن تكون الفلسفة البرجسونية؛ (فلسفة لا عقلية، لا حتمية، تنكرُ الوجودَ لحسابِ الصيرورة وتلغي العقلَ لحساب الحدس)، فيدافع عنها قائلاً:
(هي الفلسفةُ الإيجابيةُ التي ساهمتْ بقسطٍ وافرٍ في تبديد الكثير من الأفكار السلبية مثل فكرة العدم، وفكرة الاضطراب، وفكرة القدرية المطلقة، وما إلى ذلك من الأفكار. فليستْ قيمةُ الفلسفةِ البرجسونية منحصرةً في هذا الجانب السلبي، مهما كان من أهميته، بل لا بد لنا دائماً من أن نتذكر أن برجسون قد أقام ميتافيزيقا إيجابية قوامها تقرير واقعة الحرية، وإثبات حقيقة الروح، وتفسير ظاهرة الخلق، والكشف عن مبدأ «الفعل» والمحبة في الوجود)، (2) (المصدر السابق ص 11).
إن الاهتمامَ ببرجسون في الفلسفة العربية كبيرٌ، وهذا يعودُ لكون المثاليين على الضفة العربية يقومون بتقوية ترساناتهم الفكرية في وسطنا العربي عبر ما تخضهُ الثقافةُ الغربيةُ الحديثة، وهم اختاروا (برجسون) بشكلٍ خاص وكبير،(*)(3) لما يمثله من قيم فكرية متجذرة لديهم ، أي أن مثاليتهم العربية الدينية العريقة وجدت في برجسون شخصيةً غربيةً حديثة توافقت مع عقليتهم فتقوت به.
يمثل زكريا إبراهيم هذا النموذج، فهو حين يعرض أن فلسفة برجسون لم تقتصر على السلب ورفض الأفكار المادية والعلمية المنتشرة، (وكأن الهجوم على الأفكار المادية والعلمية فضيلة بحد ذاته) بل كذلك قدمت أفكاراً إيجابية ولكنها كذلك في دائرة: (الميتافيزيقيا الإيجابية) مما يعبر عن وجود ميتافيزيقيا مشتركة بين الضفة الفرنسية والضفة العربية، بل أن برجسون نفسه يؤكد ذلك بلغة قوية:
(إنني اعترف بأن كل جهدي قد انحصر في الميتافيزيقا، وفي الميتافزيقا وحدها؛ ولكنني أوثر أن أحدد هذا الجهد بأنه تعمق للتجربة)، (4) (المصدر السابق، ص 11) .
لكن زكريا إبراهيم لا يعرضُ تجربةَ برجسون الفلسفية في إطار تاريخيتها، وعبر تحليلها النقدي، بل هو يعرضها تحليلياً في إطار التماهي معها، وبعدمِ كشفِ تناقضاتها وخبو سيرورتها.
فهو يعتقدُ بأن فلسفةَ برجسون فلسفة عظيمة. (ذلك لأن كل فلسفة عظيمة إنما تتولد بادئ ذي بدء عن شعورٍ حادٍ بوجود ‹هوة›عميقة بين العقل والواقع، مما يثير لديها الشعور بأنه لا بد لها من ‹طفرة› كبيرة حتى تتمكن من عبور تلك الهوة) ،(5). لكن الأستاذ زكريا لا يقول لنا أي هوة تلك؟ وإلى أين تتجه الطفرة الكبيرة؟!
ويعرض زكريا إبراهيم فلسفة برجسون في إطار ثقافي مباشر، فهو يتتبع المؤثرات الفكرية التي لعبت دوراً في تشكيل برجسون بشكلٍ محدود، وكأنها أطياف صغيرة تحيط بلغته الفلسفية المنبثقة المتصاعدة ، فتبدو فلسفاتُ القرن التاسع عشر الأوربية محصورةً في فلسفة أسبنسر، التي تبناها وأوغل في منهجها المادي الميكانيكي، والذي يقول عنه الباحث بأنه استفاد منه مع ذلك في تتبع مسألةِ التجربة، وهذا يشير بخلاف رؤية الباحث بأن انتقال برجسون من المادية الآلية إلى المثالية الصوفية أمر يحتاج إلى تحليلٍ معمقٍ بسبب هذه القفزة الهائلة من أقصى الفكر إلى أقصاه!
وكل ما يقوله الباحثُ عن هذا المناخ بأن سيادةَ الأفكار المادية والعلمية المتطرفة في القرن التاسع عشر وهي فلسفات في رأيه محدودة، قد جعلت ظهور فلسفة برجسون ضرورة لما في تلك الفلسفات من ضيقِ أفقٍ وجمود!
يقول المؤلفُ عن كتيب لبرجسون أثناء الحرب العالمية الأولى: (وفي هذا الكتيب الصغير يتساءل برجسون عن مصير الإنسانية ومعنى التقدم، ويعربُ عن ثقتهِ في انتصار القيم الروحية والقوى الأخلاقية والمثل العليا (مثل العدالة والحق والحرية) ، ضد قوى الشر والانحلال، ودعاة الآلية والمادية وأنصار البغي والعدوان(6))! (السابق ص 28 – 29 ) .
تتوجه فلسفةُ برجسون كما يعرض الباحثُ إلى تغيير في طابعِ الفلسفة (المثالية) وهو لا يقول لنا عن هذا التغيير ولكن نحن نستشفه ، يقول برجسون :
(.. إذا أردنا للميتافيزيقا أن تكون مظهراً جدياً من مظاهر نشاطنا العقلي ، فلا بد لنا أن ندير ظهورنا لذلك (العقل التصوري) … والواقع أنه لا سبيل إلى تحصل معرفة ميتافيزيقية حقيقية إلا بالعدول عن التصورات والالتجاء إلى «الحدس»)(7)، السابق، ص 35.
فبرجسون لم يرفض فقط الفلسفات الآلية والمادية بل أيضاً الفلسفات المثالية السائدة ، فهو لا يريد إنشاءَ أبنيةٍ فكرية مثالية ذات تصورات موضوعية على طريقة هيغل أو حتى كانط، بل يريدُ جعلَ (الحدس) أداةً منهجية شاملة، وهنا يغدو الحدس ليس لحظةً في بناء عقلي متراكم عبر التحليل في مادة الطبيعة أو المجتمع ، بل أن يغدو هو البناء نفسه ، مما يؤدي إلى الإطاحةِ بمجملِ عناصر المنهج الأخرى. أي لا بد هنا من خلقِ مقولات تقومُ ببناء تصور عن الأشياء الكبرى كما فعلت الفلسفاتُ المثالية الموضوعية، التي لا تستعين بالحدس وحده بل بالمقولات وبالبراهين والتحليلات والذي يأتي الحدسُ فيها كموتيفٍ جزئي، في حين إنه عندما يتحول هذا الموتيف الجزئي إلى كلِ اللوحة، فلن يغدو هناك بناءٌ منطقي معقلن بغضِ النظر عن كيفية نمو هذا البناء، في جهة الطبيعة أم في جهة الخالق، أم جهة الإنسان، أم في كل هذه الجهات ..
حين تتضخمُ أداةٌ منهجيةٌ معينة لتبتلعَ كلَ الأدوات المنهجية فلا بد أن ثمة مشكلةً اجتماعية فكرية كبرى.
ويشرح الباحثُ هذا الحدسَ قائلاً:
(إذ المعرفة الحدسية هي في جوهرها معرفة مباشرة فيها تمزق حُجب الألفاظ وشباك الرموز، لكي نغوص في طيات الواقع ونمضي مباشرة إلى باطن الحقيقة)، (7) .
تبدأ سلسلةُ التناقضات المطلقة الأولى بالظهور هنا، فالحدسُ يغدو معرفةً بلا وسائط، فبرجسون يشكلُ تناقضاً بين الحدس وبقية الأدوات المعرفية، وفي هذا خطورة كبيرة على الوعي للوصول إلى الحقيقة، فالحدسُ شكلٌ مغامرٌ من المعرفة، ظرفي، وتلقائي، وذاتي، ووامض، لكنه يغدو هنا هو كل أدوات المعرفة .
هناك تناقضٌ آخر بين تجليات الحقيقة وجوهرها، فالجوهر يغدو صافياً منغلقاً على ذاته، في حين أن أشكالَ وظاهرات الحقيقة تغدو زائفةً. والتناقضُ بين الشكل والمضمون هنا تناقضٌ كلي، وهو التناقض بين البراني والجواني، بين الخارج والداخل، بين الظاهرة والماهية. فيبدو أن الأشياءَ تمتلكُ بعدين متضادين غير قابلين للجمع الجدلي، مما يحليها إلى ظاهر وباطن، وواقع زائف وواقع حقيقي. وهذه التعبيرات سبق أن لاحظناها بوفرة لدى المثاليين العرب المغالين والصوفيين خاصةً، أي أولئك الذين طرحوا وجود باطن للقرآن أو باطن للحقيقة هو غير ظاهرها. وبالتالي فإن الوعي (الحقيقي) يتجاوزُ الظاهرَ، ولابد أن أداتهِ المعرفيةَ ( متفوقة)، أي هي نخبوية لم توهب إلا لمن يمتلك حدساً ورؤيا. إن برجسون هو باطنيٌّ بمعنى معاصر!
أي أن الحدسَ هنا لا يحددُ طبيعةَ الحقيقةِ المصطفاة، بل يحددُ أيضاً المتوجهين إليها ذوي الأداة الخاصة المصطفاة هي الأخرى.
فالحقيقةُ ليست في ظاهرها الشعبي الذي يمكن للعقل العادي الوصول إليه عبر التحليل والبراهين بل تتطلب عقلاً غير عادي، وحدسي، وإلهامي، وصوفي.
إن الأشكالَ الخارجيةَ للحقيقة وهمية لكن هناك الباطن جوهر الظاهر والذي يمكن الوصول إليه كما يقول صوفيونا القدامى عبر نزع الملابس البرانية للعقل وللأشياء معاً.
يوضح الباحثُ هذه المعرفةَ بالصورة التالية:
(ومعنى هذا أن معرفة أي شيء من «الباطن» هي بالضرورة معرفة بسيطة تنصبُ على هذا الشيء باعتباره «مطلقاً»، بينما معرفة الشيء «من الخارج» هي معرفة نسبية قوامها التحليل والتجزئة ، فهي بالضرورة معرفة تقريبية لا يمكن أن تستغني عن الرموز) ،(8).
نجد إن قوالب : الباطن – المعرفة البسيطة – المطلق – الداخل ، تتضافر في شكل معرفي واحد هو الشكل الصوفي الذي يدخلُ في معرفةِ المطلق ، سواء كان حقيقةً كلية أم إلهاً ، بدفعةٍ واحدة وبقفزة شعورية غير تحليلية ، وهذا القالبُ يتناقضُ مع القالب الآخر ، قالب المعرفة من الخارج : التحليلي ، والتجزيئي ، والتقريبي ، وذي الأدوات المنهجية العلمية .
إن زكريا إبراهيم مثل الكثيرين من الباحثين العرب يستورد الجاهز في الفكر الغربي، وخاصة الاتجاهات الغيبية الحدسية ومن أكبر فلاسفة هذا الاتجاه وهو برجسون الفيلسوف الفرنسي.
إن برجسون هنا يعيد إنتاج (فلسفتنا) الشرقية الصوفية أوربياً، ولهذا فإن الرؤيةَ اللاجدلية للظاهرات تتحكمُ في كيفية صفهِ للمناهج والمحاكمات، وتحويلها إلى قوالب غير قادرة على التداخل، بل تصطفُ اصطفافاً متوازياً متضاداً أبداً.
وبالتأكيد فإن برجسون لا يظهر نفسه كرجلٍ يقومُ باستعارات من الفلسفة الصوفية الشرقية ، بل هو يؤكد نفسه كفيلسوف في المسار الغربي التحديثي ، ومن هنا يبرز إن هذه المعرفة الدينية الأشراقية لا تتناقض مع العلوم :
(وإذ كان قد وقع في ظن البعض أن الحدس البرجسوني مضادٌ للعقل ، فإن من واجبنا أن نقولَ – على العكس من ذلك – إن هذا الحدسَ ليس «أدنى» من العقل ، بل هو «أعلى» منه ، أو هو على الأصح )معرفة فائقة للعقل( تسمو على كل ضرب من ضروب المعرفة الاستدلالية المحضة ودليلنا على ذلك ما قاله برجسون نفسه من أن }المعرفة العلمية الدقيقة بالوقائع لهي الشرط الضروري الذي لا بد أن يسبق كل حدس ميتافيزيقي يكون من شأنه أن ينفذ إلى مبدأ تلك الوقائع}(9))، (السابق ص 37) .
لا يزال التناقضُ قائماً بين العقل والحدس ، بين المعرفة الشعبية والمعرفة الأرستقراطية ، بين المعرفة العلمية والمعرفة الصوفية، فالمعرفة الأخيرة تؤكد نفسها كمنهجية معرفية أعلى، وكسيدةٍ مهيمنة على الخادمة الوضيعة، ولا تتأتى الاستعانة بالمعرفة العلمية إلا لكي تــُحطم سيادتها وتغدو بوابةً لانهمار الخرافة.
فبرجسون يستعينُ بالمعلومات العلمية وليس بالمنهجية العلمية ، ولهذا فهو يقول : يجب الاستعانة المعرفية العلمية الدقيقة بـ(الوقائع) وليس بالمنهجية العلمية، ويجري استخدام تلك الوقائع لفرش الأرضية لقفزة (الحدس الميتافزيقي) .
وهكذا تملأ عباراتُ برجسون والباحث في فلسفته زكريا إبراهيم عبارات التضاد المطلق بين أدوات المعرفة والتي لا تقبل الجمع الجدلي بينها : (والواقع أنه إذا كان من شأن «العقل» أن يثبت ويبرهن ، فإن من شأن الحدس (أو القلب فيما يرى بعض المفسرين) أن يدرك ويعرف) (10)، (ص 36) .
إذن هناك معرفة تثبت وتبرهن وهناك معرفة تدرك وتعرف بدون إثبات أو برهان ! ولماذا لا تستعين بالبرهان إن لم تكن معرفة فاشلة عاجزة أن تستعين بأدوات المعرفة العامة وتريد أن تفرض طريقة خاصة وبالإجبار على الفكر!؟
وتتواصل التضادات المطلقة في وعي برجسون التي ينقلها لنا زكريا إبراهيم ، فتصبح التضاداتُ متفاقمةً متصاعدةً فهي ليست فقط بين أدوات المعرفة المتداخلة بطبيعتها وبرجسون يصرُ على تضادها المطلق ، بل أيضاً بين العلم والفلسفة عامةً .
فالعلمُ لديه يدركُ النسبيَّ في حين يدركُ الحدسُ المطلقَ . فموضوعُ العلم هو المادةُ ومنهجها هو التحليل ، بينما موضوع الفلسفة هو الروح ومنهجها هو الحدس ، (فالخلط بين الفلسفة والعلم هو خلط بين الروح والمادة ، أو بين الحدس والتحليل ، لكن التحليل عملية تنصب على الساكن أو غير المتحرك بينما الحدس من شأنه أن ينفذ إلى صميم الحركة أو التحرك ، فهو أداتنا في إدراك الديمومة) (11)، (ص 39) .
وكما عممَّ برجسون الحدسَ كأداةٍ معرفيةٍ وحيدة مطلقةٍ كذلك قام بجعله الشكلَ الوحيدَ من المنهجية المقبولة في كلِ الفلسفة ، فبدونه لا تصبحُ الفلسفةُ فلسفةً . فإذا قام فلاسفةٌ بالاستعانة بأدوات التحليل للوصول إلى المعرفة الكلية فإنهم يخرجون من الفكر الفلسفي، وبالتالي فإن عضوية نادي الفلسفة ستكون مقصورة على الأشراقيين ودعاة التجلي .
تصبحُ الفلسفةُ هنا على تضادٍ مطلق مع العلم ، كما تصبحُ الروحُ مضادةً كلياً للمادة ، وهكذا تبدأ التضادات الكلية المطلقة في الاصطفاف !
فالتحليلُ ضد الحدس ، والمتحركُ ضد الساكن ، والجزئي ضد الكلي، والثابت ضد الديمومة ، وعبرَ شرخِ المفردات والمصطلحات يقومُ برجسون بتمزيق أعصاب العقل وخلق هوات بين أشكاله وحركته المتضافرة المتصاعدة الجامعة .
هناك أمثلةٌ كبيرةٌ على هذا التمزيق ، حيث إن منهجَ برجسون اللاجدلي يقومُ على تمزيق الأدوات والظاهرات، ولكن العارضَ المحللَ فيلسوفنا العربي زكريا إبراهيم لا يرى ذلك التضاد اللاجدلي، يقول زكريا إبراهيم عارضاً:
(فالوصف والتحليل والتأريخ إنما هي محاولات خارجيةٌ لا تؤدي بنا إلا إلى معرفة نسبية ، وأما إذا أردنا أن نصل إلى معرفة «مطلقة»، فلا بد لنا من أن ننفذ إلى «باطن» ذلك الشخص الذي نريد معرفته «عن طريق الحب مثلاً»، وعندئذٍ قد نستطيع أن ندرك ما يكوِّن صميمَ وجوده ، وعين ماهيته، وما هو في غير حاجة إلى رموز)(12)، (ص 40).
إن المعرفةَ المطلقة هنا في هذه العبارة موجودةٌ ولا تنتظر سوى أن نقفزَ إليها بأداةٍ ليست تحليلية ولكن عبر عاطفة جياشة، وهو أمر غير ممكن لكن حقيقة الشخص أو القصيدة أو الخالق أو الطبيعة الخ . . غير ممكن العثور عليها دفعةً واحدة إلا عبر شطحات الصوفيين ، وهو زعمٌ لم يتحقق عبرهم، ولهذا فإن أدوات الوصف والتحليل والتأريخ والكشف تراكم معرفتنا بهذا الشخص أو تلك الزهرة، وتقترب من محتواهما الكلي الذي يبقى خصباً بالمعرفة وبالمناطقِ المجهولةِ والتي تحتاجُ إلى معرفةٍ وتحليل الخ .. بحيث أن المعرفة المطلقة النهائية التامة غير ممكنة ، رغم أن الحقيقة الموضوعية موجودة ! فالوعي يقاربُ الحقيقةَ ولا يطابقها .
إن تقزيمَ أدوات البحث الموضوعية في مجتمعات الشرق الجائعة إلى العلوم والفائضة بالشطحات والهذيان الغيبي ، هو أمر له دلالته على مستوى الخطاب الجماعي والتاريخي بين زكريا إبراهيم وبرجسون ، فبرجسون هنا يقدم لنا الفكرَ الذي نحاول أن نتجاوزه ، ويقوم زكريا إبراهيم بتكريسه باعتباره فكراً جديداً غربياً هاماً !
هكذا فإن كلَ الأشياء في عالم برجسون ستكون متضادةً غير قابلةٍ للتوحد والنمو المشترك والصراع الداخلي ، فالمادةُ ضد الحياة ، فخصائص المادة : الجمود ، والهندسة ، والضرورة ، بينما خصائص الحياة : التلقائية ، والحرية ، واستحالة التنبؤ .
يواصل برجسون تركيب المتضادات غير القابلة للاندماج الصراعي ، فهناك التضاد بين الدماغ وبين الفكر ، والتناقض اللاتركيبي بين اللغة المصِّورة واللغة المجردة ، والتناقض بين المكان والزمان الخ ..
فالمادةُ كالجبال والأنهار رغم أنها مادةٌ صماء أو سائلةٌ لا يمكن أن نفصلها عن الحياة ، رغم أنهما مستويان متمايزان ، من الوجود . فبدون هذه المادة لم تتشكل الحياة .
والدماغُ هو مركزُ التفكير وغرفةُ القيادة للجسم والوعي ولكن العمليات النفسية – الفكرية لا تغدو عمليات بيولوجية محضةً بل تصيرُ بناءات نفسية وفكرية مستقلة نسبياً عن الوجود الجسمي رغم إن هذا هو أساسها المادي. ويقوم برجسون بخلق فجوةٍ مصطنعةٍ بين الوعي و(النفس) التي يعيد تشكيلها ميتافيزيقياً، بحيث تخرجُ عن مناطق الدماغ والوعي والشعور وتغدو منطقةً غيبية روحية محضة ، كجزءٍ من رؤيته بإعادة إنتاج الصوفية بشكل حديث وأوربي ، ومقولة النفس الخارقة قوةً إيديولوجية كبيرة في الفلسفات المثالية الذاتية المضادة للعقل .
كذلك هو يقيمُ تضاداً لا يقبل الجمعَ المركب بين الذات الإنسانية والبنية الاجتماعية:
(إذا أمعنا النظر في حياتنا النفسية ، فإننا لا بد من أن نجد أنفسنا بازاء تغير كيفي محض وديمومة مستمرة لا تعرف التجانس . . فالذات ليست حقيقة مكانية تقبل القياس، بل ديمومة محضة لا تمت بصلة إلى المكان والزمان اللذين تتحدث عنهما العلوم الطبيعية)(13)، (ص 60) .
تلعب مفرداتُ الذاتِ، والزمانِ، والمكان، والسيولةِ ، دوراً مركزياً مهيمناً، حيث تغدو كلها تابعةً للذات المطلقة ، التي هي بلا زمان ولا مكان موضوعيين، لأن الذاتَ الفرديةَ المسيطرة على كافةِ الأبنية الموضوعية ، تلغي وجودَها داخل البنية الاجتماعية .
فهي ذاتٌ مجردةٌ ، سائلةٌ ، وتبرر سيولتها بالزمان المتدفق المتحرك ، وكأن الزمانَ المتدفقَ المتحركَ بلا فواصل نوعية ، وبلا تراكمات موضوعية ، فهو مجردُ سيولةٍ .
إن الزمانَ والمكان باعتبارهما شكلين أو وجهين للمادة ، يُـلغيان . والمادة الأكثر قصداً هنا هي المادة الاجتماعية ، أي البنية الاجتماعية . فالزمان يجري خارج البُنى الاجتماعية ، وكأنه متماثل فيها كلها، وكأن الزمان والمكان في العصر الإقطاعي مثلاً هما كذلك في الزمان والمكان الرأسماليين . إن الزمانَ الإقطاعي الراكد، البطيءَ، المتماثل، ليس هو الزمان في العصر الحديث ، أي أن له هنا كثافته وسرعته ، فليست السنة هي نفسها ولا اليوم ، وكذلك فإن المكانَ لم يعد هو المكان ، فالقرى النائية وأشكال السواحل والكثير من المواقع والمدن الصغيرة والطرق الضيقة والعربات لم تعد هي نفسها ، وذلك ليس بشكلٍ مجردٍ ولكن من خلال البنية الاجتماعية التي تحولت وحولت الأشكالَ المرتبطة بها ، أي بسبب تحول المادة .
ومن هنا لا نستطيع أن نفهمَ الذاتَ بشكلِ سيلٍ مجرد ، أو حتى من خلال تدفق ملموس جزئي واسع ، بل من خلال تكوناتها في البنية الاجتماعية ، فزمان العامل المربوط بآلته ، هو غير زمان المثقف الحر المنعزل في مكانه ، غير زمان امرأة البيت ، غير زمان امرأة العمل الخ .. إن للزمان تمظهراً موضوعياً يعود للبنية وتضاريسها الاجتماعية داخل الطبقات والفئات والأفراد والمراحل والدول والمناطق الخ .. فزمان ذات المثقف الحر في نيجيريا يختلف عن زمن نظيره الفرنسي، لأن هناك زمان موضوعي بفرنسا وأوربا، هو غير الزمان الموضوعي في أفريقيا الخ . . ففرنسا تعيش زمان الرأسمالية المتقدمة في حين تعيش نيجريا في نهاية العصر الوسيط وتبدأ الانتقال للعصر الحديث فهناك مسافة زمنية بعدة قرون .
إن الزمانَ كتدفقِ الثواني والدقائق، أي كزمانٍ مجرد مطلق، هو واحدٌ، رغم أن الجغرافيا ذاتها ترفضه، فهو حتى في ساعاته مختلف ، ولكن هناك أساس موضوعي عام للنهار والليل والسنة للبشرية المعاصرة، وهو زمانٌ عالميٌّ تاريخي متكونٌ حديثاً الخ ، ولكن بشكلٍ مجرد عام نظراً لعدم توحد البُنى الاجتماعية بشرياً، ولهذا يغدو الزمان تابعاً للتضاريس الاجتماعية المتنوعة في كل مكان.
إن برجسون وهو يفصل الزمان عن البنى الاجتماعية يربطه بالمطلق ، يجعله كتدفق سيالٍ غير موضوعي ، مثلما يحاولُ هدمَ كافة الركائز الموضوعية للوجود.
لنأخذ رؤيته للحرية كمثال آخر ، يقول شارحه العربي :
(وعلى كلِ حال فإنه مهما كان تصورنا للعلية، فإن من المؤكد أن هذا التصور لا يمكن أن يهدم الحرية . ذلك لأننا إذا نسبنا للظواهر الطبيعية علية صارمة واطراداً ضرورياً ، فإن معنى هذا أننا ننكر عليها كل ديمومة ، وهذه الديمومة نفسها هي التي ستجعل من الذات (التي تدوم) – في نظرنا – قوةً حرة . وأما إذا نسبنا إلى الظواهر الطبيعية والظواهر النفسية (على حدٍ سواء) ديمومة حقيقية يمتنع معها وجود علاقة تحديد ضروري بين العلة والمعلول ، فقد نسبنا إلى كل من الطبيعة والذات تلقائية حية فيها يحل {الإمكان} محل الضرورة . وإذن فإن كل تصور واضح للعلية ، لا بد أن يؤدي بنا إلى فكرة الحرية الإنسانية ، لأن هذه الفكرة هي نتيجة ضرورية تترتب على الفهم الصحيح لفكرة {العلية}(14)).
وهذا مثال آخر للتناقض غير الجدلي وهو هنا بين موضوعية الظاهرات وديمومتها، فبرجسون يتصور بأن ثمة تناقضاً بين موضوعية الظاهرات واستمرارها، معتقداً بأن هذا يمثل ثباتاً في الوجود وانتهاءً له ، في حين إن الثبات في هذه الظاهرات هو ثبات نسبي ، كتكرار الفصول ، فالفصول تتكرر على مدى الحقب، ولكن ذلك لا يعني بأن الطبيعة جامدة وأنها لم تتغير وأن الفصول في العصور الجليدية هي نفسها في العصور غير الجليدية، ولكن بدون وجود تكرارية لهذه الفصول ومعرفتي بها تستحيل الزراعة والإبحار والوجود البشري العملي المتنوع ويتحول الزمان إلى فوضى .
وبرجسون يجعلُ (الذاتَ) في مواجهةِ الطبيعة وليس الوجود الجماعي التاريخي للبشر، فهذه الذاتُ يجب أن تتحرر من القوانين الموضوعية للوجود والمجتمع ، التي هي الضرورات العامة التي عبرها تتشكل الحرية الحقيقية ، وتصير الحرية البرجسونية فعلاً يشق طريقه بعيداً عن السير الجماعي التحرري للكتل البشرية المتعددة .
إن كل الركائز الُمطاح بها في الفلسفة البرجسونية تقام مكانها ركائز ذاتية ، فثمة (قوة حيوية) هي التي تخترق المادة وتحفر فيها مجرى ، وهذه القوة القادمة من السماء تشكل هذه الديمومة التي تجعل الزمان والمكان في سيل متدفق واحد ، فتخلق داخل المادة حياة ، فالحياة النباتية والحيوانية ليست ذات قوانين موضوعية لهذه المادة بل هي نتاج الفيض السماوي ذاك ، والذي اتخذ اسم القوة الحيوية ، ومن هنا فهذه الحياة السحرية الغامرة تندفع لتكّون الأحياء والمجتمعات والبشر حسب تدفقها الذي يحدده برجسون .
ومن هنا تتواجدُ عقيدةٌ منغلقة وعقيدة منفتحة . فالمجتمع البدائي يشكله فردٌ وكأنه المجتمع الفرنسي المعاصر ، وهذا الفرد تتحكم به غريزة الحياة ، وهي الشكل البشري المتجسد للقوة الحيوية السماوية السحرية عند برجسون، ( وهكذا يندفعُ الفردُ إلى قهر الأنا الفردية التي قد تحفزه إلى إيثار مصلحته الذاتية على مصلحة الغير، خاضعاً في ذلك لغريزة الحياة التي تكمن وراء كل نظام اجتماعي)(15)، ص 190) .
إن قوانينَ المجتمع البدائي وقوانينَ الحياة القبلية المدروسة من قبل العلماء كلها يطيحُ بها برجسون ليؤكد إن غريزة الحياة هي التي تشكل الظاهرات الاجتماعية ، وكأن هذه الغريزة جوهر غيبي فوق الظروف . وتتويج مثل هذا الوعي يقود إلى: (وليست الحرب ظاهرة ضرورية لصيانة المِلكية الجمعية ، بل إن كل ما يجيءُ معها من قتل وسلب ونهب وكذب وخداع وتضليل هي كلها ظواهر مشروعة تقرها الجماعة وتثيب عليها)!(16).
وكل التضاريس التي يبتكرها للمجتمعات المغلقة المجتمعات المفتوحة ، وللعقائد المنغلقة والعقائد المفتوحة ، كلها تقوم على هذا الإسقاط الإيديولوجي المسطح لغريزة الحياة وفيضها الإلهي البرجسوني ، لتتّوج في المسيحية المحافظة ، وهي المسيحية التي أُنتزعت تضاريسها النضالية ، فهي أيضاً إيديولوجية مُسقطة على المسيحية الحقيقية ، مسيحية النضال في زمن العبودية، لتتحول إلى مسيحية الحب الخادع المخفي للصراع الاجتماعي على المستوى القومي الفرنسي وعلى المستوى العالمي.
ـــــــــ
- يتيح ثبت المصادر الذي ذيله الدكتور زكريا إبراهيم بكتابه المذكور إعلاه إن معظم كتب برجسون الرئيسية تمت ترجمتها إلى اللغة العربية، كذلك كُتبت أبحاثٌ عديدة عنه.
(1) : ( برجسون ، زكريا إبراهيم ، دار المعارف ، سلسلة نوابغ الفكر الغربي 3 ، مصر ) .
(2) : ( المصدر السابق ، ص 11 ) .
(3) : ( يتيح ثبت المصادر الذي ذيله الدكتور زكريا إبراهيم بكتابه معرفة أن معظم كتب برجسون الرئيسية تمت ترجمتها إلى اللغة العربية كذلك كتبت أبحاثٌ عديدة عنه ) .
(4) : ( المصدر السابق ، ص 11 ) .
(5) : ( المصدر السابق ، ص 13 ) .
(6) : ( المصدر السابق ، ص 28 – 29 ) .
(7) : ( المصدر السابق ، 35 ) .
(8) : ( المصدر السابق ، 41 ) .
(9) : ( المصدر السابق ، 37 ) .
(10) : ( المصدر السابق ، 36 ) .
(11) : ( المصدر السابق ، 39 ) .
( 12) : ( المصدر السابق ، 40 ) .
(13) : ( المصدر السابق ، 60 ) .
(14) : ( المصدر السابق ، 91 – 92 ) .
(15) : ( المصدر السابق ، 190 ) .
(16) : ( المصدر السابق ، 191 ) .
isa.albuflasa@gmail.com
الرأسمالية البدوية
الرأسمالية هي أعلى مراحل التطور الاجتماعي لحد الآن، والمرحلة البدوية مرحلة أولى في حياة الإنسان، وقد إستطاعت الجزيرة العربية أن تحتفظ بالبداوة لقرون طويلة، منعزلة عن التحولات التي تجري في العالم، خاصة المناطق الداخلية، والتي عادة تفيضُ على المدن والسواحل في هجرات لا تنقطع، مجددةً هياكلها الاجتماعية مرات للوراء ومرات للإمام، مبدلة النسيج السكاني وحياة السكان الاقتصادية.
وفي قرون التطور الراسمالي التجاري بين القرن السادس عشر وما تلاه، تناغمت الهجرات البدوية من دواخل الجزيرة العربية والتمدد الغربي التجاري، الذي كان يسيل لعابه للمواد الأولية الثمينة خاصة، ولم تعطه الجزيرة الكثير من هذه المواد لكن اللؤلؤ كان مبتغاه وقتذاك، يحدد إنتاجه وسير بضائعه إلى مستعمرته الكبيرة في الجنوب.
كان تعلم البدو كبيراً من التجارة مع الهند، ونشأت الفئات التجارية على ضفاف الخليج، متوقفة لزمن طويل عند الرأسمالية التجارية، وتدفقاتها المالية والعقارية والزراعية، وتغدو المدن الصغيرة الضفافية محصورة بين قارة البدو الداخلية التي لم تترسمل بعد، وبين القوى الغربية التي تحدد التطور سواءً كان السياسي أم الإقتصادي.
لكن ظل النسيج القرابي القبلي والتراث الثقافي المنتجين داخل هذا الواقع، هما حبلا السرة اللذان يشدانها نحو الأم الجزيرية الرابضة في البداوة، تنهضُ شيئاً فشيئاً للحداثة، تتعلم من السواحل والمدن النهضوية الصغيرة المتسارعة، وتقاربها في إنتاج النفط وتتفوق عليها في تمدد المدن التي تندفع في فضاء الحضارة بسرعة مدهشة، بين حقول الألغام الإجتماعية والمواريث الداخلية المتجمدة منذ عصور.
في تحررها السياسي ظلت مشدودة لخريطتها السياسية السابقة المكونة منذ قرون، ولم تعد هناك قيود غربية، لكن التكوينات الاجتماعية حصرت الرأسمالية الوليدة في نشأتها الأولى، وأضاف إليها التصنيع التحويلي للمواد الخام حركة إقتصادية كبيرة، لم تستطع عبر سكانها أن تكون هي القوى العاملة فيه، فالقبيلةُ ظلت تهيمنُ على الدخول عبر شيوخِها، وتحركُ الحياةَ الاجتماعية عبر سيطرةِ رجالها، وتضعُ النساءَ فيما وراء الخيام يطبخن ويلدن، وتفهم العصر عبر النسيج المحافظ لمذاهبها. ولا تعرف ماذا تفعل بالغرباء العاملين الذين لم يعودوا ضيوفاً عابرين بل منتجين مؤسسين لدول النفط والغاز الطبيعي ومصانع البتروكيماويات. فلم يعودوا يكتفون بالتمر والقهوة والهيل وحكايات الليل.
وظهرتْ موديلاتٌ خليجيةٌ رأسمالية متعددة في هذا الواقع المشدود بين الماضي والعصر المندفع بسرعة الضوء، فهناك الموديل المدني القابع على البحر، صلته بالصحراء غدت واهنة، وهو يشكل رأسمالية مظهرية مجنونة بالأرباح السريعة والضخامة التشيدية، وفي هذه المقاولات تدفقت أكثر الأموال وتاهت بين إدارات مهيمنة متوحدة في عليائها، وبين عمالات صغيرة كالنمل مجلوبة من شتى البلدان، مهمتها أن تبني هذه الإهرامات الرملية والمصانع الخانقة، وأبناء يركضون بسرعة للوظائف الكتابية والعسكرية ليحلوا الكلمات المتقاطعة.
وتائرُ تطورِ الرأسمالية
في العصور القديمة كانت البضائع والنقود والكمبيالات والعمال والتجار والنقود أشكال لظهورِ رأسماليةٍ مبكرة وكانت اليونان قدمت نموذجاً واسعاً لتطورها وأضافت إليها الديمقراطية، لكن العلاقات الانتاجية العبودية لم تكن ملائمة لظهور أشكال العمل الحرة والرساميل، فكانت قوى العمل البشرية المسترقة كافية لكنها مدمرة لقوى الانتاج، وهكذا عبر التاريخ راحت هذه العناصر المالية والبضاعية وقوى العمال تتصاعد ولم تستطع الممالك القديمة في آسيا وأفريقيا أن تفتح المجالات كافة لقوى العمل الحر والتجارة والانتاج الحرفي المتطور نحو الصناعة، بسبب ضخامة الهياكل الاستبدادية للدول وسهولة إسترقاق الإنسان، وضخامة البذخ، ولهذا فإن التطورات في أوربا الغربية حيث سقطت تلك العراقيل وتنامتْ عناصر إقتصاديةٌ حرةٌ ومعرفية واسعة وانصهرت في بوتقة واحدة وأطلقت علاقات جديدة أكتسحت العالم وحطمت الممالك القديمة والعلاقات الاجتماعية التقليدية.
ولهذا نجد في العقود الأخيرة القليلة التنامي الأوسع والحاد لهذه العلاقات في كل بلد، فسقطت دولٌ كونتْ رساميلها بطرقٍ حمائية متخلفة، فيما حافظت دولٌ أخرى على علاقات ما قبل رأسمالية في الاقتصاد والحياة الاجتماعية بدون فائدة فالطوفان يكتسح الدول والشعوب والبيوت.
تكوين السوق العالمية الواحدة ظهر منذ لفَّ ماجلان حول الكرة الأرضية ومنذ قامت شركاتُ الهند الشرقية قبل قرون. إن القوةَ الكامنة لتوحيد القوى المنتجة البشرية في كياناتٍ متعاونة ومتقاربة وموحّدة هو مضمون التاريخ، الوحدة العالمية للأمم هي مضمرةٌ متنامية في تاريخ البشرية حيث كان تبادلُ المنتجات المادية والروحية يؤدي للتطور المشترك، ولأنسنةُ الإنسان للطبيعة،منذ تكوين موديل بشري واحد قبل مليوني سنة في الإنسان العاقل، وهي كلها مؤشراتٌ للوحدة البشرية المضمرة المتجسدة الآن عبر العولمة والأممية.
لكن الشكل التاريخي للرأسمالية الغربية فرضَ ذاته على التطور بحكم كونه قمة للانتاج، ولإستطاعته دمج رأس المال وقوة العمل والعلوم والحرية في تكوين إجتماعي واحد، وهو أمرٌ أدى لإزدهار الانتاج وعالميته.
هذا النظام هو شكلٌ لقوى العمل المليارية، لوحدةٍ إنسانية جبارة، تجمعُ أفضل ما لدي الدول من قوةِ عملٍ وقدرة عقول وإستهلاك عقلاني، لظهور قدرات إنسانية جبارة تغير حياة الإنسان من كائن عبد للطبيعة إلى سيد عليها.
هي ذاتُها التي تتصارع داخلياً من أجل أن يكون نتاج العمل في خدمة الناس وليس في خدمة البذخ وهدر الموارد، فهذا الشكل صراعي متوتر، يؤدي لجمع المنتجين بين قوة العمل وقوة العقل، الذي يحول المليارات إلى مساهمين في تحويل بلدانهم وتغيير السلطات والظروف الاجتماعية وحل مشكلات البيئة ووقف الحروب.
هي تخلق وتائر تتصاعد بقوة وتكتسح يوماً بعد يوم القيود والتخلف والنقص، فالاختراعاتُ والاكتشافات قبل عقود قليلة تجاوزت ما فعلته البشرية من إنتاج علمي على مدى آلاف السنين، وإستطاعت أن تقوم بثورات في الاتصالات وبتضافر ثورات الزراعة بالصناعة وبالأحياء، ولكن حتى هذا الشكل الرأسمالي من التملك يعرقل التطور، ويبطىء من الثورات المعرفية والصناعية، رغم أن هذا الشكل بعده لم يوحد البشرية توحيداً كاملاً، وهناك إختلافات ومستويات متفاوتة بين المناطق والقارات والبلدان وهناك عجز من بلدان كبيرة للتطور البشري المشترك.
المحاسبة والعقلانية والحرية هي ثمار الحداثة ممزوجة في كل متكامل لتثوير قوى الانتاج، وتطبيقها أكثر سهولة في المصانع من بعض المجتمعات، فإزالة الروابط لما قبل الرأسمالية لا تتم بسهولة في كل دول العالم المختلفة عن الركب العالمي الكاسح، فهناك تصورات ما قبل عالمية وتصورات وطنية ضيقة، تعيش في الراكد والقول بأنها في منجاة من الطوفان، وأنها عبر المال كقوةِ نقود قادرة أن تعوم فوق سطح التاريخ، لكن رأس المال هو عناصر متشابكة مع البُنى الاجتماعية، ورأس المال العالمي التاريخي يمضي ويتجمع ويزيح ويصعد في تكوينات وثورات إجتماعية وعلمية، والبلدان والأجيال والأفراد والطبقات التي لا تطور ذواتها مع هذه المسارات الاجبارية تنعزل وتزول.
رأسُ المال شكلٌ نقدي لعلاقاتٍ تاريخية عصرية ديمقراطية فيها إستلابٌ وسلب وتفاوت وفيها تحولاتٌ إنقلابية في العصر والتسارع سمته، فهناك تراكمات غير مرئية ومرئية تطيح بعلاقات وقوى سابقة وتغير أشكال الوجود الاجتماعي بسرعات متزايدة. فمن عناصر نادرة في الحضارات القديمة حتى بنية مسيطرة خلال ألف سنة في غرب أوربا وأمريكا حتى إنفجارت ثورية خلال الماتئي سنة الأخيرة في كل الكرة الأرضية.
isa.albuflasa@gmail.com
الرأسمالية الصحراوية
في عهد الإسلام الأول جلبت سياسة الفتوحات الكثير من الأموال للفئات الغنية، وبذلك نقضت سياسة الإسلام وشكلت سياسة الاستغلال الفاحشة تجاه العاملين والنساء والأرقاء والشعوب الأخرى.
كما أنها انتقلت من الإقاليم العربية الجزيرية الفقيرة إلى العواصم في البلدان المفتوحة الأكثرغنى، ثم قامت برشوة منطقة الحجاز بالأكثار من بعث الأموال لأسرها الغنية من أجل أفسادها وعدم نضالها مع بقية الإقاليم العربية الإسلامية ضد سياسة الانفراد بالموارد، وبحرمان مناطق الجزيرة الأخرى كاليمن وعُمان والبحرين وهذا ما جعل هذه المناطق بؤراً للإمامية والخوارجية وغيرها، فسياسة البذخ من جانب والحرمان من جانب آخر تولد الفتن.
تلك الموارد المالية الضخمة التي انهالت على أجهزة الحكم الأموية والعباسية وما تلاها، شبيهة بما حدث لدول الجزيرة العربية من تدفق موارد نفطية، بلا جهد كبير، وقد ارتكزت على سياسة قديمة وتوزيع عتيق للثروة بين الأسر والمناطق والطوائف المحظوظة.
إن العصرين المتباعدين زمناً فيهما العديد من السمات المشتركة.
وإذا كان العصر النفطي الحديث قد جعل العديد من الحكومات في المنطقة تقوم بالكثير من تشكيل البنى الأساسية التي هي ضرورة مهمة لكل العمليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللاحقة، غير أنها توقفت عند حيز محدد محدود من التطور، واستغلت الرساميل الضخمة لحساب الحكومات والمتنفذين فيها ولصالح الأسر الغنية الكبرى والشركات المتداخلة مع الحكومات.
لقد وُجهت أغلب هذه الرساميل نحو المحافظ النقدية والشركات والبنوك الغربية ومن يحيط بها من دول تدور في فلكها، فكان ذلك إسهاماً في تطور البـُنى الغربية الرأسمالية المتطورة بحد ذاتها، وبعد أن فاضت المداخيل على هذه الرساميل العربية الجزيرية توجهت لخدمة الاقتصاد العربي!!
وبنفس عقلية تاجر الرقيق الأموي فإن الرساميل العربية المعاصرة توجهت نحو الرقيق الحديث، أي نحو المحطات الفضائية التافهة التي تنشر الخلاعة والتجارة الرخيصة، ونحو مجلات الموضة، ونحو تكريس الجوائز الثقافية لعتاة الرجعية الدينية، وإلى تضخيم جيوب هؤلاء ليشتروا الفلل الكبيرة والمرسيدسات، ولكي يؤجروا فتوايهم لأصحاب الطول والحول، ولكي ينشؤوا الطائفية ويستولوا على المجلات والجرائد بالرشوة..
ألم يكن الخليفة الأموي يقذف بكيس النقود للشاعر والراقصة ورجل الدين لكي يقوم هؤلاء بخدماتهم الجيدة للدولة؟
ويستطيع رجل الدين أن يشذب لحيته ويقطع من لسانه ويطور كاسيته حسب أوامر وزارة الأوقاف، تماماً كما يفعل نظيره الشاعر في العصر التليد، الذي يقول لخليفته بماذا تأمرني أن أنظم بمدح أم بهجاء، فأنا مجرد متحدث بلسانك وتابع لجنانك !..
وكما فعلت القوى المحافظة من مجابهة الفلاسفة ومخاصمة المتكلمين وإثارة قضايا الطائفية البغيضة في العصور الماضية تفعل نظيراتها من الجماعات الطائفية المعاصرة بشكل أقل من حيث المستوى الثقافي عبر البطش بالسكاكين وبنصوص التكفير!
لا تشكو البلدان العربية الشمالية من نقص في أعداد الراقصات والمحجبات، أو في الفنادق، بل تشكو من ضعف الصناعة وتخلف التطور التقني، وضعف الجامعات الخ..
لكن رؤوس الأموال الجزيرية وقد سيطرت عليها هواجسُ الخوف من الثورة والحداثة والتأميم ولفت رؤوسها ألف عمامة تمنع البصر والبصيرة، تريد أرباحاً سريعة وتتوجه للخدمات المبتذلة وصناعة الفساد غير مدركة أن صناعات التفاهة التي تقوم بها هي التي سوف تعجل برحيلها..
وبنفس قوانين النظام العتيق، يلعب البذخ وتضييع أموال الدول على السباقات وبناء القصور وإعطاء الحلاقين البيوت والقرداتية أموال اليتامى، تقوم الآليات المالية المعاصرة بشطف الأموال العامة للفئات الانتهازية وتسريبها لمن يخون الأمانة ويتلاعب بالأراضي والعلوم والأجيال الخ..
بماذا يختلف قادة دول المنطقة عن معاوية وهارون الرشيد والصفويين والبرامكة والقرامطة والمماليك الذين ضيعوا ثروات هائلة على الجواري والخدم والقصور وإرسال الأموال للخارج ؟
إن وضع رؤوس الأموال داخل هذه البلدان وفي التنمية والصناعة والتطور الاجتماعي والثقافي هو الذي يخلق الاستقرار والأنظمة القوية.
فما أغنانا عن تجربة الكوارث مراراً!
isa.albuflasa@gmail.com
الذكورةُ والصحراءُ
سيادة الذكورة في الصحراء العربية لها عوامل موضوعية فلم يعرف التاريخُ العربي المكتوب حتى الآن أي مرحلة أمومية كما في باقي تواريخ الشعوب حسب جهد المؤرخين كجواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) مما يعبرُ عن سيادة مطلقة لهذه الذكورة، ونتائجها كتعدد الزوجات والرغبة في ولادة الذكور، ووأد البنات. كانت الصحراءُ الضارية تحتاج لقوى بشرية صلبة، أقرب للضواري، حيث تسود الحروب والهجرة وقد وجد العربُ أنفسهم يتسربون لهذه الصحراء بكائناتهم الرفيقة الجمل والحصان، ويأنسنون ويحضرون هذه الخريطة الوحشية من المناطق الشمالية.
تلك العلاقات الجنسية الذكورية الصلدة انتقلت للعلاقات الاجتماعية والسياسية والفكرية، وغدت هيمنة الرجل الأسرية وشيوخ القبائل شكلاً لتلك الصلابة في مواجهة الطبيعة.
ومن هنا غدت المدنية الإسلامية صعبة في مواجهة الهيمنة الذكورية ذات التاريخ الصحراوي الذي يبلغ مئات السنين غير المحددة في التاريخ.
المدنيةُ الإسلامية المختلفة المتضادة مع هذا التاريخ نشأت من مادته، وكانت صغيرةً محدودة وعسيرةَ التطور حين راح التاريخ يتطور بشكل دراماتيكي كبير، ولهذا كانت صورةُ الإلهِ في القرآن بدايةً كُليةً شاملة، فهؤلاء المسلمون المغايرون للتوحش الصحراوي قلة ضعاف في القوة والجمع وبغياب المؤسسات العسكرية والاجتماعية والسياسية، وكانت تلك الصورة تساعدهم على البقاء والقوة والأمل والتغيير، فالاعتماد على الإله بدا كلياً، ولكن هذه المكانة الصغيرة المناضلة وسط الضواري تغيرت، وراحت القلة تتحول لكثرة وتنشأ المؤسسات وتغيير العلاقات غير الحضارية، وتبدأ صورة الإنسان الفاعل بالتفاعل مع صورة الإله غير المتدخل في الوجود الانساني المباشر، وراحت المؤسساتُ تتكون مشكلةً علاقةً ديمقراطية شعبية، متوجهة للسيطرة على المال العام ليكون القوة الأولى في تحديد العيش، والمال الخاص قوة أخرى مكملة، وحين نقرأ آيةً مكية تتحدث عن خطورة كنز الذهب والفضة نجد آيات الانفاق والانتاج ومشاركة الحضارات الأخرى في التقدم تتسع في الآيات المدنية.
هكذا كان المشروع الديمقراطي ينمو متصادماً مع المشروع الذكوري الشمولي، لكن كان المشروع الأخير أقوى وكان تدفق القبائل على مركز الدولة ومشاركتها في حروب الفتوح، وحدوث تصادم بين القوة الديمقراطية الجنينية الإسلامية وملأ قريش الذي تغلغل واستعاد بعض مناطق النفوذ الهامة، يقلب موازين القوى بين المتحضرين النهضويين والبداوة، وبعد هزيمة القوى الديمقراطية وزوال الخلافة الراشدة، وتدفق فوائض الفتوحات وتصاعد غنى الرجال والقبائل، أخذت العودة للقواعد ما قبل الإسلامية تتصاعد.
كانت المدن المفتوحة تتشكل على أساس قربها للصحراء وتتحدد بيوتها وأحيائها على أساس الانتماء القبلي، كما استعيدت الثقافة الجاهلية خاصة في الآداب والحروب والسير في العهد الأموي، مع صعود سيطرة شيوخ القبائل الذين صاروا خلفاء.
هكذا أخذت الذكورة القديمة تقوى والمشروع الديمقراطي يتضاءل، وتحاول أن تعالج ضعفه قوى المذاهب العقلانية والفكرية، عبر تخفيف الهيمنات الذكورية والحكومية دون أن تجد لها أدوات فكرية مختلفة تحليليلة عميقة تترابط مع حركات القوى السياسية المدنية.
إستطاعت الثقافة الجاهلية ذات الجذور الصحراوية المؤمنة إسلامياً، المعارضة للعناصر الديمقراطية وتوسعها في الحياة المدنية والفكرية والسياسية، أن تقدم تفسيرات مغايرةً لمسار التاريخ، وتعتمد على شكلنة العبادات وتجميد النصوص الإنسانية الديمقراطية الإسلامية، مكرسةً مصالحها وحياتها الخاصة غير المعقلنة والبذخية.
حتى في الجاهلية كانت ثمة علاقات إنسانية وغزل بالنساء وعلاقات حب، وكانت ضراوة حياة الجاهليين والكوارث التي تلحق بهم بسبب الحروب والعيش الصعب لا تنفي جوانب الجمال الاستثنائي في حياتهم، وقد كان خيار التحول للمدن المفتوحة والتوجه للحضارة قد أدى كذلك لتصاعد تلك العناصر الإنسانية الجنينية في الجاهلية، وكانت أساساً لأدب خصب وتطور إجتماعي هام. ولهذا فإن الصراع بين الرافدين المحافظ والتحديثي يتنازعان بقوة، ويصور كلٌ منهما نفسه من خلال مرجعية دينية، ولكن هذا اعتمد على مدى تطور سكان المدن وقدرتهم على فهم أسلوب الانتاج الإقطاعي الزراعي المتدهور، وحيث لم تبلغ أدوات وعيهم الفكرية مستوى فهمه والسيطرة عليه، حيث تتكرس حريتهم وتغييرهم للتاريخ وليس في الصراع المجرد عن القَدر وعزل الفكر عن الانتاج.
لكن تدهور الانتاج الزراعي يحرك القبائل الآسيوية: الأتراك والكرد والأفغان والفرس والمغول فيغزون الحواضرَ المدنية والعربية خاصة، وعربُ الجزيرة العربية الذين تكاثروا وعادوا للبداوة غزوا شمال أفريقيا في حروب ضارية، ولهذا فإن المدنية التحديثية قد تدهورت في عمق المدن وأنتشرت بقوة هائلة وأتسعت التفسيرات غير الديمقراطية للدين، وتصاعدت الذكورية الحادة التي غدت أكثر تخلفاً وغياباً حتى عن الثقافة الراقية الأدبية للجاهليين.
عبـــــــدالله خلـــــــيفة: عرضٌ ونـقـدٌ لأعماله القصصية
isa.albuflasa@gmail.com
تنوير سلامة موسى
يعتبر سلامة موسى الكاتب العربي، أحد القلائل الذين أثاروا الجدل الفكري على مدى القرن العشرين، بسبب جرأة أفكاره وثباته الفكري الطويل لغرس قيم الوعي بالنهضة، عبر الكتابة والدعوة المستمرة لعدة عقود.
كان أبوه من الموظفين الكبار في الإدارة، فحصل على فرص كبيرة للقراءة والدراسة والسفر والتفرغ للفكر والإطلاع، ولكنه لم يفلح في الدراسة المنظمة سواء على مستوى الدراسة الابتدائية أو الثانوية أو الجامعية، وهو يقول: إن ذلك كان بسبب محدودية المناهج ورغبته في الخروج من قيودها، ولكن من الواضح أيضاً انه لم يكن ذا قدرة على التركيز الدراسي والبحثي العميق، فاتسمت كتاباته بالسهولة الشديدة والتنوع والتضارب في الأفكار والرؤى، رغم أنها كانت تدعو للنهوض بشكل عام.
وقد سافر إلى باريس، بشكل مغاير لسفر الطهطاوي، حيث كانت السرعة في السفر والتوجه إلى اليسار الأوروبي تحديداً، وخاصة الاشتراكيين والتطوريين، والصداقة مع أعلام الفكر الغربي كـ برنارد شو. وقد ذهل من دفاع اليسار الأوروبي عن قضية الشعب المصري، ودور برنارد شو خاصة في فضح محاكمة دنشواي الشهيرة التي قتلت مجموعة من الفلاحين غير المذنبين.
فوجئ في الغرب بكثافة الاهتمام بالحضارة المصرية القديمة، وغيابها شبه الكلي عن الثقافة المصرية المعاصرة وقتذاك، فكرس جزءاً كبيراً من وقته لزيارة المتاحف والاطلاع على الحضارة القديمة.
كذلك سافر ودرس في لندن الحقوق من أجل جلب شهادة، ولكنه كعادته لم يستمر في ذلك؛ وساح في الثقافة والأدب والعلوم، وحين عاد ركز على النشر، وكان أول كتاب له هو (مقدمة السوبرمان) سنة 1912، ثم أصدر سلسلة من الكتب، ورأس تحرير مجلته الخاصة، التي كرسها لنشر فكر الحداثة كما يراه.
يعبر كتيبه هذا، أي مقدمة السوبرمان، عن هذه العملية الفكرية التي بتضافر فيها العمق والسذاجة، وتتحد النوايا الطيبة بغياب الدرس العميق، ففكرة السوبرمان هي فكرة نيتشويه، دعا إليها مفكر الفاشية الألمانية: نيتشه، لخلق عرق متميز، يغدو بمثابة الإنسان الأعلى. الذي يتخلص من الإنسان الضعيف، وكانت هذه الفكرة تفتح فيما بعد الباب لعمليات التطهير والمذابح في العروق (الخسيسة) عند النازيين.
وبطبيعة الحال فإن سلامة موسى أخذ الفكرة بحسن نية، دامجاً إياها في فكرة علمية أخرى، هي نظرية التطور لـ دارون. فهذه الفكرة الكبرى في القرن التاسع عشر والتي فجرها العالم البريطاني دارون بكتابه (أصل الانواع)، كشفت لأول مرة ان العالم الحيواني خضع لتطور كبير، بدأ من ظهوره في الحياة البحرية ثم ارتقائه سلم التطور حتى ظهور أنواع الثدييات التي منها الإنسان.
وقد دمج سلامة موسى هاتين الفكرتين، ولكن عبر تطبيقهما على المستقبل، حيث سيظهر في اعتقاده إنسان متطور يختلف عن الجنس السائد حالياً. وهذه الفكرة هي التي عزفت عليها النازية. المتنامية منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى, وهي التي دمجت أيضاً بين الارتقاء المزعوم بالإنسان الحيوان وبين الاشتراكية.
هذه الفكرة التي بدأ سلامة موسى حياته الفكرية بها، تعبر عن ذلك المزيج الفكري المضطرب، فقد مزج بين فكرة علمية هي نظرية التطور التي قدم حولها كذلك سلسلة من الاستعراضات الشائقة، وبين فكرة ايديولوجية خطرة ليست سوى واجهة للعنصرية، وهكذا فإن سلامة جمع بين فكرين متناقضين، الأول هو فكر التطور الموضوعي للأجناس وللمجتمعات، والفكر الآخر هو فكر الفاشية البيولوجية، لكنه لم ير الدلالات المتوارية وراءها. ولديه هنا ذلك الخلط الذي استمر طويلاً بين البيولوجيا والاجتماع، بين التطور العضوي ذي القوانين الخاصة، والتطور الاجتماعي، مما يعبر هنا عن داروينية اجتماعية.
في رؤيته للنهضة وكيفية تحقيقها فإن سلامة موسى يواصل موقفه المبسط لها، فهو ببساطة يدعو للالتحاق بالنهضة الأوروبية، وترك العروبة والإسلام والماضي، وركوب القطار المتوجه إلى الحداثة.
يقول في أحد كتبه من سنوات أواخر العشرينيات من القرن الماضي وهو (اليوم وغداً).
«فالرابطة الغربية هي الرابطة الطبيعية لنا، لأننا في حاجة إلى أن نزيد ثقافتنا وحضارتنا، وهي لن تزيد من ارتباطنا بالشرق بل من ارتباطنا بالغرب. اننا اذا ارتبطنا بالغرب تعلمنا فلسفة عالية وأدباً راقيًا ووقفنا على اختراعات عديدة واكتشافات لا حصر»، ومن عناوين هذا الكتاب:
لسنا شرقيين، الدم الشرقي فينا جلبه علينا العرب، الجامعة المصرية هي أداة للثقافة الحديثة، الأزهر هو أداة الثقافة «المظلمة»، ليس علينا للعرب أي ولاء، لغة المتنبي ليست لغتنا، الرابطة الشرقية سخافة، الرابطة الحقيقة هي رابطة الثقافة وهي رابطتنا بأوروبا.
يعبر هذا الوعي عند سلامة موسى عن لغة التبسيط في تشكيل النهضة، فالنهضة هي استيراد كاستيراد البضائع، فهي علاقة كمية فتعبيره «أن نزيد» يعبر عن هذه الفكرة، فما علينا لكي نلتحق بأوروبا سوى أن نكثر من استيراد كافة الأشياء النهضوية كالاختراعات، وإذا كانت هذه الأشياء من الممكن استيرادها فعلاً وهي مفيدة جداً، فإن ذلك لا ينطبق على المؤسسات الفكرية، والعلاقات الاجتماعية التاريخية، فكيف يمكن أن ننقل عمليات التحول التي جرت أوروبياً في عدة قرون؟ هل نشحنها أم نقلدها؟
إن الوعي الاستيرادي لتجار الجملة واضح هنا، ويتوجه سلامة موسى إلى الدعوة لنقل تلك المنتجات الغربية، ولهذا لا بد من الانفصال عن الرابطة العربية والإسلامية، وعن العلاقة مع الأمم الشرقية المتخلفة، بل عن التاريخ العربي والدم العربي، وهذا ما يمكن أن يحدث قطيعة مع التراث ومع الثقافة المتخلفة، وبالتالي تتحقق النهضة.
هذه التبسيطية تتحقق في الواقع عبر انسلاخ مجموعات من الفئات الوسطى عن البنية الاجتماعية الإقطاعية، وهذا الانسلاخ لا يحدث الا عبر جلب مظاهر حضارية غربية مستوردة، لا يحدث لها أي جذر في تلك البنية، لأنها تتشكل كقشور ملونة فوقها.
إن ارتباط مصر بالعرب أو بالشرق ليس ارتباطاً لغوياً أو ثقافياً، بل هو ارتباط منظومة اجتماعية متماثلة، متعددة مستويات التطور، هي المنظومة الإقطاعية – المذهبية العربية في طور أزمة العلاقة مع التطور الرأسمالي الحديث.
وما يقوله سلامة موسى عن الانسلاخ من منظومة والالتحاق بأخرى، هو وهم طبقي، أي أنها أفكار وممارسات تتحقق عند مجموعات في الشرق تتوهم انها تتحضر عبر استيراد النهضة وليس إنتاجها، وهي هذه الفئات المستوردة للبضائع الغربية والافكار الغربية.
هكذا يكّون سلامة موسى الأفكار النهضوية لشريحة من الفئات الوسطى الحديثة، ذات المستوى المعيشي الجيد، والتي لا تدخل في علاقة صراع عميقة وواسعة مع الغرب الإمبريالي، مثلما لا تدخل في عملية صراع مماثلة مع الشرق الاقطاعي، ولكنها في الوقت الذي تريد فيه المماثلة والذوبان في الغرب، فإنها تريد الانسلاخ من الشرق.
إن هذه الطريقة الاستهلاكية والاستيرادية للمنتجات الفكرية والسلعية الغربية، لا تترافق مع عمليات إنتاج فكرية وسلعية وطنية، ولهذا فإن سلامة موسى لا يقيم مصنعاً لإنتاج الوعي الوطني، بقدر ما يفتتح دكاناً لجلب البضائع من المركز، وبطبيعة الحال فإنه يريد تطوير وتقدم البلد عبر ذلك، ولهذا يحرص على جلب أفكار النهضة والتطور وحرية المرأة والعلمانية وأهمية العلوم ونشر الأدب الشعبي والتخلي عن أدب الأبراج العاجية وضرورة تعلم الرقص الرفيع . . الخ.
وكل هذه تقدم أحياناً كمقالات مطولة وقصيرة في أغلب الاحيان، وتتجه إلى عرض الفكرة والترويج لها، بدون تحليلات معمقة. وكثيراً ما تقوده هذه الافكار الشعارية إلى الاصطدام مع القوة الاجتماعية المهيمنة، أي الاقطاع بنوعيه السياسي والمذهبي.
وإضافة إلى الطابع الاستفزازي فإن غياب التحليل العميق للشعار المراد جلبه ونشره في الشرق يؤدي إلى نتائج عكسية.
لكن علينا أن نعتبر فكرته بضرورة تغييب الرابطة العربية والإسلامية من تطور مصر الحضاري المنتظر، هو خطأ فكري مزدوج، فهو خطأ في قراءة سيرورة مصر، المتكونة بشكل عربي وإسلامي في العصر الوسيط، حيث حدثت نهضة كبيرة بفضل هذه المرحلة، ولكن النظام الذي هيمن غيب تلك الإنجازات، فيبدو التطور العربي الإسلامي عند سلامة موسى كفعل سلبي فحسب، فهو يغفل العناصر الديمقراطية والنهضوية في هذا السياق، مركزاً على الأشكال التي سيطر بها الاقطاع المذهبي على المسلمين، معتبراً هذه الأشكال هي كل ما أنتجه العرب والمسلمون.
ولا شك أن فرز هذه العناصر المتضادة يحتاج إلى دراسات معمقة، وتحليلات في البنية الاجتماعية ومستوياتها، وهي أمور لم يقم بها سلامة موسى، فيجد أمامه الثقافة العربية الإسلامية كثقافة تقليدية يجب الإطاحة بها، وحتى هذه الإطاحة تبقى غير مبلورة، بل هي شعارات موجهة ضد لغة عربية متكلسة، وهو أمر صحيح، وقد ساهم هو في زحزحة هذه اللغة المقعرة الجامدة، بلغته الرشيقة السهلة الواضحة. ولكن مسائل إزاحة الجمود والتخلف في ثقافة هي غير إلغائها، ويبقى وعي سلامة موسى غير قادر على كشف هذه اللوحة المعقدة والمركبة للثقافة العربية والإسلامية.
ليس لأنه يأتي إليهما من الخارج، بل لأنه لم يدرسهما بشكل عميق، وأغلب قراءاته هي للنتاج الغربي عموماً، وهو يريد إدخال شعارات هذا الغربي المتطور إلى عالم يرفضه ويريده ان يتغير.
إن رغبته فى تشكيل مصر بالصورة التي يريدها، حيث لم يقم بالكتابة عن اي بلد عربي آخر، ودوره في هذه الكتابة الطويلة وخلق القراء، لا تؤدي إلى نتائج كبيرة في الواقع والمناخ الثقافي الفكري، وعلى العكس فإن المناخ يتجه إلى نقيض افكاره، وجهده في خلق تنوير يُستبدل برواج الاتجاهات السلبية والمحافظة.
وهذا المصير الفكري والاجتماعي هو غير مسئول عنه، ولكن هذا المصير يحدد كيف تضيع سنوات من العمل الفكري وتتدمر بذور التنويريين، من دون أن يروا آفاق عملهم.
كان التطور الاجتماعي والفكري في مصر يتجه بخلاف آراء سلامة موسى بضرورة اعتماد التدرج الاشتراكي في عمليات الإصلاح، فالمدينة الاقطاعية التي أسستها السلالة الملكية كانت تتجه إلى الانفجار، والتحولات الرأسمالية على مدى قرن كامل، لم تستطع تشكيل تحول رأسمالي جذري، على صعيد تشكيل سلطة ديمقراطية أو على أساس نمو تحديثي في كافة مستويات البنية، فبدأت المدن تتضخم سكانياً من جراء تطورات رأسمالية متضادة، وبدأ الريف يضغط، ونستطيع أن نعتير سيطرة الضباط الأحرار هو انتصار للفلاحين المتوسطين بثقافتهم الدينية والحديثة المتداخلة، بحيث حافظوا على التعايش بين النظام الإقطاعي والنظام الرأسمالي، وعبر سيطرتهم على رأسمالية الدولة، انتقلوا الى صفوف الأغنياء، وأدى هذا التطور العسكري، إلى استنفار القوى المحافظة وعودتها بعدئذ إلى الهيمنة بشكل أقوى من السابق.
موسى ناضل من أجل نمو التحديث والليبرالية والإصلاحات الاجتماعية التي يسميها الاشتراكية، ولكن ما حدث هو نمو الاتجاهات الشمولية، ولم يسهم في رصد هذا الصعود بسبب أدوات تحليله المبسطة، أي عدم قراءة البنية الاجتماعية وبالتالي لم يشكل تياراً يقاوم هذا الاكتساح المستقبلي، رغم اهتمامه الشديد بالمستقبل، وذلك عبر عدم جمعه بين العروبة والإسلام والتحديث، بين العلمانية وتحليل الجذور التاريخية للأمة، بين الانتماء للشرق والانفتاح على ثمار الأمم النهضوية، بين الدفاع عن الديمقراطية وتقدم الأغلبية. . الخ.
هذه التركيبة الجدلية كانت تستدعي دراسات على مستويات الماضي والحاضر، الشرق والغرب، وهذه الإمكانية التوليفية لم تكن ممكنة لجيل كامل من النهضويين، تقاطع وعيهم بين قطبين، قطب الشرق والتراث، وقطب الغرب والمعاصرة، وهو أمر يعكس هيمنة الفئات الوسطى غير الصناعية، والمستوردة، التي تستورد الموديلات الجاهزة من الماضي أو من الحاضر الغربي، وليست قادرة على التصنيع وإعادة تشكيل الواقع، وهو أمر يتطلب تغيير المواد الخام التراثية والراهنة، تبعاً لتطور مصالح الأغلبية من الشعب والأمة.
إن الشعارات السهلة والتنويرية لا تقود إلى محصول كبير، فمن السهل المطالبة بزوال الأزهر كمؤسسة دينية ولكن من الصعب دراسة هذه المؤسسة وتيارات الوعي فيها، وطرح اجتهادات في الخطاب الديني نفسه، وهذا ما أخذت التيارات النهضوية العربية الجديدة تعيد النظر فيه، وبدأت دراسات علمية فى هذه الجوانب.
والدراسة العميقة تودي إلى غياب الشعارية والتسييس الُمبسّط والخطر وتقترب من رصد الحالة الموضوعية للتطور، واحتمالاتها المختلفة، وبالتالي تغدو أكثر تبصراً على صعيد التأثير اليومي.
بطبيعة الحال أسهم سلامة موسى في نشعر ثقافة تنويرية ونهضوية في حدود معينة، وهناك أجيال من الشباب تدين له بالفضل بسبب دعواته للعلم والثقافة والتمدن، وقد شرح العديد من النظريات ببساطة، ولكن يبقى أن يؤخذ تراثه بقراءة جديدة وبحذر علمي.
وهناك دراسات كبيرة كتبت عنه، ولكنها إما أن تمدحه بإفراط أو ترفضه بتعصب شديد، ولهذا فإن دراسة موضوعية عنه، وتجميع كتبه في طبعات جديدة كاملة، هي أمور ضرورية لاكتشاف وعينا العربي المعاصر بشتى جوانبه.
لقد كتب عنه الباحث المغربي عبدالله العروي في تقويم أقرب إلى الدقة حين وصفه بانه نموذج لـ سبنسر، وهو المؤلف البريطاني الذي مزج بين الداروينية البيولوجية والحياة الاجتماعية.
وليس صحيحاً ما قاله المفكر محمود أمين العالم عن سلامة موسى ورفضاً لرؤية العروي: إن سلامة موسى له جذور بابن خلدون وغيره من المؤرخين والباحثين العرب.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
علي الشرقاوي : قصائد الربيع ــ الموجه للأطفال
الموت في فينيسيا : توماس مان كتب : عبدالله خليفة
مسارات ـ حمدة خميس كتب : عبدالله خليفة
ويطول اليوم أكثر من قرن :جنكيز ايتماتوف ـ كتب : عبدالله خليفة
«الهولة» بين الإنجازات وعذابات التجنيس: كتب ـ عبدالله خليفة
مثقفو الأكاذيب والتزوير : بقلم ـ عبدالله خليفة
الطليعيون والتحول إلى الطائفية: كتب ـ عبدالله خليفة
تداخل الهتلرية والستالينية
تعطي الدراسات والحوارات الجديدة التي تبثها المحطات الفضائية مادة جديدة عن أحداث التاريخ المعاصر الكبرى التي لاتزال متوهجة على خشبة مسرح العالم المغمور بالدماء والإنجازات.
ومنها هذا التعاون الوثيق الذي تشكل بين هتلر وستالين وتبادل الخبرات الأمنية بينهما، وتدرب ضباط الأمن والجيش السوفييت لدى أجهزة الجستابو ومن ثم اقتسام غنائم البلدان وتشريد شعوبها.
رغم تباين طبيعة النظامين المختلفين، فإن الدكتاتورية تفرز ظواهر مشتركة، فحين تهيمن زمرة حزبية على نظام ما، وتلعب ملكية الدولة العامة دوراً محورياً في الاقتصاد، وتغيب مشاركة الشعب في السلطة، فإن الأجهزة الأمنية والعسكرية تنفرد بتقرير شئون الحياة اليومية، وتصير أخطبوطاً يسرق أشكال الحياة من الناس.
ولهذا فإن ضخامة الدعاية التي وجهت لتلميع صورتي الطاغيتين، والتي لا يزال بعض بقعها مستمراً إلى يومنا هذا، لم تستطع إخفاء الدور الشرير والسيئ الذي لعبه كل منهما.
إن الطغيان هو الطغيان والبشر الذي يموتون من أجل رأسمالية الدولة في الشرق، لا يختلف دمهم عن البشر الذين يموتون من أجل الاحتكارات في الغرب.
ولم يكن الزعيمان الوحشيان إلا نتاج ثقافة شمولية ومحافظة استمرت على مدى قرون تتصاعد في ألمانيا وروسيا. كانت ألمانيا تتوحد بالحديد والنار عن طريق بسمارك الذي قاد مقاطعة بروسيا الألمانية الإقطاعية ذات الانضباط العسكري والتي يقودها النبلاء المتعالون، وحتى المسيحية خضعت للكراهية في الفكر القومي الألماني الذي لم يؤيد المحبة والتسامح، بل شجع على الفردية المتغطرسة والتعالي القومي وإرادة القوة كما تجلت لدى الفيلسوف الألماني المحبوب من الفاشيين وهو (نيتشه)، الذي قادته هذه الأفكار وكراهية الجمهور العامل إلى الجنون.
وقد سبق هتلر في الجنون السياسي إمبراطور ألمانيا في بداية القرن العشرين الذي طور روح العسكرية المتفوقة والقومية المتعالية، وادى غياب المستعمرات لدى المانيا إلى دخولها الحرب للحصول عليها، فكانت الكارثة وكان هتلر تتويجاً لهذا الانفتاح الدموي الألماني.
أما ستالين فقد كان نتاجاً لنمو الدكتاتورية في الحزب البلشفي، التي وضع أساسها لينين، حين عمل في أيام العمل السري على تشكيل منظمة منضبطة وصارمة، وموجهة للقضاء على الدكتاتورية القيصرية المتخلفة، والتعجيل بتطور روسيا الرأسمالي، ولكن تحولت الدكتاتورية الحزبية إلى وراثة للدكتاتورية القيصرية وهياكلها الأمنية والعسكرية تحت مسميات جديدة، بدلاً من القبول بتطور روسيا الرأسمالي الديمقراطي والتحديثي.
وهكذا فإن المؤسسات السياسية البلشفية الدكتاتورية الواسعة أنتجت قيادات مصغرة تتمتع بكل السلطات، حتى صار الصراع في الكبت السياسى فى العشرينيات من القرن العشرين بين الوجوه البارزة فيه صراعاً شخصياً بين الوجوه الدكتاتورية المحتملة، لكن كان ستالين الطالع من أقبية المخابرات القيصرية ومن حثالة البروليتاريا قد استطاع أن يجمع العديد من الأجهزة الأمنية تحت قيادته والتي وظفها لإزاحة كافة المناوئين لسلطته، وقد بدا ذلك بشكل الضغوط والمناورات السياسية والأيديولوجية وانتهى بالمذابح الحزبية والشعبية.
أما ما يقال عن قيادته الفذة للحرب العالمية الثانية فقد كانت أخطاؤه فيها لا تغتقر، وكان تعاونه البغيض مع هتلر والتداخل الذي جرى بين أجهزة الدولتين والجيشين لسحق الشعوب، سبباً في تحطيم اليقظة السياسية والفكرية عند السوفييت، ورغم المعلومات الدقيقة التى جاءته من مخبر موال للروس فى اليابان والتي حددت بدقة موعد الهجوم الألماني على الاتحاد السوفيتي إلا أن ستالين ترك الجبهة خالية من قوات الدفاع. وبعد ذلك حين تصاعدت المقاومة لدى السوفييت وبرزت كفاءات الضباط الكبار في إدارة الحرب، فإن ستالين أزاح العديد منهم، واستمرت الدكتاتورية العسكرية في الهيمنة على الجيش وتكليف الروس الكثير من الضحايا . وبعد الحرب واصل ستالين سلخ جلد الشعب وذهب دون عقاب.
لقد قاومت الشعوب السوفيتية ومناضليها ببسالة الطاعون الهتلري وبدون هذه المقاومة كان تاريخ البشر المعاصر سيكون مختلفاً.
isa.albuflasa@gmail.com
الرقص ودلالاته الاجتماعية
حين ظهرت الأديان السماوية في المشرق العربي اضطرت وهي تواجه الثقافة الوثنية بفنونها الكثيرة، المتداخلة مع عبادة الأوثان، والمُفككة للمجتمعات، أن ترفض الثقافة القديمة بجملتها، متوجهة نحو عوالم جديدة من التطور الاجتماعي والثقافي.
ولهذا ظهر رجل الدين كإنسان بعيد عن الرقص والفنون عامة، خلافاً لرجال الدين في الكثيرمن الحضارات، التي تمازج الفن فيها مع الدين.
وعلى الرغم من انتهاء الوثنية وطقوسها وعباداتها، فإن الحذر من الفنون ظل مهيمناً على الوعي الديني الصارم، الذي اخذ يتمسك بالأشكال المقطوعة عن سياقها وأسبابها.
لم تعد الفنون بعد تجذر الأديان السماوية في المشرق وفي العالم مبعثاً للخوف، أو للارتداد إلى الوثنية، ولهذا فإن الكثير من المتدينين والمسلمين عادوا إلى الفنون، وإلى الرقص تحديداً، لأنه فن جماهيري جميل ومفيد صحياً.
وقد تداخلت الفنون حتى مع ظهور الأسلام وانتشاره خاصة في الاحتفالات الجماهيرية في الهجرة وبالمولد النبوي والفتوحات والإسراء والمعراج.
إن الفنون الشعبية الإسلامية فيها الكثيرمن فنون الرقص الفردي والجماعي، وهي كلها فنون لها دورها في تقوية العلاقات بين الجمهور، وتكريس احتفالاته الزراعية والعسكرية والإنتاجية والاجتماعية المختلفة.
وهناك صورة سيئة للرقص هي ما يعرف بالرقص الشرقي الذي تقوم به الراقصات وهو رقص ظهر في القصور لتسليه الحكام والأغنياء وتأجيج شهواتهم، حيث يُظهر المرأة بصورة قبيحة، وهولا علاقة له بالرقص الحقيقي، ولكنه دائما يُتخذ كأنه الرقص الوحيد لدى العرب! وقد تحول إلى ظاهرة حين استغله أصحاب الحانات والمراقص لجذب الرجال المسلمين المتعطشين والمحرومين لأي مظهر جنسي.
إن انفصال الفنون عن الاختلاط وعن المشاركة الجماعية والفرح قد فتح الباب لهذا المظهر الوضيع من الرقص ومن العرض المبتذل. بعكس الغرب أو بقية المناطق، حيث استمر الاختلاط والرقص الشعبي الجميل والظاهرات الحضارية، وغاب لديهم الرقص الشرقي العربي حيث تقوم الراقصات باستعراض لحمهن!
وتطورالرقص في الغرب على ضوء هذا النمو الحضاري ليتحول إلى فنون الاستعراض المختلفة، كالأوبرا والمسرحيات الغنائية، وهنا نجد الأجسام وأحياناً شبه العارية ولكنها تتحول الى شموع مقدسة، وإلى شعر بشري مجسد، وإلى ذروة من الأخلاق والسمو بعرض الحكايات والقصائد والملاحم المتضافرة والموسيقى السيمفونية الراقية، وهنا على العكس لا يغدو الجسد الراقص إلا سبيلا للتطور الأخلاقى!
ليس للرقص معانيه الجمالية الرفيعة فحسب بل هو أيضاً وسيلة للتربية والعلاج النفسي، وكثير من عقد العرب الاجتماعية والنفسية ناتجة من عدم المشاركة في الرقص، وتغييب الاحتفالات الفرحة، بزيادة السعرات الحرارية في الجسم وتراكم الشحوم والضغوط والعقد النفسية وهيمنة الذكورية من جانب أوالأنوثة من جانب آخر، وعدم وجود الكهرباء الاجتماعية الخلاقة التي تصهر المجموع وتزيل الكثير من الحواجز و السرطانات الفكرية من داخله.
وهذه التربية المعادية للفتون الراقية هي التي جعلت العديد من العرب والمسلمين أثناء زياراتهم للغرب أو الشرق، يتوجهون لعلب الليل غير الصحية، وأماكن العروض المبتذلة، ويتركون المتاحف والمسارح الراقية والمراقص الفنية الجميلة!
isa.albuflasa@gmail.com
-
اشترك
مشترك
ألديك حساب ووردبريس.كوم؟ تسجيل الدخول الآن.
