أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ ! 

جابر عصفور: الإصلاح وإشكالياته

جابر عصفور من الباحثين الدؤوبين في تاصيل الحداثة العربية والبحث عن أسباب انتكاساتها في العصر الحديث، وهو يبحث التنوير والإصلاح من خلال شخوص مركزية كالأفغاني ومحمد عبده وفرح أنطون وشبلي شميل وطه حسين، وهو يستعمل تعبيرات مثل المشايخ المجددين لتعريف الأفغاني وأمثاله من علماء الإسلام الذين حاولوا ربطه بالمدنية والحداثة، كما يستعمل مصطلح الأفندية المتنورين لتعريف أمثال فرح أنطون وطه حسين.
يقول:
(وكان على الشيخ المجدد أن يتحمل الاتهام بالابتداع والعمالة، وأن ينهال عليه من الاتهام ما يذكره بالاتهامات التي وجهها أبن قتيبة النقلى، داعية التقليد، في القرن الثالث الهجري، إلى معاصريه وأعدائه «المعتزلة».. ولكن مع فارق مهم أن داعية الابتداع (الذي جاء بعد ما يربو على تسعة قرون) كان يمضى مع الموجة الصاعدة للنهضة والترقي. وكان تضاده مع (الشيخ التقليدي) الآفل هو الوجه الآخر لتآلفه (أو تحالفه) مع نموذج الأفندي التنويري، من حيث الأهداف العامة التي جمعتهما حول أحلام النهضة: الحرية والعدل والتقدم.)، هوامش على دفتر التنوير، ص ١٧٧.
إن السياقات التي يضع فيها الباحث نماذج المشايخ والأفندية رغم فرديتها تشير إلى الشرائح أو الفئات، المنبثقة من الفئات الوسطى. فهنا اتجاهان ينبثقان من هذه الفئات: الاتجاه الديني والاتجاه اللاديني أو العلماني.
والاتجاه الدينى يقوم بتطوير مصطلحاته الدينية وشحنها بالتحديث المعاصر، باحثاً عن توجه فكري قديم يتأصل من خلاله، فيرى الاعتزال أقرب إلى محاولاته للجمع بين الدين والحداثة، حيث عُرف المعتزلة بجعل العقل معياراً لفهم الفص الديني والحياة.
أما الاتجاه التحديثي العلماني بأسمائه السابقة الذكر وغيرها، فهو يغرف من معين واضح ومبهر في العصر، وهو الغرب نفسه، ولكن لا يرى تضاداً مطلقاً حينئذٍ مع الاتجاه الإصلاحي الديني، رغم السجالات الكبيرة والهامه بين الجانبين، والتي اتسمت بالاحترام المتبادل.
وإذا قمنا بوضع الفئتين في سياقهما الاجتماعي، فكذلك لابد من وضعهما في سياقهما السياسي. فهذه الشرائح المنبثقة من الأعمال الحرة أو من بدايات التوظف في المؤسسات الحكومية، تعيش العصر الانتقالي بين تفكك الدولة العثمانية ونشوء الأنظمة التابعة والمستعمرة.
إن الطابع الفردي الحر لرجل مثل فرح أنطون يشكل مؤسسة صحفية خاصة، أو كالشيخ محمد عبده الرجل المستقل والثائروالذي يعود من منفاه لكي يعمل كمفتى، إن هذا الطابع الفردي غير المرتبط بمؤسسات سياسية واجتماعية مهيمنة إلى حد ما، يجعل لمناخ الفئات الوسطي المتفتحة في ذلك الزمن الانتقالي رموزاً استقلالية مناضلة واسعة الأفق.
فالماضي والراهن الإقطاعي للدولة العثمانية المتفسخة، والحداثة التي تلوح في الغرب كشمس مضيئة للسفينة العربية الإسلامية الغارقة في الظلمات، لا يتضادان بصورة حادة، وثمة آمال هنا بأن الدول العربية الإسلامية ستتجه للتقدم والحداثة، ومن المهم النقل من الغرب المتقدم، وعدم إهمال التراث والأصول المضيئة، معاً.
في هذا الزمن الانتقالي كانت المدن العربية تشهد فترة نهوض أو بداية تحول، وكان إلغاء الإقطاع الحكومي للأرض الزراعية علامة أخرى للتطور الاقتصادي. وفي زمن الاحتلالات في بعض الدول العربية تأكد في البداية مسار النمو هذا، مع انتشار المؤسسات الاقتصادية الخاصة.
إن كل هذا قد أنعش الفئات الوسطى وأدى نمو المدن وبعض الحريات السياسية والفكرية والاجتماعية، إلى الاعتقاد بأن المطابقة بين الدول المتخلفة المستعمرة والدول المتقدمة الاستعمارية أمر ممكن.
في مثل هذا الزمن التوسعي للفئات الوسطى ونمو المدن واستقرار العلاقات الزراعية، وعدم حراك الأبنية الإقطاعية العربية، كان من المعكن نشوء التعاون بين المشايخ المجددين والأفندية المتنورين، ولكن إلى حين.
إن الوعي التوافقي والتحديثي بين المشايخ المجددين والتنويريين الذي جمع الفريقين في الزمن الانتقالي بين تفكك الدولة العثمانية ونشوء الأنظمة الوطنية التابعة، يعبر عن تعاون شرائح من الفئات الوسطى الحديثة، لوضع القواعد الفكرية السياسية للتحرر الوطني القومي والديني.
إن نشوء التضاد بين البلدان التابعة والاستعمارية قد جعل الفئات الوسطى تبدأ بقيادة عمليات التحرر المختلفة، وكانت بحاجة لتجميع مختلف فئات السكان المسلمين بمذاهبهم المختلفة، وغير المسلمين، الأمر الذي جعل مثل الأفغاني يطرح وحدة أديان المنطقة، ودعك من مذاهبها.
إن (الإصلاح) الاستعماري الأول بعد الحرب العالمية الأولى، قد وضع بعض أسس التطور الرأسمالي الحديث، دون أن يزيل الهياكل الاقطاعدة، سواء في المستوى السياسي عبر إزاحة أسر الأشراف، والقوى المذهبية المسيطرة على إنتاج الدين وتداوله، أو الهياكل الإقطاعية على مستوى الحياة الاجتماعية كهيمنة الذكور المطلقة على النساء ونتائجه، أو على المستوى الثقافي بسيطرة الأبنية الخرافية والأمية والعاميات على الوعي.
إن (الإصلاح) الاستعماري الأول تركز على تنمية راسمالية التبعية لتحسين شروط تصدير المواد الخام وتوسيع السوق المحلية لبضائع المتروبول، وبهذا فإن الدول العربية التابعة كان عليها أن تعانى من جانبين: مشكلات الأقطاع والتخلف القديم؛ حيث تتوجه أسر الأشراف إلى تبذير المال العام، الناتج من ملكيتها السياسية المشتركة لجهاز الدولة، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يكون إلا بشكل مذهبي، أي عبر غطاء المذهب الديني السائدة الأمر الذي يؤدي إلى تنامي المذهب الديني المغاير، أو الدين المختلف، وبهذا فإن الإصلاح الاستعماري الأول غير علمانى، أي يقوم بتنشيط آلية العلاقات المذهبية / الأقطاغية.
وهكذا فإن شرائح الفئات الوسطى الحديثه الليبرالية، سواء في الوعي الديني، أو في الوعي الرأسمالي الغربي، تجد فضاءً اجتماعياً فكرياً مشتراكاً، عبر توسيع دوائر الحرية واحترام الدور الإنساني للأديان، وهو أمر يتشكل يرؤى مجردة، ولهذا سنجد لدى فرح انطون تلك الطوباوية الحالمة التي اقتطف منها جابر عصفور فقرة مطولة في روايته نشيد أورشليم متخيلاً نفسه مسيحاً جديداً علمانياً، ومنها:
أرى الشعب يرتقي باختراع الآلة الميكانيكية لأن المصنوعات لا غنى لها عنه وعنها فيصير شريكاً لصاحب العمل فيها، وبذلك ترتقي طبقه وتملأ الهاوية بينه وبين سيده صاحب العمل. أرى العمال الضعفاء يصيرون قادة الممالك بالانتخاب العمومى وتقديس الإنسانية.. أرى ملاجئ الشيوخ والمرضى .. وأكابر الأمم يتفاخرون بزيارتها وصنع الخير فيها… مرجع السابق، ص 153، 154.
أما الإمام محمد عبده فهو يدعو للتقريب بين الأديان قائلاً:
وإنما التقريب الممكن في هذا الزمان، زمان العلم والفلسفة، قائم بأن يحترم كل فريق رأي غيره ومعتقده، لأن الحقائق والفضائل غير خاصة بفريق دون فريق.. مرجع نفسه، ص ١٥٢.
إن هذه الكلمات الطيبة لم تستطع أن تزدهر على المدى الطويل، فهى عمليات نسخ من التجربة الأوربية ذات المسار المميز، الخاص بمعاركه وطرق تطوره، أي انها عمليات تنوير جاءت بعد عشرة قرون من تطور البرجوازيات الصناعية
العلمانية الغربية، في حين ان الفئات الوسطى العربية الإسلامية المسيحية كانت لاتزال ذيلية بلإقطاع السياسي والديني و(الاستعماري) المذهبي، أي لم تكوّن مصنعها الخاص ومعملها المغير للتخلف. وحتى المصانع والمعامل ستوضع تحت هيمنة القصور والرقابتين الشرقية والغربية الأقطاييتين.
إن أقساماً من الفئات الوسطى المتنورة هذه شقت الطريق لعمليات التحرر الوطنى، دون أن تقدرعلى طرح البديل الديمقراطي الواسع والعميق للأنظمه التقليدية، واكتفت بالمجرى المحدود الذي أتاحته لها قوى الإقطاع؛ وهكذا نجد في رؤية فرح أنطون السابقة وعياً دينياً مثالياً، فهو يغدو راهباً حالماً، بأن تتحقق الجنة الاجتماعية بمجرد الحلم والدعوة، لا أن يقوم بتحليل الشبكات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية للتخلف، ويضع برنامجاً نضالياً لتغييرها.
وفى الوقت الذي يقوم الإمام محمد عبده بالدعوة للإخاء والمساواة الدينية، ويغير الأشكال المتطرفة من الجمود الديني، لكنه يرفض أن يتحول إلى لوثر الشرق الإسلامي. أي داعية للفصل بين الدين والدولة.
وعدم الفصل هذا راجع لعدم رؤيته للفروق بين الثورة المحمدية التأسيسية وبين سيطرة الإقطاع على الإسلام، وبالتالي فإن إصلاحاته بقيت فى شباك الإقطاع المذهبي.
إن العلمانية المستندة إلى نضال المسلمين، كان لابد أن ترتكز كذلك على تحرير الفلاحين والنساء والدين من هيمنة الأقطاع.
وكما رأينا فإن طبقة الأفندية كما يتفضل جابرعصفور بتوصيفها، هي فئات وسطى مشدودة بألف حبل للإقطاع الشرقي والغربي، أي مع الإقطاع المذهبي ومع الهيمنة الاستعمارية، وكي تتحرر كان لابد أن تكون ملكيتها الاقتصادية والفكرية مُحررة من نفوذ الطبقة المسيطرة.
وبعدم فعلها ذلك، أي بعدم قدرتها على إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية، وبعدم قدرة التاجرالنهضوي الحديث على ان يمد يده لتحرير بلال وعمار بن ياسر من سيطرة الملأ الحديث، أي بعدم قدرته على التجييش الديمقراطى للعامة عبر تنفيذ الإصلاحات لها، وبالتالي انخراطها فى النضال لهزيمة الملأ ، أمكن للقوى اللاديمقراطية والشمولية أن تنتصر.
إن علينا أن نرى هذا الديالكتيك المركب للتاريخ: إن تحرر الفئات الوسطى العربية من شباك الإقطاع، يعني تشكلها كطبقة قادرة على تشكيل المجتمع الديمقراطي الحديث، الذي لا يكون إلا بالنضال في المواد التراثية والواقعية المعاصرة في كل بلد عربي، وعلى مستوى الأمة، وسواء في زمن الإصلاح الاستعماري الأول بعد الحرب العالمية الأولى، أم في زمن (الإصلاح) الاستعماري الثاني الراهن.
ولا شك ان خبرة سياسية وفكرية ثمينة تحققت بين (الإصلاحين)، فاذا كان الإصلاح الأول بريطانياً فرنسياً، وبأشكالب الإمبريالية القديمة، فإن (الإصلاح) الراهن هو أمريكي بحت، ولم تعد الرأسماليه المهيمنة عالمياً معتمدة على جلب المواد الخام بشكل كلي، أو على شق مجارٍ محدودة للعمليات الرأسمالية، لقد تغير الموقف كثيراً. وأدى سقوط رأسماليات الدولة القوميه في العالم الاشتراكي والثالث إلى نشوء رأسمالية العولمة الكونية، حيث السيطرة الاقتصادية والسياسية لدى الرأسماليات المتطورة.
وقد كانت الخبرة العربية على مدى العقود الماضية هي تشكيل رأسماليات دولة دكتاتورية، وقد أدت هذه العملية إلى إفراغ الخزائن الحكومية من المال العام، الذي انهال على البيروقراطيات السياسية والاقتصادية التي هي الشكل المستمر للإقطاع السياسي السابق.
إن الفئات الوسطى العسكرية والسياسية المتشددة التي استلمت الحكم في الأقطار العربية الشمالية، قضت على المسار الليبرالي الديمقراطي وإمكانيات التحول اليساري معاً. وبهذا أصبح الغزو الغربي علامة جديدة على إخفاق العالم العربي في الدخول إلى العالم الرأسمالي الحديث. لكنها علامة خطيرة تتجه للتدخل المباشر في كيانات الدول (المستقلة)، الأمر الذي يمكن أن نسميه (الإصلاح) الاستعماري الثاني.
وهذا الإصلاح هو رسملة إجبارية للعالم العربي، اي توسيع جديد للعلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الرأسمالية، وهو كذلك توسيع لأسواق الدول الغازية، بدرجة أولى، لكن إلي أي مدى يحقق الثورة الديمقراطية الوطنية العربية ؟
ومن المؤكد ان (الإصلاح) الاستعماري سوف يثير من البلبلة الفكرية والاضطراب السياسى الكثير في الوعي العربي، وحتى الان فإن (الإصلاح) الأمريكي قد حقق مهمة كبيرة بإزاحة نظام صدام حسين الدموي؛ ولكن تبقى الإصلاحات السياسية بالتعددية والعلمانية والتطور الاقتصادي مبهمه، ولكن الحفاظ على القسمات التحديثية العصرية من قبل القوى الوطنية العراقية تبقى ضرورية وأساسية مع إزالة الاحتلال الأمريكى على مدى السنوات القادمة.
لقد أصبحت قسمات الحداثة عملية إجبارية في التطور العالمي الراهن، فى رأسمالية العولمة الكونية، لكن لا بد للقوى الحديثة العربية التقدمية ان تأخذها باعتبارها إزاحة للأبنية الإقطاعية المذهبية المفرقة للعرب والمسلمين وبضرورة تشغيل رأسماليات عربية حديثة متآزرة وديمقراطية وعلمانية.
وهذا لا يتناقض مع الحفاظ علي جذور المجتمعات العربية الإسلامية المسيحية، بل ان هذا سوف يفتح أفاقاً جديدة لتطورها الديني والاجتماعي عموماً.

أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ ! 

سر التعويذة

لا تختلف الأفلام الغربية الخرافية كثيراً عن ثقافة الشرق السحرية، فكلتاهما تصنعان البطل الخارق، الذي يساعده طقسٌ ما، أو تعويذة، أو قوةٌ قادمة من الفضاء، لكي يقوم بافعاله العجيبة، ويقدم للبشر الأعمال الفذة والبطولات.
هذا البطل الفرد الخارق هو من صناعة الوعي الإنساني التالي له، حيث يهيل عليه الحكايات الفذة، ويطهرهُ من كل دنس، ويجعل بطولته بلا أسباب اجتماعية أو طبيعية. وفي العصر الحديث تأسس العلم التاريخي الذي يبحث أفكار الشعوب وعاداتها، للعثور على فعل هذه الشعوب في صنع أبطالها وجعلهم مثالاً وأيضاً قيوداً لحركتها المعاصرة.
تبدأ الحكاية من البنت التي تعثر على سمكة فتقوم السمكة بتلبية أحلامها، أو حين تساعد القوى الخارقة الطفل اليتيم على التطور والانتصار على أعدائه، أو حين يُلهم الجن البطل باكتشاف النار وتقديمها للجماعة.. الخ.
وقد كانت القوى المستغلة والمستفيدة من تاريخ البطل الأسطوري هي التي تواصل قطع شرايين حياة البطل عن الظروف حوله، وتصويرها بأشكال خارقة أسطورية، وكأن الفعل الإيجابي لا يمكن أن يتحقق ثانية، إلا من خلال إرادتها، وعبر الرسوم المدفوعة لها.
وقد كان شكل الوعي الإنساني يتم بهذه الصورة منذ أن اكتشف الإنسان النار، حتى قيام صناعة الأفلام في هوليوود. فكل تاريخ الإنسان مشكلات وحلول، والمشكلات تتأسس بسبب ظروف الإنسان الصعبة، المتعددة الأشكال، وتؤدي هذه المشكلات إلى الكثير من النزيف والخسائر وأيضاً فإنها تصنع الأحلام لتجاوزها والحلول للتغلب عليها، ولهذا يظهر بضعة أفراد تتراكم في وعيهم هذه المشكلات، وتصبح جزءا من حياتهم، فيفكرون فيها ليلاً ونهاراً، ويحاولون ابتكار الحلول لها، إما أن تكون طيراناً بأجنحة ملصوقة بالشمع، وإما أن تكون استخداماً للآلة وتكييفها لكي تحمل الإنسان في الفضاء.
إن الإنسان الخارق هو إنسان عادي قام بتحريك وعيه وإرادته لكي يغيرا صعوبات معينة يواجهها الناس، وبفضل هذا الإنسان واستيعابه للظروف وللقوى البشرية حوله وكفاءته في قيادتها واستثمارها وتطويرها، يفلح في اختراق الظروف الصعبة التي بدت لمعاصريه أنها مستحيلة التغيير، وحين يموت هذا الإنسان يحوله اتباعه والمستفيدون منه إلى إنسان خارق. فيقومون بقطع عملية التراكم الحقيقية التي تمت في تاريخه، والمجاهدات الكبيرة التي فعلها ليكتشف الواقع، والثغرات التي من الممكن أن ينفذ منها لتغييره، فيغدو البطل الذي اكتشف النار عند الإغريق الإله بروميثيوس سارق النار ومقدمها للبشر، الذي قامت الآلهة بمعاقبته وربطه في صخرة لتنهش الطيور أحشاءه.
في حين أن عملية اكتشاف النار تمت من خلال ملايين الأفعال البشرية العادية وهي تراقب الصواعق، وهي تضرب الأحجار، وهي تحك الأعواد من أجل خلق شرارة تنمو في أوراق يابسة.
لكن كيف تحول هذا المخلوق الشعبي الواسع العديم الأسماء، إلى بروميثيوس، البطل الخارق، وكيف تم تجاهل الملايين ورفع الفرد الخارق إلى مصاف المعبودات، فإن هذا هو فعل الثقافة السحرية الشعبوية نفسها، حين تلغي جهودها وتاريخها، وتضع بدلاً منها رموزاً مشبعة بكل تاريخها الخفي.
وفي حين اعتادت الثقافة الفلكلورية الشعبوية هذه وضع الزيوت في هذه القناديل، وتزويق الأبطال الخارقين، وتصنيف المؤلفات حول خوارقهم، تقوم الثقافة الحديثة على اكتشاف بطولاتهم الحقيقية، ورؤية مسار التفكير الشعبي الخارق الذي قيد نفسه بنفسه، وتحريره بهذا واطلاق قدراته لخلق بطولات جديدة تحت ضوء الوعي والفعل الجماعي.

أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ ! 

رفعت السعيد والسرد السياسي

أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ ! 

زكريا إبراهيم : الاستيراد الفكري

  • يتيح ثبت المصادر الذي ذيله الدكتور زكريا إبراهيم بكتابه المذكور إعلاه إن معظم كتب برجسون الرئيسية تمت ترجمتها إلى اللغة العربية، كذلك كُتبت أبحاثٌ عديدة عنه.
    (1) : ( برجسون ، زكريا إبراهيم ، دار المعارف ، سلسلة نوابغ الفكر الغربي 3 ، مصر ) .
    (2) : ( المصدر السابق ، ص 11 ) .
    (3) : ( يتيح ثبت المصادر الذي ذيله الدكتور زكريا إبراهيم بكتابه معرفة أن معظم كتب برجسون الرئيسية تمت ترجمتها إلى اللغة العربية كذلك كتبت أبحاثٌ عديدة عنه ) .
    (4) : ( المصدر السابق ، ص 11 ) .
    (5) : ( المصدر السابق ، ص 13 ) .
    (6) : ( المصدر السابق ، ص 28 – 29 ) .
    (7) : ( المصدر السابق ، 35 ) .
    (8) : ( المصدر السابق ، 41 ) .
    (9) : ( المصدر السابق ، 37 ) .
    (10) : ( المصدر السابق ، 36 ) .
    (11) : ( المصدر السابق ، 39 ) .
    ( 12) : ( المصدر السابق ، 40 ) .
    (13) : ( المصدر السابق ، 60 ) .
    (14) : ( المصدر السابق ، 91 – 92 ) .
    (15) : ( المصدر السابق ، 190 ) .
    (16) : ( المصدر السابق ، 191 ) .
أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ ! 

الرأسمالية البدوية

أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ ! 

الرأسمالية الصحراوية

الذكورةُ والصحراءُ

تنوير سلامة موسى

أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ ! 

تداخل الهتلرية والستالينية

أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ ! 

الرقص ودلالاته الاجتماعية

حين ظهرت الأديان السماوية في المشرق العربي اضطرت وهي تواجه الثقافة الوثنية بفنونها الكثيرة، المتداخلة مع عبادة الأوثان، والمُفككة للمجتمعات، أن ترفض الثقافة القديمة بجملتها، متوجهة نحو عوالم جديدة من التطور الاجتماعي والثقافي.
ولهذا ظهر رجل الدين كإنسان بعيد عن الرقص والفنون عامة، خلافاً لرجال الدين في الكثيرمن الحضارات، التي تمازج الفن فيها مع الدين.
وعلى الرغم من انتهاء الوثنية وطقوسها وعباداتها، فإن الحذر من الفنون ظل مهيمناً على الوعي الديني الصارم، الذي اخذ يتمسك بالأشكال المقطوعة عن سياقها وأسبابها.
لم تعد الفنون بعد تجذر الأديان السماوية في المشرق وفي العالم مبعثاً للخوف، أو للارتداد إلى الوثنية، ولهذا فإن الكثير من المتدينين والمسلمين عادوا إلى الفنون، وإلى الرقص تحديداً، لأنه فن جماهيري جميل ومفيد صحياً.
وقد تداخلت الفنون حتى مع ظهور الأسلام وانتشاره خاصة في الاحتفالات الجماهيرية في الهجرة وبالمولد النبوي والفتوحات والإسراء والمعراج.
إن الفنون الشعبية الإسلامية فيها الكثيرمن فنون الرقص الفردي والجماعي، وهي كلها فنون لها دورها في تقوية العلاقات بين الجمهور، وتكريس احتفالاته الزراعية والعسكرية والإنتاجية والاجتماعية المختلفة.
وهناك صورة سيئة للرقص هي ما يعرف بالرقص الشرقي الذي تقوم به الراقصات وهو رقص ظهر في القصور لتسليه الحكام والأغنياء وتأجيج شهواتهم، حيث يُظهر المرأة بصورة قبيحة، وهولا علاقة له بالرقص الحقيقي، ولكنه دائما يُتخذ كأنه الرقص الوحيد لدى العرب! وقد تحول إلى ظاهرة حين استغله أصحاب الحانات والمراقص لجذب الرجال المسلمين المتعطشين والمحرومين لأي مظهر جنسي.
إن انفصال الفنون عن الاختلاط وعن المشاركة الجماعية والفرح قد فتح الباب لهذا المظهر الوضيع من الرقص ومن العرض المبتذل. بعكس الغرب أو بقية المناطق، حيث استمر الاختلاط والرقص الشعبي الجميل والظاهرات الحضارية، وغاب لديهم الرقص الشرقي العربي حيث تقوم الراقصات باستعراض لحمهن!
وتطورالرقص في الغرب على ضوء هذا النمو الحضاري ليتحول إلى فنون الاستعراض المختلفة، كالأوبرا والمسرحيات الغنائية، وهنا نجد الأجسام وأحياناً شبه العارية ولكنها تتحول الى شموع مقدسة، وإلى شعر بشري مجسد، وإلى ذروة من الأخلاق والسمو بعرض الحكايات والقصائد والملاحم المتضافرة والموسيقى السيمفونية الراقية، وهنا على العكس لا يغدو الجسد الراقص إلا سبيلا للتطور الأخلاقى!
ليس للرقص معانيه الجمالية الرفيعة فحسب بل هو أيضاً وسيلة للتربية والعلاج النفسي، وكثير من عقد العرب الاجتماعية والنفسية ناتجة من عدم المشاركة في الرقص، وتغييب الاحتفالات الفرحة، بزيادة السعرات الحرارية في الجسم وتراكم الشحوم والضغوط والعقد النفسية وهيمنة الذكورية من جانب أوالأنوثة من جانب آخر، وعدم وجود الكهرباء الاجتماعية الخلاقة التي تصهر المجموع وتزيل الكثير من الحواجز و السرطانات الفكرية من داخله.
وهذه التربية المعادية للفتون الراقية هي التي جعلت العديد من العرب والمسلمين أثناء زياراتهم للغرب أو الشرق، يتوجهون لعلب الليل غير الصحية، وأماكن العروض المبتذلة، ويتركون المتاحف والمسارح الراقية والمراقص الفنية الجميلة!