هكذا دون مقدمات طويلة. قضى -رحمه الله- قلماً شامخا ومناضلا شريفا، وكتابا مفتوحا لا ينتهي، سقط شهيدا، تشفع له لائحة الأماني وخارطة الأحلام التي نجح في حفرها في الأرض، من أجل الإنسان والوطن.
مضى منفردا عطشاناً، لم ينه ما في جعبته، مقاطعا عالم الكتابة المليء بالدجل والتزوير والأكاذيب والتزلف والأمجاد المستعارة مضى دون أن يعثر على النبع الصافي. إلا أنه وجد «هجعته» الأخيرة في ثلاجة الموت القصية: أهكذا الرحيل، أهكذا تكون الغيبة يا عبدالله؟!! طائرا مجروحا، في الليل يطلق الصرخات، يعذبه أن العيش حيث يستحيل الفكر محض تراب، إنه الموت الحقير، خلاص من عذاب الألم الذي لم يقعده عن الكتابة إلى آخر لحظة قبل أن يقضي واقفا.
لم يحزنني الخبر، بل أصابني بالشلل ليوم كامل…هذا الرجل الهارب كقبض الريح، بالأمس كان يحلم ويرسم آفاقا جديدة للبلد وللإنسان: يقاتل على جبهة الحرية والعدالة دون ادعاء أو تزييف للوعي، لم ينهزم أبدا في معركة المبادئ والحرية، ولكن هزمه الألم، فقضي في معركة الموت الجبانة…
كان يبحث عن بوابة البحر الأخيرة فلا يجدها، يركض، وبأظافره ينبش بحثاً عن لحظة إبداع نظيفة، يرجع كل ليلة خائباً يذكر بسيزيف الذي يحمل الصخرة قدراً، ولكنه لا يستسلم للعبة المحتومة، مثقل الجفون مضى، جسداً لم يستنفد شهوته الأخيرة، مغروسا في تراب البلد وناسه، يتأبط قدره المحتوم، ويبحث عن قبلة أوجاع أخيرة، مضى عقوداً من الخيبات العربية وخواتيم أحزان وآلام، يجري. يرميه الميناء إلى الميناء، والخيبة إلى الخيبة، لكنه لا يستسلم أبدا حتى أمام الألم والموت اللعينين، يقاتل ويستمر في كتابة مقاله اليومي وهو على فراش الموت (هكذا يكون القتال يا عبد الله)!
لقد علمتنا كيف نكون أو لا نكون، وكيف يكون الفقر غنى، والتعفف شرفا، والصدق مع النفس ومع الاخرين قاعدة الحياة الأولى والأخيرة!
كنت ترسم بقلمك الجريء رؤى الأيام القادمة، لم تكن من الحالمين بهدأة مريحة، بمحطة أكثر هدوءا لأنك اخترت ان تقاتل، أن تظل الى آخر لحظة في جبهة مقاومة الكذب والتزييف والتجارة البائرة بالفكر، رفضت مهادنة التخلف والرجعية أو التحالف مع الطائفية، اخترت أن تكون مع الحرية ومع العدالة ومع إنسانية الانسان، «أجندتك» الأخيرة، لا تبحث عن أي نوع من المكاسب أو المطامع خارج فعل الكتابة الحرة.
عندما عرفته أول مرة في خريف 1987م في أسرة الأدباء والكتاب، بدا لي وقتها وكأنني أعرفه منذ ثلاثين عاماً، لم اشعر في أي لحظة أو في أي كلمة باي نوع من الغربة أو الصلف او الادعاء، رجل إنساني الأفق والاشواق، فأحببته، وفي أخبار الخليج، محطته الأخيرة عملت معه خمس سنوات في تحرير وإعداد الملحق الثقافي الأسبوعي في تسعينيات القرن الماضي (16 صفحة ملونة) أيام كان للثقافة بعض الشأن، وبعض المكانة في الصحافة اليومية، كنا نرسم أحلام المثقف وهمومه وكانت المواد الثقافية ملتصقة بالمثقف البحريني وهمومه الحقيقية وإبداعه الحقيقي، وكان عبدالله لا يجامل في الابداع والنشر، لأنه يكره التزييف والمزيفين واشباه المثقفين…
واذكر أني سألته في بعض حواراتي معه: لماذا تصاب الثقافة المحلية بالانتكاسة وتدخل منطقة الظل والتهميش؟ فرد دون تردد: لقد كانت قصصنا واشعارنا تقرأ في الندوات، ويحدث حوار مفتوح حولها، وأحياناً بدون أي إعداد مسبق، والنقاش يفيض والكاتب يحس أنه جزء من حياة بشر يقرأون، وليس حاله مثل اليوم، يضاجع الأوراق فحسب، وهي لا تلد سوى الصمت.
وكان رؤساء التحرير، من أمثال محمود المردي وعلي سيار وعبد الله المدني، أناسا مثقفين وأدباء حقيقيين، يتذوقون الكتابة الابداعية ولهم مشاركات فيها. وكانت تحدث حوارات مع الكتاب يشارك فيها رؤساء التحرير مما كان يدعوننا للوضوح وصياغة ابداعنا بصورة أفضل، أكثر تماسكاً وعدم التركيز دائماً على السياسة.
لقد كانت أسرة الأدباء والكتاب منفتحة، تعددية، ذات مناخ ديمقراطي، وليس ثمة أي قطب يذوب فيه كل الأقطاب الأخرى، أو شلة تستولي على النشر وترتيب الندوات، كنا أشبه بالجوالين والكشافة، ننتقل من ناد إلى ناد، ومن أمسية إلى ندوة، ونتحاور بقسوة أحياناً، ونكتب بضراوة وكثرة، على مختلف الجبهات والصفحات.
لم يكن الهدف من الكتابة الحصول على نقود أو شهرة بإحداث الفعل الثقافي التنويري. وكانت الندوات العامة التي تحدث في قاعات الأندية، مليئة بجمهور المعرفة. حيث كان الكتاب والصحفية والندوة هي وسائل الإعلام القوية.
لكن كل هذا تغير اليوم، وتغير المناخ الثقافي، عبر حدوث التغيرات الاقتصادية الاجتماعية الكبيرة. فالمدن لم تعد لنا، صارت مليئة بالأجانب وعزلت الأندية عن دورها الثقافي، وصارت محتكرة من قبل إدارات من الوجهاء والأميين ولا يقودها الأدباء والمفكرون. عزلوها عن مناخها الفكري، وركزوا على الرياضية محاولين جعل الشباب بلا خليفة ثقافية. ومع ذلك لم ينجحوا لا في الرياضة ولا في أي شيء آخر.
لقد كانت قوة الثقافة الوطنية (مخترقة) على كافة الجبهات. لقد كان العدو يطلع من بين صفوفنا فظهرت نغمة (الشكلانية) الفارغة، ودعت الكتاب للتخلي عن (الكلمة من أجل الإنسان) وصار الغموض لغة تفجيرية تؤدي إلى عزل الشكل عن المضمون، وعزل الكاتب عن المجتمع، وتؤدي إلى الغرق في متاهات تجريدية ولغزية تدمر الأدب من الداخل. ولذلك فقدنا كتاباً كثيرين بسبب هذه الطريقة، لأن مبادئ الوعي المضيء والوطني، واعتبار الكاتب قوة تغيير روحية في المجتمع، ضاعت، وتحول الكاتب إلى شخص مهووس بذاته، تشرخه أحلام جنون العظمة والتعملق الفارغ.
ومشكلات الحياة الحادة المتفجرة، أدت هي الأخرى إلى بؤس الكتاب والمثقفين، ولهذا فإن الواقع الفكري تهشم وتقزم، والحياة الثقافية التي كانت تندفع مثل القطار في السابق أصبحت مثل سيارة مثقوبة الإطارات، ومع ذلك فإن سائقها ظل يحاول السير بها بين الرمال والحصى!
كانت تلك ومضة واحدة من ومضات أفكرا ورؤى الراحل الجميل، وقد قدر لي ان اجمع بعضها في كتاب تحت الطبع بعنوان (مساءلات في الثقافة البحرينية) أرجو أن يرى النور قريبا ويتضمن إضاءات عن تجربة عبدالله الإبداعية.
مرآة البحرين (خاص): توفي اليوم (الاثنين 21 أكتوبر/ تشرين الأول 2014) الكاتب والروائي البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة، بعد صراع مع مرض السرطان عن عمر ناهز الـ 66 عاما، أصدر خلالها أكثر من 58 مؤلفا ما بين قصة ورواية. ولد في العام 1948 في القضيبية بالعاصمة المنامة، ودرس في مدرستها الابتدائية، بعدها درس في مدرسة المنامة وهناك برز خليفة كناشط طلابي مهتم بالقضايا الوطنية. قاد في مارس/ آذار 1965 مع مجموعة من رفاقه انتفاضة مارس التي شقت طريقها نحو مدرسة المنامة الثانوية للبنين، وخرجت أمواج بشرية تندد بسياسات الاستعمار البريطاني في البحرين، قبل أن تعتدي عليهم قوات المرتزقة. في العام 1966 تعرف خليفة على مجموعة في جبهة التحرير البحرانية، وانضم بعد نقاشات واسعة إلى خلايا تنتمي إلى منطقة القضيبية والحورة ورأس الرمان والفاضل والعوضية. بدأت السلطات في العام نفسه وحتى العام 1968 أكبر هجمة أمنية على خلايا الجبهة وكوادرها، ومنها صعد إلى اللجنة القيادية للجبهة البحرانية وكان طالبا في الثانوية ثم في معهد المعلمين. في العام 1975، وبعد سنوات من التحاقه بسلك التعليم كتب عبـــــــدالله خلــــــــيفة في تحقيق لأحد الصحافيين عن مساوئ التعليم، وأطلق على التعليم في البحرين مصطلح “التعليم الاستعماري”. كانت الحكومة تفتعل المزيد من الأزمات السياسية والاجتماعية لحل البرلمان، فطلبت من خليفة ورفاقه الاعتذار عن ما جاء على لسانهم، الأمر الذي رفضوه ما دفعها لإقالتهم جميعا. قبل أن يعرف بنفسه على مستوى الكتابة، نشر خليفة العديد من المقالات والقصص القصيرة بأسماء مستعارة، وفي ذات السنة (1975) التي تم فصله فيها من التدريس غادر إلى الجزائر للمشاركة في موتمر الأدباء والكتاب العرب. اعتقلته السلطات بعد عودته من الجزائر، وبعد أن قامت بمداهمة منزله والعبث بمحتوياته عمدت إلى حرق مكتبته المكونة من نحو 3 آلاف كتاب أمام عينه، وتم سجنه لست سنوات قضاها بين عسكر وجو وجزيرة جدة. كان أحد المؤسسين لأسرة الأدباء، وبقي يميل إلى الحراك الثقافي والأدبي والكتابة بعد الإفراج عنه في العام 1981، وبعد أن تحول النظام لملاحقة الإسلاميين الشيعة بعد الثورة الإسلامية في إيران. على الرغم من موقفه المعارض لثورة 14 فبراير إلا أن خليفة احتفظ بانتقادتها الحادة لعائلة آل خليفة، وقد منعته أخبار الخليج يونيو/ حزيران 2014 من الكتابة قبل أن يعاود بعد أسبوعين بسبب مقال هاجم فيه العائلة الحاكمة. وقال خليفة في المقال الذي منعته أخبار الخليج من النشر “البحرين متصدعة بين دولة القبيلة ودولة الناس المقموعة”. وأضاف “تزداد قبيلة آل خليفة عنفاً وبذخاً بسبب تاريخها العنيف. فبخلاف الكويت التي أقام شيوخ آل صباح علاقة وطيدة مع فئة التجار عاشت آل خليفة على العنف وسلب الفلاحين والغواصين فلا تصنع طواقم سياسية حكيمة كما أن ازديادها العددي وشهوة الاستيلاء على الأملاك العامة يدفعها للمزيد من الفوضى السياسية والاقتصادية”.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝖆𝖚𝖙𝖍𝖔𝖗 𝖔𝖋 𝖘𝖙𝖔𝖗𝖎𝖊𝖘 𝖆𝖓𝖉 𝖓𝖔𝖛𝖊𝖑𝖘
1/3/1948 | 21/10/2014
◈ من مواليد القضيبية ــ البحرين .
◈ خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1975.
◈ اعتقل من سنة 1975 إلى 1981.
◈ عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثـقافية في الصحف البحرينية والخليجية ، ونشر في العديد من الدوريات العربية .
◈ عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا .
◈ ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب ، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين ، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002 ، ببحث تحت عنوان (التضامن الكفاحي بين المسلمين)، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003 ، وببحث تحت عنوان (المثقف العربي بين الحرية والاستبداد ) وذلك باتحاد الكتاب المصريين . والعديد من المؤتمرات الادبية العربية .
◈ منذ سنة 1966 مارس عبدالله خليفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج ، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها : مقالة ، ودراسة ، وقصة ، ونقد .
◈ لكن في السنوات الأولى حظيت القصة القصيرة بشكل خاص بهذا النتاج ، وقد نشر عشرات القصص القصيرة في سنوات (1966 – 1975 ) في المجلات والصحف البحرينية خاصة ، ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة .
ونتاجه الأدبي والفكري يتنوع على النحو التالي :
▣ القصص القصيرة ✗
1 ــ لحن الشتاء (قصص)، دار الغد، المنامة/ البحرين، 1975.
❖ (القصص: الغرباء ـــ الملك ـــ هكذا تكلم عبدالمولي ـــ الكلاب ـــ اغتيال ـــ حامل البرق ـــ الملاذ ـــ السندباد ـــ لحن الشتاء ـــ الوحل ـــ نجمة الخليج ـــ الطائر ـــ القبر الكبير ـــ الصدى ـــ العين).
2 ــ الرمل والياسمين (قصص)، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1982.
❖ (القصص: الفتاة والأمير ـــ علي بابا واللصوص ـــ شجرة الياسمين ـــ العوسج – الوجه ـــ الأرض والسماء ـــ المصباح ـــ نزهة ـــ الصورة ـــ اللقاء ـــ لعبة الرمل ـــ الأحجار ـــ العرائس ـــ الماء والدخان).
❖ (القصص: طريق النبع ـــ الأصنام ـــ الليل والنهار ـــ الأميرة والصعلوك ـــ الترانيم ـــ دهشة الساحر ـــ الصحراء ـــ الجبل البعيد ـــ الأحفاد ـــ نجمة الصباح).
6 ــ جنون النخيل (قصص)، دار شرقيات، القاهرة 1998.
❖ (القصص: بعد الانفجار ــ الموت لأكثر من مرة واحدة! ــ الأخوان ــ شهوة الدم ــ ياقوت ــ جنون النخيل ــ النوارس تغادر المدينة ــ رجب وأمينة ــ عند التلال ــ الأم والموت ــ النفق ــ ميلاد) .
7 ــ سيد الضريح (قصص)، وكالة الصحافة العربية، القاهرة، 2003.
❖ (القصص: طائران فوق عرش النار ـــ وراء الجبال ـــ ثنائية القتل المتخفي ـــ البركان ـــ سيد الضريح ـــ وتر في الليل المقطوع ـــ أطياف ـــ رؤيا ـــ محاكمة على بابا ـــ الحارس).
12 ــــ باب البحر (قصص)دار نينوى للدراسات والنشر 2020.
❖ (القصص: وراء البحر..ــ الربان ــ الحب هو الحب ــ امرأة ــ شجرة في بيت الجيران ــ ماذا تبغين ايتها الكآبة؟ ــ كل شيء ليس على ما يرام ــ حادث ــ اللوحة الأخيرة ــ إجازة نصف يوم ــ قمرٌ فوق دمشق ــ إذا أردتَ أن تكونَ حماراً ــ مقامة المسرح ــ يقظة غريبة ــ إعدام مؤلف)
▣ الأعمال الروائية✗
13 ــ اللآلئ ، 1982.
14 ــ القرصان والمدينة ، 1982.
15 ــ الهيرات ، 1983.
16 ــ أغنية الماء والنار ، 1989.
17 ــ مريم لا تعرف الحداد (امرأة) ، 1991 .
18 ــ الضباب ، 1994.
19 ــ نشيد البحر ، 1994.
20 ــ الأقـلف ، 2002 .
21 ــ ساعة ظهور الأرواح ، 2004 .
22 ــ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الأول: اللآلئ، القرصان والمدينة، الهيرات، أغنية الماء والنار ، 2004 .
23 ــ رأس الحسين، 2006 ــــ رأس الحسين، طبعة ثانية، 2012 .
47 ــ الاتجاهات المثالية في الفلسفية العربية الإسلامية ، صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد ، في ستمائة صفحة، ويعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية 2005 .
49 ــ الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الرابع ، تطور الفكر العربي الحديث ، وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة ، 2015.
في مرحلة تشكل وعيه الوطني تبلورت مفاهيمه حول أهمية التحرر الوطني وانجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية، وفي سبيل النضال ضد سلطة الرأسمال المطلقة والاستغلال واضطهاد الشعوب اخذ دوره الطليعي الماركسي في الدفاع عن مصالح العمال والمهمشين وعن الاشتراكية كطريق لحل المشكلات الاجتماعية الاقتصادية.. في ذلك الوقت وتحديدا في ستينيات القرن الماضي ناضل في صفوف جبهة التحرير الوطني حتى اصبح احد ابرز كوادرها.. عرف السجون والمعتقلات ولم يتراجع عن افكاره الماركسية والاممية كما يفعل اليوم البعض من هو محسوب على اليسار لاسيما أولئك الذين اصبحوا في تبعية للقوى الاصولية الدينية الطائفية اولئك الذين تنكروا لمصالح الشعوب المقهورة ارضاء للأنظمة المستبدة! في أتون انشغالنا في لجنة تكريم الادباء التي تحولت مؤخرا الى خلية نحل استعدادا لتكريم الروائي المبدع عبـــــــدالله خلــــــــيفة وهو علم من اعلام التنوير والواقعية النقدية وقد استطاع من خلال اعماله الروائية والفكرية ان يبرز مكانه العقل والمنطلق والقوانين المادية في تفسير الظواهر الاجتماعية والثقافية ان يضيف الشيء الكثير للأدب والثقافة والفكر، في اتون ذلك وقع ما كنا نخشاه اذ اختطف الموت فارسنا بعد صراع مرير مع المرض قبل موعد المهرجان نعم فارسنا الذي حرصنا في لجنة تكريم الادباء ان نحتفي به بشكل يليق بفكره وبتضحياته وبعطائه الغزير وبمنجزاته الروائية الزاخرة بأحلام الفقراء وهموم المحرومين وبرسائل المناضلين والقيم الانسانية قد ترجل ولكن فكره المستنير باق معيناً لا ينضب، فما اشد حزننا على رحيله، وما أكثر الابطال الذين نزفوا بصمت وواجهوا العواصف والاهوال في صمت واستمروا في حفر الصخور في صمت ورحلوا في صمت!. ونحن عندما نتحدث عن المناضل والمبدع عبـــــــدالله خلــــــــيفة فإنما نتحدث عن مثقف عضوي ادرك في وقت مبكر أهمية إيقاظ الوعي السياسي ودور الكادحين والشغيلة واشاعة الديمقراطية وحقوق المرأة.. ما أكثر ما يثيره فقيدنا في مؤلفاته الكثيرة عن مخاطر الحكم المستبد والشقاء والفرح والاغراب في ظل الاستعمار والرجعية والعولمة المتوحشة.. نعم هكذا كانت مؤلفاته وهي تعبر عن الفكر العلمي المتجدد المتحرر المتقدم في مواجهة الانظمة الفاسدة وقوى الظلام. وهكذا ينقلنا عبـــــــدالله خلــــــــيفة الى محطة نوعية استمدت مشروعيتها من العملية النقدية للنص الديني المقدس وكتب التراث التي ساهمت بشكل كبير في خلق الوعي الارهابي العنيف دفاعا عن الحقيقة المطلقة والعصور الغابرة! وفي بحثه عن آفاق العقل والعقلانية والعلمانية كانت رؤيته عن كتب التاريخ والحياة عامة في ارتباط عميق مع المادية الديالكتيكية والتاريخية.. كان باحثا متميزاً دون ان يخل بشروط البحث العلمي والتاريخي، وبالحوار الموضوع والنقد البناء وأهمية التنوع والتعدد والاختلاف. عبـــــــدالله خلــــــــيفة الملتزم بقضايا الشعوب المضطهدة وبالدفاع عن الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان كان في التسعينيات في مقدمة العريضة النخبوية المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين وعودة المنفين وإادة الحياة البرلمانية.. كانت ابداعاته تتدفق قيما اجتماعية وجمالية راقية.. كان مناهضا للعنف والارهاب والاسلام السياسي بكافة ألوانه. لم يكن غريبا ان تصدر كل تلك الاثارة والتحريض والاتهامات بالكفر والخيانة بحق عبـــــــدالله خلــــــــيفة ورجال الفكر والثقافة المستنيرة الذين انحازوا في معارك التنوير الى الديمقراطية والتعدد والتقدم.. لم يكن غريبا ان يتعرض عبـــــــدالله خلــــــــيفة الى تلك الهجمة الشرسة التي شنها المتأسلمون لقناعته السياسية والفكرية التي تنتقد دكتاتورية الولي الفقيه ومرشد الجماعة، وتقول بضرورة فصل الدين عن السياسة والدولة، واعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. ولعل هذا يذكرنا تلك الهجمة الاسلاموية على خلفية مقال «ثقافة الخرافة والتعصب» الذي اشار فيه الى الفلم المسمى بنوح قائلا: «نجد هذه الشخصية مسروقه من التراث العراقي عايشت الطوفان وهي شخصية نجد امثالها في العديد من الملاحم العراقية القديمة في ظل التنوع وكون الفيضانات كوارث طبيعية وعادية وبعضها كبير ومخيف»، وعلى هذا الاساس تم تكفير عبـــــــدالله خلــــــــيفة في حين ان نقده كما يقول للفلم وليس الديانات! سيظل فكر عبـــــــدالله خلــــــــيفة المستنير متدفقا شامخا في سماء الثقافة التقدمية. التعازي لأسرته الكريمة ومحبيه.. سيبقى فكره شعله مضيئة لنا وللأجيال اللاحقة.
لم يكن الكاتب والمفكر البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة مجرد كاتب مقالات يومية أو محرراً لصفحات أسبوعية، بل كان روائياًّ من الدرجة الأولى، وأديباً لامعاً، وقلباً نابضاً بالثقافة والأدب والقصة والرواية والمسرح. هو أحد أركان مدرسة «أخبار الخليج»، متميز الأسلوب وعميق الطرح، سواء في السياسة أو في الاجتماع أو في الأدب. خبر وفاته ورحيله عن هذه الدنيا، وعن «أخبار الخليج»، ترك في أنفسنا صدمة قاسية. حينما كان عبدالله خليفة يكتب، فإن باقي الأقلام تتوقف برهة وتستمع منصتة إلى ما يقوله. جمهور عبدالله خليفة من المتابعين والقارئين يدرك تماماً أن الرجل كان يمسك بالقلم كمسكة الطبيب المتمكن للمشرط الجراحي، فيرسم بكل دقة وعمق في الطرح والتحليل معاني الأحداث المختلفة. كان يسرد التاريخ بأسلوب ممتع، ويحلل الراهن والمستقبل بكل مقدرة، ومازلت أذكر أنه مع بدايات الثورة السورية، كنت أتحرى ما سيقوله عن مستقبل هذه الثورة في عموده اليومي «أفق»، وإذا بالرجل يتحدث قبل أكثر من ثلاث سنوات وكأنه يقرأ اليوم وما يجري اللحظة من أحداث. لم يكن طرح عبدالله خليفة عادياًّ، بل كان الفيلسوف والمفكر القادر على تناول الأحداث والتطورات بنظرة فاحصة ممتزجة بدروس التاريخ. ولم يكن انتقاؤه واختياره للكلمات والمفردات تقليدياًّ، بل كان يغوص في أحشاء وأعماق اللغة لينهل منها أعذب وأصدق العبارات. إنها خسارة لصحيفتنا العربية القومية «أخبار الخليج»، أن يغرب عنها قلم وفكر وعطاء كذاك الذي قدمه عبدالله خليفة. نم في سلام أيها الأديب القدير، فلن ننساك، ولن تنساك «أخبار الخليج»، وسوف تبقى في «الأفق» بما قدمته من إرث فكري غني ورائع.
الأديب البحريني غاب بعد 66 عاماً حافلة بالنشاط والحيوية غيّب الموت الروائي والمفكر البحريني الكبير عبـــــــدالله خلــــــــيفة، عن عمر يناهز 66 عاماً، ويعتبر خليفة من الروائيين العرب الذين قدموا العديد من الإضافات للفكر والثقافة العربية، ومن الذين تميزوا بجرأة طرحهم واستقصائهم للمحاور والملفات الكبرى التي شغلت وتشغل الدارسين العرب، محاولا الإجابة عن الكثير من الأسئلة التي أرهقت الأذهان بطريقته الخاصة التي تجلى كثير منها في سرده البديع وفكره الثاقب الذي مثل به شخصية استثنائية ذات توجه مختلف عن كثير من مجايليه. وعانى عبـــــــدالله خلــــــــيفة الكثير من وراء بحوثه وكتاباته الجريئة، من ذلك تكفيره من طرف بعض الجهات الأصولية. وقد رد خليفة على الاتهامات التي وجهت إليه، بالقول: «قمت خلال الفترة الأخيرة، وربما حتى سنوات بنشر تنوير ثقافي يتطرق إلى جذور المنطقة الاجتماعية والثقافية، وكان هذا يتضمن درس الظاهرات المختلفة، ولا شك أن ذلك يصدم بعض القراء الذين لم يقرأوا أشياء كثيرة في تراث المنطقة الأسطوري والتاريخي، وهي معارف موجودة في مئات الكتب المنشورة والموجودة في المكتبات، وبدا لهم أن يخرج ذلك في الصحف اليومية أمراً غريباً في حين أن كتب درس الأديان وتراث المنطقة تعج بها الأرفف». ومنعت روايته «عمر بن الخطاب شهيدا» من السوق فقال حينها: إن الرواية هي عمل أدبي حول دور الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الفتوحات وإقامة عدالة إسلامية والدفاع عن الناس وخاصة الفقراء وأن الشخصية الرئيسة، أي البطل في الرواية هي عمر بن الخطاب كما هو معروف في التاريخ، وتشخيص الصحابة شيء قديم جرى في كتب السيرة والروايات المعاصرة كما فعل الكاتب أحمد علي باكثير قبل أجيال عندما كتب عن سيرة عمر عدة أجزاء بشكل قصصي». وعرف خليفة بأنه من المناصرين للانفتاح والنقد والعقلانية والحوار وتفهم الآخرين ووجهات نظرهم من أجل جدل مجد يحقق الإضافة المطلوبة ومن خلال مناقشة القضايا التي تناولتها الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية، فالأمر ليس سوى حوار وبحث مشترك ومساهمة في التنوير مع احترام العقائد من دون غلق لحريات البحث. وقد تعرض عبـــــــدالله خلــــــــيفة للسجن، وفقد شعلة من الحماس والاستعداد والتضحية من أجل الخلاص من قبضة الاستعمار ومن أجل الحرية والديمقراطية. خرج خليفة من القضيبية هذه المنطقة التي تخرج الكثير من العناصر المتفوقة على جميع المستويات، وسرعان ما أصبح رمزا حيويا من رموز النضال، أعطى لبلده على مدار أربعين عاما الكثير من جهده وفكره. ولد عبدالله علي خليفة البوفلاسة في العام 1948، وكان مسقط رأسه القضيبية «بيوت العمال» لأسرة بسيطة، إذ كان والده يعمل في شركة بابكو. تميز خليفة بنشاطه الفكري والأدبي، وكان يكتب مقالات ودراسات سياسية واجتماعية عن تاريخ البحرين وتطور القصة القصيرة. تأثر خليفة في طفولته بشخصية والدته وأخته الكبرى مريم التي فقدها مبكرا وربما كانت ترى فيه شخصية مهمة في المستقبل، وكان لها دور كبير وبارز في تكوين وتشكيل شخصيته، ومثّل رحيلها وهي في أولى مراحل شبابها. ويعتبر عبدالله من أهم الروائيين العرب الذين عبروا في كتاباتهم عن «أدب البحر» من خلال الرواية، فغالبية رواياته توحي بالدلالات الكامنة في التناص مع البحر، بالإضافة إلى تصويرها للصراع الاجتماعي في البحرين، ومنها إشكاليات العلاقات الاجتماعية والإنسانية في المدن والقرى الساحلية. ويتميز خليفة بكتابة رواية قصيرة نسبياً، تصور البحرين كقارة كبيرة للإبداع والفولكلور، وهذا ما تجلى في روايته «الينابيع»، كما يعتمد الكاتب كثيرا على «المونولوج» في أعماله أي الصوت الداخلي لأشخاص القصة أو الرواية، ولم يشتغل خليفة بكتابة الرواية التاريخية فقط، إنما يحاول إعادة قراءة التاريخ من وجهة نظر مغايرة لما سبق من أطروحات سواء تلك التي طرحها الدكتور حسين مروة في النزعات المادية أو الطيب تزيني، محاولاً أن يطرح رؤيته الخاصة به حول هذه القضية. ورافقت هذه الأفكار تحليلات معمقة في جذور المنطقة، وأديانها، وتداخلاتها مع الإسلام، لكن داخل البني الاجتماعية الجديدة التي أسسها العرب المسلمون، والتي أخذت تعيش ظروفاً وتأثيرات جديدة على جميع الواجهات. وقد تجسد كل ذلك من خلال مدونته الروائية والفكرية مبثوثا فيها بشكل واع عبر قراءات ملموسة للأوضاع الاجتماعية والصراعات السياسية، والتراكمات الفكرية، ومن خلال كشف حراك الطبقات والسكان وتحولات الأديان، ونشوء المدن المتأسية على التكوين القبلي، وكيفية إعادة تشكيل الإرث السابق، وكيفية رؤيته من خلال القوى المتصارعة المتعددة. سجل أدبي كتب عبـــــــدالله خلــــــــيفة القصة القصيرة والرواية منذ أواخر الستينيات، له مساهمات متنوعة في النقد الأدبي. ومما صدر له: لحن الشتاء/ قصص 1975، ـ الرمل والياسمين/ قصص 1983، يوم قائظ/ قصص 1986، اللآلئ/ رواية 1981، القرصان والمدينة/ رواية 1983،ـ الهيرات/ رواية 1984، أغنية الماء والنار/ رواية 1988، امرأة/ رواية ـ اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1990، الضباب/ رواية – دار الحوار 1992، سهرة/ قصص – المركز الثقافي العربي 1994، نشيد البحر/ رواية – المركز الثقافي العربي 1994، الينابيع -ج1 / رواية – اتحاد كتاب الإمارات – 1996، دهشة الساحر/ قصص – دار الحوار سوريا – 1997، نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية ـ الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية 2005. وغيرها. «اغتصاب كوكب».. آخر ما كتب الراحل كانت «اغتصاب كوكب» هي آخر ما صدر للروائي الراحل، توزعت على ثمانية فصول، وتتشابك فيها أحداث علاقة معقدة بين رجل يُدعى «سيد عمران» وصديقة أخيه «إسماعيل» الأرملة «كوكب» التي تقرأُ، كتباً غريبةً.وتبدأ أحداث الرواية حين تطلب أم سيد عمران منه أن يوصل كوكب بسيارته إلى بيتها في وقت متأخر من الليل، ولأنه مولع بها فقد توهم بأنها تحسد زوجته على رجولته يحاول اغتصابها، لكن عسكرياً ماراً في الطريق يكتشف الأمر، ويتصل بالشرطة، ويمنع الرجل من الهروب. وقد صدرت الرواية خلال يوليو عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمّان، وجاءت في (118) صفحة من القطع المتوسط. بين النوم والحلم* كانت ضجة عنيفة على الباب. لملم العجوز أطرافه المبعثرة بين النوم والحلم، وتعكز على ظلال الظهيرة، وفتح، وفوجئ بانهمار مطير بنيّ. من المفتشين ورجال الشرطة. وضعت زجاجات الكافور والزعتر والورد، وارتجافات المواليد، وشظايا أماني العمر المديد وحبوب البصر، في الأكياس. لم يكن هناك في الحي من يرمق المشهد. الأغراب الذين سكنوا وصاروا رجال المليشيا، والجبليون المغمغمون بلغة رهيبة، لم يكونوا يدرون به. كانت الشمس وحدها ساطعة مثل مليون قنبلة. تعثر طويلا ليركب «الجيب». كانت أبعد مشاويره «الخباز» ودكان الأصحاب، وسطح بيته المهاجم بدوي المكيفات. في المكتب واجه وجها باردا مغسولا بغبار الكولونيا. تراءت وراءه الكتب والمناظر الأجنبية. ثمة نباتات غربية تغمغم. تأمل الطيب المسؤول المشعوذ، وهتف في نفسه: «الآن وقع في قبضتي! يا لثارات تلك الأيام المرتجفة من خطواته المخيفة، ونظراته الميدوزية القاتلة!». فكر كم مضت من سنوات وهو لم يزر الحي، منذ أن حمل والديه المنهكين من السنين فوق كتفيه وحط بهما في برية قاحلة، بمنزل واسع مريح لا يدنو منه القذرون.
البحرين دولة عربية مكونة من 33 جزيرة صغيرة، وهي مهد حضارة دلمون وشاهدة على حضارة بلاد ما بين النهرين. وفي عام 628 م أصبحت البحرين من أوائل المناطق التي اعتنقت الإسلام، وفي عام 1783 أسست عائلة آل خليفة سلالة وحكم حتى يومنا هذا، وفي أواخر القرن التاسع عشر أصبحت محمية بريطانية وأعلنت استقلالها في عام 1971. على مدى آلاف السنين من التاريخ، استفاد البحرينيون من الموارد الطبيعية بشكل كامل لتطوير صناعة اللؤلؤ، ففي ثلاثينيات القرن العشرين، طوروا أول بئر نفط في الخليج، فغيروا مظهرها بالكامل من خلال “الذهب الأسود” وجعلوا البحرين الدولة الأكثر حرية في الشرق الأوسط اقتصاديًا، ومقصدًا سياحيًا واستثماريًا عالميًا.
إن إحساس البحرين بالحاجة الملحة إلى تطوير اقتصادها ووعيها بالحماية التاريخية قد أثر بعمق على كل جيل. إنهم لا ينسون أبدًا التفكير في التاريخ في الأوقات الجيدة، والاستعداد للخطر في أوقات السلم، والاستمرار في مواجهة الصعوبات في الشدائد، والقتال بقوة، وترك فصل مجيد في تاريخ الأدب. ويعد الكاتب الشهير الراحل عبد الله خليفة مثالا ممتازا على ذلك.
عبدالله خليفة (1948-2014)، روائي ومفكر بحريني، كاتب في “أخبار الخليج”، عضو بيت الكتاب البحريني، عضو رابطة الرواية القصصية، يعتبر “الأدب البحري” العربي أهم ممثليه.
وفي أواخر الستينيات بدأ خليفة بكتابة القصص القصيرة والروايات، وفي الوقت نفسه انضم إلى جبهة التحرير الوطني البحرينية ونشط في الخطوط الأمامية، وفي عام 1970 تخرج من كلية البحرين العليا للمعلمين وبقي في المدرسة. لتعليم. منذ نشر مجموعته القصصية الأولى “لحن الشتاء” عام 1975، أصدر خليفة ما مجموعه 12 مجموعة قصصية، و30 رواية، و10 أعمال نقدية أيديولوجية، مثل “الرمل والياسمين” و”يوم قائظ”. ، “القراصنة والمدينة”، “أغنية الماء والنار”، “طريق اللؤلؤ”، “ضوء المعتزلة”، “الكسيحُ ينهض”، “حورية البحر”، “أنطولوجيا الحمير”، إلخ. التي أثرت البحرين والخليج وحتى أصبحت كنزًا من الأدب في الدول العربية وكانت لها مساهمات بارزة في نقد الثقافة العربية.
ويولي خليفة قضية الوحدة العربية اهتماما كبيرا، ويعتقد اعتقادا راسخا أنه يمكن تحقيقها من خلال التكامل غير القسري، لأن الأمة العربية لها عملية تكوين خاصة في التاريخ، تختلف عن غيرها من الأمم في الشرق والغرب. خلال الإمبراطورية العربية، تم توحيد التنوع من خلال التكامل. ركز على مناقشة الأفكار القومية والدينية، ورأى أنها لا تتعارض مع العروبة أو الدين أو اللغة أو المصالح الاستراتيجية الوطنية، ولكن لا بد من ابتكار طريقة التفكير التحليلي من أجل تغيير الضعف الحالي وإنهاء الوضع من الانقسام.
وأشار خليفة إلى أن “الثقافة العربية الحديثة أصبحت صوتا قويا وقوة من أجل الحرية. ففي الماضي، ترك الاستعمار الأجنبي والتخلف وقوى الاستغلال المحلية العرب في حالة من الجهل والأمية والعناد والانقسام. إفساح المجال كاملا” إلى دورها التاريخي الفريد، “فلتصبح الكلمات شعلة الروح. يجب أن نتحرر من الخوف، ويجب أن تكون اللغة قريبة من قلوب الناس.” ويعتقد أن جميع الأديان والمدارس والفلسفات هي مجرد مظاهر للمعاناة هذا كل ما يعانيه الشعب في مسيرة الحياة الوطنية والتقدم الحضاري، هذا كل ما في الأمر، إيمانا راسخا بأن الشكلية التي تقيد الناس والأفكار ستزول في نهاية المطاف، وأوضح ذلك بأفعال الشخصيات التاريخية العربية الهامة. لطالما ارتبط إبداع خليفة الأدبي ارتباطًا وثيقًا بواقع الخليج والجزيرة العربية، حيث يظهر اللؤلؤ والنفط كرموز وطنية مرارًا وتكرارًا في كتاباته.
الكاتبَ والمثقّف البحرينيّ الكبير عبـــــــدالله خلــــــــيفة، بعد مسيرة طويلة شاقّة ومضنية وحافلة بالعطاء والتنوير، وإنتاجات دافقة وعميقة وثريّة ومتنوّعة في الفكر والفلسفة والأدب خلّفها وراءه لتشهد بآثاره التي حفرها في ذاكرة الوطن بترابه ونخيله وبحره وهوائه وشخوصه وتاريخه التليد والطارف، لقد توسّل عبـــــــدالله خلــــــــيفة بالكتابة لِتقوم -كما أشار في تعقيباته النقديّة التي بعثها إليّ عبر بريدي الإلكتروني- «بالانغراس في جذور الأرض لأنّ كلّ يوم هو لحظة ألم وأمل»، ولكلِّ لحظة مضمون، وكلّما كان المثقّف ممتلكًا أدوات التعبير عن هذه اللّحظة، ومتمكِّنًا من الإفصاح عمّا تحتويه كان إنتاجه الكتابيّ أقدر على مقاومة الفناء والتّلاشي، وأجدر بتسجيل جوهر اللّحظة وتجلية خصوصيّتها.
والناظر في تجربة الكتابة الروائيّة عند عبـــــــدالله خلــــــــيفة يلاحظ تراكم النصوص وانتظام صدورها؛ ليكون بذلك أغزر كتّاب الرواية في البحرين إنتاجًا، وأشدّهم حرصًا على ممارسة فعل الكتابة؛ لإيمانه بأنّ «الكتابة تنمو فوق الأرض الحقيقيّة، تسحب الصواري من عند البحارة الذين غطّسوهم موتى وهياكلَ خاليةً من المعنى في قعر الخليج، فتغدو الروايةُ الكبيرة المخطّطة في الرأس رواياتٍ عديدة»، تزخر بما يزخر به الواقع من صغير الشؤون وعظيمها، ذلك أنّ روايات عبدالله كلَّها مشدودة إلى الواقع شدًّا وملتصقة بالحياة التصاقًا، تكشفُ ما يمور به المجتمع من قضايا ومعضلات، وتعمدُ إلى فهم حركة التاريخ، ومظاهر تطوّره، وما ينعكس فيه من تجاذبات وصراعات وتغيّرات ثقافيّة واجتماعيّة وإيديولوجيّة وسياسيّة، وتنظرُ في بنية المجتمع، وتنشغلُ بمحرّكات التاريخ؛ لتقتنعَ بالتّصوّر الاشتراكيّ الذي ينتصر لمقام الكادحين والعمّال. فقد صرفت الروايات اهتمامها إليهم، وأخذتنا إلى الفلاحين يكدحون في حقول ملتهبة، والغوّاصين يجوبون بحارًا قصيّة، ويركبون الأهوال والآلام من أجل الكفاف والعفاف، ورحلت بنا إلى المصنع حيث العمّال «مندفعون في تيّار الحديد والنار والهواء البارد واللاهب»، وتنقّلت بنا بين القرية والمدينة، والماضي والحاضر، والأنا والآخر، وفتحت لنا المجال للنّظر في علاقة الإنسان بالمكان والتاريخ والتحوّلات الفكريّة والاجتماعيّة، وصلته بمصيره والسلطة. لقد أبرزت تجربة عبـــــــدالله خلــــــــيفة الروائيّة المتمثِّلة في (اللآلئ 1981، والهيرات 1983، وأغنية الماء والنار 1989، والينابيع بأجزائها الثلاثة 2012) واقع الفئات الشعبيّة المغمورة، واستفاضت في نقل همومها وأحلامها؛ فعدل الكاتب إلى تصوير فضاءات المهمّشين حيث الشخصيّات الموسومة بالعجز والضياع والتأزّم تكتوي بنار الخصاصة والشّقاء والحرمان، وتنزوي في بيوت من سعف النّخيل، وأحياء فقيرة تقطنها المستنقعات، ويقرضها البعوض، ويأتي فضاء البحر، في أغلب هذه الروايات، ليسحق أجساد الغوّاصين في مهنة الغوص، وفيها يتعملق النوخذه النهم الذي لا يشبع، ومع رواية (الينابيع) يتحوّل الغوّاصون من فضاء البحر إلى فضاء الجبل ليستعبد وجودهم المستعمِر الأجنبيّ مسخِّرًا إيّاهم في التنقيب عن النفط، داعمًا عوامل الطبقيّة والتبعيّة له، مثبتًا مركزيّته، وبذا يدور الكادحون بين ماضيهم وحاضرهم في فلك علاقة إقطاعيّة طاغية تجسّد مرارة معاناتهم، وشدّة وطأة الحياة عليهم. يتحوّل الكاتب في روايات أخرى ليصوّر مآلات هذا الواقع المأزوم على الذات الإنسانيّة، ففي رواية (الأقلف 2002) نرى بطلَها (يحيى) تدفعه العيشة المستلبة، والحياة الصاغرة، والظلم الغاشم من قبل المجتمع إلى الانزواء والشعور بالخواء والدونيّة، فيتلقّفه الأجنبي المتمثّل في (ميري) ويدغدغ مشاعره، ويغذّي غرائزه، ويغريه بالحلم، ويفتح له باب العلم. لتفترس (يحيى) المشرّد أسئلة لا يحار لها جوابًا: الوطن أم الاستعمار؟ الشرق أم الغرب؟ الإسلام أم المسيحيّة؟ إنّها أسئلة تبثّ ما تجيش به نفسُ (يحيى) وكثيرٌ من شخصيّات عبـــــــدالله خلــــــــيفة من خطاب إيديولوجيّ لاهج بالاحتجاج على مجتمعٍ عنصريّ يميّز بين بني البشر، وواقعٍ مريض يكبّل الإنسان، ويهدر كرامته، وينسف بناءه السّامي، ويفقده حسّ الانتماء؛ ليكون أداة طيّعة في يد الغريب، وينغمس في أهوائه ونزواته. وتعدّ روايات عبـــــــدالله خلــــــــيفة من أبرز الروايات التي جسّمت ما ينخر المجتمع من عاهات تُفكِّك لُحمته، وتخرم وحدته، وتفضي به إلى تعطيل حركة التقدّم وعجلة التغيير المنشود. ففي رواية (القرصان والمدينة 1982) يتبدّى لنا كيف تُخان الثورة عندما يُسلَّم قِيادُها إلى العدوّ، وبذا يفرّط الخائن بالأرض رمز الحقّ التّاريخي والهويّة والحريّة والشّرف والكرامة، ولعلّ صورة الخائن هذه وما يلازمها من عوامل الخلل، ومظاهر الشين لا تباين صورة المثقّف الانتهازي الذي يتزلّف إلى السلطة طامعًا في الصّيت والمال والحظوة، وهو ما جسّدته شخصيّة (ياسين) في رواية (التماثيل 2007). غير أنّ رواية (ذهب مع النفط 2010) تعكس سعي الكاتب إلى تجاوز صورة المثقّف تلك بأخرى أكثر نضجًا وحرّيّة تعمد إلى تنوير الشعب، وتغذية مكامن القوّة والفعل فيه بحثًا عن أفق وجود أفضل. كما تكشف رواية (ساعة ظهور الأرواح 2004) الكثير من عورات المجتمع، بأسلوب تتداعى فيه الحدود بين الواقعيّ والعجائبيّ، بما يفضح عبثيّة الواقع ولا معقوليّته؛ إذ يمارس الكثير من شخوصها وعلى رأسهم (يوسف) ألوانًا شتّى من الاستغلال والتنكيل ليتحوّل بذلك إلى إقطاعيّ كبير له أعوانه وأجهزته، ولا تتردّد العديد من شخصيّات الرواية في الانخراط في هذا الدرب بالتواطؤ مع (يوسف) وأمثاله من أجل الإبقاء على ثرائها والمحافظة على وجودها وسيطرتها ونفوذها، وأبرز مَن يمثّل هذ النموذج الشيخ (درويش) الذي استمات في البحث عن الكنز المفقود مستترًا بعباءة الدين لتحقيق مآربه الشخصيّة، وهي أبعاد انطوت عليها رواية (اغتصاب كوكب 2014) التي عرّت تصرّفات بعض المتديّنين، وجلّت الصراع بينهم وبين بعض المتنوّرين، ووقفت على اتّساع الهوّة بينهم في المجال الفكريّ والعقائديّ؛ بما يعكس تمزّق العرب، وقصور وعيهم عن استيعاب التاريخ وتحوّلاته، وتعويلهم على رؤى غيرهم في تقرير مصيرهم وضبط المسار الصحيح لواقعهم وشخصيّاتهم. وإذا التفتنا إلى الروايات التاريخيّة التي أنجزها الكاتب مثل (رأس الحسين 2006، عمر بن الخطّاب شهيدًا 2007، عليّ بن أبي طالب شهيدًا 2008، عثمان بن عفّان شهيدًا 2008، محمّد ثائرًا 2009) تبيّن لنا ضخامة الجهود التي بذلها للتّصدّي لشخصيّات إسلاميّة عظيمة. وفي تأكيد ذلك يقول: «إنّ كتابة الرواية التاريخيّة عمليّة صعبة، ليس بسبب الدخول لتجسيد الصراع الاجتماعيّ في ذلك الزمن التأسيسيّ المقدّس للأمم الإسلاميّة، بل كذلك بسبب تصوير ما هو ملموس من أشياء ومناخات وأمكنة». وهذا هو ما دعاه إلى رصد مسيرات تلك الشخصيّات، وسبر أغوارها، والمقارنة بينها وبين غيرها من شخصيّات التاريخيّة في الرواية، والنّفاذ إلى توضيح أوضاع الحكم في عهدها، والتغلغل إلى أسباب الصراع، وتبيّن مسؤوليّة الخاصّة والعامّة؛ ويأتي كلّ ذلك من أجل استغلال أفق تاريخيّ زاخر ومزدحم بالوقائع والخلافات والصّراعات على مختلف الصُعُد، وهو لا ينفكّ يتكرّر في الزّمن الرّاهن، وبذا يتحوّل التّاريخيُّ إلى جدليٍّ يعدل إلى مساءلة الواقع الاجتماعيّ والسّياسيّ، ويدعو إلى التأمّل مليًّا في قضايا إنسانيّة جوهريّة. لقد كانت السياسة، وتداعياتها على الواقع الاجتماعيّ والثقافيّ، هي الشاغل الأبرز في تجربة عبدالله خليفة الروائيّة، ومن هنا هيمنت على عوالمه الإبداعيّة لينخرط أدبه ضمن الأدب النضاليّ الملتزم بقضايا مجتمعه، وقضايا الإنسان عامّة، بغية العمل على تحريره من كلّ أشكال القهر والاعتساف والاستلاب والظلم، وتحديد الشروط الكفيلة بتأسيس مجتمع منشود ينهض على الحريّة والعدالة والمساواة. وممّا يجدر توضيحه هنا أنّ عبـــــــدالله خلــــــــيفة أصدر بعض الأعمال الفكريّة والفلسفيّة والنقديّة في فترة تتزامن مع إصداراته الروائيّة، الأمر الذي يكشف نهوض الممارسة الروائيّة لديه على خلفيّة نظريّة يصدر عنها في إبداعه الروائيّ؛ وقد ترتّب على ذلك عمق استيعابه إشكالات الواقع، والمنابع التي تنهل منها، وسهّل عليه المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة، وأَمْكَنه من تنويع الأساليب والبنى السرديّة وأنساق الخطاب ومستويات اللّغة، وجميع ذلك يجعل تجربته الروائيّة تتميّز بوعي نقديّ بفعل الكتابة شروطًا وأدوات وآفاقًا. اخبار الخليج 8 نوفمبر 2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ دكتوراة في الادب الحديث
يفاجئك دون ان تفاجئه ويدريك دون ان تدرية ويأخذك دون ان تأخذه انه لغز كوني لا أحد يدرية . لقد انتزعه دون ان يستأذن احداً منا (…) وكنا ثلة من المثقفين تنادينا في لجنة تكريم الادباء وكان الروائي البحريني الكبير عبـــــــدالله خلــــــــيفة قد جعلناه فاتحة نشاطنا الثقافي التكريمي . دلف عليّ ذات مساء دون موعد كعادته تجاه اصدقائه وهو يقول كل ما اريده من لجنتكم الموقرّه نشر كتبي ولا اريد شيئا آخر غير ذلك «!» وكنا سنقيم حفلا ثقافيا معتبراً يليق بمكانتكم الثقافية وتسليط الاضواء دراسة على اهم كتبكم التنويرية وان هناك فاصلا سينمائيا لأحد قصصكم القصيرة بأخذ انتاجه لتقديمه في الاحتفال التكريمي بكم والعمل على الاتصال بجهات الجوائز الادبية لترشيحكم اليها وقد بلغنا شوطاً في هذا المجال على ان يكون الاحتفاء في الشهور القريبة القادمة وكان يقاطعني باباء ثقافة وانفة قائلا لا اريد شيئا الا نشر كبتي قلت له لقد تكفّلت وزارة الاعلام مشكورة بنشر بعضها اننا نحتفي بالثقافة البحرينية التنويرية من خلال ما قدمته لها في هذا الخصوص . ابتسم وقال: شكراً لكم ما تريدون وكان هاجساً يؤرقنا في لجنة تكريم الادباء ان نستعجل احتفاءنا بالراوئي التنويري الكبير عبـــــــدالله خلــــــــيفة فهو يمر في حالة صحّية غير مستقرّة وكأننا كنا في سباق مع الموت. الا ان الموت سبقنا … أهناك احد يمكن ان يسبق الموت؟ لقد كان الأجل المقيت يتحين خطفه على عجل. ادري ان نوازل الحسرة تأخذ نوازلها الممضة عند اعضاء لجنة تكريم الادباء التي كانت تريد ان تحتفي به وهوبيننا الا ان الرياح كعادتها تجري خلال اشتهاء السفن عندنا . عبـــــــدالله خلــــــــيفة قامة ثقافية تنويرية بحرينية وفيّة ابّية شامخة اثرت المكتبة البحرينية والعربية باكثر من اربعين كتابا تجسد ثقافة تنويرية تقدمية حداثية في حياتنا الفكرية والثقافية. عبـــــــدالله خلــــــــيفة ما انصفه احد حتى من الاقربين التقدميين من رفاق دربه ناهيك عن الاوساط الرسمّية في مملكة البحرين الفتيّة . الا انه للحقيقة والواقع: فعندما ذهب فريق من اعضاء لجنة تكريم الادباء لمقابلة رئيس تحرير جريدة اخبار الخليج الاستاذ انور في دعم لجنة تكريم الادباء في الاحتفاء والتكريم لـعبـــــــدالله خلــــــــيفة كونه احد كتاب اعمدتها المميزين ابدى رئيس تحرير جريدة اخبار الخليج انور محمد عبدالرحمن ترحيباً شهماً وتقديراً واعياً بتقديم كل ما يُدعم لجنة تكريم الادباء مالياً ومعنويا مؤكداً اهميّة لجنة تكريم الادباء في لفتتها الكريمة بافتتاح نشاطها الثقافي في تكريم الروائي التنويري الكبير عبـــــــدالله خلــــــــيفة . ان مبدئية انسانية ثقافية وفكرية ارتبط بها عبـــــــدالله خلــــــــيفة وطن بحريني من اجل الحرية والديمقراطية والتعددية وحقوق الانسان وضد الطائفية وفي التسعينيات عندما اخذت الطائفية البغيضة تناهض النظام بالعنف والارهاب واضرام الحرائق في قلب مؤسسات المجتمع البحريني كان عبـــــــدالله خلــــــــيفة يُدين هذه الاعمال الارهابية الطائفية حتى ان قوى ديمقراطية وقومية ويسارية انخرطت في حريق الارهاب الطائفي وقد اصدر عبـــــــدالله خلــــــــيفة بياناً يندد بالارهاب ويدين رفاق دربه اليسارين الذي انخرط الكثير منهم بجانب الارهاب الطائفي. وكان يقول عبـــــــدالله خلــــــــيفة لا يعني انه اذا كنا نناهض قانون أمن الدولة نهادن الارهاب الطائفي وننخرط في انشطته وكانت نظرة له ثاقبة الجدليّة في تصوراتها التي استهدفت عين الصواب في نهجها السياسي خلاف الكثيرين من رفاق دربه. عبـــــــدالله خلــــــــيفة ايها الانسان الكبير أن لك منزلة كبيرة في الثقافة البحرينية والعربية ستظل الاجيال تلهج بها على مدى التاريخ .
اليوم الثلاثاء 21 اكتوبر 2014 رحل عن الحياة.
العزاء لاهل عبـــــــدالله خلــــــــيفة ولاصدقائه ومريديه ومحبيه. وللثقافة التنويرية في مملكة البحرين.
تصعب الكلمات وتثقل كثيرا أمام فجاءة الموت عامة، وتصعب أكثر خاصة أمام رحيل كاتب وأديب ضجيج فكره يملأ ساحة القضايا والآراء،حتى عدة أيام فقط سبقت مجاورا بأفقه لما تكتبه أنت في الصفحة ذاتها، فلا تستطيع حتى التسليم لما اخترته عنوانا لزاويتك بأنه (عالم يتغير)! بل الصعوبة تكبر أكثر فأكثر إذا كان يجاورك في عالم الإبداع والثقافة وفي جمع ثقافي هو أسرة الأدباء لسنين طويلة خلت، حيث كان وعيه وإبداعه وإنجازاته المتنوعة تملأ الساحة الثقافية والفكرية بغزارة على مدى العقود الماضية، فماذا إن تخطت المجاورة يوما كل ذلك لتصل إلى ما هو أبعد على مستوى النضال الوطني وعلى المستوى الذاتي الشخصي؟! ♦ حين يتوقف الزمن فجأة عند سماع خبر الرحيل وتستعيد الذاكرة الكثير من المحطات السابقة يدرك المرء فجأة أيضا أن الذاكرة الساكنة بدأت تنطق بدهشة الفجاءة أمام الموت فكيف يتوقف هكذا وهو في أوج اشتعاله الفكري والإبداعي؟! وهل ينطفئ وهج هكذا شخوص، بقي حتى آخر أيامه قبل الرحيل يمد الوعي بثمار فكره، ولا يهتم أن تتفق أو تختلف معه لكأنه كان يطوي صفحة الأيام في صومعته، بتؤدة ومثابرة وحرص وجدية محمولة معا على سفينة أدمنها البحر في العمق، وتتطلع أن تصل إلى عمق العمق، قبل أن ينسل ذلك العمر البخيل في غيابات الزمن بعد أن أقفل بابه إلى الأبد في وجهه في هذه الأرض لتبقى العطاءات والمنجزات وحدها رهينة البقاء وبحسب مدى اهتمام الآخرين! ♦ ها هي الكلمات تثقل مجددا وخاصة لمن عايش الراحل وعرفه عن قرب فترة من الزمن، وزامن معه مكابدات الحياة والحصار والسجن والغربة في مرحلة كانت تتوهج بالروح الوطنية الحقيقية وبالروح الإبداعية الوطنية أيضا. وهي معايشة قريبة لمكابدات الوعي والكتابة والسياسة والالتزام الوطني واستمرت حتى مشارف التسعينيات. تثقل الكلمات وتتباطأ أكثر ويلف الصمت زوايا الذاكرة قبل أن تستعيد الصور ذاتها وحقيقتها أمام رهبة الموت في رحلة سنوات العمر الأولى وهي في ربيعها وزخمها قبل أن تتكئ تماما بعد ذلك إلى شجرة الأصدقاء الخريفية ليتساقط منها كل مرة من كانوا يوما قريبين في بعض محطات تلك الرحلة وواحدا بعد الآخر، والسقوط ليس عنوانه هنا الموت فقط وإنما السقوط المعنوي لآخرين وهم بعد على قيد الحياة! ♦ ها هي الكلمات تثقل مجددا خوفا من الوقوع في فخّ الوعي الجاهز لاستدعاء كلمات الرثاء لشخوص أوغلوا يوما في الروح ثم ركنتهم الذاكرة في أحد صناديقها المغلقة بعد انتهاء مسار الدرب معا. إنه الخوف الطبيعي إذا من استجلاب ذلك الوعي الجاهز لمن رصد النتاج والإنجاز ولم يعايش صاحبه بذات العمق في الرصد، فهنا تأبى الذاكرة الاستسلام لمثل ذلك الاستجلاب ولإعطاء الكلمات الموضوعية والرصينة حول الإنجاز الثقافي والفكري لأنها مع الوقوف أمام الموت والرحيل، هي مشحونة بما هو أكثر، مشحونة بزوايا الظلال الكثيفة كعصافير الهندباء التي ظللت مكابدات صاحب الإنجاز وقد رحل، حين كان يقوم بارتحالاته المختلفة في الوعي والروح والثقافة عاما بعد آخر ويوما بعد يوم، ولسنوات طويلة تعددت أيضا محطاتها وحين كانت الرفقة في سنوات هي الأصعب بذاتها في مسار ذلك الارتحال من أجل الوطن والحياة، فها هنا تصاب الذاكرة بحالة الاستعادة لرفقة التفاصيل قبل رفقة الفكر والثقافة والإبداع والسياسة والنضال الوطني في عمومياتها، مثلما تصاب بالتفاصيل الصغيرة مجددا، وقد كان الاعتقاد أنها في طي النسيان، لتصبح تلك التفاصيل أهم في الذاكرة التي اشتعلت فجأة من أي شيء آخر يعرفه آخرون، لأنها تعبر هنا، عن حجم التجاسر الذاتي على المكابدات اليومية المشتركة في طريق النضال الوطني ومن أجل حفر الوعي لما يرتقي بهذا الوطن في كل المجالات وبوعي وطني نزيه وحقيقي. ذلك يرصد البعيدون ثماره الناضجة المتجلية في منجزات الفكر والموقف ولكن لا يعرفه بعمق إلا القريبون، حتى ولو لبضع محطات من الرحلة. ♦ تلك مساحة تأمل واسعة إذاً، أنعشتها الذاكرة أمام فجاءة الموت، مساحة تأمل في المعايشات فرحا كانت أو حزنا، وفي ظلال الليل المعتمة حيث كان يتسرب الشعاع واحدا بعد الآخر، ثم يتسلل مجددا من شباك في الزاوية ليبدد أكثر الظلمات حلكة، في سنوات بعينها لتنفتح بوابات الوعي معها ولتبقى الذاكرة بعدها ثرية بالارتحالات الفردية وقد تفرقت سبلها، ولكنها جزء من الذاكرة لا يمكن نسيانه، أو محوه، فتفاصيله قد ضربت في تفاصيل الوطن ذاته ومكابداته قد ارتحلت في عروق الدروب التي سعت وبقيت تسعى لرفعة هذا الوطن وانتشاله – أيا كان الزمان – من غيابات الوعي وغيابات الفكر الوطني الصحيح لينمو بدوره صحيحا، بعيدا عمن ركبوا في كل حين هوادج الانتهازية والأنانية، من يسار وليبراليين وقوميين لم يتوانوا مع الوقت بعدها حتى من ركوب هوادج «ثيوقراطية» تدعو إلى الانفصام عن الوطن بعد أن كانوا رفاق درب نضالي من أجله! ♦ تذبل «الأيقونات البشرية» عادة مع الانكشاف، ولكن من كان مخلصا لوطنه ولوعيه، وملتزما بالنزاهة والصدق تجاههما، يدرك أن عليه اعتزال أجواء البهرج وعلاقات المصالح، ورفض ركوب الهوادج السياسية الانتهازية، التي لا تلتزم بالنزاهة تجاه الوطن، أيا كان المبرّر لديها وأيا كان خداع أو تمويه الخطاب والبيان! وحين تكون الكتابة والثقافة مدخلا لتطوّر الفكر الذاتي، ولتطوير الوعي العام بتفرعاته الفكرية والثقافية والابداعية، ونضالا يوميا شرسا يصبح الدخول في صومعتها ضرورة، لمن رفض الغثّ، لأن بحثه عن السمين أو العمق، لا الهوادج ليركبها! ♦ هكذا كان عبـــــــدالله خلــــــــيفة باحثا جادا في الوطن وفي الإنسان والمجتمع وفي الوعي وفي التاريخ، (ارتأى) في الوعي الاشتراكي البعد والأفق، اللذين يسعفانه في بحثه الإنساني والأخلاقي والوطني مثلما أخذه مأخذ المسلمات اليقينية، حتى لو سقطت مداميك هذا الفكر، تحت أقدام الرأسمالية المتوحشة، فإن إيمانه بذلك لم يتزعزع وظل راسخا، والذي يهمّنا في ذلك الفكر هو إيمانه من خلال الوعي به، بالانسان، وخاصة الإنسان المطحون والمعذب، وإيمانه الوطني والتزامه به، والذي هو في الحالتين إيمان راسخ في القيم الدينية أصلا وخاصة في الاسلام، ولم يكن قط حكرا على إيديولوجيا وضعية معينة، فإلى جانب توحش الرأسمالية امامها كاشتراكية، فهناك ثغرات كثيرة لافتة مثلا بالإمكان رصدها في الغاية النهائية في هذا الفكر للحياة وللوجود الانساني اللذين حصرهما الوعي الايديولوجي الماركسي في مسارات بعينها، وهذا شرف اختلافنا (منذ البداية) مع هذا الفكر رغم احتسابنا عليه فترة من الزمن، ورغم أهمية وقيمة أدواته في التحليل الاجتماعي والسياسي، وربما كان عاملا مساعدا في تفرّق الدروب بعد ذلك. ♦ رحلة الأديب والكاتب والمفكر عبـــــــدالله خلــــــــيفة رحلة طويلة وثرّة ومكثّفة رغم كل شيء، ولذلك تصعب الكلمات في رصدها كلها، أو اصطياد محطاتها العميقة، بعيدا عن حشرها في متابعة سطحية جاهزة، وخاصة انه بعطائه، أثرى حياتنا الوطنية والفكرية والثقافية والانسانية، سواء بالمواقف أو الكتابة، ولا يهمّ هنا الاختلاف أو الاتفاق مع افكارها، مثلما أثرانا بصدق الالتزام بمبادئ الأخلاقيات الوطنية والضمير الوطني العام، التي افتقدها الكثيرون بعد ذلك. ♦ تصعب الكلمات وتثقل، لأن تجارب ثرَّة ومتنوعة كهذه، الى جانب مسار صاحبها الذاتي الكثيف والمعقد، لا يمكن بسهولة إدراجها في كلام نظري عام حول المنجز والمسار وانتهت المهمّة، وإن هذا الأديب والكاتب كان كذا وكذا.. الخ، وخاصة في ظل شحّ النقد والرصد الجادين اللذين بخلا بحرينيا، على تناول المحطات الشخصية والإبداعية لهذا الكاتب. قامة عبـــــــدالله خلــــــــيفة وفكره، سواء بما نتفق حوله أو نختلف عليه، هي قامة بزغت بثرائها منذ السبعينيات، وكابدت على المستوى الشخصي كثيرا، لتعطي لهذا الوطن منجزاتها في المجالات المختلفة، لذلك (هو ومنجزاته) يحتاجان الى الكثير من الإسهاب أيضا ومن التمحيص ومن الاستكشاف والاستدلال، الذي يتناسب مع حجم ما تركه من إرث كبير سواء على مستوى نزاهة النضال الشخصي، أو النضال الوطني والسياسي، أو الفكري العام والابداعي، وحيث إن معتركه في كل ذلك أخذ مساحة حياته الواعية كلها تقريبا، مما يجعل من إنجازاته في الظروف الصعبة، إنجازا إنسانيا مهمّا بحدِّ ذاته، وخاصة مع عذابات المرض في السنوات الأخيرة، وإصراره على العطاء رغم ذلك. ♦ الكتابة لدى أديبنا الراحل، كانت رحلة عمر حقيقية، ورحلته مع الفكر والوعي، في إطار ما كان يؤمن به، هي البطل الرئيسي في كل ما كتب باعتباره نضالا فكريا سياسيا، كما قال بنفسه، والغربة المشحونة بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة هي غلافها الهلامي الدائم، وخاصة بعد فقد شقيقته الكبرى في طفولته، وفقد أمه وهو في السجن الى جانب فقدانات أخرى لاحقا، الى جانب معايشته المبكرة للكادحين والفقراء في بيوت العمال، التي تم بناؤها بعد حريق القضيبية عام 1954، فترتا الطفولة والشباب الأول. الى جانب أيضا الوحدة الكاملة والمتواصلة في صومعة الكتابة، خلال ربع قرن من الزمن حتى رحيله، مما جعلت من (الغربة) ذات مستويات متعددة ومركبة، وخاصة بعد سقوط المعسكر الاشتراكي الذي كان يؤمن بأيديولوجيته، ذلك جعل من تفرغه الكامل للكتابة ملاذا آمنا، يبث فيه إخلاصه (لوطنه ولوعيه) بعيدا عن سفاسف الحياة التي كان يعتزلها، حتى أصبحت الكتابة وكأنها في (موازاة) معايشة الحياة بحد ذاتها، أو كما يعيشها آخرون، لتحوز الكتابة والارتحال في مجالاتها المختلفة بالانتقاء والايثار، وليبحر معها في مساحات الوعي وأفقها الشاسعة بإصرار فريد على النحت في صخور ذات طبيعة قاسية، والإبحار في البحار العميقة، كمن يحاول ترويض صعوباتها، وكان ذلك سواء بالموقف أو المكابدات الفكرية، لتتساقط ثمار رحلته مع الكتابة، متنوعة وواحدة تلو الأخرى، ما بين قصص قصيرة تبدأ بـ (لحن الشتاء) وتتوالى، وروايات تبدأ بـ (اللآلئ والقرصان) وتتوالى، ودراسات نقدية ادبية وتتوالى، وعطاءات فكرية في أربعة أجزاء، هي (الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية والاسلامية)، ولو كان قد أسعفه العمر لأكمل عطاءاته في هذا المجال، وربما هي اليوم مخطوطات موجودة في الأدراج بحاجة إلى النشر الآن، بعد أن بلغت كتبه (الثلاثين كتابا وعنوانا) في المجالات السابقة، إلى جانب الكثير من العمل الصحفي والكتابة اليومية في (أفق) بدا مفتوحا على صرامة فكرية وكانت تشي بالمزيد من الارتحال فيها. ترك عبـــــــدالله خلــــــــيفة الذي رحل عن دنيانا، بصمة في البحرين الحديثة لا يمحيها الزمان، لأنها بصمة قوية وواضحة ومحفورة في عمق تاريخ هذا الوطن الصغير، ثقافة وإبداعاً ونضالاً خلال نصف قرن مما مضى. وهو كاتب وأديب ومفكر وباحث وصحفي له حكاية خاصة في مسار هذا الوطن، وحالة متفردة في حجم العطاء على مستويات مختلفة، وسماتها العامة هي الصلابة والموقف الوطني والفكر الإنساني، الذي يدعو إلى التطور والتقدم والنهوض، والابتعاد عن ظلامية التطرف الديني، والانتصار للكادحين والمسحوقين، وكل ذلك في إطار إيديولوجية «المنهج الماركسي» الذي آمن به في شبابه واستمر عليه حتى مماته واعتبره مسلمات يقينية لم ينتابه الشك فيها قط، ليدخل به في صلب وعيه بالحياة والوجود، ويتجلى بعمق في كتاباته الفكرية والإبداعية والصحفية، وكل ما جاد به قلمه من التحليل والبحث والرصد، وحتى حين تناوله في رواياته للخلفاء الراشدين، واشتغاله على التاريخ العربي والإسلامي وعذابات البشر من «منطلق طبقي» راسخ، ليشكل منها تجربة غزيرة وثرية، مما جعله في نظر كثيرين، «صاحب مشروع فكري خاص»، يقترب من كتّاب ماركسيين آخرين، تناولوا التاريخ العربي والإسلامي من زاويتهم الفكرية الخاصة أيضاً، والتي حتماً أثرت المكتبة العربية بما ساقته إليها من أفكار وتحليلات رغم الاختلاف. ♦ ولأنه كان محافظاً حتى آخر أيام عمره بمنهجه الفكري هذا وموقفه الوطني المتسامي والنزيه، فإنه لم يتخل قط عن مساره في ذلك رغم حجم المتغيرات والتحولات، ولم يدخل أيضا قط في سياقات سياسية حزبية وفكرية لاحقة، تنجرف بعيداً عن الوطنية أو عن الارتقاء الحقيقي بالوطن والإنسان، وهي السياقات التابعة للظلامية الثيوقراطية، التي دخلها بعض أو كثير ممن كانوا معه أو لاحقاً، في قيادة الحزب الماركسي، الذي كان هو أيضاً أحد قادته في سنوات معينة أثناء العمل السري. ♦ وإذا كان عبـــــــدالله خلــــــــيفة قد اتسم -كما يجمع الكثيرون- بالروح الإبداعية المنحازة إلى المطحونين في إطار طبقي، وهي الروح التي رسمت في الوعي العام من خلال قصصه ورواياته عذابات الطبقات الكادحة والبحارة والفقراء والمضطهدين، فإن تلك الروح الإبداعية كانت مؤطرة أيضا بالقلق الدائم وبالرغبة الملحة في الانتصار لهم، وتطوير العمل من أجل النهوض بهم، في عالم اشتراكي غير طبقي وتفسير التاريخ من خلال ذات الفكر، حتى لو اختلف معه من يختلف حول بوصلة القراءة والرؤية أو المنظار الإيديولوجي المنفرد في التحليل للتاريخ ولعذابات البشر، ولماهية الوجود الإنساني، وشمولية تطلعاته نحو «التطور الروحي» وليس المادي فقط، إلا أنه لا أحد يختلف معه، حول انحيازه ضد الظلم والفساد والفقر وضد الجهل والتطرف الديني أيا كان مصدره وضد الخزعبلات وتهميش العقل، فكل ذلك مساحات مفتوحة للاتفاق، وهي على العموم صلب كل كتاباته في الجوهر. ♦ إذا اتفقنا على أن رحلته الفكرية والإبداعية والنضالية والوطنية، هي رحلة طويلة وكبيرة وواسعة، استغرقت تفاصيل عمره كلها كما قلنا، فإنها اليوم لا بد أن تأخذ مكانها تحت الضوء، حتى لو بناء على عادتنا العربية في تكريم الشخوص ذوي العطاء المتنوع بعد رحيلها! وسواء من «أسرة الأدباء والكتّاب» وهي بصدد الاحتفاء به وبتجربته في ديسمبر القادم، أو من وزارة الثقافة، والوزيرة المتفهمة والمعطاءة بدورها (الشيخة مي) فإن هذه التجربة الغزيرة بحاجة اليوم إلى وقفة متأنية، والعمل على مشروعه الفكري والثقافي والأدبي، وتمحيصه بدراسات عميقة ومتأنية، قادرة على استجلاء هذا الإرث الكبير لأديب متنوع العطاءات، سخر حياته كله لإنضاجها، ولتصبح بجدارة علاقة مهمة في مسار التاريخ البحريني الحديث ثقافيا وإبداعياً ووطنياً، وخاصة أنه كان ينجز بصمت، بعيداً عن الانخراط أو البحث عن شهرة زائفة ركبها الكثيرون، أو وصولية تتطلع إلى البروز والظهور والمناصب، بل كانت النزاهة الذاتية والمجتمعية والوطنية، هي دأبه الأصيل، حتى آخر أيامه، مما يُلقي على عاتق الجميع، والنقاد والدارسين أيضاً، مسئولية أن يحظى نتاجه الزاخر بالاهتمام الذي يليق به، وأن يأخذ هو المكانة الصحيحة التي تليق برحلته وعطاءاته المختلفة، بعد أن تم تجاهل حفرياته المتنوعة في الوعي البحريني، على مستوى النقد والاحتفاء محليا، رغم ما تحظى به تلك الحفريات الإبداعية والفكرية من اهتمام واحتفاء خارج البحرين! إنها الفرصة المواتية لرد بعض الجميل، لمن نذر نفسه حقيقة وليس مجازاً، لهذا الوطن ولإيقاظ مكامن الوعي فيه، مجسداً بذلك نموذجاً مضيئا لحب الوطن والإنسان بعيداً عن أية مصلحة مهما كانت. ونترك الكثير من التفاصيل لنسردها، إن أسعفنا العمر، في مذكراتنا الخاصة.